البحث في البرامج
المشاركات الاذاعية


في حال الرغبة في المشاركة في برامج اذاعة طهران العربية هاتفياً يرجى املاء الاستمارة التالية:

برامج الاذاعة
عبارات و اشارات نسخة للطباعة
موضوع البرنامج:
  • ابن مسكوية المؤرخ وكتابه "الحكمة الخالدة"
التاريخ: 2007-07-03 00:00:00

مستمعينا الافاضل! سلام من الله عليكم ورحمته وبركاته، واهلاً ومرحباً بكم في حلقة اخرى من حلقات برنامجكم الاسبوعي (عبارات واشارات).
حيث نلتقيكم عند رائعة اخرى من روائع التراث الاسلامي التي سطرها عمالقة الفكر والمعرفة والادب في بلاد ايران.
اخوتنا المستمعين! كتاب (الحكمة الخالدة) او (جاويدان خِرَد) لمؤلفه الفيلسوف والمؤرخ الاسلامي الكبير ابي علي احمد بن مِسكويه.
يمثل معطى آخر من المعطيات الكثيرة الغزيرة للمسلمين في مجال الحضارة والفكر الاسلامي الاصيل.
وهو كتاب توفر فيه مؤلفه على جمع واستعراض الحكم والامثال المأثورة عن شعوب وامم الارض وخصوصاً تلك التي كان لها باع طويل في هذا المضمار كالفرس والهنود، والعرب، والروم.
ذلك لان الشرق يعد موطن الامثال والحكم القصيرة والكلمات العامرة بمعاني الحكمة في الحياة، فهو يقدس الكلمة لكونها تمتلك سحراً خاصاً في الروح الشرقية تستهويها وتجد فيها العزاء عن الواقع الاليم الذي تحيا فيه تاريخياً.
فالاستبداد الذي كان يمثل نوع الحكم السائد في البلاد الشرقية لم يجد متنفساً له لدى المستضعفين في الارض، والمغلوبين على امورهم الاّ عن طريق هذه الكلم القصار يرسلونها كالسهام المسمومة في صدور الحكام.
ومن هنا كثرت النصائح المتصلة بالحكام والولاة والملوك، تارة تكون على هيئة مواعظ توجه اليهم ليهدّؤوا من طغيانهم ويراعوا جانب الرعية البائسة، واخرى على شكل حكم صادرة من هؤلاء الملوك والحكام انفسهم يتظاهرون من خلالها بالتفكير عما تجترحه ايديهم من مآثم في حق الرعية.
ونحن واجدون في هذا الكتاب كثيراً من الحكم المنسوبة الى الملوك والى بعض ملوك الفرس بخاصة مثل كسرى انوشروان، وكسرى قباذ ووزرائهم، وهي من ذلك النوع من الادب العام الشائع في هذه الاوساط، ومما اُلّف بعد زمان اصحابها بأجيال طوال.
وقد كانت الدواعي الى جمعها، وتقديمها من خلال تلك المؤلفات كثيرة منها انها موجهة في حقيقتها الى الحكام المعاصرين للمؤلفين الذين كانوا يسومون رعيتهم سوء العذاب، وقد قدمها الجامعون لها اسداء للنصح، وتوجيهاً لهم وجهة الخيرة، وطمعاً في انابتهم الى الرشد والهدى.
اعزتنا المستمعين! واما جامع هذا الكتاب فهو احمد بن محمد بن يعقوب الملقب بـ (مِسكويه) ويطلق عليه ايضا اسم (ابي علي الخازن)، وهو ايضا صاحب الكتاب المعروف تجارب الامم.
وقد درس مسكويه التاريخ، فقرأ تاريخ الطبري على ابي بكر احمد بن كامل القاضي المتوفى سنة 350 هـ والذي كان صاحب ابي جعفر الطبري، فسمع منه شيئاً كثيراً، ولطالما اجتمع به.
كما درس مسكويه علوم الاوئل خصوصاً على يد ابن الخمار الذي كان واسع الاطلاع على علوم الاوائل وخصوصاً المنطق والطب حتى سمّي (بقراط الثاني).
ويروي مسكويه عن نفسه في كتابه تجارب الامم انه صحب ابن العميد سبع سنين لازمه فيها ليلاً ونهاراً، اذ اتخذه ابو الفضل ابن العميد خازناً لكتبه، فقام على هذا العمل خير قيام، حتى انه انقذ خزانة كتبه حينما هجمت الخراسانية على دار الاستاذ الرئيس ابن العميد، وقامت بنهب داره واصطبلاطته وخزائنه الى ان اتى الليل، وانصرفوا، وكانت اليه خزانة كتبه فسلمت من بين خزائنه ولم يتعرض لها.
فلما انصرف ابن العميد الى منزله ليلاً لم يجد فيه ما يجلس عليه ولا كوزاً واحداً يشرب فيه ماء، واشتغل قلبه بدفاتره ولم يكن هناك شيء اعزّ عليه منها، وكانت كثيرة فيها كل علم، وكل نوع من انواع الحكم والآداب تحمل على مائة وَقْر وزيادة، فلما رأى ابن العميد مسكويه سأله عنها، فقال: هي بحالها لم تمسّها يد، فسُري عنه، وقال له: اشهد انك ميمون النقيبة.
ومن هنا لقب مسكويه باسم الخازن اي، خازن الكتب، ولاشك انه افاد كثيراً من هذه الخزانة في كتابة التاريخ، ومن شخصيات فكرية عظيمة كانت تحضر مجلس ابي الفضل ابن العميد.
ثم خدم مسكويه من بعده ابا الفتح علي بن محمد بن العميد الملقب بذي الكفائتين، ولعله ان يكون قد لحق بخدمة عضد الدولة ابي شجاع فناخسرو اكبر بني بويه، وقد وُلِيَ ابو شجاع هذا سلطنة فارس بعد عمه عماد الدولة، ثم استولى على العراق والجزيرة، وكان اول من خُوطب باسم ملك في الاسلام، واول من خطب له على المنابر في بغداد بعد الخليفة.
واستمر مسكويه يتنقل في خدمة بني بويه، وكان على صلة وثيقة خصوصاً ببهاء الدولة ابي نصر بن عضد الدولة بن ركن الدولة صاحب العراق وفارس، وقد حكم بضعاً وعشرين سنة.
ويبدو ان مسكويه عمّر طويلاً، ان توفي عام 421هـ بعد عمر ناهز المائة عام بعد ان خلف لنا تراثاً تاريخياً، وفلسفياً، واخلاقياً هائلاً نذكر منه على سبيل المثال كتابي الفوز الاكبر، والفوز الاصغر في الاخلاق، وكتاب تجارب الامم في التاريخ، وانس الفريد وهو كتاب يتضمن اخباراً واشعاراً وحكماً وامثالاً، وكتاب تهذيب الاخلاق وتطهير الاعراق الذي يعد من اشهر كتبه.
احبتنا المستمعين! الامر الذي اجمع المؤرخون على مدحه لدى مسكويه هو الشعر والنثر، واما نثره فيتسم بالوضوح ورقة الالفاظ، في حين يتميز ما رُوي عنه من شعر بانه من النوع المتوسط الذي لم يستطع ان يبلغ به شأو الشعراء من الدرجة الاولى.
واما كتاب جاويدان خِرَد او الحكمة الخالدة الذي نريد ان نستعرضه في بعض من حلقات هذا البرنامج نظراً الى طرافته وشمولته، فقد استهله مسكويه بترجمة الحسن بن سهل لكتاب جاويدان خرد الذي خلفه هوشنج الملك وصية على خلفه، ونقله من اللسان القديم الى اللسان الفارسي كنجور بن اسفنديار وزير ملك ايران شهر، ونقله الى العربية الحسن بن سهل اخو الفضل بن سهل، ذي الرئاستين.
حيث يروي لنا احمد بن مسكويه في مقدمة كتابه هذا قائلا:
(انني قرأت في الحداثة كتاباً لابي عثمان الجاحظ يعرف بـ (استطالة الفهم) يذكر فيه كتاباً يعرف بـ (جاويدان خِرَد)، ويحكي كلمات يسيرة فيه، ثم يعظمه تعظيماً يخرج فيه عن العادة في تعظيم مثله، فحرصت على طلبه في البلدان التي جُلت فيها، حتى وجدته بفارس عند موبذان موبذ (اي رئيس الكهنة)...).
ثم يحدثنا مسكويه بعذ ذلك عن محتويات هذا الكتاب وموضوعاته، وكيف انه اضاف الى مادته الكثير من وصايا وحكم الامم الاخرى فيقول:
(... فلما نظرت فيه وجدت له اشكالاً، ونظائر كثيرة من حكم الفرس والهند والعرب والروم، وان كان هذا الكتاب اقدمها واسبقها بالزمان، فانه وصية اوشهنج (اي هوشنج) لولده، وللملوك من بعده، وهذا الملك كان بُعَيْد الطوفان، وليس يوجد لمن كان قبله سيرة ولا أدب يستفاد...).
ويستأنف مسكويه قائلا: (... فرأيت ان انسخ هذه الوصية على جهتها، ثم الحق بها جميع ما التقطته من وصايا وآداب الامم الاربع، اعني الفرس والهند والعرب والروم ليرتاض بها الاحداث، ويتذكر بها العلماء ما تقدم لهم من الحكم والعلوم، والتمست بذلك تقويم نفسي ومن يتقوّم به بعدي، وغرضي الاقصى فيه الاجر والمثوبة من الله عزوجل وهو ولي الخيرات والمثيب على الحسنات، ولا قوة الا بالله...).
اخوتنا المستمعين الافاضل! ويبتدئ مسكويه الحكم والوصايا والامثال التي جمعها في كتابه بذكر تلك المنسوية الى اوشهنج الذي سبقت الاشارة اليه، وخصوصاً تلك المتعلقة ببيان اهمية الحكمة والمعرفة، فيقول في هذا الصدد:
(من الله المبتدأ، واليه المنتهى، وبه التوفيق، وهو المحمود، من عرف الابتداء شكر، ومن عرف الانتهاء اخلص، ومن عرف التوفيق خضع، ومن عرف الافضال أناب بالاستسلام والموافقة...).
(... اما بعد فان افضل ما أُعطي العبد في الدنيا الحكمة، وافضل ما اعطي في الاخرة المغفرة، وافضل ما اعطي في نفسه الموعظة، وافضل ما سأل العبد العافية، وافضل ما قال كلمة التوحيد. ورأس اليقين المعرفة بالله، وملاك العلم العمل، واعمال البرّ على اربع شعب: العلم، والعمل، وسلامة الصدر، والزهد...).
واما بالنسبة الى العلم اخوتنا المستمعين فان مسكويه يقرر انه انما يكون بمعرفة السنن والعمل على ضوئها، واما العمل فيكون باصابة تلك السنن، وسلامة الصدر تتحقق باماتة الجسد، والزهد يكون من خلال الصبر.
واما جماع امر العبادة فيكون في اربع خصال هي: العلم، والحلم، والعفاف، والعدالة، فالعلم بالخير للاكتساب، وبالشر للاجتناب، والحلم في الدين للاصلاح، وفي الدنيا للكرم، والعفاف في الشهرة للرزانة، وفي الحاجة للصيانة، والعدالة في الرضا، والغضب للقسط.
اعزتنا المستمعين! كونوا في انتظارنا في حلقة الاسبوع المقبل باذن الله عند طائفة اخرى من الوصايا والحكم التي تضمنها كتاب الحكمة الخالدة لمسكويه.
فحتى ذلك الحين نستودعكم العلي القدير، والى الملتقى.
*******

يمكن الاستفادة من البرنامج مع ذكر المصدر (Arabic.irib.ir)