الابداع الفني و الهدايا التراثية -
فن الزخرفة الإسلامي
زخرفة هندسية متشابكة تحكي الذوق والإبداع الرفيع في تشكيلتها

يتصف فن الزخرفة بالبساطة والصعوبة في آن واحد، فبساطتها ناجمة عن كونها من أولى الفنون التي استخدمها الانسان، أما صعوبتها فلأنها اكثر تجريدا.
أما صناعة الفخار فهي تاريخياً من أوائل الفنون قدما، فلقد صنعت الأواني من الطين الخام بيد القدماء على مر العصور، وذلك بعد تجفيفها في الشمس والهواء.
وقيل إن الفخار سبق حتى توصل الانسان إلى الكتابة.
وقد بقي الفخار القديم والأواني وغيرها حتى يومنا هذا من الفنون الجذاية التي لها ذوقها الخاص.
بعد ذلك توصل الإنسان الى جعل الفخار اكثر صلابة ومقاومة باستعمال النار، وكلما تقدمت السنين وتوسعت الاكتشافات والاختراعات نما معها ذوق وتنوع تشكيلة فن الزخرفة.
لم يعتنى بفن الزخرفة على الخزف في عصور ما قبل الاسلام، لاستعمال الذهب والفضة في صنع الأواني آنذاك اي الاهتمام بالأوان والادوات المعدنية بعيداً عن الفخار، ولما جاء الإسلام وتنوع فن الزخرفة وأخذوا يعتمدون التربة في صناعاتهم أيضاً خاصة وان الاسلام وفر الارضية بتحريمه التبذير والابتعاد عن الإسراف، ومعلوم ما لهذه المعادن الثمنية من قيمة عالية وتطور للاقتصاد في مجالات أهم، لذا لجأ الإنسان الى أن يسخر تربة الارض في مجالات أوسع وبأرخص الأثمان، فتم اعتماد التربة الحمراء المناسبة للفخار من أعماق الأرض وهكذا بدأ التطور في هذا الحقل باستخدام أواني الفخار شيئاً فشيئا.
فحققت الحضارة الشرقية تطوراً فنياً متفوقاً فتنافس اليونانيون، الصينيون، كل ذلك نتيجة للتحرر والتنوع في استخدام المواد الخام لصناعة الاواني الفخارية، حيث عكست تنوع ثقافات الشعوب.
وبعد استخدام التربة في الفخار بدلاً عن الذهب والفضة ظهرت صناعات تلفيقية وذلك بإبراز النقوش ثم طليها أو تذهيبها أو إعطائها صبغة فضية باستخدام مياه الذهب او الفضة، وهذا ما برز في محافظة البصرة في العراق، في القرن التاسع الميلادي، إذ عدّ ابتكاراً إسلامياً خالصاً غير مسبوق في الحضارات السابقة، حتى لم يكن توصل اليه الصينيون رغم شهرتهم في مجال صناعة الخزف. حتى أخذ البعض من الآخر وانتقل من العراق الى مصر حينما دخلها أحمد بن طولون، ووصلت أوجها من الرقي في العصر الفاطمي، اذ تظهر على الأواني الخزفية للعصر الفاطمي لوحات ورسومات أشخاص وحيوانات وطيور، وزخارف هندسية وأشكال نباتات.
حتى وصل إلى استخدام خط الكوفي العريق فيها، فضلاً عن إظهار آلات الموسيقي والرقص الفلوكلوري. ولا تخلو من مناظر الحياة الاجتماعية اليومية كالتحطيب وأبعد من ذلك إظهار المبارزة بالعصي والمصارعة الى مصارعة الديوكه وغيرها، وقد دوّن الشاعر الإيراني المعروف ناصر خسرو بعد أن زار القاهرة ايام المنتصر بالله حيث يكتب ما مضمونه:
يصنعون بعض الفخار المتنوع بشكل جميل ولطيف والشفاف منه يمكنك رؤية باطن الإناء منه. وتصنع الفناجين والقدور والصحون ومختلف الأواني وتزيّن بألوان جذابة متشابكة كنسيج ألوان الطاووس تتغير ألوانها عندما يلامسه نور الضوء.
هذا ونجد في كنائس مدينة بيزا الايطالية أطباقاً من الخزف الذي نقل اليها من القاهرة من قبل بعض السياح ذات بريق معدني خاص وجذاب، تراها مثبتة على جدران الكنائس كلوحات وتحف فنية جميلة.
إنتكست هذه الصناعة عندما احترقت مصانع الخزف في الفسطاط حينما أغار الصليبيون عليها.
وتأثرت أيضاً بسقوط الدولة الفاطمية ومجيء الدولة الأيوبية التي لجأت إلى استخدام العنف الطائفي في البلاد، فتسبب في رحيل الكثير من الفنانين خاصة الخزفيين إلى ايران، فأعيد رونقه لتبرز صناعة الخزف اكثر أواخر القرن السادس الهجري.