البحث في البرامج
المشاركات الاذاعية


في حال الرغبة في المشاركة في برامج اذاعة طهران العربية هاتفياً يرجى املاء الاستمارة التالية:

برامج الاذاعة
همسات في شغاف القلب نسخة للطباعة
موضوع البرنامج:
  • الحرص
التاريخ: 2006-06-19 00:00:00

الحمد لله المفضل المنعم، وازكى صلواته على رسوله الاكرم، وعلى آله سادة الامم.
اخوتنا المستمعين الافاضل .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، طابت اوقاتكم، واهلاً بكم في حديث اخر يدور حول "الحرص" ذلك الداء الخطير، نبتدئه بقوله تعالى: "ونفس ما سواها، فالهمها فجورها وتقواها، قد افلح من زكاها، وقد خاب من دساها" صدق الله العلي العظيم (سورة الشمس).
ان القلب حصن الانسان، والشيطان عدوٌ يريد اقتحام ذلك الحصن ويستولي عليه، فتكون بذلك حماية القلب واجبة، بغلق جميع الابواب والمنافذ التي يتسرب منها الشيطان .. ومنها "الحرص"، وباعثه الاساس: حب الدنيا والتعلق بها، وشهوة جمع الاموال، وعدم الاكتفاء بالموجود لسيطرة حالة النهم والجشع والطمع على النفس .. ومن هنا يتسلل الشيطان ليبث وساوس القلق والشك والهم الوهمي بالفقر في المستقبل، وقد نبه الى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: "الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء" (سورة البقرة: 268).
وقد اقتضت السنة الالهية ان يمتحن العباد في هذه الدنيا، كيف يتعاملون معها: ام بالحرص والانسياق مع الاهواء والوساوس، ام بالقناعة والاجمال في الطلب؟ ولكل آثاره، تعالوا ـ ايها الاخوة ـ نتبين ذلك بعد هذه الوقفة القصيرة.
*******
الحرص ـ اخوتنا الاكارم ـ يبدأ اول ما يبدأ به يأكل ثقة العبد بربه جل وعلا، فاذا حصل الحريص على شيء من الدنيا رد ذلك الى نفسه ومثابرته، واذا خاب سعيه ذاع شكواه وجد بحرص اكثر على تحصيل ما يرغب فيه باية وسيلة ممكنة دون اعتماد على الله تبارك وتعالى، او توكل او ثقة به عز وجل، حتى نراه لا يثق بتقدير الله للارزاق، ولا بمشيئة الله تعالى في خلقه، وحتى ينسى او يتناسى ان الامور كلها بيد الله جلت عظمته، وهو القائل عز من قائل: "قل اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير انك على كل شيء قدير" (آل عمران: 25).
ويغمس الحريص نفسه في هموم الدنيا حتى ينسى آخرته، فلا يعمل لها اولاً، ولا يتحرج من الحرام ثانياً.. فيفني عمره في ما لا يجني منه الا الحساب الطويل، وربما العقاب الاليم، ويترك بعد حين كل ما جمعه للاخرين، ولا يخرج من هذه الدنيا الا بكفن زهيد، وكومة تراب تمحو اثره وتسلمه الى عالم البرزخ الرهيب..
وقف الامام موسى الكاظم عليه السلام عند قبر حضره فقال: "ان شيئاً هذا آخره، لحقيق ان يزهد في اوله. وان شيئاً هذا اوله، لحقيق ان يخاف آخره".
اخوتنا الاعزة .. ان الحرص يجعل المرء في ظمأ دنيوي مذل ومضني فالحريص يقضي عمره بالجهد والهم والوهم، حتى يصفه الامام الصادق عليه السلام بقوله: "من تعلق قلبه بالدنيا، تعلق قلبه بثلاث خصال: هم لا يفنى، وامل لا يدرك، ورجاء لا ينال".
والحريص في مجهدة وارهاق وقلق، كلما جمع قال في نفسه: قد لا يكفي ذلك للمستقبل، ويمتلئ ثم هو يرى نفسه في اشد الفقر والحاجة، لانه محروم من نعمة القناعة، فلا يحس بالاكتفاء مع غناه لشدة حرصه وفقدان ثقته بالله جل وعلا، يقول امير المؤمنين علي عليه السلام: "ابن آدم، ان كنت تريد من الدنيا ما يكفيك فان ايسر ما فيها يكفيك، وان كنت انما تريد ما لا يكفيك، فان كل ما فيها لا يكفيك".
والحرص بعد ذلك ـ ايها الاخوة الاكارم ـ يزج صاحبه في الشبهات والمحرمات فلا يبالي الحريص من اين اغترف وباي وسيلة اكتسب، ثم الحرص معوق عن اداء الحقوق الشرعية والانفاق في طريق المبرات، والتصدق على البؤساء والمحرومين والمعوزين.
وكم من حريص مات غماً اذ اصابته انتكاسة او مات هماً لكثرة حرصه على ممتلكاته! قال الامام الباقر عليه السلام: مثل الحرص على الدنيا مثل دودة القز، كلما ازدادت من القز على نفسها لفاً كان ابعد لها من الخروج .. حتى تموت غماً". ثم قال الشاعر:
يفني البخيل بجمع المال مدته
وللحوادث والايام ما يدع
كدودة القز ما تبنيه يقتلها
وغيرها بالذي تبنيه ينتفع
والآن ـ اخوتنا الاحبة ـ نصل الى موضوع علاج الحرص، قيل: هو علاجان:
الاول: علمي، يقوم فيه الحريص بمراجعة علمية منطقية للحقائق، فينظر في مخاطر الحرص وآثاره السيئة وعواقبه الخطيرة، فيردع نفسه عن هذا الذل والخضوع للدنيا، ويسمو بشخصيته عن اللهث وراء المصالح الشخصية وجمع الاموال بطرق وضيعة غير سليمة، ثم يتركها لمن بعده يتنحى بها، ويذهب هو الى محكمة العدل الالهي ليحاسب عليها!.
اجل.. فلا ينبغي للمرء ان يغفل هكذا طوال حياته عن كرامته، وعن راحته، وعن آخرته.. ولابد من الوفود على الله تعالى ليلقى جزاءه بما فرط وافرط، افرط وبالغ في حب الدنيا، وفرط بدينه وعمره، والله تعالى يقول: "وان ليس للانسان الا ما سعى، وان سعيه سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الاوفى" (سورة النجم: 39-41).
ويقول الامام زين العابدين عليه السلام: "ابن آدم انك ميت ومبعوث وموقوف بين يدي الله جل وعلا فاعد جواباً".
فأيُّ للحريص وقد افنى حياته غافلاً عن الآخرة والسعي اليها، وصارفاً جهوده وسنين عمره في الركض وراء الدنيا والسعي لها.
واما العلاج العملي .. فان يخطو الحريص في درجات الايمان والتقوى والعلم والعمل الصالح، ممعناً فكره في سيرة الانبياء والمرسلين والاوصياء والاولياء الصالحين، قانعاً بما يرزقه الله تعالى من الحلال الطيب، مجملاً في السعي، مقتطعاً شيئاً من اوقاته للطاعات والعبادات مقدماً على البذل والعطاء والاحسان الى المحرومين والفقراء راكناً الى الاطمئنان بالله تعالى طارداً وساوس الشيطان عن قلبه، متوجهاً الى الآخرة عاملاً لها، متذكراً الموت مؤدياً ما يخففه عليه ويهون الحساب بعده.
الراوي: فيما روي عن الامام جعفر الصادق عليه السلام في قصص الانبياء عليهم السلام، ان عيسى بن مريم عليه السلام توجه يوماً في بعض حوائجه ومعه ثلاثة نفر من اصحابه، فمر بلبنات ثلاث من ذهب على ظهر الطريق، فقال لاصحابه: "ان هذا يقتل الناس" ثم مضى عليه السلام مشيراً الى ان الذهب اذا صادف حرصاً عليه، فانه ينتظر القتل بعد ذلك.
*******
رجل1: ان لي حاجة.
رجل 2: ان لي حاجة.
رجل 3: ان لي حاجة.
1-2: ياصاحبنا اشتر لنا طعاماً..
رجل3: حسناً حسناً ساذهب اشتري لكم طعاماً واضع سماً في الطعام ليقتلهما، كي لا يشاركني في الذهب.
1-2: اذا جاء صاحبنا قتلناه كي لا يشاركنا في الذهب.
الراوي: رجع السيد المسيح عليه السلام فرآهم موتى حول الذهب، فاحياهم باذن الله تعالى ذكره ثم قال لهم: "الم اقل لكم ان هذا يقتل الناس"؟.
الراوي: كان هارون الرشيد احد حكام بني العباس حريصاً غاية الحرص على بناء قصوره وتشييدها، فسأل الامام الكاظم عليه السلام يوماً:
هارون: ما هذه الدار؟
الراوي: فأجابه الامام الكاظم عليه السلام: هذه دار الفاسقين، قال تعالى: "ساصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق وان يروا كل آية لا يؤمنوا بها، وان يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً، وان يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً، ذلك بانهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين" (سورة الاعراف: 146).
الراوي: وسأل هارون الرشيد ابا العتاهية الشاعر ان يمرح مجلسه قائلاً له:
هارون: صف لنا ـ يا ابا العتاهية ـ ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيا.
ابو العتاهية:
عش ما بدا لك سالماً
في ظل شاهقة القصور
هارون: احسنت احسنت ثم ماذا؟
ابو العتاهية:
يسعى اليك بما اشتهيت
لدى الرواح وفي البكور
هارون: حسن حسن هذا .. ثم ماذا؟
ابو العتاهية:
واذا النفوس تقعقعت
في ضيق حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقناً
ما انت الا في غرور

*******

يمكن الاستفادة من البرنامج مع ذكر المصدر (Arabic.irib.ir)