من عرفاء مدرسة الثقلين
موضوع البرنامج:
  • من الوصايا السلوكية للعارف بهاء الدين العاملي وسيرته
  • حوار مع الشيخ محمد السند حول حقيقة الزهد
التاريخ: 2008-08-06 00:00:00


الحمد لله اللطيف الخبير والصلاة والسلام على سراجه المنير المصطفى محمد وآله مصابيح الهدى.
السلام عليكم اعزاءنا ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكم في عاشرة حلقات هذا البرنامج نخصصها للعارف الامامي الزاهد الفقيه العابد بهاء الدين العالمي الملقب بالشيخ البهائي، فنسعي للتعرف على ابرز خصائص منهجه في السير والسلوك الى الله وشيء من سيرته واضاءته السلوكية، وفي غضون ذلك حديث الشيخ محمد السند عن حقيقة الزهد ودوره في النهضة السلوكية.
الشيخ البهائي هو العالم الموسوعي العامل ابو الفضائل محمد بن الحسين الحارثي العاملي من ذرية الحارث الهمداني من اصحاب امير المؤمنين الامام علي بن ابي طالب (عليه السّلام) ولد سنة 953 للهجرة في بعلبك من جبل عامل، وتوفي في اصفهان سنة 1030 للهجرة ونقل جثمانه الى مشهد الامام الرضا (عليه السلام) حيث دفن في جواره المقدس، وقبره مزار يؤمه زوار مولاه الرضا (سلام الله عليه) ويتوسلون به الى الله عزّ وجلّ.
هاجر وهو صبي مع والده العالم المتعبد الشيخ حسين عبد الصمد من مسقط رأسه الى ايران وتتلمذ على اساطين العلم والعرفان فيها وترقى في المراتب العلمية فيها بسرعة حتى خلف والد زوجته الشيخ زين الدين بن على العاملي في منصب شيخ الاسلام في الديار الايرانية، وحظي بشهرة واسعة وحظوة مرموقة عند الحكام الصفويين وكذلك المحافل العلمية ولكن لا يخفى على كل من راجع سيرة هذا العارف الزاهد ان تلك المناصب الراقية والمقامات التي تطمح لها نفوس كثير من العلماء فضلاً عن غيرهم، لم تأسر قلب العارف البهائي، فجعلها جميعاً خلف ظهره واختار لسنين طويلة حياة الفقراء التي كان يفخر بها فخر الكائنات المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله).
ولعل هذه الخصوصية هي ابرز ما امتاز به العارف بهاء الدين العاملي في منهجه في السير والسلوك الى الله عزّ وجلّ.
اي انه امتاز بقوة وظهور حالة الزهد في كل ما سوى الله عزّ وجلّ وهذا الزهد هو الذي يمكن العارف من ان يتحرك بسرعة في منازل القرب من الله عزّ وجلّ.
اجل فإن كل ما يعرقل مسيرة الانسان في منازل القرب الالهي يرجع بالتالي الى نوع من التعلق القلبي بأحد مظاهر الدنيا او زخرفتها المتمثل بالطموحات النفسية بجميع اشكالها. والزهد هو الذي يعين السالك على تجاوز هذه العقبات.
*******
المزيد من التوضيح لهذه الحقيقة مع خبير البرنامج سماحة الشيخ محمد السند.
المحاور: بسم الله الرحمن الرحيم السلام على احبائنا والسلام على خبير البرنامج سماحة الشيخ محمد السند.
الشيخ محمد السند: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المحاور: سماحة الشيخ سؤالنا في هذه الحلقة من برنامج من عرفاء مدرسة الثقلين عن قضية الزهد، ما هي حقيقة الزهد الذي يشكل احد المعايير الاساسية والاركان الاساسية لحركة السير والسلوك الى الله تبارك وتعالى؟
الشيخ محمد السند: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على محمد وال بيته الطيبين الطاهرين، الزهد على انواع منها ما هو مذموم ومنها ما هو ممدوح والممدوح على درجات وكمالات والمذموم منه ما كان زهداً في الدنيا لأجل الدنيا ربما يتزهد الانسان لأجل الشهرة والسمعة او لأجل ان يرتقي الى موقعية في نفوس الناس او موقعية في القدرة او موقعية معينة مما هي في دار الدنيا فهذا ما يسمى الزهد لأجل الدنيا وليس الزهد لأجل الزهد وانما الزهد لأجل الطمع فهذا مذموم، نعم هناك زهد عن الدنيا لأجل الاخرة وهذا ممدوح ولكنه ذو درجات، تارة الزهد عن الدنيا ومطامع الدنيا لأجل الرغبة في الاخرة والرغبة في الجنة والرغبة في ملاذ الجنة هذا درجة من الكمال وليس مذمومة في نفسها كما يصور بعض العرفاء او اهل المعنى بل يكون حطيطاً في هذه الدرجة اذا لم تقترن هذه الرغبة الى الله عزوجل، طبعاً هناك زهد ارفع من ذلك ايضاً وهو الزهد في الدنيا وفي الشهوات والرغبات لأجل ابصار مساوئ الدنيا وسموم الدنيا ومصائب الدنيا وبالتالي يكون هذا عن بصيرة او الزهد عن مساوئ الدنيا وعن ملاذ الدنيا ليس فقط لأبصار مساوئها ومضارها وسمومها بل لأجل حجبها عن ذكر الله والتوجه الى الحضرة الالهية ودوام ذكر الله والانس وصفاء المحبة مع الله تعالى هذه طبعاً درجة اعظم هذه من جهة الدواعي يقسم الزهد الى دواعي وله احكامه، من ناحية ادوات الزهد ايضاً قد يتقسم الى انواع واقسام فليس الزهد كبيان مفصلي وملحمي موجود في القرآن الكريم وفي بيانات السنة واهل البيت عليهم السلام ليس الزهد ان لاتملك شيئاً وانما الزهد ان لايملكك اي شيء وربما من لايملك شيء وهو ليس بزاهد وربما يملك كل شيء وهو زاهد فمن حيث ادوات الزهد تختلف كما انه قد ذم في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف عن ادوات الزهد التي فيها طلاق الدنيا بالمرة كأن يعيش الانسان في صومعات او في كهوف الجبال كالرهبانية المسيحية او ما شابه ذلك او يسيح في الارض بحيث لا يكون له قرار ومقر فهذه ادوات من الزهد قد يمارسها الصوفية والمرتاضين، هذه ليست ممدوحة انما ادوات الزهد هي نفس برنامج السنة النبوية ومنهاج اهل البيت عليه السلام، تلك طريقة فيها تحمل المسؤولية والمكابدة في حين عدم فتح المجال لغلبة النفس وغرائز النفس وهذا هو اصعب مكابدة من ذاك الذي يذبح النفس ويتخلص من المجاهدة معها بأن يبتعد بالمرة عن طريق الامتحان لذلك كانت شريعة سيد الانبياء اصعب واكمل من سنن الانبياء من قبله لربما في تلك السنن كانت اسهل في امتحان النفس ولن تكن مكابدة شديدة مع النفس ولكن هذه الطريقة النبوية وهذه السنة النبوية فيها مكابدة اكثر في حين ان لا تبتعد عن تدبير الدنيا وعمارة الدنيا في حين ان لا يخرج الانسان اليها ولا ينشد اليها ولا ينحبس بها فيظل دائماً في حالة مكابدة وفي حالة امتحان فمن ثم كانت هي اعظم واكرم السنن فمن حيث الادوات هذه امور اخرى.
*******
وثمة تتمه لحديث سماحة الشيخ محمد السند عن حقيقة الزهد تستمعون لها في الحلقة المقبلة، أما الآن فنعود الى سيرة عارف هذه الحلقة من برنامج عرفاء مدرسة الثقلين، وهو المتأله الزاهد بهاء الدين محمد العاملي الشهير بالشيخ البهائي وقد لاحظنا ان قوة حالة الزهد الحقيقي في قلبه هي التي اعانته على سرعة المسير في طي معارج الكمال.
فلم تصده المناصب العالية التي وصل اليها في وقت مبكر عن مسيرته التكاملية، وعن رحلاته وسياحته التي طالت سنين عدة وشكلت احد الميادين المهمة التي طوى بها العارف البهائي كثيراً من معارج القرب الالهي خاصة وإنه حرص في سياحته ان يكون متستراً بهيئة شخص عادي متكتماً على هويته العلمية المعروفة، وكان لذلك اثره في تقوية روح التواضع الى الله عزّ وجلّ وتعميق روح الفقر والاحتياج اليه عزّ وجلّ.
اجل فإن التأثر بالعناوين والمناصب الظاهرية المرموقة من شأنه ان يغفل الانسان عن فقره وإحتياجه الى الله عزّ وجلّ، وبالتالي يضعف شعوره بفقرة الى الله جل جلاله في حين ان هذا الشعور بالفقر الى الله هو الوقود الذي يدفعه باستمرار الى مواصلته حركته السلوكية الى الله عزّ وجلّ.
وفي الفقرة الاخيرة من هذه الحلقة من البرنامج ايها الاكارم نفتح قلوبنا لمجموعة من الوصايا والاشارات السلوكية التي اثمرتها تجربته الطويلة في التقرب من الله عزّ وجلّ، نختارها من كتابه (الكشكول). قال (رضوان الله عليه):
• غفلة القلب عن الحق تعالى من اعظم العيوب واكبر الذنوب ولو كانت آناً من الآنات او لمحة من اللمحات.
• إن الله كما يعاقب العوام على سيئاتهم كذلك يعاقب الخواص على غفلاتهم.
• اجتنب الاختلاط بأهل الغفلة على كل حال إن اردت ان تكون من زمرة أهل الكمال.
• يا مسكين عزمك ضعيف ونيتك متزلزلة قصدك مشوب، ولهذا لا ينفتح عليك الباب ولا يرتفع عنك الحجاب.
• لو صممت عزيمتك واثبت نيتك وأخلصت قصدك لا تفتح لك الباب من غير مفتاح كما انفتح ليوسف لما صمم العزم وأخلص النية في الخلاص من الوقوع في الفاحشة.

ستكون لنا وقفة اخرى، بأذن الله، في رحاب العارف الامامي الشيخ بهاء الدين محمد العاملي في الحلقة المقبلة من البرنامج، نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله.
*******