البحث في البرامج
المشاركات الاذاعية


في حال الرغبة في المشاركة في برامج اذاعة طهران العربية هاتفياً يرجى املاء الاستمارة التالية:

برامج الاذاعة
عبارات و اشارات نسخة للطباعة
موضوع البرنامج:
  • القصصية التأملية في أشعار العارف الرومي
التاريخ: 2007-06-25 00:00:00

اخوتنا المستمعين الكرام! سلام من الله عليكم ورحمته وبركاته، ومرحباً بكم في لقاء جديد يجمعنا معكم عند حلقة اخرى من برنامجكم الاسبوعي عبارات واشارات.
مستمعينا الاحبة! يصور جلال الدين الرومي - فيما يصور- سعيه الى المحبوب اي الخالق تعالى، في غزل على طريقة السؤال والجواب وهي طريقة اشتهر بها الشعراء الذين نظموا باللغة الفارسية وقوامها الحوار الذي يستخدم لعرض الفكرة المقصودة.
وبطريقة تعليمية يسرد لنا المولوي هذا الحوار وكأنه يريد ان يعلّم السالكين كيفية مناجاة الخالق سبحانه ومكاشفته، والدخول في حضرته، وما هي الدوافع التي من المفترض ان تدفعهم لسلوك هذا الطريق، والاهداف التي ينبغي ان ينشدوها.
حيث يقول جلال الدين في هذا الحوار الذي يتصوره داثراً بينه، وبين المعبود المحبوب:
(قال: من بالباب؟ قلتُ: عبد الوضيع
قال: فما شأنُكَ؟ قلتُ: أُقرؤك السلام ايّها العظيم
قال: فالى متى تلاحقُني؟ قلتُ: حتّى تدعوني
قال: فالى متى تبقى مضطرباً جائشاً؟ قلتُ: حتى القيامة
لقد اقمت دعوى الحبّ، واقسمت على ذلك
قال: انّ القاضيَ يريدُ شاهداً على الدعوى
قلتُ: انّ شاهدي دمعي، ودليلي شحوبُ وجهي
قال: فعلى ايّ شيء عزمت؟ قلتُ: على الوفاء والمحبّة
قال: فماذا تريدُ منّي؟ قلتُ: لُطفَك الشامل
قال: فمن كان رفيقك؟ قلتُ: خيالُك ايّها الملك!
قال: فأينَ الامان؟ قلتُ: انَه في الزهد والتقوى
قال: فما الزهد؟ قلتُ: انَه طريقُ السلامة)

ويصور المولوي في مقطوعة غزلية اخرى فكرة الوحي او الكشف والالهام التي هي السبيل الوحيد للمعرفة اليقينية عند العرفاء والمتصوفة بعيدا عن القال والقيل، وعن الاحكام الصارمة الجافة للعقل والمعرضة بين الحين والآخر للشك، والطعن في مصداقيتها نظراً الى احتمال ان يزلّ العقل ويخطأ.
هذا في حين ان القلب، والاحساس الباطني الوجداني، والالهام الذي يلقى في النفس النقية المتوجهة الى الخالق جل وعلا، والتي شملها الصفاء الالهي، واحاطت بها الشفافية الروحية، كل ذلك لا يمكن ان يخطئ، ولا يمكن ان يخترق ساحته الزلل والشبهة لان الاستنتاج في هذه الحالة سيكون سليم المقدمات، نقيّ الارضية. يقول مولانا جلال الدين في هذا الصدد:
(فخُذْ نورَهُ من آدمَ انْ شئتَ أو منه ان اردتَ
وخذْ الخمرَ من الابريق ان شئتَ
أو من الكأس ان ارَدْتَ؟
فانّ هذه الكأس وثيقة القربى بالابريق
فيا ايّتها الكأس المباركة! ليس هناك من هو سعيد مثلك!
فلقد قال المصطفى: طوبى لمن رآني وآمن بي
وطوبى لمن رأى من رآني
فحين يقتبس السراجُ نور الشمعة
فكلّ من رآه فقد رأى الشمعة يقيناً!
فلو انتقل النور على هذا النحو خلال مائة سراج
فرؤية آخر سراج ملاقاةٌ للأصل...)

اخوتنا المستمعين! ومن ان جلال الدين كغيره من الصوفية لا يحفل بالمباحث الكلامية، ولايراها موصلة الى معرفة يقينية، فقد تناول في شعره جوانب من المسائل الكلامية التي طال عنها الكلام والخلاف كمشكلة الجبر والاختيار وغيرها من القضايا العويصة في علم الكلام.
ولقد نظم الشعر عن الجبر والاختيار في عدة مواضع من المثنوي، واكد حرية الانسان، ومسؤوليته عن اعماله، فقد اكد في حوار حول القضاء والقدر بين مسلم ومجوسي ان الانسان حرّ الارادة، وانه لولا حرية ارادته لما كانت كل هذه الاوامر والنواهي التي حفل بها القرآن.
فليس من المعقول ان هذه الاوامر والنواهي وجّهت الى احجار، فلولا حرية الارادة لما كان لك ان تلوم لصّاً سطا على منزلك.
وعلى هذا النحو يمضي مولانا في تأييد حرية الارادة، دون ان يعني ذلك انه ينتمي الى مسلك كلامي معين، بل يعبر في ذلك عن آرائه، ووجهات نظره مما فتحه الله تعالى عليه خلال رياضاته الروحية الطويلة.
ولقد ذكرنا فيما سبق ان المثنوي يشتمل على بضع مئات من القصص طرح وعالج من خلالها الكثير من الموضوعات التعليمية والاخلاقية بالاضافة الى بعض من الموضوعات الكلامية والفلسفية.
ومن بين هذه القصص المعروفة التي اطال جلال الدين عندها المقام، وتميز بعرضه الجديد لها رغم انه استمدها من الكتب الاخلاقية والتعليمية التي سبقت المثنوي، قصة الارنب والاسد التي استطاع ان يخلق منها عملاً فنياً ضخماً.
وقد وردت هذه القصة في كتاب (كليلة ودمنة)، واستغرقت روايتها بضعة اسطر، حيث اخذ الرومي هذه القصة القصيرة فجعلها محوراً لالوان رائعة من الحوار، وهيكلاً ادار حوله مناقشات ممتعة عن السعي والتوكل، والقضاء والقدر وغير ذلك من المسائل.
ويمكننا ان نذكر على سبيل المثال بعض جوانب هذه القصة كما صورها الرومي، ولنبدأ بذكر الحوار الذي دار بين الوحوش وبين الاسد حيث ذهبت اليه تطلب منه الامان لقاء الحصول على رزق يوميّ يُرْسَلُ اليه. يقول مولانا في هذا الحوار:
(قالت جملة الوحوش: ايّها الحكيم العالم! دعْ الحذر فليس يغني عن قدر!
ان في الحذر الحيرة البالغة، والشر، فاذهب وتوكّل على الله، فالتوكل خير
ولا تضرب بقبضتك القضاء ايّها العنيف الحادّ
حتى لا يلتحم القضاء في صراع معك
فالمرءُ يجب ان يكون ميتاً امام الحق
والاّ جاءته الضربة من ربّ الفلق...)

ويحتج المولوي على لسان الاسد بسنة النبي صلى الله عليه وآله واحاديثه في ان التوكل المطلق، والتراخي، والتواكل لايمثل سلوكاً صحيحاً، بل على الانسان ان يأخذ في نفس الوقت الذي يتوكل فيه على الله سبحانه بالاسباب والمسببات، فيقول في هذا الصدد:
(فقال الاسد: اذا كان التوكّل هو المرشد الصادق
فان الافادة من الاسباب سنة النبيّ
فقد نادى الرسول بأعلى صوته ان اعقِلْ بعيرك وتوكّل على الله
واسمع الى مغزى قول القائل: (الكاسب حبيب الله)
ولا تكن بتوكلك متراخياً عن الاسباب والوسائل...)

مستمعينا الافاضل! وتجيب الوحوش على منطق الاسد في ضرورة الاخذ بالاسباب، والحذر من التراخي والتواكل، بالتأييد مرة اخرى على التوكّل متذرعة بان الانسان يجب ان يسلم امره حيال ما يقضيه له الخالق ويقدره فتقول:
(اعلم ان الكسبَ من ضعف الخلق
وانَه لقمةُ مزوّرةُ على قدرِ الخلق
فليس هناك كسب احسنُ من التوكّل
وايُّ شيء احبُّ الى الله من التسليم؟
فكم يفرُّ المرءُ من بلاءٍ ليقع في بلاء آخر
وكم يهربُ المرءُ من بلاء ليقع في بلاء آخر
لقد احتال الانسان فكانت حيلته شركاً وقع هو فيه
وكان موته فيما حسب انه حياته!
فقد اوصدَ البابَ والعدوُّ في منزله
وان حيلة فرعون لم تكن الا قصّةَ من هذا النوع
فهذا الحقودُ قتل الوفَ الاطفال
بينما كان الطفلُ الذي يبحث عنه في منزله!
انّ بصرنا يعالي الكثير من العلل
فاذهبْ وافنِ بصرك في بصر الحبيب...)

وتمضي الوحوش وهي تحاور ملك الغابة في الاستدلاك لمذهبها، وتأتي بالعديد من الحجج تأييداً لسلوكية التوكل، وحتمية القضاء والقدر، وكون الانسان مجبراً في الكثير من تصرفاته وافعاله، فتقول في هذا المجال:
(... ان ارواح البشر كانت قبل ان تخلق الايدي والارجل
تحلّق بوفائها في جوّ الصفاء
وعندما قُيّدت الارواحُ بأمره تعالى: (اِهْبطوا)
صارتْ اسيرة الغضب والحرص والرضى
انّا عيال الله نطلُبُ منه اللبن
وقد قال الرسولُ: (الخلق عيال الله)
فذلك الالهُ الذي يُنزِلُ الغيثَ من السماء
قدرٌ على ان يمنحنا الخبز رحمةً منه واشفاقاً...)

مستمعينا الاكارم! هذا الحوار الممتع الشيق نستكمله في حلقة الاسبوع المقبل ان شاء الله. فحتى ذلك الحين نتمنى لكم اطيب الاوقات والى الملتقى.
*******

يمكن الاستفادة من البرنامج مع ذكر المصدر (Arabic.irib.ir)