+ الاخبار الأكثر قراءة
+ جديد البرامج
آخر تحديث : الخميس 2017-11-09 الساعة 07:16:38 بتوقيت غرينتش

مقالات

أربعينية الإمام الحسين أعظم مراسيم في العالم... هل يمكن استثمارها؟


أربعينية الإمام الحسين أعظم مراسيم في العالم... هل يمكن استثمارها؟ احدى مسيرات المشاية لزيارة اربعين الامام الحسين (عليه السَّلام)

 المراسيم السنوية التي تقام في ذكرى مرور أربعين يوماً على استشهاد الإمام الحسين بن علي (عليهما السَّلام)؛ تعد ظاهرة إنسانية واجتماعية ودينية فريدة في شكلها ومضمونها، وحجمها ونوعها، وتشد انتباه المتخصص قبل المراقب العادي.


هذه المراسيم التي تختتم في مدينة كربلاء؛ يوم العشرين من صفر من كل عام هجري؛ تعود جذورها الى أول مراسيم أقامها آل البيت المفجوعين؛ بعد مرور أربعين يوماً على استشهاد الإمام الحسين في العام 61 للهجرة، لم تنقطع حتى سنة واحدة، بالرغم مما تعرضت له من قمع، يتراوح بين التهديد والوعيد لمن يشارك فيها وصولا الى المنع المطلق واعتقال وتعذيب وقتل من يشارك فيها. ولم تشهد استقراراً حتى بعد سقوط نظام البعث الطائفي في العام 2003، وما أعقبه من مشاركة الشيعة في الحكم، إذ ظلت هذه المراسم تتعرض الى أنواع قاسية من حالات العنف من قبل الجماعات التكفيرية الوهابية وبقايا نظام البعث.

 * توصيف ظاهرة مراسيم الأربعينية الحسينية

نقدم هنا توصيفاً احصائياً عاماً تقريباً لهذه الظاهرة؛ على وفق معطيات هذه المراسيم في العام 2016؛ لتكون مدخلاً لدراسة إمكانية استثمارها إنسانياً ودينياً واجتماعياً وأخلاقياً وتعبوياً:

1- اشترك في المراسيم مايقرب من عشرين مليون إنسان؛ بينهم (16) مليون عراقي من داخل العراق؛ أي مايقرب من 40 بالمائة من سكان العراق، أو حوالي 75 بالمائة من شيعة العراق. وهي بذلك أضخم وأكبر مشاركة بشرية في تاريخ العالم وحاضره.

2- اشترك في المراسيم مايقرب من نصف مليون عراقي مغترب؛ وفدوا من حوالي (50) بلداً.

3- اشترك في هذه المراسيم بضعة آلاف من العراقيين السنة، وكذلك من غير المسلمين؛ مسيحيين وصابئة.

4- اشترك في المراسيم مايقرب من ثلاثة ملايين غير عراقي، ينتمون الى أكثر من (70) جنسية. بينهم حوالي مليونين ونصف المليون ايراني، ونصف مليون هندي وباكستاني وأفغاني ولبناني وكويتي وبحريني وسعودي، ومن بلدان أخرى. أي أنه أكبر تجمع أجنبي يجتمع في بلد واحد خلال أيام محددة.

5- انطلق المشاركون من أكثر من (500) مدينة وناحية وقرية عراقية؛ من من جنوب العراق وشرقه وشماله؛ في مسيرات راجلة؛ أي مشياً على الأقدام باتجاه مدينة كربلاء؛ حيث مرقد الإمام الحسين (عليه السَّلام).

6- مجموع طول الطرق التي قطعتها المسيرات الراجلة أكثر (2000) كم. أي أنها أطول مسيرة راجلة عرفتها البشرية.

7- سار المشاة لمدد متفاوتة؛ تبدأ بيوم واحد وتنتهي بخمسة عشر يوماً متواصلاً.
 
8- على مدى الأيام الخمسة عشر التي استغرقتها المسيرة، وعلى طول طرق الألفي كيلومتر التي يقطعها المشاة؛ تم نصب أكثر من مائة ألف سرادق وخيمة ومضيف وحسينية وجامع؛ متراصة ـ غالباً ـ جنباً الى جنب؛ يحمل معظمها اسم (موكب)، وكلها للخدمة؛ أي أنها قدمت مختلف أنواع الخدمات على مدار الأربع وعشرين ساعة يومياً؛ كالطعام والشراب والمرافق الصحية والمبيت والإستراحة والصلاة والعبادة والعلاج والإسعاف والإتصالات والنقل والنظافة والأمن وغيرها. وهي بذلك أضخم وأكبر مجموعة مرافق خدمية تعمل في وقت واحد وفي أماكن متصلة؛ على مستوى العالم.

9- قامت المرافق الخدمية الخاصة بالطعام والشراب، وعلى مدار الساعة، ولمدة خمسة عشر يوماً تقريباً، وعلى طول ألفي كيلومتر؛ بتأمين الطعام والماء والفاكهة والعصير والشاي وغيرها للعشرين مليون مشارك؛ بما مجموعه مائة مليون وجبة طعام تقريباً، ومائة مليون لتر من مياه الشرب، وخمسة ملايين قنينة عصير، وحوالي نصف مليون طن من أنواع الفواكه والخضر. أي ما معدله سبعة ملايين وجبة طعام يومياً تقريباً. أي أنها أطول وأضخم مائدة طعام وشراب عرفتها البشرية حتى الآن.

10- قامت المرافق الخدمية أيضاً بتأمين حوالي خمسين مليون خدمة مبيت للمشاة؛ على طول الطرق التي يقطعونها، وعلى مدى الأيام الخمسة عشر للمراسم. أي أنها على مستوى العالم؛ أكبر استضافة مبيت في مساحة جغرافية متصلة وأوقات محددة.

11- اشترك في العمل في مجمل المرافق الخدمية أكثر من نصف مليون؛ من مختلف الإختصاصات: طباخين، بنائين، تقنيين، عمال، علماء دين، مهندسين، أطباء، صيادلة، سائقين، مترجمين، مرشدين. ولم يستلموا طيلة عملهم فلساً واحداً؛ بل كان كثير منهم يساهم في الإنفاق على المراسيم. أي أنها أكبر كتلة متطوعين عرفتها البشرية حتى الآن.

12- رفعت في هذه المراسيم أكثر من ثلاثة ملايين راية وعلم صغير ومتوسط وكبير، يحمل معظمها الألوان السوداء والخضراء والحمراء. وكل لون يعبر عن معنى معين له دلالة تاريخية ودينية. وانتشرت أيضاً عشرات آلاف النسخ من العلم العراقي، وبضع مئات من أعلام الدول التي يفد منها المشاركون؛ سيما البحرين وايران ولبنان. وبذلك فهي أكبر كمية رايات وأعلام ثابتة ومتحركة ترفع في مناسبة واحدة وفي أماكن متصلة، وبأعداد لم تعرفها البشرية من قبل.

13- الملايين الذين اشتركوا في المراسيم ينتمون الى كل فئات المجتمع وطبقاته وشرائحه: متدينين وغير متدينين (بالرغم من الطابع الديني للمراسيم)؛ أميين ومفكرين ومثقفين وحملة أعلى الشهادات الجامعية، أناس عاديون وكبار قادة الدولة، فقراء وأكثر الأفراد ثراء، جهلة بالدين وكبار الفقهاء والمجتهدين. ولم يظهر أي فرق بين هؤلاء في تقديم كل أنواع الخدمة والبذل والعطاء المادي والمعنوي، بل وحتى في الزي؛ إذ ذابت جميع الفوارق في إطار الملابس السوداء ـ غالبا ـ التي يرتديها المشاركون.

14- لم تحدث طيلة أيام المراسيم، وفي كل المدن والطرق التي تواجد فيها المشاركون العشرين مليون؛ أية حوادث أدت الى اصابات، أو مشاجرات أو أعمال عنف أو حوادث مرورية؛ ولو بسيطة. وهي حالة فريدة تاريخياً وجغرافياً على مستوى العالم.

15- تتحمل مدينة كربلاء العبء الأكبر في المراسيم؛ ككل عام؛ فهي المركز التي تتوجه اليها مسيرات المشاة المليونية، وفيها تختتم المراسيم بمشاركة مالايقل عن خمسة عشر مليون إنسان في يوم العشرين من صفر. وهي أكبر كتلة بشرية؛ على مستوى العالم؛ تشارك بمناسبة واحدة، في مكان واحد وفي يوم واحد.

16- تتحمل مدينة النجف الأشرف؛ العبء الأكبر في المراسيم بعد كربلاء؛ كونها المدينة المؤسِسة لمراسيم مسيرة المشاة الأربعينية في التاريخ الحديث، وأن هذه المراسيم حتى قبل عشرين عاماً كان يقتصر إقامتها على سكان النجف فقط، وكذلك بحكم موقعها الجغرافي، وطبيعة مجتمعها، ووجود مرقد الامام علي. وبذلك تمثل النجف الركيزة الأساس في إحياء هذه الذكرى، وتتحمل المسؤولية التاريخية في حمايتها معنويا وماديا، فضلا عن العبء. وقدر حجم إنفاق أهالي النجف على هذه المراسيم لهذا العام مايقرب من 100 مليون دولار؛ أي حوالي 20 بالمائة من مجموع ماينفق على جميع المراسيم، وكلها تبرعات من الأهالي. فضلا عن أن معظم سكان مدينة النجف يتفرغ لإحياء هذه المراسيم لمدة تتراوح من 5 الى 15 يوماً متواصلة، وتكان تخلو المدينة من سكانها المليون ونصف المليون خلال الأيام الأربعة الأخيرة من المراسيم.

17- مجموع ما أنفقه الأهالي على جميع المراسيم هذا العام؛ وبدوافع ذاتية محضة؛ بلغ حوالي (500) مليون دولار. وتراوح حجم تبرعات الأفراد بين 250 دينار عراقي (20 سنت أمريكي) و 650 مليون دينار عراقي (500 ألف دولار أمريكي).

18- هؤلاء الملايين المشاركين في المراسيم، وكذا المتبرعين بأموالهم ووقتهم وممتلكاتهم؛ يتحركون بدوافع ذاتية، لادخل فيها لدولة أو حكومة أو تنظيم أو مرجعية سياسية أو دينية، ولا علاقة لها بقرارات سياسية أو اجتماعية أو فتاوى؛ بل ترتكز هذه الدوافع على قاسم مشترك؛ هو الإيمان بقضية الإمام الحسين (عليه السَّلام) وذكراه، وأنها جديرة بأن تُحيى وتستمر.

القسم الأول من المقال

للكاتب / الدكتور علي المؤمن

 بعونه تعالى نوافيكم بالأقسام الباقية لهذا المقال



المصدر : اذاعة طهران العربية