اعلام الهدى
موضوع البرنامج:
  • شهادة إمام السجاد عليه السلام (في تأبين منار المتعبدين)
التاريخ: 2015-10-26 12:52:52

قضى السجاد فالصدقات سراً
تقيم عليه مأدبة النياح
قضى السجاد فالدعوات تهمي
دموعاً منه تهمي بالمناح
ويذكر إذ تجرحه سموم
أباه حين أثخن بالجراح

بسم الله الرحمن الرحيم...
سلام من الله عليكم مستمعينا الأفاضل ورحمة منه تعالى وبركات وأعظم الباري سبحانه لكم ولنا الأجر بمصابنا الجلل الذي تجدده كل عام ذكرى استشهاد الإمام الهمام علي السجاد (ع) فكونوا معنا في هذا اللقاء الخاص بها من برنامج أعلام الهدى ونحن نستلهم من سيرته الكريمة (عليه السلام) الدروس والعبر.. آجركم الله.
فأسل فؤادك من جفونك أدمعاً
واقدح حشاك من الأسى بزناد
واندب إماماً طاهراً هو سيد
للساجدين وزينة العباد

نعم أحبة الإيمان، الإمام علي بن الحسين عليهما السلام، رابع أئمة أهل البيت؛ إبتدأ حياته في كنف جده الإمام علي (ع) ثم ترعرع في مدرسة عمه الإمام الحسن المجتبى (ع) أحد سيدي شباب أهل الجنة وكذا أبيه الحسين (ع) أبي الضيم، وارتوى من نمير العلوم النبوية واستسقى من ينبوع أهل البيت الطاهرين.
برز على الصعيد العلمي إماماً في الدين ومناراً في العلم ومرجعاً لأحكام الشريعة وعلومها، ومثلاً أعلى في الروع والعبادة والتقوى، فهو المفزع لمشاكل المؤمنين وهو مدرسة من مدارس العطاء والنبل وعلم من أعلام أهل البيت، عليهم صلوات ربي أجمعين.
تسلم الإمام زين العابدين (ع) مسؤولياته القيادية والروحية بعد استشهاد أبيه (ع) فمارسها في مرحلة من أدق المراحل التي مرت بها الأمة الإسلامية وقتئذ، ونهض بأعباء إيصال رسالة الدم الحسيني في ظل أقسى مراحل الإرهاب الأموي حتى قضى شهيداً في سبيل ذلك مسموماً على يد جلاوزة الطاغية الأموي سنة 95 للهجرة وعمره الشريف سبعاً وخمسين سنة.
قضى فالحق منه في مضيق
وضيق الكفر منه في انفساح
وصدر العلم في حرج اكتئاب
وصدر الجهل منه في انشراح
ويبكيه السماح وغير بدع
إذا يبكي السماح على السماح

أجل.. لقد واجه الإمام (ع) الخطر الناجم من موجة الرخاء والإنسياق مع ملذات الحياة الدنيا والإسراف في زينة هذه الحياة المحدودة، وبالتالي ضمور الشعور بالقيم الخلقية، فاتخذ من الدعاء أساساً لدفع هذا الخطر الكبير الذي ينحز في الشخصية الإسلامية ويهزها من داخلها هزاً عنيفاً ويحول بينها وبين الإستمرار في أداء رسالتها.. ومن هنا كانت "الصحيفة السجادية" تعبيراً صادقاً عن عمل إجتماعي عظيم وتراث رباني فريد يظل على مر الدهور مصدر عطاء ومشعل هداية ومدرسة أخلاق وتهذيب، فتضل الإنسانية بحاجة ماسة إلى هذا التراث المحمدي العلوي، وتزداد إليه حاجة كلما ازداد الشيطان للإنسان إغراءً والدنيا فتنة لبني البشر.
إخوة الإيمان.. لقد قام الإمام السجاد – سلام الله عليه – بوضع أسس معالجة التدهور المعنوي والفكري الحاد الذي ساد في الواقع الإسلامي وأدى إلى السماح لطغاة بني أمية بالتسلط على مقدرات المسلمين والسعي لإبادة أهل بيت النبوة – عليهم السلام – في فاجعة الطف الدامية، وبالتالي إزالة معالم الدين الحق.
المزيد من التوضيح لهذه الحقيقة نستمع له من ضيفنا الكريم سماحة السيد جعفر فضل الله.
فضل الله: بسم الله الرحمن الرحيم الامام زين العابدين عليه السلام علي بن الحسين هو احد أعضاء او فروع تلك الشجرة التي أصلها يرجع الى نبي الاسلام محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولذلك من الطبيعي أنه كان يحمل هم الاسلام في أن يؤكد حضوره الفاعل في كل موقع يكون فيه فالامام زين العابدين عندما وجد بأن الأمة إنحدرت الى المستوى الذي تتقبل فيه قتل أبن بنت نبيها وهو يدعوها الى أن تكون الأقرب الى الله سبحانه وتعالى ويدعوها الى دينها الذي لاتزال حديثة العهد به ويدعوها الى أن ترجع الى أحسابها اذا كانت تتنكر بتعاليم الاسلام. رأى هذا الإنحدار الرهيب في الأمة فأراد أن يعيد تاج الانسان الذي يمكن له أن يحسن عملية التغيير فيما بعد لذلك كانت المهمة الأساسية فيما بعد إستشهاد الامام الحسين عليه السلام هي أن يتوجه الى الانسان بكل أبعاده، فتوجه اليه من الناحية الفكرية فكان للامام زين العابدين عليه السلام دور تأسيس المدرسة العلمية الفقهية التي كانت تدعو الى الواقع الاسلامي بعلم الاسلام وكانت تريد أن تخرج النخب الفكرية والثقافية التي يمكن أن تحمل هم الاسلام والدعوة الى الله سبحانه وتعالى وتواجه التحديات وتصحح المفاهيم التي لعب بها بنو أمية فشوهوها وحاولوا أن يؤكدوا ماهو ضد المفاهيم الاسلامية الأصيلة الحقة. انطلق ليعيد انتاج الروحية والذهنية الاسلامية على المستوى التربوي عن طريق الدعاء لأنه لايكفي عندما تريد أن تعيد انتاج الانسان في شخصيته لايكفي فقط أن تعيد انتاجه من الناحية الفكرية بل لابد أن تعده تربوياً بطريقة مؤثرة وفاعلة. فكان الدعاء هو الجزء الآخر المكمل لإعادة انتاج الفكر لذلك بث الامام زين العابدين في الدعاء كل روحيته، كل صفاءه، كل طهارته، كل عاطفته، كل احاسيسه الوجدانية وغلفها وأطلق المضامين الفكرية العديدة ليعيد انتاج الأخلاقية الاسلامية والروحية الاسلامية التي ترتبط بالله سبحانه وتعالى ثم تعرف مسؤولياتها في الحياة تجاه الأقربين، تجاه الجيران، تجاه الأبعيدن، تجاه الأعداء وفي كل المظاهر التي يمكن أن يواجهها الانسان في الحياة. كان الامام زين العابدين يبث الدعاء في مدرسة رائدة لاتزال بذورها ولاتزال بركاتها الى يومنا هذا تنتج وتعيد انتاج الانسان بشكل او بآخر. وكذلك كان ينطلق ليعيد تصويب ذهنية الأمة وتوجه الأمة تجاه ماحدث في كربلاء لأنه كان يريد أن تبقى تلك الحادثة حية بمقدار ما تصيب الانسان بصدمة تجاه عدم جواز السكوت عن مثل هذا الانحدار في المجتمع ولذلك انطلق الامام زين العابدين ليؤسس لحركة ونهضة اسلامية متنوعة الأبعاد، انطلق ولده الامام الباقر ثم الصادق ثم الكاظم ثم سائر الأئمة عليهم السلام ليكملوا هذه المدرسة التي أطلقت علم الاسلام في خط اهل البيت عليهم السلام والتي اطلقت الوجدان الاسلامي في عداد الكوادر الاسلامية التي تمتلك روحية اسلامية رائدة وكان لهذه النخبة الأثر الكبير على كل الواقع الاسلامي وكان لها الدور الكبير في حمل رسالة الاسلام لإيصالها الى الأجيال المتعاقبة حتى وصلت الينا حية ناضبة بكل الحيوية الاسلامية وبكل الأريحية الرسالية في الفكر الاسلامي العميق الذي يبدأ من الله وينطلق مع رسول الله وامير المؤمنين علي عليه السلام وسائر الأئمة ومع كل المخلصين الواعين الذين يتحركون في خط الاسلام وفي خط الوصول الى الله.
ما زلنا معكم اعزاءنا المستمعين وبرنامج اعلام الهدى يقدم لحضراكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران. تقبل الله أعزاءنا المستمعين من سماحة السيد جعفر فضل الله الأستاذ في الحوزة العلمية في لبنان هذه المشاركة في برنامج اعلام الهدى في حلقته الخاصة بذكرى إستشهاد رائع أئمة العترة المحمدية مولانا الامام زين العابدين عليه السلام.
فنفتح قلوبنا على سيرته المعطاء وأخلاقياته المحمدية الكريمة صلوات الله عليه، فمن صور حلمه التي رواها المؤرخون؛ إنه كانت له جارية تسكب على يديه الماء فسقط الإبريق من يدها على وجهه الشريف المبارك فشجه، فبادرت الجارية قائلة: إن الله عزوجل يقول "والكاظمين الغيظ" وأسرع الإمام قائلاً: كظمت غيظي.. وطمعت الجارية في حلم الإمام ونبله، فراحت تطلب منه المزيد قائلة: "والعافين عن الناس" فقال الإمام (ع): "عفا الله عنك" ثم قالت: "والله يحب المحسنين" فقال لها: "إذهبي فأنت حرة".
كما سبه لئيم فأشاح (عليه السلام) بوجهه عنه، فقال اللئيم: إياك أعني.. وأسرع الإمام قائلاً: وعنك أغضي.. وتركه الإمام ولم يقابله بالمثل.
ومن عظيم حلمه أن رجلاً افترى عليه وبالغ في سبه، فقال (ع): (إن كنا كما قلت فنستغفر الله، وإن لم نكن كما قلت فغفر الله لك..).
آه كم قاسى من الدهر وكم
صارع الأحداث صبراً وعناءا
صاحب السبط أباه حينما
ثار للدين ووافى كربلاءا
فرأى مصرعه في فتية
غنموا الخلد وعاشوا شهداءا

إن من أهم أهداف الإمام السجاد (ع) هو إصلاح المجتمع البشري بتربيته على التعاليم الإلهية، وقد ربى جيلاً من المؤمنين على التعاليم الحقة التي جاء بها الدين الحنيف والأخلاق القيمة التي ينبغي التخلق بها، وقد خلّد التأريخ موقفه المقدس في الشام أمام الطاغية يزيد وخطبته التاريخية الهامة التي بيّنت للناس حقائق كربلاء والهدف المقدس لأبي الأحرار الإمام الحسين سيد الشهداء (ع) والصفوة من آل بيته الأبرار وأصحابه الكرام.
وختاماً نستهدي بأقوال للإمام السجاد (ع) جاءت في حقوق الأعضاء؛ (وحق اللسان إكرامه عن الخنى [أي الفحش في الكلام] وتعويده على الخير وترك الفضول التي لا فائدة لها والبر بالناس وحسن القول فيهم. وحق السمع تنزيهه عن سماع الغيبة وسماع ما لا يحل سماعه. وحق البصر أن تغضه عما لا يحل لك وتعتبر بالنظر به. وحق يدك أن لا تبسطها إلى ما لا يحل لك. وحق رجليك أن لا تمشي بهما إلى ما لا يحل لك، فبهما تقف على الصراط؛ فانظر أن لا تزل بك فتردى في النار.
نتقدم إليكم مرة أخرى بأحر التعازي بمناسبة ذكرى استشهاد رابع الأئمة الهداة الإثني عشر، الإمام علي السجاد زين العابدين بن سيد الشهداء الإمام الحسين – عليهما السلام -...
كنتم وحلقة خاصة بهذه المناسبة الأليمة المفجعة للقلوب ضمن حلقات برنامج أعلام الهدى، نستودعكم الله سبحانه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.