البحث في البرامج
المشاركات الاذاعية


في حال الرغبة في المشاركة في برامج اذاعة طهران العربية هاتفياً يرجى املاء الاستمارة التالية:

برامج الاذاعة
عبارات و اشارات نسخة للطباعة
موضوع البرنامج:
  • نظرة على ديوان "المثنوي" للعارف الرومي
التاريخ: 2007-06-20 00:00:00

احبتنا المستمعين! اجمل المنى واطيب التحايا نبعثها اليكم في لقاء جديد يجمعنا معكم مع برنامجكم التراثي الاسبوعي عبارات واشارات. دقائق مفيدة وممتعة نرجو ان تمضوها معنا اخوتنا المستمعين.
ينقسم ديوان المثنوي لجلال الدين الرومي الى ستة مجلدات تضم ما يقرب من خمسة وعشرين الف بيت، علماً ان تسمية الكتاب لا تتصل بموضوعه بل بشكل قوافيه، فهي تسمية شكلية بحتة كما ذكرنا في الحلقة السابقة.
ومن المعلوم ان كتاب المثنوي يعدّ اثراً من الآثار الادبية الخالدة حيث يرتفع فيه الشعر الى مستوى علامي فذّ، واذا اردنا ان نحدد موضوعاً واحداً لهذه المنظومة المطولة لعسر علينا الامر، فموضوعها الوجود كله، والانسان والحياة بصفة خاصة.
والمثنوي كله مبني حول مجموعة من القصص، ولكنها في هذه المنظومة لاتُقْصَد لذاتها، وانما هي لبيان مقاصد فلسفية، ولاهداف تعليمية، فالشاعر يبدأ القصة فلايكاد يروي اولى وقائعها حتى يستطرد منها للحديث عن حكمة هذه الواقعة، فيذكر الآيات القرآنية، ويفسرها، ويذكر الاحاديث، ويظل يبني عليها الآراء والحكم.
وهكذا فان المثنوي يعدُّ اثراً فنياً، ومصدراً للاطلاع على القيم الانسانية التي انبثقت من الحضارة الاسلامية، والشاعر في كل ذلك شاعر اصيل، نلمس عنده الاحساس الصادق، والعاطفة الجياشة، والعقل المعلم، والنفس الصافية التي تستطيع ان تبث الصفاء في نفوس الآخرين، وتشيع فيها البهجة، وتصحبها معها في رفق وأناة في دروب من التأمل العميق، وآفاق من الفكر الرفيع تعينها على تحقيق حياة اسمى والطموح الى غايات اعلى من تلك الغايات المادية التي يرمي اليها البشر في هذه الحياة.
ولقد امتاز شعر جلال الدين بميزات فنية منها، روعة الصور البيانية التي عبر بها الشاعر عن افكاره، فهو يستطيع ان يجسد الافكار فيجعلنا نشعر بالمعنويات وكأنها محسوسات نكاد نلمسها، كما انه يستطيع في سهولة ويُسْر ان ينطلق من المحسوسات الى المعنويات، وهو يمزج بين الطبيعة والحياة، والنفس الانسانية في صور متكاملة تجمع عمق التأمل الى روعة التصوير.
مستمعينا الافاضل! يتحدث الشاعر في بعض من ابيات المثنوي عن تجدد الدنيا في كل لحظة، ثم ينتقل من ذلك الى دعوة الانسان لتأمل نفسه، وما يطرأ عليها من تغيّر مستمر حيث يقول:
(في كل لحظة – يا رب- قافلة وراءها قالة تسير من العدم الى الوجود، ففي الخريف تذهب آلاف الاغصان، وتتساقط الاوراق في بحار الموت بينما الغراب يرتدي السواد كالحزين، وينوح على الخضرة في البستان.
وثانية يجيء الامر من سيد الارض فيقول للعدم: رُدَّ ما أكلت، ايُّها الموت الاسود! رُدَّ ما اكلتَ من زروع واعشاب وورق وحشائش فيا أخي! اجعل عقلك معك لحظة واحدة، ان بك في كل لحظة خريفاً وربيعاً، وانظر بستان قلبك تره اخضر ريّاناً نضيراً حافلاً ببراعم الورود والياسمين)
.
وهكذا يبدأ الشاعر من فكرة عامة هي تغيّر الدنيا في كل لحظة، ويضرب لذلك مثلاً بالربيع والخريف، ثم يصورها في صور بيانية جميلة، وينتقل من ذلك الى دعوة الانسان لتأمل نفسه، والنظر في ما يطرأ عليها من ازدهار يشبه تفتح البراعم، وانتشار الخضرة في الربيع، او انكماش يشبه تساقط الاوراق في الخريف، وتهاويها في بحار الموت.
وفي صورة اخرى يصور لنا مولانا الانسان وما يتعرض له من مغريات الحياة، فيقول:
(ربّاه! ان امامنا الآلاف من الشباك والحبّ، ونحن كالطيور الجائعة الحريصة!
ففي كل لحظة نقع في شرك جديد حتى ولو كان كلٌّ منا صقراً او عنقاء! وانت - يا من لاحاجة بك الينا- تنقذنا في كل لحظة، ولكننا نعود لنقع في حبائل اخرى.
فنحن نضع القمح في هذا المخزن، بيد اننا لا نكاد نجمعه حتى تقعده وليس ينتهي بنا التفكير آخر الامر الى ان هذا النقص الذي تعرض له القمح جاء من مكر الفأر...)
.
والقمح في هذه الصورة يرمز الى ما يجنيه الانسان من اعمال صالحة، واما الفأر فيرمز الى الشيطان الذي يجد سبيله الى تلك الاعمال فينتقص منها الى حد كبير من خلال قرضه لها، وهي صورة لطيفة يستعيرها الشاعر لعمل الشيطان، ووساوسه.
مستمعينا الاحبة! وتتجلى مقدرة شاعرنا المولوي على التصوير البياني، وايراد المضامين الاخلاقية الرفيعة فيما يسوقه من الصور المتلاحقة لبيان موقف من المواقف، او حال من الاحوال، فيتحدث مثلا عن القياس الفاسد، وكيف انه يجعل الناس يقيسون الامور على ظاهرها، لا على جوهرها وحقيقتها، كما يؤكد ذلك في قوله:
(... فقد ادّعى هؤلاء انهم مساوون للانبياء، وظنوا انفسهم مثل الاولياء! وقالوا: انظروا، نحن بشر وهم بشر، ونحن واياهم اسارى للنوم والطعام، ومن عماهم انهم لم يدركوا ان هناك فرقاً لا نهاية له بينهم وبين هؤلاء، فالنحل كله يأكل من مكان واحد، ولكن يجيء من بعضها اللدغ ومن بعضها الآخر يأتي العسل!
ومن القصب نوعان يسقيان بماء واحد، ولكن احدهما اجوف والآخر مفعم بالسكّر
فتأمّل الآلاف من امثال هذه الاشباه، وانظر كيف يفصل بينها طريق طوله سبعون عاماً!
فهذا يأكل فينبعث منه البخل والحسد، وذاك يأكل فيفيض منه عشق الاحد
وهذه ارض طيبة، وتلك مالحة رديئة، وهذا ملك طاهر وذاك شيطان، ووحش ضار
وليس يدري الفرق بينهما سوى صاحب الذوق، فادركه، فهو الذي يميز الماء العذب، من الماء الاجاج...)
.
اخوتنا المستمعين! واذا اردنا ان نقسم شعر مولانا جلال الدين على اساس مضمونه، وجدنا انه ينقسم الى قسمين متميزين، الاول منهما شعر وجداني فلسفي يتميز بتناول معاني الصوفية من حديث عن المحبة الالهية، والوجد، والنفس الانسانية، واصلها الالهي، وحنينها الى هذا الاصل الذي انفصلت عنه.
والشاعر في هذ اللون الوجداني مُحلّق دائماً في آفاق العالم الروحي لايكاد يمسّ الحياة المادية الا ليبيّن تفاهتها ووضاعتها اذا قيست بحياة الروح، وما تنطوي عليه من المباهج، وما تضمره للانسان من سعادة ابدية قوامها الكمال والخلود. كقوله مثلا عن المحبة الالهية:
(ان الروح التي ليس شعارها الحبّ الحقيقي
من الخير ان لا تُوجَد، فليس وجودها سوى عار!
فكن ثملاً بالحبّ، فان الوجود محبّة كلّه
وبدون التعامل مع الحب، فلا سبيل الى الحبيب
يقولون ما الحبّ؟ قُلْ هو تركُ الارادة!
ومن لم يتخلص من ارادته، فلا ارادة له
ان المحبة والحبّ باقيان الى الابد
فلا تربط قلبك بسواهما لانه عرض زائل
الى متى تعانق هذا المحبوب الميّت؟
عائق الروح وان كانت لا حدود لها
فلا ترتعد فوق حصان الجسد، وسر مسرعاً على قدميك
فان الله يهب جناحين لمن تخلّى عن حصان الجسد...)

اعزتنا المستمعين! واما القسم الثاني من شعر جلال الدين الرومي في كتابه المثنوي فهو شعر انساني اخلاقي، تناول في جانب كبير منه الانسان، واوضح اهميته في هذا الكون، ورسم المثل العليا للحياة الانسانية في هذا العالم، وهو في هذا الضرب من الشعر معلم اكثر منه فيلسوف، فيترك الرمز في كثر من الاحيان، ويوظف القصص والامثال لبيان الآراء التي يدعو اليها.
وفلسفة الرومي الاخلاقية قائمة على دعوة الانسان لتحقيق الكمال في هذه الحياة، وهي ترسم للانسانية الوسائل العملية التي يراها الشاعر مؤدية الى ذلك، فكانت بذلك مجالاً رحباً تجلت فيه عبقريته حيث استعان الشاعر بثقافته الواسعة، وفهمه العميق لمعارف اهل زمانه.
ولذلك يكشف الشاعر في هذا النوع من الشعر عن خبرته بالنفس البشرية، ومقدرته على سبر اغوارها، وتصوير نوازعها الخيرة والشريرة على السواء، كما سنرى ذلك في الاشعار التي سنستعرضها في حلقة الاسبوع المقبل باذن الله.
فحتى ذلك الحين نستودعكم الله شاكرين لكم حسن الاصغاء والمتابعة. وتقبلوا تحيات اسرة برنامج عبارات واشارات.
*******

يمكن الاستفادة من البرنامج مع ذكر المصدر (Arabic.irib.ir)