اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | الميدان الاول http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb إجعلوني في حل - 30 2014-08-25 08:58:30 2014-08-25 08:58:30 http://arabic.irib.ir/programs/item/11620 http://arabic.irib.ir/programs/item/11620 المجاهد الشهيد مصطفى شمران عنوان هذه الحلقة: (إجعلوني في حل) مستلة من الكتب: زبر الحديد، پاوه سرخ: أي باوة الحمراء "وچمران مظلوم بود"، أي كان شمران مظلوماً لم تكتف الحكومة الأمريكية بإغلاق جميع أبواب العمل بوجه شمران، بل اعتقلته... ثم اطلقت سراحه وأخذت تراقب نشاطاته السياسية... وتتدخل لمنع أي احتجاج أو تظاهر يقوم به الإيرانيون ضد نظام الشاه... فضلاً عن أنواع المضايقات التي راحت تمارسها ضد الطلاب أو الناشطين السياسيين الإيرانيين المقيمين.. فاضطر شمران الى مغادرة أمريكا نهائياً متجهاً الى لبنان... حيث وجد الى جنب أحد علمائها البارزين وأحد القادة المؤثرين في ساحتها السياسية السيد موسى الصدر، مناخاً مناسباً للعمل والجهاد من أجل الإسلام. وصل شمران الى لبنان عام 70 واستقر في الجنوب، ليدير المؤسسة التي كان السيد الصدر ينشأها باسم مؤسسة جبل عامل... وقد تحولت هذه المؤسسة الى مدرسة ومركز لتدريب شباب الجنوب على حمل السلاح بوجه الغطرسة الصهيونية... وانتهاكاتها المستمرة لمناطق الجنوب واحتلالها لأخرى... وبأمر من السيد الصدر، وجهود رجال الجنوب ومساعدة شمران تم تأسيس حركة أمل، لتتبن الدفاع عن حقوق أتباع أهل البيت (ع) الذين كانوا يعيشون وسط الوضع الطائفي المعقد آنذاك في لبنان: حرمان وإهمال الحكومة من جانب، وتهديدات وتحرشات الإحتلال من جانب آخر. في نفس العام الذي هاجر فيه شمران الى لبنان، بدأت هجرة الفلسطينيين باتجاه لبنان... فأخذت الأحزاب المارونية تتآمر من أجل إخراجهم. إلا أن الصدر وقف بثبات يذب عن المسلمين الفلسطينيين ويسعى الى توحيد الصف بوجه الإحتلال الصهيوني. وقوف الصدر وسط اللهيب شامخاً... وخطاباته التي قرأها الأعداء كرسائل تحذيرية: (إن الثورة الفلسطينية شعلة مقدسة، نصونها بأرواحنا وقلوبنا وسواعدنا..) جعلتهم لا يطيقوا وجوده، بل ويعملوا على إسكاته فاختطفوه عام 78. وتلاحقت الأحداث السياسية، فبعد اختطاف الصدر بشهور، انتصرت الثورة الإسلامية في ايران... فزارها شمران بصحبة قادة المقاومة اللبنانية... وكان ينوي العودة الى بيروت.. إلا أن قائد الثورة الإمام الخميني – رضوان الله عليه – طلب منه البقاء... وقد تم تكليفه بمسؤولية نائب رئيس الوزراء لشؤون الثورة... ويبدو أن هذا التكليف كان يستشرف طبيعة العقبات التي سيقيمها الأعداء بوجه الثورة... وبالفعل.. فقد نجحوا في إثارة القلائل في بعض نقاط البلاد... بينها كردستان، فذهب شمران إليها كممثل للحكومة... غير أنه اضطر لدخول ساحة الصراع كمقاتل وقائد ميداني...! وبعودة الأوضاع هناك الى سابق عهدها، عاد الى طهران ليشارك في مهرجانها الإنتخابي الأول لإختيار أعضاء البرلمان كممثل لأهالي طهران... ولم يمر طويل وقت حتى اندلعت الحرب، فتولى حقيبة الدفاع... أجل... أصبح شمران وزيراً... لكن من يعرف شمران لا يطلبه في مقر الوزارة، بل على أرض جنوب ايران الساخنة، حيث شكل أفواج الحرب غير المنظمة، وتولى قيادتها... وقد نجحت هذه الأفواج في الحد من تقدم القوات البعثية داخل الأراضي الإيرانية... وفي 21 من حزيران عام 81، وفيما كان يقوم بإحدى جولاته لمتابعة أداء قواته، في منطقة الدهلاوية في محافظة خوزستان، إنفجرت قذيفة بالقرب منه لينال الوسام الذي جاهد من أجله طويلاً. عندما تتردد كلمة الدكتور بينهم... فهي تمثل معنى واحداً لا غير: إنها مصطفى شمران... ولا تتوقع أن الكلمة تقال هكذا وبشكل إعتيادي... بل، انها تحاط بهالة من الحب المفرط والإحترام المبالغ فيه والتفخيم المثير... فليست هي علاقة عادية، تلك التي تربطه بتلاميذه في مدرسة جبل عامل. يكفي أن يروا شمران حتى يحيطوا به ويمطروه بقبلاتهم... هذه اللقطة أثارت أحد مرافقيه مرة، فقال: - لدينا من العمل ما يكفي... والوقت أمامنا ضيق... فلم يلتفت إليه شمران... وواصل إقباله على طلابه يلاعبهم ويلاطفهم..! وبعد مضي بعض الوقت، عاد المرافق ليقول: - لماذا نضيع الوقت هنا؟!... فالتفت اليه شمران وقال: - كل عملي ومهمتي في الحياة، هي رعاية هؤلاء الأولاد.. حاول أن لا تنسى ذلك ما دمنا معاً...!! وحل يوم العيد... وكان عليه أن يزور أهل زوجته، أخذاً بالتقاليد الجارية في لبنان... وكانت تنتظره وجبة دسمة أعدتها له عمته... إلا أنه لم يحفل بكل ذلك لأن من بين تلاميذه، عدداً كبيراً من الأيتام... وهؤلاء كانوا مضطرين للبقاء في المدرسة، بخلاف زملائهم الآخرين الذين غادروها لقضاء العيد الى جانب أسرهم... قالت له زوجته دون أن تستطيع إخفاء إمتعاضها من عدم زيارته أهلها: - بودي أن أعرف لماذا لم تأت؟! إبتسم مصطفى، وقال بصوت فيه نبرة إعتذار: - بعد بقاء هؤلاء الأيتام وحيدين، فضلت أن أبقى الى جانبهم... أتناول الطعام معهم... أحاول الترفيه عنهم... أجد لهم ما أشغلهم به... عادت الزوجة لتتسائل: - ولماذا تعشيت جبناً وخبزاً، وها هو الطعام الذي أرسلناه إليك على حاله؟! رد مصطفى: - لأن الأولاد لم يكن لديهم غير الجبن والخبز! - لقد عدت الى البيت متأخراً... وكان بإمكانك أن تتناول طعامك... فالأولاد لن يروك هنا...! نظر اليها مصطفى قليلاً، قبل أن تذرف عيناه دمعتين وهو يقول: - ولكن الله يرى!! اتسعت مؤسسة جبل عامل التي كانت مخصصة للأولاد... لتشمل مدينة الزهراء، التي بنيت لاحقاً كمدرسة للبنات. وكان شمران متجهاً يومها الى المدرسة على الطريق الساحلي الرئيس، المار من بيروت الى الجنوب... وعلى مقربة من المدرسة، توقفت سيارته خلف عشرات السيارات فراودته الشكوك باحتمال وقوع حادث ما في المدرسة فتساءل: - ما الذي حصل؟!... فقيل له: - إن شباب المؤسسة قطعوا الطريق لتمر سيارتك..! إحمر وجه شمران، وأطرق وهو يقول: - الويل لي!! وأضاف: - إذا لم يصفح الناس عيني، فماذا سيكون موقفي بين يدي الله؟! ترجل من السيارة مسرعاً... وأقبل على السيارات المتوقفة واحدة واحدة، مخاطباً أصحابها: - أعتذر لكم... يبدو أننا تسببنا في هذا التأخير... فلتصفحوا عنا...! وراح يكرر: أرجو أن تجعلونا في حل...! ومثلما اتسعت مؤسسة جبل عامل، تجذرت... وأصبح لها دور ريادي في الجنوب... خصوصاً بعد المواجهة البطولية لأحد طلابها مع قوة عسكرية صهيونية، اقتحمت قرية طيبة بالقرب من الحدود اللبنانية - الفلسطينية... فقد حاولت هذه القوة مداهمة منزل الطالب البطل فلاح شرف الدين... فوقف أبواه يصدان جنود الإحتلال عن دخول دارهما... فأقدم الصهاينة الجناة على قتل الرجل وزوجته على عتبة باب الدار... فأمسك فلاح ببندقية أبيه، وتحصن بغرفته، وراح يطلق النار على جنود العدو من النافذة... فنجح في قتل سبعة منهم... وتخاذل بنو صهيون عن مواجهته... فلم يجدوا سبيلاً غير تفجير المنزل على من فيه!! التحقيقات الصهيونية التي كشفت فيما بعد؛ ذكرت أن عالماً فيزياوياً يدير المدرسة التي درس فيها فلاح... كان يدرب تلاميذه على المقاومة الى جانب تدريسهم المبادئ الإسلامية وعلمي الفيزياء والرياضيات... وبعد أيام، بدأ الأهالي يتسلمون تحذيرات صهيونية بهدم دورهم، إذا ما أبقوا على أبنائهم في مؤسسة جبل عامل... وهكذا أصبحت المعركة غير المعلنة بين الطرفين جبهة مفتوحة...! أجل... لقد رحل شمران... ومن قبله شرف الدين الى بارئهما، لكنهما غرسا في أرض الجنوب... بذور المستقبل الواعد التي أنبتت رجالاً مقاومبن استطاعوا أن ينزلوا بالصهاينة، أول هزيمة لهم في تاريخهم المعاصر...!! القلب الخافق وقصة الفقر والبرد - 29 2014-08-24 08:33:25 2014-08-24 08:33:25 http://arabic.irib.ir/programs/item/11619 http://arabic.irib.ir/programs/item/11619 المجاهد الشهيد مصطفى شمران عنوان هذه الحلقة: القلب الخافق وقصة الفقر والبرد مستلة من كتب: زبر الحديد، پاوه سرخ، أي: باوة الحمراء وچمران مظلوم بود، أي: كان شمران مظلوماً همت أن ترسله لشراء الخبز لكنها ترددت... فهذا أول يوم يعيش مصطفى الصغير تجربة الصيام... ولعله لا يقوى على مقاومة العطش في الحر خارج البيت... وعادت تفكر... وماذا لو رجع أبوه من العمل متعباً... أليس من حقه أن يجد طعام فطوره جاهزاً... - مصطفى!... يا مصطفى!... نادته لتحسم ترددها... - نعم يا أمي...! جاءها صوت ولدها الحنون، قبل أن يطل عليها من نافذة المطبخ المشرفة على الحديقة... ناولته وهي تقول: - اشتر بهذا المبلغ خبزاً... مصطفى – كعادته – لا يحب إضاعة وقته هدراً، اصطحب معه كتاباً... فالمطالعة خير من قضاء الوقت في تصفح وجوه الناس والأشياء من غير طائل، أثناء انتظار وصول دوره عند الخباز..!... ثم هي نوع من الشغل المحبب في رمضان، فهي تلهي عن الجوع والعطش، دون أن تكلف بذل جهد أو مشقة...! وفي جو الفرن الحار.... وثرثرة الخباز ومساعده التي لا تنتهي، تثبط عزم مصطفى على المطالعة... سيما بعد ان جاء ذلك الرجل العجوز الذي يرتدي اسمالاً بالية، وهمس للخباز بشيء... قبل أن ينسحب بوجه منكسر...! ولكن... لماذا اكتست ملامح الرجل العجوز بكل ذلك القدر من الخذلان... أتراه أهين...؟! استغرب ذلك من نفسه... كيف لم ينتبه.. هل شغلته المطالعة لهذا الحد؟! أقبل على فتى في عمره، يقف هو الآخر في الدور، وسأله: - ما بال الرجل العجوز الذي خرج توا؟!... ابتسم الفتى بعطف، وقال: - طلب خبزاً... إلا أن الخباز لم يعطه...! بدت ملامح الألم والغضب معاً على وجه مصطفى... فترك دوره وخرج من الفرن مسرعاً... على بعد خطوات من الفرن، كان الرجل جالساً مفترشاً الأرض وعلى وجهه ذات الملامح التي خرج بها... استشعر مصطفى الحرج بدءا في التعاطي مع الموقف... غير أنه سارع الى افراغ جيبه من بضع قطع نقدية، هي بقية من مصروفه اليومي، ليضمها الى المبلغ الذي أعطته له أمه لشراء الخبز، ثم ليضع الجميع على الأرض أمام الرجل، ويطلق ساقيه للريح... وكأنه يخشى أن يرد الرجل ما أعطاه له... وفي الطريق الى البيت، كان يشعر بحرج من نوع آخر... لم يكن يخش عقوبة من أبيه أو أمه... بل لأنه يعلم أنهما بانتظار الخبز بعد ساعات الصيام الطويلة... وأيا كان الأمر فقد قرر، الا يفصح عن قصة الرجل العجوز. ولد الشهيد مصطفى شمران في مدينة قم المقدسة عام 1932 م... ثم انتقلت عائلته الى طهران، وكان له من العمر عام واحد... وفي طهران أتم دراسته بمراحلها المختلفة، ليتخرج من إحدى جامعاتها، حاملاً بكالوريوس الهندسة الميكانيكية بدرجة متفوق... وقد خولته هذه الدرجة لأن يستفيد من المنحة الدراسية التي تعطى للمتفوقين لإكمال دراستهم في الخارج... فسافر الى أمريكا، وانتمى الى جامعة تكساس.... وقبل أن ننتقل الى هناك... دعونا نقرأ سطوراً من صبى شمران وشبابه... فقد اشتغل مع أبيه يساعده في مشغل الخياطة الى جانب إخوانه العديدين... هذا المشغل الذي تحوّل – نتيجة النقاشات السياسية لمصطفى وإخوانه وأصدقائهم – الى مكان أشبه بالصالون السياسي... أما حياته الجامعية، فقد تميزت بالنشاط الدؤوب، سواء على المستوى الدراسي، أو على مستوى فعاليات الإتحاد الإسلامي للطلبة... وقد ساهم وزملاؤه في الإتحاد بجهد كبير في الكفاح من أجل تأميم النفط... وخلال زيارة الرئيس الأمريكي الأسبق – نيكسون – الى طهران ووجه بتظاهرات طلابية عارمة قادها شمران وزملاؤه، تعرضت للقمع بشدة ... مخلفة العديد من الشهداء والجرحى، كان مصطفى أحدهم. ونعود الى أمريكا، لنتابع مع مصطفى – الطالب المتفوق – دراسته الماجستير... إذ استطاع أن يثبت تفوقه هناك أيضاً، فأنجز الماجستير خلال عام واحد... هذا في وقت لم يتخل فيه عن نشاطه السياسي ضد النظام، وهو ما أدى الى حرمانه من منحته الدراسية... بيدَ أن ذلك لم يثبط من همة مصطفى العالية... فتابع دراسته في جامعة بركلي في كاليفورنيا، لينال الدكتوراه في هندسة الإلكترونيك وفيزياء البلازما عام 63... وليعمل بعدها في مؤسسة "بل" العالية للبحث العلمي... الضغوط والمضايقات الأمنية التي تعرض لها شمران على أيدي الأمريكيين، جعلته يتخلى عن الحياة الرغيدة التي كان يعيشها كباحث في أمريكا وينتقل الى مصر كثائر ومناضل...! فشمران الذي كان يعيش هم شعبه وبلده، وظلم النظام الملكي، وجد لدى الحكومة المصرية – ابان عبد الناصر – تعاطفاً مع قضيته، فانتقل الى مصر، ليتدرب على حرب العصابات، وليصبح مدرباً متميزاً في الدورات الصعبة في هذا المجال... لكنه وجد أن كل من يدربهم من اليساريين... فلم يرق له ذلك، وعاد الى أمريكا. الشيطان الأكبر الذي ترك الباب موارباً لدخول مصطفى أغلق بوجهه جميع الأبواب الأخرى... فلا المؤسسة التي كان يعمل فيها، ولا أي مكان آخر أبدى إستعداداً لإحتضانه... ذلك أنه صنف كصديق لعدو الكيان الصهيوني... ولذلك... فقد اضطر الى مغادرة أمريكا نهائياً... الغيوم المتراكمة لم تتح للشمس أن تطل بإشراقتها ولو لدقيقة واحدة... ومع عودة الثلج الى التساقط من جديد... بدأ الطلاب بمغادرة مدرستهم، مهرولين متصايحين باتجاه بيوتهم. مصطفى الذي اختار اختراق الحديقة العامة، اختصاراً للمسافة، كان يمشي باتزان وهدوء، وكأنه يأنس بالثلج الذي غطى رأسه ملابسه... وفي أواخر الحديقة... في ظلال شجرة وارفة، استوقفه مشهد شدما آلمه... خليط غير متجانس من قطع الكارتون والبلاستيك والقماش الوسخة الممزقة، روكم بنحو جعل منه شيئاً أشبه بالسقيفة.. كملاذ احتمى به صاحبه من الثلج المتساقط... وتحت هذه السقيفة أو ان شئت الكوخ الصغير.. جلس شيخ عجوز ممزق الملابس جلسة القرفصاء... مطرق الرأس... قد شبك يديه تحت ركبتيه... فبدا مستغرقاً في التفكير... توقف مصطفى بالقرب منه وهو يفكر: ماذا لو استمر هطول الثلج، فهل يمكن بقاء هذا البائس على قيد الحياة حتى الصباح؟!... جلس القرفصاء، وأخذ يحدق في وجه الرجل... فرآه مغمض العينين... وسمع بوضوح اصطكاك أسنانه... فتملكه الفزع وقال: يا إلهي.. لابد له من مكان يقيه البرد...! ربت على ذراعه العاري بلطف... ففتح العجوز عينيه، واكتسحت ملامحه فجأة موجة رعب... فوثب هارباً وهو يصرخ: تريد أن تقتلني... تقتلني... تقتلني..!! فذهل مصطفى للوهلة الأولى... إلا أنه تقدم باتجاهه فاتحاً ذراعيه، محاولاً تهدئته... غير أن العجوز، اندفع الى الإمام راكضاً، وهو يكرر ذات العبارة... فعرف مصطفى أن وضعه النفسي ليس على ما يرام... واستولى عليه شعور حاد، هو مزيج من الألم والندم... وقال مع نفسه: لو تركته معتصماً بملاذه، لكان خيراً له. كان أبوه وأمه وإخوته وجميع من في البيت يغطون في نوم عميق، إلا هو...! فقد ظل يتقلب طويلاً على الفراش... ومشهد العجوز وسط الثلج المتراكم، وعيناه اللتان أطل منهما الرعب، وذراعاه العاريتان وملابسه الرثة، ماثلة أمام عينيه لا تزول. وكمن حسم أمره بعد تردد طويل برقت عيناه باطمئنان وهو يزيح الغطاء، ناهضاً من الفراش ليخرج من الغرفة والصالة... ثم الردهة الإمامية الى ساحة البيت... إجتاحته موجة البرد... فلم يأبه بها... واصل تقدمه، حتى جلس مفترشاً البلاط، وسط الساحة...!! وشيئاً فشيئاً، أحس بأنياب البرد تنفذ الى بدنه، كأنها انصال حادة!... وعند الصباح، كان مصطفى يرقد على السرير أمام الطبيب فيما راح الأخير، يتأفف وهو يخاطب أبيه قائلاً: لابد أنه تعرض لبرد قاس! الرسالة الأخيرة - 28 2014-08-23 09:04:26 2014-08-23 09:04:26 http://arabic.irib.ir/programs/item/11618 http://arabic.irib.ir/programs/item/11618 المجاهد الشهيد مهدي باكري عنوان هذه الحلقة: الرسالة الأخيرة مستلة من كتاب (غروب آبي رود) أي: غروب النهر الأزرق كان مهدي دائم التنقل بين قطعات قواته، يتفقدها ويسهر على وصول الإمدادات العسكرية والتموينية إليها... هذا فضلاً عن أداء مهمته الأساسية في إعطاء التوجيهات العسكرية المواكبة للتطورات الميدانية... ولقد كان لهذا الحضور المستمر، والتعاطي الأخلاقي الأخوي السامي مع المقاتلين واشعارهم بمشاركته لهم في كل صغيرة وكبيرة؛ صدى طيب في نفوسهم، وحافز إضافي مشجع لمواجهة الظروف الصعبة، والضغوط العسكرية الشديدة... بل وكان سبب الإحترام والحب العميق فيما بينهم... ولم تخلو لقاءات مهدي بمقاتليه من مداعبات ومطايبات يستقبلها كلا الطرفين بنفس سمحة وأريحية عالية... وفي إحدى المرات واجه مهدي مقلباً طريفاً، من قبل جمع من المقاتلين الذين دعوه لتناول طعام الغداء معهم... فبعد انتهاء الدعوة، همَّ مهدي بمغادرة المكان... إلا أنه لم يجد حذاءه حيث تركه... فعرف أنه من تدبير أصحاب الدعوة... فنادى بصوت مرتفع محاولاً أسماعهم: - أيها الناس...! اتقوا الله.... فبادروا إليه متظاهرين بالبراءة، وهم يقولون: - ما الذي حصل؟! ..... فرد مهدي: - لقد أغار علينا العدو، فغنم حذاءاً بالياً لنا....! تضاحكوا وقالوا: - إذن... لم نخسر شيئاً...! رد الآمر بنفس أسلوبه الإستعراضي: - كلا... إننا نصر على استعادته، مهما كان الثمن..! رد أحدهم: - هذا إذا ثبت إنك جئت الى هنا محتذياً...! ضج الجميع بالضحك...! تقدم آخر ليقول: - أن حذاءك – يا جناب الآمر – قد تداعى، وأضرّ به الجهد والسنون وأصابه العجز، ولم يعد قادراً على الحركة، إلا بعكازتين... ولقد اشتكى طويلاً وبكى، فلم يجد من يصغي إليه... فرأفنا بحاله ورأينا أن نعفيه من مهمته، ونحضر لك بديلاً من مستودع الفرقة... مهدي، ورغم تجاوبه العاطفي مع مقاتليه رفض استخدام الحذاء الجديد، قائلاً: إنه لا يجيز لنفسه استبدال الملابس أو الأحذية ما دامت قابلة للإستخدام. انه لا يعترف بما يسمونه الحظ أو الصدفة... انه موقن أن كل حركة أو سكنة لا تحصل في هذا الكون الكبير من غير حساب وتدبير إلهي... ولكن ما معنى ذلك... أليس من حق الإنسان أن يعجب لما جرى له.. فها هو يحاول ومنذ يومين، دون طائل، تنفيذ تكليف قيادة عمليات الجنوب، بإيصال رسالة خاصة لآمر فرقة عاشوراء... أجل منذ يومين وهو يلاحق الآمر مهدي باكري في جولته التفقدية لمواقع قواته... الطريف انه وما ان يدخل أحد المواقع للسؤال عنه، حتى يقال له: انه كان هنا قبل قليل... حتى داخله الشك من ان الآمر لا يرغب بلقاء رسول القيادة... بيدَأن ذلك محض وهم لا يمكن تعقله... فمهدي يقود معركة قاسية، في ظروف بدأت تتعقد يوماً بعد آخر... وهو بحاجة الى أي مشورة أو إمداد يصله من القيادة الخلفية... ثم أن معرفته الكاملة بشخصية مهدي، تبرئه من أي احتمال من هذا النوع...! وقطع عليه أحد المقاتلين سلسلة أفكاره، عندما قال: - ها هو الأخ مهدي مقبلا...!..... وثب من مكانه غير مصدق، ثم تقدم إليه خطوات ليحتضنه... جلس الصديقان يتحدثان قليلاً عن بعض الشؤون... إلا أن مهدي قال: - ليس لدينا مزيداً من الوقت أيها العزيز... قل ما عندك...! انطلق الصديق يتحدث عن مهمته... فيما أطرق مهدي مصغياً... وشيئاً فشيئاً أخذت ملامحه تدلهم... وبدى وكأنه يستعجل إنهاء الحديث... غير أنه لم يقاطع صديقه حتى قال: - إن الإخوة في قيادة العمليات ينتظرون ردك... تنهد مهدي طويلاً وقال وقد شابت وجهه علائم عدم الإرتياح: - أبلغ عني القيادة رسالتي الأخيرة: إن الظروف الميدانية الراهنة لا تسمح لي أن أترك المقاتلين لوحدهم، فأكون كمن يحاول النجاة بنفسه... وأضاف وقد بان التأثر الشديد على وجهه: إنني واحد من هؤلاء المقاتلين... لقد دربتهم بنفسي، وزاملتهم في السفر والحظر... وسأبقي معهم حتى النهاية...! توقف قليلاً ثم أضاف: ولا حاجة لأن تقلقوا من أجلي... فإن كتب لي القتل، فمن اليسير أن تجدوا بديلاً عني... إغرورقت عينا الصديق بالدموع... فذاك هو مهدي الذي عرفه لم يتغير مؤمن ومخلص وأصيل... مسح دموعه، وقال: - أعطني ورقة وقلماً... تساءل مهدي: - ماذا تفعل بها؟ - أريد أن أكتب ردك للقيادة..! أجاب مهدي بعجلة: - لا... لا.. لاحاجة... ليبقى رسالة شفوية أفضل...! - ومن يبلغ الرسالة؟.... حدق مهدي في وجه صديقه، وقال: - أنت طبعاً....!..... رد بصوت متهدج: - إنني قررت البقاء هنا. سأل الآمر المخابر بشيء من القلق: - هل أرسلت البرقية ثانية...؟.... رد المخابر بسرعة: - نعم... قالوا بعد ساعة واحدة، تكون في طريقها إليكم... - لا.... لا.... هذا ليس مناسباً...! أبرق لهم ثانية ليعجلوا في الأمر....! القصف المدفعي المركز للقوات البعثية، عزز الإحتمال لدى آمر فرقة عاشوراء مهدي باكري بأن يكون القصف تمهيداً لهجوم موسع... مما دفعه الى مطالبه القيادة الخلفية بإرسال المزيد من العتاد والذخيرة كإجراء احترازي... ولكن ها هي الساعات تلو الساعات تمر، دون أن تصل أية إمدادات تذكر... وضع الآمر منظاره على عينيه، وبدلاً من أن يصوبه لجهة العدو، صوبه للجهة المقابلة... وبعد لحظات جاء أحد المقاتلين مسرعاً، ليعلن قدوم شاحنة الإمدادات... أزاح مهدي منظاره بسرعة، متساءلا: - أمتأكد أنت؟ رد المقاتل بثقة: - أجل... ولكنها لا زالت بعيدة نسبياً...! ظهر الإرتياح على وجه الآمر وهو يعود الى التطلع من خلال منظاره... ثم ما لبث ان ركب سيارته مصطحباً صديقه وثلاثة من المقاتلين، ليتجه صوب الشاحنة... وشقت السماء طائرة عدوة.. وبعد هنيهة، سمع صوت إنفجارين مدويين... اختطف الآمر منظاره... ومنذ النظرة الأولى، هتف بألم: - يا إلهي..!... تساءل الصديق: - ما الذي حدث؟! - يبدو أن الشاحنة أصيبت....!... تأوه الجميع... فيما أمر مهدي السائق بمضاعفة السرعة... كانت الطائرة المعادية قد استهدفت الشاحنة بصاروخين... أخطأ أحدهما هدفه، فيما استطاع الثاني إصابة مقدمة الشاحنة، مما أدى إضرام النار فيها، وإصابة السائق... وسارع مهدي بعد وصوله ورفاقه الى إصدار أوامره بإخلاء السائق والعمل على إخماد حريق الشاحنة.... قال الصديق محذراً: - أعتقد أن الشاحنة معرضة للإنفجار بين لحظة وأخرى...!! التفت مهدي اليه، وقال: - لستَ مجبرا على المشاركة... كما أشار الى الآخرين وقال: - ولا أي أحد منكم.... وأضاف: - أما أنا فأرى أن لا قيمة لحياتي، إذا ما استطعت إيصال الذخيرة الى المقاتلين... ذلك أن تركهم يقاتلون عدوهم بأيدي خالية تخل عنهم وحكم عليهم بالقتل... تقدم مهدي ليخلع قميصه، وليجعل منه وسيلة لحمل التراب وإلقاءه على النار المشتعلة... هذا المشهد جعل الصديق وبقية المقاتلين، يتخلون عن التردد ويندفعون لمساعدته. وصدق حدس آمر فرقة عاشوراء، فقد بدأ هجوم القوات المعادية... ووقف مهدي شجاعاً شامخاً، يشد على أيدي رجاله، قائلاً: - على العاشورائيين أن يقاتلوا قتالاً حسينياً... والى آخر قطرة دم... ليسجلوا أسماؤهم في صفحات الديوان الخالد لأصحاب الحسين (ع)... إننا في امتحان مستمر... وعملنا صعب جداً.... حتى إذا ما رأى الله صدقنا، فتح أمامنا أبواب رحمته... كان مهدي، ينتقل من ساتر الى ساتر، ومن موضع الى آخر، حاملاً قذيفته، متصدياً لدبابات العدو... قبل أن تصيبه طلقة... فتهاوى بدنه على الأرض، فيما حلق روحه الى السماء..!! سيد القوم خادمهم - 27 2014-08-20 08:56:23 2014-08-20 08:56:23 http://arabic.irib.ir/programs/item/11617 http://arabic.irib.ir/programs/item/11617 المجاهد الشهيد: مهدي باكري عنوان هذه الحلقة: سيد القوم خادمهم مستلة من كتاب (غروب آبي رود) أي: غروب النهر الأزرق وقفت شاحنة كبيرة محملة، أمام مستودع الفرقة، قبل أن ينادي سائقها: - يا حاج عبد الله..! يا حاج عبد الله...! أطل رأس شيخ ستيني من نافذة المستودع، وقال: - ساعدكم الله...!... ما هي حمولتكم؟!.... رد الآخر على عجل: - نحمل رزاً... وأردف: أرجو أن تعجلوا في إفراغ الشاحنة... فورائنا مشوار طويل. - لن يكون إلا ما تحب!... قال ذلك الحاج عبد الله... ثم خرج ينادي على رجاله... فبادر إليه شابان... فتحا الباب الخليفة للشاحنة، وشرعا بالعمل... وقف الحاج جانباً، وعلى وجهه علائم عدم الرضا... ثم هز رأسه وقال: - كان من اللازم أن يكون لدينا، ضعف هذا العدد من العاملين... صمت قليلاً، ثم عاد يقول: - الحمولة ثقيلة جداً، لابد أن أعمل شيئاً... دار الحاج حول المستودع، حيث تقع في أقصاه غرفة الإدارة... لم يسمع أحداً يرد عليه، عندما طرق الباب... توقف قليلاً، ثم عاد أدراجه.... مر شاب بالقرب من الحاج، ملقياً عليه التحية... فالتفت إليه الحاج وقال: - إذا كنت تريد المسؤول، فهو غير موجود..... رد الشاب: - سأنتظره قليلاً... واصل الحاج طريقه... إلا أن فكرة خامرت رأسه، جعلته يتوقف، ثم يقبل على الشاب ويقول: - لدينا حمولة من الرز، ونحتاج الى من يساعدنا في تفريغها... فهل أنت قادر على مد يدك إلينا... أجاب الشاب بلطف: - ولم لا، أنا في خدمتكم..... أحس الحاج بالإنشراح، فقال: - بارك الله فيك..! أخذ الحاج يراقب الشاب وهو يعمل... فأعجب بهمته... مستغرباً، إذ لم يتفق له أن رآه من قبل... فاستنتج أنه لابد أن يكون من المتطوعين الجدد... ولذا فقد قرر مع نفسه، مفاتحة مسؤول المستودع بشأنه... كان الحاج لا زال يتحدث مع نفسه... عندما أقبل المسؤول فانبرى إليه قائلاً: - كنت أبحث عنك... فاستفهم المسؤول قائلاً: - خير إن شاء الله...!.... فقال الحاج: - سبق وأن أخبرتك، ان عدد أفرادنا، لا يفي بحاجة المستودع، وقد عثرت على شاب، بين المتطوعين الجدد... فنرجو أن تحيلوه إلينا...! رد المسؤول: - لا مانع لدينا....! قاد الحاج المسؤول ليريه المتطوع الجديد... لكن المسؤول توقف مذهولاً، ما إن وقعت عيناه على الشاب، ثم التفت الى الحاج وقال: - ماذا فعلت يا حاج؟!.... واندفع نحو الشاب... تملك الحاج العجب... إلا أنه ذهل هو الآخر، عندما عرف أن الشاب، هو مهدي باكري قائد الفرقة. شمس تموز اللاهبة... ودعت السماء قبل دقائق... إلا أن الهواء لا زال حاراً شديد الحرارة... يلفح الوجوه كألسنة النيران...! الأرض... سقف الموضع العسكري الذي دخله قبل قليل قائد الفرقة... أكياس التراب التي رصف بها... كل شيء في هذا المكان، يغلي من الحر...! قطعة من قماش الكتان السميك، التي علقت على بوابة الموضع، فصلت بين موسمين مختلفين... يكفي أن تزيح القطعة، لتنتقل من جحيم الصيف الى جنة الخريف... الموضع يمثل غرفة استراحة لكادر مشجب السلاح، والذي كان مشمولاً بجولة آمر الفرقة التفقدية ذلك اليوم.. ابتسم الآمر مهدي باكري الذي بدا متململاً في جلسته وقال: - هل تحتفظون بشيء من ماء الشرب، لوقت الحاجة؟! ضحك مسؤول المشجب وأفراده، ونهض أحدهم على عجل، فيما قال آخر، مخاطباً الضيف: - ومن هو الذي يستغني عن الماء؟!... رد الآمر مسدداً الرمية الى الهدف مباشرة: - ولماذا لا تقول: من هو الذي يحتاج الى الماء، في هذا الجو الشتائي...؟! قدم أحد المقاتلين عصيراً لآمر الفرقة... فقال: - أردت ماءاً وحسب...! قالوا: - سنأتيك بالماء أيضاً.... رد باسماً: - إذن سأنتظره...!.... تساءل أحدهم بمزاح: - وهل يفضل السادة المسؤولون الماء على العصير...؟! ابتسم الآمر وقال: - ربما يخشون ألّا يكون الجميع، قد نال نصيباً منه... مهدي الذي قرر المبيت هناك... رفض الرضوخ لالحاح كادر المشجب بقضاء ساعات الليل، الى جانب هواء المكيف البارد... لم يعلل إصراره على النوم خارج الموضع... لكنهم عرفوا أنه يريد التأسي بمقاتليه، الذين يمضون النهار بطوله، تحت أشعة الشمس اللاهبة...! وفي منتصف الليل... استيقظ مسؤول المشجب، فتذكر الآمر الذي ينام في العراء، يتقلب في الحر... فنهض ماشياً على أطراف أصابعه... حتى إذا ما بلغ مكانه، لم يجده..! استولى عليه العجب للحظة... غير أن صوتاً حزيناً يخالطه البكاء، طرق أذنيه... تلفت يمنة ويسرة... فرأى شبحاً يقف في الظلام... تسمر في مكانة، وراح يرهف السمع لكلمات الضراعة المنسابة بهدوء ولوعة.. ثم عاد القهقرى، ونفسه التي أنست لتلك الكلمات... تتوق لسماع المزيد... مع اتساع دائرة الهمس بين المقاتلين، ازدادت رقعة الألم... النبأ الذي دار على الألسن بسرعة، انتهى بتحذير، يلزم الجميع عدم البوح به الى الآمر... كيف يمكن أن تشهد الفرقة حدثاً، ينال كل هذا الإهتمام... ويبقى بعيداً عن علم الجهة المسؤولة...؟! قدماء المقاتلين ممن لهم معرفة سابقة بمهدي، قدموا اقتراحاً يتمثل في توجيه دعوة إليه، لتناول الطعام، وهناك يسعون الى طرح الموضوع معه بشكل هادئ... وتمت الدعوة، وأخذ الآمر مجلسه... ووفق توزيع خاص للأدوار، بدأ أصحاب الإقتراح، الحديث تمهيداً للموضوع... إلا أن الإتجاهات التي اتخذها الحديث، لم تستطع استغفال فطنة مهدي الذي أدرك المغزى، فقاطعهم قائلاً: - إن كنتم تريدون إخباري بشهادة أخي حميد، فأنا أعلم... أسقط ما في أيدي الجميع، وذهلوا... إلا أن أحد المقاتلين تساءل: - وهل عرفت أيضاً أن جسده بقي في المنطقة المحرمة؟! أجاب مهدي دون أن تبدو عليه مشاعر الإنكسار: - أجل...! عاد المقاتل ليقول: - إن الإخوة هنا، يصرون على السماح لهم بنقل الجسد...! نظر مهدي في عينيّ المقاتل، بشيء من عدم الإرتياح، وقال: - إن كان هذا الإجراء يشمل بقية أجساد الشهداء، فلا مانع، اما إذا أريد له أن يكون مقتصراً على جسد حميد، فلن أسمح به...! وتساءل بنبرة إكتست بالغضب: - ما معنى أن يميز أخي عن بقية الشهداء؟!... وسكت قليلاً، ثم تابع بنبرة مختلفة: - إنني موقن أن روح حميد سيسعد بالبقاء الى جانب إخوته الشهداء...! وفي الليل... جلس مهدي يكتب رسالة الى أهله، يعزيهم فيها بشهادة حميد، ويعتذر إليهم عن عدم قدرته على حضور مراسم الدفن، مؤكداً أن الشهيد قد أوصاه بالبقاء في الجبهة، ومواصلة طريق الشهداء، حتى يكتب للإسلام النصر... عانقه بحرارة، وقال وقد اغرورقت عيناه بالدموع...: - أهلاً بك يا حميد، ما الذي جاء بك؟ إبتسم حميد، وهو يداري الدموع التي افلتت من عينيه، وقال: - جئت لأكون الى جانبك....!... ثم مد إليه يده بالملف الذي يحمله وهو يقول ممازحاً: - ضع لنا توقيعك الشريف على هذه الأوراق..! حدق مهدي في الملف قليلاً، ثم قال: - ملفك بحاجة الى إمضاء مقر حرس الثورة في تبريز..! رد حميد موضحاً: - قال لي الإخوة في قلم الفرقة: ان توقيع الآمر يجزي.. - لا أيها الحبيب... لابد أن تعود الى هناك... أجاب مهدي بحزم ورقة أيضاً... علت وجه حميد إبتسامة، دون أن يعلق بشيء... مسح مهدي دموعه.... واستعاذ بالله من الشيطان، وهو يحاول إبعاد هذه الذكريات عن رأسه... متصوراً أن لحظة ضعف قد ألمت به..! القلب ومهرجان الفرح - 26 2014-08-19 09:37:25 2014-08-19 09:37:25 http://arabic.irib.ir/programs/item/11616 http://arabic.irib.ir/programs/item/11616 المجاهد الشهيد مهدي باكري عنوان هذه الحلقة: القلب ومهرجان الفرح مستلة من كتاب: (آقاي شهردار) أي: السيد رئيس البلدية رن الهاتف في غرفة رئيس البلدية... فتناول الرئيس الحاكية، وبادر الى إلقاء التحية كعادته... إستمع قليلا ثم قال وفي صوته رنة رجاء: - دعك من الرئيس والمرؤوس، وقل يا أخ مهدي...!... وإذا شئت مهدي باكري. ظهرت معالم القلق على وجه رئيس البلدية، وتساءل بلهفة: - فيضان..؟!... قلت أسفل الشارع العام...؟! ... جيد... جيد...! أغلق الخط... وأجرى مكالمتين سريعتين، قبل أن يغادر مبنى البلدية، مصطحباً عدداً من فرق الإغاثة... كان الماء يتدفق بسرعة وقوة، مغطياً المنطقة المنخفضة الكائنة الى جانب الشارع العام... وكان أبناء المحلات المجاورة قد هبوا لنجدة المنطقة المنكوبة... غير أن جهودهم الفردية لم تترك أي تأثير يذكر... فرق الإغاثة التي باشرت عملها بإشراف رئيس البلدية، بدت وهي تواجه إندفاع الماء وترسب الطين تتلكأ في أداء مهمتها... غير أنها وبالتدريج أخذت تسيطر على الموقف.. رئيس البلدية الذي كان يوزع أوامره هنا وهناك، طرق سمعه صراخ إمرأة... فركض باتجاه البيت القريب... ركل الباب الخارجي بقوة ودخل... كانت هناك امرأة عجوز، تقف في ساحة البيت مولولة... فناداها: - ما الذي حدث يا أمي؟... هل جرف الماء أحد أفراد العائلة؟! ردت العجوز وهي تبكي: - لا يا ولدي... بل أثاث بيتي... فكل ما أملك قد طموته المياه! إستعان رئيس البلدية ببعض الأفراد هناك لإخراج الأثاث، ثم طلب من آخرين إقامة حاجز ترابي أمام البيت... فيما انطلق هو ليأتي بمضخة لسحب المياه من داخل البيت... وبعد أن لاحظت المرأة هبوط منسوب المياه في بيتها، هتفت ضارعة: - أراك الله كل خير يا ولدي... مثلك من يجري الله على يديه الخير... وليس رئيس بلديتنا... الفيضان ينازع الناس أرواحها وأموالها منذ الصباح، وهو يسرح ويمرح...! وأضافت وهي تكاد تتميز من الغيظ: - تمنيت لو أن أمره اليّ، لطردته من منصبه شر طردة...! وبعد ساعات تراجعت مياه الفيضان عن الحي بكامله... فبدأ رجال الإغاثة، بتوزيع الأغطية والمواد الغذائية، وبعض الحاجات الضرورية على المتضررين. واقترب رئيس البلدية من المرأة العجوز، وقال: - أمي العزيزة!... ألديك حاجة أخرى أقضيها لك... سبقت دموع المرأة كلماتها، وهي ترفع يدها نحو السماء وتقول: - أسأل الله أن يمتعك بشبابك يا ولدي...!... ويرضى عنك... إذهب بأمان الله، وأردفت: - والله لا أدري ما إذا أقول عن رئيس البلدية... يا ليت أنه يملك شيئاً بسيطاً من غيرتك ورجولتك...! إكتفى رئيس البلدية بأن ابتسم إبتسامة خجولة... قبل أن يودع المرأة وينصرف... ولد الشهيد مهدي باكري عام 1956 في مدينة مياندوآب في محافظة أذربيجان الغربية غربي إيران.. أكمل دراسته الإبتدائية والإعدادية في مدينته، قبل أن ينتقل الى تبريز لمتابعة دراسته في جامعتها... ثم ليغادرها بعد خمس سنوات حاملاً شهادة تخرجه في الهندسة المدنية... وخلال حياته الجامعية مارس مهدي العمل السياسي، وكان من الطلبة الناشطين خلال التحرك الطلابي والشعبي الذي قاده الإمام الخميني (رضوان الله عليه) ضد النظام البائد... مهدي الذي تشهد له أروقة الجامعة بالشجاعة والتصدي لقيادة المظاهرات الطلابية... كان بدرجة من الذكاء، بحيث أنه لم يترك أية بصمات تدل عليه... ولهذا لم تستطع أجهزة أمن النظام أن تدينه بشيء.. رغم أنها اعتقلته وأخضعته للتحقيق مرات... ومرات... دقة مهدي المتناهية، رشحته لدخول معترك العمل المسلح ضد النظام... وتلك صفحات من حياته لم تدون بعد... بعد انتصار الثورة الإسلامية، عين رئيساً للبلدية في منطقته وكان طيلة خدمته الوظيفية، دائم الحركة، يباشر خدمة الناس بنفسه... مكتفياً بقدر يسير من النوم والراحة... وما أن اندلعت الحرب الظالمة على الجمهورية الإسلامية، حتى استقال من وظيفته والتحق في صفوف المتطوعين...! مهدي... تلك الكتلة المتوقدة من الإخلاص والتواضع والرفق وقدرة استيعاب الناس، والذكاء أيضاً... تدرج سريعاً في المواقع العسكرية، حتى أصبح قائداً لإحدى الفرق... ولقد نال حب أفراد وحدته... لما رأوه فيه من تفان، وتواضع وشجاعة وتعامل أخوي صادق، وتلك صفحات أخرى سنأتي إليها لاحقاً... أما الآن... فدعونا نعود قليلاً لنطل على طفولة مهدي لنرى... أهي التربية والظروف والوراثة وحدها التي صنعت هذه الشخصية... بهذه السمات الممتازة... أم أنها أيضاً خميرة من ضرب آخر...! لم يحل فصل الشتاء في ايران ذاك العام بعد.. لكن خريف محافظة أذربيجان الغربية كشتاءها بارد هو الآخر... كان والد مهدي عائداً الى البيت في شاحنة نقل عامة عندما شاهد مهدي حاملاً كتبه وهو في طريقه الى المدرسة... أحس بوجود شيء غير طبيعي في مظهر إبنه، لكنه لم ينتبه لحظتها لطبيعته.. لكنه وما أن غادر الشاحنة، حتى حضرته الفطنة... أجل.. لم يكن على مهدي قمصلة تقيه البرد..! تعجب... لماذا لم يرتد مهدي قمصلته؟!... دخل بيته... وأول شيء فاه به بعد السلام: - لماذا لم يرتد إبنك قمصلته في هذا الجو البارد؟! فوجئت أم مهدي بسؤال زوجها، لأنها لم تلق نظرة على إبنها حال خروجه... بيد أنها أجابت بما توقعته، قائلة: - لعله اعتبرها قديمة...! - ليست قديمة... ولكن لا ضير... سأشتري له أخرى... وعاد أبو مهدي من العمل في اليوم التالي مصطحبا قمصلة جديدة... مهدي الذي فوجئ بالموضوع... تساءل: - لأي شيء تكلفت يا أبي... قمصلتي القديمة لا زالت جيدة... رد أبوه متهكما وعلى وجهه ابتسامة عريضة: - قيل لنا: إنك ربما اعتبرتها قديمة...! سارع مهدي الى نفي ذلك... فقال الأب باستنكار: - إذن لماذا لا ترتديها.. ألا تحس بلذع البرد...؟! تولت مهدي حالة من الإرتباك... فتمتم بكلمات غير مفهومة كأنه يداري خجله... وبعد تردد قصير بدا أنه حسم أمره... فالتفت الى أبيه وقال: - الحق يا أبي... إنني كنت أشعر بالبرد الشديد... إلا أنني أخجل من ارتداء القمصلة... تساءل الأب بتعجب: - لأي شيء تخجل؟!... أطرق مهدي برأسه وهو يقول: - إن لي صديقاً يتيماً ليس لديه قمصلة... ولا مال للشراء...! ظهر الإرتياح الشديد على وجه الأب.. وشعر بالفخار إذ وجد لدى ولده كل هذا القدر من النبل، والمشاعر الإنسانية السامية... فقبله.. وقال باسماً: - لا عليك سأسوي القضية بنفسي...! خمن مهدي بذكائه ما سيقوم به والده، فقال بقلق: - لكن... يا أبي... إن صديقي أيوب عزيز النفس، ولن يتقبل لباساً من أحد حتى وان كان هدية... ضحك الأب وقال: - سأتدبر الأمر بطريقتي الخاصة فلا تقلق...! وقف التلاميذ منصتين لكلمة مدير المدرسة خلال الإصطفاف الصباحي... تحدث المدير عن أهمية الأخلاق في الحياة الإجتماعية، وأكد أن إدارة المدرسة اتخذت قراراً بتكريم الطلاب من ذوي الأخلاق العالية... وأضاف: لقد وقع الإختيار هذا العام على الطالبين مهدي باكري وأيوب الياري... فليتفضلا لإستلام هديتيهما... تبادل الصديقان إبتسامة مفعمة بالسعادة... قبل أن يتجها نحو المدير... وفي طريق العودة الى البيت كان مهدي يسير وفي قلبه مهرجان، يضج بالفرح والسعادة الغامرة... وخطر له: إن أول شيء ينبغي له أن يفعله، هو أن يقبل يد والده... فقد صان بفكرته الذكية وجه صديقه...!! بعيداً عن دائرة الضوء - 25 2014-08-18 09:21:31 2014-08-18 09:21:31 http://arabic.irib.ir/programs/item/11615 http://arabic.irib.ir/programs/item/11615 عنوان هذه الحلقة: بعيداً عن دائرة الضوء مستلة من كتاب (يك روز يك مرد) أي: رجل وموقف رددت جنبات المعسكر صوت المؤذن الشجي، فيما تواصل توافد المصلين على القاعة الكبيرة التي اتخذت كمسجد وسط المعسكر. اغتبط الزائر الذي وصل تواً بهذا التزامن وتوجه الى المسجد... مبيتا في نفسه العودة سريعاً، فور الفراغ من أداء مهمته... مشهد المقاتلين، الذين انتظموا للصلاة بزي واحد، استدعى لديه، ذكريات أصدقاء استشهدوا وآخرين لم يعد يعرف عنهم شيئاً... كالحاج داوود كريمي الذي زامله في المستشفى، بعد دخولها جراء إصابتهما بالسلاح الكيمياوي. الحاج داوود، الأخ الطيب الودود... لكم تألم، وهو يسمع استقالته من مسؤوليته الكبيرة في قوات حرس الثورة الإسلامية... متمنياً أن يراه ليعرف سبب قراره ذاك... تراءى له في تلك اللحظة مقاتل شبيه بالحاج... فضحك مع نفسه، وقال: يا لبراعة الخيال..!! تابعه بعينيه، فرآه يجلس، وحيداً منعزلاً، كأنه لا يعرف أحداً، ولا يعرفه أحد...! فقال مع نفسه: لا يمكن أن يكون هذا، هو الحاج داوود..! ارتفعت الأصوات فجأة، منبأة عن قدوم إمام المسجد، وسرعان ما انخرط الجميع في الصلاة. ومع انتهاء الصلاة.. بدأ يستمع لشيء أشبه بهمس بدأ يتعالى: إنه الحاج، إنه الحاج...! قال بصوت شبه مسموع: سأقطع الشك باليقين...! وثب من مكانه مخترقاً الصفوف ليصل الى حيث وجد الرجل لم يغادر مكانه بعد... توقف لحظات وقد شلته المفاجأة... يا إلهي...! إنه الحاج داوود بلحمه ودمه...! خطا نحوه خطوة عريضة، مطلقاً السلام بنبرة استعراضية... التفت اليه الحاج، وفي وجهه رجاء، يدعوه للغض من صوته... تصافح الرجلان بحرارة... وفي أثناء ذلك أعرب الحاج عن رغبته في البقاء بعيد عن الأضواء... إنتحى به جانبا، وقال وهو يشير الى بدلة المتطوعين التي ارتداها: - ما هذا؟! أجاب الحاج والإبتسامة لا تفارق شفتيه: - لباس، كما ترى...! ضحك وقال: - هل أستطيع أن أفهم، لماذا اعتزلت الوظيفة... لم أرك يوماً تتهرب من المسؤولية... وها أنت ترى، إننا لا زلنا نخوض الحرب...! رد الحاج يحاكيه: - ها أنت تراني في لباس الحرب... أما المسؤولية فقد تحملناها في وقت قلَّ الناهضون بها... أما الآن.. فلم يعد الأمر كما في السابق... إنني أعتقد أن الحرب قد وجدت الرجال الجديرين بقيادتها والحمد لله. تداول الرجلان النقاش لبعض الوقت... قبل أن يأزف موعد مهمة الصديق، فتوادعا ليمضي كل منهما في طريقه. كان يقود السيارة صوب المستشفى وتفكيره نهبا للقلق الشديد... لقد قرأ كل شيء في رد الطبيب الذي يعالج أباه... لم يقل أنه على وشك النهاية...! بل قال: إن بدنه لم يعد يستجيب للعلاج... - يا ميثم، يا ميثم...! اقتحم نداء أبيه سمعه، لينتشله من عالمه الخاص ناسياً جلوس أبيه الى جانبه.. - أجل... أجل يا أبي...! - توقف يا ولدي توقف...! قال الحاج داوود لاهثاً... ركن ميثم السيارة على يمين الطريق، وقال: - لماذا يا أبي؟! قال الحاج برنة عتاب، وقد بدا يعاني صعوبة في التنفس... - ألم تر – يا ولدي – أخاك في الدين... أو في الإنسانية يستغيث بك؟! إلتفت ميثم الى الخلف، فرأى رجلاً يقف الى جانب سيارته، ملوحاً بعلبة بلاستيكية للسيارات المارة... ابتسم الحاج رغم المعاناة، وقال: - ((إرحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء))! رد ميثم معتذراً: - لم أنتبه إليه والله يا أبي...! ترجل ميثم سريعاً، فتح حقيبة السيارة، اختطف علبة البنزين التي اعتاد أبوه الإحتفاظ بها لمثل هذه الحالات، وهرول باتجاه الرجل، ثم عاد بعد هنيهة الى مكانه لاهثاً خلف مقود السيارة... ابتسم الحاج، وقال بأنفاس متلاحقة: - ساعدك الله..! إعلم.. أيها العزيز... أن العمل الذي قمت به... وان كان صغيراً... فهو كبير عند الله..! ألقى ميثم نظرة خاطفة على أبيه، قبل أن تتحرك السيارة بهدوء... أثارت فيه ملامح وجه أبيه المتقلصة، ذكرى تعود الى سنين خلت. كان وقتها طالباً في آخر سنة من المرحلة الإعدادية... وكان برفقه أبيه ليوصله بسيارته الى حيث تجري الإمتحانات النهائية في مدرسة أخرى... كان قلقاً من الإمتحان.. ويخشى أن لا يصل في الوقت المناسب.. ومع كل دقيقة تمر، يزداد توتره العصبي... وفجأة مال أبوه بسيارته الى اليمين ليركنها... تعجب من فعل أبيه وسأل: - لماذا توقفت يا أبي؟! رد أبوه وهو يشير الى الخلف: - ألم تر الرجل الذي كان يلوح لنا؟!... قال بانزعاج: - أي رجل؟ لم يكن هناك أحد...! أجاب أبوه مبتسماً، وهو يشير الى الرجل الذي أقبل نحوهما راكضاً: - يا عزيزي... هذا الرجل الذي جاء اثرنا منادياً: أيا للمسلمين! لم تأخذ العملية من الوقت سوى هنيهة، الا انه أحس أنه على وشك الإنفجار من الغيظ... وعندما استأنفت السيارة سيرها... خاطب أباه معاتبا: - هل أن ذلك يعني: أن مستقبلي لا يهمك بقدر ما يهمك هذا الرجل الغريب؟! ضحك أبوه، وأجاب ملاطفاً: - ما هذا الكلام يا رجل؟!.... لا زال أمامنا متسع من الوقت... دع عنك القلق... وسترى أن كل شيء يسير على ما يرام...! ثم تنهد بعمق وقال: - هل من الصحيح أن نفكر بأنفسنا فقط... ولا نحسب أي حساب للآخرين... من يدري؟ لعل الرجل ينقل مريضاً الى المستشفى... أو أنه طبيب يتعجل الوصول الى مرضاه، أو عشرات الحالات الحرجة الأخرى التي تتطلب العجلة.. وسكت قليلاً قبل أن يضيف: - فهل ترى أن حضورك الإمتحان، أهم من حياة إنسان؟! شعر حينها بالحياء الشديد، ولم يجد ما يعبر به غير القول: - عذراً يا أبي!! دخل الممرض غرفة الطبيب، وخاطبه بشيء من الإنفعال: - أرجوك جناب الدكتور، أنا عجزت عن التفاهم مع هذا المريض.. إنه يرفض تقبل غالبية الخدمات لأمثاله من المصابين بالكيمياوي... رد الطبيب، الذي بدت عليه المفاجأة: - ومن هو هذا المريض؟! نظر الممرض في الملف الذي بين يديه، وقال: - إنه داوود كريمي... اتسعت حدقتا الطبيب، وقال: - الحاج داوود... عجباً...! إنه من خيرة المرضى أخلاقاً... ولكن لماذا؟! رد الممرض بتبرم: - إنه يقول: ينبغي تقديم هذه الخدمات، الى من هم أشد حاجة منه...! تأمل الطبيب قليلاً، ثم تساءل: - هل يرافقه أحد من أهله؟ - نعم إبنه... - ادعوه الى هنا. دخل ميثم غرفة الطبيب، ملقياً التحية، ثم تساءل: - طلبتني يا دكتور؟! - نعم... أعتقد انك تعلم بموقف أبيك، فماذا ترى؟! ابتسم ميثم، وقال: - لا يمكن حمل أبي على خلاف إيمانه وقناعاته..... صمت قليلاً قبل أن يضيف: - قد تستغرب إذا عرفت أنه رفض تقديم طلب لإفادتي من قانون إعفاء أبناء المقاتلين من الخدمة العسكرية... تساءل الطبيب باستغراب: - ولماذا؟! - لأنه يرى أن المعاناة والتضحية، هما اللتان تبلوران صلابة الإنسان، وتصقلان شخصيته... وبغيرهما، يبقى الإنسان هشاً، فاقداً لمعرفة القيمة الحقيقية للحياة والأشياء.. كمن يبدد ثروة ورثها، لأنه لم يعان أو يجهد في سبيل تحصيلها.. ضحك الطبيب والمريض، وقال الطبيب: - أجل والله نعم ما يقول! لم يعد الحاج داوود بحاجة الى الأخذ والرد مع الأطباء أو الكادر الطبي.. فلقد كانت هذه المرة، خاتمة زياراته المتكررة للمستشفى.. من يدري... فلعله استشرف موعده القريب مع عالم الشهداء... حيث يسرح في ((ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.)) المحطة الصلواتية - 24 2014-08-17 08:46:49 2014-08-17 08:46:49 http://arabic.irib.ir/programs/item/11614 http://arabic.irib.ir/programs/item/11614 المجاهد الشهيد داوود كريمي عنوان الحلقة: المحطة الصلواتية (مستلة من كتاب "يك روز يك مرد" أي رجل وموقف) توقفت الحافلة أمام مبنى خشبي مربع منخفض السقف وبدأ ركابها بالنزول.. لم يستطع الركاب إخفاء مفاجأتهم بأصوات القصف المدفعي التي راحت تسمع من بعيد... إذ لم يجر بحسبانهم أن خطوط القتال قد أصبحت قريبة نسبياً... ضحك عضو المنتخب الإيراني لكرة القدم الذي انفصل شيئاً ما عن بقية الركاب، وهو يقرأ "المحطة الصلواتية" كعنوان للمبنى الذي بدا له أشبه بالمطعم..! تركزت عيون رواد المحطة – وهم من المقاتلين – على الركاب الذين راحوا يدخلونها، متهامسين ضاحكين... تهالك عضو المنتخب على أول كرسي صادفه، قبل أن يبتسم للشيخ الذي سارع إليه يحيه، ويضع أمامه كأساً من عصير البرتقال وقال: - لماذا اخترتم هذا الإسلام لمطعمكم يا أبي؟! أجاب الشيخ ضاحكاً: - المطاعم في كل مكان، تطالب زبائنها بالمال لقاء ما تقدمه لهم من خدمة... أما نحن، فنستقبل المقاتلين الذاهبين الى خطوط القتال والزائرين، ولا نطالب أحداً بغير الصلاة على محمد وآله... قال الشيخ ذلك، وتابع جولته على بقية الركاب، ضاحكاً... همس أحد المقاتلين لجليسه: - من هؤلاء؟ يبدو أنهم زائرين؟ رد الآخر: - أجل... إنهم وفد من الأدباء والفنانين والرياضيين، ينوون زيارة الجبهة... لا زال عضو المنتخب، يمسك بكأس العصير، دون أن تمسه شفتاه... فقد استلفت عينيه، وجه رجل كهل محبب بين المقاتلين... سبق له أن رآه... ولكن أين؟! لقد بدا له الأمر، أشبه بذكرى بعيدة... لكنها ذكرى لها وقع طيب في خاطره...! انتبه الى نفسه... لعله أطال النظر أكثر مما ينبغي... أحس بشيء من الإحراج.. تناول جرعة من كأسه، كان العصير بارداً ولذيذاً، ارتشف جرعة ثانية، ثم عاد يحدق في وجه الرجل من جديد... إبتسم الرجل... تراه ابتسم له؟... يا إلهي..! أيكون هو.. أجل إنه ليبدو هو!... بل هو بعينه..! أجل... هو... هو...! نهض واقفاً.... وضع الكأس على المنضدة، وتقدم نحو الرجل. فوجئ الرجل بالرياضي الزائر وهو يحتضنه... إلا انه تعامل بلباقة وأريحية وأخلاق عالية، وقال: - أنا داوود... داوود كريمي... ولتعذر ذهن أخيك المتحالف مع النسيان... وأردف ضاحكا: - الآخرون يحالفهم الحظ، وهو يحالفه النسيان..! مسح عضو المنتخب عينيه اللتين اغرورقتا بالدموع، وقال: - الحق معك يا حاج... لقد مر على تعارفنا القصير، عهد طويل... وكنت آنذاك صبيا، لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره... إبتسم الحاج، كمن لم يتسن له التقاط رأس الخيط بعد، وقال: - كما قلت لك، فأنا والنسيان صديقان حميمان، فلا تتصور أنك ستنجح في التفريق بيننا بسهولة، واطلق ضحكة قصيرة. رد الشاب وقد بدا مصراً على تنشيط ذاكرة الحاج: - إننا أبناء محلة واحدة... إلا أنني انتقلت فيما بعد الى محلة أخرى... ولقد كنت تقطع الساحة الصغيرة القريبة من بيتكم – عصر أحد الأيام – وكان هناك مجموعة من الصبية يلعبون كرة القدم... أما أنا فقد وقفت على هامش الساحة، بعد أن تشاجرت، أرقب اللعب من بعيد... فأتيت أنت لتدنو مني وتسألني: - لماذا لا تنظم الى أصدقائك وتلعب... فأجبتك وقد غلبني البكاء: - لقد منعوني اللعب...!... فاكتسى وجهك بالألم... ثم ابتسمت تشجعني وقلت: - لا تبكي...!... كن رجلاً...!.. انتظرني قليلاً، سنلعب معاً... وذهبت... وما أسرع ما عدت، ومعك كيس مليء بالكرات الملونة.. لعبنا بعض الوقت معا... وعندما ذهبت، تركت الكيس بكراته... فعدوت خلفك أناديك... حاملاً الكيس... إلا أنك التفت نحوي مبتسماً، وقلت: هو لك... - يا إلهي!... هذا هو الطفل اليتيم... قال الحاج مع نفسه ثم ضحك وقال: - أجل لقد تذكرت...! وأضاف: ما شاء الله، لقد أصبحت رجلا..! ضحك الشاب وقال بامتنان: - لقد أثمر تشجيعك، لذلك الصبي اليتيم، لاعب الحارة... ليصبح لاعباً على مستوى البلد! إحمر وجه الحاج قليلاً، وقال ساعياً الى تغيير مجرى الحديث: - أنتم الرياضيون في ساحاتكم، ونحن المقاتلون في ساحاتنا، كلانا مطالبان بأن نصنع النصر من أجل عزة الإسلام والبلد الإسلامي. غادر الوفد الزائر الى الجبهة، مودعاً من قبل المقاتلين... فيما بدا أن الحاج داوود، يفكر هو الآخر بالإنصراف نادى أحد المقاتلين: - يا جماعة... إن الحاج يتحين الفرصة للإنسحاب... فهتف آخر: - ضيقوا الحصار عليه..!.... تقدم ثالث وأمسك بيد الحاج، وهو يقول: - أرجو أن لا تلجئنا – أيها الحاج – لإستعمال اسالبينا الميدانية..! فضحك الحاج وقال: - وما هو المطلوب؟ رفع الثالث صوته وهو يقول: - يا جماعة...! كفو عن الرجل، فلقد رفع الراية البيضاء. أحاط المقاتلون بالحاج، وهم يداعبونه... قال أحدهم: - نريد أن تحدثنا عن واحدة من ذكرياتك أيام النظام البائد...!....إعترض الحاج برفق: - لم يبق لنا مزيد وقت... عاد المقاتل نفسه الى المناداة: - احذروا...! هناك محاولة لفك الحصار...! ضحك الحاج... ثم طافت بوجهه سحابة ألم، قبل أن يتنهد ويقول: في إحدى المرات، دخلنا في مواجهة غير محسوبة مع قوات أمن النظام... كنا مجموعة مسلحة... ولكن، لم يكن معنا سوى مسدس واحد.. ومنذ الدقائق الأولى للمواجهة، أصيب أحد عناصرنا إصابة بالغة... واستطعنا – بحمد الله – من سحبه، رغم وابل الرصاص ومطاردة عناصر الأمن... لم نكن قادرين على المجازفة، بتأجير سيارة، أو حتى التوقف لتضميد جراح صاحبنا... فظلت تنزف طول الطريق... ورأينا أن أسلم طريقة، هي اختراق الأحياء القديمة، ونقله الى بيتنا، رغم بعد المسافة.. وتمت عملية النقل بعون الله بنجاح... لكن بمشقة كبيرة جداً... كان علينا أن نقدم تفسيراً للحادث، لكل عابر سبيل يشاهدنا ونحن نحمل رجلاً غارقاً بالدماء! المهم، اننا وصلنا، وأحضرنا طبيباً الى البيت لمعالجة الجريح... ولكن القضية لم تنته عند هذا الحد. ارتفع رنين الهاتف... فنظر أحدنا الى الآخر... قبل أن ارفع الحاكية بحذر... باغتني صوت أحد أفراد مجموعتنا الذي بقي لمراقبة الموقف، قائلاً: - إن عناصر الأمن، بدأوا بتتبع آثار الدم، وانهم سينتهون اليکم لا محالة... مقترحاً الإنتقال الى مكان آخر.. كان تنفيذ هذا الإقتراح بمثابة إنتحار... ذلك أن موقع بيتنا المنزوي في شبكة من الأزقة الضيقة، لا يسمح بإدخال سيارة لنقل الجريح... كما أن حالته لا تتحمل جرجرته ونكأ جراحه... فلم يبق أمامنا من طريق، غير اللجوء الى الله تعالى، فانخرطنا بالدعاء... شمل الحاج الجميع بنظرة، وقال: - هل تعرفون ما هو دعاؤنا... ثم أجاب بنفسه: - دعونا الله تعالى، أن ينزل المطر عاجلاً..! سأل أحد المقاتلين، وقد بدا أنه لم يتابع القصة جيداً: - وماذا تفعلون بالمطر؟!... رد الحاج بسرعة بديهة: - حتى نسقي حقلنا يا عزيزي...! فضج الجميع بالضحك..! وتابع الحاج: - كانت الدموع تنسكب بغزارة مع كلمات الدعاء المنطلقة بإخلاص وحرارة وأمل: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء) ونظر الرحيم الى ضعفنا وقلة حيلتنا... فأغاثنا.. وسرعان ما سبحت أزقتنا الضيقة بالمطر... التفت الحاج الى السائل، وقال: - وهكذا غسل المطر، آثار الدماء، التي كانت ستقود رجال الأمن الينا. فاه الحاج بكلماته الأخيرة، وقد تندت عيناه هو الآخر بالدموع... ربت أحد المقاتلين على كتفه، وقال ممازحاً: - لا حاجة للبكاء يا أخي... لقد أفرجنا عنك...!... فانقلب الموقف الى الدعابة والضحك.... قبل أن يغادر الحاج وسط احتفاء إخوانه المجاهدين، وتوديعهم الحار..! صاحب الدراجة الهوائية - 23 2014-08-16 09:21:18 2014-08-16 09:21:18 http://arabic.irib.ir/programs/item/11564 http://arabic.irib.ir/programs/item/11564 المجاهد الشهيد داوود كريمي عنوان الحلقة: صاحب الدراجة الهوائية مستلة من كتاب ( يك روز يك مرد) اي : رجل وموقف تلقى تحية الحاج داوود الصباحية المعتادة، فأمسك عن العمل، ملوحاً بيده اليمين، وآخذاً بذراع مكنسته الطويل بالشمال... مر الحاج على دراجته الهوائية، وابتسامة محببة تطبع ملامحه الراضية... فيما ظل عامل البلدية يلاحقه بعينيه، حتى اختفى بعد منعطف الشارع القريب... لشد ما يحبه... لم ير إنساناً مثله في تواضعه وسماحته... وهل ينسى صباح أحد الأيام ، وقد تملكته الحيرة ، امام ركام كبير من الأوراق والصور الدعائية التي خلفتها الحملة الإنتخابية ، مبعثرة على امتداد الشارع...وبينما كان يرقب الموقف ، وصل الحاج على دراجته فألقى التحية... وأسند دراجته الى شجرة قريبة، ثم شمر عن ذراعيه وراح يجمع الأوراق... تنهد... وأمسك مكنسته بكلتا يديه واستأنف العمل... كان يرى الحاج باستمرار – قبل هذا الحادث – ويرد على تحيته، عندما يراه مقبلاً لافتتاح ورشة الخراطة التي يملكها... لكن لم يكن يعيره كبير اهتمام... كان يمثل بالنسبة له لغزاً محيرا... من يكون هذا الرجل صاحب الدراجة الهوائية... ذو الظاهر البسيط... والذي ينكب على العمل في ورشته من الصباح الى أوائل المساء... حتى إذا ما عاد الى بيته، ضاق الزقاق – ليلاً – بالسيارات الفارهة التي يزوره أصحابها... ولم يطل الأمر ليعرف أن الحاج يستقبل في بيته الصغير العديد من الشخصيات الكبيرة في البلاد... وبحل هذا الشطر من اللغز فإن شطره الآخر بقي غامضاً عصيا على الفهم... أجابه أحدهم وقد سأله عن الحاج: - ألا تعرف؟! إن الحاج داوود كريمي، أحد القادة العسكريين الكبار، قبل الحرب وأثناءها... تساءل وقد أذهله هذا الإكتشاف: - إذن لماذا اعتزل المسؤولية، ليشتغل بهذا العمل الشاق؟! قلب الآخر يديه وهو يقول: - هذا ما لا أدريه... ولد الشهيد داوود كريمي في طهران عام 1947، وقد ذاق اليتم وكابد العناء منذ نعومة أضفاره... فقد توفي والده وله من العمر سبعة أعوام... واضطر الى التخلي عن المدرسة تحت إلحاح ضغط المعيشة... فلجأ الى ورشة خراطة يعمل فيها، وهو العمل الذي لازمه الى آخر أيام حياته... كان الحاج داوود طيب النفس، رحيماً بالناس، يخفق قلبه لمعاناة الفقراء، ويستشعر آلام اليتم التي سبق له تجربة غصصها... وفي ورشته الصغيرة، كان يعمل أربعة عمال كلهم أيتام، لم تكن حاجة العمل هي التي أتت بهم... وإنما عاطفة الحاج... بعد أن اطلع على عمق معاناتهم... وفي أحد الأعياد... قدم لعماله هدية نقدية... حتى أن الفتى الصغير الذي التحق بالعمل قبل فترة قصيرة، نال ما ناله زملاؤه... ولم يبق للحاج وأسرته، غير ثلث ما أعطي للعامل الواحد... فحمله لزوجته خجلاً، طالباً منها أن تتدبر شؤون الأطفال به. عمل قبل انتصار الثورة الإسلامية، في العمل الجهادي المسلح ضد النظام الملكي البائد... وانتمى بعد الإنتصار لقوات حرس الثورة.. ونظراً لسابقته الإيمانية والجهادية فقد عين قائداً لهذه القوات في طهران... ثم أصبح قائداً لها غربي البلاد. وبعد العدوان الذي شنه النظام المقبور في العراق على الجمهورية الإسلامية نيابة عن الصهيونية والإستكبار العالمي، أصيب خلال القتال عدة مرات بالغازات الكيمياوية السامة... تلك الإصابات التي تركت ندوباً قاسية على صحته... ولم تسالمه يوماً، حتى أودت بحياته في النهاية... كان الحاج يتهرب من القبول بالمواقع والمسؤوليات القيادية... وكان يعتبر أن الحاجة وحدها هي التي دعته للقبول بالمسؤولية بدءاً... فلقد كانت الثورة تعد لأولى خطوات إنطلاقها آنذاك... أما وبعد تجربة الحرب الضخمة التي امتدت ثمانية أعوام، فقد برزت شخصيات قيادية، نضجت بفعل المحك الميداني... وكان يكرر القول: ان الجبهة وجدت قيادتها... وعندما يلحون عليه للقبول بمسؤولية ما، يجيب... انه يعتقد أن من يقبل بتولي مسؤولية وهو يعلم من نفسه عدم جدارته بها... فهو خائن. - بالله عليك يا حاج إلا ما حدثتنا عن الجبهة وذكرياتها... اتسعت إبتسامة الحاج داوود، وهو يستمع لسؤال أحد زواره الذين غصت بهم غرفة الإستقبال الصغيرة في بيته... كانت أحاديث الجبهة وأخوة الجهاد، الهواء الذي يتنفسه الحاج... رفع رأسه بعد إطراقة غير قصيرة، وقال: - كان أحد مسؤولينا العسكريين، عاملاً في مستقبل حياته... وكان إخلاصه وذكائه قد رشحاه للتقدم في سلم المسؤوليات... فبلغ مراكز قيادية عالية... أخذ الحاج رشفة من كوب الشاي الموضوع أمامه منذ فترة... ثم واصل: - لا تسألوا عن إيمانه وأخلاقه... فلقد كان قمة من القمم... إبتسم الحاج... ثم أطلق ضحكة قصيرة... ضحك الزوار مجارات له... قطع الحاج موجة الضحك وقال بشكل لا يخلو من حدة: - لأي شيء تضحكون؟!... بهت بعض الحاضرين لهذه المفاجئة فيما واصل الآخرون – الذين يعرفون قفشات الحاج داوود – الضحك، وهم يقولون: - ضحك؟!... أرأيت أحداً يضحك؟!... واصل الحاج: - ... نعم... لقد فاجأنا صاحبنا يوماً وقد عاد من الإجازة، بشيء لا يمكن لكم أن تتصوروه، مهما حاولتم... إلتفت الحاج يميناً وشمالاً قائلاً بين الجد والهزل: - يمكنكم أن تجربوا... أن تختبروا ذكائكم...! قال أحدهم: - أنا أجيب... لقد جاءكم بقدر... قدر كبير... فلربما... قاطعه ثان: - أنا أقول دراجة هوائية... ورد ثالث ورابع وتشابكت الأصوات الممزوجة بالضحك... فقاطعهم الحاج مبتسماً وهو يقول: - لقد كان اختباراً سيئاً لمستوى ذكائكم للأسف... تعالى الضحك مرة ثانية... مد الحاج يده لكوب الشاي، إلا أنه لم يأخذه... وبدا وكأن غمامة من الأسى قد اجتاحته فجأة... مد يده لعلبة المناديل الورقية، وتناول واحدة، وراح يجفف دمعتين كادتا أن تسبقه... خيم الصمت على الجميع... فقد عرفوا أن الأمر خرج عن نطاق الهزل... تعجب الحضور من هذا الإنتقال المفاجئ لدى الحاج من عالم الضحك الى عالم البكاء... رفع الحاج رأسه، بعد أن بقي مطرقاً برهة من الزمن... وقال: - أجل... لقد أحضر صاحبنا شيئاً غير متوقع أبداً... انها آلة يدوية تستخدم لنقل التراب من أعماق البئر – الى الخارج، أثناء عملية الحفر... آلة بسيطة، تتكون من بكرة خشبية كبيرة وحبل طويل ودلو... لا أكثر... أمسك الحاج عن الكلام قليلاً، ثم تابع: - لقد أثار وجود تلك الآلة، عاصفة من التعليقات والمداعبات. فقد اعتبرها أحدهم: وسيلة جيدة للتنقيب عن النفط، على الخط الأول للقتال... وقال آخر متهكماً: - بل هي وسيلة ممتازة لحفر القبور لمن... قاطعه ثالث ليقول: - لا تكونوا قساة الى هذا الحد... فربما كان لدى صاحبها تفسيراً مقبولاً... ابتسم الأخ صاحب الآلة، وقال يجاري أجواء الدعابة: - باعتبار اني كنت أعمل على هذه الآلة، فجئت بها من أجل التمرين، خشية من النسيان، وبالتالي فقدان أسرار المهنة...! ألححنا بالسؤال عليه... ولم ينجح مسعاه لإبقاء الأمر في إطار الدعابة والمزاح... وأخيراً حملناه قسراً على الجواب... فقال: - الحقيقة إنني أردت أن أكسر غروري بها... أردتها أن تكون ماثلة أمامي لأتذكر إنني لا زلت العامل الذي يكد من الصباح حتى المساء من أجل تأمين لقمة عيشه... قال ذلك الحاج داوود، ثم انتحب باكياً...! المواساة - 22 2014-08-13 10:03:02 2014-08-13 10:03:02 http://arabic.irib.ir/programs/item/11563 http://arabic.irib.ir/programs/item/11563 المجاهد الشهيد محمد بروجردي عنوان هذه الحلقة: المواساة مستلة من كتاب (تكه اى از آسمان) ، أي : قطعة من السماء اتسعت دائرة التآمر الأمريكي - الغربي ضد الجمهورية الإسلامية... فها هي حلقة جديدة وخطيرة من المسلسل الإجرامي ذلك، تسفر عن وجهها من خلال الحرب، بعد أن فشلت مخططات التجزئة والإنقلابات العسكرية والعدوان العسكري المحدود والحصار... وغيرها الكثير... وها هو محمد بروجردي، المجاهد الصلب الذي واكب مراحل الثورة الإسلامية مذ كانت جنيناً فأصبحت في المهد، ثم باتت عملاقاً يناطح الأقوياء...محمد هذا يشغل اليوم ميداناً آخر من ميادين الجهاد... إنه يقف مع من بقي من رفاق الأمس على الحدود الغربية للبلاد... لصد العدوان الغاشم الذي تتعرض له... ولكن... أي ظرف صعب وجد فيه محمد ورفاقه أنفسهم... فعلى سلسلة جبال زاكروس الشاهقة المعقدة التضاريس، كان القتال محتدماً بين القوات الإسلامية والقوات البعثية... وكان من الواضح أن الموقف القتالي يميل لصالح الأخيرة؛ فقد احتلت المنطقة منذ شهور واستطاعت بناء مواضع محكمة، وشق طرق إمداد مناسبة، هذا إضافة الى تفوقها على مستوى التسليح والتنظيم... فالجمهورية الإسلامية التي لم تطفأ شمعتها الثانية بعد، لم يتح لها بعد، إنجاز مشروع جيشها العقائدي... وكان عليها أن تستجيب لحاجة الحرب الآنية، فتعمل دورات مكثفة لتدريب ملايين الشباب الذين ازدحموا على أبواب مراكز التطوع. لكن هذا الجيش الذي كان حديث عهد بالقتال والتجربة العسكرية الميدانية... وفقيراً من ناحية القدرات والإمكانات التسليحية؛ يمتاز بعنصر قوة هام، ألا وهو العنصر المعنوي... فالأرضية الإيمانية الراسخة التي يمتلكها المقاتلون، والبرامج العقائدية التي يتلقونها أو يمارسونها أثناء التدريب وبعده، بل وحتى أثناء وجودهم في خطوط القتال...؛ استطاعت أن تعزز عنصر الإيمان في نفوسهم، وبالتالي رفع رصيدهم المعنوي..! يعيش محمد اليوم وضعاً نفسياً خاصاً... هم كبير أحس به ينداح على قلبه، يعتصر روحه، دون أن يعرف لذلك سبباً... لم يكن الحصار الجزئي الذي تتعرض له وحدات من قواته، ولا القصف المركز ولا النشاط الإستثنائي لعمليات القنص، هي السبب وراء ما يشعر به من كمد وانقباض نفسي...! بل انه شعور داخلي حاد لم يستطع تحديد مصدره... وطافت في ذهنه فكرة، فالتفت الى من حوله وسأل: - هل هناك من مناسبة اليوم؟ قال أكثر من واحد: - عاشوراء...! أحس بشعور مزدوج، هو أشبه بوخزة الألم والخجل أو الحرج الشديد... - يا إلهي... كيف يسوغ له أن ينسى ذكرى عزاء آل محمد... ان تغيب عن ذهنه مواساة النبي بشهادة سبطه... ان لا يكون شريكاً للعترة الطاهرة، أحزانها في مثل هذا اليوم الدامي الذي أقرح جفونها، وأسبل عيونها، وأذل عزيزها بأرض كربلاء... وانفجر محمد بالبكاء، ثم علا نحيبه وهو يكرر: - فعلى مثل الحسين فليبك الباكون... وبعد شوط طويل من البكاء... صمت محمد ثم أطرق... وطال صمته واطراقه، قبل ان يرفع رأسه، ويقول لمساعده: - أبلغ بقية المقاتلين في هذا القطاع أن يجتمعوا لإقامة مراسم العزاء على الحسين (ع). فوجئ المساعد تماماً، فتساءل متعجباً: - نقيم العزاء مع هذا الوضع؟! أجاب محمد باقتضاب وقد عاد الى الإطراق: - نعم..! عاد المساعد يعترض: - كيف يمكن لنا جمع القوات... ألست أنت الذي منعت اجتماع أكثر من ثلاثة أشخاص؟! أجاب محمد دون أن يفقد هدوءه: - الأمر هنا مختلف... إننا نريد مواساة النبي (ص)... ونريد أن نشفعه الى الله في نصرة إخواننا المحاصرين...! وللمرة الثالثة يعلن المساعد احتجاجه: - ولكن... ألا ترى شدة القصف؟! اكتفى محمد بأن قال: - استعجل..! شارك المقاتلون آل الرسول العزاء، وهم يقفون على خطوط النار... وانتهت المراسم بسلام... شعار التكبير - الذي أطلقه المقاتلون في ختام مراسمهم – رددت أصداءه الجبال والتلال والروابي والسهول، وتجاوبت معه أصوات المقاتلين المحاصرين. رفع محمد الحاكية ليجيب على استدعاء من قبل الرصد: - ساعدك الله يا أخي... تفضل...! بان على ملامح محمد الإهتمام الشديد... وتساءل: - منذ متى؟!... تحفز للحركة ثم سأل للمرة الأخيرة.. - وهل أنت متأكد تماماً...؟! وثب محمد واقفاً وقال لمساعده... الرصد يؤكد فرار القوات العدوة... والمطلوب الآن: أولاً: إرسال جميع فرق الإستطلاع للتحقق من الموضوع، وإبلاغنا على وجه السرعة. وثانياً: إبلاغ القوة المعدة للهجوم للوقوف على أهبة الإستعداد بانتظار الإبلاغ التالي.. تحرك الجميع لتنفيذ المهام الموكلة بكل منهم... وفيما اخترقت فرق الإستطلاع المنطقة، من محاور عدة، جددت البلاغات الصادرة من الرصد ذات النبأ... وما لبثت فرق الإستطلاع هي الأخرى، ان أرسلت معلومات مطابقة... وفي ضوء ذلك أوعز محمد الى القوة التي أعدها سابقاً، للتقدم، وشغل مواقع القوات البعثية المنهزمة... ولم تجد هذه القوة أية صعوبة في تنفيذ مهمتها... إلا أنها فوجئت بقضية لم تخطر لها على بال. تعانق المقاتلون من كلا الفريقين بحرارة... قال قائد القوة التي كانت محاصرة مداعباً محمد: - نعم الإخوان والله... وصدق من قال: (أخوك من واساك بنشب، لا من واساك بنسب).... ثم واصل بحماس بالغ... - ما إن سمعنا أصواتكم تهدر بالتكبير، حتى عرفنا انكم بدأتم الهجوم... فنظر بعضنا لبعض وقلنا: - وماذا تنتظرون... فتجاوبت أصواتنا وأصواتكم بالتكبير وهببنا بوجه العدو هبة رجل واحد... فتخاذل، وأطلق ساقه للريح، مفضلاً الفرار على المواجهة...! كان محمد يحملق في وجه صاحبه ذاهلاً... ثم جلس وراح ينتحب... فوجئ الآخر... وأنحنى عليه قائلاً: - خير أخ بروجردي، مم بكاؤك؟!... لم يرد عليه محمد وكأنه لم يسمعه، وواصل البكاء... همس لمساعده: - ما الأمر؟!... قص عليه المساعد قضية مراسم العزاء الحسيني، وإصرار محمد على إقامتها... موضحاً انهم اطلقوا شعار التكبير لهذا السبب، وليس ايذاناً ببدء الهجوم... قاطعه قائلاً: - تعني انكم لم تقوموا بأية عملية عسكرية؟! - ابدا... كل ما قمنا به.. انه وبعد ان عرفنا بفرار العدو تقدمنا لشغل مواقعه..! نهض محمد وهو يمسح دموعه ويقول: - أجل... لا نحن وأنتم... كلانا لم يحقق هذا النصر... إنما حققه الله تعالى كرامة للحسين (ع)... نظر المساعد في وجه محمد، وهو يقول مع نفسه: ما الذي دهاه؟ ... منذ أيام ولا حديث له غير هذا... أضاف محمد متمماً حديثه: - لقد أصبحت المسؤولية في رقابكم... لا تنسوا الناس...! رد المساعد مداعباً: - على العين يا سيدي، وعلى الرأس أيضاً!... ولكن ما الذي جرى أراك لا تفتأ تلهج بذكر الناس... ترى، هل أنت على أعتاب سفر؟! رد محمد وهو ينظر نحو الأفق: - الإنسان يا صاحبي في سفر دائم... وهو لا يعلم ماذا كان سيتوقف في اللحظة التالية، أم سيواصل التطواف؟!... ولذا فينبغي له أن يكون مستعداً دائماً...! قال ذلك، ثم نهض متجهاً الى سيارته... قال المساعد: - أنا أرغب في المجيء معك! رد محمد بهدوءه المعهود: - أخي العزيز، عليك أن تبقى مع مقاتليك..! صعد الى السيارة الى جانب مرافقه، ثم لوح للجميع مودعاً... قطعت السيارة شوطاً من الطريق... وعلى المفرق المؤدي الى المدينة، طلب محمد من رفيقه إيقاف السيارة والترجل... ترجل هو الآخر، ليصعد ثانية محتلاً مكان المرافق، خلف مقود السيارة، وقال: - أما أنت أيها العزيز، فأرجو أن تذهب الى المقر، لتبلغ الإخوة رجائي بمتابعة ما أوصيتهم به... وقف المرافق يراقب السيارة وهي تبتعد، قائلاً مع نفسه: - أي مهمة هذه، كلفه بها محمد؟.... أتراه أراد استبعاده... - تذكر رفضه السماح لمساعده بمرافقته، وقال: - عجباً لماذا يصر على البقاء وحيداً...؟! أجل... أصر محمد بروجردي على الذهاب وحيداً، وكأنه يعرف أنه لن يعود... ((سيارة بروجردي تصطدم بلغم)) كان النبأ يطوف على ألسن الناس، فيبكي البعض، ويتوجع الآخر، قبل أن يقول الجميع: - هنيئاً له الشهادة بعد عمر طويل من الجهاد. مداراة الناس - 21 2014-08-12 09:38:31 2014-08-12 09:38:31 http://arabic.irib.ir/programs/item/11562 http://arabic.irib.ir/programs/item/11562 المجاهد الشهيد محمد بروجردي عنوان هذه الحلقة: مداراة الناس مستلة من كتاب (تكه اى از آسمان)، أي: قطعة من السماء - هناك أحد السجناء يصر على طلب لقاءك، ويرفض القبول بأي بديل... يقول أن لديه شيئاً مهماً يريد أن يطلعك عليه. - سأكون عندكم الثامنة مساءاً إن شاء الله..! أغلق محمد خط الهاتف، منهياً حديثه مع مدير السجن... وفي داخله شعر بالإرتياح العميق... فهو يأمل أن تكون زياراته المتواصلة للسجن، ولقاءه نزلاءه من المسلحين الإنفصالين قد أثمرت في تأهيلهم وتغيير وجهة نظرهم العدائية تجاه الثورة... ذلك انه ينظر للقضية من أفق أرحب... ويرى أن هؤلاء السجناء وان كان الكثير منهم قد تورط في الجريمة، فإنهم ضحايا المخططات الأمريكية – الغربية التي تسعى، عبر إثارة العامل القومي أو المذهبي، أو كلاهما الى بث الفرقة بين المسلمين وتجزئة البلدان الإسلامية الى دويلات صغيرة عاجزة، وإبقائها رهينة هيمنة الغرب، ومرتعاً خصباً لا طماعه وتوسعه... ألقى نظرة على ساعته... لا زال أمامه بعض الوقت على موعد السجن... داعبت ذهنه فكرة جميلة... انه الآن في مهمة كبيرة يحبها الله... انه في محراب عبادة، ألا يجدر به ان يسبغ الوضوء ليقف بين يدي الله داعياً من أجل نجاح مهمته... وجد ان كل شيء قد أعد للقاء... حتى أن مدير السجن نفسه تخلى عن غرفته، ليهيء للقاء أجواء أهدأ... جلس الرجلان وجهاً لوجه... قال السجين: - يا ليت ان الجميع مثلك...! رد محمد بحياء غير مصطنع: - أستغفر الله... انني أقل الجميع.... بدا السجين مفكراً يبحث عن نقطة البداية... سأل: - من أي منطقة أنت؟! أجاب محمد بدعابة: - من قرية نائية متوارية من الخجل في بروجرد... ثم أخذ زمام الحديث، وسأل: - ما الذي دفعك الى ركوب هذا المسار الخطر؟! تلبد وجه السجين بغمامة من الهم، وقال بتأن وكأنه يعد كلماته عداً: - كنا عائلة فقيرة... تمرر معيشتها من خلال صدقات الآخرين... وعندما كبرت، برمت بهذه الحالة، وضقت بالفقر والذل، واستدرار شفقة الآخرين... ولم أجد أمامي الا الإنتماء لأحد الأحزاب الإنفصالية... وابتسم بمرارة وهو يضيف: - ومن لا يُأخذ ببريق السلطة والمال؟!... توقف قليلاً ثم تابع: كنا نتحرك في القرى من أجل كسب الناس، وكان الفقراء يعدون خلف سياراتنا متوسلين، لنرمي لهم بشيء... دمعت عيناه، وهو يقول: - لقد ثبت لي، أن بإمكان الإنسان أن يتحول الى كائن ميت القلب، حيوان كاسر، بل أشد شراسة من الوحوش نفسها!! أوقف محمد استطراد السجين، متسائلاً: - وأين أنت من ذاك... أعني... هل تعد قلبك في عداد الأموات أم لا زال فيه بعض نبض من الحياة...؟ توقف محمد قليلاً، ثم أضاف: - دعني أقول هكذا: ما هو موقفك وأنت ترى واحداً من اولئك المحرومين الذين كانوا يجرون خلف سيارات الحزب متوسلين، هل تجد قلبك يرق لهم، أم أن منظرهم لا يحرك فيك ساكناً؟! أطرق السجين قليلاً، ثم رفع رأسه وقال: - لقد كنت ولا زلت أشعر بآلام المحرومين، لأنني ذقت الحرمان وعانيت في حياتي الكثير من شضف العيش! ربت محمد على كتفه، وهو يقول: - وماذا لو وجدت عوناً صادقاً في هذا السبيل، هل أنت مستعد لأن تمد له يدك؟! أجاب السجين بكلمات استشعر محمد فيها الصدق: - أجل والله...! أعرب محمد له عن أمله بنيل البراءة من القضاء، ثم ودعه وخرج. خرج محمد من لقاء السجين وهو أكثر قناعة بالفكرة التي راودته طويلاً... فبغيرها يبقى المجال مفتوحاً للعناصر والجماعات المخربة للنفوذ بين الأهالي، وتشويه وجه الثورة الناصع، وإلقاء الأفكار التي تغذيها الدوائر الغربية الداعية للإنفصال عن جسد الوطن الأم... ولكن ماذا يفعل؟! ان فكرته لم تجد لها الصدى الطيب لدى المسؤولين... بل أن بعضهم لم يعطها أقل درجة من التفهم... أحدهم وصفها بالمجازفة والمخاطرة، ويقول: - إذا وضعت السلاح بيد الأهالي، فكيف تستطيع التحكم به..؟ هل فكرت بتداعيات ذلك؟ وآخر يحذر من أن ينتهي الأمر بحرب داخلية..! وثالث يقطع: - إن مثل هذا العمل، لن يكون له أي مردود غير زيادة الجماعات المسلحة رقماً جديداً...! لكن كل ذلك، لم يوهن من عزيمة محمد الفولاذية، وواصل كفاحة بدأب، حتى تمكن في النهاية من كسب الآراء لصالح فكرته بإنشاء قوة شعبية محلية وتسليحها، لمواجهة فلول الغرب وذيوله في كردستان... وأعلن عن ولادة منظمة المقاتلين المسلمين الأكراد... واخذت المنظمة تشق طريقها شيئاً فشيئاً، وتكسب جماهير المنطقة الى صفها... ولاحظ الأهالي الطيبون في أفراد المنظمة الجديدة، طرازاً لم يألفوه في الحركات الإنفصالية... فالإلتزام بالصلاة والشعائر الدينية... والأخلاق السامية، والمسارعة الى نجدة الأهالي، وحمايتهم، والتطوع لخدمتهم، والتعامل معهم بمحبة وأخوة... فيما كان اولئك، متعجرفين متكبرين، ينزلون على الأهالي دونما دعوة، ويفرضون عليهم خدمتهم وتوفير الطعام ووسائل الراحة لهم، كاتاوة لابد منها... ولهذا فقد وجد الأهالي في هؤلاء الأقرب الى نفوسهم وفطرتهم الإيمانية الصافية.. كانت سيارة محمد ورفيقه، تشق طريقها بصعوبة في ذلك الطريق الجبلي الذي غطته الثلوج... ورغم عدم وضوح الرؤية التام، فقد بدا وكأن شيئاً اعترض الطريق... ألقى محمد نظرة من خلال ناظوره العسكري، فلاحظ بوضوح دبابة تقف وسط الطريق... تعجب من ذلك، وتساءل: - ما معنى هذا؟! أصبحا على مقربة من الدبابة، تناول بندقيته ونزل من السيارة... أشرف على قرية صغيرة، أحيطت بعدد من المصفحات والعربات العسكرية... تقدم قليلاً فرأى مسؤول الحامية العسكرية للمنطقة وعددا من الجنود... ألقى تحية مقتضبة وتساءل: - ما الأمر يا حضرة الضابط؟! اقترب الضابط وهو يقول: - لقد تسلل عدد من الإنفصاليين الى هذه القرية، فاضطررنا لمحاصرتها..! استفهم محمد وقد علت وجهه علائم الضيق: - وهل اتصلتم بالأهالي؟! - كيف نتصل بهم؟... ليس هناك من طريق... سوى اننا أطلقنا نداءاً عبر مكبرة الصوت ليسلم المسلحون أنفسهم... لكن لم تحصل أية استجابة. رد محمد بألم: - لكن تدابيركم العسكرية هذه ليست صحيحة.... فمن غير المناسب أن نفزع الأهالي، من أجل الإمساك بحفنة من المجرمين... بان عدم الإرتياح على وجه الضابط، وقال محاولاً كتم غضبه: - وماذا كان علينا أن نفعل؟! رد محمد ساعياً الى تلطيف الأجواء: - لقد بذلتم مجهودكم... وبقي عليَّ أن أسعى!... ناول سلاحه لرفيقه، ثم انطلق وحيداً باتجاه القرية... اعترض عليه رفيقه والضابط إلا أنه رد عليهما دون أن يتوقف: - لا تخشيا شيئاً...! لاحقت العيون محمداً، وهو يشق طريقه وسط الثلوج، صوب القرية... الضابط الذي أكبر هذه التضحية والشجاعة، وجه عبر الجهاز نداءاً لجنوده المرابطين حول القرية بمراقبة الموقف... كان الخوف والترقب وشد الأعصاب قد ساد الجميع... إلا أن محمداً الذي أصبح قريباً من البيوت، كان يسير واثقاً مطمئناً وكأنه عائداً الى بيته...! وفجأة، انفتح أحد الأبواب وخرج رجل عجوز، وخطا نحو محمد... ثم ما لبثت أبواب أخرى أن فتحت أيضاً وخرج أهلها صغاراً وكباراً مستقبلين ضيفهم... احتضن محمد الرجل العجوز... ثم أقبل يحيي الأهالي، ويقبل الصغار ويداعبهم، وفي لحظة خاطفة وثب رجلان من بين الأهالي... سحبا بندقيتين من تحت ملابسهما وألقيا بهما على الثلج أمام محمد...! عينا الضابط اللتان كانتا تراقبان ما يجري عبر الناظور، انسكبتا دموعاً... أزاح الناظور عن عينيه، وراح يجففهما، وهو يقول: - بوركت يا محمد... ما أراك إلا ملك كريم...! المربي الصبور - 20 2014-08-11 09:57:50 2014-08-11 09:57:50 http://arabic.irib.ir/programs/item/11561 http://arabic.irib.ir/programs/item/11561 المجاهد الشهيد محمد بروجردي عنوان هذه الحلقة: المربي الصبور مستلة من كتاب (تكه اى از آسمان)، أي: قطعة من السماء فور سماع النبأ الذي تناقلته وكالات الأنباء باهتمام بالغ، غدت ايران تغلي من أقصاها الى أقصاها كمرجل أوشك على الإنفجار... كان النبأ قصيراً ومبهماً، الا انه انطوى على ايقاع مدوي، راح يردد أصداءه العالم أجمع...: (ألإمام الخميني يقرر العودة الى ايران). ومع انتشار هذا النبأ أضاعت الحكومة الهزيلة – التي شكلها الملك قبل فراره الى الخارج – صوابها... ذلك انها لم تكن قد أعدت نفسها لمثل هذه التداعيات.. وفوجئ محمد بأحد أعضاء مجلس الثورة، يبلغه: ان المجلس وقع اختياره على جماعة صف التوحيد التي يتزعمها محمد، لتوفير مستلزمات حماية الإمام الخميني، لدى عودته من باريس... واجتاحت محمد فرحة غامرة... إذ يولى هذا الشرف الكبير، لكنه أحس بثقل المهمة الباهض... فهو أمام تجربة معقدة لم يخبرها من قبل... تجربة تنطوي على صعوبات جمة... فهناك المخاطر المحتملة الناجمة عن وجود النظام وقواه القمعية، وإمكانية دخول عناصرها غير المعلن وسط الجماهير... وهناك المشاكل المترتبة على الإزدحام الشديد والتدافع جراء الحضور المكثف وغير المسبوق للجماهير... ونزل الإمام من طائرته، ليغرق في بحر الجماهير الطامي... التي راحت تهتف: (("جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ" (سورة الإسراء81)... ظهر الملاك وتوارى الشيطان)) ورغم الصعوبات الهائلة التي واجهها وإخوانه، تمكن محمد من إدارة العملية بنجاح تام.... وجرت أحداث الثورة الإسلامية سريعاً... فبعد أيام على وصول القائد، تمرد ضباط وكوادر القوة الجوية على النظام، معلنين إنضمامهم لثورة الشعب... واندفعوا بحشود كبيرة نحو مقر الإمام مؤدين له التحية العسكرية، كتعبير لمبايعتهم الكاملة له... وسرعان ما تطور هذا الحدث الى صدام بين رجال القوة الجوية، وقوات الحرس الملكي... وهبت الجماهير للوقوف الى جانب رجال الجو... قبل أن تقوم بتنظيم هجمات على مراكز الشرطة والإستيلاء عليها... وتحقق الإنتصار الباهر... واحتفلت الجماهير أياماً بالمناسبة، وهي تحسب أنها قهرت قوى الظلام والى الأبد. لكن، ومع الخطوات الأولى التي قطعتها الثورة على طريقها اللاحب؛ بدأ مسلسل التآمر الخارجي والداخلي... مما خلق الدواعي الضرورية لإنشاء قوة عسكرية نابعة من الثورة، لمواجهة التهديدات التي تستهدفها. لم يمض وقت طويل على تشكيل قوات حرس الثورة الإسلامية، حتى تفجرت الأحداث في بعض نقاط البلاد، تحت عناوين ومطالبات طائفية وقومية. محمد الذي رفض بإصرار التصدي لقيادة هذه القوات، توجه الى محافظة كردستان غربي البلاد، لمعالجة الإضطرابات التي بدأت تشهدها المحافظة... ورغم الأجواء الأمنية غير المستقرة، وسيطرة الإنفصاليين على بعض أجزاء مدينة سنندج التي تعد مركز المحافظة فقد قام محمد – الذي اعتبر القائد الميداني لقوات الحرس غربي ايران – بجولة ميدانية في المدينة... فهاله ما رأى من نزوح أهالي بعض المناطق الأخرى إليها... وعاد محمد من جولته الى مقر قوات الحرس، وقد شغل رأسه هم كبير... وهو كيف يتدبر إسكان هؤلاء الناس، والتخفيف من معاناتهم... ولم يجد في النهاية غير إخلاء إحدى البنايات الخاصة بالحرس لهذا الغرض... محمد الذي كان حديث عهد في مسؤوليته، ذهب لتفقد البناية بنفسه... - السلام عليكم... ساعدك الله يا أخي.... ألقى محمد التحية على حارس البناية، الذي بدا عليه التعب الشديد، فرد بلا مبالاة: - وعليكم السلام... اقترب محمد وقال: - أتأذن لي بالدخول...؟! رفض الحارس بإشارة من يده، دون أن يكلف نفسه عناء الكلام. ابتسم محمد وهو يقول لقد حصلت على الإذن بالدخول. أجاب الحارس متضايقاً: - إذا كنت تحمل تصريحاً بالدخول، فأبرزه... وإلا فلا تتعبني... عاد محمد يبتسم، ثم قال: - إنني جئت لتفقد البناية، من أجل أن نعرف ما إذا كانت تصلح لإسكان العوائل المهجرة، أم لا؟! استثير غضب الحارس، وقال: - ومن أعطاك صلاحية ان تهب مراكز الحكومة لمن تريد؟! ضحك محمد ملأ فمه... وقبل أن يرد، تقدم اليه الحارس منتفخ الأوداج، وقد ظن أن محمداً يسخر منه، وهوى على وجهه بصفعة قوية، وراح يصرخ: - ابتعد من هنا..! أفراد من العاملين في البناية، انتبهوا الى صراخ الحارس، فخرجوا مستطلعين... ليفاجئوا بقائد قوات الحرس غربي البلاد... فأسرعوا اليه مرحبين... الحفاوة البالغة التي قوبل بها الرجل أصابت الحارس بالذهول وتساءل مع نفسه: من عسى أن يكون هذا حتى يقدمه كل هؤلاء العاملين أمامهم وهم يدخلون المبنى. كان لا يزال في مكانه لم يبرحه، ورأسه مسرح هائج بوقائع الحادث عندما رآه يعود... مد يده اليه يصافحه، قبله، ثم سلمه ورقة مطوية، وقال: هذه إجازة لك، يبدو انك متعب جداً... احتبس لسان الحارس في فمه، أراد أن يعتذر أن يقول شيئاً، إلا أنه لم يستطع... أسعفه محمد والإبتسامة على وجهه: - لا تقل شيئاً... كل ما جرى يبقى فيما بيننا... ثم ودعه عجلاً وعاد الى البناية... - هذا هو العنبر الذي يضم السجناء الإنفصاليين... وهم على الإطلاق ممن حمل السلاح ضد الحكومة... قال ذلك مسؤول السجن وهو يوضح لمسؤول حرس الثورة الجديد أوضاع السجن... قال محمد باسماً: - أتسمح لي بالمبيت عندكم هنا في السجن؟ المسؤول الذي تلقى كلام محمد كدعابة، أجاب ضاحكاً: - لا مانع.. ولكن بعد أن تستحصل من المحكمة حكماً بالإعتقال...! إبتسم محمد وقال: - لكنني جاد... أريد أن أقضي ليلة في هذا العنبر بالذات... توسعت حدقتا المسؤول وهو يقول: - هؤلاء جميعاً أناس خطرون...! ... ويمكن أن يؤذوك..! - لا تخف... لن يقع شيء...! أجاب محمد باطمئنان.. رد المسؤول بغير قناعة: - إذا كنت تصر، فلا مانع لدينا... فتح باب العنبر، ودخل محمد ملقيا التحية على الجميع ثم أخذ بأيدي السجناء يصافحهم واحداً واحداً...! توقف قليلاً متأملاً، وكأنه يبحث عن رأس خيط للحديث، ثم مال للجلوس وهو يقول: - خذوا راحتكم.... فاستجاب الجميع بالجلوس... ألقى محمد نظرة شاملة عليهم... قبل أن تكتسي ملامحه بغمامة من الحزن، فغالبيتهم شباب في مقتبل العمر... تنهد وقال: - يا ليتكم نظرتم بنحو آخر للأمور... يا ليتكم استطعتم أن تميزوا الصديق من العدو..! رد عليه أحدهم بنبرة هي أقرب الى مكابدة الألم منها الى التحدي: - لا نريد أحداً، يذرف من أجلنا دموع التماسيح...! إبتسم محمد بمرارة، وقال: - لا والله ان قلبي ليعتصر ألماً من أجلكم... إنكم أبناء هذا البلد... وهو يتطلع إليكم من أجل بنائه... من أجل تعويضه ما عاناه من حرمان في العهد الملكي المقبور... رفع صوته قليلاً وهو يضيف: - إن مكانكم ليس السجن... بل الجامعات... المصانع... ميادين الإنتاج والعمل التي تتوق الى نشاطكم وحيويتكم... أطلق محمد زفرة حارة، وهو يضيف: - لصالح من يقتل بعضنا بعضاً... من المستفيد من وراء إراقة دمائنا... الشعب أم أعداء الشعب؟! حدق في عيونهم طويلاً، قبل أن يضيف متثاوباً: - إنكم شباب شجعان... ما في ذلك ريب.. ولكن انظروا كيف استخدمتم هذه الشجاعة... في أي اتجاه وظفتموها؟! قال أحد السجناء: - إذا كنا وقعنا في الخطأ، فلسنا وحدنا الذين أخطأنا...! التفت محمد الى مغزى كلامه... قال وهو يتثاوب ثانية: - أجل... كلنا نخطئ... ومن ذاك الذي يدعي لنفسه العصمة غير ما عصم الله؟ ثم ابتسم إبتسامة عريضة مصحوبة بالتثاؤب وهو يقول: - إنني أستأذنكم، لأنني أشعر بنعاس شديد... وأؤكد لكم أن للحديث صلة... قال ذلك وهو يتمدد قربهم، ثم ما لبث ان استغرق في إغفاءة عميقة. الجندي الصغير - 19 2014-08-10 07:55:14 2014-08-10 07:55:14 http://arabic.irib.ir/programs/item/11560 http://arabic.irib.ir/programs/item/11560 المجاهد الشهيد محمد بروجردي عنوان هذه الحلقة: الجندي الصغير مستلة من كتاب (تكه اى از آسمان) ، أي : قطعة من السماء عاد محمد من مدرسته المسائية الى البيت ليجد زوج خالته بانتظاره... نهض الأستاذ رضا مستقبلاً محمد، وهو يقول: - كنت طوال الوقت أنتظرك يا محمد... وأردف: هل تستطيع المرور علي الى الحانوت غداً صباحاً... - أجاب محمد وقد سر لهذا الطلب: - نعم أستطيع... ولكن، هل حدث شيء ما؟! - لا... أبداً... هناك عمل صغير أود أن تنجزه لي... بات الصغير محمد ليلته مفكراً... ترى ما هو العمل الذي سيكلفه به الأستاذ رضا... إنه يحبه ويحترمه... وينظر له كأبيه... وهل ينسى كيف احتضن الأستاذ رضا أسرته، عندما غادروا قريتهم في بروجرد لآخر مرة قبل سبعة أعوام لينزلو عليهم في بيتهم بطهران... لقد تولى شؤونهم وترتيب حياتهم منذ البداية... دفع الأولاد الى العمل، إستأجر لهم بعد مضي بعض الوقت بيتاً وظل يتفقدهم ويتواصل معهم باستمرار... وفوجئ الأستاذ رضا صباحاً بمحمد يقف بانتظاره عند باب الحانوت... فألقى عليه تحية الصباح، وقال: - كيف أوضاع العمل؟! أجاب محمد مستعجلاً معرفة مهمته: - جيدة... الحمد لله... عاد الأستاذ ليقول: - وعندما تعود متعباً من العمل، كيف يمكنك التحضير لدروسك؟ رد محمد مختصراً الجواب: - أستطيع... ليست المسألة بتلك الدرجة من الصعوبة! إبتسم أستاذ رضا وقال: - أعرف أنك فتى ذكي وشجاع... وتابع: أردت أن أكلفك بإيصال رزمة صغيرة الى مكان قريب. - وماذا تحتوي الرزمة، والى أي مكان تريد إيصالها...؟ تساءل محمد: - مجموعة أشرطة كاسيت تحتوي خطابات.. والعنوان مسجد الرحمن. أخذ محمد يدقق أكثر فسأل: - ولماذا لا توصلها أنت؟! ضحك أستاذ رضا، وقال: - يبدو أنني أثرت شكوك رجال الأمن، وأخشى أن يتابعوني. - ولكن لم تقل، لمن هذه الخطابات؟ ضحك أستاذ رضا ثانية، وسكت قليلاً، ثم قال: - سأقول لك، شريطة أن لا تقول لأي أحد... حتى لأمك، إتفقنا؟ - إتفقنا! - الخطابات للإمام الخميني...! إرتجف محمد، كمن لامسه تيار كهربائي... وقال غير مصدق: - تقول انها للإمام الخميني؟ - أجل... هل أنت مستعد لإيصالها؟ قال أستاذ رضا وهو يحدق في عيني محمد... أجاب محمد، جذلاً: - وكيف لا؟! اختطف الرزمة وانطلق لا يلوي على شيء... كان محمد يعدو، وهو يكاد يموت فرحاً بمهمته الصغيرة.. دون أن يعلم حجم المهام التي خبأها له المستقبل...! محمد بروجردي... ولد في قرية تابعة لمدينة بروجرد وسط ايران تقريباً، عام 1955. فقد أباه وهو لم يتم الخامسة من عمره بعد... وكان فقدان العائلة لأبيها، سبباً كافياً لإثارة طمع أحد إقطاعي المنطقة الكبار، ليستولي على قطعة الأرض الزراعية الصغيرة التي تملكها العائلة. وإذ لم يعد هناك ما يربطها بالقرية، فقد قررت الرحيل... فاستأجروا سيارة شحن صغيرة وحشروا أنفسهم فيها: الأم وأبناءها الخمسة الى جانب وسائلهم البيتية القليلة، متجهين الى طهران. كانت الأم تعول - بعد توكلها على الله – على شقيقتها التي تزوجت الأستاذ رضا وسكنت العاصمة... فلعلهما يستطيعان أن يأخذا بيدها وأيدي صغارها، ليشقوا طريقهم في الحياة. وبمساعدة الأستاذ رضا ومساعيه التحق محمد وأخوه الأكبر بأحد المعامل التي تنتج أفرشته النوم... كان صاحب العمل متردداً في قبول محمد لصغر سنه... لكن وبعد فترة قصيرة، أثبت جدارته في العمل... ثم وبمضي شهور قليلة نجح المعمل بسببه في التعاقد مع عدد من فنادق الدرجة الأولى لتزويدها بمنتجاته. لكن... لا العمل الشاق، ولا المدرسة التي يؤوب إليها بعد مشوار العمل، بقادرة على إشباع طموح محمد للحركة والإبداع والإرتواء من الأفكار الجديدة التي فتح له بابها الأستاذ رضا... كان يسمعها في البداية وتعجبه ويتيه بها عقله... دون أن يفهمها، إلا أنه وبالتدريج أخذ يستوعبها ويتفاعل معها... بل ويدعو لها بوعي وإيمان وإصرار... ومع بدايات الشباب، أخذت الدائرة تتسع حول محمد، وبدأ يكسب المزيد من الأنصار للأفكار الخطرة التي يبشر بها...: لماذا يعمل الإمام الخميني من أجل الإطاحة بالملك... مدى تدخل أميركا في ايران، وهيمنتها على قرار الحكومة، وتصرفها غير المشروع بخيرات البلاد... محمد الذي اتسع نشاطه ليشمل توزيع خطابات الإمام والمنشورات السرية أحس بالحاجة الى من يعينه في مهمته، فتولدت لديه فكرة تشكيل شبكة من الشباب، لتغطي بنشاطها مساحة أوسع... قبل أن تتطور الفكرة لديه الى العمل السري المسلح ضد النظام. وقبل دخوله ميدان العمل المسلح، تجرع محمد تجربة الإعتقال والتعذيب وذاق لذع السياط اللاهبة والتدلي بشكل مقلوب من السقف... وخبر أساليب التحقيق داخل معتقلات النظام.. ليتخرج من هذه الدورة "التدريبية" وهو أصلب عوداً وأنضج تجربة... وفور خروجه من المعتقل، اجتمع محمد ببقية زملائه وإخوانه في الجهاد ليتفقوا على تشكيل مجموعتهم الجهادية التي اختاروا لها إسم: جماعة صف التوحيد... الشيء الأساسي الذي امتازت به هذه المجموعة المسلحة على غيرها، ان نشاطها كان وقفاً على موافقة قيادة الثورة... فهي تقوم باختيار النقطة المراد استهدافها، وتقدم تصوراتها وتوصياتها، لأحد وكلاء الإمام لمعرفة رأيه النهائي في الموضوع... واستطاعت هذه المجموعة خلال فترة قياسية من تنفيذ عمليات نوعية أهمها: إستهداف حانة للخمور يرتادها الأمريكيون من مستشارين وكبار عسكريين... العملية التي أوقعت عدداً كبيراً من القتلى والجرحى بين صفوف الأمريكيين خصوصاً، وجهت ضربة موجعة للمخابرات الأمريكية، واختراقاً جريئاً جهاز أمن الملك (السافاك)... كما تلتها عمليةأخرى، طالت مروحية عسكرية، موقعة مزيد من القتلى في صفوف الأمريكيين بينهم مستشارون ومسؤولون أمنيون... إختيار الهدف، والتخطيط الدقيق للعمليات، والنجاح الباهر في التنفيذ، أشعر النظام أن المعارضة قد أصبحت مجهزة وأن نشاطها ارتقى الى المستوى الذي أضحى يشكل تهديداً خطيراً على وجوده... هذا الى جانب رصيدها الجماهيري الآخذ بالتعاظم يوماً بعد آخر. وفيما كان النظام يخطط لتوجيه ضربة قوية للمعارضة، نصحه مستشارون، بالتهديد بضربة معنوية، لمعرفة حجم رد الفعل لدى المعارضة، التي ستضطر الى الكشف من مراكز قوتها، عبر نزولها الى الشارع. فوجئ الشارع الإيراني يوماً بمقال كتبته إحدى الصحف اليومية الصادرة في طهران يهاجم رمز الثورة الكبير وقائدها الإمام الخميني رضوان الله عليه... وغلا مرجل غضب الجماهير، فاندفعت كإعصار كاسح ليدمر مقرات الصحيفة ومراكز توزيعها... وليدخل في مواجهة حقيقية مع أزلام النظام... كانت بؤرة المواجهة مدينة قم المقدسة قبل أن تمتد الى باقي مناطق البلاد وكان محمد ورفاقه الذين انحصر نشاطهم في طهران، يسعون الى حماية الجماهير عبر النزول المسلح غير المكشوف الى الشارع... ونتيجة للقمع الوحشي غير المسبوق الذي تعاملت به قوات النظام تساقطت أعداد كبيرة من أبناء الشعب شهداء وجرحى.... لكن النظام وبهذه المواجهة التي فتحها على نفسه، حفر قبره بيديه... إذ أنها لم تنته كما تصور بجولة واحدة أو إثنتين أو ثلاث، بل امتدت كأمواج التسونامي العاتية لتطبق المحيط الإيراني كله... فقد هدرت جماهير تبريز بمناسبة أربعينية شهداء مدينة قم... تلاها تحرك الجماهير في يزد بمناسبة أربعينية شهداء مدينة تبريز، وهكذا راحت المسيرات الإحتجاجية العارمة تدور في مختلف أنحاء البلاد، لتدير معها رؤوس مسؤولي النظام، الذين لم يعودوا يستطيعوا الوقوف بوجه هذا السيل الجارف... وما هي الا شهور أربعة وأيام حتى تهاوى النظام وارتفعت راية الإسلام الخفاقة بيد قائد الثورة الكبير الإمام الخميني وشجاعة وتضحيات المحمديين من أبناء هذا الشعب المجاهد. درس في الشجاعة - 18 2014-08-09 10:13:29 2014-08-09 10:13:29 http://arabic.irib.ir/programs/item/11559 http://arabic.irib.ir/programs/item/11559 المجاهد الشهيد ابراهيم همت عنوان هذه الحلقة: درس في الشجاعة مستلة من كتاب (معلم فراري) ، أي : المعلم الهارب ناول المخابر همت الحاكية وهو يقول: - هناك من يطلبك... وانفجرت قذيفة غير بعيد عن المكان محدثة إنفجاراً مدوياً... فانبطح المخابر على الأرض... فيما واصل همت حديثه... ودوت قذيفة أخرى ففزع المخابر وابتسم همت وهو يعيد الحاكية الى مكانها... ثم لوح للمخابر مداعباً...... نهض المخابر وقال مخاطباً قائد الفرقة: - ماذا أفعل، ليس الأمر بيدي... ثم تأمل قليلاً وأضاف: في الحقيقة... إنني أروم أن اسألك... لماذا لا ينتابك الخوف كما ينتابني؟ ...... إبتسم همت وقال: - لقد كنت مثلك تماماً، بل إنني أخاف من أشياء كثيرة... إلى أن تعلمت ألّا أخاف... ثم ابتسم وهو يردف: لقد تعلمت على يد أستاذ قدير... تنهد المخابر كمن قد وجد بغيته وسأل عجلاً: - ومن هو الأستاذ ذاك؟ ضحك الحاج همت وقد عرف أن صاحبه قد ذهب مذهباً آخر وقال: - القائد! تطلع المخابر في وجه الحاج غير مصدق، وقال: - تعني قائد الثورة؟! - أجل... كنا في زيارة له يوماً... وأثناء حديثه إلينا... ارتطم شيء ثقيل بنافذة الغرفة، فتحطم زجاجها... ففزع جميع الحاضرين، إلا هو... التفت بهدوء ليلقي نظرة على النافذة... دون أن يقطع حديثه... وبعد لحظات ارتفع صوت الأذان لصلاة الظهر... فقطع القائد حديثه ونهض لأداء الصلاة... وعندها عرفت أن القائد يخاف هو الآخر، الخوف حالة أصيلة في الإنسان... لكنه خوف يختلف عما عندنا... إنه خوف من الله... لكن من يخاف الله، لا يخاف سواه... (ومن خاف الله أخاف الله منه كل شيء). لعل هدوءه وطيبته وحبه للآخرين، هي الأسباب التي حببته إليه في البداية... لكنه ومع كل يوم يمر يكتشف فيه بعداً سامياً جديداً في إيمانه وتدينه وأخلاقه العالية... لم ير فيه أي حب للتظاهر والتفاخر طيلة معايشته له... فطبيعة عمله كمخابر تفرض أن يكون ملازماً له باعتباره قائد فرقة، في حله وترحاله... سأله مرة عن عمله قبل أن ينتمي لقوات حرس الثورة الإسلامية، ويتولى مسؤولية أحد مقرات الحرس غربي البلاد... فقال: كنت أمارس التعليم... وإن شئت كنت أساعد أبي في الحقل أيضاً أجاب بذلك بأريحية وبساطة ودون تكلف... وما أن اقترب إليه أكثر وأكثر حتى عرف أن هذا الظاهر الذي يتعامل به الرجل ليس سوى قشرة وسطح ليس غير... أما اللباب والأعماق، فهي مالم يسبر غورها بعد... ولن ينس تلك اللحظات إذ فاجأه أحد الأيام وقد اشتد القصف... تيقن تماماً أن الخطة التي زوده بها أستاذه القديم قد آتت أكلها... لم يبق له إلا تطبيق المرحلة الأخيرة... سيخرج بعد منتصف الليل ليجرب نفسه... وعاد يتخيل لقاءه بأستاذه خلال الإجازة الأخيرة... وشكواه له من حالة الفزع التي تنتابه نتيجة سماع صوت الإنفجارات قال له الأستاذ: عليك كمرحلة أولى أن لا تتهرب من سماعها... ثم أن تتعرض لها بحضور الآخرين.... ثم وكمرحلة أخيرة يجب أن تتعرض لها وحدك... ولكن أي ليلة هذه التي اختارها موعداً لتنفيذ مهمته المفزعة... إن القصف ليبدو اليوم أشد من كل يوم... توقف قليلاً، إلا أنه عرف أن هذه حيلة نفسية لتثبيطه... فنهض وقد عزم على الخروج أياً كانت الظروف... تحرك بهدوء خشية من إيقاظ الحاج الذي حسب أنه في فراشه. ابتعد قليلاً عن موضعه العسكري.. كانت السماء ورغم ظلام الليل الدامس تتوهج بالقنابل الضوئية والحرائق... وكان دوي القصف متصلاً دون انقطاع... استجمع شجاعته وتقدم أكثر الى الأمام... ثم توقف... راوده شك انه سمع صوت.. ترى، هل أن هناك صوتا أم إنه يتخيل... اختفى الصوت... أراد أن يتراجع إلا انه أنه زجر نفسه وقال: لأي شيء أخاف.. تقدم أكثر فأكثر... وظهر الصوت ثانية أوضح مما سبق.. أجل.. إنه صوت إنسان يبكي... ولكن أي بكاء هذا... بكاء من الأعماق يخالطه الأنين... يا إلهي... أيكون أحد لمقاتلين قد خرج لحاجة له وحيداً وقد جرح... أسرع في خطوه... فوجئ برجل يصلي على مبعدة خطوات منه... تسمر في مكانه. نبرات الصوت المفعمة بالمحبة هذه ليست غريبة عليه... بل يبدو له انه كثيراً ما يسمعها... اصاخ السمع أكثر ألا يبدو صوت الحاج همت هذا... أجل هو... بل هو بعينه! عجيب... ما الذي أتى بالحاج الى هنا.. ألم يكن الموضع مكاناً آمناً للصلاة... ألا ترهبه كل هذه القذائف وهذا الموت الذي يدور بكل اتجاه... تراجع خطوات.. أحس كما أنه يكدر على صاحبه هذه الخلوة الفريدة مع ربه... واصل تراجعه... حتى إذا ما بلغ الموضع... اتجهت عيناه الى فراش الحاج فكان خالياً... انقضى أسبوع كامل على العمليات العسكرية الواسعة التي نفذتها قوات الجمهورية الإسلامية في جزائر مجنون... خسارة قوات النظام المقبور في العراق، موقعاً نفطياً استراتيجياً أثار جنون قيادة هذا النظام مما دفعها لتركيز جهدها المدفعي على هذه المنطقة... فغدت الأرض تهتز كأنها جان من شدة القصف... فيما غطت الحرائق والدخان مساحات غير قليلة نتيجة اشتعال بعض الحقول النفطية... وبعد أسبوع من التعب والسهر تهاوى الحاج ابراهيم كخيمة تساقطت أعمدتها... انتهى الطبيب من ربط المغذي الى جسم الحاج وهز رأسه وقال: لا فائدة من ذلك.. لابد من نقله الى المستشفى. كان همت مضطجعاً، عاجزاً عن الوقوف أو الجلوس... أو حتى الإمساك بحاكية جهاز المخابرة... كانت شفاهه تتحرك... دون أن يسمع له صوت، ذلك انها تيبست كما زوت عيناه... ألقى الطبيب بالسماعة وقال: - لقد نضب ماء جسمه ولم يعد فيه من طاقة على الإستمرار، خرج المساعد عن صمته ليقول: - ماذا نفعل انه يرفض نقله الى الخلف. رد الطبيب بشيء من الإنفعال: - بهذه الطريقة فإنه يدفع بنفسه الى الموت لا محالة. أجاب المساعد بيأس ليس في اليد حيلة. تطلع الطبيب اليه باستغراب... انه لا يفهم هذه اللغة وقال... - انقلوه رغماً عنه فهو ليس في وضع يسمح له بالمقاومة. - هذا لا يمكن... فقد ابلغنا بوضوح: إن من ينقله الى خلف الجبهة وفيه عرق ينضب... فلن يرضى عنه بحال، وسيكون مسؤولاً أمام الله يوم القيامة. كف الطبيب عن محاولة اقناع المساعد... فأقبل عليه الآخر ملتمساً بلطف... أليس من الأفضل إعطائه مغذ ثان... قلب الطبيب شفتيه، وشرع بانجاز ما طلب منه بغير قناعة... وبعد قليل بدا وكأن شيئاً من التحسن قد طرأ على حال المريض... فابتسم المساعد ارتياحاً... فيما لم يفصح وجه الطبيب عن أي مشاعر بالرضا. استمرت حالة التحسن لدى الحاج... واستطاع الجلوس في فراشه فابتهج المساعد، وعرض عليه الأكل، فرفض وقال: لا وقت لدي، يجب أن أذهب. استغرب المساعد وقال: الى أين؟ - الى الخط... أجاب وهو لا يزال يعاني ضعفا واضحاً... رد المساعد بانفعال: - لا حاجة لذهابك... أنا أذهب بدلاً عنك! - كلا لابد من ذهابي... انتزع المغذي من يده ثم نهض واقفاً على قدميه... فصاح المساعد.. - أذهب أنا... ابتسم الحاج إبتسامة يعتصرها الألم وقال: - لابد أن أذهب، فقد طلبني ربي... قال ذلك ثم خرج من الموضع. ذهل المساعد لحظة لسماع هذه الكلمات... غير أنه هرول خلف الحاج قائلاً: - لن أتركك وحدك... لنذهب معاً! وقف الطبيب يشيع الحاج همت ورفيقه بنظراته... فيما اصطبغ الأفق بحمرة المغيب. ركب الإثنان دراجة نارية... دار محركها قبل أن تنطلق بهما بسرعة صوب الخط... وفي ثانية واحدة... تطاير حطام الدراجة وثارت سحابة من الغبار وسط انفجار مدوي. وصل الطبيب الى المكان وهو يركض حاملاً عدته الطبية... لكنه سرعان ما طوح بها بعيداً وجلس جاهشاً بالبكاء. بصيرة وإخلاص - 17 2014-08-05 08:45:20 2014-08-05 08:45:20 http://arabic.irib.ir/programs/item/11558 http://arabic.irib.ir/programs/item/11558 المجاهد الشهيد ابراهيم همت عنوان هذه الحلقة: بصيرة وإخلاص مستلة من كتاب (معلم فراري) ، أي : المعلم الهارب ما أن رآه يصعد المنبر ثانية، حتى عاودته ذات الأفكار التي غزت رأسه، عندما رآه في المرة الأولى. إنه ليشعر أنه سبق له وأن رأى هذا الرجل... ولكن لا يتذكر أين... في آية مناسبة... فكر في المرة السابقة أن يسأله... لكنه أحس، كما لو أن شعوراً غامضاً يمنعه... شعور شبيه بالحياء أو الإحساس بالذنب... لكنه لا يعرف لنفسه ذنباً تجاهه... انتبه الى حالة الشرود التي استولت عليه... حاول تركيز ذهنه فيما يقوله الخطيب: ... وفي أخريات حياته الشريفة، ناشد النبي (ص) المسلمين، قائلاً: أي رجل كانت له من قبل محمد، مظلمة أو قصاص، إلا قام فيقتص مني... ان القصاص في الدنيا، أحب اليّ من القصاص في الآخرة على رؤوس الأشهاد. أحس، كما لو أن شيئاً يومض في ذهنه... بدأ كنقطة صغيرة مضيئة، ثم تضخمت، حتى عادت بقدر وجه إنسان... وراح هذا الوجه يحاصره انّى التفت... نهض خارجاً من القاعة... تخلص شيئاً ما من تلك الملاحقة، إلا أن عبارة النبي: (إن القصاص في الدنيا، أحب اليّ من القصاص في الآخرة على رؤوس الأشهاد لا زالت ترن في رأسه). الثورة الإسلامية على أبواب الإنتصار... والشارع الإيراني يغص بالجماهير التي استجابت لدعوة قائد الثورة الكبير، الإمام الخميني... وفيما بدأت قوات أمن النظام الملكي، تفقد السيطرة على الشارع، نجح شباب الثورة في استقطاب الجماهير، وتوجيه المسيرات المليونية، وتنظيمها على مستوى الزمان والمكان والشعار... خشية من تسلل القوى والعناصر الدخيلة... وكواحد من الأساليب الإحترازية تلك... طبع الثوار شعارات مدروسة ووزعوها على عناصر مختارة ترافق المسيرات. كانت المسيرة التي يرافقها همت تتحرك بانسجام، وهي تردد شعاراتها بقوة وحماس... وفجأة رفع رجل يده، وراح يردد شعاراً نشازاً مغايراً لخط الثورة... فأثار الإرتباك في صفوف المتظاهرين... تعالت الأصوات معترضة على الشعار، وضاق الصبر بهمت... وخشي من انفراط العقد، فوثب نحو الرجل، موجهاً اليه صفعة قوية... احتج الرجل وكأنه لم يفعل شيئاً... إلا أن احتجاجه ضاع وسط صيحات الجماهير الداعية الى طرده من صفوفها. وفوجئ همت بصوت رجل عجوز يهمس له: - لماذا صفعت الرجل؟! التفت همت لصاحب الصوت وقال: - لأنه حاول شق صف الجماهير بشعارات مغايرة...! تساءل العجوز مدققاً: - هل رأيته بعينك يطلق الشعار؟ حاول همت أن يتذكر، فواصل العجوز: - لقد كان شخصاً آخر، اطلق الشعار ثم فر!! أصاب همت الذهول للحظات... الا انه قطع حديث العجوز، وراح يعدو بكل اتجاه، بحثاً عن الرجل... دقق في وجوه المئات من الناس... بغير جدوى، فأحس بالإحباط، أين يجده وسط هذا السيل المتدفق من البشر... وتوقف خيال همت الجامح، ليقول مع نفسه: لكن، ها هو الرجل جاء بعد سنين بقدميه... ولابد ان يقتص لنفسه بأي ثمن... كر عائداً الى القاعة... كان الخطيب قد أنهى محاضرته... فيما نهض بعض الحاضرين يرومون مغادرة القاعة، وفجأة استوقفهم صوت همت قائلاً: - أرجو من جميع الإخوة التمهل قليلاً، وعدم مغادرة القاعة! انشدت الانظار اليه فواصل: - اني ظلمت انساناً يوماً ما، في اجتماع كبير... وانني عاجز عن حشد كل اولئك الناس ثانية... لذا فاني التمس هذا الأخ الكريم ان يقتص مني هنا... ثم تقدم ليقف امام الخطيب مطرق الرأس... اختنق الخطيب بعبرته، ثم تقدم خطوة، ليطبع قبله على جبهة همت، الذي هوى على قدمي الخطيب يقبلهما. استطاع همت بعد فترة قصيرة من توليه مسؤولية قيادة حرس الثورة الإسلامية في إحدى مناطق محافظة كردستان غربي البلاد، من كسب ثقة ومشاعر الأهالي، بل وايجاد تحول في مواقف بعض الجماعات الإنفصالية المسلحة. ورغم الأجواء المأزومة التي خلفها نشاط تلك الجماعات، الا ان همت كان يتعامل بثقة تامة مع جميع العناصر التي تعلن توبتها، واعتزال العمل المسلح، او العمل في إطار قوات التعبئة الشعبية... ومع ثقته الكبيرة بهمت، الا ان الصديق وعدد من زملاءه.. راودته الشكوك، في نجاح التجربة التي يخوضها همت مع الجماعات الإنفصالية.. فالتجارب السابقة، تكشف عن غدرها وخرقها العهود، فما معنى التعامل بحسن الظن، غير احتمال الانجرار الى تجربة مرة جديدة... كان هذا السجال الذهني يملأ رأس الصديق، وهو يقف عند باب مقر قوات الحرس في دور الحراسة.. وعلى حين غرة، برز أمامه رجل فارع الطول، قوي البنية، وكأن الأرض قد انشقت عنه...! القى التحية وقال: - أريد التحدث الى مسؤولكم! رد الصديق الذي لا زال تحت تأثير المفاجأة... - ما اسمك؟ وفي أي غرض تريد أن تتحدث؟! - انا كاكا سيروس... ولقد جئت لابلاغه استعدادنا لالقاء السلاح والعمل معه... ...ودخل كاكا سيروس على همت، وبعد ساعة خرج الإثنان معاً... استغرب الصديق هذه الصحبة... فارسل برأسه، اشارة لهمت، فرد الأخير صراحة: - انني ذاهب مع كاكا سيروس الى مقرهم، من اجل ان ندعو الآخرين للعمل معاً، في اطار الإسلام وخدمة الشعب والبلد. قرأ الصديق التصميم في عيني همت... فعرف ان لا جدوى من الاعتراض، فاكتفى بالقول: - سأرافقك! كان هطول الثلج قد توقف منذ ساعات... الا ان الرياح التي تهب بقوة، حاملة معها عواء الذئاب واصوات اطلاق نار متفرقة؛ باردة لدرجة يحس معها الانسان، وكأنها تخترق عظامه. كانت السيارة العسكرية المكشوفة – باستثناء مقصورة القيادة – تشق طريقها بصعوبة في طريق ضيق تحفه الثلوج... وكان كاكا سيروس القائد الحقيقي للرحلة، صامتاً، مستغرقاً في التفكير... وكمن انتبه فجأة... أشار ان طريق جبلي منفرد، فوجه الصديق السيارة حيث أشار، ملقياً على همت نظرة سريعة، عله يقرأ ما يدور في رأسه... وفيما خلا الطريق تماماً من أي سيارة أخرى، أو مارة، أخذ يسمع اطلاق النار، اكثر من ذي قبل... وعلى حافة الطريق برزت من تحت الثلج قدمان وفوهة بندقية... وفاجأ كاكا سيروس الصديق بضربة قوية على مقود السيارة، وصرخة أقوى: - قف! ثم اندفع خارج السيارة يتبعه همت والصديق... عمل الرجال الثلاثة بسرعة على استخراج الجسد الذي طمرته الثلوج... وصاح كاكا سيروس، هذا كاكا نائب ، حارس الطريق... انكب همت على صدر الرجل، متنصتاً لدقات قلبه... ثم سارع الى اجراء عملية تنفس صناعي له... قبل ان يصيح: - هلموا لننقله الى المستشفى! اقدم كاكا سيروس على حمل الرجل، ليضعه في الجزء المكشوف من السيارة.. فصاح ابراهيم محتجاً: - بهذه الطريقة سنقضي عليه تماماً... - لا مجال في مقصورة السيارة لرابع.... رد كاكا سيروس قال همت: - اجلسه في مكاني...! صدم كاكا سيروس... فالجلوس في الجزء المكشوف من السيارة في جو ثلجي عاصف، يعني: الموت الطوعي..! ... وفي المستشفى، انزل جسد الرجل المتجمد من السيارة، وقد دبت فيه الحياة... فيما وجد همت منكمشاً على نفسه متجمداً... وبعد يوم واحد غادر كاكا نائب المستشفى، فيما بقي همت راقداً لأيام اُخر. ... وفي الليلة التالية... أقبل رجل عجوز على مقر حرس الثورة يحمل خمس بندقيات ومعه اربعة شباب، وقال: - انا كاكا نائب ، وهؤلاء الأربعة اولادي... جئنا لنعمل مع الأخ همت... ثم ابتسم وهو يضيف: اعرف ان الوقت غير مناسب... ولذلك سآتي غداً في الصباح... ثم وضع السلاح على الأرض، وانسحب مع اولاده. الكلمة المسوولة - 16 2014-08-04 08:25:54 2014-08-04 08:25:54 http://arabic.irib.ir/programs/item/11557 http://arabic.irib.ir/programs/item/11557 المجاهد الشهيد ابراهيم همت عنوان هذه الحلقة: الكلمة المسوولة مستلة من كتاب (معلم فراري) ، أي : المعلم الهارب من يدخل المدرسة عقب انسحاب قوات الأمن منها، يحسب أنها كانت مسرحاً لمعركة حامية الوطيس...! معركة اسفرت عن تحطم عشرات الكراسي والمناضد الدراسية، وابواب الصفوف وزجاج النوافذ... إضافة الى الفوضى الشاملة: الخشب المحطم... الأوراق المتناثرة... حقائب الطلاب المبعثرة... ورغم هذا الركام الواسع الذي خلفته قوات الأمن... إلا أنها لم تستطع قتل ذبابة... فغادرت المدرسة، مثلما دخلتها خالية اليدين، دون أن تنجح في اعتقال معلم التأريخ... كانت الحيرة تسيطر على الكثيرين في المدرسة... ما معنى هذا السلوك العدواني لقوات الأمن؟... أيعقل أنها لا تمتلك مخبراً واحداً يبلغها أن المعلم ترك المدرسة هارباً، فور القاء كلمته... لكن الواعين أدركوا منذ البداية: ان العملية برمتها تستهدف إشاعة أجواء الخوف والرعب، داخل المدرسة، خشية من تكرر هذا التحدي غير المسبوق... وإلا فما معنى الإعتداء على بعض الأساتذة والطلبة والتحقيق معهم، دون أن يكون لهم أدنى صلة بما حدث، أو أي علاقة بمعلم التأريخ... إذن فهي رسالة لهم... ولأي مدرسة أخرى قد يفكر أساتذتها أو طلابها "بالشغب" على النظام. سرى نبأ الحادث بين التلاميذ سريان النار في الهشيم... وبقي يهيمن على الوضع العام في المدرسة، والحديث بين المعلمين أو الطلبة أو كلاهما... قبل أن تعطل الإدارة الدوام للتغطية على معالم الفوضى السائدة... كانت الشجاعة الفريدة التي أبداها معلم التأريخ، الأستاذ ابراهيم همت، شيئاً لم يسمع به الطلبة من قبل...! صحيح أن بعض الخطباء يطرحون من على منابرهم، انتقادات جريئة للنظام، ويعرضون بحالات الفساد المستشرية في الدوائر، أو بين الموظفين الكبار... اما ان يتصدى أحد لفضح شخص الملك وفساد أسرته... فهاذا ما لم يفعله من قبل إلا رجلا واحداً... قائداً تأريخياً قال كلمة فملأت الآفاق: (لقد فقد الملك أي وزن له في الوسط الإجتماعي، الى حد أنه يعتبر، لو أن الملك لامس باصبعه البحر، لتنجس البحر...!). لكن ابراهيم الذي أقدم على هذا الفعل مقلداً، تراه أخذ بالحسبان الثمن الكبير الذي سيدفعه، إذا ما أراد ترسم خطى قائده الفذ، الخميني الكبير..؟! وأياً كان الأمر، فقد أدى موقف إبراهيم الشجاع ذاك الى حدوث انقسام في أروقة المدرسة...: أقلية خائفة مرعوبة، متظاهرة بالعقل والحكمة وبعد النظر... عدت تصرفه، مخاطرة غير مبررة والقاءاً للنفس بالتهلكة، وتهوراً، وما الى ذلك... وأكثرية، تنبض قلوبها حباً بعقيدتها وغيرة عليها... ورحمة بالمظلومين والمحرومين من أبناء شعبها... وحمية للكرامة المهدورة... رأت في فعل ابراهيم، جهاداً وشجاعة، ورجولة يحسد عليها... لكن.. أهي الشجاعة وحدها التي حببت استاذ ابراهيم لزملائه وتلامذته؟.. كلا... إنما هي: ايمانه العميق وأخلاقه السامية، وتواضعه للجميع، وتفاعله العجيب مع آلام ومعاناة المحرومين. عادت المدرسة تواصل دوامها المعتاد... واستأنف الأساتذة إلقاء دروسهم اليومية... وشيئاً فشيئاً أخذت قضية أستاذ التاريخ والقنبلة التي فجرها، تنحسر عن أجواء المدرسة... غير أن هذا الإستقرار الظاهري بدا كرماد يخفي تحته الجمر...! فسرعان ما انتشرت إشاعة تقول: ان استاذ التاريخ ينوي العودة الى المدرسة لإلقاء كلمة...! أثارت الإشاعة فزعاً حقيقياً لدى إدارة المدرسة... فالمدير الذي أخبره المعاون بالنبأ ووجهه مصفر: حاول الإستخفاف به أو هكذا تظاهر..! بيدَ أن انتهاء الفرصة، وامتناع التلاميذ عن دخول الصفوف، أنذر بصحة الإشاعة..! الأمر الذي أوقع المدير في حيرة من أمره... ماذا يفعل؟... أيتصل بالجهات الأمنية، ليطلعهم على الوضع في المدرسة؟ ولكن ماذا لو تبين انها خدعة؟ عندها سيصبح مادة للتندر على لسان اللواء ناجي قائد حامية الجيش والحاكم العسكري غير المعلن للمدينة... ناجي، هذا الضابط المغرور الفض... انه ليبغضه من اعماقه.. لكنه مضطر لإحترامه، بل والتذلل له، ماذا يفعل؟ قطع عليه المعاون سلسلة أفكاره، قال وهو يلهث ممتقع اللون: - جناب المدير، جناب المدير..! - ما وراءك؟... تساءل بخوف... - اخرج لترى بنفسك ماذا يحصل؟! - قل، ما الذي يحصل... رد بنفاد صبر... - لقد جاء... لقد جاء...! ..وثب المدير من مكانه وهو يقول: - من تقصد... استاذ ابراهيم؟!... رد الآخر مبهور الأنفاس: - أجل.. ومن غيره؟! الظهور المفاجئ لأستاذ ابراهيم وان كان اخاف المدير، بيد أنه انقذه من التخبط في حساب الإحتمالات... إذ رفع سماعة الهاتف، طالباً اللواء ناجي... وفيما أخذ الحديث مجراه الرجلين، كانت المدرسة تضج بالصلوات، ترحيباً بالأستاذ الثائر. لوّح الأستاذ بيده، يرد على تحية زملائه وتلاميذه، الذين سرعان ما انتظموا على شكل صفوف في الساحة... كان ابراهيم يعلم أنه في سباق مع الزمن.. فهو معرض بين لحظة وأخرى للإعتقال.. فعليه أن يختصر كلمته ويركزها بعدة محاور رئيسية: التأكيد على عمالة النظام... كشف المزيد من فضائحه وفساده... الإشادة بتحرك الشعب ضد النظام... التنديد بقمعه المتواصل لأبناء الشعب، مع التركيز على الطلبة والقطاع التعليمي، واستنهاض الطلبة باعتبارهم الطليعة في أي نهضة شعبية.. منذ أحرفها الأولى... بدأت كلمة الأستاذ تأخذ منحى نارياً ملتهباً... وسرعان ما تأجج الحماس بين التلاميذ فراحو يصفقون بقوة وحرارة... وفي الوقت الذي كان الأستاذ فيه مسترسلاً في إلقاء كلمته، كان الحصار يتكامل حول المدرسة من قبل قوات الأمن بقيادة اللواء ناجي... وبدأت عملية الإقتحام... فتسلل الأساتذة والتلاميذ الى الصفوف فيما واصل ابراهيم كلمته ولآخر ثانية، قبل أن يضع اللواء قبضته عليه، وهو يقهقه بشكل هستيري، صارخاً: - وقع الفأر في المصيدة.... ثم كبّل يديه، ودفعه باتجاه سيارته.. وبحركة خاطفة من يده، انتابت ابراهيم حالة القيء لدى دخوله السيارة... فصرخ اللواء... أخرجوه.. لقد لوث المقاعد... ثم تابع الصراخ: رافقوه الى دورة المياه الصحية... لدقائق عدة، كان صوت التقيء، وتدفق صبور الماء يسمعان، من داخل المرافق التي أحكم ابراهيم غلقها... ومرت دقائق أخرى، فضاق اللواء ذرعاً، فنادى بأفراده: كفى... لتنهوا هذه المسرحية... فراح هولاء يطرقون الباب صارخين: - افتح الباب.... إلا أن ابراهيم التزم الصمت تماماً... ولم ينبس بحرف واحد... إزاء كلمات التهديد والوعيد اتي راحت تنهال عليه... وكانت المفاجأة المذهلة بعد أن حطموا الباب... إذ لم يجدوا احداً في المرافق... سوى أن نافذتها العلوية وصنبورها قد تركا مفتوحين... عندها عرفوا أن الفصل الأخير لما دعاه طيش اللواء بالمسرحية، لم يسدل عليه الستار بعد...! نزل هروب الأستاذ على اللواء ناجي، نزول الصاعقة... فهاج هيجان الثيران، وراح يضرب كل من يجده في طريقه... ولم يسلم مدير المدرسة ولا معاونه... فنالتهما ركلتان طرحتهما أرضاً... وللتغطية على هزيمته النكراء، خرج اللواء من المدرسة، وهو يعربد متوعداً أفراده بانزال أشد العقوبات بهم!! ومع انسحاب آخر سيارة لقوات الأمن، أخذ الأساتذة والتلاميذ بمغادرة الصفوف، وهم يصوبون النظرات الشامتة للمدير ومعاونه... قال أحد الأساتذة معرضاً بالمدير: - رحم الله براقش فقد أصبحت مثلاً يضرب..!! رد عليه الآخر: - لا والله... لا رحمها ولا عفا عنها... بل غضب عليها وأبعدها..! تساءل ثالث، متصنعاً بجدية: - لماذا، لماذا؟! أجاب الثاني: - كأنك لم تسمع يا صديقي المثل القائل: على نفسها جنت براقش! حمى الدين - 15 2014-08-03 09:41:59 2014-08-03 09:41:59 http://arabic.irib.ir/programs/item/11555 http://arabic.irib.ir/programs/item/11555 المجاهد الشهيد ابراهيم همت عنوان هذه الحلقة: حمى الدين مستلة من كتاب (معلم فراري) ، أي : المعلم الهارب اتخذ قراره ولن يتراجع هذه المرة... منذ شهور، وقلبه ينازعه لزيارة سبط النبي (ص) الإمام الحسين (ع).. الا أنه كان يعلله بالحاصل الزراعي مرة، وبالحصاد أخرى، وبهذا وذاك من مشاغل الحياة التي لا تنتهي... لكنه هذه المرة عقد العزم وسيبدأ من الغد، العمل على استكمال وثائق السفر... تنهد بعمق وهو يدخل بيته... وعلى وجهه بدت علائم الإرتياح واضحة... استقبلته زوجته مرحبة، قالت وقد قرأت مشاعره: - أرى عليك السرور... فهل تسمح بالمشاركة، أم تريد احتكاره لك وحدك؟ - سأذهب الى كربلاء! أجاب بابتسامة عريضة... فوجئت الزوجة... نظرت لزوجها بوجه مقطب، وتساءلت بعتب: - وحدك؟! أجاب بإحراج: - انت تعلمين أن حالتك لا تسمح لك بالسفر. امتدت يدها – لا شعورياً – لتمسح بطنها، وتقول مبتسمة: - لدي مهلة أكثر من شهرين... بحث عن ذرائع أخرى... حاول صرفها بأكثر من أسلوب... إلا أنه لم يفلح... وأخيراً، رأى أن لا مندوحة من القبول بمرافقتها له. المسافة الطويلة التي قطعاها بالسيارة الى العراق، والإجراءات الرسمية المعقدة على الحدود؛ مدت في عمر الرحلة ليقترب من يوم كامل...! وببلوغهما مدينة كربلاء... أحس الرجل بتثاقل حركة زوجته، فتطلع إليها، ليشاهد ملامح وجهها المنقبضة... أدرك أنها تعاني ألماً مبرحاً... فانتابته المخاوف من أن تكون توقعاته قد أخذت تتحقق... فسارع لإستئجار سيارة، الى أقرب مستشفى.... نتائج الفحوصات التي أجراها الأطباء، صدمت الزوجين، فقد قيل لهما: ان الجنين في عداد الموتى... وينبغي العمل على إنقاذ حياة الأم... إذن فهما أمام دعوة للإجهاض... رفض الإثنان اقتراح الأطباء وقال الزوج لهم: انه جاء لزيارة الحسين (ع)، وسيتوسل به الى الله في طلب سلامة زوجته وجنينها... توجه الزوجان الى روضة ابي عبد الله السابحة بالنور، بعيون باكية... كانا مدفوعين بالشوق وحده... والآن انضمت اليه الحاجة ايضاً... قالت الزوجة: - سيدي أباعبدالله... إن كان لأحد ذنب، فهو ذنبي أنا، إذ لم أصغي لنصيحة زوجي... ماذا أفعل؟... لقد هيمن حبكم أهل البيت على تفكيري... ثم نشجت وهي تضيف: - إن كان علي أن اضحي بولدي من أجل هذا الحب.. فاقبل تضحيتنا معا...!! ثم جلست واضعة جبهتها على الواجهة الفضية للضريح... فطافت أمام عينيها صوراً عجيبة... سيدة عظيمة القدر، يجللها النور... استقبلتها بحرارة... احتضنتها... ثم قدمت لها هدية... يا إلهي... من تكون هذه السيدة؟... وأي هدية هذه..؟! ما هذا؟! انه طفل جميل... ضمته الى صدرها، وهي تشعر بفرحة غامرة. وقطع عليها تملي هذه السلسلة من الصور الجميلة أصوات الزائرين التي ارتفعت بالصلاة على محمد وآل محمد... يا إلهي.. ما هذا؟ أتكون قد اخذتها اغفاءة قصيرة، وان ما شاهدته مجرد حلم؟! نهضت واقفة على قدميها.. تحسست بطنها... لم تعد تحس بألم... تلفتت باحثة عن زوجها، فوجدته يقف بانتظارها... زفت اليه بشرى الشفاء... ولكن هل تحدثه بما رأت...؟! اعادها صوت زوجها الى الوعي... - خير... أين كنت..؟ ...ضحكت وقالت: - كنت في كربلاء.... ابتسم هو الآخر، وقال: - يا لها من أيام رائعة... حافلة بالخير والعطاء الإلهي.... وبعد صمت قصير، تساءل: - ماذا قالت لك الطبيبة؟! - لم تأت بجديد... ظل زوجها يتطلع في وجهها، فأضافت: - تقول ان الجنين ذكر... تساءل بلهفة: - ذكر؟! ابتسمت... وراحت تحدثه عن رؤياها عند ضريح الحسين (ع). عام 1954 أبصر الشهيد محمد ابراهيم همت النور في مدينة قمشة التابعة لمحافظة اصفهان، وسط ايران. أبوه كان مزارعاً، وأمه ربة بيت... ورغم أنهما لم يؤتيا حظاً وافراً من التعليم... إلا أنهما كانا على هدى وبصيرة... وكانا شديدي الحرص على تربية ولدهما على الإيمان وحب آل الرسالة. ونشأ الصغير في ظل هذين الوالدين الكريمين، يقلدهما عندما يقفان للصلاة، ويرفع كفيه الصغيرين معهما عندما يدعوان... ويستمد خزين الحب الذي أودعاه قلبه، لمحمد وعترته الطاهرة في ذكرى مناسباتهم... وكبر ابراهيم... ودخل المدرسة... وراح يساعد أباه في الحقل... وأخذت مداركه تنمو؛ وتتفتح على تناقضات الحياة والمجتمع... وشاهد بعينه، الظلم الذي يمارسه ضد الفلاحين، ملاكو الأرض الكبار، بدعم وحماية من النظام الملكي البغيض... حتى إذا ما بدأ بالنضوج واتسع وعيه السياسي، انتظم في إطار حركة الشعب التي أخذت تتنامى بقيادة الإمام الخميني، ضد النظام الملكي... كان ابراهيم قد أكمل لتوه دراسته في معهد المعلمين، عند ما استدعي للخدمة العسكرية الإلزامية.. وبدلاً من التوجه الى صفوف الدرس... وضع الخوذة العسكرية على رأسه، والحذاء الثقيل في قدميه، ليدخل من البوابة الكبيرة لأحد معسكرات الجيش. بدأ النظام الملكي الحاكم في ايران آنذاك، مرحلة جديدة من عدائه السافر للإسلام والشعائر الدينية... ومع حلول شهر رمضان، اعلنت إدارة معسكر ابراهيم، منع الجنود من صيام الشهر المبارك. أدرك ابراهيم الذي يتولى مسؤولية إدارة مطبخ المعسكر، ان مهمته اصبحت معقدة، إذا ما عاد من الإجازة... ذلك ان اصرار اللواء ناجي رئيس المعسكر والحاكم العسكري غير المعلن للمدينة على موقفه... يعني الدخول وإياه في مواجهة... وجاءه ليلاً صديقه الحميم، وزميله في المعسكر، ليخبره انه استطاع ترتيب اجازة له، ليقضي شهر رمضان الى جانب اسرته... - ولماذا فعلت ذلك؟! تساءل ابراهيم... قال الصديق ضاحكاً: - عرفت ان غبرة المعركة ستثور بينك وبين اللواء ناجي... ولن تنجلي إلا بمقتل أحدكما...! إبتسم ابراهيم مداراة لصديقه، وتساءل: - كيف مر عليكم الصيام في المعسكر؟! انتاب الصديق الخجل، وقال: - وهل تركنا اللعين نصوم! توهجت عينا ابراهيم، وسأل: - ماذا تعني؟! ...أجاب مطرقاً: - حضر اللواء الى مطعم المعسكر، ظهراً، وأمر الجنود بتناول الطعام، ومن يمتنع ... يضربه.. ثم يلقمه الطعام بيده.. - اجتاحت ابراهيم موجة عارمة من الغضب، وقال: - حسناً فعلت، إذ أخبرتني... سأعد له طبخة لن ينسى طعمها طوال حياته! ...وفي الصباح، فاجأ ابراهيم صديقه بالحضور المبكر للمعسكر... - خير إن شاءالله... لماذا لم تتمتع بأيام على الأقل من إجازتك؟... رد ابراهيم بألم: - أتريدني أتمتع، وهذا اللعين، ينتهك حرمة الشهر الفضيل؟! - وماذا ستفعل؟! - سترى...! ...وأضاف: ما أطلبه منك، هو أن تعلن للجنود أن المطعم سيفتح لهم سحراً. شرع ابراهيم بالعمل على الفور: قفل باب المطبخ... أخذ بمسح أرضيته بالزيت، ثم بالصابون... وقبل جولة اللواء المعتادة لتفقد المطبخ، فتح الباب، وراح يتظاهر بتنظيف الأرضية، مطلقاً صوته بابتهال ديني... اللواء – الذي ملأ أذنيه صوت ابراهيم الجهور – اعتبر ذلك مخالفاً للضوابط العسكرية... لذلك فقد انتزع العصا من يد أحد حراسه، مشيراً لهم بعدم الدخول... ثم تقدم على أطراف أصابعه... حتى إذا ما بلغ باب المطبخ، اندفع راكضاً بشكل أهوج... وفي أقل من خطوتين، تشقلب مطلقاً صرخة استغاثة... فسارع حراسه لنجدته، إلا أنهم تهاووا فوقه... وفيما أدخل ابراهيم غرفة الإحتجاز في المعسكر... كان زملاؤه الجنود يتناولون سحورهم مغتبطين بعمله الشجاع... سأل أحدهم متندراً: - ألا أحد يخبرنا عن حال لوائنا الخفّاق؟ أجابه الآخر: - لقد عصف به رمضان، فألقى به بعيداً، ولا أحسبه يعود مرفرفاً قبل حلول العيد. الحب وسط اللهيب - 14 2014-08-02 08:49:21 2014-08-02 08:49:21 http://arabic.irib.ir/programs/item/11554 http://arabic.irib.ir/programs/item/11554 المجاهد الشهيد احمد علي نيري عنوان هذه الحلقة: الحب وسط اللهيب مستلة من كتاب (عارفانه) أي رشحات عرفانية ماذا يفعل؟ إن المسؤولين يصرون على بقائه في المقر الرئيس في العاصمة، وهو يريد الذهاب الى الجبهة...إنه ليحس أن الجبهة، هي المكان الوحيد الذي يستكمل فيه مشواره الروحي..! إن قلبه ليحدثه: ان أشواقه المتطلعة الى الأفق المشرق الرحب... الى كنف الرحمة المطلقة السابحة في لجة النور؛ لن تتحقق إلا هناك...! ماذا يفعل؟.. لم يبق أمامه إلا أن يقدم إستقالته من العمل... لم يكن يريد ذلك... لكن ليس في اليد حيلة... إنه خياره الأخير... ...وهكذا فعل أحمد... قدم استقالته من حرس الثورة الإسلامية ليتخلص من أسر العمل داخل المقر، وينظم الى صفوف قوات التعبئة... وصدم الأصدقاء، عندما جاءهم مودعاً... قال لهم صراحة: إنه اللقاء الأخير... وإنهم لن يرونه بعد ذلك. لم يعطهم مهلة كيما يردوا عليه... أو لعلهم ذهلوا عن الرد... وما عساهم أن يقولوا أو يفعلوا أمام إصراره على الإلتحاق بالجبهة. وهناك... حيث تتأجج نيران الحرب... تتساقط القذائف هنا وهناك، زارعة الموت والدمار... يقتل أناس فيموتون ويقتل آخرون فيحيون..!! ..؛ هناك وجد أحمد بغيته...! وجدها كما توقعها: ((الجبهة مكان لصنع الإنسان... هي مكان جيد جداً لمن يفيد منه... وسيء لمن لا يستطيع الإفادة منه)). هكذا كتب لصديقه من على أرض الجبهة... ...أجل... ها هي الجبهة أرضها مكشوفة لسمائها... ليس فيها مكان للتواري، أو مجال للمخاتلة واللعب... هنا يقف العبد وجهاً لوجه أمام ربه... وإنه ليقف دائماً موقفاً كهذا... لكن وقوفه هنا، من غير شواغل... من غير دنيا... من غير لهاث وراء الحاجة هذه أو تلك... هنا يترصد الموت الإنسان... تخالسه المنية بين لحظة وأخرى ونفس وثان... وعندها يصحو، فيرى الأشياء على حقيقتها... بأحجامها الواقعية من غير ألوان ولا تزويق. أجل... هذا هو عالمنا نحن... أما أحمد، فهو من عالم آخر... انه يبحث عن الشهادة، لأنه موقن انها الطريق الى الحياة عند الله... حرص أحمد على الإنضمام لأحد الأفواج الجديدة... حيث لا صديق ولا أحد يعرفه... أراد أن يتفرغ لبرنامجه العبادي بشكل تام... ثلاثة أشهر مرت على وجوده في الجبهة، قبل أن يأتي الإيعاز لفوجه بالتحرك نحو خطوط القتال... لم يتم تسجيل هذا الحدث... بيدَ أن آمر الفوج كتب ملاحظة عابرة جاء فيها: ((كنا على رأس القافلة العسكرية، نتحرك بسرعة بين الهور والهضبة... وعندما أصبحنا على مقربة من الساتر الترابي ومواضعنا الدفاعية، سقطت قذيفة هاون بالقرب مني، فأصابت بشضية منها أحد مقاتلينا، وهو شاب لا يتجاوز العشرين من عمره... وقد اخترقت الشضية خاصرته ونفذت الى القلب... وقد طلب مني المقاتل الذي بدى صلباً شجاعاً، أن أساعده على النهوض... وبصعوبة شديدة وقف على قدميه... أجال طرفه فيما حوله، ثم أقبل بوجهه على كربلاء، واضعاً يده على صدره، وهو يقول: السلام عليك يا أبا عبد الله... ثم مالت رقبته الى جانب، وتهاوى على الأرض. وضعت يدي على صدره، فعرفت أنه قد استشهد... لمحت على بطاقته العسكرية هذه العبارة: أحمد علي نيري متطوع من طهران. أثار استغرابه وربما حسده، الإطراء المنقطع النظير الذي سمعه عنه... من هو أحمد هذا، حتى يضج الناس بالحديث عنه... قرر أن يبحث عن الجذور، عن الخيوط الأولى لهذه القصة العجيبة الغريبة... يريد أن يستكشف القضية بنفسه... سيسأل ويناقش ويتحرى، ليقف على تفاصيلها... فيعرف حدود الحقيقة من الوهم، والواقع من الخيال والمبالغة... ترجل من السيارة أمام القرية التي عرف أنها مسقط رأسه... راح ينقل خطواته بتؤدة، وهو يتطلع في وجوه الناس، وواجهات البيوت، وكل ما يصادفه في الطريق... هم أن يبدأ مهمته الإستكشافية... جيد ليسأل هذا الشاب المقبل... إنه ليبدو في عمر أحمد... تردد... لا...لا... الأفضل ان يسأل رجلاً كبيراً... فكبار السن يمثلون السجل التأريخي للقرية، وأرشيفها الوقائعي... وحسم موقفه أخيراً... - السلام عليكم يا عم... أردت – إن سمحت لي – أن أسألك عن الشهيد أحمد نيري، فهل تعرفه؟! فوجئ العجوز... غير أنه قال: - لا بأس عليك يا ولدي!... الحقيقة أن الشهيد أحمد رحمه الله، ولد هنا... إلا أنه انتقل مع أسرته الى طهران... صحيح أنه كان يعاود زيارة القرية صيفاً... لكننا لم نعد نراه خلال السنوات الأخيرة، إلا قليلا... توقف عن الكلام، ثم نظر الى الأفق ساهماً، وقال: - يا إلهي... أي إنسان عظيم كان هذا الشاب... لا أبالغ إذا ما قلت: إنك لا تضيع فضيلة أو سمة طيبة، إلا ووجدتها فيه... ...إنسان عظيم؟! يا لها من كلمة... لو قالها شاب، لقلت أنه طبع الشباب الميال الى الكلام الإستعراضي والمبالغات وتضخيم الأمور... ولكن... توقف الشيخ عن الكلام ثانية، وابتسم... فقد عرف اني ذهبت بعيداً عن أجواء الحديث... شعرت بشيء من الإحراج... إلا أنه بادرني، وهو يشير بيده قائلاً: - أنظر...! ...أترى ذلك الرجل الذي يجلس تحت الشجرة وقربه إمرأة... إنها زوجته... التفت حيث أشار، ثم هززت رأسي... تابع يقول: - إنه أحد قدماء المنطقة، ومن ملاكيها الكبار... اذهب اليه واسأله... فإنه سيجيبك عن كل صغيرة وكبيرة، مما خطر في بالك أو لم يخطر...! ودعت صاحبي العجوز، وقصدت الآخر. نظر إليّ الرجل متعجباً، وأنا أعيد على مسامعه السؤال نفسه، ثم قال: - تقصد: أحمد علي؟! - نعم..! رددت وقد سرني انه يعرفه.. نظر إلي طويلاً يتأملني، وقد اغرورقت عيناه بالدموع... وراح يكرر مع نفسه: أحمد... أحمد... ثم انفجر بالبكاء... شعرت بالخجل... حسبت الشهيد من ذويه... وقد أثار سؤالي أحزانه من جديد... أردت الإعتذار، إلا أنه قال بصوت تقطعه العبرات: - سألت عن شاب يا ولدي... لم يكن يعرفه أحد على حقيقته... لا أنا... ولا أهالي القرية... ولا أي أحد... سوى الله. ثم توتر صوته قليلا، وهو يضيف: - أجل... الله وحده الذي عرفه! أطلق أنه عميقة، وسكت... فظننت أنه أضرب عن الكلام... غير أنه عاد ليقول: - لقد كان أحمد ملاكاً في اهاب انسان... جاء الى القرية ليهبها النور... ليهدي فتيانها وأهلها الى الله، ثم يعود من حيث أتى! سالت الدموع من عينيه ثانية، وهو يتابع: - عندما كان يأتي الى هنا... يجمع فتيان القرية حوله... ثم يأخذهم الى المسجد... وهناك يتحدث إليهم... يعلمهم القرآن والأحكام الإسلامية، يلعب معهم... كان غالبية فتيان القرية، أكبر منه سناً... إلا أنهم يلتفون حوله مسحورين بأدبه وحديثه... لا يمكن أن أصف لك، مدى تعلق فتيان القرية به... شيء لا يصدق انهم يلازمونه، ما ان ينزل بينهم، ولا يتركونه حتى آخر ساعات عودته... مسح دموعه، وهز رأسه مرات وتابع: - لقد كان على صغر سنه، أستاذاً ماهراً... عرف كيف يخاطب الفتيان والشباب، ويستقطبهم الى الله، والدين والمسجد... وكثير هم الشباب الذين تربو على يديه... ومنهم من تبعه لينظم الى قافلة الشهداء... التفت إليّ ليواجهني تماماً، وليقول: - لا ينبغي أن تفهم قولي: ان نجاحه مع الشباب، يعني ان تأثيره اقتصر عليهم... كلا... كلا... لقد وقعنا نحن الكبار أيضاً تحت تأثير سلوكه وحديثه... وتمهل وهو يقول: - لا تدري أي معدن نفيس أضعناه..!... واردف: - هل تصدق، إذا ما قلت انه، كان يمر بين أزقة القرية وحدائقها، فتخال: الأبواب والجدران والأشجار تبتسم له تحييه....!! قال ذلك، ثم عاد الى البكاء... تدخلت زوجته للمرة الأولى، وخاطبته متعجبة: - ما الذي دهاك يا حاج؟! ...ثم التفت نحوي، قائلة: - لقد عشت معه خمسين عاماً... فلم أره يبكي هكذا...! وأضافت متساءلة، وهي تزحف نحوي: - ما الذي قلته فأبكيت الحاج؟! حملقت في وجهي، ثم اشاحت بوجهها خجلاً، وقد رأت عينيّ تسح الدموع، هي الأخرى. رسول المسجد الدؤوب - 13 2014-07-28 09:35:31 2014-07-28 09:35:31 http://arabic.irib.ir/programs/item/11553 http://arabic.irib.ir/programs/item/11553 المجاهد الشهيد احمد علي نيري عنوان هذه الحلقة: رسول المسجد الدؤوب مستلة من كتاب (عارفانه) أي رشحات عرفانية لم يصدق عينيه... أيكون هذا الفتى الذي يلعب كرة القدم مع الصبيان الآن، هو نفسه الذي رآه في المسجد أمس؟! أجل هو نفسه... لكنه لا يستطيع أن يصدق... وربما لا يريد...! رآه يصلي في المسجد... فذهل... كان يرفع يديه في القنوت... ومع كلمات الدعاء الضارعة، كانت عيناه تنهمر بالدموع...! أيعقل لفتى في سنه أن يصلي، فيقبل على الصلاة، وكأنه لا صلة له بما حوله، بل محلق في الأعالي... يتذكر كم بقي مشدوداً إليه وقتها... لكنه ها هو نفسه الآن يلهو كأي صبي آخر... إنه لأمر عجيب حقاً...وبعد تأمل قصير، ابتسم قائلاً: ماالعجيب... إن اللعب من طبيعة الفتيان... إهتز إعجاباً بعبارته، كما لو أنها هبطت عليه من السماء... وعاد يؤكدها قائلاً: إذن فقد عاد الفتى الى طبيعته... قال ذلك وهو يلج في المسجد... تقدم خطوات وتوقف... لقد فوجئ... إنه أول داخل للمسجد، نظر في ساعته، فعرف أنه كان قد أخطأ قراءة الوقت... فكر بالعودة الى البيت... إلا أنه عدل عن الفكرة، متوجهاً الى المكتبة الصغيرة في إحدى زوايا المسجد... تصفح عدة كتب، قبل أن يقع بصره على كتيب صغير... تصفحه سريعاً، فتذكر انه سبق له وإن طالعه... عاد يقلب صفحاته... ثم توقف عند هذه السطور: (هناك من يفترض: إن الإسلام يلزم من ينشد السعادة والنجاة، الإبتعاد عن تيار الحياة، والعكوف على العبادة.. حتى يحافظ على نقاء نفسه، ويصونها من لوث الدنيا.. ويتساءل: كيف يمكن للعبد الذي يخوض غمار الدنيا، أن يحافظ على نفسه بعيداً عن تيارها الجارف... وهناك من يرى خلاف ذلك: أي ان الحياة بين الناس والتفاعل الإيجابي معهم، يوفر للإنسان فرص جديدة لكسب رضا الله والتكامل، من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة الى الله، وتطبيق ما دعا اليه، من التخلق بأخلاقه وحسن المعاشرة مع عباده، وخدمة المستضعفين منهم... وفي سيرة النبي الأكرم (ص) وأهل بيته المعصومين (ع)، ما يقطع انهم لم يعتزلوا الحياة، ويبنوا لهم محاريب خاصة للعبادة... بل كانوا مع الناس وامامهم في الحرب والسلم...( وقطع عليه خلوته دخول مجموعة من الفتية... وفي آخرهم لمحه يدخل... انه الفتى نفسه... سمعهم يدعونه أحمد... وفي دقائق قليلة، انتظم الأولاد في صفين متقابلين، وفي يد كل واحد منهم المصحف الشريف. أحمد الذي كان على رأس الصفين، أعطى الإشارة، فبدأ الأولاد بالتلاوة الواحد بعد الآخر، فيما اتخذ هو لنفسه دور الأستاذ، يقرأ لهم ما أشكل عليهم، ويصحح لهم أخطاءهم... اغلق صاحبنا كتابه، وقد أذهله هذا الإنتقال البارع من عالم اللعب الى عالم الجد... وبعد أن عرف أن الرأس المدبر، أحمد... ظل يرمقه بإكبار وهو يقول: أجل والله يستطيع الإنسان أن يعيش وسط تيار الحياة، مكرساً حياته لله، والدعوة لرسالته. عليه هو وقع اختيار امام المسجد... ان يكون رسول بيت الله الى فتيان المنطقة، يوجههم ويعلمهم الأحكام الأولية للشرع، وتلاوة القرآن الكريم.. وبعد المشوار الناجح الذي قطعه في هذا السبيل... وبعد أن لاحظ الأهالي حرصه وجهده الدؤوب... راحوا يتنافسون على تسجيل أبنائهم في الدورات القرآنية التثقيفية التي يعقدها المسجد بإدارة أحمد. كنت أراه من بعيد بابتسامته المحببة الى النفس، وتودده للآخرين وأدبه، فأعجبتني شخصيته. واصطحبني أبي يوماً الى المسجد، ليضع يدي في يد أحمد مخاطباً إياه: هذا الفتى تحت تصرفك يا سيد أحمد.... ثم التفت اليّ موصياً: عليك أن تصغي لما يقوله السيد أحمد... وإن شئت الذهاب معه الى أي مكان، فلن تحتاج الى إذن... ذهلت... فأبي كان يحذرني باستمرار من مصاحبة من هو أكبر مني... فماذا رأى من أحمد، الشاب الصغير الذي لم يتعد السابعة عشرة، ليضع كامل ثقته فيه. ومرت عدة أيام لم أذهب فيها الى المسجد... وفي إحدى الليالي طرق باب البيت... وما ان فتحته، حتى طالعني وجه أحمد... فشعرت بالخجل الشديد، حسبت أنه سيعاتبني على غيابي عن المسجد.. فرحت أعتذر بانشغالي... فابتسم وقال: - أنا لم آتي لهذا، إنما لأسأل عنك، لأني لم أرك منذ أيام. قلت: - سآتي غداً إن شاء الله..! ومرت ثلاثة أيام أخرى، دون أن أفي بوعدي... وفي الليلة الرابعة، طرق أحمد الباب... فلم أحر جواباً... فبادر هو الى إلقاء التحية... واستشعر خجلي، فقال مهوناً الأمر: - لا يهم... لقد حال شاغل عن مجيئك... المهم انك بخير... وحل اليوم التالي، فذهبت مبكراً الى المسجد... ولا تسأل عما حصل بعده... فقد فتح ذلك اليوم، عهداً جديداً في علاقتي مع المسجد...! نجاح أحمد في كسب الفتيان الى المسجد، أمر أثار الإعجاب... فقد كان يدير حلقات القرآن والثقافة الإسلامية بنحو مذهل... ناهيك عما يبتكره من أساليب جديدة، كأن يدفع الأولاد – خلال جلسة يعقدها بعد صلاة العشاء – الى تلاوة آية أو حديث شريف، ويكتفي هو بالتوجيه دون أن يتدخل... مما ساهم في تعزيز الشجاعة الأدبية لدى الأولاد، وتقوية قابلياتهم على الكلام والخطابة... وكان يثني على النقاط الإيجابية لتلاميذه أمام الجميع... أما السلبية، فينوه إليها بشكل مهذب، من خلال ورقة يكتبها، ويدسها في جيب صاحب العلاقة، بعيداً عن نظرات الآخرين... كما كان دائم التشجيع للأولاد من أجل تنمية مواهبهم وقابلياتهم... ففي إحدى جلسات الدعاء، إلتفت الى أحدهم، وقال: - أترغب في قراءة الدعاء... قال الآخر: - أجرب...! وبدأ الولد بالقراءة... وراح يرتكب الخطأ تلو الآخر... إلا أن أحمد شجعه، وقال له: إنها بداية جيدة جداً، واستمر يشجعه، حتى أصبح اليوم أحد قراء المراثي الكبار. كان أحمد يبالغ في احترام الأولاد حتى الصغار... وقد كان لهذا الإحترام تأثير كبير في بناء شخصياتهم.. خصوصاً وأن من حرموا الأجواء الأسرية المناسبة؛ عطشى لمثل هذا الإحترام. لا زال يحس به ماثلاً حاضراً في حياته... حتى بعد أن كبر، وأصبح في عداد الرجال، وغدا أباً لأسرة وأولاد...! لا يستطيع وصف كنه ذلك الحضور أو كيفيته... لكنه موقن تماماً أنه يجده ماثلاً أمامه في لحضات ومنعطفات خاصة في حياته... أجل... يجده يأمره وينهاه... لكن لا ذلك الأمر والنهي التسلطي الذي يشعرك بالفوقية... كلا... بل أمر الأخ الناصح الحريص على أمر أخيه... أي كشأنه عندما كان الى جانبه... وفي مرة اتفق مع بعض زملاء العمل، على الخروج في سفرة الى ضواحي المدينة صباحاً... وفي ساعة من الليل، أحس به ماثلاً أمامه عابساً غاضباً، وهو يقول: لا تخرج مع هؤلاء..!! ووجد نفسه يستجيب دون إبطاء... فصرف الزملاء وجلس يفكر... ما معنى ذلك..؟! عاد الزملاء من سفرتهم عصراً، يثرثرون... لم يبق سر لم يفشوه... اعترفوا بكل شيء... حتى بممارسة المنكر علانية... شعر بالإشمئزاز... فتركهم والى الأبد... تذكر أحمد، فغالبته دموع عينيه وهو يتأمل... فها هو أحمد يطل من عالمه، ليأخذ بأيدي أصدقائه في منعطفات الحياة الصعبة...!! معراج المؤمن - 12 2014-07-27 12:29:36 2014-07-27 12:29:36 http://arabic.irib.ir/programs/item/11552 http://arabic.irib.ir/programs/item/11552 المجاهد الشهيد احمد علي نيري عنوان هذه الحلقة: معراج المؤمن مستلة من كتاب (عارفانه) أي رشحات عرفانية ولد الشهيد أحمد علي نيري في قرية تابعة للضواحي الجنوبية لطهران عام 1965، وعاش في بحبوحة من العيش... فوالده يدير وكالة لبيع الشاي... وكان وزوجته إنسانين مؤمنين، حريصين على تربية أولادهما... كان أحمد أصغر إخوته الثمانية... لكنه كان يكبرهم جميعاً في سماحة أخلاقه، وسمو سجاياه، وطبعه الهادئ الرصين... ومنذ نعومة أظفاره، كان بعيداً عن الإيذاء، مجانبا للتطاول والمشاكسة، يحترم الآخرين... ويبالغ في احترام أبويه... فتراه يهب واقفاً كلما دخل أحدهما عليه. ومذ دخل المدرسة الإبتدائية، واتسعت معرفته الإجتماعية... أخذ يتحسس آلام الفقراء، ويسعى الى إعانتهم بما تسير له من مصروف يومي يمنحه إياه أبوه... وكم يسعد عندما يبتاع بعض زملائه المعوزين شيئاً مما يحبون من حانوت المدرسة، بما يقدمه لهم من مال؛ وإن عاد هو طاوياً الى البيت... ولم يتوان لحظة، وهو يجد أحدهم ينزوي عن مشاركة زملائه لعبة كرة القدم، بسبب تهرئ حذائه؛ عن إهدائه حذاءه الرياضية الثمينة... وفي ظهيرة أحد الأيام، يعود الأب من المسجد، وما ان يدخل البيت حتى يسمع النقاش محتدماً بين أبنائه... فيتوارى خلف الباب، ويبدأ بالتنصت.. ارتفع صوت أحد أبناءه بنبرة تشوبها سورة الغضب: - ما لنا وبقية الناس.. كل إنسان مسؤول عن نفسه... رد أحمد بهدوء وأدب: - إذن... فالأمر كما تقول: كل إنسان مسؤول عن نفسه... ولذا فأنا لم أطلب من أحد الإمتناع عن تناوله...! دخل الأب ملقياً التحية... فنهض أحمد إحتراماً لأبيه... فيما واصل البقية تناول الطعام. سأل الأب مستغرباً: - خير إن شاء الله... أرى السجال ساخناً... هل حدث ما يدعو لكل هذا الصياح...؟! أطرق أحمد، فيما أجابت أخته: - رفض أحمد أن يتناول غداءه... تساءل الأب، وهو ينظر لأحمد: - ولماذا؟! ردت الأخت، محاولة إبعاد نفسها عن ساحة النزاع: - يقول أن الجيران وأبناء المحلة، غير قادرين على إعداد مثل هذه الوجبة الدسمة، فكيف يسيغ لنا تناول الدسم من الطعام، فيما لا يجد آخرون البلغة منه؟! فوجئ الأب بهذا الكلام الذي يسمعه لأول مرة... تأمل قليلاً وهو ينظر الى أحمد، قبل أن ترتسم على وجهه ابتسامة عريضة، وكأنما بعث في نفسه صدى عميقاً. مع انطلاق أولى تكبيرات أذان الظهر، ظهر معاون المدرسة في باب الصف، ليعلن: أن الدرس الآتي سيخصص لإمتحان درس الرياضيات... المعاون الذي اختار بدء الفرصة زمناً لإعلانه هذا، اتبع ذلك بجملة توصيات روتينية، مخاطباً الطلبة: - إذا سمعتم الجرس يقرع، أدخلوا الصف... خذوا مقاعدكم ...حافظوا على الهدوء التام ، الى حين فراغ الأستاذ، من طباعة الأسئلة الإمتحانية. وفيما بدأ الطلاب التفرق في الساحة، إتجه احمد الى مسجد المدرسة... فتبعه صديقه، وقال معترضاً: - ألم تسمع ما قاله المعاون؟! رد أحمد بشيء من العجلة، دون أن يتوقف: - لن أتأخر إن شاء الله... توقف الصديق ليقول: - أنت تعرف مدى تشدد أستاذ الرياضيات. إكتفى أحمد الذي ابتعد شيئاً ما، بالتلويح بيده... امتعض الصديق، وقال مع نفسه: صحيح إن المحافظة على أداء الصلاة في وقتها أمر جيد... لكنها لا تعني الإستهانة بموعد الإمتحان... وكمن يعلم النتيجة سلفا؛ هز رأسه وقال: - مما يؤسف له أن يحرم مثل أحمد الطالب المتفوق أداء الإمتحان.. بدأ الطلاب بالتوافد على الصف، وهم يسمعون القرع المتواصل للجرس... بيدَ أن الصديق تباطأ، املا بالتحاق أحمد ، وإن كان يعرف أن ذلك أمر بعيد... فصلاة أحمد إذا ما شرعت، لن تنتهي من غير قائمة من المستحبات والتعقيبات.. جلوسه قرب أحدى النوافذ المطلة على الساحة، أتاح له التطلع باستمرار صوب المسجد... ولكن ها قد مضى عشرون دقيقة، دون أن يأتي أحمد... قلقه على صديقه أغفله عن الإنتباه الى أن الأستاذ قد تأخر هو الآخر... ولا مرة أحس بتأوهات الطلاب من حوله دليلاً على شعورهم بالضجر... لكن سرعان ما انفتح الباب بقوة، واندفع الأستاذ الى الداخل، وهو يلعن جهاز الطبع الذي تسبب بكل ذلك التأخير... أمر الأستاذ المراقب بتوزيع أوراق الأسئلة، فيما انشغل هو بإلقاء ونظرة أخيرة عليها... حبس الصديق أنفاسه متوجساً، وهو يسمع الطرقات التي توالت على الباب... إنه أحمد من غير شك... ترى، كيف سيتعامل الأستاذ مع الموقف؟! إلا أن الأستاذ الذي بدأ مستغرق الذهن، قال دون أن يرفع عينيه عن الأوراق.. - تفضل...! دخل أحمد، ليستقر في مكانه... فيما بقي الصديق دهشاً فاغر الفم. إنه يحس أنه ينشد إليه بكل كيانه، وهو يراه في وقفته الخاضعة المستسلمة تلك بين يدي ربه ... هو يصلي أيضاً... لكن دون أن يخامره أي إحساس يدعوه لأن يتحرر من عالمه الثقيل هذا، كما يحصل له هو! إنه ليشعرك وأنت تنظر إليه، كما لو أنه يحلق في عالم آخر... عالم يحفل بمباهج لا يمكن أن توزن الواحدة منها بمباهج الدنيا كلها... وتخيله قريبا منه، فأنشأ يقول: أراك يا أحمد تعرف الله معرفة لا تشبه معرفتنا... وتعبده عبادة لا تمر بخاطر لنا أو لعلنا لا نطيقها...! وعاد يناجي نفسه: انني أصلي للخروج من دائرة الحساب والعقاب، أما هو فصلاته لشيء آخر... يتلفظ كلماتها، فتحسبه يمضغها مضغاً... يتذوقها... يديرها في فمه، ليستشعر المزيد من لذتها... قبل أن يتمثلها ويعيشها...! وأي إنسان لا يعجب كعجبي، إذا ما عرف انني اتحدث عن فتى لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره... أجل... ولهذا لم أطق صبراً... قابلته يوماً وجهاً لوجه وسألته: - أحمد...! تعلم إننا أصدقاء جمعتنا أيام الطفولة، وكنا معاً على الدوام... في المسجد... في المدرسة... فما هذا الذي يغامرك لتصبح شخصاً مختلفاً إذ تقف للصلاة، أو ترفع كف الضراعة لله؟! سعى الى التهرب من الرد... حاول تغيير وجهة الحديث... إلا انني حاصرته، ورحت ألح وألح... فرد كمن أكره على الجواب، قائلاً: - إن لذلك حكاية يا صديقي.... تنفس الصعداء، ثم قال: - ذهبت يوماً بمعية حشد من رواد المسجد في سفرة قريبة شملت بعض الحقول ضواحي المدينة... - وفيما انشغل الأصحاب بلعب الكرة، طلب إلي منظم السفرة أن أجلب الماء ليصنع الشاي... ناولني إناءاً، وقال: - ها هو النهر أمامك... حملت الإناء، وتوجهت الى المكان الذي أشار إليه... كانت ضفة النهر القريبة مغروسة بسياج من الأشجار والشجيرات المتشابكة... رحت أبحث عن ثغرة لبلوغ النهر، فلم أجد... أطللت من فجوة هناك، فراعني ما رأيت... فجلست وأنا أرتجف... ثم وبعد أن عاد إلي روعي، عدت أدراجي... سأل الصديق بنفاد صبر: - وماذا رأيت؟ رد أحمد مطرق الرأس: - كان يمكن لي أن ارتكب معصية كبيرة، وأنا جالس في مكاني ذاك... فقد كانت هناك عدة فتيات يسبحن في النهر.... رفع رأسه قليلاً، وقد إغرورقت عيناه بالدموع، وقال: - لقد خاطبت ربي قائلاً: إلهي إنك تعلم أنني قادر على ممارسة هذه المعصية، لكني سأتركها من أجلك... فتول أنت تربيتي، واصرف عني كيد الشيطان...! - أحسست وأنا أعود أن انقلاباً كبيراً قد حدث في داخلي.. لم أعرف كنهه... لكني أحسه.. أشعر به تماماً... ومن ذلك اليوم... بدأت أحس بطعم آخر للصلاة والدعاء... ومن يومها أيضاً، عرفت انه وما لم يحس المصلي بحالة من العروج، فإنه لن يدرك حقيقة العبودية..! أجل فـ "الصلاة معراج المؤمن". كنت أستمع إليه وهو يتحدث، وكأن الكلام يهبط عليّ من عالم علوي، يفيض بالنور والطهر... وترفرف في سمائه الملائكة بأجنحتها... لكنه توقف فجأة، ونظر إلي نظرة عميقة أفزعتني، وقال بنبرة كأنها لصوت ينبعث من مكان بعيد: إسمع أيها الصديق، كل هذا الكلام، إنما قلته لتدرك أن ترك الذنب، يفتح أمام الإنسان آفاقاً روحية عالية... وقف على قدميه، ثم أقامني معه، وهو يشد على يدي ويقول: عليك أن تتعهد بعدم البوح بما سمعت، ما دمت أنا حياً... قال ذلك، ثم ودعني عجلاً وانصرف. على أعتاب اللقاء - 11 2014-07-26 09:46:18 2014-07-26 09:46:18 http://arabic.irib.ir/programs/item/11551 http://arabic.irib.ir/programs/item/11551 المجاهد الشهيد إبراهيم هادي عنوان هذه الحلقة: على أعتاب اللقاء مستلة من كتاب (سلام بر ابراهيم) أي سلام على إبراهيم مضى على حركتها ما يقرب الثلاث ساعات، ولم تصل الهدف المحدد بعد... أمر قائد القوة – التي تم اختيارها خصيصاً لتنفيذ العملية – مقاتليه بالتوقف... ومال على إبراهيم، وقال: - أحسب اننا قطعنا ما يزيد على ستة كيلومترات... تأمل إبراهيم قليلاً... وهز رأسه علامة التأييد... عاد الآمر ليقول: - ترانا أضعنا الطريق..؟! تلفت حواليه، وقال وهو يشير بيده: - سأذهب لاستطلاع هذا الجانب... أما أنت فخذ في هذا الجانب... كانت المهمة العسكرية التي كلفت بها القوة، تقتضي التسلل الى الخطوط الخلفية للعدو، وضرب موقع مدفعيته الثقيلة... ورغم الصعوبة الإستثنائية للمهمة، إلا أن أفراد القوة – الذين يتمتعون بدرجة عالية من المعنويات والإطمئنان النفسي – وجدوا في هذا التوقف الإجباري، فرصة طيبة، لكي يخلدوا الى النوم. عاد الآمر ثم تبعه إبراهيم، دون أن يقفا على أية علامة يمكن أن تقودهم الى مواقع العدو... سأل الآمر مخاطباً إبراهيم: - ماذا ترى؟! رد إبراهيم بيقين: - لم يبق أمامنا من طريق، سوى التوسل الى الله... اشفع إبراهيم القول بالعمل... فهوى الى السجود... وسرعان ما اندمج في نجوى حارة... كلماته الضارعة المخلصة التي خالطها النحيب، كانت تلامس اسماع المقاتلين القريبين منه، فتخفق لها قلوبهم.. فينخرطوا هم في الدعاء أيضاً... وشيئاً فشيئاً، سرت العدوى لتشمل الجميع. ابتعد قليلاً عن مقاتليه... راح يبحث عن مكان أهدأ يستطيع في أجواءه، التفكير واتخاذ القرار... القضية قبل كل أحد مسؤوليته هو... أنه ليدرك قبل غيره، حساسية الموقف الذي قاد اليه مقاتليه... هو لا يشك أنهم الآن في قلب قطعات العدو... وليس هناك من مواضع أو سواتر، أو أي شيء آخر يمكن الإحتماء بها... ليس غير ظلام الليل، وإذا ما انكشف، سيكونون طعمة سائغة للعدو... سويعات ليس إلا... فكر في الإنسحاب، لأول مرة يفكر فيه... غير أنه شعر كما لو أن هناك سداً منيعاً، يحول بينه وبينه... ابتسم بمرارة... الى أي جهة ينسحب... وهل يعرف الإتجاه الذي سلكه، وسط هذا الظلام، ليحدد اتجاه العودة. أحس بصوت خشخشة قريب... استيقظت حواسه كلها... التفت ليرى أحد المقاتلين مقبلاً عليه... ولما دنى، تبين أنه إبراهيم... قال دون مقدمات، وهو يشير بيده: سأذهب أتفقد هذه الناحية. رد دون تفكير: - جيد... تحرك إبراهيم، غير أنه استوقفه، وقال وهو يناوله ناظوره الليلي.. - استعن بهذا... عادت تلح عليه أفكاره... لا يدري كم مضى من الوقت... ترى، هل أخذته إغفاءة... أم انه استغرق في أفكاره الى هذا الحد... لا يدري... غير أن صوت إبراهيم، أعاد له شعوره بالزمن. قال إبراهيم بعجلة وهو يبتسم: - نحن على بعد نحو كيلومتر واحد من مواقع مدفعية العدو... .... وبدأ الهجوم... كان قوياً وسريعاً ومباغتاً بحيث أضاع من أيدي القوات البعثية أي خيار آخر، سوى الإستسلام. ... وخلال الإستراحة التي سنحت للمقاتلين، علق أحدهم قائلاً: - يا له من خطأ فادح، قاد الى نصر مبين...! رد عليه إبراهيم: - الله هو المسدد..! لم يكن يعرف بواعث سلوكه هذه الأيام... لقد تغير إبراهيم كثيراً... أصبح قليل الكلام، كثير الذكر، مداوماً على تلاوة القرآن... وليس سلوكه هو الوحيد الذي تغير.. بل حتى ملامحه، غدت أكثر نورانية وإشراقاً...! وخلال الأيام القليلة التي قضياها معاً في الإجازة... لاحظ حرص إبراهيم على توديع أرحامه وأصدقائه... وكما غادراها معاً، عادا الى الجبهة معاً...التي بدت كما لو أنها تنتظرهما... قال صديق إبراهيم: - يبدو أن قواتنا ستتحرك بعد ساعات، لتنفيذ عمليات واسعة.. ألا تفكر بأخذ قسط من الراحة، لنلتحق بها فيما بعد... رفض إبراهيم العرض... ونهض من ساعته، ليسجل حضوره بين أفراد الفوج الثاني... وفيما بكر الفوج الأول بالتحرك، توالت حركة بقية الأفواج على أثره... ولم يمض على وقت الحركة سوى ساعتين، حتى جاء الأمر بالتوقف، ثم تلى ذلك أمر آخر بالإنسحاب... كان الفوج الأول قد عبر الخندق الثالث، عندما جاء الأمر بالإنسحاب... أخذ مقاتلوا بقية الأفواج بالتراجع... إلا أن هذه الفرصة لم تتح للأول... كانت المنطقة تخضع لقصف مدفعي مركز... أصوات إنفجار القذائف التي غدت دوياً متصلاً.. تكشف عن حجم الكثافة النارية التي كان يلقيها العدو على المنطقة... سمع إبراهيم بقرار الإنسحاب، بيدَ أنه رفض أن يعود... قال انه سيكون مع أفراد الفوج الأول... ضم الى رشاشته الخفيفة قاذفة، ثم واصل التقدم. واجهت فرق الإسعاف مشكلة عويصة... فقد وجدت في طريقها عائقاً صناعياً على شكل أخاديد أرضية، بعرض ثلاثة أمتار، مملوءة بالقير والنفط الأسود... وتكدس العشرات من الجرحى على حافة الأخدود... كانت جراح العديد منهم خطيرة.. وكان مضي الوقت يزيد من وخامة وضعهم الصحي، كما يزيد من احتمال تعرضهم للإصابة ثانية... وشد إبراهيم هذا التحشد غير الطبيعي، فاقترب وسأل بإشفاق: - خير إن شاء الله! قال المسعف: - كما ترى، لم نهتد لأي حيلة للعبور... أجال إبراهيم التفكير قليلاً، ثم سأل: - كم لديكم من نقالات للجرحى... رد المسعف مستغرباً السؤال: - عدد جيد... أجاب إبراهيم: - إثنان تكفي... سأعمل لك جسراً صغيراً إن شاء الله... ألقى سلاحه... حسر عن ساقيه... نزل وسط الأخدود، وقال: - ناولني نقالتين... دهش المسعف... إلا أنه استجاب سريعاً... وضع إبراهيم أحد طرفي النقالتين على حافتي الأخدود، فيما أسند الطرفين الآخرين على كتفيه، ثم نادى على المسعف: - أعبروا...! بدا المسعف غير مصدق... اختبر الحالة بنفسه، قبل أن يسارع في دعوة بقية زملائه... ... إبراهيم التي أتم مهمة الجسر، حمل سلاحه مخترقاً منطقة الحصار، ليشارك إخوته المجاهدين محنتهم... لكن قدمي إبراهيم لم تطأ هذا الطريق بعد...لقد اختار طريقاً آخر... طريقاً قصيراً يوصله للهدف الذي نذر عمره من أجله... .... مقاتل جريح، تسلل من منطقة الحصار... رأى إبراهيم وعاشره شطراً من أيام الحصار، دون أن يعرفه... كان يقول: لقد رأيت إنساناً عجيباً... إبراهيم... أجل، كانوا ينادونه إبراهيم... رجل واحد... يقاتل... يسعف الجرحى... يوزع الغذاء والماء على المقاتلين... يقوم بكل ذلك تباعاً... أجل... إنسان عجيب... عامل دؤوب لا يعرف التعب، وشجاع جسور لا يعترف بالخوف... قال لي: - يجب أن تنسحب ما دمت قادراً على الحركة... أختنق بعبرته وهو يضيف: - الإبتسامة الدائمة على ثغره، تشع في نفوس المحاصرين الأمل وتمدهم بالقوة.... أما صوته الملكوتي، وهو يترنم بشعر من ملحمة كربلاء، فكان يحلق بمستمعيه الى عوالم ربانية شاهقة... ومشاعر إنسانية سامية... إنهمك في البكاء لدقائق، ثم رفع رأسه وهو يقول: - لا أقدر أن أمحوه من خاطري... أراه ماثلاً أمامي أنى اتجهت... بل لا أريد... أشعر أني لا أطيق ذلك... راح يناجي نفسه، وكأنه يجلدها: - كيف تركته... أنا لم أتركه... بل هو الذي حملني على الإنسحاب... - يا إلهي... يا إلهي... راح يصرخ بقوة، كما لو كان يشعر بلذع آلام لا نهاية لها. الكل يعرف أنها تعشق النور... تهيم به... بل وتلقي نفسها في ضرام النار لتحترق من أجله......! تلك هي قصة الفراشة التي تظل تدور وتدور حول ذبالة الشمعة حتى تحترق... أجل.. ذلك هو مثل إبراهيم الذي أحب الله، فقهر نفسه مراراً من أجله، ولم يستشعر الرضا، إلا أن يقدمها قرباناً على أعتاب اللقاء. معجزة الأذان - 10 2014-07-24 08:27:11 2014-07-24 08:27:11 http://arabic.irib.ir/programs/item/11497 http://arabic.irib.ir/programs/item/11497 المجاهد الشهيد إبراهيم هادي عنوان هذه الحلقة: معجزة الأذان مستلة من كتاب (سلام بر ابراهيم) أي سلام على إبراهيم حرب النيابة التي شنها النظام المقبور في العراق، استهدفت، وفي اولى مراحلها، المراكز المدنية والسكنية في ايران. ويبدو أن السياسيين الغربيين الذين خططوا لهذه الحرب، راهنوا على تحقق نتيجتين أساسيتين بهذا الصدد. ميدانية متمثلة في تدمير أعلى قدر ممكن من المراكز الخدمية والمدنية عموماً، بغية خلق المزيد من المشاكل بوجه النظام الإسلامي الوليد، وإشغاله بمعالجتها... وسياسية مستهدفة فصم العلاقة، وضرب حالة التلاحم القائمة بين الشعب والنظام، عبر المجهود الدعائي الإعلامي، الذي يحمّل النظام الإسلامي مسؤولية الحرب وتداعياتها... ومنذ الأيام الأولى لها، أخذت الحرب تدفع بالأرقام المتزايدة من الضحايا المدنيين... فالقصف الجوي والصاروخي الذي تركز على المدن الحدودية إبتداءً، إمتد ليشمل المدن في العمق الإيراني بما فيها العاصمة. وأصبحت المدارس، كما المستشفيات والمساجد والدور، مرمى لهذا القصف الوحشي.. الجماهير التي كانت في أعلى مداها الثوري، وعت حقيقة المؤامرة واستهداف ثورتها وخيارها الإسلامي... كما أدركت مدى قسوة العدو ووحشيته... فنهضت للدفاع عن عقيدتها ووجودها، عبر رفد جبهات القتال بأفواج المقاتلين... وكمثل الكثير من زملائه الذين القوا بالأقلام وعدة التعليم، ليحملوا البندقية وعدة القتال؛ فعل إبراهيم... الذي كان من السباقين الى الإنخراط في جبهات الحرب. التحق إبراهيم بإحدى جبهات القتال في الجنوب... كانت التمارين والتدريبات متواصلة في تلك الجبهة، إستعداداً لتنفيذ هجوم محدود... وبين الكثير من المقاتلين الإيرانيين الذين انطوت قلوبهم على العزم القوي والمعنويات العالية، من حضروا الى سوح القتال وهم خالي الأيدي...إذ لم يتوفر لهم حتى السلاح الخفيف... ولن يتأتى لك هنا أن تسمع أدنى إحتجاج أو تذمر، ذلك أن الجميع كام يعرف، أن البلاد تعاني الحصار الغربي – الأمريكي.. كان المقاتلون قد فرغوا تواً من أداء صلاة الصبح، عندما تساءل أحدهم: - هل منكم من رأى إبراهيم؟ أجاب العديدون بـ لا... قال الأول: - افتقدته منذ منتصف الليل، ولم أقع له على خبر حتى الآن. نظر أحدهم في وجه الآخر... ثم راحوا يتداولون الموضوع قبل أن يتفرقوا... طائفين على المواضع... علهم يصلون الى طرف خيط يقودهم الى إبراهيم... وبعد ساعة، أرسل الرصد إشارة : الى أن طابوراً يتألف من عدد من الجنود أخذ في الإقتراب. وفي الوقت الذي بدأ فيه المقاتلون بأخذ حالة الإستعداد، أعطى الرصد توضيحات جديدة تقول: ان عدد الجنود ثلاثة عشر، وهم يرفعون أيديهم علامة الإستسلام، ويقودهم إبراهيم ومقاتل آخر... ووصلت قافلة الأسرى... فذهل الجميع... كان إبراهيم ورفيقه شبيهين بمشجبيْ سلاح متحركين. بادر مقاتلان الى إنزال قطع السلاح التي حملها زملاءهما، فيما أخذ ثالث يتطلع في وجوه الأسرى وقد كسته علامات الغضب، قبل أن يوجه لأحدهم صفعة على وجهه... وثب إبراهيم صارخاً ، وقد اتسعت حدقتاه غضباً: - لأي شيء صفعته؟! إرتبك المقاتل، وتمتم: - أليس هو عدواً؟ حدق إبراهيم في وجهه، وقال: - كان عدواً.. أما الآن فهو أسير.. ثم أضاف وقد زايله بعض الغضب: - هؤلاء لا يعرفون أساساً لماذا دفعوا لمقاتلتنا؟ بقي المقاتل ذاهلاً للحظات، ثم قال: - إنني أعتذر... يبدو أني تصرفت بوحي من الإنفعال... ثم تقدم ليقبل الأسير. تملكت الأسير الحيرة، وهو يوزع نظراته بين المقاتل الذي وقف يعتذر إليه وإبراهيم. الهجوم الذي بدأ أوائل الليل ، إستطاع أن يحقق كل أهدافه، باستثناء السيطرة على أحد التلال... وبدا أن المقاومة في هذا المحور، تركزت في نقطة عسكرية أقيمت في موقع معقد التضاريس، يقع أسفل التل، مشكلة أشبه بالبوابة إليه... أمام المقاتلين، الساعة المتبقية على الفجر، وبغير ذلك، ستكون مواصلتهم القتال في وضح النهار، أمراً بالغ الخطورة... خصوصاً مع قلة أسلحتهم، وعجزها عن مواجهة الطائرات المروحية والدروع... تقدم أحد المقاتلين من إبراهيم، وسأل: - ألم تحضرك فكرة معينة للقضاء على مقاومة هذه النقطة... لقد بدأ الوقت يضايقنا؟! قال إبراهيم بعد تأمل قصير: - أعتقد أن الطريق الوحيد الممكن، هو الإقتراب منها، واستهدافها بقنبلة يدوية.. وافق المقاتل على الفكرة، فيما بدأ إبراهيم يسعى لتنفيذها... حبس المقاتل نفسه في صدره، وهو يرى إبراهيم يزحف مقترباً من النقطة... ثم يتوقف عن الزحف ليرمي بالقنبلة ... ودوى الإنفجار... إلا أنه كان بعيداً نسبياً... وثب إبراهيم راكضاً بأقصى سرعته باتجاهها، ثم قذف بقنبلة ثانية، فدوى الإنفجار وسط النقطة هذه المرة... وبإشارة من إبراهيم هجم بقية المقاتلين، ليطهروا النقطة بالكامل... ... ولكن بدا لهم أن هذا الإنجاز رغم أهميته، لم يقدم مفاتيح السيطرة على التل كما كانوا يظنون. ساد شيء من الهدوء وضع الجبهتين...ومع انبلاج الخيوط الاولى للفجر، انطلق صوت المؤذن قوياً رخيماً في الجانب الإيراني... تنادى المقاتلون، قبل أن يروه...إنه إبراهيم...ثم قام بعضهم يتطلع إليه... كان إبراهيم يقف بكامل قامته مؤذناً، وكأنه يقف في مسجد وليس ساحة قتال... فأذهلهم الموقف... وأخذوا يصرخون: - ماذا تفعل يا إبراهيم... إجلس قبل أن يستهدفوك...! إلا أن إبراهيم واصل الأذان، وكأنه لا يسمع... كان صوته الرخيم يصدح بكلمات الأذان القدسية، فتردده الوديان محطمة رهبة الحرب وشعور الخوف... ومع الكلمة الأخيرة، إنطلقت رصاصة بعثية، لتستقر في عنق إبراهيم. دخل أحد المقاتلين على مسؤول الموقع وهو يصيح: - إنها معجزة الأذان... معجزة الأذان...! فوجئ المسؤول، وقال: - ما الذي حصل..؟ - اخرج بنفسك لترى... رد المقاتل وهو لا يتمالك نفسه من الفرح. خرج المسؤول من الموضع... ليجد نحو عشرين جندياً عراقياً، يتقدمهم آمرهم، رافعين راية بيضاء، وهم في طريقهم الى الموقع... أعطى المسؤول أوامره، خشية من وجود مكيدة... غير أن وصول الجنود العراقيين قلب الموقف تماماً... قال آمرهم: - لقد أمرت بسحب كامل القوة المتمركزة على التل.. فسارعوا الى الإستقرار فيه.. سأل أحد المقاتلين: - وما الذي دفعكم الى تسليم أنفسكم؟! أجاب الآمر: - إن ما شاهدناه بأنفسنا، يثبت أنكم مسلمون وملتزمون بالقيم الدينية... ولهذا فقد وجدنا أنفسنا غير قادرين على مقاتلة إخواننا في العقيدة... توقف قليلاً عن الكلام، ثم قال: - إن كان يحق لنا أن نتقدم بطلب وحيد، فهل انتم قادرون على تحقيقه لنا؟! قيل له وما هو؟! أجاب: - نرجو أن تسمحوا لنا برؤية المؤذن... إبراهيم الذي كان يرقد في أحد المواضع، بانتظار نقله الى المستشفى، إستقبل على فراشه الجنود العراقيين.. الذين بهرتهم شخصيته الصادقة المخلصة الشجاعة... فراحوا يقبلونه وهم يبكون. غص المستشفى الميداني بعشرات الجرحى... كان الأطباء يجرون هنا وهناك، لإسعاف الجرحى، وتقييم حالاتهم قبل أن يأمروا بنقلهم الى المستشفيات الأخرى... القاعة الرئيسة للمستشفى، ضجت بأصوات الجرحى وأنينهم...! ومن بين الآهات والأنات، انبعث صوت رخيم مترنماً بأبيات من الشعر... الشعر يحكي الإباء الحسيني... بطولات رجال كربلاء الأوفياء.. يصور فتيانها الذين إقتحموا ميدان القتال مرتجزين بكلمات، تجعل الدماء تغلي حماسا... ورويداً.. رويداً.. هدأت القاعة إلا من صوت إبراهيم الذي واصل إنشاده وعيناه تتوقدان بالحماس. مسؤوليتي - 9 2014-07-23 10:00:20 2014-07-23 10:00:20 http://arabic.irib.ir/programs/item/11496 http://arabic.irib.ir/programs/item/11496 المجاهد الشهيد إبراهيم هادي عنوان هذه الحلقة: مسؤوليتي مستلة من كتاب (سلام بر ابراهيم) أي سلام على إبراهيم ضاق إبراهيم بمديرية التربية الرياضية... فالوظيفة الحكومية، والجلوس المستمر وراء المنضدة، لم يكن ليلبي طموحه لخدمة عقيدته، أو يغني إحساسه بأداء مسؤولياته الرسالية الإجتماعية... ولم يجد حاجة للبحث عن ميدان عمل جديد... ذلك أن نفسه تتوق منذ زمن بعيد الى التعليم... وهل يوجد هناك عمل أفضل من عمل الأنبياء..! وهكذا إنتقل إبراهيم الى حقل التعليم... رغم قلة المرتب الذي يتقاضاه... كان يقول: إن ترسيخ أسس الثورة والمحافظة على جذوتها متقدة في نفوس الأجيال القادمة... يفرض البدء من المدرسة... وإلا فإن المستقبل سيتولاه أناس غرباء على المسيرة... أي اولئك الذين لم يولدوا من رحم المعاناة... وبدأ عمله التدريسي... كان له أسلوبه المتميز عن بقية الأساتذة... فهو يقضي أغلب وقته مع تلاميذه... يتجول بينهم في الساحة خلال الفرصة، مستكشفاً مشاكلهم ومعاناتهم... والأكثر من ذلك... إنه كان ينفق دائماً من مرتبة البسيط، لتوفير حاجات ضعيفي الحال من طلابه... حتى إنه تكفل نفقات إعداد وجبة فطور لهم. ولحسابات لم ترد في ذهن إبراهيم، بدا وكأن سلوكه هذا أغاظ مدير المدرسة، فدعاه يوماً وقال بامتعاض: - أستاذ إبراهيم... أريد أن أصارحك أن سلوك هذا قد أخل بنظام المدرسة... - أي سلوك تقصد جناب الأستاذ؟ قال إبراهيم وقد فوجئ. أجاب المدير بلهجة صريحة أثارت حيرة إبراهيم قبل أن ترد على إستفهامه: - قضية وجبة الفطور. إتسعت حدقتا إبراهيم وهو يسأل: - وما هو وجه الإخلال؟! قال المدير بغضب: - إن كنت لا تعلم يا أستاذ فاعلم: أن تصرفك هذا يستدعي مطالب إضافية، والمدرسة غير قادرة على تغطية أي نفقات من هذا النوع. - ومن هو الذي سيطالب المدرسة؟... تساءل إبراهيم ببراءة. تجاهل المدير السؤال، وقال: - على أي حال، إنني أبلغتك جناب الأستاذ، وأوكد: إنك لا تملك حق القيام بأعمال كهذه مستقبلاً... وهكذا وجد إبراهيم نفسه، مضطراً لترك المدرسة، ذلك إنه لم يستطع أن يكون بمنأى عن معاناة تلاميذه. ولم يمر إنقطاع إبراهيم عن المدرسة ببساطة، بل إنه أثار ضجة غير متوقعة... فلا تكاد إدارة المدرسة تخلو يوماً من مناقشات الطلاب واوليائهم الحادة مع المدير... وتطور الموقف الى تهديدهم إياه، برفع شكوى الى وزارة التربية... المدير الذي رأى أن موقعه أصبح مهدداً، إضطر الى دعوة إبراهيم الى استئناف نشاطه التدريسي. إلا أن إبراهيم الذي شرع التدريس في مدرسة أخرى، إعتذر بعدم إمكانية التخلي عن إلتزامه الجديد. وعلى عكس المدرسة السابقة، فقد كان إعتزاز إدارة المدرسة الجديدة بإبراهيم، وأشادتها بجهوده، سبباً لاختياره أحد الأساتذة النموذجيين على مستوى البلاد. كثيراً ما شغل تفكيره هذا الهاجس... ترى أيسوّغ رضاه النسبي عن أدائه، توقعه أن مهمته قد إنتهت داخل جدران المدرسة الأربع، وإنه لم يعد مسؤولاً أكثر من ذلك أمام ربه. وإن قدر على حشد الحجج لإقناع نفسه بذلك، فهل سيقدر على إسكات صوت الضمير، الذي يطن في رأسه، كوجع مزمن... فتح باب البيت وخرج... كان أولاد المحلة مشغولين بلعب الكرة الطائرة... ظل يتأمل المشهد لحظات... لم يكن فيه من جديد... كثيراً ما رآهم يلعبون... لكنه أحس هذه المرة بشيء يدعوه نحوهم... بل يدفعه دفعاً... وكأنما يستجيب بذلك لحاجة في نفسه... تقدم ملقياً التحية... ثم ليقول دون تكلف: - هل يسمح الأصحاب بمشاركتهم اللعب. قال إبن الجيران الذي يعرف إبراهيم بطلاً في المصارعة: - أهلاً بك... هل تجيد لعب الكرة الطائرة أيضاً؟ أجاب إبراهيم بتواضع: - إذا كنت لا أعرف، فأتعلم! بدأ إبراهيم اللعب... مرن الحركة... سريع الوثبة... يرسل الكرة بنحو يصعب التصدي لها... فذهل الأولاد، وأخذ الواحد منهم ينظر في وجه الآخر... وبعد شوط قصير، ودع إبراهيم الجمع، وانسحب... ظل الأولاد مأخوذين لبعض الوقت... ثم راحو يطرون إبراهيم بانبهار... وبعد أيام، يعاود إبراهيم اللعب مع الأولاد، وعندما يرتفع صوت المؤذن للصلاة، يمسك الكرة قائلاً: - يا شباب..! ألا تحبون أن نذهب معاً الى المسجد؟ يصيح الأولاد: - لِم لا... نذهب! وتكرر شوط اللعب وشوط المسجد... وتطورت العلاقة الى دعوات وموائد في بيت إبراهيم... وترسخت أكثر فأكثر، حتى لم يعد الأولاد يطيقون فراقه... وهكذا بدا أن طموح إبراهيم للتربية والهداية، قد تسلق فعلاً أسوار المدرسة ولم يبق حبيس جدرانها الأربعة. شيئان لم يكتشف سرهما في حياة صديقه...: المال والوقت..! ترى، من أين يأتي إبراهيم بكل هذا المال لتغطية نفقات مشاريعه الإجتماعية الكثيرة... وكيف يسعه الوقت لإنجازها جميعاً. كانت هذه الأفكار قد راودت ذهن الصديق، مذ جاء إبراهيم ضحى لإستعارة سيارته... قال أنه سيعيدها عصراً... وها هو بوق السيارة يؤكد أنه صادق الوعد... فتح الباب وقال: - ساعدك الله...... وأردف: - أين ذهبت؟! أجاب إبراهيم بابتسامة عريضة: - لم أذهبت الى مكان محدد، بل ذهبت الى كل مكان! - تتحدث بلغة الأحاجي والألغاز... ماذا تعني؟ قال الصديق متهكماً: - أعني أني حوّلت مركبتك الفارهة، الى سيارة أجرة، ورحت أنقل فيها الركاب من مكان الى آخر... ثم ربت على جيبه، وقال ضاحكاً: - لقد أصبح لديّ مدخول جيد... ضحك الصديق وقال: - أتهزل؟! - لا والله... جاد تماماً... ولا زال أمامي بعض الأعمال... فإن كنت تجد الفرصة فحبذا لو رافقتني..! ... وأردف: - حقا... إذا كان لديكم مواد غذائية فائضة عن الحاجة، فلا بأس أن تجلبها معك... وبعد أن تحركت بهما السيارة قليلاً، أوقفاها أمام محل لبيع المواد الغذائية... إشترى إبراهيم لحماً ودجاجاً ورزاً وأشياء أخرى... ثم أدخل يده في جيبه، لنعود برزمة أوراق مالية مجعدة من فئة صغيرة، فتيقن الصديق أن إبراهيم جمعها من الركاب حقاً. وبعد أن تحركت السيارة ثانية، توقفت أمام بعض البيوت ليهبط منها إبراهيم مسلماً كل بيت كيساً، وهو يقول: - إنا كنا في المسجد، وهذه حصتكم من المواد الغذائية. تعالت أصوات الجيران في الزقاق: - لص... لص... أمسكوا به! وبدأت المطاردة... كان اللص قد سرق دراجة نارية وهرب بها... غير أن أحد شباب المحلة، إعترض طريقه، وطرحه أرضاً... وعندما وصل إبراهيم الى محل الحادث، كانت يد اللص تنزف دماً... فيما بان على وجهه الرعب القاتل. تقدم إليه إبراهيم يطمأنه، ثم سارع الى ركوب الدراجة، ليردفه خلفه، وينطلق به الى المستشفى. وفي المسجد، حيث أجلس إبراهيم صاحبه الى جانبه، وعلى يده ضمادة طبية... همس إليه بنبرة عاتبة مفعمة بالرقة: - لماذا ورطت نفسك في هذا الفعل الحرام... إلا تعلم أن المال الحرام يحيل الحياة الى الجحيم. بدأ التأثر على الرجل وقال: - أعرف ذلك... لكني عاطل عن العمل، كما تعلم ولدي أسرة تنتظر مني أن أطعمها...! إبتسم إبراهيم وقال: من أين لي أن أعلم...! تساءل الرجل كالمستعطف: كيف... ألم تأتنا أمس بمعونة المسجد؟ فوجئ إبراهيم، غير أنه تلفت فيما حوله، ثم نهض عجلاً... جلس الى رجل كهل، عليه مظاهر النعمة... ثم عاد بعد قليل بادي البشر، وقال: - شكراً لله... لقد تهيأ لك عمل مناسب، تستطيع أن تبدأ من الغد... ثم مد يده إليه بمظروف، وهمس: - خذ هذا المبلغ إستعن به على بعض شأنك... واطلب العون من الله دائماً... وليكن هدفك المال الحلال فهو مبارك، وإن كان قليلاً... إنحدرت دموع الرجل رغماً عنه، فهوى للسجود... ثم لم يملك نفسه إن بكى... وراح ينتحب بصوت عال ملفت... وكأن عاصفة عاتية من مشاعر الندم والألم، والشكر والعرفان أيضاً قد اجتاحته..!! أخلاقية الثورة - 8 2014-07-22 11:11:26 2014-07-22 11:11:26 http://arabic.irib.ir/programs/item/11495 http://arabic.irib.ir/programs/item/11495 المجاهد الشهيد إبراهيم هادي عنوان هذه الحلقة: أخلاقية الثورة مستلة من كتاب (سلام بر ابراهيم) أي سلام على إبراهيم حدث إنتصار الثورة الإسلامية، لم يكن حدثاً ساراً عابراً... فهو من وجهة يمثل: تتويجاً لتضحيات جسيمة، ودماء غالية، ومعاناة طويلة، وإذلال وقهر، دام عقود وعقود... ومن الوجهة الأخرى يمثل تجسيداً لحلم وطموح عاشه الأنبياء والصالحون بإقامة الحكم الإلهي... الجماهير عبرت عن فرحتها الغامرة بمختلف الأساليب، فرددت الأناشيد الثورية والأهازيج الشعبية، ووزعت الحلويات والعصائر... أما الثوار، فقد أحسوا بخطورة مسؤوليتهم... فتحقق الإنتصار وضعهم أمام مهمة جديدة تتطلب تحويل شعارات الأمس الى شيء ملموس في واقع اليوم... ولعل الخطوة السابقة على ذلك، هي تصفية العهد السابق بجميع رموزه ومخلفاته... ليس بسبب المخاطر التي يشكلها بقاء فلوله على الثورة... وليس للخشية من تهديده تلاحم الثورة مع جماهيرها، التي تتحس من أي تماهل معه، وتعده لوناً من المهادنة أو المساومة... ليس لذلك وحسب، وإنما لأنه يمثل موقفاً يحقق العدالة، التي تفرض القصاص من القتلة، واسترداد الحقوق المغصوبة، والكرامة المهدورة. وأياً كان الأمر، فالثورة أمام خطر حقيقي ماثل، وعليها أن تتعامل معه بشكل آني وحاسم. فهناك رجال الحكومة الملكية الكبار، وهناك مسؤولو الأمن والشرطة والجيش المتورطون في ارتكاب المجازر ضد الشعب... وهناك المنتفعون الذين ضربت مصالحهم... والجميع يخشى التفاف حبل المشنقة حول رقبته. هذا، ناهيك عن مؤامرات ودسائس أعداء الخارج بزعامة أمريكا... إختار إبراهيم لنفسه العمل في إطار لجان الثورة الإسلامية، التي أسندت إليها مهمة التحقيق في وضع مسؤولي النظام الملكي... ومع بدء نشاط هذه اللجان، أخذت تتلقى سيلاً من المعلومات، حول هويات اولئك المسؤولين، مراتبهم، عناوينهم، أماكن إختفاء بعضهم. البرقية الأخيرة التي تلقاها مكتب اللجان الذي يعمل فيه إبراهيم، أفصحت عن وجود شخص، متورط بأعمال قمع ضد المتظاهرين، وأعطت – حسب معلومات أفاد بها مواطنون – وصفاً تفصيلياً عن شكل الشخص المطلوب وعنوانه. إنطلق إبراهيم وزملاؤه، مستقلين سيارتين الى الهدف المحدد، وهو يمثل وحدة سكنية في مبنى ضخم... وحمد الله الجميع، إذ سارت العملية على أكمل وجه، وتم إعتقال الشخص المطلوب دون مقاومة. إبراهيم الذي سبق الجميع للخروج من المبنى، عاد بسرعة ليقول: - تمهلوا..! نظر زملاؤه اليه متسائلين، فيما إستخرج إبراهيم يشماغاً، ولفه على رأس المعتقل ووجهه، على هيئة نقاب، ثم قال: - نستطيع الخروج الآن. تساءل أحد زملائه قائلاً: - ما الذي فعلت يا إبراهيم؟! رد بهدوء: - سأجيبك بعد قليل: كان العشرات من سكان المبنى، قد تجمهروا عند بابه الرئيس... والكل يتوق لرؤية المعتقل... بيد أنهم فوجئوا بشخص يتوارى خلق نقاب لا يُظهر إلا عينيه... تساءل رجل بإلحاح: - أين المعتقل إذن؟! أجاب آخر: - الرجل المقنع...! حيا إبراهيم وزملاؤه الجمهور، قبل أن يستقلوا ومعهم المعتقل سيارتيهم. وبنبرة ظاهرة الإحتجاج، رفع شاب من الجمهور صوته متساءلاً: - ترى، لماذا وضعوا قناعاً على وجه هذا المجرم. إبتسم إبراهيم – الذي أعد نفسه للجواب – وقال: - لم نتأكد من إجرامه بعد... الإعتقال تم وفقاً لمعلومات أولية وردتنا... والتحقيق سيكشف ما إذا كان مجرماً فينال جزاءه، أم بريئاً فيطلق سراحه... سكت إبراهيم قليلاً، ثم أضاف ضاحكاً: - ما أسميتموه بالقناع، مجرد إجراء بسيط، لحفظ كرامة هذا الإنسان وتمكينه من ممارسة حياته الإعتيادية، فيما لو ثبتت برائته، خلافاً لما لو تركنا الجميع ينظر إليه كمجرم، فالتبرئة لن تكون كافية لمحو الإنطباع الذي سيتركه إتهامه... ربت إبراهيم على كتف الشاب المعترض، وقال: - إذا كنا سنفعل بمعارضينا، كما يفعل النظام البائد، فأي اختلاف بيننا إذن.. وأين الكرامة التي كنا نطالب بها لشعبنا. أطرق الشاب، فيما نادى رجل عجوز يقف في آخر الجمهور: - نعم ما فعلتم، بارك الله فيكم! قدم الزميل توصية اللجنة المعنية، بفصل رئيس أحد أقسام مديرية التربية الرياضية، إلى إبراهيم... ألقى الأخير نظرة عليها، وتساءل: - لماذا؟! قال الزميل: - التفاصيل طي هذا التقرير... أخذ إبراهيم التقرير، وراح يطالعه بدقة، ثم إستفهم: - وهل تحدثت أنت إليه؟ أجاب الزميل: - كلا... يبدو أن عدم إلتزامه الديني، وانحرافه عن خط الثورة، أمر واضح للجميع. رد إبراهيم، وابتسامة تحمل معنى عتاب على شفتيه: - لا.. لا.. هذا ليس كافياً... وأردف: - دعنا نزوره معاً في بيته، لنتحقق من الأمر بأنفسنا. - لا ضير... رد الزميل على غير قناعة. وقبل أن يلج غرفته، قرأ إبراهيم على لوحة الإعلانات. باشر السيد إبراهيم هادي عمله في مديرية التربية الرياضية، بتأريخ... أهمل إبراهيم قراءة بقية الإعلان، ودخل... همّ إبراهيم أن يطرق الباب، غير أنه لاحظ سيارة حديثة، يستقلها رجل وإمرأة، تتقدم باتجاه البيت. ترجلت المرأة، فتحت الباب على مصراعيه أمام السيارة... وكز الزميل إبراهيم بكوعه، وقال: - هو نفسه... أرأيت وضع الرجل، وزي إمرأته..! رد إبراهيم بهدوء: - ينبغي أولاً التحدث إليه، ثم نحكم فيما بعد. تفضلا... جاءهما الصوت، قبل أن يطل عليهما صاحبه، بقامته الفارعة ووجهه الحليق وشاربه الكث، وقسماته البادية الإستغراب. ألقى إبراهيم السلام مبتسماً، وقال: - أنا إبراهيم هادي، ولديّ عدة أسئلة، أرجو أن لا أضايقكم... رد الرجل: - هذا الإسم ليس غريباً عليّ، أتصور أني سمعته قبل أيام، في مديرية التربية الرياضية، وبالتحديد في القسم الخاص بالتحقيق في وضع منتسبي المديرية، أليس كذلك؟ إتسعت إبتسامة إبراهيم وهو يقول: - أجل... بان الإرتباك على الرجل، وأخذ يلح: - تفضلا إلى داخل البيت، أرجوكما.. أعرب إبراهيم عن شكره، وقال: - كلا... نحن في مهمة نرجو أن تكون قصيرة، ثم نستأذن... إنطلق إبراهيم في الحديث، مستعرضاً الملاحظات المدرجة على عمل المسؤول، ثم استخرج ورقة من جيبه، وقال: هذا هو القرار الذي اتخذته المديرية بفصلك...! إبتلع المسؤول ريقه وأطرق الى الأرض.. وتابع إبراهيم: - أما قرار الفصل فها هو... وأخذ بتمزيق الورقة... وأردف: - ما أرجوه منك أن تعيد التفكير بكل ما قلته لك. ثم لوح بيده، وهو يبتعد، قائلاً: - ليحفظكم الله...! قال الزميل وهو يسير الى جانب إبراهيم: - أحسنت... لقد كان حديثك جميلاً جداً ومؤثراً جداً... إبتسم إبراهيم وقال: - لست على شيء... إنما هي كلمات أجراها الله تعالى على لساني، وأردف: - ثق، إنك لن تجد شيئاً يمكن أن يترك تأثيراً إيجابياً على الناس، أفضل من التعامل الطيب معهم... ألم تقرأ في الخطاب الإلهي للنبي (ص): ((ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك)) بعد مدة يسيرة، تسلم زميل إبراهيم تقريراً جديداً عن وضع المسؤول نفسه، وما إن فض الغلاف وبدأ يقرأ، حتى ذهل... التقرير ينص على حصول تغيير جذري في وضع وسلوك المسؤول داخل الدائرة وخارجها... شاهد كبير يقدمه على النمط الجديد لحياة المسؤول، إلتزام زوجته بالزي الإسلامي. حمل الزميل التقرير الى إبراهيم وهو يكاد يطير من الفرح معتبراً إياه دليلاً على نجاح إبراهيم... إلا أن هذا اكتفى بالقول: الحمد لله تعالى... ثم سعى الى تغيير مجرى الحديث. إبراهيم الثائر - 7 2014-07-21 15:11:42 2014-07-21 15:11:42 http://arabic.irib.ir/programs/item/11494 http://arabic.irib.ir/programs/item/11494 المجاهد الشهيد إبراهيم هادي عنوان هذه الحلقة: إبراهيم الثائر مستلة من كتاب (سلام بر ابراهيم) أي سلام على ابراهيم أحبه منذ الصغر... مذ سمع أباه يحدثه عنه لأول مرة... وراح خياله الطفولي الخصب، يرسم له ملامح تلك الشخصية التي أحبها، مجردة عن كل ما يمت لبني البشر من نسب...! وعندما إطلع على أول صورة فوتوغرافية له، أخذته تلك الهالة النورانية المحيطة بوجهه... وقرأ بين خطوطها - رغم صغر سنه - شارات الشجاعة والرفض والإباء الحسيني... لكن بقي فيها شيء آخر، عصي على القراءة، لا يعرف كنهه، شيء يحس أنه يلهمه الرجولة ويحفزه على الأعمال العظيمة. وكبر إبراهيم... وكبر حبه... وكبرت تلك الصورة معه... أصبح لها معان جديدة، إضافة الى ما لها من معان... لكنه رغم ذلك، لم يستطع أن يتخلى عن عادته أيام الطفولة... لا زال يحب إطالة التطلع الى تلك الصورة... يستبقيها بقربه يحس أنها لم تزل مصدر إلهام له... عاد يسعى لحصر ذهنه فيما يقوله الخطيب... يقول سابع أئمة البيت النبوي الشريف، الإمام موسى بن جعفر (ع): (يخرج رجل من أهل قم، يدعو الناس الى الحق، يجتمع معه قوم كزبر الحديد، لاتزلهم الرياح والعواصف، ولا يملون من الحرب، ولا يجبنون، وعلى الله يتوكلون، والعاقبة للمتقين). كانت كلمات خطيب المسجد، تنطلق بقوة وثقة وحماس، فتلهب مشاعر الجماهير التي احتشدت داخل المسجد وخارجه... وعلت التكبيرات، وتصاعدت درجة الحماس، عندما قال الخطيب: ليس منا من يجهل اليوم، أن هذا الرجل الذي عناه النص الشريف: هو الإمام الخميني... وأن القوم المجتمعين معه، هم المجاهدون المضحون الأبطال من أبناء الشعب الإيراني المسلم. لم تكن كلمات الخطيب وحدها التي سحرت الجماهير، بل شجاعته وإقدامه، وعدم رهبته الموت... كان الجميع يعتقد أن الخطبة النارية هذه، لن تنتهي إلا بتدخل قوات أمن النظام الملكي. وفيما كان الخطيب يتابع حديثه، أرسل أحد الشباب الناشطين في المسجد إشارة لإبراهيم الذي وقف في إحدى الزوايا يتابع الخطبة... - خير إن شاء الله... قال إبراهيم بعد أن شق طريقه نحو صديقه بعناء... همس الصديق في أذنه: - قوات الأمن بدأت تطوق المسجد، ويبدو أنها تهم باقتحامه... توقدت عينا إبراهيم بالغضب... فيما راحت الضوضاء تتعالى حول المسجد، معلنة بدء تحرك القوات... الهجوم الذي استهدف أولاً المحتشدين قرب المسجد، دفع الكثيرين في الداخل الى مغادرته، ليجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع قوات الأمن، التي راحت تنهال عليهم ضرباً بالهراوات، دون أن توفر طفلاً أو إمرأة أو شيخاً كبيراً... إبراهيم الذي كان يغلي غضباً، إستغل حالة التدافع، ليقتحم صفوف القوات، موجهاً لعدد من أفرادها لكلمات دامية... حركة إبراهيم الذكية والمباغتة، نجحت في فتح ثغرة للمحاصرين داخل المسجد... فعناصر الأمن الذين أخذو على حين غرة، إنشغل بعضهم في علاج أنفه أو وجهه الدامي، فيما راح الآخر يطارد إبراهيم الذي تمكن من الإفلات، ولكن بعد أن نال نصيباً من الضرب... وتطور الموقف الى اشتباك واسع، كانت حصيلته عدد من الشهداء والجرحى. التجمعات والإحتجاجات المحدودة التي كانت تحصل هنا وهناك، بدأت تتحول الى مسيرات ضخمة تجتاح الشوارع الرئيسية لمختلف المدن الإيرانية... وفي العاصمة، أخذ تزايد الزخم الجماهيري، يشكل عبئاً نفسياً كبيراً، بل كابوساً مرعباً يقض مضاجع الملك العميل وحكومته... ومع اقتراب ساعة انطلاق المسيرة الجديدة، لاحظ الأهالي تحشداً غير طبيعي لقوات الأمن والشرطة والجيش أيضاً... نداءات عبر مكبرات الصوت، بدأت تسمع، معلنة حالة الطوارئ، وداعية الناس الى التفرق... إلا أن الجماهير، ورغم ذلك، شرعت بالتحرك، هاتفة بحياة الإسلام والإمام الخميني، والموت للملك ونظامه... وعلى وقع الهتافات الجماهيرية المدوية، تزايدت الرشقات النارية التي كانت تطلق في الهواء تحذيراً، لتصبح رمياً متواصلاً موجهاً إلى صدور المتظاهرين... وتغدو المواجهة معركة حقيقية تدخل فيها الآليات والمروحيات... ويتساقط الشهداء والجرحى فرادى وجماعات... ورويداً رويدا تتصاعد الأرقام الى المئات والآلاف... معركة حقيقية... لكنها من طرف واحد... ذلك أن الجماهير كانت خالية الأيدي. صرخ إبراهيم الذي حمل أحد الجرحى بصديقه المار بقربه على دراجة نارية... وعلى الفور، حملا الجريح الى المستشفى... ورجعا ليعاودا الكرة ثانية وثالثة ورابعة و... وفي طريق العودة لاحظا جريحاً ملقى على مبعدة من رجال الشرطة دون أن يتقدم أحد لنجدته... فصاح إبراهيم بصديقه ليتوقف... إلا أن الصديق الذي بدا عليه الشك، قال محذراً: - ألا ترى أنه تُرك هنا كفخ لإصطياد المجاهدين...! إلتفت إليه إبراهيم، وقال وفي صوته رنة عتاب: - لو كان أخاً لنا، أيمكن أن نتركه؟! رد الصديق وقد شعر بالخجل: - إذهب إذن، ولتكن في نهاية الحذر. في لحظات ترقب الخطر... خصوصاً عندما يكون ماثلاً وشاخصاً تتابعه لحظة بلحظة، بل ثانية بثانية... تغدو أعصاب المرء مشدودة متوترة، ويتصاعد وجيب قلبه، وتهرب أنفاسه، فيأخذ باللهاث...! كان صديق إبراهيم يتابع حركة صديقه، مذ رآه ينبطح على بطنه، ويبدأ بالزحف باتجاه الجريح... ومع كل خطوة يتقدم فيها إبراهيم، ومع أي حركة تصدر عن أفراد الأمن، يحس الصديق وكأن دماءه قد تجمدت... فيلهج لسانه بالدعاء.. وبلغت نقطة الخطر أوجها، عندما بلغ إبراهيم الجريح، وبدأ محاولته لحمله... كتم الصديق أنفاسه، وأصبحت عيناه معلقتين بنقطتين فقط: الأمن وإبراهيم... وبحركة بارعة، إستطاع إبراهيم لوحده، رفع الجريح ووضعه على ظهره، ثم العودة زحفاً... أغمض الصديق عينيه وفتحها مرات ومرات، مؤملاً أن يكون إبراهيم قد تجاوز مرحلة الخطر... ولكن، يا إلهي... ما له يكاد لا يتحرك... تراه تعب أم أنه يراعي وضع الجريح...؟! خف أزيز الرصاص الذي تواصل على مدى ساعات، وبقيت تسمع أصوات إطلاق نار متقطعة بعضها بعيدة... إلا أن القوات العسكرية حافظت على انتشارها، وراحت تشدد من الإجراءات القمعية التي فرضتها... وبغير تردد العجلات والآليات العسكرية، توقفت حركة النقل بشكل تام... كما أغلقت الأسواق والمحال التجارية أبوابها... واقترب إبراهيم... لم تبق إلا أمتار قليلة تفصله عن صاحبه... فصعق هذا إذ رآه مضمخاً بالدماء... غير أنه وما إن وضع إبراهيم حمله، حتى تبين أن مصدر الدم الجريح...! ومع صبيحة اليوم التالي، بدأت الجماهير بالتحشد، إستعداداً لتشييع شهداء مجزرة الأمس. ومنذ الساعات الأولى... بدا أن الحضور الجماهيري بكل ذلك الزخم، سيفوق بكثير حضور اليوم السابق... السلطات التي بدت مربكة، لا تدري ماذا تفعل، عممت قراراً على كافة قواتها الأمنية والعسكرية، يمنع من أي إحتكاك بالمواطنين. التقارير الأمنية المرفوعة للجهات العليا، كانت تحذر من التصدي لمسيرات التشييع، مشبهة الأوضاع باللحظات التي تسبق ثورة البركان..! السيل الكاسح للجماهير وهي تندفع الى الأمام حاملة على أكفها أجساد الشهداء.. ووقوف قوات النظام المدججة بالسلاح عاجزة عن فعل شيء، خطّا أفق الغد بوضوح... الغد الذي ترسم إرادة الجماهير وحدها معالمه... بذل وسماحة - 6 2014-07-20 11:03:30 2014-07-20 11:03:30 http://arabic.irib.ir/programs/item/11493 http://arabic.irib.ir/programs/item/11493 المجاهد الشهيد إبراهيم هادي عنوان هذه الحلقة: بذل وسماحة مستلة من كتاب (سلام بر ابراهيم) ، أي سلام على ابراهيم الأمطار الغزيرة التي هطلت خلال أيام متوالية على طهران، جعلت من جنوب المدينة أشبه ببحيرة واسعة... حيث دخلت المياه البيوت، فيما أصبحت الأزقة والشوارع أنهاراً، لابد لمن أراد ارتيادها من إقتناء زورق....! واكتفت الصحافة – التي تخضع لرقابة مشددة من قبل أجهزة أمن النظام الملكي - بنقل نبأ الفيضان، دون التطرق الى عدم كفاءة شبكة الصرف الصحي، وضعف الخدمات البلدية المتعلقة... كأسباب رئيسية للحادث. مشكلة الفيضان، خلقت أزمة حقيقية على مستوى النقل... حيث قلت حركة سيارات النقل الحكومي العام، فيما انعدمت أو كادت حركة السيارات الصغيرة، مما يعني تعذر الوصول الى البيوت البعيدة أو الواقعة في الأزقة الضيقة، دون الخوض في المياه... الجو البارد، ضاعف هو الآخر من معاناة السكان، فازدادت الإصابات بالبرد... خصوصاً بين كبار السن والأطفال.. وفي واحد من الأحياء الفقيرة، برزت مشكلة عويصة... فقد بدا أن هناك مجموعة من الشيوخ العاجزين الذين يراد نقلهم لغرض العلاج، دون أن تتوفر وسيلة لإيصالهم الى الطريق الرئيس، حيث تمر سيارات النقل العام. ولم تأتي الحلول التي طرحها أهاليهم، أو بعض المارة الذين تجمهروا هناك بطائل... تساءل أحد الشباب الذي وصل للتو: - خير... هل هناك من مشكلة؟! تبرع أحدهم، فشرح له القضية... إبتسم وقال: - بسيطة إن شاء الله..! إعترض أحدهم متهكما: إننا نناقش المسألة منذ ساعة، ولم نجد لها حلاً، وها أنت تقول بسيطة! ضحك الشاب، وقال: - لا مانع... إستأنفوا النقاش لساعة أخرى، وأنا أجرب طريقتي الخاصة. ضحك المتجمهرون... وتقدم أحدهم، وقد بدا أنه يعرف الشاب، وقال: - أهلاً بك أخ إبراهيم... وأردف: ماذا تنوي أن تفعل؟! قال ببساطة تامة: - أحملهم على ظهري... أراد المعترض أن يقول: لو كان ذلك ممكناً لفعلناه... غير أنه لاحظ قامة الشاب السامقة، وعضلاته المفتولة وجسمه المتكامل البناء، فسكت. لم يضع إبراهيم وقتاً، بل رفع إكمام سرواله، حاسراً عن ساقيه، ثم بدأ مهمته. قال أحد المتجمهرين، وقد رأى إبراهيم يخوض الماء، وهو ينوء تحت ثقل حمله: - يا له من شاب شهم...! - إنها أكثر من شهامة..! رد الشاب الذي يعرف إبراهيم. - يبدو أنك تعرفه معرفة جيدة... تساءل الرجل. - ليس بدرجة كافية... لكني سمعت عنه الكثير... وتابع: - إن إبراهيم، أحد أبطال المصارعة الكبار... لكن الشهرة الواسعة، وأضواء الإعلام، والقوة الجسدية الخارقة، لم تطوح برأسه... وسكت قليلاً، ثم قال: - لقد رأيته أحدى المرات في موقف عجيب، لا يمكن أن تصدق أنه يصدر من مثل رجل في مركزه أو شهرته..! إزداد فضول الرجل، فتساءل: - ماذا رأيت؟! - رأيته في السوق الكبير يضع بردعة الحمالين على ظهره... - عجيب... ولماذا يضعها على ظهره؟! قال الرجل مستغرباً... - ليستخدمها طبعاً كأي حمال آخر...! - لا أصدق! - أنا مثلك، صعُب عليّ التصديق، مع أنني رأيته بنفسي... غير أن أحد أصدقائه قال لي: إن إبراهيم يمارس عمل الحمالين عن قصد، حتى يقهر نفسه، خشية من أن يركبه الغرور...! ظل الرجل فاغراً فاهه، ثم راح يتأمل إبراهيم في جيئته وذهابه... أنفاسه المتلاحقة... وجهه المتصبب بالعرق رغم برودة الجو... وعندما أكمل مهمته، رفع يده مودعاً... فيما كانت نظرات الجميع ترقبه بإكبار... دخل إبراهيم وصديقه الملعب، واتجها مباشرة الى قاعة المصارعة... فأمامهما اليوم شوط طويل من التدريب... وقبل أن يشرعا بتغيير ملابسهما، دخل زميل لهما وقال: - لقد كنت أتبعكما، إلا أنكما لم تنتبها لي... ثم توجه الى إبراهيم قائلاً: - ما شاء الله الأخ إبراهيم، في قده الممشوق وزيه الجذاب... وضحك وهو يتابع: - السروال والقميص الرائعان... الحقيبة الرياضية المدلاة باليد... كل ذلك يعلن عن شخصية نجم رياضي بارز...! وأردف: - كانت هناك فتاتان تسيران خلفكما وتتحدثان... وقد التقطت أذناي بعض حديثهما، فوجدته يدور حول إبراهيم... قال ذلك وعاد يضحك. طبع الألم ملامح إبراهيم... وبدى عليه السهوم، غير أنه لم يعلق بشيء... ومضت ساعات التدريب ثقيلة... وما إن حلت ساعة الإنصراف حتى تنفس إبراهيم الصعداء، وكأنه تخفف من وطأة حمل ثقيل...! خرج مع صديقه بوجه واجم، زاهداً في الحديث... مكتفياً بابتسامة مقتضبة يجاري بها حديث صديقه... أحس الصديق بعزوف نفس إبراهيم، فقال: - أما الآن فجاء دورك يا صديقي... إذ لم يبق لدي ما أقوله... - إبتسم إبراهيم، غير أنه بقي صمتاً... - تطلع صاحبه في وجهه، وقال: - أرجو أن لا يكون كلام زميلنا عن الأزياء والمعجبين والمعجبات قد أثارك؟! أطلق إبراهيم زفرة وقال: - إذا أُعتبرت الرياضة فرصة لإستعراض القوام الرشيق، والقوة، والأزياء والمظاهر... فهي لا تستحق أبداً كل هذا الجهد والوقت الذي نكرسه لها... بل ستعود بالضرر علينا..! وأردف: إنما تستحق ذلك، عندما تكون لله... أي في طريق الله، وهي بذلك عبادة..! واختصاراً للمسير، إخترق الصديقان ساحة صغيرة إستغلتهما مجموعة من الصبيان للعب كرة القدم... تابع إبراهيم: إن العمر أيها العزيز لأضيق من ذلك بكثير...! ضحك الصديق، وقال: من يسمع موعظتك هذه، يحسب أن صاحبها قد ناهز التسعين...! وفوجئ إبراهيم بشيء ثقيل يصدمه بوجهه... أخذ وجهه بكلتا يديه، فيما صرخ الصديق بشدة: - ماذا فعلتم أيها الأشقياء... هتف إبراهيم... لا.. لا... أرجوك! فر الصبيان متفرقين، ثم توقفوا يتفرجون عن بعد... إبراهيم الذي جلس على الأرض يداري ألمه، أصبح وجهه أحمر قانياً، فيما دمعت عيناه وتورم أنفه... وبعد أن أصلح من وضعه، قام على قدميه، وراح يتطلع نحو الصبيان، ثم ارتسمت على وجهه معالم الأسى، وقال: - يا للمساكين.... يبدو أننا أخفناهم... ثم لوح لهم بيده، وهتف: - عفواً... لم يحدث شيء... تعالو نتصالح... وعندما رأى أنهم لا يستجيبون، فتح حقيبته، واستخرج كيساً من الجوز، ولوح به إليهم، وقال: - هذا لكم... ثم وضع الكيس الى جانب الكرة، وقال لصديقه... - هيا نذهب... كان الصديق يراقب حركات إبراهيم ويعجب... أي روح شفاف... أي خلق سمح... أي قلب خافق إشتمل عليه هذا الاهاب الوديع... حدق إبراهيم في عيني صديقه وسأل: - فيم تفكر؟! - أفكر، في أن أعود الى كيس الجوز لأتناول جوزة واحدة.. واحدة فقط.. رد عليه إبراهيم باسماً: - ولم لا... إن كنت ستضمن أن لا تتناول جوزة من النوع الكبير الذي تناولته أنا... ضحك الصديقان قبل أن يودع أحدهم الآخر، متوجهاً الى بيته. البطل الذي قهر نفسه - 5 2014-07-16 09:28:28 2014-07-16 09:28:28 http://arabic.irib.ir/programs/item/11492 http://arabic.irib.ir/programs/item/11492 المجاهد الشهيد إبراهيم هادي عنوان هذه الحلقة: البطل الذي قهر نفسه مستلة من كتاب (سلام بر ابراهيم)، أي سلام على ابراهيم بعد شوط طويل من التدريب... غادر إبراهيم قاعة المصارعة... فيما جلس مدربه الخاص الى جنب أحد زملائه، وانشغلا بالحديث عن التصفيات القادمة، واللاعبين المؤهلين، وتوقعات الفوز والخسارة... قال المدرب الآخر: - اسمعت آخر الأخبار بشأن إحتفالات كأس البطولة... وتابع دون انتظار رد صاحبه: - أعلن في التلفزيون أن ولي العهد سيحضرها... وسيقوم بتوزيع الجوائز بنفسه... بقي مدرب إبراهيم ساكتاً وكأن الأمر لا يهمه، فيما تابع الآخر: - من الطبيعي أن يتلقى الأوائل جوائز قيمة من يد ولي العهد... ودون مناسبة أو تمهيد، إنتقل بالحديث الى ناحية أخرى، قائلاً: - إني لأعجب من تلميذك إبراهيم هادي... إنه ليبدو هادئاً أكثر مما ينبغي... ضحك مدرب هادي، وقال: - صحيح ما تقول... لكنه في حلبة المصارعة شيئاً آخر... أمسك عن الكلام قليلاً ثم قال: - قامته الممشوقة، وذراعاه المتراميان القويان، يجعلان منه نمراً في الهجوم... ثم أطلق ضحكة مجلجلة، وأضاف: ما لم يكسب الجولة، فلن يستطيع أحد الإفلات منه بسهولة... وتابع يقول، مواصلاً الضحك: لهذا، إخترت له لقب: النمر الصامت. أطلق المدرب الثاني، ضحكة قصيرة، مجاراة لزميله، قبل أن يلحظ مسؤول الملعب، مقبلاً عليهما. نهض الإثنان مرحين بالمسؤول... قال الأخير مخاطباً مدرب إبراهيم: - عندي لك مفاجأة غير مريحة... رد المدرب متوجساً: - خير إن شاء الله...! - لقد قرر إبراهيم الإنسحاب من المباريات... فغر المدرب فاهه، وتساءل: - الإنسحاب...؟! ماذا تعني؟ ثم استدرك: أقصد، لماذا؟! - لم يقل شيئاً، سيضر ذلك – من غير شك – بمستقبله الرياضي! بان على وجه المدرب الوجوم... بيدأنه لم يعلق بشيء... واصل المسؤول الحديث دون انقطاع، في حين غرق مدرب إبراهيم في هواجسه، متساءلاً: إن كان إنسحاب ابراهيم على علاقة بحضور ولي العهد إحتفالات الكأس... ثم كمن جزم بهذا الإحتمال... هز رأسه مراراً. هدوءه غير المعتاد ينم عن سكينة نفسية عميقة... وقلبه الخافق بحب الآخرين، ينطوي على أعظم هبة إلهية... هي الرحمة... ترى، ألهذا كان أبوه لا يتردد من التصريح بإيثاره على بقية إخوته وأخواته الخمسة... كان يجيب إذا ما سئل: لماذا أنت مولع بهذا الصبي، دون من هم قبله أو بعده من أولادك؟! - أحس أن له شأناً آخر... ويستطرد: - أرجو أن يكون عبداً صالحاً لله..! ولد إبراهيم هادي في طهران عام 1956 من عائلة متدينة فقيرة الحال... كان أبوه رجلاً مؤمناً، يعمل بقالاً، يكدح من أجل تمرير معاش أسرته، شديد الحرص على إطعامها القمة الحلال. ويحل اليوم الذي تحين فيه منية الحاج حسين... فترزأ به أسرته... ويذوق إبراهيم بفقده اليتم وهو صغير... بيد أن الحياة تواصل مسيرتها... فيكبر الصغير... ويصبح في عداد الرجال... لكن ذكرى الأب الحاني، تبقى حية في ذهنه... فيترحم على أبيه كثيراً ويقول: إن نجاح أبي في تربية أطفاله، يعود إلى المشاق الذي كابدها في طريق نيل الرزق الحلال... ويشير الى ذكرياته مع أبيه باعتزاز، فيقول: كان أبي يساعدني على حفظ القرآن الكريم... يصطحبني معه الى المسجد... وكان يجلله الفخار، وهو يضع نفسه في خدمة هيئة سيد الشهداء. بدأت تصفيات أندية المصارعة في مختلف أنحاء إيران لعام جديد... إبراهيم الذي بلغ دور نصف النهائي في وزن 74 كغم باقتدار تام... كان أداؤه العالي، يرشحه للفوز دون منازع، ويجعل من المباريات الأخيرة، مجرد نزهة أو لعبة روتينية... كان الحديث الدائر في أروقة الملاعب: إن إبراهيم مرشح للإنضمام إلى المنتخب الوطني... ويحل موعد المباريات النهائية... ويصحب إبراهيم إلى الملعب صديقه، الذي راح يتحدث عن أصداء أداء ابراهيم الرائع، وتصاعد حضوض ترشحه للمنتخب...ثم تمنى له الفوز قبل ان يفارقه متجها الى منصة المتفرجين . وعلى اعتاب حلبة حلبة المصارعة، التقى ابراهيم مدربه متزودا منه بآخر توصياته... وبثقة بادية بالنفس ، قفز إبراهيم الى الحلبة، فتبعه منافسه... إبتسم له إبراهيم، ومد إليه يده مصافحاً... فصافحه الآخر وهمس إليه بشيء، ثم رفع يده مشيراً الى منصة المتفرجين، فهز إبراهيم رأسه... إستغرب صديق إبراهيم – الذي كان يتابع ما يجري على الحلبة بعيون مفتوحة – وأسر في نفسه، سؤال إبراهيم عن الأمر فيما بعد. إشتبك المصارعان... وتعالت صيحات المشجعين... ومرت الدقائق الأولى وإبراهيم يلعب بطريقة دفاعية متحفظة... وبمرور دقائق أخرى، غدا واضحاً أنه يناور فقط، ولا يرغب الدخول في اشتباك حقيقي... وفيما أوشك مدرب إبراهيم على الخروج عن طوره، وهو يواصل الزعيق، بدا إبراهيم وكأنه لا يسمع شيئاً... بل ساعياً الى تبديد الوقت، فيما لا طائل من ورائه. وبعد إنذارين وجههما دون أن يغيرا من واقع الحال شيئاً، رفع الحكم يد المصارع الآخر، معلناً فوزه. مد إبراهيم يده لمنافسه مهنئاً، فشد الآخر على يد إبراهيم بحرارة زائدة... ثم انخرط في نوبة بكاء من شدة الفرح... صديق إبراهيم الذي كان يغلي غضباً، هبط من منصة المتفرجين صارخاً في وجه إبراهيم: - ماذا كنت تفعل أيها البطل... ثم ضربه على ذراعه، وهو يضيف: - إن كنت لا تنوي المصارعة حقاً... فلأي شيء جعلتنا نترقب كل هذا الوقت..؟! فتبسم إبراهيم وقال له: - ليس هناك ما يدعو لأن تؤذي نفسك...! تلقى الصديق هذه العبارة كالصفعة، فاندفع الى الخارج... كان الزحام على أشده، عند الباب الرئيسي للملعب... تقدم صديق إبراهيم يشق طريقه بصعوبة وسط الناس... وفوجئ بالمصارع الثاني وخلفه إمرأة عجوز لا تسعها نفسها من فرط السعادة، وحوله ذووه وأصدقاؤه... كان الجميع يحس بالفرحة الغامرة... أشاح الصديق بوجهه، وسارع من خطوه... غير أن صوتاً يناديه طرق سمعه بوضوح... إلتفت الى مصدر الصوت، ليرى المصارع يلوح إليه بيده... توقف، وقال بصوت يشوب نبراته التوتر: - نعم...! تقدم الرجل إليه وقال بلهجة ودية: - أحقاً إنك صديق إبراهيم؟ رد الصديق دون أن يخفف من حدته: - ألديك أوامر أخرى؟ أجاب الرجل بنبرة بادية الإخلاص، دون أن يلقى بالاً لتهكم محدثه: - أغبطك على هذا الصديق... إنه في الواقع رجل عظيم..!! - استوقفت العبارة صديق إبراهيم وبدأ يصغي بجد... وتابع الرجل: - لقد صارحته – قبل بدء الجولة – أنني أعرف أن الفوز من نصيبه، وقلت له: كل ما أرجوه أن تراعي موقفي... ذلك أن والدتي وإخواني يتابعوننا هنا بين المتفرجين... ثم إبتسم بخجل، وتابع: - صديقك الشهم، لم يكتف بما طلبت، بل فعل أبعد من ذلك، فعل ما لم يخطر لي أو لغيري على بال...! تسمر لسانه عند هذه الكلمات للحضات، ثم واصل وقد إختنق بعبرته: - لا تعرف مبلغ السعادة التي غمرت أمي... وتنحنح محاولاً إعادة الصفاء لصوته المختنق، ثم قال: - الحقيقة إني تزوجت حديثاً، وكنت بحاجة ماسة الى الجائزة المالية. أُسقط ما في يد الصديق... فأطرق قليلاً حائراً ماذا يقول... ثم رفع رأسه وتكلم: - إسمع يا صاحبي... لو كنت أنا في موقف إبراهيم، لما أقدمت على ما أقدم عليه... فمثل هذا الفعل لا يصدر إلا عن رجال عظماء أمثال إبراهيم...! قال ذلك ثم إنكفأ عائداً الى الملعب، بحثاً عن إبراهيم، ورأسه يزدحم بمشاهد متناقضة: الحكم رافعاً يد المصارع الآخر... إبراهيم يبتسم... السعادة الطاغية تطفح على وجه المرأة العجوز... لم يستطع مواصلة التفكير، فانفجر بالبكاء، وهو يقول: إبراهيم... يا لك من إنسان عجيب! يد الغيب - 4 2014-07-15 09:22:11 2014-07-15 09:22:11 http://arabic.irib.ir/programs/item/11491 http://arabic.irib.ir/programs/item/11491 المجاهد الشهيد عبد الحسين برونسي عنوان هذه الحلقة : يد الغيب مستلة من كتاب خاكهاى نرم كوشك كانت الإستعدادات تجري على قدم وساق، لتنفيذ عمليات عسكرية واسعة... ورغم أن تحركات القوات الإيرانية، تتم بشكل محسوب وبعيد عن الإثارة... إلا أن الجانب البعثي العراقي، كثف من قصفه المدفعي... مما يعني تلقيه معلومات أكيدة عن الإستعدادات الإيرانية.... وبعد منتصف الليل، إشتد القصف مخلفاً شهداء وجرحى. عبد الحسين الذي كان قد أصيب بذراعه؛ سعى ومنذ دخوله المستشفى الى إقناع الطبيب، بالإسراع بترخيصه.... مؤكداً أن إصابته ليست خطيرة.. بيدأن الطبيب قال بجزم: ما لم أطلع على الصورة الإشعاعية للإصابة، لا يمكن أن أسمح بالترخيص. وجاءت نتيجة التصوير مخيبة لرغبة عبد الحسين، حيث تبين وجود رصاصة في الذراع. هذه النتيجة التي وضعها الطبیب أمام عبد الحسين، لم تغير من إصراره على ترك المستشفى... قال مجادلاً الطبيب: لابد لي أن أعود الى الجبهة... هناك ما يستدعي حضوري... إبتسم الطبيب، مقدراً حرص عبد الحسين، وشعوره العالي بالمسؤولية، وقال: يا أخي الكريم... لن تكون بهذه اليد المعطوبة، قادراً على أداء واجبك في الجبهة... سأجري لك عملية غداً... وربما استطعت في ظرف أيام مغادرة المستشفى... أراد الحاج أن يتكلم... ولكن ماذا يقول... لا يمكنه أن يكشف للطبيب نبأ الإعداد للعمليات العسكرية، وأهمية وجوده هناك. وفيما انسحب الطبيب بهدوء، راغباً بفض النقاش، لجأ عبد الحسين الى تجربة أسلوبه هو...! ذلك الأسلوب الذي إعتمده دائماً... لا فرق بين أن يكون عاجزاً والظروف لم تواتيه، أو قادراً والظروف مواتية..! إنه أسلوب الإنفتاح المباشر على الغني المطلق... مصدر الرحمة والعطاء... ينبوع الخير الثر، والطمأنينة والسلام النفسي. كانت دموعه تنسكب بغزارة على وسادة النوم، وهو يواصل نجواه الحارة... قبل أن يستسلم للنوم في آخر المطاف. رآه يسعى نوره بين يديه وهو يدخل عليه الغرفة... فذهل... يا إلهي من هذا... "ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم"... بل هو قمر... قمر منير... كان القمر يبتسم إبتسامة تملأ النفس بالحبور... مد يده الكريمة، ليضعها على ذراع عبد الحسين المصابة... أحس عبد الحسين، وكأن هذه اللمسة قد نفت عن ذراعه جسماً غريباً ضاغطاً... قال له القمر: قم... لقد شفيت...! أجاب عبد الحسين، معبراً عن شدة إحترامه وولعه: - فداك أبي وأمي... إن ذراعي جريحة... أصابتها رصاصة... وقد قال لي الطبيب، إنه سيجري عملية جراحية غداً لإستخراجها. رد والإبتسامة الوضيئة تملأ وجهه: - كلا... لا حاجة للعملية... لقد عوفيت...! إنتبه عبد الحسين الى نفسه، وهو يردد... عوفيت... عوفيت... لمس ذراعه المصابة، فلم يحس بأدنى ألم... تيقن أنه قد عوفي حقيقة... قفز من الفراش... أجل لقد نال الشفاء على يد القمر... - قمر... أي قمر...! وتذكر... يا الله...! كيف نسي... ألم يتوسل الى الله بقمر بني هاشم... بيديه المقطوعتين في سبيل إعلاء كلمة الله...! تمثلت أمام خياله تلك البسمة المشرقة، فانحدرت دموعه الى المآقي... ثم عاد له إنتباهه، وقال: لابد لي من مغادرة المستشفى.. تذكر أن عليه ملابس المرضى... قال مع نفسه: يجب أن أستعيد ملابسي... راح يعدو نحو غرفة الممرضين، وهو لا يزال تحت تأثير المفاجأة... وجد الممرض المناوب بين النوم واليقظة.. قال له دون مقدمات: أريد ملابسي... رد الممرض بنصف وعي: ملابس... أية ملابس...؟ كرر عبد الحسين عبارته ضاغطاً على الحروف... إستيقظ الممرض تماماً، وقال: أي ملابس تعني؟! - أريد غادرة المستشفى... أجاب عبد الحسين بإصرار... تساءل الممرض، وقد راح يقلب الملفات: ألست برونسي؟! - نعم... قال وهو ينظر في أحدها... - إنك على موعد مع عملية جراحية صباحاً... ألم يبلغونك؟! - لم أعد بحاجة إليها... رد عبد الحسين بشيء من نفاد الصبر... قال الممرض، وكأنه يقرر حقيقة كونية: - الطبيب، هو الشخص الوحيد الذي من حقه أن يقول ذلك...! وبعد أخذ ورد، تم استدعاء الطبيب... الذي أصر على إجراء العملية في موعدها... قال عبد الحسين: أنا أتحمل المسؤولية كاملة... قال الطبيب قاطعاً: لا يمكن ذلك أبداً... عبد الحسين الذي لم يكن راغباً باطلاع أحد على ما حصل له، وجد نفسه مضطراً لإخبار الطبيب... لكن هذا لم يصدق، وراح يؤكد: إنه ما لم يعيد إجراء صورة إشعاعية له، فلن يكون بمقدوره الخروج من المستشفى. وافق عبد الحسين، شريطة أن تبقى قضيته طي الكتمان.. وظهرت الصورة واضحة تمام الوضوح، إلا أن العجيب أن الرصاصة إختفت تماماً... كان الظلام دامساً، والجو شديد البرودة.. والعمليات العسكرية التي بدأت منذ يومين، تعاني مشكلة كبيرة في أحد محاورها... والعجيب أن هذا المحور هو بقيادة عبد الحسين برونسي، ذلك القائد العسكري المتميز بالشجاعة والإندفاع والإخلاص... والأسوأ من ذلك أن القوة التي يقودها عبد الحسين، قد وقعت في براثن حصار شبه تام... ولأول مرة يشاهد الحاج كالمغلوب على أمره، لا يعرف ماذا يفعل.. أحس المساعد – الذي جلس بالقرب منه – أن الوقت بدأ بالنفاد... لذا فقد التفت الى عبد الحسين الذي بدا مستغرقاً بالتفكير وقال: - ماذا نفعل؟ تفوه عبد الحسين وهو ساهم: - لا أدري...! خرج المساعد لبعض الوقت، ألقى نظرة هنا وهناك، ثم عاد... تطلع في وجه عبد الحسين، وقال: - لا يمكن أن يستمر الموقف هكذا... لابد من إتخاذ إجراء ما... إلتزم الحاج الصمت... تشاغل المساعد عنه لعدة دقائق، ثم قال بلهجة فيها رنين تحذير: - إسمع يا حاج برونسي... إنك أنت المسؤول هنا، والتردد باتخاذ الإجراء اللازم، سيعرض حياة الجميع للخطر... ثم أردف: إن مسؤولية دماء هؤلاء الشباب الأبرياء عليك وحدك... إحمر وجه عبد الحسين، ثم ما لبث أن إنهمرت دموعه، ورويداً رويدا تعالت نجواه التي كان يرددها همساً... غادر المساعد المكان ليتيح لصاحبه فرصة الحديث مع ربه... شاعراً بشيء من الهدوء، ذلك أنه خبر صدق عبد الحسين وإخلاصه مرارا... وهل يمكن أن ينسى ذلك الموقف الصعب الذي واجهاه يوماً. تنفس الصعداء... لازال المشهد ماثلاً أمام عينيه بتفاصيله... كانت القوات الإيرانية تزحف لتنفيذ عملية عسكرية مهمة، عندما برز أمامها حقل ألغام... وشلت المفاجأة الجميع... من أين جاء حقل الألغام هذا...ذلك أن فرق الإستطلاع كانت تجوب هذه المنطقة البارحة... كان مصير العملية برمتها، متوقف على تجاوز هذه العقبة... ووقف عبد الحسين أمام الحقل عاجزاً وبكى... ثم رمق السماء بطرفه وراح يستمد ربه العون ودموعه جارية... وأطال الدعاء والبكاء... ولم يلبث أن اندفع الى الأمام، فوق رؤوس الألغام... فكمم المقاتلون أفواههم ليخنقوا صرخات كادت تنطلق... لكنهم رأوا قائدهم يتقدم ويتقدم وحيداً فاندفعوا خلفه دون أن يصب أحد بأذى... وهزت المساعد عظمة الذكرى فبكى... سمع في تلك اللحظة من يناديه... إنه عبد الحسين نفسه... سارع إليه: نعم يا حاج..! عبد الحسين الذي إحمرت عيناه من البكاء، قال بلهجة مختلفة: - آتن في الحال، بعشرة من أمهر رماة القاذفة لدينا... وذهب المساعد ليعود بعد قليل بالرماة، فاختار عبد الحسين أمهر العشرة، وقال له: هناك هدف أريد منك تدميره، فهل أنت مستعد... أبدى الرامي إستعداده، فقال له: إصغ إذن لما أقوله لك بدقة... إنعطف من هنا يمينا خمسة وعشرين متراً، فإذا بلغت تلك النقطة تقدم أربعين متراً في العمق، ثم تصور أن الهدف المقصود أمامك وأطلق رميتك... ضحك الرامي... وقال ماذا تقول أيها الحاج، وأي هدف يمكن أن يُرى في هذا الظلام... رد عبد الحسين بنبرة آمرة لم تُعهد منه... - كما قلت لك، وأردف: يجب أن تصوب بدقة... ثم التفت، يلقي بتوجيهاته على بقية المقاتلين، قبل أن يأمر الرامي بالإنطلاق نحو الهدف... وبعد هنيهة... ابتلع الرامي الظلام... وتناغمت كلمات الضراعة على شفاه المقاتلين مع خفقات قلوبهم التي ازدادت وتيرتها... وطالت اللحظات كالدهور، قبل أن تندلع النيران ويسمع دوي إنفجار قوي... تبعته صرخات التكبير وانطلاق الهجوم. سر الرمية المسددة التي، استهدفت مقر قيادة القوات المعادية بالصميم فحولت الهزيمة الى انتصار... هذا السر بقي دفيناً في صدر عبد الحسين... ولم يظفر إخوان دربه الذين ألحو عليه يوماً وبالغوا في الإلحاح، إلا بكلمات قليلة...: لم أكن أنا الذي أصدر الأمر العسكري ذاك... وانسكبت دموعه وتهدج صوته وهو يضيف: رأيت شخصاً غارقاً في لجنة من نور، يأمرني فأطعت...!! معادلات العسكر ومعادلات السماء - 3 2014-07-14 09:25:13 2014-07-14 09:25:13 http://arabic.irib.ir/programs/item/11490 http://arabic.irib.ir/programs/item/11490 المجاهد الشهيد عبد الحسين برونسي عنوان هذه الحلقة : معادلات العسكر ومعادلات السماء مستلة من كتاب خاكهاى نرم كوشك قدم الملف الى الشاب الجالس خلف المنضدة، وظل ينتظر.. راح الشاب يقلب أوراق الملف، ثم قال: - أوراقك ناقصة... وتابع: لابد من تعهد شخصيتين معروفتين، أو إثنين من كادر الحرس... إبتسم عبد الحسين وقال، وهو يشير الى باب جانبي: - الإخوة هنا يعرفونني... وفي تلك اللحظة، إنفتح الباب، وخرج شاب في زي حرس الثورة الإسلامية، فقدم له الشاب الأول الملف، وهمس ببضع كلمات... رفع هذا رأسه، وتطلع في وجه عبد الحسين، ثم لم يلبث أن هتف: برونسي! ألقى بالملف على المنضدة، ودار حولها ليحتضن عبد الحسين... ثم أخذ بيده إلى الباحة الأمامية للمبنى، وانخرطا في حديث صميمي... وقبل أن يفترقا، شد الشاب على يدي عبد الحسين، وهو يقول: - إنه لمصدر إعتزاز كبير أن نجدك بيننا في قوات الحرس. ثم ودع صاحبه، وعاد إلى المبنى... قال مخاطباً الشاب الأول: كيف لا تعرفه... وهل هناك أحد في طول مشهد وعرضها من لا يعرف عبد الحسين برونسي؟! هذا الرجل المخلص والشجاع، بل العملاق! واسترسل في الحديث: كان بناءاً... لكنه كان الأول دائماً في صفوف المتظاهرين... مرات عديدة إعتقلته قوات أمن الملك، وقد حكم آخرها بالإعدام، وكادوا ينفذون الحكم، لولا انتصار الثورة، وهجوم الجماهير على السجن... ثم سكت... ظل ساهماً قبل أن يقول: لم أر أحداً مثله في إخلاصه وحبه للنبي (ص) وأهل بيته الطاهرين (ع). الغرب وفي طليعته أمريكا، اعتبرا الثورة الإسلامية في ايران أول تحد جدي لمصالحهما... ليس في المنطقة وحسب، وإنما في العالم أجمع... ومنذ الأيام الأولى لإنطلاق الثورة ناصباً العداء، وشرعا خصوصاً أمريكا بتدبير المؤامرات تلو المؤامرات، علها تستطيع إسقاط الثورة، أو على الأقل قص أجنحتها... مسلسل التآمر تمثل بأكثر من صورة... بدعم الحركات الإنفصالية.. محاولات الإنقلاب العسكري.. ثم تتوج بالتدخل العسكري الأمريكي المباشر في صحراء طبس شرقي ايران... لكن الأخطر مما في المسلسل ذاك، هو العدوان العسكري الواسع الذي شند النظام العميل المقبور في العراق... يومها كانت الثورة على أعتاب عامها الثاني، عندما تطوع مدعو القومية العربية لشن حرب النيابة عليها، مكافئة على تبنيها القضية الفلسطينية، وطردها السفير الصهيوني من أرضها... ووضعها كامل ثقل هذا البلد المسلم الكبير، إلى جانب قضايا العرب والمسلمين... وحتى تضمن التفوق العسكرية للقوات المهاجمة؛ قامت أمريكا وحلفاؤها الغربيون بتجهيز هذه القوات بأحدث وأخطر الأسلحة والمعدات الحربية... بما فيها المحرمة دولياً... ومنها، ما خرج لأول مرة من نطاق التسليح الخاص بالجيوش الغربية... وفيما كانت طائرات "الأواكس" الأمريكية الإستراتيجية، تمد المهاجمين بآخر المعلومات عن تحركات القوات الإيرانية... كانت وسائل الإعلام الغربية التي راحت تغطي التفاصيل الجزئية للهجوم لصالح بغداد، تصور الحبة قبة، مقدرة الحسم النهائي واستسلام طهران في ظرف أيام لا أكثر... وعلى الجانب الإيراني، كانت قيادة الثورة تسعى لإغلاق الثغرات التي فتحها الإستكبار وعملاؤه ضدها... والنأي بالبلاد عن آثار الحصار العسكري والإقتصادي الغربي... وأشق ما في ذلك... الوضع العسكري... فالطائرات تفتقد قطع الغيار اللازمة... والآليات والأسلحة بحاجة إلى الصيانة أو الذخيرة الكافية... هذا إذا ما تغافلنا قلة العنصر البشري المدرب، ووضع الجيش الإيراني الذي كان مقبلاً على أولى مراحل التحول في عهد الثورة. الإجتماع الذي عقده القادة العسكريون الإيرانيون، بدا في غاية الأهمية... فقد دعي له كبار ضباط الجيش، وقادة قوات حرس الثورة، التي كانت حديثة الإنشاء... ولم يكن من الصعب توقع موضوع الإجتماع... فتطورات الوضع الميداني العام على جبهات القتال، والإمكانات العسكرية لدى الطرفين... والتكتيكات العسكرية الواجب إتباعها في تلك المرحلة... من القضايا الملحة التي أصبح من الضروري دراستها آنذاك. تقدم قادة الفرق العسكرية، بعد أن علقت خارطة عسكرية كبيرة على الحائط، ليستعرض كل منهم تقييمه للموقف القتالي على امتداد نقاط الإشتباك... تبعهم قادة الألوية بالحديث عن ميزان القوة بين الطرفين، على مستوى: الدروع... الآليات... المدفعية... الكثافة النارية... المناورة القتالية... وانتهى الدور لعبد الحسين الذي شرع حديثه بعد البسملة بتلاوة آية قرآنية... أعقبها بحديث نبوي شريف... بعد ذلك صمت قليلاً، ثم قال: أتوقع أن الحديث عن حجم القوة والتكتيك العسكريين قد استوفى غرضه.. وليس هناك من ينكر الأهمية الكبيرة لهذا الموضوع... غير أني أتصور أن إجتماعنا أغفل عاملاً مهماً بل وإستراتيجياً في ميزان القوة العسكرية... تبادل بعض الضباط نظرات الإستغراب، فيما واصل عبد الحسين حديثه، مستطرقاً للتجربة الإسلامية في صدرها الأول، حيث خاض المسلمون القتال باقتدار مذهل... رغم تعدادهم القليل الذي لم يتجاوز ثلث تعداد أعدادهم، وعدتهم البسيطة التي لم تزد لدى بعضهم على العصي... ومع هذه الظروف الصعبة، فقد تمكنوا من إحراز أول إنتصار للإسلام... إنتصار جعل قوى الشرك والضلال، تحسب ألف حساب لتنامي قوة المسلمين... كلمات عبد الحسين التي كانت تنطلق بقوة وثقة وحماس، ونظراته الواثقة النافذة، أخذت تهيمن على الحاضرين، الذين أنصتوا وكأن على رؤوسهم الطير... أجال نظرة طويلة في الحاضرين، وكأنه يهيئ الأسماع لإستدعاء شاهد جديد... شاهد من ثورة الإمام الحسين (ع) والمقاومة البطولية التي لم يحدث التاريخ عن نظير لها لأهل بيته وأنصاره... تلاحقت العبارات، محملة بشحنة تكاد تنفجر من الألم الممزوج بالحماس والتعظيم والإعتزاز الكبير..! تأثر الحاضرون بشدة.. وانخرط الكثير منهم في البكاء.. وما إن انتهى الحديث، حتى تقدم كبير ضباط الجيش من أقصى القاعة وهو لا يزال يجفف دموعه ليحتضن عبد الحسين... وتبعه القادة الآخرون. القتال المحتدم على أشده، لم يترك للمقاتلين فرصة التقاط الأنفاس... سيما وأنهم يعانون من نقص واضح في العامل البشري. كان عبد الحسين دائم التنقل بين مواقع لواء جواد الأئمة الذي يقوده... لم يكن ليستقر في مكان محدد... ربما لم يمض سوى دقائق في مكان ما، ليستدعى إلى مكان آخر.... وبدا أن إحدى النقاط تعاني مشكلة ما... هذا ما فهمه المخابر الذي ناول الحاج – كما اعتادوا أن يدعون عبد الحسين -؛ جهاز المخابرة، قبل أن يستعيده، ويخرج الحاج على عجالة. عاد الجهاز يؤشر من جديد... رد المخابر بعد أن تعرف على الطرف المقابل: إن (ح) خرج للتو في طريقه إليكم... ثم أغلق الخط... وبعد 20 دقيقة عاد الجهاز يؤشر للمرة الثالثة... أجاب المخابر: قلت أنه جاءكم فلتصبروا قليلاً... ووسط الهدير المتصل لأصوات القصف المدفعي وإطلاق النار، والدخان الأسود الذي حجب شمس الظهيرة، توالت الأستدعاءات على عبد الحسين، غير أنه لم يكن هناك أحد قادر على تحديد مكانه... لقد خرج من إحدى النقاط قبل ساعة واختفى... وكما اختفى الحاج فجأة، ظهر فجأة... جاء يحمل جريحاً... أضجعه بهدوء، وأوصى بالعناية به ثم كر راجعاً... أراد أحد المقاتلين أن يستوقفه، إلا أنه عبر السائر الترابي مسرعاً باتجاه الأرض الحرام... بدت على وجه المقاتل مشاعر الحيرة والإنزعاج معا وهو يقول: إلى أين ذهب الحاج ثانية يا ترى؟! المقاتل الآخر الذي باشر تضميد الجريح، قال: أحسب أني اكتشفت السر... تطلع إليه صاحبه فواصل: - كان هذا الأخ الجريح، أحد مقاتلينا الذين بقوا في الأرض الحرام... - قاطعه الأول: إنني أسأل: لماذا ذهب الحاج ثانية؟ - أجابه الثاني: لا شك أنه ذهب لينقل المقاتل الذي تطوع لنقل هذا الجريح، فأصيب هو الآخر!! بين تجرع الحرمان وتقحم الحرام - 2 2014-07-13 09:16:57 2014-07-13 09:16:57 http://arabic.irib.ir/programs/item/11489 http://arabic.irib.ir/programs/item/11489 المجاهد الشهيد عبد الحسين برونسي عنوان هذه الحلقة : بين تجرع الحرمان وتقحم الحرام "مستلة من كتاب خاكهاى نرم كوشك" تشهد القرية منذ الصباح، حركة غير إعتيادية... سيارات حكومية تتردد جيئة وذهابا... موظفون مدنيون وعسكريون قدموا الى القرية ثم غادروا، قبل أن يعودوا إليها ثانية... وقبيل الظهر غادر الجميع، بعد أن ملأوا القرية بالملصقات الجدارية.. تضاحك الأهالي.. وبدا لهم أن المهمة التي جاءت بها الحكومة، لا تحتاج إلى تعليق كل هذه الأوراق الملونة على الجدران... ذلك أن الغالبية المطلقة منهم لا تعرف القراءة والكتابة...! ومع افتقار القرية للكهرباء وانعدام إمكانية الإفادة من التلفاز، أدركت الحكومة عجزها عن مخاطبة الأهالي، فاختارت أبسط السبل، من خلال إذاعة بيان عبر مكبرات الصوت مفاده: أن الملك الذي "تؤرقه" آلام الفلاحين من مواطنيه، قرر منح كل من لا يملك أرضاً للزراعة، قطعة أرض... المسؤولون الذين أعلنوا ذلك على الملأ، لم يكلفوا أنفسهم عناء النزول من سياراتهم، مكتفين بتكرار الإعلان، ثم العودة من حيث أتوا.. تسامع السكان بالخبر، فتجمعوا في حلقة كبيرة قرب المسجد متسائلين عن حقيقة القضية... وشيئاً فشيئاً، تداخلت الأصوات، واختلطت التعليقات، وإن بدا أن الجميع يشكك في الموضوع... أطلق أحدهم ضحكة ساخرة، وصرخ: - إنها لعبة قديمة جديدة، جربناها مراراً... رد آخر: - أجل... يجب أن نترقب... فلابد أن يكون هناك أمراً يراد تمريره تحت هذا الغطاء... دخل على الخط رجل عجوز، وقال بتعلثم: من... من يدري... فلربما... أجل، ربما صح ما يقولون... إنبرى الآخران متهكمين: ماذا... أتصدق أنت هذه الترهات؟! وتصاعدت حدة الجدال، حتى أصبح سجالاً حامياً، لم يوقفه، الّا صوت المؤذن الذي ارتفع لصلاة الظهر. كان سكان القرية كغيرهم من أبناء الشعب الإيراني المسلم ساخطين على النظام الملكي... صحيح أن دواعي السخط مختلفة... بيد أن الغالبية ترى فيه نظاماً معادياً للدين والأخلاق، مفرطاً في حقوق الشعب، عميلاً للغرب. أهالي القرية الذين يعزون حالة الفقر والحرمان التي تعانيها الأكثرية لظلم النظام واستبداده وسوء إدارته وفساد مؤسساته؛ راحوا يستبشرون بالإحتجاجات والتظاهرات الشعبية التي تزايدت هنا وهناك... مؤكدين أن الشعب لابد وأن يقول كلمته النهائية في هذا النظام الفاسد. أما النظام نفسه، فقد دعته تلك التطورات الى التفكير باتخاذ إجراءات ما لامتصاص النقمة الشعبية... وحيث أن سكان القرى والفلاحين، هم الشريحة الأوسع في المجتمع آنذاك، لذا فقد ظن أن إسكات هذه الشريحة، سيغير من معادلة الصراع لصالحه... ولهذا ولد مشروع توزيع الأراضي... ومع تزايد زيارات المسؤولين المحليين إلى القرية، يرافقهم المهندسون وموظفو دوائر التخطيط والزراعة والري... إنتقلت القضية من مسألة مثيرة للإستطلاع والفضول، إلى حالة تدعو إلى الإهتمام والمتابعة... وعندما أخذ موظفو الحكومة يطرقون بيوت القرية صباحاً لتنظيم جرد عام بعدد الأسر والأفراد، وفرز القادرين على العمل من غيرهم... بدا أن القضية إقتربت من الواقع أو كادت. وتناهى إلى أسماع الناس يوماً إشاعات تقول: أن الحكومة ستصادر أراضي الإقطاعيين... فسر الأهالي أبلغ السرور، ذلك أن هذه الفئة البغيضة أرهقت الناس لعهود طويلة فقراً وعناءاً وامتهاناً... وبعد أسابيع سرب موظفون صغار نبأ مفاده: أن قرار المصادرة لن يشمل الإقطاعيين الكبار الموالين للنظام، وإنما طائفة من ملاكي الأرض الصغار، ممن لم يعودوا على قيد الحياة. عبد الحسين الذي كبر وأصبح من شباب القرية المرموقين؛ تزوج متخذاً لنفسه مهنة غالبية الأهالي المشغولين بالزراعة. كان عبد الحسين طيباً صادقاً قنوعاً لطيف المعشر، يعجب الكبار والصغار مجالسة، والإستئناس بآراءه، وإن بدا بعضها متشدد أحياناً... ألم يعتبر مشروع توزيع الأراضي جائراً، معلقاً بالمثل: وهب الأمير ما لا يملك! قال مخاطباً أحد رجال القرية: ألا ترى أن القرار إقتصر على أراضي الأموات من بعض الملاكين الصغار؟!... إذ لو كانوا أحياءاً لاستثناهم. رد عليه الآخر: ومن أدراك؟ لأنهم "سيدفعون" للحكومة كزملائهم الآخرين ويعطلون المشروع. قال الرجل: وما عسى أن يهمنا ذلك؟.. المهم أننا سنملك الأرض. أجاب عبد الحسين بغضب على غير طبيعته الهادئة: كيف لا يهمك... ألا تعلم أن هذه الأراضي تعود للأيتام من عوائل اولئك الملاكين. وتسارعت خطوات الحكومة... فقد شرعت بالفعل بتوزيع الأرض... وأصبح لكل رجل له أسرة مستقلة، حق المطالبة بقطعة من الأرض... وعقب أسابيع قليلة، شمل التوزيع جميع سكان القرية باستثناء فرد واحد، هو عبد الحسين... وبعد أن عجز أهله وذووه عن إقناعه للعدول عن رأيه، بذل كبار القرية والوجهاء مساعيهم أيضاً دون جدوى. قال له أحدهم بمحضر من أبيه: ولماذا كل هذا الإصرار على الرفض، ألم يتسلم أبوك وأخوك وأقرباؤك؟! رد عبد الحسين بابتسامة ممزوجة بالمرارة: إن الله يسأل كل إنسان عن عمله.. قال أبوه وقد ظنه يعرض به: إبق إذن إلى آخر عمرك، فقيراً أجيراً، لا تملك شيئاً، تعمل لهذا وذاك... إبتسم عبد الحسين وقال بثقة: الله هو الرازق، يرزق من يشاء! وفي إحدى الليالي، سمع عبد الحسين طرقاً متواصلاً على باب بيته..، فوجئ وهو يفتح الباب بوجه إبن أحد مالكي الأرض المصادرة. قال الرجل دون مقدمات: إسمع يا سيد برونسي؛ أردت أن أقول لك كلمة وانصرف... إنني عرفت بامتناعك عن استلام قطعة أرض... سكت قليلاً ثم أردف: إصغي إلي جيداً... إذا كان الجميع قد أخذ أرضي بالقوة، فأنا أقدمها لك عن طيب خاطر، تقديراً لموقفك الشريف... إذهب إلى دائرة التوزيع، واستلم قطعتك، واعتبرها هدية مني... إحمر وجه عبد الحسين وقال بشكل قاطع: لن يكون ذلك أبدا. عاد الرجل يلح، لكنه عندما شاهد إصرار عبد الحسين المستميت، إختنق بعبرته، وقد أذهله هذا الموقف الكريم... ثم ودعه وانصرف. مصادرة الحكومة الأرض من أصحابها الحقيقين، حولها في عيني عبد الحسين من تربة طيبة الى بؤرة محرمة... لذا فقد أصبحت حياة القرية بالنسبة له، صعبة لا تطاق... فلم يتردد في تنفيذ القرار الذي فكر فيه، بترك القرية، والهجرة الى مدينة مشهد... وفي هذه المدينة الكبيرة... راح يذرع الشوارع بحثاً عن عمل... وقادته خطواته إلى محل لبيع الخضار... ليخرج بعد مفاوضات قصيرة باتفاق. وتململ عبد الحسين بعد أيام، قبل أن يصارح زوجته، بأن مواصلة العمل مع صاحب الخضار، لم تعد ممكنة. سألته زوجته بإشفاق: لماذا؟ - إنه يغش... يرش الخضروات بالماء، ليزيد من وزنها. أطلق زفرة وقال: سأبحث غدا عن عمل آخر. ولم يطل به الترقب، فقد وجد بغيته هذه المرة في محل لبيع الألبان وبأجور أفضل. سعدت زوجته بهذا النبأ، غير أنها فوجئت به بعد أسبوعين وقد عاد حاملاً مسحاة ومعول. - خيراً.. لأي شيء تريد هذا؟ - سأعمل من الغد في البناء. - ولماذا تركت محل الألبان، ألم تقل أنه يعطيك أجوراً أفضل. - صحيح، لكنه يغش صراحة... يخلط اللبن الجيد بغيره، ويتلاعب بالميزان. عبد الحسين الذي بدأ رحلة العمل في البناء، عاملاً عادياً، أصبح بعد فترة غير طويلة بناءاً مشهوراً... قبل أن يدخل ميدان السياسة ويلمع إسمه في تنظيم التظاهرات في مشهد ضد النظام الملكي... لكن... تلك قصة أخرى. من فعل الكبار - 1 2014-07-12 09:22:58 2014-07-12 09:22:58 http://arabic.irib.ir/programs/item/11488 http://arabic.irib.ir/programs/item/11488 هذه ليست مذكرات تعنى بوقائع ميدانية عاشها المقاتلون.. بل هي صفحات مشرقة، مستلة من جهادهم في ميدانه الأول، على ما نعته أمير المؤمنين، عليه سلام الله، بقوله: "ميدانكم الأول أنفسكم، فإن قدرتم عليها كنتم على غيرها أقدر" أجل أنها وصف لمنازلات قوية شجاعة، ولكن لا حيث يذهب الناس من مظاهر القوة والشجاعة، ولكن حيث عنى رسول الله (ص) إذ رأى شخصين يتصارعان، فقال: "ليس الشديد – أي القوي – بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه" ... إذن فحديثنا يعني بهذه المساحة، مستعرضاً وقفات مختارة من حياة المجاهدين جديرة بالتأمل، بل والتمثل أيضاً. المجاهد الشهيد عبد الحسين برونسي عنوان هذه الحلقة : من فعل الكبار "مستلة من كتاب خاكهاى نرم كوشك" ضواحي مدينة مشهد المقدسة، شرقي ايران، حيث تتلألأ أضواء المرقد المقدس لثامن أئمة البيت النبوي الشريف الإمام علي بن موسى الرضا (ع)، ولد عبد الحسين برونسي في قرية صغيرة هادئة عام 1943، من أسرة فلاحية مؤمنة... ورغم أن أبويه غير متعلمين، إلا أنهما كانا يحملان قلبين نابضين بالإيمان وحب النبي (ص) وآله (ع). ومن هذا الينبوع الثر، نهل عبد الحسين حب رسول الله – صلى الله عليه وآله – وترعرع في ظله.. وبعد أن نشأ وبلغ مبلغ الصبيان، بدأ يتوقع بشدة لدخول مدرسة القرية، فسجله أبوه فيها.. وسرعان ما شق طريقه في الدراسة، ونال قصب السبق على أقرانه. وهكذا واصل مشواره الدراسي، حتى دخل عامه الدراسي الرابع... وفي أحد الأيام عاد عبد الحسين الى البيت، وصدره الصغير يموج بهم ثقيل. على بضعة مئات من الأمتار أنشأت غرفتان متلاصقتان لا تختلفان كثيراً عن بيوت القرية باسم المدرسة.. ورغم هذه البداية المتواضعة، فقد غمرت الأهالي فرحة... لكنها فرصة قصيرة، سرعان ما تحولت الى حالة إستياء..! فقد عرف الجميع أن المعلم الوحيد الذي سيدير المدرسة هو من أزلام النظام الملكي.. وتساءل الأهالي، ماذا بإمكانهم أن يفعلوا..؟! تمنوا لو أن العجوز القائم على مكتب القرآن في القرية قادر على تعليم أبناءهم، لما كانوا اضطروا الى إدخالهم مدرسة النظام الملكي الظالم... ولكن.. لا مندوحة من تعليم الأطفال. دخل عبد الحسين البيت.. القى السلام على أبويه.. وضع حقيبته المدرسية في زاوية من الغرفة... ووقف باستخذاء، موزعاً نظرات مترددة بين أبيه وأمه.. ثم قال وهو مطرق: إسمحا لي أن لا أعود الى المدرسة غداً..! هزتهما المفاجأة، حدقا فيه معاً... قال أبوه: كلنا نعرف إنك مغرم بالمدرسة، فما الذي حصل حتى تريد الإنقطاع منها؟! أراد أن يتكلم، غير أنه اختنق بعبرتهم.. ثم انطلق يتحدث بنبرة متوسلة وقد خالط صوته النشيج: أبي.. دعني أساعدك في الحقل.. أقوم بأي عمل آخر، على أن لا أذهب الى المدرسة... ثم انهمرت دموعه بغزارة.. تقدمت أمه.. إحتضنته.. فيما هز أبوه رأسه وكأنه يقول: لابد أن يكون في الأمر سر ما..!! ومضت ساعة، والأبوان يحاولان إقناع عبد الحسين الصغير، للبوح بما عنده.. إلا أنه رفض ورفض، حتى إذا ما ألحا عليه عاد إلى البكاء من جديد..! أشرقت الشمس اليوم التالي... وانطلق الفلاحون الى حقولهم، ثم أخذ التلاميذ بالتقاطر على مدرستهم.. وفي بيت برونسي، تقوقع عبد الحسين الصغير على نفسه صامتاً، وقد كست وجهه سحابة من الكآبة... قالت أمه وقد فرغت من إعداد طعام الفطور: ألا تريد التهيؤ للمدرسة...؟ لم يحر عبد الحسين جواباً...! تدخل أبوه بنبرة حاسمة: إما أن تذهب الى المدرسة وإما أن تقول بصراحة، لماذا تصر على تركها؟! نطق عبد الحسين وهو على وشك البكاء: أبي.. إنني أخجل أن أقول لكم..!! أخذت أمه بيده، وهي تقول: ستكشف السر لأمك.. قادته الى غرفة أخرى وراحت تشجعه على الحديث.. فانبرى يقول بغضب وهو يبكي: ماما لقد أصبحت تلك المدرسة قذرة..!! إتسعت حدقتا الأم وقالت: لماذا يا ولدي؟! نطلق باسم المعلم بأوداج منتفخة، وأضاف: رأيته.. رأيته.. ثم توقف عن الكلام، وكأنه عدل عن استخدام كلمة أراد أن يقولها، ثم واصل: رأيته يغازل إحدى فتيات الصف.. وانفجر ثانية في البكاء.. ثم صرخ: لقد أصبحت المدرسة قذرة، أنا لا أريد العودة إليها..! قبلته أمه، مسحت دموعه، وقالت: كن رجلاً لا تبكي... ثم ذهبت الى زوجها تطلعه على الأمر.. عبد الحسين الذي لم يلفظ فوه كذبة واحدة طيلة سني حياته الغضة، كان لكلماته الصادقة ودموعه السخينة صدى عجيب، كاف لجعل أبيه يعلن قراره سريعاً: إذا كان الأمر كذلك، فأنا الآخر لست راغباً بإبقائه في المدرسة... سكت قليلاً ثم أردف: سآخذه الى مكتب القرآن. وقبل أن تميل الشمس للمغيب.. كان عبد الحسين يغادر مكتب القرآن، وفي عينيه ألق خاص... كان يسير باتجاه البيت، وعلى لسانه ترديدة متناغمة لمقطع قرآني مما تعلمه ذلك اليوم.