المقاتل الحسينية
موضوع البرنامج:
  • المقاتل الحسينية -24
التاريخ: 2009-02-12 00:00:00

الحمد لله بارئ النسمات، وأفضل الصلوات على المصطفى سيد الكائنات، وعلى آله الميامين الهداة.
جدّت الاقلام بعد واقعة كربلاء، ان تنقل حوادثا ومجرياتها، وشيئاً من تفصيلاتها. فكتبت المقاتل بصور عديدة وأساليب مختلفة، وصوّرت من جوانب وزوايا متعددة، ومن قريب وبعيد، ودوّنت الوقائع السابقة ليوم عاشوراء والوقائع المتأخرة عنه. فلمّا تكاملت المقاتل ولم يبق من يروي جديدا، بدأ أسلوب جديد في الكتابة حول مقتل سيد الشهداء ابي عبد الله الحسين (عليه السّلام) وهو تناول الوقائع من أبعاد أخرى غير السرد التاريخي، فأعملت الأقلام في التحليل الديني والتاريخي والتحقيق الروائي والرجالي، والجمع البرمجيّ. فكتب الشيخ محمد بن طاهر السماوي "إبصار العين في أنصار الحسين"، وكتب الشيخ زهير بن علي الحكيم "مقتل أبي عبد الله الحسين من موروث أهل السنّة" في ثلاثة مجلّدات كبيرة، وجاء كتابا الشيخ جعفر التستري وهما: "شواهد ومشاهد" و"الخصائص الحسينية" شفعهما بكتاب جمع له من مجالسه بعنوانين: (المواعظ) و(الايام الحسينية)، ومن قبله كان لفخر الدين الطريحي كتابه المجلسي - على صورة مجالس مرتّبة عنونت بـ"المنتخب".
وكان للشيخ (نوروز علي البسطامي) من بلاد فارس نصيب ايضاً في جملة الأطروحات الجديدة، حيث كتب مقتلاً آخر بطريقة اخرى سمّاه أمواج البكاء في مواضع بكاء سيد الشهداء (عليه السّلام) عرض المواقف التي تحكي رقّة قلب الامام الحسين (عليه السّلام) وإنسانيته العليا، ما يؤكّد أنه لم يأت للحرب والقتال، بل جاء للنصيحة والموعظة وإنقاذ الأمة من الانحراف والضلال. واذا كان القادة في الغالب الأعمّ يتّصفون بالقساوة والحدّة والإنتقام والوحشية، ويسمّون ذلك حزماً وشجاعة وبطولة، فإنّ المواقف الحسينية العاطفية التي تعرّف عليها الجميع في طفّ كربلاء، أثبتت للقوم أنّ الإمام الحسين كان الأخ الشفيق، والوالد الرقيق، لهذه الامة التي لم تعرف قدره، وكان يريد بها خيراً وسعادة فأرادت به سوءاً وشرّاً، فتجرّأت على الله ورسوله بقتله أبشع قتله وأفضعها.
اجل، إنّ البكاء حالة انسانية راقية، طفحت في خصال الانبياء والاوصياء والأولياء في اسمى صورها ومواقفها، ثم في العبّاد والزهّاد والصلحاء، وأصحاب الرحمة والرقّة والانسانية والوفاء. معبّرة عن لين القلب ورقّته، وتفاعله الانسانّي وتوجّهه الى بارئه تبارك وتعالى. والامام الحسين (سلام الله عليه) هو القّمة في الحالات البشرية الراقية السامية، وهو أحرص الناس على سعادة الناس ونجاتهم وهو الوريث لجّده رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد وصفه الله تعالى في محكم كتابه بهذه الخصال الطيبة النبيلة الشريفة، حيث قال مرّة يخاطبه، «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ» وقال مرّة يخاطب تعالى هذه الأمة: «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ» (سورة التوبة، 128).
فالرحمة والرأفة من أشرف خصال النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله) واوضحها في سيرته المباركة، وهما موجبتان للبكاء، فبكى على أولاده لمّا توفّوا بين يديه، وبكى على أعمامه وعلى زوجته الطيبة الطاهرة أمّ المؤمنين خديجة (رضوان الله عليها)، وبكى على أصحابه وأحبّته على أمّه وأبيه وقد زارهما مراراً في قبريهما، وعلى ابن عمّه جعفر الطيار، وعلى الشهداء الأبرار حمزة عمّه وعبد الله بن رواحة، وكم بكى على سبطة وريحانته الحسين (عليه السّلام) حينما أخبره الله مراراً بشهادته، فتفجّع له وأحزنه أمره.
وهكذا كان اهل البيت (صلوات الله عليهم)، خصالهم نبوية عالية، منها البكاء، فماذا يتوقّع من إمام طاهر كالحسين (سلام الله عليه) وهو يرى اصحاب الضلالة يقتلون أوفى أصحابه وأعزّ أهل بيته؟! وقد جاء (سلام الله عليه) للهداية والانقاذ والنجاة لهم من الغواية الأموية الآخذة لهم نحو الجحيم الأبدي، فرقّ لهم ورئف بهم، ورحمهم، فنصحهم ووعظهم، وذكّرهم وحذّرهم، فما زادهم ذلك إلاّ إصراراً على قتله، والاقدام على جريمة عظمى تدخلهم أشدّ العذاب الأزلي، فبكى (صلوات الله عليه) لهم وعاود تذكيرهم، فأوغلوا في جرائمهم.
وفي الوقت الذي كان الامام الحسين يقاتل شجاعاً لا يرهب جموعهم آلافاً تموج في صحراء كربلاء تشهر سيوفها ورماحهم ظمأى لقتله كان (عليه السّلام) لا يحبّ أن يبدأهم بقتال ولم يجز لأحد من أصحابه أن يبدأ بنزال! بل كان في كل موقف يخيّرهم ويهيء لهم الفرصة لتوبتهم وكم جرت له (عليه السّلام) دموع شريفة كتبها التاريخ وسلّط عليها الاضواء الشيخ البسطامي في كتابه النافع (امواج البكاء).
الذي سيكون لنا لقاء آخر على صفحاته المشرقة وتعّرفنا على المؤلّف والمؤلّف معاً وعلى ترجمته وتحقيقة اللذين جريا على يد سماحة السيد علي جمال اشرف فخرج بحلّة جديدة مع أطروحته الجديدة مزّيناً بعيون المصادر الخاصة والعامة ومبسوطاً باللغة العربية المطعّمة بالأدب الرفيع والقصائد الفاخرة.
*******