من عرفاء مدرسة الثقلين
موضوع البرنامج:
  • نص جامع في السير والسلوك للشيخ البهائي
  • حوار مع الشيخ محمد السند حول حقيقة الرضا بالقضاء الالهي لدى العرفاء
  • كرامات للشيخ البهائي في الاهتمام بكلام أهل البيت(ع)
التاريخ: 2008-08-19 00:00:00


الحمد لله كلمة المعتصمين وأنيس الذاكرين والصلاة والسلام على رحمته الكبرى للعالمين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
السلام عليكم أعزاءنا ورحمة الله وبركاته تحية طيبة في هذا اللقاء من برنامج (من عرفاء مدرسة الثقلين) نبقى مع العارف الامامي الزاهد بهاء الدين محمد العاملي المعروف بالشيخ البهائي، فننقل لكم في الفقرة الاولى نصاً جامعاً من كلامه في أصول السير والسلوك إلى الله ثم يحدّثنا خبير البرنامج سماحة الشيخ محمد السند عن حقيقة الرضا بالقضاء الالهي، ننقل لكم بعدها بعضاً من كرامات الشيخ البهائي ذات دلالات سلوكية مهمة ونختم اللقاء بباقة من وصاياه السلوكية (قدس سره الشريف) كونوا معنا مشكورين.
للعارف البهائي نص جامع ومختصر في بيان أركان السير والسلوك الى الله عزوجل أورده في كتابه الكشكول حيث قال: أول مقامات الانتباه هو اليقظة من سنة الغفلة.
ثم التوبة وهي الرجوع الى الله بعد الإباق (أي بعد كل خروج عن طاعته جل جلاله) ثم الورع والتقوى ... ورع عن المحرمات وورع عن الشبهات ثم المحاسبة وهي تعداد ما صدر عن الانسان بينه وبين نفسه، وبينه وبين نوعه، ثم الإرادة وهي الرغبة في نيل المراد مع الكدّ والاجتهاد، ثم الزهد وهو ترك الدنيا، وحقيقته التبري عن غير المولى جل جلاله ثم الفقر وهو تخلية القلب عما خلت عنه اليد، والفقير من عرف إنه لا يقدر على شيء ]يعني إلا بحول الله وقوته[، ثم الصدق وهو إستواء الظاهر والباطن ]أي أن يكون منزهاً عن النفاق بجميع مراتبه[.
ثم الصبر وهو حمل النفس على المكاره (أي ما تكرهه من الطاعات والرياضات الشرعية) ثم التصّبر وهو ترك الشكوى وقمع النفس، ثم الرضا وهو التلذّذ بالبلوى. ثم الاخلاص وهو اخراج الخلق عن معاملة الحق (يعني أن يكون عمل السالك إبتغاء وجه الله ورضاه وحده لا شريك له).
ثم التوكل وهو الاعتماد في كل اموره على الله سبحانه مع العلم بان الخير فيما اختاره (الله جل جلاله) له:
*******
ننقل الميكرفون الآن الى زميلنا وإتصال هاتفي مع خبير البرنامج سماحة الشيخ محمد السند وحديث الرضا بالقضاء الالهي الذي يعد من أهم خصال ومقامات العارفين، نستمع معاً:
المحاور: بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم احبائنا شكراً لكم على جميل متابعتكم لهذه الحلقة من برنامج من عرفاء مدرسة الثقلين معنا مشكوراً على خط الهاتف خبير البرنامج سماحة الشيخ محمد السند، سلام عليكم سماحة الشيخ.
الشيخ محمد السند: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المحاور: سماحة الشيخ سؤالنا في هذه الحلقة عن المراد بمقام الرضا بقضاء الله مع الطمأنينة بحسن اختياره تبارك وتعالى للعبد، هذا المقام يعد من المقامات المهمة لأهل السلوك، مالمراد منه بصورة مجملة؟
الشيخ محمد السند: هذا المقام والمنزل في الوقع منزل عظيم وليس من المنازل المتوسطة وانما هو من غايات المنازل الكبيرة او ربما تعد النهائية «يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً» فمقام الرضا فوق مقام الصبر ومقام الرضا فوق مقام الاستقامة ومقام الرضا بالتالي فوق مقام التوكل لأن فيه نوع من الارتياح والرغبة والشوق لما يحكم به الله عزوجل من قضاءه وقدره وهذا لا يصل اليه الانسان معرفياً الا بعد ان تتضح له وجوه الحكمة في قضاء الله وقدره ويصبح على حالة ايقان والايقان لا يستحصله الانسان الا بعد ان تتوسع لديه رصيد المعرفة وتتروض لديه قواه النفسانية منصاعة ومنقادة ومطيعة لقواه المعرفية بحيث يطلعها ويروضها على ما تشاهد من بصائر فبالتالي مقام الرضا ينم عن جملة من الكمالات العملية الوليدة لجانبين مضافاً يعني الى الجانب السلوكي، وليدة للجانب المعرفي والرصيد البالغ فيعلم ان الله عزوجل «إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ» و"وحكمة بالغة" في افعال الله واحكامه وقضاءه وقدره وان تلك الحكمة والغاية في كل ما يتنزل من قدر ويبرم من قضاء يرمو ويصبو ويقود الى غايات هي في سعادة الانسان وكماله ومن ثم لا يتمرد ولا يجحد ولا يتعصى على فعل او حكم او قضاء الهي كالذي حصل من الجانب السلبي من ابليس مع قضاء الله بعدم جعلي خليفة مثلاً مع انه لو اطوع نفسه لحكم الله وقضاءه لعلم كماله وبالتالي ما يرمو اليه سوف يصيبه ويدركه افضل مما قاده تمرده وجحوده فبالتالي مقام الرضا مقام حفظ هذا المقام على طوال المسيرة لاريب انه يتطلب من الانسان رصيد كبير من المعرفة ذو وجوه حكمة للافعال الالهية ويتضمن ولاريب في ذلك ان يتثبت ويتأد الانسان في التسليم والفحص عن المعرفة في حكمة الله وان لم يصب تلك الحكمة وهي دين يدينها العبد فيما بينه وبين ربه بها فبالتالي يسلم اجمالاً لا سيما وان دين الله لا يصاب بالعقول يعني مما يدلل على ان سنن الله وافعال الله ليست مما تصاب في العقل البشري بمجرد الوهلة الاولى ولكن هذا التسليم الاجمالي مع الفحص وتوطين النفس على الفهم والمعرفة والتذكر والذكر يفتح للانسان الوجوه الغامضة من حكم الله وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ فرقاناً يفرق له المبهمات والملتبسات الى المحكمات ويزيح سحائب الشبهات.
*******
نتابع الحديث عن سيرة العارف الزاهد الشيخ البهائي العاملي من خلال نقل بعض كراماته التي تحمل دلالات سلوكية خاصة.
الاولى: نقلها الشيخ العابد عباس القمي في كتاب الكنى والألقاب عن المولى الفاضل معز الدين محمد أقضى قضاة إصفهان أنه قال: رأيت ليلة من الليالي في المنام أحد أئمتنا عليه السلام فقال لي: إكتب كتاب مفتاح الفلاح وداوم العمل بما فيه.
فلما استقيظت وتبين لي لم أسمع إسم الكتاب قطّ من أحد، سألت علماء إصفهان فقالوا: لم نسمع اسم هذا الكتاب، في هذا الوقت كان الشيخ البهائي قدس سره... في بعض نواحي ايران فلما قدم سألته عن هذا الكتاب فقال: صنفت في هذا السفر كتاب دعاء سميته مفتاح الفلاح إلا إني لم أذكر اسمه لواحد من الاصحاب ولا أعطيت نسخته للاستنساخ.
قال المولى معز الدين محمد فذكرت للشيخ المنام فبكى وناولني النسخة التي بخطه وأنا أول من إستنسخها.
ومفتاح الفلاح هو منهج عبادي متكامل لليوم والليلة ألفه الشيخ البهائي من الاحاديث الشريفة والحكاية المتقدمة تشير الى أهمية أن يكون المنهج العبادي للسالكين مستنبطاً من أحاديث أهل بيت النبوة (عليهم السلام).
والكرامة الثانية: هي التي نقلها الشيخ محمد تقي المجلسي والد العلامة المجلسي وتلميذ الشيخ البهائي، فقد ذكر في كتابه (روضة المتقين) في شرح كتاب من لا يحضره الفقيه أن تأليف هذا الكتاب هو من فوائد إستاذه البهائي إذ إنه رآه في عالم الرؤيا الصادقة (بعد وفاته على ما يبدو) فقال له:
لم لا تشتغل بشرح أحاديث أهل البيت صلوات الله عليهم ... أشتغل ]بذلك[ وإترك المباحثات سنة حتى يتمّ.
ثم ذكر الشيخ محمد تقي أن الامر كان حسب ما قاله له شيخنا البهائي رضي الله عنه.
وفي هذه الحكاية اشارة لطيفة الى اهمية التدبر في كلام اهل البيت (عليهم السلام) وهم عدل القرآن الكريم في حصول السالك على الحقائق المعرفية، وهذا ما نبّه له العارف البهائي في مقدمة كتابه (شرح الأربعين حديثاً) والتزم به بنفسه في هذا الكتاب وغيره، فلكلامهم (عليهم السلام) نورانية خاصة تنفذ الى القلوب والارواح فضلاً عن العقول.
*******