آخر تحديث : الثلاثاء 2018-06-05 الساعة 17:36:37 بتوقيت غرينتش

مقالات

سد اليسو..اصطياد في المياه الشفافة


سد اليسو..اصطياد في المياه الشفافة صورة ارشيفية - سد في تركيا
في الجلسة الطارئة للبرلمان العراقي التي عقدت يوم امس الاثنين قال وزير الموارد المائية حسن الجنابي، إن " رجب طيب أردوغان وخلال زيارته الى العراق في تشرين الثاني/ أكتوبر الماضي، أخبر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، بأن سد إليسو سيتم العمل به في آذار/ مارس 2018، وذلك وفق اتفاقات مسبقة بين البلدين، على أن يتم إعلام العراق قبل فترة ستة أشهر بالأمر، وهذا ما جرى بالفعل، كما واشار إلى قطع إيران تدفق المياه لنهر الزاب شمال شرق العراق. مضيفا أن العراق وافق على أن تبدأ تركيا بملئ السد في الأول من حزيران/ يونيو الجاري، على أن تكون 75 بالمئة للعراق، وان تحتفظ تركيا  بـ25 بالمئة في السد".

والملفت للنظر في تصريحات الجنابي قوله امام اعضاء البرلمان الذي يمثل كل الشعب العراقي "ان الصعوبة في وضع العراق، هي أن تركيا لديها سد واحد !!! بالإمكان التفاهم معها، أما إيران فلديها سدود كثيرة ولم تشكل لجنة فنية حتى الآن للتباحث معها".

نحن نفهم ومن خلال الوقائع والمعطيات لماذا تقوم تركيا ببناء كل هذه السدود وليس سد اليسو وحده كما تفضل الوزير، لكننا لا نفهم لماذا يقوم سعادة الوزير بالتوجه الى ايران وبنائها عشرات السدود، حسب قوله، بينما الازمة في نهري دجلة والفرات هل هو يريد التخفيف الضغط على تركيا؟ ام انه لايعرف حقا، ليس منبع دجلة وحده بل الفرات ايضا؟

ولكي لايكون هنالك لبس لدى المواطن العراقي المهضوم او بعض البرلمانيين المحترمين لدينا، لانهم غير متخصصين في الموارد المائية للعراق ايضا علينا العودة الى كتب جغرافيا العراق الذي قرأه كل الطلبة العراقيون بدئا من مرحلة المتوسطة.

ومفاده "ان نهر دجلة ينبع من جبال طوروس، جنوب شرق الأناضول في تركيا ويمر في سوريا 50 كم في ضواحي مدينة القامشلي ليدخل بعد ذلك أراضي العراق عند بلدة فيشخابور" وليس من ايران.

وان نهر الفرات ايضا ينبع من جبال طوروس ايضا في تركيا ويتكون من نهرين هما مراد صو وتعني بالتركية وليست الفارسية (ماء المراد)، ومنبعه بين بحيرة وان وجبل أرارات في أرمينيا، وقره صو (أي الماء الأسود) ومنبعهُ في شمال شرقي الأناضول. وتنضم إليه فروع عديدة من داخل تركيا وليس ايران، قبل دخوله الأراضي السورية ليجري في الاراضي العراقية ويلتقي بنهر دجلة في منطقة كرمة علي.

وبالعودة الى الدراسات المطروحة حول هذه الازمة من قبل المتخصصين العراقيين في هذا الشأن ومنهم الدكتور محمد عبد صالح حسن "بــأن النهــر الــدولي وحسب اللوائح القانونية الدولية (هــو النهــر الصــالح للملاحــة الــذي یفصــل أو یختــرق عــدة دول) مثل نهر النيل الذي يمر من اثيوبيا والسودان الى مصر وكذلك نهري دجلة والفرات كونهما يمران بتركيا وسوريا والعراق.

كما ان القواعــد القانونیــة نصــت أیضــاً علــى حــق كــل دولــة متشــاطئة علــى نهــر دولي بنصیب عادل ومعقول مـن میاهـه، وأوجبـت علـى الـدول المتشـاطئة اتخـاذ كـل الإجراءات والتدابیر لمكافحة ومنع تلوث میاه النهر وحل المنازعـات بـالطرق السـلمیة.

من جانب آخر تؤكد كل التصرفات المعلنة من الجانب التركي وعلى مدى عشرات السنين، ان تركيا لا تعترف بدولية نهري دجلة والفرات وتعتبرهمــــا نهـــرین عــــابرین للحــدود ولهــا أن تســتخدم مــا تشــاء مــن میاههمــا، وبموجــب هــذا الاعتبــار فــأن دجلــة والفــرات حســب المنظــور التركــي یصــبحان مجــرىً مائیــاً دولیــاً فقــط عنــدما یلتقیــان فــي جنوب العراق لیشكلا اروند رود.

وعلى هذا الاساس وحسب الخبراء فان تركيا اعتمدت سياسة واضحة في مخططاتها لانشاء مشروع جنوب شرق الاناضول " GAP" يتألف من 13مشروعا، سبعة منها في حوض الفرات وستة منها في حوض دجلة. وكـل مشـروع مــــــن هــــــذه المشــــــاریع یضــــــم عــــــدداً مــــــن المشــــــاریع الثانویــــــة والفرعیــــــة یبلــــــغ عــــــددها 21 ســداً وليس سد اليسو كما تفضل سعادة الوزير.

الكل يعلم ان تركيا تستورد غازها من روسيا وايران وكانت تأمل اقناع الجانب السوري من مرور انابيب الغاز القطرية المتحالفة معها من خلال سوريا ولربما شكل امتناع الحكومة السورية لتنفيذ ذلك المشروع، السبب الاساس في دعم تركيا للمجموعات الارهابية في الداخل السوري.
 
وتركيا ايضا لاتمتلك النفط كما هو حال العراق وجل اعتمادها هو على السياحة والزراعة والى جانب تنفيذها لعدد من المشاريع على جميع الروافد التي تغذي نهري دجله والفرات، فان هذه السدود تجعل وحسب الدراسات من تركيا المصدر الرئيسي للمنتجات الغذائية في الشرق الاوسط ومن جانب آخر سوف تمثل ورقة ضغط ناجعة تستخدمها ضد سوريا والعراق في كافة المجالات اذ لا يجب ان ننسى ان في مفاوضات عام 1971، ساوم الاتراك على حصة العراق المائية مقابل حصولها على النفط باسعار منخفضة، بالاضافة الى ان الحكومــــة التركیــــة قالت بــــأن العــــراق یجــــب أن یصــــدر نفطــــه عبــــر الأراضـــي التركیـــة عنـــد تطبیـــق قـــرار الـــنفط مقابـــل الغـــذاء عـــام 1995 والا لـــن یكـــون هناك میاه للعراق. ثم من منا ينسى قول رئيسها السابق سليمان ديميرل وهو: (سيكون كل برميل ماء لنا مقابل برميل نفط للعراق).

كما ان المباحثات حول الماء مع تركيا كانت قد بدأت بعد تشـكیل لجنـة فنیـة مشـتركة من تركيا وسوريا والعراق عـام 1980  لایجاد قسـمة عادلـة للمیـاه المشـتركة وانعقـدت سـتة عشـرة اجتماعـاً إلا أن عمـل اللجنـــة توقـــف عـــام 1992 دون التوصـــل إلـــى نتـــائج مرضـــیة، وبـــالرغم مـــن جهـــود العراق لاستئناف عمل اللجنة إلا أنها لم تعقد أي اجتماع بعد التاریخ المذكور.

وكان من الاجدى لسعادة الوزير الجنابي ان يوضح هذا الامر للسادة البرلمانيين حتى لا يكون هنالك لبس في الموضوع ليسألوا بدورهم الحكومة لماذا لم تتخذ الاجراءات اللازمة مقابل ذلك ومن ثم تجر أولئك الذين ساعدوا في تدمير العراق من خلال تواطئهم مع السعودية وفكرها الوهابي لادخال داعش الى العراق الذين دمروا كل شيء في العراق ليستهلك كل امكانياته لمحاربة الارهاب، بدلا من صرفها في الاستثمارات التنموية والبنى التحتية وبناء السدود. اذ اصبح جليا لابناء الشعب العراقي، ان اعدائه يكمنون في داخله وكما يقول المثل "سد بابك، امن جارك" والله المستعان.

رائد دباب : الباحث في الشؤون الاقليمية

المصدر : اذاعة طهران