البحث في البرامج
المشاركات الاذاعية


في حال الرغبة في المشاركة في برامج اذاعة طهران العربية هاتفياً يرجى املاء الاستمارة التالية:

برامج الاذاعة
عبارات و اشارات نسخة للطباعة
موضوع البرنامج:
  • فوائد السفر في مقامات بديع الزمان
التاريخ: 2007-07-21 00:00:00

ذكرنا في حلقة البرنامج الماضية ان عيسى بن هشام راوية بديع الزمان الهمداني قد انتهى به التطواف والتجوال ذات يوم الى ارض اذربيجان، بعد ان اتُهم في ماله، ودارت حوله الشكوك في مصدر رزقه وذلك عندما اثرى فجأة، وتكدست لديه الاموال على حين غرة، فاضطر الى مغادرة ارضه ودياره، ليتشرد في الآفاق مرة اخرى كما يحدثنا في عباراته البليغة الانيقة التالية:
(لمّا نطقني الغنى بفاضل ذَيْله، اتُّهمْتُ بمالٍ سَلْبته، او كنزٍ أُصبتُه، فحفزني الليل، وسَرَتْ بي الخيلُ، وسلكتُ في هربي مسالك لم يَرُضْها السير، ولا اهتديت اليها الطير، حتى طويتُ ارض الرُعْبِ، وتجاوزتُ حدّه، وصرتُ الى حِمى الامنِ ووجدتُ بَرْدَه، وبلغتُ اذربيجانَ وقد حَفِيَتْ الرواحلُ، واكَّلَتْها المراحلُ، ولمّا بلغتُها:
نزلنا على انّ المقام ثلاثةٌ
فطابَتْ لنا حتّى اَقمنا بها شَهْرا
)
ويستمرّ البديع سرد احداث رحلته المزعومة هذه بعبارات، وجمل، واساليب ان دلت على شيء فانما تدل على سعة اطلاعه، وغزارة علمه في العربية وآدابها وعلومها، وانه انما قصد ان يجعل من مقاماته دروساً لتعليم المتأدبين اساليب البيان، والمفردات والكلمات التي تليق بكل تعبير وكلام، كما نرى ذلك في هذا الدعاء الذي اجراه على لسان بطل مقاماته التقليدي ابي الفتح الاسكندري، حيث رآه في احد الاسواق يرفع عقيرته بالدعاء لمن يتصدّق عليه، ويمنّ عليه بقضاء حاجته، قائلا:
(... اللهمّ يا مُبْدئ الاشياء ومعيدها، ومحيي العظام ومبيدها، وخالق المصباح ومديره، وفالق الاصباح ومنيره، ومُوصِل الآلاء سابغة الينا، وممسك السماء ان تقع علينا.. اسألك الصلاة على سيّد المرسلين محمد وآله الطاهرين، وان تعييني على الغربة أُثْني حبلها، وان تُسّهِلَ لي على يديْ مَنْ فَطَرَتْهُ الفطرةُ، واطْلَعَتْهُ الطُّهْرَة، وسَعِدَ بالدين المتين، ولم يَعْمَ عن الحق المبين راحلةً تطوي هذا الطريق، وزاداً يسعني والرفيق...).
ولشدّ ما يُدْهش عيسى بن هشام بفصاحة ابن السبيل هذا، وذلاقة لسانه، وقدرته على تصريف وجوه الكلام دون ان يصيبه التعب، ويشك في لحظة من اللحظات بانه شيخه واستاذه ابو الفتح الاسكندري، فيدقق النظر ويقلب الطرف فيه، وسرعان ما يكتشف انه ابو الفتح بعينه، فيهتف به وقد اخذ منه العجب كلّ مأخذ، وذهبت به الدهشة المذاهب:
(... يا ابا الفتح بلغ هذه الارض كيدُكَ، وانتهى الى هذا الشّعْبِ صيدُك؟
فما كان من ابي الفتح هذا الا ان انشد قائلاً كعادته في نهاية كلّ مقامه:
أنا جوّالةُ البلادِ
وجوّابةُ الافقْ
أنا خُذْروفَةُ الزَّمانِ
وعمّارةُ الطُرُقْ
لاتَلُمني لك الرَّشادُ
على كُدْيتي وذُقْ
)
وفي المقامة الاصفهانية يبدو لنا بديع الزمان الهمداني كاتباً بارعاً في السخرية، وتصوير المواقف الضاحكة وهدفه من وراء ذلك نقد بعض من الظواهر الاجتماعية المدانة التي لايتقبلها الدين، ولاتسمح بها الشريعة، ولا يرتضي بها العقل والمنطق من مثل الغلو في الدين، واطالة صلاة الجماعة الى درجة تخرج بعض المصلين ممن لديهم بعض الامور الهامة التي عليهم انجازها والتي من الممكن ان تفوتهم اذا ما تأخّروا عنها، ولذلك فقد حثت الروايات والاحاديث على استحباب عدم اطالة صلاة الجماعة، وعدم التثقيل بها على المصلّين انطلاقاً من مبدأ الشريعة السمحة الثابت في عدم تحميل الانسان مالايطيقه.
يقول بديع الزمان في هذه المقامة الطريفة التي تدلنا على قدرته البارعة على تصوير المواقف واقتناص المفارقات، والتناقضات:
(كنتُ باصفهان اعتزم المسير الى الريّ، فحللتُها حلول الفيّ، اتوقّع القافلة كلّ لمحة، واترقّب الراحلة كلّ صَبْحة، فلمّا حُمَّ ما توقعته، نودي للصلاة نداء سمعته، وتعيّن فرض الاجابة، فانسللت من بين الصحابة، اغتنم الجماعة ادركها، واخشى فوت القافلة اتركها، لكني استعنت ببركات الصلاة على وعثاء الفلاة...).
خصوصاً وان امام الجماعة قد اطال صلاته، في حين كان عيسى يخشى ان تفوته القافلة، ومما زاد الطين بلّة ان احد المصلين نهض من مكانه بعد الصلاة مباشرة طالباً من المصلين ان يلزموا اماكنهم مدعياً انه رأى النبي صلى الله عليه وآله في منامه، وانه صلى الله عليه وآله قد علمه دعاء اوصاه ان يعلّمه امّته.
ولا يلبث عيشى بن هشام ان يكتشف ان هذا المدّعي هو ابو الفتح الاسكندري الذي التجأه في هذ المرة الى اسلوب المتاجرة بالدين في سبيل استجداء رزقه، واستدرار الدراهم من غيره.
وشبيه بهذه المقامة في الاسلوب الهزلي الساخر، المقامة (البغدادية) التي يبدو لنا فيها عيسى بن هشام رجلاً محتالاً، لايقل احتيالاً عن ابي الفتح الاسكندري نفسه، حيث يصور لنا في هذه المقامة كيف ان الجوع داهمه وهو في بغداد، وكيف انه اضطر الى النصب والاحتيال في سبيل سدّ جوعه من خلال استغلال بعض من بسطاء الناس:
(اشتهيت الازاذ (نوع من جيّد من التمر)، وانا ببغداذ، وليس معي عقد على نقد، فخرجت انتهز محالّه، حتى احلّني الكرخ، فاذا بسواديّ يسوّق بالجَهْد حِمارَه، ويُطرّف بالعقد ازاره، فقلت: ظفرنا والله بصيد، وحيّاك الله ابا زيد، من اين اقبلت، واين نزلت، ومتى وافيت، وهُلَمّ الى البيت، فقال السواديّ: لست بأبي زَيْد، ولكني ابو عُبَيْد، فقلت: نعم، لعن الله الشيطان، وابعد النسان، أنسانيك طول العهد، واتصال البُعد، فكيف حال ابيك، أشابُ كعهدي، أم شاب بعدي؟...).
ويجيب هذا الرجل المسكين الذي ابتلي برجل من مثل عيشى بن هشام قائلاً:
(قد نبت الربيع على دِمْنته، وارجو ان يصيّره الله الى جنّته، فقلت: اِنّا لله وانا اليه راجعون، ولا حول ولا قوّة الاّ بالله العلي العظيم، ومددت يد البدار الى الصّدار اريد تمزيقه، فقبض السواديّ على خَصْري بجُمْعه، وقال: نشدتّك الله لا مَزَّقته، فقلت: هلمّ الى البيت نُصِبْ غداءً، او الى السوق نشتر شواء، والسوق اقرب، وطعامه اطيب...).
ويقع هذا الرجل المسكين في شباك حيلة عيسى بن هشام.
*******

يمكن الاستفادة من البرنامج مع ذكر المصدر (Arabic.irib.ir)