من عرفاء مدرسة الثقلين
موضوع البرنامج:
  • العزلة والنية الصالحة في سيرة العارف ابن فهد الحلي
  • حوار مع الشيخ محمد السند حول حقيقة العزلة الشرعية
  • الرياضات الشرعية والغيرة على الدين الحق في سيرة ابن فهد الحلي
التاريخ: 2008-11-22 00:00:00


بسم الله الرحمن الرحيم وله المجد والحمد انيس الذاكرين وغاية امال العارفين والصلاة والسلام كهفه الحصين محمد واله الطيبين الطاهرين.
السلام عليكم اعزاءنا ورحمة الله وبركاته، اهلاً بكم في الحلقة العشرين من هذا البرنامج نعيش فيها دقائق مع جوانب اخرى من سيرة العارف الامامي الجليل الشيخ ابن فهد الحلي رضوان الله عليه ووصاياه السلوكية يتخللها حديث لخبير البرنامج سماحة الشيخ محمد السند، عن حقيقة العزلة واثرها في السير والسلوك الى الله.
ايها الاخوة والاخوات من الخصائص المهمة التي تميز بها العارف ابن فهد (قدس سره الشريف) شدة التزامه بالحديث النبوي المشهور المنقول ضمن وصايا رسول الله (صلى الله عليه وآله) لابي ذر. في هذا الحديث اوصى رسول الله صاحبه الوفي ابا ذر قائلاً: وقد اتخذ العارف احمد بن فهد الحلي من هذه الوصية شعاراً جسده في مختلف شؤونه الحياتية جاعلاً بذلك من جميع اعماله عبادة لله تقربه منه عز وجل.
وعندما نراجع كتابه القيم (اللمعة الجلية في معرفة النية) نجده يؤكد ان على المؤمن ان يكون مراقبا في جميع احواله لكل عمل يقوم به، فلا يقوم الا بما فيه رضا الله عز وجل من واجبات او مستحبات، هذا اولا وثانيا ان يكون هدفه من القيام به ابتغاء رضا الله والتقرب اليه جل جلاله.
ومما امتاز العارف احمد بن فهد الاسدي ـ قدس الله نفسه الزكية ـ تاكيده على اهمية (العزلة عن الخلق) في السير والسلوك الى الله والتقرب اليه تبارك وتعالى..
وقد الف في ذلك رسالته المسماة (التحصين في صفات العارفين) جمع فيها النصوص الشريفة ـ الواردة في هذا الباب: وعرف مراده من العزلة في بدايتها قائلاً: (العزلة هي الوحشة عن والاستيناس بالحق جل جلاله).
واوضح مراده من العزلة في خطبة هذه الرسالة حيث قال: «الحمد لله الذي تجلى لعباده فشغلهم عن الشهوات واظهر لهم فيض نوره، فهداهم به من الغفلات ووثقوا به فاغناهم وتوكلوا عليه فكفاهم...».
ومن هذا النص وغيره يتضح ان المراد بالعزلة الضرورية للسير والسلوك الى الله عز وجل ليس الابتعاد الظاهري المادي عن الناس واجتناب معاشرتهم، فهذا ما لانجده مثلاً في سيرة العارف ابن فهد نفسه، بل المراد هو ان يكون توجه السالك الى الله عز وجل وتوكله عليه واستئناسه به فلا تشغله ولا تغفله معاشرة الخلق عن الخالق جل وعلا؛ اي ان يعتزل قلب السالك عن كل ما يبعده عن ربه عز وجل.
*******
المزيد من التوضيح لحقيقة العزلة المطلوب شرعا نستمع اليه من خبير البرنامج سماحة الشيخ محمد السند في الاتصال الهاتفي التالي:
المحاور: السلام عليكم احبائنا ورحمة الله وبركاته وشكراً لكم على طيب متابعتكم لهذا البرنامج معنا مشكوراً خبيره سماحة الشيخ محمد السند، سماحة الشيخ سؤالنا في هذه الحلقة عن حقيقة العزلة التي ورد التأكيد عليها في النصوص الشريفة وفي اقوال العرفاء كأحد ضرورات السير والسلوك الى الله تبارك وتعالى، ما المقصود بهذه العزلة وما هي آثارها؟
الشيخ محمد السند: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، في الحقيقة العزلة التي ورد التوصية بها في الروايات او الايات تختلف عن الاطار والقالب الذي رسمه جملة من اهل السير والسلوك، وهذه تحتاج الى تحقيق فقهي واخلاقي اعمق من الذي ذكره جملة من أهل المعنى وجملة من الصوفية او العرفاء، لربما هناك نوع من الالتباس وقع لدى بعض العرفاء في معنى العزلة، فالمستفاد من الايات والروايات، ليس العزلة كما نسميها العزلة الجسمانية او الفيزيائية او البيئية، انما المراد منها العزلة عن المسار الخاطئ الى الثبات على المسار الصحيح، عن مسار المنكر الى المسار المعروف، عن مسار الباطل الى مسار الحق وان كان، كن في الناس ولا تكن معهم، بهذا المعنى، كن في الناس يعني الانسان لا ينقطع عن التفاعل مع البيئة الاجتماعية التي تحيط به من الاسرة والاصدقاء او ما شابه ذلك، ولكن انما ينقطع عن الاعراف والمسارات والمتبنيات الفاسدة وعن المواقف الخاطئة والآراء المنحرفة، نعم ينقطع الانسان عن الاصطفاف مع مثل هذه البيئات الخاطئة والرذيلة، طبعاً هناك عزلة بيئية اوصي بها في الروايات، مثلاً رفقاء السوء، المجلس الذي يتعاطى فيه المنكر او المعاصي، نعم هذه عزلة يجب على الانسان ان لا يتواجد حتى فيها، مثلاً الهجرة الى بلاد الكفر، اذا لم يأمن الانسان على مساره الاعتقادي او ممارسات سلوكه في الاعمال وفي الاجتماع، فاذا هاجر الى الغربة وخشي على نفسه الذوبان بالانحرافات، نعم لا يسوغ له ذلك، عندنا نعم عزلة بيئية عن البيئة الاجتماعية الموبوءة الفاسدة في صور وموارد معينة ولكن ليس ذلك دعوى للانقطاع عن البيئة الاجتماعية بقول مطلق كما ربما يمارسها او يزاوله بعض الرهبان في المسيحية او ربما يتابعهم او يوافقهم بعض العرفاء او بعض اهل السير والسلوك، لا رهبانية في الاسلام، الرهبانية في امتي المكث في المساجد من الصلاة الى الصلاة مثلاً، او رهبانية امتي كما ورد فيها جملة من الروايات الجهاد، على اية حال الترهب بمعنى الانقطاع عن الماديات وعن البيئة الفاسدة ليس الانقطاع عن البيئة الاجتماعية، دين الاسلام دين اجتماعي ودين الاصلاح الاجتماعي ودين البناء الاجتماعي ودين بناء الاسرة، من ثم يؤكد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس هناك حصورية في الدين، هي مثال ونموذج من نماذج الاعتزال والعزلة، هذه العزلة بآلياتها التي كانت ربما في الشرائع السابقة نعم لها نسخت ولا يستسيغها الشريعة الكاملة المحمدية وهي شريعة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، فيجب الالتفاف الى المقاسات الخاصة التي بينتها الشريعة الخاتمة النبوية وتوصيات القرآن، نعم يجب على الانسان ان يعتزل حتى في قلبه وليس يعتزل اهل زمانه اذا كانوا في مسار خاطئ بل يعتزل البشرية في القرون السابقة اذا كانت قد ارتكبت فعلاً منكراً ومن ثم نحن نتبرأ من قتلة الحسين ونتبرأ من ظالمي سيد الشهداء والعترة الطاهرة ومن قابيل ومن فرعون، القرآن يربينا على العزلة بمعنى انكار المنكر قلباً والتبري من المنكر قلباً، فان من احب عمل قوم حشر معهم، في الحقيقة الموقف القلبي والعزلة لا تقتصر على البيئة الاجتماعية او البيئة الزمانية المعاصرة للانسان بل هي تمتد افاقها من اول تاريخ البشرية الى نهاية البشرية، عندما يطلع عليها الانسان يعيش في قرون واجيال ماضية ولاحقة لان الانسان سعته في الادراك والشعور سعة تتجاوز الزمن البدني الذي يعيش فيه بدنه وجسمه، فالعزلة على اية حال لها درجات قلبية وفكرية وبدنية وسلوكية واخلاقية وذات منازل ومقامات كثيرة في الحقيقة في التولي والتبري في الحقيقة تولي الصالحين والتبري عن الطالحين والمفسدين والظالمين درجة من درجات العزلة ونمط من انماط العزلة، ففي الحقيقة يجب ان نلتفت الى مثل هذه القوالب وهذه الاطر وهذه الموارد والمنازل والمقامات والمنازل عديدة من العزلة وعدم الاقتصار فيها على الجانب ربما السلوك الاخلاقي او السلوك البيئي البيئة الاجتماعية الموقتة لحدود وزمان الانسان.
المحاور: سماحة الشيخ محمد السند شكراً لكم، وشكراً لاحبائنا وهم يتابعون مشكورين هذه الحلقة من برنامج من عرفاء مدرسة الثقلين.
*******
نرجع ايها الاعزاء الى عارف هذه الحلقة من برنامج من عرفاء مدرسة الثقلين العبد الزاهد الشيخ احمد بن فهد الاسدي الحلي علم عرفاء الامامية في القرن الهجري التاسع، فنشير الى ما ذكره مترجموه من اهتمامه البالغ (رضوان الله عليه) بالرياضيات الشرعية من خلال الاقبال على العبادات من الفرائض والنوافل والصدقات والخيرات ونظائرها وقد عرف عنه (رحمه الله) ان نشاطاته العلمية الكثيرة لم تغفله عن توجهات العبادية ورياضياته الشرعية، مثلما لم تغفله عن الاكل من كد يده، فكان (قدس الله نفسه) يقتدي بمولاه امير المؤمنين (عليه السلام) في العمل في الزراعة واداء الصلوات المستحبة اثناء قيامه بعمل الفلاحة... ويحكى ان لقاءه بامام العصر (عليه السلام) كان اثناء قيامه بالزراعة في بستان كان له في المكان يقع الان فيه المقام المنسوب لصاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه) في كربلا، وهذا المقام بني في العريش الذي تشرف فيه بلقاء مولاه (عجل الله فرجه).
واخيراً نشير الى ان تفاني هذا العارف الزاهد في نصرة اهل بيت النبوة (عليهم السلام) ويذكر المؤرخون انه ناظر علماء المذاهب الاخرى في حضور والي العراق في عصره (اسبند التركماني) فاثبت احقية مدرسة اهل البيت عليهم السلام وابطل الشبهات فاقرالحظور والوالي بذلك.
وقد نقل مترجمون كما في الاعيان والروضات وغيرهما انه راى في رؤيا صادقة امير المؤمنين (عليه السلام) ومعه السيد المرتضى (رضوان الله عليه) فسلم عليهما فاجابه وقال له السيد المرتضى: اهلاً بناصر اهل البيت، ثم امره ان يضيف كتابا في تحرير مسائل الفقه على ضوء فقه اهل البيت عليهم السلام فضف كتاب التحرير وافتتحه بقوله امره به السيد المرتضى في تلك الرؤيا الصادقة وهو ان قال بعد البسملة: الحمد لله المقدس بكماماله عن مشابهة المخلوقات.
*******