اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | تراث أهل البيت (ع) http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb خطب الإمام السجاد(عليه السلام) في الكوفة والشام ومشارف المدينة - 11 2013-12-22 11:49:48 2013-12-22 11:49:48 http://arabic.irib.ir/programs/item/10976 http://arabic.irib.ir/programs/item/10976 بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله أجمعين.اللّهم صلّ وسلّم وبارك على سبطي نبي الرحمة، وسيّدي شباب أهل الجنّة، وريحانتي فاطمة الزهراء عليها السلام، وقرّتي عين أمير المؤمنين وسيّد الأوصياء، وعلى آلهما وذرّيتهما وإخوانهما وأخواتهما.وصلّ وسلّم وبارك على أبي الأئمة النجباء، الإمام المهموم، والغريب المغموم، حليف الدمعة الساكبة، وشاهد المصيبة الراتبة، زين العابدين، وتاج البكّائين، علي بن الحسين(عليه السلام).والعن أعداءهم وقاتليهم، ومن شايع وبايع وتابع وتهيأ وتنقّب وأعان على قتلهم ومحاربتهم وأذيّتهم وسلبهم وترويعهم وسبيهم، ومن رضي بذلك من الأوّلين والآخرين... مشى ركب الفتح والشهادة ميمّماً كربلاء.. فسرى الركب والمنايا كانت تسير معهم..والركب يحمل أمّتين:أمّة موعودة بلقاء الله.. تعدّ العدّة لترحل مع سيّد شباب أهل الجنّة، وقد أعدّت لها الجنان، واستعدّ رسول الله(صلی الله عليه وآله) ليجمع دماءهم في قارورة خضراء.. واستعدّ العالم العلوي ليستقبل روح الحسين(عليه السلام) ومن معه، وأعدّ الخلد مسكناً لدمه..وأمّة أخرى تشدّ الأُزُر، وتجتمع ليلوذ بعضها ببعض.. وتستغيث بالقويّ المتين ليحميها من هجمات الوحوش الكاسرة والأوغاد والمسوخ التي هجمت عليها لتسلبها وتضربها وتروّعها، وتحرق بيوتها على من فيها.. فتستجمع بقايا الروح لتنهمل بها العين دموعاً في عرصات كربلاء... وما أعسر انهمال الدمع إذا كانت العين قد نضبت وجفف الظمأ معينها...لقد بقي حليف الدمعة الساكبة، وأسير الهموم والغموم، الإمام زين العابدين مع أبيه الحسين(عليه السلام) في كربلاء يرقب عن كثب كلّ ما جرى لأبيه وأخوته وبني عمومته وأصحابه وأنصاره...يرى وحدة أبيه وغربة عمّته، ويسمع استنصاره، ويتجرّع الصبر كأساً مصبّرة، وهو يرى القوم قد أحاطوا بريحانة الرسول(صلی الله عليه وآله) وقتلوا أهله وأنصاره..ثم يرى ما جرى على عمّاته وأخواته، ومن كان في معسكره من نساء أرامل، وأمّهات ثواكل، وفتيات ينادين بالويل والثبور على فراق الأحبّة وفقد الحماة...تلوذ به النساء.. فيصبّرهنّ ويسكّتهنّ، ويدفع عنهن، وهو طريح الفراش، وصريع المرض في تلك البيداء المهولة القاحلة الدامية...ثم ينادي مناد الرحيل ليخرج من كربلاء... بعد ما أصابهم بالطفّ ما أصابهم، وقتل أبوه، وقتل من كان معه من ولده وإخوته، وسائر أهله، وحملت حرمه ونساؤه على الأقتاب يراد بهم الكوفة، فجعل ينظر إليهم صرعى لم يواروا، فعظم ذلك في صدره، واشتدّ لما أرى منهم قلقه، فكادت نفسه تخرج، وتبيّنت ذلك منه عمّته زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين علي(عليه السلام).فقالت: ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدّي وأبي وإخوتي؟!فقال: وكيف لا أجزع وأهلع؟! وقد أرى سيّدي وإخوتي وعمومتي وولد عمّي وأهلي مصرّعين بدمائهم، مرمّلين بالعراء، مسلّبين، لا يكفّنون، ولا يوارون، ولا يعرّج عليهم أحد، ولا يقربهم بشر، كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر!فقالت: لا يجزعنك ما ترى! فو الله إنّ ذلك لعهد من رسول الله(صلی الله عليه وآله) إلى جدّك وأبيك وعمّك..فصبّرته وسلّته وعزّته، فكان يعزّيها مرّة، وتعزّيه مرّة، ويسلّيها أحياناً، وتسليه أحياناً أخرى..مشى في ركب السبايا يتجرّع الغصص ساعة بعد ساعة، ويتعرّض للقتل في كلّ حين وعند كلّ مجلس.. وهو يرى ما يجري على حرمه..يا لله! أيدخل الطهر في مجالس الرجس؟!.. ما أعظمها من مصيبة أن يدخل السجاد(عليه السلام) الذي أذهب الله عنه الرجس وطهّره تطهيراً مجلس ابن زياد ويزيد الذي ما بارح اللهو والخمرا!!يدخل ويرى سكان سرادق العزّ، ومخدرات الوحي، وعقائل النبوة تساق إلى تلك المجالس سبايا مرّبقين بالحبال! يتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد، والشريف والدني، والشاهد والغائب!!!يدخل إلى الكوفة، فيجتمع الناس للنظر إليه وإلى حرمه.. فيخطب فيهم سيّد الكائنات في عصره زين العابدين(عليه السلام)، ويقيم لأبيه مأتماً، فتجري الدموع، وتنضج النحور، وتنطلق الصرخات من الحناجر..ثم يطاف بهم في البلدان.. حتى يدخلوا الشام .. فيجتمع الناس ليتفرّجوا على حرم الله وحرم رسوله(صلی الله عليه وآله).. حتى قالت فخر المخدرات أمّ كلثوم: والله لقد خزينا من كثرة النظر إلينا... وزين العابدين(عليه السلام) ينظر إلى تلك النظرات الشامتة، ويتجرّع الموت غصّة بعد غصّة...وتقترب ساعة الدخول على القرد الأموي المتهتك.. فليت السماء انطبقت على الأرض، وليت الجبال تدكدكت على السهل وصارت كثيباً مهيلاً...دخلوا.. وظنّ الفسقة الفجرة أولاد البغايا أنهم ينالون بذلك من قداسة آل الله.. فقام الإمام زين العابدين(عليه السلام)، وأقام لأبيه ثمة مأتماً، فأبكى العيون، وأوغر الصدور، وكشف المستور، وروى للمغفلين ما جرى من عظائم الأمور...ثم عاد بأمانته إلى المدينة التي لم يكن فيها عشرون رجلاً يحبّ أهل البيت ـ كما قال الإمام زين العابدين(عليه السلام) نفسه ـ فنزل بالركب على مشارف المدينة على بئر جدّه رسول الله(صلی الله عليه وآله) ((بئر غرس))، فأرسل الناعي إلى المدينة، فجلجل صوته يشقّ الأجواء، ويهزّ الأرجاء، ويعلن وصول ركب الدموع والدماء، فتضعضع لندبته القبر، وتزلزلت الأرض واظلمت السماء...فخرج إليه الناس، وخرج إليهم الإمام المحزون المهموم بمنديله دامع العين كئيباً حزيناً، فأقام لأبيه مأتماً، وروى لهم ما جرى في كربلاء، فأبكى العيون، حتى لم تبق في المدينة مخدّرة ولا محجبة إلا برزت من خدرها، مكشوفة شعورهن، مخمّشة وجوههن، ضاربات خدودهن، يدعون بالويل والثبور، فلم ير باكياً أكثر من ذلك اليوم، ولا يوماً أمرّ على الناس منه...لقد قال سيّد الشهداء الحسين(عليه السلام): أنا قتيل العبرة، فكان علي بن الحسين(عليه السلام) عبرة القتيل حقّاً، حيث قضى عمره باكياً لا ترقأ له دمعة، ولم يأكل طعاماً ولا شرب شراباً إلا مزجه بدموع عينيه...وسوف نستمع إلى الإمام(عليه السلام) تاج البكائيين، وهو يحدّثنا عن يوم أبيه الحسين(عليه السلام)، لنستمع إلى التاريخ المعصوم، ورواية الحقّ المبين، لعلّ الله يوفقنا أن نسعده، ونبكي معه، ونمزج دموعنا بدموعه، ونحفظ ما قال في خطبه...السيد علي السيد جمال أشرف الحسيني23/3/1432  خطبة الإمام السجاد(عليه السلام) في الكوفةروى المجلسي في بحار الأنوار: 45/112 عن السيد بن طاووس في اللهوف: 156:ثُمَّ إِنَّ زَيْنَ الْعَابِدِينَ(عليه السلام) أَوْمَأَ إِلَى النَّاسِ أَنِ اسْكُتُوا فَسَكَتُوا، فَقَامَ قَائِماً فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَرَ النَّبِيَّ وَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:أَيُّهَا النَّاسُ! مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي:فَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.أَنَا ابْنُ الْمَذْبُوحِ بِشَطِّ الْفُرَاتِ مِنْ غَيْرِ ذَحْلٍ[1] وَلا تِرَاتٍ[2].أَنَا ابْنُ مَنِ انْتُهِكَ[3] حَرِيمُهُ[4]، وَسُلِبَ نَعِيمُهُ، وَانْتُهِبَ[5] مَالُهُ، وَسُبِيَ[6] عِيَالُهُ.أَنَا ابْنُ مَنْ قُتِلَ صَبْراً[7] وَكَفَى بِذَلِكَ فَخْراً.أَيُّهَا النَّاسُ! نَاشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ! هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ كَتَبْتُمْ إِلَى أَبِي وَخَدَعْتُمُوهُ[8]؟ وَأَعْطَيْتُمُوهُ مِنْ أَنْفُسِكُمْ الْعَهْدَ[9] وَالْمِيثَاقَ[10] وَالْبَيْعَةَ، وَقَاتَلْتُمُوهُ وَخَذَلْتُمُوهُ[11]؟فَتَبّاً[12] لِمَا قَدَّمْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ، وَسَوْأَةً[13] لِرَأْيِكُمْ.بِأَيَّةِ عَيْنٍ تَنْظُرُونَ إِلَى رَسُولِ اللهِ(صلی الله عليه وآله) إِذْ يَقُولُ لَكُمْ: قَتَلْتُمْ عِتْرَتِي[14]، وَانْتَهَكْتُمْ حُرْمَتِي، فَلَسْتُمْ مِنْ أُمَّتِي؟!***قَالَ: فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُ النَّاسِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ[15]، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَلَكْتُمْ[16] وَمَا تَعْلَمُونَ!فَقَالَ(عليه السلام): رَحِمَ اللهُ امْرَأً قَبِلَ نَصِيحَتِي، وَحَفِظَ وَصِيَّتِي فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، فَإِنَّ لَنَا فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةً[17] حَسَنَةً.فَقَالُوا بِأَجْمَعِهِمْ: نَحْنُ كُلُّنَا ـ يَا ابْنَ رَسُولِ اللهُ ـ سَامِعُونَ مُطِيعُونَ حَافِظُونَ لِذِمَامِكَ[18] غَيْرَ زَاهِدِينَ فِيكَ[19] وَلا رَاغِبِينَ عَنْكَ[20]، فَمُرْنَا بِأَمْرِكَ ـ يَرْحَمُكَ اللهُ ـ فَإِنَّا حَرْبٌ لِحَرْبِكَ، وَسِلْمٌ لِسِلْمِكَ، لَنَأْخُذَنَّ[21] يَزِيدَ! وَنَبْرَأُ مِمَّنْ ظَلَمَكَ وَظَلَمَنَا!فَقَالَ(عليه السلام): هَيْهَاتَ[22]! هَيْهَاتَ! أَيُّهَا الْغَدَرَةُ[23] الْمَكَرَةُ[24]، حِيلَ[25] بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ شَهَوَاتِ[26] أَنْفُسِكُمْ!أَتُرِيدُونَ أَنْ تَأْتُوا إِلَيَّ كَمَا أَتَيْتُمْ إِلَى آبَائِي مِنْ قَبْلُ؟!كَلا وَرَبِّ الرَّاقِصَاتِ[27]، فَإِنَّ الْجُرْحَ لَمَّا يَنْدَمِلُ[28]، قُتِلَ أَبِي ـ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ـ بِالأَمْسِ، وَأَهْلُ بَيْتِهِ مَعَهُ، وَلَمْ يُنْسِنِي ثُكْلَ[29] رَسُولِ اللهِ وَثُكْلَ أَبِي وَبَنِي أَبِي، وَوَجْدُهُ[30] بَيْنَ لَهَاتِي[31]، وَمَرَارَتُهُ بَيْنَ حَنَاجِرِي[32] وَحَلْقِي[33]، وَغُصَصُهُ[34] يَجْرِي فِي فِرَاشِ[35] صَدْرِي، وَمَسْأَلَتِي أَنْ لا تَكُونُوا لَنَا وَلا عَلَيْنَا.ثُمَّ قَالَ:لا غَرْوَ[36] إِنْ قُتِلَ الْحُسَيْنُ وَشَيْخُهُ قَدْ كَانَ خَيْراً مِنْ حُسَيْنٍ وَأَكْرَمَافَلا تَفْرَحُوا يَا أَهْلَ كُوفَانَ بِالَّذِي أُصِيبَ حُسَيْنٌ كَانَ ذَلِكَ أَعْظَمَاقَتِيلٌ بِشَطِّ النَّهْرِ رُوحِي فِدَاؤُهُ جَزَاءُ الَّذِي أَرْدَاهُ[37] نَارُ جَهَنَّمَاثُمَّ قَالَ(عليه السلام): رَضِينَا مِنْكُمْ رَأْساً بِرَأْسٍ، فَلا يَوْمَ لَنَا وَلا عَلَيْنَا. خطبة الإمام السجاد(عليه السلام) في الشامروى المجلسي في بحار الأنوار: وَقَالَ صَاحِبُ الْمَنَاقِبِ[38] وَغَيْرُهُ:رُوِيَ أَنَّ يَزِيدَ ـ لَعَنَهُ اللهُ ـ أَمَرَ بِمِنْبَرٍ وَخَطِيبٍ لِيُخْبِرَ النَّاسَ بِمَسَاوِي الْحُسَيْنِ وَعَلِيٍّ(عليه السلام) وَمَا فَعَلا!!!فَصَعِدَ الْخَطِيبُ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَكْثَرَ الْوَقِيعَةَ[39] فِي عَلِيٍّ وَالْحُسَيْنِ(عليه السلام)، وَأَطْنَبَ[40] فِي تَقْرِيظِ[41] مُعَاوِيَةَ وَيَزِيدَ ـ لَعَنَهُمَا اللَّهُ ـ فَذَكَرَهُمَا بِكُلِّ جَمِيلٍ!!!قَالَ: فَصَاحَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: وَيْلَكَ[42] ـ أَيُّهَا الْخَاطِبُ ـ اشْتَرَيْتَ مَرْضَاةَ الْمَخْلُوقِ بِسَخَطِ[43] الْخَالِقِ، فَتَبَّوأْ مَقْعَدَكَ مِنَ النَّارِ[44].ثُمَّ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(عليه السلام): يَا يَزِيدُ! ائْذَنْ لِي حَتَّى أَصْعَدَ هَذِهِ الأَعْوَادَ[45]، فَأَتَكَلَّمَ بِكَلِمَاتٍ للهِ فِيهِنَّ رِضاً، وَلِهَؤُلاءِ الْجُلَسَاءِ فِيهِنَّ أَجْرٌ وَثَوَابٌ.قَالَ: فَأَبَى[46] يَزِيدُ عَلَيْهِ ذَلِكَ.فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ!! ائْذَنْ لَهُ، فَلْيَصْعَدِ الْمِنْبَرَ، فَلَعَلَّنَا نَسْمَعُ مِنْهُ شَيْئاً.فَقَالَ: إِنَّهُ إِنْ صَعِدَ لَمْ يَنْزِلْ إِلا بِفَضِيحَتِي[47] وَبِفَضِيحَةِ آلِ أَبِي سُفْيَانَ!فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ!! وَمَا قَدْرُ مَا يُحْسِنُ هَذَا؟!فَقَالَ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ قَدْ زُقُّوا الْعِلْمَ زَقّاً[48].قَالَ: فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى أَذِنَ لَهُ.فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ خَطَبَ خُطْبَةً أَبْكَى مِنْهَا الْعُيُونَ، وَأَوْجَلَ[49] مِنْهَا الْقُلُوبَ، ثُمَّ قَالَ:أَيُّهَا النَّاسُ! أُعْطِينَا سِتّاً وَفُضِّلْنَا بِسَبْعٍ: أُعْطِينَا الْعِلْمَ، وَالْحِلْمَ[50]، وَالسَّمَاحَةَ[51]، وَالْفَصَاحَةَ[52]، وَالشَّجَاعَةَ[53]، وَالْمَحَبَّةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ.وَفُضِّلْنَا: بِأَنَّ مِنَّا النَّبِيَّ الْمُخْتَارَ مُحَمَّداً(صلی الله عليه وآله)، وَمِنَّا الصِّدِّيقُ[54]، وَمِنَّا الطَّيَّارُ[55]، وَمِنَّا أَسَدُ اللهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ[56]، وَمِنَّا سِبْطَا هَذِهِ الأُمَّةِ[57].مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي أَنْبَأْتُهُ[58] بِحَسَبِي[59] وَنَسَبِي[60]:أَيُّهَا النَّاسُ! أَنَا ابْنُ مَكَّةَ وَمِنَى.أَنَا ابْنُ زَمْزَمَ وَالصَّفَا.أَنَا ابْنُ مَنْ حَمَلَ الرُّكْنَ[61] بِأَطْرَافِ الرِّدَا[62].أَنَا ابْنُ خَيْرِ مَنِ ائْتَزَرَ[63] وَارْتَدَى[64].أَنَا ابْنُ خَيْرِ مَنِ انْتَعَلَ[65] وَاحْتَفَى[66].أَنَا ابْنُ خَيْرِ مَنْ طَافَ وَسَعَى.أَنَا ابْنُ خَيْرِ مَنْ حَجَّ وَلَبَّى[67].أَنَا ابْنُ مَنْ حُمِلَ عَلَى الْبُرَاقِ[68] فِي الْهَوَاءِ.أَنَا ابْنُ مَنْ أُسْرِيَ بِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى.أَنَا ابْنُ مَنْ بَلَغَ بِهِ جَبْرَئِيلُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى.أَنَا ابْنُ مَنْ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏.أَنَا ابْنُ مَنْ صَلَّى بِمَلائِكَةِ السَّمَاءِ.أَنَا ابْنُ مَنْ أَوْحَى إِلَيْهِ الْجَلِيلُ مَا أَوْحَى.أَنَا ابْنُ مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى.أَنَا ابْنُ عَلِيٍّ الْمُرْتَضَى[69].أَنَا ابْنُ مَنْ ضَرَبَ خَرَاطِيمَ[70] الْخَلْقِ حَتَّى قَالُوا: لا إِلَهَ إِلا اللهُ.أَنَا ابْنُ مَنْ ضَرَبَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ بِسَيْفَيْنِ، وَطَعَنَ بِرُمْحَيْنِ، وَهَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ، وَبَايَعَ الْبَيْعَتَيْنِ، وَقَاتَلَ بِبَدْرٍ وَحُنَيْنٍ، وَلَمْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ.أَنَا ابْنُ صَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ[71]، وَوَارِثِ النَّبِيِّينَ، وَقَامِعِ[72] الْمُلْحِدِينَ[73]، وَيَعْسُوبِ[74] الْمُسْلِمِينَ، وَنُورِ الْمُجَاهِدِينَ، وَزَيْنِ الْعَابِدِينَ، وَتَاجِ[75] الْبَكَّائِينَ، وَأَصْبَرِ الصَّابِرِينَ، وَأَفْضَلِ الْقَائِمِينَ مِنْ آلِ يَاسِينَ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.أَنَا ابْنُ الْمُؤَيَّدِ بِجَبْرَئِيلَ، الْمَنْصُورِ بِمِيكَائِيلَ.أَنَا ابْنُ الْمُحَامِي عَنْ حَرَمِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَاتِلِ الْمَارِقِينَ وَالنَّاكِثِينَ وَالْقَاسِطِينَ[76]، وَالْمُجَاهِدِ أَعْدَاءَهُ النَّاصِبِينَ.وَأَفْخَرِ[77] مَنْ مَشَى مِنْ قُرَيْشٍ أَجْمَعِينَ، وَأَوَّلِ مَنْ أَجَابَ وَاسْتَجَابَ للهِ وَلِرَسُولِهِ مِنَ‏ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَوَّلِ السَّابِقِينَ.وَقَاصِمِ[78] الْمُعْتَدِينَ[79]، وَمُبِيدِ[80] الْمُشْرِكِينَ، وَسَهْمٍ مِنْ مَرَامِي[81] اللهِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ.وَلِسَانِ حِكْمَةِ الْعَابِدِينَ، وَنَاصِرِ دِينِ اللهِ، وَوَلِيِّ أَمْرِ اللهِ، وَبُسْتَانِ حِكْمَةِ اللهِ، وَعَيْبَةِ عِلْمِهِ.سَمِحٌ[82] سَخِيٌّ[83]، بَهِيٌّ[84] بُهْلُولٌ[85] زَكِيٌّ[86]، أَبْطَحِيٌّ[87] رَضِيٌّ[88]، مِقْدَامٌ[89] هُمَامٌ[90]، صَابِرٌ صَوَّامٌ، مُهَذَّبٌ[91] قَوَّامٌ.قَاطِعُ الأَصْلابِ[92]، وَمُفَرِّقُ الأَحْزَابِ[93]، أَرْبَطُهُمْ[94] عِنَاناً[95]، وَأَثْبَتُهُمْ جَنَاناً[96]، وَأَمْضَاهُمْ[97] عَزِيمَةً[98]، وَأَشَدُّهُمْ شَكِيمَةً[99].أَسَدٌ بَاسِلٌ[100]، يَطْحَنُهُمْ فِي الْحُرُوبِ ـ إِذَا ازْدَلَفَتِ[101] الأَسِنَّةُ[102]، وَقَرُبَتِ الأَعِنَّةُ[103] ـ طَحْنَ الرَّحَى، وَيَذْرُوهُمْ[104] فِيهَا ذَرْوَ الرِّيحِ الْهَشِيمِ[105].لَيْثُ[106] الْحِجَازِ، وَكَبْشُ[107] الْعِرَاقِ، مَكِّيٌّ مَدَنِيٌّ، خَيْفِيٌّ[108] عَقَبِيٌّ[109]، بَدْرِيٌّ أُحُدِيٌّ[110]، شَجَرِيٌّ[111] مُهَاجِرِيٌّ، مِنَ الْعَرَبِ سَيِّدُهَا، وَمِنَ الْوَغَى[112] لَيْثُهَا.وَارِثُ الْمَشْعَرَيْنِ، وَأَبُو السِّبْطَيْنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، ذَاكَ جَدِّي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ...ثُمَّ قَالَ: أَنَا ابْنُ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ، أَنَا ابْنُ سَيِّدَةِ النِّسَاءِ.[أَنَا ابْنُ خَدِيجَةَ الْكُبْرَى.أَنَا ابْنُ الْمَقْتُولِ ظُلْما.أَنَا ابْنُ الْمَجْزُوزِ[113] الرَّأْسِ مِنَ الْقَفَا.أَنَا ابْنُ الْعَطْشَانِ حَتَّى قَضَى[114].أَنَا ابْنُ طَرِيحِ[115] كَرْبَلا.أَنَا ابْنُ مَسْلُوبِ[116] الْعِمَامَةِ وَالرِّدَا[117].أَنَا ابْنُ مَنْ بَكَتْ عَلَيْهِ مَلائِكَةُ السَّمَا.أَنَا ابْنُ مَنْ نَاحَتْ[118] عَلَيْهِ الْجِنُّ فِي الأَرْضِ وَالطَّيْرُ فِي الْهَوَا.أَنَا ابْنُ مَنْ رَأْسُهُ عَلَى السِّنَانِ[119] يُهْدَى.أَنَا ابْنُ مَنْ حَرَمُهُ[120] مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى الشَّامِ تُسْبَى‏]...فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ: أَنَا.. أَنَا.. حَتَّى ضَجَّ[121] النَّاسُ بِالْبُكَاءِ وَالنَّحِيبِ[122]، وَخَشِيَ يَزِيدُ ـ لَعَنَهُ اللهُ ـ أَنْ يَكُونَ فِتْنَةٌ[123]، فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ، فَقَطَعَ عَلَيْهِ الْكَلامَ.فَلَمَّا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ.قَالَ عَلِيٌّ(عليه السلام): لا شَيْ‏ءَ أَكْبَرُ مِنَ اللهِ.فَلَمَّا قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ.قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(عليه السلام): شَهِدَ بِهَا شَعْرِي وَبَشَرِي[124] وَلَحْمِي وَدَمِي.فَلَمَّا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ.الْتَفَتَ مِنْ فَوْقِ الْمِنْبَرِ إِلَى يَزِيدَ، فَقَالَ: مُحَمَّدٌ هَذَا جَدِّي أَمْ جَدُّكَ يَا يَزِيدُ؟ فَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّهُ جَدُّكَ، فَقَدْ كَذَبْتَ وَكَفَرْتَ، وَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّهُ جَدِّي، فَلِمَ قَتَلْتَ أَبِي وَسَبَيْتَ حَرَمَهُ وَسَبَيْتَنِي؟ثُمَّ قَالَ: مَعَاشِرَ النَّاسِ! هَلْ فِيكُمْ مَنْ أَبُوهُ وَجَدُّهُ رَسُولُ اللهِ(صلی الله عليه وآله)؟فَعَلَتِ الأَصْوَاتُ بِالْبُكَاءِ..... خطبة الإمام السجاد(عليه السلام) على مشارف المدينةروى المجلسي في بحار الأنوار: (45/147) عن السيد ابن طاووس في اللهوف: 197:قَالَ بَشِيرُ بْنُ حَذْلَمٍ: فَلَمَّا قَرُبْنَا مِنْهَا ـ أي من مدينة الرسول(صلی الله عليه وآله) ـ نَزَلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(عليه السلام)، فَحَطَّ[125] رَحْلَهُ[126]، وَضَرَبَ فُسْطَاطَهُ[127]، وَأَنْزَلَ نِسَاءَهُ، وَقَالَ: يَا بَشِيرُ! رَحِمَ اللَّهُ أَبَاكَ، لَقَدْ كَانَ شَاعِراً، فَهَلْ تَقْدِرُ عَلَى شَيْ‏ءٍ مِنْهُ؟قُلْتُ: بَلَى ـ يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ ـ إِنِّي لَشَاعِرٌ.قَالَ: فَادْخُلِ الْمَدِينَةَ وَانْعَ[128] أَبَا عَبْدِ اللهِ.قَالَ بَشِيرٌ: فَرَكِبْتُ فَرَسِي وَرَكَضْتُ حَتَّى دَخَلْتُ الْمَدِينَةَ.فَلَمَّا بَلَغْتُ مَسْجِدَ النَّبِيِّ(صلی الله عليه وآله) رَفَعْتُ صَوْتِي بِالْبُكَاءِ، وَأَنْشَأْتُ أَقُولُ:يَا أَهْلَ يَثْرِبَ[129] لا مُقَامَ لَكُمْ بِهَا قُتِلَ الْحُسَيْنُ فَأَدْمُعِي مِدْرَارُ[130]الْجِسْمُ مِنْهُ بِكَرْبَلاءَ مُضَرَّجٌ[131] وَالرَّأْسُ مِنْهُ عَلَى الْقَنَاةِ[132] يُدَارُقَالَ: ثُمَّ قُلْتُ: هَذَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ مَعَ عَمَّاتِهِ وَأَخَوَاتِهِ، قَدْ حَلُّوا[133] بِسَاحَتِكُمْ[134]، وَنَزَلُوا بِفِنَائِكُمْ[135]، وَأَنَا رَسُولُهُ إِلَيْكُمْ، أُعَرِّفُكُمْ مَكَانَهُ.فَمَا بَقِيَتْ فِي الْمَدِينَةِ مُخَدَّرَةٌ[136] وَلا مُحَجَّبَةٌ[137] إِلا بَرَزْنَ[138] مِنْ خُدُورِهِنَّ، مَكْشُوفَةً شُعُورُهُنَّ، مُخَمَّشَةً[139] وُجُوهُهُنَّ، ضَارِبَاتٍ خُدُودَهُنَّ[140]، يَدْعُونَ بِالْوَيْلِ[141] وَالثُّبُورِ[142].فَلَمْ أَرَ بَاكِياً أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلا يَوْماً أَمَرَّ[143] عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ، وَسَمِعْتُ جَارِيَةً تَنُوحُ عَلَى الْحُسَيْنِ(عليه السلام) فَتَقُولُ:نَعَى سَيِّدِي نَاعٍ نَعَاهُ فَأَوْجَعَا وَأَمْرَضَنِي نَاعٍ نَعَاهُ فَأَفْجَعَا[144]فَعَيْنَيَّ جُودَا بِالدُّمُوعِ وَأَسْكِبَا[145] وَجُودَا بِدَمْعٍ بَعْدَ دَمْعِكُمَا مَعاًعَلَى مَنْ دَهَى عَرْشَ الْجَلِيلِ فَزَعْزَعَا[146] فَأَصْبَحَ هَذَا الْمَجْدُ[147] وَالدِّينُ أَجْدَعَا[148]عَلَى ابْنِ نَبِيِّ اللهِ وَابْنِ وَصِيِّهِ وَإِنْ كَانَ عَنَّا شَاحِطَ[149] الدَّارِ أَشْسَعَا[150]ثُمَّ قَالَتْ: أَيُّهَا النَّاعِي[151]! جَدَّدْتَ حُزْنَنَا بِأَبِي عَبْدِ اللهِ، وَخَدَشْتَ[152] مِنَّا قُرُوحاً[153] لَمَّا تَنْدَمِلُ[154] فَمَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ اللهُ؟فَقُلْتُ: أَنَا بَشِيرُ بْنُ حَذْلَمٍ، وَجَّهَنِي مَوْلايَ عَلِيُّ بْنُ‏ الْحُسَيْنِ ـ عَلَيْهِمَا الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ وَهُوَ نَازِلٌ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا مَعَ عِيَالِ أَبِي عَبْدِ اللهِ وَنِسَائِهِ.قَالَ: فَتَرَكُونِي مَكَانِي وَبَادَرُوا[155]، فَضَرَبْتُ فَرَسِي حَتَّى رَجَعْتُ إِلَيْهِمْ، فَوَجَدْتُ النَّاسَ قَدْ أَخَذُوا الطُّرُقَ وَالْمَوَاضِعَ.فَنَزَلْتُ عَنْ فَرَسِي، وَتَخَطَّيْتُ رِقَابَ النَّاسِ[156]، حَتَّى قَرُبْتُ مِنْ بَابِ الْفُسْطَاطِ[157].وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ(عليه السلام) دَاخِلاً، وَمَعَهُ خِرْقَةٌ[158] يَمْسَحُ بِهَا دُمُوعَهُ، وَخَلْفَهُ خَادِمٌ مَعَهُ كُرْسِيٌّ، فَوَضَعَهُ لَهُ، وَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَهُوَ لا يَتَمَالَكُ[159] مِنَ الْعَبْرَةِ، وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُ النَّاسِ بِالْبُكَاءِ، وَحَنِينِ الْجَوَارِي وَالنِّسَاءِ، وَالنَّاسُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ يُعَزُّونَهُ، فَضَجَّتْ تِلْكَ الْبُقْعَةُ ضَجَّةً شَدِيدَةً.فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ أَنِ اسْكُتُوا، فَسَكَنَتْ فَوْرَتُهُمْ، فَقَالَ(عليه السلام):الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، بَارِئِ[160] الْخَلائِقِ أَجْمَعِينَ، الَّذِي بَعُدَ فَارْتَفَعَ فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى، وَقَرُبَ فَشَهِدَ[161] النَّجْوَى[162].نَحْمَدُهُ عَلَى عَظَائِمِ[163] الأُمُورِ، وَفَجَائِعِ الدُّهُورِ، وَأَلَمِ الْفَجَائِعِ[164]، وَمَضَاضَةِ[165] اللَّوَاذِعِ[166]، وَجَلِيلِ الرُّزْءِ[167]، وَعَظِيمِ الْمَصَائِبِ الْفَاضِعَةِ[168] الْكَاظَّةِ[169] الْفَادِحَةِ[170] الْجَائِحَةِ[171].أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللهَ ـ وَلَهُ الْحَمْدُ ـ ابْتَلانَا بِمَصَائِبَ جَلِيلَةٍ، وَثُلْمَةٍ[172] فِي الإِسْلامِ عَظِيمَةٍ، قُتِلَ أَبُو عَبْدِ اللهِ وَعِتْرَتُهُ، وَسُبِيَ نِسَاؤُهُ وَصِبْيَتُهُ، وَدَارُوا بِرَأْسِهِ فِي الْبُلْدَانِ مِنْ فَوْقِ عَامِلِ السِّنَانِ، وَهَذِهِ الرَّزِيَّةُ الَّتِي لا مِثْلَهَا رَزِيَّةٌ.أَيُّهَا النَّاسُ! فَأَيُّ رِجَالاتٍ مِنْكُمْ يُسَرُّونَ بَعْدَ قَتْلِهِ؟أَمْ أَيَّةُ عَيْنٍ مِنْكُمْ تَحْبِسُ دَمْعَهَا؟ وَتَضَنُّ[173] عَنِ انْهِمَالِهَا[174]؟فَلَقَدْ بَكَتِ السَّبْعُ الشِّدَادُ لِقَتْلِهِ، وَبَكَتِ الْبِحَارُ بِأَمْوَاجِهَا، وَالسَّمَاوَاتُ بِأَرْكَانِهَا، وَالأَرْضُ بِأَرْجَائِهَا[175]، وَالأَشْجَارُ بِأَغْصَانِهَا، وَالْحِيتَانُ، وَلُجَجُ الْبِحَارِ، وَالْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ، وَأَهْلُ السَّمَاوَاتِ أَجْمَعُونَ.أَيُّهَا النَّاسُ! أَيُّ قَلْبٍ لا يَنْصَدِعُ[176] لِقَتْلِهِ؟أَمْ أَيُّ فُؤَادٍ لا يَحِنُّ إِلَيْهِ؟أَمْ أَيُّ سَمْعٍ يَسْمَعُ هَذِهِ الثُّلْمَةَ الَّتِي ثُلِمَتْ فِي الْإِسْلامِ؟أَيُّهَا النَّاسُ! أَصْبَحْنَا مَطْرُودِينَ مُشَرَّدِينَ مَذُودِينَ[177] شَاسِعِينَ[178] عَنِ الأَمْصَارِ[179]، كَأَنَّا أَوْلادُ تُرْكٍ وَكَابُلَ، مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ اجْتَرَمْنَاهُ، وَلا مَكْرُوهٍ ارْتَكَبْنَاهُ، وَلا ثُلْمَةٍ فِي الإِسْلامِ ثَلَمْنَاهَا، ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الأَوَّلِينَ إِنْ هذا إِلا اخْتِلاقٌ‏.وَاللَّهِ! لَوْ أَنَّ النَّبِيَّ تَقَدَّمَ[180] إِلَيْهِمْ فِي قِتَالِنَا كَمَا تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ فِي الْوَصَاءَةِ بِنَا لَمَا ازْدَادُوا عَلَى مَا فَعَلُوا بِنَا.فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ مِنْ مُصِيبَةٍ مَا أَعْظَمَهَا! وَأَوْجَعَهَا! وَأَفْجَعَهَا! وَأَكَظَّهَا! وَأَفَظَّهَا! وَأَمَرَّهَا! وَأَفْدَحَهَا!فَعِنْدَ اللَّهِ نَحْتَسِبُ[181] فِيمَا أَصَابَنَا، وَمَا بَلَغَ بِنَا، إِنَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ.قَالَ: فَقَامَ صُوحَانُ بْنُ صَعْصَعَةَ بْنِ صُوحَانَ، وَكَانَ زَمِناً[182]، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ ـ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ـ بِمَا عِنْدَهُ مِنْ زَمَانَةِ رِجْلَيْهِ، فَأَجَابَهُ بِقَبُولِ مَعْذِرَتِهِ، وَحُسْنِ الظَّنِّ فِيهِ، وَشَكَرَ لَهُ، وَتَرَحَّمَ عَلَى أَبِيهِ....[1] الذَّحْل: الوِتْر والثأر وطلب المكافأَة بجناية جُنِيَتْ عليه من قتل أَو جرح ونحو ذلك.[2] الوتر والترة: ظلامة في دم.[3] انتهك الرجل الحرمة: إذا تناولها بما لا يحلّ.[4] حَرَمُ الرجل وحَريمُه: ما يقاتِلُ عنه ويَحْميه، والحرمة: ما لا يحلّ لك انتهاكه‏، والحرمة والحريم: المرأة.‏[5] النَّهْبُ: الغارةُ والسَّلْب‏، والانتهاب: هو الغلبة على المال بالقهر.‏[6] السَّبْيُ: النَّهْبُ وأَخْذُ الناسِ عَبيداً وإماءً، والسَّبِيَّة: المرأَة المَنْهوبة.[7] الصَّبْرُ: نَصْب الإِنسان للقَتْل، فهو مَصْبُور، يقال: قَتَلَه صَبْراً، وقد نَهَى رسول الله(صلی الله عليه وآله) أَنْ تُصْبَرَ الرُّوح،‏ والقتل صبراً، هو أن يمسك شي‏ء من ذوات الأرواح حياً، ثم يرمى بشي‏ء حتى يموت‏..[8] الخَدْعُ: إظهار خلاف ما تُخْفيه‏، وخُدْعةً أَي أَراد به المكروه وختله من حيث لا يعلم‏، والخِداعُ: الحِيلة، والخَدْعُ: منع الحقّ‏، وخدَعَ الرجلُ: أَعطى ثم أَمسك، يقال: كان فلان يُعطي ثم خدَع: أَي أَمسَك ومنَع.‏[9] العَهْدُ: المَوْثِقُ واليمين يحلف بها الرجل‏، والعَهْدُ: حفظ الشي‏ء ومراعاته حالاً بعد حال، وسمّي الموثق الذي يلزم مراعاته عَهْداً،. والعَهْد: الأَمان، ‏والمعاهدة: المعاقدة.[10] المِيثاقُ: عقد مؤكّد بيمين وعهد.[11] الخاذِلُ: ضدّ الناصر، خَذَلَهً: تَرَكَ نُصْرته وعَوْنه،. والتَّخْذِيل: حَمْلُ الرجل على خِذْلان صاحبه وتَثْبِيطُه عن نصْرته.[12] التَّبُّ والتَّبابُ: الخُسْرانُ والهَلاكُ، وتَبّاً له، على الدُّعاء.[13] السَّوْأَةُ كلُّ عَمَلٍ وأَمْرٍ شائن، يقال: سَوْأَةً لفلان، نَصْبٌ لأَنه شَتْم ودُعاء، والسَّوْأَةُ في الأَصل: الفَرْجُ، ثم نُقِل إلى كلّ ما يُسْتَحْيا منه إذا ظهر من قول‏ وفعل، وسوأة لرأيكم: قبحاً لرأيكم.‏[14] العِتْرة: ولدُ الرجل وذرّيّته وعَقِبُه من صُلْبه، وعِتْرةُ النبي(صلی الله عليه وآله) ولدُ سيدة النساء فاطمة البَتُول، عليها السلام.[15] النَّاحِيةُ من كلّ شي‏ء: جانِبه‏.[16] الهلاك: العطب‏، ويقال: هَلَك الناسُ أَي استوجبوا النار والخلود فيها بسوء أَعمالهم.[17] أُسْوَةٌ حَسَنَة: هي بكسر الهمزة وضمّها: القدوة، أي ائتمام واتباع‏ حسن.[18] الذِّمامُ: الحقّ والحُرْمة، والجمع أَذِمَّةٌ،. والذِّمَّة: العهد والكَفالةُ، وجمعها ذِمامٌ. وفلان له ذِمَّة أَيّ حقّ، والذِّمامُ: كلّ حرمة تَلْزمك إِذا ضَيَّعَتْها المَذَمَّة.[19] زهد في الشي‏ء: تركه وأعرض عنه‏.[20] رَغِبَ عن الشي‏ءِ: تَرَكَه مُتَعَمّداً، وزَهِدَ فيه ولم يُرِدْهُ، وهو بخلاف الرغبة في الشي‏ء، ورَغِبَ بنفسه عنه: رأَى لنفسِه عليه فضلاً.[21] أخذ الشي‏ء: تناوله،‏ أُخِذَ فلانٌ بذنبه أَي حُبِسَ وجُوزِيَ عليه وعُوقِب به، وأخذه الله: أهلكه، وأخذه الله بذنبه: عاقبه عليه‏.‏[22] هَيْهاتَ كلمة تبعيد، أي بعداً لكم.[23] الغدرة: جمع غادر، و الغَدْرُ: ضدُّ الوفاء بالعهد، تقول: غَدَرَ إِذا نقض العهد وترك الوفاء به.[24] المَكْرُ الخَدِيعَة والاحتيال‏، و المَكْرُ: صرف الغير عمّا يقصده بحيلة.[25] حال بين الشيئين: إذا منع وحجز أحدهما عن الآخر، والحَوْل تغيّر الشي‏ء وانفصاله عن غيره.. وباعتبار الانفصال قيل: حَالَ بيني وبينك كذا.[26] الشهوات ـ بالتحريك ـ جمع شهوة: وهي اشتياق النفس ونزوعها إلى ما تريده‏، وفي الحديث: ((جهنم محفوفة باللذات والشهوات))، ومعناه: من أعطى نفسه لذتها وشهوتها دخل النار، نعوذ بالله منها..[27] الراقصات: الإبل إذا مشت مشياً خاصاً يسمى ((الخبب)) وإِذا أَسرع في سيره‏ ، وقيل: النجوم.[28] انْدَمَلَ الجرح: إِذا تَماثَل وصَلَح‏.[29] الثكل: فقدان الحبيب‏، والثكل: الموت.[30] الوجد: الحزن.[31] اللهاة: أقصى الفم، وقيل: و هي سقف الفم، وقيل: هي اللحمة الحمراء المشرفة على الحلق‏ المتعلقة في أصل الحنك.‏[32] الحنجرة: رأْس الغلصمة حيث تراه ناتئاً من خارج الحلق، والجمع حناجر، وقيل: هو جوف الحلقوم‏.[33] الحَلْقُ: مَساغ الطعام والشراب في المَري‏ء، وقيل: هو مخرج النفس من الحُلْقُوم وموضع الذبح هو أَيضاً من الحَلْق‏.[34] الغصة: الشَّجَا، والجمع الغُصَص‏، يقال: غَصِصْت بالماء إِذا شَرِقْت به أَو وَقفَ في حَلْقِكَ فلم تكدْ تُسِيغُه‏.[35] الفَراشُ: كلّ رقيقٍ من عظمٍ فَراشَةٌ، وقيل: كلّ عظم ضُرب فطارت منه عظامٌ رِقاقٌ فهي الفَراش، وقيل: كلّ قُشور تكون على العظْم دون اللحم‏.[36] الغَرْوُ: العَجَب، ولا غرو: أي لا عجب‏.[37] الرَّدى: الهلاك‏، وأَرْدَيْتُه أَي أَهلكتُه، وأَرْدَاهُ فَتَرَدَّى: قلبَه فانْقَلب‏ ‏[38] المناقب لابن شهرآشوب: 4/168.[39] الوَقِيعةُ في الناس: الغِيبة، يقال: وَقّاعٌ ووَقّاعةٌ: أَي يَغْتابُ الناس‏، ووقَعْت بفلان إِذا لُمْتَه، ووَقَعْتُ فيه إِذا عِبْتَه وذَمَمْتَه‏.[40] الإِطْنابُ: المبالغة في المدح أَو الذمّ والإِكثارُ فيه، وأَطْنَبَ في الكلام: بالَغَ فيه.‏‏[41] التقْرِيظُ: مدح الإِنسان وهو حَيٌّ، والتَّأْبِين مدْحُه ميتاً، يقال: فلان يُقَرِّظُ صاحبه تقريظاً إِذا مدحه بباطل أَو حقّ، ولا يصدق هنا إلا بالباطل، لأن معاوية ويزيد ليس فيهما ما يمدحان به حقّاً على الإطلاق، فليس له إلا أن يكذب، ويمدح بالباطل.‏[42] الوَيْلُ: كلمة تقال لكلّ مَن وَقع في عذاب أَو هَلَكة، ووَيْلٌ: وادٍ في جهنَّم...‏[43] السخط: الغضب، وهو خلاف الرضا، يقال: أسخطه: أي أغضبه، قال الطريحي في المجمع: وإذا أسند إلى الله ـ تعالى ـ يراد منه ما يوجب السخط من العقوبة..[44] تبوأ مقعدك من النار: أي انزل منزلك منها، أو هيئ منزلك منها، من ((بوأت للرجل منزلاً)): هيأته له، أو من ((تبوأت له منزلاً)): اتخذته له‏.[45] العُودُ كلّ خشبة دَقَّتْ, وقيل: العُودُ: خَشَبَةُ كلِّ شجرةٍ، دقّ أَو غَلُظ، والجمع: أَعوادٌ وعِيدان‏، يلاحظ أنّ الإمام‰ عبّر عن صورة ((المنبر)) المنصوب في مجلس القرد الأموي بالأعواد ولم يعبّر عنها ((منبر)).[46] الإِبَاءُ: شدّة الامتناع‏، وأبى: أي امتنع وترك الطاعة..[47] فضَحَ الشي‏ءَ فافْتَضَح: إِذا انكشفت مساويه‏، يقال: افْتَضَحَ الرجلُ إِذا ركب أَمراً سَيِّئاً فاشتهر به‏، والفَضِيحة: اسم لكلّ أَمر سَيّ‏ءٍ يَشْهَرُ صاحبَه بما يسوء، والفضيحة: العيب‏.[48] الزَّقّ: مصدر زَقَّ الطائرُ الفَرخَ يزُقُّه زَقّاً: غَرّه، وزَقَّه: أَطعمه بفِيه.‏[49] الوَجَل: الفزع والخوف‏.[50] الحلم: التؤدة، وضبط النّفس والطبع عن هيجان الغضب، والْحَلِيمُ‏: الذي لم يعاجل بالعقوبة‏.[51] السَّماحةُ: الجُود، والمُسامَحة: المُساهَلة، وتَسامحوا: تَساهَلوا، وسَمَحَ وتَسَمَّحَ: فَعَلَ شيئاً فَسَهَّل فيه‏.[52] الفَصاحةُ: البَيان‏، يقال: رجل فَصِيح، وكلام فَصِيح: أَي بَلِيغ، ولسان فَصِيح: أَي طَلْقٌ.والفَصْحُ: خلوص الشي‏ء مما يشوبه، وأصله في اللّبن، يقال: فَصَّحَ اللّبن و أَفْصَحَ: إذا تعرّى من الرّغوة، ومنه استعير: فَصُحَ الرّجل: جادت لغته.[53] الشجاعة: شدّة القلب عند البأس، وقد شجع الرجل بالضم شجاعة: قوي قلبه واستهان بالحروب جرأة و إقداماً.[54] يعني أمير المؤمنين علي بن أبي طالبŠ.[55] يعني جعفر بن أبي طالبŠ.[56] يعني حمزة بن عبد المطلبŠ.[57] يعني الحسن والحسينŠ.[58] النبأ: الخبر، نبأته: أخبرته.[59] الحسب بفتحتين: الشرف بالآباء وما يعدّ من مفاخرهم.‏[60] النَّسَبُ: القَرابةُ, وقيل: هو في الآباء خاصَّة.[61] يعني الحجر الأسعد ((الأسود)) الموجود في ركن الكعبة.[62] إشارة إلى احتكام قريش إلى النبي(صلی الله عليه وآله) حينما أرادوا وضع الحجر الأسود في موضعه بعد بناء الكعبة، فنزع رداءه فحمله ووضعه على الرداء ثم أمرهم بحمله، فوضعه بيده الكريمة في موضعه.[63] ائتزر: لبس الإزار، والإزار بالكسر: ثوب شامل لجميع البدن.[64] ارتدى: لبس الرداء، والرداء ـ بالكسر ـ: ما يستر أعالي البدن فقط، والجمع ((أردية))، وإن شئت قلت: ((الرداء)): الثوب الذي يجعل على العاتقين وبين الكتفين فوق الثياب‏..[65] انتعل: لبس النعل، والنعل معروف: وهو ما وَقَيْت به القدَم من الأَرض‏.[66] الحَفَا: المَشْيُ بغير خُفّ ولا نَعْلٍ، واحتفى: مشى حافياً.[67] لبى الرجل: قال التلبية، وهي قوله: ((لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك...)).[68] البراق بضم الباء: وهي دابة ركبها رسول الله(صلی الله عليه وآله) ليلة الإسراء، سمي بذلك لنصوع لونه وشدّة بريقه، وقيل: لسرعة حركته تشبيها بالبرق.[69] من هنا بدأ‰ بالحديث عن جدّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالبŒ.[70] الخرطوم‏ بضم الخاء: الأنف، وهو أكرم موضع في الوجه، كما أنّ الوجه أكرم موضع في الجسد.[71] إشارة إلى قوله تعالى: )وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْريلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهير(، وصالح المؤمنين هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالبŠ.[72] القَمْعُ: الذُّل‏، يقال: قمعت فلاناً: أي ذلّلته‏، والقَمْعُ أَن تَقْمَع آخَرَ بالكلام حتى تتصاغرَ إِليه نَفْسُه، وأَقْمَعَ الرجلَ، بالأَلف، إِذا طَلَعَ عليه فَرَدَّه, وقَمَعه: قَهَره، وقَمَعَ البردُ النباتَ: رَدَّه وأَحْرَقَه‏، ومقمعة بكسر الميم: هي شي‏ء من حديد كالمحجن يضرب به، وقمعته: إذا ضربته بها.[73] المُلْحِدُ: العادِلُ عن الحقّ المُدْخِلُ فيه ما ليس فيه، يقال: قد أَلحَدَ في الدين ولحَدَ: أَي حاد عنه‏، والإلحاد: الظلم.[74] اليعسوب: أمير النحل وكبيرهم وسيدهم، تضرب به الأمثال، لأنّه إذا خرج من كوره تبعه النحل بأجمعه‏، واليَعْسُوب: السَّيِّدُ والرئيسُ والمُقَدَّمُ، وأَصله أمير النحل وفَحْلُه.[75] التاج: الإكليل، وهو ما يصاغ للملوك من الذهب، والجمع ((التيجان‏)).[76] إشارة إلى الخوارج في ((النهروان))، وعسكر الجمل وأتباع المرأة في ((البصرة))، وأتباع معاوية وبني أمية في ((صفين)).[77] الفخار بالفتح، و هو المباهاة بالمكارم و المناقب من حسب و نسب و غير ذلك‏، وأفخر ـ أفعل ـ أي أنّه غلب قريش بالفخر لأنّه أكثر مكارم وأعلاها حسباً ونسباً..[78] القَصْمُ: دَقُّ الشي‏ء، والقَصْمُ كسر الشي‏ء الشديد حتى يَبين‏، وقصم: حطّم وهشّم.[79] اعْتَدَى فلانٌ عن الحقّ واعْتَدَى فوقَ الحقِّ: جاز عن الحقّ إِلى الظلم‏، والمُعْتَدون: المُجاوِزون ما أُمرُوا به‏.[80] بادَ الشي‏ء: انقطع وذهب‏، وباد الشي‏ء: هلك.[81] مرامي: جمع مرماة، والمِرْماةُ، بالكسر، السَّهْمُ الذي يُرْمى به‏.[82] السَّماحةُ: الجُود، والمُسامَحة: المُساهَلة، وتَسامحوا: تَساهَلوا، وسَمَحَ وتَسَمَّحَ: فَعَلَ شيئاً فَسَهَّل فيه‏.[83] السَّخَاءُ: الجُودُ والكرم، والسَّخِيُّ: الجَوَاد الكريم.[84] البَهَاء: المَنْظَر الحَسَنُ الرائع المالئ للعين، والبَهِيُّ: الشي‏ء ذو البَهاء ممّا يملأُ العينَ رَوْعُه وحُسْنه.[85] البُهْلُول: العزيز الجامع لكلّ خير، والبُهْلُول: الحَييُّ الكريم.[86] الزكاة: الطهارة والنَّماء والبَركةُ والمَدْح‏.[87] أبطحي: نسبة إلى بَطْحاءُ مكة وأَبْطَحُها: معروفة، لانْبِطاحِها، ومِنًى من الأَبْطَح‏، وقُرَيشُ البِطاحِ: الذين ينزلون أَباطِحَ مكة وبَطْحاءَها، وقريشُ الظَّواهر: الذين ينزلون ما حول مكة، وأَكرمُهما قريش البطاح‏.[88] الرَّضِيُّ: المَرْضِيُّ، والرَّضِيُّ: المُطيعُ، والرَّضِيُّ الضّامِن‏.[89] المقدام بكسر الميم: الرجل الكثير الإقدام على العدو جري‏ء في الحرب‏، والإقدام في الحرب: الشجاعة وعدم الخوف.[90] الهمة: ما هممت به من أمر لتفعله، يقال: إنّه لعظيم الهمّة، وإنّه لصغير الهمّة، والهمّة: العزم الجازم‏، والهمام: الملك لعظم همّته.[91] هَذَبَ الشي‏ءَ: نَقَّاه وأَخْلصه‏، والمُهَذَّبُ من الرجال: المُخَلَّصُ النَّقِيُّ من العُيوب, ورجل مُهَذَّبٌ: أَي مُطَهَّرُ الأَخْلاقِ.[92] الأَصْلابُ: جَمْعُ صُلْب وهو الظهر.[93] قال ابن شهرآشوب في المناقب: فَصْلٌ فِي قِتَالِهِ فِي حَرْبِ الأَحْزَابِ: عن ابْنُ مَسْعُودٍ وَالصَّادِقُ‰ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى )وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ( بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ‰، وَقَتْلِهِ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ.وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ فِيمَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ‰ بِالإِسْنَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ..: فِي قَوْلِهِ )اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ( إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ‰ يَوْمَ الْأَحْزَاب‏..ِوَكَانَ الْفَتْحُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى يَدِ أمير المؤمنين عَلِيٍّ‰ وَقَالَ النَّبِيُّ(صلی الله عليه وآله): لَضَرْبَةُ عَلِيٍّ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ الثَّقَلَيْنِ، وقال(صلی الله عليه وآله): لَضَرْبَةُ عَلِيٍّ لِعَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ أُمَّتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وقال(صلی الله عليه وآله): أَبْشِرْ يَا عَلِيُّ فَلَوْ وُزِنَ الْيَوْمَ عَمَلُكَ بِعَمَلِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ(صلی الله عليه وآله) لَرَجَحَ عَمَلُكَ بِعَمَلِهِمْ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَيْتٌ مِنْ بُيُوتِ الْمُشْرِكِينَ إِلا وَقَدْ دَخَلَهُ وَهْنٌ بِقَتْلِ عَمْرٍو، وَلَمْ يَبْقَ بَيْتٌ مِنْ بُيُوتِ الْمُسْلِمِينَ إِلا وَقَدْ دَخَلَهُ عِزٌّ بِقَتْلِ عَمْرٍو، وقال(صلی الله عليه وآله) يَوْمَ قَتْل عَمْرو: ذَهَبَ رِيحُهُمْ وَلا يَغْزُونَنَا بَعْدَ الْيَوْمِ وَنَحْنُ نَغْزُوهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.. (للمزيد انظر: بحار الأنوار: 39).[94] ربطت الشي‏ء: أي شددته‏، وأصل الرباط: الملازمة والمواظبة على الأمر وملازمة ثغر العدو، والمرابطة أيضاً: انتظار الصلاة بعد الصلاة، يقال: فلان رابط الجأش: أي شديد القلب‏.[95] عَنَّ الشي‏ءُ يَعِنُّ: ظَهَرَ أَمامك، وعَنَّ يَعِنُّ: اعتَرَضَ وعَرَض‏، والعِنان: المُعانَّة، والمُعانَّة: المعارضة، والعِنانُ: سير اللِّجام الذي تُمسَك به الدابة، والعِنان: الحبل‏.[96] الجَنَان: القلب‏.[97] أمضيت الأمر: أنفذته‏.[98] العَزْمُ ما عَقَد عليه قَلْبُك من أَمْرٍ أَنَّكَ فاعِلُه، و‏العزيمة: هي إرادة الفعل والقطع عليه، والجدّ في الأمر.[99] الشَّكِيمَةُ قُوَّةُ القلب، يقال: إِنه لشديدُ الشَّكِيمةِ إِذا كان شديدَ النَّفْسِ أَنِفاً أَبِيّاً، وأَصله من شكيمة اللجام، فإِن قُوَّتَها تدلّ على قوّة الفرس، والشكِيمَةُ: الأَنَفَةُ والانتصار من الظُّلْم‏.[100] بسَل الرجلُ: عَبَس من الغضب أَو الشجاعة، والبَاسِل: الشجاع‏، والبَاسِل: الشديد، والباسِل: البَطُل‏.[101] الدَّلْفُ: التقدُّم‏.[102] الأَسِنَّة: جَمْع سِنان للرمح‏، وسِنانُ الرمح حديدته لصَقالتها ومَلاستها.[103] العِنانُ: سير اللِّجام الذي تُمسَك به الدابة.[104] تَذْرُوهُ الرِّياحُ‏: أي تطيره وتفرّقهظ.[105] الهَشيم: النبت اليابس المُتكسِّر، والشجرةُ البالية يأْخذها الحاطب كيف يشاء.[106] اللَّيثُ: الأَسد، واللَّيث: الشجاع بيِّن الأسود، وقيل اللَّيثُ: الشدّة والقوَّة.[107] كَبْشُ القومِ: رئيسُهم وسيِّدُهم، وقيل: كَبْش القومِ حامِيتُهم والمنظورُ إِليه فيهم، وكَبْشُ الكتيبةِ: قائدُها.[108] نسبة إلى الخيف من منى.[109] نسبة إلى العقبة من منى، وإشارة إلى بيعة العقبة.[110] نسبة إلى بدر وأحد، وإشارة إلى الغزوتين المعروفتين.[111] إشارة إلى بيعة الشجرة.[112] الوَغى: الحَرْبُ، والوَغَى: غَمْغَمةُ الأَبطال في حَوْمةِ الحَرْب.[113] الجز: القطع‏.[114] قضى: مات.[115] طَرَحَ بالشي‏ء: رمى به, والطِّرْحُ: الشي‏ء المطروحُ لا حاجة لأَحد فيه. ويقال: اطَّرَحَه أَي أَبعده، وشي‏ء طَريح: مطروح، وطَرَحَ عليه مسأَلةً: أَلقاها.[116] السَّلْبُ: نزع الشي‏ء من الغير على القهر.[117] الرِّدَاءُ: من المَلاحِف‏، والرِّدَاءُ: الغِطاءُ الكبير، والرِّدَاءُ: السَّيْف‏، والرِّدَاءُ: القَوْس‏، والرِّداء كلُّ ما زَيَّنَك حتى دارُكَ وابْنُك‏.[118] ناح أي: صاح بعويل‏، والنَّوْحُ: النساء يجتمعن للحُزْن.[119] السِّنانُ: سِنانُ الرمح‏، وسِنانُ الرمح حديدته لصَقالتها ومَلاستها.[120] حُرَمُ الرجلِ وحَريمُه: عياله ونساؤه وما يقاتِلُ عنه ويَحْميه. ‏[121] ضَج‏ : صاح، وضَجَّ القوم: فَزِعُوا من شي‏ء وغُلِبوا، وصاحوا فجَلَّبُوا، وضَجَّ: إِذا صاح مستغيثاً.[122] النحيب: رفع الصوت بالبكاء.[123] الفِتْنةُ: الفَضِيحة، والفِتْنةُ: ما يقع بين الناس من القتال‏، والفِتْنةُ: إِعجابُك بالشي‏ء، والفِتْنةُ: اختلافُ الناس بالآراء.[124] البَشَرُ جمع بَشَرَةٍ: وهو ظاهر الجلد، والبشرة: أعلى جلد الوجه والجسد من الإنسان.[125] الحطّ: وضع الأحمال عن الدواب‏ والانزال.[126] الرحل: مَرْكَبٌ للبعير والناقة، والرحل: ما يستصحب من الأثاث.[127] الفُسطاط: بيت من شعَر، وهو ضرْب من الأَبنية في السفَر دون السُّرادق‏ وفوق الخباء.[128] النعي: خبر الموت.[129] يثرب: اسم من أسماء المدينة المنوّرة.[130] درّ الدمع: كثر سيلانه، والمدرار: الكثير الدرور.[131] مضرّج: أي ملطّخ بالدم.[132] القناة واحدة القنا ـ بالقصر ـ وهي الرمح‏.[133] حلّ بالمكان: نزل‏.[134] السَّاحةُ: الناحية، والسَّاحَةُ: المكان الواسع‏، والساحة: فضاء يكون بين دور الحي‏.[135] فناء الدار: ما امْتدَّ من جوانبها، والفناء: سعة أمام الدار.[136] الخِدْرُ: سِتْرٌ يُمَدُّ للجارية في ناحية البيت، ثم صار كلُّ ما واراك من بَيْتِ ونحوه خِدْراً، وجارية مُخَدَّرَةٌ إِذا أُلزمت الخِدْر.[137] الحِجابُ: السِّتْر، وامرأَة مَحْجُوبةٌ: قد سُتِرَتْ بِسِتر.[138] برز الشي‏ء: ظهر، والمكان البارز: أي الظاهر، وبرزت الشي‏ء: أي أظهرته وتبينته‏.[139] الخَمْشُ: الخدْشُ في الوجه وقد يستعمل في سائر الجسد، وخمش وجهه: خدشه ولطمه وضربه وقطع عضواً منه، وخمشت المرأة بظفرها: جرحت ظاهر البشرة.[140] الخَدُّ في الوجه، والخدان: جانبا الوجه، وهما ما جاوز مؤخر العين إِلى منتهى الشدق, وقيل: الخدّ من الوجه من لدن المحْجِر إِلى اللَّحْى من الجانبين جميعاً.[141] الوَيْلُ: الحُزْن والهَلاك والمشقَّة من العَذاب، وكلُّ مَن وَقع في هَلَكة دَعا بالوَيْل، ومعنى النِّداءِ فيه: يا حَزَني ويا هَلاكي ويا عَذابي.‏[142] الثُّبُورُ: الهلاك والخسران والويل‏.[143] المرارة بفتح الميم: ضدّ الحلاوة، أمرّ: أكثر مرارة.[144] الفجيعة: الرَّزِيّةُ المُوجِعة.[145] سكب الدمع: صبّه.[146] الزعزعة: تحريك الشي‏ء لتقلعه وتزيله‏.[147] المَجْدُ: المُرُوءةُ والسخاءُ والكرمُ والشرفُ، والمجد: نَيْل الشر، وقيل: المَجْدُ كَرَمُ الآباء خاصة، وقيل: المَجْدُ الأَخذ من الشرف والسُّؤدَد ما يكفي‏.[148] الجَدْعُ: القَطْعُ البائن في الأَنف والأُذن والشَّفةِ واليد ونحوها.[149] الشَّحَطُ: البُعْد، وشَحَطَتِ الدَّارُ: بَعُدَت‏.[150] الشَّاسِعُ: البعيد.[151] الناعي: هو الذي يأتي بخبر الموت‏.[152] الخدش: مزق الجلد قلّ أو كثر، خَدَشَ جلده ووجهَه: مزقه‏.[153] القرح: الجراح‏، والقَرْحُ: الأثر من الجراحة من شي‏ء يصيبه من خارج، والقُرْحُ: أثرها من داخل كالبثرة ونحوها.[154] انْدَمَلَ الجرح: إِذا تَماثَل وصَلَح‏.[155] بَدَرْتُ إِلى الشي‏ء: أَسْرَعْت‏.[156] يتخطى رقاب الناس: أي يخطو خطوة ـ بالضم ـ، والخطوة: هي بعد ما بين القدمين في المشي.‏[157] الفُسطاط: بيت من شعَر، وهو ضرْب من الأَبنية في السفَر دون السُّرادق‏ وفوق الخباء.[158] الخرقة بالكسر: القطعة من الثوب‏.[159] ما تَمالَك: أي ما تَماسَك ولا يَتَماسَك، وما تَمالَكَ فلان أن وقع في كذا إذا لم يستطع أَن يحبس نفسه.‏[160] البارئُ: هو الذي خَلَقَ الخَلْقَ لا عن مِثال‏.[161] شَهِد كذا: أي: حضره‏.[162] النَّجْوُ: السِّرُّ بين اثنين، يقال: نَجَوْتُه نَجْواً أَي سارَرْته، وكذلك ناجَيْتُه، والاسم النَّجْوى‏.[163] العَظِيمُ: الذي جاوَزَ قدْرُهُ وجلَّ عن حدودِ العُقول حتى لا تُتَصَوَّر الإِحاطةُ بِكُنْهِه وحَقِيقتهِ، والعَظيمةُ والمُعْظَمةُ: النازلةُ الشديدةُ والمُلِمَّةُ إذا أَعْضَلَتْ، والعِظَمُ: خلافُ الصِّغَر، عَظُمَ يَعْظُم: كَبُرَ.[164] الفجيعة: الرَّزِيّةُ المُوجِعة.[165] المض: الحرقة، يقال: يمض القلب: يحرقه، وأمضني: لدغني وأوجعني وآلمني.[166] اللذْعُ: حُرْقة كَحُرْقةِ النار، وقيل: هو مسّ النارِ وحِدَّتها.[167] الرزء: المصيبة، والرُّزْءُ: المُصِيبةُ بفَقْد الأَعِزَّةِ، وهو من الانْتِقاص.‏[168] أَفْظَعَ الأَمرُ: اشتَدَّ وشَنُعَ وجاوز المِقدارَ وبَرَّح‏، والفاظع: الشديدُ الشنِيع‏.[169] الكظ: الهم الشديد يملأ الجوف، كَظَّهُ الأَمرُ : بهَظَه وكرَبَه وجهَدَه‏، والكِظاظُ: الشدّة والتَّعب‏.[170] الفادِحةُ: النازلة الشديدة الثقيلة التي يثقل حملها ويبهظ. ‏[171] الجائحة: كل مصيبة عظيمة مهلكة وفتنة مبيرة، والجائحة: المصيبة تحلّ بالرجل في ماله فتَجْتاحُه كُلَّه.‏[172] ثَلَمَ الإِناءَ والسيفَ ونحوَه: كسر حَرْفَه‏، والثُّلْمة: الموضع الذي قد انْثَلم‏، والثُّلْمة: الخَلَل في الحائط وغيره، وثُلِمَ في مالهِ ثَلْمة إِذا ذهَب منه شي‏ء.[173] تضن: تمسك وتبخل.[174] انهملت العين: انْهَمَلَتْ: فاضت دموعها وسالت.[175] الأرجاء: الجوانب.[176] الصَّدْعُ: الشَّقُّ في الشي‏ءِ الصُّلْبِ كالزُّجاجةِ والحائِطِ وغيرهما، وصَدَعَ الشي‏ءَ: شَقّه بنصفين‏.[177] الذَّوْد: السَّوق والطرد والدفع.‏[178] الشَّاسِعُ: البعيد.[179] الأمصار: جمع المصر، وهو البلد العظيم‏.[180] تقدّم إليهم بكذا: أمرهم به‏.[181] الاحْتِسابُ: طَلَبُ الأَجْر.[182] الزمانة: العاهة، يقال: زمن الشخص‏ أي مرض مرضاً يدوم زماناً طويلاً. خطبة الرسول الاعظم(ص) في بركات شهر الله - 10 2012-07-16 12:50:22 2012-07-16 12:50:22 http://arabic.irib.ir/programs/item/9313 http://arabic.irib.ir/programs/item/9313 روي في مصادرنا الحديثية المعتبرة مثل كتاب (عيون أخبار الرضا عليه السلام) أن الحبيب المصطفى –صلى الله عليه وآله- خطب في المسلمين في الخطبة التالية في إستقبال شهر رمضان المبارك، وبيّن الاجيال المسلمين فيها ما ينبغي لهم العمل به في شهر ضيافة الله ليفوزوا بعظيم بركاته، فيجدر بالمؤمنين مطالعتها طول الشهر المبارك والعمل بها وهي: عن أبي الحسن الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن أميرالمؤمنين عليه السلام قال: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله خَطبَنا ذات يوم فقال صلى الله عليه وآله: "أيها الناس، إنّه قد أقبلَ اليكم شهرُ اللهِ بالبَركة والرّحمة والمَغفرة، شهرٌ هوَ عندَ اللهِ أفضلُ الشّهورِ، وأيامُهُ أفضلُ الأيامِ، ولياليهِ أفضلُ اللّيالي، وساعاتُهُ أفضلُ السّاعات، هوَ شهرٌ دُعِيتُم فيهِ الى ضِيافَةِ الله، وجُعِلتُم فِيهِ مِن أهلِ كرامةِ اللهِ". شهر المدد الالهي للعبادأنفاسُكم فِيهِ تسبيحٌ، ونَومُكم فِيهِ عِبادَةٌ، وعَمَلُكم فِيهِ مَقبولٌ، ودُعاؤُكم فِيه مُستجابٌ، فَسئلوا اللهَ ربَّكم بِنِياتٍ صادِقَةٍ، وقلوبٍ طاهِرَةٍ أن يوَفّقكم لِصِيامِهِ، وتَلاوة كتابِهِ، فإنّ الشّقى مَن حُرِمَ غفرانُ اللهِ فى هذا الشَّهرِ العَظيم. شهر الانفاق والبروأذكروا بِجُوعِكم وعَطَشِكم فِيه جوعَ يومِ القِيامَةِ وعَطَشَهُ، وتَصَدّقوا عَلى فُقَرائِكم ومَساكينِكم، ووَقّروا كبارَكم، وأرحَمُوا صِغارَكم، وصِلُوا أرحامَكم. شهر تزكية النفوسوَ أحفَظُوا ألسِنَتَكم، وغَضّوا عَمّا لا يحِلّ النَّظرُ إليه أبصارَكم، وعمّا لا يحلّ الإستِماعُ إليه أسماعَكم، وتَحَنّنوا على أيتامِ النّاس يتحَنّنُ عَلَى أيتامِكم. شهر التوبة والدعاءوَ تُوبُوا الى اللهِ مِن ذنوبِكم، وأرفَعوا إليه أيديكم بالدّعاءِ في أوقاتِ صلواتِكم، فإنّها أفضلُ السّاعات، ينظُرُ اللهِ عزّوجلّ فِيها بالرّحمةِ الى عِبادِهِ، يحبِبهُم اذا ناجَوه، وَيلبّيهِم اذا نادَوهُ، ويستجيبُ لَهُم اذا دَعَوه. شهر الجد والإجتهادأيها النّاس، إنّ أنفُسَكم مَرهونَة بِأعمَالِكم، فَفَكوها بِاستِغفَارِكم، وظُهورِكم ثقيلةٌ مِن أوزارِكم فَخَفّفوا عَنها بِطولِ سُجُودِكم، وإعلَمُوا أنّ اللهَ تَعالى ذِكرُه أقسَمَ بِعِزّتِهِ أن لا يعَذّبَ المُصَلّينَ والسّاجِدينَ، وأن لا يروعَهُم بالنّار يومَ يقومُ النّاسُ لِرَبّ العالَمِينَ. شهر التقوى والزكاةأيها الناسُ، مَن فَطّرَ مِنكم صائِماً مُؤمِناً فِي هذا الشّهرِ كانَ لَه بِذلك عندَ اللهِ عِتقُ رقبَةٍ، ومغفرةٌ لِما مَضَى مِن ذُنُوبِهِ، قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، وليسَ كلّنا يقدِرُ عَلَى ذلك، فقالَ صلّى اللهُ عليه وآله: اتّقوا النّارَ ولَو بِشِقّ تَمرَةٍ، اتقوا النّارَ ولَو بِشَربَةٍ مِن ماءٍ. شهر الرأفة بالعبادأيها الناسُ، مَن حَسّنَ مِنكم في هذا الشّهرِ خُلقُه كان له جَوازاً على الصّراطِ يومَ تَزِلُّ فيه الأقدامُ، ومَن خَفّفَ في هذا الشّهرِ عمّا مَلَكت يمينُهُ، خَفّفَ اللهُ عليه حِسابَه، ومَن كفّ فيه شَرّهُ كفّ اللهُ عنهُ غَضَبَهُ يومَ يلقاهُ، ومَن أكرَمَ فيهِ يتيماً اكرَمَهُ اللهُ يومَ يلقاهُ، ومَن وَصَلَ فيه رَحِمَه وَصَله اللهُ برحمَتِهِ يومَ يلقاه، ومَن قَطَعَ فيهِ رَحِمَهُ قَطَعَ اللهُ عَنهُ رَحمَتَه يومَ يلقاهُ. شهر التقرّب بالنوافلو مَن تَطَوّعَ فِيه بِصَلاةٍ كتَبَ اللهُ لَه بَرائةً مِن النّارِ، ومَن أدّى فِيهِ فَرضاً كانَ له ثَوابَ مَن أدّى سَبعينَ فَريضةً فِيما سِواهُ مِن الشّهور، ومَن أكثَرَ فِيهِ مِنَ الصّلاةِ علَى ثَقّلَ اللهُ مِيزانَهُ يومَ تَخِفُّ المَوازِينُ، ومَن تَلا فِيه آيةً مِنَ القُرآنِ كانَ لَهُ مِثلَ اجرِ مَن خَتَمَ القرآنَ فِي غَيرهِ مِن الشُّهورِ. شهر العصمة الالهيةأيها النّاسُ، إنّ أبوابَ الجَنانِ فِي هذا الشَّهرِ مُفَتّحَةٌ فاسئَلوا رَبّكم أن لا يغلِقَها عليكم. وإنّ أبوابَ النّيرانِ مُغلّقةٌ فاسئَلوا ربّكم أن لا يفتَحُها عَليكم، والشّياطِينُ مَغلولَةٌ، فاسئلوا ربّكم أن لا يسلّطَها عَليكم. شهر شهادة سيد الاوصياءقالَ اميرالمؤمنين عليه السلام: فَقُمتُ وقُلتُ: "يا رسولَ اللهِ! ما أفضلُ الأعمالِ فِي هذا الشّهرِ؟" فقالَ صلى الله عليه وآله: "يا أبالحسنُ، أفضلُ الأعمالِ في هذا الشّهرِ ألوَرَعُ عن محارمِ اللهِ عزّوجلّ". ثمّ بَكي، فَقلتُ: "يا رسولَ اللهِ ما يبكيك؟" فقالَ "يا علي، أبكى لِما يستحلّ مِنك في هذا الشّهر. كأنّي بِك وأنتَ تُصلّي لِرَبّك وقد انبَعَثَ أشقَى الأولينَ شَقيقَ عاقِرِ ناقَهِ ثمود، فَضَرَبَك ضربَةً علَى قَرَنِك فَخَضّبَ منها لِحيتَك". قالَ اميرُالمؤمنينَ عليه السّلام: فَقلتُ: "يا رسولَ اللهِ، وذلك في سَلامَةٍ مِن دِيني؟" فقال صلى الله عليه وآله: "في سلامة من دينك". ثمّ قالَ صلّى الله عليه وآله: "يا علي، مَن قَتلك فَقد قَتلَنِي، ومَن أبغَضَك فَقَد أبغَضَني، ومَن سَبّك فَقَد سَبّنِي، لأنّك مِنّي كنَفسِي، روحُك مِن روحي، وطِينتُك مِن طينتِي، إنّ الله تبارك وتعالى خَلقنِي واياك، وأصطَفانِي واياك، وأختارَني للنبوّة، وأختارَك لِلإمامَةِ، ومَن أنكرَ امامَتَك فَقَد أنكرَ نُبُوّتِي". ******* بحار الانوار ج 96 ص 157/ عيون اخبار الرضا ج1 ص295 النص الكامل لخطبتي العقيلة الحوراء في الكوفة والشام - 9 2012-07-16 15:09:57 2012-07-16 15:09:57 http://arabic.irib.ir/programs/item/9312 http://arabic.irib.ir/programs/item/9312 بسم الله الرحمن الرحيم "الحمدلله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين من الأوّلين والآخرين. اللّهمّ العن أوّل ظالم ظلم حق محمد وآل محمد وآخر تابع له على ذلك... اللهمّ العن العصابة التي جاهدت الحسين (عليه السلام) وشايعت وبايعت وتابعت على قتله... اللهم العنهم جميعاً". قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حديث ولادة الصديقة الصغرى زينب بنت أمير المؤمنين (عليهما السلام)- مخاطباً أمّها الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء (عليها السلام): ... يا بضعتي وقرّة عيني، إنّ من بكى عليها- يعني السيدة زينب (عليها السلام)- وعلى مصائبها يكون ثواب بكائه كثواب من بكى على أخويها...[1] لقد عاشت عقيلة الطالبيين ولبوءة الهاشميين كلّ ما جرى على أصحاب الكساء الخمسة من مصائب ومحن... ولكنها صبرت! سجدَ البلاءُ لزينبَ مستسلمولصبرها ألقى القيادَ وأسلَم تطاولوا على جدّها الرسول (صلى الله عليه وآله) وكفروا وصادروا نبوته في آخر ساعة من عمره الشريف فقالوا: إنه يهجُر... وزينب (عليها السلام) تسمع وترى ولكنها صبرت! وعدوا على أبيها أمير المؤمنين (عليه السلام) فغصبوه الخلافة وقيّدوه بحمائل سيفه... وزينب (عليها السلام) تسمع وترى، ولكنها صبرت! هتكوا حرمة بيت أمّها وغصبوا حقها وخمسها وإرثها، وأحرقوا عليها دارها، وكسروا ضلعها وأسقطواجنينها، وضربوها -على رؤوس الأشهاد- حتى احمرّت عينها وبقي أثر السوط في عضُدها كالدُّملج.. فقضت نحيلة تئن من آلامها وأشجانها... وزينب (عليها السلام) تسمع وترى، ولكنها صبرت! ... قتلوا سبط النبي (صلى الله عليه وآله) -جهاراً نهاراً- فمضى أخوها المحسن الشهيد (عليه السلام) إلى ربه مخضباً بدمه، وبعدُ أكفانُ النبي (صلى الله عليه وأله) لم تجف... وزينب (عليها السلام) تسمع وترى، ولكنها صبرت! وتجرّعت الغصص مع أبيها (عليهما السلام) يوم خرج عليه الناكثون والقاسطون والمارقون... ووقفت تنتظر أباها الذي قلع باب خيبر وجبّن الشجعان وجندل الأبطال، وهو محمول على الأكفّ وقد خضبت شيبته الكريمة من دم رأسه المقدّس، والسماء تصرخ والأرض ترتجف وأبواب الكوفة تصطفق.. وزينب (عليها السلام) تسمع وترى، ولكنها صبرت! ورجعت مع أخيها السبط الأكبرالحسن المجتبى (عليه السلام) وقد خلفت وراءها ذكريات الأسى والشجى في الكوفة لتستقبل ذكريات المدينة بما فيها من أحزان جدّها وأمّها وأبيها... ولتودع أخاها الإمام الحسن (عليه السلام) وهو يرحل إلى الآخرة مظلوماً مسموماً مسلوباً مجروحاً شهيداً... وزينب (عليها السلام) تسمع وترى، ولكنها صبرت! وأخيراً... جاءت كربلاء... ورجعت مرّة أخرى الى العراق لترى من آيات ربّها الكبرى في سيد الشهداء ومن كان معه... وزينب (عليها السلام) تسمع وترى، ولكنها صبرت! وفي الكوفة! اجتمع الناس بين شامت ونادم، وتغطرس اللئيم ابن زياد فشمت وتكبّر وعتا عتوا كبيراً... وزينب (عليها السلام) تسمع ولم تر إلا جميلاً، فصبرت ولكنها نطقت!! فكانت تفرغ على لسان أمير المؤمنين (عليه السلام). وفي الشام... هز القرد الأموي أعطافه جذلان مسروراً، وظنّ أنه قد أخذ بثار آبائه وأجداده، ومزق نحر الحسين (عليه السلام) -ريحانة النبي (صلى الله عليه وآله)- فقطع صوت التوحيد وأباد رجال الحقّ، فلم يبق من حماة الدين أحد... فتعدّى طوره وانتفخ فوق حجمه وتجاسر وطغى وعتا عتوّاً كبيراً... وزينب (عليها السلام) تسمع وترى... فصبرت، ولكنها نطقت!! فكانت تفرغ على لسان النبي الأمين (صلى الله عليه وآله) يوم الغدير، ولسان فاطمة الزهراء (عليها السلام) سيدة نساء العالمين يوم صرخت في وجه الظالمين، ولسان امير المؤمنين (عليه السلام) يوم هدر بالشقشقية، ولسان الحسن المجتبى (عليه السلام) يوم دخول معاوية الكوفة، ولسان سيّد الشهداء (عليه السلام) يوم أقام الحجة على العالمين ولسان سيد الساجدين (عليه السلام) يوم أخرس يزيد اللعين.. صرخت السيّدة -أخت الحسين (عليهما السلام)-، فأرخت بلغتها وبلاغتها لقيام سيّد شباب أهل الجنة، وكانت الكلمة الأخيرة في القيام الحسيني -في مرحلة القتال- لها (عليه السلام)... فلنتصور الجوّ الذي نطقت فيه عقيلة الهاشميّين، وشريكة الحسين (عليهما السلام)... ثمّ لنستمع إلى ما تقول... ثمّ لنحفظ... السيد علي السيد جمال أشرف 25/4/1431 خطبة السيدة زينب (عليها السلام) في الكوفةروى الطبرسي في "الاحتجاج" عن حذيم بن شريك الأسدي. وابن طيفور في "بلاغات النساء" عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) قال: لما أتى علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) بالنسوة من كربلاء، وكان مريضاً. وإذا نساء أهل الكوفة ينتدِبنَ مشقَّقات الجيوب، والرّجال معهن يبكون! فقال زين العابدين (عليه السلام) بصوت ضئيل. وقد نهكته العلة: "إن هؤلاء يبكون علينا! فمن قتلنا غيرهم؟!" فأومأت [2] زينب بنت علي بن أبي طالب (عليهم السلام) إلى الناس بالسكوت. قال حذيم الأسديّ: لم أر –والله- خفِرَة[3] قطّ أنطق منها. كأنها تنطق وتفرغ [4] على لسان علي (عليه السلام). وقد أشارت إلى الناس بأن أنصتوا، فارتدت الأنفاس. وسكنت الأجراس. ثمّ قالت -بعد حمد الله تعالى والصلاة على رسوله (صلى الله عليه وآله)-: أمّا بعد. يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر[6]والخذل[7]،ألا فلا رقأت[8]العبرة[9]،ولا هدأت الزفرة[10]،إنما مَثلُكم كمثل التي {نقضَت غزلَها مِن بعدِ قوّةٍ أنكاثاً تتخذونَ أيْمانَكمدخَلاً بينَكم.{ هل فيكم إلا الصّلَفُ والعُجبُ والشَّنْفُ والكذبُ. وملَقُالإماءِ. وغمزُ[11]الأعداءِ. أو كمرعى على دِمنة. أو كفضة على ملحودة[12]،ألا بئس ما قدمت لكم أنفسكم أن سخِط الله عليكم. وفي العذاب أنتم خالدون. أتبكون أخي؟! أجل! والله فابكوا. فإنكم أحرى[13] بالبكاء. فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فقد اأبليتُم بعارها، ومُنيتم[14] بشنارها[15]، ولن ترحَضُوها[16] أبداً. وأنى ترحَضون قتلَ سليل خاتم النبوة، ومعدن الرسالة، وسيد شباب أهل الجنة، وملاذ حربكم، ومعاذ[17] حزبكم ومقرّ سلمكم، وآسي كلْمِكم[18]، ومفزع نازلتكم[19]، والمرجع إليه عند مقاتلتكم ومَدَرَة[20] حججكم،ومنار محجتكم[21]. ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم. وساء ما تزرون[22] ليوم بعثكم. فتَعساً تَعساً.[23] ونَكساً نَكساً،[24] لقد خاب السعي، وتبت[25] الأيدي، وخسرت الصفقة، وبؤتم[26] بغضب من الله وضربت عليكم الذلة والمسكنة. أتدرون -ويلكم- أي كبد لمحمد (صلى الله عليه وآله) فرثتم؟![27] وأي عهد نكثتم؟! وأي كريمة له أبرزتم؟! وأي حرمة له هتكتم؟! وأي دم له سفكتم؟! "لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً{89} تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً {90}" (سورة مريم) لقد جئتم بها شوْهاءَ[28] صلعاءَ[29] عنقاءَ[30] سوداءَ فقماءَ[31] خرقاءَ[32]، كطلاع الأرض[33]، أو ملءِ السماء. أفعجِبتُم أن تمطرَ السماء دماً {ولَعذابُ الآخرةِ أخزى وهُم لا يُنصرونَ}. فلا يستخفَّنَّكم[34] المَهَلُ[35]، فإنه عزوجل لا يَحفَزُه[36] البِدار[37]، ولا يخشى عليه فوتُ الثارِ، كلا إن ربك لنا ولهم لبالمرصاد. ثمّ أنشأت (عليها السلام) تقول: ماذا تقولونَ إذ قال النبي لكم ماذا صنعتُم وأنتم آخرُ الأمم بأهل بيتي وأولادي وتكرمتي منهم أسارى ومنهم ضُرِّجوا بدم ما كان ذاك جزائي إذ نصحتُ لكم أن تخلُفوني بسوء في ذوي رحمي إني لأخشى عليكم أن يحِلَّ بكم مثل العذاب الذي أوْدى على إرم ثمّ ولت (عليها السلام) عنهم. قال حذيمٌ: فرأيت الناس حيارى قد ردّوا أيديهم في أفواههمْ. فالتفت إلي شيخٌ في جانبي يبكي. وقد اخضلِّت لحيته بالبكاء. ويده مرفوعة إلى السماء. وهو يقول: "بأبي وأمي، كهولُكم خيرُ كهول. ونساؤكم خيرُ نساء. وشبابكم خيرُ شباب. ونسلكم نسلٌ كريمٌ. وفضلكم فضلٌ عظيمٌ." ثم أنشد: كهولكم خيرُ الكهول ونسلُكمإذا عدّ نسلٌ لا يبور ولا يخزى فقال عليّ بن الحسين (عليهما السلام): "يا عمة، اسكتي ففي الباقي من الماضي اعتبارٌ. وأنت بحمد الله عالمة غيرُ معلمة، فهِمة غير مفهَّمة"[38]... خطبة السيدة زينب (عليها السلام) في الشام برواية الشيخ الطبرسي (رحمه الله) روى الشيخ الطبرسي في الاحتجاج: قال: روى شيخٌ صدوقٌ من بني هاشم وغيره من الناس، أنه: لما دخل عليّ بن الحسين (عليهما السلام) وحرمه على يزيد -لعنه الله-. وجيء برأس الحسين (عليه السلام) ووضُع بين يديه في طست، فجَعل يضربُ ثناياه بمخصرة[39] كانت في يده. وهو يقول: لعبت هاشمُ بالملكِ فلخبرٌ جاء ولا وحيٌ نزلليت أشياخي ببدر شهدوجزعَ الخزرج من وقع الأسل[40] لأهلوا واستهلوا فرحولقالوا يا يزيد لا تشلّفجزيناهُ ببدر مثلوأقمْنا مِثلَ بدرٍ فاعتدللست من خَندفَ[41] إن لم أنتقِممن بني أحمدَ ما كان فعل فلما رأت زينب (عليها السلام) ذلك، فأهوت إلى جيبها فشقته. ثمّ نادت بصوت حزين تقرع[42] القلوب: "يا حسيناه! يا حبيب رسول الله! يابن مكة ومنى! يابن فاطمة الزهراء سيدة النساء! يابن محمدٍ المصطفى!" قال: فأبكت والله كلّ من كان. ويزيد ساكت! ثمّ قامت على قدميها. وأشرفت[43]على المجلس. وشرعت في الخطبة. إظهاراً لكمالات محمد (صلى الله عليه وآله).وإعلاناً بأنا نصبر لرضاء الله، لا لخوفٍ، ولا دهشةٍ. فقامت إليه زينب بنت علي (عليهما السلام) وأمها فاطمةبنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقالت: الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ على جدي سيدالمرسلين (صلى الله عليه وآله). صدق الله -سبحانه- كذلك يقول: ثمَّ كانَ عاقبةَ الذينَ أساؤا السُّوأى أنْ كذبُوابآياتِ اللهِ وكانوا بها يستَهزؤونَ"}.[44] أظننت -يا يزيد- حين أخذت علينا أقطارَ[45]الأرض، وضيَّقت علينا آفاقَ السّماء، فأصبحنا لك في إسار[46]، نُساق إليك سوقاً في قطار[47]، وأنت علينا ذو اقتدار[48]، أنَّ بنا من الله هواناً[49]. وعليك منه كرامة وامتناناً. وأن ذلك لعِظَم خطرك[50]، وجلالة قدرك، فشمخت بأنفك[51]، ونظرت في عطفك[52]، تضرب أصدَرَيْك[53] فرحاً، وتنقض مِذرَوَيك[54] مرحاً، حين رأيت الدنيا لك مستوسِقة[55]. والأمور لديك متسِقة، وحين صفا لك مُلكُنا، وخلَصَ[56] لك سلطاننا! فمهلاً مهلاً، لا تطِش[57] جهلاً! أنسيت قول الله عز وجل: وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ"(سورة آل عمران178)}[58].أمِنَ العدل يا ابن الطلقاء[59]؟! تخديرُك[60] حرائرَك وإماءَك، وسوْقك بنات رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبايا، قد هتكتَ ستورَهنّ، وأبديتَ وجوهَهنّ، يحدُوا[61] بهنّ الأعداءُ من بلدٍ إلى بلدٍ. ويستَشْرفهن[62] أهل المناقل[63]. ويبرُزنَ لأهل المناهل[64]. ويتصفحُ[65] وجوهَهنّ القريب والبعيد. والغائب والشهيد، والشريف والوضيع[66]، والدني[67] والرفيع ليس معهن مِن رجالِهن ولي. ولا من حُماتِهن حميٌ، عتواً[68] منك على الله ، وجحوداً[69] لرسول الله (صلى الله عليه وآله). ودفعاً لما جاء به من عند الله. ولا غرو[70] منك، ولا عجب من فعلك، وأنى يُرتجى الخير ممن لفظ فوه أكباد الشهداء. ونبَتَ لحمُه بدماء السعداء. ونصبَ الحربَ لسيد الأنبياء. وجمع الأحزاب، وشهَرَ الحراب[71]، وهز السيوف في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله. أشدّ العرب لله جحوداً، وأنكرهم له رسولاً، وأظهرهم له عدواناً، وأعتاهم على الربّ كفراً وطغياناً. ألا إنها نتيجة خلال[72] الكفر، وضبٍ[73] يُجرجَر[74] في الصدر لقتلى يوم بدرٍ. فلا يستبطئ في بغضنا أهل البيت من كان نظرُه إلينا شنَفاً[75] وشنآناً[76] وإحَناً[77] وأظغاناً[78]، يُظهر كفره برسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويُفصح[79] ذلك بلسانه، وهو يقول فرحاً بقتل وُلدِه، وسبي ذريته، غير مُتحَوِّب[80] ولا مستعظم، يهتف بأشياخه: لأهلّوا واستهلّوا فرَح ولقالوا يا يزيدُ لا تشلْ منحنياً على ثنايا أبي عبد الله -وكان مُقَبَّل[81] رسول الله -صلى الله عليه وآله- ينكُتها[82] بمِخصرتِه، قد التمع السرور بوجهه. لعمري[83]! لقد نكأتَ القرحَة[84]، واستأصلتَ[85] الشأفة[86]، بإراقتِك[87] دمَ سيد شباب أهل الجنة، وابن يعسوبِ[88] الدين والعربِ، وشمس آل عبد المطلب. وهتفتَ بأشياخِك، وتقرّبت بدمهِ إلى الكفرة من أسلافِك[89]. ثمّ صرَختَ بندائك -ولعمري- لقد ناديتهم لو شهدوك[90]! ووشيكاً[91] تشهدُهم، ولم يَشهدوك، ولتوَدّ يمينك -كما زعمت- شَلّت[92] بك عن مرفقها وجَذت[93]، وأحببتّ أمَّك لم تحملْك، وإياك لم تلد. أو حين تصير إلى سخط الله، ومخاصمك رسول الله (صلى الله عليه وآله). اللهمّ خُذ بحقنا، وانتقِم[94] من ظالمنا، واحلُلْ[95] غضبك على من سفك[96] دماءَنا ونقض[97] ذِمارَنا[98]، وقتل حُماتِنا[99]، وهتكَ[100] عنا سدولَنا[101]. وفعلت فعلتك التي فعلتَ، وما فريتَ[102] إلا جِلدك، وما جزَزتَ[103] إلا لحمَك. وسترد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما تحمَّلتَ من دم ذريته. وانتهكتَ من حرمته، وسفكتَ من دماء عترتِه ولُحَمته[104]، حيث يَجمع به شملُهم[105]، ويلمَّ به شعَثهم[106]، وينتقِم من ظالمِهم، ويأخُذ لهم بحقهِم من أعدائهم. فلا يستفزنَّك[107] الفرحُ بقتلهم. "وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ"(سورة آل عمران169-170)وحسبك بالله ولياً وحاكماً، وبرسول الله (صلى الله عليه وآله) خصماً[108]. وبجبرئيل ظهيراً[109] وسيعلم من بوَّأك[110] ومكّنك[111] من رقاب المسلمين أن "بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً"(سورة الكهف 50) وأيُّكم شرٌ مكاناً وأضلّ سبيلاً. وما استصغاري[112] قدرَك[113]، ولا استعظامي تقريعَك[114] توهماً لانتجاع[115] الخطابِ فيك بعد أن تركتَ عيونَ المسلمين به عبرى[116]، وصدورَهم عند ذكرهِ حرّى[117]، فتلك قلوبٌ قاسية، ونفوسٌ طاغية، وأجسامٌ محشوة بسخطِ الله ولعنةِ الرسول، قد عشّش[118] فيه الشيطان، وفرّخ، ومِن هناك مثلُك ما درجَ ونهضَ. فالعجبُ كلّ العجب لقتل الأتقياء، وأسباط الأنبياء، وسليل[119] الأوصياء، بأيدي الطلقاء الخبيثة. ونسل العهَرَة[120] الفجَرَة[121]، تنطِفُ[122] أكفهم من دمائنا وتتحلّبُ[123] افواهُهم من لحومنا، تلك الجثثُ الزاكية على الجيوب الضاحية[124]، تنتابها[125] العواسِل[126] وتعَفرُها[127] أمهات الفراعِل[128]. فلئن اتخذتنا مغنَم[129] لتجدُ بنا وشيكاً مغرَماً[130] حين لا تجدُ إلا ما قدّمتْ يداك، وما الله بظلام للعبيد، فإلى الله المشتكى والمعوّلُ، وإليه الملجأ والمؤمَّلُ. ثمّ كِد[131] كيدَك، واجْهَد جَهدَك[132]، فوالله الذي شرّفنا بالوحي والكتابِ والنبوة والانتجابِ[133]، لا تُدرك أمدَنا[134]، ولا تبلُغ غايتنا، ولا تمْحو ذِكرَنا، ولا يُرحَضُ[135] عنك عارنا[136]. وهل رأيُك إلا فند[137]، وأيامُك إلا عددٌ، وجمعُك إلا بددٌ[138]، يوم يناد المنادي: ألا لعنَ اللهُ الظالمَ العادي[139]. والحمدُ لله الذي حكمَ لأوليائه بالسعادة، وختمَ لأصفيائه بالشهادة، ببلوغ الإرادة، ونقلَهُم إلى الرحمة والرأفة، والرضوان والمغفرة، ولم يَشقَ[140] بهم غيرُك، ولا ابتلى بهم سواك. ونسأله أن يُكمل لهم الأجرَ، ويَجْزلَهُم[141] الثوابَ والذخر، ونسأله حسنَ الخلافة، وجميلَ الإنابة، إنه رحيمٌ ودودٌ. فقال يزيد مجيباً لها: يا صيحة تُحمَدُ من صوايحما أهونَ الموتَ على النوائح[142]   خطبة السيدة زينب (عليها السلام) برواية السيد ابن طاووس (رحمه الله) في اللهوف ... قال: وجعل يزيد يتمثل بأبيات ابن الزبعري: ليتَ أشياخي ببدر شهِدو جزعَ الخزرج من وقع الأسَل لأهلّوا واستهلّوا فرح ثمّ قالوا يا يزيدُ لا تشلّ قد قتلنا القومَ من ساداتهم وعدلْناهُ ببدر فاعتدَل لعِبت هاشمُ بالمُلك فل خبرٌ جاءَ ولا وحيٌ نَزل لستُ من خندفَ إن لم أنتقِم من بني أحمدَ ما كان فعل قال الرّاوي: فقامت زينب بنت علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، فقالت: "الحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله وآله أجمعين". صدق الله سبحانه كذلك يقول: "ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون"(سورة الروم10) أظننتَ يا يزيد حيث أخذتَ علينا أقطارَ الأرض، وآفاقَ[143] السماء، فأصبحنا نُساق كما تساق الأسرى، أنَّ بنا هواناً عليهِ، وبك عليهِ كرامة، وأن ذلك لعِظَم خطَرك عندَه، فشمَختَ بأنفك، ونظرتَ في عِطفِك، جذلانَ مسروراً، حيث رأيتَ الدنيا لك مستوثقة، والأمورَ متسقة، وحين صفا لك مُلكُنا وسلطانُنا. فمهلاً مهلاً! أنسيتَ قول الله تعالى: وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ"(سورة آل عمران178) أمِنَ العدل يا ابن الطلقاء! تخديرُك حرائرَك وإماءَك، وسوْقك بناتِ رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبايا. قد هتكتَ سُتورَهنَّ، وأبديتَ وُجوهَهنَّ، تحْدو بهن الأعداءُ من بلدٍ إلى بلدٍ، ويَستشرفُهُنَّ أهلُ المناهلِ والمناقلِ، ويَتصفحُ وُجوهَهنَّ القريبُ والبعيد، والدنيُّ والشريف. ليسَ معَهنَّ من رجالِهنَّ وليٌ، ولا مِن حُماتِهنَّ حميٌ، وكيف يُرتجى مراقبة[144] من لفظَ فوه أكبادَ الأزكياء، ونبَت لحمُه من دماءِ الشهداء، وكيف يستبطئ في بغضِنا أهلَ البيت مَن نَظرَ إلينا بالشنَفِ والشنئان والإحَن والأضْغان. ثمّ تقول غير مُتأثم ولا مُستعظم: لأهلّوا واستهلّوا فرحثمّ قالوا يا يزيدُ لا تشلّ منتحياً على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة تنكُتها بمِخصَرتَِك! وكيف لا تقول ذلك، وقد نكأت القرحة، واستأصَلتَ الشأفة بإراقتك دماءَ ذرية محمد (صلى الله عليه وآله)، ونجوم الأرض من آل عبد المطلب، وتهتِفُ بأشياخِك! زعمتَ أنك تناديهم، فلتردَنَّ وشيكاً موردَهم، ولتودَّنَّ أنك شلَلتَ وبكَمْتَ،ولم تكن قلتَ ما قلتَ، وفعلتَ ما فعلت. اللهُمَّ خُذ لنا بحقنا، وانتقِم من ظالِمنا، وأحلِل غضبَك بمَن سفكَ دماءَنا، وقتل حُماتنا. فواللهِ ما فرَيتَ إلا جِلدَك. ولا حزَزتَ[145] إلا لحمَك، ولتردَنَّ على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما تحمَّلتَ من سفكِ دماءِ ذرّيَته، وانتهكتَ من حرمتِه في عترتِه ولُحمته، حيث يجمعُ الله شملَهم، ويلمَّ شعَثهُم، ويأخذَ يحقهِم "وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ"(سورة آل عمران169) وحسبُك باللهِ حاكماً، وبمحمدِ (صلى الله عليه وآله) خَصيماً، وبجَبرئيلَ ظهيراً، وسيعلمُ مَن سوَّلَ لك، ومكّنَك مِن رقابِ المسلمينَ "بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً"(سورة الكهف 50). وأيَّكم شرٌ مكاناً وأضعفُ جنداً. ولئنْ جرّتْ عَليَّ الدّواهي مخاطبَتكَ، إنّي لأستصْغِرُ قدرَك، وأستعظِمُ تقريعَك، وأستكثِرُ توبيخَك[146]، لكنَّ العيونَ عبرى، والصّدورَ حرّى. ألا فالعجبُ كلَّ العجبِ! لِقتل حزبِ الله النجباءِ بحزبِ الشيطان الطلقاءِ. فهذه الأيدي تنطِفُ من دمائنا. والأفواهُ تتحلّبُ من لحومِنا. وتلك الجثثُ الطواهرُ الزواكي تنتابُها العواسِلُ. وتعفرُهاأمهات الفراعِلُ. ولئنِ اتخذتنا مغنَماً لتجدَنا وشيكاً مغرماً، حين لا تجد إلا ما قدّمتْ يداك، "وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ"(سورة فصلت46) فإلى اللهِ المشتكى، وعليهِ المعوَّلُ، فكِد كيدَك، واسعَ سعيَك، وناصبْ جُهدَك، فوالله، لا تمْحو ذكرَنا، ولا تميتُ وحيَنا، ولا تدرك أمَدَنا، ولا ترحَضُ عنكَ عارَها. وهل رأيُك إلا فندٌ، وأيّامُك إلا عددٌ، وجمعُك إلا بَددٌ، يوم يُنادي المنادي: ألا لعنة اللهِ على الظالمين. فالحمد للهِ ربِّ العالمين الذي ختمَ لأوَّلنا بالسعادةِ والمغفرة. ولآخرنا بالشهادةِ والرحمة. ونسأل الله أن يكمِلَ لهُمُ الثوابَ، ويُوجبَ لهُمُ المزيدَ، ويُحسِنَ علينا الخِلافة، إنَّهُ رحيمٌ ودودٌ، وحسبُنا اللهُ ونِعَم الوكيلُ. فقال يزيد لعنه الله: يا صيحة تُحمَدُ مِن صوائحما أهونَ النوحَ على النوائح [1]ناسخ التواريخ/ السيدة زينب (عليها السلام): 47. [2]أومات إليه: أي أشرت. [3]الخفر: شدّة الحياء، وامرأة خفرة:حيية. [4]الفرغ: السعة والسيلان، ويفرغ: يصبّ. [5]الختل: التخادع عن غفلة، والمراوغة. [6]الغدر: ترك الوفاء ونقض العهد. [7]الخذل: ترك الإعانة والنصرة. [8]رقاً الدمع والدم: انقطع بعد جريانه. [9]العبرة: الدمعة [10]الزفير: خروج الهواء من الرئتين، وهو عكس الشهيق الذي هو إدخال النفس حتى تنتفخ الضلوع منه. والاسم الزفرة، والزفر من شدة الأنين وقبيحه. الصلف: مجاوزة قدر الظرف والبراعة والادعاء فوق ذلك. وصلِفٌ: ثقيل الروح، والصلَف: قلة الخير. [11]الغمز: الاشارة بالعين والحاجب والجفن، والغميز والغميزة: ضعف في العمل وجهلة في العقل. ورجل غمز أي ضعيف. والغميزة:العيب، والمغموز:المتهم. والمغمز: المطمع. [12]الملحود كاللحد صفة غالبة، واللحد: الشق الذي يكون في جانب القبر موضع الميت. [13]الحري: الخليق والجدير. [14]منيت بكذا: ابتليت. [15]الشنار: العيب والعار. [16]الرحض: الغسل، أي لن تغسلوها. [17]عاذ يعوذ ومعاذاً: لاذ به ولجاً إليه واعتصم. [18]أي مداوي جرحكم. [19]النازلة: الشديدة من شدائد الدهر تنزل بالقوم. [20]المدرة: زعيم القوم وخطيبهم والمتكلم عنهم، والذي يرجعون إلى رأيه، والميم زائدة. [21]المحجة بفتح الميم: جادة الطريق. [22]الوزر بالكسر فالسكون: الحمل والثقل، وكثيراً ما يطلق في الحديث على الذنب والإثم. [23]التعس: أن لا ينتعش العاثر من عثرته، وأن ينكس في سفال، والتعس: الانحطاط والهلاك. [24]النكس: قلب الشيء على رأسه، نكسه ينكسه نكساً، ونكس رأسه إذا طأطأه من ذل. [25]التباب: الخسران والهلاك، وتبت الأيدي: أي خسرت. [26]بؤتم: أي رجعتم. [27]الفرث: تفتيت الكبد بالغم والأذى. وفي بعض النسخ: "فريتم". [28]الشوهاء:قبيحة المنظر. [29]الصلعاء: الداهية الشديدة، والصلع: ذهاب الشعر من مقدّم الرأس إلى مؤخره. [30]عنقاء: مرتفعة طويلة، والعنقاء: بينة العنق أيضاً. [31]الفقماء: المائلة الحنك، والفقم:هو أن يخرج أسفل اللحي ويدخل أعلاه، ثم كثر حتى صار كل معوج أفقم، وقيل الفقم في الفم أن تتقدم الثنايا السفلى فلا تقع عليها العليا إذا ضمّ الرجل فاه. [32]امرأة خرقاء: مثقوبة الأذن ثقباً واسعاً، وناقة خرقاء: لا تتعهد مواضع قوائمها. وريح خرقاء: لا تدوم على جهتها في هبوبها، وقيل: الخرقاء: امرأة غير صناع ولا لها رفق، فإذا بنت بيتاً انهدم سريعاً. [33]طلاع الأرض: ملؤها. [34]لا يستخفنك: لا يستفزنك ولا يستجهلنك، واستخفه الفرح إذا ارتاح لأمر. [35]المهل: الانظار والتأجيل وعدم المعاجلة. [36]الحفز: الحث والإعجال. [37]بدرت إلى الشيء أبدر بدوراً: أسرعت، ويقال: ابتدر القوم أمراً وتبادروه أي بادر بعضهم بعضاً إليه أيهم يسبق إليه فيغلب عليه، وبادر فلان فلاناً مولياً ذاهباً في فراره. [38]الاحتجاج: 2/109، بلاغات النساء: 37، الأمالي للطوسي: 91 مج 3 ح 51، الأمالي للمفيد: 320 مج 38، اللهوف: 146، المناقب لابن شهر آشوب: 4/115. [39]المخصر: بكسر الميم وسكون المعجمة: كالسوط أو كلّ ما أمسكه الإنسان بيده من عصا ونحوها. [40]الأسل في الأصل: الرماح الطوال وحدّها، ويطلق على كلّ ما أرق من الحديد وحدّد من سيف وسكين وسنان. [41]خندف: امرأة الياس بن مضر، واسمها ليلى، نسب ولد إلياس اليها. (لسان العرب). [42]القرع: الضرب بشدّة. [43]أشرفت عليه: اطلعت عليه من فوق. [44]الروم: 10. [45]أقطار: جمع قطر: وهو الناحية والجانب. [46]الإسار: بالكسر، مصدر أسرته أسراً وإساراً، وهو أيضاً: الحبل والقيد الذي يشدّ به الأسير. [47]القطار: أن تشد الإبل على نسق واحداً خلف واحد. [48]الاقتدار على الشيء: القدرة عليه. [49]الهوان: نقيض العز، هان يهون هواناً، وهو هين وأهون، وأهانه وهونه واستهان به وتهاون به: استخف به. [50]الخطر بالتحريك: القدر والمنزلة، ومنه في وصف الأئمة (عليهم السلام): ما أجلّ خطركم: أي ما أعظم قدركم ومنزلتكم عند الله. [51]شمخ بأنفه: أي ارتفع وتكبّر. [52]عطف الشيء: جانبه، وعطفا الرجل: جانباه عن يمين وشمال، وشقاه من لدن رأسه إلى وركه، والجمع أعطاف. [53]أصدريه: منكبيه، والأصدران:عرفان يضربان تحت الصدغين، لا يفرد لهما واحد، وجاء يضرب أصدريه إذا جاء فارغاً. [54]المذروان: جانبا الإليتين، وجاء فلان ينفض مذرويه: إذا جاء باغياً يتهدد. (النهاية). [55]استوسق: استوسق لك الأمر إذا أمكنك، واستوسقت: اجتمعت وانضمّت. [56]خلص فلان إلى كذا: أي وصل إليه. [57]الطيش: خفة العقل، والنزق والخفة، وطاش السهم عن الهدف يطيش طيشاً إذا عدل عنه ولم يقصد الرمية. [58]آل عمران: 178. [59]الطلقاء بضم الطاء وفتح اللام والمد: هم الذين خلّي عنهم يوم فتح مكة وأطلقهم ولم يسترقهم، واحدهم طليق فعيل بمعنى مفعول، وهو الأسير إذا خلي سبيله. [60]الخدر: ستر يمدّ للجارية في ناحية البيت ثم صار كلّ ما واراك من بيت ونحوه خدراً. [61]حدا الابل وحدا بها يحدو حدوا: زجرها خلفها وساقها. [62]لاستشراف: أن تضع يدك على حاجبك كالذي يستظل من الشمس حتى يتبين الشيء فتطالعه وتراه جيداً. [63]المنقلة: المنزل من مراحل السفر، والمناقل: المراحل، والمنقل: الطريق في الجبل. [64]المنهل: المورد، وهو عين ما ترده الإبل في المراعي، وتسمى المنازل التي في المفاوز على طريق السُفّار مناهل، لأن فيها ماء. [65]صفح القوم وتصفحهم: نظر إليهم طالباً لإنسان، وصفح وجوههم وتصفحها: نظرها متعرفاً لها، وتصفحت وجوه القوم إذا تأملت وجوههم تنظر إلى حلاهم وصورهم وتتعرف أمرهم. [66]الوضيع من الناس: الدنيء. [67]الدنيء: الخسيس من الرجال. [68]عتواً: أي تكبراً وتجبراً. [69]الجحود هو الإنكار مع العلم، يقال: جحد حقه جحداً وجحوداً: أي أنكره معلمه بثبوته. [70]الغرو: العجب، ولا غرو:أي ليس بعجب. [71]الحراب جمع الحربة: الألة دون الرمح. [72]الخلال: الخصال جمع خلة مثل الخصلة. [73]الضب: دابة برية. [74]الجرجرة: صوت يردده البعير في حنجرته. وقوله في الخبر "يجرجر في بطنه نار جهنم" أي يلقي في بطنه، يقال: جرجر فلان من الماء في حلقه: إذا تجرعه جرعاً متتابعاً له صوت، وجررت الحبل جرا: سحبته. [75]الشنف، بالتحريك: شدة البغض والتنكر. [76]الشنآن: البغض مع الكراهة والتجنب. [77]الإحَن جمع الإحنة بكسر الفاء: وهي الضغائن، يقال: في صدره عليّ إحنة أي حقد. وأحن الرجل: حقد وأظهر العداوة. [78]الضغن والضغينة: الحقد، وهو ما في القلوب مستكن من العداوة، وتضاغن القوم واضطغنوا: انطووا على الأحقاد. [79]أفصح عن الشيء إذا بينه وكشفه وأظهره. [80]التحوّب التأثم من الشيء، يقال: يتحوّب من كذا أي يتأثم. [81]مقبل: موضع القبلة والقبلة: اللثمة معروفة، والجمع القبل وفعله التقبيل. [82]النكت: قرعك الارض بعود أو بقضيب، فتؤثر بطرفه فيها. [83]لعمري: أي أقسم بعمري، والعمر: الحياة. [84]نكأت القرحة أنكأها: قشرتها، وجرحتها. [85]استأصل الشيء:إذا قطعه من أصله. [86]شأفة الرجل أهله وماله، والشأفة: الأصل، واستأصل شأفته: أي أصله. [87]إراقه الماء ونحوه: صبه. [88]اليعسوب: أمير النحل وكبيرهم وسيدهم، والنحل تلوذ بيعسوبها، وتتبعه وهو مقدّمها وسيدها. [89]أسلافك: أي آباؤك المتقدّمون. [90]شهدوك: أي حضروك واطلعوا عليك وعاينوك. [91]وشيكاً: أي سريعاً. [92]الشلل: يبس اليد وذهابها، وفسادها وقطعها. [93]الجذ: كسر الشيء الصّلب، والقطع السريع المستأصل. [94]انتقم منه أي عاقبه، والاسم منه النقمة، وهي الأخذ بالعقوبة. [95]احلل: أنزل. [96]سفك الدم: صبّه وأراقه. [97]النقض: ضد الإبرام، وهو إفساد ما أبرمت من عقد أو بناء، والنقض نقض البناء والحبل والعهد. [98]الذمار: هو كلّ ما يلزمك حفظه وحياطته وحمايته والدفع عنه وإن ضيعه لزمه اللوم. والذمار الحرم والأهل. [99]حميته حماية: إذا دفعت عنه ومنعت. [100]هتك الستر: تمزيقه وخرقه، وقد هتكته فانهتك أي فضحته. [101]السدول: ما جلل به الهودج من الثباب. [102]أفريت الأوداج: قطعتها، وأفرى أوداجه بالسيف: شقها. [103]الجزّ: القطع. [104] اللحمة بالضم: القرابة. [105]الشمل: الاجتماع، وجمع الله شملهم أي ما تشتت من أمرهم. [106]الشعث بالتحريك: انتشار الأمر يقال: لم الله شعثك: أي جمع أمرك المنتشر. [107]يستفزنك: أي يستخفنك. [108]الخصومة:الجدل. خاصمه خصاماً ومخاصمة فخصمه يخصمه خصماً:غلبه بالحجة. [109]الظهير: المعين. [110]بوأت للرجل منزلا: هيأته له. [111]مكنته من الشيء تمكيناً: جعلت له عليه سلطاناً وقدرة. [112]استصغره: عده صغيراً. [113]القدر: المنزلة والشرف. [114]التقريع: التأنيب والتعنيف، وهو الايجاع باللوم، وقرعت الرجل إذا وبخته وعذلته. [115]نجع فيه القول والخطاب والوعظ: عمل فيه ودخل وأثر. [116]العين العبرى: الباكية. [117]أي حارة ملتهبة بالحزن. [118]أي اتخذه الشيطان عشاً، والعش: ما يتخذه الطائر في رؤوس الأشجار للتفريخ. [119]السليل الولد. [120]العهرة: جمع عاهر، والعاهر الفاجر الزاني، من العهر بالسكون والتحريك: الزنا والفجور. [121]فجر الرجل بالمرأة يفجر فجوراً: زنا. وفجرت المرأة: زنت. ورجل فاجرٌ من قوم فجّار وفجرة. [122]تنطف أي تقطر، وينطف إذا قطر قليلاً قليلاً. [123]الحلب: استخراج ما في الضرع من اللبن، وتحلّب العرق وانحلب: سال ، وتحلب بدنه عرقاً: سال عرقه. [124]الضاحية: البارزة للشمس الظاهرة لها. [125]انتابت السباع المنهل: رجعت إليه مرة بعد أخرى. [126]العاسل: الذئب، والجمع العسّل والعواسل. [127]التعفير: التمريغ بالتراب. [128]الفرعل: ولد الضبع، وقيل: هو ولد الوبر من ابن آوى، والجمع فراعل. [129]الغنم: الفوز بالشيء من غير مشقة. [130]المغرم كالغرم: وهو الدين ويريد به ما استدين فيما يكرهه الله تعالى، ثم عجز عن أدائه. [131]الكيد: الخبث والمكر، والكيد: الاحتيال والاجتهاد. [132]أجهد جهدك في هذا الأمر: أي أبلغ غايتك. [133]الانتجاب:الاصطفاء والاختيار. [134]الأمد: هو نهاية البلوغ، لا تدرك أمدنا أي لا تبلغ غايتنا. [135]الرحض:الغسل، أي لا يغسل عنك. [136]العار: السبة والعيب، وقيل: هو كلّ شيء يلزم به سبة أو عيب. [137]الفند: الخطأ في الرأي والقول، والفند: الخرف وإنكار القعل من الهرم أو المرض أو غير ذلك. [138]التبديد: التفريق، وبدد: أي متفرق. [139]العادي: الظالم الذي يقصد الناس بالقتل والجرح. [140]يشق: من الشقاء، وهو ضد السعادة. [141]أجزلت لهم في العطاء: أي أكثرت. [142]الاحتجاج: 2/34-37. [143]الأفق: الناحية، والجمع آفاق، ومنه: آفاق السماء لنواحيها. [144]الرقيب: المنتظر، والمراقبة: الانتظار، والرقيب: الحافظ والحارس. [145]حززت: أي قرضت. [146]التوبيخ: التهديد والتأنيب واللوم. خطبتا العقيلة زينب(ع) في الكوفة والشام - 8 2012-07-18 14:48:20 2012-07-18 14:48:20 http://arabic.irib.ir/programs/item/3978 http://arabic.irib.ir/programs/item/3978 خطبتها عليها السلام في الكوفة لقد أوضحت ابنة أمير المؤمنين (عليه السلام) للناس خبث ابن زياد ولؤمه في خطبتها، بعد ان أومأت الى ذلك الجمع المتراكم فهدؤوا حتى كانّ على رؤوسهم الطير. وليس في وسع العدد الكثير ان يسكن ذلك اللغط او يرد تلك الضوضاء لولا الهيبة الالهية والبهاء المحمدي الذي جلل عقيلة آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). فيقول الرواي: لما أومأت زينب ابنة علي (عليه السلام) الى الناس فسكنت الأنفاس والأجراس، فعندها اندفعت بخطابها مع طمأنينة نفس، وثبات جاش، وشجاعة حيدرية، فقالت (صلوات الله عليها): (الحمد لله والصلاة على أبي محمد وآله الطيبين الاخيار، اما بعد يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر، أتبكون فلا رقأت الدمعة، ولا هدات الرنة، انما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثاً، تتخذون أيمانكم دخلا بينكم، الا وهل فيكم الا الصلف(1) والنطف(2)، والعجب والكذب والشنف(3)، وملق الاماء(4)، وغمز الأعداء(5)، او كمرعى على دمنة، او كقصة على ملحودة، ألا بئس ما قدمت لكم انفسكم ان سخط الله عليكم، وفي العذاب انتم خالدون. أتبكون وتنتحبون، اي والله فابكوا كثيراً، واضحكوا قليلاً، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها، ولن ترحضوها بغسل بعدها ابداً، وأنى ترحضون، قتل سليل خاتم النبوة، ومعدن الرسالة ومدرة حجتكم، ومنار محجتكم، وملاذ خيرتكم، ومفزع نازلتكم. وسيد شباب أهل الجنة الا ساء ما تزرون. فتعساً ونكساً وبعداً لكم وسحقاً، فلقد خاب السعي، وتبت الايدي، وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضب من الله ورسوله، وضربت عليكم الذلة والمسكنة. ويلكم يا أهل الكوفة، أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم؟ وأي كريمة له أبرزتم؟ وأي دم له سفكتم؟ وأي حرمة له انتهكتم؟ لقد جئتم شيئاً اداً، تكاد السماوات يتفطرن منه، وتنشق الأرض، وتخر الجبال هدّاً! ولقد أتيتم بها خرقاء، شوهاء كطلاع الأرض، وملء السماء، افعجبتم ان مطرت السماء دماً، ولعذاب الآخرة اخزى وهم لا ينصرون، فلا يستخفنكم المهل، فانه لا يحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثار، وان ربكم لبالمرصاد) (6). فقال لها الإمام السجاد (عليه السلام): (اسكتي يا عمة، فأنت بحمد الله عالمة غير معلمة، فهمة غير مفهمة) (7). فقطعت (العقيلة) الكلام، فأدهشت ذلك الجمع المغمور بالتمويهات والمطامع، واحدث كلامها أيقاظا في الأفئدة ولفتة في البصائر وأخذت خطبتها من القلوب مأخذاً عظيماً وعرفوا عظيم الجناية فلا يدرون ما يصنعون!! وكما أشرنا ان السيدة زينب (عليها السلام) في الكوفة وفي وسط جماهيرها أومأت الى الناس ان اسكتوا، فارتدت الأنفاس، وسكنت الأجراس فما هو وجه سكوتهم مع كثرة ازدحام الناس، وشدة ضوضاء الجيش الفاتح - بتصورهم - وكثرة صخبهم، وما كانوا عليه من التطبيل والتزمير، والهتاف والشعار؟ قد يوجه ذلك بما يلي: 1. انها (عليها السلام) تصرفت فيهم تصرفاً تكوينياً، يعني: اعملت فيهم ما منحها الله تعالى من ولاية تكوينية، وقدرة ربانية، كما تصرف اخوها الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء بذلك في معسكر أهل الكوفة، حين استنصتهم ليعظهم ويتم عليهم الحجة فأبوا ان ينصتوا، واخذوا يثيرون الضوضاء والشغب، فأوما (عليه السلام) إليهم ان اسكتوا واسكنوا، فسكتوا وسكنوا حتى خيولهم ودوابهم، وذلك بتصرف تكويني منه (عليه السلام) فيهم. 2. انها (عليها السلام) - كما في التاريخ - كانت تفرغ عن لسان أبيها أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى ان السامع كان يظن ان المتكلم هو أمير المؤمنين (عليه السلام)، وحيث ان أهل الكوفة كانوا قد سمعوا كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) وتأثروا بخطبه البليغة أيام كان (عليه السلام) بين ظهرانيهم في الكوفة ثم حرموا منها، ولذلك لما فوجئوا بصوت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقرع مسامعهم اقبلوا على استماعه بكل وجودهم، فارتدت في صدروهم أنفاسهم، وسكنت عن الحركة أجسامهم، ويؤيد ذلك: التأثير الشديد الذي انطبع به أهل الكوفة من استماع خطبتها (عليها السلام) حتى ان الرواي يقول: واذا بشيخ كبير يبكي ويقول مكرراً: بابي انتم وامي، كهولكم خير الكهول، ونساؤكم خير النساء. 3. انها (عليها السلام) لعظيم بلاغتها، وكبير فصاحتها، وجميل بيانها، وعذب لسانها، استطاعت ان تسخر قلوب أهل الكوفة، وان تشل أبدانهم من الحركة، وأنفاسهم من التردد والخلجان. وهذا حذلم بن كثير من فصحاء العرب، اخذه العجب من فصاحة زينب (عليها السلام) وبلاغتها، وأخذته الدهشة من براعتها وشجاعتها الأدبية، حتى انه لم يتمكن ان يشبهها الا بأبيها سيد البلغاء والفصحاء، فقال: كانها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين(عليه السلام) (8). وهذه الخطبة رواها كل من كتب في وقعة الطف او في أحوال الحسين (عليه السلام). ورواها الجاحظ في كتابه البيان والتبيين عن حزيمة الاسدي قال: ورأيت نساء الكوفة يومئذ قياماً يندبن متهتكات الجيوب. ورواها ايضاً ابو الفضل احمد بن ابي طاهر طيفور في بلاغات النساء، وابو المؤيد الموفق بن احمد الخوارزمي في الجزء الثاني من كتابه مقتل الحسين (عليه السلام) وشيخ الطائفة في أماليه وغيرهم من أكابر العلماء. ومن بلاغتها وشجاعتها الادبية: ما ظهر منها (عليها السلام) في مجلس ابن زياد. قال السيد ابن طاووس وغيره: ان ابن زياد جلس في القصر واذن اذناً عاماً، وجيء برأس الحسين(عليه السلام) فوضع بين يديه، وأدخلت عليه نساء الحسين وصبيانه(9)، وجاءت زينب ابنة علي (عليه السلام) وجلست متنكرة فسأل ابن زياد من هذه المتنكرة؟ فقيل له: هذه زينب ابنة علي، فأقبل عليها فقال: الحمد لله الذي فضحكم وأكذب احدوثتكم. فقالت (عليها السلام): انما يفتضح الفاجر ويكذب الفاسق، هو غيرنا. فقال: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟ فقالت: ما رأيت الا خيراً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم, وسيجمع الله بينك وبينهم، فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك امك يا بن مرجانة. فغضب اللعين وهم ان يضربها، فقال له عمرو بن حريث: انها امرأة والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها. فقال لها ابن زياد (لعنه الله): لقد شفي الله قلبي من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك. فقالت: لعمري لقد قتلت كهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت اصلي، فان كان هذا شفاؤك فلقد اشتفيت. فقال لعنه الله: هذه سجاعة، ولعمري لقد كان أبوها سجاعاً شاعراً. فقالت: يا بن زياد ما للمرأة والسجاعة، وان لي عن السجاعة لشغلاً. *******خطبة السيدة زينب (ع) في الشامومن ذلك: خطبتها في مجلس يزيد بن معاوية في الشام(10) رواها جماعة من العلماء في مصنفاتهم، وهي من ابلغ الخطب وأفصحها، عليها أنوار الخطب العلوية وأسرار الخطبة الفاطمية (عليهم السلام). قال: روى الصدوق من مشايخ بني هاشم وغيره: انه لما دخل علي بن الحسين (عليه السلام) وحرمه على يزيد جيء برأس الحسين(عليه السلام) ووضع بين يديه في طشت، وجعل يضرب ثناياه بمخصرة كانت في يده وهو يقول: ليت أشياخي ببدر شهدواجزع الخزرج من وقع الاسللأهلوا واستهلوا فرحاًثم قالوا يا يزيد لا تشلقد قتلنا القرم من ساداتهموعدلناه ببدر فاعتدللعبت هاشم بالملك فلاخبر جاء ولا وحي نزللست من خندف ان لم انتقممن بني احمد ما كان فعلفقامت زينب بنت علي بن أبي طالب، وأمها فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالت: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله سبحانه حيث يقول: «ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون»(11). أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الارض وآفاق السماء، فاصبحنا نساق كما تساق الأسراء ان بنا هواناً على الله وبك عليه كرامة، وان ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك، تضرب أصدريك فرحاً، وتنفض مذوريك مرحاً، جذلان مسروراً، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة، والأمور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، وفمهلاً مهلاً، أنسيت قول الله تعالى: «وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهُمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ»(12). أمن العدل يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرك واماءك، وسوقك بنات رسول الله سبايا، قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، تحدو بهن الأعداء من بلد الى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل والمعاقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والدني والشريف، ليس معهن من حماتهن حمي ولا من رجالهن ولي، وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه اكباد الازكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء، وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر الينا بالشنف والشنأن، والاحن والأضغان ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم: لأهلوا واستهلوا فرحاًثم قالوا يا يزيد لا تشلمنحنياً على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك وكيف لا تقول ذلك، وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأقة، بإراقتك دماء ذرية محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ونجوم الأرض من آل عبد المطلب وتهتف بأشياخك زعمت انك تناديهم فلتردن وشيكاً موردهم ولتودن انك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت. اللهم خذ لنا بحقنا، وانتقم ممن ظلمنا، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا، وقتل حماتنا. فوالله ما فريت الا جلدك، ولا حززت الا لحمك، ولتردن على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بما تحملت من سفك دماء ذريته وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم، ويلم شعثهم، يأخذ بحقهم «وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»(13). وحسبك بالله حاكماً، وبمحمد صلى الله عليه وآله خصيماً، وبجبرئيل ظهيراً، وسيعلم من سول لك ومكنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلاً وأيكم شر مكاناً، واضعف جنداً. ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك، اني لاستصغر قدرك واستعظم تقريعك، واستكثر توبيخك، لكن العيون عبرى، والصدور حرى. الا فالعجب كل العجب، لقتل حزب الله النجباء، بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، والأفواه تتحلب من لحومنا وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل، وتعفرها أمهات الفراعل ولئن اتخذتنا مغنما، لتجدنا وشيكاً مغرماً، حين لا تجد الا ما قدمت يداك وما ربك بظلام للعبيد، والى الله المشتكى وعليه المعول. فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك الا فند وايامك الا عدد، وجمعك الا بدد، يوم ينادي المنادي الا لعنة الله على الظالمين. والحمد لله رب العالمين، الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله ان يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة، انه رحيم ودود، وحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ»(14). واعلم: ان بلاغة زينب (عليها السلام) وشجاعتها الادبية ليس من الأمور الخفية، وقد اعترف بها كل من كتب في وقعة كربلاء ونوه بجلالتها اكثر أرباب التاريخ. ولعمري ان من كان ابوها علي بن ابي طالب الذي ملأت خطبه العالم وتصدى لجمعها وتدوينها اكابر العلماء، ومن امها فاطمة الزهراء صاحبة خطبة فدك الكبرى، وصاحبة الخطبة الصغرى التي القتها على مسامع نساء قريش ونقلها النساء لرجالهن. نعم ان من كانت كذلك فحرية بان تكون بهذه الفصاحة والبلاغة، وان تكون لها هذه الشجاعة الادبية والجسارة العلوية. ويزيد الطاغية يوم ذاك هو السلطان الاعظم، والخليفة الظاهري على عامة بلاد الإسلام تؤدي له الجزية الفرق المختلفة والامم المتباينة، في مجلسه الذي اظهر فيه ابهة الملك، وملاه بهيبة السلطان، وقد جردت على رأسه السيوف، واصطفت حوله الجلاوزة وهو واتباعه على كراسي الذهب والفضة وتحت ارجلهم الفرش من الديباج والحرير. وهي (صلوات الله عليها) في ذلة الاسر، دامية القلب باكية الطرف، حرى الفؤاد من تلك الذكريات المؤلمة والكوارث القاتلة، قد أحاط بها أعداؤها من كل جهة، ودار عليها حسادها من كل صوب. ومع ذلك كله ترمز للحق بالحق، وللفضيلة بالفضيلة فتقول ليزيد غير مكترثة بهيبة ملك، ولا معتنية بأبهة سلطانه: أمن العدل يا بن الطلقاء، وتقول له أيضاً: ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك اني لاستصغر قدرك، واستعظم تقريعك، واستكثر توبيخك. فهذا الموقف الرهيب الذي وقفت به هذه السيدة الطاهرة مثل الحق تمثيلاً، واضاء الى الحقيقة لطلابها سبيلاً، وافحمت يزيد ومن حواه مجلسه المشوم بذلك الاسلوب العالي من البلاغة وابهت العارفين منهم بما اخذت به مجامع قلوبهم من الفصاحة، فخرست الألسن، وكمت الأفواه، وصمت الأذان، وكهربت تلك النفس النورانية القاهرة منها (عليها السلام) تلك النفوس الخبيثة الرذيلة من يزيد واتباعه بكهرباء الحق والفضيلة، حتى بلغ به الحال انه صبر على تكفيره وتكفير اتباعه، ولم يتمكن من ان يقطع كلامها او يمنعها من الاستمرار في خطابها، وهذا هو التصرف الذي يتصرف به ارباب الولاية متى شاءوا وارادوا، بمعونة الباري تعالى لهم، واعطائهم القدرة على ذلك. *******(1) الصلف: بفتحتين الذي يتمدح بما ليس عنده. (2) والنطف: القذف بالفجور. (3) الشنف: المبغض بغير حق. (4) الملق: التذلل (5) الغمز: الطعن بالشر. (6) نقلنا الخطبة من امالي الشيخ الطوسي وامالي ابنه واللهوف وابن نما وابن شهر آشوب واحتجاج الطبرسي. (7) احجاج الطبرسي ص166 ط النجف. (8) بحار الانوار ج45 ص165 ب39 ح8. (9) وفي رواية المفيد رحمه الله: فادخل عيال الحسين بن علي (عليه السلام) على ابن زياد فدخلت زينب اخت الحسين في جملتهم متنكرة وعليها ارذل ثيابها، ومضت حتى جلست ناحية وحفت بها إماؤها فقال ابن زياد لعنه الله: من هذه التي انحازت فجلست ناحية معها نساؤها؟ فلم تجبه زينب، فأعد ثانية يسأل عنها، فقالت له بعض امائها: هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله، فاقبل عليها ابن زياد فقال لها الحمد لله. (10) رواها ابو الفضل احمد بن ابي طاهر طيفور في كتابه بلاغات النساء والخوارزمي في المقتل. (11) سورة الروم: الآية 10. (12) سورة آل عمران: الآية 178. (13) سورة آل عمران: الآية 169. (14) بلاغات النساء ص35 كلام زينب بنت علي بن ابي طالب (عليه السلام). ******* وصية الامام علي(ع) لكميل بن زياد النخعي - 7 2007-12-25 00:00:00 2007-12-25 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3859 http://arabic.irib.ir/programs/item/3859 روي في كتاب بشارة المصطفى(1): أخبرنا الشيخ أبو البقاء إبراهيم بن الحسين بن إبراهيم البصري بقراءتي عليه في المحرم سنة ست عشر وخمسمائة بمشهد مولينا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، عن أبي طالب محمد بن الحسن بن عتبة، عن أبي الحسن محمد بن الحسين ابن أحمد، عن محمد بن وهبان الدبيلي، عن علي بن أحمد بن كثير العسكري، عن أحمد بن أبي سلمة محمد بن كثير(2) عن أحمد بن أحمد بن الفضل الأصفهاني، عن أبي راشد بن علي بن وائل القرشي، عن عبد الله بن حفص المدني، عن أبي(3) محمد بن إسحاق، عن سعيد بن زيد بن أرطاة قال: لقيت كميل بن زياد وسألته عن فضل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: ألا أخبرك بوصية أوصاني بها يوما هي خير لك من الدنيا بما فيها؟ فقلت: بلى. فقال: أوصاني يوماً فقال لي: يا كميل ابن زياد سم كل يوم باسم الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وتوكل على الله، واذكرنا وسم بأسمائنا، وصل علينا واستعذ بالله ربنا وادرأ بذلك عن نفسك(4) وما تحوطه عنايتك(5) تكف شر ذلك اليوم إن شاء الله. يا كميل إن رسول الله صلى الله عليه وآله أدبه الله عز وجل وهو أدبني وأنا أؤدب المؤمنين وأورث الأدب المكرمين. يا كميل ما من علم إلا وأنا أفتحه وما من سر إلا والقائم عليه السلام يختمه. يا كميل ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. يا كميل لا تأخذ إلا عنا تكن منا. يا كميل ما من حركة إلا وأنت محتاج فيها إلى معرفة(6). يا كميل إذا أكلت الطعام فسم باسم الله الذي لا يضر مع اسمه داء وهو الشفاء من جميع الأدواء(7). يا كميل إذا أكلت الطعام فواكل به، ولا تبخل به فإنك لم ترزق الناس شيئا، والله يجزل لك الثواب بذلك. يا كميل أحسن خلقك وأبسط جليسك(8) ولا تنهرن خادمك يا كميل إذا أنت أكلت فطول أكلك ليستوفى من معك ويرزق منه غيرك. يا كميل إذا استوفيت طعامك فاحمد الله على ما رزقك، وارفع بذلك صوتك ليحمده سواك، فيعظم بذلك أجرك. يا كميل لا توقرن معدتك طعاماً ودع فيها للماء موضعاً وللريح مجالاً(9). يا كميل لا تنقد طعامك فان رسول الله صلى الله عليه وآله لا ينقده. يا كميل لا ترفعن يدك من الطعام إلا وأنت تشتهيه فإذا فعلت ذلك فأنت تستمرئه(10). يا كميل صحة الجسم من قلة الطعام وقلة الماء. يا كميل البركة في المال من إيتاء الزكاة ومواساة المؤمنين، وصلة الأقربين وهم الأقربون [لنا]. يا كميل زد قرابتك المؤمن على ما تعطي سواه من المؤمنين وكن بهم أرأف وعليهم أعطف، وتصدق على المساكين. يا كميل لا تردن سائلا ولو بشق تمرة أو من شطر عنب. يا كميل الصدقة تنمى عند الله. يا كميل حسن خلق المؤمن من التواضع، وجماله التعفف، وشرفه الشفقة وعزه ترك القال والقيل(11). يا كميل إياك والمراء فإنك تغري بنفسك السفهاء إذا فعلت وتفسد الإخاء. يا كميل إذا جادلت في الله تعالى فلا تخاطب إلا من يشبه العقلاء وهذا [قول] ضرورة. يا كميل هم على كل حال سفهاء كما قال الله تعالى "أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ"(12). يا كميل في كل صنف قوم أرفع من قوم، وإياك ومناظرة الخسيس منهم، وإن أسمعوك فاحتمل وكن من الذين وصفهم الله تعالى بقوله "وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا"(13). يا كميل قل الحق على كل حال، ووازر المتقين، واهجر الفاسقين. يا كميل جانب المنافقين، ولا تصاحب الخائنين. يا كميل إياك إياك والتطرق إلى أبواب الظالمين والاختلاط بهم والاكتساب منهم وإياك أن تطيعهم وأن تشهد في مجالسهم بما يسخط الله عليك. يا كميل إذا اضطررت إلى حضورهم فداوم ذكر الله تعالى والتوكل عليه واستعذ بالله من شرهم، واطرق عنهم(14) وأنكر بقلبك فعلهم، واجهر بتعظيم الله تعالى لتسمعهم فإنهم يهابوك وتكفي شرهم. يا كميل إن أحب ما امتثله العباد إلى الله بعد الاقرار به وبأوليائه عليهم السلام التجمل والتعفف والاصطبار. يا كميل لا بأس بأن لا يعلم سرك. يا كميل لا ترين الناس افتقارك واضطرارك، واصطبر عليه احتسابا بعز وتستر. يا كميل لا بأس بأن تعلم أخاك سرك. يا كميل ومن أخوك؟ أخوك الذي لا يخذلك عند الشدة ولا يغفل عنك عند الجريرة(15) ولا يخدعك حين تسأله ولا يتركك وأمرك حتى تعلمه فإن كان مميلا أصلحه(16). يا كميل المؤمن مرآة المؤمن [لأنه] يتأمله، ويسد فاقته، ويجمل حالته. يا كميل الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، ولا شيء آثر عند كل أخ من أخيه(17). يا كميل إذا لم تحب أخاك فلست أخاه. يا كميل إنما المؤمن من قال بقولنا، فمن تخلف عنا قصر عنا، ومن قصر عنا لم يلحق بنا، ومن لم يكن معنا ففي الدرك الأسفل من النار. يا كميل كل مصدور ينفث فمن نفث إليك منا بأمر أمرك بستره فإياك أن تبديه(18) فليس لك من إبدائه توبة فإذا لم تكن توبة فالمصير إلى لظى(19). يا كميل إذاعة سر آل محمد عليهم السلام لا يقبل الله تعالى منها ولا يحتمل أحدا عليها. يا كميل وما قالوه لك مطلقا فلا تعلمه إلا مؤمناً موفقاً(20). يا كميل لا تعلموا الكافرين من أخبارنا فيزيدوا عليها فيبدو كم بها [إلى] يوم يعاقبون عليها. يا كميل لا بد لماضيكم من أوبة(21) ولابد لنا فيكم من غلبة. يا كميل سيجمع الله تعالى لكم خير البدء والعاقبة. يا كميل أنتم ممتعون بأعدائكم، تطربون بطربهم، وتشربون بشربهم، وتأكلون بأكلهم، وتدخلون مداخلهم، وربما غلبتم على نعمتهم إي والله على إكراه منهم لذلك، ولكن الله عز وجل ناصركم وخاذلهم، فإذا كان والله يومكم، وظهر صاحبكم لم يأكلوا والله معكم، ولم يردوا مواردكم، ولم يقرعوا أبوابكم، ولم ينالوا نعمتكم أذلة خاسئين أينما ثقفوا اخذوا وقتلوا تقتيلاً. يا كميل احمد الله تعالى والمؤمنون على ذلك وعلى كل نعمة. يا كميل قل عند كل شدة لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم تكفها. وقل عند كل نعمة الحمد لله تزد منها، وإذا أبطأت الأرزاق عليك فاستغفر الله يوسع عليك فيها. يا كميل إذا وسوس الشيطان في صدرك فقل: أعوذ بالله القوي من الشيطان الغوي وأعوذ بمحمد الرضي من شر ما قدر وقضى، وأعوذ بإلله الناس من شر الجنة والناس أجمعين وسلم تكفي مؤونة إبليس والشياطين معه ولو أنهم كلهم أبالسة مثله. يا كميل إن لهم خدعا وشقاشق(22) وزخازف ووساوس وخيلاء على كل أحد قدر منزلته في الطاعة والمعصية، فبحسب ذلك يستولون عليه بالغلبة. يا كميل لا عدو أعدى منهم ولا ضار أضر بك منهم، أمنيتهم أن تكون معهم غدا إذا اجتثوا في العذاب [الأليم] (23) لا يفتر عنهم بشرره، ولا يقصر عنهم خالدين فيها أبداً. يا كميل سخط الله تعالى محيط بمن لم يحترز منهم باسمه ونبيه وجميع عزائمه وعوذه جل وعز وصلى الله على نبيه وآله وسلم. يا كميل إنهم يخدعونك بأنفسهم، فإذا لم تجبهم مكروا بك وبنفسك بتحسينهم إليك شهواتك(24) وإعطائك أمانيك وإرادتك ويسولون لك، وينسونك، وينهونك ويأمرونك، ويحسنون ظنك بالله عز وجل حتى ترجوه فتغتر بذلك فتعصيه وجزاء العاصي لظى. يا كميل احفظ قول الله عز وجل "الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ"(25) والمسؤول الشيطان والمملي الله تعالى. يا كميل أذكر قول الله تعالى لإبليس لعنه الله "وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا"(26). يا كميل إن إبليس لا يعد عن نفسه، وإنما يعد عن ربه ليحملهم على معصيته فيورطهم. يا كميل إنه يأتي لك بلطف كيده فيأمرك بما يعلم أنك قد ألفته من طاعة لا تدعها فتحسب أن ذلك ملك كريم، وإنما هو شيطان رجيم، فإذا سكنت إليه واطمأننت حملك على العظائم المهلكة التي لا نجاة معها. يا كميل إن له فخاخا ينصبها فاحذر أن يوقعك فيها(27). يا كميل إن الأرض مملوة من فخاخهم فلن ينجو منها إلا من تشبث بنا وقد أعلمك الله أنه لن ينجو منها إلا عباده وعباده أولياؤنا. يا كميل وهو قول الله عز وجل "إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ" وقوله عز وجل "إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ"(28). يا كميل انج بولايتنا من أن يشركك في مالك وولدك كما امر. يا كميل لا تغتر بأقوام يصلون فيطيلون، ويصومون فيداومون، ويتصدقون فيحسبون أنهم موقوفون(29). يا كميل أقسم بالله لسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن الشيطان إذا حمل قوما على الفواحش مثل الزنى، وشرب الخمر، والربا، وما أشبه ذلك من الخنى(30) والمأثم حبب إليهم العبادة الشديدة، والخشوع، والركوع، والخضوع والسجود ثم حملهم على ولاية الأئمة الذين يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون. يا كميل إنه مستقر ومستودع(31) واحذر أن تكون من المستودعين. يا كميل إنما تستحق أن تكون مستقرا إذا لزمت الجادة الواضحة التي لا تخرجك إلى عوج ولا تزيلك عن منهج ما حملناك عليه و[ما] هديناك إليه. يا كميل لا رخصة في فرض ولا شدة في نافلة. يا كميل إن الله عز وجل لا يسألك إلا عما فرض وإنما قدمنا عمل النوافل بين أيدينا للأهوال العظام والطامة يوم القيامة. يا كميل إن الواجب لله أعظم من أن تزيله الفرائض والنوافل وجميع الأعمال وصالح الأموال (32) ولكن من تطوع خيرا فهو خير له. يا كميل إن ذنوبك أكثر من حسناتك، وغفلتك أكثر من ذكرك، ونعم الله عليك أكثر من كل عملك. يا كميل إنه لا تخلو من نعمة الله عز وجل عندك وعافيته فلا تخل من تحميده وتمجيده، وتسبيحه، وتقديسه، وشكره، وذكره على كل حال. يا كميل لا تكونن من الذين قال الله عز وجل "نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ" (33) ونسيهم إلى الفسق "أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ". يا كميل ليس الشأن أن تصلي وتصوم وتتصدق إنما الشأن أن تكون الصلاة فعلت بقلب نقي وعمل عند الله مرضي وخشوع سوي، وإبقاء للجد فيها. يا كميل عند الركوع والسجود وما بينهما تبتلت العروق والمفاصل حتى تستوفى [ولاء] إلى ما تأتي به من جميع صلواتك. يا كميل انظر فيم تصلي، وعلى ما تصلي، إن لم تكن من وجهه وحله فلا قبول. يا كميل إن اللسان يبوح من القلب(34) والقلب يقوم بالغذاء، فانظر فيما تغذي قلبك وجسمك، فإن لم يكن ذلك حلالا لم يقبل الله تعالى تسبيحك ولا شكرك. يا كميل افهم واعلم أنا لا نرخص في ترك أداء الأمانات لاحد من الخلق فمن روى عني في ذلك رخصة فقد أبطل وأثم وجزاؤه النار بما كذب، أقسم لسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لي قبل وفاته بساعة مراراً ثلاثاًً: يا أبا الحسن أد الأمانة إلى البر والفاجر فيما قل وجل حتى في الخيط والمخيط. يا كميل لا غزو إلا مع إمام عادل، ولا نفل(35) إلا مع إمام فاضل. يا كميل أرأيت لو لم يظهر نبي(36) وكان في الأرض مؤمن تقي أكان في دعائه إلى الله مخطئا أو مصيباً بلى والله مخطئا حتى ينصبه الله عز وجل [لذلك] ويؤهله له. يا كميل الدين لله فلا تغترن بأقوال الأمة المخدوعة التي قد ضلت بعد ما اهتدت، وأنكرت وجحدت بعد ما قبلت. يا كميل الدين لله تعالى فلا يقبل الله تعالى من أحد القيام به إلا رسولاً أو نبياً أو وصياً. يا كميل هي نبوة ورسالة وإمامة ولا بعد ذلك إلا متولين، ومتغلبين، وضالين، ومعتدين. يا كميل إن النصارى لم تعطل الله تعالى، ولا اليهود، ولا جحدت موسى ولا عيسى، ولكنهم زادوا ونقصوا وحرفوا وألحدوا فلعنوا ومقتوا ولم يتوبوا ولم يقبلوا. يا كميل "إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ". يا كميل إن أبانا آدم لم يلد يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا ولا كان ابنه إلا حَنِيفًا مُّسْلِمًا، فلم يقم بالواجب عليه فأداه ذلك إلى أن لم يقبل الله قربانه بل قبل من أخيه فحسده وقتله وهو من المسجونين في الفلق الذين عدتهم اثنا عشر: ستة من الأولين، وستة من الآخرين، والفلق الأسفل من النار (37)، ومن بخاره حر جنهم، وحسبك فيما حر جهنم من بخاره. يا كميل نحن والله الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ . يا كميل إن الله عز وجل كريم حليم عظيم رحيم دلنا على أخلاقه، وأمرنا بالأخذ بها، وحمل الناس عليها فقد أديناها غير مختلفين، وأرسلناها غير منافقين، وصدقناها غير مكذبين، وقبلناها غير مرتابين، لم يكن لنا والله شياطين نوحي إليها، وتوحي إلينا كما وصف الله تعالى قودا ذكرهم الله عز وجل بأسمائهم في كتابه لو قرء كما أنزل "شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا"(38). يا كميل الويل لهم فسوف يلقون غيا. يا كميل لست والله متملقا حتى أطاع ولا ممنا حتى أعصى(39) ولا مهانا لطعام الاعراب حتى أنتحل إمرة المؤمنين(40) أو أدعي بها. يا كميل نحن الثقل الأصغر والقرآن الثقل الأكبر، وقد أسمعهم رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد جمعهم فنادى الصلاة جامعة يوم كذا وكذا، وأيام سبعة وقت كذا وكذا، فلم يتخلف أحد فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: معاشر الناس إني مؤد عن ربي عز وجل ولا مخبر عن نفسي فمن صدقني فقد صدق الله، ومن صدق الله أثابه الجنان، ومن كذبني كذب الله عز وجل، وكذب الله أعقبه النيران ثم ناداني فصعدت فأقامني دونه ورأسي إلى صدره والحسن والحسين عن يمينه وشماله، ثم قال: معاشر الناس أمرني جبرئيل عن الله عز وجل أنه ربي وربكم أن أعلمكم أن القرآن هو الثقل الأكبر، وأن وصيي هذا وابناي من خلفهم من أصلابهم حاملا وصاياي هم الثقل الأصغر، يشهد الثقل الأكبر للثقل الأصغر ويشهد الثقل الأصغر للثقل الأكبر كل واحد منهما ملازم لصاحبه غير مفارق له حتى يردا إلى الله فيحكم بينهما وبين العباد. يا كميل فإذا كنا كذلك فعلام يتقدمنا من تقدم وتأخر عنا من تأخر؟ يا كميل قد أبلغهم رسول الله صلى الله عليه وآله رسالة ربه ونصح لهم، ولكن لا يحبون الناصحين. يا كميل قال رسول الله صلى الله عليه وآله لي قولا والمهاجرين والأنصار متوافرون يوما بعد العصر يوم النصف من شهر رمضان قائم على قدميه فوق منبره: علي [مني] وابناي منه والطيبون مني وأنا منهم وهم الطيبون بعد أمهم، وهم سفينة من ركبها نجى ومن تخلف عنها هوى الناجي في الجنة والهاوي في لظى. يا كميل الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. يا كميل على م يحسدوننا والله أنشأنا قبل أن يعرفونا فتراهم بحسدهم إيانا عن ربنا يزيلونا. يا كميل من لا يسكن الجنة فبشره بعذاب أليم وخزي مقيم وأكبال ومقامع وسلاسل طوال، ومقطعات النيران ومقارنة كل شيطان. الشراب صديد، واللباس حديد، والخزنة فظظة(41) والنار ملتهبة والأبواب موثقة مطبقة ينادون فلا يجابون ويستغيثون فلا يرحمون، نداهم يا مالك ليقض علينا ربك قال: إنكم ماكثون لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون. يا كميل نحن والله الحق الذي قال الله عز وجل: "وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ". يا كميل ثم ينادون الله تقدست أسماؤه بعد أن يمكثوا أحقابا اجعلنا على الرخاء فيجيبهم "اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ". يا كميل فعندها ييئسون من الكره، واشتدت الحسرة، وأيقنوا بالهلكة والمكث جزاء بما كسبوا عذبوا. يا كميل قل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين. يا كميل أنا أحمد الله على توفيقه إياي، والمؤمنين على كل حال. يا كميل إنما حظي من حظي بدينا زائلة مدبرة، فافهم وتحظى بآخرة باقية ثابتة. يا كميل كل يصير إلى الآخرة والذي يرغب فيه منها ثواب الله عز وجل والدرجات العلى من الجنة التي لا يورثها إلا من كان تقيا. يا كميل إن شيءت فقم. ******* المصدر: بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 74 - ص 266 – 273. (1) بشارة المصطفى ص 29 الطبعة الأولى. (2) في المصدر عن علي بن أحمد بن كثير العسكري، عن أحمد بن المفضل أبى سلمة الأصفهاني قال أخبرني أحمد بن راشد بن علي بن وائل القرشي. (3) في المصدر "عن محمد بن إسحاق". (4) في التحف وفى بعض النسخ من الكتاب "أدر بذلك على نفسك" وأدر امر من درى بالشيء أن توصل إلى عمله. (5) تحوطه: تحفظه، وتعهده عنايتك. (6) في بعض النسخ "إلى معونة". (7) في بعض النسخ "جميع الاسواء". (8) بسط الرجل -: سره. وفى المصدر "إلى جليسك" وفى بعض النسخ "لا تتهم خادمك". (9) "لا توقرن" أي لا تثقلن معدتك من الطعام. وفى بعض النسخ "لا توفرن" بالفاء. (10) استمرأ الطعام: استطيبه ووجده مرئيا. (11) القال والقيل - مصدران -: ما يقوله الناس. وقيل: القال الابتداء والسؤال والقيل الجواب. (12) البقرة: 13. (13) الفرقان: 64. (14) أطرق الرجل: سكت ولم يتكلم وأرخى عينه ينظر إلى الأرض. (15) الجريرة: الجناية، لأنها تجر العقوبة إلى الجاني. (16) المميل - اسم فاعل من أمال -: صاحب ثروة ومال كثير. (17) آثر أي أقدم وأكرم. (18) المصدور: الذي يشتكى من صدره. وينفث المصدور أي رمى بالنفاثة. المراد ان من ملا صدره من محبتنا وأمرنا لا يمكن له أن يقيها ولا يبرزها، فإذا أبرزها وأمر بسترها فاسترها. وفى بعض النسخ "فمن نفث إليك منا بأمر فاستره". (19) اللظى: النار ولهبها. (20) في المصدر "فلا يعلمه الا مؤمناً موفقاً". (21) الاوب: الرجوع، آب يؤوب من سفر رجع. (22) الشقاشق: جمع شقشقة وهي شيء يخرجه البعير من فيه إذا هاج. (23) اجتثوا أي اقتلعوا، وفى بعض النسخ "جثوا في العذاب". (24) في بعض النسخ "بتحبيبهم إليك". (25) محمد "ص": 27. (26) الاسراء: 66. (27) الفخاخ جمع فخ وهو آلة الصيد. (28) النحل: 102. (29) أي موقوفون ومسئولون عنها فحسب دون ولاية الأئمة. (30) الخنى: الفحش، والمأثم: الخطيئة. (31) يعنى به الايمان فإنه مستقر ومستودع. (32) كذا. ولعل معناه حقوق الله لا يؤدى بهذه الأمور فحسب. (33) سورة الحشر: 19. (34) باح إليه بالسر. أظهره. وفى بعض النسخ "ينزح". (35) النفل - محركة - الغنيمة. (36) في المصدر "لو أن الله لم يظهر نبياً". (37) الفلق - محركة - عود يربط حبل من أحد طرفيه إلى الاخر وتجعل رجل المجرم داخل ذلك الحبل وتشدا فيضرب عليهما. (38) الانعام: 112. (39) كذا وفى التحف "ولا ممنيا حتى لا اعصى". (40) انتحل الشعر أو القول ادعاه لنفسه. وانتحل مذهب كذا انتسب إليه. (41) الفظ: الغليظ، السئ الخلق. ******* رسالة الامام الكاظم(ع) في العقل - 6 2007-08-07 00:00:00 2007-08-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3390 http://arabic.irib.ir/programs/item/3390 قبل الحديث عن رسالة الإمام موسى (عليه السلام) في العقل التي تعد ثروة فكرية عظيمة، لابدّ لنا من الحديث عن منهج أهل البيت (عليهم السلام) في العقل. لأهل البيت (عليهم السلام) منهج علمي خاص لا يحيدون عنه، به يفسرون الأمور الدينية، وبه يقيسون المبادئ والآراء والمعتقدات والفلسفات وهو العقل السليم. بالعقل السليم يستدل على غيره ولا يستدل بغيره عليه. ولأهل البيت كلام كثير بهذا الموضوع ذكره الكليني في أول أصول الكافي منه: (إن الله جعل العقل دليلاً على معرفته.. ومن كان عاقلاً كان له دين... أعلم الناس بأمر الله أحسنهم عقلاً... العقل دليل المؤمن). وجاء في نهج البلاغة لأمير المؤمنين: (أغنى الغنى العقل). معنى هذا أن العقل هو المبدأ الأول لكل حجة ودليل، واليه تنتهي طرق العلم والمعرفة بكل شيء وكل حكم. والعقل هو القوة المبدعة التي منحها الله عزّ وجلّ إلى الإنسان وميّزه به على الحيوان الأبكم، وشرّفه على بقية الموجودات، واستطاع به أن يستخدم الكائنات، ويكشف أسرارها، وبالعقل جعله خليفة في الأرض، ينظّم الحياة عليها ويعمرها. وقد انتهى الإنسان بفضل عقله إلى غزو الفضاء والكواكب، وانطلق انطلاقة رائعة إلى اكتشافات مذهلة، وسيصل في مستقبله القريب أو البعيد إلى ما هو أعمق وأشمل من ذلك. إن كل حكم سواء أكان مصدره الوحي أم الحس والتجربة دليله العقل حيث لا وزن للسمع والبصر بلا عقل، ولا سبيل إلى العلم بمصدر الوحي إلا العقل ودلالته. وبصورة أوضح نحن نأخذ بحكم الوحي والشرع بأمر من العقل. أما حكم العقل فنأخذه ونعمل به، وإن لم ينص عليه الوحي والشرع، والخلاصة أن أبعد الناس عن الدين من يظن أن الدين بعيد عن العقل. وإن ما يقصد إليه هو العقل السليم. *******معنى العقل السليمالعاقل في اصطلاح القرآن الكريم وعند الناس هو الذي يضع الشيء في مكانه ويملك إرادة قوية فيحبس نفسه عما يشين بها ولا يستجيب لهواها إن يكُ مخالفاً للعقل وحكمه. قال تعالى: «وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ...»(1) وقال عزّ وجلّ: «يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ...» (2). وقال سبحانه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا» (3). وقال سبحانه وتعالى: «وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى» (4). يتضح من هذه الآيات الكريمات أن العاقل هو الذي ينقاد إلى حكم العقل، ويؤثره على هواه. وعليه يكون المراد بالعقل السليم: الإدراك النابع من العقل بالذات، العقل المستنير بالمعرفة والحق والإيمان، وليس من الجهل والتعصب والأهواء الشخصية!! وما نراه أن الرجل الواقعي الواعي لا يجزم بالفكرة الخاطفة العابرة، ولا ينطلق مع رغبته وإرادته قبل أن يتدبر ويتأمل، بل يتريّث ويملك نفسه ويبحث، حتى يهتدي إلى الرأي الناضج الأصيل. على العكس من الرجل العاطفي الذي يبتّ في الأمور برغبته وهواه قبل أن يفكر ملياً، وبتعبير أدق: يصدّق قبل أن يتصوّر. وسئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن العقل فقال: (ما عبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. قيل له: فالذي كان في معاوية؟ فقال: تلك الشيطنة وهي شبيهة بالعقل، وليست بالعقل). ويعني بقوله (عليه السلام) أن العقل لا يقود إلى الحرام كما يفعل الشيطان. والله سبحانه وتعالى بشّر أهل العقل والفهم في كتابه حيث قال: «وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ». (5). هذه الآية تعد من أوضح الآيات التي جاءت في العقول السليمة. والإمام (عليه السلام) استدل بهذه الآية الكريمة على تقديم أهل العقول السليمة على غيرهم لأن الله قد بشّرهم بالهداية والنجاح، وقد تضمنت الآية التي استشهد بها (عليه السلام) جملة من الفوائد منها: 1ـ وجوب الاستدلال: إذا وقف الإنسان على جملة من الأمور فيها الصحيح والفاسد، وكان في الصحيح هدايته وفي السقيم غوايته فإنّه يتحتم عليه أن يميز بينهما ليعرف الصحيح منها فيتبعه، والسقيم فيبتعد عنه، ومن الطبيعي أن ذلك لا يحصل إلا بإقامة الدليل والحجة، وبهذا يستدل على وجوب النظر والاستدلال في مثل ذلك. 2ـ حدوث الهداية: كما دلّت الآية على الهداية، فمن المعلوم أن كل عارض لابدّ له من موجد كما لابدّ له من قابل، أما الموجد للهداية فهو الله تعالى ولذلك نسبها إليه بقوله: «أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ»، وأما القابلون لها كلهم أهل العقول المستقيمة وإلى ذلك أشار بقوله سبحانه: «وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ». ومن المعلوم أن الإنسان يقبل الهداية من جهة عقله لا من جهة جسمه وأعضائه، فلو لم يكن كامل العقل لامتنع عليه حصول المعرفة والفهم كما هو ظاهر. إنّ من غرر أحاديث الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) في مجال العقل كمصدر معرفي أساس هو وصيّته الثمينة لهشام بن الحكم والتي سُمّيت برسالة العقل عند الإمام (عليه السلام)، وإليك نصّ الرسالة: إن الله تبارك وتعالى بشّر أهل العقل والفهم في كتابه العزيز فقال سبحانه: «فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ» (6). استدل (عليه السلام) بهذه الآية لترغيب الناس على اتباع القول الحسن، وهذه الفئة من الناس يبشرهم الله انهم على هداية منه وهم أصحاب العقول الراجحة، يميزون بنور عقولهم بين الكلام الخبيث فيتجنبونه والكلام الحسن فيتبعونه. ثم تابع (عليه السلام) القول لهشام: (يا هشام، قد وعظ أهل العقل ورغبهم في الآخرة). فقال عزّ وجلّ: «وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ» (7). وهنا أيضاً يرغّب الله تعالى عباده العقلاء في دار الخلود والنعيم، ويذم دار الدنيا لأنّها محصورة على الأكثر في اللهو واللعب، فالعقلاء يزهدون فيها، ويجتنبون شرّها وحرامها، ويعملون للدار الباقية التي أعدت للمتقين، والعباد الصالحين. يا هشام: ثم خوف الذين لا يعقلون عذابه فقال عزّ وجلّ: «ثُمَّ دَمَّرْنَا الآَخَرِينَ، وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَليْهِمْ مُصْبِحِينَ، وَبِاللَّيلِ أَفلاَ تَعْقِلونَ» (8) استدل (عليه السلام) بهذه الآية وما شابهها على تدميره تعالى للذين لا يعقلون من الأمم السالفة التي كفرت بالله وقد نزلت في قوم لوط حينما جحدوا الله وكفروا بآياته، فأنزل تعالى بهم عقابه، وجعل موطنهم قبيح المنظر منتناً يمر بها المارون ليلاً نهاراً ساخرين من أهلها حيث جعلهم عبرة للذين يعقلون، وقد حذّرهم من مخالفة المرسلين، الصالحين، فإن عاقبة المخالفة والعصيان الدمار والهلاك. ثم بين أن العقل مع العلم فقال سبحانه: «وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَ الْعَالِمُونَ» (9). استدل (عليه السلام) بالآية الكريمة على ملازمة العقل للعلم فإن العقل بجميع مراتبه لا يفترق عن العلم فكلاهما صنوان متلازمان. قال المفسرون عن سبب نزول هذه الآية: إن الكافرين انتقدوا ضرب الأمثال بالحشرات والهوام كالذباب والبعوض والعنكبوت... وفي نظرهم أن الأمثال يجب أن تضرب بغير ذلك من الأمور الهامة وفي نظرنا أن منطقهم هذا هزيل للغاية لأن التشبيه إنما يكون بليغاً فيما إذا كان مؤثراً في النفس. ثم ذم الذين لا يعقلون في فصل آخر لأن معرفة حقيقة الاشياء لا يميزها إلا العالمون الذين حصل لهم العلم والمعرفة «وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَ الْعَالِمُونَ». يا هشام: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ» (10). وقال سبحانه: «وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ» (11). ثم تابع في سرد الآيات الشبيهة بهذه وكلها تذم الذين لا يعقلون (12) استدل الإمام (عليه السلام) بهذه الآيات الكريمة على ذم من لا يعقل، ففي الآية الأولى من هذا الفصل يقول الطبرسي: لقد اتبع القوم أسلافهم ومشايخهم في الأمور الدينية من غير بصيرة ولا دليل، والذي حفزهم إلى اتباعهم الجهل والتعصب والغباوة وهذه الآية حسب رأي المفسرين نزلت في اليهود حينما دعاهم الرسول الأكرم إلى الإسلام فرفضوا ذلك، وقالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا فانهم كانوا خيراً منا (13). ولو كانت لهم عقول سليمة، وأفكار ناضجة لفقهوا أن التقليد في العقائد لا يقرّه العقل السليم، لأن العقيدة لا تؤخذ إلا من الدليل العلمي الصحيح، وهي أساس ثابت لحياة الإنسان وسلوكه. إذ ما من عاقل إلا وهو عرضة للخطأ في فكره، ولا ثقة في الدين إلا بما أنزل الله، ولا معصوم إلا من عصم الله، فكيف يرغب العاقل عما أنزل الله في اتباع الآباء مع دعواه الإيمان بالتنزيل؟؟! والآية الثانية متممة للآية الأولى: فإنّه تعالى لما وصف حالة الكفّار في إصرارهم على التقليد الأعمى عند دعوتهم إلى الإسلام، ضرب لهم مثلاً للسامعين عن حالم بأنهم كالأنعام والبهائم التي لا تعي دعاء الداعي لها سوى سماع الصوت منه دون أن تفهم المعنى، فكذلك حال هؤلاء لا يتأملون دعة الحق ولا يعونها، فهم بمنزلة الجاهلين لا يعقلون، وهذا أعظم قدح وذم للذين لا يعقلون. لأن الإنسان إذا اتهم بعقله فقد دنياه وآخرته. وفي الآية الثالثة: وصف سبحانه منتهى القسوة وجمود الطبع وخمول الذهن لبعض الكفار فهم يستمعون ما يتلى عليهم من الآيات والأدلة على صحة دعوة النبي (صلّى الله عليه وآله) ولكنهم صم بكم لا يسمعون ولا يفقهون، وبذلك لا جدوى ولا فائدة في دعوتهم إلى اعتناق هذا الدين؛ لقد بلغوا الحد الأقصى في أمراضهم العقلية والنفسية، ولا يجدي معهم أي نصح أو إرشاد أو علاج. وسنكتفي بهذا القدر من الآيات التي استدل بها (عليه السلام) على ذم من لا يعقل من الناس. والآن إلى فصل آخر من كلامه، قال (عليه السلام): (يا هشام: لقد ذم الله الكثرة فقال: «وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَ يَخْرُصُونَ» (14). وقال سبحانه أيضاً: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ» (15). استدل (عليه السلام) بهاتين الآيتين على ذم أكثر الناس لأنهم قد حجبوا عن نفوسهم الحق، وتوغلوا في الباطل، وغرقوا في الشهوات، إلا من رحمه الله منهم. ففي الآية الأولى: خاطب تعالى نبيه (صلّى الله عليه وآله) وأراد به غيره، فإنه لو أطاع الجمهور من الناس وسار وفق أهواءهم وميولهم لأضلوه عن دين الله وصرفوه عن الحق. وفي الآية الثانية: دلت على أن أكثر الناس يقولون ما لا يعلمون، وأنهم لا يؤمنون بالله في قلوبهم، بل إنما يجري على ألسنتهم دون أن ينفذ إلى أعماق قلوبهم (16). ثم مدح القلّة فقال: يا هشام: قال تعالى: «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ» (17). وقال: «وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَ قَلِيلٌ» (18). وقال: «وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ» (19). وقال: «وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ» (20). استدل (عليه السلام) من خلال هذه الآيات الكريمة على مدح قلة المؤمنين، وندرة وجودهم، كما صرحت الأحاديث النبوية والأخبار الواردة عن أهل البيت بذلك، فقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): (المؤمنة أعز من المؤمن، والمؤمن أعز من الكبريت الأحمر فمن رأى منكم الكبريت الأحمر؟) والسبب في ندرة هذه الفئة من المؤمنين الصالحين يعود إلى أن الإيمان الحقيقي بالله يعد من أعظم مراتب الكمال التي يصل إليها الإنسان. لكن الوصول إلى هذا الإيمان يصطدم بموانع كثيرة تحول دون الوصول إليه مثل: التربية البيتية السيئة حيث يعتاد الفرد على الغش والخداع والكذب منذ الطفولة الأولى. إن التفاحة الفاسدة تفسد التفاح السليم، والرفيق المنحط أخلاقياً وسلوكياً يفسد غيره من الرفاق الصالحين، لأن الانزلاق نحو الرذائل أسهل من الصعود نحو الفضائل، والمثل العليا وهناك حواجز كثيرة تؤدّي إلى حجب الإنسان عن خالقه، وتماديه في الإثم والموبقات. «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ» تعني صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه فيما خلق لأجله. وهذه أعظم مرتبة لا تصدر إلا ممن عرف الله واعتقد بأن جميع الخيرات والنعم صادرة منه سبحانه وتعالى. فيعمل بكل طاقته على تحصيل الخير وردع نفسه عن الحرام وحينئذ يكون من الشاكرين، والشكر لله بهذا المعنى من المقامات العالية التي لا يتصف بها إلا القليل من عباد الله. وننتقل إلى فصل آخر من كلامه (عليه السلام) مخاطباً هشام. يا هشام: ثم ذكر أولي الألباب بأحسن الذكر وأفضل الصفات فقال: «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَ أُولُوا الألْبَابِ» (21). وقال: «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَ أُولُوا الألْبَابِ» (22). وقال تعالى: «أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الألْبَابِ» (23). استدل (عليه السلام) بهذه الآيات الكريمة على مدح العقلاء المتفوّقين على غيرهم، فقد مدحهم تبارك وتعالى بأحسن الصفات، وأضفى عليهم النعوت السامية. ففي الآية الأولى: منح بعض عباده (الحكمة) وهي من أعظم المواهب، ومن أجل الصفات، فقد قيل في تعريفها، إنها العلم الذي تعظم منفعته وتجل فائدته. ثم وصف تعالى من مُنِحَ بها بأنه أوتي خيراً كثيراً ولا يعلم معنى الحكمة ولا يفهم القرآن الكريم إلا أولوا الألباب. وفي الآية الثانية: وصف تعالى عباده الكاملين في عقولهم بثلاثة أوصاف: 1ـ الرسوخ في العلم. 2ـ الإيمان بالله. 3ـ العرفان بأن الكل من عند الله (24). ثم بين سبحانه: إن المتصفين بهذه النعوت العظيمة هم العقلاء الكاملون الذين هم ذووا الألباب. وفي الآية الثالثة: دلالة على التفاوت بين من يسهر ليله في طاعة الله وبين غيره الذي يقضي أوقاته بالملاهي والملذّات، وهو معرض عن ذكر الله، فكيف يكونان متساويين. هذا غير معقول! وقال (عليه السلام): يا هشام، إن الله تعالى يقول في كتابه العزيز: «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ» (25) يعني العقل. وقال تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ» (26) يعني الفهم والعقل، وضّح (عليه السلام) أن المراد بالقلب ليس العضو الخاص الموجود عند الإنسان وعند الحيوان، بل المراد منه هو العقل الذي يدرك المعاني الكلية والجزئية ليتوصل إلى معرفة حقائق الأشياء وهو بذلك يمثل الكيان المعنوي للإنسان. وفي الآية الثانية: يشير (عليه السلام) إلى نعمة الله تعالى على لقمان، فقد منّ عليه بالحكمة، وهي من أفضل النعم وأجلها. ثم أخذ (عليه السلام) يتلو على هشام بعض حكم لقمان ونصائحه لولده فقال: (يا هشام: إن لقمان قال لابنه: تواضع للحق تكن أعقل الناس. يا بني: إن الدنيا بحر عميق قد غرق فيها عالم كثير، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله، وحشوها الإيمان، وشراعها التوكّل، وقيّمها العقل، ودليلها العِلم، وسكّانها الصبر). لقد ركز لقمان الحكيم في وصيّته لولده بالتواضع للحق، فلا يرى الإنسان لنفسه وجوداً إلا بالحق ولا قوّة له ولا لغيره إلا بالله. والتواضع من افضل الصفات. وقد ورد عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه قال: (من تكبر وضعه الله، ومن تواضع لله رفعه الله). وورد عنه (صلّى الله عليه وآله) في تعديد أقوام ذمهم: (ورجل ينازع الله رداءَه، فإن رداءه الكبرياء وإزاره العظمة) (27). فالمراد بذلك أن الكبرياء والعظمة من صفات الله جلّ جلاله، لا يجوز لأحد من عباده أن يتصف بهما. فالإنسان كلما تواضع كلما تجرد عن الأنانية، ومحا عن نفسه التكبر، زاده الله شرفاً وفضلاً. ثم شبه لقمان الحكيم الدنيا بالبحر ووجه الشبه في ذلك: تغير الدنيا وتغير أشكالها وصورها في كل لحظة، فالكائنات التي فيها كالأمواج في البحر معرضة للزوال والفناء. ويحتمل وجه آخر للشبه أن الدنيا كالبحر الذي يعبر عليه الناس، فالدنيا يعبر عليها الناس إلى دار الآخرة وتكون النفوس فيها كالمسافرين، والأبدان كالسفن والبواخر تنقلهم من دار الدنيا إلى دار الخلود. وقد غرق كثير من الناس في هذه الدنيا، وسبب غرقهم يعود لتهالكهم على الشهوات. ولما كانت الدنيا بحراً توجب الغرق والهلاك، فلا نجاة منها إلا بسبيل واحد: ألا وهو الصلاح والتقوى؛ ويكون شراعها التوكل على الله والاعتماد عليه في جميع الأمور. كما أنه لابدّ من عقل يكون قيّماً لتلك السفينة ورباناً لها، والعقل نور دليله العلم والمعرفة فإن نسبته إليه كنسبة الرؤية من البصر؛ ومع هذه الخصال كلها لابدّ من الصبر فإن ارتقاء الإنسان وقربه من ربّه لا يحصل إلا بمجاهدات قويّة للنفس. وللنتقل إلى مشهد آخر من كلامه (عليه السلام): يا هشام: ما بعث الله أنبياءه رسوله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلاً، وأكملهم عقلاً أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة. ينظر من كلامه (عليه السلام) التأكيد على شرف الأنبياء العظيم وفضلهم الكبير بكمال عقولهم. ولا ريب أن وفور العقل من أفضل ما يمنح به الإنسان، إذ به يتوصّل إلى سعادة الدنيا، والفوز في دار الآخرة. والعقل حسنة كبرى من حسنات الله تبارك وتعالى، ونعمة جُلّى لا تحصى فضائلها. قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض حكمه: (أغنى الغنى العقل). ثم تابع (عليه السلام) قائلاً لهشام: يا هشام: لو كان في يدك جوزة وقال الناس في يدك لؤلؤة ما كان ينفعك وأنت تعلم أنها جوزة، ولو كان في يدك لؤلؤة، وقال الناس إنها جوزة ما ضرّك وأن تعلم أنها لؤلؤة. كل ذلك يعود إلى قوة العقل وحسن التمييز، فالعاقل هو الذي يعتمد على نفسه ما دام متأكّداً ممّا هو عليه، ولا يعير بالاً للآخرين من الناس الجاهلين الذين يقولون ما يحلو لهم دون رويّة أو تعقّل ما ينفع العقل إذا خدع الإنسان نفسه؟! وقال (عليه السلام): يا هشام: إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة، وحجة فاطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة (عليه السلام). وأما الباطنة فالعقول. ثم تابع (عليه السلام): يا هشام: إن العاقل الذي لا يشغل الحلال شكره، ولا يغلب الحرام صبره. ذكر (عليه السلام) في الفقرات الأخيرة من كلامه إلى بعض أحوال العقلاء من أنهم لا تمنعهم كثرة نعم الله عليهم من شكره تعالى، كما لا تزيل صبرهم النوائب والكوارث. ثم قال (عليه السلام): يا هشام: من سلط ثلاثاً على ثلاث فكأنما أعلن هواه على هدم عقله: من أظلم نور فكره بطول أمله، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه، وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه، فكأنما أعان هواه على هدم عقله، ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه. ذكر (عليه السلام) في كلامه هذا أن في الإنسان قوتين متباينتين، وهما: العقل والهوى، ولكل واحدة منهما صفات ثلاث تضاد الصفات الأخرى فصفات العقل: التفكر، والحكمة، والاعتبار. وصفات الهوى: طول الأمل، وفضول الكلام، والإنغماس في الشهوات. فطول الأمل في الدنيا يمنع من التفكر في أمور الآخرة، ويبدد نور الفكر بالظلمة، ويحجبه عن الانطلاق في ميادين الخير. وفضول الكلام يمحي طرائف الحكمة من النفس. أمّا الانغماس في الشهوات فإنّه يعمي القلب، ويذهب بنور الإيمان، ويطفئ نور الاستبصار والاعتبار من النفس، فمن سلّط هذه الخصال العاطلة على نفسه، فقد أعان على هدم عقله، ومن هدم عقله فقد أفسد دينه ودنياه. وقال (عليه السلام): (نُسِبَ الحق لطاعة الله، ولا نجاة إلا بالطاعة، والطاعة بالعلم، والعلم بالتعلم، والتعلم بالعقل يعتقد (28)، ولا علم إلا من عالم رباني، ومعرفة العلم بالعقل). وهو يعني (عليه السلام) أن المعارف جميعها لا تحصل إلا بالعلم، والعلم لا يحصل إلا بالتعلم، والتعلّم لا يحصل إلا بالعقل. فمن عقل علم، ومن علم عاش سعيداً مأنوساً في الدنيا، وغانماً كريماً في الآخرة. وقال (عليه السلام): يا هشام قليل العمل من العالم مقبول مضاعف، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود. فهو يعني (عليه السلام) أن قليل العمل من العالم مقبول والسبب في ذلك يعود: بأن العلم يطهّر النفوس، ويصفّي القلوب، ويوصل إلى معرفة الله عزّ وجلّ وفضيلة كل عمل إنما هي بقدر تأثيرها في صفاء القلب، وإزالة الحجب عن النفس، والظلمة عن الروح. وهي تختلف بحسب الأفراد، فربّ إنسان يكفيه قليل العمل في صفاء نفسه نظراً لِلَطَافَة طبعه، ورقة حجابه، ورب إنسان لا يؤثر العمل الطيّب الذي يصدر منه في صفاء ذاته، نظراً لكثافة طبعه، وكثرة الحجب على نفسه. وقال (عليه السلام): يا هشام: إن العقلاء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة، أنّهم علموا أن الدنيا طالبة مطلوبة، والآخرة طالبة ومطلوبة. فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه، ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته. ذلك أن الأعمار بيد الله سبحانه، وساعة كل إنسان مجهولة، وقد تكون قريبة، فمن لم يحضر نفسه لها فقد يخسر ولا مجال عنده للتعويض. وقال (عليه السلام): يا هشام: إن الله حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا: «رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» (29). لقد قالوا هذا القول حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها، وإنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله، ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه، ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدّقاً، وسرّه لعلانيته موافقاً، لأن الله تبارك اسمه لم يدل على الباطن الخفي من العقل إلا بظاهر منه، وناطق عليه. لقد أشار الإمام (عليه السلام) بكلامه هذا إلى أن المؤمن إذا لم يكن قلبه مستضيئاً بهدى الله، فإنّه لا يكون آمناً من الزيغ، كما لا يكون آمناً من الارتداد بعد الدخول في حظيرة الإسلام، والقرآن الكريم أشار إلى هذه الظاهرة. قال تعالى: «... رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمونَ» (30). ولذلك يدأب الصالحون بالسؤال من الله في أن لا يزيغ قلوبهم حتى لا يضلوا عن دينه، لأنّ النفوس البشرية بحسب طبيعتها ونشأتها إذا لم يساعدها التوفيق لا تنجو من وساوس الشيطان وغوايته، وهنا يذكر (عليه السلام) هشاماً بقول لأمير المؤمنين (عليه السلام): يا هشام: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: ما عُبد الله بشيء افضل من العقل، وما تم عقل امرئ حتى يكون فيه خصال شتى: الكفر والشر منه مأمونان، والرشد والخير منه مأمولان، وفضل ماله مبذول، وفضل قوله مكفوف، ونصيبه من الدنيا القوت، لا يشبع من العلم دهره، الذل أحب إليه مع الله من العز مع غيره، والتواضع أحب إليه من الشرف، يستكثر قليل المعروف من غيره، ويستقل كثير المعروف من نفسه، ويرى الناس كلهم خيراً منه، وإنه شرهم في نفسه، وهو تمام الأمر. وهنا نراه يستدل بكلام جده (عليه السلام) الذي تعرض فيه لصفات العقلاء ثم تابع قائلاً (عليه السلام): يا هشام: من صدق لسانه زكى عمله، ومن حسنت نيّته زيد في رزقه ومن حسن برّه بإخوانه وأهله مدّ في عمره. يا هشام: لا تمنحوا الجهال الحكمة فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها لتظلموهم. فما أحرانا نحن اليوم لنأخذ بكل أقواله (عليه السلام) وبخاصة بهذه الحكمة بالذات حيث نرى الحكمة مظلومة وأهلها مظلومين؟! يا هشام: لا دين لمن لا مروءة (31) له، ولا مروءة لمن لا عقل له، وإن أعظم الناس قدراً الذين لا يرى الدنيا لنفسه خطراً، أما أن أبدانكم ليس لها ثمن إلا الجنة، فلا تبيعوها بغيرها. والمعنى: يجب أن تصرف الطاقات البشرية في طاعة الله تعالى ليحصل الإنسان على الثمن هو الجنّة. وقال (عليه السلام): أما إن أبدانكم ليس لها ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها بغيرها ونقل صاحب الوافي عن أستاذه إيضاحاً لمقالة الإمام ما نصه: إن الأبدان في التناقص يوماً فيوماً وذلك لتوجه النفس منها إلى عالم آخر فإن كانت النفس سعيدة كانت غاية سعيه في هذه الدنيا وانقطاع حياته البدنية إلى الله سبحانه وإلى نعيم الجنان، لكونه على منهج الهداية والاستقامة، فكأنه باع بدنه بثمن الجنة معاملة مع الله تعالى، ولهذا خلقه الله عزّ وجلّ. وإن كانت شقيّة كانت غاية سعيه وانقطاع أجله وعمره إلى مقارنة الشيطان وعذاب النيران، لكونه على طريق الضلالة، فكأنّه باع بدنه بثمن الشهوات الفانية، واللذات الحيوانية التي ستصير نيراناً محرقة، وهي اليوم كامنة مستورة عن حواس أهل الدنيا، وستبرز يوم القيامة «وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى» معاملة مع الشيطان «وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ». وننتقل الآن إلى فصل آخر يتحدث فيه عن حزم العاقل واحتياطه في أقواله. قال (عليه السلام): يا هشام إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: إن من علامة العاقل أن يكون فيه ثلاثة خصال: يجيب إذا سئل، وينطق إذا عجز القوم عن الكلام، ويشير بالرأي الذي يكون فيه صلاح أهله، فمن لم يكن فيه من هذه الخصال الثلاث شيءٌ فهو أحمق. وقال الحسن بن علي (عليهما السلام): إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها. فقيل له: يا بن رسول الله ومن أهلها؟ الذين خصهم الله في كتابه وذكـرهم، فقال: «أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مـِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولو الألْبابِ» (32) قال: أولوا العقول. وقال علي زين العابدين (عليه السلام): مجالسة الصالحين داعية إلى الصلاح، وآداب العلماء زيادة في العقل، وطاعة ولاة العدل تمام العز، واستثمار المال تمام المروءة، وإرشاد المستشير قضاء النعمة، وكف الأذى من كمال العقل، وفيه راحة البدن عاجلاً وآجلاً. ثم زاد (عليه السلام): يا هشام: إن العاقل لا يحدّث من يخاف تكذيبه، ولا يسأل من يخاف منعه، ولا يَعِدُ ما لا يقدر عليه، ولا يرجو ما يعنف برجائه، ولا يقدم على ما يخاف فوته بالعجز عنه. أراد بهذه الفقرات إلى حزم العاقل في تحفظه على أقواله وشرفه ومنزلته وتوقفه من الإقدام على ما لا يثق بحصوله. وقال (عليه السلام): يا هشام: الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار. ثم انتقل (عليه السلام) إلى فصل آخر يركز فيه على اقتران القول بالعمل. قال (عليه السلام): طوبى للعلماء بالفعل، وويل للعلماء بالقول. يا عبيد السوء اتخذوا مساجد ربكم سجوناً لأجسادكم وجباهكم. واجعلوا قلوبكم بيوتاً للتقوى. ولا تجعلوا قلوبكم مأوى للشهوات، وإن أجزعكم عند البلاء لأشدكم حباً للدنيا، وإن أصبركم على البلاء لأزهدكم في الدنيا. يا عبيد السوء لا تكونوا شبيهاً بالحداء الخاطفة، ولا بالثعالب الخادعة ولا الذئاب الغادرة ولا بالأسد العاتية كما تفعل بالفراس. كذلك تفعلون بالناس، فريقاً تخطفون، وفريقاً تغدرون بهم. وبحق أقول لكم: لا يغني عن الجسد أن يكون ظاهره صحيحاً وباطنه فاسداً كذلك لا تغني أجسادكم التي قد أعجبتكم وقد فسدت قلوبكم وما يغني عنكم أن تنقوا جلودكم وقلوبكم دنسة. لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة. كذلك أنتم تخرجون الحكمة من أفواهكم ويبقى الغل في صدوركم. يا عبيد الدنيا إنما مثلكم مثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه. يا بني إسرائيل زاحموا العلماء في مجالسهم ولو جُثواً على الركب، فإن الله يحي القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحي الأرض الميتة بوابل المطر (33). وهذه بعض الوصايا التي زادها الحسن بن علي الحراني فقال: يا هشام أصلح يومك الذي هو أمامك، فانظر أي يوم هو، وأعد له الجواب، فإنك موقوف ومسؤول. وخذ موعظتك من الدهر وأهله، وانظر في تصرف الدهر وأحواله، فإن ما هو آتٍ من الدنيا كما ولّى منها، فاعتبر بها، وقال علي بن الحسين (عليه السلام): (إن جميع ما طلعت عليه الشمس في مشارق الأرض ومغاربها بحرها وبرها، وسهلها وجبلها عند ولي من أولياء الله وأهل المعرفة بحق الله كفئ الظلال). ثم قال (عليه السلام): (حر يدع هذه اللماظة (الدنيا) لأهلها فليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها بغيرها، فإنه من رضي من الله بالدنيا فقد رضي بالخسيس). يا هشام: إن كل الناس يبصرون النجوم ولكن لا يهتدي بها إلا من يعرف مجاريها ومنازلها، وكذلك (انتم تدرسون) الحكمة، لا يهتدي بها منكم إلا من عمل بها. وهنا كأنه (عليه السلام) يذكّر أهل العقول النيّرة أن يقولوا ويدرسوا ويفهموا ثم عليهم أن يقرنوا العلم بالعمل. أما الذين يرون ببصرهم ويقفلون بصيرتهم فهم ضالون في حياتهم وضالون في آخرتهم، يخرصون ولا يعرفون، ويغدرون ولا يعرفون... قال أحد الحكماء مركزاً على المعرفة المقرونة بالعمل: عندما تقترن المعرفة بالعمل يرزقان صبياً يسميانه الصدق. وعندما تقترن المعرفة بالعمل ينجبان بنتاً يسميانها الوفاء. ويلعب الجميع لعبة أظنها الحرية. وقال (عليه السلام): يا هشام: مكتوب في الإنجيل: طوبى للمتراحمين، أولئك هم المرحومون يوم القيامة. طوبى للمطهّرة قلوبهم، أولئك هم المتقون يوم القيامة. طوبى للمتواضعين في الدنيا، أولئك يرتقون منابر الملك يوم القيامة. السلام عليك يا سيدي عيسى، السلام عليك يا رسول الله لو جئت في هذه الأيام لرأيت العجب العجابا!! فالكثير الكثير من أمتك قد نسوا أو تناسوا هذه التعاليم العظيمة التي تبنى عليها المجتمعات العظيمة،والقليل القليل من أمتك من تمسكوا برسالتك واهتدوا بهديك وساهموا في بناء مجتمع سليم، لكنهم كمن ينفخ في رماد!! ثم قال (عليه السلام) منوهاً بقيمة الكلام وأنواع المتكلمين. يا هشام: المتكمون ثلاثة: فرابح، وسالم، وشاجب (34). فأما الرابح فالذاكر لله، وأما السالم فالساكت، وأما الشاجب فالذي يخوض في الباطل، إن الله حرم الجنة على كل فاحش بذئ الكلام قليل الحياء لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه، وكان أبو ذر رضوان الله عليه يقول: (يا مبتغي العلم إن هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شر، فاختم على فيك كما تختم على ذهبك وورقك). وكما حرمت الجنة على الشاجب وفتحت أبوابها للرابح الكثير الحياء لذلك قال (عليه السلام): (الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار). ثم قال (عليه السلام) واصفاً الدنيا على لسان السيد المسيح: يا هشام: تمثّلت الدنيا للمسيح (عليه السلام) في صورة امرأة زرقاء فقال لها: كم تزوّجت؟ فقالت: كثيراً. قال: فكلاًّ طلقك؟ فقالت: بل كلاّ قتلت. قال المسيح فويح لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بالماضين!! لا ريب إن أصحاب البصائر والعقول النيّرة يدرسون الماضي ويتأملون في مجرى أحداثه، ويقدرون نتائجه فيقيسون الحاضر على ضوء الماضي فيتعظون ويعتبرون. ثم أردف في نصائحه لهشام في أنواع البشر، وأيّهم أنفع وأصلح. قال (عليه السلام): (يا هشام: لا خير في العيش إلا لرجلين: لمستمع واع، وعالم ناطق) . العالم عليه أن يبوح بما يختزن في صدره من علوم ومعارف ليفيد به سائر الناس، فيكون بذلك كالنهر المتدفق يسقي عن جانبيه الحقولا. والمستمع عليه أن يعقل ما يلقى إليه، فيخزن في ذاكرته كل ما سمعه من العالم، ليكون له زاد خير يفيده عند الحاجة، لأن غذاء العقل أهم بكثير من غذاء الجسد. وفن الاستماع لا يقلّ أهمية عن فنّ القول. ثم وصف (عليه السلام) نوع العلماء الذين يؤخذ منهم ويستمع إليهم. فقال (عليه السلام): يا هشام: أوحى الله تعالى إلى داوود (عليه السلام) قل لعبادي: لا يجعلوا بيني وبينهم عالماً مفتوناً بالدنيا فيصدّهم عن ذكري، وعن طريق محبّتي ومناجاتي. أولئك قطّاع الطريق من عبادي، إن أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة محبّتي ومناجاتي من قلوبهم. ثم حذّر (عليه السلام) من التكبّر فقال: يا هشام: إيّاك والكبر على أوليائي، والاستطالة بعلمك فيمقتك الله فلا تنفعك بعد مقته دنياك ولا آخرتك، وكن في الدنيا كساكن دار ليست له إنما ينتظر الرحيل. ثم مدح (عليه السلام) المتواضع وذمّ المتكبّر فقال: يا هشام: إن الزرع ينبت في السهل ولا ينبت في الصفا (35) فكذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع ولا تعمر في قلب المتكبّر الجبّار، لأنّ الله تعالى جعل التواضع آلة العقل، وجعل التكبّر آلة الجهل، ألم تعلم أن من شمخ إلى السقف برأسه شجبه، ومن خفض رأسه استظل تحته وأكنّه، وكذلك من لم يتواضع لله خفضه الله، ومن تواضع لله رفعه. ثم استرسل (عليه السلام) في حديثه فقال: (وأحذر ردّ المتكبرين، فإن العلم يُذل على أن يملي على من لا يفيق). فقال هشام: فإن لم أجد من يعقل السؤال عنها؟ فقال (عليه السلام): فاغتنم جهله عن السؤال حتى تسلم من فتنة القول وعظيم فتنة الرد، واعلم أن الله لم يرفع المتواضعين بقدر تواضعهم ولكن رفعهم بقدر عظمته ومجده. ولم يؤمن الخائفين بقدر خوفهم ولكن آمنهم بقدر كرمه وجوده؛ ولم يفرح المحزونين بقدر حزنهم ولكن بقدر رأفته ورحمته، فما ظنّك بالرؤوف الرحيم الذي يتودد إلى من يؤذيه بأوليائه، فكيف بمن يؤذي فيه؟ وما ظنّك بالتوّاب الرحيم الذي يتوب على من يعاديه، فكيف بمن يترضّاه، ويختار عداوة الخلق فيه. يا هشام: من أكرمه الله بثلاث فقد لطف له؛ عقل يكفيه مؤونة هواه، وعلم يكفيه مؤونة جهله، وغنى يكفيه مخافة الفقر. ثم زاد تحذيراً جديداً عاماً للدنيا وأهلها. فقال (عليه السلام): (يا هشام أحذر هذه الدنيا وأحذر أهلها، فإن الناس فيها على أربعة اصناف: - رجل متردي معانق هواه، ومتعلم مقري كلما ازداد علماً ازداد كبراً، يستعلي بقراءته وعلمه على من هو دونه. ـ وعابد جاهل يستصغر من هو دونه في عبادته، يحب أن يعظَّم ويوقَّر. ـ وذي بصيرة عالم عارف بطريق الحق، يحب القيام به ولكنه عاجز أو مغلوب فلا يقدر على القيام بما يعرفه، فهو محزون مغموم بذلك وهو أمثل أهل زمانه وأوجههم عقلاً (36). الحقيقة إننا استرسلنا في هذه الوصية القيمة والخالدة لأنها بحر زاخر، كلّما غصنا فيه كلما ازددنا متعة وفائدة. فهي من إمام معصوم ورث علم الأوصياء عن الأنبياء، علماً شاملاً كاملاً للدين والدنيا وللناس كافة. لقد حوت هذه الوصية الذهبية جميع أصول الفضائل: في الآداب والأخلاق وقواعد السلوك والمناهج العامة لما يصلح للحياة الفردية والاجتماعية السليمة من كل غرض أو هوى، ذلك أن الشريعة الإسلامية هي أحكام إلهية وما على الحاكم إلا تطبيق هذه الأحكام معتمداً على عقله المستنير وضميره الحيّ المستقيم. *******(1) المؤمنون(23): الآية 71. (2) ص(38): الآية 51. (3) النساء(4): الآية 135. (4) النازعات(79): الآيتان 40-41. (5) الزمر (39): الآيتان 17-18. (6) سورة الزمر: الآية 18. (7) سورة الأنعام: الآية 32. (8) سورة الصافات: الآيات 136-138. (9) سورة العنكبوت: الآية 43. (10) سورة البقرة: الآية 170. (11) سورة البقرة: الآية 171. (12) راجع سورة يونس: الآية 42 والفرقان، الآية 44 والحشر، الآية 13 والبقرة، الآية 44. (13) التباين في تفسير القرآن، ج1، ص188. (14) سورة الأنعام: الآية 116. (15) سورة لقمان: الآية 25. (16) راجع روح المعاني، ج6، ص423. (17) سورة سبأ: الآية 13. (18) سورة هود: الآية 40. (19) سورة الأنعام: الآية 37. (20) سورة المائدة: الآية 103. (21) سورة البقرة: الآية 269. (22) سورة آل عمران: الآية 7. (23) سورة الزمر: الآية 9. (24) يعني المحكم والمتشابه من الآيات. (25) سورة ق: الآية 37. (26) سورة لقمان: الآية 12. (27) المجازات النبوية للشريف الرضي، ص440، وبذلك تكون العظمة والكبرياء هما الكرامة التي يلقيها الله سبحانه على رسله القائمين بالقسط فيعظمون بها في العيون ويجلَّون في القلوب. (28) يعتقد أي يشتد ويستحكم. (29) سورة آل عمران: الآية 8. (30) سورة التوبة: الآية 93. (31) كلمة مروءة غير موجودة إلا في اللغة العربية وتعني: آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق، وجميل العادات أو هي: كمال الرجولية. المعجم الوسيط، ج2. (32) سورة الرعد: الآية 19. (33) راجع أصول الكافي، ج1، ص13-20. انتهت هذه الرسالة على رواية الشيخ الكليني وقد ذكر زيادة عليها الحسن بن علي الحراني في كتابه تحف العقول وسوف نقتطف منها بعض دررها التي أهملها الكليني. (34) الشاجب: كثير الكلام والهذيان. (35) الصفا: الحجر الصلد. (36) تحف العقول، ص390-400. ******* المصدر: موقع www.14masom.com. رسالة الامام الهادي (ع) في القضاء والقدر - 5 2006-08-13 00:00:00 2006-08-13 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1543 http://arabic.irib.ir/programs/item/1543 قال ابن شعبة الحراني: وروى عن الامام الراشد الصابر ابي الحسن علي بن محمد (عليهما السلام) في طوال هذه المعاني رسالته (عليه السلام) في الرد على اهل الجبر والتفويض واثبات العدل والمنزلة بين المنزلتين: من علي بن محمد، سلام عليكم وعلي من اتبع الهدى ورحمة الله وبركاته، فانه ورد علي كتابكم وفهمت ما ذكرتم من اختلافكم في دينكم وخوضكم في القدر ومقالة من يقول منكم بالجبر ومن يقول بالتفويض وتفرقكم في ذلك وتقاطعكم وما ظهر من العداوة بينكم، ثم سألتموني عنه وبيانه لكم وفهمت ذلك كله. اعلموا رحمكم الله انا نظرنا في الآثار وكثرة ما جات به الأخبار فوجدناها عند جميع من ينتحل الاسلام ممن يعقل عن الله جل وعز لا تخلو من معنيين: اما حق فيتبع واما باطل فيجتنب. وقد اجتمعت الامة‌ قاطبة لا اختلاف بينهم ان القرآن حق لا ريب فيه عند جميع اهل الفرق، وفي حال اجتماعهم مقرون بتصديق الكتاب وتحقيقه مصيبون مهتدون، وذلك يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تجمع امتي على ضلالة، فأجبر ان جميع ما اجتمعت عليه الامه كلها حق هذا اذا لم يخالف بعضها بعضاً. القرآن حق لا اختلاف بينهم في تنزيله وتصديقه، فاذا شهد القرآن بتصديق خبر وتحقيقه وانكر الخبر طائفة من الامة، لزمهم الاقرار به ضرورة حين اجتمعت في الأصل على تصديق الكتاب، فان هي جحدت وانكرت لزمها الخروج من الملة. فأول خبر يعرف تحقيقه من الكتاب وتصديقه والتماس شهادته عليه خبر ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووجد بموافقة الكتاب وتصديقه بحيث لا تخالفه أقاويلهم، حيث قال: اني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي - أهل بيتي- لن تضلوا ما تمسكتم بهما وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. فلما وجدنا شواهد هذا الحديث في كتاب الله نصاً، مثل قوله جل وعز: «انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون / ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون»(1). وروت العامة في ذلك اخباراً لأمير المؤمنين (عليه السلام) انه تصدق بخاتمه وهو راكع فشكر الله ذلك له أنزل الآية فيه. فوجدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أتى بقوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه» وبقوله: «انت مني بمنزلة هارون من موسى، الا انه لا نبي بعدي»، ووجدناه يقول: «علي يقضي ديني وينجز موعدي وهو خليفتي عليكم من بعدي». فالخبر الأول الذي منه هذه الأخبار خبر صحيح مجمع عليه لا اختلاف فيه عندهم، وهو ايضاً موافق للكتاب، فلما شهد الكتاب بتصديق الخبر وهذه الشواهد الآخر لزم على الامة الا قرار بها ضرورة اذ كانت هذه الأخبار شواهدها من القرآن ناطقة ووافقت القرآن والقرآن وافقها. ثم وردت حقائق الأخبار من رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الصادقين (عليهم السلام) ونقلها قوم ثقات معروفون، فصار الاقتداء بهذه الأخبار فرضاً واجباً على كل مؤمن ومؤمنة، لا يتعداه أهل العناد. وذلك ان أقاويل آل رسول الله (صلى الله عليه وآله) متصلة بقول الله وذلك مثل قوله في محكم كتابه: «ان الذين يؤذون الله ورسول لعنهم الله في الدنيا والاخرة واعد لهم عذاباً مهيناً»(2) ووجدنا نظير هذه الآية، قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من أذى علياً فقد اذاني ومن اذاني فقد اذى الله ومن اذى الله يوشك أن ينتقم منه). وكذلك قوله (صلى الله عليه وآله): «من احب علياً فقد احبني من احبني فقد احب الله». ومثل قوله (صلى الله عليه وآله) في بني وليعة: «لابعثن اليهم رجلاً كنفسي يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»، قم يا علي فسر اليهم وقوله (صلى الله عليه وآله) يوم خيبر: «لأبعثن اليهم غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كراراً غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله عليه». فقضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالفتح قبل التوجيه فاستشرف لكلامه أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلما كان من الغد دعا علياً (عليه السلام) فبعثه اليهم فاصطفاه بهذه المنقبة، وسماه كراراً غير فرار، فسماه محباً لله ولرسوله، فأخبر ان الله ورسوله يحبانه. وانما قدمنا هذا الشرح والبيان دليلاً على ما اردنا وقوة لما نحن مبينوه من امر الجبر والتفويض والمنزلة بين المنزلتين وبالله العون والقوة وعليه نتوكل في جميع امورنا فانا نبدأ من ذلك بقول الصادق (عليه السلام): «لا جبر ولا تفويض ولكن منزلة بين المنزلتين، وهي صحة الخلقة وتخلية السرب والمهلة في الوقت، والزاد في مثل الراحلة والسبب المهيج للفاعل على فعله». فهذه خمسة اشياء جمع به الصادق (عليه السلام) جوامع الفضل، فاذا نقض العبد منها خلة كان العمل عنه مطروحاً بحسبه. فأخبر الصادق (عليه السلام) بأصل ما يجب على الناس من طلب معرفته ونطق الكتاب بتصديقه فشهد بذلك محكمات آيات رسوله لأن الرسول (صلى الله عليه وآله)، وآله (عليهم السلام) لايعدو شيء من قوله وأقاويلهم حدود القرآن، فاذا وردت حقائق الأخبار والتمست شواهدها من التنزيل فوجد لها موافقاً وعليها دليلاً، كان الاقتداء بها فرضاً لا يتعداه الا اهل العناء كما ذكرنا في اول الكتاب. ولما التمسنا تحقيق ما قاله الصادق (عليه السلام) من المنزلة بين المنزلتين وانكاره الجبر والتفويض، وجدنا الكتاب قد شهد له وصدق مقالته في هذا، وخبر عنه ايضاً موافق لهذا: ان الصادق (عليه السلام) سئل هل اجبر الله العباد على المعاصي؟ فقال الصادق (عليه السلام): هو اعدل من ذلك. فقيل له: فهل فوض اليهم؟ فقال: هو اعز واقهر لهم من ذلك. وروى عنه انه قال: الناس في القدر على ثلاثة اوجه، رجل يزعم ان الامر مفوض اليه فقد وهن الله في سلطانه فهو هالك. ورجل يزعم ان الله جل وعز اجبر العباد على المعاصي وكلفهم ما لا يطيقون، فقد ظلم الله في حكمه فهو هالك ورجل يزعم ان الله كلف العباد ما يطيقون ولم يكلفهم ما لا يطيقون، فاذا احسن حمد الله واذا اساء استغفر الله فهذا مسلم بالغ، فاخبر (عليه السلام) ان من تقلد الجبر والتفويض ودان بهما فهو على خلاف الحق. فقد شرحت الجبر الذي من دان به يلزمه الخطأ، وأن الذي يتقلد التفويض يلزمه الباطل، فصارت المنزلة بين المنزلتين بينهما. ثم قال (عليه السلام): واضرب لكل باب من هذه الأبواب مثلاُ يقرب المعنى للطالب ويسهل له البحث عن شرحه، تشهد به محكمات آيات الكتاب وتحقق تصديقه عند ذوي الألباب وبالله التوفيق والعصمة. فاما الجبر الذي يلزم من دان به الخطأ فهو قول من زعم ان الله جل وعز اجبر العباد على المعاصي وعاقبهم عليها، ومن قاله: بهذا القول فقد ظلم الله في حكمه وكذبه ورد قوله: «ولا يظلم ربك احداً» وقوله «ذلك بما قدمت يداك وان الله ليس بظلام للعبيد»(3) مع آي كثيرة في ذكر هذا. فمن زعم انه مجبر على المعاصي فقد احال بذنبه على‌ الله وقد ظلمه في عقوبته. ومن ظلم الله فقد كذب كتابه ومن كذب كتابه فقد لزمه الكفر باجتماع الأمة، ومثل ذلك مثل رجل ملك عبداً مملوكاً لا يملك نفسه ولا يملك عرضاً من عرض الدنيا ويعلم مولاه ذلك منه فأمر على علم منه بالمصير الى السوق لحاجة يأتيه بها ولم يملكه ثمن ما يأتيه به من حاجته، وعلم المالك ان على الحاجة رقيباً لا يطمع احد في اخذها منه الا بما يرضى به من الثمن، وقد وصف مالك هذا العبد نفسه بالعدل والنصفة واظهار الحكمة ونفي الجور واوعد عبده ان لم يأته بحاجته ان يعاقبه على علم منه بالرقيب الذي على حاجته انه سيمنعه، وعلم ان المملوك لا يملك ثمنها ولم يملكه ذلك، فلما صار العبد الى السوق وجاء ليأخذ حاجته التي بعثه المولى لها، وجد عليها مانعاً الا بشراء وليس يملك العبد ثمنها، فانصرف الى مولاه خائباً بغير قضاء حاجته فاغتاظ مولاه من ذلك وعاقبه عليه، أليس يجب في عدله وحكمه ان لا يعاقبه وهو يعلم ان عبده لا يملك عرضاً من عروض الدنيا ولم يملكه ثمن حاجته، فان عاقبه ظالماً متعدياً عليه مبطلاً لما وصف من عدله وحكمته ونصفته، وان لم يعاقبه كذب نفسه في وعيده اياه حين اوعده بالكذب والظلم اللذين ينفيان العدل والحكمة تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فمن دان بالجبر او بما يدعو الى الجبر فقد ظلم الله ونسبه الى الجور والعدوان. اذا اوجب على من اجبره العقوبة، ومن زعم ان الله يدفع عن اهل المعاصي العذاب، فقد كذب الله في وعيده حيث يقول: «بلى من كسب سيئة واحاطت به خطيئته فأولئك اصحاب النار هم فيها خالدون»(4). وقوله: «ان الذين يأكلون اموال اليتامى ظلماً انما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً»(5). وقوله: «ان الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ان الله كان عزيزاً حكيماً».(6) مع آي كثيرة في هذا الفن ممن كذب وعيد الله ويلزمه في تكذبيه آية من كتاب الله الكفر وهو ممن قال الله: «أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم الا خزي في الحيوة الدنيا ويوم القيامة يردون الى اشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون»(7) بل تقول: ان الله جل وعز جازى العباد على أعمالهم ويعاقبهم على أفعالهم بالاستطاعة التي ملكهم اياها، فأمرهم ونهاهم بذلك ونطق كتابه: «من جاء بالحسنة فله عشر امثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الا مثلها وهم لا يظلمون» (8) وقال جل ذكره: «يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو ان بينها وبينه امداً بعيداً ويحذركم الله نفسه» (9) وقال: «اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم» (10) فهذه آيات محكمات تنفي الجبر ومن دان ومثلها في القرآن كثير، اختصرنا ذلك لئلا يطول الكتاب وبالله التوفيق. واما التفويض الذي ابطله الصادق (عليه السلام) واخطأ من دان به وتقلده فهو قول القائل: ان الله جل ذكره فوض الى العباد اختبار امره ونهيه واهملهم. وفي هذا كلام دقيق لمن يذهب الى تحريره ودقته. والى هذا ذهبت الائمة المهتدية من عترة الرسول (صلى الله عليه وآله) فانهم قالوا: لو فوض اليهم على جهة الاهمال لكان لازماً له رضي ما اختاره واستوجبوا منه الثواب ولم يكن عليهم فيما جنوه العقاب اذا كان الاهمال واقعاً. تنصرف هذه المقالة ‌على معنيين: اما ان يكون العباد تظاهروا عليه فالزموه قبول اختبارهم بآرائهم ضرورة ‌كره ذلك ام احب فقد لزمه الوهن، أو يكون جل وعز عجز عن تعبدهم بالأمر والنهي على‌ ارادته كرهوا أو احبوا، ففوض امره ونهيه واجراهما على محبتهم اذا عجز عن تعبدهم بارادته، فجعل الاختبار اليهم في الكفر والايمان ومثل ذلك مثل رجل ملك عبداً ابتاعه ليخدمه ويعرف له فضل ولايته ويقف عنده امره ونهيه وادعى مالك العبد انه قاهر عزيز حكيم فأمر عبده ونهاه ووعده على اتباع امره عظيم الثواب واوعده على معصيته اليم العقاب، فخالف العبد ارادة مالكه ولم يقف عند امره نهيه، فأي امر امره او اي نهي نها عنه لم يأته على ارادة المولى‌ بل كان العبد يتبع ارادة نفسه اتباع هواه ولا يطيق المولى‌ ان يرده الى اتباع امره ونهيه والوقوف على ارادته، ففوض اختياره امره ونهيه اليه ورضي منه بكل ما فعله على ارادة العبد لا على ارادة المالك وبعثه في بعض حوائجه وسمى له الحاجة فخالف على مولاه وقصد لارادة نفسه واتبع هواه، فلما رجع الى مولاه نظر الى ما اتاه به فاذا هو خلاف ما امره به، فقال له: لم اتيتني بخلاف ما امرتك؟ فقال العبد: اتكلت على تفويضك الامر الي فاتبعت هواي وارداتي، لأن المفوض اليه غير محظور عليه، فاستحال التفويض او ليس يجب على هذا السبب اما ان يكون المالك للعبد قادراً يأمر عبده باتباع امره ونهيه على ارادته لا على ارادة العبد ويملكه من الطاقة بقدر ما يأمره به وينهاه عنه، فاذا امره بامر ونهاه عن نهي عرفه الثواب والعقاب عليهما. وحذره ورغبه بصفة ثوابه وعقابه ليعرف العبد قدرة مولاه بما ملكه من الطاقة لأمره ونهيه وترغيبه وترهيبه، فيكون عدله وانصافه شاملاً له وحجته واضحة عليه للاعذار والانذار، فاذا اتبع العبد امر مولاه جازاه واذا لم يزدجر عن نهيه عاقبه، أو يكون عاجزاً غير قادر، ففوض امره اليه أحسن أم أساء، أطاع أم عصى، عاجز عن عقوبته ورده الى‌ اتباع امره. وفي اثبات العجز نفي القدرة والتأله وابطال الأمر والنهي والثواب والعقاب ومخالفة الكتاب. اذا يقول: «ولا يرضى لعباده الكفر وان تشكروا يرضه لكم»(11) وقوله عزوجل: «اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون»(12) وقوله: «وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون / ما اريد منهم من رزق وما اريد ان يطعمون».(13) وقوله: «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً» «اطيعوا الله واطيعوا الرسول ولا تولوا عنه وانتم تسمعون».(14) فمن زعم ان الله تعالى فوض امره ونهيه الى عباده فقد اثبت عليه العجز وأوجب عليه قبول كل ما عملوا من خير وشر وأبطل أمر الله ونهيه ووعده ووعيده، لعله ما زعم ان الله فوضها اليه لأن المفوض اليه بمشيئته، فان شاء الكفر والايمان كان غير مردود عليه ولا محظور، فمن دان بالتفويض على هذا المعنى: فقد ابطل جميع ما ذكرنا من وعده ووعيده وامره ونهيه وهو من أهل هذه الآية: «أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم الا خزي في الحيوة الدنيا ويوم القيامة يردون الى اشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون».(15) تعالى الله عما يدين به اهل التفويض علواً كبيراً لكن نقول: ان الله جل وعز خلق الخلق بقدرته وملكهم استطاعة تعبدهم بها، فأمرهم ونهاهم بما اراد، فقبل منهم اتباع امره ورضي بذلك لهم ونهاهم عن معصيته وذم من عصاه وعاقبه عليها ولله الخيرة في الامر والنهي يختار ما يريد ويأمر به وينهى عما يكره ويعاقب عليه بالاستطاعة التي ملكها عباده لاتباع امره واجتناب معاصيه، لأنه ظاهر العدل والنصفة ‌والحكمة البالغة، بالغ الحجة بالاعذار والانذار واليه الصفوة يصطفى من عباده من يشاء لتبليغ رسالته واحتجاجه على عباده: اصطفى محمداً (صلى الله عليه وآله) وبعثه برسالاته الى خلقه، فقال من قال من كفار قومه حسداً واستكباراً: «لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم» (16) يعني بذلك امية بن أبي الصلت وأبا مسعود الثقفي، فأبطل الله اختيارهم ولم يجز لهم آراءهم حيث يقول: «أهم يقسمون رحمت ربك ‌نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحيوة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمت ربك خير مما يجمعون» (17). ولذلك اختار من الامور ما احب ونهى عما كره، فمن أطاعه أثابه، ومن عصاه عاقبه، ولو فوض اختيار امره الى عباده لأجاز لقريش اختيار أمية بن ابي الصلت وأبي مسعود الثقفي، اذ كانا عندهم أفضل من محمد (صلى الله عليه وآله). فلما أدب المؤمنين بقوله: «وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله امراً ان يكون لهم الخيرة من أمرهم».(18) فلم يجز لهم الاختيار بأهوائهم ولا يقبل منهم الا اتباع امره واجتناب نهيه على يدي من اصطفاه، فمن اطاعه رشد ومن عصاه ضل وغوى ولزمته الحجة بما ملكه من الاستطاعه لاتباع امره واجتناب نهيه، فمن أجل ذلك حرمه ثوابه وأنزل به عقابه. وهذا القول بين القولين ليس بجبر ولا تفويض وبذلك أخبر أمير المؤمنين صلوات الله عليه، عباية بن ربعي الأسدي حين سأله عن الاستطاعة التي بها يقوم ويقعد ويفعل، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام) سألت تملكها من دون الله أو مع الله، فسكت عباية، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام) قل يا عباية، قال: وما اقول؟ قال (عليه السلام): ان قلت: انك تملكها مع الله قتلتك وان قلت: تملكها دون الله قتلتك. قال عباية: فما اقول يا امير المؤمنين؟ قال (عليه السلام): تقول انك تملكها بالله الذي يملكها من دونك، فان يملكها اياك كان ذلك من عطائه، وان يسلبكها كان ذلك من بلائه، هو المالك لما ملكك والقادر على ما عليه اقدرك، اما سمعت الناس يسألون الحول والقوة حين يقولون: لا حول ولا قوة‌ الا بالله. قال: عباية وما تأويلها يا أمير المؤمنين؟ قال (عليه السلام): «لا حول عن معاصي الله الا بعصمة الله، ولا قوة لنا على طاعة الله الا بعون الله». قال: فوثب عباية فقبل يديه ورجليه. روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام): حين اتاه نجدة يسأله عن معرفة الله، قال: يا أمير المؤمنين بما عرفت ربك؟ قال: (عليه السلام) بالتمييز الذي خولني، والعقل الذي دلني. قال: أفمجبول انت عليه؟ قال: لو كنت مجبولاً ما كنت محموداً على احسان ولا مذموماً على اسائة وكان المحسن اولى باللائمة من المسيء فعلمت ان الله قائم باق ومادونه حدث حائل زائل وليس القديم الباقي كالحدث الزائل. قال نجدة: أجدك أصبحت حكيماً يا أمير المؤمنين. قال: أصبحت مخيراً، فان اتيت السيئة بمكان الحسنة فأنا المعاقب عليها. وروى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه قال الرجل سأله بعد انصرافه من الشام، فقال: يا امير المؤمنين اخبرنا عن خروجنا الى الشام بقضاء وقدر؟ قال: نعم يا شيخ، ما علوتم تلعة ولا هبطتم وادياً الا بقضاء وقدر من الله. فقال الشيخ: عند الله احتسب عنائي يا أمير المؤمنين؟ فقال (عليه السلام): مه يا شيخ، فاالله قد عظم اجركم في مسيركم، وانتم سائرون، وفي مقامكم وانتم مقيمون، وفي انصرافكم وانتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من اموركم مكرهين، ولا اليه مضطرين، لعلك ظننت انه قضاء حتم وقدر لازم، لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب ولسقط الوعد والوعيد، ولما الزمت الأشياء‌ اهلها على الحقائق ذلك مقالة عبدة الاوثان واولياء‌ الشيطان، ان الله جل وعز امر تخيراً ونهى تحذيراً ولم يطع مكرهاً ولم يعص مغلوباً ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار،(19) فقام الشيخ فقبل رأس أمير المؤمنين (عليه السلام) وأنشأ يقول: أنت الامام الذي نرجو بطاعتهيوم النجاة من الرحمن غفراناًأوضحت من ديننا ما كان ملتبساًجزاك ربك عنا فيه رضواناًفليس معذرة في فعل فاحشةقد كنت راكبها ظلماً وعصياناًفقد دل أمير المؤمنين (عليه السلام) على موافقه الكتاب ونفي الجبر والتفويض اللذين يلزمان من دان بهما تقلدهما الباطل والكفر وتكذيب الكتاب، ونعوذ بالله من الضلالة والكفر ولسنا ندين بجبر ولا تفويض لكنا نقول بمنزلة بين المنزلتين وهو الامتحان والاختبار بالاستطاعة التي ملكنا الله وتعبدنا بها على ما شهد به الكتاب ودان بها لائمة الأبرار من آل الرسول (صلوات الله عليهم). ومثل الاختبار بالاستطاعة مثل رجل ملك عبداً وملك مالاً كثيراً احب ان يختبر عبده على علم منه بما يؤول اليه، فملكه من ماله بعض ما احب ووقفه على امور عرفها العبد فأمره ان يصرف ذلك المال فيها، ونهاه عن اسباب لم يحبها وتقدم اليه ان يجتنبها ولا ينفق من ماله فيها، والمال يتصرف في اي الوجهين، فصرف المال احدهما في اتباع امر المولى ورضاه، والآخر صرفه في اتباع نهيه وسخطه، واسكنه دار اختبار، اعلمه انه غير دائم له السكنى في الدار وان له داراً غيرها وهو مخرجه اليها فيها ثواب وعقاب دائمان، فان انفد العبد المال الذي ملكه مولاه في الوجه الذي امره به جعل له ذلك الثواب الدائم في تلك الدار التي اعلمه انه مخرجه اليها، وان انفق المال في الوجه الذي نهاه ‌عن انفاقه فيه، جعل له ذلك العقاب الدائم في دار الخلود. وقد حد المولى‌ في ذلك حداً معروفاً وهو المسكن الذي اسكنه في الدار الاولى، فاذا بلغ الحد استبدل المولى بالمال وبالعبد على انه لم يزل مالكاً للمال والعبد في الاوقات كلها الا انه وعد ان لا يسلبه ذلك المال ما كان في تلك الدار الاولى الى‌ ان يستتم سكناه فيها، فوفى له لأن من صفات المولى العدل والوفاء والنصفة والحكمة‌ اوليس يجب ان كان ذلك العبد صرف ذلك المال في الوجه المأمور به ان يفي له بما وعده من الثواب وتفضل عليه بأن استعمله في دار فانية واثابه على طاعته فيها نعيماً دائماً في دار باقية دائمة. وان صرف العبد المال الذي ملكه مولاه ايام سكناه تلك الدار الاولى في الوجه المنهي عنه وخالف امر مولاه كذلك تجب عليه العقوبة الدائمة التي حذره اياها، غير ظالم له لما تقدم اليه واعلمه وعرفه واوجب له الوفاء بوعده ووعيده، بذلك يوصف القادر القاهر. واما المولى فهو الله جل وعز واما العبد فهو ابن آدم المخلوق والمال قدرة الله الواسعة ومحنته اظهاره الحكمة والقدرة والدار الفانية هي الدنيا. وبعض المال الذي ملك مولاه هو الاستطاعة التي ملك ابن آدم والامور التي أمر الله بصرف المال اليها هو استطاعته لاتباع الأنبياء والاقرار بما اوردوه عن الله جل وعز واجتناب الأسباب التي نهى عنها هي طرق ابليس. واما وعده فالنعيم الدائم وهي الجنة. واما الدار الفانية فهي الدنيا، واما الدار الاخرى فهي الدار الباقية وهي الآخرة. والقول بين الجبر التفويض هو الاختبار والامتحان والبلوى بالاستطاعة التي ملك العبد. وشرحها في الخمسة الأمثال التي ذكرها الصادق (عليه السلام)، أنها جمعت جوامع الفضل وأنها مفسرها بشواهد من القران والبيان ان شاء الله. *******تفسير صحة الخلقأما قول الصادق (عليه السلام)، فان معناه كمال الخلق للانسان وكمال الحواس وثبات العقل والتمييز واطلاق اللسان بالنطق، وذلك قول الله: «ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً»(20) فقد أخبر عزوجل عن تفضيله بني آدم على سائر خلقه من البهائم السباع ودواب البحر والطير وكل ذي حركة تدركه حواس بني آدم بتمييز العقل والنطق وذلك قوله: «لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم». وقوله: «يا ايها الانسان ما غرك بربك الكريم / الذي خلقك فسواك فعدلك / في اي صورة ‌ما شاء ركبك».(21) وفي آيات كثيرة، فأول نعمة الله على الانسان صحة عقله وتفضيله على كثير من خلقه بكمال العقل وتمييز البيان. وذلك ان كل ذي حركة‌ على بسيط الارض هو قائم بنفسه بحواسه مستكمل في ذاته، ففضل بني آدم بالنطق الذي ليس في غيره من الخلق المدرك بالحواس، فمن اجل النطق ملك ابن آدم غيره من الخلق حتى صار آمراً ناهياً وغيره مسخر له كما قال الله: «كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم» (22) وقال: «وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حيلة تلبسونها».(23) وقال: «والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون / ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون / وتحمل اثقالكم الى بلد لم تكونوا بالغيه الا بشق الانفس».(24) فمن اجل ذلك دعا الله الانسان الى اتباع امره الى طاعته بتفضيله اياه باستواء الخلق وكمال النطق والمعرفة بعد ان ملكهم استطاعة ما كان تعبدهم به بقوله: «فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا واطيعوا». وقوله: «لا يكلف الله نفساً الا وسعها».(25) وقوله: «لا يكلف الله نفساً الا ما آتاها».(26) وفي آيات كثيرة فاذا سلب من العبد حاسة من حواسه رفع العمل عنه بحاسته كقوله «ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج» (27) فقد رفع عن كل من كان بهذه الصفة الجهاد وجميع الأعمال التي لا يقوم بها، وكذلك أوجب على ذي اليسار الحج والزكاة لما ملكه من استطاعة ذلك ولم يوجب على الفقير الزكاة والحج ، قوله: «ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلاً» (28) وقوله في الظهار: «والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة».(29) الى‌ قوله: «فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكيناً». كل ذلك دليل على ان الله تبارك وتعالى لم يكلف عباده الا ما ملكهم استطاعته بقوة العمل به ونهاهم عن مثل ذلك فهذه صحة الخلقة. وأما قوله: تخلية السرب فهو الذي ليس له عليه رقيب يخطر عليه ويمنعه العمل بما امره الله به وذلك قوله فيمن استضعف وخطر عليه العمل فلم يجد حيلة ولا يهتدي سبيلاً كما قال الله تعالى: «الا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً» (30) فأخبر ان المستضعف لم يخل سر به وليس عليه من القول شيء اذا كان مطمئن القلب بالايمان. وأما المهلة في الوقت فهو العمر الذي يتمتع الانسان من حد ما تجب عليه المعرفة الى أجل الوقت وذلك من وقت تمييز وبلوغ الحلم الى ان يأتيه اجله. فمن مات على طلب الحق ولم يدرك كماله فهو على خير. وذلك قوله: «من يخرج من بيته مهاجراً الى الله ورسوله».(31) الآية. وان كان لم يعمل بكمال شرايعه لعلة ما لم يمهله في الوقت الى استتمام امره. وقد حظر على البالغ ما لم يحظر على الطفل اذا لم يبلغ الحلم في قوله: «وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن» (32) الآية. فلم يجعل عليهن حرجاً في ابداء الزينة للطفل وكذلك لا تجري عليه الأحكام. واما قوله: الزاد. فمعناه الجدة والبلغة التي يستعين بها العبد على ما امره الله به، وذلك قوله: «ما على المحسنين من سبيل» (33) الآية. ألا ترى انه قبل عذر من لم يجد ما ينفق والزام الحجة كل من امكنته البلغة والراحلة للحج والجهاد واشباه ذلك. وكذلك قبل عذر الفقراء واوجب لهم حقهم في مال الأغنياء بقوله: «للفقراء الذين احصروا في سبيل الله» (34) الآية. فأمر بأعفائهم ولم يكلفهم الا عداد لما يستطيعون ولا يملكون. واما قوله في السبب المهيج فهو النية التي هي داعية الانسان الى جميع الافعال وحاستا القلب. فمن فعل فعلاً وكان بدين لم يعقد قبله على ذلك لم يقبل الله منه عملاً الا بصدق النية ولذلك اخبر عن المنافقين بقوله: «يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله اعلم بما يكتمون» (35) ثم انزل على نبيه (صلى الله عليه وآله) توبيخاً للمؤمنين «يا ايها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون» (36) الآية. فاذا قال الرجل قولاً واعتقد في قوله دعته النية الى تصديق القول بأظهار الفعل. واذا لم يعتقد القول لم تتبين حقيقته. وقد اجاز الله صدق النية وان كان الفعل غير موافق لها لعلة مانع يمنع اظهار الفعل في قوله «الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان» (37) وقوله: «لا يؤاخذكم الله باللغو في ايمانكم»(38) فدل القرآن وأخبار الرسول (صلى الله عليه وآله) ان القلب مالك لجميع الحواس يصحح افعالها ولا يبطل ما يصحح القلب شيء. فهذا شرح جميع الخمسة الأمثال التي ذكرها الصادق (عليه السلام) انها تجمع المنزلة بين المنزلتين وهما الجبر والتفويض. فاذا اجتمع في الانسان كمال هذه الخمسة الأمثال وجب عليه العمل كمالاً لما امر الله عزوجل به ورسوله، واذا نقض العبد منها خلة كان العمل عنها مطروحاً بحسب ذلك. فأما شواهد القرآن على الاختبار والبلوى بالاستطاعة التي تجمع القول بين القولين فكثيرة. ومن ذلك قوله: «ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو اخباركم»(39). وقال: «سنستدرجهم من حيث لا يعلمون» (40). وقال: «أحسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون» (41). وقال في الفتن التي معناها الاختبار: «ولقد فتنا سليمان» (42) الآية. وقال في قصة موسى (عليه السلام): «فانا قد فتنا قومك من بعدك واضلهم السـامـري» (43) وقول موسى: «ان هـي الا فتنتك» (44) أي اختبارك. فهذه الآيات يقاس بعضها ببعض ويشهد بعضها لبعض. واما آيات البلوى بمعنى الاختبار قوله: «ليبلوكم في ما اتاكم» (45) وقوله: «ثم صرفكم عنهم ليبتليكم» (46) وقوله: «انا بلوناهم كما بلونا اصحاب الجنة» (47) وقوله: «خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم احسن عملاً» (48) وقوله: «واذا ابتلى ابراهيم ربه بكلمات» (49). وقوله: «ولو يشاء ‌الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض» (50) وكل ما في القرآن من بلوى هذه الآيات التي شرح أولها فهى اختبار، وامثالها في القرآن كثيرة، فهي اثبات الاختبار البلوى، ان الله جل وعز لم يخلق الخلق عبثاً ولا اهملهم سدى، ولا اظهر حكمته لعباً، وبذلك اخبر في قوله: «أفحسبتم انما خلقناكم عبثاً». فان قال قائل: فلم يعلم الله ما يكون من العباد حتى اختبرهم؟ قلنا: بلى قد علم ما يكون منهم قبل كونه، وذلك قوله: «ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه» (51) وانما اختبرهم ليعلمهم عدله ولا يعذبهم الا بحجة بعد الفعل وقد اخبر بقوله: «ولو انا اهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا ارسلت الينا رسولاً» (52) وقوله: «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً» (53) وقوله: «رسلاً مبشرين ومنذرين» (54). فالاختبار من الله بالاستطاعة التي ملكها عبده وهو القول بين الجبر والتفويض وبهذا نطق القرآن وجرت الأخبار عن الأئمة من آل الرسول. فان قالوا: ما الحجة في قول الله: «يضل من يشاء ويهدي من يشاء» وما أشبهها؟ قيل مجاز هذه الآيات كلها على معنيين: اما احدهما فاخبار عن قدرته اي انه قادر على هداية من يشاء وضلال من يشاء واذا أجبرهم بقدرته على احدهما لم يجب ثواب ولا عليهم عقاب على نحو ما شرحنا في الكتاب. والمعنى الآخر الهداية منه تـعريفـه كقـوله: «واما ثمود فهديناهم» (55) اي عرفناهم «فاستحبوا العمى على الهدى» (56). فلو أجبرهم على‌ الهدى لم يقدروا ان يضلوا، وليس كلما وردت آية مشتبهة كانت الآية حجة على محكم الآيات اللواتي امرنا بالأخذ بها،‌ من ذلك قوله: «منه آيات محكمات هن ام الكتاب وآخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تاويله» الرسالة الصادقية الجامعة للمؤمنين - 4 2006-10-31 00:00:00 2006-10-31 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1823 http://arabic.irib.ir/programs/item/1823 من غور ذخائر تراث اهل البيت(ع) هذه الرسالة التي كتبها مولانا الامام الصادق (عليه السلام) للمؤمنين واشتملت على بيان معالم الشخصية الايمانية والكيان الايماني الحق. وقد رواها الشيخ الكليني في الكافي عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن ابن فضال، عن حفص المؤذن(1) عن ابي عبد الله (عليه السلام)، وعن محمد بن اسماعيل بن بزيع، عن محمد بن سنان، عن اسماعيل بن جابر، عن ابي عبد الله (عليه السلام) انه كتب بهذه الرسالة الى اصحابه، وامرهم بمدارستها والنظر فيها وتعاهدها والعمل بها، وكانوا يضعونها في مساجد بيوتهم، فاذا فرغوا من الصلاة نظروا فيها. قال: وحدّ‎‏ثني الحسن بن محمد بن سماعة، عن جعفر بن محمد بن مالك الكوفي، عن القاسم بن الرّبيع الصحاف، عن اسماعيل بن مخلّد السرّاج، قال: خرجت هذه الرسالة من ابي عبد الله (عليه السلام) الى اصحابه: بسم الله الرحمن الرحيم، اما بعد: فاسألوا الله ربكم العافية، وعليكم بالدعة والوقار والسكينة، وعليكم بالحياء والتنزّه عمّا تنزّه عنه الصالحون قبلكم، وعليكم بمجاملة اهل الباطل(2)، تحملوا الضيم منهم، واياكم ومما ظنهم(3)، دينوا في ما بينكم وبينهم اذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم ونازعتموهم الكلام - فانه لابدّ لكم من مجالستهم ومخالطتهم ومنازعتهم الكلام - بالتقية التي امر كم الله ان تأخذوا بها في ما بينكم وبينهم، فاذا ابتليتم بذلك منهم فانهم سيؤذونكم، وتعرفون في وجوههم المنكر، ولولا انّ الله تعالى يدفعهم عنكم لسطوا بكم، وما في صدورهم من العداوة والبغضاء اكثر مما يبدون لكم، مجالسكم ومجالسهم واحدة، وارواحكم وارواحهم مختلفة لا تأتلف، لا تحبونهم ابداً ولا يحبونكم، غير ان الله تعالى اكرمكم بالحق وبصركموه، ولم يجعلهم من اهله فتجاملونهم وتصبرون عليهم، وهم لا مجاملة لهم ولا صبر لهم(4) على شيء من اموركم، تدفعون انتم السيئة بالتي هي احسن في ما بينكم وبينهم، تلتمسون بذلك وجه ربكم بطاعته، وهم لا خير عندهم. لا يحل لكم ان تظهروهم(5) على اصول دين الله، فانهم ان سمعوا منكم فيه شيئاً عادوكم عليه، ورفعوه عليكم، وجاهدوا على هلاككم، واستقبلوكم بما تكرهون، ولم يكن لكم النصف منهم في دول الفجار، فاعرفوا منزلتكم في ما بينكم وبين اهل الباطل، فانه لا ينبغي لأهل الحق ان ينزلوا انفسهم منزلة اهل الباطل، لأن الله لم يجعل اهل الحق عنده بمنزلة اهل الباطل. الم تعرفوا وجه قول الله تعالى في كتابه اذ يقول: «ام نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار»(6) أكرموا انفسكم عن اهل الباطل، فلا تجعلوا الله تعالى -وله المثل الأعلى- وامامكم ودينكم الذي تدينون به عرضة لأهل الباطل، فتغضبوا الله عليكم فتهلكوا. فمهلاً ! مهلاً! يا اهل الصلاح، لا تتركوا امر الله وامر من امركم بطاعته فيغيّر الله ما بكم من نعمة(7)، احبوا في (الله) من وصف صفتكم، وابغضوا في الله من خالفكم، وابذلوا مودتكم ونصيحتكم لمن وصف صفتكم، ولا تبذلوها لمن رغب عن صفتكم وعاداكم عليها وبغاكم(8) الغوائل. هذا أدبنا أدب الله، فخذوا به وتفهموه واعقلوه ولا تنبذوه وراء ظهوركم، ما وافق هداكم اخذتم به وما وافق هواكم طرحتموه ولم تأخذوا به. واياكم والتجبّر على الله، واعلموا ان عبداً لم يبتل بالتجبر على الله الا تجبّر على دين الله، فاستقيموا لله ولا ترتدّوا على اعقابكم فتنقلبوا خاسرين. اجارنا الله واياكم من التجبر على الله ولا قوة لنا ولكم الا بالله. وقال: ان العبد اذا كان خلقه الله في الأصل - اصل الخلقة- مؤمنا لم يمت حتى يكرّه (الله) اليه الشرّ ويباعده منه، ومن كرّه الله اليه الشرّ وباعده منه عافاه الله من الكبر أن يدخله والجبريّة، فلانت عريكته، وحسن خلقه، وطلق وجهه، وصار عليه وقار الاسلام وسكينته وتخشّعه، وورع عن محارم الله، واجتنب مساخطه، ورزقه الله مودّة الناس ومجاملتهم وترك مقاطعة الناس والخصومات ولم يكن منها ولا من اهلها في شيء. وان العبد اذا كان الله خلقه في الأصل - أصل الخلق- كافراً لم يمت حتى يحبّب اليه الشرّ ويقرّبه منه، فاذا حبّب اليه الشرّ وقربه منه ابتلي بالكبر والجبريّة(9)، فقسا قلبه، وساء خلقه، وغلظ وجهه، وظهر فحشه، وقلّ حياؤه، وكشف الله ستره، وركب المحارم فلم ينزع عنها، وركب معاصي الله وابغض طاعته واهلها، فبعد ما بين حال المؤمن وحال الكافر، سلوا الله العافية،‌ واطلبوها اليه، ‌ولا حول ولا قوة الا بالله. صبروا النفس على البلاء في الدنيا، فان تتابع البلاء فيها والشدة‌ في طاعة الله وولايته وولاية من امر بولايته خير عاقبة عند الله في الاخرة من ملك الدنيا، وان طال تتابع نعيمها وزهرتها وغضارة عيشها في معصية الله وولاية من نهى الله عن ولايته وطاعته، فان الله امر بولاية الائمة الذين سماهم في كتابه في قوله «وجعلناهم ائمة يهدون بأمرنا»(10) وهم الذين امر الله بولايتهم وطاعتهم، والذين نهى الله عن ولايتهم وطاعتهم وهم ائمة الضلال الذين قضى الله لهم ان يكون لهم دول في الدنيا على اولياء الله الائمة من آل محمد (صلى الله عليه وآله) يعملون في دولتهم بمعصية الله ومعصية رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليحق عليهم كلمة العذاب، وليتم امر الله فيهم الذي خلقهم له في الأصل اصل الخلق من الكفر الذي سبق في علم الله ان يخلقهم له في الأصل، ومن الذين سماهم الله في كتابه في قوله «وجعلناهم ائمة يدعون الى النار»(11) فتدبروا هذا واعقلوه، ولا تجهلوه، فان من جهل هذا واشباهه مما افترض الله عليه في كتابه مما امر به ونهى عنه ترك دين الله وركب معاصيه، فاستوجب سخط الله، فاكبه الله على وجهه في النار. وقال: ايتها العصابة المرحومة المفلحة، ان الله تعالى اتم لكم ما آتاكم من الخير، واعلموا انه ليس من علم الله ولا من امره ان يأخذ احد من خلق الله في دينه بهوى ولا رأي ولا مقائيس، قد انزل الله القرآن وجعل فيه تبيان كل شيء وجعل للقرآن وتعلم القرآن اهلاً، لا يسع اهل علم القرآن الذين آتاهم الله علمه ان يأخذوا فيه بهوى، ولا رأي ولا مقائيس، اغناهم الله عن ذلك بما آتاهم من علمه، وخصهم به ووضعه عندهم، كرامة من الله تعالى اكرمهم بها، وهم اهل الذكر الذين امر الله هذه الامة بسؤالهم، وهم الذين من سألهم - وقد سبق في علم الله ان يصدّقهم ويتّبع اثرهم- ارشدوه، واعطوه من علم القرآن ما يهتدي به الى الله باذنه والى جميع سبل الحق، وهم الذين لا يرغب عنهم وعن علمهم الذي اكرمهم الله به وجعله عندهم الا من سبق عليه في علم الله الشقاء في اصل الخلق تحت الأضّللة، فأولئك الذين يرغبون عن سؤال اهل الذكر والذين آتاهم الله تعالى علم القرآن ووضعه عندهم وامر بسؤالهم، فاولئك الذين يأخذون بأهوائهم وآرائهم ومقائيسهم حتى دخلهم الشيطان، لانهم جعلوا اهل الايمان في علم القرآن عند الله كافرين، وجعلوا اهل الضلالة في علم القرآن عند الله مؤمنين، وحتى جعلوا ما احل الله في كثير من الامر حراماً، وجعلوا ما حرم الله في كثير من الامر حلالاً. فذلك اصل ثمرة اهوائهم. وقد عهد اليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل موته، فقالوا: نحن بعد ما قبض الله [تعالي] رسوله يسعنا ان نأخذ بما اجتمع عليه رأي الناس بعد [ما] قبض الله تعالى رسوله وبعد عهده الذي عهده الينا وامرنا به، مخالفة لله تعالى ولرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم). فما احد اجرأ على الله ولا ابين ضلالة ممن أخذ بذلك وزعم ان ذلك يسعه. والله ان لله على خلقه ان يطيعوه ويتبعوا امره في حياة محمد (صلى‌ الله عليه وآله وسلم) وبعد موته، هل يستطيع اولئك اعداء الله ان يزعموا ان احداً ممن اسلم مع محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) اخذ بقوله ورأيه ومقائيسه؟ فان قال: نعم، فقد كذب على الله وضل ضلالاً بعيداً، وان قال: لا لم يكن لأحد أن يأخذ برأيه وهواه ومقائيسه، فقد اقر بالحجة على نفسه، وهو ممن يزعم ان الله يطاع ويتبع امره بعد قبض الله رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد قال الله تعالى - وقوله الحق-: «وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل افان مات او قتل انقلبتم على ‌اعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين»(12). وذلك ليعلموا ان الله تعالى يطاع ويتبع امره في حياة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد قبض الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكما لم يكن لأحد من الناس مع محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ان يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقائيسه خلافاً لأمر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فكذلك لم يكن لأحد من الناس من بعد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ان يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقائيسه. وقال: دعوا رفع ايديكم في الصلاة الا مرة واحدة حين تفتتح الصلاة فان الناس قد شهروكم بذلك، والله المستعان، ولا حول ولا قوة الا بالله. وقال: اكثروا من ان تدعوا الله، فان الله يحب من عباده المؤمنين ان يدعوه، وقد وعد عباده المؤمنين بالاستجابة، والله مصير دعاء المؤمنين يوم القيامة لهم عملاً يزيدهم به في الجنة. فأكثروا ذكر الله ما استطعتم في كل ساعة من ساعات الليل والنهار، فان الله تعالى امر بكثرة الذكر له، والله ذاكر لمن ذكره من المؤمنين. واعلموا ان الله لم يذكره احد من عباده المؤمنين الا ذكره بخير، فاعطوا الله من انفسكم الاجتهاد في طاعته، فان الله لا يدرك شيء من الخير عنده الا بطاعته واجتناب محارمه التي حرم الله تعالى في ظاهر القرآن وباطنه، فان الله تعالى قال في كتابه - وقوله الحق-: «وذروا ظاهر الاثم وباطنه»(13). واعلموا ان ما ما امر الله ان تجتنبوه فقد حرمه(14)، واتبعوا آثار رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسنته فخذوا بها، ولا تتبعوا اهواء‌كم وآراءكم فتضلوا، فان اضلّ الناس عند الله من اتبع هواه ورأيه بغير هدى من الله، واحسنوا الى انفسكم ما استطعتم، فان احسنتم احسنتم لأنفسكم وان أسأتم فلها، وجاملوا الناس ولا تحملوهم على رقابكم، تجمعوا مع ذلك طاعة ربكم. واياكم وسب اعداء الله حيث يسمعونكم فيسبوا الله عدواً بغير علم(15). وقد ينبغي لكم ان تعلموا حد سبهم لله كيف هو، انه من سب اولياء الله فقد انتهك سب الله، ومن اظلم عند الله ممن استسب لله ولأوليائه؟! فمهلاً مهلاً! فاتبعوا امر الله ولا قوة الا بالله. وقال: ايتها العصابة الحافظ الله لهم امرهم، عليكم بآثار رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسنته وآثار الأئمة الهداة من اهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بعده وسنتهم، فانه من اخذ بذلك فقد اهتدى، ومن ترك ذلك ورغب عنه ضل، لأنهم هم الذين امر الله بطاعتهم وولايتهم. وقد قال ابونا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): المداومة على العمل في اتباع الآثار والسنن وان قل ارضى لله وانفع عنده في العاقبة‌ من الاجتهاد في البدع واتباع الأهواء. الا ان اتباع الاهواء واتباع البدع بغير هدى من الله ضلال، وكل ضلال بدعة، وكل بدعة في النار. ولن ينال شيء من الخير عند الله الا بطاعته والصبر والرضا، لان الصبر والرضا من طاعة الله. واعلموا انه لن يؤمن عبد من عبيده حتى يرضى عن الله في ما صنع الله اليه وصنع به على ما احب وكره، ولن يصنع الله بمن صبر ورضي عن الله الا ما هو اهله، وهو خير له مما احب وكره. وعليكم بالمحافظة على الصلوات والصلاة ‌الوسطى وقوموا لله قانتين، كما امر الله به المؤمنين في كتابه من قبلكم واياكم. وعليكم بحب المساكين المسلمين، فانه من حقرهم وتكبر عليهم فقد زلّ(16) عن دين الله، والله له حاقر وماقت، وقد قال أبونا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «امرني ربي بحب المساكين المسلمين منهم». واعلموا انه من حقر أحداً من المسلمين القى‌ الله عليه المحقرة، حتى يمقته الناس والله [له] اشد مقتاً. فاتقوا الله في اخوانكم المسلمين المساكين منهم فان لهم عليكم حقاً ان تحبوهم، فان الله امر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بحبهم، فمن لم يحب من امر الله بحبه فقد عصى الله ورسوله، ومن عصى الله ورسوله ومات على ذلك مات وهو من الغاوين. واياكم والعظمة والكبر، فان الكبر رداء الله تعالى، فمن نازع الله رداءه قصمه الله واذله يوم القيامة. واياكم ان يبغي بعضكم على بعض، فانها ليست من خصال الصالحين فانه من بغي صير الله بغيه على نفسه، وصارت نصرة الله لمن بغي عليه، ومن نصره الله غلب،‌ واصاب الظفر من الله. واياكم ان يحسد بعضكم على بعض(17) فان الكفر اصله الحسد. واياكم وان تعينوا على ‌مسلم مظلوم، فيدعوا الله عليكم فيستجاب له فيكم فان ابانا رسول الله (صلى الله وعليه وآله وسلم) كان يقول: «ان دعوة المسلم المظلوم مستجابة». وليعن بعضكم بعضاً، فان ابانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: «ان معونة المسلم خير واعظم اجراً‌من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام». واياكم واعسار احد من اخوانكم من المؤمنين(18)، ان تعسروه بالشيء يكون لكم قبله وهو معسر. فان ابانا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول: «ليس لمسلم ان يعسر مسلماً، ومن انظر معسراً اظله الله يوم القيامة بظله يوم لا ظل الا ظله». واياكم - ايتها العصابة المرحومة‌ المفضلة على من سواها- وحبس حقوق الله قبلكم يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة، فانه من عجل حقوق الله قبله كان الله اقدر على التعجيل له الى مضاعفة الخير في العاجل والاجل، وانه من آخر حقوق الله قبله كان الله اقدر على تأخير رزقه، ومن حبس الله رزقه لم يقدر ان يرزق نفسه، فادوا الى الله حق ما رزقكم يطيب لكم بقيته وينجز لكم ما وعدكم من مضاعفته لكم الأضعاف الكثيرة التي لا يعلم بعددها ولا بكنه فضلها الا الله رب العالمين. وقال: اتقوا الله ايتها العصابة، وان استطعتم ان لا يكون منكم محرج للامام، وان محرج الامام هو الذي يسعى بأهل الصلاح من اتباع الامام، المسلمين لفضله، الصابرين على ‌اداء حقه، العارفين بحرمته. واعلموا ان من نزل بذلك المنزل عند الامام فهو محرج الامام، فاذا فعل ذلك عند الامام احرج الامام الى ان يلعن اهل الصلاح من اتباعه، المسلمين لفضله، الصابرين على اداء حقه، العارفين بحرمته، فاذا لعنهم لاحراج اعداء الله الامام صارت لعنته رحمة من الله عليهم، وصارت اللعنة من الله و [من] الملائكة ورسوله على اولئك. واعلموا - ايتها العصابة- ان السنة(19) من الله قد جرت في الصالحين قبل. وقال: من سره ان يلقي الله وهو مؤمن حقاً حقاً فليتول الله ورسوله والذين امنوا، وليبرأ الى الله من عدوهم، وليسلم لما انتهى اليه من فضلهم لان فضلهم لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا من دون ذلك. الم تسمعوا ما ذكر الله من فضل اتباع الائمة الهداة‌ وهم المؤمنون، قال: «فأولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقاً»(20) فهذا وجه من وجوه فضل اتباع الأئمة، فكيف بهم وفضلهم، ومن سره ان يتم الله له ايمانه حتى يكون مؤمناً حقاً حقاً فليف لله بشروطه التي اشترطها على المؤمنين، فانه قد اشترط مع ولايته وولاية رسوله وولاية ائمة المؤمنين (عليهم السلام) اقام الصلاة، وايتاء الزكاة، واقراض الله قرضاً حسناً، واجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فلم يبق شيء مما فسر مما حرم الله الا وقد دخل في جملة قوله، فمن دان الله في ما بينه وبين الله مخلصاً لله، ولم يرخص لنفسه في ترك شيء من هذا فهو عند الله في حزبه الغالبين وهو من المؤمنين حقاً. واياكم والاصرار على شيء مما حرم الله في ظهر القرآن وبطنه وقد قال الله: «ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون»(21) الى ههنا رواية القاسم بن الربيع(22). يعني (ان) المؤمنين قبلكم اذا نسوا شيئاً مما اشترط الله في كتابه عرفوا انهم قد عصوا الله في تركهم ذلك الشيء، فاستغفروا ولم يعودوا الى تركه، فذلك معنى قول الله تعالى «ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون». واعلموا انه انما امر ونهى ليطاع في ما امر به، ولينتهي عما نهي عنه. فمن اتبع امره فقد اطاعه، وقد ادرك كل شيء من الخير عنده، ومن لم ينته عما نهي الله عنه فقد عصاه، فان مات على معصيته اكبه الله على وجهه في النار. واعلموا انه ليس بين الله وبين احد من خلقه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك من خلقه كلهم الا طاعتهم له، فجدوا في طاعة الله ان سركم ان تكونوا مؤمنين حقاً حقاً، ولا قوة الا بالله. وقال: عليكم بطاعة ربكم ما استطعتم، فان الله ربكم. واعلموا ان الاسلام هو التسليم، والتسليم هو الاسلام، فمن سلم فقد اسلم، ومن لم يسلم فلا اسلام له، ومن سره ان يبلغ الى نفسه في الاحسان فليطع الله، فانه من اطاع الله فقد ابلغ الى نفسه في الاحسان. واياكم ومعاصي الله ان تركبوها فانه من انتهك معاصي الله فركبها فقد ابلغ في الاساءة الى نفسه، وليس بين الاحسان والاساءة منزلة، فلأهل الاحسان عند ربهم الجنة، ولأهل الاساءة عند ربهم النار، فاعملوا بطاعة‌ الله واجتنبوا معاصيه. واعلموا انه ليس يغني عنكم من الله احد من خلقه شيئاً، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك، فمن سره ان تنفعه شفاعة الشافعين عند الله فليطلب الى الله ان يرضى عنه. واعلموا ان احداً من خلق الله لم يصب رضا الله الا بطاعته وطاعة ‌رسوله وطاعة ولاة امره من آل محمد (صلى الله عليهم) ومعصيتهم من معصية الله ولم ينكر لهم فضلاً عظم ولا صغر. واعلموا ان المنكرين هم المكذبون، وان المكذبين هم المنافقون، وان الله تعالى قال للمنافقين - وقوله الحق-: «ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً»(23). ولا يفرقن(24) احد منكم ألزم الله قلبه طاعته وخشيته من احد من الناس اخرجه الله من صفة الحق ولم يجعله من اهلها،‌فان من لم يجعله الله من اهل صفة الحق فاولئك هم شياطين الانس والجن، وان لشياطين الانس حيلاً ومكراً وخدائع ووسوسة بعضهم الى بعض، يريدون ان استطاعوا ان يردوا اهل الحق عما اكرمهم الله به من النظر في دين الله الذي لم يجعل الله شياطين الانس من اهله، إرادة ان يستوي اعداء الله واهل الحق في الشك والانكار والتكذيب فيكونون سواء كما وصف الله في كتابه من قوله سبحانه «ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء»(25). ثم نهى الله اهل النصر بالحق ان يتخذوا من اعداء الله ولياً ولا نصيراً، فلا يهوّلنكم ولا يردنكم عن النصر بالحق الذي خصكم الله به من حيلة شياطين الانس ومكرهم وحيلهم ووساوس بعضهم الى بعض، فان اعداء الله ان استطاعوا صدوكم عن الحق، فيعصمكن الله من ذلك. فاتقوا الله وكفو السنتكم الا من خير، واياكم ان تذلقوا(26) السنتكم بقول الزور والبهتان، والاثم والعدوان، فانكم ان كففتم السنتكم عما يكره الله عما نهاكم عنه كان خيراً لكم عند ربكم(27) من ان تذلقوا السنتكم به، فان ذلق اللسان في ما يكره الله وفي ما ينهى عنه لدناءة(28) للعبد عند الله ومقت من الله وصمم وعمي وبكم يورثه الله اياه يوم القيامة، ‌فتصيروا كما قال الله «صم بكم عمي فهم لا يرجعون»(29) يعني لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون. واياكم وما نهاكم الله عنه ان تركبوه، وعليكم بالصمت الا في ما ينفعكم الله به في امر آخرتكم، ويؤجركم عليه، واكثروا من التهليل والتقديس والتسبيح والثناء على‌الله والتضرع اليه والرغبة في ما عنده من الخير الذي لا يقدر قدره ولا يبلغ كنهه احد، فاشغلوا السنتكم بذلك عما نهى الله عنه من اقاويل الباطل التي تعقب اهلها خلوداً في النار لمن مات عليها ولم يتب الى الله منها ولم ينزع عنها. وعليكم بالدعاء، فان المسلمين لم يدركوا نجاح الحوائج عند ربهم بافضل من الدعاء‌ والرغبة اليه والتضرع الى الله والمسألة له، فارغبوا في ما رغبكم الله فيه، واجيبوا الله الى ما دعاكم اليه لتفلحوا وتنجحوا من عذاب الله. واياكم وان تشره انفسكم الى شيء حرم الله عليكم فانه من انتهك ما حرم الله عليه ههنا في الدنيا حال الله بينه وبين الجنة ونعيمها ولذتها وكرامتها القائمة الدائمة لأهل الجنة ابد الابدين. واعلموا انه بئس الحظ الخطر لمن خاطر بترك طاعة الله وركوب معصيته، فاختار ان ينهك محارم الله في لذات دنيا منقطعة زائلة عن اهلها على خلود نعيم في الجنة ولذاتها وكرامة اهلها. ويل لأولئك، ما اخيب حظهم، واخسر كرتهم(30)، واسواً حالهم عند ربهم يوم القيامة! استجيروا الله ان يجريكم في مثالهم ابداً، وان يبتليكم بما ابتلاهم به، ولا قوة لنا ولكم الا به. فاتقو الله: ايتها العصابة الناجية - ان اتم الله لكم ما اعطاكم، فانه لا يتم الامر حتى يدخل عليكم مثل الذي دخل على الصالحين قبلكم، وحتى تبتلوا في انفسكم واموالكم، وحتى تسمعوا من اعداء الله اذى كثيراً فتصبروا وتعركوا بجنوبكم(31)، وحتى يستذلوكم ويبغضوكم، وحتى يحملوا عليكم الضيم فتحتملوه منهم، تلتمسون بذلك وجه الله والدار الاخرة، وحتى تكظموا الغيظ الشديد في الاذى في الله يجترمونه اليكم، وحتى يكذبوكم بالحق ويعادوكم فيه ويبغضوكم عليه فتصبروا على ذلك منهم، ومصداق ذلك كله في كتاب الله تعالى الذي انزله جبرئيل على نبيكم، سمعتم قول الله تعالى لنبيكم (صلى الله عليه وآله وسلم): «فاصبر كما صبر اولوالعزم من الرسل ولا تستعجل لهم»(32) ثم قال: «وان يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك»(33) «فصبروا على ما كذبوا واوذوا»(34) فقد كذب نبي الله والرسل من قبله واوذوا مع التكذيب بالحق، فان سركم ان تكونوا مع نبي الله محمد (صلى الله عليه وآله) والرسل من قبله فتدبروا ما قص الله عليكم في كتابه مما ابتلى به انبياءه واتباعهم المؤمنين، ثم سلوا الله ان يعطيكم الصبر على البلاء في السراء والضراء، والشدة والرخاء مثل الذي اعطاهم. واياكم ومماظة اهل الباطل، وعليكم بهدي الصالحين ووقارهم وسكينتهم وحلمهم وتخشعهم وورعهم عن محارم الله، وصدقهم ووفائهم واجتهادهم لله في العمل بطاعته، فانكم ان لم تفعلوا ذلك لم تنزلوا عند ربكم منزلة الصالحين قبلكم. واعلموا ان الله تعالى اذا اراد بعبد خيراً شرح صدره للاسلام، فاذا اعطاه نطق لسانه بالحق وعقد قلبه عليه فعمل به،‌ فاذا جمع الله له ذلك تم اسلامه، وكان عند الله ان مات على ذلك الحال من الملسمين حقاً. واذا لم يرد الله بعبد خيراً وكله الى نفسه، وكان صدره ضيقاً حرجاً، فان جرى على لسانه حق لم يعقد قلبه عليه، واذا لم يعقد قلبه عليه لم يعطه الله العمل به، فاذا اجتمع ذلك عليه حتى يموت وهو على تلك الحال كان عند الله من المنافقين، وصار ما جرى على لسانه من الحق الذي لم يعطه الله ان يعقد قلبه عليه ولم يعطه العمل به حجة عليه. فاتقوا الله وسلوه ان يشرح صدوركم للاسلام، وان يجعل السنتكم تنطق بالحق حتى يتوفاكم وانتم على ذلك، وان يجعل منقلبكم منقلب الصالحين قبلكم، ولا قوة الا بالله، والحمد لله رب العالمين. ومن سره ان يعلم [ان] الله يحبه(35) فليعمل بطاعة الله وليتبعنا، الم يسمع قول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله): «قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم»(36) والله لا يطيع الله عبد ابداً الا ادخل الله [عليه] في طاعته اتباعنا، ولا والله لا يتبعنا عبد ابداً الا احبه الله، ولا والله لا يدع اتباعنا احد ابداً الا ابغضنا، ولا والله لا يبغضنا احد ابداً الا عصى الله، ومن مات عاصياً لله اخزاه الله واكبه على وجهه في النار، والحمد الله رب العالمين(37). ******* (1) هو حفص بن عمر بن محمد، كان مؤذناً لعلى ‌بن يقطين، كما ذكره ابو عمرو الكشى، وكما ذكره في الكافي (باب اجناس اللباس) وهو امامي الا ان حاله مجهول. (2) أي معاملتهم بالجميل. (3) الضيم: الظلم، والمماظة: شدة المخاصمة والمنازعة. (4) تختلف النسخة المطبوعة من الروضة عن نسخة‌ الكتاب في بعض فصول هذه الرسالة لكنها توافق نسخة الوافي، وقال المجلسي (ره): قد اختل نظم هذا الحديث وترتيبه في بعض النسخ بسبب تقديم بعض الورقات وتأخير بعضها. وفيها قوله «ولا صبر لهم» متصل بقوله في ما بعد «من اموركم». (5) ان تطلعوهم (خ). (6) ص : 28. (7) في المصدر: «نعمه». (8) فيه: «بغالكم». (9) في بعض النسخ «الجبر». (10) الانبياء: 73. (11) القصص: 41، وفي المصحف «وجعلناهم» ولعل «منهم» قراءة أهل البيت (عليهم السلام) او من تصرف الراوي. (12) آل عمران: 144. (13) الانعام: 120. (14) في المصدر: «حرمه الله». (15) اشارة الى‌ قوله تعالى «ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم» (الانعام: 108). (16) ضل (خ). (17) في المصدر «بعضكم بعضاً» وكذا في النسخة المصححة. (18) المسلمين (خ). (19) لعل المراد بها ما ذكره آنفاً من لعن من يسعى به من الصالحين وصيرورته رحمة عليه. (20) النساء: 69. (21) آل عمران: 135. (22) أي ما يذكر بعده لم يكن من رواية القاسم بل كان في رواية حفص بن اسماعيل. (23) النساء: 145. (24) فرق - كسمع- منه: فزع وخاف. (25) النساء: 89. (26) من ذلاقة اللسان بمعنى فصاحته وحدته. (27) في بعض النسخ «وان تذلقوا». (28) مرداة (خ). (29) البقرة: 18. (30) واحسر كربهم (خ). (31) عرك الاذى بجنبه: احتمله. (32) الاحقاف: 35. (33) فاطر: 4. (34) الانعام: 34. (35) في المصدر: «ان يعلم ان الله عزوجل يحبه». (36) آل عمران: 31. (37) روضة الكافي: 2- 14، على اختلاف في بعض الفصول كما نبهنا عليه، وذكر مختارها في تحف العقول: 313-315. ******* خطب الإمام الحسين (ع) - 3 2006-08-26 00:00:00 2006-08-26 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1610 http://arabic.irib.ir/programs/item/1610 خطبة الإمام الحسين الأولى لما نظر الحسين عليه السلام الى جمعهم كأنه السيل رفع يديه بالدعاء وقـــال: اللهم انت ثقتي في كل كرب ورجائي في كل شدة وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة كم من هم يضعف فيه الفؤاد وتقل فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدو أنزلته بك وشكوته اليك رغبة مني اليك عمن سواك فكشفته وفرجته فأنت ولي كل نعمة ومنتهى كل رغبة، ثم دعا براحلته فركبها ونادى بصوت عال يسمعه جلّهم أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم بما هو حق لكم علي وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم فان قبلتم عذري وصدقتم قولي وأعطيتموني النصف من أنفسكم كنتم بذلك أسعد ولم يكن لكم علي سبيل وان لم تقبلوا مني العذر ولم تعطوا النصف من انفسكم فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن امركم عليكم غمة ثم اقضوا الي ولا تنظرون ان وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين فلما سمعن النساء هذا منه صحن وبكين وارتفعت أصواتهن فأرسل اليهن أخاه العباس وابنه علياً الأكبر وقال لهما سكتاهن فلعمري ليكثر بكاؤهن ولما سكتن حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى الملائكة والأنبياء وقال في ذلك ما لا يحصى ذكره ولم يسمع متكلم قبله ولا بعده أبلغ منه في منطقه ثم قال: الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال متصرفةً بأهلها حالاً بعد حال فالمغرور من غرته والشقي من فتنته فلا تغرنكم هذه الدنيا فانها تقطع رجاء من ركن اليها وتخيب طمع من طمع فيها وأراكم قد اجتمعتم على امر أرى أنكم قد أسخطتم الله فيه عليكم وأعرض بوجهه الكريم عنكم وأحل بكم نقمته وجنبكم رحمته فنعم الرب ربنا وبئس العبيد أنتم أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم إنكم زحفتم الى ذريته وعترته تريدون قتلهم لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم فتبّاً لكم ولما تريدون انا لله وانا اليه راجعون هؤلاء قوم كفروا بعد ايمانهم فبعداً للقوم الظالمين أيها الناس انسبوني من أنا ثم ارجعوا الى أنفسكم وعاتبوها وانظروا هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين بالله والمصدق برسوله بما جاء من عند ربه أوليس حمزة سيد الشهداء عم أبي أو ليس جعفر الطيار عمي أو لم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي هذان سيدا شباب أهل الجنة فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق والله ما تعمدت الكذب منذ علمت ان الله يمقت عليه أهله ويضر به من اختلقه وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري وأبا سعيد الخدري وسهل بن سعد الساعدي وزيد بن أرقم وأنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لي ولأخي أما في هذا حـاجـز لكم عن سفك دمي؟ فقال الشمر: هو يعـبد اللّه على حــرف إنْ كـان يدري ما يقول. فقال له حبيب بن مظـاهر والله اني أراك تعبد الله على سبعين حرفاً وأنا أشهد انك صادق ما تدري ما يقول قد طبع الله على قلبك. ثم قال الحسين: إن كنتم في شك من هذا القول أفتشكون أني ابن بنت نبيكم فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته أو مال لكم استهلكته او بقصاص جراحة فأخذوا لا يكلمونه فنادى يا شبث بن ربعي ويا حجار بن أبجر ويا قيس بن الأشعث ويا زيد بن الحارث ألم تكتبوا إلي أن اقدم قد أينعت الثمار واخضر الجناب وإنما تقدم على جند لك مجندة. فقالوا لم نبعث قال سبحان الله بلى والله لقد فعلتم ثم قال أيها الناس إذا كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم الى مأمني من الأرض. فقال له قيس بن الأشعث أولا تنزل على حكم بني عمك فإنهم لن يروك الا ما تحب ولن يصل اليك منهم مكروه. فقال الحسين: أنت أخو أخيك أتريد أن يطلبك بنو هاشم أكثر من دم مسلم بن عقيل لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ولا أفر فرار العبيد، عباد الله إني عذت بربي وربكم أن ترجمون أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب. *******خطبة الإمام الحسين الثانيةثـمّ إنّ الحـسـين ركب فـرسه، وأخـذ مصـحفاً ونشـره عـلى رأسه، ووقـف بـإزاء القـوم وقال: يـا قوم إن بيني وبينكـم كتـاب اللّه وسـنّة جـدّي رســول اللّه صـلى اللّه عـليـه وآله وسـلم، ثـمّ استــشـهدهم عن نفـسه المقـدّسة، وما عـليـه مـن سـيف النبـي ودرعه وعمامتـه، فأجـابوه بالتصـديق. فسألهم عمّا أقدمهم على قتله قالوا: طاعةً للامير عبيد اللّه بن زياد فـقـال عـليه السـلام: تـبـاً لكم أيّتها الجـماعة وترحـاً أحين استصـرخـتمونا والهين، فأصرخـناكم موجفين، سللتـم علينا سيفاً لنا في أيمانكم، وحـششتم عـلينا ناراً اقـتـدحـناها على عدوّنا وعدوّكم فـأصـبـحتم ألباً لأعدائكم علـى أوليـائكـم، بــغـير عـدل أفـشــوه فيكم، ولا أمل أصـبـح لكم فيهم، فهلاّ لكم الويلات تركتمونا والسيف مشيم والجأش طامن والرأي لما يستصحــف، ولكـن أسـرعـتـم إليـهـا كطـيرة الدبــأ، وتـداعيتم عليها كتهافـت الفراش ثـمّ نـقـضـتـموها فـسـحـقاً لكـم يا عـبـيد الامّة، وشـذاذ الأحزاب، ونبذة الكـتـاب، ومـحـرّفـي الكلم، وعـصـبة الإثـم، ونفثـة الشـيطـان، ومطفئي السـنن ويحـكم أهؤلاء تـعـضـدون، وعنا تتخـاذلون أجـلْ واللّه غـدر فيكـم قـديـم، و شـجـت عـليه اصـولكـم، وتأزرت فـروعكم فكنـتم أخـبث ثمر شــجٍ للنـاظـر، وأكـلة للغـاصـب. ألا وإنّ الدّعـي بـن الدّعي (يعني ابـن زيـاد) قـدْ ركـز بــين اثــنتــين، بـين السـّلة والذّلة، وهـيهات مـنّا الذّلــة يـأبـى اللّه لنـا ذلك ورسـوله والمـؤمنون، وحـجـور طـابت وحجور طهرت وانوف حـمية، ونفوس أبـية من أن نؤثـر طـاعـة اللئام على مصـارع الكرام ألا وإنـي زاحـف بــهـذه الاسـرة عـلى قـلة العدد وخـذلان الناصـر. ثــــم انشد أبيات فروة: فـإن نهـزم فهـــزّامــون قدمـاوإن نـهْـــزم فغـير مهـزّمينــــاومـا ان طبنـا جـبــْن ولكــنمنـايانــا ودولـــة آخـــرينـــافقـــل للشامتيـن بنــا أفيقـــواسيلقــى الشامتــون كما لقينـــاأمـا واللّه لا تـلبــثـون بـعـدها إلاّ كـريـثما يركب الفـرس، حتى تدور بكم دور الرحـى، وتـقلق بـكم قلق المحور، عهد عهده اليّ أبي عن جـدّي رسول اللّه صـلى اللّه عـليه وآله وسـلم «فـأجـمعوا أمركـم وشـركاء كم ثـمّ لا يكـن أمـركـم عـليكم غـمّة، ثـمّ اقـضـوا إليّ ولا تـنـظـرون». «إني تـوكلت على اللّه ربّي وربكّم، ما من دابة إلاّ هــو آخــذ بناصــيتـــها، إنّ ربّي عــلى صراط مسـتـقـيم». ثـمّ رفـع يديه وقال: «اللّهم احـبـس عنهم قطـر السماء، وابعث عـليـهـم سـنـين كـسـنيّ يوسـف وسلّط عليهم غـلام ثــقـيف يسقيهم كأساً مـصـبـّرة فـإنهم كـذّبونا وخـذلونا، وانت ربّنا عـليك توكّلنا وإليك المصير». ******* الخطبة الفدكية - 2 2006-04-13 00:00:00 2006-04-13 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/983 http://arabic.irib.ir/programs/item/983 خطبتا الصديقة الزهراء(ع) في الدفاع عن الامامة ان من اهم ذخائر تراث اهل بيت النبوة (عليهم السلام) خطبتا الصديقة الزكية فاطمة الزهراء سلام الله عليهما بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد بينت فيهما اصول الاسلام المحمدي الاصيل الذي جاء به ابوها سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) واتمت على القوم الحجة الالهية البالغة فيما يرتبط باتباع الدين الحق ودور الامامة الالهية في هداية الامة الى المحجة البيضاء، وحذرت الامة من عواقب تجاهلها لوصايا النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) بالتمسك بعرى الثقلين وما سينزل بها من فتن وويلات نتيجة لذلك وقد صدق التأريخ الاسلامي ما اخبرت عنه صلوات الله عليها. لقد اتخذت (سلام الله عليها) من قضية غصب فدك منطلقا لبيان الظلم النازل باهل بيت النبي بعد وفاته، بل وبه (صلى الله عليه وآله) بتجاهل وصاياها، وهذا هو محور الخطبة الاولى التي عرفت بالفدكية والتي حثت احاديث اهل البيت (عليهم السلام) على دراستها وتعليمها للصغار والكبار، اما محور الخطبة الثانية وهي التي القتها على جمع من نساء المهاجرين والانصار فهو بيان ما سينزل بالامة نتيجة لنكران بيعة الغدير وتجاهل وصية النبي(ص) بالتمسك بالثقلين. فيما يلي كلا هاتين الخطبتين مشفوعة بشرح العلامة المجلسي لفقراتها: ******* الاولى: خطبتها الفدكية في مسجد النبي(ص) روى عبد الله بن الحسن (عليه السلام) بإسناده عن آبائه (عليهم السلام) أنه لما أجمع(3) أبو بكر على منع فاطمة (عليها السلام) فدك، وبلغها ذلك، لاثت خمارها على رأسها(4)، واشتملت بجلبابها(5)، وأقبلت في لمة(6) من حفدتها(7) ونساء قومها، تطأ ذيولها(8)، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله (صلى الله عليه وآله)(9)، حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد(10) من المهاجرين والأنصار وغيرهم فنيطت دونها ملاءة(11)، فجلست، ثم أنّت أنّة أجهش القوم(12) لها بالبكاء. فارتجّ المجلس(13). ثم أمهلت هنيةً(14) حتى إذا سكن نشيج القوم(15)، وهدأت فورتهم(16)، افتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله، فعاد القوم في بكائهم، فلما أمسكوا عادت في كلامها، فقالت (عليها السلام): الحمد لله على ما أنعم وله الشكر على ما ألهم، والثناء بما قدّم، من عموم نعم ابتدأها(17)، وسبوغ آلاء أسداها(18)، وتمام منن والاها(19)، جم عن الإحصاء عددها(20)، ونأى عن الجزاء أمدها(21)، وتفاوت عن الإدراك أبدها(22)، وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتصالها(23)، واستحمد إلى الخلائق بإجزالها(24)، وثنّى بالندب إلى أمثالها(25). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة جعل الإخلاص تأويلها(26)، وضمّن القلوب موصولها(27)، وأنار في الفكر معقولها(28)، الممتنع من الأبصار رؤيته(29)، ومن الألسن صفته،(30) ومن الأوهام كيفيته. ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها(31)، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها(32)، كوّنها بقدرته، وذرأها بمشيته، من غير حاجة منه إلى تكوينها، ولا فائدة له في تصويرها إلا تثبيتاً لحكمته، وتنبيهاً على طاعته(33)، وإظهاراً لقدرته، وتعبّداً لبريته(34)، وإعزازاً لدعوته(35) ثم جعل الثواب على طاعته، ووضع العقاب على معصيته، ذيادةً لعباده عن نقمته(36) وحياشة منه إلى جنته(37). وأشهد أن أبي محمد (صلى الله عليه وآله) عبده ورسوله، اختاره وانتجبه قبل أن أرسله، وسماه قبل أن اجتبله(38)، واصطفاه قبل أن ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة، وبستر الأهاويل مصونة(39)، وبنهاية العدم مقرونة، علماً من الله تعالى بمآيل الأمور(40)، وإحاطة بحوادث الدهور، ومعرفة بمواقع المقدور(41) ابتعثه الله تعالى إتماماً لأمره(42)، وعزيمة على إمضاء حكمه، وإنقاذاً لمقادير حتمه(43). فرأى الأمم فرقاً في أديانها، عكفاً على نيرانها(44)، عابدة لأوثانها، منكرة لله مع عرفانها(45) فأنار الله محمدٍ (صلى الله عليه وآله) ظلمها(46)، وكشف عن القلوب بهمها(47) وجلى عن الأبصار غممها(48)، وقام في الناس بالهداية، وأنقذهم من الغواية، وبصرهم من العماية(49) وهداهم إلى الدين القويم، ودعاهم إلى الطريق المستقيم. ثم قبضه الله إليه رأفة واختيار(50) ورغبة وإيثار بمحمدٍ(51) (صلى الله عليه وآله) عن تعب هذه الدار في راحة، قد حُفّ بالملائكة الأبرار، ورضوان الرب الغفار، ومجاورة الملك الجبار، صلى الله على أبي نبيه وأمينه على الوحي، وصفيه وخيرته من الخلق ورضيّه، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته. ثم التفتت إلى أهل المجلس وقالت: أنتم عباد الله نصب أمره ونهيه(52) وحملة دينه ووحــــيه، وأمناء الله على أنفسكم، وبــــلغاؤه إلى الأمم(53): وزعمتم حــــق لكم(54) لله فيكم، عهد قدّمه إليكم، وبقية استخلفها عليكم(55): كتاب الله الناطق، والقرآن الصادق، والنور الساطع، والضياء اللامع، بيّنة بصائره(56)، منكشفة سرائره(57)، متجلية ظواهره، مغتبطة به أشياعه(58)، قائد إلى الرضوان اتّباعه، مؤدٍ إلى النجاة إسماعه(59). به تُنال حجج الله المنورة، وعزائمه المفسرة، ومحارمه المحذّرة، وبيّناته الجالية، وبراهينه الكافية، وفضائله المندوبة، ورخصه الموهوبة(60)، وشرائعه المكتوبة. فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك، والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر، والزكاة تزكية للنفس(61) ونماءً في الرزق(62)، والصيام تثبيتاً للإخلاص(63)، والحج تشييداً للدين(64)، والعدل تنسيقاً للقلوب(65)، وطاعتنا نظاماً للملة، وإمامتنا أماناً من الفرقة، والجهاد عز للإسلام، والصبر معونة على استيجاب الأجر(66)، والأمر بالمعروف مصلحة للعامة، وبر الوالدين وقاية من السخط(67)، وصلة الأرحام منماة للعدد(68)، والقصاص حصناً للدماء، والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة، وتوفية المكاييل والموازين تغييراً للبخس(69) والنهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرجس(70)، واجتناب القذف حجاباً عن اللعنة(71)، وترك السرقة إيجاباً للعفة(72)، وحرم الله الشرك إخلاصاً له بالربوبية، (اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) وأطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، فإنه (إنما يخشى الله من عباده العلماء). ثم قالت: أيها الناس اعلموا أني فاطمة، وأبي محمد (صلى الله عليه وآله)، أقول عوداً وبدءاً(73)، ولا أقول ما أقول غلطاً، ولا أفعل ما أفعل شططاً(74): (لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم(75) عزيزٌ عليه ما عنتم(76) حريص عليكم(77) بالمؤمنين رؤوف رحيم(78))(79)، فإن تعزوه(80) وتعرفوه تجدوه أبي دون نسائكم، وأخا ابن عمي دون رجالكم، ولنعم المعزيّ إليه (صلى الله عليه وآله). فبلغ الرسالة صادعاً بالنذارة(81)، مائلاً عن مدرجة المشركين(82)، ضارباً ثبجهم(83)، آخذاً بأكظامهم، داعياً إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة(84)، يكسر الأصنام، وينكت الهام(85)، حتى انهزم الجمع وولوا الدبر، حتى تفرّى الليل عن صبحه(86)، وأسفر الحق عن محضه(87)، ونطق زعيم الدين(88)، وخرست شقائق الشياطين(89)، وطاح وشيظ النفاق(90)، وانحلت عقد الكفر والشقاق، وفُهتم بكلمة الإخلاص(91) في نفر من البيض الخماص(92)، وكنتم على شفا حفرة من النار(93)، مذقة الشارب، ونهزة الطامع(94)، وقبسة العجلان(95)، وموطئ الأقدام(96)، تشربون الطرق(97)، وتقتاتون الورق(98)، أذله خاسئين(99)، (تخافون أن يتخطفكم الناس فاواكم)(100). فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد (صلى الله عليه وآله) بعد اللتيا والتي(101)، وبعد أن مني ببُهم الرجال وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب(102)، (كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله)، أو نجم قرن للشيطان(103)، وفغرت فاغرة من المشركين(104) قذف أخاه في لهواتها(105)، فــــلا ينكفئ(106) حتى يطأ صــــماخها بأخمصه، ويُخمد لهبها بسيفه(107)، مكدوداً في ذات الله(108)، مجتهداً في أمر الله، قريباً من رسول الله سيد أولياء الله(109)، مشمراً ناصحاً(110)، مجداً كادحاً(111)، وأنتم في رفاهية من العيش، وادعون فاكهون آمنون(112)، تتربصون بنا الدوائر(113)، وتتوكّفون الأخبار(114)، وتنكصون عند النزال(115)، وتفرون عند القتال. فلما اختار الله لنبيه دار أنبيائه ومأوى أصفيائه، ظهر فيكم حسيكة النفاق(116)، وسمل جلباب الدين(117)، ونطق كاظم الغاوين(118)، ونبغ خامل الأقلين(119)، وهدر فنيق المبطلين(120). فخطر في عرصاتكم(121)، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه، هاتفاً بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين(122)، وللغرة فيه ملاحظين(123). ثم استنهضكم(124) فوجدكم خفافاً(125) وأحمشكم فألفاكم غضاباً(126)، فوسمكم غير إبلكم(127)، وأوردتم غير شربكم(128)، هذا والعهد قريب، والكلم رحيب(129)، والجرح لما يندمل(130)، والرسول لما يقبر(131)، ابتداراً زعمتم خوف الفتنة(132)، (ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) (133). فهيهات منكم، وكيف بكم، وأنّى تؤفكون؟ وكتاب الله بين أظهركم(134)، أموره ظاهرة، وأحكامه زاهرة(135)، وأعلامه باهرة، وزواجره لائحة، وأوامره واضحة، قد خلفتموه وراء ظهوركم، أرغبة عنه تريدون، أم بغيره تحكمون (بئس للظالمين بدلاً(136))(137)، (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)(138). ثم لم تلبثوا أن تسكن نفرتها، ويسلس قيادها(139) ثم أخذتم تورون وقدتها(140)، وتهيجون جمرتها(141)، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي(142)، وإطفاء أنوار الدين الجلي، وإهماد سنن النبي الصفي(143)، تُسرّون حسواً في ارتغاءٍ(144)، وتمشون لأهله وولده في الخَمَر والضراء(145)، ونصبر منكم على مثل حز المدى(146)، ووخز السنان في الحشا(147)، وأنتم تزعمون ألا إرث لنا، (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون)(148). أفلا تعلمون؟ بلى تجلى لكم كالشمس الضاحية(149) أني ابنته. أيها المسلمون أأغلب علـــى إرثيه(150) يا ابن أبـــي قحافة‍ أفي كـــتاب الله أن ترث أبـــــاك، ولا أرث أبي؟ (لقد جئت شيئاً فرياً(151))(152)، أفعلى عمدٍ تركتم كتاب الله، ونبذتموه وراء ظهوركم، إذ يقول: (وورث سليمان داود)(153)، وقال فيما اقتص من خبر يحيي بن زكريا عليهما السلام إذ قال رب (فهب لي من لدنك ولياً / يرثني ويرث من آل يعقوب)(154)، وقال: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله)(155)، وقال: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) (156)، وقال: (إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين) (157)، وزعمتم ألا حظوة لي(158)، ولا إرث من أبي لا رحم بيننا‍! أفخصّكم الله بآية أخرج منها أبي؟ أم هل تقولون أهل ملتين لا يتوارثان، ولست أنا وأبي من ملة واحدة،؟‍ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي(159)؟ فدونكها مخطومة مرحولة(160). تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد(161) والموعد القيامة، وعند الساعة ما تخسرون(162) ولا ينفعكم إذ تندمون، ولكل نبأ مستقر (فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه(163) ويحل عليه عذاب مقيم(164)). ثم رمت بطرفها(165) نحو الأنصار فقالت يا معاشر الفتية(166)، وأعضاد الملة(167) وأنصار الإسلام ما هذه الغميزة في حقي(168)؟ والسّنة عن ظلامتي(169) أما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبي يقول: (المرء يُحفظ في ولده)؟ سرعان ما أحدثتم، وعجلان ذا إهالة(170)، ولكم طاقة بما أحاول، وقوة على ما أطلب وأزاول أتقولون مات محمد (صلى الله عليه وآله)؟‍ فخطب جليل استوسع وهيه(171)، واستنهر فتقه، وانفتق رتقه(172)، وأظلمت الأرض لغيبته، وكسفت النجوم لمصيبته(173)، وأكدت الآمال(174) وخشعت الجبال، وأُضيع الحريم(175) وأزيلت الحرمة عند مماته(176) فتلك والله النازلة الكبرى(177) والمصيبة العظمى، لا مثلها نازلة ولا بائقة عاجلة(178) أعلن بها كتاب الله ـ جل ثناؤه ـ في أفنيتكم في ممساكم ومصبحكم(179) هتافاً وصراخاً وتلاوة وإلحاناً،(180) ولقبله ما حل بأنبياء الله ورسله، حكم فصل وقضاء حتم(181) (وما محمد إلا رسول قد خلت(182) من قبــــله الرسل أفإن مــــات أو قتل انقلـــبتم على أعــــقابكم(183) ومن ينــقلب على عـــقبـــيه فلن يضر الله شيئاً وسجزي الله الشــــــاكرين(184))(185). أيهاً بني قيلة(186)! أأُهضم تراث أبِيَه(187) وأنتم بمرأى مني ومسمع(188)، ومبتدأٍ ومجمع(189)؟!‍ تلبسكم الدعوة، وتشملكم الخبرة(190) وأنتم ذوو العدد والعدة، والأداة والقوة، وعندكم السلاح والجنة، توافيكم الدعوة فلا تجيبون، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون، وأنتم موصوفون بالكفاح(191)، معروفون بالخير والصلاح، والنجبة التي انتجبت(192)، والخيرة التي اختيرت(193)!‍ قاتلتم العرب، وتحملتم الكد والتعب، وناطحتم الأمم(194)، وكافحتم البهم(195)، فلا نبرح أو تبرحون(196)، نأمركم فتأتمرون(197)، حتى دارت بنا رحى الإسلام(198) ودرّ حلب الأيام(199)، وخضعت نعرة الشرك(200)، وسكنت فورة الإفك(201)، وخمدت نيران الكفر(202)، وهدأت دعوة الهرج(203)، واستوسق نظام الدين(204)، فأنّى جرتم بعد البيان(205)، وأسررتم بعد الإعلان، ونكصتم بعد الإقدام(206)، وأشركتم بعد الإيمان؟ (ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشوهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين(207))(208). ألا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض(209)، وأبعدتم من هو أحق بالبسط والقبض(210)، وخلوتم بالدعة(211)، ونجوتم من الضيق بالسعة، فمججتم ما وعيتم(212)، ودسعتم الذي تسوغتم(213)، (إن تكفروا(214) أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغني حميد)(215) ألا وقد قلت ما قلت على معرفة مني بالخذلـــــة التي خامرتكم(216)، والغدرة الــــتي استشعرتــــها قلوبكم(217) ولكنها فيضة النفس(218)، ونفثة الغيظ(219)، وخور القنا(220)، وبثة الصدور(221)، وتقدمة الحجة(222). فدونكموها فاحتقبوها(223) دبرة الظهر(224) نقبة الخف(225) باقية العار(226) موسومة بغضب الله وشنار الأبد(227)، موصولة بنار الله الموقدة(228) التي تطلع على الأفئدة. فبعين الله ما تفعلون(229) (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب(230) ينقلبون)(231)، وأنا ابنة نذير لكم(232) بين يدي عذابٍ شديدٍ، (اعملوا(233) على مكانتكم إنا عاملون / وانتظروا إنا منتظرون)(234). فأجابها أبو بكر عبد الله بن عثمان، فقال: يا ابنة رسول الله، لقد كان أبوك بالمؤمنين عطوفاً كريماً، ورؤوفاً رحيماً، وعلى الكافرين عذاباً أليماً وعقاباً عظيماً، فإن عزوناه وجدناه أباك دون النساء، وأخاً لبعلك دون الإخلاء، آثره على كل حميم، وساعده في كل أمر جسيم، لا يحبكم إلا كل سعيد، ولا يبغضكم إلا كل شقي، فأنتم عترة رسول الله (صلى الله عليه وآله) الطيبون، والخيرة المنتجبون، على الخير أدلتنا، وإلى الجنة مسالكنا، وأنت ـ يا خيرة النساء وابنة خير الأنبياء ـ صادقة في قولك، سابقة في وفور عقلك، غير مردودة عن حقك، ولا مصدودة عن صدقك، ووالله، ما عدوت رأي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ولا فضة ولا داراً ولا عقاراً، وإنما نورث الكتب والحكمة، والعلم والنبوة، وما كان لنا من طعمة فلولي الأمر بعدنا أن يحكم فيه بحكمه). وقد جعلنا ما حاولته في الكراع والسلاح يقابل به المسلمون، ويجاهدون الكفار، ويجالدون المردة(235) ثم الفجار. وذلك بإجماع من المسلمين لم أتفرد به وحدي، ولم أستبد(236) بما كان الرأي فيه عندي. وهذه حالي، ومالي هي لك وبين يديك، لا نزوي عنك(237) ولا ندخر دونك، وأنت سيدة أمة أبيك، والشجرة الطيبة لبنيك، لا يدفع ما لك من فضلك، ولا يوضع من فرعك وأصلك(238) حكمك نافذ فيما ملكت يداي، فهل ترين(239) أن أخالف في ذلك أباك (صلى الله عليه وآله)؟ فقالت (عليها السلام): سبحان الله! ما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن كتاب الله صادفاً(240) ولا لأحكامه مخالفاً، بل كان يتبع أثره(241)، ويقفو سوره(242) أفتجمعون إلى الغدر اعتلالاً عليه بالزور(243) وهذا بعد وفاته شبيه بما بغي له من الغوائل في حياته(244) هذا كتاب الله حكماً عدلاً، وناطقاً فصلاً، يقول: (يرثني ويرث من آل يعقوب)، (وورث سليمان داوود) فبين عز وجل فيما وزع عليه من الأقساط، وشرع من الفرائض والميراث، وأباح من حظ الذكران والإناث ما أزاح علة المبطلين(245) وأزال التظني والشبهات في الغابرين(246)، كلا (بل سولت لكم أنفسكم(247) أمراً فصبرٌ جميلٌ(248) والله المستعان على ما تصفون)(249). فقال أبو بكر: صدق الله ورسوله، وصدقت ابنته، أنت معدن الحكمة، وموطن الهدى والرحمة، وركن الدين وعين الحجة، لا أبعد صوابك، ولا أنكر خطابك(250) هؤلاء المسلمون بيني وبينك، قلدوني ما تقلدت، وباتفاق منهم أخذت ما أخذت(251) غير مكابر ولا مستبد ولا مستأثر(252) وهم بذلك شهود. فالتفتت فاطمة (عليها السلام) وقالت: معاشر الناس المسرعة إلى قيل الباطل(253)، المغضية(254) على الفعل القبيح الخاسر (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها(255))(256)، كلا بل ران على قلوبكم(257) ما أسأتم من أعمالكم، فأخذ بسمعكم وأبصاركم، ولبئس ما تأولتم(258)، وساء ما به أشرتم(259)، وشر ما منه اعتضتم(260)، لتجدن ـ والله ـ محمله ثقيلاً(261) وغبه وبيلاً(262) إذا كشف لكم الغطاء، وبان ما وراءه الضراء(263)، (وبدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون(264))(265) و(خسر هنالك المبطلون(266))(267). ثم عطفت على قبر النبي (صلى الله عليه وآله) وقالت(268): قد كان بعدك أنباء وهنبثةلو كنت شاهدها لم تكبر الخطبإنا فقدناك فقد الأرض وابلهواختل قومك فاشهدهم وقد نكبوا(269) وكل أهل له قربى ومنزلةعند الإله على الأدنين مقترب(270) أبدت رجال لنا نجوى صدورهملما مضيت وحالت دونك الترب(271) تجهمتنا رجالٌ واستخف بنلما فقدت وكل الأرض مغتصب(272) و كنت بدراً ونوراً يستضاء بهعليك تنزل من ذي العزة الكتبو كان جبريل بالآيات يؤنسنفقد فقدت فكل الخير محتجب(273) فليت قبلك كان الموت صادفنلما مضيت وحالت دونك الكثب(274) إنا رزئنا بما لم يرز ذو شجنمن البرية لا عجم ولا عرب(275) ثم انكفأت (عليها السلام) وأمير المؤمنين (عليه السلام) يتوقع رجوعها إليه، ويتطلع طلوعها عليه(276). فلما استقرت بها الدار(277) قالت لأمير المؤمنين (عليه السلام): يا ابن أبي طالب! اشتملت شملة الجنين(278)، وقعدت حجرة الظنين(279)! نقضت قادمة الأجدل(280)، فخانك ريش الأعزل(281) هذا ابن أبي قحافة(282) يبتزني نحيلة أبي وبلغة ابني(283) لقد أجهر في خصامي(284) وألفيته ألد في كلامي(285)، حتى حسبتنـــي قيلة نصرهــــا، والمهاجــــرة وصلهـــــــا(286)، وغضت الجماعة دوني طرفها(287)، فلا دافع ولا مانع، خرجت كاظمة، وعدت راغمة(288)، أضرعت خدك(289) يوم أضعت حدك(290)، افترست الذئاب، وافترشت التراب(291)، ما كففت قائلاً، ولا أغنيت باطلاً(292) ولا خيار لي. ليتني مت من قبل هنيتي(293) ودون زلتي(294). عذيري الله منك عاديـــاً ومنـــــك حاميــــاً(295). ويــــلاي من كل شارق(296)، مات العمد(297)، ووهت العضد. شكواي إلى أبي، وعدواي إلى ربي(298). اللهم أنت أشد قوة وحولاً(299)، وأحد بأسا ًوتنكيلاً(300). فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا ويل عليك، الويل لشانئك(301)، نهنهي عن وجدك يا ابنة الصفوة(302) وبقية النبوة، فما ونيت عن ديني، ولا أخطأت مقدوري(303)، فإن كنت تريدين البلغة فرزقك مضمون، وكفيلك مأمون، وما أعد لك أفضل مما قطع عنك(304)، فاحتسبي الله(305). فقالت: حسبي الله، وأمسكت(306). *******الثانية: خطبتها (عليها السلام) في نساء المهاجرين والأنصارروى العلامة المجلسي (ره) عن الشيخ الثقة الصدوق (ره) حدثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد الحسيني، قال: حدثنا أبو الطيب محمد بن الحسين بن حميد اللخمي، قال:حدثنا أبو عبد الله بن محمد بن زكريا، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن المهلبي، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن عبد الله بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) قالت: لما اشتدت علة فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وغلبها، اجتمع عندها نساء المهاجرين والأنصار، فقلت لها، يا بنت رسول الله: كيف أصبحت من علتك؟ فقالت (عليها السلام): أصبحت والله عائفة لدنياكم،(307) قالية لرجالكم،(308) لفظتهم قبل أن عجمتهم،(309) وشنئتهم بعــــد أن سبرتهم،(310) فقبـــحاً لفــــلول الحد،(311) وخور الـــقـــنــاة(312) وخطل الرأي،(313) و(لبئس ما قدمت لهم أنفــــسهم أن سخط الله(314) عليهم وفـــي العـــذاب هـــم خالــــدون)(315) لا جرم لقد قلدتهم ربقتها(316) وشننت عليهم غارها(317) فجدعاً وعقراً وسحقاً للقوم الظالمين(318) ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة،(319) ومهبط الوحي الأمين، والطبين بأمر الدنيا والدين،(320) ألا ذلك هو الخسران المبين، وما نقموا من أبي الحسن،(321) نقموا والله منه نكير سيفه،(322) وشدة وطئه،(323) ونكال وقعته،(324) وتنمره في ذات الله عز وجل(325). والله لو تكافوا عن زمام نبذه رســـول الله (صلى الله عليه وآله) إليه لاعتقله،(326) ولسار بهم سيراً سجحاً،(327) لا يكلم خشاشه،(328) ولا يتعتع راكبه،(329) ولأوردهم منهلاً نميراً فضفاضاً(330) تــــطفح ضـــفتاه(331) ولأصـــدرهم بطاناً،(332) قد تحــــير بهم الري(333) غير متحل منه بطائـــل إلا بغمـــر الماء(334) وردة شررة الساغب،(335) ولفتحت عليهم بركات من السماء والأرض، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون. ألا هلم فاسمع وما عشت أراك الدهر العجب،(336) وإن تعجب فقد أعجبك الحادث! إلى أي سناد استندوا، وبأي عروة تمسكوا، استبدلوا الذنابي والله بالقوادم،(337) والعجز بالكاهل،(338) فرغماً لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون،(339) (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي(340) إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون)(341). أما لعمر إلهك(342) لقد لقحت(343) فنظرة ريث ما تنتج(344) ثم احتلبوا طلاع القعب دماً عبيطاً،(345) وذعافاً ممقراً،(346) هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون غب ما سن الأولون،(347) ثم طيبوا عن أنفسكم نفساً،(348) وطأمنوا للفتنة جأشاً،(349) وأبشروا بسيف صارم،(350) وهرج شامل،(351) واستبداد من الظالمين،(352) يدع فيئكم زهيداً،(353) وزرعكم حصيداً(354) فيا حسرتي لكم، وأنى بكم،(355) وقد عميت (قلوبكم) عليكم أنلزمكموها(356) وأنتم لها كارهون(357). ******* (3) أي أحكم النية والعزيمة عليه. (4) أي عصبته وجمعته يقال: لاث العمامة على رأسه يلوثها لوثاً، أي شدها وربطه. (5) الجلباب، بالكسر: يطلق على الملحفة والرداء والإزار، والثوب الواسع للمرأة دون الملحفة والثوب كالمقنعة تغطي بها المرأة رأسها وصدرها وظهرها. والأول هنا أظهر. (6) اللمة، بضم اللام وتخفيف الميم: الجماعة. قال في النهاية: (في حديث فاطمة (عليها السلام) أنها خرجت في لمة من نسائها، تتوطأ ذيلها إلى أبي بكر فعاتبته، أي في جماعة من نسائها. قيل: هي ما بين الثلاثة إلى عشرة، وقيل: اللمة: المثل في السن والترب). وقال الجوهري: (الهاء عوض عن الهمزة الذاهبة من وسطه، وهو مما أخذت عينه كسَهٍ ومذ، وأصلها فعلة من الملاءمة وهي الموافقة). انتهى. أقول: ويحتمل أن يكون بتشديد الميم، قال الفيروز آبادي: (اللمة بالضم: الصاحب والأصحاب في السفر والمونس، للواحد والجمع). (7) الحفدة، بالتحريك: الأعوان والخدم. (8) أي كانت أثوابها طويلة تستر قدميها وتضع عليها قدمها عند المشي. وجمع الذيل باعتبار الأجزاء أو تعدد الثياب. (9) في بعض النسخ (من مشي رسول الله (صلى الله عليه وآله)). والخرم: الترك والنقص والعدول. والمشية بالكسر: الاسم من مشى يمشي مشياً، أي لم تنقص مشيتها من مشيته (صلى الله عليه وآله) شيئاً كأنه هو بعينه. قال في النهاية: (فيه: ما خرمت من صلاة رسول الله شيئاً، أي ما تركت. ومنه الحديث: لم أخرج منه حرفاً، أي لم أدع). (10) الحشد، بالفتح وقد يحرك: الجماعة. وفي الكشف: (إن فاطمة (عليها السلام) لما بلغها إجماع أبي بكر على منعها فدكاً لاثت خمارها، وأقبلت في لميمة من حفدتها ونساء قومها، تجر أدراعها، وتطأ في ذيولها، ما تخرم من مشية رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى دخلت على أبي بكر وقد حشد المهاجرين والأنصار، فضرب بينهم بريطة بيضاء ـ وقيل: قبطية ـ فأنت أنّه أجهش لها القوم بالبكاء، ثم أمهلت طويلاً حتى سكنوا من فورتهم، ثم قالت: أبتدئ بحمد من هو أولى بالحمد والطول والمجد، الحمد لله على ما أنعم). (11) الملاءة، بالضم والمد: الريطة والإزار. ونيطت بمعنى علقت، أي ضربوا بينها (عليها السلام) وبين القوم ستراً وحجاباً. والريطة، بالفتح: الملاءة إذا كانت قطعة واحدة ولم تكن لفقين، أو هي كل ثوب لين رقيق. والقبطية، بالكسر: ثياب بيض رقاق من كتان تتخذ بمصر، وقد تضم لأنهم يغيرون في النسبة. (12) الجهش أن يفزع الإنسان إلى غيره وهو مع ذلك يريد البكاء كالصبي يفزع إلى أمه وقد يتهيأ للبكاء، يقال: جهش إليه ـ كمنع ـ وأجهش. (13) الارتجاج: الاضطراب. (14) أي صبرت زماناً قليل. (15) النشيج: صوت معه توجع وبكاء كما يردد الصبي بكاءه في صدره. (16) هدأت ـ كمنعت ـ أي سكنت. وفورة الشيء: شدته، وفار القدر أي جاشت (17) أي بنعم أعطاها العباد قبل أن يستحقوها. ويحتمل أن يكون المراد بالتقديم الإيجاد والفعل من غير ملاحظة معنى الابتداء فيكون تأسيس. (18) السبوغ: الكمال. والآلاء: جمع ألى، بالفتح والقصر وقد يكسر الهمزة. وأسدى وأولى وأعطى بمعنى واحد. (19) والاها، أي تابعها بإعطاء نعمة بعد أخرى بلا فصل. (20) جم الشيء أي كثر. والجم: الكثير، والتعدية بعن لتضمين معنى التعدي والتجاوز. (21) الأمد بالتحريك: الغاية والمنتهى، أي بعد عن الجزاء بالشكر غايتها. فالمراد بالأمد إما الأمد المفروض إذ لا أمد لها على الحقيقة، أو الأمد الحقيقي لكل حد من حدودها المفروضة. ويحتمل أن يكون المراد بأمدها ابتداؤها، وقد مر في كثير من الخطب بهذا المعنى. وقال في النهاية: (في حديث الحجاج قال للحسن: ما أمدك؟ قال: سنتان من خلافة عمر. أراد أنه ولد لسنتين من خلافته. وللإنسان أمدان: مولده وموته). انتهى. وإذا حمل عليه يكون أبلغ. ويحتمل على بعد أن يقرأ بكسر الميم، قال الفيروز آبادي: (الآمد: المملوء من خير وشر، والسفينة المشحونة). (22) التفاوت: البعد. والأبد: الدهر، والدائم، والقديم الأزلي. وبعده عن الإدراك لعدم الانتهاء. (23) يقال: ندبه للأمر وإليه فانتدب، أي دعاه فأجاب. واللام في قولها (لاتصالها) لتعليل الندب، أي رغبهم في استزادة النعمة بسبب الشكر لتكون نعمة متصلة لهم غير منقطعة عنهم. وجعل اللام الأولى للتعليل والثانية للصلة بعيد. وفي بعض النسخ: (لإفضالها) فيحتمل تعلقه بالشكر. (24) أي طلب منهم الحمد بسبب إجزال النعم وإكمالها عليهم، يقال: أجزلت له من العطاء، أي أكثرت، وأجزاك النعم، كأنه طلب الحمد، أو طلب منهم الحمد حقيقة لإجزال النعم، وعلى التقديرين التعدية بإلى لتضمين معنى الانتهاء أو التوجه، وهذه التعدية في الحمد شائع بوجه آخر، يقال: أحمد إليك الله، قيل: أي أحمده معك، وقيل: أي أحمد إليك نعمة الله بتحديثك إياها. ويحتمل أن يكون (استحمد) بمعنى تحمد، يقال: فلان يتحمد علي، أي يمتن، فيكون إلى بمعنى على، وفيه بعد. (25) أي بعد أن أكمل لهم النعم الدنيوية ندبهم إلى تحصيل أمثالها من النعم الأخروية أو الأعم منها ومن مزيد النعم الدنيوية. ويحتمل أن يكون المراد بالندب إلى أمثالها أمر العباد بالإحسان والمعروف وهو على المحسن إليه، وعلى المحسن أيضاً، لأنه به يصير مستوجباً للأعواض والمثوبات الدنيوية والأخروية. (26) المراد بالإخلاص جعل الأعمال كلها خالصة لله تعالى، وعدم شوب الرياء والأغراض الفاسدة، وعدم التوسل بغيره تعالى في شيء من الأمور، فهذا تأويل كلمة التوحيد، لأن من أيقن بأنه الخالق والمدبر وبأنه لا شريك له في الإلهية فحق له أن لا يشرك في العبادة غيره، ولا يتوجه في شيء من الأمور إلى غيره. (27) هذه الفقرة تحتمل وجوهاً: الأول: أن الله تعالى ألزم وأوجب على القلوب ما تستلزمه هذه الكلمة من عدم تركيبه تعالى وعدم زيادة صفاته الكمالية الموجودة وأشباه ذلك مما يؤول إلى التوحيد. الثاني: أن يكون المعنى: جعل ما يصل إليه العقل من تلك الكلمة مدرجاً في القلوب بما أراهم من الآيات في الآفاق وفي أنفسهم، أو بما فطرهم عليه من التوحيد. الثالث: أن يكون المعنى لم يكلف العقول الوصول إلى منتهى دقائق كلمة اللتوحيد وتأويلها، بل إنما كلف عامة القلوب بالإذعان بظاهر معناها وصريح مغزاها، وهو المراد بالوصول. الرابع: أن يكون الضمير في (موصولها) راجعاً إلى القلوب، أي لم يلزم القلوب إلا ما يمكنها الوصول إليها من تأويل تلك الكلمة الطيبة والدقائق المستنبطة منها، أو مطلقاً، ولولا التفكيك لكان أحسن الوجوه بعد الوجه الأول، بل مطلقاً. (28) أي أوضح في الأذهان ما يتعقل من تلك الكلمة بالتفكر في الدلائل والبراهين. ويحتمل إرجاع الضمير إلى القلوب. والفكر بصيغة الجمع، أي أوضح بالتفكر ما يعقلها العقول. وهذا يؤيد الوجه الرابع من وجوه الفقرة السابقة. (29) يمكن أن يقرأ (الأبصار) بصبغة الجمع، والمصدر. والمراد بالرؤية العلم الكامل والظهور التام. (30) الظاهر أن الصفة هنا مصدر، ويحتمل المعنى المشهور بتقدير، أي بيان صفته. (31) (لا من شيء) أي مادة. (32) احتذى مثاله: اقتدى به. و(امتثلها) أي تبعها ولم يبتعد عنها، أي لم يخلقها على وفق صنع غيره. (33) لأن ذوي العقل يتنبهون بمشاهدة مصنوعاته بأن شكر خالقها والمنعم بها. واجب وأن خالقها مستحق للعبادة، أو بأن من قدر عليها يقدر على الإعادة والانتقام (34) أي خلق البرية ليتعبدهم، أو خلق الأشياء ليتعبد البرايا بمعرفته والاستدلال بها عليه. (35) أي خلق الأشياء ليغلب ويظهر دعوة الأنبياء إليه بالاستدلال به. (36) الذود والذياد، بالذال المعجمة: السوق والطرد والدفع والإبعاد. (37) حشت الصيد أحوشه: إذا جئته من حواليه لتصرفه إلى الحبالة، ولعل التعبير بذلك لنفور الناس بطباعهم عما يوجب دخول الجنة. (38) الجبل: الخلق، يقال: جبلهم الله أي خلقهم، وجبله على الشيء أي طبعه عليه، ولعل المعنى أنه تعالى سماه لأنبيائه قبل أن يخلقه*، ولعل زيادة البناء للمبالغة تنبيهاً على أنه خلق عظيم. وفي بعض النسخ بالحاء المهملة، يقال: احتبل الصيد، أي أخذه بالحبالة، فيكون المراد به الخلق أو البعث مجازاً، وفي بعضها (قبل أن اجتباه) أي اصطفاه بالبعثة. وكل منها لا يخلو من تكلف.* قال السيوطي في (الاتقان) ج2، ص141: أخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن مرة قال: خمسة سموا قبل أن يكونوا: محمد: (ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد). (39) لعل المراد بالستر ستر العدم، أو حجب الأصلاب والأرحام. ونسبته إلى الأهاويل لما يلحق الأشياء في تلك الأحوال من موانع الوجود وعوائقه. ويحتمل أن يكون المراد أنها كانت مصونة عن الأهاويل بستر العدم إذ هي إنما تلحقها بعد الوجود. وقيل: التعبير بالأهاويل من قبيل التعبير عن درجات العدم بالظلمات. (40) على صيغة الجمع أي عواقبها. وفي بعض النسخ بصيغة المفرد. (41) أي لمعرفته تعالى بما يصلح وينبغي من أزمنة الأمور الممكنة المقدورة وأمكنتها ويحتمل أن يكون المراد بالمقدور المقدر، بل هو أظهر. (42) أي للحكمة التي خلق الأشياء لأجله. (43) الإضافة في (مقادير حتمه) من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة، أي مقاديره المحتومة. (44) تفصيل وبيان للفرق بذكر بعضها، يقال: عكف على الشيء ـ كضرب ونصر ـ أي أقبل عليه مواظباً ولازمه، فهو عاكف، ويجمع على (عكف) بضم العين وفتح الكاف المشددة كما هو الغالب في فاعل الصفة نحو شُهد وغُيّب. والنيران جمع نار وهو قياس مطرد في جمع الأجوف نحو تيجان وجيران. (45) لكون معرفته تعالى فطرية، أو لقيام الدلائل الواضحة الدالة على وجوده سبحانه. (46) الضمير في (ظلمها) راجع إلى الأمم، والضميران التاليان له يمكن إرجاعهما إليها وإلى القلوب والأبصار. والظلم بضم الظاء وفتح اللام: جمع ظلمة، استعيرت هنا للجهالة. (47) البهم: جمع بهمة بالضم، وهي مشكلات الأمور. (48) جلوت الأمر: أوضحته وكشفته. والغمم: جمع غمة، يقال: أمر غمة، أي مبهم ملتبس، قال الله تعالى: (ثم لا يكن أمركم عليكم غمة) قال أبو عبيدة: مجازها ظلمة وضيق، وتقول: غممت الشيء إذا غطيته وسترته. (49) العماية: الغواية واللجاج، ذكره الفيروز آبادي. (50) واختيار، أي من الله له ما هو خير له، أو باختيار منه (صلى الله عليه وآله) وسلم ورضاً، وكذا الإيثار، والأول أظهر فيهم. (51) لعل الظرف متعلق بالإيثار بتضمين معنى الضنّة أو نحوها. وفي بعض النسخ: (محمد) بدون الباء قتكون الجملة استئنافية، أو مؤكدة للفقرة السابقة، أو حالية بتقدير الواو. وفي بعض كتب المناقب القديمة: (فمحمد (صلى الله عليه وآله)) وهو أظهر. وفي رواية كشف الغمة: (رغبة بمحمد (صلى الله عليه وآله) عن تعب هذه الدار) وفي رواية أحمد بن أبي ظاهر: (بأبي عزت هذه الدار) وهو أظهر. ولعل المراد بالدار دار القرار، ولو كان المراد الدنيا تكون الجملة معترضة. وعلى التقادير لا يخلو من تكلف. (52) قال الفيروز آبادي: (النصب بالفتح: العلم المنصوب، ويحرك. وهذا نصب عيني، بالضم والفتح) انتهى. أي ن خطبة الرسول الأعظم (ص) في يوم الغدير - 1 2006-04-04 00:00:00 2006-04-04 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/768 http://arabic.irib.ir/programs/item/768 ورويت خطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في يوم الغدير بصور مقتضية اختزلها الرواة او المؤلفون، ولم تنقل بطولها الا في مصدرين. الاول: ما رواه السيد ابن طاووس(ره) في كتابه اليقين في الباب (127) قال: فيما نذكره عن هذا احمد بن محمد الطبري المعروف بالخليلي من روايته للكتاب الذي اشرنا اليه في حديث يوم الغدير، وتسمية مولانا علي عليه السلام فيه مراراً بلفظ (امير المؤمنين) نرويه برجالهم الذين ينقلون لهم ما ينقلونه من حرامهم وحلالهم، والدرك فيما نذكره عليهم وفيه ذكر (المهدي) عليه السلام وتعظيم دولته، وهذا لفظ الحديث المشار اليه: خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله حدثنا احمد بن محمد الطبري قال: اخبرني محمد بن ابي بكر بن عبد الرحمن قال: حدثني الحسن بن علي ابو محمد الدينوري قال: حدثنا محمد بن (موسي) الهمداني قال: حدثنا محمد بن خالد الطيالسي قال: حدثنا سيف بن عميرة، عن عقبة، عن قيس بن سمعان، عن علقمة بن محمد الحضرمي، عن ابي جعفر محمد بن علي عليه السلام قال... ونقل الخطبة. وروي الخطبة بألفاظ قريبة من الرواية الاولي قريباً منها في كتابه التحصين الباب (29) قال: فيما نذكره من خطبة (يوم الغدير) و فيها من رجال المخالفين، بتسمية النبي صلى الله عليه وآلهعلياً عليه السلام عدة مرات (امير المؤمنين) نذكرها من كتاب (نورالمهدي والمنجي من الردي) الذي قدمنا ذكره ما هذا لفظه: ابو المفضل محمد بن عبدالله الشيباني قال: اخبرنا ابو جعفر محمد بن جرير الطبري، وهارون بن عيسي بن السكين البلدي قالا: حدثنا حميد بن الربيع الخزاز قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: حدثنا نوح بن مبشر قال: حدثنا الوليد بن صالح، عن ابن امرأة زيد بن ارقم قال... ونقل الخطبة. الثاني: ما رواه الطبرسي في كتابه الاحتجاج ونقله عنه المجلسي في بحاره. ولأجل اتمام الفائدة ننقل الخطبة الكاملة عن الاحتجاج حيث قال: حدثني السيد العالم العابد ابو جعفر مهدي ابي حرب الحسيني الرعشي صلى الله عليه وآله قال: اخبرنا الشيخ ابو علي الحسن بن الشيخ السعيد ابي جعفر محمد بن الحسن الطوسي صلى الله عليه وآله قال: اخبرني الشيخ السعيد الوالد ابو جعفر قدس الله روحه قال: اخبرني جماعة، عن ابي محمد هارون بن موسي التعكبري قال: اخبرنا ابو علي محمد بن همام قال: اخبرنا علي السوري قال: اخبرنا ابو محمد العلوي من ولد الافطس- و كان من عباد الله الصالحين قال: حدثنا محمد بن موسي الهمداني قال: حدثنا محمد بن خالد الطيالسي قال: حدثنا سيف بن عميرة، وصالح بن عقبة جميعاً، عن قيس بن سمعان، عن علقمة بن محمد الحضرمي، عن ابي جعفر محمد بن علي انه قال: رويت خطبة النبي صلى الله عليه و آله في يوم الغدير في كتاب اليقين للسيد بن طاووس اذ جاء ما يأتي: حج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من المدينة وقد بلغ جميع الشرايع قومه غير الحج والولاية، فأتاه جبرئيل فقال له: يا محمد! ان الله جل اسمه يقرئك السلام ويقول لك: اني لم اقبض نبياً من انبيائي ولا رسولاً من رسلي الا بعد اكمال ديني وتأكيد حجتي، وقد بقي عليك من ذاك فريضتان مما تحتاج ان تبلغهما قومك: فريضة الحج، وفريضة الولاية والخلافة من بعدك، فاني لم أخل أرضي من حجه ولن اخليها ابداً، فان الله جل ثناؤه يأمرك ان تبلغ قومك الحج وتحج، ويحج معك من استطاع اليه سبيلا من اهل الحضر والاطراف والاعراب، وتعلمهم من معالم حجهم مثل ما علمتهم من صلاتهم وزكاتهم وصيامهم وتوقفهم من ذلك علي مثال الذي اوقفتهم عليه من جميع ما بلغتهم من الشرايع. فنادي منادي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الناس: الا ان رسول الله يريد الحج وان يعلمكم من ذلك مثل الذي علمكم من شرائع دينكم ويوقفكم من ذاك علي ما اوقفكم عليه من غيره، فخرج (صلى الله عليه وآله وسلم) و خرج معه الناس واصغوا اليه لينظروا ما يصنع فيصنعوا مثله فحج بهم وبلغ من حج مع رسول الله من اهل المدينة‌واهل الاطراف والاعراب سبعين الف انسان او يزيدون علي نحو عدد اصحاب موسى السبعين الفاً الذين اخذ عليهم بيعة هارون فنكثوا واتبعوا العجل والسامري وكذلك اخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) البيعة لعلي بالخلافة على عدد اصحاب موسى فنكثوا البيعة واتبعوا العجل والسامري سنة بسنة ومثلاً بمثل، واتصلت التلبية ما بين مكة والمدينة. فلما وقف بالموقف اتاه جبرئيل عن الله عزوجل فقال يا محمد ان الله عزوجل يقرئك السلام ويقول لك: انه قد دني اجلك ومدتك وانا مستقدمك على ما لابد منه ولا محيص، فاعهد عهدك وقدم وصيتك واعمد الى ما عندك من العلم وميراث علوم الانبياء من قبلك والسلاح والتابوت وجميع ما عندك من ايات الانبياء ‌فسلمه الى وصيك وخليفتك من بعدك حجتي البالغة على خلقي علي بن ابي طالب فاقمه للناس علماً وجدد عهده وميثاقه وبيعته وذكرهم ما اخذت عليهم من بيعتي وميثاقي الذي واثقتهم وعهدي الذي عهدت اليهم من ولاية وليي ومولاهم ومولي كل مؤمن ومؤمنة علي بن ابي طالب فاني لم اقبض نبياً من الانبياء الا من بعد اكمال ديني وحجتي واتمام نعمتي بولاية اوليائي ومعاداة اعدائي، وذلك كمال توحيدي و ديني واتمام نعمتي على خلقي باتباع وليي وطاعته، وذلك اني لااترك ارضي بغير ولي ولاقيم ليكون حجة لي على خلقي فاليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام ديناً بولاية وليي ومولي كل مؤمن ومؤمنه علي عبدي ووصي نبيي والخليفة من بعده وحجتي البالغة على خلقي مقرون طاعته بطاعة محمد نبيي ومقرون طاعته مع طاعة محمد بطاعتي، من اطاعه فقد اطاعني ومن عصاه فقد عصاني، جعلته علماً بيني وبين خلقي، من عرفه كان مؤمناً ومن انكره كان كافراً ومن اشرك بيعته كان مشركاً ومن لقيني بولايته دخل الجنة ومن لقيني بعداوته دخل النار، فاقم يامحمد علياً علماً وخذ عليهم البيعة وجدد عهدي وميثاقي لهم الذي واثقتهم عليه فاني قابضك الي ومستقدمك علي. فحشي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من قومه واهل النفاق والشقاق ان يتفرقوا ويرجعوا الى جاهلية لما عرف من عداوتهم ولما ينطوي عليه انفسهم لعلي من العداوة والبغضاء وسأل جبرئيل ان يسأل ربه العصمة من الناس وانتظر ان يأتيه جبرئيل بالعصمة من الناس عن الله جل اسمه فأخر ذلك الى ان بلغ مسجد الخيف، فأتاه جبرئيل في مسجد الخيف فأمره بأن يعهد عهده ويقيم علياً علماً للناس يهتدون به ولم يأته بالعصمة من الله جل جلاله بالذي اراد حتى بلغ كراع الغميم بين مكة والمدينة فأتاه جبرئيل وامره بالذي اتاه فيه من قبل الله ولم يأته بالعصمة. فقال: يا جبرئيل اني اخشى قومي ان يكذبوني ولايقبلوا قولي في علي (فسأل جبرئيل كما سأل بنزول اية العصمة فأخره ذلك) فرحل فلما بلغ غدير خم قبل الجحفة بثلاثة اميال اتاه جبرئيل على خمس ساعات مضت من النهار بالزجر والانتهار والعصمة من الناس فقال يا محمد ان الله عزوجل يقرئك السلام ويقول لك «يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك» في علي «وان لم تفعل فما بلّغتَ رسالته والله يعصمك من الناس». وكان اوائلهم قريبا من الجحفة فأمر بأن يرد من تقدم منهم ويحبس من تأخر عنهم في ذلك المكان ليقيم علياً علماً للناس ويبلغهم ما انزل الله تعالى في عليي واخبره بان الله عزوجل قد عصمه من الناس، فأمر رسول الله عندما جائته العصمة منادياً ينادي في الناس بالصلاة جامعة ويرد من تقدم منهم ويحبس من تأخر وتنحي عن يمين الطريق الى جنب مسجد الغدير امره بذلك جبرئيل عن الله عزوجل وكان في الموضع سلمات فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ان يقم ما تحتهن وينصب له حجارة كهيئة المنبر ليشرف على الناس فتراجع الناس واحتبس اواخرهم في ذلك المكان لايزالون فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فوق تلك الحجارة ثم حمدالله تعالى واتني عليه فقال: الحمد لله الذي علا في توحده، ودنا في تفرده، وجل في سلطانه، وعظم في اركاته، واحاط بكل شيء علماً وهو في مكانه، وقهر جميع الخلق بقدرته وبرهانه، مجيداً لم يزل، محموداً لايزال، باريء المسموكات، وداحي المدحوات وجبار الارضين والسموات، قدوس سبوح رب الملائكة والروح، متفضل على جميع من براه متطول على جميع من انشأه، يلحظ كل عين والعيون لا تراه، كريم حليم ذو اناة قد وسع كل شيء رحمته ومن عليهم بنعمته، لا يعجل بانقامه ولايبادر اليهم بما استحقوا من عذابه، قد فهم السرائر وعلم الضمائر ولم تخف عليه المكنونات، ولا اشتبهت عليه الخفيات، له الاحاطة بكل شيء والغلبة على كل شيء والقوة في كل شيء والقدرة على كل شيء وليس مثله شيء، وهو منشيء الشيء حين لاشيء، دائم قائم بالقسط لا اله الا هو العزيز الحكيم، جل عن ان تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير، لا يلحق احد وصفه من معاينة ‌ولايجد احد كيف هو من سر وعلانية الا بما دل عزوجل على نفسه. واشهد انه الله الذي ملأ الدهر قدسه والذي يغشى الابد نوره والذي ينفذ امره بلا مشاورة مشير ولا معه شريك في تقدير ولا تفاوت في تدبير، صور ما ابدع على غير مثال وخلق ما خلق بلامعونة من احد ولا تكلف ولا احتيال، انشأها فكانت وبرأها فبانت، فهو الله الذي لا اله الا هو المتقن الصنعة الحسن الصنيعة العدل الذي لايجور والاكرم الذي ترجع اليه الامور. واشهد انه الذي تواضع كل شيء لقدرته وخضع كل شيء لهيبته ملك الاملاك ومفلك الافلاك ومسخر الشمس والقمر كل يجري لا جل مسمى، يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل يطلبه حثيثا، قاصم كل جبار عنيد ومهلك كل شيطان مريد، لم يكن معه ضد ولاند، احد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً احد، اله واحد ورب ماجد يشاء فيمضي ويريد فيقضي ويعلم يحصي ويميت ويحيي ويفقر ويغني ويضحك ويبكي ويمنع ويعطي، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير، يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل لا اله الا هو العزيز الغفار، مجيب الدعاء ومجزل العطاء محصي الانفاس ورب الجنة والناس، لا يشكل عليه شيء ولا يضجره صراخ المستصرخين ولا يبرمه الحاح الملحين، العاصم للصالحين والموفق للمفلحين ومولى العالمين، الذي استحق من كل من خلق ان يشكره ويحمده، احمده على السراء والضراء والشدة والرخاء، وأومن به وبملائكته وكتبه ورسله، اسمع امره واطيع وابادر الى كل ما يرضاه واستسلم لقضاءه رغبة في طاعته وخوفاً من عقوبته لانه الله الذي لا يومن مكره ولايخاف جوره، واقر له على نفسي بالعبودية واشهد له بالربوبية واودي ما اوحي الي حذراً من ان لا افعل فتحل بي منه قارعة لايدفعها عني احد وان عظمت حيلته لا اله الا هو، لانه قد اعلمني اني لن لم ابلغ ما انزل الي فما بلغت رسالته وقد ضمن لي تبارك وتعالى العصمة، وهو الله الكافر الكريم فأوحي الي: (بسم الله الرحمن الرحيم / يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك) في علي (يعني في الخلافة لعلي بن ابي طالب) (وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس). معاشر الناس: ما قصرت في تبليغ ما انزل الله تعالي الي وانا مبين لكم سبب نزول هذه الاية: ان جبرئيل هبط الي مراراً ثلاثاً يؤمني عن السلام ربي وهو السلام ان اقوم في هذا المشهد فاعلم كل ابيض واسود ان علي بن ابي طالب اخي ووصيي وخليفتي والامام من بعدي، الذي محله مني محل هارون من موسى الا انه لانبي بعدي وهو وليكم من بعد الله ورسوله، وقد انزل الله تبارك وتعالى علي بذلك اية من كتابه (انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) وعلي بن ابي طالب اقام الصلاة وآتي الزكاة وهو راكع يريد الله عزوجل في كل حال. وسألت جبرئيل ان يستعفي لي عن تبليغ ذلك اليكم ايها الناس لعلمي بقلة المتقين وكثرة المنافقين وادغال الاثمين وختل المستهزئين بالاسلام الذين وصفهم الله في كتابه بانهم يقولون بالسنتهم ما ليس في قلوبهم ويحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم وكثرة اذاهم لي في غير مرة حتى سموني اذناً وزعموا اني كذلك لكثرة ملازمته اياي واقبالي عليه، حتى انزل الله عزوجل في ذلك قراناً (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو اذن قل اذن) على الذين يزعمون انه اذن (خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين). ولو شئت ان اسمي بأسمائهم لسميت وان اوميء اليهم باعيانهم لأومأت وان ادل عليهم لدللت، ولكني والله في امورهم قد تكرمت، وكل ذلك لايرضي الله مني الا ان ابلغ ما انزل الي ثم تلى (صلى الله عليه وآله وسلم) (يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك) في علي (وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس). فاعلموا معاشر الناس: ان الله قد نصبه لكم ولياً واماماً مفترضاً طاعته على المهاجرين والانصار وعلى التابعين لهم باحسان، وعلى البادي والحاضر وعلى الاعجمي والعربي والحر والمملوك والصغير والكبير على الابيض والاسود وعلى كل موحد ماض حكمه جائز قوله نافذ امره، ملعون من خالفه مرحوم من تبعه مؤمن من صدقه، فقد غفر الله له ولمن سمع منه واطاع له. معاشر الناس: انه اخر مقام اقومه في هذا المشهد فاسمعوا واطيعوا وانقادوا لامر ربكم، فان الله عزوجل هو مولاكم والهكم ثم من دونه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وليكم القائم المخاطب لكم، ثم من بعدي علي وليكم وامامكم بامر ربكم، ثم الامامة في ذريتي من ولده الى يوم تلقون الله ورسوله، لاحلال الا ما احله الله ولا حرام الا ما حرمه الله، عرفني الحلال والحرام وانا افضيت بما علمني ربي من كتابه وحلاله وحرامه اليه. معاشر الناس: ما من علم الا وقد احصاه الله في وكل علم علمت قد احصيته في امام المتقين وما من علم الا علمته علياً وهو الامام المبين. معاشر الناس: لا تضلوا عنه ولاتنفروا منه ولاتستكبروا (ولا تستنكفوا خ ل) من ولايته فهو الذي يهدي الى الحق ويعمل به ويزهق الباطل وينهى عنه ولاتأخذه في الله لومة لائم، ثم انه اول من امن بالله ورسوله، وهو الذي قدى رسوله بنفسه وهو الذي كان مع رسول الله ولا احد يعبد الله مع رسوله من الرجال غيره. معاشر الناس: فضلوه فقد فضله الله واقبلوه فقد نصبه الله. معاشر الناس: انه امام من الله ولن يتوب الله على احد انكر ولايته ولن يغفر الله له، حتماً على الله ان يفعل ذلك بمن خالف امره فيه وان يعذبه عذاباً شديداً نكراً ابد الاباد ودهر الدهور، فاحذروا ان تخالفوه فتصلوا ناراً وقودها الناس والحجارة اعدت للكافرين. ايها الناس: بي والله بشر الاولون من النبيين والمرسلين وانا خاتم الانبياء والمرسلين والحجة على جميع المخلوقين من اهل السموات والارضين، فمن شك في ذلك فهو كافر كفر الجاهلية الاولي، ومن شك في شيء من قولي هذا فقد شك في الكل منه، والشاك في ذلك فله النار. معاشر الناس: حباني الله بهذه الفضيلة منا منه علي واحساناً منه الي ولا اله الا هو الحمد مني ابد الابدين ودهر الداهرين على كل حال. معاشر الناس: فضلوا علياً فانه افضل الناس بعدي من ذكر وانثى، بنا انزل الله الرزق وبقى الخلق، ملعون ملعون مغضوب مغضوب من رد على قولي هذا ولم يوافقه، الا ان جبرئيل خبرني عن الله تعالى بذلك ويقول: (من عادى علياً ولم يتوله فعليه لعنتي وغضبي) فلتنضر نفس ما قدمت لغد، واتقوا الله ان تخالفوه فتزل قدم بعد ثبوتها ان الله خبير بما تعملون. معاشر الناس: انه جنب الله الذي ذكر في كتابه فقال تعالي: (ان تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) معاشر الناس: تدبروا القران وافهموا اياته وانظروا الى محكماته ولاتتبعوا متشابهه، فوالله لن يبين لكم زواجره ولايوضح لكم تفسيره الا الذي انا اخذ بيده ومصعده الي - وشائل بعضذه- ومعلمكم ان من كنت مولاه فهذا علي مولاه، وهو علي بن ابي طالب اخي ووصيي وموالاته من الهل عزوجل انزلها علي. معاشر الناس: ان علياً والطيبين من ولدي هم الثقل الاصغر والقران الثقل الاكبر فكل واحد منبئ عن صاحبه وموافق له لن يفترقا حتى يردا عليً الحوض، هم امناء الله في خلقه وحكماءه في ارضه الا وقد اديت الا وقد بلغت الا وقد اسمعت الا وقد اوضحت الا وان الله عزوجل قال وانا قلت عن الله عزوجل الا انه ليس اميرالمؤمنين غير اخي هذا ولا تحل امرة المؤمنين بعدلاحد غيره. ثم ضرب بيده الى عضده فرفعه وكان منذ اول ما صعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شال علياً حتى صارت رجله مع ركبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قال: معاشر الناس: هذا علي اخي ووصيي وواعي علمي وخليفتي على امتي وعلي تفسير كتاب الله عزوجل والداعي اليه والعامل بما يرضاه والمحارب لأعدائه والموالي على طاعته والناهي عن معصيته خليفة رسول الله وامير المؤمنين والامام الهادي وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين بامر الله، اقول ما يبدل القول لدي بامر ربي اقول: اللهم وآل من ولاه وعاد من عاداه والعن من انكره واغضب على من جحد حقه، اللهم انك انزلت علي ان الامامة بعدي لعلي وليك عند تبياني ذلك ونصبي اياه بما اكملت لعبادك من دينهم واتممت عليهم بنعمتك ووضيت لهم الاسلام ديناً فقلت: (ومن يبتغ غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) اللهم اني اشهدك وكفي بك شهيداً اني قد بلغت. معاشر الناس: انما اكمل الله عزوجل دينكم بامامته فمن لم يأتم به وبمن يقوم مقامه من ولدي من صلبه الى يوم القيامة والعرض على الله عزوجل فاولئك الذين حبطت اعمالهم وفي النار هم فيها خالدون، لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون. معاشر الناس: هذا علي انصركم لي واحقكم بي واقربكم الي واعزكم علي، والله عزوجل وانا عنه راضيان وما نزلت اية رضا الا فيه وما خاطب الله الذين آمنوا الا بداً به ولا نزلت اية‌مدح في القران الا فيه ولاشهد بالجنة في هل اتي على الانسان الا له ولاانزلها في سواه ولامدح بها غيره. معاشر الناس: هو ناصر دين الله والمجادل عن رسول الله وهو التقي النقي الهادي المهدي، نبيكم خير نبي ووصيكم خير وصي وبنوه خير الاوصياء. معاشر الناس: ذرية كل نبي من صلبه وذريتي من صلب علي. معاشر الناس: ان ابليس اخرج ادم من الجنة بالحسد فلا تحسدوه فتحبط اعمالكم وتزل اقدامكم فان ادم اهبط الى‌الارض بخطيئة واحدة وهو صفوة الله عزوجل وكيف بكم وانتم انتم ومنكم اعداء الله الا انه لايبغض علياً الا شقي ولايتولى علياً الا تقي ولايومن به الا مؤمن مخلص، وفي علي واله نزلت سورة والعصر (بسم الله الرحمن الرحيم / والعصر / ان الانسان لفي خسر / ...) معاشر الناس: قد استشهدت الله وبلغتكم رسالتي وما على الرسول الا البلاغ المبين. معاشر الناس: اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون. معاشر الناس: آمنوا بالله ورسوله والنور الذي انزل معه من قبل ان نطمس وجوهاً فنردها على ادبارها. معاشر الناس: النور من الله عزوجل في مسلوك ثم في علي ثم في النسل منه الى القائم المهدي الذي يأخذ بحق الله وبكل حق هولنا، لان الله عزوجل قد جعلنا حجة على المقصرين والمعاندين والمخالفين والخائنين والاثمين والظالمين من جميع العالمين. معاشر الناس: انذركم اني رسول الله قد خلت من قبلي الرسل افإن مت او قتلت انقلبتم على اعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين، الا وان علياً هو الموصوف بالصبر والشكر ثم من بعده ولدي من صلبه. معاشر الناس: لاتمنوا على الله اسلامكم فيسخط عليكم ويصيبكم بعذاب من عنده انه لبالمرصاد. معاشر الناس: انه سيكون من بعدي ائمة يدعون الى النار ويوم القيامة لا ينصرون. معاشر الناس: ان الله وانا برئيان منهم. معاشر الناس: انهم وانصارهم واتباعهم واشياعهم في الدرك الاسفل من النار وليئس مثوي المتكبرين الا انهم اصحاب الصحيفة فلينظر احدكم في صحيفته. قال: فذهب على الناس الا شرذمه منهم امر الصحيفة. معاشر الناس: اني ادعها امامة ووراثة في عقبي الى يوم القيامة وقد بلغت ما امرت بتبليغه حجة على كل حاضر وغائب وعلى كل احد ممن شهد او لم يشهد ولد او لم يولد فليبلغ الحاضر الغائب والوالد الولد الى يوم القيامة وسيجعلونها ملكاً واغتصاباً‌ الا لعن الله الغاصبين والمغتصبين وعندها سنفرغ لكم ايها الثقلان فيرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران. معاشر الناس: ان الله عزوجل لم يكن يذركم على ما انتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب، وما كان الله ليطلعكم على الغيب. معاشر الناس: انه ما من قرية الا والله مهلكها بتكذيبها وكذلك يهلك القرى وهي ظالمة كما ذكر الله تعالى وهذا علي امامكم ووليكم وهو مواعيد الله والله يصدق ما وعده. معاشر الناس: قد ضل قبلكم اكثر الاولين، والله لقد اهلك الاولين وهو مهلك الآخرين قال الله تعالى: (الم نهلك الاولين / ثم نتبعهم الآخرين / كذلك نفعل بالمجرمين / ويل يومئذ للمكذبين). معاشر الناس: ان الله قد امرني ونهاني وقد امرت علياً ونهيته فعلم الامر والنهي من ربه عزوجل فاسمعوا لأمره تسلموا واطيعوه تهتدوا وانتهوا لنهيه ترشدوا، وصيروا الى مراده ولا تتفرق بكم السبل عن سبيله. معاشر الناس: انا صراط الله المستقيم الذي امركم باتباعه ثم علي من بعدي ثم ولدي من صلبه ائمة يهدون الى الحق وبه يعدلون، ثم قرأ: (الحمد لله رب العالمين) الى آخرها وقال: في نزلت وفيهم نزلت، ولهم عمت، واياهم خصت، اولئك اولياء الله لاخوف عليهم ولا هم يحزنون الا ان حزب الله هم الغالبون الا ان اعداء علي هم اهل الشقاق والنفاق والحادون وهم العادون واخوان الشياطين الذين يوحي بعضهم الى بعض زخرف القول غروراً الا ان اوليائهم الذين ذكرهم الله في كتابه فقال عزوجل (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) الى‌ آخر الآية الا ان اوليائهم الذين وصفهم الله عزوجل فقال: (الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الامن وهم مهتدون) الا ان اوليائهم الذين وصفهم الله عزوجل فقال: الذين يدخلون الجنة امنين تتلقاهم الملائكة بالتسليم ان طبتم فادخلوها خالدين، الا ان اوليائهم الذين قال لهم الله عزوجل، (يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب) الا ان اعدائهم يصلون سعيراً الا ان اعدائهم الذين يسمعون لجهنم شهيقاً وهي تفور ولها زفير الا ان اعدائهم الذين قال الله فيهم (كلما دخلت امة لعنت اختها) الا ان اعدائهم الذين قال الله عزوجل (كلما القي فيها فوج سألهم خزنتها ألم ياتكم نذير / قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء ان انتم الا في ضلال كبير) الا ان اوليائهم الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة واجر كبير. معاشر الناس: الا واني منذر وعلي هاد. معاشر الناس: اني نبي وعلي وصي الا ان خاتم الائمة منا القائم المهدي، الا انه الظاهر على الدين، الا انه المنتقم من الظالمين، الا انه فاتح الحصون وهادمها، الا انه قاتل كل قبيلة من اهل الشرك، الا انه مدرك بكل ثأر لأولياء الله، الا انه الناصر لدين الله، الا انه الغراف في بحر عميق، الا انه يسم كل ذي فضل بقضله وكل ذي جهل بجهله، الا انه خيرة الله ومختاره، الا انه وارث كل علم والمحيط به، الا انه المخبر عن ربه عزوجل، والنبه بأمر ايمانه، الا انه الرشيد السديد الا انه المفوض اليه، الا انه قد بشر من سلف بين يديه، الا انه الباقي حجة ولا حجة بعده ولاحق الا معه ولانور الا عنده، الا انه لاغالب له ولامنصور عليه، الا انه ولي الله في ارضه وحكمه في خلقه وامينه في سره وعلانيته. معاشر الناس: قد بينت لكم وافهمتكم وهذا علي بفهمكم بعدي، الا واني عند انقضاء خطبتي ادعوكم الى مصافقتي على بيعته والاقرار به ثم مصافقته بعدي، الا واني قد بايعت الله وعلي قد بايعني وانا اخذكم بالبيعة له عن الله عزوجل (فمن نكث فانما ينكث). معاشر الناس: ان الحج والصفا والمروة والعمرة من شعائر الله (من حج البيت او اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما). معاشر الناس: حجوا البيت فما ورده اهل بيت الا استغنوا، ولاتخلفوا عنه الا افتقروا. معاشر الناس: ما وقف بالموقف مؤمن الا غفر الله له ما سلف من ذنبه الى وقته ذلك فاذا انقضت حجته استونف عمله. معاشر الناس: الحجاج معانون ونفقاتهم مخلقة والله لا يضيع اجر المحسنين. معاشر الناس: حجوا البيت بكمال الدين والتفقه، ولا تنصرفوا عن المشاهد الا بتوبة واقلاع. معاشر الناس: اقيموا الصلاة وآتوا الزكاة كما امركم الله عزوجل، لئن طال عليكم الامد فقصرتم او نسيتم فعلي وليكم ومبين لكم الذي نصبه الله عزوجل بعدي ومن خلفه الله مني وانا منه يخبركم بما تسألون عنه ويبين لكم ما لاتعلمون، الا ان الحلال والحرام اكثر من ان احصيهما واعرفهما، فآمر بالحلال وانهي عن الحرام في مقام واحد، فأمرت ان اخذ البيعة منكم والصفقة لكم بقبول ما جئت به عن الله عزوجل في علي امير المؤمنين والائمة من بعده الذين هم مني ومنه ائمة قائمة منهم المهدي الى يوم القيامة الذي بالحق. معاشر الناس: وكل حلال دللتكم عليه او حرام نهيتكم عنه فاني لم ارجع عن ذلك ولم ابدل الا فاذكروا ذلك واحفظوه وتواصوا به ولاتبدلوه ولاتغيروه، الا واني اجدد القول: الا فاقيموا الصلاة واتوا الزكاة وامروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، الا وان راس الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ان تنتهوا الى قولي وتبلغوه من لم يحضر وتأمروه بقبوله وتنهوه عن مخالفته، فانه امر من الله عزوجل ومني ولا امر بمعروف ولانهياً عن منكر الا مع امام معصوم. معاشر الناس: القرآن يعرفكم ان الائمة من بعده ولده، وعرفتكم انه مني وانا منه، حيث يقول الله في كتابه (وجعلها كلمة باقية في عقبه) وقلت: لن تضلوا ما ان تمسكتم بهما. معاشر الناس: التقوي التقوي، احذروا الساعة كما قال الله عزوجل (ان زلزلة الساعة شيء عظيم) اذكروا الممات والحساب والموازين والمحاسبة بين يدي رب العالمين والثواب والعقاب، فمن جاء بالحسنة اثيب عليها ومن جاء بالسيئة فليس له في الجنان نصيب. معاشر الناس: انكم اكثر من ان تصافقوني بكف واحدة، وقد امرني الله عزوجل ان اخذ من السنتكم الاقرار بما عقدت لعلي من امرة المؤمنين ومن جاء بعده من الائمة مني ومنه علي ما اعلمتكم ان ذريتي من صلبه، فقولوا باجمعكم: انا سامعون مطيعون راضون منقادون لما بلغت عن ربنا وربك في امر علي وامر ولده من صلبه من الائمة، نبايعك على ذلك بقلوبنا وانفسنا والسنتنا وايدينا، على ذلك نحيي ونموت ونبعث ولا نغير ولا نبدل ولا نشك ولا نرتاب ولا نرجع عن عهد ولانقض الميثاق نطيع الله ونطيعك وعلياً امير المؤمنين وولده الائمة الذين ذكرتهم من ذريتك من صلبه بعد الحسن والحسين الذين قد عرفتكم مكانهما مني ومحلهما عندي ومنزلتهما من ربي عزوجل. فقد اديت ذلك اليكم وانهما سيد اشباب اهل الجنة، وانهما الامامان بعد ابيهما علي وانا ابوهما قبله وقولوا: اطعنا الله بذلك واياك وعلياً والحسن والحسين والائمة الذين ذكرت عهداً وميثاقاً ماخوذاً لامير المؤمنين من قلوبنا وانفسنا والسنتنا ومصافقة ايدينا من ادركهما بيده واقر بهما بلسانه ولا نبتغي بذلك بدلاً ولا نري من انفسنا عنه حولاً ابداً. اشهدنا الله وكفي به شهيداً وانت علينا شهيد وكل من اطاع ممن ظهر واستتر وملائكة الله وجنوده وعبيده والله اكبر من كل شهيد. معاشر الناس: ما تقولون فان الله يعلم كل صوت وخافية كل نفس فمن اهتدي فلنفسه ومن ضل فانما يضل عليها، ومن بايع فانما يبايع الله يدالله فوق ايديهم. معاشر الناس: فاتقوا الله وبايعوا علياً امير المؤمنين والحسن والحسين والائمة كلمة طيبة باقية، يهلك الله من غدر ويرحم الله من وفي، (فمن نكث فانما ينكث على نفسه). معاشر الناس: قولوا الذي قلت لكم وسلموا على علي بامرة المؤمنين وقولوا سمعنا واطعنا غفرانك ربنا واليك المصير وقولوا: (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله). معاشر الناس: ان فضائل علي بن ابي طالب عندالله عزوجل وقد انزلها في القرآن اكثر من ان احصيها في مقام واحد فمن انباكم بها وعرفها فصدقوه. معاشر الناس: من يطع الله ورسوله وعلياً والائمة الذين ذكرتهم فقد فاز فوزاً عظيماً. معاشر الناس: السابقون السابقون الى مبايعته وموالاته والتسليم عليه بامرة المؤمنين اولئك هم الفائزون في جنات النعيم. معاشر الناس: قولوا ما يرضى الله به عنكم من القول (ان تكفروا انتم ومن في الارض جميعا فان الله لغني حميد) اللهم اغفر للمؤمنين واغضب على الكافرين والحمد لله رب العالمين. فناداه القوم: سمعنا واطعنا على امر الله ائتمر رسوله بقلوبنا والسنتنا وايدينا، وتداكوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى علي فصافقوا بايديهم فكان اول من صافق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الاول والثاني والثالث والرابع والخامس وباقي المهاجرين والانصار وباقي الناس على طبقاتهم وقدر منازلهم، الى ان صليت المغرب والعتمة في وقت واحد، ووصلوا البيعة والمصافقة ثلاثاً ورسول الله يقول كلما بايع قوم: الحمد لله الذي فضلنا على جميع العالمين. وصارت المصافقة سنة ورسماً وربما يستعملها من ليس له حق فيها. وروى عن الصادق انه قال: لما فرغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من هذه الخطبة راى الناس رجلاً جميلاً بهياً طيب الريح فقال: تالله ما رأيت محمداً كاليوم قط، ما اشد ما يوكد لابن عمه وانه يعقد عقداً لا يحله الا كافر بالله العظيم وبرسوله، ويل طويل لمن حل عقده. قال: والتفت اليه عمر بن الخطاب حين سمع كلامه فاعجبته هيئته ثم التفت الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: اما سمعت ما قال هذا الرجل. قال كذا وكذا؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): يا عمر اتدري من ذاك الرجل؟ قال: لا قال: ذلك الروح الامين جبرائيل، فاياك ان تحله، فانك ان فعلت فالله ورسوله وملائكته والمؤمنون منك براء. نقلاً عن كتاب "الغدير" للسيد ياسين الموسوي *******