نور من كربلا
موضوع البرنامج:
  • الشرارة الموقظة
التاريخ: 2017-10-11 13:38:47





السلام عليكم مستمعينا الأطائب ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج.
أيها الأفاضل، من أكرم الأنوار الكربلائية التي تزدهي بها قلوب المحمديين الصادقين وهو يكون على مصائب العترة المحمدية.. نور ترسيخ الإنتماء لأهل بيت النبوة المحمدية وهو نور يرتقي بهم الى أسمى مراتب نصرة القيم الإلهية التي حملها أهل البيت المحمدي المبارك عليهم السلام وهذا هو ما يحدثنا عنه الأستاذ الأديب الحاج إبراهيم رفاعة حيث كتب عن نتاجات أحد أعلام الأديب الحسيني فقال تحت عنوان الشرارة الموقظة:
لعلاء الدين الشفهيني سبع قصائد طوال سكب فيها توجعه وتفجيعه لظلامات أهل البيت الأطهار وكان لسيد الشهداء فيها أوفى نصيب.
والشفهيني علاء الدين علي بن الحسين الحلي عالم نابه وأديب مقتدر وشاعر جيد الشعر، كانت وفاته في النصف الأول من القرن الثامن، ذو نفس شعري طويل، ولغة تمتاز بالعذوبة والوضوح، رغم اهتمامه البين بالمجانسات اللفظية.. ابتغاء للجمال التعبيري الشائع في عصره، وطلباً لرنين الإيقاع اللفظي المستعذب آنذاك.
تتشابه سبعه الطوال عادة في المضمون العام.. لكنه في كل واحدة من قصائده هذه يضيف شيئاً تخلو منه أخواتها، أو ينظر إلى موضوعه العام في أهل البيت من زاوية نظر متفاوتة.
ومهما يكن.. فنحن الآن أمام قصيدة من قصائده كافية الروي، فيها حلاوة ملموسة وصفاء في موسيقى الشعر.. على الرغم من موضوعها الآسي الحزين.
أول ما نلاحظ في كافية علاء الدين الشفهيني هذه – كما هو حال سائر شعره – هذا الإرتباط الروحي الوثيق بينه وبين آل محمد النجباء.. كأنما هم – سلام الله عليهم – أهله، وكأن قضيتهم هي قضيته ومصائبهم مصائبه، ولا غرو، فهو المنتمي إليهم انتماء اعتقاد عميق، وانتماء صدق في المشايعة والمبايعة، واعتراف بفضلهم الغامر إذ اهتدى بهم أطيب اهتداء، والمرء حين تنعقد عروق قلبه على اعتقاد.. فإن وجوده يصبح جزءً متلاحماً بهذا الإعتقاد لا يمكنه أن يتجاهله أو يتخلى عنه بأي حال، اللهم إلا إذا أراد هو أن يخرج منه باختياره.. شأنه شأن أهل الإنكفاء والإرتداد، أعاذكم الله وإيانا من الإنكفاء والإرتداد.
كان لفاجعة كربلاء في قلب الشفهيني فعل الشرارة التي أيقظت غيرته الإيمانية الى الأبد، وفجرت في داخله وجعاً لا يهدأ ولا يستريح.
وشرارة كربلاء هذه التي يتمازج فيها الحزن بالإبتهاج.. تجعل المرء صاحب قضية، وذا هدف نبيل يطوي من أجله الدقائق والساعات، لقد عبر المرء عندئذ – كما فعل الشفهيني – حالة التراخي التي تشبه حالة الخشبة الطافية على وجه الماء، وانتمى إلى موقف له أركانه ومعالمه وما من موقف أرسخ أركاناً وأبهى معالم من الوقوف مع الحسين في أهل عاشوراء، وهذا ما يزخر به – من خلال شعره – قلب الشفهيني علاء الدين.
تعرف علي بن الحسين الحلي الشفهيني على طرف من خلق آل محمد المستمد من نور الله، فراعه الموقف الآخر المضاد الذي تشبع بظلامه وقتامه خصومهم من آل أبي سفيان، موقف الإمام الحسين وموقف جده النبي وأبيه الوصي.. موقف واحد لا يتجزأ؛ لأن أهل البيت الأبرار نور إلهي واحد لا يعرف التفاوت والإختلاف.
يتشعشع أمام ناظري قلب الشاعر مشهد رسول الله جد الحسين يوم عفا العفو الكريم عن أعدائه من قريش الذين أطلقهم بعد أن أسرهم في فتح مكة، وفيهم آل أبي سفيان.. وكانوا آذوه وطردوه وقاتلوه ألد ما يكون الأذى والتطريد والقتال.
ويتجلى له أيضاً مشهد أبي الحسين علي المرتضى وهو يصفح الصفح الجميل عمن خالفوه وعاندوه وحاربوه.. كما فعل بأهل فتنة الجمل، وكما سمحت يداه في صفين لأعدائه أنصار معاوية بالماء وقد كانوا منعوه وجنده الماء!
لم يكن من رسول الله وأخيه علي – وهما عذوبة نور الأنوار – إلا الموقف الشهم المتعالي المفعم بالرجولة والجمال، ثم لم يكن من آل أبي سفيان وشيعتهم إلا التقتيل لآل محمد وعلي، وإلا الإرهاب والسلب والنهب، وإلا أسر حرائر الوحي والنبوة.. ثم سبيهن أعنف وأصلف سبي.. "وكل إناء بالذي فيه ينضح".
كان الأولى – لمن له حظ من رجولة – أن يعفو في كربلاء عمن لغوغاء الناس خارجاً عن دينهم، رغم أن دينهم دين الضرار الذي لا يختلف عن مسجد الضرار، هو ذا قلب الشاعر الشفهيني ينفجر بالعقاب للظالمين المنكوسين.. ولكن لا حياة لمن تعاتب، قال علاء الدين:
وعليك خزي يا أميّة دائماً
يبقى كما في النار دام بقاكِ
هلا صفحت عن الحسين ورهطه
صفح الوصيّ أبيه عن آباك؟!
وعففت يوم الطف عفّة جدّه الـ
ــمبعوث يوم الفتح عن طلقاك؟!
أفهل يدٌ سلبت إماءَك مثلما
سلبت كريماتِ الحسين يداك؟!
أم هل برزن بفتح مكة حسراً
كنسائه يوم الطفوف نساك؟!


لا ينتظر من ظلام بني أمية المتوحش الغائض في أوحال الرجس أن يسجل – ولو مرة واحدة – موقفاً يمكن أن يوصف بالكريم، من أين يأتي بالكرم من طبعه الذي نشأ عليه طبع فاسد لئيم؟!
إنهم هم من فعلوا فعلتهم الوحشية النكراء في كربلاء: سيد شباب أهل الجنة الطريح المذبوح، والأطفال المحمديون اليتامى المسبيون المرعوبون من سياط وزعقات اولئك الوحوش البشرية الذين يتخطفونهم حول مخيم الحسين – عليه السلام – قال العالم الشفهيني:
لهفي على الجسد المغادر بالعرا
شلواً تقلبّه حدود ظُباك
لهفي على الخد التريب تخدّه
سفهاً بأطراف القنا سُفهاك
لهفي لآلك يا رسول الله في
أيدي الطغاة نوائحاً وبواكي
ما بين نادبة وبين مروعة
في أسر كل معاندٍ أفّاك!

أما هذه المرأة الوقور الصبور المتزملة بجلال الله الصديقة زينب الكبرى شقيقة الحسين، إنهم بعد تفجيعها وترويعها تهم دناءه نفوسهم الوضيعة أن تسلبها الآن رداء الحشمة والجلال:
تالله لا أنساك زينب والعدا
قسراً تجاذب عنكِ فضل رداك
لم أنس لا والله وجهك إذ هوت
بالردن ساترةً له يمناك
حتى إذا همّوا بسلبك صحت باسـ
ــم أبيك واستصرخت ثمّ أخاك

قلب علاء الدين الشفهيني يكاد يقفز من صدره مخترقاً قفص الضلوع! يؤسفه أنه لم يكن حاضراً عاشوراء، ولو حضر لقاتل نصرة للسيد الحسين حتى يقتل أضحية بين يديه! وإذ يعود الشاعر إلى نفسه وتصطدمه حقيقة أن الفاجعة قد وقعت قبل أمد طويل.. يتلفت مفتشاً عما لديه من سلاح يقاتل به الآن انتصاراً لسيد الشهداء، فما يجد من سلاح إلا البكاء المتفجع الغضوب، وإلا خاطره الشعري ولسانه الذرب الحاد القول كشفرة السيف، قال يخاطب نفس الحسين القدسية:
اني ليقلقني التلهف والأسى
إذ لم أكن بالطف من شهداك
لأقيك من حر السيوف بمهجتي
وأكون إذ عز الفداء فداك
ولئن تطاول بعد حينك بيننا
حينٌ ولم أك مسعداً سعداك ؟
فلا بكينك ما استطعت بخاطرٍ
تحكي غرائبه غروب مداك
وبمقول ذرب اللسان أشد من
جند مجنّدة على أعداك

وهكذا – مستمعينا الأفاضل – يتحول التفاعل الوجداني العميق مع المصائب الحسينية الى نور متفجر في قلوب الباكين على الحسين، يرتقي بهم الى منازل الإنتماء لآل محمد – صلى الله عليه وآله – ونصرة دينه الحق الذي ارتضاه الله لعباده منهاجاً للرقي بهم الى أعلى مراتب الرفعة والكرامة والحياة الطيبة.
ختاماً نشكركم أيها الأكارم على كرم الإستماع لحلقة اليوم من برنامجكم (نور من كربلاء) قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران..
دمتم في أمان الله...