البحث في البرامج
المشاركات الاذاعية


في حال الرغبة في المشاركة في برامج اذاعة طهران العربية هاتفياً يرجى املاء الاستمارة التالية:

برامج الاذاعة
عبارات و اشارات نسخة للطباعة
موضوع البرنامج:
  • الأديب السنائي وحكم حديقة الحقيقة -2
التاريخ: 2007-10-14 00:00:00

من اعلام وعمالقة الادب الفارسي الآخرين الشاعر المتصوف الشهير سنائي الغزنوي الذي وُلِدَ في مدينة غزنة في اواسط القرن الخامس الهجري.
كان سنائي في بداية شبابه شاعراً مدّاحاً في بلاط مسعود بن ابراهيم الغزنوي وفي بلاط بهرام شاه بن مسعود.
الا ان تغييراً جذرياً اعترى حياته بعد سفره الى خراسان والتقائه عدداً من كبار مشايخ الصوفية، فجنح الى الزهد، والعزلة، والتأمل، والتفكير في الحقائق العرفانية.
وكانت شخصيته الادبية والعرفانية قد اتخذت شكلها الحقيقي في هذه الفترة لاسيما بعد ان وفق الى انشاء ديوانه الخالد المشتمل على قصائده المشهورة في الزهد والوعظ والعرفان، ومنظوماته الشعرية الرائعة كحديقة الحقيقة، وطريق التحقيق، وسير العباد، وكارنامه بلخ وما شابه ذلك من روائع في الادب الفارسي، فكان سنائي من اول من تطرق الى البحث في قضايا، ومسائل حكمية، وعرفانية في قصائده ومنظوماته الشعرية.
للشاعر سنائي تأثير لايمكن انكاره فيما يتعلق بتغيير اسلوب الشعر الفارسي، وخلق نوع من التجديد والتنويع فيه، صحيح انه عندما كان شاعراً مداحاً في بداية مسيرته الشعرية قلّد اسلوب شعراء العصر الغزنوي الاول خاصة اسلوب عنصري وفرّخي.
الا ان اشعاره في العصر الغزنوي الثاني الذي تزامن مع فترة التغيّر والتكامل المعنوي الذي طرأ على حياته مشحونة بالمصطلحات، والحقائق العرفانية والحكمية والافكار الدينية التي تُركز على وعظ العباد، وتحثهم على الزُهد، وترك التكالب على المكاسب الدنيوية، كما كثر في اشعاره في هذه المرحلة الشعر التمثيلي الذي يمتاز بفصاحته وجزالته.
اكثر سنائي في قصائده واشعاره من استعمال المفردات والتراكيب العربية، كما ازدان كلامه بالاشارات والتلميحات المختلفة للاحاديث والآيات القرآنية، وبالتمثيلات، والاستدلالات العقلية، والاستنتاجات المستوحاة منها لاثبات مقاصده واهدافه.
كما كثرت في اشعاره ايضاً المصطلحات العلمية المتعلقة بمختلف علوم عصره والتي كان على المام بها، لذلك نجد ان الكثير من ابياته جاءت صعبة، وبحاجة الى شرح وتفسير.
وقد كان هذا الاسلوب الذي ابتكره سنائي بداية تحوّل كبير في الشعر الفارسي، واحد الاسباب الرئيسية التي حدت بالشعراء الى ان يعزفوا عن طرح الامور والموضوعات البسيطة، والايضاحات العادية الى الاهتمام بمسائل اكثر صعوبة من خلال قصائد طويلة تتناول موضوعات كالزهد، والوعظ، والحكمة، والعرفان، والاخلاق.
وهكذا فلابد من الاقرار بان كلام سنائي امتاز بالانسجام والمتانة اضافة الى الدقة في انتقاء الكلمة، والتراكيب الجديدة، والمهارة في كيفية استخدامها لصياغة معان جديدة ومبتكرة.
وهذه الميزة كانت سبباً في عدم تمكن فحول الشعراء من تقليد هذا الشاعر المبدع كما سنرى ذلك في النماذج التي سنقدمها لكم مترجمة نظماً بعد الفاصل من رائعته الخالدة حديقة الحقيقة، بالاضافة الى ديوانه.
في قصيدة تحمل عنوان (منزل الحوادث) يحثّ سنائي مخاطبيه على الزهد في هذه الدنيا الدنية، ويطلب منهم التسامي عليها، وان يشحذوا هممهم من اجل الانتصار على الشيطان.
ذلك لان الدنيا هي دار بلاء، وهي الدار التي تسمن وتتضخم فيها الابدان، على حساب ضعف وهزال العقول والارواح، كما يقرر ذلك في قوله المترجم شعراً الى العربية علماً ان هذه الترجمة لايمكن ان تغني عن الاصل:
ايّها القوم انهضوا، ولتصعدوا
فوق هذا الكن اطياراً قويّهْ
اشحذوا الهمّة، هيّا حلّقوا
مكمن الشيطان هذي الدنيويّهْ
وعلى البدر أقيموا نُزُلاً
واذا شئتم فهاتوا زُحَلا
ماتزالون بدنيا بَدَنٍ
شاحبٍ اَسْرى تعانون البلا
سَمِنَتْ ابدانكم انّما
عقلكم والروح ظلّا هَمَلا
ويقرر سنائي الغزنوي كما يقرر غيره من العرفاء والمتصوفة ان الروح هي نفحة علوية على الانسان ان ينأى بها عن المادة والتراب، وان يصبّ اهتمامه على تهذيبها، وتزكيتها، ويكفّ عن الاهتمام بالجسد ومتطلباته التي من شأنها ان تحدّ من انطلاقة الروح، وتجعلنا اسيرة في المَدَيات الدنيوية.
ويضرب الغزنوي لذلك مثلاً في روح عيسى عليه السلام التي تسامت نحو الملكوت الاعلى لطهرها ونقائها بعد ان تعالت على عالم المادة، وتحررت من اغلال وقيود المادة، كما يؤكد سنائي ذلك في قوله:
انّما ارواحكم قد كَمُلتْ
في دجىً خلف حجاب البدن
آنَ للارواحِ أن تلتفتوا
حسبُكم شغلاً بأمر البدنِ
روحُ عيسى لم تزل تدعو لأعلى
فلماذا همّكم دنيا الحوافر؟!
همُّكم صُبَّ بأمر سوف يَبْلى
أوَما الشهواتُ ربّاتُ المخاطر؟
كما تُرى قادتْ خُطاكم وتقودْ
من أسى شرٍّ الى شرٍّ جديدْ؟
كلّ ما تعطيه من حُلْوِ الوعودْ
ليس يبدي في غدٍ، لا لن يُعيدْ
ويخاطب صاحب حديقة الحقيقة في موضع آخر من منظومته الارواح بانها رمز الطهارة والعفة والنقاء، ويحضّ المتلقين منه على ان ينشطوا في الصعود والارتقاء الى الدرجات والمقامات التي تليق بانسانيتهم، والتي اعدها الخالق تعالى لهم.
وهو يطلب منهم ان يحكموا عقولهم في ذلك، وان يسلطوا اضواءه المنيرة الكاشفة على خفايا ودقائق الامور ليكتشفوا ان عليهم في نهاية المطاف ان يمزقوا حجب الغفلة، ويزيحوا غبار الانكباب على الزخارف الدنيوية، ويرفعوا الغشاوات عن قلوبهم وصدورهم، كما يقرر ذلك في الابيات التالية التي نختتم بها حلقتنا لهذا الاسبوع آملين ان نستكمل تجوالنا في رحاب هذه الرائعة في حلقة الاسبوع المقبل باذن الله:
ايّتها الارواح يا رمز الطهارة
انتِ مازلتِ بأكوام الترابْ
فمتى ترقين من دنيا الخسارهْ
ومتى القاكِ قد جُزْتِ السِحابْ؟
ايّها القومُ وهذا حالكمْ
خبّروا الغُفَّلَ من اهل الجسدْ
انّ في الاعلى مقاماتٍ لكمْ
حافلاتٍ بجلالٍ للأبدْ
في سماء العقل شمسٌ ان بدتْ
يستحيلُ التُرْبُ درّاً وذهبْ
فجر يوم الحشر ما اَبْعَدَهُ!
سوف يأتي بعد آلافِ الحِقَبْ
ايّها الاحياء هيّا وانهضوا
وانفضوا مارانَ من هذا الترابْ
آن والله لكم ان تنهضوا
وتزيلوا عنكمو ذلّ الترابْ
*******

يمكن الاستفادة من البرنامج مع ذكر المصدر (Arabic.irib.ir)