من عرفاء مدرسة الثقلين
موضوع البرنامج:
  • ترجمة العارف الجليل السيد محمد مهدي بحر العلوم ووصاياه
  • المعارف الخاصة وإخلاص السيد بحر العلوم
  • حوار مع الشيخ محمد السند حول العلاقة بين العلم والعلم الخاص
التاريخ: 2008-07-02 00:00:00


الحمد لله غاية آمال العارفين والصلاة والسّلام على نبراس السالكين محمد وآله الطاهرين.
السّلام عليكم اعزاءنا ورحمة الله، اهلاً بكم في حلقة اخرى من هذا البرنامج نخصّصها لأحد اعلام عرفاء الامامية هو السيد محمد مهدي بحر العلوم، ضمن فقرات عدّة نتعّرف اولاً على ترجمته ثم منهجه في السير والسلوك واهم ما يميزه وبعض العبر السلوكية المستفادة من سيرته وباقة من وصاياه العرفانية وفي غضون ذلك ضيف وخبير البرنامج سماحة الشيخ محمد السند لاستبيان إحدى القضايا المرتبطة بموضوع البرنامج.
السيد بحر العلوم هو السيد محمد مهدي ابن السيد مرتضى وينتهي نسبه الى الامام الحسن المجتبى (عليه السّلام)، ولد في مدينة كربلاء المقدسة قبيل الفجر من ليلة الجمعة غرّة شهر شوال سنة 1155 للهجرة وتوفي في النجف الاشرف سنة 1212 للهجرة.
ذكر المترجمون ان والده السيد الورع مرتضى رأى ليلة ولادة ولده السيد مهدي، رأى في عالم الرؤيا مولانا الامام الرضا (عليه السّلام) قد ارسل شمعة مع بعض اصحابه وهو محمد بن اسماعيل بن بزيع فأشعلها على سطح دارهم فعلا سناها ولم يدرك مداها.
ومحمد بن اسماعيل بن بزيع هو من صفوة اصحاب الكاظم والرضا والجواد (عليهم السّلام) وقد روى النجاشي في كتابه الرجالي عن الصير في قال: كنا عند الرضا (عليه السّلام) ونحن جماعة فذكر محمد بن اسماعيل بن بزيع فقال: وددت أنّ فيكم مثله.
ولا يخفى ما لهذه الرؤيا الصادقة المنقولة في المصادر المعتبرة من دلالة عميقة في بيان مقام هذا السيد الجليل وتحلّيه بالصفات والخصال التي يحبها ائمة الهدى (عليهم السّلام).
وعلى أية حال فقد نشأ السيد بحر العلوم في مدينة كربلاء المقدسة وتتلمذ على علمائها لا سيّما العلامة المجدد الوحيد البهبهاني، كما تتلمذ على اساطين العلم في حوزة النجف يومذاك.
وتناولت دراسته مختلف التخصّصات في العلوم الاسلامية من الفقه والأصول والفلسفة والحكمة والتفسير والحديث والرجال وغيرها.
وقد اجمع مترجموه على تبحّره في جميع العلوم الاسلامية حتى لقّبه زميله واستاذ الفلسفة والحكمة المتعالية في عصر السيد الشهيد مهدي الاصفهاني لقّبه بلقب بحر العلوم الذي اشتهر به فيما بعد.
ولكنّ المستفاد من سيرته (رضوان الله عليه) هو ان ما حصل عليه من علوم ومعارف الهية كان في قسمه الاهم والاكبر من العلوم اللّدنية الخاصة التي يورثها الله من يشاء من عباده نتيجة لاخلاصهم في العمل بما عرفوا من الحق، وهذا النمط من العلوم والمعارف الالهية هو امنية اصحاب السير والسلوك والعرفان، لانها علوم يقينية تتميز بخلوّها من الشكوك والشبهات والجدل العقلي، وكذلك تتميز بنفوذها الى القلب وظهور آثارها بسرعة على سلوك الانسان.
وقد بشّرت النصوص الشريفة قرآناً وسنّة بهذا النمط الخاصّ من المعارف الالهية نظير الحديث المروي عن مولانا الصادق (عليه السّلام) انه قال: من عمل بما علم اورثه الله علم ما لم يعلم.
*******
المزيد من التوضيح لهذا الامر من خبير البرنامج سماحة الشيخ محمد السند.
المحاور: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله واله الهداة الى الله، اهلاً بكم احبائنا في هذه الفقرة من برنامج من عرفاء مدرسة الثقلين، معنا فيها مشكوراً خبير البرنامج سماحة الشيخ محمد السند، سلام عليكم سماحة الشيخ.
الشيخ محمد السند: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المحاور: سماحة الشيخ سؤالنا في هذه الحلقة عن المراد بالعلم الموروث في هذا الحديث الشريف الذي يهتم به كثيراً اهل السير والسلوك وهو المروي عن ائمة الهدى مضمونه «من عمل بما علم اورثه الله علم ما لم يعلم او ما لا يعلم» مالمقصود بهذا العلم؟
الشيخ محمد السند: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على افضل الانبياء والمرسلين محمد وال بيته الطيبين الطاهرين، في الحقيقة هناك جدلية معروفة بين نظريتين، نظرية ربما تحسب ان العلم ليس الا من الباطن، باطن الروح، باطن الملكوت يفاض على القلب وليس للعلم الكسبي اي شأن ولا دور وانما الشأن والمقام كله نابع ومنبعه بالتالي الروح والقلب وبالتالي ما يفاض على الروح والقلب من الهامات وتسديدات وما شابه ذلك او مكاشفات، في قبال هذا القول هناك قول اخر يتنازع القول الاول قول ثاني العلم داره الكسب ولابد منه والا لدخلنا في فوضى من الخبط والتخليط والهلوسة وماشابه ذلك ولكن الصحيح ان هناك قول ثالث جامع بين ايجابية كلا القولين ويتفادى المؤاخذة على كل من القولين، القول الثالث هو ان للكسب دور ومجال والهامات للدور والمجال ولايمكن الاستغناء بأحدهما عن الاخر في التكامل بل لابد منهما في التكامل وبيان ذلك مثلاً ننظر في القران الكريم في قوله تعالى في سورة البقرة «ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ» اذن معنى الكتاب هو القران الكريم بيان وهدى ونور للناس اجمعين الا انه الله سبحانه وتعالى خصه في سورة البقرة للمتقين، لماذا؟ لأن المعاني النورانية للقران لا تفاض على او لا يلتفت اليها، لا تفتح مسامع القلب وعيون القلب والروح بالالتفات الى تلك المعاني الا بعد شرط وهو ماذا؟ وهو طهارة الروح الانسانية توسط التقوى، المتقي يحاول ان يحافظ ويوقي روحه عن التلوث بظلمات المعاصي فأذن توقية المتقي روحه عن التلوث بظلمات المعاصي يؤمن الروح التلألأ وبالتالي قوة بصر لدرك معاني الكتاب فالكتاب مع انه كتاب يقرأ ومصحف يتلى لكن التدبر في تلك المعاني لابد فيها من موضع وهذا جمع للجنبتين، الجنبة الكسبية القراءة المحسوسة وجنبة ضرورة طهارة الروح لفيض الالهامات من المعاني فأذن هذا منهاج جامع ليس فيه هلوسة ادعاءات الالهام او ادعاءات النبوات او من يهلوس ويدعي مقامات عديدة من دون ظابطة ولا هو سجن للمعرفة فقط مجرد القراءة ولقلقة اللسان بل هي جامعة بين موازين محسوسة من بيانات القران الكريم الذي هو من امهات واسس ومنابع المعرفة او الحديث النبوي وحديث المعصومين عليهم السلام ولكن بضميمة هذا ايضاً ضميمة الطهارة والتقوى لكي تكون الروح مؤهلة لأن تلتفت الى معاني نورانية وحقائق نورانية للايات القرانية وللاحاديث الشريفة.
*******
نواصل ايها الافاضل هذه الحلقة من برنامج (من عرفاء مدرسة الثقلين) وحديثنا فيها عن العارف الجليل السيد محمد مهدي بحر العلوم، سيد عرفاء مدرسة الثقلين في القرن الهجري الثاني عشر وبداية القرن الهجري الثالث عشر.
وقد تميّز منهجه في العرفان والسير والسلوك الى الله بميزة مهمة هي شدة الاهتمام بالاخلاص في العمل لان ذلك هو مفتاح الفوز بالمعارف اللّدنية اليقينية وهذه المعارف الخاصة هي الجناح الثاني بعد الاخلاص للسير والسلوك الى الله عزّ وجلّ.
ذكر مترجموه (رضوان الله عليه) انه كان لا ينام من الليل إلاّ قليلاً، فكان يقضي ليله في الصلاة والدعاء والتهجّد والطواف على بيوت الفقراء يحمل لهم بنفسه الطعام.
وكان من سيرته في اعوام حياته الاخيرة انه كان يذهب الى مسجد الكوفة ليلة والى مسجد السهلة اخرى مشياً على الاقدام ويحي الليل بالتهجّد ثم يعود عند الصباح الى النجف لألقاء دروسه.
قال السيد بحر العلوم (قدس سره) في بعض اشاراته السلوكية: الطعام والشراب الربّاني في عالم (ابيت عند ربّي يطعمني ويسقيني) هو المعارف الحقيقية التي لا حدّ لها.
المعارف الحقّة هو رزق النفوس القدسية يأتيها من ربّها وبه قوام حياتها الابدية. كل من ادّعى السلوك ولم يصاحب عمله الورع والالتزام باحكام الايمان فهو منافق.
ولنا وقفة في رحاب العارف الجليل السيد محمد مهدي بحر العلوم (رضوان الله عليه) تأتيكم في الحلقة المقبلة من البرنامج بأذن الله. نستودعكم الله والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
*******