البحث في البرامج
المشاركات الاذاعية


في حال الرغبة في المشاركة في برامج اذاعة طهران العربية هاتفياً يرجى املاء الاستمارة التالية:

برامج الاذاعة
عبارات و اشارات نسخة للطباعة
موضوع البرنامج:
  • الحكيم الخيام ورباعيات الزهد والعرفان-3
التاريخ: 2007-09-29 00:00:00

وكلنا امل في ان تمضوا معنا اوقاتاً حافلة بالفائدة والمتعة عند رحاب التراث الادبي الايراني المكتوب باللغة الفارسية.
فأهلاً ومرحباً، وندعوكم الى متابعة تجوالنا في جنبات ادب الحكيم عمر الخيام.
في رباعية اخرى من رباعياته الزهدية، يوجه عمر الخيام خطابه الى اهل الدنيا المتعلقين بزخارفها، وادرانها، المغترين بطول الامل، وبالاسباب الظاهرية فيقول:
(كم تكون اسير الكون والرائحة؟!
وكم تسير وراء القبيح والحسن؟
ستغور في جوف الارض ولو كنت عين زمزم او ماء الحياة!
الى متى الغمّ من اجل المال؟
وما هذه الحسرة لاجل الدنيا؟
أرأيت احداً عاش خالداً فيها؟!
ان هذه الانفاس العديدة في جسدك مستعارة
فينبغي ان تعيش مع المستعار كالمستعار!).

والدنيا وان طال امدها، وان عاش فيها الانسان لسنوات متطاولة عديدة، وزائلة لا تقوى على الثبات والدوام، فالافضل للانسان - اذن- ان يفكر في نهايتها، ومصيرها، وان يتصرف فيها بوحي من هذا التفكير، كما يقرّ ذلك الخيام في قوله:
(هَبْ ان الدنيا جرت بمرادك فيما هي النهاية؟
وهَبْ رسالة العمر مقروءة فما هي النهاية؟
افرضْ انك بقيت في الدنيا سعيداً مائة عام
وافرض انك عشت فيها مائة سنة اخرى فما هي النهاية؟).

ويرى الخيام ان الرزق مضمون للانسان، وان هذا الانسان يجب ان يكون على ثقة من ضمان الله عزوجل للرزق له، فلا ينحني لاحد، ولا يرشق ماء وجهه مستجدياً من الآخرين، ولا يذلّ نفسه لان في ذلك سوء ظن بالخالق تعالى، وعدم اعتماد عليه.
والقناعة هي التي يجب ان تكون رائد الانسان في ذلك، فهي سرّ العزةّ، وسبب الاستغناء عن المخلوق، وعدم التورط في ذلّ الحاجة اليه، كما يؤكد الخيام ذلك في قوله:
(اذا كان رغيفٌ في يومين حاصلَ الانسان
وجرعةُ ماء بارد من كوز مكسور ساعةً
فلماذا يُسلّم الزمام لشخص آخر
او يكون خادماً لانسان آخر مثله؟!
من يملك في الدنيا نصف رغيف، وعُشاً لسكناه
ولم يكن خادماً لاحد ولا مخدوماً
فقل له: عش فرحاً سعيداً
لان له دنيا طيبة!).

والدنيا من وجهة نظر الخيام وغيره من الزاهدين هي دار النَصَب والتعب، ومرتع الهموم والاحزان، ومجمع الآفات ومظاهر الظلم، ولهذا فان على الانسان ان لايتوقع الهناء والراحة فيها، كما يشير الى ذلك في رباعيته التالية:
(انّ العالم كلّه محنة، والايام غمٌ
وان الفلك كلّه آفة، والدنيا ظلم
واجمال القول: اني لما نظرت في شؤون هذا الكون
لم اجد احداً ذاق طعم الراحة، وان وُجد فقليل).

وبالجملة فان هذه الدنيا هي دار الارتحال، ودار الغفلة، وكل شيء فيها مصيره الزوال، والذهاب دون أوْبةٍ:
(ارى فوق الفراش اناساً نائمين
وأرى تحت الارض اناساً مختفين
وكلما انظر الى صحراء العدم
فأني ارى اناساً ذاهبين غير آيبين).

ومادام مصير كل شيء في هذا العالم الى التراب فلماذا هذا الغرور من قبل الانسان؟ ولماذا يتعالى على التراب الذي منه خُلق واليه يعود، ان هذا التراب الذي يسير عليه الانسان متعالياً، مَرِحاً ما هو الا ذرات اجساد الناس الآخرين الذين تركوا هذه الدنيا قبلنا...
لقد تحولوا جميعهم غنيهم وفقيرهم، وصغيرهم وكبيرهم، وقويّهم وضيعفهم الى ذرات من التراب، واضحوا سواسية بعد ان كان الغرور يملأ نفوسهم وارواحهم، فلماذا اذن كل هذا الغرور، ولماذا كل هذه الغطرسة؟ هكذا يتساءل الخيام قائلا:
(رأيت امس كوّازاً (خزّافاً) في السوق
يَركُل دون هوادة قطعة من الطين
فكان الطين يقول بلسان الحال:
لقد كنتُ مثلك انساناً،
فارفق بي، وعاملني بالحُسنى!
مررتُ بمصنع كوّاز فرأيته قائماً على العجلة
يصنع للدنّ والكوز عروة ورأساً
من رأس الملك ويد الفقير!
جئنا من العدم طاهرين فتوسّخنا
ودخلنا في الدنيا مرتاحين فصرنا مغمومين
كنا من ماء العين في نار القلب
فأضعنا العمر، وتوارينا في التراب!).

ومادام امر الدنيا كذلك، فليقتصد الانسان فيها، ولينظر اليها نظرة الاستصغار والاستهانة، فلا يركن اليها، ولا يعتمد على اسبابها الظاهرية، مادامت اشياؤها الى زوال، وما دام هو نفسه سيتحول فيها الى تراب، وسيقع تحت طائلة الآخرين، هكذا يدعو الخيام الانسان الى الزهد والاقتصاد قائلا:
(طِبْ نفساً بما يسّره الله لك وقدّره
فان العالم سينقضي، وتمسي الروح نّواحة دون الجسد
وان هذه الجماجم التي تراها اليوم
ستقع تحت رَكل اقدام الكوّازين!).

ويشير الخيام الى تغير احوال الدنيا، وتردد الناس المستمر فيها، وعدم دوام ملكها لأحد، فاذا بالملوك يذهبون ويأتون، متحولة قصورهم في النهاية الى خرائب تسكنها الطير، وتجول في ارجائها الوحوش:
(هذا القصر المسمّى بالعالم
والمستقرّ الأبلق للصباح الوضّاء والليل المُظلم
هو محفل بقي من مائة جمشيد
وقصر كان مُتكأً لمائة بهرام
طُورٌ رأى مائة الف موسى
ودَيْرٌ رأى مائة الف عيسى
وقصرٌ تركه مائة الف قيصر
وايوانٌ رأى مائة الف كِسرى
ان ذلك القصر الذي تناول فيه جمشيد الكأس
ولدتْ فيه الغزالة، واستراح فيه الثعلب
هل رأيت بهرام الذي كان يحتضن القبر طول عمره
كيف احتضنه القبر؟!).

*******

يمكن الاستفادة من البرنامج مع ذكر المصدر (Arabic.irib.ir)