آخر تحديث : السبت 2017-09-09 الساعة 13:16:12 بتوقيت غرينتش

مقالات

موقف نصر الله.. إختبار إلهي للوعي الشيعي


موقف نصر الله.. إختبار إلهي للوعي الشيعي الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله
إختبار تاريخي للمسلمين بدء بصلح الحديبية ليتكرر في معركة صفين حين رفع معاوية المصاحف وليظهر مرة اخرى في واقعة كربلاء حينها ثار بعض الخوارج على الامام الحسين (ع) قائلين له لقد اشركت يا حسين كما اشرك ابوك ...واليوم يتكرر هذا الاختبار الالهي مع السيد حسن نصر الله .

بينما كانَ المسلمونَ ينتقلونَ من نصرٍ إلى نصرٍ بقيادةِ رسول الإنسانية محمد صلى الله عليه وآله، حيث وحّدَتهم الانتصارات ورفرفت على رؤوسهم رايات العزِّ وألويةُ الغَلبةِ التي سطروها ببسالتهم وتضحياتهم وتلاحمهم، شاءَ الله تعالى أن يختبرَ وعيهم وبصائرهم ورُشدَهم السياسي ويقينهم وطاعتهم وتسليمهم لرسوله المصطفى صلى الله عليه وآله.. فامتحنهم بصلحِ الحديبية مع كفّارِ قريش الذين جمعوا لؤم الكفر ورجس الشرك وقبيح النفاق.. وكان ذلك أخطرَ اختبارٍ لوعي المسلمين وايمانهم بربهم وبنفس الوقت كانَ ثروةً سياسية كبيرة تضافُ الى خياراتهم الحاسمة عندما لا يكونُ الجهادُ هو الحل والمخرجُ من الأزمات الطارئة ..

وهنا وعند ضبابية الرؤية ..واستحكام الشبهة على مقاييس العقل والمنطق وانعطاف الموقف النبوي من منطق الحرب والتقدم الى موقف الصلح والتراجع عن المصالح الظاهرة التي يؤمُّها الصحابةُ الكرام.. ثارت ثائرتهم على نبي الله ورسول الإسلام وحامي حمى الشريعة يؤنبونه على قبول الصلح ويُشككون في صحةِ موقفه في  أولوية السلم والتراجع ويومؤون الى كونه ليس أمراً إلهياً، بل اجتهاداً بشرياً خاطئاً.. وهنا انطبقت عليهم الآيات المباركات في بداية سورة العنكبوت حيث يقول سبحانه: (بسم الله الرحمن الرحيم .ألم . أحسبَ الناسُ أن يُتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يُفتنون. ولقد فتنّا الذين من قبلهم  فلَيعلمَنَّ اللهُ الذين صدَقوا وَلَيعلَمَنَّ الكاذبين) صدق الله العلي العظيم.

فلقد استطاعت قوى الشرّ من المنافقين الذين تغلغلوا في أوساطهم وإنسابوا كالأفاعي بين ظهرانيهم من إشاعة الشك في عقلهم وزلزلة إيمانهم وشرخِ صلابة عقيدتهم بقيادتهم حتى نسوا أو تناسوا أمرَ الله لهم بطاعة نبيهم الكريم وتأكيده على أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى ولولا مواقف بعض الصحابة الأتقياء من ذوي الرُشدِ والبصيرة وعلى رأسهم علي بن أبي طالبٍ صلوات الله عليه لنَحى المنافقون بعامةِ جيش النبي صلى الله عليه وآله منحى التمردِ والعصيان.. وبعدَ قبولهم الأمرَ على مضضٍ تبيّن لهم فيما بعد أن الصلحَ النبوي كان أعظم المفاتيح لفتح الله الأكبر وهو فتح مكة.

وشاء الله أن يتكرر ذلك الاختبارُ الإلهي مع جيش الامام علي عليه السلام في صفين حينما رفع معاوية وجيشه المصاحف على الرماح وانقسم جيش العراق بين  مؤيدٍ للقتالِ وكارهٍ له مانعٍ منه.. حتى اضطروا علياً لقبوله.

وما أن قَبِلهُ سيد الأوصياء مضطراً حتى كَفّرهُ الخوارج واستحلوا قتاله ودمه.. وهكذا لما اضطرّ الامام الحسن الزكي عليه السلام الى الصلح نتيجة الظروف الميدانية، فقد ثار عليه بعض الخوارج  قائلين "لقد أشركت ياحسن كما أشرك أبوك من قبل".. وطعنوه في فخذه، بل آذاه باللوم والعذل الشديد حتى بعض خُلَّصِ أصحابه حينما قال له "يا مذلّ المؤمنين".. هكذا يكون المنطق عندما يغيب الوعي والإنصاف.. وهكذا يكون الموقف عندما يغيب الدين والرشد السياسي وتستحكم العاطفةُ والعصبية على العقل والبصيرة.

واليوم وفي هذه المرحلة ِ الخطيرة من تأريخ الأمة وإبّان هذه الفتن حالكة السواد التي يقف فيها الحليمُ حيراناً.. حيث تحمّلَ شيعةُ آل محمد صلوات الله عليهم أعباء الدفاع عن الإسلام المحمدي الأصيل.. ووقفوا بكل إيمانٍ وصلابة وتفانٍ وبسالةٍ بوجه المشروع الصهيو امريكي المتمثل بداعش وأضرابها من التنظيمات الإرهابية في العراق وسوريا ولبنان.. ورسموا أعظم صورِ الشجاعة والتضحية والإيثار والإنقطاع الى الله تعالى وحازوا النصر تلو النصرِ بسواعدهم وسيوفهم ودمائهم، بقلبٍ واحدٍ، وعزم واحدٍ، وساعدٍ واحد.

حيث حاولت دهاليز اميركا وبريطانيا واسرائيل واذرعتها في الشرق الأوسط نشرَ الفتن والحزازات والمناكفات بين تلك الصفوف الملائكية المتراصة أمام الموت كالجسد الواحد.. فباءت بالفشل وعادت تجرُّ أذيال الخزي والخيبةِ والخذلان.

ولكنَّ ما أثار عجبي!... كيف تمكّنَ منطق المشروع الأمريكي الوهابي من التسلل الى عقل الشارع الشيعي لأرى بعض الكُتّاب والسياسيين والاعلاميين من الشيعة الكرام قد ابتلعوا الطُعم (السعو-امريكي) وصاروا يرددون كالببغاوات نقدَ السيد نصر الله والتهجمَ عليهِ وكأنه شخصٌ طارئٌ على الساحة السياسية الشيعية والدولية.. وقد تتبعتُ المواقفَ والتصريحات والحركة الإعلامية عبر الفضائيات بدقةٍ متناهية.. فعلمتُ أن القضية ليست قضية نقل الدواعش من مكان الى مكان.. وإنما هي لعبةٌ اعلاميةٌ قذرة يقف خلفها مخطط (امريكي - سعودي - صهيوني) خطيرٌ جداً لتمزيق الصف الشيعي التأريخي المتين وتفتيت الإتحاد العلوي الصلب الذي أوجع دول الاستكبار وأفشل  جميع مخططات الهيمنة على دول العرب والمسلمين.

وأودُّ أن أسأل المسلمين كافة:

مَن الذي أذلّ إسرائيل غير نصر الله؟

ومَن الذي دافع (من العرب) عن فلسطين والقدس المحتلة غير نصر الله؟

ومن الذي هزم المشروع الامريكي في لبنان وسوريا غير نصر الله؟

ومن الذي صدع بالحق يوم سكتّم عن ظلامة الشعب اليمني غير نصر الله؟

ومن الذي دافع عن ظلامة الشعب البحريني يوم تغاضيتم غير نصر الله؟

ومن الذي دافع عن عرض النبي صلى الله عليه واله وكشف اقنعة المندسين في التشيع زوراً وبهتاناً غير نصر الله؟

ومن الذي قدم الانتصارات تلو الانتصارات الى الشعوب الاسلامية كلها متعالياً على الجراح غيرُ نصر الله؟

ومن الذي نبذَ لغة التطرف والمذهبية ونادى باسم الاسلام وراعى مشاعر جميع مذاهب المسلمين غيرُ نصر الله؟

وأخاطبُ شيعة العراق:

من الذي وقف معكم من اول يوم لسقوط صدام من العرب غير نصر الله؟

ومن الذي دافع عن ظلامتكم ودمائكم يوم تغاضى العرب غير نصر الله؟

ومن الذي جاهرَ بحقكم بالحكم يوم سكت العرب غير نصر الله؟

ومن الذي ساندكم بخبرته وسلاحه ورجاله وابطاله يوم احتوشكم ذؤبان العرب غير نصر الله؟

ومن الذي وقف يفتخر بشجاعة العراقيين وتغنّى ببسالتهم بكل تواضعٍ ومحبةٍ من العرب غير نصر الله؟

ومن الذي حاصر داعش وقصم ظهرها في لبنان وسوريا وساعدنا في العراق لاستئصالهم من العرب غير نصر الله؟

أفبعد كل هذه الأخوة والإخلاص والتفاني ونكران الذات من نصر الله وحزب الله لنا.. نصدّقُ اعلام دواعش آل سعود ومحمد بن زايد وآل خليفة وامريكا واذنابها من لصوص الساسة العراقيين الذين ركبوا ظهر الموجة وقرعوا طبول التشويه ونُكذِّبُ  السيد حسن نصر الله؟

لماذا؟

ولصالح من نبيعُ نصر الله؟

ومن هو البديلُ الذي تُعدُّهُ ماكنة الإعلام الداعشي العربي؟

وما الذي فعلهُ نصرُ الله لتتفجرَ بوجهه كل براكين الحقد والتهم هذه؟

ان كانت هناك ثمة شبهةٍ في الأمر فقد أصدر نصر الله بياناً أوضح فيه حيثيات الموقف والظروف الانسانية لذوي الاسرى التي دفعته الى تلك الصفقة ثم انه بيّن ان الدواعش تم نقلهم وهم عاجزون منكسرون الى أماكن مطوّقةٍ لا يمكن لهم اختراقها الى العراق.. ثم تم تغيير وجهتهم بعد ذلك الى مناطق اخرى احتراماً لمشاعر العراقيين؟

فلماذا صرنا نُكذِّبُ أخوتنا ونُصدّقُ اعدائنا وقَتَلَتنا؟

ثم إني أريدُ أن أسألَ هؤلاء المستقتلين اليوم على ثغور العراق المتهِمين للسيد نصر الله بدفع داعش علينا؟

أين كانت ألسنتكم وأقلامكم عن مؤامرات دول البترول على العراق؟

أين كانت اقلامكم ومقالاتكم عن مؤامرات مسعود البارزاني على العراق وشعبه ووحدة أراضيه؟

أين هي أقلامكم ومقالاتكم عن جرائم اذناب داعش في الدولة العراقية المعاصرة الذين يسيطرون اليوم على أهم مفاصل الدولة والحكم في العراق؟

أين اقلامكم ومقالاتكم ونقدكم لفساد وسرقات ونهب الاحزاب الحاكمة في العراق القائمة على حكمه وسرقته وفقاً للمحاصصة الطائفية البغيضة التي رجعت بالعراق وأهله الى العصور الوسطى جهلاً وتخلفاً وفقراً وانقساماً؟

فيا شيعة آل محمد لا تكونوا كأصحاب النبي يوم صلح الحديبية.. ولا كالخوارج يوم صلح علي عليه السلام مع معاوية.. ولا كالمتشددين من اصحاب الحسن عليه السلام الذين اسمعوه ما جرحَ قلبهَ اكثرَ من سمّ جعدة.

كونوا كأصحاب الحسين بن علي عليهما السلام في كربلاء الذين لم يفرّطوا بساداتهم.. ولم تخدعهم أكاذيبُ أعدائهم .. ولم تفرقهم عن قادتهم كل ألاعيب الإعلام الأموي الملغوم.

وأودُّ أن أقولَ بكل صدق وانصاف بلاخوفٍ ولا تردد:

أيها المسلمون.. لقد تركتم السيد نصر الله وحيداً في مواجهة امريكا وبريطانيا واوروبا واسرائيل واذرعتهم في المنطقة.. ولم تؤازروه ولم تنصروه.. بل كنتم ومازلتم تتجنبون مجرد ذكره في خطبكم ومقالاتكم واعلامكم خوفاً على مناصبكم ومكاسبكم وحذراً من هياج العامة عليكم..

وكنتم تتقربون ومازلتم الى السلاطين وأولي النعمة عليكم بالتنكر لنصر الله والتغاضي عن انتصاراته التي عجزت عن تحقيقها جميع حكومات بلدانكم.. ولم تفتأوا تكيلون له التهم والتشويه.. ولم يزل يهديكم النصر تلو النصر ويبادلكم التكريم والاحترام والتبجيل ومراعاة المشاعر وحفظ المقدسات.. فمتى تستيقظ ضمائركم من هذا التخدير الصهيو امريكي الثقيل؟

أقول ذلك للسنة والشيعة سواءاً

وختاماً أودُّ ألقولَ: أنني لستُ من حزب الله، ولم أرَ السيد نصر الله، ولم ينطقني إلا الغيرة لدين الله، ولا يهمني في سبيل الله شتمٌ ولا قذفٌ ولا تهريج.. وانما رأيتُ الحقَّ غريباً أغضى عنهُ قومٌ وخذلهُ آخرون.. فقلتُ ما رأيتُ قوله واجباً، والسكوت عنه خذلاناً آثماً.. وكفى بالله ناصراً ومعيناً.

السيد حامد الحسيني الميالي

المصدر : وكالة انباء التقريب