اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | ما رأيت الا جميلا http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb عبدالله بن عفيف الأزدي وجمالية الإباء والشجاعة والجهر بكلمة الحق في وجة السلطان الجائر - 18 2015-01-26 10:09:52 2015-01-26 10:09:52 http://arabic.irib.ir/programs/item/11958 http://arabic.irib.ir/programs/item/11958 السلام عليكم مستمعينا الأكارم ورحمة الله وبركاته.. وأهلاً بكم في حلقة جديدة من هذا البرنامج هي الثامنة عشر. أيها الأفاضل، نتأمل معاً في لقاء اليوم بجماليات من الإباء الحسيني والشجاعة الحيدرية تجلت في موقف مجاهد محمدي عريق التحق في اليوم الثاني عشر من شهر محرم الحرام سنة إحدى وستين بالحسين وأنصاره – عليه وعليهم السلام -؛ التحق بهم ثلاثة أيام من إستشهادهم يوم عاشوراء ليصير من سادة الشهداء الذين جهروا بكلمة الحق بوجه السلطان الجائر، إنه العبد الصالح عبدالله بن عفيف الأزدي.. وقد استشهد – رضوان الله عليه – في اليوم نفسه الذي واجهت فيه الصديقة الطاهرة زينب الكبرى – سلام الله عليها – الطاغية ابن زياد بمقولتها العرفانية الخالدة: ما رأيت إلا جميلا. أيها الأكارم.. روى المؤرخون أن الطاغية عبيدالله بن زياد وبعدما أدخلت عليه أسارى العيالات النبوية وسمع من الصديقة زينب الكبرى والإمام زين العابدين – صلوات الله عليهما – ما حوّل شماتته غصة، إمتلأ غيضاً فأمر بإنزال في دار قرب المسجد الأعظم في الكوفة ثم صعد المنبر لكي ينفس غيضه بكيل الشتائم لأهل البيت النبوي – عليه السلام – قال السيد ابن طاووس في كتاب (اللهوف): (ثم إن ابن زياد لعنه الله صعد المنبر وقال في بعض كلامه: الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله ونصر أميرالمؤمنين يزيد وأشياعه، وقتل الكذاب إبن الكذاب!!! فما زاد على هذا الكلام شيئاً، حتى قام إليه عبدالله بن عفيف الأزدي – وكان من خيار الشيعة وزهادها، وكانت عينه اليسرى قد ذهبت يوم الجمل والأخرى يوم صفين، وكان يلازم المسجد الأعظم فيصلي فيه الى الليل – فقال: يا ابن مرجانة، إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك، ومن استعملك وأبوه، يا عدو الله، أتقتلون أولاد النبيين وتتكلمون بهذا الكلام على منابر المسلمين، قال الراوي: فغضب ابن زياد وقال: من هذا المتكلم؟ فقال: أنا المتكلم يا عدو الله، أتقتل الذرية الطاهرة التي قد أذهب الله عنها الرجس، وتزعم أنك على دين الإسلام؟ وا غوثاه، أين أولاد المهاجرين والأنصار ينتقمون منك ومن طاغيتك اللعين ابن اللعين على لسان محمد رسول رب العالمين؟ قال الراوي: فازداد غضب ابن زياد لعنه الله، حتى انتفخت أوداجه، وقال: علي به، فتبادرت الجلاوزة، من كل ناحية ليأخذوه، فقامت الأشراف من الأزد من بني عمه، فخلصوه من أيدي الجلاوزة وأخرجوه من باب المسجد وانطلقوا به الى منزله. مستمعينا الأفاضل، كانت كلمة عبدالله بن عفيف الأزدي هذا المجاهد العلوي الحسيني الغيور من أوضح مصاديق الجهر بكلمة الحق في وجه السلطان الجائر.. والذي يستشهد على طريق الجهر بها هو من سادة الشهداء كما ينص على ذلك الحديث النبوي الشهير حيث قال الصادق الأمين – صلى الله عليه وآله - : "سيد الشهداء حمزة ورجل قال كلمة الحق بوجه سلطان جائر". ويزيد من جمالية موقف عبدالله بن عفيف أنه جهر بكلمة الحق بوجه طاغية بلغ الذروة في البطش اللئيم والإرهاب الغادر فجاءت في أجواء ملئت بالإستسلام والخنوع.. كما أن مما يزيد من جمالية تلك الكلمة أنها جاءت غيرة على أقدس المقدسات وحرمات خير المرسلين وسيد النبيين – صلى الله عليه وآله -؛ وتستمر جماليات موقف هذا العبد المحمدي الصالح وهو يظهر شجاعة فريدة في مقاتلة البغاة الجفاة وهو وحيد فريد يبصر بعين إبنته الوفية.. فلا يقدرون عليه إلا بالمكر والغدر، جاء في تتمة رواية السيد ابن طاووس: فقال ابن زياد: إذهبوا الى هذا الأعمى – أعمى الأزد – فآتوني به.. فانطلقوا إليه، فلما بلغ ذلك الأزد اجتمعوا واجتمعت معهم قبائل اليمن ليمنعوا صاحبهم. وبلغ ذلك ابن زياد، فجمع قبائل مضر وضمهم الى محمد بن الأشعث وأمرهم بقتال القوم. قال الراوي: فاقتتلوا قتالا شديدا، حتى قتل بينهم جماعة من العرب. قال: ووصل أصحاب ابن زياد لعنه الله الى دار عبدالله بن عفيف، فكسروا الباب واقتحموا عليه. فصاحت إبنته: أتاك القوم من حيث تحذر. فقال: لا عليك، ناوليني سيفي، فناولته إياه، فجعل يذب عن نفسه ويقول: انا ابن ذي الفضل عفيف الطاهرعفيف شيخي وابن أم عامر كم دارع من جمعكم وحاسروبطل جدلته مغاوري قال الراوي: وجعلت إبنته تقول: يا أبت ليتني كنت رجلاً أخاصم بين يديك هؤلاء القوم الفجرة، قاتلي العترة البررة. وجعل القوم يدورون عليه من كل جهة، وهو يذب عن نفسه وليس يقدر عليه أحد، وكلما جاؤوه من جهة قالت: يا أبت جاؤوك من جهة كذا، حتى تكاثروا عليه وأحاطوا به. فقالت إبنته: وا ذلاه يحاط بأبي وليس له ناصر يستعين. فجعل يدير سيفه ويقول: أقسم لو يفسح لي عن بصريضاق عليكم موردي ومصدري قال الراوي: فما زالوا به حتى أخذوه، ثم حمل فأدخل على ابن زياد. ونلتقي أيها الإخوة والأخوات في خاتمة هذه الرواية بجمالية الإباء لإذلال الطواغيت وجمالية محاججتهم المبهتة تتجلى في موقف عبدالله بن عفيف الأزدي وهو تلميذ المدرسة المحمدية العلوية الحسينية.. لنتأمل معاً في خاتمة الرواية: قال الراوي: فما زالوا به حتى أخذوه، ثم حمل فأدخل على ابن زياد. فلما رآه قال: الحمد لله الذي أخزاك.. فقال له عبدالله بن عفيف: يا عدو الله، بماذا أخزاني الله؟ والله لو يفسح لي عن بصري ضاق عليكم موردي ومصدري فقال له ابن زياد: ماذا تقول يا عبدالله في أميرالمؤمنين عثمان بن عفان؟ فقال: يا عبد بني علاج، يا ابن مرجانة، ما أنت وعثمان بن عفان أساء أم أحسن، وأصلح أم أفسد، والله تعالى ولي خلقه يقضي بينهم وبين عثمان بالعدل والحق، ولكن سلني عنك وعن أبيك وعن يزيد وأبيه. فقال ابن زياد: والله لا سألتك عن شيء أو تذوق الموت غصة بعد غصة. فقال عبدالله بن عفيف: الحمد لله رب العالمين، أما إني قد كنت أسأل الله ربي أن يرزقني الشهادة من قبل أن تلدك أمك، وسألت الله أن يجعل ذلك على يدي ألعن خلقه وأبغضهم إليه، فلما كف بصري يئست من الشهادة، والآن فالحمد لله الذي رزقنيها بعد اليأس منها، وعرفني الإجابة بمنه في قديم دعائي. فقال ابن زياد: اضربوا عنقه فضربت عنقه وصلب في السبخة، وهكذا التحق عبدالله بن عفيف الأزدي – رضوان الله عليه – بشهداء كربلاء وصار من سادة الشهداء كريماً على سيدهم المطلق من الأولين والآخرين أبي عبدالله الحسين – صلوات الله عليه -. أجمل الشكر نقدمه لكم مستمعينا الأطائب على جميل متابعتكم لحلقة اليوم من برنامجكم (ما رأيت إلا جميلا) إستمعتم له من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، دمتم في مرضاة الله غانمين والحمد لله رب العالمين. جمالية الصدق النصح والمواساة والحب الحسيني في عابس الشاكري - 17 2015-01-25 09:48:53 2015-01-25 09:48:53 http://arabic.irib.ir/programs/item/11957 http://arabic.irib.ir/programs/item/11957 السلام عليكم أيها الإخوة والأخوات ورحمة من الله وبركات.. أهلاً بكم في حلقة جديدة من هذا البرنامج نستجلي فيها صوراً أخرى من الجماليات التي زخرت بها الملحمة الحسينية.. وهي الملحمة المعطاء التي لم ير فيها إلا كل جميل في مواقف أصحابها وفي جميل صنع الله بهم – صلوات الله عليهم -. وهذا ما شهدت إبنة أمير العرفاء ومولاهم الإمام علي – عليه السلام – مولاتنا الصديقة الطاهرة زينب الكبرى وهي تخاطب الطاغية إبن زياد وقد أدخلوها عليه مع الأسارى المحمديين، فأبدى شماتة بقتل الحسين وصحبه – سلام الله عليه وعليهم – وقال لها: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيته فأجابته: ما رأيت إلا جميلا.. مستمعينا الأفاضل، في لقاء نتوقف دقائق عند تجليات جمالية النصح الصادق للسفير الحسيني المولى الغريب، مسلم بن عقيل – سلام الله عليه -، وتجليات صدق المواساة للحسين ونصرته – عليه السلام -، وجماليات إحترام رأي الأرقاء الذين لم تكن تحترم آراؤهم، وجماليات صدق الحب الحسيني الذي دفع المحب الى ينزع درعه ولامة حربه التي تقيه غدر الأعداء، لعله مواساة لمولاه وحبيبه الحسين – صلوات الله عليه – الذي داست الخيول صدره ومزقت السهام قلبه.. كل هذه الجماليات وغيرها تجلت في العبد الحسيني الصالح عابس بن شبيب الشاكري.. نتأمل أولاً في جمالية النصح الصادق وصدق الإستعداد للتضحية، جاء في كتاب مقتل الحسين لأبي مخنف: (أقبل مسلم حتى دخل الكوفة فنزل دار المختار بن أبي عبيدة وأقبلت الشيعة تختلف إليه، فلما اجتمعت إليه جماعة منهم قرأ عليهم كتاب حسين فأخذوا يبكون، فقام عابس بن أبي شبيب الشاكري فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإني لا أخبرك عن الناس، ولا أعلم ما في أنفسهم، وما أغرك منهم، والله أحدثك عما أنا موطن نفسي عليه، والله لأجبينكم إذا دعوتم، ولأقاتلن معكم عدوكم ولأضربن بسيفي دونكم حتى ألقى الله، لا أريد بذلك إلا ما عند الله. فقام حبيب بن مظاهر فقال: رحمك الله قد قضيت ما في نفسك بواجز من قولك، ثم قال: وأنا والله الذي لا إله إلا هو على مثل ما هذا عليه). ومن جمالية هذا النصح الصادق الذي أبداه العبد الحسيني الصالح عابس الشاكري لسفير الحسين – صلوات الله عليه – المولى الغريب مسلم بن عقيل – سلام الله عليه – ننقلكم أعزاءنا المستمعين الى جماليات أخرى جلاها هذا العبد الصالح في يوم عاشوراء، منها جمالية عظيم إحترامه للغلام شوذب وهو من الأرقاء الذين لم يكن يقام لآرائهم وزناً، إحترام تجلى أولاً في احترامه لحريته في قرار نصرة سيد الشهداء واستمر في مخاطبته كأخ يراه بروحه الحسينية المحمدية أقرب الخلق إليه.. ومنها جمالية طريقة شهادته، وهو يندفع إليها بحب الحسين – صلوات الله عليه – جاء في كتاب مقتل الحسين لأبي مخنف وغيره: (جاء عابس بن أبي شبيب الشاكري ومعه شوذب مولى شاكر، فقال يا شوذب ما في نفسك أن تصنع؟ قال: ما أصنع أقاتل معك دون ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله حتى أقتل، قال: ذلك الظن بك فتقدم بين يدي أبي عبدالله حتى يحتسبك كما احتسب غيرك من أصحابه، وحتى أحتسبك أنا، فإنه لو كان معي الساعة أحد، أنا أولى به مني بك لسرني أن يتقدم بين يدي حتى أحتسبه، فإن هذا يوم ينبغي لنا أن نطلب الأجر فيه بكل ما قدرنا عليه، فإنه لا عمل بعد اليوم وإنما هو الحساب. قال الراوي فتقدم شوذب فسلم على الحسين، ثم مضى فقاتل حتى قتل – رضوان الله عليه – ثم تقدم عابس بن أبي شبيب نحو الحسين – عليه السلام – وقال: يا أباعبدالله أما والله ما أمسى على ظهر الأرض قريب ولا بعيد أعز علي ولا أحب إلي منك، ولو قدرت على أن أدفع عنك الضيم والقتل بشيء أعز علي من نفسي ودمي لفعلته، السلام عليك يا أباعبدالله أشهد الله أني على هديك وهدي أبيك. قال الراوي: ثم مشى – رضوان الله عليه – بالسيف مصلتاً نحو عسكر الأمويين وبه ضربة على جبينه. قال أبو مخنف – حدثني نمير بن وعلة عن رجل من بني عبد من همدان يقال له ربيع بن تميم شهد ذلك اليوم قال: لما رأيته مقبلاً عرفته وقد شاهدته في المغازي وكان أشجع الناس، فقلت: أيها الناس هذا أسد الأسود، هذا ابن أبي شبيب لا يخرجن إليه أحد منكم، فأخذ ينادي الأرجل الرجل، فقال عمر بن سعد: أرضخوه بالحجارة، قال: فرمى بالحجارة من كل جانب، فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغفره، ثم شد على الناس فو الله لرأيته يكرد أكثر من مأتين من الناس، ثم أنهم تعطفوا عليه من كل جانب فقتل. قال: فرأيت رأسه في أيدي رجال ذوي عدة هذا يقول: أنا قتلته، وهذا يقول: أنا قتلته فاتوا عمر بن سعد فقال: لا تختصموا هذا لم يقتله سنان واحد ففرق بينهم بهذا القول. أيها الإخوة والأخوات، وينقل أنه لما ألقى عابس بن شبيب درعه ومغرفه اللذين يحميان صدر المقاتل ورأسه؛ إستغرب فعله من حوله من عساكر البغي الأموي، وقال له بعض من حضر: ويحك يا عابس، هل جننت لتخلع عنك درعك ومغرفك؟! فأجابهم قائلاً: حب الحسين أجنني.. وقد اهتم أدباء الملحمة الحسينية بتخليد هذا الموقف الفدائي الجميل في أشعارهم نختار منها المقطع التالي من قصيدة طويلة أنشأها في مدح أنصار الحسين – عليه السلام – الأديب الولائي العالم آية الله السيد محمد جمال الهاشمي حيث قال – رضوان الله عليه – كما في كتاب مستدركات أعيان الشيعة للسيد حسن الأمين: وانظروا عابسا وقد هاجمالجيش ففرت أمامه الأكفاءفهو ليث والحرب غاب وأبطال الوغى حينما يهاجم شاءفلذا عنه أحجمت فرق الجيشوطاشت غاراته الشعواءوقف القرم ينزع الدرع كيترجع شوقا لقتله الأعداءوهنا صاح فيه من عسكر القوم جبان، هاجت به السوداءعابس جن، قال: حب الحسينمنه جنت أنصاره الأوفياءفاتته السيوف تخمد نورا لم يزل وهو لاهب لآلاءشهداء عاشوا مع الخلد، كيتنشر منها الظلال والأنداءتتهادى الأحرار في طرق قدرف منهم على الحياة اللواءفعليهم تحية الروح، تندىمن شعور يفيض منه الولاء وبهذا نصل مستمعينا الأكارم الى ختام حلقة أخرى من برنامجكم (ما رأيت إلا جميلا) إستمعتم لها من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران.. لكم منا أجمل الشكر على جميل الإصغاء والمتابعة والى حلقة مقبلة بإذن الله.. دمتم في رعاية الله غانمين والحمد لله رب العالمين. تفاني الأنصار في الحب القدسي - 16 2015-01-24 12:35:04 2015-01-24 12:35:04 http://arabic.irib.ir/programs/item/11956 http://arabic.irib.ir/programs/item/11956 السلام عليكم مستمعينا الأكارم ورحمة الله وبركاته.. معكم في الحلقة السادسة عشر من هذا البرنامج.. نستعين فيها بأنوار العين الزينبية لإستكشاف مشاهد أخرى من الجماليات الفريدة التي جلاها للعالمين أبطال الملحمة العاشورائية الخالدة.. في هذا اللقاء نلتقي بثلاث مشاهد عبر فيها حسينيوها عن أزكى صور التفاني في الوفاء والحب لمن جعل الله حبه لمحبه كما يصرح الصادق الأمين – صلى الله عليه وآله – في حديثه الشهير: "أحب الله من أحب حسيناً". تابعونا أيها الأطائب وحلقة اليوم من برنامجكم: ما رأيت إلا جميلا. أعواءنا المستمعين.. ننقل لكم المشهد من كتاب (المجالس الفاخرة في مصائب العترة الطاهرة).. للعلامة الجليل آية الله السيد عبدالحسين شرف الدين.. فبعد أن أشار الى صلاة مولى الموحدين وأميرالمؤمنين – عليه السلام – ليلة الهرير في واقعة صفين وسهام الأمويين تمطره قال – رضوان الله عليه -: (وقد نسج على منواله في ذلك شبله باب الرحمة، وأبو الأئمة يوم عاشوراء وقد اجتمع عليه ثلاثون ألفاً، وافترقوا عليه أربع فرق: فرقة بالسيوف وفرقة بالرماح، وفرقة بالسهام، وفرقة بالحجارة، فبينا هو في هذه الحالة، إذ حضرت صلاة الظهر، فأمر صلوات الله عليه زهير بن القين، وسعيد بن عبدالله الحنفي أن يتقدما أمامه مع نصف من تخلف معه، ثم صلى بهم صلاة الخوف، وتقدم سعيد بن عبدالله فوقف يقيه السهام بنفسه، ما زال وما تخطى حتى سقط الى الأرض وهو يقول: اللهم العنهم لعن عاد وثمود. اللهم أبلغ نبيك عني السلام، وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح، فإني أردت ثوابك في نصرة ابن بنت نبيك، ثم قضى نحبه رضوان الله عليه. وفي رواية: أنه لما سقط قال: يا سيدي يا ابن رسول الله هل وفيت؟ فاستعبر الحسين باكياً وقال: نعم رحمك الله وأنت أمامي في الجنة. رجال تواصوا حيث طابت أصولهموأنفسهم بالصبر حتى قضوا صبراحماة حموا خدرا أبى الله هتكه فعظمه شأنا وشرفه قدرافأصبح نهبا للمغاوير بعدهم ومنهبنات المصطفى أبرزت حسرى مستمعينا الأفاضل، هذا الموقف عن الشهيد الحنفي إشتمل على جماليات عدة إستنبط أحدها سماحة السيد نبيل الحسيني في كتابه (الجمال في عاشوراء)، هذا الوجه الجمالي هو الوفاء في أسمى مصاديقه، قال حفظه الله تحت عنوان (جمال الوفاء في التفاني حتى الموت): بدا مشهد جمالي آخر من مشاهد الجمال في عاشوراء وهو بذل أقصى الجهد في الحب حتى الموت، وبذل أقصى الجهد في الوفاء حتى الموت. وهذا المشهد الذي تجلى فيه جمال الحب والوفاء حتى الفناء، ظهر بشكل خاص عند استشهاد سعيد بن عبدالله الحنفي وعمرو بن قرظة الأنصاري. فأما سعيد فإنه تقدم أمام الحسين عليه السلام ومعه زهير بن القين حينما وقف الإمام الحسين يصلي بمن بقي معه من أصحابه صلاة الخوف فاستهدف لهم – أي جعل نفسه هدفاً لأعداء الحسين عليه السلام – يرمونه بالنبل يميناً وشمالاً قائماً بين يديه كلما أخذ الحسين عليه السلام – بالقيام والركوع – قام بين يديه؛ فما زال كذلك حتى سقط الى الأرض وهو يقول: اللهم العنهم لعن عاد وثمود، وأبلغ نبيك مني السلام وابلغه ما لقيت من ألم الجراح، فإني أردت بذلك ثوابك في نصرة ذرية نبيك. والتفت الى الحسين قائلاً: أوفّيت يا ابن رسول الله؟ قال: نعم أنت أمامي. في الجنة وقضى نحبه، فوجد به ثلاثة عشر سهما؛ سوى ما به من ضرب السيوف، وطعن الرماح. وأما عمرو بن قرظة الأنصاري فإنه استأذن من الحسين عليه السلام فأذن له، فقاتل قتال المشتاقين الى الجزاء، وبالغ في خدمة سلطان السماء، حتى قتل جمعاً كثيراً من أحزاب ابن زياد، وجمع بين سداد وجهاد، وكان لا يأتي الى الحسين سهم إلا اتقاه بيده، ولا سيف إلا تلقاه بمهجته، فلم يكن يصل الى الحسين سوء حتى اثخن بالحراج، فالتفت الى الحسين وقال: يا ابن رسول الله أوفيت؟ قال: "نعم أنت أمامي في الجنة، فاقرئ رسول الله مني السلام، وأعلمه أني في الأثر". وهذا الجمال العاشورائي فريد في وجودهعلى مرّ التاريخ، وسيبقى فريداً حتى الظهور؛ إذ لم ير مثله قط لأن الملامح الجمالية التي تكونت منها هذه المشاهد لا تجتمع في موضع آخر. فمن له القدرة أن يأتي بمثل هذا الحب والوفاء وبذل أقصى غاية الجهد حتى الموت وكأنه يزول أشعة الشمس رويداً رويداً عندما تؤول الى الغروب ثم تنطفئ. ومن له هذا المستوى من الإخلاص في النية، مع تحمل هذه الآلام، والتعرض للطعن والضرب، وهو يقي بنفسه حجة الله، ويرجو في ذلك رضا الله ورضا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. جمال ليس له نظير في الوجود كما عبر عنه سيد الشهداء عليه السلام: "إني لا أعلم أصحاباً خيراً ولا أوفى من أصحابي". أيها الإخوة والأخوات، وتبلغ جماليات الوفاء لسيد الشهداء والتفاني في حبه – صلوات الله عليه – إحدى ذراها في موقف أحد أنصاره وصل كربلاء بعد استشهاد أبي عبدالله الحسين – عليه السلام – فعبر عن وفائه الجميل بتفانيه عن حفظ الحسين في أهل بيته والإستماتة حتى القتل في الدفاع. وكان من جميل صنع الله تبارك وتعالى بهذا النصير الوفي أن وهبه شجاعة في قتاله الأعداء وهو وحيد بشجاعة سيد الشجعان من الأولين والآخرين أسد الله الغالب الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله عليه. هذا النصير الوفي والغيور هو الهفهاف بن المهند الراسبي وكان آخر من استشهد من أصحاب الحسين – عليه السلام – في أرض الطف، وقد ذكر موقفه المحدث الخبير الفضيل بن زبير الكوفي وهو من أصحاب الإمامين الصادق والباقر – عليهما السلام – في كتابه القيم (تسمية من قتل مع الحسين – عليه السلام – من ولده وإخوته وأهل بيته وشيعته)؛ قال الفضيل رضوان الله عليه: "خرج الهفهاف بن المهند الراسبي، من البصرة حين سمع بخروج الحسين عليه السلام فسار حتى انتهى الى العسكر – أي الطف – بعد قتله، فدخل معسكر عمر بن سعد ثم انتضى سيفه وقال: يا أيها الجند المجند، أنا الهفهاف بن المهند، أذودكم عن عيال محمد ثم شد فيهم.. قال علي بن الحسين عليهما السلام: فما رأى الناس منذ بعث الله محمد – صلى الله عليه وآله – فارساً بعد علي بن أبي طالب عليه السلام – قتل بيده ما قتل منهم – يعني في موقف واحد -، فتداعوا فاحتشوه حتى قتلوه رحمه الله تعالى". وقد ذكر بعض المؤرخين أنه بعض عساكر الجيش الأموي سعوا لثني الهفهاف عن قتالهم فقالوا له: ويحك لا تقتل نفسك فقد قتل صاحبك – يعنون الحسين عليه السلام -، لم تقتل نفسك فأجابهم: ويلكم من غضب الجبار لا خير في العيش بعده.. إن قتل الحسين فلأقتلن في ذودكم عن عيالاته... ووفى – رضوان الله عليه – مضجراً بدماء العشق والوفاء. والى هنا نصل بكم أيها الإخوة والأخوات الى ختام حلقة أخرى من برنامجكم (ما رأيت إلا جميلا) إستمعتم لها من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران. تقبل الله منكم جميل الإصغاء ودمتم في رعايته سالمين. من جماليات صدق النصرة والوفاء لله واوليائه - 15 2015-01-21 09:22:18 2015-01-21 09:22:18 http://arabic.irib.ir/programs/item/11955 http://arabic.irib.ir/programs/item/11955 السلام عليكم أيها الأطائب ورحمة الله وبركاته.. سمعتم ولا شك بقول سيد الشهداء – صلوات الله عليه -: "إني لا أعلم أصحاباً خيراً ولا أوفى من أصحابي". وهذا القول هو ثمرة علم الإمام المعصوم المنزه عن جميع أشكال المبالغة، وهو بالتالي يعني أن الأنصار الحسينيين هم الأوفى والأصدق في نصرة الإمام الحق وبالتالي نصرة الله ورسوله – صلى الله عليه وآله -. وهذا ما شهدت به مواقفهم الفريدة التي احتضنتها ملحمة عاشوراء.. مواقف تجلت فيها تلك النصرة بأجمل صورها، فهلموا معنا لإستجلاء بعض تلكم الصور من زاوية جميل الوفاء للحق والحب للإمام الحق في آخر لحظات الحياة.. وهذا هو محور مشاهد لقاء اليوم والحلقة الخامسة عشر من برنامجكم: ما رأيت إلا جميلا. أيها الأفاضل، مسلم بن عوسجة هو المجاهد التسعيني الوقور الذي استنارت شيبته الكريمة بنور إقباله المستمر على العبادة وتلاوة القرآن الكريم، وقد كان شيخ القراء في الكوفة جامعاً بين العبادة الخالصة والجهاد الصادق.. روى المؤرخون مشهد مصرعه يوم عاشوراء فقالوا كما في تأريخ الطبري وغيره: (ثم إن عمرو بن الحجاج حمل على الحسين – عليه السلام – في ميمنة عمر بن سعد من نحو الفرات، فاضطربوا ساعة فصرع مسلم بن عوسجة الأسدي أول أصحاب الحسين – صلوات الله عليه – فمشى إليه الحسين فإذا به رمق، فقال: رحمك ربك يا مسلم بن عوسجة (منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) ودنا منه حبيب بن مظاهر، فقال: عز علي مصرعك يا مسلم! أبشر بالجنة! فقال له مسلم قولاً ضعيفاً: بشرك الله بخير، فقال له حبيب لو لا أني أعلم اني في آثرك لاحق بك من ساعتي هذه لأحببت أن توصيني بكل ما أهمك حتى أحفظك في كل ذلك بما أنت أهل له في القرابة والدين، قال: بل أنا أوصيك بهذا رحمك الله وأهوى بيده الى الحسين أن تموت دونه! قال: افعل ورب الكعبة ولأنعمنك عينا، قال: فما كان بأسرع من أن مات في أيديهم وصاحت جارية له فقالت: يا ابن عوسجتاه! يا سيداه! فتنادى أصحاب عمرو بن الحجاج: قتلنا مسلم بن عوسجة الأسدي. فقال شبث بن ربعي لبعض من حوله من أصحابه: ثكلتكم أمهاتكم، إنما تقتلون أنفسكم بأيديكم، وتذللون أنفسكم لغيركم، تفرحون أن يقتل مثل مسلم بن عوسجة! أما لرب موقف له قد رأيته في المسلمين كريم، لقد رأيته يوم سلق أذربيجان – يعني فتحها – قتل ستة من المشركين قبل أن تلتئم خيول المسلمين! أفيقتل مثله وتفرحون؟! هذه هي مستمعينا الأطائب الرواية التي رواها المؤرخون.. وأول ما نلمح فيها جمال تقديم الإمام الحق على كل شيء وفي كل حال.. لأنه – عليه السلام – هو الحبيب الذي في حبه حب الله عزوجل.. يقول سماحة السيد نبيل الحسيني في كتابه (الجمال في عاشوراء) وتحت عنوان: (جمال الحب في أن يكون الحبيب أكبر همك): كل ما يحتاج إليه الوجدان الإنساني من أحاسيس وعواطف يجدها في عاشوراء، بل لا نبالغ إذا قلنا: إن عاشوراء منبع تنهل منه الإنسانية ما يروي وجدانها ويغذيها بالعاطفة؛ فكفى بها أنها روح الدمعة، ومرفأ الحس الإنساني، الذي ترسو عنده جموع المستضعفين والمحرومين. وعندها يتنفس المهموم نسيم الفرج؛ ويجد اليائس الأمل والإصرار على السير في طريق الحرية والحياة الكريمة، وعندها تجد الأرامل واليتامى الحنان، والثكلى الصبر، والمفجوع التصبر، والواجد التأسي، وغيرها من الصور والمشاهد العديد لمختلف الروابط الإنسانية. حتى أنك لتجد الحب بأجمل مصاديقه، وأحسن هيئاته، حينما يكون الحبيب أكبر همك بل هو همك الذي لا يشغلك أمر سواه حتى النفس الأخير. هذا النفس الذي يكون كل امرئ فيه مشغولاً بنفسه وينشد خلاصه ولا يحضره سوى أمر نجاته، حتى في هذه اللحظات التي عليها كل الناس، أي لحظات تلفظ الأنفاس وخروج الروح. تراها اختلفت في كربلاء. فجمال الحب في عاشوراء ليس له شبيه! فهو فريد كفردانيتها! فمن من المحبين وهو يتلفظ أنفاسه الأخيرة، ويجود بروحه، وجراحاته تشخب دما، يكون أكبر همه، حبيبه الواقف عند رأسه؟!! إنه مشهد لا تجده إلا في كربلاء، عندما حمل عمرو بن الحجاج من نحو الفرات فاقتتلوا ساعة، وفيها قاتل مسلم بن عوسجة، فشد عليه مسلم بن عبدالله الضبابي، وعبدالله بن خشكارة البجلي؛ وثارت لشدة الجلاد غبرة شديدة، وما انجلت الغبرة، إلا ومسلم صريع وبه رمق؛ فمشى إليه الحسين عليه السلام ومعه حبيب بن مظاهر، فقال له الحسين: "رحمك الله يا مسلم؛ منهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا". ودنا منه حبيب وقال: عزّ عليّ مصرعك؛ يا مسلم أبشر بالجنة. فقال بصوت ضعيف: بشرك الله بخير. قال حبيب: لو لم أعلم أني في الأثر لأحببت أن توصي إلي بما أهمك؟ فقال مسلم: أوصيك بهذا؛ وأشار بيده الى الحسين، أن تموت دونه. قال – حبيب -: أفعل ورب الكعبة، وفاضت روحه بينهما. فكان مشهداً تجلى فيه جمال الحب حينما يكون الحبيب أكبر هم المحب. مستمعينا الأحبة، ولهذا الموقف جماليات أخرى منها جماليات الوفاء للمحبوب وهي التي يستجليها آية الله الشيخ باقر شريف القرشي وهو يقرأ هذا الموقف ومواقف أخرى لأنصار سيد الشهداء فيقول في كتابه (حياة الإمام الحسين عليه السلام) كما في كتاب (أخلاق الإمام الحسين عليه السلام): (لقد غذاهم أبوعبدالله – عليه السلام – بروحه وهديه، وغمرهم بأخلاقه فابتعدت أرواحهم عن الدنيا وتجردوا من مادية الجسد، وتحررت قلوبهم وعواطفهم من شواغل الحياة.. فأي معلم كان الحسين؟ وأي مدرسة ملهمة كانت مدرسته؟ وهل تستطيع أجيال الدنيا أن توجد مثل هذا الطراز إيماناً بالله، وإخلاصاً للحق... وقد تفانى أصحاب الإمام في الولاء والإخلاص له، وضربوا بذلك أروع الأمثلة للوفاء، فهذا مسلم بن عوسجة، وهو من أفذاذ أنصار الإمام برز الى القتال، ووقع صريعاً على الأرض قد تناهبت السيوف والرماح جسمه، مشى إليه الإمام مع حبيب بن مظاهر وكان البطل يعاني آلام الإحتضار، فطلب منه حبيب أن يوصي إليه بما أهمه، فقال له بصوت خافت حزين النبرات: "أوصيك بهذا – وأشار الى الإمام – أن تموت دونه". أي وفاء هو معروض للزهو والفخار مثل هذا الوفاء؟ لقد أطى لأجيال الدنيا الدروس في الولاء الباهر الحق، فهو في لحظاته الأخيرة، وحشرجة الموت في صدره لم يفكر إلا بالإمام، وأعرض عن كل شيء في حياته. وهذا البطل العظيم سويد بن أبي المطاع الذي هو من أنبل الشهداء وأصدقهم في التضحية هوى جريحاً في المعركة فتركه الأعداء، ولم يجهزوا عليه لظنهم إنه قد مات، فلما تنادوا بمصرع الإمام لم يستطع أن يسكن لينجو، فقام والتمس سيفه فإذا هو قد سلبوه، ونظر الى شيء يجاهد به فوقعت يده على مدية فأخذ يوسع القوم طعناً فذعروا منه، وحسبوا أن الموتى أعيدت لهم حياتهم ليستأنفوا الجهاد ثانياً مع الإمام، فلما تبين لهم أن الأمر ليس كذلك، انعطفوا عليه فقتلوه، فكان – حقا – هذا هو الوفاء في أصحاب الإمام حتى الرمق الأخير من حياتهم). والى هنا نصل أيها الإخوة والأخوات الى ختام حلقة أخرى من برنامجكم (ما رأيت إلا جميلا)، إستمعتم لها من إذاعة طهران وصوت الجمهورية الإسلامية في ايران، شكراً لكم وفي أمان الله. من جماليات مشاعر الابوة والنبوة في ملحمة عاشوراء - 14 2015-01-20 10:14:08 2015-01-20 10:14:08 http://arabic.irib.ir/programs/item/11954 http://arabic.irib.ir/programs/item/11954 السلام عليكم مستمعينا الأكارم ورحمة الله وبركاته.. للمشاعر الإنسانية الفطرية جمالية سامية تأسر القلوب بمقدار نقائها وتفجيرها لينابيع الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها. ومن هذه المشاعر مشاعر الأبوة تجاه الأولاد التي يتألق جمالها أكثر وأكثر كلما كان الأولاد أجمل فعالاً وأعظم براً وأزكى أخلاقاً، فكيف تكون جمالية تجلي مشاعر الأبوة عند فقدهم إذا كانوا أشبه الناس خلقاً وخلقاً ومنطقاً برسول الله – صلى الله عليه وآله-؟ نستجلي معاً هذه الجمالية وغيرها من أسمى وأجمل قيم السماء ونحن نتأمل في المشهدين الذين إخترناهما للقاء اليوم من برنامجكم: ما رأيت إلا جميلا. نتوقف أيها الأفاضل، أولاً عند مشهد الحسين الأب عند خروج ولده علي الأكبر لمجاهدة البغاء ثم عند إستشهاده – صلوات الله عليه وعلى أبيه -: هذا الولد البار ليس كسائر الأولاد، إنه مذّكر أهل بيت النبوة بعميدهم المصطفى، فقد كانوا إشتاقوا له – صلى الله عليه وآله – نظروا الى سليله علي الأكبر.. وهو الفتى المحمدي الغيور الذي قال لوالده يوم أخبره بأنهم يسيرون الى مصارعهم قال: أولسنا على الحق؟ إذن نمضي ولا نبالي. هذا الإبن الحبيب يقدمه والده الحسين – صلوات الله عليه – الى مصرعه في سبيل حبه الأكبر والأعلى تبارك وتعالى ومشاعر الأبوة المتفجرة تتدفق في جمالية تهز الوجدان وهي تمتزج بروح التسليم والرضا بقضاء الرب الحبيب – تبارك وتعالى – تحت عنوان (جمال الأبوة في عاشوراء) يقول سماحة السيد نبيل الموسوي في كتابه (الجمال في عاشوراء): ذكر المؤرخون وأصحاب تدوين مقتل الإمام الحسين عليه السلام، الحالة التي كان عليها الإمام الحسين عليه السلام عند خروج ولده علي الأكبر عليه السلام، بوصف فاق كل تصور عن الحس الوجداني لهذه اللحظات! ومن يملك مثل وجدان المعصوم وعاطفته الأبوية؟! وصف بدا فيه الجمال يزهو ويتسامى كتسامي صاحبه، وعلو نفسه، ولكن أي جمال هو الذي بدا على الحسين عليه السلام وهو الوالد عند خروج ولده للموت؟! إنه جمال الحزن في عين أب لم يجد في قواه ما يعينه على حبس الدمع، فانهدر كحبات لؤلؤ منظوم بآهات وزفرات لوالد مفجوع، فهوت على صدره، كعقد لا للتزين صنع؛ ولكن ليسند القلب في دقاته. فقد كاد يقف مع آهاته ليرافق الإبن في خطواته. منادياً: بني علي، القلب أنت في نبضاته.. بني قلبي تسجى مذ بدا منك الخروج للخصم وملاقاته. آه، ثم ألف آه، وألف؛ على شبيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كيف للترب أن يعلو وجناته؟! جمال ما بعده جمال بدا على والد مفجوع.. جمال لا يراه إلا من كان إنساناً في محتواه. ولذلك وصف أصحاب المقاتل حال الحسين عليه السلام بهذه الكلمات المؤلمة عند خروج علي الأكبر عليه السلام: "لم يتمالك الحسين عليه السلام دون أن أرخى عينيه بالدموع وصاح بعمر بن سعد: مالك؟ قطع الله رحمك كما قطعت رحمي، ولم تحفظ قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، سلط عليك من يذبحك على فراشك. ثم رفع شيبته المقدسة نحو السماء، وقال: اللهم اشهد على هؤلاء فقد برز إليهم أشبه الناس برسولك خلقاً وخلقاً ومنطقاً وكنا إذا اشتقنا الى رؤية نبيك نظرنا إليه، اللهم فامنعهم بركات الأرض، وفرقهم تفريقاً، ومزقهم تمزيقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترض الولاء عنهم أبدا، فإنهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا يقاتلونا، ثم تلا قوله تعالى: "إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ{33} ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{34}"(سورة آل عمران) نعم مستمعينا الأفاضل، إن مما يضاعف جمالية مشاعر الأبوة الحسينية المفجوعة هذه جمالية الموعظة الخالدة التي إشتملت عبارات سيد الشهداء ودعائه وتأبينه لولده ومهجة قلبه علي الأكبر – صلوات الله عليه وعلى آبائه – فهي عبارات تعرف الأجيال بمقام هذا الشهيد العظيم فهو من الذرية الطيبة التي اصطفاها الله عزوجل لتكون ينابيع لنشر فيضه ورحماته وبركاته على العباد.. وهذه المعرفة تفجر في القلوب ألف آه وآه على فقدان مثل هذا الشهيد العظيم والمبارك المذكر بالمبعوث رحمة للعالمين – صلى الله عليه وآله الطيبين -.. أيها الإخوة والأخوات.. وقد تجلت هذه الجمالية الفريدة لمشاعر الأبوة في موقف الحسين – عليه السلام – عند مصرع الفتى المحمدي الثاني ابن أخيه القاسم بن الحسن المجتبى – صلوات الله عليهما -، وقد نتناول جماليات هذا الموقف الحسيني في لقاء آخر، أما هنا فنسرح مع تأملات سماحة السيد نبيل الحسيني وهو يستجلي جماليات نمط من الشجاعة الفريدة جلاها للأجيال فتى الحسن المجتبى وهو يذكر العالمين بمصداق لطيف لسيرة الإمام المرتضى سيد الوصيين – صلوات الله عليه – ويجسد أصدق مشاعر النبوة الزاكية لعمد الإمام الحق، يقول السيد نبيل الحسيني في كتابه (الجمال في عاشوراء): من الطبيعي أن يتصف الفرسان الذين خبروا الحرب وعاشوا معتركها وواكبوا خطوبها بالشجاعة وبكبر النفس عند الأهوال؛ لأن هؤلاء الفرسان قد تأهلوا لحمل الأمور العظام حتى استخفوها. ولكن أن ترى غلاماً لم يبلغ الحلم يحمل من الشجاعة، وكبر النفس بمستوى ندر أن يقوم به الفرسان! فهذا هو الجمال بعينه، وهذه هي النفس الكبيرة التي احتضنها القاسم بين جنبيه لتتجلى أول ملامح جمالها حين خرج الى المعركة فارتجز قائلاً: إن تنكروني فأنا نجل الحسن سبط النبي المصطفى المؤتمنهذا حسين كالأسير المرتهنبين أناس لا سقوا صوب المزن فكان هذا الصوت المدوي يسير جنباً الى جنب مع صارمه الذي يضربهم به، فقاتل قتالاً شديداً حتى قتل على صغره خمسة وثلاثين رجلاً ليظهر للتأريخ ثاني ملامح جمال شجاعته، حينما أطرق مسامع أعدائه بهذا الصوت المحمدي. حتى إذا وقف ليشد شسع نعله الذي انقطع وهو يقاتلهم غير آبه مما حوله من العسكر فكبر نفسه أعظم من هذه الجيوش ورياطة جأشه أصلب من صحائف السيوف التي بدت في ناظره أهون من شسع نعله المقطوع، ولذا انحنى يصلحه وهذا هو السبب الأول. وثانياً؛ لعيد الى الأذهان المعنى الذي قدمه أميرالمؤمنين عليه السلام في تقييمه للخلافة – التي تكالب عليها البعض – واستهانته بها. قال عبدالله بن العباس: دخلت على أميرالمؤمنين بذي قار وهو يخصف نعله، فقال لي: ما قيمة هذه النعل؟ فقلت: لا قيمة لها. قال: والله هي أحب إلي من إمرتكم إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً. فكان انحناء القاسم لإصلاح نعله في المعركة هو تجسيداً لهذا المعنى، أي أن هذه الخلافة التي تقتلون من أجلها أولاد الأنبياء هي عندنا أهون من شسع هذا النعل المقطوع. ولذلك علموا مقصود فعله وفهموا فحوى عمله فاستشاطوا غيظاً وعزموا على إثكال عمه الحسين عليه السلام فانعطف عليه من لا يجد في غير ظهور الفرسان فرصة للقتل فضربه على رأسه. لكن الغادر لم يستطع بشفير سيفه أن يمحو ملامح جمال شجاعة القاسم حين هوى على صعيد كربلاء يرسم بدمه مشهداً من مشاهد العزة والحياة. مشهداً زخر بالقيم الإنسانية والفضائل الأخلاقية التي تجلت في ساحة الطف فكان من بينها جمال الشجاعة وكبر النفس الذي تجاوز حد الخيال حين نحر غلام لم يبلغ الحلم وهو يدافع عن قيم السماء. نشكر لكم أيها الأطائب طيب الإستماع لحلقة اليوم من برنامجكم (ما رأيت إلا جميلا)، لكم دوماً أجمل الدعوات من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، دمتم بكل خير وفي أمان الله. جماليات المنحورين على صدر الحسين (ع) - 13 2015-01-19 10:23:47 2015-01-19 10:23:47 http://arabic.irib.ir/programs/item/11953 http://arabic.irib.ir/programs/item/11953 السلام عليكم مستمعينا الأطائب ورحمة الله وبركاته.. إثنان من أنصار الحسين – صلوات الله عليه وعليهما – نحرا على صدره الشريف في الساعات الأخيرة من ملحمة عاشوراء الخالدة.. وبذلك سجلا مشهدين فريدين في نصرة الإمام الحق لم يشهد لهما التأريخ نظيراً لا قبلهما ولا بعدهما وليخلدا في وجدان العاشقين وهما يهديان الى جماليات لم ترّ في غير ملحمة الجمال المطلق ملحمة عاشوراء.. تابعونا ونحن نستعرض هذين المشهدين في لقاء اليوم من برنامجكم (ما رأيت إلا جميلا). أيها الأفاضل، ذكر أحد العرفاء أن عبدالله الرضيع – سلام الله عليه – لم تظهر عليه ملامح شدة العطش إلا بعد أن سمع صرخات الإستغاثة من والده الحسين بعد مصرع أخيه العباس – عليهما السلام – فكان إظهاره العطش إستجابة ملكوتية من روحه المحمدية السامية لصرخة الإستغاثة الحسينية وكان مشهد توديع والده له لكي يسكن هذه الروح اللطيفة.. مشهد حمل جماليات عدة من سيد الشهداء وهو – عليه السلام – يظهر أجمل التسليم لأمر الله في أشد البلاء.. يقول سماحة الشيخ عبدالعظيم المهتدي البحراني في كتابه (من أخلاق الإمام الحسين) تحت عنوان (أجمل الصبر عند أصعب المصائب): أي صبر كان صبر أبي عبدالله الحسين – عليه السلام -؟!! دون أي شك، إنه صبر تعجز عنه الكائنات، وتميد من هوله الجبال، وكان من أفجع وأقسى ما نكب به رزيته بولده عبدالله الرضيع، فقد كان كالبدر في بهائه، فأخذه وجعل يوسعه تقبيلاً ويودعه الوداع الأخير، وقد غارت عيناه وذبلت شفتاه لشدة العطش، فحمله الى القوم لعلهم يسقوه جرعة من الماء، وعرضه عليهم وهو يظلل له بردائه من حرارة الشمس، وطلب منهم أن يسعفوه بقليل من الماء، فلم ترق قلوب اولئك الممسوخين، وانبرى الباغي اللئيم حرملة بن كاهل فسدد له سهما، وجعل يضحك ضحكة الدناة وهو يقول مفتخراً أمام اللئام من أصحابه: "خذ هذا فاسقه". واخترق السهم – يا الله – رقبة الطفل الرضيع وهو على يد والده الحسين – عليه السلام – ولما أحس الطفل بحرارة السهم أخرج يديه من القماط، وجعل يرفرف على صدر أبيه كالطير المذبوح، وانحنى الطفل رافعاً رأسه الى السماء فمات على ذراع أبيه.. إنه منظر تتصدع من هوله القلوب، وتلجم الألسن. ورفع الإمام يديه وكانتا مملوئتين من ذلك الدم الطاهر، فرمى به نحو السماء فلم تسقط منه قطرة واحدة الى الأرض – حسبما يقول الإمام الباقر عليه السلام – وأخذ يناجي ربه قائلاً: "هون ما نزل بي انه بعين الله تعالى.. اللهم لا يكون أهون عليك من فصيل ناقة صالح، إلهي إن كنت حبست عنا النصر فأجعله لما هو خير منه، وانتقم لنا من الظالمين، واجعل ما حل بنا في العاجل ذخيرة في الآجل، اللهم: أنت الشاهد على قوم قتلوا أشبه الناس برسولك محمد – صلى الله عليه وآله -. ونزل الإمام عن جواده، وحفر لطفله بجفن سيفه حفرة، ودفنه مرملا بدمائه الزكية، وقيل إنه وضعه مع القتلى من أهل بيته، لك الله يا أباعبدالله على هذه الكوارث التي لم يمتحن ببعضها أي نبي من أنبياء الله، ولم تجر على أي مصلح في الأرض. وقد ذكر بعض المؤرخين أن بسمة هي الأجمل قد ارتسمت على شفتي عبدالله الرضيع وكأنه يعبر عن حمده لله عزوجل على فوزه بالشهادة في الدفاع عن سيد الشهداء ودفع السهم المثلث الذي أعده حرملة بن كاهل للإجهاز على أبيه صلوات الله عليهما. وننتقل بكم أيها الأحبة الى مشهد الثاني وهو الذي سجله المنحور الثاني على صدر الحسين عليه السلام، إنه آخر أولاد الحسن المجتبى – عبدالله بن الحسن صلوات الله عليهما – قال الشيخ المفيد في كتاب الإرشاد وهو يذكر ما جرى على الحسين – عليه السلام – قبيل مصرعه وقد أحاط به عساكر البغي الأموي: (عادوا إليه وأحاطوا به، فخرج إليهم عبدالله بن الحسن بن علي عليهم السلام – وهو غلام لم يراهق – من عند النساء يشتد حتى وقف الى جنب الحسين فلحقته زينب بنت علي عليهما السلام لتحبسه، فقال لها الحسين: "إحبسيه يا أختي" فأبى وامتنع عليها امتناعا شديدا وقال: والله لا أفارق عمي.. وأهوى أبجر بن كعب الى الحسين عليه السلام بالسيف، فقال له الغلام: ويلك يا بن الخبيثة أتقتل عمي؟! فضربه أبجر بالسيف فاتقاها الغلام بيده فأطنها الى الجلدة فإذا يده معلقة، ونادى الغلام: يا أمتاه! فأخذه الحسين عليه السلام فضمه وقال: "يا ابن أخي، إصبر على ما نزل بك، واحتسب في ذلك الخير، فإن الله يلحقك بآبائك الصالحين". ثم رفع الحسين عليه السلام يده وقال: "اللهم إن متعتهم الى حين ففرقهم فرقا، واجعلهم طرائق قددا، ولا ترض الولاة عنهم أبدا، فإنهم دعونا لينصرونا، ثم عدوا علينا فقتلونا". وقد ذكر المؤرخون – مستمعينا الأفاضل – أن عبدالله بن الحسن – صلوات الله عليهما – قد قضى نحبه بالطريقة نفسها التي قضى بها عبدالله الرضيع إذ وجه إليه حرملة سهم بغي ثان نحره من الوريد الى الوريد ليسجل أجمل مواقف الوفاء.. يجليها العلامة الشيخ باقر شريف القرشي وهو يتحدث عن وفاء أصحاب الحسين لمولاهم – عليه وعليهم السلام – قال – رضوان الله عليه -: (لم يقتصر هذا الوفاء للحسين – عليه السلام – على الرجال، وإنما سرى الى النساء اللاتي كن في المعركة، فكانت المرأة تسارع الى إبنها تتضرع إليه ليستشهد بين يدي الإمام، والزوجة تسارع الى زوجها ليدافع عن الإمام، هن لم يحفلن بما يصيبهن من الثكل والحداد. ومما يثير الدهشة أن الأطفال من الأسرة النبوية أيضاً قد اندفعوا نحو الإمام وهم يقبلون يديه ورجليه ليمنحهم الإذن في الشهادة بين يديه، ومن بينهم عبدالله بن الحسن وكان له من العمر إحدى عشر سنة، لما رأى الأعداء قد اجتمعوا على قتل عمه – الحسين – لم يستطع صبرا، وأسرع فأندفعت عمته زينب لتمسكه فامتنع عليها، وأخذ يركض حتى انتهى الى عمه، وقد أهوى أبحر بن كعب بسيفه ليضرب الإمام فصاح به الغلام: يا ابن الخبيثة أتضرب عمي؟ فانعطف عليه الخبيث الدنس فضربه بالسيف على يده فأطنها الى الجلد فإذا هي معلقة، ورمى الغلام بنفسه في حجر عمه – وهو يقول للحسين: عماه لقد قطعوا يدي. فاحتضنه الحسين ودمعت له عيناه، وهمس في أذنه: يا بني صبراً فإنك عن قليل ترد على جدك وأبيك، فسدد له حرملة سهماً غادرا فذبحه وهو في حجر عمه لقد استلذ الموت في سبيل عمه.. وبهذا تنتهي حلقة أخرى من برنامجكم (ما رأيت إلا جميلا) قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران.. شكراً لكم ودمتم في أمان الله. جمالية الامتناع عن شرب الماء في ذروة العطش مواساة وغيرة - 12 2015-01-18 09:25:12 2015-01-18 09:25:12 http://arabic.irib.ir/programs/item/11952 http://arabic.irib.ir/programs/item/11952 السلام عليكم مستمعينا الأطائب.. أطيب التحيات ملؤها من الله الجميل أجمل الرحمة والبركات نهديها أيها الإخوة والأخوات، مرحبين بكم وأنتم تشاركوننا في استكشاف المظاهر الفريدة للجمال الحق الحق التي سطرها أبطال الملحمة العاشورائية الخالدة وكذلك إستجلاء جميل الصنع الإلهي بهؤلاء الأولياء الصادقين – صلوات الله عليهم أجمعين -. في لقاء اليوم وهو الثاني عشر من هذا البرنامج نتأمل معاً – أيها الأفاضل – في مشهدين إقتنع فيهما سيد الشهداء وأخوه أبوالفضل العباس عن شرب الماء بعد أن تمكنا منه، ليسطرا – صلوات الله عليهما – جمالية أسمى صور الوفاء والحب والعشق للإمام الحق في الموقف العباسي النبيل، وجمالية الغيرة عن العيالات النبوية في الموقف الحسيني الأغر.. تابعونا على بركة الله.. نبدأ أيها الأحبة، بموقف سقاء الحسين وسقاء الحسينيين حب الحسين على مدى العصور والأزمان.. في هذا الموقف الذي كان في خضم مشهد مصرع أبي الفضل العباس – روحي لوفائه الفداء -، وقد جاء في حال صار كبده من شدة العطش كالجمرة المتوقدة أو (كصالية الغضا) كما وصفه المؤرخون، وكان قد طلب – عليه السلام – من مولاه الحسين – صلوات الله عليه – أن يأذن له بالقتال فأمره أن يطلب للعيالات النبوية ماءً من المشرعة التي وضع عليها جيش البغي الأموي أربعة آلاف من زبدة مقاتليه لمنع الماء عن الركب الحسيني، فاستجاب أبوالفضل لأمر مولاه، قال المؤرخون، كالحافظ الحنفي القندوزي في كتاب ينابيع المودة وغيره: (فحمل عليهم العباس فقتل رجالا من الأعداء حتى كشفهم عن المشرعة، ودفعهم عنها، ونزل فملأ القربة، وأخذ غرفة من الماء ينظر إليها وهو يتألم لعطش مولاه الحسين وأهل بيته المحمديين، ثم قال: "والله لا أذوق الماء وأطفاله عطاش والحسين" وأنشأ يقول: يا نفس من بعد الحسين هونيفبعده لا كنت أن تكوني هذا الحسين شارب المنون وتشربين بارد المعين والله ما هذا فعال دينيولا فعال صادق اليقين فأخذته السهام من كل جانب فأصابته حتى صار جلده كالقنفذ وهو يقول: أقاتل اليوم بقلب مهتدأذب عن سبي النبي أحمدأضربكم بالصارم المهند حتى تحيدوا عن قتال سيديإني أنا العباس ذو التوددنجل علي الطاهر المؤيد ونبقى أعزاءنا المستمعين في ظلال هذا الموقف النبيل لسقاء أهل الوفاء أبي الفضل العباس – سلام الله عليه – لنرى شهادة بليغة من الإمام الصادق – عليه السلام – بجماليات هذا الموقف الفريد وبلوغه غاية المجهود، وشهادة بجميل الصنع الإلهي بهذا العلم الولائي الخالد وعظيم إكرامه له، جاء في نص زيارة الإمام الصادق لعمه العباس – صلوات الله عليهما – كما ورد في كتاب (مصباح المتهجد) وغيره: (أشهد وأشهد الله أنك مضيت على ما مضى البدريون والمجاهدون في سبيل الله المناصحون له في جهاد أعدائه المبالغون في نصرة أوليائه الذابون عن أحبائه، فجزاك الله أفضل الجزاء وأوفر جزاء أحد وفي ببيعته واستجاب له دعوته وأطاع ولاة أمره، وأشهد أنك قد بالغت في النصيحة وأعطيت غاية المجهود، فبعثك الله في الشهداء وجعل روحك مع أرواح السعداء وأعطاك من جنانه أفسحها منزلاً وأفضلها غرفا ورفع ذكرك في العليين وحشرك مع النبيين والشهداء والصالحين والصديقين وحسن اولئك رفيقاً، أشهد أنك لم تهن ولم تنكل، وأشهد أنك مضيت على بصيرة من أمرك مقتدياً بالصالحين ومتبعاً للنبيين جمع الله بيننا وبينك وبين رسوله واوليائه في منازل المحسنين فإنه أرحم الراحمين. مستمعينا الكرام، ونبقى مع الجماليات العاشورائية الفريدة وهي تتجلى في موقف خالد لسيد العطاشى الحسين وهو في الساعات الأخيرة من عصر يوم عاشوراء وقد بقي وحيداً بعد استشهاد حامل لواء عسكره وأخيه المواسي أبي الفضل العباس – عليهما أفضل الصلاة والسلام. تحت عنوان (جمال شدة البأس في النجدة) يقول سماحة السيد نبيل الحسيني في كتابه (جمال في عاشوراء): (من الواضح أن جميع مجريات عاشوراء جرت في أجواء الحرب؛ ابتداءً من تجمع الجيوش ومحاصرتها للإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه، في أرض كربلاء، ثم تخيره عليه بين النزول عند رغبة طاغية زمانه ومبايعته قهراً، وهو الإذلال؛ وبين قتاله الذي أبت نفسه المقدسة إلا اختياره. فأعد مع هذه القلة القليلة مواضع الدفاع، وتفقد التلاع والعقبات، وقارب بين الخيام، وحفر مع أصحابه وأهل بيته خندقاً خلف الخيام. وكانوا مع هذه الأجواء يعيشون أجواءً أخرى وهي: العطش، والجوع، فقد قطعوا عنهم الماء منذ ثلاثة أيام. فكانت النساء والأطفال تعيش حرباً نفسية واقتصادية قبل الشروع في القتال. وما تخلفه من خوف وهلع على نفوس هذه النسوة ومن لاذ بهن. حتى إذا بزغ وطلع خيط الصبح زحفت هذه الجموع المؤلفة نحو مخيم الحسين وأهل بيته وصحبه عليهم السلام. هذه الأجواء العصبية كلها تدخل ضمن مسمى لغوي، هو: (البأس)؛ فإذا اشتبك القوم والتحموا، كان هو: "الشدة في البأس"؛ وكلما اشتد القتال معه بأس الرجال المحاربين. وهنا.. في مشتبك الرماح، ومشتجر السيوف، تستغيث إمرأة تطلب النجدة والخلاص من أرذل الخلق وأخسهم وأوضعهم؛ فمن ينجدها والحرب هذا حالها. ولذا كان الأدهى والأعظم من هذا الحال! هو أن تنكشف هذه الجموع وتقلب ميمنتها على ميسرتها؛ حين حمل عليها الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام وهو يقول: أنا الحسين بن عليآليت أن لا أنثني أحمي عيالات أبيأمضي على دين النبي قال عبدالله بن يغوث: ما رأيت مكثوراً قط قد قتل ولده وأهل بيته، وصحبه أربط جأشاً منه ولا أمضى جناناً ولا أجرأ مقدماً ولقد كانت الرجال تنكشف بين يديه إذا شد فيها ولم يثبت له أحد. ثم يشتد القتال في أقصى درجاته، فينادي عمر بن سعد بالجمع: هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتال العرب، إحملوا عليه من كل جانب، فأتته أربعة آلاف نبلة. وحال الرجال بينه وبين رحله. وفي هذه اللحظات التي لم يشهد مثلها التاريخ، ولا ظهر فيها مثل هذا الجمال، الذي تجلى في غيرة الرجال وحميتهم، لم يغفل أبوعبدالله عليه السلام عن صون حرمه!؟ بل إن التاريخ ليسجل هنا، بأحرف خالدات كخلود صاحبها، موقفاً جمالياً آخر تجلى فيه جمال النجدة التي لم ير مثلها واقعاً عملياً كالذي جسدته عاشوراء على أرض كربلاء. فبعد هذه الآلاف من النبال واشتداد القتال، كان العطش يشتد به أكثر!! فحمل – بأبي هو وأمي – نحو الفرات على عمرو بن الحجاج وكان في أربعة الآلاف فكشفهم عن الماء، وأقحم الفرس الماء – فيتجلى مشهد آخر من الجمال – ولما مد أبوعبدالله عليه السلام يده للشرب، ناداه رجل أتلتذ بالماء وقد هتكت حرمك؟! فرمى الماء ولم يشرب وقصد الخيمة. فكانت نجدته لهم، مع شدة عطشه الذي أخذ منه كل مأخذ، لم تمنعه من الإقدام السريع لما دعي إليه، ولم يمهل نفسه حتى هذه الثواني القليلة جداً، التي يستغرقها شرب كف من الماء!! إنه موقف احتارت به العقول!! وطؤطئت له هامات الرجال، حين بدا تجلي جمال النجدة الحسينية). وبهذا نصل مستمعينا الأكارم الى ختام حلقة أخرى من برنامجكم (ما رأيت إلا جميلا) إستمعتم له من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، شكراً لكم وفي أمان الله. جمالية صدق الايمان بالغيب - 11 2015-01-17 10:41:49 2015-01-17 10:41:49 http://arabic.irib.ir/programs/item/11947 http://arabic.irib.ir/programs/item/11947 بسم الله والحمد لله حبيب قلوب الصادقين وغاية آمال العارفين تبارك وتعالى رب العالمين والصلاة والسلام على أعلام الموقنين وشعار المؤمنين الصادق الأمين وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم أيها الأحبة ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج.. أيها الأفاضل.. أجمل جماليات الإيمان بالله وأزكى علامات صدقه، تجليه في مواقف التضحية لله بالنفس – وهي أقصى غاية الجود - .. فكيف إذا كانت هذه التضحية مقترنة بالتسابق لها والإبتهاج بها والإقبال عليها بروح مطمئنة وقلب واثق وبصيرة ثاقبة آمنت بالحق وأيقنت به فأتبعته بروح ملؤها الإفتخار والثقة بالله تبارك وتعالى؟ هذه الجماليات هي بعض ما تدعونا الصديقة الطاهرة زينب الكبرى سلام الله عليها لإستكشافه في ملحمة عاشوراء حيث قالت عما رأته فيها تلك الكلمة المروية: ما رأيت إلا جميلا. مستمعينا الأكارم، نبدأ مشاهد هذه الحلقة بجمالية إغتنام فرص الخير والبصيرة الإيمانية التي تجلت في موقف الحسيني الغيور عبدالله بن عمير الكلبي، نقرأ في تأريخ الطبري: قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب، قال: كان منا ردل يدعى عبدالله بن عمير، من بني عليم، كان قد نزل الكوفة، واتخذ عند بئر الجعد من همدان دارا، وكانت معه إمرأة له من بني النمر بن ساقط يقال لها: أم وهب بنت عبد؛ فرأى القوم – يعني عساكر بني أمية – بالنخيلة يعرضون ليسرحوا الى الحسين، قال: فسأل عنهم، فقيل له: يسرحون الى قتال حسين بن فاطمة بنت رسول الله – صلى الله عليه وآله – فقال: والله لقد كنت على جهاد أهل الشرك حريصاً، وإني لأرجو ألا يكون جهاد هؤلاء الذين يغزون ابن بنت نبيهم أيسر ثواباً عند الله من ثوابه إياي في جهاد المشركين؛ فدخل الى إمرأته فأخبرها بما سمع، وأعلمها بما يريد، فقالت: أصبت أصاب الله بك أرشد أمورك، افعل واخرجني معك. قال: فخرج بها ليلاً حتى أتى حسيناً، فأقام معه. أيها الأخوة والأخوات، ونلمح في تتمة الرواية جمالية الحكمة الحسينية وهو يعز هذا الناصر الموقن بأن يختاره مبارزاً لزبده فرسان عساكر البغي الأموي، جاء في تتمة الرواية: لما دنا عمر بن سعد من معسكر الحسين – عليه السلام – ومى بسهم ارتمى الناس، فلما ارتموا خرج يسار مولى زياد بن أبي سفيان، وسالم مولى عبيد الله بن زياد، فقالا: من يبارز؟ ليخرج إلينا بعضكم، قال: فوثب حبيب بن مظاهر وبرير بن حضير، فقال لهما حسين: إجلسا؛ فقام عبدالله بن عمير الكلبي فقال: أباعبدالله، رحمك الله! ائذن لي فلأخرج إليهما، فقال الحسين: إني لأحسبه للأقران قتالا، اخرج إن شئت، قال: فخرج إليهما، فقالا له: من أنت؟ فانتسب لهما، فقالا: لا نعرفك، ليخرج إلينا زهير بن القين، أو حبيب بن مظاهر، أو برير بن حضير، ويسار مولى زياد يتبختر أمام سالم، فقال له الكلبي: ويحك وبك رغبة عن مبارزة أحد من الناس، وما يخرج إليك أحد من الناس إلا وهو خير منك؛ ثم شد عليه فضربه بسيفه فإنه لمشتغل به يضربه بسيفه إذ شد عليه سالم، فناداه محذر له: قد رهقك العبد؛ فلم يأبه له حتى غشيه فبدره الضربة، فاتقاه الكلبي بيده اليسرى، فأطار أصابع كفه اليسرى، ثم مال عليه الكلبي فضربه حتى قتله، وأقبل الكلبي مرتجزاً وهو يقول، وقد قتلهما جميعاً: إني امرؤ ذومرة وعصبولست بالخوار عند النكبإني زعيم لك أم وهببالطعن فيهم مقدما والضربضرب غلام مؤمن بالرب فأخذت أم وهب امرأته عمودا، ثم أقبلت نحو زوجها تقول له: فداك أبي وأمي! قاتل دون الطيبين ذرية محمد، فأقبل إليها يردها نحو السماء فأخذت تجاذب ثوبه، ثم قالت: إني لن أدعك دون أن أموت معك، فناداها حسين، فقال: جزيتم من أهل بيت خيراً، ارجعي رحمك الله الى النساء فاجلسي معهن، فإنه ليس على النساء قتال؛ فانصرفت إليهن. نعم أحباءنا، هذا الإعتقاد بالغيب يتجلى جماله في الإسراع الى الشهادة، لأنها (أي الشهادة) في سبيل الله قائمة بكل دقائقها على الإيمان بالغيب وما أعد الله تعالى للشهداء من أجر ومقام ونعيم. فعندما يتسارع الإنسان الى الشهادة، فهذا يدل على أنه في أعلى درجات الإيمان بالغيب. ولذلك عندما تحدث القرآن عن صفات المتقين، جعل الإيمان بالغيب أول صفاتهم، كما جاء في الآيات الأولى من سورة البقرة. ولكونهم من أصحاب اليقين فقد تسارعوا الى الشهادة لنيل ما أعد الله تعالى لهم. هذه الصورة الجميلة أظهرتها عاشوراء بأحسن وجه حينما صلى الحسين عليه السلام بمن بقي من أصحابه صلاة الخوف، ولما فرغ عليه السلام قال لأصحابه: "يا كرام! هذه الجنة قد فتحت أبوابها واتصلت أنهارها وأينعت ثمارها، وهذا رسول الله، والشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، يتوقعون قدومكم ويتباشرون بكم، فحاموا عن دينه، ودين نبيه، وذبوا عن حرم الرسول". فقالوا: نفوسنا لنفسك الفداء ودماؤنا لدمك الوقاء، فوالله لا يصل إليك والى حرمك سوء، وفينا عرق يضرب. فكان مشهداً من مشاهد الإيمان بالغيب تجلى فيه جمال الإستبشار بالعاقبة حين لبى هؤلاء المتقون دعوة الحق في يوم عاشوراء. أيها الأفاضل، وبعد نقل المشهد المتقدم نقل سماحة السيد نبيل الحسيني في كتابه (الجمال في عاشوراء) مشهداً أشد جمالية في تجسيد صدق الإيمان، قال عنه: إنه مشهد آخر من مشاهد الرجولة الفذة، يتجلى فيه جمال التحدي عند النزال، حينما ينادي في جموع الرجال والصناديد عن منازل ومبارز فلا يجد أحداً على الرغم من أن الحاضرين كانوا آلافاً عديدة! وقد تجهزوا بكل لوازم القتال! إلا أنهم صامتين وكأن الأرض قد أطبقت على أنفاسهم!! مشهد هو من حيث الغرابة يدفع بالصمت والحيرة أن تخيم على النفس؛ ومن حيث الجمال فهو يدعو الى الأنس والسرور لأن في أصحاب الحسين عليه السلام رجالاً من نوع فريد على مر التاريخ. فها هو أحد اولئك الرجال إنه عابس بن أبي شبيب الشاكري جاء يستأذن الإمام عليه السلام بالخروج الى النزال فوقف أمامه وقال: "يا أباعبدالله أما والله ما أمسى على ظهر الأرض، قريب ولا بعيد، أعز علي، ولا أحب إلي منك، ولو قدرت أن أدفع الضيم عنك بشيء أعز علي من نفسي لفعلت، السلام عليك، أشهد أني على هداك وهدى أبيك! ومشى نحو القوم مصلتاً سيفه، وبه ضربه على جبينه. قال أبو مخنف، قال ربيع بن نميم – وكان قد شهد يوم عاشوراء – قال: لما رأيته مقبلاً عرفته، وقد شاهدته في المغازي وكان أشجع الناس، فقلت: أيها الناس هذا أسد الأسود، هذا ابن أبي شبيب لا يخرجن إليه أحد منكم.. فأخذ – عابس – ينادي: ألا رجل لرجل؟!! – فلم يجبه أحد ولم يخرج إليه رجل لأنهم فقدوا رجولتهم فأمسكوا عنه. قال عمر بن سعد: أرضخوه بالحجارة. فرمي بالحجارة من كل جانب. فلما رأى ذلك ألقى درعه، ومغفره، ثم شد على الناس، وأنه ليطرد أكثر من مائتين؛ ثم تعطفوا عليه من كل جانب فقتل. فتنازع ذوو عدة في رأسه، هذا يقول أنا قتلته، وهذا يقول أنا قتلته، فأتوا عمر بن سعد فقال: لا تختصموا هذا لم يقتله رجل واحد. تقبل الله منكم أيها الإخوة والأخوات، جميل الإصغاء وحسن المتابعة لحلقة اليوم من برنامجكم (ما رأيت إلا جميلا) لكم دوماً خالص الدعوات من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، دمتم في رعاية الله سالمين والحمد لله رب العالمين. جمالية المبادرة لاتباع الحق والتسليم لله ووليه - 10 2015-01-14 08:59:22 2015-01-14 08:59:22 http://arabic.irib.ir/programs/item/11946 http://arabic.irib.ir/programs/item/11946 بسم الله والحمد لله الذي أشرقت أنوار جماله المستبين في سيرة صفوته المنتجبين الحبيب المصطفى الأمين محمد وآله الأطيبين الطاهرين، صلوات الله وتحياته وبركاته عليهم أجمعين. السلام عليكم أيها الإخوة والأخوات ورحمة من الله وبركات؛ معكم بتوفيق الله في لقاء جديد من هذا البرنامج، نستكشف فيها جماليات التفاني في التسليم لأمر الإمام الحق بعد أن اتضح إرتباطه بالله تبارك وتعالى، تسليم تجلى في سلوكيات عائلة أسلمت قبيل واقعة عاشوراء فحسن إسلامها بذلكم التسليم الفريد لمشيئة الله ذي الصنع الجميل ووليه مظهر جلاله وجماله تبارك وتعالى تابعونا مشكورين. نبدأ أيها الأفاضل بمشهد إسلام هذه العائلة المسلمة لأمر الله ووليه جل جلاله وجمل جماله. قال سماحة الشيخ عبد العظيم المهتدي البحراني في كتاب (أخلاق الإمام الحسين عليه السلام)؛ ذكر المؤرخون: لما وصل الحسين (عليه السلام) الى صحراء الثعلبية في طريقه الى كربلاء شاهد خيمة متردية تعبر عن فقر ساكنيها، فدنا إليها فرأى هناك إمرأة كبيرة السن، عليها ثياب رثة لشدة فقرها، فسألها عن حالها؟ فقالت: إنها قد أضر بها وبأغنامها الجفاف، وأن إبنها (وهب) وزوجته (هانية) ذاهبان بحثاً عن الماء. فقلع الإمام الحسين (عليه السلام) صخرة في مكانه فخرج من تحتها نبع من الماء الزلال. فسرت المرأة وشكرت الإمام (عليه السلام)، ثم واصل الإمام طريقه الى كربلاء. وحينما جاء إبنها (وهب) فرأى ذلك إنبرى مدهشاً يسأل أمه من أين حصل هذا؟ فأخبرته بالأمر، كان الإبن في ليلته قد رأى في المنام الإمام الحسين (عليه السلام). فقال لأمه فوراً: قومي لنلتحق به. فتحرك وهب أمه وزوجته – وكانوا على دين المسيح عيسى عليه السلام – حتى وصلوا الى قافلة الحسين، فأسلموا على يديه، كان وهب مع الحسين في يوم عاشوراء واحداً من الشهداء السعداء. مستمعينا الأكارم، ولآية الله السيد عبدالحسين شرف الدين عرض جميل في كتاب المجالس الفاخرة في مصائب العترة الطاهرة، لرواية جهاد هذه العائلة الكرمية بين يدي سيد الشهداء – صلوات الله عليه – وفي هذه الرواية تتجلى جماليات عدة لتقديم الحق والتسليم له على كل شيء، قال السيد شرف الدين: (ذكرت من حال هذه المرأة الصالحة، حال أم وهب بن حباب الكلبي، يوم عاشوراء حين برز الى ثلاثين ألفاً فأحسن في الجلاد، وبالغ في الجهاد، وكانت معه إمرأته ووالدته فرجع إليهما وقال: يا أماه أرضيت أم لا؟ فقالت: يا بني ما رضيت حتى تقتل بين يدي الحسين عليه السلام. وقالت إمرأته: بالله عليك لا تفجعني بنفسك. فقالت له أمه: يا بني أعزب عن قولها، وارجع فقاتل بين يدي إبن بنت نبيك تنل شفاعة جده يوم القيامة. فرجع ولم يزل يقاتل حتى قطعت يداه في سبيل الله تعالى، فأخذت إمرأته عموداً وأقبلت نحوه وهي تقول: قاتل فداك أبي وأمي يا وهب دون الطيبين من حرم رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال لها: كيف كنت تنهيني عن القتال، والآن تأمرينني به؟ قالت: لا تلمني يا وهب، فإني سمعت من سيدي ومولاي الحسين كلمة كسرت قلبي، سمعته يقول: أما من ناصر فينصرنا؟ أما من موحد يخاف الله فينا؟ أما من ذاب يذب عن حرم رسول الله؟ وأصرت هذه المرأة على الجهاد مع وهب فأقبل كي يردها الى النساء، فأخذت بجانب ثوبه، وقالت: لن أعود حتى أموت معك. فقال الحسين عليه السلام: جزيتم عن أهل بيتي خيرا، إرجعي الى النساء رحمك الله، فانصرفت إليهن، ولم يزل يقاتل حتى قتل – رحمه الله تعالى -. رجال تواصوا حيث طابت أصولهموأنفسهم بالصبر حتى قضوا صبرا حماة حموا خدرا أبى الله هتكهفعظمه شأناً وشرفه قدرا أيها الأخوات والإخوة، ويتجلى التسليم لأمر الله والحمد الجميل صنعه بالمضحين في سبيله في موقف زوجة وهب – رضوان الله عليهما – وهي تجلس عند مصرع رفيق رحلتها الى الله. قال العلامة الشيخ محمد السماوي في كتاب إبصار العين في أنصار الحسين وهو يذكر زوجة وهب أول شهيدة في الملحمة العاشورائية، قال: وانجلت الغبرة فخرجت إمرأة الكلبي تمشي الى زوجها حتى جلست عند رأسه تمسح التراب عنه وتقول: هنيئاً لك الجنة! أسأل الله الذي رزقك الجنة أن يصحبني معك، فقال شمر لغلامه رستم: إضرب رأسها بالعمود، فضرب رأسها فشدخه، فماتت مكانه. وتستمر أنوار هذه الجمالية لتشتد عنفواناً في موقف أم هذا المجاهد الحسيني وهي تستلم لأمر مولاها الحسين وتجد فيه رجاها، جاء في موسوعة البحار: قال محمد بن أبي طالب: رأيت حديثاً أن وهب هذا كان نصرانياً، فأسلم [هو وأمه] على يد الحسين (عليه السلام) فقتل في المبارزة أربعة وعشرين رجلاً وإثني عشر فرساً، ثم أخذ أسيراً، فأتى به عمر بن سعد، فقال: ما أشد صولتك! ثم أمر فضربت عنقه، ورمى برأسه الى عسكر الحسين – عليه السلام – فأخذت أمه الرأس فقبلته، ثم رمت بالرأس الى عسكر ابن سعد فأصابت به رجلاً فقتلته، ثم شدت بعمود الفسطاس فقتلت [به] رجلين، فقال لها الحسين: إرجعي يا أم وهب، أنت وإبنك مع رسول الله – صلى الله عليه وآله – في الجنة، فإن الجهاد مرفوع عن النساء، فرجعت وهي تقول: إلهي لا تقطع رجائي، فقال لها الحسين – عليه السلام - : لايقطع رجاءك يا أم وهب. تقبل الله منكم أيها الأطائب طيب المتابعة لحلقة اليوم من برنامجكم (ما رأيت إلا جميلا) إستمعتم لها مشكورين من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، دمتم بكل خير وفي أمان الله. جمال حفظ الذرية المحمدية واتباع الحق والدفاع عن الامام الخلق - 9 2015-01-13 10:25:48 2015-01-13 10:25:48 http://arabic.irib.ir/programs/item/11945 http://arabic.irib.ir/programs/item/11945 بسم الله والحمد لله الملك الحق المبين الذي تجلى لعباده وخلائقه بمشارق جلاله وجماله وكماله المستبين حبيبه المصطفى الأمين وآله الأطيبين صلواته وتحياته وبركاته عليهم أجمعين. السلام عليكم إخوتنا وأخواتنا المستمعين ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج. أيها الأطائب، إستفاضت بل تواترت ومن طرق مختلف المذاهب الإسلامية أحاديث سيدنا الحبيب المختار التي يوصي فيها – صلى الله عليه وآله – المسلمين من بعده بأن يحفظوه – أي يحفظوا نهجه القويم – وذلك من خلال حفظه في ذريته وأهل بيته وعترته ونصرتهم واتباعهم لأن الحق فيهم ومعهم لا يفارقهم ولا يفارقونه. هذه الوصية النبوية الخالدة تجذرت في قلوب أبطال الملحمة العاشورائية فظهرت في أجمل صور سجلها التأريخ للوفاء الصادق للنبي الأكرم – صلى الله عليه وآله – نفتح قلوبنا وعقولنا على بعضها في لقاء اليوم فتابعونا مشكورين. أعزاءنا، تجلت في ليلة عاشوراء أسنى صور رأفة القائد الحق بأنصاره في طلب سيد الشهداء – عليه السلام – كم جميع أنصاره وأهل بيته أن يتخذوا الليل ستراً ويرحلوا عنه لكي ينجوا بأنفسهم، فإنما يطلب الأعداء قتله هو – صلوات الله عليه – فإذا تحقق لهم ذلك غفلوا عن غيره، وقد روى المؤرخون جميل إصرار الأصحاب والأنصار على القتل دونه.. نختار من نماذج المشهد التالي، قال الرواة: (وقام إليه مسلم بن عوسجة، فقال: أنحن نخلي عنك، وبما نعتذر الى الله في أداء حقك؟ لا والله حتى أطعن في صدورهم برمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، والله لا نخليك حتى يعلم الله إنا قد حفظنا غيبة رسول الله فيك، أما والله لو علمت أني اقتل ثم أحيى ثم أحرق ثم أحيى ثم أذرى، يفعل ذلك بي سبعين مرة، ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا. وقام زهير بن القين فقال: والله لوددت أني قتلت نشرت ثم قتلت حتى اقتل هكذا ألف مرة، وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك). وهكذا أيها الأحبة يتجلى التفاني في حفظ رسول الله في عترته بصور رائعة الحسن وهي تقدم حفظه – صلى الله عليه وآله – على الأنفس بل وعلى أعز ما يحرص كل إنسان على حفظه وهم أولاده، لنتأمل معاً في المشهد التالي من الملحمة العاشورائية. قال السيد ابن طاووس في كتاب اللهوف في قتلى الطفوف: وقيل لمحمد بن بشر الحضرمي في تلك الحال: قد أسر ابنك بثغر الري، فقال: عند الله احتسبه ونفسي ما أحب أن يؤسر وأنا أبقى بعده، فسمع الحسين عليه السلام قوله، فقال: رحمك الله أنت في حل من بيعتي فاعمل في فكاك ابنك فقال: أكلتني السباع حيا إن فارقتك، فقال – عليه السلام -: فأعط ابنك هذه الأثواب البرود يستعين بها في فداء أخيه، فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار. وتبلغ جمالية التفاني في حفظ العترة المحمدية إحدى ذراها في المشهد التالي وهو يحكي دموع محب يرى قتله قليلاً في الدفاع عن حبيبه، قال الحافظ الحنفي الموفق الخوارزمي في كتاب المقتل: (جاء عبدالله وعبدالرحمان الغفاريان، فقالا: السلام عليك يا أباعبدالله، أحببنا أن نقتل بين يديك، وندفع عنك. فقال: مرحبا بكما، ادنوا مني. فدنوا منه وهما يبكيان. فقال لهما: يا ابني أخي ما يبكياكما؟ فوالله إني لأرجوا أن تكونا عن ساعة قريري العين. فقالا: جعلنا فداك، لا والله ما نبكي على أنفسنا، ولكن نبكي عليك، نراك قد أحيط بك ولا نقدر أن نمنع عنك. فقال: جزاكما الله يا إبني أخي بوجدكما من ذلك مواساتكما إياي بأنفسكما أحسن جزاء المتقين. ثم استقدما وقالا: السلام عليك يا بن رسول الله. فقال: وعليكما السلام ورحمة الله وبركاته. فخرجا وقاتلا قتالا شديدا حتى قتلا). أيها الأفاضل، وتنعكس جمالية العمل بتلكم الوصية النبوية حتى في حالة الحيرة التي قد تسبقها ما دامت تؤدي هذه الحيرة الى إتباع الحق، نقرأ هذه الجمالية في أحد المشاهد العاشورائية مع سماحة السيد نبيل الحسيني في جانب من كتاب (الجمال في عاشوراء) حيث يقول: قد يستغرب المرء من وجود جمال في الحيرة!! ولكنه لو نظر الى موقف الحر بن يزيد الرياحي عليه السلام فإنه يدرك كم للحيرة من جمال خاطف فيما لو انتهت باتباع الحق. إنه جمال لا يأنس به إلا صاحبه. هذا الأنس عاشه الحر عندما أخذ ينظر الى تلك المشاهد في كلا المعسكرين، فرأى الجنة في المعسكر الأول حيث يقف الإمام الحسين وصحبه عليهم السلام؛ وكأن لسان حاله يقول: "كيف يكون سيد شباب الجنة في مكان والجنة في مكان آخر؟!" ورأى في المعسكر الثاني حيث يقف عمر بن سعد وجنده، النار التي هم فيها خالدون؛ وإلا كيف يكون حال من تجمع وتجهز وعزم على قتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والله تعالى يقول: إن الذين يؤدون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهينا. ولذا: لما سمع الحر بن يزيد الرياحي كلام الإمام الحسين عليه السلام واستغاثته، أقبل على عمر بن سعد وقال له: أتقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: إي والله قتالاً أيسره أن تسقط فيه الرؤوس وتطيح الأيدي!! قال: ما لكم فيما عرضه عليكم من الخصال؟ فقال: لو كان الأمر إلي لقبلته، ولكن أميرك أبى ذلك. فتركه ووقف مع الناس. وكان الى جنبه قرة بن قيس، فقال لقرة: هل سقيت فرسك اليوم؟ قال: لا، قال: فهل تريد أن تسقيه؟ فظن قرة من ذلك أنه يريد الإعتزال، ويكره أن يشاهده فتركه فأخذ الحر يدنو من الحسين قليلاً فقال له المهاجر بن أوس: أتريد أن تحمل؟ فسكت وأخذته الرعدة، فارتاب المهاجر من هذا الحال، وقال له: لو قيل لي من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك، فما هذا الذي أراه منك؟ فقال الحر: إني أخير نفسي بين الجنة والنار، والله لا أختار على الجنة شيئاً ولو أحرقت. إذن، فهذا هو الأنس الذي عاشه الحر عليه السلام عند ما تجلى له جمال اتباع الحق حينما مرّ بفترة من الزمن احتار فيها بين أن يتبع الحق أو الباطل، فاختار الحق وبدت له الجنة وكأنه يراها، بل أيقن أنه الآن قد دخلها. ولذا قال: "والله لا أختار على الجنة شيئاً ولو أحرقت". لكم منا مستمعينا الأكارم أكرم الشكر على كرم المتابعة لحلقة اليوم من برنامجكم (ما رأيت إلا جميلا) قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران.. دمتم في رعاية الله آمنين والحمد لله رب العالمين. جماليات روح الابوة الحسينية تجاه جميع الانصار - 8 2015-01-12 09:51:17 2015-01-12 09:51:17 http://arabic.irib.ir/programs/item/11944 http://arabic.irib.ir/programs/item/11944 بسم الله وله أجمل الحمد والثناء جميل الصنع عظيم الآلاء ذي الجمال والنعماء، والصلاة والسلام على آباء خلقه الرحماء نبيه المبعوث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين. سلام من الله عليكم ورحمة منه وبركات عليكم أيها الإخوة والأخوات معكم بتوفيق الله في لقاء آخر من هذا البرنامج نستجلي فيها معاً مشاهد أخرى لأسنى مصاديق الجمال التي اشتملت عليها الملحمة العاشورائية الخالدة: الملحمة التي كان معلمها الأساس الجمال؛ جمال أبطالها في تجسيد أجمل قيم النور الإلهي، وجمال الصنع الرباني بهم وهم – صلوات الله ورضوانه عليهم أجمعين – عباده المخلصين، إذ جعلهم منارات لأحبابه يستهدون بفعالهم الى أبواب الفوز بمرضاته تبارك وتعالى وهم يرددون مع الصديقة العارفة زينب الكبرى مقولتها الخالدة عن عاشوراء وما فيها حيث قالت: ما رأيت إلا جميلا. مستمعينا الأكارم، محور هذا اللقاء هو بيان بعض جماليات الروح الأبوية التي جلاها سيد الشهداء – عليه السلام – تجاه أصحابه؛ وجمالية إفتخارهم – رضوان الله عليهم – بالإنتماء إليه – عليه السلام – مقدماً على كل نسب وحسب. نتأمل معاً في رجز هذا الفتى الأنصاري الغيور وهو عمرو بن جنادة الأنصاري الذي لم يتجاوز عمره الإثني عشر ربيعاً ونتأمل في موقف أمه وهي تقدم الحسين على ولدها، قال المؤرخون: (خرج شاب هو عمرو بن جنادة الأنصاري وكان قد قتل أبوه في المعركة وكانت أمه معه، فقالت له أمه: أخرج يا بني وقاتل بين يدي إبن رسول الله! فخرج فقال الحسين: هذا شاب قتل أبوه ولعل أمه تكره خروجه فقال الشاب: أمي أمرتني بذلك، فبرز وهو يقول: أميري حسين ونعم الأميرسرور فؤاد البشير النذير علي وفاطمة والداه فهل تعلمون له من نظير؟ له طلعة مثل شمس الضحى له غرة مثل بدر منير وقاتل هذا الفتى الغيور حتى قتل وجز البغاة رأسه الشريف ورموه الى عسكر الحسين – عليه السلام – فحملت أمه الصبورة المفجوعة، رأسه ومسحت التراب عنه وقبلته بحنان وقالت: أحسن يا بني يا سرور قلبي ويا قرة عيني، ثم رمت برأس إبنها رجلاً أراد مهاجمة الحسين – عليه السلام – فقتلته وأخذت عمود خيمته، وحملت عليهم وهي تقول: أنا عجوز سيدي ضعيفةخاوية بالية نحيفة أضربكم بضربة عنيفةدون بني فاطمة الشريفة وضربت رجلين فقتلتهما فأمر الحسين – عليه السلام – بصرفها الى المخيم ودعا لها.. رضوان الله عليها وعلى ولدها وزوجها. أيها الإخوة والأخوات، وصار هذا الفتى الغيور عمرو بن جنادة الأنصاري، أسوة لمن حضر في المعسكر الحسيني من الأرقاء الأحرار، فقد وجدوا في نسب الولاء لسيد الشهداء – عليه السلام – أعظم وسائل الإفتخار التي تغنيهم عن الإفتخار بالأنساب مهما كانت زكية محترمة، فقد ذكر المؤرخون أن رجز عمرو بن جنادة قد تكرر على لسان قارئ القرآن أسلم التركي وهو من الرقيق الذي اشتراه الحسين – عليه السلام – وربّاه. قال العلامة الشيح محمد السماوي في كتاب (إبصار العين في أنصار الحسين): (كان أسلم من موالي الحسين، وكان أبوه تركياً، وكان ولده أسلم كاتباً.. قال بعض أهل السير والمقاتل: إنه خرج الى القتال وهو يقول: أميري حسين ونعم الأميرسرور فؤاد البشير النذير فقاتل حتى قتل، فلما صرع مشى إليه الحسين – عليه السلام – فرآه وبه رمق يومئ الى الحسين – عليه السلام – فاعتنقه الحسين ووضع خده على خده، فتبسم وقال: من مثلي وابن رسول الله – صلى الله عليه وآله – واضع خده على خدي، ثم فاضت نفسه – رضوان الله عليه -. وما أجمل هذا المشهد المؤثر وهو يحكي لنا أن الإمام الحسين – عليه السلام – قد فعل مع هذا الغلام التركي نفس ما فعله مع ولده علي الأكبر – سلام الله عليه – عند استشهاده، فأثلج قلب هذا الغلام وقد شعر بحنان الأبوة تسري الى وجوده من خد الحسين وهو يعتنقه ويضع خده على خده، فيرحل الى رسول الله – صلى الله عليه وآله – بوسام النبوة لسبطه الحسين – عليه السلام -. وهذا الحنان الأبوي الفريد نلمحه في ذرى الجمال وهو يتجلى في دعاء سيد الشهداء – صلوات الله عليه – وهو يقف عند مصرع شهيد آخر من الأرقاء الأحرار، قال الشيخ عبد العظيم المهتدي البحراني في كتابه (من أخلاق الحسين): (تقدم جون مولى أبي ذر، وكان عبداً أسود البشرة، فقال له الحسين – عليه السلام: أنت في إذن مني، فإنما تبعتنا طلباً للعافية فلا تبتل بطريقنا. فقال: يا ابن رسول الله أنا في الرخاء ألحس قصاعكم وفي الشدة أخذلكم، والله إن ريحي لمنتن، وإن حسبي للئيم، ولوني لأسود، فتنفس علي بالجنة، فتطيب ريحي، ويشرف حسبي، ويبيض وجهي، لا والله لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم. ثم برز – رضوان الله عليه – الى القتال وهو ينشد ويقول: كيف يرى الكفار ضرب الأسودبالسيف ضربا عن بني محمدأذب عنهم باللسان واليدأرجو به الجنة يوم الموردمن الإله الأحد الموحدإذ لا شفيع عنده كأحمد ثم قاتل حتى قتل، فوقف عليه الحسين – عليه السلام – وهذا من أعظم مواقف التواضع الذي يصدر من قائد كالحسين تجاه فرد قد لا يعطيه الآخرون قيمة لأنه عبد أسود غريب في المجتمع. ولكن الحسين – عليه السلام – جاء على جنازته ورفع يديه له بالدعاء – قائلاً: "اللهم بيض وجهه، وطيب ريحه، واحشره مع الأبرار، وعرف بينه وبين محمد وآل محمد"). واستجاب الله تبارك وتعالى دعاء وليه وصفيه وباب رحمته الواسعة ومصباح هداه، ليس في قبول هذا العبد الصالح يوم القيامة في منازل المقربين وجنان محمد وآله الطاهرين – صلوات الله عليهم أجمعين – بل وفي جعله آية غاية في الجمال في هذه الحياة الدنيا شهدها الشاهدون. قال المجلسي – رحمه الله – وروى عن الباقر – عليه السلام – عن علي بن الحسين – عليه السلام – أن الناس كانوا يحضرون المعركة، ويدفنون القتلى، فوجدوا جوناً بعد عشرة أيام يفوح منه رائحة المسك، وقد إبيض وجهه بنور يأخذ بالقلوب والأبصار، رضوان الله عليه. لكم منا – مستمعينا الأطياب – أطيب الشكر على طيب الإستماع لهذه الحلقة من برنامجكم (ما رأيت إلا جميلا). لكم دوماً أطيب الدعوات من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، دمتم في رعاية الله ذي الجلال والإكرام والجمال والإنعام. جمالية العبادة العاشورائية - 7 2015-01-11 09:21:58 2015-01-11 09:21:58 http://arabic.irib.ir/programs/item/11943 http://arabic.irib.ir/programs/item/11943 بسم الله والحمد لله ذي الجلال والإكرام والجمال والإنعام، والصلاة والسلام على صفوته الذين أظهروا لخلقه جماله وجلاله حبيبه الذي بلغ العلى بكماله المصطفى محمد وآله الطاهرين. السلام عليكم أيها الأطائب ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكم في لقاء جديد مع نماذج أخرى لأسمى تجليات الجمال الحق التي أشعت بأنوارها في ملحمة عاشوراء فخلدها الله وهو الجميل المطلق لتكون منارات لأحبابه يستهدون بها الى قربه ومرضاته. وللعبادة الخالصة – أيها الأحباء – جمالية فريدة تجلت في عاشوراء بصور لم يشهد لها التأريخ الإنساني مثيلاً؛ نعرض لكم بعض مشاهدها في لقاء اليوم فتابعونا مشكورين. كانت لنا في حلقة سابقة أيها الأكارم وقفة عن جمالية إحياء المعسكر الحسيني ليلة عاشوراء بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن، وهنا ينقل مؤرخوا تلك صورة عبادية أشد جمالاً وأبهى إخلاصاً، قال الشيخ عبدالله الحسن في كتاب (ليلة عاشوراء في الحديث والأدب): (كان العباس – عليه السلام – في العبادة وكثرة الصلاة والسجود بمرتبة عظيمة، قال الصدوق – عليه الرحمة -: كان يبصر بين عينيه أثر السجود، لكن وأي عبادة أزكى وأفضل من نصرة ابن بنت رسول الله – صلى الله عليه وآله – وحماية بنات الزهراء، وسقي ذراري رسول الله – صلى الله عليه وآله –. لقد روي أن أصحاب الحسين – عليه السلام – باتوا ليلة العاشر من المحرم ما بين قائم وقاعد وراكع وساجد، لكن خص العباس – عليه السلام – من بينهم بحفظ بنات رسول الله – صلى الله عليه وآله – وأهل بيته، كان راكباً جواده متقلداً سيفه آخذاً رمحه يطوف حول الخيم، لأنه آخر ليلة أراد أن يوفي ما كان عليه ويرفع الوحشة عن قلوب الهاشميات وقد أحاطت بهن الأعداء! وكانت عيون الفاطميات به قريرة، وعيون الأعداء منه باكية ساهرة، لأنهم خائفون مرعوبون من أبي الفضل – عليه السلام – وما تنام أعينهم خوفاً من بأسه وسطوته ونكال وقعته). ونبقى أيها الأخوات والإخوة مع الشيخ الحسن وهو يحدثنا عن العبادة الزينبية التي بلغ فيها الذروة حب الله والرضا بقضائه والإخلاص لها في نوافلها الليلية التي كانت تقيمها في أشد حالات نزول المصاب، قال الشيخ عبدالله الحسن: (كانت زينب – عليها السلام – في عبادتها ثانية أمها الزهراء – عليه السلام – وكانت تقضي عامة لياليها بالتهجد وتلاوة القرآن. قال بعض ذوي الفضل: إنها – صلوات الله عليها – ما تركت تهجدها لله تعالى طول دهرها، حتى ليلة الحادي عشر من المحرم.. قال: وروي عن زين العابدين – عليه السلام – أنه قال: رأيتها تلك الليلة تصلي من جلوس! وعن الفاضل القائيني البيرجندي، عن بعض المقاتل المعتبرة، عن مولانا السجاد – عليه السلام – أنه قال: إن عمتي زينب – عليها السلام – مع تلك المصائب والمحن النازلة بها في طريقنا الى الشام ما تركت نوافلها الليلية. وعن الفاضل المذكور، إن الحسين – عليه السلام – لما ودع أخته زينب – عليها السلام – وداعه الأخير قال لها: يا أختاه لا تنسيني في نافلة الليل. وفي مثير الأحزان للعلامة الشيخ شريف الجواهري قدس سره: قالت فاطمة بنت الحسين – عليهما السلام – : وأما عمتي زينب – عليها السلام – فإنها لم تزل قائمة في تلك الليلة أي العاشرة من المحرم في محرابها تناجي ربها، فما هدأت لنا عين، ولا سكنت لنا رنة). وننتقل بكم أيها الأحبة الى مشهد خالد تبتهج بذكره قلوب كل محب للصلاة، إنه مشهد صلاة الحسينيين فريضة الظهر وعساكر الذين إستحوذ عليهم الشيطان تمطرهم بالسهام، قال الطبري بعد ذكر استشهاد طائفة من اصحاب سيد الشهداء صلوات الله عليه وعليهم: (فلما رأى ذلك أبو ثمامة عمرو بن عبدالله الصائدي، قال للحسين: يا أباعبدالله، نفسي لك الفداء إني أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، ولا والله لا تقتل حتى أقتل دونك إن شاء الله، وأحب أن ألقي ربي وقد صليت هذه الصلاة التي دنا وقتها؛ قال: فرفع الحسين رأسه ثم قال: ذكرت الصلاة، جعلك الله من المصلين الذاكرين! نعم، قد دنى أو وقتها، سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي؛ فقال لهم الحصين بن نمير: إنها لا تقبل؛ فقال له حبيب بن مظاهر: لا تقبل زعمت! الصلاة من آل رسول الله – صلى الله عليه وآله – لا تقبل وتقبل منك! ثم إن أبا ثمامة قال للحسين – عليه السلام – وقد صلى: يا أباعبدالله إني قد هممت أن ألحق بأصحابي، وكرهت أن أتخلف وأراك وحيداً من أهلك قتيلا، فقال له الحسين – عليه السلام -: تقدم فإنا لاحقون بك عن ساعة، فتقدم فقاتل حتى أثخن بالجراحات فقتله قيس بن عبدالله الصائدي إبن عم له، كان له عدوا. وكان حسيني آخر قد سبق أبا ثمامة في الإلتحاق بمحمد وعلي – صلى الله عليهما وآلهما – كان إستشهاده أثناء الصلاة وهو يتعبد لله بصد سهام الباغين عن الحسين وصحبه وهم يصلون. قال السيد ابن طاووس: حضرت صلاة الظهر، فأمر الحسين – عليه السلام – زهير بن القين وسعيد بن عبدالله الحنفي أن يتقدما أمامه بنصف من تخلف معه، ثم صلى بهم صلاة الخوف. فوصل الى الحسين – عليه السلام – سهم، فتقدم سعيد بن عبدالله الحنفي، ووقف يقيه بنفسه ما زال، ولا تخطى حتى سقط الى الأرض وهو يقول: اللهم العنهم لعن عاد وثمود، اللهم أبلغ نبيك عني السلام، وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح، فإني أردت ثوابك في نصر ذرية نبيك، ثم قضى نحبه – رضوان الله عليه – فوجد به ثلاثة عشر سهما سوى ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح. وأخيراً نشير – مستمعينا الأكارم – الى أن جمالية هذه الصلاة العاشورائية الخالدة قد زادها إشراقة أن الذين أذّن لها هو الحسين – عليه السلام – مجسداً جمالية هذا الأذان بدعوة حتى استحوذ عليهم الشيطان للصلاة عسى أن تنهاهم عن منكر اتباع الشيطان. قال الأستاذ أحمد حسين يعقوب في كتابه (كربلاء الثورة والمأساة): (في رواية للطبري، قال أبو مخنف: فأذن الحسين بنفسه، فلما فرغ من الأذان نادى: يا ويلك يا عمر بن سعد أنسيت شرائع الإسلام، ألا تقف عن الحرب حتى نصلي وتصلون ونعود الى الحرب؟ فلم يجبه، فنادى الحسين: "استحوذ عليهم الشيطان"). وبهذا نصل مستمعينا الأفاضل الى ختام حلقة أخرى من برنامجكم (ما رأيت إلا جميلا) إستمعتم لها من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران. تقبل الله منكم جميل المتابعة ودمتم في مرضاة الله منعمين والحمد لله رب العالمين. في جماليات عبارة العاشورائية للخالق وحرصهم على انقاذ الخلق - 6 2015-01-10 09:51:21 2015-01-10 09:51:21 http://arabic.irib.ir/programs/item/11942 http://arabic.irib.ir/programs/item/11942 بسم الله والحمد لله أنيس الذاكرين وحبيب قلوب الصادقين وغاية آمال العارفين. وأزكى صلواته المتناميات وتحياته المترادفات وبركاته المتتابعات على مظاهر جلاله وجماله نبيه الذي بلغ العلى بكماله وآله المقتفين فعاله. السلام عليكم أيها الأطائب، وطابت أوقاتكم بكل خير ورحمة وبركة؛ معكم في سادسة حلقات هذا البرنامج تستجلي فيها أجمل صفات عباد الله الصالحين الذي جمعوا بين أسمى صور عبادته وأجمل صور حرصهم على إنقاذ عباده من كل جهالة وضلالة؛ صور تجلت في الملحمة العاشورائية التي قالت عنها بنت أميرالمؤمنين الصدقية الحوراء زينب – عليها السلام -: ما رأيت إلا جميلا. أيها الأخوات والإخوة، هلموا معنا لنتأمل في المشهد التالي من مشاهد عشية التاسع وقد اقتربت عساكر البغي الأموي من المخيم الحسيني وهي عازمة على تنفيذ أمر الطاغية يزيد في الإجهاز على أهله وهم صفوة عباد الله الذاكرين جاء في تأريخ الطبري وغيره قول الرواة: قال العباس بن علي لأخيه الحسين – عليهما السلام -: يا أخي أتاك القوم، فنهض الحسين ثم قال: يا عباس إركب بنفسي أنت يا أخي حتى تلقاهم فتقول لهم: ما لكم وما بدا لكم؟ وتسألهم عما جاء بهم؟ فأتاهم العباس – عليه السلام – فاستقبلهم في نحو من عشرين فارساً فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر؛ فقال لهم العباس: ما بدا لكم وما تريدون، قالوا: جاء أمر الأمير – يعنون الطاغية ابن زياد – بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو ننازلكم، قال: فلا تعجلوا حتى أرجع الى أبي عبدالله – عليه السلام – فأعرض عليه ما ذكرتم.. قال الراوي: فوقفوا ثم قالوا: إلقه فأعلمه ذلك، ثم إلقنا بما يقول، فانصرف العباس راجعاً يركض الى الحسين – عليه السلام – يخبره بالخبر. ووقف أصحابه يخاطبون القوم، فقال حبيب بن مظاهر لزهير بن القين: كلم القوم إن شئت كلمتهم؟ فقال له زهير: أنت بدأت بهذا فكن أنت تكلمهم؟ فقال له حبيب بن مظاهر: أما والله لبئس القوم عند الله غدا قوم يقدمون عليه قد قتلوا ذرية نبيه – صلى الله عليه وآله – وعترته وأهل بيته – عليهم السلام – وعباد أهل المصر المجتهدين بالأسحار، والذاكرين الله كثيرا.. فقال له عزرة بن قيس: إنك لتزكي نفسك ما استعطت!؟ فقال له زهير: يا عزرة إن الله يا عزرة فإني لك من الناصحين، أنشدك الله يا عزرة أن تكون ممن يعين الضلال على قتل النفوس الزكية قال يا زهير: ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت.. قال: أفلست تستدل بموقفي هذا أني منهم؟ أما والله ما كتبت إليه كتاباً قط، ولا أرسيلت إليه رسولاً قط، ولا وعدته نصرتي قط، ولكن الطريق جمع بيني وبينه، فلما رأيته ذكرت به رسول الله – صلى الله عليه وآله – ومكانه منه وعرفت ما يقدم عليه من عدوه وحزبكم فرأيت أن أنصره، وأن أكون في حزبه وأن أجعل نفسي دون نفسه حفظاً لما ضيعتم من حق الله وحق رسوله صلى الله عليه وآله. وهنا نلاحظ جمال إشراق روح النصيحة في الحسينيين وهم يسعون لإنقاذ حتى أعدائهم من النار تأسياً بإمامهم الحق الحسين – عليه السلام – الذي ما فتأ يدعو عساكر الأمويين الى الإحجام عن قتله حرصاً عليهم من دخول النار، فهو وصحبه عباد الله الذين أخلصوا له العبادة وأحبوها وأقبلوا عليها بكل وجودهم في ليلة عاشوراء فأعطت أطيب الثمار، قال الرواة في جانب آخر من الرواية المتقدمة: وكان العباس بن علي – عليه السلام – حين أتى حسيناً – صلوات الله عليه – بما عرض عليه عمر بن سعد، يعني النزول على حكم الطاغية الأموي أو القتال، قال: إرجع إليهم فإن استطعت أن تؤخرهم الى غدوة، وتدفعهم عند العشية لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أني قد كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والإستغفار، قال الشاعر: فأقام ليلته يناجي ربه طوراً ويسجد في الظلام ويركع إضطر ابن سعد الى الموافقة على طلب الحسين – عليه السلام – بعد تلكؤ طويل فكانت عبادة ليلة.. عبادة ملأت أنوارها الخافقين منطلقة من المعسكر الحسيني حيث أقبل جميع أفرادها رجالاً ونساءً على التهجد لكي تبقى أنوار تلكم العبادة الخالصة متجددة في ليلة عاشوراء من كل عام يستنشق المؤمنون أريجها التوحيدي العطر. روي عن الإمام علي بن الحسين – عليه السلام - أنه قال: إن أباه قام الليل كله يصلي، ويستغفر الله ويدعو ويتضرع، وقام أصحابه كذلك يدعون ويصلون ويستغفرون؛ وقال الرواة لمشاهد ليلة عاشوراء: ما نام في هذه الليلة الحسين – عليه السلام – ولا أحد من أصحابه وأعوانه الى الصبح، وكذلك النسوة والصبيان وأهل البيت كلهم يدعون ويتلون القرآن ويصلون ويأنسون بذكر أنيس الذاكرين. قال السيد الأمين – عليه الرحمة -: باتوا وبات إمامهم ما بينهمولهم دوي حوله ونحيب من راكع أو ساجد أو قارئأو من يناجي ربه وينيب وأخيراً نلتقي بمشهد جميل آخر يعرفنا بطيب ثمار تلكم العبادة الخالصة، فقد نفذت أنوارها الى قلب المعسكر الأموي لتنقذ من شاء الله أن يهديه وينقذه وتنقله من ظلمات الظلم والجهالة والضلالة الى نور الله المتشعشع من مضارب المخيم الحسيني.. قال السيد بن طاووس في كتاب (اللهوف في قتلى الطفوف): (وبات الحسين – عليه السلام – وأصحابه تلك الليلة ولهم دوي كدوي النحل ما بين راكع وساجد وقائم وقاعد فعبر عليهم في تلك الليلة من عسكر عمر بن سعد إثنان وثلاثون رجلاً وكذا كانت سجية الحسين – عليه السلام – في كثرة صلاته وكمال صفاته). وختاماً تقبلوا منا إخوة الإيمان جزيل الشكر على جميل الإستماع والمتابعة لحلقة اليوم من برنامجكم (ما رأيت إلا جميلا). ولكم دوماً خالص الدعوات وأجملها من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، دمتم في رعاية الله ونوره تستنيرون بمصابيح هداه محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين في أمان الله. جمالية معرفة الإمام و موالاته ومواساته - 5 2015-01-07 10:09:00 2015-01-07 10:09:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/11941 http://arabic.irib.ir/programs/item/11941 بسم الله وله الحمد والمجد والثناء ذوالجلال والإكرام والصلاة والسلام على منارات نوره وجلاله وجماله وإكرامه للأنام حبيبه وحبيبنا المصطفى وآله المختار. السلام عليكم مستمعينا الأكارم ورحمة الله وتقبل الله منكم جميل تقربكم إليه تبارك وتعالى بتعظيمكم للشعائر الحسينية وهي من أزكى مصاديق شعائره التي جعل تعظيمها علامة صدق الإيمان وتقوى القلوب. معكم أيها الأطائب في حلقة أخرى من هذا البرنامج ننقل لكم فيها جماليات جديدة في ملحمة عاشوراء الخالدة، جماليات نبهتنا إليها الصديقة الحوراء زينب الكبرى – سلام الله عليها – بكلمتها العرفانية الخالدة عن تلكم الملحمة: ما رأيت إلا جميلا. أيها الأحبة، نستجلي في لقاء اليوم جمالية بعض مظاهر معرفة الإمام ومواساته التي جسدها الحسينيون والزينبيات، معرفة أثبتت عظيم رسوخها في قلوبهم وقلوبهن تلك الموقف المشرقة في نصرة الإمام الحق.. ننقل لكم بعض مشاهد ليلة عاشوراء التي نقلها العلامة الفقيه الشيخ الحائري في كتابه (معالي السبطين).. ونبدأ بالمشهد التالي: (كان نافع بن هلال البجلي من أخص أصحاب الإمام الحسين – عليه السلام – به، وأكثرهم ملازمة له سيما في مضان إحتمال تعرضه لإغتيال جواسيس المعسكر الأموي، وفي ليلة عاشوراء رأى الحسين – عليه السلام – وقد خرج في جوف الليل الى خارج الخيام يتفقد التلاع والعقبات فتبعه، فسأله الحسين – عليه السلام – عما أخرجه قال: يا بن رسول الله أفزعني خروجك الى جهة معسكر هذا الطاغي. فقال الحسين – عليه السلام - : إني خرجت أتفقد التلاع والروابي مخافة أن تكون مكمنا لهجوم الخيل يوم تحملون ويحملون، ثم رجع – عليه السلام – وهو قابض على يد نافع، ويقول: هي هي والله وعد لا خلف فيه. ثم قال له: يا نافع ألا تسلك بين هذين الجبلين في جوف الليل وتنجو بنفسك؟ فوقع نافع على قدميه يقبلهما ويقول: ثكلتني أمي، إن سيفي بألف وفرسي مثله، فوالله الذي منّ بك علي لا فارقتك حتى يكلا). إخوة الإيمان؛ ولم تقتصر جمالية معرفة نافع بن هلال لحق إمام زمانه – عليه السلام – عند هذا الوفاء والفداء الجميل، بل يستمر في صورة جميلة ثانية نتلمسها في تتمة هذه الرواية حيث جاء فيها: (ثم دخل الحسين – عليه السلام – خيمة العقيلة الحوراء زينب الكبرى – سلام الله عليها – ووقف نافع بإزاء الخيمة ينتظره فسمع زينب تقول له: أخي هل استعلمت من أصحابك نياتهم فقال لها: والله لقد بلوتهم، فما وجدت فيهم إلا الأشوس يستأنسون بالمنية دوني استيناس الطفل الى محالب أمه. قال نافع: فلما سمعت هذا منه بكيت وأتيت حبيب بن مظاهر وحيكت ما سمعت.. قال حبيب: والله لو لا انتظار أمره – عليه السلام – لعاجلتهم بسيفي هذه الليلة: قلت: إني خلفته عند أخته وأظن النساء شاركنها في الحسرة فهل لك أن تجمع أصحابك وتواجهوهن بكلام يطيب قلوبهن. فقام حبيب ونادى: يا أصحاب الحمية وليوث الكريهة، فتطالعوا من مضاربهم كالأسود الضارية، فقال لبني هاشم: إرجعوا الى مقركم لا سهرت عيونكم.. ثم التفت الى أصحابه وحكى لهم ما شاهده وسمعه نافع، فقالوا بأجمعهم: والله الذي من علينا بهذا الموقف لو لا انتظار أمره – عليه السلام – لعاجلناهم بسيوفنا الساعة! فطب نفسا وقر عيناً فجزاهم خيرا. وقال: هلموا معي لنواجه الفاطميات، نطيب خاطرهن، فجاء حبيب ومعه أصحابه ونادى: يا معشر حرائر رسول الله – صلى الله عليه وآله – هذه صوارم فتيانكم آلوا ألا يغمدوها إلا في رقاب من يريد السوء فيكم، وهذه أسنة غلمانكم أقسموا ألا يركزوها إلا في صدور من يفرق ناديكم. فخرجت نساء الأنصار وقلن: أيها الطيبون حاموا عن بنات رسول الله – صلى الله عليه وآله – وحرائر أميرالمؤمنين – عليه السلام – فضج القوم بالبكاء حتى كأن الأرض تميد بهم. أيها الإخوة والأخوات، ونشهد في تتمة هذه الرواية صورة تفجر دموع المؤمنين فهي ذروة في جمال المواساة سجلتها إحدى غيورات المؤمنات، إنها السيدة الجليلة زوجة علي بن مظاهر الأسدي، فقد جاء في تتمة الرواية أن الحسين – عليه السلام – خطب في أصحابه ليلة عاشوراء وختمها بأن قال: (من كان في رحله إمرأة فلينصرف بها الى بني أسد، فقام علي بن مظاهر وقال: ولماذا يا سيدي؟! .. فقال – عليه السلام -: إن نسائي تسبى بعد قتلي وأخاف على نسائكم من السبي، فمضى علي بن مظاهر الى خيمته فقامت زوجته إجلالا له فاستقبله وتبسمت في وجهه وقالت: يا ابن مظاهر إني سمعت الحسين خطب فيكم وسمعت في آخرها همهمة ودمدمة فما علمت ما يقول؟ قال: إن الحسين – عليه السلام – قال لنا: ألا ومن كان في رحله إمرأة فليذهب بها الى بني عمها لأني غداً أقتل ونسائي تسبى. فقالت: وما أنت صانع؟ قال: قومي حتى ألحقك ببني عمك بني أسد، فقامت وشجت رأسها بعمود الخيمة وقالت: والله ما أنصفتني يا بن مظاهر، أيسرك أن تسبى بنات رسول الله – صلى الله عليه وآله – وأنا آمنة من السبي؟ أيسرك أن تسلب زينب إزارها من رأسها وأنا أتستر بإزاري؟ أيسرك أن تذهب من بنات الزهراء أقراطها وأنا أتزين بقرطي؟ أيسرك أن يبيض وجهك عند رسول الله – صلى الله عليه وآله – ويسود وجي عند فاطمة الزهراء – عليها السلام – أنتم تواسون الرجال ونحن نواسي النساء. فرجع علي بن مظاهر الى الحسين – عليه السلام – وهو يبكي، فقال له الحسين – عليه السلام -: ما يبكيك؟ فقال: سيدي أبت الأسدية إلا مواساتكم، فبكى الحسين – عليه السلام – وقال: جزيتم عنا خيرا. جزاكم الله مستمعينا الأكارم خير الجزاء وأجمله على جميل إصغائكم لحلقة اليوم من برنامجكم (ما رأيت إلا جميلا). قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، دمتم بكل خير وفي رعايته آمنين والحمد لله رب العالمين. جمالية الغيرة على الله واوليائه - 4 2015-01-06 09:33:52 2015-01-06 09:33:52 http://arabic.irib.ir/programs/item/11940 http://arabic.irib.ir/programs/item/11940 بسم الله وله الحمد جميل الصنع وحسن التدبير تبارك وتعالى نبع كل جميل والصلاة والسلام على مشارق جمال الله وجلاله المصطفى الذي بلغ العلى بكماله وآله الأطيبين الطاهرين. سلام من الله عليكم أيها الإخوة والأخوات ورحمة منه وبركات.. معكم أعزاءنا في لقاء جديد من هذا البرنامج، نستكشف فيها مصاديق أخرى للكلمة الزينبية الخالدة: ما رأيت إلا جميلا. مصاديق فريدة جلتها للعالمين الملحمة الحسينية الزينبية منذ بدئها، وظهرت بأجمل صورها في مواقف الحسينيين وهم يبتغون مرضاة الله بنصرة مصباح هداه سيد الشهداء – صلوات الله عليه -. نلتقيكم أيها الأحبة لنتأمل معاً في جمالية الغيرة على الله ورسوله وأوليائه المعصومين وهي تجذب قلوب المؤنين بجميل تجليها في أنصار الحسين – صلوات الله عليه وعليهم أجمعين – تابعونا مشكورين. نبدأ أيها الأكارم بالمشهد التالي الذي يصور استشهاد السفير الحسيني الغيور قيس بن مسهر الصيداوي – رضوان الله عليه – قال الرواة: كتب الحسين عليه السلام كتابا الى سليمان بن صرد الخزاعي والمسيب بن نجية ورفاعة بن شداد وجماعة من الشيعة بالكوفة وبعث به مع قيس بن مسهر الصيداوي فلما قارب دخول الكوفة اعترضه الحصين بن نمير صاحب عبيدالله بن زياد (لع) ليفتشه فأخرج قيس الكتاب ومزقه، فحمله الحصين بن نمير الى عبيدالله بن زياد، فلما مثل بين يديه قال له: من أنت؟ قال: رجل من شيعة أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وإبنه.. قال: فلماذا خرقت الكتاب، قال: لئلا تعلم ما فيه.. قال: وممن الكتاب والى من؟ قال: من الحسين عليه السلام الى جماعة من أهل الكوفة لا أعرفك أسمائهم، فغضب ابن زياد وقال: والله لا تفارقني حتى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم أو تصعد المنبر فتلعن الحسين بن علي وأباه وأخاه، وإلا قطعتك إربا إربا.. فقال قيس أما القوم فلا أخبرك بأسمائهم، وأما اللعن فأفعل، فصعد – رضوان الله عليه – المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأكثر من الترحم على علي والحسن والحسين عليهم السلام ثم لعن عبيدالله بن زياد وأباه ولعن عتاة بني أمية عن آخرهم.. ثم قال: أيها الناس أنا رسول الحسين عليه السلام إليكم وقد خلفته بموضع كذا فأجيبوه. فاستشاط ابن زياد غضباً فأمر بإلقائه من أعالي القصر، فألقي من هناك فسقط على الأرض وبه – رضوان الله عليه – رمق، فجاءه قاضي الكوفة من قبل البلاط الأموي عبدالملك اللخمي فقطع بقسوة بالغة رأسه الشريف وهو يستشعر بنشوة إنتصار اللؤم والأحقاد، فلما عوتب على فعلته الشنعاء قال – لعنه الله -: إنما أردت أن أريحه. ونتابع أيها الأكارم هذه الرواية لنجد جمالية وفاء الحسين لأصحابه، إذ ذكر المؤرخون أنه – عليه السلام – لما بلغه نبأ استشهاد هذا النصير الوفي ومواساته المسبقة له بقطع الرأس، إستعبر وجرت دموعه حارة، ثم رفع يديه الى السماء وقال: "اللهم إجعل لنا ولشيعتنا منزلاً كريماً وأجمع بيننا وبينهم في مسنقر من رحمتك إنك على كل شيء قدير". مستمعينا الأطائب، ونلمح جمالية الغيرة الإيمانية على رسول الله وذريته الأطيبين تتجلى بقوة في شيخ حفاظ القرآن العلويين في الكوفة برير بن حضير الهمداني، في المشهد التالي الذي نقله المؤرخون ضمن حوادث ليلة عاشوراء، تلك الليلة التي شهدت أجمل مظاهر التعبد التوحيدي تشع أنوارها في المخيم الحسيني من تلاوة القرآن والصلاة والدعاء. روي عن ابن الأعثم الكوفي في كتاب الفتوح والحافظ الخوارزمي في كتاب المقتل، قالا: جاء شمربن ذي الجوشن في نصف الليل من ليلة عاشوراء يتجسس ومعه جماعة من أصحابه حتى قارب معسكر الحسين – عليه السلام – فسمعوا الحسين يتلو قوله تعالى: "وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ{178} مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ...." (سورة آل عمران 178 – 179) فصاح رجل من أصحاب شمر: نحن ورب الكعبة الطيبون، وأنتم الخبيثون وقد ميزنا منكم، فقطع برير بن خضير الهمداني صلاته، ثم نادى: يا فاسق، يا فاجر! يا عدو الله، أمثلك يكون من الطيبين!؟ والحسين بن رسول الله من الخبيثين، والله ما أنت إلا بهيمة لا تعقل ما تأتي وما تذر، فابشر يا عدو الله بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم، فصاح شمر: إن الله قاتلك وقاتل صاحبك عن قريب.. فقال برير أبالموت تخوفني؟! والله إن الموت مع ابن رسول الله – صلى الله عليه وآله – أحب إلي من الحياة معكم، والله لا نال شفاعة محمد – صلى الله عليه وآله – قوماً أراقوا دماء ذريته وأهل بيته! فجاء إليه رجل من أصحابه وقال: يا برير إن أباعبدالله يقول لك: إرجع الى موضعك ولا تخاطب القوم، فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدعاء، فلقد نصحت وأبلغت في النصح والدعاء. إنها إذن مستمعينا الأفاضل غيرة الإيمان الصادق على الله ورسوله – صلى الله عليه وآله – تتجلى بكل صدق وعنفوان مقرونين بالنصح في مواقف أنصار الحسين – صلوات الله عليه وعلهيم – ويزيد من جمالية هذه الغيرة الإيمانية إقترانها بأجمل صور الإنتصار على إرعاب الظالمين وهم يسلطون سيوف غدرهم على معسكر الإيمان. سيوف قطعت أشلاء اولئك الغيارى ولكن جميل صنع الجميل تبارك وتعالى أبى إلا أن ينصرهم نصراً خالداً إذ جعلهم – رضوان الله عليهم – منارات خالدة يستنير بهم كل غيارى الإيمان ويقفون أمامهم بكل الإجلال والإكرام ويبقى وجه ربك ذوالجلال والإكرام. أطيب الشكر وأجمله نقدمه لكم مستمعينا الأكارم على طيب الإستماع لحلقة اليوم من برنامجكم (ما رأيت إلا جميلا) إستمعتم لها من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، تقبل الله أعمالكم ودمتم في رعايته سالمين. جماليات الغيرة على الأصحاب والفتوة في الجهاد - 3 2015-01-05 09:47:15 2015-01-05 09:47:15 http://arabic.irib.ir/programs/item/11939 http://arabic.irib.ir/programs/item/11939 بسم الله وله الحمد إذ من علينا بمن أظهر مشارق الأرض جماله الأبهى وإحسانه القديم حبيبه سيدنا الهادي المختار وآله الأطهار صلواته وتحياته وبركاته عليهم آناء الليل وأطراف النهار. السلام عليكم أيها الأطائب ورحمة الله وبركاته.. معكم في حلقة أخرى من هذا البرنامج هي الثالثة ننقل لكم فيها مشاهد تتجلى فيه جماليات الغيرة على الأصحاب وروح الفتوة والفروسية في الجهاد وجمالية التوبة الى الله عزوجل؛ تابعونا مشكورين. ونبدأ بالمشهد التالي الذي نقله آية الله الشيخ محمد السماوي – رضوان الله عليه – في كتاب (إبصار العين في أنصار الحسين) وهو يترجم أحدهم قائلاً: (عمرو بن خالد الأسدي الصيداوي أبو خالد كان شريفاً في الكوفة، مخلص الولاء لأهل البيت، قام مع مسلم حتى إذا خانته أهل الكوفة لم يسعه إلا الإختفاء، فلما سمع بقتل قيس بن مسهر وأنه أخبر أن الحسين – عليه السلام – صار بالحاجر خرج إليه، ومعه مولاه سعد، ومجمع العائذي وإبنه، وجنادة بن الحرث السلماني، واتبعهم غلام لنافع البجلي بفرسه المدعو الكامل فجنبوه وأخذوا دليلاً لهم الطرماح بن عدي الطاعي، وكان جاء الى الكوفة يمتار لأهله طعاماً، فخرج بهم على طريق متنكبة، وسار سيراً عنيفاً من الخوف لأنهم علموا أن الطريق مرصود، حتى إذا قاربوا الحسين – عليه السلام – حدا بهم الطرماح بن عدي فقال: يا ناقتي لا تذعري من زجريوشمري قبل طلوع الفجربخير ركبان وخير سفر حتى تحلي بكريم النجرالماجد الحر رحيب الصدرأتى به الله لخير أمر ويتابع العلامة السماوي – رضوان الله عليه – نقله قصة هؤلاء الأغيار قائلاً: فانتهوا الى الحسين – عليه السلام – وهو بعذيب الهجانات، فسلموا عليه وأنشدوه الأبيات. فقال – عليه السلام -: "أم والله إني لأرجو أن يكون خيراً ما أراد الله بنا، قتلنا أو ظفرنا". قال أبو مخنف: ولما رآهم الحر قال للحسين: إن هؤلاء النفر من أهل الكوفة ليسوا ممن أقبل معك، وأنا حابسهم أو رادهم، فقال له الحسين: "لأمنعنهم مما أمنع منه نفسي، إنما هؤلاء أنصاري وأعواني، وقد كنت أعطيتني ألا تعرض لي بشيء حتى يأتيك كتاب ابن زياد". فقال: أجل، لكن لم يأتوا معك، فقال: "هم أصحابي، وهم بمنزلة من جاء معي، فإن تممت علي ما كان بيني وبينك، وإلا ناجزتك". فكف عنهم الحر، وقال أبو مخنف أيضاً: ولما التحم القتال بين الحسين – عليه السلام – وأهل الكوفة، شد هؤلاء مقدمين بأسيافهم في أول القتال على الناس، فلما وغلوا عطف عليهم الناس فأخذوا يحوزونهم، وقطعوهم من أصحابهم، فلما نظر الحسين الى ذلك ندب إليهم أخاه العباس، فنهد إليهم وحمل على القوم وحده يضرب فيهم بسيفه قدما، حتى خلص إليهم واستنقذهم فجاؤوا وقد جرحوا، فلما كانوا في أثناء الطريق، والعباس يسوقهم رأوا القوم تدانوا إليهم ليقطعوا عليهم الطريق فانسلوا من العباس، وشدوا على القوم بأسيافهم شدة واحدة على ما بهم من الجراحات، وقاتلوا حتى قتلوا في مكان واحد. فرجع العباس الى الحسين – عليهما السلام – فأخبره بذلك، فترحم عليهم الحسين وجعل يكرر ذلك. أيها الإخوة والأخوات؛ ونلمح إن مشاهد غيرة سيد الشهداء – عليه السلام – وأصحابه قد أثرت في الحر الرياحي فجلا للأجيال جمالية التوبة الى الله والفتوة في مجاهدة أعدائه. يقول السيد نبيل الحسيني في كتابه (الجمال في عاشوراء) تحت عنوان (جمال التوبة): (هذا الجمال الذي تجلا للحر بن يزيد الرياحي – عليه السلام – في الحيرة والخروج منها باختيار الحق، أتبعه بجمال آخر وهو جمال التوبة. والصورة التي ينقلها أصحاب المقاتل والتاريخ في توبة الحر عليه السلام، و"رجوعه عن ذنبه" صورة في غاية الحسن ومنتهى الذوق الرفيع الذي تحلى به الحر. فقد ضرب بجواده نحو الحسن عليه السلام منكساً رمحه، قالباً ترسه، وقد طأطأ برأسه حياء من آل الرسول بما أتى إليهم وجعجع بهم في هذا المكان على غير ماء ولا كلأ رافعاً صوته: "اللهم إليك أنيب فتب علي، فقد أرعبت قلوب اوليائك وأولاد نبيك! يا أباعبدالله إني تائب فهل لي من توبة؟". فقال الحسين عليه السلام: "نعم يتوب الله عليك". فسره قوله، وتيقن الحياة الأبدية والنعيم الدائم. لأنه رأى جمالاً وحسناً في هذا الرجوع بالتوبة الى الله عزوجل. أيها الأحبة.. وقد قرن الحر الرياحي جمال التوبة الى الله تبارك وتعالى بجمال التحلي بخلق الفتوة الحسينية والفروسية الأبية وهو يجاهد الأعداء، فكرمه سيد الشهداء – عليه السلام – برثاء جميل شهد له بأنه الحر في الدنيا والآخرة، فقد قال المؤرخون وأصحاب المقاتل: خرج الحر بن يزيد الرياحي ومعه زهير بن القين يحمي ظهره فكان إذا شد أحدهما واستلحم، شد الآخر واستنقذه ففعلا ساعة. وأن فرس الحر لمضروب على أذنيه وحاجبيه والدماء تسيل منه، فقال الحصين ليزيد بن سفيان: هذا الحر الذي كنت تتمنى قتله، قال: نعم، وخرج إليه يطلب المبارزة، فما أسرع أن قتله الحر! ثم رمى أيوب بن مشرح الخيواني، فرس الحر بسهم فعقره، وشب به الفرس، فوثب عنه كأنه الليث، وبيده السيف، وجعل يقاتل حتى قتل نيفاً وأربعين؛ ثم شدت عليه الرجالة فصرعته. وحمله أصحاب الحسين عليه السلام ووضعوه أمام الفسطاط الذي يقاتلون دونه؛ وهكذا يؤتى بكل قتيل الى هذا الفسطاط، والحسين عليه السلام يقول: "قتلة مثل قتلة النبيين وآل النبيين". ثم التفت الى الحر وكان به رمق فقال له وهو يمسح الدم عنه: "أنت الحر كما سمتك أمك، وأنت الحر في الدنيا والآخرة". ورثاه رجل من أصحاب الحسين، وقيل: علي بن الحسين، وقيل إنها من إنشاء الحسين خاصة: لنعم الحر حر بني رياح صبور عند مشتبك الرماحونعم الحر إذ فادى حسيناًوجاد بنفسه عند الصباح وفي استشهاده عليه السلام بدا شاخصاً يعلم الأجيال دروساً من الحرية، ويلهم الفرسان فنوناً في الفروسية، وهم يأنسون بذلك الجمال حينما شب به الفرس، أي رفع يديه جميعاً من الأرض، فوثب منه كأنه الليث والسيف بيده. مشهد ظهر فيه جمال الرجولة، والعنفوان والفروسية. وختاماً تقبلوا منا، مستمعينا الأطائب أطيب الشكر على طيب المتابعة لحلقة اليوم من برنامجكم (ما رأيت إلا جميلا)، قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، لكم منا خالص الدعوات ودمتم بكل خير.. في أمان الله. تجليات الجمال الحق في ملحمة سيد الشهداء - 2 2015-01-04 09:47:16 2015-01-04 09:47:16 http://arabic.irib.ir/programs/item/11938 http://arabic.irib.ir/programs/item/11938 بسم الله والحمد لله الذي أمرنا بمحبة واتباع وموالاة أكمل آيات جماله الأزهر حبيبه المصطفى الأطهر وآله الأصفياء الغرر عليهم صلوات الله في كل بكرة وسحر. السلام عليكم أيها الإخوة والأخوات ورحمة من الله وبركات، وأهلاً بكم في ثانية حلقات هذا البرنامج ومشاهد أخرى من تجليات الجمال الحق في ملحمة الوفاء والصدق، ملحمة سيد الشهداء وركبة الأوفياء عليه وعليهم السلام. أيها الأحبة، لقد شهدت الملحمة الحسينية الزينبية المقدسة أزكى صور المعروف والعطاء والمكارم وسائر الأخلاق الفاضلة، فحببتها للقلوب عملياً بعد أن دعاها إليه الحسين – عليه السلام – في مواعظه البالغة، فمثلاً روي في كتاب "كشف الغمة في معرفة الأئمة" أنه – صلوات الله عليه – قال في إحدى خطبه: "أيها الناس، نافسوا في المكارم وسارعوا في المغانم.. واعلموا أن حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم فلا تملوا النعم.. واعلموا أن المعروف مكسب حمداً ومعقب أجراً. فلو رأيتم المعروف رجلاً رأيتموه حسناً جميلاً يسر الناظرين ولو رأيتمو اللؤم رأيتموه سمجاً مشوهاً تنفر منه القلوب وتغص دونه الأبصار.. ومن أحسن، أحسن الله إليه والله يحب المحسنين". وهذه الدعوة الحسينية للتنافس في المكارم والمسارعة في المغانم إستجاب لها جميع من شارك سيد الشهداء في ملحمة عاشوراء والصدق والوفاء، فقد وجدوا فيه – صلوات الله عليه – أسبق الخلق في الدعوة الى هذه المنافسة القدسية، فأحسن وأحسنوا في كل سلوكياتهم، إذ ظهر المعروف فيها بأبهى جماله، فكانوا سادة المحسنين، وأحبهم الله ذو الإحسان القديم فخلد ذكرهم أسوة وقبلة لعشاق جماله الحق. والمشهد الذي ننقله لكم في لقاء اليوم يجسد أجمل صور التنافس في المكارم من خلال حسن البر والصلة والرأفة والعطاء وهي من أحسن مصاديق المعروف. يصور لنا ولكم سماحة السيد نبيل الحسيني هذا المشهد المؤثر في كتابه (الجمال في عاشوراء) وهو يتحدث عن جمال الأهل في برهم وتواصلهم، وقد كان أصحاب الحسين من أهله – عليه وعليهم السلام – وجماليات هذا المشهد لم يستطع العنوان إستيعابها؛ إذ تعجز الألفاظ عن تصويرها ولكن القلوب والأرواح لا تفتأ عن التأثر بها والتشوق لها فتذرف دموع الشوق إليها وتنحي إكباراً وإعجاباً بجمالها. يقول أخونا السيد نبيل الموسوي حفظه الله: كثيراً ما يجمعنا البيت وتلفنا لحظات الأنس بالأهل، صور هنا وهناك من الجمال تشغلنا مع ساعات الليل والنهار فتحجب بحسنها وأنسها عنا الجمال الحقيقي للأهل. أو فلنقل: إنها تحجب عنا الجمال الذي بدا للأهل في عاشوراء. هذه الصورة الجمالية الكبرى بدت في كربلاء حين بروا بسيد الأهل وكبير البيت وعموده. واللطيف في هذه الصورة الجمالية أنها كانت انعكاساً لجمال أبهر الناظرين فكان كالشمس تتبعها الكواكب لتعكس نورها... إنها جمال رعوية الحسين عليه السلام، وجمال كبير الأهل وراعيهم لعياله. فلاحظ هذا الجمال في قوله عليه السلام وهو يخاطب أصحابه وأهل بيته: "هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا، وليأخذ كل رجل منكم بيد صاحبه أو رجل من إخوتي وتفرقوا في سواد الليل وذروني وهؤلاء القوم، فإنهم لا يطلبون غيري، ولو أصابوني وقدروا على قتلي لما طلبوكم". وفي رواية المجلسي، قال عليه السلام: "وهذا الليل فاتخذوه جملاً وتفرقوا في سواده فإن القوم إنما يطلبوني، ولو ظفروا بي لذهلوا عن طلب غيري". نعم أحباءنا.. الجمال الذي تألق في الصحبة والأبوة والرعوية من الإمام الحسين عليه السلام انعكس على تلك الشخوص الأزكياء كما تمد الشمس الكواكب بنورها لينعكس منها كمصابيح تتلألأ للناظرين. فانظر الى جمال موقفهم: فبدأ القول العباس بن علي عليهما السلام، فقال له: لم نفعل ذلك؟ ألنبقى بعدك؟! لا أرانا الله ذلك أبدا. ثم إن إخوته وأبناء الحسين عليه السلام وبني أخيه الحسن عليه السلام، وابني عبدالله بن جعفر – محمد وعبدالله – تكلموا بهذا ونحوه. فقال الحسين عليه السلام: "يا بني عقيل حسبكم من القتل بمسلم اذهبوا قد أذنت لكم". قالوا: فما يقول الناس؟ يقولون إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام، ولم نرم معهم بسهم، ولم نطعن معهم برمح، ولم نضرب معهم بسيف ولا ندري ما صنعوا! والله لا نفعل، ولكن نفديك أنفسنا وأموالنا وأهلينا، ونقاتل معك حتى نرد موردك، قبح الله العيش بعدك. وقام إليه مسلم بن عوسجة الأسدي فقال: أنحن نخلي عنك ولما نعذر الى الله في أداء حقك! أما والله لا حتى اكسر في صدورهم رمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمة في يدي، ولا أفارقك، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك! وقال سعيد بن عبدالله الحنفي: "والله لا نخليك حتى يعلم الله إنا حفظنا غيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيك والله لو علمت أني أقتل ثم أحرق حياً ثم أذر، يفعل ذلك بي سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً". والأجمل من هذه الأقوال هو ترجمتها على أرض الواقع في صبيحة يوم العاشر، فقد كانوا يتسابقون في الدفاع عن إمامهم عليه السلام ويتسارعون في نصرته؛ وكأنهم خلية نحل تفانت في حب يعسوبها. إنها مشاهد تألقت فيها مفاهيم كثيرة، وتفجرت منها منابع فكرية عديدة، فكانت منهلاً ومورداً يقصده الظمآن ويأنس به الولهان). وهكذا فللصحبة والمصاحبة جمال معهود عند المتصاحبين، لكن كيف بدا جمال الصحبة في عاشوراء؟ وكيف رأته عيون من تجلى فيه جمال المصطفى وحسنه صلى الله عليه وآله وسلم قائلاً: "إني لا أعلم أصحاباً خيراً ولا أوفى من أصحابي" فكانت صورة جمالية خاصة في الصحبة لم ير مثلها لا قبل الحسين عليه السلام ولا بعده؛ فمن قد وفى بهذا القدر من الوفاء كما وفى أصحاب الحسين عليه السلام؟ إنه جمال خاص بعاشوراء. فمشاهده تجلت للناظرين على مدى الدهر بحسنها وسحر جمالها، فكان من جميل جمال الوفاء فيها أن يقف أحد أصحاب الإمام الحسين عليه السلام وهو عمرو بن قرظة الأنصاري عليه السلام يستأذن الحسين عليه السلام، فيأذن له عليه السلام، فيقاتل قتال المشتاقين الى الجزاء، والمبالغ في خدمة سلطان السماء، حتى قتل جميعاً كثيراً من حزب ابن زياد وجمع بين سداد وجهاد، وكان لا يأتي الى الحسين عليه السلام سهم إلا اتقاه بيده، ولا سيف إلا تلقاه بمهجته، فلم يكن يصل الى الحسين عليه السلام سوء حتى أثخن بالجراح، فالتفت الى الحسين عليه السلام وقال: يا ابن رسول الله أوفيت؟! قال: "نعم أنت أمامي في الجنة فأقرئ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مني السلام، وأعلمه أني في الأثر". فقاتل حتى قتل رضوان الله عليه. فهل شهدت أرض جمالاً مثل هذا الجمال في الصحبة. وبهذا نصل أيها الإخوة والأخوات الى ختام حلقة اليوم من برنامجكم (ما رأيت إلا جميلا) قدمناه لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، شكراً لكم وفي أمان الله. نصر الكلمة العرفانية الخالدة والمدوية - 1 2015-01-03 11:17:50 2015-01-03 11:17:50 http://arabic.irib.ir/programs/item/11935 http://arabic.irib.ir/programs/item/11935 سلام من الله الجميل المطلق عليكم أيها الإخوة والأخوات ورحمة منه وبركات... أطيب التحيات نهديها لكم في مطلع أولى حلقات هذا البرنامج.. فأهلاً بكم ومرحباً. وكما لاحظتم – مستمعينا الأفاضل – فإن عنوان البرنامج هو نصر الكلمة العرفانية الخالدة والمدوية التي أجراها الله تبارك وتعالى على لسان وليته وأمته المخلصة الصديقة الطاهرة زينب الكبرى – صلوات الله عليها -. بهذه الكلمة التوحيدية ردت الحوراء الأسيرة على شماتة الطاغية عبيدالله بن زياد وهو يجسد إلحاده بآيات الله حيث خاطب هذه الصديقة المحمدية قائلاً: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك.. وكان سؤاله عن واقعة كربلاء واستشهاد الحسين وصحبه وسبي العيالات المحمدية.. فكان الجواب الزينبي شهادة ممن عايشت هذه الواقعة بجميع مشاهدها؛ شهادة بأن هذه الواقعة لم تشتمل إلا على الجميل؛ جميع صنع الله بعباده، وجميل صنع أبطالها في تجسيد أجمل صور التوحيد والعبودية الحقة لله تبارك وتعالى؛ قالت شاهدة ملحمة الإباء – صلوات الله عليها -: ما رأيت إلا جميلا. وبهذه الكلمة الخالدة نبهت الصديقة الحوراء – صلوات الله عليها – الأجيال الى يوم القيامة الى أن ينظروا الى وقائع ملحمة العشق الإلهي في كربلاء نظرات بعين العرفان الأصيل لكي يشهدوا جمالياتها فتختلط دموع الشوق الى تلكم المكارم والمحاسن العاشورائية بدموع الحزن على عظيم المصاب؛ نظرات تستكشف جمالية الرب في تعامله مع عباده؛ وجمالية العبودية وهي تتجلى في مواقف عباد الله المخلصين وابتغائهم مرضاة الله في أشد صنوف البلاء. ومما لا شك فيه أن استكشاف هذه الجماليات السامية أقوى عوامل بعث العشق الفطري لله ولأوليائه الصادقين، وهذا العشق هو أقوى عوامل التعبد الصادق والسلوك العرفاني، فهل الدين إلا الحب كما جاء في الأحاديث الشريفة. وهذا ما نسعى له في حلقات هذا البرنامج ونحن نستعرض مشاهد تلكم الملحمة الخالدة بفصليها الحسيني والزينبي، ونبدأ من المشهد الذي احتضن تلك الكلمة المجسدة لذروة العرفان المحمدي.. كلمة: ما رأيت إلا جميلا... أيها الأكارم.. نلمح في هذا المشهد جماليات العزة الإيمانية تتجلى في أقسى مشاهد الأسر والسبي، ونلمح جماليات الجهر بكلمة الحق في وجه السلطان الجائر بأسمى صورها وهي تقتل شماتته بأهل الإيمان وتذيقه حسرات ذل التمرد على طاعة الله.. ننظر الى هذا المشهد من خلال ما يقرأه فيه سماحة السيد نبيل الحسيني وهو يصوره في كتابه (الجمال في عاشوراء) قائلاً: (وقفت في مجلس غاص بالجبابرة والعتاة والشامتين؛ في مجلس وضعت فيه رؤوس أخوتها وأبنائها وأرحامها وهي إمرأة وحيدة تحيط بها نساء ثكالى وأطفال أيتام، غدت لا تبصر سوى شخص زينب بنت علي أميرالمؤمنين عليها السلام. إن بكت بكوا وإن أمسكت أمسكوا، وإن تكلمت أنصتوا وإن سكتت تأملوا واعتبروا. في مجلس وقف فيه طاغية عصرها شامتاً وساخراً وساحراً لعقول أطبق عليها الظلم فغدت بلهاء عوجاء حمقاء تتبع سبيل قوم مجرمين؛ فكأنه ألقى عليهم عصيه وحباله، وقال بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون ثم التفت إليها قائلاً: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم. كلمات خيل الى كثير من الجالسين كأنها حية تسعى!! فرمتها عقيلة حيدر عليهما السلام بكلمات تلقف ما يأفكون، فقالت عليها السلام: "الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وطهرنا من الرجس تطهيراً، إنما يفتضح الفاسق، ويكذب الفاجر، وهو غيرنا" فكانت جولة خسر فيها فرعون الكوفة ما أوتيه من سحر فلم يكن يدري أنها تنطق بلسان علي أميرالمؤمنين عليه السلام فأعاد الكرة لعله يفلح هذه المرة! وقد استجمع كل ما ورثه من رجس فألقى كلماته وقال: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟ فقالت عليها السلام: "ما رأيت إلا جميلاً هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج ثكلتك أمك يا ابن مرجانة". فغضب – اللعين – وكأنه هم بها. فقال له عمرو بن حريث: أنها امراة، والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها. فقال ابن زياد: لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك. فقالت: "لعمري لقد قتلت كهلي وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فإن كان هذا شفاءك فقد شفيت". فقال ابن زياد: هذه سجاعة! ولعمري لقد كان أبوك سجاعاً شاعراً. فقالت: "يا ابن زياد ما للمرأة والسجاعة! وإن لي عن السجاعة لشغلاً وإني لا عجب ممن يشتفي بقتل أنمته، ويعلم أنهم منتقمون منه في آخرته". نعم أيها الأكارم، لقد كان هذا الموقف الجمالي فريداً من حيث الزمان والمكان والفكر والرؤى والأشخاص والظروف والعوامل والألم والمشاعر والتحديات؛ فلم يشهد التاريخ يوماً ولن يشهد أن ينطلق مفهوم للجمال من قلب لم يبق موضع فيه يخلو من ألم مبرح ومصاب مقرح وهو مع هذا يرى الجمال يزهو من تلك الوجوه التي تعفرت على رمضاء كربلاء في ساحة الطف يوم عاشوراء. فحقاً ما رأت عقيلة علي عليهما السلام إلا جميلاً، فهي التي لم تفارق الجمال يوماً، فقد رأت عينها جمال تلك الوجوه التي لو أقسمت على الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله. وهي التي لم تفارق أذنها الجميل فها هو صوت جدها رسول الله وصوت أبيها علي وأمها فاطمة وأخويها الحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين يطرق مسامعها. أنه جمال في جمال هكذا نشأت في الجمال ولا ترى غير الجمال. ولذا: لما نظرت الى تلك الأجساد وهم أحبتها وأهلها وقد صبغتها الدماء أبصرت فيها الحياة التي تشرق مع كل صباح لتدب دورة جديدة في الفكر البشري فينهض مجدداً في وجه الجهل والظلم والإستبداد والذل. وينطلق في ساحات المعرفة والعدل والحرية والعزة. هكذا هو مفهوم الجمال عند العقيلة زينب فإما حياة بجمال وإما موت بجمال. نشكركم مستمعينا الأطائب على طيب الإستماع لأولى حلقات برنامج (ما رأيت إلا جميلا) قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران, الى لقاء مقبل بإذن الله دمتم بكل خير.