اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | القصة القصيرة http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb وفـــاء - 35 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/75 http://arabic.irib.ir/programs/item/75 طالما لامني كثير ممّن يعرفونني على حسن ظنّي بالناس وسرعة اطمئناني اليهم وبذل جاهي في قضاء حوائجهم لما رأوا من نكران الجميل وكفران المحبّة، لكنّني لم انتفع بهذا اللوم كثيرا ولا قليلا لغلبة الطّبع على كلّ كسب، حتّى اتيح لي رجل استأجرني في عمل اعلاميّ على ان يعطيني اجري عند انتهاء العمل الذي قد يستغرق اسبوعين او ثلاثة، وكان الاجر كبيرا جدّا، وشرعت سيّارة اجرة تغدو بي وتروح، واعجب الرّجل واعوانه بعملي، وعدني بزيادة اجري تقديراً لمهارتي فيما انجزته ولانجازي فوق المطلوب منّي، وعمرت المودّة بيننا، وتوطّدت الاخوّة، واعطاني الرّجل ثلث المبلغ المثفق عليه بعد ايّام من بدئنا العمل، ورجاني ان اختار له قارئاً ومترجماً جديرين بثمير عمله. وعرضت الامر على من اثق بهم، فضحك منّي كلّ من دعوته لذلك، وقيل لي: احذر هذا الخدعة الضّحكة، فما وفى هذا بعهد، ولا صدق في قول. ودافعت عن الرّجل كثيراً، فلم ابؤ الاّ بالسّخرية منّي والتّحذير المستدام لي من ثقتي به. وبغتني يوماً بما تتناوله به الالسنة نافياً ذاك عن نفسه شاكراً لي دفاعي عنه واخلاصي له عاتباً على من احسن اليهم، فكافئوه بالغيبة والبهتان. فطيّبت خاطره، وافترقنا وماله في الدّنيا اخ غيري على الرّغم من قصر المدّة التي عرفني فيها، ولا احد يعلم مدى سروري بهذا النّظر الكريم. وبعد انتهاء العمل هتف اليّ مطمئناً بوصول مابقي لي عليه وما وعدنيه من الزّيادة السّارّة لي، ثمّ انقطعت اخباره، واستخفى مدّةً طويلةً بقيت فيها منالاً لهمز من حذّروني منه ولمزهم، وقد تعجب كلّ العجب اذا قلت لك: انّ ذلك لم يؤثّرفي اعتمادي عليه طرفة عين، حتّى طوى النّسيان خبر الرّجل وعلاقته بي من اذهان الجميع. ونزلت المستشفى بضيق النّفس الشّديد، فقضى اطبّاء في قسم العلاج الفائق بجراحة لصمام القلب الاكليليّ في مستشفى القلب المركزيّ بالعاصمة فلم يستقبلني ذلك المستشفى، وازددت قلقاً وحيرة، فليس لي من شفيع الى هذا المستشفى ليقبلني، ولا من قدرة تمكنني من دخول غيره من المستشفيات الخاصّة. وعادني صديق يملك داراً للتّرجمة، واخبرني بقبول المستشفى المركزيّ ايّاي واجراء الجراحة لي في تاريخ كذا القريب جدّاً على يد كبير الجرّاحين فيه، وابتهجت اسرتي بهذا اللطف وشكروه له شكراً جزيلاً. وباءت الجراحة بالنجاح بفضل الله _ تعالى _ وعرفنا يوم السّماح لي بمغادرة المستشفى انّ نفقة العلاج الباهظة قد دفعها صديقي صاحب دار التّرجمة فعظم الرّجل في اعيننا، وسألنا الله له كرامة الدّنيا وسعدة الاخرة. وعادني هذا الصّديق في المنزل، واهدى اليّ هدية نفيسة، فأبيت قبولها متذرعاً بفداحة ما دفعه عنّي من نفقة العلاج وما استعطف به الاطبّاء عليّ وما قدّمه لي خلال نزولي المستشفى من دواعي الاخاء والمودّة فضحك خجلاً، وقال: لم يكن كلّ ما رأيت من مالي، وحكايته انّ اخاً محبّاً لك كلّم الاطبّاء فيك، ونهض بعلاجك من الفه الى اخره حتى هذه الهديّة التي بين يديك، وما كنت غير ساع بينكما بخير، ومن صفاء الرّجل رجاؤه الاّ اخبرك باسمه ما وجدت الى ذلك سبيلا. واستحلفته بالله ان يعرّفنيه، فقال يا اخي هذا اخوك العاثر الحظّ فلان. فعجبت ايّما عجب، وتذكّرت سؤال الاطبّاء والممرّضين اياي عنه، فاكبرته واستغفرت الله له كثيراً. وقال محدّثي: وازيدك عجباً انّ كلّ هذا انفقه عليك قد استدانه منّي اذ نكبه ابن حرام بردّ اعماله عليه، ومنها ما انجزته له، وهو الان ينتظر القضاء له، وعسى ان يفوز بذلك. وما منعه من عيادتك غير حيائه منك. فأسفت على ما نزل به من البلاء، وشكرت لهما كليهما حسن صنيعهما النّبيل وتمنّيت لو سمع النّاقدون عليّ صلتي بهذا الرّجل هذه الحكاية عنه كما سمعتها انا اوّل مرّة، وقلت: ليت النّاس صبروا ثمّ حكموا. ولو فعلوا ذلك، لما اكل بعضهم بعضا. قصّــة - 34 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/74 http://arabic.irib.ir/programs/item/74 زرت صديقاً حميماً امس، فوجدته غارقاً في مناجاة نفسه ذاهلاً عنّي على غير ما الفته من حسن معاملته الدائم لي، فعجبت منه دون ان استنكر عليه فعله، او اسأله عن المخاطب في نجواه، فقد غرقت في تأمّل قوله لنفسه: ماذا جنيت من سوء الظّنّ ايها الاثم؟ لم لم تتأكّد حالك قبل الزّواج، فتستريح من الشّك فيمن تحبّ؟ أليس اخبارك امّك وزوجك بحالك في بدء الزّواج خيراً لكم جميعا؟ ايّ فاجعة نزلت بك لو فعلت ما وسوس لك الشّيطان به في ذلك اليوم المشئوم؟ من انجاكم من عار الدّنيا ونار الاخرة غير رب العالمين سبحانه وتعالى؟ وأفقت من سكرتي، وابتسمت في وجهه الحزين قائلاً: من تخاطب بربّك؟ وما المناسبة؟ فاجاب عن ابتسامتي باحلى منها وقال: لما رأيت وسمعت يا اخا الروح قصّة مريرة جرت لاحدهم في مثل هذا اليوم قبل خمس سنوات. فضحكت وقلت: وهذا اوان التفضّل بها مشكورا. فابتسم ثانية، وقال بلطفه اللطيف: حباً وكرامةً لمن القى السّمع وهو بصير. واطرق هنيهة قال بعدها: اجل يا ابن امّي، لقد كان ذلك الرجل معلّماً شكاكاً في النّساء ولا سيّما المتعلّمات منهنّ، ولذا لم تجد امّه اللبيبة الفطنة بدّاً من النّزول على ارادته ان يتزوّج ابنة عمه التي لم تخرج لمدرسة قطّ. وعاشت الاسرة الصّغيرة ايّاماً احلى من العسل زادها حلاوة مرّ الشّهر الاوّل والعروس البتول على طهرها الذي دخلت به هذا البيت المزدهر بعفافها العفيف. وضحّت الامّ الحليمة العروسين الى صدرها، وقبّلتهما مبشّرة ابنها بالسّراج الذي سينير المنزل المتطلّع الى نوره الحبيب. فاغضت العروس الحسناء حياء ورجاء، وخفق قلب زوجها بما تكرهه الاسرة، لكنّه تظاهر بغيره. وفي وقت استفاض فيه سرور الحماة وكنّتها بهذا الامل الواعد في كل مكان لم يكن سرور ربّ البيت سوى تظاهر بارد فضحه تبدّل معاملته لهما تبدّلاً بدّد طمأنينة ذلك البيت السعيد. ولم تعرف المرأتان النّبيلتان سرّ هذا التبدّل السريع في وقت كانتا ترجوان فيه ان يتلألأ سيّد البيت بما سمع، فالرجل كتوم حذر لا يفلت منه شيء حتى خيال ذلك السّر المرتبط برجولته ارتباطاً وثيقا. واخذ المعلم المرتاب غيظاً على امرأته التي ما اختارها الاّ حبّاً لها وثقةً بها كلما مرّت ساعة من الشّهر الثاني لا تخبر بكذب الحمل، لانّ صدقه يعنى خيانة تلك البتول العفيفة المقدّمة على كلّ عفيفة عنده، فقد اخبره الطّبيب انّه لن يكون له ولد الاّ بعلاج طويل. وتسهّد ليله، وتعاظم غمّه، حتى جزم بالانتقام منها انتقاماً يشفي قلبه، ويغسل عاره من دون ان يخرب بيته. وعزم على حسم امره قبل ان يبين لاحد من الناس في يوم تذهب فيه امّه لزيارة اخته فتنجو من الخطر المحدق بمن بدّلت حسن ظنّه بها سوءا. ورأى ان يفتح الغاز في المطبخ عند خروجه من الدار، ويغلق بابه، لينفجر على الخائنة متى فتحته، او فعلت ما يبعث على الانفجار. وسنحت الفرصة المنتظرة، فقد ذهبت امّه لزيارة اخته عصر الجمعة، لتعود صباح الاثنين، وبات هو تقلّبه كفّ التّردّد فيما نوى، فلمّأ اصبح ودّعته امرأته الى عمله داعية له ان يعود سالماً من كلّ اثم غانماً من كلّ برّ. وعاد قبل الزّوال ليفعل ما بيّته من سوء شدهه عنه وجود امّه غير المحتمل في ذلك الوقت فسألها دهشاً: ماذا وراءك يا امّاه؟ فاجابته: خير يا ولدي. فقال لها: ما اسرع عودتك! قالت: اجل، فقد شاركوا جيرانهم في رحلة استجمام بدأت اليوم، وحملتني على العودة اليكم. وما كاد يستريح حتّى اجهشت اليه قائلة: دع هؤلاء، وكلّمني في الامل الذي خاب يا ولدي. فقال مرتبكاً: ايّ امل يا امّي؟ وهي تمسح الدّموع المتحدّرة على خدّيها: النّور الذي اردنا ان نستضيء به. واثلج كلامها صدره، فسألها متحقّقاً ما قالت: ولم خاب جعلت فداك يا امّي؟ قالت: لانّ ابنة عمّك النّبيلة لم تكن حاملاً اصلا. فتأكّد براءة امرأته، وقال وهو يضحّها هي وامّه اليه مواسياً: اخلف الله لنا. وحمد الله واثنى عليه في اعماق نفسه اذ انقذه من فتنة وارية وحفظ عليه كرامته وسعادته. ونسي ان يعود الى المدرسة التي اذنت له بمغادرتها ساعة لقضاء امر لابدّ منه. وعاشا بعد ذلك متسامحين لا يكدّر صفوهما شيء، حتى فجأته امّه يوماً قائلة له: لقد قرأت امرأتك العفيفة الطّهور كلّ ما استسرّ في نفسك المضطربة يوم اخبرناك بما فتمنّاه جميعاً ووعدته حرفاً حرفاً، لكنّها ما ازعجتك بسؤال ولا عتاب اكراماً لك، واعتزازاً بك، ولو كانت غيرها مكانها اذاً لاذاقتك الوان العذاب. وانتبه انّه اذا نام هجر بما خطر له في يقظته، فاستحيا، وشكر لامّه ايقاظها اياه من الغفلة، ولامرأته اخلاصها له وعفوها عنه معتذراً اليهما ممّا حمله عليه الضّعف. فسرّتا وذهبوا جميعاً الى طبيب بارع في علاج امثاله، فكشف عن خطأ الطّبيب الاوّل في علاجه فازداد ندماً واسفاً على ما فرّط في جنب ابنة عمّه السامية. ورزقه الله هذين البدرين المشرقين بين يديك بلطفه _ تعالى _ واحسانه. فعانقته مباركاً له ما رزقه الله _ سبحانه _ شاكراً له هذه القصّة من قصص العبرة. عاقبــة - 33 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/73 http://arabic.irib.ir/programs/item/73 كنت استعذب دعاء ابي _ رحمه الله _ بحسن العاقبة، حتى صرت من المستهترين به ليل نهار، وطالما اراني الله _ سبحانه _ ما يزيدني تمسّكاً بهذا الدعاء الباعث على اليقظة من الغفلة والنجاة من الاثم. وممّا وعظني به ربّي _ تباركت اسماؤه الحسنى _ انّي نزلت في زيارتي للامام الرّضا _ عليه السلام _ يوماً في نزل ساقني اليه الظلام والضّني والزّمهرير، فاستقبلني فيه كهل وقور تحدّثك قسمات وجهه البشوش بحزن عميق، ورحّب بي ترحيباً حارّاً، وقادني الى غرفة تشرف على منظر خلاّب. فاستبدلت ملابسي، واسترحت قليلاً، ثمّ نزلت لتناول العشاء مع الرّجل الذي سرّبي غاية السّرور، لكنّه بقي واجماً لا ينبس بكلمة، ولا يجيبني اذ سألته الاّ بمقدار في وقت راحت امرأته تعدّ لنا قهوة ونحن نتعشّى. وجذب انتباهي صوت صادر من الطبقة السّفلى شبيه بضربات الملاكمة استمرّ متعالياّ، وانقطع بعد حين، ففجأنا وقع اقدام ترتقي السّلّم، فاذا بشاب طويل القامة عريض المنكبين اشعث الشّعر نحيف البدن يدخل المطبخ، ليتّجه الينا بعد دقائق، فذعرتني نظراته الزاّئغة ولمست ارتباك صاحب النّزل وهو يراه مقبلا، لكنّه تمالك نفسه، وقال لي وهو يبتسم ابتسامة باهتة: هذا هو البطل الفذّ بطل العالم في الملاكمة، انّه ولدي الحبيب ناصر. وصافحت ناصراً، فضغط يدي ضغطاً كاد يزهق روحي، وهو يقول: اهلاً وسهلاً، مندوب ايّ صحيفة انت؟ يطيب لي ان اتحدّث اليك هنا بين والديّ العزيزين. فقلت له مضطربا: امل الاّ ازعجك قليلاً او كثيرا. فقال الاب الكئيب: هذا زائر عزيز يا بنيّ عاقه الليل والبرد عن السّفر، فنزل علينا متكرما. وصمت ناصر هنيهة ختمها بقوله: استميحك عذراً من نزولي الى غرفتي لاواصل التدريب، فلم يبق للمنازلة غير يومين فقط، ولابدّ لناصر من الاحتفاظ بلقب البطولة فيها. وعادت بي الذّاكرة الى ما قبل عقد من الزّمان الذي تتغيّر فيه الاشياء جميعاً وهو باق لا يتغيّر. اجل تذكرت ناصراً الذي كان من ابطال هذه الرياضة الفجّة حقاً، وتجدّد في خاطري ما قيل انّه جرح في رأسه في مباراة خانه الحظّ فيها، فانطوى ذكره عن ميادينها، وما عاد احد يسمع عنه شيئا. وما اخذ الخاطر بي الى ذلك الماضي، حتى صدّتني عن مواكبته فتاة صعدت السّلّم سريعاً واقتادت الشابّ قائلةً له: لا تضع وقتك سدىً، فالفوز لا يأتي الاّ بجهد جهيد. وترقرقت الدّموع في عين الامّ وهي تقول لزوجها: لندع السّيد يأوي الى منامه الان، فهو تعب جداً. وتوسّلت الى النّوم بكلّ وسيلة، فلم احظ به، فقد ارّقني صوت التّدريب الصّاعد اليّ طول الليل بلا انقطاع. وسألت الاب الحزين صباحاً عن ناصر سؤال من استبدّ به حبّ الاستطلاع، فقال وهو يكفكف كبراً جرى على خدّه الذّابل: انّه ولدي الوحيد كان ملاكماً فذاً، وقد اصابت رأسه لكمة شديدة في الحلبة، فحمل منها فاقد الوعي، وبقس كذلك ايّاماً، حتى اذا افاق رأيناه لا يذكر شيئاً سوي المباراة. وسكت الرّجل قليلاً، ليسطرد قائلاً: اجل لا بنيّ مسكين ولدي هذا. مازال يتصوّر منذ ذلك الحين انّه سيشارك في مباراة قريبة، فيقضي كلّ وقته في الاستعداد لها بل ملل ولا كلال. وقد سعينا سعياً حثيثاً لنقنعه بأنّه واهم، فلم نفلح. ولم اجرؤ حينئذ ان اسأله عن الفتاة التي كانت مع ابنه، فغيّرت مجرى الحديث، ريثما استأذنت في الانصراف، وقبل ان اهمّ بالخروج بسط ناصر كفّه على كتفي وقال: لا تنس ان تشهد المباراة. ونادى الفتاة وهو يقول لي: اريد ان اعرّفك خطبي الكريمة. لقد الينا الاّ نتزوّج حتّى تنتهي المباراة. فدعوت لهما بخير، ومضيت في سبيلي مودّعاً ذلك النّزل الشّجيّ. وجلت في تلك البلدة الهادئة، وعلمت منها انّ الفتاة هي ابنة عمّ ذلك الفتى، وانّ اباها مات عنها وهي صغيرة، فكفلها عمّها، وربّاها خير تربية، وكاد يريد ان يزوّجها ابنه، فلمّا جنّ الابن بعد اصابته في رأسه، جنّت الفتاة ايضاً، وابت ان تفارق فتاها، ومازالا ينتظران الفوز في منافسة ليتزوّجا. فذرفت عيني عليهما دمعةً حرّى، وهتف قلبي ضارعاً من غير كلمات: اللّهم انّي اسألك حسن العاقبه بحقّ من قصدت زيارته تقرباً اليك. ظـلامـة - 32 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/72 http://arabic.irib.ir/programs/item/72 هربنا من ذاك المنفى المنقطع عن كلّ شيء الاّ الرّعب والوحشة واليأس والخيبة، وما علمنا اين اتّجهنا في ذلك الليل الدّامس المطير الذي لا انيس فيه الاّ البرق والرّعد، حتّى تبيّن لنا الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر، وما عادت اقدامنا تتقدّم بنا خطوة الى الامام المجهول، فارتمينا ارتماء الموتى على ذلك الفراش الوثير الذي اعدّه لنا ظلم البشر من عشب بليل وطين، ولا ندري كم لبثنا اذ بعثنا الرد والبقّ من مرقدنا فزعين، فاذا نحن في غابة رأينا فيها كلّ عالم نره الاّ الامن، ومع ذلك حمدنا الله الذي لا يحمد على مكروه سواه، وارغمنا تلك الاجسام الخاوية على السّير بنا مترنّحين في تلك الغابة التي ربما تبدّد الكثير من احلام الخائبين مثلنا بين اشجارها الباقية شاهداً على ما يفعل الانسان بالانسان منذ اهبطه الله على ظهر هذا الكواكب الغريق باثام الحاسدين والغافلين من بني ادم عليه السلام. وبينا نحن نترنّح في الطريق غير مهتدين لاح لنا بين السفير شاهد قبر عجبنا من غربته في ذاك المكان الشقيّ، واسبلنا عليه الدموع متسائلين: ترى من هو؟ وما جاء به الى هنا؟ وكيف قات؟ ومن دفنه ومن نصب هذا الشاهد على رمسه؟ ومتى كان هذا؟ أهو مثلنا فار من فم الموت البطيء في هذا المنفى، فلقيه في قلب هذه الغابة الموحشة؟ ترى لم نفي ومن نفاه؟ وبعدما استرحنا من هذه الاسئلة المتلجلجة في صدورنا جاءنا الجواب يفيض اسىً وحشرةً من زميلنا الذي حثّنا على الهرب واقنعنا به ان هذا هو قبر الدّكتور المعروف فلان. واقبل يزيل ما سفت الرّيح على مرقده، ويقبّل ثراه منتحباً، وهو يقول: هذا هو اخونا الطّبيب النّبيل فلان الذي حيي بطبّه الكثير من المشفين على الموت منّا ايّام كان الطب عزيزا. وارهفنا السّمع لمحدّثنا الذي اخذ يغمغم كلماته بعبرته المتكسّرة في صدره الذي حطمته الذكرى، فسمعناه يقول: اجل يا اخوان هكذا كان هذا الراقد هنا غريباً، ومازال صوته الحنون يرنّ في اذني ونحن نلاطفه بالاتهام المفترى عليه ابتغاء نفيه الى المنفى الذي اسأل الله ان يتمّ لنا الفرار منه، فيضحك قائلاً: ماذا نفعل بمضلاّت الفتن قاتلها الله؟ فقلنا جميعاً: ما الاتهام المفترى عليه بربّك؟ فتنهّد الرجل قائلاً: لقد اشيع انّه طمع باموال ثريّ طاعن في السّنّ، فقتله، فحكم عليه بالنّفي الى هذا المكان عشرين عاما، بيد انّ الامر ليس كذلك الشائع الذي كنّا نتندّر به، فقد كان _ رحمه الله _ طبيباً حاذقاً محبوباً تسمع له المدينة وتطيع، وكان لا ينفكّ عن تذكير الناس بحالهم من الرّعايى الصحيحة على الحكومة المشغولة بملذّاتها عمّا يجب عليها. وفي صباح يوم فوجئت المدينة بثريّها الذي كان يعيش وحيداً مقتولاً في ركن من غرفته التي تناثر اثاثها شاهداً على المعركة الخفيّة بينه القاتل الذي عرف المحقّق انّه ذاك الطّبيب المحبوب فقد تيقّن انّ باب المجنيّ عليه لا يفتح ليلاً الاّ لذاك الطّبيب الذي ثبت جرمه باخفاء ردائه الطّبيّ الابيض مدميًّ في مخبأ من حديقته، ولم يستطع انكار الطبيب القاطع ان يدفع عنه التّهمة فسيق معنا الى هذا المكان البائس. وكان لطيفاً مرحاً ودوداً في طليعة من يؤدّون الواجب في جمع الحطب او سقي الزرع او غيرهما ممّا كنّا نكلّفه في الحبس، وكان يعين من عجز عن عمله، ويمرّض من مرض، وعلم اتّفاقاً انّ قربنا مستشفيّ للمسلولين المعزولين في ذاك المكان القصيّ، فدأب على معالجتهم باجازة مدير السّجن فتوطّدت الصّلة بينه وبين هؤلاء المرضى الى ان فجأه احدهم بقوله: ألست الدكتور فلانا؟ فاجاب عن السّوال بمثله اين من اين عرفتني؟ فصرخ الرّجل ان من جرمي عليك يا سيدي، فانا من احسنت اليه فاساء اليك ظالماً معتديا. والتفت الى الحاضرين ان اسمعوا ايّها الاخوان ما اقول واشهدوا به، وهو انّ الدكتور فلاناً الماثل بيننا بريء ممّا ظلم به، فانا قتلت ذاك الشيخ الثريّ الذي حكم عليه بالسّجن عشرين عاماً في هذا المنفى الرّهيب من اجله، فقد سرقت معطف الطّبيب وخداءه وحقيبته، ولمّا رأني ذلك الشّيخ في زيّ الطبيب وقامته هشّ لي وبشّ، وادخلني الدّار، وهناك قضيت عليه بسكّين اعطيتها وعدت الى منزل هذا الطبيب، ووضعت اشياءه في مكان عيّن لي في الحديقة، وخرجت غير ملتفت لفداحة ما اجرمت على الرجلين اللذين لا ذنب لهما على ما علمت وعلم الناس، ولا سيّما هذا الطبيب الذي طالما احسن اليّ، فعالجني مجّاناً وكسا اسرتي واشبعها لوجه الله من غير منّ ولا اذى. وما اغراني بهما الاّ قبضة من تراب زيّنها لي فقري واغواء مدير الشّرطة الذي كان يغيظه حبّ الناس للدكتور فلان وصدعه بالامهم وامالهم، فاراد التّخلّص منه، فدلّه مكره على جهلي ولؤمي، فكان ما ذهبت لذّته، وبقيت حسرته. وانشج الرجل نشيجاً يفتّت الصخر، وشاء عدل ربّ العالمين الاقتصاص عنّي بهذا الدّاء العضال والعلاج بيد من بدّدت حياته وهناءه ظلماً، وشوّهت حسن سمعته كفراً. فابتسم له الطبيب الذي بقي فاغراً فاه طوال ذاك الحديث، وقال له: ثق يا اخي انّ حديثك هذا هو اعظم عزاء لي عمّا فاتني من الخمر، واقسم لك انّك اليوم اقرب الى نفسي منك امس، وانّك خير تعويض لي من اهلي وصحبي وجيراني وملاعب صباي التي ل تنفكّ عن نفسي في اليقظة والمنام. ونفطت دموع بعضنا وتكسّرت عبرة اخر في صدره، وغرقنا جميعاً في مشاعر شتّى امتزج فيها الاسى بالسّرور، والغيظ بالرّحمة. ومن العجب انّ العجب لم ينثن عنّا ذلك اليوم، فقد فجئنا عصره بالعفو عن ذلك الطّبيب الحبيب واطلاق سراحه بعد عشر سنوات من السّجن في هذا المنفى الموحش، ولكنّه ابى ان يعود الى المدينة التي بكاها كلّ حبسه، وقال: انّ هؤلاء المظلومين اخواني، وتأبى لي مروءتي ان افارقهم بعد هذه السّنين الطوال من المودّة والاخاء، وليس لي في هذه الدّنيا الاّ ان ابقى معهم خادماً ومواسيا حتّى يختم الله لنا بخير بينهم. وسما في عيون الجميع، وصار بلسماً لارواحهم وطبيباً لابدانهم، حتّى اذا انتهى سفره في عالم الفناء شيّعه السّجناء تشييعاً يليق بحبّهم ايّاه، ودفنوه هنا، وراحوا يزورونه ويسقونه من شابيب عيونهم وفاء له وحزناً عليه، وذلك من اعظم الاجر، واسمى الباقيات. ثمّ رفع محدّثنا رأسه، وقال: اسرعوا فقد تأخّرنا كثيراً. صــديق - 31 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/71 http://arabic.irib.ir/programs/item/71 حملني ما رأيت من كذب الناس في التوادد والتّراحم أن أقلق من كلّ احد، وأرتاب في كلّ شئ. واستبدّ هذا الاضطراب النفسيّ حتى عرضت لي حاجة دعاني قضاؤها الى الاستنجاد بصديقي الحميم في العاصمة. فرحت اسابق الغروب اليه بخطىً أنهكها الشّكّ في نجدته لي. وحدث ما خطر لي في الطّريق اذ خرج لي رجل غريب بوجه ضحوك ساعة قرعت الباب، وقال: انّ صديقك يا اخي قد استباه الشّوق اليك اليوم، فقصدك منذ الصباح. ألست فلانا؟ بكى، أنا هو، وما افعل الان؟ أنت وما رأيت. ولمست برود الرجل في دعوته ايّاي الى الدخول، فشكرته بقدر دعوته وانقلبت أتعثّر بأذيال ما كنت أخشاه، وكأنّ السماء قد اطبقت على الارض في عيني، ولا سيما حين سمعت سعلة صديقي في البيت الذي طالما اواني وحنا علىّ من غير منّ ولا اذى. وايقنت عندئذ أنّه لم يبق من الخير أثر، وانّ السعيد من فاز بالخروج من هذه الدنيا الاثمة. وطويت دربي مرتطماً بهذا البناء ومصطدماً بذاك العمود، وسائق يسبّني، واخر يو قظني من غفلتي في الشارع المزدحم بالمارّة ووسائل النّقل، والناس بين لائم ومشفق عليّ، وانا لا اعي شيئاً ممّا أرى ولا ممّا أسمع. وبينما انا كذلك على مارعة الطريق المؤدّي الى غايتي وقفت أمامي سيّارة فارهة يقودها رجل وقور بشوش فتح الباب لي منادياً أن تفضّل. فأعرضت عنه شاكرا، وأدرك الرجل أنّي ما عرفته، فقال: أنا أخو جارك فلان وأعتزّ بايصالك. فاستحببت منه، وركبت معه مغلوباً كئيبا، فرحّب بي هاشّاً باشّاً، وقال: مالي اراك حزيناً مضطربا؟ من هذه الدنيا الدنية اعزك الله. واعزك،ماذا رأيت فيها؟ لم أر غير المزعجات من غدر وخيانة، وكذب وافتراء. وقاطعني مبتسماً وهو يقول: فانت لم تحسن النّظر فيها اذن، والّا فادنيا روضة، والرّوضة لا تقتصر على نبت ما. فما تقول في هذه القصة التي ما يزال حدثها يعتمل في جوانحي؟ وقصصت عليه ما جرى لي بباب صديقي الحميم وعودتي منه مهيض الجناح كسير القلب. فقهقه قائلاً: أنا واثق يا عزيزي الكرم أنّ صديقك هذا لم يكن في المنزل ساعة قرعت بابه عليه، وليس ما سمعته من سعاله سوى وهم قدحه في بالك تعاظم الشعور بالخيبة. فلماذا كانت دعوة الرجل ايّاي للدخول باردة؟ ربّما لم تكن كذلك، لكنك انت نفسك هكذا حسبتها، وهذا هو الارجح، وربّما كانت لعدم الرّجل لك اذ راك قريباً منه. واجتاز الرجل داره في المدينة التي اعمل فيها مصرّاً على ايصالي الى منزلي، ماسحاً بلطفه الحكيم وبصره الثاقب كثيراً ممّا ران على قلبي من سوء ظنّ. وعتب المدير عليّ صباح الغد قائلاً: لقد بحثنا عنك امس في كل مكان، فلم نجدك، أين ذهبت بالله عليك؟ ذهبت الى العاصمة، ماذا جرى؟ يا أخي لقد جاء لزيارتك جدير باطحبّة حقّاً، ولمّا يئس منك بعد المرّة الخامسة ترك لك هذه الامانة، ومضى قافلاً الى العاصمة على ان يعود اليك في اقرب فرصة تسنح له. وفضضت الامانة، فاذا هي مبلغ مشفوع بوريقة فيها: أحييك أخي العزيز أطيب تحيّة متمنياً لك كل خير، وبعد فقد جئت لأبلّ شوقي اليك، فلم أحظ بك، وعدت مضطراً،، وتركت لك ما تجده مع هذه الورقة ميثاق حبّ مستدام، وعشق نبراس هداية لأخيك. التوقيع شريف. فمضضت اصبعي ندقاً، وتذكّرت أقوال الرجل النبيل الذي أوصلني بسيّارته وانا اغلي على الناس جميعاً. وعرفت انّ الصداقة ومكارم الأخلاق مازالت بألف خير، وأنّ المظلم هو نفسي انا لا الدّنيا. وكررت قولي: سبحان ربّي كم من شاك هو جدير بشّكوى منه! ســراب - 30 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/70 http://arabic.irib.ir/programs/item/70 نشأت في افياء مجد عريق طال باخر بناته الدّاء العضال، حتّى مضى لربّه - تعالى - طاوياً معه كلّ ما بناه غير ما ترامى في الافاق وتوهّج في القلوب من اصداء ذكراه الحسنة. ولم تر من مجد ابيها سوى هذه الذكرى الحسنة وخادم غادر الاسرة بعد رحيل سيّدها، واشتغل ببيع الطّير والضّأن في ركن من المدينة، وبقي ابنه يتردّد على تلك الاسرة التي توارث اباؤه خدمتها، ويسير خلف تلك الطّفلة حاملاً محفظتها الى المدرسة صباحا والى البيت ظهرا، حتّى أكملت الدراسة الابتدائية. وكافحت امّها ان تتخطّى الثانوية مهما كانت الصعاب الى ان بلغت ما تريد. واعانت الفتاة الذكيّة جدّاً درجاتها الفائقة واخلاقها السامية ان تعيّن معلّمة قرب منزلها، فنالت مكانة رفيعة في الحيّ الذي راها تسير في جنباته هادئة متواضعة عنيفة مهذّبة، فاعتزّ بها ايّما اعتزاز، وترحّم على ابيها وجدّها اللذين كانا من اعلام المروءة والسّماحة فيه. ولم تعد ترى ظلّ الفقير ملازماً لها بين المدرسة والبيت ايام تعلّمها، ولكنّه بقي يراها وهي تدخل المدرسة والطالبات يحطن بها يحملن عنها ما بيدها من دفاتر واوراق، ويسألنها فيما لم يكن له نصيب منه سوى ايصالها اليه ايّام الصّبا، فيتوق الى رؤيتها في كنفه مستظلّة به خاضعة له. واذ اخذت مكانها في النّفوس، واستطابت ذكرها الالسنة ظهر لها ذلك الرّفيق القديم وكفّاه تفيضان فضّة وذهبا، ليجريا تحت قدميها الطّاهرتين اعجاباً بهما ورغبة فيهما. ومن حقّه ان يقهر الزظيفة التي حالت بينه وبين من امضى احلى ايّامه في خدمتها، ويصغع العلم الذي رفعها بعيداً عنه. وتحرّكت السيّارة الفخمة من وق الاناقة والتّرف ونفسه مطمئنة بغلبتها. وعزّ عليها ان يكون العلم في ظلّ الذّهب، فقاومت برقه الكاذب زمناً، ثمّ اغمضت عينيها، ومدّت يدها الى خاتم الماس الذي خطف ابصار من رأينه في يدها، وشغلهنّ بالدّعاء لها بدوام السّعد وتمام الاقبال. ومضت ايّام، وجاءت اخرى، وغب حاضر، وعاد غائب، والمدعولها لم تنتقل الى حيّ الاثرياء والمترفين، فكلّ ماجرى كان سراباً في سراب، اذ وجدت من استجابت له بعد حين مريضاً جاء يتداوى بقبولها ايّاه زوجاً على ما هو عليه من ضالة الشأن عند نفسه، فلمّا برئ من معاناة النّقص تعلّق غيرها، ومضى طائشاً لا يلوي على شيء. فصورتها معه الان - وهي التي ساد اباؤها اباءه - سترت صورته القديمة حين كان يتبعها حاملاً ادواتها المدرسيّة. وغناه اليوم يدعوه لنسيان ماضيه الذّليل والاندماج في حياته الجديدة التي لا تصلح بمعلّمة ليس لها من حطام الدّنيا سوى شرف رفيع يذكّره بهوانه القديم، وينكّد عليه قبضة التّراب الذي انتصر به في غفلة غافلة. ومن هنا مدّ عينيه الى احدى المترفات اللائي يجهلن حقيقته ولا يعتنين بها اعتناءهنّ بما عنده، ولم يجد عناءً في نيل ما يريد بعد ما اختدع الحسب والنّسب، وشفى بهما ما في قلبه من مرض. وعادت المعلّمة المحبوبة من رحلة الخيال تحمل كرّاسات الطالبات بيد عاطلة من كلّ زينة سوى الاحسان القديم والعفاف الاصيل تزداد بهما عزاّ علما عزّها الشامخ على كلّ سوء. دعـــاء - 29 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/69 http://arabic.irib.ir/programs/item/69 لقد حسبت ناظريّ كلاّ عن حسن النّظر ساعة رأيته يؤمّ الناس المنفى خاشعاً في صلاة قلّما شهدتها في مسجد او بيت، فقد تركته قبل ان اضرب في الافاق فاراً بديني لا يقيم للدّين وزنا، ولا يعرف له معنى، وارتسم في ذهني ضحكه مني ضحكاً زادني اشمئزازاً منه، وقطع ما قام بيننا من اصرة ساعة ابيت تناول عصير بارد قدّمه لي في شهر رمضان المبارك. وكان هذا اخر عهدي به في الوطن السّليب، وان ترامت اليّ بعده اخبار عنه منها انّ الدنيا قد غرّته بمنصب يعزّ على مثله، واستلهته عن الحقّ بما انالته من الوهم، فعلا علوّاً كبيراً، ومشى في الارض مرحا، وعاث فيها فسادا، حتى جأرت الى الله منه، واستغاثت به ان يطهّرها من شرّه، وينأى بها عن ضرّه. ونهضت اليه لماّ انفضّ الناس عنه، وعاد يناجي ربّه وحده بقلب خاشع وطرف دامع فسلّمت عليه، فضمّني اليه، وضممته اليّ، وغاب وجه كلّ مناّ في حنان الاخر، وجلسنا وايدينا وعيوننا مبلّلة من فيض الدموع السّخينة على خدّي وخدّه ونحن نضحك ونبكي سروراً وحزنا، ثمّ حدّثني بما جرى له من غمر ان اسأله، فقال، اجل يا ابن امي لقد جمع الله لي الخير من اطرافه وانا غافل عن عظيم منّه عليّ وقديم احسانه اليّ كما تدري، فتهت بسراب الجاه والشّباب غير ملتفت الى انّ كلّ ما كان بيديّ انما هو قبضة من خيال الصّبا او اضغاث احلام البائسين، اذ فجأتني الايّام بما قصم ظهري، وبدّد ما كنت غارقاً فيه من ليل الغرور الذي اقصى عنّي الصّديق والقريب، فقد استخفى معاوناي بكلّ ما المصرف الذي اديره من ودائع نفيسة ونقود طائلة، ونزلت السّجن بجرمها ذليلاً مهنا، وذقت فيه من العذاب مالم يذقه احد من العالمين على ما اظنّ، وغلّقت عليّ ابواب الرّجاء ولم يبق لي سوى لطف الله _ تبارك وتعالى _ الذي يئست من كلّ شيء الاّ منه. وعندئذ انفجرت لي نافذة الامل، وسرى اليّ منها النّور والنّسيم، فقد قامت بيني وبين سجّان رحيم مودّة جعلت كلاً مناّ يفضي الى صاحبه بما في قلبه من همّ وغمّ، حتّى اعلمني انّني حبست مظلوماً بدعوى حاكها الباطل المصادرتي على اموالي والتّشفي بي مبرهناً غلى صدقه بتعيين معاونيّ المستخفيين مديرين في مصرفين في مدينتين نائيتين عن مدينتنا، وبعدم تقديمي للمحاكمة. وتأكّدت الامر الاوّل باستخبار اهلي عنه، والثّاني برفض النّظر في شأني رفضاً قاطعاً، فأيقنت انّ الرجل اخ لم تلده امّي، فقد كان يغدق عليّ الخير، ويسرّي عنّي، ولا يكدّر معروفه بمنّ ولا اذى، وقد اعجبني فيه استقامته على الحقّ واخلاصه له، حتّى اقتديت به من حيث ادري ولا ادري، وتعلّمت الصّلاة على يديه، واعتمدت عليه في كلّ شأن من شئوني حتّى النّهوض بامر اسرتي خفية، فشكرت لله هذه النّعمة، واقبلت على فراغي اقضيه بما له عليّ من التطهّر والتّقرّب نادماً على ما فرطت في جنبه الغفور الرحيم. وبغتني ذاك الرجل الصّالح يوماً بالكلام على اخراجي من ذاك الحبس الرهيب، واذ لمس فيّ الرّغبة في ذلك والثقة به قدّم لي هويّة شرطيّ ولباسه، واوصاني بالمضاء والتّوكل على الله عند الخروج الذي رسم لي خطّته، وحدّد ساعته، وودّعني ومضى. ولماّ حان الموعد رأيته في اوّل نقطة من المسير الذي رسمه لي، فانطلقنا معاً، ولماّ بلغنا مأمننا، قال لي: لابدّ لك من العبور الى البلد الفلانيّ. فبكيت وقلت له: لا اطيق فراقك ولا التّفريط باهلي. فضحك وقال: أتراني اخرجتك لادعك وحدك؟ لا والله لا يكون هذا وفيّ عرق ينبض. اماّ انت، فلا تعبر الاّ معي، واماّ اهلك، فانّهم ينتظروننا هناك منذ اسبوع. وانطلقت بنا سياّرته تنهب الارض نهباً، حتّى اجتازت الحدود الى هذه النّاحية التي استقبلتنا خير استقبال كريم، وكان في طليعة المنتظرين اسرتي، فتمّ لنا السّرور، وعظم الرّجل في اعيننا وامام بيننا ثلاث ليال ليذهب الوحشة عناّ، ولماّ اراد الرّجوع لانقاذ غيرنا من ذاك الظّلم، ابى ان ينظر لما عرضناه عليه من الجواهر والنّقود، فقلت له وانا اضمّه الى صدري: فماذا تريد مني اذن؟ فكفكف دمعة طرفت على خدّه الشريف، وقال: لا اريد منك الاّ دعاء حارّاً في جوف الليل ان يغفرالله لي. وهذه سنتي الثامنة هنا وانا ادعو له بكرامة الدّنيا وسعادة الاخرة. درس - 28 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/68 http://arabic.irib.ir/programs/item/68 حين تخرّجت في كلية الحقوق التحقت بمكتب محام ذائع الصّيت، فبعثني لاحضر عنه في محكمة بلدة صغيرة. واذ رأى ارتباكي وخوفي ممّا وكل اليّ من عمل قال لي بحزم لطيف: انك لن تستطيع تعلّم السّباحة بوقوفك على الشاطئ، وانّما لابدّ لك من الغوص في لجّة الماء. فقلت وقد جفّ ريقي: لكنّ تعليم السّباحة ليس بالقاء الانسان في اعماق المحيط قبل ان يتعلّم منها شيئاً. فابتسم لي وقال: لم القك في اعماق المحيط يا ولدي، وانّما وضعتك على الشاطئ نفسه لتلمس الارض بيدك ورجليك. قلت مستسلماً: فانا ذاهب استجابة لامرك، لكنّني لست مسئولاً عمّا اعثر فيه ممّا وكلت اليّ فقال مبتسماً: اطمئن انّني لم اكل اليك غير ما يسرّك، فقضايانا هناك ستعرض للتّأجيل لا للمرافعة، وهذه ارقام الدّعاوى واسماء الخصوم بين يديك، وما عليك غير الجلوس في قاعة المحكمة بين المحامين، فاذا نودي باحدى قضايانا نهضت بوقارك كلّه، وقلت للقاضي: التمس التّأجيل، وقعدت مكانك مؤدياً واجبك على احسن وجه. فهل انت الان في لجّة المحيط، او على رمال الشاطئ يا فتى؟ فخجلت من بيان اوهامي، فلو تمهّلت لما خزيت ازاء استاذي، وغصصت بريقي وانا ابلعه معتذراً اليه واعداً بالسّفر غداة غد. وعلى الرّغم ممّا قذفه في نفسي من السّكينة امضيت تلك الليلة افكّر وانا نائم، واحلم وانا يقظ، حتّى بدت لي خيوط الصّباع الاولى، فهببت للصّلاة، واسرعت للقطار خوفاً من ان يفوتني، فتقع الكارثة. وفي المحطّة رأيت محامياً كبيراً يريد المرافعة في المحكمة التي اقصدها، فابتهجت به ابتهاجاً عظيماً، فقد وجدته خير ملاذ ومنار لي من هذه المحنة العظمى، فسألته فور انتهاء السّلام ان كيف يتسنّى الحضور في قضايا جديرة بمعرفة وبحث عميقين في حين انّني لا اعرف عنها ادنى شيء؟ فقال الرجل مهوّناً ما ذعرني: انّها قضايا متّفق على تأجيلها، فمنها ما كلّفتم انتم بتقديم مستنداتكم في شأنه، ولما تقدّموها بعد، ومنها ما هو مؤجّل ليقرّره الخبير بفحص النّزاع، وماؤال ينظر فيه. ولذا لابدّ للمحكمة من الموافقة على التأجيل الذي تطلبه اليها. واستعدته ما قاله لي مرّات، لاتقنه واعرضه على المحكمة واثقاً بصلاحه سبيلاً لطلب التأجيل. وبلغنا غرفة المحامين، والبستني ذلك المحامي النبيل برد المحاماة، ودفعني لانتظر مع زملائي حتّى يأذن القاضي بفتح الجلسة. وبعد قليل عاد اليّ قائلاً: سينادون بقضيّتك الاولى، فتبعته الى قاعة المحكمة، وجلست في كرّاسي المحامين، فصاح القاضي من المحامي الحاضر عن المدّعي فلان؟ فوجدت اسم المدّعي في الملفات التي بيدي، فانتفضت واقفا، وقلت: انا حاضر عنه عن الاستاذ فلان. فقال القاضي: حسناً، تفضّل بمرافعتك يا استاذ. قلت: لقد جئنا اليوم نطلب التأجيل يا سيّدي القاضي. قال: ولماذا؟ فأبطأ جوابي عنه، لانّي اعدّ مذكرة صغيرة على كلّ ملف تبيّن علّة التأجيل، واذا بذاك الاستاذ الكريم ينبس لي بصوت خافت: لانّ الخبير لم يقدّم تقريره بعد. فهتفت للقاضي بهذا القول معتقداً انّه سيؤجّل المرافعة، الاّ انّ كاتب الجلسة انتفض واقفاً ليقول للقاضي وهو يلحظني: انّ الخبير قد قدّم تقريره، وهو في ملفّ الدّعوى. فكدت التفت لالتمس النّجدة من كلّ احد، لولا انّي اشفقت على نفسي من الحاضرين، وانتظرت وصول النجدة تلقائياً، لانّ ذلك المحامي المحسن يعرف انّه اذ تركني وحدي في هذا الموقف، فانّي ساظلّ صامتاً حتّى يقضي الله امراً كان مفعولا. ولم تصل النّجدة، وتطلّعت خلفي على مضض، وهالني انّ ذلك المحامي المنقذ لم يكن في مكانه، فدارت بي الارض، وكدت اسقط عليها من فداحة ما نزل بي، واخذت انظار الحاضرين تضرب عليّ نطاقاً من الاستكشاف المدمّر. وكأنّ القاضي ادرك ما انا فيه من شدّة، او لعلّه لمح في وجهي الجديد عليه انّي جديد على المحاماة، فادركني بلطفه قائلاً: لعلّك تريد التأجيل يا استاذ لتطّلع على تقرير الخبير الذي لم يقدّمه قبل وقت كاف للنّظر فيه. فتلقّفت عذره، وصحت بكلّ جوارحي: اجل يا سيّدي القاضي اجل، فانا لم تتح لي فرصة مطالعته جيّدا. فرفع الورقة التي بازائه، واعلن التّأجيل مبتسماً في اعطافه لم يفتني مغزاها،فقد افسدت احسانه اليّ،، وكنت معتزماً حفظه ما حييت. وما استرحت من هذه البلوى، حتّى نودي بقضيّتي الثانية، فاسرعت الوقوف ثانية ليقول لي القاضي: ما طلبك يا استاذ؟ فقلت: التّأجيل يا سيّدس القاضي، فمستندا تنالم تعدّ الى الان. فانبرى لي محام اخر منفعلاً، وقال: لقد طلب خصمي تأجيل الدعوى في الجلسة السابقة بذريعة جمع المستندات التي زعم توفّره عليها، وانحنيت يومها لاراديكم، ولا اسمح اليوم ان ابدّد وقتي في مزاعم باطلة، فارجوا المحكمة ان تكلّفه بالمرافعة الان. وايقنت انّ هذا المحامي قد عرف ضعفي ومسكنتي، فصال عليّ هذه الصّولة التي لم تدع لي ما اقوله ازاء كلام منطقي سديد. ولكنّي اصطنعت الثبات، وقلت: هذه مستنداتها يا حضرة القاضي لا ينقصها الاّ وضعها في محفظة لتصلح للتقديم، ولوّحت بالاوراق في الفضاء لتشهد على بطلان ما قذفنا به الخصم الذي راعني خطفه ايّاها وتأمله لما فيها، ليقدّمها للقاضي ساخراً مبيّناً انّها ليست سوى مجموعة من عرائض لفقت تلفيقاً. هناك نظر اليّ القاضي الكريم فعلاً _ جزاه الله خيرا _ في الوقت المناسب، فرّد اليّ الاوراق بلطف وقال: ليراجع المحامي الاصيل مستنداته قبل تقديمها للمحكمة، وسأسمّي لكم اجلاً يحضر هو بنفسه فيه. وليحضر هو نفسه قضاياه كلّها، فهات اسماء موكّليكم كلّها لاضعها في جلسة واحدة تيسيراً لكم. وبلغ بي الضيق مبلغاً جعلني ارحّب بذلك الحلّ دون ان اعير كلمة (هو بنفسه) التي كرّرها القاضي عليّ اهتماما. فاعطيته الاسماء التي ارادها، واذ خرجت من قاعة المحكمة احسست بالعودة من الاخرة الى الدّنيا، وقرّرت ان ابحث عن محام يعلّمني السّباحة لا الغرق. خســران - 27 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/67 http://arabic.irib.ir/programs/item/67 ابتسم الشيخ مهدي الرّحيم ابتسامة لطفه الذي كان يعمّها بنظراته الرّحيمة على كلّ حال، ويؤنسنا بحكاياته العذبة ليل نهار، ومدّ يده الى لحيته التي غلب بياضها سوادها _ وكلاهما حبيب _ وقال: رحم الله الحاجّ جعفراً الاسديّ رحمة واسعة. فسألناه ان يحدّثنا بخبره الذي تسطيبه النفوس كلّ حين. فتهنّد وقال: اين نحن منه؟ فقد كان بشراً سوياّ ادرك بفطرته ما ادركه الناس بالعلم،فعاش عزيزاً كريماً على الرّغم من الاذى المتأجّج في كيانه الودود طوال حياته بين ابناء هذه الناحية التي كان وجهها وعنوان جودها المتحدّث به في كلّ مكان. اجل كان متواضعاً يجالس الجميع مؤثراً المغلوبين على غيرهم داخلاً عليهم لعيادة مريض او السؤال عن غائب او تعزية عن فقيد منفقاً عليهم ثمار ما اتاه الله من رزق كريم، فقد كان يرى المال مال الله والظالم من منعه خلقه. ولذا كان ينبعث في سداد الدّيون واقالة العثرات، حتى استمرأ القاصي والداني هذا المنهل العذب، فكاد يغيض من كثرة الناهلين الذين وجد وافيه فيض احسان الى من يعرف ومن لا يعرف من عبادالله الذين جاعوا وعروا بما ظهر في البرّ والبحر من ظلم وجور. فطالما لام او عتب على من يعرف ارملة او يتيماً او مسكيناً لم يذكره عنده، ليؤدّي اليه حقّه الذي اوصى الله به في ماله. وبينما كان الحاجّ جعفر الاسدي مشغولاً بعيال الله شغل في ظلّه ابناء بطلب الدّنيا وما فيها من متاع ومقام وهناء وثراء، فتعلّموا في المدينة، ونالوا المناصب الرّفيعة، واصهروا الى ذوي الجاه في البلاد، فعزّ جانبهم، وطار ذكرهم في الافاق. واخذت الكارثة طريقها الى انبل انسان في هذه الناحية، فقد اناخت عليه الدّيون التي دلّها عليه ترف ابنائه ومباهاتهم في زواج مشرف في كلّ شيء فضلاً عن ديون الفقراء الذين اثرهم على نفسه الطيّبة، فنهض بها من غير ان يندب اليها. وظهر الشّرطيّ بباب من كان يأبى ان يراه بباب غيره. وخشي الابناء المسرفون ان يضيع ما بقي من مالهم بسخاء هذا الابّ النبيل، وحزموا امرهم ليعزلوه عن التّصرّف بمال يرونه وكيلهم عليه لا وكيل الله، فسعوا سغيهم ان يحجروا عليه، فاذا هو بداره اسد حيس يرقّ له كلّ من يعرف الكرامة والسّمو. ووقف المساكين ببابه الكريم يبكون له، ويبكي لهم، ويهمّ ان يبسط يده بما اعتادته من اسداء الخير، لكنّ المؤتمرين به كفّوه عن ذلك، وحقروه بين من يلوذون به، فقد استمرؤا الزاد الحرام، فما عادوا ينصفون شاكيا، او يرحمون باكيا، ففاضت الثروة، وجرت الارض بما انساهم ذكر الموت. واتّفق ان اولم المترفون وليمة ضمّت اعيان الناحية واهل الحلّ والعقد فيها، وقرعت اصوات البذخ الصّاخب والتّرف الماجن سمع الحاجّ جعفر، فاقشعرّ بدنه، واستجار بالله _ تعالى _ من سوء الصّاحبة، وبينما هو غارق في الدّعاء وقعت عيناه على فتى بخيل يرتعش من البرد لا يدري كيف دخل عليه، فقال له متعجّباً: عدنان؟ اليّ يا بنيّ الي. وجذب الفتى اليه، واخذ يتشمّمه بخمان وقد تحدّرت دموعها صامتة حارّة، وقال الشيخ: كيف امّك يا بنيّ؟ كيفها؟ فأطرق الفتى وقال: ليس على ما يرام يا ابي. فوجم الشّيخ، وقال: ما بها؟ حدّثني يا بني. لقد اشتدّت عليها العلّة، وليس لنا ما نأكل، ولا ما نشتري لها الدّواء به، ومنذ العصر وانا اتحيّن الفرصة للدّخول عليك دون ان يراني احد. فحوقل الحاجّ الاسديّ واسترجع، ثمّ قال مستحيياً: مالكم هكذا؟ والارض التي تركتها لكم تزرعونها بلا مقابل اين صارت؟ فقال الفتى متحسّراً: الم يبلغك يا ابي انّهم استردّوها، وحملوا الحاصل كلّه. فزفر الحاجّ زفرة حرىّ، وقال: تعساً لهم وترحا، عد الى اقّك بسلامي عليها، وقل لها: انّ فرج الله قريب. وهجمت عليه الاحزان والافكار والذّكرى تستردّه من يومه البائس الى امسه الهانئ مناجياً نفسه ان: من يصدّق ما صرت اليه؟ اانا ذاك الذي كانت يمينه لا تخشى فقراً، ولا تلين لبلخ؟ كيف اصبحت هكذا؟ ووقعت عيناه على ابريق من الفضّة نسي في غرفته، فتأبّته وتسلّل منها لائذاً بالظلام وغفلة السّمّار، وحثّ خطوه الواهن، فلم يبق بينه وبين منزل الاسرة المستجيرة به سوى ميلين او ادنى، وحينذاك رأي سيّرات تخرج من القرية، فأيقن انّ فريقاً من الضّيوف قد انقلبوا الى المدينة، ولعلّ بنيه شعروا بفراره، فتعقّبوه، فاستخفى في الزّرع ريثما يمرّون، ليستكمل سيره الى من يريد. واذ جلس احسّ بالتّعب الشّديد، وعضّه البرد، فتدثّر بعباءته حتّى غلبه النوم، فنام طويلا. ووجده الخارجون لصلاة الفجر مثلّج الاظراف والابريق في حضنه، وكان بيت الاسرة المقصودة بمعروفه ذاك اقرب البيوت اليه، فحمل اليه مأسوفاً عليه مبتهجاً به. وسخط ابناءه المفتونون بما سلبوه ايّاه، لكنّ سخطهم لم يطل، فقد ودّع مهد الخيانة والغدر الى دار الامان والوفاء واسماء المساكين بين شفتيه. واقاموا له مجلس عزاء طويلاً عريضاً حضره الخطباء البارعون وتنافس فيه الشّعراء المبدعون بيد انّ سكّأن الناّحية الفقراء الذين احبّوا الحاجّ الفقيد صدّوا عن سرادق العزاء لانّهم ارادوا ان يقرؤا الفاتحة على روحه التي وسعتهم عشرات السنين لا على هذا المظهر الكاذب الذي يختال به سالبوا حقّه رغبة في حطام زائل. خبــر - 26 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/66 http://arabic.irib.ir/programs/item/66 امتدّ الطريق العامّ بين الحقول الخضراء والمروج الزّاهية وقد غراه شابّ حملته على نهبه سيّارة اشتراها له ابوه تواً، حتّى انّه لم يستطع تذكّر اسماء الكثير من الشّجيرات المترامية على جانبي الطّريق العائد به العاصمة التي انسته انّه ابن اباء وسخاء ريفييّن، فساءه ان يرى نفسه اسير حياة لا يشغلها غير بلوغ الجاه والثّروة والانغماس في ملذّات تافهة يتهاوى فيها الغافلون والجاهلون من عبدة الحطام، فتحسّر متمنّياً ان يعود الى القرية التي ولد فيها هو وابوه، ثمّ نزعتهم منها دواعي طلب المزيد من الرّخاء الكاذب، القتهم في خضمّ الاثرة المستأثرة بكلّ شيء من فكر الانسان وروحه بعيداً عن مكارم الاخلاق التي اصبحت من الذّكريات الباهتة في خاطر الغرقى بين اطباق هذا الخضمّ، وعزّ عليه الاّ يقف هذا التهافت في سعير الفناء المقنّع بالبقاء. وبينما هو ماض في تأمّله العميق لاهات الفلاّحين الحفاة العراة وهم يغدقون على الناس الطّيّبات، وحسرات العمال المتضوّرين جوعاً في الازقّة الصّامتة الاّ عن الاوهام اخرجه من هذا التّامل النّبيل عجوز توسّطت الطّريق، واخذت تلوّح له بعباءتها متوسّلة اليه ان يحملها معه الى ابنتها التي تعسّرت ولادتها في مستشفى الامومة والطّفولة في العاصمة. وهجس في نفسه قبل ان يقف لها انّها تريد به سوءاً، لكنّ لوعتها وتضرّعها بدّدا ذلك الهاجس الغريب فوراً، فجلست الى جوارها داعية له مثنية عليه ثناءً جدّد شكّه فيها وخوفه منها، فراح يسترق النّظر الى وجه كالح غضّنه مرّ السّنين، ثمّ سألها: هل ابنتك وحدها في المستشفى؟ اجابت العجوز منكسرةً: لا، معها ابوها وعمّها ابو زوجها. فقال: متى دخلت المستشفى عافاها الله، ويسّر الله لها؟ فقالت العجوز وعيناها تسبلان الدّمع: وعافاك يا بنيّ وسرّك، لقد دخلته منذ ما يزيد على اسبوع. قال الشابّ: ألكم اقارب في المدينة تنز لون عندهم؟ ابتسمت العجوز قائلة له: سبحان من لا قريب له ولا ولد يا بني. فسألها وقد ادرك انّها احسّت بارتيابه فيها، او خالجها حذر منه، فسعىان يطمئنها بقول كريم: اوتحبين ان نكون منهم يا خالة؟ اجابت مبتسمة ابتسامة رزينة: كريم وابن كرلم يا ولدي، سرّ الله بك امّك.لن يدعنا اولو الرحم ظلاً ثقيلاً على كرمكم الكريم يا ابن اختي، وستراهم ينتظرونني في ثنيّات الطّريق ليشكروا لك معروفك الذي اسديته اليّ في هذا الطّريق الموحش على غير معرفة ولا امان. ووقعت الكلمات الاخيرة في نفسه موقعاً زاده اضطراباً، وجعله يسوق سيّارته سياقة لا تعرف يمين الطّريق من شماله، حتّى انّ العجوز امسكت يده مراراً تدعوه لخفض السّرعة، وتحذّره الغفلة. امّا هو فقد سرب في اعماق النّفس اللوامة، وراح يلعن الثقة بكلّ احد ومواساة كل احد. كانت المرأة تحدّثه ببؤس المرأة في الرّيف وما تعانيه من نكران الجميل، وهو يحدّث نفسه بالاشرار المتربّصين به سوءاً في نقطة غير معلومة من ذاك الطّريق الذي طالما حذره ابواه فتنته، ويقول لنفسه: تبّاً لك ايها المدّعي بالوعي، اين انت من ذاك الاعرابيّ الذي اطلق راحلته، وجاء ليسلّم على الرسول الاكرم _صلي الله عليه واله _ فقال له: اعقلها وتوكّل؟ وبلغا سكّة منشعبة من الطّريق الاعظم، فرجته العجوز ان يميل اليها، لتأخذ اخاها المنتظر ايّاها على احرّ من الجمر قلقا، فتعاظم رعبه، واظلمّت الدّنيا في عينيه، وابى عليها اباءً شديداً متذرّعاً بانّه على عجلة من امره، وليس لها الاّ النّزول او استدامة الذّهاب معه في طريقه العامّ. غير انّها اكبّت عليه تقبّل رأسه وكتفيه، وتقسم له ايماناً مغلّظة انّ منزل اخيها لا يبعد سوى طرفة عين للسيّارة، وانه سيدخل السّرور على قلبه، ويخرجه من ضرب اخماسه لاسداسه، حتى الان وانعطف في تلك الجادّة الرّاعبة، ولم تكذب العجوز، فقد بلغا منزل اخيها في وقيت يسير، ورأى كهلاً بشوشاً يجول بازاء دار تعانق عليها النّخيل والصّفصاف، فلمّا وصلا اصرّ عليه الكهل وبنوه ان يتعشّى عندهم، ثمّ يكمل طريقه، ورجوه الاّ يردّ دعوتهم التي هي ادنى شكر على احسانه اليهم، فلم ير بدّاً من التّريّث لشرب قهوة حاضرة لديهم، فسرّوا سروراً عظيماً، وتباشروا بالخير. ومذ تناول الشابّ فنجان القهوة غاب هو وسيّارته الى الابد، ولم يبق منه هذا الخبر. حلــم - 25 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/65 http://arabic.irib.ir/programs/item/65 لو لا تعوّدي حبّ النظام لما امتثلت للامر بالاجتماع، فقد مللت الكلام على وجوب الاستعداد لمناز له الغزاة المدجّجين بافتك الاسلمة واستعادة حقوقنا منهم. واستمعنا لما يبعث الامل، ويخفض الالم، لكنّني لم اتفاءل بما قيل، فمن تجرّع الصّبر حتّى الثّمالة لابدّ ان تظلم الدنيا في عينه، ولا سيّما اذا رأى ابناء امّه وابيه: العامل والفلاّح والكاسب والمعلّم قد انبعثوا للموت مراراً، فنكص عنهم جماعة، واصطفاهم فرادى مستأثراً بالقلم الذي بقي نبراساً للخارجين من ظلمات القهر الذي ظنّ باسطوه انّه منجيهم من غضب من استضعفوهم غافلين، فاذا بمداد ذاك القلم الحكيم يوقظ كلّ من غطّوا في سبات السّنين، ويضيء لهم نهج النّجاة، ويسمو بهم حيناً فحينا. وانطوى اقرب الظّلال الى ذاك النور الهاتف في المغلوبين الا هبّوا، فما موتكم الاّ عيشكم بهوان. وسمع الوجود الكاره والمحبّ بين اليقظة والمنام قطرات دم تهتف بين الحقول ان لا غرس الاّ الاباء، ولا عيش الا الفداء. فلماّ فزع الحبّ والكره لم يجدا غير امّ قد اختضبت بطهر الرّأي والاقدام اللذين تعانقا في تطهير الارض المباركة من دنس اليهود، وراحت تزغرد رافعة الرأس مبتهجة بفوز ولديها بكرامة الدّنيا وسعادة الاخرة. اماّ اخي العامل، فقد اقسم الاّ يرانا حتّى يتوهّج قلبه في خطى اخويه، ولم نسمع به الاّ يوم اعلن الغزاة الحداد العامّ بتدمير امن مهجع لضبّاط الافساد، وفوجئت امّي بالجنود الذين جاؤا لنسف منزلنا يرونها قرار الحكم بهذا النّسف وهو صورة سعيد الذي لا اريد ان احدّثكم بعد بشجاعته، فقد تحدّثت هي بنفسها، وانّما اردت الكلام على ذلك الذي جعل تلك الدّماء تمتزج في انارة القلوب والدّروب بعرق جبينه ومضاء ارادته، فتلألأت اسماء اخوانه الشّهداء، وخفي ذكره، حتّى اعلن الغزاة جائزة لمن يدلّهم عليه، وزاد عجبي ساعة رأيته يلصق نسخاً من ذلك الاعلان على مساكن العدوّ غير خائف ولا مرتبك، وسألته عن ذلك، فاجابني بانّ الصاقه هذا البلاغ هو خير فرصة لارتياد اماكن لا يتسنّى له الاطّلاع الدّقيق عليها ومعرفتها حقاّ. وكنّا لا نلتقي الاّ لماماً حتى غاب ظلّه عن هذا الفناء، وصار اسمه وفعله ذكراً حسناً اتمنّى ان احظى بطرف يسير منه كلّما مرّ على سمعي المغرم به. وربّما عجبتم من حبّي اخي هذا الحبّ المتدفّق بلا ضفاف، وهذا من حقّكم، فانتم لا تعلمون انّه نهض باعباء تربيتنا نحن الاربعة ابناء الامّ البتول صفاراً، لانّه كان كبيرنا، فعلّمنا الصّدق والوفاء والعطف والسّخاء، والثبات والمضاء، حتّى استشهد بعدما بلغ غاية سروره وهو يملأ عينيه ورئتيه من النور الذي غمر الوجود بشهادة اخوانه اللذين ربّاهم على بصيرة من امره.اجل لقد قتل اخي الاكبر، لانّه كان شجاعاً قويّاً يعرف انّ الحرب كرّ بلا فرّ، وانّ الشّرف ينازل ولا يخاتل، وانّ امامة الناس في مواجهة الخطر قبلهم لا في النّجاة منه باتّقائه بهم. ولعلّه فارق الدنيا وهو واثق بانّني سأواصل نهج اخلاصه في ابتغاء رضوان الله _ تعالى _ وها أنذا احقّق اول مرميً من مراميه الكبار، فقد امّرت على اوّل سريّة من سرايا الجهاد المكلّفة بدك اقوى حصن من حصون المفسدين في الارض، وعلمت امّي عظم المهمّة المنوطة على عاتقي، فابتهجت ايّما ابتهاج وراحت تنشد ما يثير حماستي واقدامي وهي ترتدي البسة اخواني الشّهداء الاربعة واحداً فوق واحد وروحي يطوف في رحاب نعيمهم عند مليك مقتدر. وبلغت المكان المنشود ليلاً، ونام صحبي الذين اضناهم بعد المسير ووعورة الطّريق، وبقيت ارقب جنود العدوّ يروحون ويجيئون وقلبي يغلي بالثّأر المتأجّج فيه سائلاً نفسي: كيف غفلنا عن هذه الذئاب وتركناها تصول وتجول في ارضنا؟ اه يا ربّ _ رحماك _ متى الخروج من هذا العذاب؟ وكلّما رأيت قطعان المفترسين تسرح وتمرح ازدادت الانوار الاربعة اشراقاً قلبي وعيني، وسمعتها ملء السّمع والبصر تهتف بي ان اذا اردت ان تحيا، فاقدم على الموت، واذا اردت ان تعود الى الخلود فعد الينا من هذا السبيل الذي انت فيه، ولا تهولنّك وحشته وقلّة سالكيه، فانّه معطّر باريج الجنان وازاهير الفردوس التي تنثرها الملائكة المرفرفة عليه ليل نهار، وطوبى لمن سار فيه. والقى الليل على الكون وشاحه وانا سادر في احلام العودة الى ربّي في وقت ازعجتني فيه الموسيقي ممتزجة بروائح الخمور ولحم الخنزير، فالتفتّ الى من معي من المندفعين الى دار البقاء وقلت لهم مداعباً: طاب مساؤكم ايّها الاحبّة، فقد ازفت ساعة الفوز الاكبر. فقهقه الجميع، وقالوا: طاب مساؤكم لا تنسنا عند ربّك تعالى اسمه. وعند الثالثة صباحاً هتفت باحبّاء الله ان يسيروا باسم الله، وامتزج النّور بالظلام وغاب كل منّا في واد من اودية الانتقام لله وبالله سبحانه. وافقت فلرأيت امّي تروّح لي بقميص اخي الاكبر في قلب كهف عظيم، فملأت عيني منه ابتسامة ما تزال تتلألأ في عروقي، ثمّ قالت: مثلك فليعش، ولا نامت اعين الجبناء. عندئذ احسست انّي قد اقتربت من ضفاف اخي الذي اغرفت من غيره العذب ما سرّ امّي وجعلها تفخر ببرّي بها الذي ما كان فضّة ولا ذهبا، ولا لهواً ولا لعبا، فحمدت الله حقّ حمده وشكرت له عظيم عطفه علينا وكريم لطفه بنا. حـقيـقة - 24 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/64 http://arabic.irib.ir/programs/item/64 سأقصّ عليكم ما شغل علماء الاجرام والقانون وقتاً طويلا، فقد مثلت في محكمة الجزاء سيدة ذات سمعة كريمة في الطّبّ لا ترفع رأسها، ولا تنبس بكلمة وهي تواجه اتّهاماً بالقتل، فلم يجد محاميها ما يقوله دفاعاً عنها سوى انّها اجرمت مجنونةً اذا كلنت هي المجرمة، فالعقل يأبى اقتراف هذا الجرم. وعرضتها المحكمة على اطبّاء مختصّين في الامراض العقلية، فاختلفوا في امرها ومال قضاة الى القائلين بجنونها، اذ لم يتصوّروا طيبة مشهوداً لها بالرأفة والرحمة والنجاح الباهر سنين عددا تستطيع قتل كنتها الطيّبة بلا دافع من فقدان الشّعور، فأبرئت من القتل، وارسلت الى مستشفى الامراض العقلية. فشغلت نفسها فيه بمساعدة الاطبّاء حيناً وقراءة الكتب حينا، وسارت حياتها سيراً هادئاً في رحابه. واعتاد ابنها زيارتها مرّة كلّ اسبوع دون ان يعرض لذكر امرأته القتيل. فترى الشحوب في وجهه والهزال في جسمه، فتألم له، وتحزن عليه، حتّى تأخر عن زيارتها يوماً، وبلغها انّه مات منتحراً على قبر امرأته، فهاج حزنها، وانهار حولها، وراحت تندبه وتبكيه صائحة من اعماق قلبها المفجوع به: ولدي حبيبي لقد قتلته بعد ما قتلت امرأته. أعدموني، فما عدت اطيق هذا العذاب اعدموني، فما عدت اطيق هذا العذاب اعدموني. وتملّكها ثوران عنيف وانفعال شديد، فاسرع اليها مدير المستشفى، واعطاها جرعة من مزيج البر ومور والافيون، فلماّ ثابت الى رشدها قال لها مواسياً: في يقيني ايّتها الزميلة الكريمة انّك تكتمين في اعماقك ما يروعك، ويكدّر خاطرك وانّ من الخير لك ان تبوحي بمكنون صدرك، لنعينك على ما يرهقك. قولي كلّ شيء، ولا تخشي شيئا، فكلّنا خطاءون، ولنا في البثّ راحة. وسكتت مليّاً وتنازعها الضّيق و التّردّد، ثمّ استجمعت قوّتها، وقالت: تزوّجت في اخر سنة من كلية الطبّ. وتعلّق زوجي امرأةً اخرى هجرني ومضى اليها وانا مقرب بولدي هذا الذي احببته حبّاً صدّني عماّ عداه، حتّى اصبحت اراه حياتي كلّها لا جزءاً منها. وكلّما تقدّم في السّنّ خشيت ان تستولي عليه احداهنّ، وتأخذه منّي مثلما اخذت اباه نظيرتها من قبل. وتخرج ابني في كلية الهندسة، وعيّن مهندساً في شركة مرموقة، فاذا فرغ من عمله عاد الى البيت ليملأه سرورا. وما لبث ان تعلّق ابنة رئيسه الحسناء، وهي فتاة توفيت امّها في صغرها، فكفلها ابوها معرضاً عن الزواج ثانية من اجلها. وحدّثني بها، فتذكّرت ضياع ابيه منّي، فغثت نفسي، ودبر بي، وتهالكت على الارض وانا في اسوأ حال، فاقبل عليّ يضمني الى صدره، ويسقيني شراباً منعشاً الى ان استعدت عافيني، فابتهج بي، واخذ في حديث غير ما كنّا فيه. وما وجدت بدّاً من التسليم بزواجه واستقبال زوجه التي كانت فتاة طيبة جداً رقيقة الطّبع ودودا بذلت قصارى جهدها، لترضيني عنها، وتتّخذني امّاً لها بدلاً من امّها الذاهبة الى ربّها _ سبحانه _ لكنّني كنت ازداد لها بغضا، حتى رأيتها يوماً تذوب من القيء والدّوار في وحامها، فقلت لها: دعيني افحصك. قالت: سمعاً وطاعةً يا امّاه. واستلقت على سريرها بينما استحضرت انا شمّامة البنج، وقلت لها _ وانا اضعها على انفها _: دعيني اجنبك الم الفحص يا ابنتي. ورحت اصبّ الاثير على شمّامة، وشعرت المسكينة بالضيق، واستبدّ بها الذعر، ولعلّها رأت بريق الغدر في عينيّ، فاستغاثت بي متوسّلة ان انقذيني من هذا البنج بحياتك يا امّاه، لكنّني انخت على صدرها الغضّ اصبّ الاثير صبّاً متصلا حتى اذا غابت عن الوعي شددت على عنقها، وهصرته بكلتا يديّ، وما تخيّت عنها الاّ وهي جثة هامدة. فهل كنت مجنونة ساعة اقترفت هذه الجريمة النّكراء؟ ربّما ظنّني الناس كذلك، لكن ثق يل دكتور انني ما كنت بمجنونة طرفة عين. وقد فعلت ما فعلت بتمام عقلي وصفاء وعيي. واكثر من هذا انني كنت في غاية الرضا والارتياح وانا اقتلها شاعرة بأنّني قتلت بها من سليتني زوجي وانا في عزّ الحاجة اليه. ولذا لم انم قط وكلّ ما ساورني هو الخوف وحده. اجل لم اشعر، الاّ بالخوف الفطريّ الذي يستولي على المخلوق حين يسقط في فخّ، او يتورّط في شرك. وما كان لي ما اقوله دفاعاً عن نفسي، فالتزمت الصّمت، واعتصمت بالكتمان. فتنهدّ الدكتور وقال لها: لكنّك اخطأت في حبّ ابنك هذا الحبّ، فقد استأثرت به، ولم تؤثريه، والحبّ ايثار لا استئثار. ومن هنا اسأت اليه والى نفسك، وقضيت عليه وعلى زوجه بغير حق فما كنت تحبّين ابنك _ كما تدّعين _ وانّما كنت تتخيّلين حفظ زوجك الذي سلبته في مطلع شبابك. وما قتلت كنتك الطّيبة، وانّما قتلت من سلبتك زوجك الذي هجرك في بدء المسير مقصّرا. فاجشهت بالبكاء وقالت: هذا صحيح يا دكتور، فما حبّي ابني المفرط في محلّه، ولا بغضي كنّتي المفرط في محلّه. فقد كنت غارقةً في حبّ نفسي الاماّرة بالسّوء وبغض من تنافسها غير واعية حتى قذفتني امواج هذا الافراط الى لجّة الجريمة النّكراء. حســرة - 23 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/63 http://arabic.irib.ir/programs/item/63 سقط اليّ كتاب نادر في اللغة جمع فأوعى، وابدع فاوفى، فسرّني ايّما سرور، وبعثني على جدّ الشباب وصبر الشّيوخ، فاقبلت على النظر فيه مستمتعاً بتأمّل مبانيه وتدبّر معانيه، مستعذباً ما لذّ من فريد لطائفه، مستنبطاً بديع حقائقه ورفيع دقائقه ناظماً ما راقتني من نفائس درره، وعرائس غرره في الصّفحات الخالية بينه وبين غلافه الذي اشرق بكلّ جميل واصيل تجلّى في خضنيه مدلّاً بروعة الطّارف والتّليد، حتى اذا انست به غاية الانس، واستسلمت له استسلام الهام الولهان هجش في قلبي انّه ضائع منّي اليوم او غدا، فتذكّرت ما اضعته من نظائره وانا في قبضة الفاقة والحرمان فيما خلا من عمري التّعس، فاضطربت اضطراباً شهده صديقي الذي كنت ضيفه، واستغرب حزني على ما هو خيال في خيال، فوكّدت له انّ انفس ما لديّ ضائع لا محالة، فضحك وسرّى عفّ بمفاكهة طيبة اطفأت بعض غمّي الواري خلف الضّلوع. ولمّا ودّعني ذاك الصديق بعد يومين همس في اذني ان ها هو ذا الكنز النّفيس بين يديك ودعائي ان تسعد بسلامته. فابتسمت له، وامّنت على دعائه، وازددت اهتماماً بالكتاب، حتى اذا نزلنا في مدينتنا ذكّرتني امرأتي ببقاء الكتاب في الحافلة التي لمّا تزل قريبة مناّ، فهببت اليها، واخذته منها مسروراً بعودته اليّ في وقت حذّرتني فيه امرأتي ان انساه مرّة اخرى لئلاّ اندم ندامة تهيج مابي من الم القلاب الذي اضناني سنين عددا، فضممته الى صدري شاكراً لها اعتناءها بي. ومضت بنا سيّرة الاجرة الى منزلنا في شمال المدينة، وذكّرتني امرأتي الاّ اغفل عن الكتاب فيضيع الى الابد، فطمأنتها بانّه في يدي وانّني ملتفت اليه تمام الالتفات، فحمدت الله _ تعالى _ وسألته لي دوام الانتباه على ما يمتّ اليّ من الاشياء بصلة، لتنجو من تذمّري واخذي نفسي ببالغ اللوم والتأنيب. وترجّلنا من السيّارة بازاء منزلنا، وودّعنا سائقها مسروراً بما زدته من اجرة، وفارقنا وهو يدعو لنا دعاء شدهنا عن تفقّد ما كان مضا من اشياء مهمّة. وبعد زهاء ساعة من الاستجمام التفتّ الى انّ الكتاب الذي احطّته باهتمامي ليس في المنزل، فقالت امرأتي: ربّما وضعته في مكان شذّ عن بالك، فاصبر ريثما نبحث عنه. فوكّدت لها انّي نسيته في صدر السيّارة التي اقلّتنا الى منزلنا. واذ رأت امرأتي تصميمي الى العودة الى جنوب العاصمة البعيد عنّا بحثاً عن السلئق الذي اوصلنا اصرّت ان تذهب هي وابننا الاكبر بهذه المهمّة بدلاً منّي رأفة بي وخوفاً عليّ. وانطلقا متقاويين متضاحكين واعدين بانّهما سيعودان بالكنز المفقود سريعا. وما فعلا ذلك الاّ ابتغاء راحتي التي اثراها على راحتهما مخفيين ما بهما من وعثاء السّفر. وتصرّم النّهار، وعادا عند المساء يتضاحكان كما انطلقا ضحىً، لئلاّ يزعجني عدم وجدانهما الرجل الذي صار املنا يرفرف على رؤيته. وعادينا انا وزوجي منطلق سياّرات الاجرة في جنوب العاصمة، واخذنا نسأل عن السائق الذي لا نعرف اسمه ولقبه ولا رقم سيّارته، فما يعبأ بنا احد، حتى اتاح الله لنا من نظر الينا، وكلّمنا، واخبرناه انّ سائر السّواق كانوا ينادون من نعني بكلمة لا ندري ايلمزونه بها ام يلقّبونه، فعرفه، ووعدنا انّه سيأتينا بالكتاب عندما يرى زميله المعنيّ، واعطيناه عنواننا ورقم الهاتف، وعدنا الى منزلنا ظهرا. ولم نصبر، فاغتدينا صباح اليوم الثالث الى مظنّتنا، والسنتنا تلهج بالدّعاء ان نجد بغيتنا، وما كدنا نترجّل من الحافلة العامّة، حتّى رأينا من بعيد رجلاً ظنّناه صاحبنا، فركّزنا انظارنا عليه، فاذا به يومئ الينا ان اليّ اليّ. وقصدناه، فقال بعد مبادلتنا التحية: لقد اخبرني زملائي امس ببحثكم عنّي واذ سمعنا كلامه فرحنا بوجداننا ضالّتنا، بيد انّ هذا الحلم تبدّد عندما قال الرجل: وقررت ان أجيئكم، لكن بماذا اجيء والكتاب لم يكن في السيّارة، وما استأجرني احد بعدكم، فاحسبه اخذه. وانّي لاسف على ما لقيتما من النّصب في البحث عنّي دون جدوى. ولم يكن لنا غير شكره والانقلاب الى اهلنا خائبين، لكن بما يشبه الطّمأنينة، فقد ايقنّا بانّه لا سبيل بعد الى التّفكير بما شغلنا ثلاثة ايّام، واسترحنا ممّا اضرمه بين جوانحنا من الاسف. وما مرّ ببال احد منّا ساعة افتقدنا الكتاب انّي نسيته في المكان الذي انزلتنا فيه سيّارة الاجرة بازاء منزلنا، وما خطر لنا ذلك الاّ بعد ما اعلمنا سائق تلك السيارة مقسماً ايماناً مغلظة انّه ما رأى الكتاب قط. وعدت من العمل ظهر اليوم الرابع، فانبأتني زوجي انّ الكنّاس المكلّف بتنظيف شارعنا عثر على الكتاب الفقيد ضحى اليوم الذي عدنا فيه من السّفر. فاستبشرت خيرا، لكنّ امرأتي اضافت منكسرة انّ الكناّس قرع باب المنزل المقابل لنا، فاجابوه بانّ الكتاب ليس لهم، ولا يدرون من وضعه ببابهم. وعندها تذكّرت انّي اسندت الكيس الذي فيه اعزّما فقدت مشفوعاً بكتاب اخر الى شجرة بباب اولئك الجيران الطّيبين. واستكملت اهلي خبرها قائلة: فما كان من الكنّاس الاّان القى ما شقينا من اجله في الكنّاسة. فقلت لها:ألم ير الكيس نظيفاً والكتابين جديدين رائقين؟ كيف سوّغت له نفسه القاءهما في الكناسة؟ قالت: هذا ما اخذته به، فاقسم انّه رجل امّي، وانّه لم يعن حتى بالنظير الى الكتابين نظراً عابراً، فما يصنع بشيء يعوقه عن وظيفته؟ فاشفقت على ذلك البائس، ولعنت الجهل وما ينشره من خراب ودمار، وشكرت لله تبارك وتعالى اخراجي من هذه الظّلمة الدّاجية. تدبير - 22 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/62 http://arabic.irib.ir/programs/item/62 دعني اقل لك مخبراً لا مفتخرا: كنت في مطلع ما رزقني الله من العمر حييّاً محباً لله -تعالى- شديد التّوكل عليه والتفويض اليه. وقد مالت نفسي كما تميل نفوس امثالي من الشّبان الى فتاة من الاشراف تشتهيها الارواح كمالاً وطهراً حبّبها اليّ انّني رأيتني وايّها فيما يرى النائم في رحاب الحرم النبوي الشريف ندعو الله -تعالى- ان يرفأ بيننا، ويمنّ علينا بما نصبو اليه من راحة البال. واستيقظت صباحاً وانا ابحث عنها وطيب الحرم المطهّر يملأ جوانحي، وانواره تضيء جوانحي واثقاً بانّ ما رأيته حقيقة لا اضغات احلام. ولذا عجبت ان اراني في منزلي لا في ذاك المكان الحبيب. وضممت الرؤيا في اعماق روحي، لئلاّ تتبدّد من خاطري المبتهج ابتهاجاً غاب به عن كلّ ما سواها. واتّفق ان اطرت امي واختاي تلك البتول واختيها في ذلك الصّباح اطراءً ذهلني عن كتمان رؤياي، فبحت بها او كدت من فرط اعجابي بما سمعت عنهنّ من رائع الثناء. ولعلّ مارتسم في محيّاي وصوتي من حياء وتهدّج هو ما دعا امّي ان تخطبها عليّ، فقد وجدت فيها ما ارجو وما تودّ الاسرة التي لها القول الفصل في هذا الشأن. فمضت اليهم صباح يوم عذب النسيم، وعادت الينا عصره والسّرور يرفرف بين يديها ان يا بشراك باحسن ممّا تتمنّى، فقد وجدتها دون اختها الشّمس حسناً وطهرا، وما نرضى لك الاّ افضل الكوكبين قرينا. وهتف ابي واختاي مؤيدين ما سمعوا ان وحياتك ولا نحن، ما لنا ندع الثريا لغيرنا وهي بين ايدينا؟ واستحييت ان اقصّ عليهم رؤياي التي ملكت عليّ احساسي في غمرة ابتهاجهم بهذا الاقتراح الذي فتنهم ان يرعوا ما عهدوا من خجلي، او يلتفتوا الرأيي فيه، وحداهم ان يزينوه لي بكلّ ما اوتوا من فصيح القول وبديع البيان، فوقعت في اغلالهم باكي القلب باسم الوجه، لكنّني مطمئن انّ الله -تبارك وتعالى- لن يعطيني الاّ ما اريد من الخير. واستبدّ بي السّهاد، واضناني الاسى منذ ذلك اليوم الذي غلبت فيه على رأيي. وتلمّس اهلي مبعث اضطرابي، فانقطعوا دون معرفته، الاّ اختي الصغيرة الوثيقة الصّلة باولئك الفتيات النّبيلات. واخذت حالي تسوء يوماً فيوما، ويداي لا تنزلان عن التضرع الى الله -تعالى- الاّ يحرمين ما مازج روحي. وعاد ابواي يحببّان من رضياها لي زوجا معتزين بكمالها وجمالها وتألّقها في اسرتها السامية ديناً ودنيا، فأردّهما بابتسامة مشفوعة بالتسليم لمن يفعل ما يشاء ولا يفعل ما يشاء غيره، فينقلبان عنّي راضيين، ولي داعيين. ودعينا الى اعلان الخطبة، وهناك كانت المفاجأة الكبرى التي هزّت الاسرتين هزاً، وتجلّى لي فيها لطف الله سنياّ. فقد دخلت علينا الخطب بعد انتظار طويل بلباس معتاد جداً مرحبة بنا احسن ترحيب، وجلست جلسة تفيض لطفاً ووداّ شعّا في نظراتها الباسمة وهي توزّع بيننا باحسان حكيم. ولم تدر علينا بشراب ولا طعام على ما تفعل مثلها في هذه المناسبة. وراح بعضنا ينظر في وجه بعض لا نتصوّر ما حدث، ولا نفقه تفسيره، الاّ انا فقد برد قلبي وايقنت انّ الله - تعالى - معي، وانّه لم يكلني الى احد غيره. وتنحنح ابي بعد تمهل، وقال لا مبتسماً: كيف ابنتي العروس؟ فابتسمت قائلة: تدعو لكم بخير. وما كدنا نفيق من المفاجأة الاولى، حتّى خلبت احساسنا الثانية، اذ دخلت علينا الفتاة التي علّقتها عرضاً بأطيب شراب زكّاه عذب سلامها وزهو لباسها. واخذت منّا الدهشة مأخذها، وكان ابو الفتاتين اشدّنا حيرة في حين بقيت فيه امّهما مبهوتة شاردة الفكر لا تحير قولاً ولا فعلا منذ دخلت ابنتها الاولى، فهي العروس على اتّفاق الاسرتين، بيد انّ ماجرى كان عجباً عجابا. وما جلست صاحبتي، حتّى وقفت اختها التي شدهتنا اوّل مرة عن شمالها، واستوقفتها قائلة: يسرّني ان اقدّم جوهر قلبي لتاج رأسي، فاحلى الحسان لاشمى الفتيان، وانّي لاعتزّ بأنّي كنت همزة الوصل بين هذين النورين اللذين سخّرني العزيز الحكيم ان اجمعهما في ساحة قدسه، وها انذي ادعوه ان يهنأهما المودّة والرّحمة في خير منه وعافية. وقبلت اختها، وصفّقت لها، فزغردت امّي، وتبعتها بقيّة الحواضر يزغردن واقفات ويصفّقن وارتبك المجلس ارتباكاً جعله حلماً غامضاً غريباً لم يكد احد يفقه ما جرى فيه. وفي لجّة الحيرة الشاملة سأل ابي صديقه ابا الفتاتين عمّا حدّث، فقال: والله لا علم لي به، ولا اعرف شيئاً منه. وتمالك ابي عجبه، وسأل فتاة الكبرى ما سأل اباها المبهور اكثر من غيره. فقالت بابتسامة اشرقت لها الوجوه الحائرة كلّها: الامر في غاية اليسر يا عمّاه. فانا لا ارى في فلان غير اخ حرام عليّ، وعلمت انّه راغب في اختي هذه، لكنّ رغبتكم في غيرها كسرت قلبه صامتاً اكراماً لكم وهو يرجو من الله ما لا ترجون، وشاهدي هو واخته هذه. وايقنت اذ جئتم انّ ابي -اعزه الله- لن يوافق على زواج اختي قبلي، فاعلنت رضاي لافعل بهما خيرا، فنلطفت لشقيقتي حتى انست بما رأيتم من التّدبير، وكتمناه حتى رأيتموه على ما هو عليه الان، وانتم اهل الحلّ والعقد. فضحك ابي من الاعماق، وفدّاها بنفسه وبنيه وامه وابيه، وقال لها: نعم الاخت انت، ونعم الحكيمة انت. وضحك ابوها والحاضرون جميعاً، وانطلقوا يتندّرون بما رزق الله وما قسم شاكرين لهذه الاخت الطيّبة ايثارها الكريم، داعين لمن فازا بالزّواج بالرفاء والبنين. وما كان احد يتوقّع هذا اللطف الالاهيّ الاّ ذلك الحييّ الذي شغلكم هذه الدقائق معتذرا. بــلاء - 21 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/61 http://arabic.irib.ir/programs/item/61 كانت تناهز الرابعة عشرة من عمرها حين اضطرب حالها، ودبّ اليها المرض في البدء خفيفاً رفيقاً مستأنياً، فأخذت تتخاذل في سيرها، وتسقط من يدها الاشياء، ويتملكها الضّيق ساعة الدرس فلا تستطيع تركيز ذهنها على ما تسمع وما ترى فيه مثلما كانت في سنوات درسها الماضية. ثمّ اصبحت سريعة التأثّر بأدنى شئ، متقلّبة المزاج يمتريها الضجر من كلّ شيء، وتغضب من شئء ولا شئء. ومضت ايّام تفاقم فيها اضطرابها وسوءحالها، حتى حدث أن راها أبوها تأتي يحركات غريبة جدّاً وهي جالسة الى المائدة مساءً لتناول العشاء، فاستبدّت به الدهشة، لكنّه تمالك نفسه قليلاً، ثمّ قال بلطف حكيم: ماذا اعجبك يا ابنتي، فأحببت تقليده؟ وكانت الفتاة ممسكة بكوب فيه ماء، فسقط من يدها على الارض، وتهشّم، وأتلف الماء المكان، فاستيت الفتاة غاية الاستحياء، وعادرت المائدة متعثّرة الحطى مرتجفة الاعضاء مكفوفة اللسان، حتى ارتمت على فراشها، وأجهشت بالبكاء. واذ شاهد الطّبيب حركاتها، واستمع الى حكايتها ابتسم في وجه ابيها وقال له: لا يا اخي ليس الامر على ماظننت، فابنتك لا تقلّد أحداً في رقص، وهي جديرة بالاشفاق عليها والاعتناء بها بدلاً من عذلها وتوبيخها. ففغر الأب فاه، وسأل الطبيب متعجّباً: وما بها بحياتك يا دكتور؟ قال الدّكتور بلطف: مرض غريب يا عزيزي تظهر اعراضه ببطء خادع. فقال الرجل متلهّفاً: وما هذا اطرض عافاك الله؟ قال الطبيب بلطفه المعهود: حسناً سألت، فاسمع اذن. هذا مرض من الامراض التي يلتهب بها عضو او اعضاء من الجسم، فهو نوع من الرماتزم ينشأ عن جرثومته نفسها تاركاً اثاراً سيئةً في قلب المصاب به تماماً كما يفعل الرّوماتزم نفسه. الاّ انّ هذا المرض يسبب التهاب الدّماغ، والروماتزم يسبب التهاب المفاصل. وهذا المرض ينزل في ساحة الصّبا والفتوّة في الاغلب، فضحاياه ممّن هم بين الخامسة والخامسة عشرة، وأكثرهم من الاناث اذ يصيب ثلاث بنات مقابل ذكر واحد. فتنهدّ أبو الفتاة، وقال: وما اعراض هذا البلاء يا دكتور؟ فتخحخ الدكتور وقال: أحسنت سؤالاً، فأعراضه لا تكاد تبين في البدء اذ يعتري المبتلى به نوع من الضعف البدنيّ، أو الفتور الذهني، أو الاضطراب العاطفي، ثم تظهر عليه بعد ايام حركات عضليّة غير ارادية يصعب وصفها، ويسهل ادراكها. فترى المريض يهزّ كتفه، او يغمز بعينه، ويلوي ذراعه، أو يبسط يده أو يمدّ ساقه، وهكذا. وتجري هذه الحركات بلا اتساق ولا نظام كأنها تنبعث من عضلات فتك بها نوع من الجنون، وكلّما حاول المريض وضع حدّ لحركاته ازدادت عليه انطلاقا، فلا تهدأ الاّ اذا غلبه النّوم واستسلم له. وربّما تأثرت نفس المريض وعقله بهذا المرض، فمال الى الضّحك تارةً، وأغرق في البكاء تارةً اخرى وربّما استولى عليه الوجوم أو أخذه الهياج من غير ان يريد. فقال أبو الفتاة المريضة _ وكأنه نشط من عقال _: وتزول هذه الاضطرابات العقلية يا دكتور؟ قال الدكتور: نعم تزول بزوال الالتهاب من الدّماغ. فقال الرّجل الذي شعر انّه كان يرى حلماً مزعجاً أو كابوساً مخيفاً: وما خطر هذا البلاء يا دكتور؟ قال الدكتور متأوهاً: عدم الالتفات اليه في البدء مدعاة للابتلاء بافة قلبية قد تلازم المريض طول حياته. وعلاج هذا المرض يكمن في توفير المريض على راحة التامة وحمايته من اخوانه الصّفار الذين يثيرونه بضحكهم منه وايذائهم ايّاه. وتأنيب المريض المسكين وأمره بالكفّ عن حركاته يزيدانه سوءاً، ولا ينفعانه شيئاً. وخير علاج له اعطاؤه الأدوية المضادة للروماتزم، واطهدّئة للأعصاب، واطقوية للجسم، مع الاغذية الطيبة واحاطته بأسباب الهدوء والتّسلية. وعندما عاتق الرجل الطّبيب، وخرج الى ابنته وأمها مسروراً، ونبمه الطبيب مبتسماً وهو يمدّ يده اليه ان قد نسيت الدّواء، فضحك الجميع وافترقوا تظلّلهم البهجة والدعاء. الـمفجّعـة - 20 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/60 http://arabic.irib.ir/programs/item/60 ودّعت ابنيها الحبيبين في صباح واجم ثقيل على ان تلحقه بهما الى العاصمة التي خرجت منها راغمة وطال وقوفها خلفهما يومئذ حتّى اذا تواريا عادت الى غرفتها تعانق خيال البدرين السّابقين الى النّعيم المأمول، وشعرت بكابة تسري في اعماق روحها، فسعت ان تبدّدها بالاستسلام للنّوم الذي ابى ان يمرّ بها مهما توسّلت اليه كأنّه شغل بذاك الصّياح الذي ترامى الى قلبها من بعيد، فتشاغلت عنه بالاخلاد الى فراشها حتّى مسّ بابها، ودخل عليها من فرج النّوافذ الحزينة بحزنها فاعتراها خوف غريب جعلها تنتفض مسرعة مسرعة الى الاصوات التي حدّثتها بالنّبأ الذي عصف بكيانها المرتعش وهي تجيب ذاهلة عماّ تقول: وما شأني بالاشلاء المتناثرة هنا وهناك؟ ثمّ تركت الباب مفتوحاً وانطلقت مذعورة كمن ذأبته الذّئاب وهو نائم، فاستيقظ لا يدري ما يفعل ومرّت اعوام بعد اعوام ولباسها السّواد، وعنوانها الاسى، حتى حملت الينا الصّحيفة الواسعة الانتشار نعيها على هذا النّحو: اتّصل السيّد فلان بمركز الشرطة مخبراً انّ رصاصة اصابت امرأته في داره، وتبيّن انّ الرّجل وضع مسدّسه المجاز له حمله على منضدته غافلاً عن ابن اخيه الذي اخذ يعبث به، فانطلقت منه رصاصة مزّقت قلب امرأته الذي اضناه طول الاسى، ورأى الشّرطة طفلاً مستخفياً في خزانة الملابس يضحك ويبكي، ولا يحسن جوابا. وشهد الجيران جميعاً من قريب وبعيد انّ هذين السّيدين كانا منسجمين غاية الانسجام وانّه ليس بينهما ما يدعو الزّوج الى ارتكاب هذا الجرم، ولا الى الشّكّ فيه اصلا. وفي مستشفى المدينة الكبير تعالى السّؤال: لماذا انتحرت؟ اليس الانتحار اثماً كبيرا؟ ولأوّل مرّة رأي الناظر اليها ظلّ ابتسامة واهنة على جبينها الشاحب وهي مسجّاة وكان زوجها واقفاً قريباً منها ثابت النظرة غير مضطرب ولا خائف، فلماّ عزّيناه عنها نظر اليها نظرة اشفاق ورثاء، وفارقه الثّبات قليلاً، لكنّه سرعان ما ثاب الى تماسكه وقال متحسّراً: رحمها الله وعفا عنها، فقد كانت مثال المودّة والرّحمة. وهناك سألت احداهن: هل …؟ فلم يدعها تكمل سؤالها قائلاً: لا، لا، لا يتوهّمنّ احد هذا، لا والله ما فعلت هذا، ولا خطر لها على بال قط، فهي اسمى من كلّ ظنّ. لقد حسبتني قادراّ على اخراجها من سطوة الاحزان، فبذلت كلّ ما لديها من لطف ووعي لتريني انّها سعيدة الى جانبي وانا احسّ انها تصطنع ذلك عطفاً عليّ واحساناً اليّ حتى نفد صبرها، وامست حياتها عبأً ثقيلاً، فسمعتما تبتهل الى الله _ تعالى _ ان يأخذ بيدها الى الخير كلّه، ويعينها على نفسها بما اعان به الصاّلحين على انفسهم، وعرفت انّ ضعفها انتصر على قوّتي، وانّ يأسها غلب رجائي ان اراها مسرورة حقاً ساعة او بعض ساعة، لكن انّى لقوّة _ مهما عظمت _ ان تصرف قلب امّ حنون عن تذكّر فلذتين منه مضتا تنتظرانه بباب الجنة لدى رب رءوف رحيم؟ وتنفس الرجل نفساً عميقاً شكرنا بعده قائلاً: اسمحوالي ان اقرأ عليكم وصيّتها التي كتبتها بخطّ يدها مذ فجعت بزهرتي حياتها، وبقيت تجدّد النّظر فيها كأنّها على ميعاد مع هذه العاقبة التي ختم الله _ سبحانه _ لها بها، واراحها من عناء الشّكل ولوعته الوارية بين جوامحها التي لم تضمر غير الايمان به _ تبارك وتعالى _ والشّكر له ما عاشت صافياً من كدر الشّكوى او عدم التّسليم لقضائه وقدره الحكيمين في امورها كلّها. ومدّ يده بورقة بيضاء الى كلّ من يعرف خطّها، فلماّ صدقه كلّ من راه ابّ يده الى ازاء وجهه، وقرأ ما فيها، فاذا منه: سبحان ربّ الموت والحياة بديع الكون العجيب وما فيه مماّ يدهش الالباب. ليس عجيباً ان اموت بلا علّة، وانّما الهجب العجاب ان احيا وقد رأيت والديّ نثاراً في زلزال هزّ الدّنيا في طفولتي الضائعة في ظلمات الذّل والحرمان، ثمّ رأيت نثار ولديّ الحبيبين في اوج شبابي في حادثة لم تغب عن بال هذه المدينة الطّيبة. وما كتمت لوعتي الحرّى وغصّتي الكبرى الاّ رحمة بالرجل الذي اكرمني بعفوه عني وعطفه عليّ بنبل واخلاص اسأل الله _ تعالى _ برّهما له كرامة في الدّنيا والسّعادة في الاخرة. الـمـحـترق - 19 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/59 http://arabic.irib.ir/programs/item/59 نشأت في كنف رجل علّمني سوء الظّن صبياّ، فمذ عرفت انّه زوج امّي لا ابي رأيتهيفعل بها عجبا.فاذا تحدّثت الى جارة لها استرق السّمع والبصر اليهما، واذا خرجت في شأن من شئون الاسرة تعقّبها، او جلس الى وسائلها ينقّب فيها عمّا يضطرم في قلبه من الشّك. ورأيته يرقبني مستخفياً بالمارة في السّوق، او كامناً بباب المدرسة، او مباغتاً لي عند نوم وبعده. وثقل عليّ فعله، وشكوته الى امّي مراراً هدّأتني في كلّ منها، وصرفتني عن الاهتمام به والالتفات اليه بلطفها الودود ونصحها الرّشيد، بيد انّني استمرأت تعقّبه في حركاته وسكناته، والضّحك منه، حتّى ابتليت بدائه من حيث ادري ولا ادري، وقادني ذلك الدّاء البغيض الى ما اكره من الحرج والاثم. ونبّهتني امّي تنبيهاً حكيماً على ما لا ينبغي من اقتغاء الظّنون والموت هياّ، واستحييت منها كثيراً، لكنّني لم استطع الانعتاق من براثن هذا البلاء الذي طالما هدم البيوت، ومزّق القلوب. ودارت بي الايام وان على تلك الشاكلة، وحظيت بامرأة اطفأت استقامتها ذلك الشّرّ المشتعل في نفسي، وحسبت انّي برئت منه، فعشنا هانئين سنوات من صفاء لم يكدّره شيء من قلّة المال وشدّة الحاجة، الى ان اتّفق ان عدت الى المنزل ضحىً في امر عاجل من اموري فاذا بي ارى امرأتي تلاثم رجلاً وسيماً لدى سيّارة تشهد بنعمائه قرب منزلنا وهو يحثها على الرّكوب معه سريعا. فغلا الدّم في عروقي، وتفجّر بركان الغضب في صدري، واظلمّت الدّنيا في عيني، وضلّ عنّي ما افعل، ثمّ لاح ان اصبر في مكاني، لارى ما يحدث فعلاً، وانا اتضرّع الى الله _ تعالى _ الاّ يكون ما اكره، الاً انه كان وانفي راغم، فقد اغلقت امرأتي الباب، وركبت مع الرجل في صدر السيّارة الفارهة ضاحكة، ومضيا مسرورين، وخلّفاني اتأجّج في انتظار عودتهما ناسياً ما جئت من اجله في البيت، وما ينتظرني في العمل. وبينما انا مستغرق في ضرب اخماس لاسداس وقفت سيّارة الرجل الذي اخذ امرأتي في مكانها السابق، ونزلت هي وحدها، وتحادثا قليلاً، ثمّ افترقا مبتهجين بعد ما كتبت رقم السيّارة التي بلبلت بالي، وانستني كلّ شيء غير الانتقام. واسرعت الى داري خلسة، فبهت اعظم البهت حين هبّت امرأتي اليّ بلباس الراّحمة ترقّص وليدها المشرق بين يديها اشراقة الشّمس في زهو الرّبيع، وهمست في اذني انّ جارتنا الشّرقية عندنا، وانّها دخلت عليها توّاً. وتشاغلت بتأمّل الحديقة وعيناي تختلسان النّظر الى امرأتي المستبشرة بي والى البيت بأكمله، فكلّ شيء فيه يؤكّد انها لم تغادره طرفة عين، وانّها ما ركبت تلك السيّارة ولا عادت بها قط، لكن ما افعل بما رأيت اولاً واخرا؟ وبينما نحن كذلك سلّمت علينا جارتنا خارجة بلباسها الانيق وادبها الجمّ معتذرة من قطعها حديثنا وزيارتها ايّانا زيارة سمّتها غير مناسبة. ولو شئت، لأقسمت لك انّي ما عرفت ما كان جوابي لها، فقد كان سمعي وبصري فيكفّ الدّوار المستولي على روحي وجسمي المرتعش ارتعاشاً ما كاد يخفى. وسألتني امرأتي متودّدة ان مالي اراك شاحب اللون، واهي الحول، مضطرب الحال، متوقّد العينين؟ قلت متكلّفاً الهدوء: ماذا تريدين من الدّنيا غير هذا؟ فضحكت ببراءة الاطفال وقالت: حسبي سلامتك، فهي عندي اغلى ما في الدّنيا. وابتسمت ابتسامة باردة شفعتها بقولي: وهكذا انت لديّ. وقادتني الى داخل الدّار وانا اغلي، وتناولت سترتي قائلة: ايّ شيء يزعجك بحقّي عليك؟ ثبّت نظري في وجهها وقلت لها: دعي هذا، وقولي: الام احتجت اليوم؟ فقالت وهي تضع يدها على كتفي بلطف: ما احتجت الى شيء ما في ظلّلك. قلت: فأين كنت منذ ساعتين؟ فضحكت ضحكة عالية، وقالت مشيرة الى حبيبنا الصّغير: هنا في خدمة هذا الامل الذي نسيت ان تقبّله اليوم. قلت: لكن خيّل اليّ انّك عدت قبل قليل. فابتسمت وقالت بلغة المطمئن: الم اقل لك يا سيدي انك لزائغ البصر اليوم؟ فالدّاخلة قبل قليل هي التي ودّعتنا الان، وقد جاءت لاخذ مفتاح اودعتنيه لاولادها خشية ان تتأخّر مع ابيها الذي اخذها لرؤية دارها الجديدة في حيّ السعادة. وعندئذ خطر لي تشابه امرأتي وجارتنا تلك في الطّول والشّكل، وقلت في نفسي: تعساً لي ما ضرّني لو تقدّمت خطوات ساعة رأيت ما رأيت، وتبيّنت هذه الحقيقة بدلاً من الوقوف محزّق القلب اثما؟ فارتسمت في ذهني صورة امّي الحنون بنهيها الحكيم ايّاي عن السّير في هذا الطريق الذي لا ينجو سالكه، فخجلت منها ايّما خجل، وشكرت الله ان اخرجني من هذه المحنة التي كادت تطيح بوجودي وتخزيني، ولعنت سوء الظّنّ وظانّيه اجمعين. الـمجالـس - 18 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/58 http://arabic.irib.ir/programs/item/58 عيّنت معلّماً ناحية كانت مضرب الامثال في الفطنة والذكاء وحسن الجواب ومكارم الاخلاق. وامتاز منها رجل حكيم جواد ظريف بحلّ ما شجر بينهم مهما اعتاص على غيره. وما دخل عليه متخاصمان، الاّ خرجا متراضيين. واتفق ان جاءه رجل مغضب من عشيرته شاكياً اليه جاره اللصيق وهو من عشيرة اخرى، فطمأنّه بما يسرّه من الحلّ. واستدعى الشيخ اعيان عشيرة المدعي والمدعى عليه واعيان عشيرته. وساد الهدوء المكان سيادته اكثر المحاكم الحديثة ضبطاً وانضباطا، وعرفنا شيئاً من ادب الرّيف المجهول. فبسمل الشيخ سعد، وصلّى على اشرف الانبياء والمرسلين محمد واله الطّاهرين، وصلّينا عليهم معه. ونظر في وجوه نظر الحازم المحنّك، وقال: نحن بحمد الله مانتداعى، الاّ لخير جعلنا الله من اهله وهذا اخ لكم نزل به ما نكرهه له، وقد استفتاني في امره، فابيت ان انظر فيه دونكم، وها انتم الاء قد حضرتم، فاسمعوا وانصفوا. والتفت الى الرّجل الشّاكي، وقال له: تفضّل يا اخي هات ما عندك علنا. فتنحنح الرجل، وقال: لو لا ماقضى به العقل من المشاورة، ما حملتكم على هذا الاذى. فقال الشيخ سعد: بل اكرمتنا يا اخي، فنحن بنيان مرصوص يشدّ بعضه بعضا. فقال الرجل مرتعداً: لقد احرق زرعي اخي حامد الذي طال بيني وبينه الزّاد والملح. وسأله الشيخ عن الدّليل على صحة الدّعوى فأجابه بانه هدّده بالاحراق اذا لم يبعه منه. وسأله الشيخ عن شهود على دعواه، فتهلّل وجه الرّجل، وذكر له شاهدين. والتفت الى المدّعى عليه وقال: ما تقول يا اخي في دعوى اخيك عليك؟ فابتسم حامد، وقال: زرع عبد الرحيم زرعي، واحراقه فجعني، والعجب كلّ العجب ان يظنّ بي هذا الظنّ الذي اتحدّاه ان يثبته. واستدعى الشيخ الشاهد الاول، وسأله: الغرب احترق اولاً او الشرق؟ فسكت الرجل. فقال له الشيخ: فانت لم تشهد الحريق اذن؟ واجاب الرجل مرتبكاً: لا، ما شهدته فقال الشيخ سعد: ولا شهادة لمن لم يشهد ما حدث. واستحضر الشاهد الثاني، وسأله: بم احرق حامد زرع عبد الرّحيم؟ فاربدّ وجه الرّجل، وقال: لست ادري. فقال له الشيخ: ألم تكن معه ساعة الاحراق؟ فاضطرب الرجل غاية الاضطراب، واجاب وقد تصبّب عرقه: لا ما كنت معه. فابتسم الشيخ سعد، وقال وهو ينظر في وجوه القوم: ولا شهادة لغائب يا ابن عمّي. والتفت للمدّعى عليه هاشّاً باشّاً، وقال له: ايه ابا ماجد، ها هو ذا الفانوس والزّيت قد اصبح بين يديك، فنوّر. فقال حامد مبتسماً: انا يا ابا سعيد ادفع نفسي ومالي و ولدي رضاً لاخي عبد الرّحيم، وما اخرج الاّ بهذه الغنيمة. فالقرية كلّها تعلم انّني ذهبت لزيارة سيد الشّهداء الحسين _ عليه السلام _ مع اخوي عبد الرحيم وابن عمّه، وما افترق احدنا عن الاخر طرفة عين، حتّى اتانا داعيك ولمّا ندخل بيوتنا، وها هم الاء بحضرتك. وصدّق الرّجال كلام حامد قبل ان يسألوا. ونظر الشيخ سعد الى رجال عشيرته عامّة، والى المدّعي خاصّة، وقال: هل طابت خواطركم الان؟ وتنحنح عبد الرّحيم، وقال لكنّك _ حفظك الله _ لم تسأل الشاهدين عن تهديده ايّاي باحراق زرعي وهدم بيتي. فابتسم له الشيخ قائلاً: طلبت حقّاً، وها انت ذا بالغ ما تريد يا اخي. وقال للرّجلين: اتقسمان انّ حامداً كان مجدّاً في تهديده؟ فصاح الرّجلان ان لا وحياتك يا ابا سعيد لا نستطيع، وقد تذكّرنا الان انّ ما يدعي به الاخ عبد الرّحيم كان في ساعة استئناس وملاطفة. وضحك الشيخ، وقال: واستدامة لانسنا جميعاً ادفع لاخي عبد الرحيم ثمن زرعه. وضحك الحاضرون جميعاً، وقال وجيه عشيرته: بل ندفعه معاً. وقال رئيس عشيرة والمدعى عليه ضاحكاً: ليس من العدل ولا من الاخوّة الاّ نكون معكم والسرّاء والضّراء لا تفرّقان بيننا. واكتمل السّرور، وصفا الودّ، ودعي عبد الرحيم لمعانقة حامد، وارتفعت الايدي الطّاهرة بالدّعاء للشّيخ سعد. وعجبنا نحن الذين تعلّمنا القراءة والكتابة، وما تعلّمنا اصول الاجتماع والثقافة من هذا النّظر الحكيم والتّكافل البصير. وسألنا الشيخ سعداً _ حفظه الله، وزادنا سروراً باحكامه _ اين تعلّمت هذا القضاء السّديد؟ فابتسم قائلاً: هنا على ابي وجدي، اللذين كانا لا يقرأان ولا يكتبان. وعندئذ وعينا معنى قولهم: المجارس مدارس. الاثــم - 17 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/57 http://arabic.irib.ir/programs/item/57 قاتل الله الحسد، فهو شرّ داء واعظم بلاء. فقد كان لاحدهم بنيّة هي القمر جمالاً وكمالا ماتت عنها امّها وهي في السادسة من عمرها فاقبل عليها ابوها يضمها الى نفسه، ويفتديها بروحه معلّماً ومزكياً، فنشأت اية من ايات ربك السّاطعة في كلّ خير، واحبّها الناس واكرموها، واثنوا عليها بما هي اهله من الخير. وسارت بهما الايّام طيّبة، وسمعه الزّمان والمكان يكرّر قوله اعتزازاً بها: فقدت امّي فوجدتها في طهرها، وما عرفت السعد فذقته في ظلها. وغبطه الناس على ما اتاه الله من نعمة الانس بها والعيش لها، حتى اذا بلغت مبالغ النّساء، وملأت العين، خطبها اليه خلق كثير ردّهم رداً كريماً ممتثلاً لرغبتها عن الزّواج في ذلك الحين. وبينما هو في عمرة السرور بها وصلته رسالة اغضبته اشدّ الغضب، وملأته عجبا من ابائها الزّواج بخيرة الرّجال وركونها لمثل هذا المنكر البغيض، وتمنّى لو انّ رأسها بين يديه، فيحطّمه تحطيما، لعلّه يطفئ لهيب الغضب المتأجّج في صدره بخيانتها ايّاه ونكرانها طلاقة الدنيا من اجلها، ومضى يضرب اخماساً لاسداس، ثم عاد الى وعيه، فاستعاذ بالله من همزات الشياطين وما توسوس به النفس الاماّرة بالسّوء، واستغفره من التّسرع في الحكم بلا شاهد عدل ولا برهان مبين. وطوى تلك الرسالة المشئومة في اعماق قلبه دون ان يطوي الفكر فيها والبحث عن مرسلها بحثاً متأنياً لا يظلم ولا يعتدي ولا يبعث على النّدامة. وقبل مرور اسبوع على تسلّمه تلك الرسالة الاثمة فجأته اخرى لم يستطع اطفاء ما اجّجته بين جوانحي من شعب جهنّم، ففزع الى ابنته عسى ان يزيح عن صدره هذا الجاثوم المزعج اذ امضّه وارّق ليله. وسألها سؤال الهادئ الواثق بها ابتغاء الوصول الى ما يضع عنه هذا الوزر: أتعرفين معلّماً اسمه فلان؟ فضحكت وقالت: نعم حق المعرفة. متى عرفته هذه المعرفة؟ هذه السّنة. بم عرفته؟ وتحول ابتسامها الى ضحكة اخرى وقالت: بوجوده معي في المدرسة. ماذا تعنين؟ أعني ما سمعته الان يا ابي. كيف هذا بالله عليك؟ الامر يسير جداً يا ابي، فهذا المعلم انثى له كلّ ما للاناث وزيادة عليهنّ انّه يحسن تحرير الرسائل المفتراة اليهنّ كلّما هاجت به الغيرة الكافرة. تعنين انّ هناك فتاة استهعارت هذا العنوان، وراحت تكتب الا من تغار منهنّ ايقاعاً بهنّ وانتقاماً منهنّ؟ اجل يا ابي هذه هي حقيقة ما امضّ كثيراً من الاباء الطّيبين، وارّق ليلهم، وربما حملهم على ما ندموا عليه ندماً لا يجبره الاعتذار منه. وهذه احدى هذه الرسائل التي تهدم البيوت، وتسفك الدماء البريئة. وتناول الرجل الرسالة من ابنته، فوجد فيها كلّ ما وجده في الرسالتين اللتين كدّرتا صفوه، وهاجتا غيظه، فدهداهما الى السّحيق السّحيق من اعماق قلبه، وسأل ابنته مرتاحاً هذه المرّة: متى وصلك هذا الشّرّ؟ قبل زهاء شهر يا ابي. فلم لا تطلعيني عليه ونحن نفس واحدة كما تعلمين علم اليقين؟ لانني لا اريد ان اسوءك بشيء، فانت اغلى من نفسي وما ملكت. فضحكت وقلت: جعلك ايّاي على بينة يسرّني لا يسوؤني يا عزيزتي. الامر في هذه القضية مختلف، فيم اختلافه، واغضت قليلاً، وقالت: في انّ الباعث على الاذى هنا هو ابنة عمّتي، ولو لا انّ امرها قد انكشف، وحذّرت المدرسة اسرتها من مغبّة تماديها في هذا الاثم الاثم لما ذكرتك لك. فطابت نفسي منها كلّ الطّيب، وقلت لها: بارك الله فيك، ورزقك سعادة الدنيا والاخرة. في ظلّك يا ابي. واتّفق ان نسيت الرسالتين اللتين زلزلتاني في جيب قميصي، فصارتا اليها عند غسله، فقالت لي مداعبة: سبحان القائل: " للذّكر مثل حظّ الانثيين ". قلت مبادراً: سبحانه وله الحمد على كلّ حال. واتمّت كلامها قائلة: لقد وجدت نصيبك ضعفا نصيبي من رسائل الشوق، ومع ذلك لم تخبرني عنها. فضحكت وقلت: ما اردت ان اكدّر ثقتك الطّيبة بي. فشكرتني وهوت الي يدي وهويت الى جبينها ضاحكين. البـــطل - 16 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/56 http://arabic.irib.ir/programs/item/56 ما ان دخل المكتبة العامة ذلك اليوم كمعادته كل يوم، حتى ارتسم له وجه صديقه الحميم السجين في حب الله _ تعالى _ واظهار دينه والدعوة اليه بالحكمة والموعظة الحسنة، فراه كما كان ايام الطفولة والفتوة مشرقاً في المدرسة والمسجد وكل مكان من مدينتهما العائدة الى ربّها تواً. وتجلّى له اباؤه الفذّ ووعيه الثاقب وصبره المصابر على الفداء في اخراج الناس من الظلمات الى النور، وعلا في قلبه حفيف السياط وهي تنثر الباقي من لحم ذاك الصّديق النّبيل، فهتف من اعماقه ان طوبى لك ايها البطل، طوبى لك وحسن ماب. ودهش من كانوا في قاعة المطالعة، وهرعوا اليه غير مشئومين بقيا في مكانهما يتهامسان بغيضين. وقال قائل: ابلغ الحلم غايته؟ فقال له واحد ممّن عرفوا براعته في الابداع: بل قل اهذه ذروة الرّائعة الجديدة؟ واجاب ثالث: لا، لا، فانّ روائعه تكتب بالافعال. وقال اخر: حقاً، فمن ذا الذي ينسى له الباقيات الصالحات من تزويجه فلاناً بنفقة زواجه هو، وبنائه حجرة فلان بنفقة حجه، وسعيه الدائم في قضاء الحوائج، وانجازه المصالح العامّة دون منّ ولا اذى. واقسم غيره ان اجل والله فعل هذا وفوقه من غير ذكر له ولا منّ به. وقال احد من قبّلوه وهو يرفع يده في الحاضرين مفتخراً به: والقادم اعظم وابقى ان شاء الله. ورفع رأسه بأدب جمّ، ونظر في وجوههم مبتسماً، وشكر لهم حسن ظنّهم به، وثناءهم عليه، وسألهم الدعاء له بحسن العاقبة، واستماحهم عذراً من انصرافه عنهم. وانسلّ منهم مشيّعاً بالودّ والاشفاق. واستمهله احدهم بعد خطوات افترقا بها من الجمع، وناوله مبلغاً ان اعطه بالله عليك فلاناً الذي هتفت له، فانّي مدين له به. ونظر اليه طويلاً وقال: يعزّ عليّ ان اردّ لك امرا، فربّما لا ارى الرّجل، وربّما اعجز عن اعطائه ايّاه. فابتسم هذا له وقال: لا بأس ان يكون لك بحياتي عليك، فهذه نيّتي اصلا. واصرّ عليه ان يقبله منه، فامتثل له، وتعانقا حزينين، ثم نظر احدهما في وجه الاخر، ومدّ كلّ منهما يده الى طرفه ليطرف عنه ما تلألأ فيه من الكبر. ومضى الى منزله يستحثّه شوق عظيم الى امّه التي خطر له انّه مضارقها السّاعة، فراها تتقلب على اجحر الغضا في انتظاره، فضمّها الى صدره وضمّته ايضاً وصوتها يتهدّج: حسبتم أخذوك يا قرّة العين. وما حسبتني اراك، وليس ما نحن فيه عندي سوى قبسة من حلم متبدّد. في عين الله ما نلقى يا ولدي. ما خبر اخيك فلان؟ ماذا غير العذاب؟ له الله _عزوجلّ _ وماذا بعد الله من شئ؟ واستلقى على ظهره قليلاً، وغرق في تأمّل حياته، ولاح له فيه تمثّل صديقه بقول المسلم الاوّل: ولست ابالي ما اذا متّ مسلماً على ايّ جنب كان في الله مصرعي قرع الباب، فهبّ اليه، فاذا الزبانية يقولون له: تعال معنا خمس دقائق فقط. ولم يدعوه يبدل ملابسه، فودّع امّه ايماءً، ومضى يشيعه دعاؤها عليهم مستنهضاً همم الخاملين، وفطن الغافلين. وانقضى شهر وشهران وهو في غيابة السّجن اطظلم الرطب، واسرته لا تدري اين هو، وكيف تهرّأت قدماه من العذاب، وبم باد جلده وتجدّد وماخار عزمه؟ ولمّا يئسوا منه هدّدوه بمن يعترف عليه وجاها، فما تزحزح عن موقفه. وفجئ ذا صباح وهو في أسوأ حال من العذاب الشديد وبصديقه يقف بازائه لا حيّاً ولا ميتاً، وهم يقولون للمفاجأ: أتعرفه؟ خير من أعرف. أتثق به؟ فوق ثقتي بنفسي. وبحشرجة الموت وابتسام الحياة قال له صديقه الواقف على رأسه وهما بين الدنيا والاخرة: اسمع يا اخي جيداً، فانّي انصح لك ان تعترف بما اعترفت به أنا. وهو انّ خير الزاد التقوى، وانّ الظلم مرتعه وخيم. هذا ما عندي هداك الله لكلّ خير. وضرب الجلاوزة ذلك البطل ضرباً مبرحاً كاد يقضي عليه، وقالوا لصديقه: يبدو ان عقله اختلّ برؤيتك بعد غيبة طويلة، ولا بدّ من علاجه، وسنعيده عندما يصحو. وادرك هو مراد اخيه، وابتسم كلّ منها للاخر، واستعدّا لجولات اخر. الجــزاء - 15 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/55 http://arabic.irib.ir/programs/item/55 كان الرئيس في تلك الناحية فظاً غليظاً مجرماً شريراً فاسداً مفسداً لا يزعه حياء ولا رحمة، ولا يعبأ بقانون ولا عرف، حتى ضجّ الناس من جوره وفجوره، وطال دعاؤهم عليه ليل نهار. وقد امتدّت عيناه الى امرأة بستانيّ فائقة الحسن والطّهر، فادناه اليه، وزاد عطاءه، واظهره على كثير ممّن معه، واكثر هداياه اليه، وتمنّى الغافلون مكانته لديه، حتى اذا اطمأنّ انّه وقع في اسره، وانقاد لاغرائه بعثه على رأس جماعة من الفلاّحين للعمل في حقله الخاصّ به خارج المدينة. وعند ارتفاع الضحى هتق ذلك الجائر المستبد الى القائم عللى شئون حقله يسأله عمّن بعثهم للعمل فيه، فاخبره بانّهم مقبلون على العمل فيه اقبالاً تبتهج به النّفس، وانّ عليهم شابّاً حكيماً في حملهم على الجدّ وترغيبهم فيه، وانّذهم اذا استمرّوا على هذه الشاكلة، فلن يطول العمل بايديهم اياماً. وانتشى ذلك الاشر البطر بما سمع، وتاه لا يدري ما يفعل لاستعجال المساء الذي رأى امانيّه في طيّات وشاحه السّاتر فتارة يمكو ويصدو، وتارة ويتراءى في المراة مفتوناً بما اتاه الله من النّعمة والعافية غير شاكر له، ولا واع فضله تقدّس حلمه. لماّ سجا الليل هتف اليه القائم على قصره وحقله في الرّيف الحالم بين الزّهر والنّجم والمتنادمين على خرير السّواقي وسجع البلابل مثنياً على اخلاص الشابّ المكلّف بادارة العمل، فازداد طيشاً ونكران جميل، وراح يفتل شاربه، ويتلمّس مواضع من جسمه، ويقول: الليلة اذن اكافئه مكافأةً حسنة. وارتدى افخر لباسه متعطّراً باطيب عطره، وخرج مختالاً يسوق سيّارته بين السّماء الغاضبة عليه والارض المتبرمة به، فوقفها بازاء المنزل الذي طالما تربّص به سوءاً، لكنّه لم يجرؤ عليه الاّ هذه المرّة، اذ تصوّر انّ كلّ شيء امسى على ما يرومه، فصاحبة الدّار وحدها، وهو المتفضّل على الاسرة كلّها بشهادة حسن حالها. وطرق الباب واثقاً بالفوز العظيم في نظره، فجاءه صوت العفيفة الحسناء من بعيد ان: من بالباب؟ اجابها مأخوذاً بما ترمى اليه من الصّوت الرّخيم قائلاً بانبهار: قريب يا سيدّتي الجليلة. فقالت له: لا قريب لنا هنا يا هذا. فتنحنح وقال: انا يا سيدتي اعزّ اصدقائكم، ولي حاجة في غاية الاهميّة اريد ان اكلّمكم فيها. قالت له قولاً حازماً: قلت لك لا صديق ولا قريب لنا، وما نحن بمقضى الحاجات، فتكلّمنا فيها. فصاح متوسّلاً ان ارجوك يا سيدتي لا تخيبي ظنّي، فقد حسبتك تقدّرين المعروف وترحبّين بي. فصرخت في وجهه ان: لا اهلاً ولا سهلاً بك، انقلب مذموماً، والاّ جعلتك عبرة لمن يعتبر. فاجابها جواب المخادع: اخفضي صوتك _ لا ربحت _ قلت لك اخ زارك في خير لك ولاسرتك. قالت: وايّ خير في هذا الليل وزوجي غائب؟ وقال مخاتلاً: هو هذا يا مسكينة قد جئتك في شأن زوجك الطّيّب وما جرى له اليوم. فقالت له: وما جرى له؟ فاجابها بانّه لا يمكن ان يقصّ عليها ذلك من وراء حجاب. ففرجت الباب قليلاً، وما كاد ينفرج حتّى نفذ منه ذلك الجائر الفاجر، واغلقه خلفه مبتسماً. فادركت ما نزل بها من شرّ، واشارت الى غرفة الاستقبال، فلمّا ادبر قنّعته بعصاً غليظة ثلاثاً لم يخطرن له على بال، فما كان منه الاّ ان افرغ رصاصه في انحاء من جسمها، وامتزج صوتها بصوت الرّصاص الذي قتل العفاف والطّهر، وفرّ المعتدي مخضّباً بدماء عاره وشناره، وهرع النّاس، ليحملوا الشّهيدة الى المستشفى قبل ان تفارق عالم الفناء تشيّعها دموع المغلوبين في الارض. وسجّلت الدّعوى على لصّ اثيم لم يبلغ غايته من ذلك البيت الطّهور. واندفع المجرم الموتور الى حقله فور مغادرته المستشفى في اليوم الثّالث، ليقتل الجدّ والاخلاص مثلما قتل العفاف والطّهر، فاخبر البستانيّ الشابّ باحتياج امرأته الطارئ اليه. وبعد مسافة ادّعى بوجود خلل في سيّارته، ودعا البستانيّ ان ينزل معه لاصلاحه، وكلّفه ان يأتيه بحجارة بحبس بها السيّارة، فلما استدار في طلب الحجارة تقفّاه بالرّصاص، وتركه يتخبّط بطهره على قارعة الطّريق، وانقلب الى اهله مسرورا كأن لم يفعل شيئا. وكان لهذين المظلومين طفل في الثالثة من عمره قد نقل الى دار رعاية الطّفولة، وبقيت احدى الجارات تزوره دائماً، وتقدّم له الهدايا التي يحبّها ويأنس بها، ولقّنته الدّار بانّ هذه المرأة جارة ابويه اللذين قتلا في حادث غامض، وانّها تعهّدته منذ فارقه ابواه، واسبغت عليه ودّها وحنانها اسباغاً منقطع النّظير، فتعلّقها تعلّقه امّه، واقبل عليها يصغي لها، ويتمسّك بها، ويتلهّف اليها. وكلّما كبر الحّ عليها ان تحدّثه بوالديه ومماتها وصلتها بهما وعطفها عليه، وما حدّثته بذلك، الاّ استعادها الحديث مرارا كأنّه يجد فيه ريح ابويه وسرّ مماتهما العجيب. مأنهى الدّراسة الثانوية، وخرج من رعاية الطّفولة بعد ما نما فيها، وتعلّم الوان الحرف بين اروقتها وظلال اشجارها، وبقي وثيق الصّلة بمن كان يلذّ حديثها، ويحبّ ريحها، فعرضت عليه ان تزوّجه ابنتها، ويعيش معها، فسرّ سروراً بالغاً، وشكر لها عطفها عليه، ولطفها به، ورجا ان يكون بناؤه على اهله في مقتل امّه. ورضيت بشرطه اذ لم تستطع ان تثنيه عنه. وبعد العشاء ليلة عرسه خرج يودّع عدّةً من اصدقائه الحميمين، لكنّه تأخّر في العودة تأخّر اقلق اقرب الناس اليه، ثمّ عاد معتذراً بانّه باء بما عاقه عن محبّيه في وقت غير مناسب.وحدست حماته امراً، لكنّها لم تشأ أن تبغته به. وعند الصباح علم الناس بمصرع ذلك الشّرير على طريق الفجر ذاهباً اليهم، فاسرعت اليه حماته تقبّل جبينه، وتثني عليه مهنّئة ايّاه باطفاء هذا الشّرّ المستطير. الحـليم - 14 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/54 http://arabic.irib.ir/programs/item/54 كان المرحوم جدّي لأبي لطيفاً ظريفاً حلو الطبع، عذب الذّوق، يؤنسك حديثه وتمتعك حكايته، يقود الى عبرة، ويسوق الى حكمة. ولذا كان مجلسه مهوى القلوب، وملتقى الارواح، وقصّ علينا يوماً قصّة جارين عجيبين غنيّ لئيم، وفقير كريم، فقال: جاور الاوّل الثاني فاستقبله خير استقبال، واستضافه ثلاثة ايّام مبتهجاً بجواره مكرماً ايّاه على ما ورث من مكارم ابائه في رعاية الجار ومؤاخاته، حتى عرفه الناس في ظلال مروءته وأنوار مودّته، بيد انّ الجار الجديد كان مستحدث النّعمة غرّه الشيطان بما اتاه الله، وأغراه بالباطل فأنكر لطف صاحبه، وارتاب في ودّه، وتجهّم له جهلاً باكرامه ايّاه واحسانه اليه. وسكت جدّي مطرقاً اطراق الحزين، فقال له قائل من محبيه: وماذا بعد يا شيخ؟ فرفع رأسه الكريم،، وتأمّل وجوهنا، ثم قال: أجل يا بنيّ، وبقي الماء أقوى من النّار، فما تداعى الصّبر الجميل، ولا العطف النّبيل في جوانح هذا الحليم، فقد راه الناس يردّ اساءة جاره الفظّ الغليظ بالاقبال عليه والصّفح عنه. وعجب الناس من سوء الغنيّ وحسن الفقير الذي كلّما خوطب في شأن جاره المسيء قال: جاري اخي غلبه الليل فنام، ولابدّ ان يستيقظ في الصّباح. ومضى ركب الزمان بالرجلين على هذه الحال، حتّى اصيب الغنيّ بالقلاب، فحمله الفقير مخلصاً له، ودار به من مستوصف الى مستشفى، ومن طبيب لطبيب، ومن مدينة لاخرى غير متبرّم به، ولا متباطئ عنه. وعني بتجارته خير عناية، فأصدرها واوردها في كتاب احاط منها بما قبل المرض وما بعده. وازداد من رأوا ذلك عجبا، وذهبوا فيه مذاهب قلّ فيها الحقّ. وطاّ برئ الرجل من مرضه بعد اشهر، واستعاد نشاطه قدّم له جاره المعتني به حسابا دقيقا لتجارته التي نمت بيده نماء عظيما، فشكره شكراً جزيلاً، واعتذر اليه مماّ فرّط عليه، وتوسّل اليه ان يستديم العمل معه متضضّلاً عليه. فشكر له ثقته به معتذراً اليه بما يشغله عن الاستجابة له. وقيل لهذا الفقير الابيّ: لم ابيت العمل مع جارك الغنيّ وانت اسير البأساء والضّراء فضحك وقال: ستعلمنّ نبأه بعد حين. واصبحت المدينة وذاك النبيل غائب عنها دون ان يعرف احد عنه شيئا، وانقطعت صلته بها، ولم يبق منه غير ذكراه الطّيبة تسري في نفوس فاقديه سريان النّسيم في رئة الصّباح. وفي صباح سعيد من ايّام الرّبيع الهانئة قرع باب ذاك الفقير في قرية نائية فاسرع اليه، فاذا هو بامرأة جاره القديم في المدينة وابيها الوقور مبتسمين كتمثالين من النور، ففتح لهما ابواب قلبه مرحّباً بهما احسن ترحيب. وسألها عن زوجها، فارسلت دمعة على خدّها، وقالت وهي ترخى عينيها الى الارض: رحمه الله، لقد اراح واستراح. وقال والدها: اجل، فقد اعتلّ بعدك ومات سريعاً، وندم ندماً شديداً على غيرته منك، وبقي ما عاش يذكر ما غمرته به من مودّة ورحمة موصياً بك خيراً،، راجياً ان تعفو عنه، وتبرئ ذمّته ممّا ساءك به، والاّ تنساه من الدّعاء له باطغفرة. فألم له، وترحّم عليه كثيراً. وقالت المرأة: مذ توفّي المرحوم وابي في طلبك، حتّى هدانا الله اليك فابتسم لهما قائلاً: على الرّحب والسّعة، انجز الله ما تريدان. فرفعت المرأة رأسها وقالت: رأيت كلّ خير، قد جئتك في بيتك المجاور لنا. فاجابها منكسراً: يعزّ عليّ الاّ يكون لك. قالت: ولم ذاك وجودك لا يضيق به؟ قال: لانّه ليس لي، فقد بعته في مرض المرحوم، لاصون به وجهي واحفظ جواري. قالت: لقد صدق حسن الظّنّ بك، بارك الله لك. وسأله ابوها: ولم ابيت ان تأخذ اجر ما عملته لفلان _ رحمه الله _ واستخفيت عن محبّيك؟ فأجاب مستحيياً: لئلاّ يظنّ الرجل _ رحمه الله _ انّي احسنت اليه، واشفقت عليه طمعاً في دنياه. وتكلّم ابوها كلاماً طيّباً تناول حياتها الصابرة المصابرة في كنف ذلك الرّجل الذي انتدبه الله اليه، حتّى قال: وها هي ذي كما ولدتها امّها، وهذا هو مبعث غلظته _ رحمه الله _ ومرضه الذي مات به مهموماً تقطّع قلبه الحسرات. ولولا ذلك ما غلبته الغيرة حتّى ممّن اكرمه وحنا عليه بلا منّ ولا اذى. وها نحن ألاء قد نزلنا بساحتك وأملنا الاّ نرجع الاّ وانت معنا، فقد رزقك الله كلّ ما ترجو من دواعي السّرور. فشكر الرجل هذه الكرامة، وعاشا سعيدين مسرورين الى اليوم. فضحكت وقلت لجدّي الحبيب: هنيئاً لك المال والجمال يا ابت. فضحك وهو يضمّني اليه مقبّلاً جبيني قائلاً: بوركت ايّها الواعي، بوركت يا حافظ الاسرار. الخائف من ظلّه - 13 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/53 http://arabic.irib.ir/programs/item/53 قاتل الله الذّعر، فانّه اذا استولى على احد سلبه امنه، وحرمه راحته، واقلقه من كلّ شيء، وملأ قلبه شكّاً، حتّى في اخلص الناس له. وهذا ما عشته انا في ليلة من ليالي الصّيف، فقد وقفت على الفاكهيّ، لأبتاع منه شيئاً، وما كدت اطلب منه ان يزن لي ما اريد، حتى وقعت عيناي على رجل يطيل النّظر اليّ من الجهة الاخرى، فارتبكت من غير ان اعرفه وما خطر لي ان اختلس النّظر اليه لاعرفه. ونفضت يدي ممّا اردت شراءه، وانسللت من المشترين الذين حسبتم كلّهم ساعتئذ عيوناً للسّلطان الذي انجاني الله من سجنه المشئوم توّاً وانغمست في الظلمة بقدمين خائرتين ما علمت كيف بلغت بهما حافلة مرّت بي اتّفاقاً، وحملتني الى حيث لا ادري، بل لم يدر في خاطري ان اعرف وجهتها، فكلّ همّي هو ان ابتعد عمّا افزعني، واسلم من كيد المتربّحين بي الدّوائر. وليتك تعلم مذى سروري حين ركبتها وحدي، فقد تيقّنت انّي نجوت ممّا احاط بي من السّوء. واذ سكن روعي عرفت مسير الحافلة، وابتهجت انّه يؤدي الى منزل اخي في حيّ المعلّمين. ولشدّ خيبتي حين ادمت طرق الباب، ولم اشعر بوجود احد في الدّار التي رأيتها ملجأً وملاذا! فانقلبت خائباً مرتعدا احسب كلّ صيحة عليّ ضارعاً الى الله تعالى ان ينقذني من سوء تلك الليلة الليلاء. واشتدّت شدّتي حين رأيت الرجل الذي كان يحملق اليّ عند الفاكهيّ يجري نحوي منادياً باسمي مومئاً اليّ ان تريّث لي قليلاً، فازددت هلعاً، والقيت نفسي في الحافلة دون ان اعبأ به، واخبرني السائق وجماعة من الراكبين عنه، فقلت لهم: انّه لواهم خدعه الليل. ودخلت داري وانا بين الحياة والموت من الرّعب تتقاذفني الاوهام وغلّقت الابواب، واطفأت المصابيح، لأوهم جلاوزة الشّرّ بغيابي عنها. واخذت في ادعية التّوسّل والاستجارة حتى غلبني النّعاس، فرقت او ما رقدت، واذا برنين الجرس وطرق الباب مستدامين، فأيقنت بدنوّ الاجل فالضابط الذي تعقّبني لم يدعني.! واقنعت والدتي الاّ تفتح الباب عسى ان ييئس وينصرف، وهكذا كان، فحمدنا الله، وامضينا بقيّة الليل بين امواج الفكر المتلاطمة، حتّى استبانا النّعاس من كفّ الارق مقيّدين في زورق رعب يكاد يغرق من غير ريح. ولو فطنّا الى انّه لو كانوا بصدد اعتقالي، لهجموا علينا، واقتادوني صاغرا لكنّ الذّعر كما قلت لك لا يدع فطنة. وعندما خرجت صباحاً لقيني حارس الحيّ بباب الثانوية التي ادرّس فيها واوصاني بولده خيراً، وهمس في اذني ضاحكاً ان بورك نوم اهل الكهف يا اخا التوعية. فابتسمت له قائلاً: ماذا تعني؟ وضحك هو وقال: اعني نومكم العجيب الغريب الليلة، فقد طرقنا الباب طرقا وناديناكما طويلاً، فما استيقظتما كأنكما ما كنتما في الدار. قلت: بل كنّا فيها، لكنّ النّوم اذ استبدّ بتعب ملك عليه حواسّه. أليس هو الموت الاصغر؟ ابتسم الحارس وقال: بلى هو كذلك؟ فقلت له: شغلنا ان نسألكم لماذا طرقتم الباب؟ أ كان لكم حاجة، فنقضيها الان بحول الله؟ فشكرني الرّجل مسروراً، وقال: كلّ ما اردناه هو اعلامكم بانّ ابواب داركم كانت مفتّحة، وهذا مفتاح باب الحديقة، تفضّل. فملت عليه بقبلة حارّة، وقلت له: رحم الله والديك يا اخي، انت تعلم الوضع جيّدا. فضحك وقال: الحق معك، اجارنا الله جميعا. وضحكت من نفسي، فقد تركت الابواب مفتحة من خوفي وانا احسب اني احكمت اغلاقها. ولدى عودتي من التّدريس ظهراً قصصت على والدتي تأويل ما ازعجنا البارحة، فضحكنا وحمدنا الله على النجاة من السّوء. ثم قالت والدتي: لعن الله الشيطان، فقد كاد ينسيني ما هو جدير بالذّكر. قلت مستفهماً: وما ذاك يا امّي؟ قالت: لقد هتف رجل اخبرني انّه صديق قديم لك، وانّه راك اتّفاقاً عند الفاكهيّ وقد غبت عنه قبل ان يتأكّدك ويسلّم عليك. ثمّ اتّفق ان راك ثانية قرب منزله فجرى خلفك منادياً باسمك مؤمناً اليك، لكنّك لم تلتفت اليه، فعاد اسفاً، وتذكّر ان اصدقاءكما الذين مازالوا في غياهب السّجن اعطوه رقم هاتفنا، واوصوه ان يحضّك على قراءة قوله تعالى: " قل لن يصيبنا الاّ ما كتب الله لنا ". فضحكت وقلت: لله ابوهم ما الطفهم في مداعبة الخائف من ظلّه! وضحكت امّي ايضاً، وقالت: اولى لك ثمّ اولى... وهذا اسمه وعنوانه. الرجــلان - 12 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/52 http://arabic.irib.ir/programs/item/52 استنفد الرّجل السّخي الذي عشنا في ظلّه اعزّابنين في الدّنيا كلّ ما اتاه الله من ثروة في علاج ما استبدّ به من داء حتّى اغمض عينيه مضجوعاً ببأسائنا بعده، واسبل دموعنا سخينة بفراقه الذي غيّر مجرى حياتنا الناعمة، وجعلنا في مدار جديد من مدارات الوعي. فقبل ان ينفضّ اسبوع قراءة الفاتحة على روحه الزّكيّ قلت انا الذي ما أزال في الصّفّ الخامس الابتدائي والعبرة تتكسّر في صدري لأمّي المقعدة بالروماتزم وأخي المراهق للتخرّج في الدراسة المتوسطة: يعزّ عليّ ان اقول لكما: أفيقا، فانّ الحياة لا تنتظرنا حتّى نفرغ من البكاء، ولا بدّ لي من ترك الدّراسة والنّهوض بكرامتنا التي لا تعدلها الحياة نفسها. فقبّلاني باكيين وقالا: بارك الله فيك، اخوك أحقّ بهذا منك، فهو الكبير والقادر على العمل. فصحت: لا، بل انا الاحقّ به، وقد اقسمت عليه، ولا مردّ لي عنه. فأنا لا بدء الطّريق،، واخي في نهايته، ومن الخير لنا ان نتيح له بلوغ الغاية التي شارف على اقتطافها. ولمّا طال الجدالنا نحن الاخوين، قضت امّنا بالحقّ لي. ومضى اخي في درسه لا يلوي على غيره. وانطلقت انا في البحث عن العمل غير موفّق له، فما راني احد الاّ استصغر شأني، واستهان بي، ولم تشفع لي فطنتي ولطافتي، بيد انّي لم ايئس، ولم اكفّ عن نشدان ما نذرت نفسي له. وربما بكيت في الليل والنهار من خيبتي فيما اريد، وطالما واستني أمّي وأخي وسرّ يا عنّي، حتّى دعاني احد الوراقين للعمل بين يديه بأدنى اجر. واعجب الرجل باتقاني واخلاصي، وضاعف اجري، فتحسّنت حالنا، وتحوّل اخي من تلميذ خامل الى تلميذ مجد، وتألّق في نيل الجوائز المدرسية الرّفيعة والهدايا التي تبذلها الهيئات الرّسمية والشعبية للتلاميذه الفائقين تشجيعاً لهم وافتخاراً بهم. وكان اخي يقدّم لي كلّ ما يحظى به من جوائز وهدايا عرفاناً بافتدائي ايّاه وثقتي به. واحتفظت بكلّ ما قدّمه لي بعيداً عن نظره ونظر امّنا، وكتبت تاريخ فوزه به، وتظاهرت ببيعه وانفاقه على الاسرة الفقيرة المبتهجة بثمرات جهده الغالي. ولمّا انهى الدراسة الثانوية متسنّماً المرتبة الاولى بين الفائقين في البلاد اقترحت امّنا ان يختار ما يناسبه من الوظائف المتاحة لأمثاله. فأبيت انا قائلاً: لقد خدمت اخي في صغري، وسررت به في كبري، فلا تحرماني اتمام ما احبّه له. ودخل اخي كلية التربية التي كان مغرماً بها حبّاً للتدريس المستوى على حسّه وفكره. وزادت مطالب اخي، وزاد بها نصبي طوال درسه الجامعىّ. وانطوت سبع سنوات من المرّ والحلو، وعاد بن امّي وابي بوسام الامتياز الجامعيّ، واحتفلنا به احتفالاّ بهيجاً بقي حديث من راه او سمع به وقدّمت له فيه جميع ما اهداه لي قبل من نفائس الاعتراف الرّسمي والشّعبي بنحاحه الفائق طوال دراسته العليا والدّنيا. فما رأيته سرّ اكثر من سروره بعودة هذه النّوادر اليه. ولم لا يسرّ بها هذا السّرور وهي معالم الظّفر في كفاحه المستميت من اجلنا؟ وبعد ايّام جاءنا اخي قائلاً بدهشة: لقد رأيت اليوم عجبا، فقالت امّنا بلطفها اللطيف: جعله الله خيرا. فضحك وقال لها: انّه لخير، لكن لا يصدّق. واذ رأيت في يده صحيفة لم يلقها منها تأكّد لي ذلك الخاطر السّعيد وقلت له: اذكره تعرف صدقه. فضحك وقال: اتصدّق انّي رأيت اسمك بين الناجحين العشرة الاوائل في البلاد؟ فاعتنقته وقبّلته قائلاّ: بشّرك الله بالخير، قد توقّعت هذا. فازداد عجباً وقال: دع المزاح بحماتك، واوضح ما تقول. قلت له مسروراً: سمعاً وطاعةً، ما اسم الثانوية التي تخرّج فيها من ادهشك ظهور اسمه بين الناجحين الاوائل؟ قال: ثانوية الاحرار المسائية. قلت فهو اخوك حقّاً، وقد امضى دراسته كلها في هذه الثانوية صامتا. فقال والدهشة والبهجة تمتزجان في وجهه: دمت لاخيك، فلماذا لم تخبرنا طوال هذه السّنوات ايّها الحبيب؟ قلت بأدب: اردت ان اسرّكما كما سررتنا انت حفظك الله. ونظر بعضهما الى بعض، ونظرا الىّ وضحكا، وضحكت انا واحتضن احدنا الاخر، وضمّتنا الامّ الى صدرها الحنون، واستطالت بنا استطالة القبّة الخضراء في السّماء كانّها ضمّت اليها وردتين صفيرتين لا رجلين عملاقين ذابا في عطر حنانها الرّحيم. الـرشــيد - 11 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/51 http://arabic.irib.ir/programs/item/51 كان ذلك المدرس شاباً من عامّة قومه الذين احبّوه واكرموه باستقامته على الهدى وبعد نظره في الامور، فتمكّن من جذبهم اليه وتوطيد ثقتهم به في نهوضهم على المحتلين والجعجعة في القرى والمدن، فسار اسمه مثلاً للبسالة والسداد، وتعاظم التفاف الناس عليه التفافاً ذهب الاعداء في نقضه مذاهب تفرّقت بهم عن بلوغه، فلا محبّوه يرتابون فيه بما يسمعون من الاباطيل المفتراة عليه، ولا طالبوه يستطيعون الوصول اليه والنّيل منه. فبقي يقضّ مضاجعهم بما يسقيهم من كئوس الذّل والرعب وهم يفرون منه، فيقعون في قبضته، ويبحثون عنه وهو بينهم يقودهمةالى مصارعهم بدمه وايدي المؤمنين. وطالما تسلّم منهم الجوائز النّفيسة، ليدلّهم على نفسه او احد رفاقه في هذه المدينة او تلك وهو رابط الجأش في ثياب المستوطنين من الغزاة او جنودهم، فلا يبوعون منه الاّ بالموت في كمين جرّهم اليه، فاذا زهق الباطل فيه، خفّ الى سلاحهم فقسمه بين القلوب المتفجّرة عليهم غضبا، وانسلوا مستبشرين بما افاء الله عليهم. واذ تسنّم الكمال، ولبّى له المجد ما يريد من قهر الغاصبين سرى بين الجنون همس سرعان ما تداولته الالسنة واعية سرّه او غافلة عنه، وهو انّ البطل النبيل تعلّق غانية من الذين غضب الله عليهم تخلب الالباب بجمال ودلال يسلبان الصخر قلبه. وهزّ الجميع عجب عاجب من صلة فخرهم الرّشيد برئيسة المستخبرين الفجرة التي مانزلت بارض،الاّ ابكتها باستئصال شأفة الجهاد فيها. وبعد ايّام من شيوع هذا النّبأ استخفى الرّجل الذي هوى ومن فتنته بعد ما اعتقلت عيون اصحابه، وذعرت القاصي والداني منهم. واعرض عنه اودّاؤه مذ ظهرت صلته بتلك الماكرة، وغفلوا الاّ عن لعنه والتّفكير في الانتقام منه قبل ان يهدم ماشادوا، ويطفئ ما اضاؤا من الامل، لكنّ ماحذروا وقع فعلاً، فقد صبّ عليهم العذاب قبل ان يستعدّوا له، فروّع البدو والحضر وأتلفت الزّروع والاموال، واقتيد الرّجال الى غياهب السّجون، وفدحهم البلاء، وخبا في صدورهم ما كانوا يأملون. وتيقّنوا ان ما نزل بهم من الحدثان انّما هو الثّمر المرّ لخيانة من احسنوا الظنّ به، وسمعوا له، وساروا خلفه يداً واحدةً، فباعهم برضا فاجرة لعوب. فما اضعف الانسان اذا غلبته نفسه! واستقرّ الرّأي ان يتعقّبه فتيان من عشيرته عسى ان يتوكد وامكانه في بيوت المجرمين، ليسقطوا عليه في ليلة عاصفة حالكة ذات برق ورعد يخطفان البصر والبصيرة، ليطهّروا اسمهم من عاره وشناره، ويعودوا كراماً ظافرين يعدّون انفسهم لمعركة اخرى لا تلويها خيانة ولا يقعد بها غدر. وخاب البحث منه اشهراً، وملّ السّمع ذكره بسوء، وظهر بين قومه من التمس له العذر بأنّه غائب والغئب بحجّته، ومن صدع ببراءته بدلالة ما تجلّى من كماله قبل هذه الفتنة. وجاءت الانباء انّه بلغ درجة عالية لدى المحتلّين، وتزوّج تلك المستخبرة التي فتكت بقومه، فاورت ما خبا من الحقد عليه في صدور من رأوا حياتهم في قتله جهلاً به وغفلة عنه، فعادوا يفكّرون باغتياله. وامتدّت في حصون الظالمين اناء الليل موجة من الرّعب حطمت كبرياءها، وسلبتها التّفكّر في وقفها بدلاً من الفرار المتعثّر منها. وترامت اصداء ماذاق المبطلون من اخذ ربّك ايّاهم الى قوم ذلك المدرّس الذي تضاربت فيه الاقوال، فشكروا لله _ تعالى _ جميل صنعه بهم، وسألوه المزيد من نصره العزيز. في غمرة ابتهاجهم بهذا اللطف الالاهيّ الكريم اطلّ عليهم اثنان من خيرة ابنائهم الواعين الشّجعان يحملان باقات من رسائل اخوانهم الذين سبقوهم الى السّجن والذين لحقوا بهم اليه، فجعله ربّك امناً وسلاماً عليهم ومغنماً طيّباً لهم ومقتلاً ومخافة لشرار عدوّهم. وسئلا كيف كان ذلك؟ فقالا: لقد منّ الله علينا بضابطي تحقيق تعاطفا معنا، فسخّرا لنا الخروج من السّجن والعودة اليه في جنح الظّلام. فقد كانا يعطياننا سرّ الليل والحرس وموادّ نخدّرهم بها، ونمصي الى اهداف يرسمانها لنا رسماً دقيقاً يمكّننا من بلوغها بسهولة والانسحاب منها بطمأنينة. فما نتكلّف غير الجرأة والاقدام اللذين ما نلنا بهما شيخاً ولا امرأة ولا طفلا ولا مريضاً ولا اعزل من سلاح، فليس لنا من عدوّ الاّ كلّ جباّر شقيّ داخل السجن وخارجه. وكنّا ننقل من ينصرنا الله عليه من مجرمي السّجن الى مداخل المستوطنات التي نهاجمها بكواتم الصّوت، ونمضي عنها بلا ضجيج. وعند الصّباح نعلم التّفصيل من ذلكما الضابطين اللذين يأتيان لتعذيبنا في الظّاهر. وقيل للرّجلين: كيف خرجتما من السّجن؟ فقالا: خرجنا بحسن السّلوك الذي سيخرج به عدّة من اصحابنا ممّن عهد اليهم عمل خارج السّجن. والحّ ناس على معرفة الضّابطين اللذين افتديا هذا الدّين وهما ليسا منه، فابى الشاّبان ذكر اسميهما، لكنّ عقلاء القوم اقسموا انّ خبرهما لن يتجاوز الرّاشدين في القرية. واذ اخذ الشّابان ميثاق قومهما قالا: هما رجل وامرأة اتاهما الله الحكمة وبعد الهمّة. فقال عدّة شيوخ ضاحكين: بورك فلان وفلانة من مؤمنين صالحين. وقال حكم القرية الرشيد ومنارها في كلّ خطب: الم اقل لكم انّ ابني ما تعلّم السنة الكافرين، وفاق اهلها في نطقها، ولا استمات في تعليمها الاّ لغاية سامية ضلّت عن ادراكها عقول القاصرين؟ اجل لم يدع عبد الحكيم ممكناً الاّ استعمله في المعركة حتّى اللغة، فقد سارها الى غايته الكبرى التي لم يكد احد منّاً يفطن اليها، اذ غزا العدوّ في حصنه الحصين، وجعل كرام اخوانه الذين قاتله بهم في مأمن امن ببال. فطاب عبد الحكيم ذكراً كريما، وفكراً حكيما. وارتفعت الايدي المستبشرة بالمدرس الذي احبّته قبلاً ان اللّهم استجب. السـبب - 10 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/50 http://arabic.irib.ir/programs/item/50 مذ وعيت امنت انّ الجرم وليد الظّلم، فلو انصف الانسان اخاه لما بسط يده اليه بسوء، ولا شكا احدهما الاخر، بيد انّ التّربية السّيئة تفعل فعلها فب النّفوس، فيظهر الفساد في البرّ والبحر بما كسبت ايدينا سرّاً وجهرا. وبقيت مؤمناً انّ المدّعي غير بريء حتّى ينطق الدّليل الواضح ببراءته، وسرت على هذا النّهج مذ مارست المحاماة في شئون الفلاّحين وسكّان الرّيف المختلفي الطّباع والاحوال. واذكر انّي نهضت بالدّفاع عن رجل استغاث منه السّهل والجبل، وارتجف منه الليل والنّهار، فقد كان لصّاً ماهراً وسفاّكاً متهوّراً على ما يدّعى عليه، وقد سقط على شيخ حائك بقاّل عرف بطول الباع في الرّبا والتّضييق على المدين سقوط سرحان على ضأن في ليلة ذات عصف ورعد وبرق وينخلع لها قلب الجماد، وبات يجرّعه كئوس العذاب حمراً وزرقاً ليدله على ما لديه من نقود وجواهر، وخرس الشيخ من الرعب لكنه لم يدلّ على ما يخفي من مال تعيش به الدنيا لو تداولته الايدي،فقد كان ضنيناً قعدداّ يؤثر الموت مراراً على ان يعلم احد ما عنده، ولذا خرج منه ذلك الذئب خائبا حين تراقى اليه وقع اقدام المؤذن فجراً، فقفز من النافذة، وتركه موثقاً بحبل ليف غليظ لو شدّ به الحديد لأدماه. وثبت للشّرطة ثبوتاً قاطعاً انّ موكّلي قد اعتدى على المرابي اعتداءً يشهد به نتفه لحيته والكدمات والخدوش الظاهرة في جلده، وايقنت انّي بازاء قضية عسيرة الحلّ جدّا واذ كلذمت موكلي فيما ثبت للشّرطة انكره قائلاً: ما اردت سرقته ولا ايذاءه، وكلّ ما جرى بيننا هو انّي انجزت له عملاً، ولم ينقدني اجري، فذهبت لاقتضيه عرق جبيني، فعلت اصواتنا في الاخذ والردّ لا اكثر ولا اقلّ. وحانت محاكمته، وحدث ما لم يكن في خاطري ولا خاطره، فقد رجع المرابي الجشع عن شكواه ورجا المحكمة ان تعفو عنه، فانماثت القضية بهذا الرّجاء، ووبّخ صاحبي توبيخاً دافئاً واطلق سراحه، فشكرني ومضى لامره، وبقيت اسأل نفسي: لم رجع الشّاكي في دعواه والادلّة صريحة في بيان ظلامته؟ اخشي ان ينتقم المعتدي عليه بعد خروجه من السّجن، ام انّه كره ان يسجن رجل فقير بسببه؟ ما عرفت ولا استطعت ان اعرف لم تحوّل ذلك الشّحيح القاسي ذلك التّحول الانسانيّ العجيب. وبعد زمان غاب فيه موكّلي غيبة طويلة، ونسيت الموضوع، حتى دخل عليّ المكتب رجل لطيف ظريف ومعه ذبح سمين يمسح على رقبته، وسلّم عليّ معترفاً بالجميل، فاظهرت له انّه جدير بكلّ محبّة واحترام، فانبسط واقبل عليّ يحدثني بلا كلفة الى ان قال لي: لقد كنت في امس الحاجة لكلّ شيء يوم وقفت معي تلك الوقفة التي لا انساها لك ما حييت. فقلت له ضاحكاً: لي الفخر انّك لم تنسني ايها العزيز. فضحك وقال: انا اسير احسانك الذي اسأل الله الاّ يفكّني منه. وتناولنا قضايا شتى، حتى قلت له: لقد اغلقت تلك الدّعوى، فاخبرني بحياتي عليك بحقيقة ما جرى. فضحك وقال: دع الحقيقة في مكانها يا استاذ، فما لها من سوق هذه الايام. فقلت له مبتسماً: لو لم يكن لها سوق لما كانت بيننا هذه المودّة. فأدرك مرادي كاملاً، ونظر اليّ نظرةً علّمتني معنى الشكر الجزيل بغير لفظ بارد او حار، ثمّ ابتسم قائماً، وتقدّم نحوي بادب جمّ، وانحنى عليّ هامساً في اذني: ورأسك الذي افتديه بنفسي وما ملكت لو كان لي رغيف واحد تلك الليلة، لما اصطكّت اسنان ذاك الحريص بقبضة اخيك اصطكاكاً كأني اسمعه الان واراه وانا امسح ما علق بكفي من شعر لحيته التي نتفتها _ وشرفك _ انتقاماً للبائسين الذين عاش بهم واضطهدهم بشحّه الفضيع وظلمه الشنيع. فهل تراني بعد هذا مسيئاً اليه بالله عليك؟ فضحك من الاعماق، وقلت له: انا وانت لا نختلف الاّ في نوع الامانة التي نؤديها للجماعة التي نتفيّئ ظلّها فقط. فصافحني بتلك اليد الشّثنة التي انتصرت لمن لا عون لهم في هذه الكوكب الفارق في الضّحكات والدموع، واشار الى الكبش الذي جاء به ان اذبحه فداء لي ولك، ولا تنسني من الدّعاء اذا غسلت كفّيك سالماً معافى. فقلت له: بالله عليك خذه انت وافعل به ما تفضّلت مشكورا. فتغيّرت ملامح الرّجل، وبان عليه الانكسار وهو يبلع ريقه ناظراً الى ذلك الحيوان الذي اسرع اليه يتشمّمه ويحكّ خدّه بملابسه، ثم رفع عينه منكسراً، وقال: لا يا اخي لا، انا لا استطيع فقلبي لا يجيز لي ان اذبح ما ربّيت، واطرق قليلاً ثم رفع عينيه اليّ مودّعاً، وخرّج يتعثّر بالباب. السّـر - 9 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/49 http://arabic.irib.ir/programs/item/49 عشنا اسعد زوجين في الدنيا لا ينقصنا من نعم الله الاّ الولد الذي لا يعدله شيء من مباهج الحياة التي الّفت بيننا، فانسجمنا ذوقاً وفهما، ولم يؤثّر ذلك في نفوسنا شيئا. وكانت امرأتي طيبة الاخلاق حسنة السيرة في المدينة كلّها تعتزّ النّساء بالتّودّد اليها وقضاء حوائجها. وبعد سنوات رزقنا ابناً ازدادت حياتنا به انسا. وأقبلت عليه تعلمه وتزكّيه، فنشأ مهذباً فائقاً أقرانه في المدرسة، حتّى دخل الجامعة متقدّماً عليهم اجمعين. وفي هذا الوقت مرضت اطيب جاراتنا وأحبّهنّ الى نفس امرأتي، وأكرمهنّ لديّ، وهي قابلة معروفة في كلّ مكان، وطال بها المرض، وألمنا لها، حزنّا عليها، حتى طلبتني عصر يوم لطيف، وقالت لي: ها أنذي في فم الموت كما ترى، وانّ لي سرّاً اريد ان اومّنكه ثقة بأمانتك ونبلك، امل ان تسمح لي وتعفو عنّي اذا سمعت منّي ما يغضبك. فقلت لها: تفضّلي بما عندك كريمة عزيزة. فقالت زقد اشرق وجهها: في مثل هذا اليوم قبل سبعة عشر عاماً شاء ربّك أن تلد برعايتي اثنان من جاراتي معاً في غرفة واحدة بالمستشفى، احداهما امرأة تاجر ثريّ، والاخرى امرأة عامل بائس. فولدت امرأة التاجر بعد يأس بنتاً لم تلبث ان ماتت بضيق النّفس، وولدت امرأة العامل ابناً كنبع النور. ولا ادري اقارفت ذنباً، أم صنعت حسنا، فقد حملني حبّي لهما واشفاقي عليهما ان اضع ابنة الغنيّة الميّتة للفقيرة الولود، وأضع ابنها للغنيّة التي لا تلد. وخرجت هذه لا تلمّها الدّنيا سروراً بمن لم تلده ولا تدري، وخرجت تلك متعزّية عن وليدتها الميّتة بأنّها بنت أراحت واستراحت. وسعدت هذي بمن فلق البنين جميعاً حتى دخل الجامعة اليوم، ورزقت تلك ابنين يفيضان ملاحة وظرافة تبدّدان غمام الفاقة الثقيل، واقنعتها بوقف الولادة بعدهما رحمة للاسرة كلّها. وأردت أن أقنع نفسي بأنّها لا تعنيني، فقلت لها: وما علاقتي بهذا السّر فتساندت الى وسادتها، وقالت: أظنك قد عرفت الحقيقة كاملة، وانا مفارقة هذه الدنيا عمّا قليل، ولا اريد ان يرثك من ادخلته بيتك رأفة بأهلك العزيزة علينا جميعا. والولد ابن جارك الكهل فلان المحروم، وأرجو ان تسترضيه هو وامرأته عنّي، وأن أرى رضاهما عنّي بعينين هاتين قبل أن تغمضا عن هذا العالم. وقضيت ليلتي مسهداّ أقلّب فكري فيما ابتليت به حتّى الصّباح، فكلّ من يعنيهم هذا السّر سيصعقون اذا علموا به، وكلّهم عزيز على نفسي حبيب اليّ. وطرقت باب الرجل المسكين، فاستقبلني هو وامرأته استقبالاً حسناً اشعرني بنبلهما وطهرهما، وقدّمت لهما هدية نفسية منّي عن القابلة المريضة، فسرّا بها غاية السّرور ودعوا لها بكلّ خير، وقالا: بارك الله فيها طالما غمرتنا بمعروفها. فجزّيتهما خيرل راجياً ان نعودها معاً صباح الغد، الاّ يقولا لها الاّ: قد ارضيتنا رضي الله عنك وارضاك. واذ رأتهما العجوز المحتضرة وسمعتهما يكرّران ذلك الدعاء، لمعت عيناها، وأزهر جبينها سروراً برضاهما عنها، فانصرفنا مبتهجين بذلك. وفي يوم التالي علا الصّياح من منزلها _ رحمها الله _ فاسترجعنا انا واسرتي وقرأنا الفاتحة على روحها الطيبة مفجوعين بها، فقد كانت ملاذاً لكلّ محزون، وفرجاً لكلّ مكروب. وفضضت ورقة أشارت ان اخذها من وسادتها في عيادتي الاخيرة لها، فاذا هو موقعة بتوقيع الحاكم وفيها ثلث تركتي لجاري الفقير فلان، أي ابي الفتى. وفي موكب التشييع قلت لابني والغصّة في حلقي: سأقصّ عليك يا بنيّ بين هذه القبور قصة لا تعيها الاّ اذن واعية. فنظر في وجهي بأدب جمّ وانكسار عميق، وقال: اذن تكرمني يا ابي. وقصصت عليه ما حدّثتني به العجوز التي نسير في تشييعها بلفظه ومضاه، فتغيّر لونه وأطرق طويلاً، ثمّ قال هامساً: عجيبة هذه القصّة. قلت: ايّ والله، واعجب منها انّ المبتلى فيها هو انا وانت كلانا. فاعتنقني وبكى ثمّ قال: لقد علمت هذا يا ابي في تهدّج صوتك واختيارك الحديث هنا، وربطت بين كلامك ودعوة التلاميذ والمعلمين لي ولابني هذا الرجل بالاخوة لتشابه صورنا تشابهاً تاماً، كما ربطته باطالة امرأته النظر اليّ كلّما لقيتها وتكرارها انّي ابنها بشهادة مشابهتي لابنيها وارضاعها ايّاي. قلت له قولاً ليّناً: فما رأيك ان اناصفك مالي، وتعود الى اهلك عزيزاً علينا وعليهم وانت منّا قريب. فاغرو رقت عيناه بالدموع وقال: لا والله لا يعدل عندي ملء الارض ذهباً نفساً واحداً في ظلّكما فقلت له منكسراً: فما الحلّ في نظرك؟ فاسترسل في بكاء حار وقال: لا حلّ حتّى يقضي الله امراً، فانّ امّي ستحوت من ساعتها اذا علمت بهذا فمسحت ما تحدّر على خدّي من سخين الدّمع، وقلت له: افعل ما شئت عزيزاً مكرما. فقال: ولا يقلقك أمري، فنفقتي على الدّولة حتّى تخرّجي في كليّة التربية التي قبلتني طالباً ممتازاً باحسانك اليّ، فاستحييت منه كثيراً، وعانقته معتذراً اليه، ومضينا الى منزلنا، ولكلّ منا همّه وغمّه. وقسمت التّركة، ونالت اسرته السهم الموصى به لهم. وتوطدت الصّلة بيني وبين ذاك الشّيخ الفقير النّبيل أكثر من ذي قبل، وصار اخي الاكبر افضي اليه بالمهمّات ويفضي الىّ بها، حتى فجأني بالشّكر على تربيه ولده السنين الطّوال، وطمأنني انّه لن يخبر أحداً بهذا الامر ما عاشت امرأتي التي يكرمها هو ايّما اكرام. فعلمت انّ الفتى الرّشيد هو الذي اخبره بذلك لطفاً بشيخوخته الفانية، فتعاظم حبّي لهما واعتزازي بهما. ومن عجب الزمان انّ هذا الشيخ مضى الى ربّه بعد مدّة يسيرة من سروره بابنه. وسارت بنا الاياّم مسيراً اخر حتى تخرّج الفتى، واحتفلنا احتفالاً عادت به الامّ التي لا تدري انّه ليس ابنها سنين الى الوراء، بيد انّ سرورها لم يدم طويلاً، فقد انطفأ باسّكتة القلبية التي افرغت بيتنا من ذاك اللطف الودود. وبمرور اربعين يوماً على وفاتها وقف الفتى على رأسي يودّ عني قائلاً: لقد كفيتك اخبارهم يا ابي، فشكروا لك ولأمّي _ رحمها الله _ احسانكما المستدام اليهم طوال هذه السّنين، وان لي أن افارقك مفجوعاً بك على قربي منك قلباً وقالبا. وعندئذ عرفت معنى قول الشاعر: ودّعته بودّي لو يودّعني صفو الحياة وانّي لا اودّعه فقلت له: ذهابك والله ذهاب روحي. وبينما نحن كذلك، واذا بامّه وأخويه بالباب، فرحّبت بهم خير ترحيب وهم يشكرونني شكراً لم افهم منه شيئاً غير الفاظه، فقد كنت اسير الاسى المستبدّ بقلبي وجوارحي. واذ انتهى الاستقبال قلت لهم: هذا البيت لكم وهذا سند تمليككم ايّاه، وانا استودعكم الله. وهزّني تعلّقهم بي جميعاً باكين ملتاعين ان اين تذهب وقد فزعنا اليك وها نحن في كنفك فأنت ابونا وهذه امّنا حملناها اليك حمل الكريم الى الكريم. فتصبّبت عرقاً، وبتنا ساهرين نقلّب اوراق الحياة ما لذّّّّ منها وما الم، ونشكر الله _ تعالى _ على جميعنا الهانئ هذا. وها أنذ أختم قصّة لطف الله بي سعيداً بتغريد بلبلين ازهرت بهما حياتنا نحن الذين جمعنا الله في ظلال رحمته الوارفة ننهل منها سبع سنوات، ونفيض على الذاهبين منّا اليه تعالى. الشيـطان - 8 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/48 http://arabic.irib.ir/programs/item/48 كلما خشيت ان ينطفئ الشّعاع الباقي من سراج شبابها الذابل في خدمة اب كريم بلغ عندها الكبر اعتصمت بالجلد، وانفقت من روحها وراحتها في برّه، حتى انفضّ من حولها من تنافسوا في نيل رضاها، وكفوا السمع عن ذكرها، ولم يشفع لها عفيف الجمال ولا نبيل الخصال. وباعت ما في الدار البائسة من بالي الاثاث قطعة فقطعة، فناءت بفادح الدّين في علاجه، وهدّدها الدائنون بالاستيلاء على دارها لقاء مالهم عليها، فضاقت عليها الارض بما رحبت، وفي خضمّ هذه المحنة رزقها الله ان تكون كاتبة في ادارة المستشفى المجاور لمأواها، فسهل عليها ان تصون وجهها عن الوقوف بابواب الذين نسوا حتى السائل والمحروم فيما اتاهم الله من فضله تقترض الغذاء والدّواء، وان تطلّ على ابيها العليل بين فينة واخرى مستأنسة باقبالها عليه ورضاه عنها بعد ان القته كف الزّمان في ظلّها الحنون حطاماً تخلّى عنه القريب ونسيه البعيد. وما كادت تبتهج بما انعم الله عليها من رزق جديد خفّف عنها شيئاً من العبء الثقيل، حتّى شانتها الالسنة بما نسجه خيال الحسد والظلم عليها من زخرف الباطل، فتأجّج قلبها غضبا، واشتعل رأسها شيبا، فناحت بين يدي ابيها متفجّمة متوجّعة من هول ما نزل بها من البلاء الذي تمنّت لو انّها خرجت من الدّنيا قبل ان تترامى اليها كلمة منه. وهوّن عليها الاب ما شكت منه، ودلّها على رجل صالح متجمّل بالزهد ساع في اصلاح ذات البين في ظنّه. فاسف ذلك الرجل على ما اصابها من الافك، وطمأنها بوقوفه معها يشدّ ازرها وييسر امرها، ويذود عنها السّوء. وناولها مبلغاً من المال يؤدي العاجل من دينها المتراكم. وعادت اليه تجدد الشكر له على تخفيفه ما انقض ظهرها من همّ الليل وذلّ النهار، وتعده ان توفيه حقّه فور استطاعتها. فمدّها بمبلغ اخر من المال، وقال: هذا وما قبله هبة لك، ولك لديّ مزيد. وبعد مدة رجا الاّ يلقاها على خلاف الشّرع، فظنّت ان الحظ العبوس قد ابتسم لها بعد طول تجهّمه لها، وان الرجل الزاهد السّخيّ خطبها على ابنه الطيب الذكر، فقالت: له مسرورة: وهذا ما يسعدني غاية السّعادة. وبهتت حين سمعته يقول لها: اذن نتزوج زواجاً ليس وراءه الاّ ان يحلّ لاحدنا ان يخلو بالاخر بلا حرج، فانا هنا فانت في بيت ابيك لا يجمعنا الاّ قضاء حاجتك غير اثمين. وهالها ما سمعت، وابته في البدء، لكنّ محامياً نبيلاً حظها على الثّقة بهذا الرجل الذي يخشى ربّه، ويعرف حلاله من حرامه. وانطفأت جمرة الافتراء عليها منذ استجابت للذئب الذي بقي يتوسّل اليها ان تنبله ما زعم انه لا يريده منها، لكن بلا جدوى ومضى عليهما زهاء عام ايقنت فيه انّ مكره الفاجر هو مثار الافتراء عليها، وقرّرت ان تنتقم لنفسها من غدره، وتكشف النّقاب عن شرّه. ووجهته المحكمة بما لا يعلمه سوى تلك الانسة التي جنى عليها ابشع الجنايات مستخفياً بلباس الصّالحين، فقال متفاصحاً في جوابه: قد علم الجميع اني كففت عنها سوء السّمعة، وسترت عليها تفريطها بنفسها، وقضيت دينها في سبيل الله الذي تفرّق عنه الناس، فوقفتني هذا الموقف. فقال المحامي الذي دلّها عليه في البدء محسناً به الظنّ: هذا رجل ركب ثقة الناس به الى ماربه، فهو الذي شوّه سمعة هذه الانسة مثلاً، وعاد يعبّرها فعله كما استمعتم في دفاعه عن نفسه بدلالة امرين: احدهما اشتراطه وقف الافتراء عليها بأن يتزوجها، وقد حصل ذلك الوقف مذ عقد عليها. والاخر اقرار من يبعد تواطؤهم على الكذب _ وهم الواقفون بينكم _ بأنّه اول سمّع بها. وحسبه بهذا جرما. واماّ ادّعاؤه تفريطها بنفسها، فايغال في الجرم مردود بأمرين ايضاً: اولهما انّه لم يمسسها قطّ على ما اعلمتني هي نفسها وثانيهما هو هذا الذي يقطع كل مقال. ورفع المحامي يده بكتاب من الطّبّ العدليّ يشهد ببراءة موكّلته من كلّ سوء، ووضعه بازاء القاضي، وقال: وليس بعد ذا من بيان عن جرم مخاتل اظهر الخير، واضمر الشّرّ. ولذا اطلب من المحكمة الموقّرة الحكم على هذا الرّجل بكلّ ما يفرضه القانون من عقاب. وهتفت القاعة بالتعزير في الملأ العامّ والتغريم والحبس والنّفي. وهكذا كان، فقد رأيته يجلد في ساحة المدينة الكبرى حليقاً، ثمّ طيف به حافياً مكشوف الرأس على حمار في الازقّة والشّوارع. الصّـفح - 7 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/47 http://arabic.irib.ir/programs/item/47 لا احد في الدنيا يعلم ما يعاني الاطباء والممرضون في المستشفيات الاّ هم، ولا سيّما الخافرون منهم ايّام العطل خاصّة، فكم من محنة اعتصرت قلوبهم في اعماق الليل الشاهدة نجومه على ما ينزل بهم من الكوارث في جوفه الدّاجي الثقيل، ولا عون لهم الاّ لطف ربّهم _ تبارك وتعالى _ فانا على سبيل المثال عيّنت بداية تخرّجي في مستشفى انشئ حديثاً في طرف قصيّ من اطراف المدينة التي كانت تغطّ في سباتها العميق ساعة جاءتها سيارة الاسعاف بصبيّ دون المراهقة في ليلة ذات قصف وعصف من ليالي الشتاء الباردة. كان الخناق قد استولى على ذلك الطّفل المسكين، وسدّ حلقه، وكان لابدّ من جراحة عاجلة له، لفتح نافذة صغيرة في حلقه المسدود، ليتنفّس منها. ولشدّ ما المني ايّ ايلام انّني ما اجريت هذه الجراحة لاحد من قبل، ولا وقفت على من اجراها في حضوري. وتصبّبت عرقاً وانا ارى الممرّضة تهيّئ لي عدّة الجراحة والصّبيّ ممدّد على سرير العمل يجاهد في استنشاق الهواء الذي عزّ عليه مروره الى صدره الظّامئ لنسمة منه، واستشار هذا المنظر المؤلم عزمي، وبدّد تردّدي، فامسكت المبضع متوكّلاً على الله _ تعالى _ ووضعته في حلق الصبيّ، وحرّكته الى الاعلى فبدا باطنه ابيض ناصعاً، ومرّ الهواء الى صدره، واستعادت الرّئتان نشاطهما، فاحمرّت وجنتا الطّفل، وسرت القوّة في جسمه الغضّ. واسرعت ادخال الانبوبة الخاصّة باستخراج الافرازات في حلقه، وخطت الجرح، وحملت الصبيّ بنفسي الى فراشه، واقمت عنده حتى استغرق في نوم عميق عميق. وعدت الى غرفتي وانا في غاية السّرور والشّكر لله _ تعالى _ الذي انقذ بي عبداً من كرام عباده، وصان وجهي عن ذلّة العجز والجهل. وفي الهزيع الاخمر من الليل ايقظتني الممرضة بطرقها الباب طرقاً شديداً متواصلاً، وفتحت الباب فاذا ترتجف عنده مذعورة مضطربة وقد غار الكلام في فمها مثلما غار الدّم في وجهها الذي انطفأت نضارته، واغبرّت معالمه، ولم افهم من كلماتها المقطّعة سوى قولها: العجلة يا سيّدي فانّ الطّفل مات او كاد. وما دريت كيف بلغت الغرفة لاجد اقد فارق هذه الحياة المفعمة بالمضحكات والمبكيات. فقد نامت هذه الممرضة التي كلّفتها السّهر عليه، فامتلأت انبوبة التّنفس من الافراؤات حتى سدّت، واختنق الحبيب الذي فرحنا بسلامته على ايدينا بعد القلق الشّديد عليه وركوب الخطر في علاجه، وفارقنا بلا توديع مخلّفاً في انفسنا لوعة لا تنطفئ، فقد كان شفاؤه اول نجاح لي، وموته اوّل خيبة في عملي، وقد اتّفقا في ليلة واحدة. وتأجّج غضبي على الممرّضة التي شاركتني في القلق عليه والفرح به والانكسار له، فهجت ومجت ومزّقت قلبها التّعب بمرّ الشّتائم وقبيح اللوم احساساً بانّها اطفأت ذلك الامل الزّاهر باغفاءة رخيصة، وفكّرت في ابلاغ السّلطات الصيحة بما جرى لتتّخذ ما تستحقّ هذه المهملة من العقاب اللازم، وكتبت تقريراً لما جرى والدّم يغلي في عروقي، وقرأته عليها فور انتهائي منه، وهي تنظر اليّ صامتة شاردة البال، فصحت بها: لا ياسيّدي ليس لي ما ادافع به عن نفسي ابداً، لكنّني استرحمك واستعطفك ان تر، واغمي عليها قبل ان تتمّ عبارتها الباكية، واذ افاقت تركتها قبل ان تراني، ومضيت الى غرفتي، ورحت اقلّب رأيي في امر هذه الفتاة التي لم تبلغ العشرين من سنّها وهي تعيل اخوات قاصرات عن العمل في مدينة لا يعرف فيها احد احدا، واقلّ عقابها الطّرد من العمل، وتذكّرت في اثناء ذلك تمنّيها بين يديّ اوّل الليل ان تقضي ليلتها هادئة، فقد اضناها العمل يومين متواليين لزيادة اجرها الضّئيل جدّاً، فانكسر قلبي لها وللصّبيّ الماثل بازائي مطالباً بالقصاص الذي فيه حياة للعالمين. واخذتني سنة من النّوم رأيت فيها روحاً متوهّج الحسن يقول لي بلباسه الابيض الزاّهي بسائر الالوان الهادئة: انّ الاصرار على عقاب المخطئ وليد الرّغبة في الانتقام. وهذه المسكينة انسان كسائر الناس عرضة للسّهو والغفلة، وهي في سنّ تدعوها الى الرّاحة والكسل في حين انّها مرهقة بطول العمل ضعيفة بقلّة الغذاء، ولو كنت مكانها لما استطعت ان تردّ سطوة النّوم عليك، ولارتكبت ما غاظك منها، فاستر ما رأيت من عيبها، وهب لها فرصة الاستقامة فطالما اصلح اللين ما لم تصلح الشّدّة. ماذا ينفعك ان تهدم بيتاً كاملاً بصبيّ حان اجله يا حكيم؟ ولمّا صحوت مزّقت ذلك التقرير، ولم اقل لمن كتبته عليها شيئا. وبعد عقدين من الزّمان نالت تلك الممرّضة جائزة الشّرف الاولى التي تمنحها الدولة احسن مديرة مستشفى للامومة والطّفولة كلّ عام تثميناً لاخلاصها في العمل. وهذه هي المرّة العاشرة التي تحظى فيها بهذه الجائزة النّادرة عاماً بعد عام، وخطر لي توسّلها اليّ ان اهبها فرصة اخرى، ووجدّتني اهتف اليها مهنّئاً بهذا الفوز العظيم، واسألها ان كانت تعرفني. فاجابتني قائلةً بادب جمّ: شكراً على تمزيق التقرير يا دكتور. العائــد - 6 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/46 http://arabic.irib.ir/programs/item/46 وجدتني صبياً ذليلاً في بيت عمّي ابيت انا والخادم الشيخ في غرفة لا تليق الاّ بمهان مثلنا. والفت ذلك البؤس معتقداً ان لا حقّ على عمّي سوى المأوى والمطعم احساناً ومنّاً منه. ولم يسمح لي بمؤانسة اهل الدّار الاّ فريضات استرقها من كفّ الاذى والحرمان اللذين لم يلطّفهما غير رحمة البسنيها ابن عمّي الاوسط، فطالما زارني مهوّناً عليّ ما القى من سوء المعاملة في دارهم . واذ يفارقنيالى دراسته الثانوية في المدينة يؤنسني الخادم الطّيّب بما ينسيني شيئاً من مرارة الكبت الذي بقيت اجهل سرّه حتى عصر يوم صائف خرج فيه ابناء عمي احسّت بانسلالي، فبعثت اليّ من ردّني الى معزلي المشئوم حيث ارتميت على ما يسمى فراشي _ اعزّك الله _ باكياً ذليلا. ودخل عليّ الشيخ المسكين، فتعلّقت برقبته متوسّلاً اليه ان ينقذني من هذا العناء المرير، فراعني قوله الضعيف: صبراً يا بنيّ، فعسى الايام ان تنسيهم ما فعل ابوك _ رحمه الله _ فيعودوا عليك بالبرّ والاحسان. فهتفت به حزيناً ان: وما فعل ابي فاستحققت هذا العقاب؟ فاشاح بوجهه عنّي منكسراً، لكنّني الححت عليه حتى انبأني بأنّ والديّ تزوّجا دون رضا اسرتهمااللتين تأبيان تزويج الغريب وتزوج الغريبة، فبقي اعمام امّي يهدّدون ابي واعمامي ويتوعّد ونهم، حتّى قتلت امّي برصاصات دلّ التحقيق انها من مسدس عمي الاكبر، فاقتيد للحبس مريضاً مقسماً انّه برئ مما حبس به، وانّ القاتل هو ابن عمّها الملقّب بالذّئب، فما سمع له احد، لانّ الاموال تفعل بقضاء الارض ما تشاء. وثأرت اسرة امّي بها غير مقتنعة بحبس عمّي الذي لم يلبث ان مات بدائه في السّجن، فأجّج موته الغضب في جوانح ابي واعمامي، فحملوا على اخوالي، فقتل ابي في تلك المعركة، وسجّل قتله دفاعاً عن النّفس، وذهب دمه هدراً. وهكذا ال امري الى عمي الاوسط مؤاخذاً بذنب ابي الذي لم يكن الاّ خروجاً عن بدعة ظالمة. وحين انكشف لي السّرّ عذرت عمّي واسرته من التشاؤم بي والقسوة عليّ، وانا في نظرهم عنوان النّحس وذكرى البلاء الذي خربه السّقف على رؤسهم الامنة، فحطم العزيز العزيز منها، وجعل الباقي اشراراً عند الناس بعد طول كرامة. فبكيت والديّ، ورثيت لاسرتي كثيراً، وتمنّيت ان يكون لي سبيل الى النّزوح عن صدورهم المثقلة بي، لكن دون جدوى. وقرأ الشيخ الرّحيم اشتداد حاجتي للخروج من هذا الحصار الذي اضناني روحاً وجسماً، فأكبّ عليّ يعلّمني القراءة والكتابة بفطنة معلم حاذق في معاملة القلوب الظّمأى للمعرفة، وزاده اقبالاً عليّ واعتناءً بي سرعة فهمي لما يلقى اليّ وبراعة خطّي الذي كان غاية في الاتقان البديع، وصار ينفق ما يتيسّر له من اجر على شراء الكتب والدّفاتر التي اخذت اطويها بفضل الله كومض البرق، والشّيخ ماخوذ بي لا يكتم سروره بحدّة ذكائي وشدّة رغبتي في نهل العلوم التي رأيتها عزائي الوحيد في هذا السّجن الخفيّ من العالم. وبدأ الشّيخ يتلطف الى الاسرة المستكبرة عليّ ان تسمح لي بالخروج معه الى اطراف القرية قليلاً ولم تجد بدّاً من ذلك، فخرجت وعرفني النّاس، واطوا لي، ورثوا ابوي، واسفوا على ما نزل بنا من الحدثان، وعجب منّي مدير المدرسة الابتدائية عجباً ازداد بمعرفته ما ذقت من سوء العذاب، وتوطدت المودّة بيني وبينه توطّداً اجرّعه مرارة اقناعه عمّي بالتّخلي له عنّي حتى باء بما اراد، وانحدر بي الى المدينة، فاجري لي امتحان في ادارة التربية والتعليم قبلت به في اخر الدراسة المتوسطة والقسم الدّاخلي، وانقطعت صلتي باسرتي وقريتي الاّ بذاك المدير الممتاز وابن عمّي الاوسط، فقد استداما زيارتهما لي واعتناءهما بي، حتّى تخرّجت في كلية الحقوق، وامتهنت المحاماة التي سطع فيها وامتدّ في الافاق عزيزاً على كلّ نفس. واتّفق ان اصبحت قريتي ناحيةً، واصبحت اول مدير لها، وعدت اليها بعد عقدين من الزّمان، وذكّرتني عودتي اليها بعزّة خروجي منها بذلّة، فشكرت لله _ تعالى _ في اعماق قلبي المفجوع بالذكرى، وانتحبت على الابوين اللذين لم يبق لي منهما سوى صدى قصة لا تنطفئ لوعتها بين جوانحي المسحوقة بسنابك الذّل والحرمان اللذين اليت الاّ ارى سيما هما في وجه احد ممّن اتاني الله النّظر في امرهم. وصحوت من حلمي على مشارف الناحية الجديدة، واول عمل نهضت به بعد مراسم التّنصيب ذاك اليوم هو انّني دعوت القرية كلّها الى عشاء سخيّ خطبتهم بعده داعياً الى التالف والتاخي والتّوادد والتّراحم، ونبذ الثأر واطفاء الفتنة، فانّهما من خيل ابليس الضاربة في صميم الصالحين الذين وعدهم ربّهم خير الدنيا والاخرة واستمرأ الحاضرون الخطاب، وهشّوا اليّ وبشّوا. وفي ضحى الغد مضيت الى دار عمّي بموكبي الرسميّ، فلم يكن فيها الاّ هو وامرأته، والمني رؤيته ضعيفاً كليل البصر قد نزح ابناؤه جميعاً الى المدينة، فاعلنت انّني زرته اوّلاً، لانّه سيّد القوم ورشيدهم، فتجلّى السّرور والعزّ في كلّ جارحة، فرحّب واثنى وقال: عشاء الجميع الليلة هنا، فشكرت له، وقلت: ارجو ان ارى الشيخ فلاناً، فاجاب منكسراً: او تعرفه يا بني؟ فقلت: كلّ المعرفة ايّها الحاجّ، فهو ابي وعمّي وخالي ووجودي كلّه. فقال متحسّراً: اذن عظم الله لك الاجر بمصابك به. فكفكفت دمعي بيدي، وقلت: لا رأيتم مكروها، وهل لي ان ارى غرفته؟ فاخرج الرجل وقال مرتبكاً: نعم نعم يا بني هي مقفلة على حالها منذ فارقنا الى رحمة الله وغفرانه. ودخلت الغرفة معتبراً، ورأيتها على ما خرجت منها باثاثها البالي ورطوبتها البائسة وران الحزن على وجوه من معي، ولا سيّما عارفو فضل ذلك الشيخ المتواضع الودود. ولمّ خرجت من الدّار نادتني امرأة عمّي ان يا ايها المدير الكريم لقد استودعني هذا المغفور له امانة ليتيم كان هنا معه في هذه الغرفة الباردة، وهي ثمرة جهده الطّويل في هذه الدار المنكوبة الذي الم هذه القرية كلّها، فقد كان حبيبها وضياءها الى كلّ خير، فما افعل بها؟ فانفجرت باكياً بصوت عال، ومددت يديّ اليها ان هاتي. وقرئت الفاتحة على روحه، وعزّني الجميع عنه، ومضينا الى غايتنا.ولماّ توطّدت الثقة بيننا، واحسّ الناس انّي منهم ولهم، ورأوا المدرسة والمستوصف والحمام والصّيدلية والحياة الجديدة تسري في ذاك الرّيف المنسّ فزعوا اليّ فيما بطن وما ظهر من شئونهم، واهتبلت هذا الاقبال عليّ، فاستدعيت عمّي، وقلت له: انّما دعوتك لامر عظيم راجياً الاّ تردّني خائباً. فتهلل وجهه وقال: لك ما تريد، لك نفسي ومالي وولدي ايها العزيز. فقلت له: انا اعلم ما بينكم وبين ال فلان من السّوء، واريد ان تجرّ ردائك عليه كما جرّ الزّمان عليه رداءه. فتنهّد وقال _ ولا اضمن انّه كان يراني جيّداً _: أتعلم يا بني ما فعلوا بنا؟ قلت: نعم ايّها الحاجّ. قال: لقد قتلوا امرأة اخي في منزلي، ثمّ قتلوا اخويّ واحداً بعد واحد، واظهرونا للناس اشراراً معتدين، فقد اشتروا ذمّة من لا دين له، وعدّوا قاتل امرأة اخي اخي الاكبر الذي قتلوه في السّجن عليلا. فاقسمت له انّ هؤلاء ما قتلوا منكم احداً، وهم الان وامس في اسف مقيم على ما جرى لكم. فقال: امنت بالله وصدّقتك، لكن قل لي: من فعل هذا؟ قلت: اماّ امي وابي، فقد قتلها الذّئب الذي قتله الله بالدّاء العضال كما تعلم، واماّ عمّي الاكبر، فقد مات في السّجن حتف انفه لا كما اشاع الذئب حينذاك تاجيجاً للفتنة. ونهض عمي وضمّني الى صدره خجلاً نادماً قائلاً وهو يبكي: فانت مالك اذن، من ايّ سوء اعتذر اليك بالله عليك؟ طالما اذقتك ما اكره بغير حق. فقبّلت جبينه، وقلت له: لا بأس عليك يا ابي ذاك شيء طواه الزّّمان، وانا قد جعلت نسيانه سبباً الى المصالحة وتطهير القلوب لحياة يحلمها العدل والاحسان لا الاثم والعدوان. ومنذ ذلك الحين اخذ الناس يسمعون ضحك اخوالي في بيوت اعمامي امنين. الغفلــة - 5 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/45 http://arabic.irib.ir/programs/item/45 بقي املي الاكبر ماليء الدّنيا وشاغل الناس بلطافته وملاحته، فقد كان ذكياً فطناً حلو الكلام عذب الجواب يأسرك بخفّة روحه ورقّة طبعه وحدّة ذهنه وبديع قوله وفريد اناقته وعجيب براعته وظريف فكاهته التي بقيت تتلألأ في ثغر القريب والغريب. وحملتني هذه السجايا الطّيّبة التي امتاز بها عليّ من الناس جميعاً ان ابالغ في الاقبال عليه والاحسان اليه، فما اكسوه الّا خير اللباس واجمله، ولا اسمعه الّا احلى الكلام وأنبله، وانا مأخوذ به اغذوه من قلبي، واسقيه من لبّي والناس معي يدعون له مبتهجين به. وازداد اعجاب به حين انهى سنوات الابتدائية السّتّ ممتازاً في ثلاث سنوات، فقد كان يطلب الى معلميه المفتونين به كغيرهم أن يمتحنوه في نهاية العطلة الصيفية في مواد السّنة اللاحقة للسنة التي امضاها في رحاب مدرسته التي شملته بكل معاني التّقدير والتّشجيع، حتّى انّها دعت الى احتفال خاصّ بتخرجه فيها تمنى كل من شهده ان يكون له مثله. ونجح في الصفّ الاوّل المتوسط نجاحاً باهراً، لكنّه ابى ان يدرس موادّ الصفّ الثاني في عطلة الصّيفية ليخوض الامتحان فيها في نهاية تلك العطلة كما كان يفعل واستبدّ بنا العجب من رفضه ذلك، بيد انّنا ما حملناه عليه، ولا اضطررناه اليه، وانّما تركناه مختارا. وفجأتنا مدرسته بالدّعوة للتباحث في شأنه، وأخبرتنا بضالة جدّه وعدم اهتمامه بواجبه الصّفيّ والبيتيّ على الرّغم من نصائح المعلمية المستدامة له ورفقهم به. ودهشنا حين سمعنا ذلك غاية الدهشة، فاشتددنا عليه، وأخذناه بالقهر واستدامة القسوة، لكنّ ذلك الضغط لم يزده الاّ ضعفاً في الدرس واعتراضاً عنه، وتبدّلت سيرته الطيّبة في الاسرة تبدّلاً بعثها على الاسف الشديد والحيرة في امره، فقد اصبح نومة مخرة خائر القوى كسولاً لجوجاً متلافاً لما يقع في يده من المال، لا يتأثّر بحكمة، ولا يسمع موعظة. وساء منطقه سوءاً باعثاً على الاشمئزاز منه، وتوالت علينا استدعاءات المدرسة للنّظر في علاجه، لكن دون جدوى، فقد نفضنا ايدينا من الوصول الى هذه الغاية. وخطر لي هذا الانتكاس العقلي والنّفسي والعناد والاسراف والاهمال والاستعلاء ونسيان النصح والفرار من الواجب كلّها اعراض مرض ابتلى به هذا الفتى في غفلة منّي. وسميت لمعرفة هذا البلاء عسى أن اوفق لانقاذ ابني من براثنه. فأخذت على نفسي عهداً أن اكفّ عن تحذيره وتأنيبه، واقبل عليه اقبالاً يعيد اليه ثقته بنفسه واعتماده عليها. فشرعت في التودّد اليه وغضّ النّظر عن اخطائه ومساويه، واحسنت في الثناء على ذكائه، واشعاره بحبّنا له واعتزازنا به. وهكذا فملت امّه. وعانينا في تحمله والصبر عليه اشهراً مريرةً جدّاً اعاننا الله _تعالى _ على قضائها مضمخة بدماء قلوبنا المطلولة بخلافه البغيض لنا في كلّ شيء. ورأيناه يستعيد ثقته بنفسه واحساسه بتتذيرنا له وعطفنا عليه، وتجلّى ذلك في دنوه مناّ واستماعه الينا واستعانته بنا في معرفة ما اعتاص عليه من دروس واعترضه من مشكلات. واذ فتح لنا نوافذ قلبه الصغير عرفنا منه انّه كان يظنّ انّنا نؤثر اخاه عليه، ولا نحبّ له الخير، واستدلّ على هذا الوهم بأننا كنا نعاقبه كلما فاق اخاه في جدّ او هزل، ونسمعه ما يشعره بأنّه ادنى من الاخرين، وانّه غير جدير بالحب والتقدير. قال: وهذا ما حداني على عناد والكسل، لأستلفت أنظاركم اليّ، واستردّ ما فقدته من رعايتكم لي، فقد تيقنت انّكم ما عدتم ترونني أو تسمعونني، وكان لا بدّ لي ان اثبت لكم انّني لست ادنى منكما، وما كان لي من وسيلة الاّ مخالفتكم قولاً وفعلاً وائذاء اخي الذي رأيته معتدياً عليّ، ومنتزعاً مني ابويّ. فضمّته امّه الى صدرها، وقبّلته قائلة له: من دلّك على هذا؟ قال: انتم يا امّي دللتموني عليه، ولا سيّما انت. فسألته مستغربة: كيف بحياتي عليك فعلت ذلك؟ قال: كنت تعاقبينني كلّما اشتكى أو صرخ من غير ان تعرفي السّبب، وتقدّمينه عليّ في مأكل والملبس بدعوى أنّه الصغير. وما مازحمته الاّ قلت ساخرة مني: ليتك مثله، أو الف مثلك لا يعدلونه، فقبلته وقالت: انّما كنت اقول هذا ملاطفة لك. فقال منكسراً: لكنّك لا ترين اثر مثل هذه الملاطفة الجارحة في قلب المخاطب يا امّي. ولو فكّر الناس فيما يقولون قبل ان يسمع منهم، لما اذي احد من احد. فابتسمت في في وجهه، وقالت: اشهد بحقّك، واعتذر اليك من كل ما اذاك، حتى ترضى فماذا تشكو يعد؟ فتعلق برقبتها وقال: فديتك الف مرة يا امي لم تبقي لي شيئاً من دواعي الشكوى وضحكنا جميعاً مسرورين، وفرع الباب، فاذا بأبناء الجيران يدعون علياً ليلعب معهم، فقبل والديه، وانطلق عليهم مسروراً. وسألتني زوجي: أو كنت تعلم بهذا الغم في صدر علي؟ فاجبتها بالنفي، فقالت: فمن اعلمك به؟ قلت: المربّون اعلموني بتدهوره. قالت: و ممّ حلّ به هذا التدهور بالله عليك؟ قلت: من عوامل نفسية بلا ريب. قالت متعجبة: واين الاطفال من العوامل النّفسية حفظك الله؟ فقلت لها: انهم لا يختلفون عنّا في شيء الاّ في السنّ. قالت: فعلّمني كيف انتابه التدهور؟ قلت: هذا طفل متوقّد الذكاء قسا عليه أبواه، واثرا اخاه عليه، فثبت في نفسه انّه دون اخيه هذا، ولذا قدّم عليه. فركب الخشونة والخداع اشترداداً المكانته السليبة. ووكّدت له المدرسة انّ هذا الفعل حرام، فتجابه حبّ المكانة العالية في الدنيا وحبّ النعيم المقيم في الاخرة. والاول يدعوه الى الباطل، والثاني يدعوه الى الحق. فتضطرب نفسه، ويخور عزمه ويتبلبل فكره، فيقعد يائساً منطوياً عن والديه متمرداً عليهما، مرتاباً فيهما. ليس له من زاد سوى اهمال ما عليه وطلب ماله، وعناد والديه والاستئساد على اخيه، ليبلّ ظمأه الى السيادة. فقالت امرأتي: نحن لم نقل لعلي انّ اخاه افضل منه. قلت لها: نعم لم نقل له ذلك، لكننا فعلناه، والفعل ابلغ من القول. فسألتني: كيف هذا؟ اجبتها قائلاً: بما صرّح لك به قبل قليل. قالت: واين كنا عن هذه المعرفة بربّك. قلت: في ظلمات الغفلة الدّاجية. القنـاعـة - 4 2006-01-02 00:00:00 2006-01-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/44 http://arabic.irib.ir/programs/item/44 لو وعى الانسان لأراح واستراح، فلو لا الغفلة لما بتّ تلك الليلة بعيداً عن اهلي لا اراهم ولا اسمعهم وانا بينهم لانشغالي بمناقصة علنية كان عليّ ان انهض فجراً، لاتمكّن من المشاركة فيها، فبيننا وبين المدينة التي ستجري فيها ما يزيد على اربع ساعات. ولماّ يئست من مرور النّوم بعينيّ نهضت الى الحمّام عسى ان يفثأ ما بي من توتّر. واذ خرجت منه وجدت امرأتي قد هبّت من نومها، واعدّت لي الفطور خير اعداد، وهيأت لي ملابس السفر، واستقبلتني استقبال الطّالع السّعيد، وحيّتني تحيّة ذهبت بما هدّني من الارق، وملأتني سرورا. وعندما جلسنا لتناول ما كتب الله لنا من الزّاد، قرأت ايات الحكمة الساطعة في اكرامها ايّاي ولطفها بي، فسألتها متودّداً اليها ان: كيف احلى الزّهر والورد؟ فمازج اشراقها العذب ظلّ ابتسامة ودود، وقالت: بخير لو لا قلقي من ارقك في مثل هذه الليلة التي لا تعود عليك الاّ بما يضنيك ويشقيك. فاجابتها ضاحكاً ان قد كان في طلب الرزق الحلال. فارسلت ضحكة كطبعها الوديع، وقالت: فديتك، أليس هذا النّعيم المقيم لك؟ قلت مبتهحاً: بلى والحمد لله. فقالت _ والابتسامة لا تفارق كلامها الحكيم _: لو حمدت الله ما ارقت هذا الليل الطّويل في الخيال. فابتسمت لها قائلاً: بل فيما هو واقع. قالت حازمة: الواقع هو ما انت فيه الان بلطف ربّك. فاجابتها جواباً حازماً ايضاً ان دعي هذا، وقولي: ما حمد الله عندك؟ فقالت: هو ان تقنع بما اتاك الله، وان... فقطعت عليها كلامها قائلاً: لكنّ الله _ تبارك وتعالى _ يأمرنا بالتيسير على العيال. فضحكت قائلة: التّيسير على العيال غير الطمع. فقلت لها: الاستكثار من الخير خير. فابتسمت ابتسامتها المشرقة، وقالت: لا يا سيدي لا يستكثر الخير بالطّمع ولا بالحرص، لانّه ليس ممّا تذهب لذّته، وتبقى حسرته. فقلت مبتسماً: أليس المال زينة الحياة الدنيا؟ فحيّت الابتسامة باحلى منها قائلة بعدما تأمّلتني قليلا: بلى، لكنّ زينة الزائل زائلة يا عزيزي. قلت: هذا حق لا ريب فيه. وقبل ان اتمّ كلامي قالت: السّعيد من لزم الحقّ على كلّ حال. قلت لها: فما السّعادة عندك. قالت بمنتهى اللطف والطّمأنينة: ان اعرف نعمة الله عليّ. فسألتها ان كيف نعرف نعمة الله _ تعالى _ علينا؟ قالت مبتسمة: هذا لا يحتاج الى بحث طويل، لانّه فينا في صميمنا، فحياتك نفسها اكبر نعمة فضلاً عمّا اتاك الله فيها من الوان النعم النّفيسة المجهولة على قربها منك وزهورها لك كالصّحة والامان والسّمع والبصر وسائر الحواسّ. وكلّ هذا رزق يتفاوت فيه الناس بتقدير الرّزاق العليم جلّ وعلا. قلت لها: قرّ بي لي هذا بمثل. فجدّدت ابتسامتها الرقيقة، وقالت: ها انذي بين يديك ما الذي دلّك عليّ انا الفقيرة الغريبة التي لا تربطني بك اصرة من معرفة ولا جوار، فاثرتني على بنات الاغنياء والاقرباء؟ وقبل ان اجيب عن سؤالها قالت: انّه الرزق الذي اسعدني بك، ومالي من امل الاّ ان اراك سعيداً وانا في ظلّك الذي افتديه بنفسي وما ملكت. قلت لها: لو لم يكن لي من استعادك ايّاي ولطفك بي غير الحديث العذب لصرفني عن كلّ شيء عداك. فوضعت كفّها على كفّي بحنان، وقالت متودّدة: فلم تريد ان تفارقني الان؟ فضحكت وقلت لها: لاوسّع عليك. فتنفّست نفساًَ عميقاً، وقالت: كلّ سعة في بعدك ضيق. ولمّت المائدة وهي تقول: ارجو لك حظّاً سعيدا في اهلك ومالك. فالتفتّ الى الحديقة، واذا بتباشير الصّباح تملأ الصدور والبيوت، وقد فرّ الموعد المقرّر لانطلاقي الى المناقصة العلنية التي ذكرتها لك، فرأيت ان ابقى عند هذا النّبع النوريّ الذي رزقنيه ربّ العالمين _ تبارك وتعالى _ انيساً لي ورحيماً بي يدلّني على الخير، ويذودني عن الشّرّ، ويذكّرني بنعم الله الواسعة عليّ كلما غفلت عنها. ومنذ ذلك اليوم لم اطلب رزقي في فراق اهلي، وما وجدته الاّ في ازدياد، فعرفت انّ البركة في سرورهم الذي يبعثه حضوري بينهم واطمئنانهم بسلامتي التي ما كانوا يقدّرونها بثمن وانا غير ملتفت لذلك. اللقـاء السعيـد - 3 2005-12-31 00:00:00 2005-12-31 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/7 http://arabic.irib.ir/programs/item/7 خطر له وهو يتسوّق المرّة الاخيرة من ذاك السوق صورة المرأة التي مازال يحلم باختيارها منذ قرّر أن يعود الى الوطن، فقد ان لمثله ان يكون له انيس يسكن اليه. وفي الصباح اليوم الذي عزم فيه على السّفر الى بلاده نهض مبكراً، فصلى الفجر، وسأل الله الغنيمة من كلّ برّ والنّجاة من كلّ اثم. ونهض الى عدّة سفره يرتبها وقد استبدّ به لون من الحزن على فراق البلد الذي عاش فيه زهاء عقد من الزمان اثيراً عزيزاً مكملاً دراسته الجامعية والعليا في رحابه مقدّماً على ابنائه بما اتاه الله من الجدّ والفطنة والاستقامة على الهدى. وترقرقت الدموع في عينيه عندما امتدّ به جناح الذكريات الى ايام الطفولة والصّبا في ظلّ والدين الكريمين ربّياه بغامر اللطف، وعامر الحبّ، ليكون مثال الكمال. وسمع طرقاً على الباب ظنّه جاره الطّيب الذي اعتاد زيارته كلّ صباح، لينطرا معا، لكنّه رأى زائراً ما كان ينطره هو استاذ الكيمياء المعروف بتقواه وحسن تفكّره في الامور. وعجب عبدالرحيم لهذه الزّيارة غير المنتظرة، واغتبط بها غاية الاغتباط. واعتذر الاستاذ الكبير من زيارته غير المناسبة بأنّه كان مضطراً اليها اضطراراً ليحمّل تلميذه العزيز امانة الى احد في بلاده. وسكت الاستاذ هنيهة، ثمّ انطلق قائلا: قبل نيّف وعشرين سنة جمعني الدرس هنا مع فتى نبيل مثلك في رحاب هذه الجامعة، فتحاببنا في الله، وأنس كل منّا بالاخر، ومضينا في تحقيق ما نصبو اليه من نجاح والسرور يحدونا على بلوغ ذراه، حتى ابتلى بداء عضال حرمني الاستمتاع به في هذا المسير، واجتهدت في تمريضه والاعتناء به من غير كلال ولا ملل. وعدته العيادة الاخيرة في المستشفى، فقال لي بلسان ثقيل وهو يشير الى ليس صغير: هيفاء. وما نطق بعد هنا الاسم بشيء، وسألته أتريد أن اوصل هذا الكيس اليها؟ فهزّ رأسه، وابتسم، ثمّ أغمض عينيه عن هذا العالم، ومضى الى ربه مسروراً بخروجه من هذه الدنيا غريباً في طلب العلم، مجيداً له، متجلياً فيه. ورفع الاستاذ يده الى خدّه، ومسح دمعة تحدّرت عليه، وتأثّر عبدالرحيم بما سمع، وقال: لله انت! ما اطول احتفاظك بهذا الكيس فقال الاستاذ: قد كان ذلك على الرّغم منّّي، اذ لم يتيسّر لي السّفر الى بلادكم، ولا وجدت من اثق به في اداء الامانة غيرك. واحسّ عبدالرحيم بثقل الامانة حقاً، وقال لنفسه: من هيفاء هذه؟ أو استطيع العثور عليها في هذه البلاد المترامية؟ كيف اودّي اليها امانتها؟ وقرأ الاستاذ التّردد في وجه عبدالرّحيم، فقال له: بالله عليك لا تردّني بغير السرور، خذ هذه الامانة منّي، ولا تخيّب رجائي في ادائها الى اهلها وأنا في اخر العمر. وشعر عبدالرحيم بالعطف على هذا الرجل النبيل، وقال له حبّاً وكرامة يا استاذ، أسأل الله ان اكون عند حسن الظن، وان كنت لا ادري كيف سأجد هيفاء هذه. فقال الاستاذ: حسبك الجدّ في السؤال عنها والتأتي لمعرفة مكانها، وعقيدتها " لا يكلف الله نفساً الاّ وسعها ". وناول عبدالرحيم كيساً ابيض مختوماً عليه بما عرفه الناس من ختم المصارف، وهو يقول: خذ،هذه هي الامانة التي ادعو الله _ تعالى _ ان يوفقك لأدائها . وغلب الطبع عبدالرحيم، فسأل عمّا في الكيس، فأجابه الاستاذ بقول حكيم: يعنينا ايصاله الى اهله، لا معرفة ما فيه يا عزيزي. وقام مستأذناً ومظهره ينمّ عن ارتياح من ازاح عن كاهله عبئأً ثقيلاً، وودعه عبدالرحيم معتزّاً بثقته العالية به، وراها خطوةً يسيرةً في العمل بالعلم الذي اغترب في تحصيله، فشكرالله على هذه النعمة العظيمة، وسأله المزيد فيها. ومرّت الايام والاسابيع وعبدالرحيم اسير السؤال عن اسرة حبيب الحسنيّ، حتى عثر على تاجر أخبره انّ هذه الاسرة الكريمة قد نزل بها البلاء، ولم يبق منها الاّ فتاة اسمها هيفاء سار عفافها مثلا، لكنّه لا يعرف عن حالها شيئاً منذ عهد طويل. وسافر عبدالرحيم الى مدينة حبيب الحسنيّ يسأل عن اخيه، فقيل له: لا احد يعلم عن حالها ما عدا انّ الحكومة دائبة في البحث عنها مذ قتل اخوها الذي كان مثال الفتوة في مواجهة الشرطة التي هبّت لفضّ مجالس العزا الحسينيّ قبل عامين. فاضطرب عبدالرحيم، وقال: لكنّ المرأة التي اعني لها اخ واحد فيما اعلم هو حبيب وقد اعتبطه الموت في الخارج مأسوفاً عليه. فأجيب بأنّ هذا صحيح، وانّ امّها التي كانت فخر النساء في كلّ خير قد توفيت ساعة ولادتها، فأرضعتها جارة طيبة لهم مع ولدها لا تميّزها منه في شيء من الرّعاية أمّا هيفاء، فما من احد يعلم اين صار بها الزمان. واغتمّ عبدالرحيم غمّاً شديداً، لكنّه بقي يتردّد في احياء تلك المدينة ناشداً ضالته بلا يأس منها، حتى فجئ ضحى يوم لطيف الهواء بمناد يهتف باسمه، فالتفت، فاذا هو بعجوز وقور تتأقله من فرجة باب صغيرة، فانقلب اليها مسروراً مستبشراً بندائها ايّاه، وأخبرها بما حمله على تذوق الاذى في البحث عن امرأة لا يعرفها ولا تعرفه. فدعته العجوز ان يستريح في منزلها قليلاً عسى ان يهتدي بعدئذ الى غايته. فهجس في قلبه أنّه اقترب ممّا يريد، فشكرها ودخل، فاستقبله شيخ بهيّ الطّلعة بشوش ودود، ورحّب به اجمل ترحيب. واذاستقرّ به المقام طلعت عليه فتاة كأنها كلّ ما خلق الله من الكمال، فحيّته ورحّبت به، وجلست بازائه جلوس السّكينة في قلوب الاولياء. وأعلمه الشيخان انّ هذه الفتاة ابنتهما الوحيدة، وأنها كلّ شيء في حياتهما. فدعا الله _ سبحانه _ أن يحفظ بعضهم على بعض، ثمّ سألهم عن اسرة الحسنيّ التي يبحث عنها. فقال: الشيخ متحسّراً: كنّا نفخر بجوارهم الكريم، حتّى اختارهم الله لجواره الرّحيم عزيزاً عزيزا، ولم يبق منهم سوى فتاة شعارها الطّهر، ودثارها العفاف. وسأل عبدالرّحيم: كيف الوصول اليها بربّكم؟ قال الشيخ: ولم ذلك؟ اجاب عبدالرّحيم: لاسلّمها أمانة جئت بها من أخيها حبيب، وها هي ذي. ولمّا رأت العجوز الكيس سألت: ما هذا؟ وما فيه؟ وأقسم عبدالرحيم انّه شغل بايصاله عن معرفة ما فيه. فقال الشيخ: فهذه طلبتك بارك الله لك فيها. وصبّت هيفاء الكيس، فانصبّ منه عقد وخاتم وأساور ذهبا، فقالت له: خذ من هذا الذهب ما شئت. ومرّت في ذهنه صورة المرأة التي خطرت له في البلد الذي تخرّج فيه، وجاء منه بهذا الذهب، فجمع حزمه كلّه، وقال لها مبتسماً: المؤمن اغلى من كلّ جوهر. وأدركت مرماه، وقالت على استحياء: أجل اذا لم يشغله عن ذكر الله. فابتسم بأدب جمّ وقال: وذاك هو السعيد. وصدّقهما الشيخان الصالحان داعيين لهما بالرّفاء والبنين. وعاشا عيشة طيبة، لكن خارج الوطن الذي ارادا اخدمته، فحرما كلّ شيء منها الاّ الشّوق المضطرم اليه. اللقيــا - 2 2005-12-31 00:00:00 2005-12-31 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6 http://arabic.irib.ir/programs/item/6 ضمنا سمر سامر في ليلة قمراء من ليالي الصيف الهانئة وافاض كل مناّ بما حضره من لطيف الامتاع وطريف الابداع ونحن نقطف ما طاب من لذيذ الحكمة وبديع العبرة. وعجبنا من استغراق صديقنا الطبيب المحبوب خلقاً وخلقاً في تأمّل ندر ان رأيناه منه في مثل هذه الساعات، حتى اذا استفذناه من كفّ الغرق في خضمّ الفمر العميق، تنهدّ قائلاً: اعتذر اليكم من النأي عنكم طوال هذا الانس، فقد شغلني عنكم طبيب ظريف يحبّكم وتحبّونه اذ توفي ابوه يوم ولادته في مستشفى الامومة، فسمّي مباركاً استجلاباً لخيره ودرءاً لشرّه. وغضبت الاسرة عليه وعلى امّه، وابغضتهما تطيّراً بهما، وتنزّلت عليهما النّقمة، وانثال اللعن على امّه المسكينة، فقد سبق ان مات عمّه فجأةً ليلة زفافها، وتأكّد شؤمهابموت ابيه عبطة. ولم يشفع لها انّ الموت والحياة بيد رب عزيز حكيم وانّ كل شيء بقضائه وقدره، فعادت الى بيت ابيها صاغرة حزينة، فاستقبلها عابساً متجهّما، وجرّعها كأس التذمّر منها والتّبرم بها وحملها على الزواج ثانية فور انتهاء العدّة. ولم تجد بداّ من النزول على رغبتهم في ذاك الزّواج البغيض طلباً للنّجاة من براثن القمع والهوان. واشترطت اسرة الزوج الجديد عليها التّخلي عن وليدها الرّضيع، فاستردّته جدّته لابيه وكانت وثيقة الصّلة بامّه عطوفاً عليها. وهكذا كان، فقد عاد الرّضيع الى جدّته ساعة زفاف امّه الى بيتها الجديد دامعة الطّرف مهيضة الجناح لم يزل الحزن يعتصر قلبها الباكي عاماً في كنف رجل سعى الى اسعادها ومحو ما مسّها من شقاء وعذاب. فسجّلت له عرفان ذلك بابتسامة رحيمة وطاعة كريمة لم تنطفئا، حتى فاضت الى بارئها _ سبحانه _ في نفسها بريحانة ملات داره طيباً من ذكرى امّها، العزيزة على كلّ من عرفها. ولئن فازت هذه ريحانة باب ودود عوّضها من حنان امّها، فان اخاها لامّها اليتيم الذي حرم امّه في المهد صبياّ قد فاز بجدّة رءوم انتقلت به الى مدينة اخرى رعته فيها رعاية جعلته قدوة المجتهدين في المدرسة، ونبراس البارعين في الجامعة، حتى تخرّج فيها طبيباً حاذقاً اجتذب الناس اليه بعلمه، واستدام ودّهم بحلمه، فسطع اسمه عنواناً لكلً فضيلة. وعملت معه طبيبة اعجبه كمالها وجمالها وبراعتها في مهنتها، فراح يتأمّل سيرتها وهي تعمل بهدايته مستضيئة بخبرته، فأخذه منها استماعها له واكرامها ايّاه، وخطر له ان يخطبها على نفسه اعتزازاً بادبها الجمّ وعلمها الثر، لكنه كلّما حاول ذلك، دفعه شعور غريب لا يستطيع تفسيره. ومن الغريب انّها حين استجابت له فيها دعاها اليه من الخير حدّثته بشعور غريب ينازعها في قبول ما دعيت اليه، فاغضى عنها قليلاً، وخاض في حديث اخر. وذهب هو وجدّته الحكيمة الرّءوم الى اسرة تلك الطبيبة يسبقهما ابتهاج جدّته مرفرفاً على كلّ ما اجتازا من معالم الطّريق التي رأتها تشاركها الاحتفاء بهذه السّعادة المتوهّجة بين جنبات قلبها الكبير في اخر العمر. واستقبلا استقبالاً لم يتذوّقا حرارته ولا حلاوته من قبل، فقد كانت الطبيبة غاية ما يرومان من كلّ شيء. وانست المرأتان احداهما بالاخرى انساً انساهما ضرورة الاقتصاد في التالف المبكّر. وبعد ساعة نوديت الخطب من داخل الدّار، وحصلت هينمة لطيفة فيه انتهت بدخول رجل بشوش وقور على الخاطبين يصحبه صوت الطبيبة المهذّب مفيداً انّه ابوها. وبينما تصافح الاب والخاطب اليه واعتنقا وقفت الجدّه تحدّقه مبهوتةً بهتاً ملأ العيون عجباً، ولماّ فرغ للسّلام عليها انقطع حائراً ايضا، وثبت نظر احدهما في نظر الاخر من غير كلام، ثمّ حياها اطيب تحية، وسلّم عليها بالامومة، وحيّته باسمه، وخاطبته بالبنوّة، وامتزج ضحكهما ببكائهما وهما يلعنان الظلم والعدوان، والطّبيبان ينظران مشدوهين لا يدركان ما يجري بحضرتهما. وسألت الجدّة الاب ان يحدّث بأندر ما اتّفق له، فطلب اليها ان تتولّى هي ذلك عنه. فقالت لحفيدها: هذا ابني ارضعته مع ابيك عامين، فنشأ اخوين حقاً ما عاش ابوك. وتزوّج امّك الطيبة بامري لاخراجها من سوء اعمامك واخوالك المتشائمين بها وبك، ولتربيتك على عينه وفاءً لابيك، فابت اسرته عليه ان يستقبلك، فبقيت امّك وارية الحسرة في ظلّه الكريم برغم ما حظيت به لديه من مودّة ورحمة. وعندما رزقا هذه الحبيبة الحسناء لم تسعد بها مثلما لم تسعد بك، فقد ماتت في نفاسها وبقيت ذكراها عاقبة لتجمعنا هذا الجمع الحبيب، فرحمها الله في الدّارين. وكان الطبيبان يتسارقان النظر بعضهما الى بعض دهشين طوال الحديث، وفي نهاية نهض الاخ الى اخته المبحرة في دموع الفرح والحزن، فلثم جبينها، ولثمث عينيه، واخذت يده فقبلتها ووضعتها على رأسها وهي تميله الى صدره الذي وجدت فيه ريح امّها التي طالما سمعت بما نزل بساحتها من الاذى. وما كان في الدنيا اسعد من تلك الاسرة في تلك السّاعة التي سرح بي الخيال اليها من حيث ادري ولا ادري، وشغلني عن انس افتديه بنفسي. فمدّ كل مناّ يده الى طرفه متحسّراً وهو يقول: أ هذا انت يا فتى وكل هذا الظّرف لك؟ الـمـتـهـوّر - 1 2005-12-31 00:00:00 2005-12-31 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5 http://arabic.irib.ir/programs/item/5 عرفته يوم شرطت عليّ صاحبة المنزل ايجاري اياّه الاّ يخد مني غيره بذريعة انه خدم الاسرة سنين عددا، وانّها لا تثق بغيره. فقبلت ذلك الشّرط برغم غرابته، وانعقد بيني وبين ذلك الخادم تالف حمله على الاخلاص لي، وحملني على اكرامه، فقد كان لطيفاً ودوداً وقوراً في حركاته وسكناته. وشغلني النّظر في القضايا الاجرام المستشري في المنطقة عن العودة الى مأواي قبل المساء في الاغلب، حتى حلّ ما عليّ للمرأة من اجر سلمتها اياه يوم الجمعة، واقبلت على ما لديّ من معضلات القضايا أتامّل سبل الخروج من ظلماتها الدامسة. وبعد ساعة او زهائها سمعت سرخات مكبوتة تلاها بكاء خفيض حار المني اشدّ الالم، واتّفق ان نهضت الى النافذة المقابلة لنافذة السيدة المالكة، فرأيت الخادمة الامين يفديها بامّه وابيه وفصيلته التي تؤويه. واذ سألته عماّ سمعت انكره عليّ مستغربا رؤيتي ايّاه يواسيها، واخذ يروي مناقب سيدته واسرتها العريقة عابثاً بمسبحة ثمينة في يده. ولمّا رأيته يضرب في واد غير الذي انا فيه اغضيت عنه، فخرج يدعو نور السماوات والارض ان يحفظ مولاته من كل سوء. وخرجت عصر ذلك اليوم اسريّ عن نفسي في مقهيّ قريب، فاذا به قد انكفأ على رجل فج دميم يقصّ عليهم بذئ القصص، وكلما ضحكوا منه يعثر المال فيما يأكلون وما يشربون، وهتف فيهم ان كلوا واشربوا كراماً هانئين،، ثمّ راني فرحّب بي، وتعرّف اليّ متلعثماً مضطرباً، فاحسست انّ ما بذّره هو الايجار الذي سلّمته الى امرأته العاثرة الحظ صباحا، فتركته وخرجت متنفراً من قبيح فعله، متفكّراً في علاجه. ومضى اسبوعان غرقت فيهما في خضمّ الدّعاوى التي بين يدي، ونسيت تلك الحادثة التي هزّتني صباح تلك الجمعة ومساءها، حتى طلب اليّ الخادم ان انقده راتبه، فاجبته الى ما طلب، وانقلب الى سيدته مسرورا. وبعد قليل سمعت الصراخ الملبوت والبكاء الحارّ، ورأيت الخادم يهوّن على المسكينة ما نزل بها من البلاء، وتبيّن لي انّ ذلك ال الجاني يضربها اول الشّهر ومنتصفه، اي عند وصول الاجر وراتب الخادم. وعلمت ايضاً ان خادمها يقاسمها طعامه، فلا يشبعها ولا يشبعه بدلالة ذبولها المطردوا ونحولها المستمر، وتناول زوجها ما لذّ وطاب من الطّعام وتبذيره ما لهما في الضاحكين منه هنا وهناك. واذ حلّ الشتاء ببرده القارس، وشكا الناس قسوة الزّمهرير، سألني الخادم الطيّب سترة تقيه صبارة القرّ، فاعطيته ما اراد، وسرعان ما رأيت السترة على المالكة البائسة، ثم رأيتها على كتف زوجها البغيض، فساورتني رغبة في تأديبه، لكنّني خشيت الاساءة الى المسكينة المبتلاة به، فكبحت غضبي عليه الى ان فجأني يوماً بقوله: لقد بعت البيت بشرط بقائك فيه مستأجرا، فلا تبتئس، وغداً يأتي المشتري لرؤيته، فاسمح له بدخوله. وفي يوم اللاحق رأيت الشيخ النبيل دامع الطّرف مرتعش الجسم من رأسه الى قدمه، ويده تعبث بمشبحته الثمينة عبث الحائر المضطرب، ولا يزيده دورانه في البيت الاّ ذهولا، فاذا انتبه عليّ احبّ ان يفضي اليّ بامر، ثم احجم، فقلت له مباغتاً: يبدو انّ بيع البيت ازعجك كثيرا. قال متعجباً: او تعلم به؟ قلت: نعم اخبرني الوغد اللعين به امس. فانفجر الرجل باكياً، وقال: لقد تزوّج سيدتي بعد موت والديها، فارغمها على بيع ما لديها شيئاً فشيئاً، وانفقه في ملذّاته التافهة، ولك يتق الله فيها، فقد ضربها واهانها وحرمها حتى الضرورات، فمرضت لشدّة الجوع والقهر، وبقيت اناولها راتبي سنوات عجافاً، فيأخذه منها يأكل به اطيب الزّاد، ويبدّد الباقي ادّعاء بالكرم الى ان انزل بنا الطّامة الكبرى، فقد باع البيت صباح اليوم، وتسلّم الثمن كاملاً، وما اعطى صاحبته دينارا منه. قلت: وبم تعيش اذا كان البيت اخر ما لديها؟ واجابني والدّمع ينهمر من عينيه بانّ النذل يقول لها: مازلت ذات شباب وجمال، وكلاهما مدعاة غني وثروة لا تبور، لكنّ سيدتي تموت ولاتأكل بثدييها. ونظر اليّ نظرة بعثت الرجفة في اوصاني، ثم استدار وخرج مسرعاً. ودهشت لغياب الزّوج الخاسر عن المقهى وفي جيبه مئات الدنانير، وقال المنتفعون به: ربما شغلته شهرة في مكان اخر. وعدت الى منزلي عشاء، وقبل ان اخلع لباسي دخل عليّ ضابط الشرطة يرجو ان اصحبه للتحقيق في قتل ارتكب وسط المدينة، فأسرعنا الى هناك، فوجدت الزّوج الغيض محطّم الرأس غريقاً بالدّماء، واستغفلت الضابط، واستللت مسبحة ثمينة مدماّة قرب القتيل، ودسستها في جيبي، وسألت الضابط: او امسكتم بالقاتل؟ قال: لا، لكنّ دافع الجريمة السرقة، فجيوب القتيل خالية، وكان يحمل مبلغاً كبيراً من المال، ولا دليل لدينا على احد. وعدت الى منزلي عند الفجر، فاذا بالخادم يخفي حفنة من الدنانير في جيبه، فلماّ حييته فزع مرتبكاً، وقال: لقد افزعتني يا سيدي. فتأمّلته وقد خفض رأسه، وقلت: لا بأس عليك ايّها الشّهم الغيور. ومددت يدي اليه بالمسبحة قائلاً: ارجو ان تقبل هذه الهدية عرفاناً باحسانك للناس جميعا. فمدّ يده خجلاً وقد استقرّت عيناه في عينيّ تستنطقهما عن حقيقة ما قلت، ثمّ انخفضتا مطمئنّتين.