البحث في البرامج
المشاركات الاذاعية


في حال الرغبة في المشاركة في برامج اذاعة طهران العربية هاتفياً يرجى املاء الاستمارة التالية:

برامج الاذاعة
عبارات و اشارات نسخة للطباعة
موضوع البرنامج:
  • الحكيم الخيام ورباعيات الزهد والعرفان-4
التاريخ: 2007-10-01 00:00:00

يستمر الحكيم عمر الخيام في رباعياته الزهدية في تأكيد كون الدنيا فانية زائلة مع فناء وزوال كل شيء فيها حتى وان كان متمثلاً في الملوك والاباطرة رغم كل مظاهر قوتهم وجبروتهم من قصور فخمة، وجيوش مجيشة، وخدم وحشم، وحُكم وتسلط على العباد والبلاد.
فهذه المظاهر كلها مصيرها الزوال مهما طال امدها، وهي لابد ان تتحول الى حطام، وخرائب تسجع فيها الطيور، وتجول في ارجائها الوحوش معلنة ان الزوال هو مصير كل ما على وجه الارض، ومحذرة الانسان من الغرور والطغيان المؤدي الى الهلاك في الدنيا والآخرة، كما يقرر ذلك الخيام في قوله:
(ان ذلك القصر الامبراطوري الذي يناطح الفلك علّواً
وكان الملوك يضعون على بابه وجوههم
ويتوجهون اليه من كلّ صوب
رأيته وقد جلست على شرفاته ورقاء
وهي تسجع وتقول: أين؟ أين؟).

ومن جانب آخر يعلن الخيام ان الاجل، وبعبارة اخرى، الموت، هو سرّ الاسرار، ولغز الالغاز، هو المعمّى الذي لم يستطع احد حلّه، والقاهر الجبار الذي لم يكن بمقدور اي انسان مهما اوتي من اسباب القوة والعظمة ان يقهره، ويتغلب عليه كي يظل خالداً مستعصياً على الموت!
ويعلن الخيام في هذا المجال انه - كعالم وحكيم- استطاع ان يفسر جميع الظواهر الكونية، والمظاهر الحياتية بحيلة العلم، ودهاء الحكمة الا انه وقف عاجزاً مفحوماً امام حقيقة الموت القهارة التي لابد لكل انسان بل وكل ما على وجه البسيطة ان يواجهها، ويذوق مرارتها شاء ام أبى ...
يقول حكيمنا عمر الخيام في هذا الصدد:
(لقد حللت جميع مشكلات الكون الكائنة
بين حضيض التراب، وبين ذروة الزحل
وتخلّصت من عقدة كل مكر وحيلة الاّ عقدة الاجل!).

ويقرر الحكيم الخيامي انه كزاهد يشيع في جنبات نفسه الايمان بالخالقي تعالى، وتمتلئ روحه بالشعور بالتسليم امام قضاء الله وقدره، فانه لا يبالي الموت، وذلك باعتباره حقيقة، وباعتباره مرحلة لابد للانسان من ان يجتازها، الا ان الامر الوحيد الذي يخشاه، ويحسب له الحساب اكثر من الموت نفسه هو ان يواجه الموت والرحيل من هذه الدنيا دون ان يعدّ العدّة، ودون ان يهيئ الزاد من حسنات، ومن اعمال صالحة.
وكأنه يريد ان يعلن من خلال ذلك ان الانسان الحصيف العاقل ينبغي ان يكون همّه اعداد العدّة للموت لكي يكون موته هذا سهلاً هيّناً، ولكي يجتاز هذه المرحلة العسيرة بنجاح وتفوق محولاً اياها الى خطوة نحو الاحسان والافضل.
فلسنتمع الى الخيام وهو يحثنا على الاستعداد للموت:
(لا تظنّ اني اخشى فراق الدنيا
او اخشى الموت، وذهاب الروح
فبما ان الموت حقيقة، فاني لا ابالي به
ولكنني اخشى من سوء اعمالي!).

ويستمر الخيام في تزهيد الانسان بالدنيا، وفي مواجهة الموت بشجاعة مادام يموت مرة واحدة، فما دام الموت واحداً بجميع انواعه واشكاله، فلماذا كل هذا الحرص والتشبّت من الانسان بالدنيا، ولماذا كل هذا الخوف والفرق من الاجل، ولماذا كل هذا الاغتمام، والتحسّر على مغادرة الدنيا، وتركها.
فالانسان بموته لايترك في هذه الدنيا سوى جسدة الفاني الزائل الذي سيعمل فيه الدود، وتنخر فيه الآفات، ويتحول الى تراب ليعاد بعثه، وتتجدد صياغته يوم الحشر والنشور، فلماذا - اذن- كل هذا الفزع والرعب؟!
هكذا يخاطب الخيام الانسان قائلا:
(بما انك تموت مرة واحدة لا مرّتين
فما هذا العجز، وما هذه المسكنة والشقاء؟!
دمٌ ونجاسة وقبضة من عروق وجلد
افرض كأنها لم تكن، فما هذا الاغتمام؟!
ياربّ اني وان اذنبت ملء الارض
فان رجائي ان يأخذ عفوك بيدي
لقد قلت: اني آخذ بيدك يوم العجز
فلا تردني اعجز من حالي التي انا عليها الآن).

ويواصل الخيام مدّ يدّ الضراعة والتوسل في الرباعية الاخيرة من رباعياته الزهدية الاربعين، فيخاطب الخالق تعالى، بانه محيط بكل شيء، عالم بكل ما يدور في هذا الكون مهما صغر ودقّ، واقف على كل حركة وسكنة فيه.
وبانه الخالق الذي سبقت رحمته غضبه، وبذّ رضاه سخطه، والذي كتب على نفسه الرحمة، واخذ على ذاته المقدسة الصفح والغفران وخصوصاً في المواقف التي يبدو فيها الانسان عاجزاً، ذليلاً، لا حول ولا قوّة لديه سوى اللجوء الى خالقه، واللوذ بتلابيب عفوه، والتمسك بشآبيب رحمته ورفقه.
وفي ختام رباعياته الزهدية هذه، يرفع الخيام يديه بالدعاء والمناجاة، ويرنوا الى السماء بطرف الخضوع والتوسل الى الخالق سبحانه وتعالى، في ان يعفو عن ذنوبه وان كانت ملء الارض، ويصفح عن آثامه وخطاياه وان غمرت وجوده وكيانه.
ويتضرع اليه جل وعلا، في ان لا يرده خائباً عاجزاً مخذولا، وان يرفق به ويأخذ بيده في يوم العجز والفاقة، اليوم الذي لاينفع فيه مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم، وبزاد من التقوى والاعمال الصالحة.
والرجاء الذي يحدو الشاعر الى ان يطلب العفو والغفران من خالقه هو وعده تعالى للعباد بان يصفح عن ذنوبهم، ويكفّر عن سيئاتهم في مواقف العجز، وانعدام الحول والقوة، ولكن شريطة ان يحسن العبد الظن بالله عزوجل، وان تمتلئ نفسه بالثقة من الغفران وصفح الذنوب.
وبذلك يمدّ الشاعر مرة اخرى يد الالتماس والخضوع والضراعة الى بارئه وخالقه طامعا في غران الذنوب، والتجاوز عن الخطايا والسيئات، والتوفيق الى التوبة، وقبول العذر، فيرفع صوته بالدعاء قائلا:
(يا عالم اسرار ضمير كل عبد
ويا من يأخذ بيد كل عبد في حالة عجزه
ياربّ وفقني بالتوبة، واقبل عذري
يا معطي التوبة، وقابل عذر كل عبد).

*******

يمكن الاستفادة من البرنامج مع ذكر المصدر (Arabic.irib.ir)