البحث في البرامج
المشاركات الاذاعية


في حال الرغبة في المشاركة في برامج اذاعة طهران العربية هاتفياً يرجى املاء الاستمارة التالية:

برامج الاذاعة
عبارات و اشارات نسخة للطباعة
موضوع البرنامج:
  • المبدأ والمعاد في ديوان "مخزن الاسرار" للعارف الكنجوي
التاريخ: 2007-06-11 00:00:00

السلام عليكم مستمعينا الاحبة! ذكرنا في الحلقة السابقة ان الشاعر والعارف نظامي الكنجوي افتتح ديوانه مخزن الاسرار بتوحيد الله عزوجل، ومناجاته، مبتدأً كلامه بالبسملة التي يقرر انها تمثل مفتاح كنز الاله الحكيم.
اما اسم الله تبارك وتعالى فهو فاتحة الافكار، وحسن الختام لكل كلام، في حين ان الخالق تعالى نفسه قد سبق وجوده كل متقدم وتالٍ، وهو الخالد الباقي حيث لا يخلد، ولا يبقى شيء بعده.
وهو كاشف الحجب عن الافلاك المحجوبة الممعنة في تخفيها وغموضها عن ذهن الانسان، ومبدع الاشياء على غير مثال، وغافر الذنب، والمتقبل لعذر وتقصير الانسان.
وهو الاول والاخر بالوجود والصفات، وموجد الاشياء، ومفنيها، ومن نبعَ الوجود كله كنه، واستمد التراب الضعيف القوة والاقتدار منه، واستظلت الكائنات بنور علمه وقدرته، فهي قائمة به لانه قائم بالذات، لا مثال ولا شبيه له.
ولا يجري عليه التحول والتغيير ولم ولن يصدق الموت عليه، فكلنا الى الفناء والبقاء له وحده، وهو المتفرد بالملك الحقيقي، المحيط بالاشياء، فالتراب ساكن بأمره، وقبة السماء الزرقاء هو الذي رفعها من غير اعمدة.
من لم ينطق باسمه، ولم يلهج لسانه به فالسكوت اولى له، ومن لم يذكره، ولم يستحضره في حياته فالنسيان والغفلة الافضل له.
اخوتنا المستمعين! ويختتم نظامي الكنجوي مناجاته، واشعاره التوحيدية هذه بمديد الضراعة والاستغاثة والتوصل الى الخالق جل وعلا فيقول بلسان الشاعر العارف:
من أجْلِكَ كلُّ هذا الامل والرجاء
فاعفُ عنّا، واصفحْ ايُّها الكريم!
وأغِثْنا فلا ناصرَ ولا مُعينَ لنا
فان طردتنا من رحمتك فالى مَنْ نلجأُ وبمنْ نستعيذ؟!
فاعفُ عنا بفضلك، وانعامك
فنحن نشعر بالحياء من كلماتنا المتسرعة هذه
فان اقبلنا عليك بهذه البضاعة القليلة
فقد جئنا معلقين الآمال عليك
فأعنا يا مؤنس الحزانى والمهمومين
واغثنا يا مغيث المستغيثين...
اعزتنا المستمعين! ويخصص نظامي جانباً آخر من مقدمة مخزن اسراره لمدح النبي صلى الله عليه وآله، والثناء عليه، والتعبير عن حبّه لهذه الشخصية التي يصنعها بانها طرّة الافلاك السبعة، وخاتم الانبياء والرسل ومن تفجرت ينابيع الحكمة من لسانه بفضل الوحي الالهي.
فهو الدّر المصفّى، واللؤلؤ المكنون، وهو الذي بلغ من المراتب والدرجات السامية ما جعل جسده اكثر طهراً ونقاءً من الروح نفسها، فبفضله عمّت الرحمة الالهية العالم والكون، وحفظ الله الارض من ان تميد بسكانها.
ويتحدث الشاعر بعد ذلك عن كتابه الذي اطلق عليه اسم مخزن الاسرار، مشيراً الى قيمة الكلمة، وفضلها، ومنزلتها السامية، وكاشفاً النقاب عن الرسالة الخطيرة التي يحمل اعباءها الشاعر.
فيصف نفسه بالبلبل الصداح الذي يكشف من خلال تغاريده الشجية عن اسرار الطبيعة والوجود والتي اودعها الخالق جل وعلا في هذا الكون، ويعلن عن انه انما يسير عبر انشادها لاشعاره في طريق العشق الالهي، ويدق على جرس الحضرة الالهية.
وهو في هذا المجال لم يستعر الكلام من غيره، بل كان عصامياً، فقد نظم انشوداته على اوتار قلبه، وصدر في كلامه مما اوحى له به هذا القلب، فجاء ديوانه طريفاً بديعاً على غير مثال سبقه، بل ان الشعراء هم الذين نسجوا على منواله، وصبّوا كلماتهم في قالبه، كما يقرر ذلك في قوله مشيراً الى كتابه:
(انا الذي انشدتُّ باكورة الورد هذه
وانا البلبل الصداح باسرار بستان الوجود
في طريق عشقك ومحبتك تتلاحق انفاسي
وعند حضرتك تنطلق انغام اجراسي
لم اُحاكِ احداً في هذا الكلام
بل انني انشدتُّ ما امرني به قلبي
فأثرت بذلك سحراً جديداً
وصببت هيكلاً من قوالبَ جديدة...)
(فحوى بذلك كتابي اساس الفقر والمُلْك
فكان مخزناً للاسرار الالهية...)
مستمعينا الكرام! وبعد تلك المقدمات يخصص الشاعر نظامي الكنجوي المقالة الاولى من ديوانه مخزن الاسرار للحديث عن بداية الخليقة، وعن ظهور آدم عليه السلام، مستعيناً بذلك بالمعاني الواردة في الآيات القرآنية، مازجاً ايّاها بالدلالات والاشارات والمعاني العرفانية.
فيقرر في هذا المجال ان الوجود كان غارقاً في العدم قبل ظهور الخليقة، وقبل ان يخلق آدم من الصلصال الذي هو كالفخار، وبينما كان الكون على هذه الحالة اذا بزائر يفد الى الارض على حين غرة ليترنم بانشودة الوجود، وليعزف من ناي (بشريته) لحن الكينونة معلناً تجسد مفهوم الخلافة في الارض.
وسرعان ما يظهر هذا المخلوق الذي تعجبت الملائكة من وجوده، وأبدت دهشتها في شبه تساؤل استنكاري من هذا الكائن العجيب المزيج من الغرائز الارضية والتطلعات السماوية، والذي من شأنه ان يثير الفساد في الارض، ويسفك الدماء اذا ما تغلب جانبه الترابي على بعده الملكوتي.
فيأتيها الجواب من الربّ الجليل ان حكمته اقتضت ظهور هذا المخلوق المتميز ليتحقق بذلك الهدف من خلقة الارض التي انما هيأها الخالق سبحانه لكي يحيا (الآدميون) فيها، وتكون مهاداً لهم، ثم انه جل وعلا قد وهبه العلم، العلم بالاشياء ومسمياتها، وهذا ما سيؤهله لتحقيق مفهوم الاستخلاف في الارض.
وبالاضافة الى ذلك فقد جعل الخالق جل وعلا قانون الثواب والعقاب، وحقق مفهوم الابتلاء والاختبار، فجعل الجنة والنار، والجنة لمن اطاعه، والنار لمن عصاه، ولم يعمل بمقتضى مفهوم الاستخلاف، وبذلك فانه تعالى لم يخلق هذا الكائن عبثاً، ولم يهبه نعمة الوجود اعتباطاً ذلك لان هذا المخلوق قد غدا بموجب ذلك القانون كائناً متميزاً عن سائر الكائنات بل وحتى عن الملائكة نفسها!
وفي مقالته الثانية يبسط الكنجوي باسلوبه الشعري العرفاني الحديث عن صفة العدل ورعاية جانب الانصاف باعتبارها من اولى مستلزمات تحقيق مفهوم خلافة البشر للخالق تعالى على الارض.
ويبدأ الشاعر حديثه عن العدالة كاحدى الصفات الملازمة للذات الالهية، ثم يطلب من الانسان الذي من المفترض فيه ان يتشبه بالصفات الالهية، ان يأخذ بعين الاعتبار هذه الصفة التي هي في رأي الشاعر الصفة الاولى التي يجب ان يجسدها الانسان في ذاته، وفي سلوكه وتعامله مع الآخرين.
فلا يظلم من هو دونه، ولا يمدُّ يد التطاول على الآخرين، ولا يأكل اموال الناس بالباطل، وان كان حاكماً فان عليه باعتباره يمثل الخالق تعالى في الارض، ان يجسد العدالة كأحسن ما يكون التجسيد في اسلوب تعامله مع رعيته الذين هم - كما يقول الشاعر- بمثابة امانة في يده اودعت لديه من قبل الله سبحانه.
ذلك لان العدل يمثل الاساس الذي قامت عليه دعائم الوجود، وانبثق منه نظام الكون، وانتشرت على ضوئه الخليقة في ارجاء الارض، فلماذا اذن - هكذا يتساءل الشاعر- لا نجسد هذا المفهوم في ذواتنا:
اولاً: وفي تعاملنا مع اخوتنا من بني البشر.
ثانياً: بل مع كل ذرة من ذرات هذا الكون، ومع كل مخلوق من مخلوقات هذا العالم؟
مستمعينا الافاضل! نكتفي بهذا القدر من تطوافنا في رحاب المعاني العرفانية، والتعاليم والارشادات الاخلاقية التي تضمنتها رائعة الشاعر العرفاني نظامي الكنجوي مخزن الاسرار.
آملين ان نكمل شوطاً آخر من رحلتنا في اسفار التراث الاسلامي الايراني الاخرى في حلقة الاسبوع المقبل باذن الله. فكونوا في انتظارنا، والى الملتقى.
*******

يمكن الاستفادة من البرنامج مع ذكر المصدر (Arabic.irib.ir)