البحث في البرامج
المشاركات الاذاعية


في حال الرغبة في المشاركة في برامج اذاعة طهران العربية هاتفياً يرجى املاء الاستمارة التالية:

برامج الاذاعة
عبارات و اشارات نسخة للطباعة
موضوع البرنامج:
  • الملوك في حكايات سعدي الشيرازي
التاريخ: 2007-03-04 00:00:00

من بين الحكايات والقصص الطريفة الاخرى التي يرويها لنا سعدي الشيرازي في كتابه (جُلستان) او روضة الورد في مجال الطرائف والنوادر المروية عن الملوك، والحكاية المعبرة التالية التي ندعوكم للاستماع اليها:
قالوا لهُرمُز صاحب التاج: ما هو الخطأ الذي رأيته من وزراء ابيك حتى امرت بحبسهم جميعاً، فقال: ما عرفتُ منهم خطأ، ولكن رأيتُ مهابتي شديدة على قلوبهم، وانّهم ليسوا معتمدين اعتماداً كلياً على عهدي، فخشيتُ ان يلحقني من خوفهم الضررُ، فيقصدوا هلاكي، فعمِلْتُ اذن بقول الحكماء حيث قالوا:
من بات يخشاك فاخشَ الفتكَ منه ولو
عليه بالحربِ ألفاً فُزتَ بالظفرِ
اما ترى الهرَّ معْ ضَعْفٍ به ربّما
نالت مخالبُه من مُقْلَةِ النَّمِرِ
وربّما تلدغُ الافعى مُصادِفَها
كي لا يَحطم منها الرأسَ بالحجرِ
وكثيراً ما كان سعدي يحثّ في روضة ورده الملوك والحكام على التخلي عن الظلم، ورعاية العدل في الرعية، لكي يُرْحَموا هم بدورهم، ويحظوا بالعدل والانصاف من قبل غيرهم اذا ما تغيّرت بهم الاحوال، وانقلب الزمان عليهم، كما نرى ذلك في الحكاية الطريفة التي شاهدها سعدي بنفسه اثناء اقامته بدمشق:
(اعتكفت في بعض السنين بجانب تربة يحيى عليه السلام بالمسجد الجامع بدمشق، واتّفق ان جاء للزيارة احدُ الملوكِ وكان معروفاً بالظلم والبطش، وبعد ان صلّى وتضرّع لقضاء حاجته التفت اليّ وقال: مِن هذا المقامِ الذي هو مبعث همّة الدراويشِ، وصدق معاملتهم وجّه الخاطر بمرافقتي فانني في تفكّر ووسواس من عدوّ لي صعب المراس، فقلت له: ارْحمْ ضَعْفَ رعيّتك حتى لا ترى صعوبةً من قوّة عدوّك!).
ويعلّق سعدي على هذه الحكاية المفعمة بالدروس والعبر بأبيات يصف من خلالها حال الملوك الظلمة وكيف انهم لابد وان يذوقوا وبال ظلمهم هذا اذا ما استمروا فيه، ولم يرعووا عنه، ولم ينهوا النفس عن الهوى.
يقول سعدي في هذه الابيات الفارسية الاصل، والمترجمة الى العربية:
أبقوّةٍ في ساعدَيْكَ ولكمةٍ
بالجُمعِ تَخضُدُ شوكة الضعفاء؟!
خَفْ ان وقعتَ ولم تجِدْ لك راحماً
او مَن يَمُدَّ اليك كفَّ ولاءِ
من يزرع الفعل القبيح ويرتجي
طيبَ الجِنى يحصدْه شرَّ جَناءِ
فاليَّ ألقِ السمعَ واعدل في الورى
اوْ لا فيومُ الحشرِ يومُ جزاءِ
ويشحن لنا مشرف الدي الشيرازيروضة ورده في الباب الثاني الذي يحمل عنوان (في اخلاق الدراويش) اي الزهاد والمنقطعين عن الدنيا، بالقصص والحكايات، والابيات الشعرية التي تقطر فصاحة وحلاوة وبلاغة، وتشيع منها الحِكَمُ والدروس والعبر، فيبدؤها بالحكاية التالية:
قال رجلٌ من الكبراء لأحد العُبّاد: ماذا تقولُ بحقّ فلان العابد، فانّ اناساً ألحّوا عليه بالطعن، فقال: ما رأيتُ عيباً في ظاهره، وليس عندي علم بما في باطنه.
ويقدّم لنا سعدي العبرة من هذه الحكاية في قالب شعري فيقول:
عُدَّ في الصالحين من بان منه
زيُّ أهل الصلاح من غير طعنِ
أفتدري ماذا يكنًّ؟ وظلمٌ
ان تُجاسَ الديارُ من دونِ اذنِ
ومن عهد طفولته يروي لنا الشيرازي موقفاً طريفاً اتفق له مع والده وقد استضاف جماعة في داره، هذا الموقف الذي ظلّ عالقاً في ذاكرة سعدي معلّمِاً ايّاه درساً كبيراً في الاخلاق، والتعامل مع الآخرين بالحسنى، وعدم الاغترار بالعبادة، يذكره لنا سعدي في سياق حديثه عن اخلاق الدراويش قائلا:
لا ازال اكثر انني كنت في عهد طفولتي مولعاً باحياء الاسحار زاهداً متقياً. وفي ذات ليلة قعدتُّ لخدمة ابي والمصحفُ الشريف في حجري اقرأ منه ما شاء الله ان اقرأ، ولم ينطبق لي جفنٌ على جفنٍ، وكان الجماعة الذين اتوا للسمر عندنا قد غرقوا في نومهم فقلتُ لأبي: انّ ايّاً من هؤلاء لم يرفع رأسه، ولم يتهجّد بركعتين، ولقد استغرقوا في نومهم فكأنما هم امواتٌ. فقال لي: يا روحَ ابيك، انت ايضاً لو انك نمت لكان خيراً لك من ان تمزّق جلودَ خلق الله، وتنهش لحمهم!.
ويذيّل سعدي هذه الذكرى التي سطّرها لنا منشداً:
ما ان يرى المدّعي للناس موهبةً
لانه من غرور النفسِ في حُجُبِ
ولو رآهم بنور الله كان رأى
لعجزه نفسه في أحقرِ الرُّتَبِ
وفي باب ان الموت قضاء مقدّر من الله، وانّ له اجلاً محتوماً لايستقدم ساعة ولا يستأخر وان واجه الانسان المصائب والمخاطر والاهوال وكل ما يُعرّض النفس للهلاك والتلف، وان الراحة والعافية والسلامة ليست دائماً مُمِدّة في عمر الانسان، يسوق لنا سعدي الشيرازي القصة الطريفة التالية عن احد دراويشه نختتم بها حلقتنا لهذا الاسبوع:
خرجتْ قافلة من الكوفة تريد الحجاز فرافقها رجلُ عاري الرأس حافي القدمين طَروبٌ لم يفتر عن الترنّم، فقال له راكبُ جملٍ يبدو عليه الغنى: ايّها الدرويش اين تذهب، عُدْ ادراجَك لئلا يضنيك التعب فتهلك، ولم يلتفت اليه ومشى ضارباً في البادية على قدميه، حتى اذا انتهوا الى موضع ادرك الاجلُ ذلك الراكب فمات!
فوقف الدرويش عند رأسه وقال: نحن مع شدّة التعب لم نمت، وانت مع الراحة مُتَّ، وانشد:
بكى صحيحٌ مريضاً طولَ ليلته
وحين أصبح اودى والمريض نجا!
*******

يمكن الاستفادة من البرنامج مع ذكر المصدر (Arabic.irib.ir)