تراث أهل البيت (ع) نسخة للطباعة
الموضوع:
  • الخطبة الفدكية
التاريخ: 2006-04-13 00:00:00

خطبتا الصديقة الزهراء(ع) في الدفاع عن الامامة

ان من اهم ذخائر تراث اهل بيت النبوة (عليهم السلام) خطبتا الصديقة الزكية فاطمة الزهراء سلام الله عليهما بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد بينت فيهما اصول الاسلام المحمدي الاصيل الذي جاء به ابوها سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) واتمت على القوم الحجة الالهية البالغة فيما يرتبط باتباع الدين الحق ودور الامامة الالهية في هداية الامة الى المحجة البيضاء، وحذرت الامة من عواقب تجاهلها لوصايا النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) بالتمسك بعرى الثقلين وما سينزل بها من فتن وويلات نتيجة لذلك وقد صدق التأريخ الاسلامي ما اخبرت عنه صلوات الله عليها.
لقد اتخذت (سلام الله عليها) من قضية غصب فدك منطلقا لبيان الظلم النازل باهل بيت النبي بعد وفاته، بل وبه (صلى الله عليه وآله) بتجاهل وصاياها، وهذا هو محور الخطبة الاولى التي عرفت بالفدكية والتي حثت احاديث اهل البيت (عليهم السلام) على دراستها وتعليمها للصغار والكبار، اما محور الخطبة الثانية وهي التي القتها على جمع من نساء المهاجرين والانصار فهو بيان ما سينزل بالامة نتيجة لنكران بيعة الغدير وتجاهل وصية النبي(ص) بالتمسك بالثقلين.
فيما يلي كلا هاتين الخطبتين مشفوعة بشرح العلامة المجلسي لفقراتها:
*******

الاولى: خطبتها الفدكية في مسجد النبي(ص)

روى عبد الله بن الحسن (عليه السلام) بإسناده عن آبائه (عليهم السلام) أنه لما أجمع(3) أبو بكر على منع فاطمة (عليها السلام) فدك، وبلغها ذلك، لاثت خمارها على رأسها(4)، واشتملت بجلبابها(5)، وأقبلت في لمة(6) من حفدتها(7) ونساء قومها، تطأ ذيولها(8)، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله (صلى الله عليه وآله)(9)، حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد(10) من المهاجرين والأنصار وغيرهم فنيطت دونها ملاءة(11)، فجلست، ثم أنّت أنّة أجهش القوم(12) لها بالبكاء. فارتجّ المجلس(13). ثم أمهلت هنيةً(14) حتى إذا سكن نشيج القوم(15)، وهدأت فورتهم(16)، افتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله، فعاد القوم في بكائهم، فلما أمسكوا عادت في كلامها، فقالت (عليها السلام): الحمد لله على ما أنعم وله الشكر على ما ألهم، والثناء بما قدّم، من عموم نعم ابتدأها(17)، وسبوغ آلاء أسداها(18)، وتمام منن والاها(19)، جم عن الإحصاء عددها(20)، ونأى عن الجزاء أمدها(21)، وتفاوت عن الإدراك أبدها(22)، وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتصالها(23)، واستحمد إلى الخلائق بإجزالها(24)، وثنّى بالندب إلى أمثالها(25). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة جعل الإخلاص تأويلها(26)، وضمّن القلوب موصولها(27)، وأنار في الفكر معقولها(28)، الممتنع من الأبصار رؤيته(29)، ومن الألسن صفته،(30) ومن الأوهام كيفيته. ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها(31)، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها(32)، كوّنها بقدرته، وذرأها بمشيته، من غير حاجة منه إلى تكوينها، ولا فائدة له في تصويرها إلا تثبيتاً لحكمته، وتنبيهاً على طاعته(33)، وإظهاراً لقدرته، وتعبّداً لبريته(34)، وإعزازاً لدعوته(35) ثم جعل الثواب على طاعته، ووضع العقاب على معصيته، ذيادةً لعباده عن نقمته(36) وحياشة منه إلى جنته(37). وأشهد أن أبي محمد (صلى الله عليه وآله) عبده ورسوله، اختاره وانتجبه قبل أن أرسله، وسماه قبل أن اجتبله(38)، واصطفاه قبل أن ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة، وبستر الأهاويل مصونة(39)، وبنهاية العدم مقرونة، علماً من الله تعالى بمآيل الأمور(40)، وإحاطة بحوادث الدهور، ومعرفة بمواقع المقدور(41) ابتعثه الله تعالى إتماماً لأمره(42)، وعزيمة على إمضاء حكمه، وإنقاذاً لمقادير حتمه(43). فرأى الأمم فرقاً في أديانها، عكفاً على نيرانها(44)، عابدة لأوثانها، منكرة لله مع عرفانها(45) فأنار الله محمدٍ (صلى الله عليه وآله) ظلمها(46)، وكشف عن القلوب بهمها(47) وجلى عن الأبصار غممها(48)، وقام في الناس بالهداية، وأنقذهم من الغواية، وبصرهم من العماية(49) وهداهم إلى الدين القويم، ودعاهم إلى الطريق المستقيم. ثم قبضه الله إليه رأفة واختيار(50) ورغبة وإيثار بمحمدٍ(51) (صلى الله عليه وآله) عن تعب هذه الدار في راحة، قد حُفّ بالملائكة الأبرار، ورضوان الرب الغفار، ومجاورة الملك الجبار، صلى الله على أبي نبيه وأمينه على الوحي، وصفيه وخيرته من الخلق ورضيّه، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته. ثم التفتت إلى أهل المجلس وقالت: أنتم عباد الله نصب أمره ونهيه(52) وحملة دينه ووحــــيه، وأمناء الله على أنفسكم، وبــــلغاؤه إلى الأمم(53): وزعمتم حــــق لكم(54) لله فيكم، عهد قدّمه إليكم، وبقية استخلفها عليكم(55): كتاب الله الناطق، والقرآن الصادق، والنور الساطع، والضياء اللامع، بيّنة بصائره(56)، منكشفة سرائره(57)، متجلية ظواهره، مغتبطة به أشياعه(58)، قائد إلى الرضوان اتّباعه، مؤدٍ إلى النجاة إسماعه(59). به تُنال حجج الله المنورة، وعزائمه المفسرة، ومحارمه المحذّرة، وبيّناته الجالية، وبراهينه الكافية، وفضائله المندوبة، ورخصه الموهوبة(60)، وشرائعه المكتوبة. فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك، والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر، والزكاة تزكية للنفس(61) ونماءً في الرزق(62)، والصيام تثبيتاً للإخلاص(63)، والحج تشييداً للدين(64)، والعدل تنسيقاً للقلوب(65)، وطاعتنا نظاماً للملة، وإمامتنا أماناً من الفرقة، والجهاد عز للإسلام، والصبر معونة على استيجاب الأجر(66)، والأمر بالمعروف مصلحة للعامة، وبر الوالدين وقاية من السخط(67)، وصلة الأرحام منماة للعدد(68)، والقصاص حصناً للدماء، والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة، وتوفية المكاييل والموازين تغييراً للبخس(69) والنهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرجس(70)، واجتناب القذف حجاباً عن اللعنة(71)، وترك السرقة إيجاباً للعفة(72)، وحرم الله الشرك إخلاصاً له بالربوبية، (اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) وأطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، فإنه (إنما يخشى الله من عباده العلماء). ثم قالت: أيها الناس اعلموا أني فاطمة، وأبي محمد (صلى الله عليه وآله)، أقول عوداً وبدءاً(73)، ولا أقول ما أقول غلطاً، ولا أفعل ما أفعل شططاً(74): (لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم(75) عزيزٌ عليه ما عنتم(76) حريص عليكم(77) بالمؤمنين رؤوف رحيم(78))(79)، فإن تعزوه(80) وتعرفوه تجدوه أبي دون نسائكم، وأخا ابن عمي دون رجالكم، ولنعم المعزيّ إليه (صلى الله عليه وآله). فبلغ الرسالة صادعاً بالنذارة(81)، مائلاً عن مدرجة المشركين(82)، ضارباً ثبجهم(83)، آخذاً بأكظامهم، داعياً إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة(84)، يكسر الأصنام، وينكت الهام(85)، حتى انهزم الجمع وولوا الدبر، حتى تفرّى الليل عن صبحه(86)، وأسفر الحق عن محضه(87)، ونطق زعيم الدين(88)، وخرست شقائق الشياطين(89)، وطاح وشيظ النفاق(90)، وانحلت عقد الكفر والشقاق، وفُهتم بكلمة الإخلاص(91) في نفر من البيض الخماص(92)، وكنتم على شفا حفرة من النار(93)، مذقة الشارب، ونهزة الطامع(94)، وقبسة العجلان(95)، وموطئ الأقدام(96)، تشربون الطرق(97)، وتقتاتون الورق(98)، أذله خاسئين(99)، (تخافون أن يتخطفكم الناس فاواكم)(100). فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد (صلى الله عليه وآله) بعد اللتيا والتي(101)، وبعد أن مني ببُهم الرجال وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب(102)، (كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله)، أو نجم قرن للشيطان(103)، وفغرت فاغرة من المشركين(104) قذف أخاه في لهواتها(105)، فــــلا ينكفئ(106) حتى يطأ صــــماخها بأخمصه، ويُخمد لهبها بسيفه(107)، مكدوداً في ذات الله(108)، مجتهداً في أمر الله، قريباً من رسول الله سيد أولياء الله(109)، مشمراً ناصحاً(110)، مجداً كادحاً(111)، وأنتم في رفاهية من العيش، وادعون فاكهون آمنون(112)، تتربصون بنا الدوائر(113)، وتتوكّفون الأخبار(114)، وتنكصون عند النزال(115)، وتفرون عند القتال. فلما اختار الله لنبيه دار أنبيائه ومأوى أصفيائه، ظهر فيكم حسيكة النفاق(116)، وسمل جلباب الدين(117)، ونطق كاظم الغاوين(118)، ونبغ خامل الأقلين(119)، وهدر فنيق المبطلين(120). فخطر في عرصاتكم(121)، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه، هاتفاً بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين(122)، وللغرة فيه ملاحظين(123). ثم استنهضكم(124) فوجدكم خفافاً(125) وأحمشكم فألفاكم غضاباً(126)، فوسمكم غير إبلكم(127)، وأوردتم غير شربكم(128)، هذا والعهد قريب، والكلم رحيب(129)، والجرح لما يندمل(130)، والرسول لما يقبر(131)، ابتداراً زعمتم خوف الفتنة(132)، (ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) (133). فهيهات منكم، وكيف بكم، وأنّى تؤفكون؟ وكتاب الله بين أظهركم(134)، أموره ظاهرة، وأحكامه زاهرة(135)، وأعلامه باهرة، وزواجره لائحة، وأوامره واضحة، قد خلفتموه وراء ظهوركم، أرغبة عنه تريدون، أم بغيره تحكمون (بئس للظالمين بدلاً(136))(137)، (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)(138). ثم لم تلبثوا أن تسكن نفرتها، ويسلس قيادها(139) ثم أخذتم تورون وقدتها(140)، وتهيجون جمرتها(141)، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي(142)، وإطفاء أنوار الدين الجلي، وإهماد سنن النبي الصفي(143)، تُسرّون حسواً في ارتغاءٍ(144)، وتمشون لأهله وولده في الخَمَر والضراء(145)، ونصبر منكم على مثل حز المدى(146)، ووخز السنان في الحشا(147)، وأنتم تزعمون ألا إرث لنا، (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون)(148). أفلا تعلمون؟ بلى تجلى لكم كالشمس الضاحية(149) أني ابنته. أيها المسلمون أأغلب علـــى إرثيه(150) يا ابن أبـــي قحافة‍ أفي كـــتاب الله أن ترث أبـــــاك، ولا أرث أبي؟ (لقد جئت شيئاً فرياً(151))(152)، أفعلى عمدٍ تركتم كتاب الله، ونبذتموه وراء ظهوركم، إذ يقول: (وورث سليمان داود)(153)، وقال فيما اقتص من خبر يحيي بن زكريا عليهما السلام إذ قال رب (فهب لي من لدنك ولياً / يرثني ويرث من آل يعقوب)(154)، وقال: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله)(155)، وقال: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) (156)، وقال: (إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين) (157)، وزعمتم ألا حظوة لي(158)، ولا إرث من أبي لا رحم بيننا‍! أفخصّكم الله بآية أخرج منها أبي؟ أم هل تقولون أهل ملتين لا يتوارثان، ولست أنا وأبي من ملة واحدة،؟‍ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي(159)؟ فدونكها مخطومة مرحولة(160). تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد(161) والموعد القيامة، وعند الساعة ما تخسرون(162) ولا ينفعكم إذ تندمون، ولكل نبأ مستقر (فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه(163) ويحل عليه عذاب مقيم(164)). ثم رمت بطرفها(165) نحو الأنصار فقالت يا معاشر الفتية(166)، وأعضاد الملة(167) وأنصار الإسلام ما هذه الغميزة في حقي(168)؟ والسّنة عن ظلامتي(169) أما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبي يقول: (المرء يُحفظ في ولده)؟ سرعان ما أحدثتم، وعجلان ذا إهالة(170)، ولكم طاقة بما أحاول، وقوة على ما أطلب وأزاول أتقولون مات محمد (صلى الله عليه وآله)؟‍ فخطب جليل استوسع وهيه(171)، واستنهر فتقه، وانفتق رتقه(172)، وأظلمت الأرض لغيبته، وكسفت النجوم لمصيبته(173)، وأكدت الآمال(174) وخشعت الجبال، وأُضيع الحريم(175) وأزيلت الحرمة عند مماته(176) فتلك والله النازلة الكبرى(177) والمصيبة العظمى، لا مثلها نازلة ولا بائقة عاجلة(178) أعلن بها كتاب الله ـ جل ثناؤه ـ في أفنيتكم في ممساكم ومصبحكم(179) هتافاً وصراخاً وتلاوة وإلحاناً،(180) ولقبله ما حل بأنبياء الله ورسله، حكم فصل وقضاء حتم(181) (وما محمد إلا رسول قد خلت(182) من قبــــله الرسل أفإن مــــات أو قتل انقلـــبتم على أعــــقابكم(183) ومن ينــقلب على عـــقبـــيه فلن يضر الله شيئاً وسجزي الله الشــــــاكرين(184))(185). أيهاً بني قيلة(186)! أأُهضم تراث أبِيَه(187) وأنتم بمرأى مني ومسمع(188)، ومبتدأٍ ومجمع(189)؟!‍ تلبسكم الدعوة، وتشملكم الخبرة(190) وأنتم ذوو العدد والعدة، والأداة والقوة، وعندكم السلاح والجنة، توافيكم الدعوة فلا تجيبون، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون، وأنتم موصوفون بالكفاح(191)، معروفون بالخير والصلاح، والنجبة التي انتجبت(192)، والخيرة التي اختيرت(193)!‍ قاتلتم العرب، وتحملتم الكد والتعب، وناطحتم الأمم(194)، وكافحتم البهم(195)، فلا نبرح أو تبرحون(196)، نأمركم فتأتمرون(197)، حتى دارت بنا رحى الإسلام(198) ودرّ حلب الأيام(199)، وخضعت نعرة الشرك(200)، وسكنت فورة الإفك(201)، وخمدت نيران الكفر(202)، وهدأت دعوة الهرج(203)، واستوسق نظام الدين(204)، فأنّى جرتم بعد البيان(205)، وأسررتم بعد الإعلان، ونكصتم بعد الإقدام(206)، وأشركتم بعد الإيمان؟ (ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشوهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين(207))(208). ألا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض(209)، وأبعدتم من هو أحق بالبسط والقبض(210)، وخلوتم بالدعة(211)، ونجوتم من الضيق بالسعة، فمججتم ما وعيتم(212)، ودسعتم الذي تسوغتم(213)، (إن تكفروا(214) أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغني حميد)(215) ألا وقد قلت ما قلت على معرفة مني بالخذلـــــة التي خامرتكم(216)، والغدرة الــــتي استشعرتــــها قلوبكم(217) ولكنها فيضة النفس(218)، ونفثة الغيظ(219)، وخور القنا(220)، وبثة الصدور(221)، وتقدمة الحجة(222). فدونكموها فاحتقبوها(223) دبرة الظهر(224) نقبة الخف(225) باقية العار(226) موسومة بغضب الله وشنار الأبد(227)، موصولة بنار الله الموقدة(228) التي تطلع على الأفئدة. فبعين الله ما تفعلون(229) (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب(230) ينقلبون)(231)، وأنا ابنة نذير لكم(232) بين يدي عذابٍ شديدٍ، (اعملوا(233) على مكانتكم إنا عاملون / وانتظروا إنا منتظرون)(234). فأجابها أبو بكر عبد الله بن عثمان، فقال: يا ابنة رسول الله، لقد كان أبوك بالمؤمنين عطوفاً كريماً، ورؤوفاً رحيماً، وعلى الكافرين عذاباً أليماً وعقاباً عظيماً، فإن عزوناه وجدناه أباك دون النساء، وأخاً لبعلك دون الإخلاء، آثره على كل حميم، وساعده في كل أمر جسيم، لا يحبكم إلا كل سعيد، ولا يبغضكم إلا كل شقي، فأنتم عترة رسول الله (صلى الله عليه وآله) الطيبون، والخيرة المنتجبون، على الخير أدلتنا، وإلى الجنة مسالكنا، وأنت ـ يا خيرة النساء وابنة خير الأنبياء ـ صادقة في قولك، سابقة في وفور عقلك، غير مردودة عن حقك، ولا مصدودة عن صدقك، ووالله، ما عدوت رأي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ولا فضة ولا داراً ولا عقاراً، وإنما نورث الكتب والحكمة، والعلم والنبوة، وما كان لنا من طعمة فلولي الأمر بعدنا أن يحكم فيه بحكمه). وقد جعلنا ما حاولته في الكراع والسلاح يقابل به المسلمون، ويجاهدون الكفار، ويجالدون المردة(235) ثم الفجار. وذلك بإجماع من المسلمين لم أتفرد به وحدي، ولم أستبد(236) بما كان الرأي فيه عندي. وهذه حالي، ومالي هي لك وبين يديك، لا نزوي عنك(237) ولا ندخر دونك، وأنت سيدة أمة أبيك، والشجرة الطيبة لبنيك، لا يدفع ما لك من فضلك، ولا يوضع من فرعك وأصلك(238) حكمك نافذ فيما ملكت يداي، فهل ترين(239) أن أخالف في ذلك أباك (صلى الله عليه وآله)؟ فقالت (عليها السلام): سبحان الله! ما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن كتاب الله صادفاً(240) ولا لأحكامه مخالفاً، بل كان يتبع أثره(241)، ويقفو سوره(242) أفتجمعون إلى الغدر اعتلالاً عليه بالزور(243) وهذا بعد وفاته شبيه بما بغي له من الغوائل في حياته(244) هذا كتاب الله حكماً عدلاً، وناطقاً فصلاً، يقول: (يرثني ويرث من آل يعقوب)، (وورث سليمان داوود) فبين عز وجل فيما وزع عليه من الأقساط، وشرع من الفرائض والميراث، وأباح من حظ الذكران والإناث ما أزاح علة المبطلين(245) وأزال التظني والشبهات في الغابرين(246)، كلا (بل سولت لكم أنفسكم(247) أمراً فصبرٌ جميلٌ(248) والله المستعان على ما تصفون)(249). فقال أبو بكر: صدق الله ورسوله، وصدقت ابنته، أنت معدن الحكمة، وموطن الهدى والرحمة، وركن الدين وعين الحجة، لا أبعد صوابك، ولا أنكر خطابك(250) هؤلاء المسلمون بيني وبينك، قلدوني ما تقلدت، وباتفاق منهم أخذت ما أخذت(251) غير مكابر ولا مستبد ولا مستأثر(252) وهم بذلك شهود. فالتفتت فاطمة (عليها السلام) وقالت: معاشر الناس المسرعة إلى قيل الباطل(253)، المغضية(254) على الفعل القبيح الخاسر (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها(255))(256)، كلا بل ران على قلوبكم(257) ما أسأتم من أعمالكم، فأخذ بسمعكم وأبصاركم، ولبئس ما تأولتم(258)، وساء ما به أشرتم(259)، وشر ما منه اعتضتم(260)، لتجدن ـ والله ـ محمله ثقيلاً(261) وغبه وبيلاً(262) إذا كشف لكم الغطاء، وبان ما وراءه الضراء(263)، (وبدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون(264))(265) و(خسر هنالك المبطلون(266))(267). ثم عطفت على قبر النبي (صلى الله عليه وآله) وقالت(268):
قد كان بعدك أنباء وهنبثة
لو كنت شاهدها لم تكبر الخطب
إنا فقدناك فقد الأرض وابله
واختل قومك فاشهدهم وقد نكبوا(269)
وكل أهل له قربى ومنزلة
عند الإله على الأدنين مقترب(270)
أبدت رجال لنا نجوى صدورهم
لما مضيت وحالت دونك الترب(271)
تجهمتنا رجالٌ واستخف بن
لما فقدت وكل الأرض مغتصب(272)
و كنت بدراً ونوراً يستضاء به
عليك تنزل من ذي العزة الكتب
و كان جبريل بالآيات يؤنسن
فقد فقدت فكل الخير محتجب(273)
فليت قبلك كان الموت صادفن
لما مضيت وحالت دونك الكثب(274)
إنا رزئنا بما لم يرز ذو شجن
من البرية لا عجم ولا عرب(275)
ثم انكفأت (عليها السلام) وأمير المؤمنين (عليه السلام) يتوقع رجوعها إليه، ويتطلع طلوعها عليه(276). فلما استقرت بها الدار(277) قالت لأمير المؤمنين (عليه السلام): يا ابن أبي طالب! اشتملت شملة الجنين(278)، وقعدت حجرة الظنين(279)! نقضت قادمة الأجدل(280)، فخانك ريش الأعزل(281) هذا ابن أبي قحافة(282) يبتزني نحيلة أبي وبلغة ابني(283) لقد أجهر في خصامي(284) وألفيته ألد في كلامي(285)، حتى حسبتنـــي قيلة نصرهــــا، والمهاجــــرة وصلهـــــــا(286)، وغضت الجماعة دوني طرفها(287)، فلا دافع ولا مانع، خرجت كاظمة، وعدت راغمة(288)، أضرعت خدك(289) يوم أضعت حدك(290)، افترست الذئاب، وافترشت التراب(291)، ما كففت قائلاً، ولا أغنيت باطلاً(292) ولا خيار لي. ليتني مت من قبل هنيتي(293) ودون زلتي(294). عذيري الله منك عاديـــاً ومنـــــك حاميــــاً(295). ويــــلاي من كل شارق(296)، مات العمد(297)، ووهت العضد. شكواي إلى أبي، وعدواي إلى ربي(298). اللهم أنت أشد قوة وحولاً(299)، وأحد بأسا ًوتنكيلاً(300). فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا ويل عليك، الويل لشانئك(301)، نهنهي عن وجدك يا ابنة الصفوة(302) وبقية النبوة، فما ونيت عن ديني، ولا أخطأت مقدوري(303)، فإن كنت تريدين البلغة فرزقك مضمون، وكفيلك مأمون، وما أعد لك أفضل مما قطع عنك(304)، فاحتسبي الله(305). فقالت: حسبي الله، وأمسكت(306).
*******
الثانية: خطبتها (عليها السلام) في نساء المهاجرين والأنصار
روى العلامة المجلسي (ره) عن الشيخ الثقة الصدوق (ره) حدثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد الحسيني، قال: حدثنا أبو الطيب محمد بن الحسين بن حميد اللخمي، قال:حدثنا أبو عبد الله بن محمد بن زكريا، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن المهلبي، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن عبد الله بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) قالت: لما اشتدت علة فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وغلبها، اجتمع عندها نساء المهاجرين والأنصار، فقلت لها، يا بنت رسول الله: كيف أصبحت من علتك؟ فقالت (عليها السلام): أصبحت والله عائفة لدنياكم،(307) قالية لرجالكم،(308) لفظتهم قبل أن عجمتهم،(309) وشنئتهم بعــــد أن سبرتهم،(310) فقبـــحاً لفــــلول الحد،(311) وخور الـــقـــنــاة(312) وخطل الرأي،(313) و(لبئس ما قدمت لهم أنفــــسهم أن سخط الله(314) عليهم وفـــي العـــذاب هـــم خالــــدون)(315) لا جرم لقد قلدتهم ربقتها(316) وشننت عليهم غارها(317) فجدعاً وعقراً وسحقاً للقوم الظالمين(318) ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة،(319) ومهبط الوحي الأمين، والطبين بأمر الدنيا والدين،(320) ألا ذلك هو الخسران المبين، وما نقموا من أبي الحسن،(321) نقموا والله منه نكير سيفه،(322) وشدة وطئه،(323) ونكال وقعته،(324) وتنمره في ذات الله عز وجل(325). والله لو تكافوا عن زمام نبذه رســـول الله (صلى الله عليه وآله) إليه لاعتقله،(326) ولسار بهم سيراً سجحاً،(327) لا يكلم خشاشه،(328) ولا يتعتع راكبه،(329) ولأوردهم منهلاً نميراً فضفاضاً(330) تــــطفح ضـــفتاه(331) ولأصـــدرهم بطاناً،(332) قد تحــــير بهم الري(333) غير متحل منه بطائـــل إلا بغمـــر الماء(334) وردة شررة الساغب،(335) ولفتحت عليهم بركات من السماء والأرض، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون. ألا هلم فاسمع وما عشت أراك الدهر العجب،(336) وإن تعجب فقد أعجبك الحادث! إلى أي سناد استندوا، وبأي عروة تمسكوا، استبدلوا الذنابي والله بالقوادم،(337) والعجز بالكاهل،(338) فرغماً لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون،(339) (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي(340) إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون)(341). أما لعمر إلهك(342) لقد لقحت(343) فنظرة ريث ما تنتج(344) ثم احتلبوا طلاع القعب دماً عبيطاً،(345) وذعافاً ممقراً،(346) هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون غب ما سن الأولون،(347) ثم طيبوا عن أنفسكم نفساً،(348) وطأمنوا للفتنة جأشاً،(349) وأبشروا بسيف صارم،(350) وهرج شامل،(351) واستبداد من الظالمين،(352) يدع فيئكم زهيداً،(353) وزرعكم حصيداً(354) فيا حسرتي لكم، وأنى بكم،(355) وقد عميت (قلوبكم) عليكم أنلزمكموها(356) وأنتم لها كارهون(357).
*******

(3) أي أحكم النية والعزيمة عليه.
(4) أي عصبته وجمعته يقال: لاث العمامة على رأسه يلوثها لوثاً، أي شدها وربطه.
(5) الجلباب، بالكسر: يطلق على الملحفة والرداء والإزار، والثوب الواسع للمرأة دون الملحفة والثوب كالمقنعة تغطي بها المرأة رأسها وصدرها وظهرها. والأول هنا أظهر.
(6) اللمة، بضم اللام وتخفيف الميم: الجماعة. قال في النهاية: (في حديث فاطمة (عليها السلام) أنها خرجت في لمة من نسائها، تتوطأ ذيلها إلى أبي بكر فعاتبته، أي في جماعة من نسائها. قيل: هي ما بين الثلاثة إلى عشرة، وقيل: اللمة: المثل في السن والترب). وقال الجوهري: (الهاء عوض عن الهمزة الذاهبة من وسطه، وهو مما أخذت عينه كسَهٍ ومذ، وأصلها فعلة من الملاءمة وهي الموافقة). انتهى. أقول: ويحتمل أن يكون بتشديد الميم، قال الفيروز آبادي: (اللمة بالضم: الصاحب والأصحاب في السفر والمونس، للواحد والجمع).
(7) الحفدة، بالتحريك: الأعوان والخدم.
(8) أي كانت أثوابها طويلة تستر قدميها وتضع عليها قدمها عند المشي. وجمع الذيل باعتبار الأجزاء أو تعدد الثياب.
(9) في بعض النسخ (من مشي رسول الله (صلى الله عليه وآله)). والخرم: الترك والنقص والعدول. والمشية بالكسر: الاسم من مشى يمشي مشياً، أي لم تنقص مشيتها من مشيته (صلى الله عليه وآله) شيئاً كأنه هو بعينه. قال في النهاية: (فيه: ما خرمت من صلاة رسول الله شيئاً، أي ما تركت. ومنه الحديث: لم أخرج منه حرفاً، أي لم أدع).
(10) الحشد، بالفتح وقد يحرك: الجماعة. وفي الكشف: (إن فاطمة (عليها السلام) لما بلغها إجماع أبي بكر على منعها فدكاً لاثت خمارها، وأقبلت في لميمة من حفدتها ونساء قومها، تجر أدراعها، وتطأ في ذيولها، ما تخرم من مشية رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى دخلت على أبي بكر وقد حشد المهاجرين والأنصار، فضرب بينهم بريطة بيضاء ـ وقيل: قبطية ـ فأنت أنّه أجهش لها القوم بالبكاء، ثم أمهلت طويلاً حتى سكنوا من فورتهم، ثم قالت: أبتدئ بحمد من هو أولى بالحمد والطول والمجد، الحمد لله على ما أنعم).
(11) الملاءة، بالضم والمد: الريطة والإزار. ونيطت بمعنى علقت، أي ضربوا بينها (عليها السلام) وبين القوم ستراً وحجاباً. والريطة، بالفتح: الملاءة إذا كانت قطعة واحدة ولم تكن لفقين، أو هي كل ثوب لين رقيق. والقبطية، بالكسر: ثياب بيض رقاق من كتان تتخذ بمصر، وقد تضم لأنهم يغيرون في النسبة.
(12) الجهش أن يفزع الإنسان إلى غيره وهو مع ذلك يريد البكاء كالصبي يفزع إلى أمه وقد يتهيأ للبكاء، يقال: جهش إليه ـ كمنع ـ وأجهش.
(13) الارتجاج: الاضطراب.
(14) أي صبرت زماناً قليل.
(15) النشيج: صوت معه توجع وبكاء كما يردد الصبي بكاءه في صدره.
(16) هدأت ـ كمنعت ـ أي سكنت. وفورة الشيء: شدته، وفار القدر أي جاشت
(17) أي بنعم أعطاها العباد قبل أن يستحقوها. ويحتمل أن يكون المراد بالتقديم الإيجاد والفعل من غير ملاحظة معنى الابتداء فيكون تأسيس.
(18) السبوغ: الكمال. والآلاء: جمع ألى، بالفتح والقصر وقد يكسر الهمزة. وأسدى وأولى وأعطى بمعنى واحد.
(19) والاها، أي تابعها بإعطاء نعمة بعد أخرى بلا فصل.
(20) جم الشيء أي كثر. والجم: الكثير، والتعدية بعن لتضمين معنى التعدي والتجاوز.
(21) الأمد بالتحريك: الغاية والمنتهى، أي بعد عن الجزاء بالشكر غايتها. فالمراد بالأمد إما الأمد المفروض إذ لا أمد لها على الحقيقة، أو الأمد الحقيقي لكل حد من حدودها المفروضة. ويحتمل أن يكون المراد بأمدها ابتداؤها، وقد مر في كثير من الخطب بهذا المعنى. وقال في النهاية: (في حديث الحجاج قال للحسن: ما أمدك؟ قال: سنتان من خلافة عمر. أراد أنه ولد لسنتين من خلافته. وللإنسان أمدان: مولده وموته). انتهى. وإذا حمل عليه يكون أبلغ. ويحتمل على بعد أن يقرأ بكسر الميم، قال الفيروز آبادي: (الآمد: المملوء من خير وشر، والسفينة المشحونة).
(22) التفاوت: البعد. والأبد: الدهر، والدائم، والقديم الأزلي. وبعده عن الإدراك لعدم الانتهاء.
(23) يقال: ندبه للأمر وإليه فانتدب، أي دعاه فأجاب. واللام في قولها (لاتصالها) لتعليل الندب، أي رغبهم في استزادة النعمة بسبب الشكر لتكون نعمة متصلة لهم غير منقطعة عنهم. وجعل اللام الأولى للتعليل والثانية للصلة بعيد. وفي بعض النسخ: (لإفضالها) فيحتمل تعلقه بالشكر.
(24) أي طلب منهم الحمد بسبب إجزال النعم وإكمالها عليهم، يقال: أجزلت له من العطاء، أي أكثرت، وأجزاك النعم، كأنه طلب الحمد، أو طلب منهم الحمد حقيقة لإجزال النعم، وعلى التقديرين التعدية بإلى لتضمين معنى الانتهاء أو التوجه، وهذه التعدية في الحمد شائع بوجه آخر، يقال: أحمد إليك الله، قيل: أي أحمده معك، وقيل: أي أحمد إليك نعمة الله بتحديثك إياها. ويحتمل أن يكون (استحمد) بمعنى تحمد، يقال: فلان يتحمد علي، أي يمتن، فيكون إلى بمعنى على، وفيه بعد.
(25) أي بعد أن أكمل لهم النعم الدنيوية ندبهم إلى تحصيل أمثالها من النعم الأخروية أو الأعم منها ومن مزيد النعم الدنيوية. ويحتمل أن يكون المراد بالندب إلى أمثالها أمر العباد بالإحسان والمعروف وهو على المحسن إليه، وعلى المحسن أيضاً، لأنه به يصير مستوجباً للأعواض والمثوبات الدنيوية والأخروية.
(26) المراد بالإخلاص جعل الأعمال كلها خالصة لله تعالى، وعدم شوب الرياء والأغراض الفاسدة، وعدم التوسل بغيره تعالى في شيء من الأمور، فهذا تأويل كلمة التوحيد، لأن من أيقن بأنه الخالق والمدبر وبأنه لا شريك له في الإلهية فحق له أن لا يشرك في العبادة غيره، ولا يتوجه في شيء من الأمور إلى غيره.
(27) هذه الفقرة تحتمل وجوهاً:
الأول: أن الله تعالى ألزم وأوجب على القلوب ما تستلزمه هذه الكلمة من عدم تركيبه تعالى وعدم زيادة صفاته الكمالية الموجودة وأشباه ذلك مما يؤول إلى التوحيد.
الثاني: أن يكون المعنى: جعل ما يصل إليه العقل من تلك الكلمة مدرجاً في القلوب بما أراهم من الآيات في الآفاق وفي أنفسهم، أو بما فطرهم عليه من التوحيد.
الثالث: أن يكون المعنى لم يكلف العقول الوصول إلى منتهى دقائق كلمة اللتوحيد وتأويلها، بل إنما كلف عامة القلوب بالإذعان بظاهر معناها وصريح مغزاها، وهو المراد بالوصول.
الرابع: أن يكون الضمير في (موصولها) راجعاً إلى القلوب، أي لم يلزم القلوب إلا ما يمكنها الوصول إليها من تأويل تلك الكلمة الطيبة والدقائق المستنبطة منها، أو مطلقاً، ولولا التفكيك لكان أحسن الوجوه بعد الوجه الأول، بل مطلقاً.
(28) أي أوضح في الأذهان ما يتعقل من تلك الكلمة بالتفكر في الدلائل والبراهين. ويحتمل إرجاع الضمير إلى القلوب. والفكر بصيغة الجمع، أي أوضح بالتفكر ما يعقلها العقول. وهذا يؤيد الوجه الرابع من وجوه الفقرة السابقة.
(29) يمكن أن يقرأ (الأبصار) بصبغة الجمع، والمصدر. والمراد بالرؤية العلم الكامل والظهور التام.
(30) الظاهر أن الصفة هنا مصدر، ويحتمل المعنى المشهور بتقدير، أي بيان صفته.
(31) (لا من شيء) أي مادة.
(32) احتذى مثاله: اقتدى به. و(امتثلها) أي تبعها ولم يبتعد عنها، أي لم يخلقها على وفق صنع غيره.
(33) لأن ذوي العقل يتنبهون بمشاهدة مصنوعاته بأن شكر خالقها والمنعم بها. واجب وأن خالقها مستحق للعبادة، أو بأن من قدر عليها يقدر على الإعادة والانتقام
(34) أي خلق البرية ليتعبدهم، أو خلق الأشياء ليتعبد البرايا بمعرفته والاستدلال بها عليه.
(35) أي خلق الأشياء ليغلب ويظهر دعوة الأنبياء إليه بالاستدلال به.
(36) الذود والذياد، بالذال المعجمة: السوق والطرد والدفع والإبعاد.
(37) حشت الصيد أحوشه: إذا جئته من حواليه لتصرفه إلى الحبالة، ولعل التعبير بذلك لنفور الناس بطباعهم عما يوجب دخول الجنة.
(38) الجبل: الخلق، يقال: جبلهم الله أي خلقهم، وجبله على الشيء أي طبعه عليه، ولعل المعنى أنه تعالى سماه لأنبيائه قبل أن يخلقه*، ولعل زيادة البناء للمبالغة تنبيهاً على أنه خلق عظيم. وفي بعض النسخ بالحاء المهملة، يقال: احتبل الصيد، أي أخذه بالحبالة، فيكون المراد به الخلق أو البعث مجازاً، وفي بعضها (قبل أن اجتباه) أي اصطفاه بالبعثة. وكل منها لا يخلو من تكلف.* قال السيوطي في (الاتقان) ج2، ص141: أخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن مرة قال: خمسة سموا قبل أن يكونوا: محمد: (ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد).
(39) لعل المراد بالستر ستر العدم، أو حجب الأصلاب والأرحام. ونسبته إلى الأهاويل لما يلحق الأشياء في تلك الأحوال من موانع الوجود وعوائقه. ويحتمل أن يكون المراد أنها كانت مصونة عن الأهاويل بستر العدم إذ هي إنما تلحقها بعد الوجود. وقيل: التعبير بالأهاويل من قبيل التعبير عن درجات العدم بالظلمات.
(40) على صيغة الجمع أي عواقبها. وفي بعض النسخ بصيغة المفرد.
(41) أي لمعرفته تعالى بما يصلح وينبغي من أزمنة الأمور الممكنة المقدورة وأمكنتها ويحتمل أن يكون المراد بالمقدور المقدر، بل هو أظهر.
(42) أي للحكمة التي خلق الأشياء لأجله.
(43) الإضافة في (مقادير حتمه) من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة، أي مقاديره المحتومة.
(44) تفصيل وبيان للفرق بذكر بعضها، يقال: عكف على الشيء ـ كضرب ونصر ـ أي أقبل عليه مواظباً ولازمه، فهو عاكف، ويجمع على (عكف) بضم العين وفتح الكاف المشددة كما هو الغالب في فاعل الصفة نحو شُهد وغُيّب. والنيران جمع نار وهو قياس مطرد في جمع الأجوف نحو تيجان وجيران.
(45) لكون معرفته تعالى فطرية، أو لقيام الدلائل الواضحة الدالة على وجوده سبحانه.
(46) الضمير في (ظلمها) راجع إلى الأمم، والضميران التاليان له يمكن إرجاعهما إليها وإلى القلوب والأبصار. والظلم بضم الظاء وفتح اللام: جمع ظلمة، استعيرت هنا للجهالة.
(47) البهم: جمع بهمة بالضم، وهي مشكلات الأمور.
(48) جلوت الأمر: أوضحته وكشفته. والغمم: جمع غمة، يقال: أمر غمة، أي مبهم ملتبس، قال الله تعالى: (ثم لا يكن أمركم عليكم غمة) قال أبو عبيدة: مجازها ظلمة وضيق، وتقول: غممت الشيء إذا غطيته وسترته.
(49) العماية: الغواية واللجاج، ذكره الفيروز آبادي.
(50) واختيار، أي من الله له ما هو خير له، أو باختيار منه (صلى الله عليه وآله) وسلم ورضاً، وكذا الإيثار، والأول أظهر فيهم.
(51) لعل الظرف متعلق بالإيثار بتضمين معنى الضنّة أو نحوها. وفي بعض النسخ: (محمد) بدون الباء قتكون الجملة استئنافية، أو مؤكدة للفقرة السابقة، أو حالية بتقدير الواو. وفي بعض كتب المناقب القديمة: (فمحمد (صلى الله عليه وآله)) وهو أظهر. وفي رواية كشف الغمة: (رغبة بمحمد (صلى الله عليه وآله) عن تعب هذه الدار) وفي رواية أحمد بن أبي ظاهر: (بأبي عزت هذه الدار) وهو أظهر. ولعل المراد بالدار دار القرار، ولو كان المراد الدنيا تكون الجملة معترضة. وعلى التقادير لا يخلو من تكلف.
(52) قال الفيروز آبادي: (النصب بالفتح: العلم المنصوب، ويحرك. وهذا نصب عيني، بالضم والفتح) انتهى. أي ن

تعليقك على الموضوع

Security code
اعادة الشحن