البحث في البرامج
المشاركات الاذاعية


في حال الرغبة في المشاركة في برامج اذاعة طهران العربية هاتفياً يرجى املاء الاستمارة التالية:

برامج الاذاعة
عبارات و اشارات نسخة للطباعة
موضوع البرنامج:
  • من حكايات "منطق الطير" وإضاءات سلوكية
التاريخ: 2007-05-14 00:00:00

احبتنا المستمعين الاكارم!سلام من الله عليكم ورحمته وبركاته واهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة التي يسرّنا ان نلتقيكم من خلالها عبر برنامجكم الاسبوعي الذي يطوف معكم عبر روائع التراث الادبي والمعرفي الايراني. نرحب بكم مرة اخرى وندعوكم الى متابعتنا في حلقة هذا الاسبوع.
اخوتنا المستمعين الاكارم! نستمر معكم في هذه الحلقة من برنامج (عبارات واشارات) في التطواف عبر جنبات سفر العرفان والادب (منطق الطير).
لنعيش دقائق حافلة بالدروس والعبر من حكاياته المفعمة بالحكم والمعاني الاخلاقية والعرفانية.
ففي مجال كون القوة، والقدرة الحقيقية مقتصرة على الخالق جلّ وعلا، وان ماعداها من مظاهر العزة والاقتدار انما هو زائف زائل حتى وان كانت عائدة الى اقوى ملوك الارض واعظمهم.
يورد الشيخ فريد الدين العطار حكاية عن السلطان محمود الغزنوي الذي كان معاصراً للشاعر والذي عاش في القرنين الرابع والخامس الهجريين، وعرف باهتمامه بالآداب والفلسفة ورعايته للادباء والفلاسفة حتى قيل ان بلاطه كان يضم حوالي اربعمائة من اهل الفضل والادب.
يقول صاحب منطق الطير في هذه الحكاية المعبرة: (كان هناك رجل طاهر الرأي، يسلك طريق الصواب، وذات يوم رأى محموداً في المنام، فقال: يا سلطان الزمان المعظم، كيف حالك في دار القرار؟
فقال محمود: صَهْ، ولا تسفك دماء روحي، ولا تنطق بحرف، وايُّ مكان للسلطان هنا؟! فانهض، لقد كان سلطاني خيالا ووهما، الحق هو السلطان مالك الدنيا، وهو الجدير بهذه السلطنة، فما ان رأيت عجزي وحيرتي حتى شعرت بالعار من سلطتي...).
ثم يخاطب محمود الغزنوي من رآه في المنام مدّلاً اياه على منزلته الحقيقية ازاء الخالق سبحانه، ومعبراً عن حسرته على ما فاته في الدنيا فيقول: (... وان ترغب في مناداتي فاسمي العاجز، اذ هو السلطان الاوحد، فلا تدعني سلطاناً، السلطنة لله، وانا المنتفع من ورائه حتى ولو كنت في الدنيا شحاذاً، وليت طريق اعترضته مئات المشاكل ولم يكن به هذا الجاه، وليتني كنت اجمع السنابل ولمن اكن ملكاً...).
اعزتنا المستمعين! وحول الحثّ على الزهد في حطام هذه الدنيا الدنية، والاعراض عنها، وعدم التعلق بزخارفها، ومباهجها، وكيف ان الله جل وعلا يجازي الانسان في الآخرة على قدر انفكاكه عن هذه الدنيا، وزهده فيها.
يسرد شيخ نيسابور وعارفها حكاية طريفة يؤكد من خلالها هذا المعنى الذي طالما اكده، وشدد عليه العرفاء والزهاد من قبله فيقول:
(امتلك احد الجهّال حُقّاً مملوءً بالذهب، ثم مات وخلّف هذا الحُقَّ، وبعد عام رأى ابنه في المنام صورته على شكل فأر وعيناه تفيضان دمعاً، ثم دار حول المكان الذي اخفى فيه الذهب دوران الفأر فسأله ابنه: لِمَ اتيت هنا على هذه الحال؟
فقال: لقد وضعت الذهب في هذا المكان، ولا اعلم هل عثر عليه احد!...).
(... فقال له الابن: ولِمَ اتخذت شكل الفأر آخر الامر؟
قال: كُلُّ قلب خفق بحبّ الذهب يكون يوم الحشر على صورة الفأر، وتزيده الحسرة اضطراباً في كل لحظة، وهكذا بدوت، فأمعن النظر، وخذ العبرة، وتخلّ يا بني عن الذهب، ولا تدع له سلطاناً على قلبك!..).
اخوتنا المستمعين! سبقت الاشارة الى ان كتاب منطق الطير او مقامات الطيور وضعه الشيخ فريد الدين العطار في الاساس لتعليم المريدين والسالكين مبادئ واصول العرفان، والسير في طريق العبادة الحقيقية لله سبحانه وتعالى.
وفي هذا الاطار نرى هذا الكتاب يكتظ بالكثير من القصص والحكايات التي اراد من خلالها العطار ان يُلقّن مريديه تلك المبادئ والاصول، هذا بالاضافة الى الاحاديث والمحاورات التي اجراها بين الطيور المختلفة.
ومن جملة هذه الحكايا التي تسير على هذا النمط والمنوال والتي اراد عبرها النيسابوري ان يسلط الضوء على المنزلة الكبيرة التي من الممكن ان يحظى بها الانسان السالك لطريق العرفان عن اخلاص، وصفاء نية.
حكاية عن احد مشايخ العرفان المعروفين وهو (بايزيد البسطامي) الذي توفي عام 261 للهجرة حيث يقول العطار في هذه الحكاية:
(خرج بايزيد ذات ليلة خارج المدينة، فرأى كل شيء خالياً من ضوضاء البشرية، وكان ضوء القمر ينير العالم حتى اوشك ان يحيل الليل نهاراً من شدة ضيائه، كما بدت السماء مزدانة بالنجوم، وكان كلّ نجم منها في شأن مختلف، وكم تجوّل الشيخ في الصحراء فما وجد شخصاً يتجوّل فيها، فسيطر عليه الاضطراب بشدة...).
(...فقال: يا ربّ! لقد سيطر الاضطراب على قلبي بقوة، ان اعتابك ذات مكانة رفيعة فكيف تبدو من المشتاقين خالية؟!
فجاءه هاتف قائلا: ايّها الحائر في الطريق! ان الله لا يهب لكل شخص الطريق، فما ان يُضيء حريم عزّنا حتى يُبْعِدَ الغافلين عن بابنا، وقد ظلّ الخلق منتظرين سنوات وسنوات حتى يسمح لواحد من الف ان يحظى بالرفقة!).
ايها الاحبة! ومن خلال حكاية اخرى يوردها العطار في تضاعيف كتابه منطق الطير يحذر سالكي طريق العرفان من ان تقع بينهم الخصومات، والاختلافات مقرراً ان لا مجال للاحقاد والبغضاء والعداوات في قلوب من يرفعون لواء العرفان، ويدّعون حبّ الخالق عزّوجل، والذوبان والفناء فيه.
فالقلب الذي يحلّ فيه عشق الله سبحانه، ويتجرّد من الدنيا وعلائقها، ويسبح في عالم الملكوت والملأ الاعلى لا يمكن ان تجتمع فيه الكُرْه والحُبُّ معاً مهما اختلفت الطُرُق والمشارب والاذواق.
لنستمع معاً - ايّها الاعزة- الى الحكاية التالية التي سنختم بها حلقتنا لهذا الاسبوع، وتطوافنا في رائعة العرفان والادب منطق الطير:
(ذهب شيخان الى دار القضاء اذ كانت بينهما خصومة وجفاء، فانتحى بهما القاضي جانباً وقال: لا يُحسن من الصوفيين ان يتحاربوا، انكما ترتديان رداء التسليم، فلماذا اضرمتما هذا الخصام؟! فان كنتما أهلاً لهذا الرداء فخصومتكما دليل على ما انتما فيه من جهالة، ومع انني قاض ولست رجل معنى الا انني اخجل تماماً من ارتدائكما هذا المُرقَعْ!...).
ويشفع العطار هذا الحكاية بتعليق يؤكد من خلاله عدم اهلية ذينك الشيخين لما ارتداه، وادّعاهم من السير في طريق العرفان، والعبادة الخالصة والحقيقية للخالق جل وعلا.
ويدعو كل من سلك او اراد ان يسلك هذا السبيل الى ان يطرح الحرص على الدنيا جانبا، وينبذ الاحقاد والاختلافات لكي يستحق عن جدارة لقب العارف، فيقول في هذا الصدد: (... من الافضل لهما وضع قناع على مفرقيهما من ان يرتديا هذه المرقعات، فان لم تكن رجلاً او أمرأة في طريق العشق فكيف يمكنك ان تكتشف اسرار العشق؟ وان ابتليت بقطع طريق العشق فألق بأسلحتك لما انت فيه من بلاء، وان كنت تدّعي العزم على الخوض في هذا الميدان فعليك ان تُسلّم رأسك للريح، وان تتخلى عن الروح، والآن لا ترفع رأسك بالدعوى اكثر من هذا حتى لا تظلّ في عارك هكذا!...).
مستمعينا الاكارم! في ختام حلقتنا لهذا الاسبوع لا نقول لكم وداعاً بل الى الملتقى في حلقة اخرى. حيث يجمعنا اللقاء معكم عند سفر آخر من اسفار التراث.
*******


يمكن الاستفادة من البرنامج مع ذكر المصدر (Arabic.irib.ir)