اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | قصص الصالحين http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb شوق اللقاء -القسم الاول - - 76 2015-03-05 10:23:50 2015-03-05 10:23:50 http://arabic.irib.ir/programs/item/12151 http://arabic.irib.ir/programs/item/12151 دويها الثقيل المخيف ، لا تطيق الاذن سماعه... ضجيج متصل من اصوات متنافرة شتّى... صليل السيوف المختلطة بزعيق المقاتلين ،بصهيل الخيل... انه ايقاع الحرب...! بل لسانها اذا تكلمت...! ورغم كل ذلك ، فهو قد تقوقع على عالمه... حتى لا يكاد يحس بشئ مما حوله... كانت عيناه مشدودتين الى الجبل القريب...ما فتأ يرسل نظرات ساهمة الى اُحد ، حيث عسكر محمد بأصحابه... لكن عقله كان مشدودا ً الى جهة قريبة... الى خيمة القائد...حيث اُقيم معسكر قريش في الجهة المقابلة لمعسكر محمد... لم يستطع رغم كل ماحاول ان يصرف ذهنه عن الكلمات التي فاه بها ابوسفيان - صخر ابن حرب -...انها لتضج في رأسه كصوت طبل مخروق مزعج...! لا يعرف ما الذي دعاه الى التفوه بذلك الكلام الشائن السفيه ؟!.. كيف يأذن لنفسه تحدي بني عبد الدار ؟!... هولاء الابطال الذين ما طرحوا اللواء في حرب يوماً... ذوداً عن شرف قريش...! لولا وقوف قومه في ساحة الحرب مع محمد ، لعرف كيف يلقن ابن حرب درساً لا ينساه...! درساً يكافئ كلماته... بل اهانته التي لا تُنسى..! اجل... لا يمكن ان يغيب عن ذهنه ذلك المشهد ، اذ وقف ابو سفيان قبل ان يشتبك الجيشان مخاطباً حملة الراية : - يا بني عبد الدار ، انما يؤتى القوم من قبل لوائهم... وانما اُتينا يوم بدر من اللواء... فالزموا لواءكم وحافظوا عليه... او خلوا بيننا وبينه...! عندها شعر كأن صفعة قوية دوت على اذنيه... فصرخ مستنكراً : - نحن نسّلم لواءنا.. ؟! لا كان هذا ابداً...!... فاقترح ابو سفيان ، متعمداً الامعان في اغاضته : - نجعل لواءاً آخر......!.. فرد وقد بلغ الغيض به منتهاه : - نعم...ولا يحمله الا رجل من بني عبد الدار..ثم لوّح بيده وهو يضيف : - لا كان غير ذلك ابداً..!! استيقظ من هواجسه على صرخات مقاتل مسلم ، اخذ يشق طريقه وسط الجيش... انتابه الذهول والقلق ، وهو يراه يتقدم راجلا وبسهولة ، فيما تفرق الفرسان ، فارين من بين يديه... تطاول محاولاً رؤيته... اخذه شيئ شبيه برعدة الغضب...انه ذات الشاب الهاشمى الذي قهر قادة جيش قريش ببدر.. حربها الاولى مع محمد..اجل هو نفسه..علي ابن ابي طالب..!! - يا لها من جرأة فريدة..دفعته لاقتحام جيشنا!....قال بحنق ثم اضاف: - كأنه يمني نفسه الظفر باللواء!..... شدّ على اللواء بيده ، وزأر قائلاً : - ساوقفه عند حده...! ركز اللواء بقوة في الارض ، لئلا يعيق حركته... ثم شهر سيفه وعاد يزأر...لكن ذلك لم يغنه... اذ سرعان ما تناوله خصمه بضربة من طرف سيفه ، فتهاوى الى الارض... ثم تبعه اللواء...! تنادى بنوعبد الدار فيما بينهم لحمل اللواء ، قبل ان ينتدبوا من يحمله..لكن مصير هذا ، لم يكن باحسن من مصير رفيقه..!...فتداعى هو الاخر، مطلقا صرخة مخنوقة....! هز الحادث اعصاب بني عبد الدار، وابي سفيان معا!...بيد انهم تجلدوا..فهم امام تحدٍ صارخ ، ولابد لهم من ان يمضوا به الى الاخير...! تناوب سبعة رجال آخرون من بني عبد الدار على حمل اللواء... وفي كل مرة...كان القدر يكمن لهم على بعد خطوة..فيعود اللواء فينتكس...!! ... وتراجع صناديد قريش وهم يرون بني عبد الدار صرعى...و لم تبق امام ابي سفيان من حيلة لوقف الهزيمة التي بدأت تلوح... الا ان يدفع اللواء الى إمرأة... وعندها...أشاح علي بوجهه ، وعاد ادراجه...! فيما كان العدو يقف على حافة الانهيار التام..عاجزاً عن حشد فلوله الممزقة... حصل تطور خطير...! هذا ما أحسه علي بوضوح...! توقف في قلب الجيش المعادي ، متأملا الموقف ، ثم التفت الى حيث ترك النبي واقفا في ظل سقيفة صغيرة ، يتابع القتال ويوجهه... فهاله ما رأى... اذ بدى له انقلاب الموقف القتالي تماما ً..!! ان ما يقع تحت عينيه ، يحكى عن انكسار مريع في جبهة المسلمين...! ..مثل الخطر كافعوان اسطوري لا بداية له ولا نهاية...! ... ولكن... ما له لا يرى النبي... ؟! انقلب علي يجري ، بحثا ًعن النبي ، وعيناه لا تكادان تستقران على شيئ.! ...رابه تجمع لافراد العدو... فشدّ عليهم ، يضرب بسيفه يمينا ً وشمالا ً... فتشتتوا لائذين بالفرار...! يالهي...! ما هذا..؟! النبي على الارض..مغشيا ًعليه..؟! رحماك يارب..! لقد كسرت رباعيته...!!.......تنبه النبي على يد علي الحانية... فنظر اليه وقال : - ما صنع الناس يا علي .. ؟!... فرح علي بسلامة النبي...! لكن ردّه جاء ممزوجا ً بالالم : - نقضوا العهد يا رسول الله...! وولوا الدبر وأسلموك...! قطع عليهم الحوارتقدم كتيبة للعدو ، فهتف النبي : - ردّ عني يا علي هذه الكتيبة...!.. فشدّ علي عليها مشحونا بالغضب.. ففرقها في لمحة بصر.. وعاد الى مكانه... فابتسم له النبي ، دون ان تفارق وجهه علائم الالم وقال : - ما لك لم تفر مع الناس ؟!... انفرجت ملامح علي قليلاً..و قال بنبرة كالعتاب : - يا رسول الله..! أارجع كافرا ً بعد إسلامي... ؟! القى الفارون - وهم يتسلقون جبل احد - نظرة الى الوراء ، الى مواقعهم التي أخلوها... فأحرجهم ما رأوا... وأشعرهم بالضآلة... كان النبي وعلي وحيدين وسط المشركين...!!.. فأنفغرت أفواههم عجبا ، ونظر احدهم في وجه الآخر متساءلين : - كيف لم يفر علي... هذا الشاب ذي العشرين ونيف ربيعا ً..؟!... ولم فروا هم إذن ، وفيهم الرجال والشيوخ... ؟؟!! أصابهم الخجل.. فندموا.. ولاموا أنفسهم..وخافوا الوعيد اللهي للفارين المدبرين... فثابوا الى رشدهم.....! توقف احدهم يسأل صاحبه : - الى اين نحن ذاهبون ؟!... فأجابه الاخر منكس الرأس : - الى العار...!..... فرد السائل مقرا ً : - العار والنار.. والله..!!... انقلب الاصحاب عائدين الى النبي... كان اولهم أوبة : ابو دجانة وابو ايوب الانصاري وتبعهم آخرون وحدانا وزرافات...!! واشرقت على ملامح علي ابتسامة واثقة وهو يحيي العائدين... ثم تقدم نحو العدو، يضرب بسيفه ليكسر الحصار الذي فرضه المشركون حول النبي. مهمة صعبة... بل معقدة بالغة التعقيد ، تلك التي ندبه النبي إليها... كان عليه ان يحارب في دائرة صغيرة لا يتعداها.. فالعائدون لم يشكلوا بعد ، خطا ً دفاعيا ً محكما ً... يمكن الوثوق به... فعليه اذن ان لا يذهب بعيدا ً ، فيترك النبي جريحا ً... ونواة جيشه معرضة للانهيار...! اجل... محدودا ً امامه ميدان المناورة.. ولهذا فقد راح يتلقى السهام من بعيد ، دون ان يستطيع الرد عليها ...! لكن المدد الالهي... واستبسال علي وعون المؤمنين الذين آبوا الى الله ورسوله ، غير نتيجة المعركة... فانسحب المشركون ، متظاهرين بالاكتفاء بالنصر الجزئي الذي احرزوه...! توهجت عينا القائد العام لجيش المشركين ببريق الانتصار..! وربت مقهقها ً على كتف قائد الخيالة الذي يعود اليه الفضل في تغيير ميزان الحرب... ثم قال : - لا يكفي ما تحقق... لا بد ّ ان نعيد الكرة على محمد غدا ً...! - بدى خالد ابن الوليد اكثر تقديرا ً لعواقب هذا الكلام... فنظر الى أبي سفيان ، دون ان يعلق بشيئ...!... ورغم شعور الاخير باندفاعه الزائد..الا ان سكوت ابن الوليد اثاره..فنادى على احد رجاله ، وقال : - اقترب من صخرة الجبل ، وصِح باعلى صوتك تُسمع محمدا ً وصحبه : ان حمراء الاسد موعدة بيننا وبينكم...!! ...كانت ارض المعركة لا تزال تموج بدماء قتلى الفريقين... فعلى سفح الجبل والساحة التي امتدت امامه ، تناثرت اجساد الشهداء.... وقد لاحقت بعضها... الخناجر الوثنية فمثلت بها...!! وسط تلك الساحة... وقفت امرأة متنمرة يقدح من عينيها الشرر ، واشداقها تقطر دما ً...!!...كانت تحمل باحدى يديها شريحة من كبد انسان... وفي الاخرى سكينا ً مصطبغا ً بالدم...!!... وعلى الارض تمدد جسد ممزق الصدر تبدو على وجهه مخائل الشرف والفروسية...! مظاهر الوحشية الصارخة... التي لونّت مشاهد نهاية المعركة ، طغت على صور الحزن والالم العميقين ، وانين الجرحى الذي لا يزال يسمع هنا وهناك...! سنعود اليكم ان شاء الله في الحلقة القادمة..! لمتابعة وقائع هذا القصة.. قديم المحاربين - 75 2015-03-05 10:24:14 2015-03-05 10:24:14 http://arabic.irib.ir/programs/item/12150 http://arabic.irib.ir/programs/item/12150 قبل اصطفاف الجيشين للقتال... خرج يتفقد قواته... كانت شمس الضحى ترتفع في الافق... و الهدوء النسبي يخيم على الاجواء... لكنه هدوء ، كالسكون الذي يسبق العاصفة...!..فليس بعد فشل مساعي حقن الدماء ، الا توقع بدء القتال ، ساعة قبل اخرى... قتال أيسره ان تسقط فيه الرؤوس و تطيح فيه الايدي..!! رمى ببصره صوب جيش العدو... ثم عاد ينظر الى قطعات جيشه... كان امراء الجيش و الجنود ، يمرون بقربه مسَلمين عليه بأمرة المؤمنين... و ربما سمع من لا يعرفه فأصابه العجب للوهلة الاولى ، متسائلا: اين هي مظاهر الامارة ؟!... لكنه و ما ان يمعن النظر فيه ، حتى يشعر انه امام شخصية استثنائية ، تفرض عظمتها و هيبتها على العدو قبل الصديق... عظمة و هيبة ، نابعة من كيان الشخصية نفسها ، و ليس مما يضفيه عليها عنوانها او لباسها او ما يحفّها من مظاهر...! كان كل ما عليه: عمامة... و ثوب قديم من قماش رخيص ، توشّح عليه بسيفه... و في قدميه نعل من خوص... ذلك هو علي ابن ابي طالب ، أمير المؤمنين ، و القائد العام لجيش دولة الاسلام... و هذه هي بزته الحربية..!! توقف يرقب تحرك جيش العدو ، و خيله التي راحت تجول هنا و هناك...و بعد تأمل قصير ، عرف انه مجرد تحرك لإستعراض القوة...!...فواصل تطوافه... و من بعيد ، تراآى له شاب في ذروة الشباب مقبلا عليه... فتملاه قليلاً وابتسم... فقد عرف فيه ولده الاكبر... الحسن... و عندما اقتربا من بعضهما... ابتسم احدهما للآخر... و سارع الحسن يلقي التحية على ابيه... ثم اتسعت ابتسامته ، و هو يشير الى لباسه قائلا: - ما هذا زي الحرب ؟!.... لامست كلمات الابن مجاس خاصة من نفس الاب ، فتنهد و قال: - يابُني..!: ان اباك لا يبالي... وقع على الموت أو وقع الموت عليه..!! كان التعب و السهر ، قد اخذا منه مأخذهما... رحلة طويلة تلك التي قادته و جيشه من المدينة المنورة ، الى ارض المعركة في البصرة... و كم كانت تنتظره من جهود مضنية لدى وصوله.. فقد بذل كل ما استطاع علّه يحول دون نشوب الحرب ، و سفك الدماء... و لكن دون جدوى..! و فوق كل تلك الاتعاب... ما ألقته على كاهله من معاناة ، سنون الجهاد الطويلة ، و هموم الرسالة الثقيلة... هذا علاوة على ضريبة العمر الباهضة...! اجل... فهاهو قد ذّرّف على الستين... و إن كان يبدو في حيوية الشباب !! .. و لكن... ما بال هذا الشيخ الستيني... ؟!... ان الناظر اليه من بعيد ليحسب انه يخوض صراعاً من نوع ما..!! و من الزاوية التي نظر من خلالها بدى لاحد امراء الجيش ، ان تطوراً خطيراً طرأ على مجرى القتال...! لا... لا... لا يمكن ان تخطئه عيناه...!.... فذا هو يشاهد اضطراباً واضحاً في وضع ميمنة الجيش و مسيرته..! تنبّه حسه العسكري...!...فتلفت باحثا عن القائد...فلمحه على ظهر جواده قد مال رأسه على السرج...يوشك النوم ان يغلبه طورا...وطورا يفيق فيطرده...! اقترب منه راكضاً و قال: - تالله ما رأيت كاليوم قط... ان بأزائنا لمائة الف سيف ، وقد هزمت ميمنتك و ميسرتك ، و انت تخفق نعاسا ؟! افاق القائد تماماً... فهمز جواده ، متقدماً الى الامام ، و هو يهتف بولده الآخر ، الذي كلفه بحمل الراية ، ان يقتحم..! خفقت الراية مرة و ثانية و ثالثة بيد محمد ، و كأنها تحتفل بانتصار وشيك ...!... ثم تقدمت تحف بها كوكبة من الجنود.... و بغتة...طارت في وجهها رشقات من السهام... فتوقفت... و لم تعد ترفرف و التفت محمد الى اصحابه ، قائلا: - رويدا ، حتى تنفذ سهامهم..! فلم يبق الا رشقة او رشقتان..! استنكر القائد... و هو يرصد من بعيد.. تردد صاحب الراية... فعاد ينادي عليه أن تقدم... فيما تواصل رشق السهام و بكثافة ، مزلزلا اشد القلوب جرأة...!! و احس محمد بأنفاس ابيه تخالط نفسه ، و هو يستل الراية منه بيسراه ، ثم يتقدم صوب العدو ، حاملا سيفه باليد الاخرى..! و تابعته عيون جنوده ، حتى غاص في معسكر الاعداء. احتفل قادة الجيش الآخر ، بالنصر المبكر الذي احرزوه... ! و تعالت أراجيزهم... و هزهم الوجد... ! نحن بني ضبة اصحاب الجملنبارز القرن ، اذا القرن نزلالموت عندنا احلى من العسلنحن بني ضبة لا نفرحتى نرى جماجماً تخريخر منها العلق المحمر نحن بني ضُ.... - مه..! وقف رجل على جمع المحتفلين و الذعر يطل من عينيه ، صارخاً بهذه الكلمة...... رد عليه احدهم و قد اخذته المفاجأة: - ما الذي دهاك..؟!... اجاب الرجل و هو على وشك الانهيار: - راية علي وسط المعسكر..!! ذهل القوم ، و انعقدت السنتهم للحظات... و جاهد احدهم ليسأل: - ماذا تقول..؟!........... تشجع ثان ليصرخ محتجاً: - لقد رأيت بأم عيني اضطراب ميمنة علي و ميسرته...!! فتصايح الآخرون: - اجل... اجل... انك لتقول: هُذاءا..! ادبر الرجل ، و هو يقول: - ادفعوا عن انفسكم القتل أو الاسر إن إستطعتم...! نظر احدهم في وجه الآخر بقلق.... ثم انطلقوا بكل اتجاه يستطلعون الخبر... وقف أمراء جيش علي و جنوده ذاهلون لخطوة القائد هذه...! و بقدر ما ملأتهم بالقوة و الاعتزاز ، بثت فيهم الخوف ايضاً... !! فماذا لو قدر للقائد ان لا يعود..؟! بقيت العيون مشدودة على الدرب ، و مضى الوقت...ولا من جديد...!.. فاشتد القلق ، و تضاعفت الاحتمالات ، و تزايدت التساؤلات:... هل استشهد..؟!....هل اُصيب..؟! هل أُسر...؟! ... و بدت هذه التساؤلات أو بعضها فجة او حتى غبية...! فهل يمكن لاحد ان يمر في خلده ، و لو على سبيل الخيال: ان يقع علي في الاسر ؟! و فيما راح الامراء يقلبّون الاراء ، بقي التردد هو السائد: ماذا عليهم ان يفعلوا؟! أينبغي لهم التريث أم بدء الهجوم ، لاستقاذ القائد؟! و فجأة... أطل على ظهر جواده..... !...حتى اذا ما بلغ مقدمة جيشه ترجل... و راح يقوّم سيفه الذي انثنى ، و هو يقول: - لا تلوموني و لوموا هذا.. !... وفور انتهاءه منه ، امتطى جواده ثانية ... فتصايح الامراء و الجنود: - نحن نكفيك يا أمير المؤمنين...!.... فلم يجب... بل انطلق نحو العدو ، ليغوص وسط الحشود... ! و عاد الزمن يمر ثقيلا... مخيفاً... مثيراً للقلق... ! بيد ان الانتظار لم يدم طويلا... بل رجع القائد أسرع هذه المرة... فسلم ولده الراية ، و هو يقول: - الماء..!... الماء..!.... دنى منه شاب من جنوده ، و في يده كأس صغير قائلا: - يا أمير المؤمنين.. !... أما الماء ، فانه لا يصلح لك في هذا المقام...! و لكن اذوقك هذا العسل..... فشكره ، و قال: - هات.. ! احتسى الامام حسوة من الكأس... ثم تأمل وقال: إن عسلك لطائفي...!........أرتفع حاجبا الشاب دهشة و قال: - لعجباً منك و الله يا أمير المؤمنين ، لمعرفتك الطائفي من غيره في هذا اليوم ، و قد بلغت القلوب الحناجر...!! فردّ القائد مبتسماً: - انه و الله ياإبن اخي ، ما ملأ صدر عمك شيئ قط ، و لا هابه شيئ..! قال ذلك ثم امتطى جواده ، متوجها صوب العدو... فتنادى جنوده فيما بينهم... ثم اندفعوا يعدون خلفه... ! اجل... عملية بطولية فردية... واحدة من سجل بطولاته الضخم... قلبت ميزان القوى بالكامل..!! و مكنّت الجيش الذي كان على شُرف الهزيمة من الامساك بزمام المبادرة..!! فانطلق يكثف صولاته... حتى الحق الهزيمة الكاملة بالعدو..!! ...و فيما كان أفراد الجيش الآخر يلوذون بالفرار... اعتلى منادي الامام ربوة صغيرة هاتفاً بأعلى صوته: (( لا تتبعوا مدبراً... و لا تجهزوا على جريح ، و لا تدخلوا الدور و لا ترزءوا - اي لا تُصيبوا – سلاحاً و لا ثياباً و لا متاعاً.... .....و من القى سلاحه فهو آمن ، و من أغلق بابه فهو آمن...!! دعوة للإقتصاص - 74 2015-03-05 10:24:19 2015-03-05 10:24:19 http://arabic.irib.ir/programs/item/12149 http://arabic.irib.ir/programs/item/12149 كسول أنت يا عبدالله..! نعم كسول...! وستبقى تتداولك أيدي النخاسين ما دمت كسولا...! فمن الذي يقتني خادماً أو ما يحلو لهم أن يسمونه عبداً إذا ما عرف أنه كسول..؟! كثير هم الذين سادوك... من ثري مكة... الى التاجر اليهودي... الى غيره... وغيره... وكل لا يتقبلك، ويعيدك الى صاحبك النخاس، كسلعة بائرة...!! لا يدري... أيصدق قول النخاس؟! - لقد ساقك الله هذه المرة الى خير رجال هذا الزمان...! - كلمة مبالغ فيها...! أليس كذلك..؟! وغير مستبعدة من نخاس...!... هكذا تصورت في البداية... لكنك، وما ان بدأت العمل لصالح سيدك الجديد، حتى وجدته أهل لذلك وأكثر... إسمه: علي بن الحسين... لكن لا أحد يسميه بهذا الإسم، بل يلقبونه بألقاب شتى: زين العباد... زين العابدين... السجاد... ورأيته لأول مرة، فبهرتك طلعته... لا... لا... لم تبهرك، صباحة وجهه أو وسامته... بل ما رأيته من نور عجيب يشع من جبينه، بل من كل ناحية فيه، فيسبغ عليه من الهيبة والوقار، ما يصد العين عن أن تحد النظر إليه..! ويوم كلفك – يا عبدالله – بعمارة بستانه ضواحي المدينة، كدت تخرج من جلدك فرحاً... فتلك المرة الأولى في حياتك تولى فيها هذه الثقة... والمرة الأولى التي تكلف بمثل هذه المهمة التي ستمنحك قدراً من الحرية والإستقلال وتعفيك من الخدمة في البيوت... التي تكرهها من أعماقك..! لم يكن يسمع لها صوت بكاء، ولا ترى لها دموع... ولكنها كانت تبكي، تبكي بحرقة... بعيون جفت دموعها... لونها المائل للإصفرار... وأغصانها الذابلة المتدلية بحزن واستكانة تحاكي حال عجوز خرساء ثكلى، أطلقت شعرها الشائب تروم البكاء، دون أن تقوى عليه. وأنى تلفت... طالعه ذات المشهد الحزين... الأشجار الذابلة سواقي المياه الجافة... مظاهر الحياة التي راحت تحتضر ببطء...! وعلى طول البستان وعرضه، كان الإهمال والتضييع متفشياً... النباتات الضارة النامية في كل مكان... سياج البستان الذي أحدثت فيه الحيوانات السائبة ثغرات عدة، وراحت ترعى حرة...!! عشرات الأسئلة تقافزت أمامه... ترى ما الذي يفعل الفلاح إذن؟! هل تسلم البستان من أجل عمارته أم خرابه...؟! ... وإذا ما كان عاجزاً، فلماذا لا يخبره...؟! وشيئاً فشيئاً سرت في عروقه دماء الغضب، واكتست ملامحه النورانية المشرقة بغلالة رقيقة حمراء..! والى حيث انزوى في أحد أركان البستان، كوخ صغير يؤمه الفلاح للإستراحة تقدم الرجل بخطوات هادئة وقور، رغم مشاعر الألم والغضب التي ألمت به...! كمن يستيقظ بعد نوم عميق...! تنبه وجدانه..! هزته كلمات سيده من الأعماق..! شعر بها كأسواط لاذعة تنهال عليه... أشد وقعاً من السوط اليتيم الذي قرعه به...! لم يكن يملك جواباً واحداً لأسئلته الكثيرة... ماذا يقول: ألم يوليه ثقته...؟ ألم يؤمنه على البستان...؟ ألم يمهله موسماً كاملاً...؟ ...ألم...؟ ألم....؟ لا يدري كيف أغرى به الكسل... واستهواه حب الراحة...؟ ليستنيما ضميره... ويدفعاه الى التفريط بأمانته؟! إن شد مايؤذيه... انه تنكر لسيده... هذا الرجل الكبير الشريف... صاحب اليد البيضاء عليه... فبدلاً من أن يفي له ببعض حقه عليه، فعل ما أبرمه منه وأغاضه...! ليته قرعه بدلاً عن السوط الواحد عشرة... بل مئة.. حتى يسكن غضبه ويرتاح...! ولكن... متى كان سيده ممن ينفس عن غيضه، برؤية الآخرين، يتلوون ألماً، وهو يلهب ظهورهم بسوطه...! لا... لا... لن تغيب قسمات وجهه المشعة عن ذهنك يا عبدالله... لحظة هوى بالسوط عليك... رأيتها بدقة... سرعان ما تقبضت... وكأن الألم البسيط الذي نزل بك، نزل به مضاعفاً...! ...وبعدها لم يفه بكلمة واحدة... بل أطرق، ثم انسحب حالاً... - يا عبدالله..! يا عبدالله...! ...سمع من يناديه عند بوابة البستان... فأسرع الى هناك... فتح البوابة ليقول: - هذا أنت يا سالم... خير إن شاء الله؟! ...رد سالم على عجل: - أرسلني سيدي خلفك لأدعوك اليه..! ...داهمته الكلمات.. أطرق يفكر... يدعوني؟! لأي شيء يدعوني...؟! وعندما رفع رأسه ليستفسر، كان صاحبه قد غادر المكان.. أربكه هذا الإستدعاء بل أخافه...! ...هل سيعاقب ثانية...؟! ...لايتوقع ذلك... بيد أنه ليس أمراً مستحيلاً... انه أساء حفظ أمانته... لم يقم بالعمل الذي عهد به اليه... ولم يتدارك تقصيره ويعتذر قبل فوات الأوان...! أفلا يستحق بعد كل ذلك أن يعاقب...؟! ولكن.. عليه فعلا أن يستعد لتلقي العقوبة... أم أنه طُلب لأمر غير ذلك...؟! خرج من البستان، أغلق بوابته وهو يقول مع نفسه: ...لا ...لا ...لا يصدق أن سيده يريد عقوبته... لقد عفى عن ما هو أكثر جريرة منه... ألم يعف بالأمس عن نجم بعد أن فجعه بولده الصغير...! ومن ينس تلك الفاجعة المروعة...! يا الهي...! كان سيده يستقبل ضيوفاً وقتها... وكانت الإستعدادات تجري على عجل لتقديم طعام الغداء... وذهب نجم يستخرج الشواء من التنور... ثم جاء حاملاً السفود راكضاً... وفجأة فقد توازنه، وتحرر السفود الذي كان يتوهج بالحرارة من يده... وحلت الفاجعة...!! فقد سقط السفود على رأس الطفل الصغير... فصرخ صرخة أودع فيها آخر رمق له من الحياة...! ووقف الإمام يلقي نظرة على جسد ولده الصغير، وقد سكنت حركته، ثم دنى من نجم الذي شله الخوف والرعب، وقال: - أنت حر...! ...ثم أردف، محاولاً إعادة الإطمئنان الى نفسه: - فأنت لم تتعمد...!! أصبح على خطوات من بيت الإمام... توقف يسترد أنفاسه، وقد استعاد بعض استقراره النفسي... لا يدري لماذا هاجمته هواجسه ثانية بعد دخول البيت... ليس هناك ما يدعو لذلك... لم ير أو يسمع ما يحمله على الظن أن هناك عقوبة تنتظره...! كل ما قيل له: أن الإمام ينتظره...! نقر باب الغرفة بإصبعه نقرتين... بلغة الرد دون إبطاء يدعوه للدخول... كان صوت الإمام عميق النبرات، خاله مشحوناً بالغضب... فخفق قلبه خوفاً، غير أنه دفع الباب ودلف الى الداخل... خطوة واحدة خطاها داخل الغرفة، جعلته يتحقق من صدق مخاوفه...! فالمشهد الذي طالعه قضى على أي احتمال آخر، يمكن أن يمني نفسه فيه بالنجاة من العقوبة...! لم يصدق عينيه في البدء... كان الإمام يقف وسط الغرفة وقد نضى قميصه، فبان ظهره عارياً... فيما أمسك بيمناه السوط...! تسمر عبدالله عند الباب، وقد اشتد خوفه... وبدا كمن أصابه الشلل... فلا هو يتقدم ولا هو يتأخر...! غير أنه تجرأ أخيراً لينظر الى وجه الإمام... فحسب أنه قرأ معنى لم يعرف كنهه... ولكنه ليس غضباً على أية حال... شعر بجرأة أكبر... أراد أن يعتذر، أن يطلب الصفح... إلا أن الإمام مد يده بالسوط، فتراجع عبدالله... فتداركه الإمام قائلاً بنبرة اعتذار: - قد كان مني اليك، ما لم يتقدم مني مثله... فدونك السوط واقتص مني...! ...احتبست الكلمات في فم عبدالله، وجاهد ليقول بنبرة مخنوقة: - يا مولاي...! ...والله... إن ظننت... إلا أنك... تريد عقوبتي... ثم انفجر باكيا، وهو يقول: - وأنا أستحق العقوبة... فكيف أقتص منك؟! تقدم الإمام منه أكثر وهو يقول: - ويحك... اقتص...! ...رد عبدالله بصوت مشحون بالإنفعال: - معاذ الله..! ...أنت في حل وسعة...! انفرجت ملامح الإمام عن ابتسامة يطبعها الحياء... قبل أن يقول: - أما إذا أبيت، فالضيعة صدقة عليك...!! في أعلى سلم الأولويات - 73 2015-03-05 10:24:29 2015-03-05 10:24:29 http://arabic.irib.ir/programs/item/12148 http://arabic.irib.ir/programs/item/12148 لشدما يكره الوقوف على أبواب المتكبرين أو مخالطتهم أو حتى التحدث اليهم... فالإنسان الكريم يشعر إذا ما دعته الى مثل هذه المواقف حاجة، كأنه ينحر كرامته وعزته بسكين من خشب..! سيدخل – من غير شك – في صراع عنيف مع نفسه..! صراع لن ينتهي بالتأكيد الى أحمد العواقب... فهو إذا ما رفض تبقى الحاجة قائمة ، ترهقه وتثقل عليه صباح مساء، وإذا ما وافق فإنه سيفري أوداج عزته بذلك السكين الخشبي الذي سيطيل عذابه، دون أن يعمل عمله...! ولو كانت تلك الحاجة متعلقة بشخصه، لكان الأمر محسوماً بدءاً، ولما عاش هذا الصراع أبداً... فهو يفضل أن يموت قبل أن يرى كرامته تخر صريعة أمامه...! ولكن ما العمل، فقد جاءه صديقه يوماً، وقد كسا وجهه الهم، واعتصر قلبه الألم، وهو يحاول رغم ذلك إخفاء ما يعاني، والتهرب من البوح بما ألمّ به... لكنه استطاع أخيراً أن يجره للكلام ...وسرعان ما ندم...! فلو لم يلح عليه، من أجل أن يصارحه، لما وجد نفسه اليوم يعيش كل هذا الصراع...! قال له، متجنباً النظر الى عينيه: - إن لي الى فلان حاجة، فهل تقدر أن تكلمه فيها...؟! تساءل بانفعال وقد فوجئ: - فلان..؟!! ...أجاب الصديق، بعد أن قاسه بنظرة فاحصة: - أجل..! ...رد محاولاً التهرب: - ولكني... ولكني.... قاطعه صاحبه وقد ضاق بالجواب: - لولا إلحاحك علي، لما تفوهت.. وها أنت تتنصل بعد أن عرفت...! آذته كلمات صاحبه، واستحى من موقفه... فوافق على مضض. تنفس الصعداء، وهو يقول مع نفسه: من حسن الحظ، إنه لم يضرب له أجلاً محدداً...! بعد وقفة خاشعة قصيرة في محرابه... انقطع الإمام للصلاة وانسابت الكلمات من فمه، هادئة عميقة النبرات: الله أكبر، الله أكبر... أشهد أن لا إله إلا الله.... أحس ابان معها، انه بدأ ينشد، يلتحم بعالم آخر... شعر بوجيب قلبه يتناغم مع جرس الكلمات التي تتابعت بنفس النبرات: الحمد لله رب العالمين... راح يرتقي معها الى عوالم ربانية شاهقة... يحلق في آفاق سامية، بعيدة بعيدة... وبدلاً من أن تخالطه الخشية من ارتياد تلك العوالم المتناهية، شعر بسكينة لم يعهدها من قبل... لم يجربها مرة في حياته...! ... أجل...لقد كانت تلك أول صلاة صلاها خلف أستاذه وإمامه أبي عبدالله الصادق – عليه السلام – بقية البيت النبوي... لقد أنس بعدها مرات ومرات، بأوقيات معنوية سامية فريدة، كلما أتيح له أن يأتم بإمامه ومقتداه...! إبتسم مع نفسه، وقال: إنه على موعد اليوم مع تجربة عبادية ثرة أخرى... تجربة ينطلق فيها مع الإمام لسبر عالم معنوي آخر... يخطو فيها... يتحرك حول مسار مرسوم، كتعهد منه بجعل الله تعالى، محور حركته في الحياة..! ...ولقد وفى أستاذه بوعده، في أن يصحبه لأداء العمرة، وزيارة بيت الله. رآه، ومنذ انطلق في الشوط الأول يشق طريقه وسط الطائفين، غارقاً في لجة من نور..! ..حاول أن يكون أقرب ما يكون اليه... إلا أن الزحام كان يقربه طوراً ويبعده آخر... - أبان...! أبان...! ...سمع من يناديه... قال مع نفسه دون أن يلتفت: لا يمكن أن يكون هذا صوت الإمام...! هز رسه بالنفي، موكداً ذلك بالقول: لا يمكن أبداً... إنه يعرف صوت الإمام جيداً... تجاهل الأمر... غير أن الصوت تكرر بنحو أقرب هذه المرة: - أبان... أبان...! التفت الى مصدره، فرأى صاحبه الذي جاءه قبل أيام، طالباً شفاعته.. شعر بالحنق... لكنه تحامل على نفسه...، مشيراً اليه، أنه سيلتقيه عما قليل... - وأقبل على متابعة طوافه... ساعياً لأن يكون الى جوار الإمام... تكرر النداء ثالثة... - أبان..! ...لمح الإمام الرجل، فالتفت الى أبان، وقال: - يا أبان...! ..إياك يريد هذا؟ ...رد بشيء من التبرم: - نعم...! عاد الإمام يسأل: - فمن هو؟ ...أجاب أبان، دون أن يخفي امتعاضه: - رجل من أصحابنا... سأل الإمام ثالثة: - هو على مثل ما أنت عليه؟! ...أدرك أبان مغزى سؤال الإمام، فرد بنحو آخر: - نعم...! ...أسرع الإمام ليقول: - فأذهب اليه...! ...إستفهم أبان كالمحتج: - وأقطع الطواف..؟! ....أجاب الإمام: - نعم...! ....عاد أبان يسأل: - وإن كان الطواف فريضة؟! .... رد الإمام بابتسامة: - نعم...! ...انفتل أبان من طوافه، متجهاً الى صاحبه. رجع أبان من أداء مهمته فرحاً... لا لأنه استطاع قضاء حاجة صديقه وحسب، بل لإكتشافه انطباعاً خاطئاً، كان يتحكم بذهنيته...! فظاهر الإنسان وملامحه العامة، كما كان يظن، كافيان للتدليل على مدى انفتاحه أو انغلاقه، وتشخيص ما إذا كان متواضعاً أو متكبراً متفهماً أم متعجرفاً... غير أن ما لمسه بنفسه اليوم، أثبت له خلاف ذلك تماماً... فلقد تبين له أن الرجل الذي قصده، شافعاً لصديقه، رجل طيب، ينبض قلبه بالرحمة...! إذ لم يكد يلقي التحية عليه، حتى انقشعت غيمة العبوس التي طالما رآها تخيم على وجهه، وأقبل عليه مرحباً... دون أن يتردد في إجابة رغبته..! حقاً إنه لمن الصعب جداً، سبر غور الإنسان... فبينما يبدو لك مقطباً عابساً، فتخاله مغروراً متكبراً، وإذا هو – مع أول موقف – شيء آخر... نظير صدفة صلدة تحطمها، لتتكشف لك عن لؤلؤة رائعة...! وقد ترى آخر هشوشاً بشوشاً، يوزع الإبتسامات هنا وهناك ...بيد أنه ولأدنى سبب يدعو لأن تتقاطع معه، تجده مرجلاً يغلي بالحقد والأنانية والغرور...! الحق... إنه سعد بهذه التجربة الثمينة، وشعر بالإرتياح... لكنه شعور عابر... ذلك أن قضية أكبر، أو قل اكتشافاً أكبر بدى له فشغل ذهنه بالتفكير الطويل... عندما يكون العبد ماثلاً بين يدي الله.. مصلياً، صائماً، طائفاً، ساعياً... فهو أقرب ما يكون الى ربه... فليس هناك من طاعة فوق ذلك... هكذا كان يعتقد، لكن ما عرفه اليوم شيئاً آخر...أجل... شيئا آخر تماماً... فهو يضع مساعدة الخلق فوق عبادة الخالق، أو الأحرى، انه يعتبر ذلك عبادة وطاعة مقدمة على العبادات والطاعات...! ألم يأمره الإمام بقطع طوافه... من أجل إسعاف أخيه المؤمن في حاجته...! ترى ما الذي يمكن أن يعنيه ذلك... انه ليبدو يؤسس لفكرة يصعب عليه تعقلها... أيصدق أن يجعل الله حق الناس أوجب من حقه هو عليهم...؟! إن قضية بهذا القدر من الأهمية لا ينبغي له أن يمر عليها مروراً... ينبغي له أن يعرفها جيداً، ويتملاها جيداً...! جلس بتواضع بين يدي الإمام وسأل: - أخبرني عن حق المؤمن على المؤمن؟ ... ألقى الإمام نظرة خاطفة عليه، وأطرق، ثم قال: - يا أبان دعه لا ترِده...! أدرك أبان ثقل الجواب... فتجاذبه الإهتمام والفضول، وقال: - بلى، جعلت فداك...! .......رد الإمام مترفقاً: - لا ترده...! .......فأصرّ أبان على سماع الجواب، مكرراً: - بلى جعلت فداك...! ...صمت الإمام قليلاً، ثم قال: - يا أبان تقاسمه شطر مالك...! ...تكدرت ملامح أبان... وأصابه الذهول... وكأنه يقول: ماذا...؟ ...أيعقل ذلك....؟ - نظر إليه الإمام وقال: - يا أبان...! أما تعلم أن الله تعالى قد ذكر المؤثرين على أنفسهم؟ رد أبان كالمغلوب على أمره: - بلى جعلت فداك...! ...فقال الإمام، كما لو كان يقرر حقيقة نهائية. - أما إذا قاسمته، فلم تؤثره بعد... إنما أنت وهو سواء ...! إنما تؤثره إذا أعطيته من النصف الآخر...! الخصم الجائر - 72 2015-03-05 10:24:35 2015-03-05 10:24:35 http://arabic.irib.ir/programs/item/12147 http://arabic.irib.ir/programs/item/12147 ملامحه المتعبة المكدودة ، تحكي عن معاناة السنين الطويلة .... واسماله البالية تصرح بفقر وفاقة مقيمين ...! وعلى وجهه توزعت ندوب غائرة ، معبرة عن صراع ، عن مكابدة ، بدا معها الرجل ، في ضعف عمره الحقيقي ...! في المدينة المنورة ، ولد ونشأ ، وعمل اعمالا شتى ... بيد انه لم يمتهن – كغالب المدنيين – التجارة أو الزراعة ...فالتجارة تريد رأسمالا ، لايتسع له جيبه ...، والزراعة تتطلب قوة يفتقدها بدنه...!! ولهذا فقد عاش فقيرا مدقعا ، يختلس لقمة العيش اختلاسا ...! الفقر هذا الضيف الثقيل ، لم يكن الوحيد الذي زامله ، في رحلة الحياة الشاقة ... بل كان يسير جنبا الى جنب مع نقيضه ...!! اجل نقيضه ..!.... فهو وبقدر ماكان فقيرا ، كان غنيا ...! ...بل ان غناه هو الذي أطمع به الفقر، وجعله ملازما لبابه لايتحول عنه ..! كان غني النفس ، عفيفا ، لايفكر- مجرد تفكير – بسؤال الناس يوما ، فضلا عن أن يسأل بالفعل ، او يلحف بالسؤال ...! لكنه وجد نفسه ذلك اليوم ، وقد ضاق صدره ...أحس كما لو ان أحدا يأخذ بخناقه ...يضيّق عليه انفاسه ...فأراد ان يتنفس الهواء الطلق ...! ابتعد عن كوخه الصغير المتواضع أطراف المدينة ... قطع عشرات الازقة ...وفي رحبة تتوسط البيوت ، شاهد مجموعة من الصبية يلعبون ... اُخذ بضحكاتهم التي كانت تملأ الرحاب ....ضحكات صافية رقراقة ، منطلقة من قلوب غضة ، لم تخبر هموم الحياة ، ومسوولياتها الثقيلة ...عفوية بريئة مما يشوب ضحك الكبار ومرحهم ...! وبعد أن رأى أن وقوفه قد طال ، جلس مسحورا بعالم الصغار..!! تعب الاطفال او ملوا كثرة اللعب ، بيد انهم لم يملوا الكلام والضحك ...فجلسوا يستريحون ، وقد اخذ كل واحد منهم بكسيرة خبز ... ومن مكانه ، حيث كان يرنو اليهم..رأى رجلا على دابة مقبلا.. وما أن اصبح على مقربة من الصغار، حتى راح يستمهل دابته ، وكأنه قد استأنس بأحاديثهم وضحكاتهم ...! ..وانتبه الصغار متأخرين ، فكفوا عن الكلام ، وتهامسوا متهيبين: - ابن رسول الله ..! الحسن ..الحسن ...! ألقى (ع) التحية عليهم ، فردوا جميعا وبصوت واحد : - وعليكم السلام ...! ...واتت احدهم الجرأة ، فتقدم من الامام ، عارضا عليه مافي يده من بقية خبز...! أضاءت وجه الامام ابتسامة محببة ..فترجل عن دابته ، ثم تناول كسيرة الخبز من يد الصغير...فاندفع الآخرون ، مقتفين اثر زميلهم ... اتسعت ابتسامة الامام ، وراح يلتقط كسيرات الخبز من الايدي الصغيرة ، الممدودة نحوه...! ابتسم الرجل الفقير أيضا ، وهو يرقب المشهد بارتياح... ثم فوجئ بالصغار يلتفون حول الامام ، الذي راح يتابع سيره بصحبتهم ....فعرف انهم تلقوا دعوة منه ... فغذ هو الآخر السير إثرهم . سمع به كثيرا ، ورآه على البعد مرات ومرات ، من غير ان يتسنى له رؤيته أو مجالسته ، ولو لمرة واحدة ... ملامحه النورانية البهية ، لم تُخطأ ملامح جده الرسول (ص) ، ونظراته النافذة ، تحاكي صلابة ابيه أمير المؤمنين (ع) ، وشهرته العريضة ، غطت الآفاق : " كريم أهل البيت " ..! ..لايدري مالذي دهاه ، عندما رآه مقبلا ...ثم وهو يعامل الصغار، بكل ذلك اللطف والحدب ...! شعر انه لمس برؤيته ، افقا جديدا للانسان ...عالما زاخرا بالنبل ، يغدق على من حوله ، من حبه ورأفته ورفقه ، وروحه ايضا ..!! كان يسير خلف قافلة الصغار، التي توسطها الامام ... وكانت اصواتهم تتناهى اليه ...يستمع اليه يلاطفهم ..يتبسط معهم في الحديث ...فيعجب لتلك الروح الكبيرة ، التي حملها هذا الانسان . بدأ يحس ببصيص نور ينسرب الى نفسه ، رويدا رويدا ... ذلك ان صراعه المرير مع الحياة ، لم يره الا الوجه الكالح منها ...ومكابدته قسوتها وحيدا ، أفقدته الثقة بالناس...فحسب ان الجميع انانيون ، جفاة ، نزعت من قلوبهم الرحمة ...يمرون على انين الجياع ، وكأن في آذانهم وقرا ..! ..وينظرون الى الايدي الممدودة بالحاجة على طول الطريق ، وكأن على عيونهم غشاوة....! أجل ... بدأ يتكشف له الوجه الآخر من الحقيقة ...فلقد بنى الوهم جدارا من عدم الثقة بينه وبين الناس .... فالحياة التي تقمعها القسوة ، لاتخلو من لمسات الرحمة ، والطبيعة التي يخيم عليها الظلام ويزري بها القبح ، لاتعدم أن تزخر بالضياء ، وتزدان بالجمال . وتساءل مع نفسه : - أكان يجدر بي أن أدع الوهم يحكم عالمي ؟!...بل أيحسن بي أن أعتزل الناس ، فاصبح مرمى لصروف الزمان ، كالشاة الشاذة عن القطيع ؟؟!! أطلق زفرة قوية ثم أردف : - هل يجمل بأحد يرى فعال هذا الرجل الكريم ، ولا يشكو اليه همه ، قبل ان يطمع بنيل سيبه وجوده ..؟!! إنتبه الى نفسه ، يقف وحيدا على عتبة الدار، بعد ان سبقه الصغار اليها ...فخجل وتهيب الدخول ، ثم هم بالعودة ... الا ان شابا أسمر، خرج منها في تلك الحظة ، ليقول له : إن صاحب الدار، يدعوك ..! كانت ضحكات الصغار تملأ فناء الدار، وهم يتهيؤون لمغادرتها...فيما وقف الامام يودعهم ، وهو يقول لمن حوله: - الفضل لهم...لأنهم لم يجدوا غير ماأطعموني ، ونحن نجد أكثر مما أطعمناهم ... وفيما بدأ الصغار بالخروج ...وقف الشاب الاسمر، عند عتبة الدار، مناولا كل واحد منهم صرة فيها لباس . كان الرجل الفقير ، يرقب بدقة ، كل ماتقع عليه عيناه ...وقد بهرته كثرة الوافدين على الدار ، واختلاف غاياتهم .... فهذا زائر، وهذا مستشرع ، وثالث طالب علم ، ورابع طالب حاجة ، وخامس...وسادس..و..و.. ووسط ذلك الجمع ، احس انه بدأ يتغلب على بعض تردده ، ويألف ماحوله .... لكنه بقي حائرا ، كيف له ان يعبر عن حاجته ...؟!...ان نفسه لاتطاوعه أن يقول أنني فقير بائس ...أو انني أعاني العوز، وبحاجة الى من يعينني ...! تلك كلمات يشق عليه قولها...! يشعر انها تمس عزته بالصميم..! .. إذن ماذا عليه ان يفعل ، أو الاحرى ان يقول ..؟! تلفت حوله بهدوء ...فتهيب الكلام ..أن يقف وسط هذا الجمع ، ليعلن حاجته..امام كل هذه العيون التي تحدق به وتترصده ...وكأنها تنفذ الى اعماقه ، لتفضح بؤسه وتعاسته...! ....وبعد تأمل طويل ...حسم الامر مع نفسه ..سينتظر...حتى اذا ماغادر الجميع ؛ أدلى بحاجته .... شعر بشئ من الارتياح لهذا القرار...وقل توتره ...! وشيئا فشيئا بدأ الجمع ينفض ...ثم جاء دور الاخير فانصرف...ولم يبق هناك من أحد ، غير الامام والشاب الاسمر وهو ثالثهم ... فدنى من الامام ، يلفه الحياء ، وقال: - ياابن أمير المؤمنين..! بالذي انعم عليك بهذه النعمة ، التي مانلتها منه بشفيع منك اليه ، بل انعاما منه عليك ....الا ماأنصفتني من خصمي ، فانه غشوم ظلوم ، لايوقر الشيخ الكبير ، ولايرحم الطفل الصغير...!! كان الامام متكأ فاستوى جالسا ، وقد برقت عيناه ، وتساءل باهتمام : - من خصمك ، حتى انتصف لك منه ؟! رد الرجل ، وقد سر لانه استطاع اثارة اهتمام الامام : - الفقر...!!.......، قال وهو مطرق... ابتسم الامام ، وقد اطرق هو الاخر، ثم رفع رأسه مخاطبا الشاب الاسمر: - إحضر ماعندك من موجود ..!....فذهب الشاب ثم عاد وقال: - هذه خمسة آلاف درهم ...!....فقال الامام : - إدفعها اليه ...! انبسطت أسارير الرجل ، وبدا كمن يبحث عن كلمات ، يعبر بها عن إمتنانه... الا ان الامام بادره قائلا : - بحق الاقسام التي اقسمت بها عليّ ...!! متى أتاك خصمك جائرا ، الا ماأتيتني منه متظلما...!! أوصياء الرحمن - 71 2015-03-05 10:24:40 2015-03-05 10:24:40 http://arabic.irib.ir/programs/item/12146 http://arabic.irib.ir/programs/item/12146 نش الذباب المتراكم على يديه للمرة العاشرة، وربما العشرين أو لعلها المئة، أو حتى المئتين...! ...من أين له أن يدري... فالذباب يلاحقه أنى ذهب... وان غطى يديه المخددة بالجروح...! أجل... لقد أصبح الذباب جزءاً من حياته... يعايشه ولا يكاد يفارقه..! وهو، وإن لم يألفه، فإنه لم يعد يضيق به كثيراً... ربما اعتبره رفيقاً أو خليطاً لا يسمع منه – على الاقل - ما يؤذيه... إلا طنيناً خفيفاً... فليطن له ما شاء، ما دام لا يجيد النطق بالكلمات الآدمية الجارحة... ولا يعرف أن يقابله بوجه عابس مكفهر...! أما نظراؤه الآدميون، فلم يعد يطمع في أحد ، ان يقترب منه او يحفل به، فضلا ان يهش لمقدمه، أو يبش في وجهه... فتلك أمنية صعبة المنال..!! ...اللهم إلا نفر من الأصحاب، ممن ابتلوا ببلائه..! بلاء وأي بلاء... يصيب الاصحاء الهلع لمجرد سماع اسمه فيرددوا مستعيذين: - جذام..!! ...العياذ بالله.. العياذ بالله..!! إبتسم بمرارة وقال: - وأنت... ما الذي يهمك..؟! ..فأنت سعيد، وستبقى سعيداً..! ..أضاف بتهكم: - اسم على مسمى... وأردف – وقد طاب له أسلوب التهكم: - أجل... سعادة لا يشاركك فيها، إلا نفر قليل من الأصحاب السعداء على شاكلتك، وجمهور الذباب الغفير...! - سعيد...! سعيد...! صحا من أفكاره على صوت أحد أصحابه، ماراً بقربه وهو يقول: - لا تنس موعد الغداء على الساقية...!......لوح له بيده.. دون أن يفوه بكلام.. جمعهم المرض... وآلف بين قلوبهم الفقر.. وباعدهم عن معاشرة الناس، ابتلاؤهم بالإثنين معا..! على قارعة الطريق يجتمعون..يأكلون.. يتسامرون.. يضحكون... يبكون.. يحلمون.. ثم يفترقون.. كل لحال سبيله...! بسطوا خوانهم على ضفة ساقية صغيرة... وجلسوا يثرثرون، بانتظار رفيقهم الذي راح يسخن كسيرات خبز قليلة، حصل عليها بمهارته الخاصة...! الادام الوحيد الذي لا يجدون غيره غالباً، وضعوه وسط الخوان... تركوه على حاله، دون تسخين.. فهو لا يحتاج لذلك... كما لم يحتج الى مهارة خاصة لنيله..! مجرد غرفة من ماء الساقية المجارة..! وضع الرفيق كسيرات الخبز على الخوان، وأقبل الجميع يلتهمونها بشهية.. متندرين على مائدتهم الملكية الدسمة..!! نهض أحدهم فجأة، ملقياً كسيرة الخبز التي في يده على الخوان، وهو يقول: - أهلاً بك يا ابن رسول الله...! ....التفت الآخرون الى حيث جلس رجل بهي الطلعة وقور على ظهر دابته، والإبتسامة المتألقة تضيء وجهه... نهض الجميع محيين الرجل باحترام، وهو يرد عليهم باحتفاء وحرارة...! أشار سعيد الى الخوان، وقال: - أتكرمنا يا ابن رسول الله، بمشاركتنا طعامنا؟! نزل الرجل عن دابته، وقال: - أما لولا اني صائم لفعلت..! أقبل عليهم مبتسماً، واتخذ له مكاناً بينهم... ثم راح يشاركهم الحديث... وبعد مضي بعض الوقت، نهض.. طالباً إجابة دعوته لتناول الطعام عنده غداً... ثم ودعهم وانصرف... قال أحدهم متفكها: - ضمنتم غداءاً دسماً...! ..... وعلق الآخر: - ومن بيت الرسالة، لا مناً فيه ولا أذى...! ... ولكز الثالث الذي يليه بكوعه قائلاً: - ما لك لا تفوه بشيء؟! ...بدا سعيد كمن يغالب عواطفه، فأطلق زفرة ثم قال: - الناس يتجنبون مجالستنا ومخالطتنا، خشية أن نصيبهم بعدوى، فيما يدعونا علي بن الحسين الى بيته...! ... رد رفيقه: - هؤلاء يا صاحبي فيض من نبع واحد... من ذلك النبع الصافي المتحدر من الأعالي... صاحب الخلق العظيم... المبعوث رحمة للعالمين..! علق الآخر: - فليس باطلاً ان دعي زين العباد..! - الى أين انت ذاهب يا مبارك؟! ...قال ذلك نجم وقد رأى صاحبه يتعجل الخروج. - أنا ذاهب الى حيث أبتاع بعض الحاجيات من السوق، فلدينا اليوم ضيوف كرام. تساءل نجم بشيء من الفضول: - ومن هم؟! ...رد مبارك باستنكار: - ومن أين لي أعرف؟! - كيف..؟! ...ألم تقل انهم كرام و...؟! - لا أدري يا نجم... هكذا ظننت.. لأن الإمام أوصانا أن نصنع غداءاً، وان نتنَّوق فيه – أي تجويده - .... استلفتت نجم العبارة، فارتفع حاجباه دهشة دون ان ينطق... وفيما انطلق مبارك في مهمته.. عاد نجم يتابع عمله في تنظيف البيت... وقبل أن يمضي عليه مزيد وقت، تكاسل، فألقى المكسحة – أي المكنسة – وجلس... -يا نجم...! جاءه صوت الإمام هادئاً، لكنه واضح النبرات... فتململ في مكانه، متثاقلاً عن النهوض... دون أن ينبس بشفة... ومرت دقائق أخرى، فتكرر النداء... شعر نجم بشيء من تأنيب الضمير... الا انه لم يبد حراكاً... كما ظل ملتزماً الصمت...! وما ان طرق الصوت مسامعه ثالثة، حتى هب وهو يقول: - نعم يا ابن رسول الله...! ...رد عليه الإمام وفي صوته رنة عتاب: - يا بني... أما سمعت صوتي؟! ...شعر بالحرج ، فقال متلعثماً: - بلى...! ...قال الإمام مطرقاً: - فما بالك لم تجبني؟! ...رد نجم وقد بان عليه الحياء: - أمنتك...! ...تألق وجه الإمام بالنور وهو يرمق السماء ويقول: - الحمد لله الذي جعل مملوكي يأمنني..! هم نجم أن يعتذر... إلا أن الطرقات التي توالت على باب البيت، أنقذته من موقفه الصعب...! فانطلق مهرولاً صوب الباب. فتح الباب وتوقف ذاهلاً، كتمثال من حجر، لا يبدي حراكاً... وسمع صوت الإمام من ورائه مرحباً... ثم يدعوه الى إفساح الطريق للضيوف ..تنحى جانباً دون أن يفارقه الذهول بعد... متسائلاً مع نفسه بتعجب: - أهؤلاء هم الضيوف...؟! الجذامى الذين طالما رآهم على قارعة الطريق؟؟!! دفع الباب ليغلقه، فدهمه صوت صاحبه عائداً، وهو يقول: - انتظر...! ..دخل مبارك مثقل اليدين، ينوء بحمل ما اشتراه... فاندفع اليه قائلاً: - لقد جاء الضيوف الساعة..! ...أجاب مبارك لاهثاً: - كنت أسير خلفهم...؟!..احمل عني بعض المتاع ! .... رد وكأنه لم يسمع رد صاحبه : - أنت لا تدري...! ...انهم... انهم... المجذمين... هؤلاء الذين....... صاح به مبارك: - صه...! ...لا يسمعنك أحد...! ...ثم تابع، وهو يضع المتاع على الأرض. - أنت غلام حديث عهد بهذا البيت يا نجم...! ان أهله لا يقاسون بأحد... أتحسب أن الإمام كبعض هؤلاء الاشراف من الناس، لا يأم داره الا عليّة القوم وكبارهم...؟! ...كلا يا صاحبي.. ان هذا البيت مأوى لمن لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤسى والزمنى..... بان التأثر في صوت مبارك وهو يضيف: - فإذا ما كان الناس، ينبذون هؤلاء، فهو يحتضنهم ويحيطهم برعايته، وإذا ما رأيت الناس يزدرون الخادم والعبد، فهو يوقره..! تابع مبارك بصوت متهدج: - إنهم بارقة أمل، جعلها الله لذوي القلوب المكلومة... المحرومة من العطف والحنان....!! وكمن استدرك... أضاف عجلاً: - لقد غلبنا الوقت... عجل يا نجم، عجل...! ...إختر بين أن تسفد اللحم – يُنظَمُ في السفود- وأن تسجر التنور...! انشغل الرجلان بإعداد الطعام... وتلاحقت خطواتهما، وهما يتواثبان هنا وهناك... وشيئاً فشيئاً، امتلأ المكان برائحة الشواء... وبدأت مرحلة تقديم الطعام... استخرج نجم السفود– قَضِيب مِنْ حَدِيدٍ يُشْوَى عَلَيْهِ اللَّحْمُ - من التنور ... وأقبل به مهرولاً... وفجأة دوى صراخ طفل ملتاع...! اندفع مبارك نحو مصدر الصوت... كما خرج الإمام من غرفة الضيوف... ووقف الإثنان عاجزين، أمام مشهد مأساوي...!! كان الصغير يفحص بقدميه بشكل وانٍ ضعيف، مودعا آخر نصيب له من الحياة... وعلى مسافة قدم واحدة ، سقط السفود الثقيل متوهجاً بالحرارة... فيما وقف نجم مصفر الوجه، مشلول الحركة ، مضطرباً...! ألقى الإمام نظرة على جسد ولده الصغير وقد سكنت حركته... ثم دنى من نجم كاتماً مشاعره، وقال: - أنت حر...! ...وأردف كمن يلقنه العذر: - فأنت لن تتعمد...! ساد البيت الهدوء من جديد... وتكتم الجميع على النبأ الحزين... حتى إذا ما تناول الضيوف طعامهم، ثم غادروا الدار... خيمت أجواء الحزن... قبل أن يخرج الجثمان الصغير مشيعاً نحو مثواه الأخير...!! لسان الثورة – القسم الثاني– - 70 2015-03-05 10:24:46 2015-03-05 10:24:46 http://arabic.irib.ir/programs/item/12145 http://arabic.irib.ir/programs/item/12145 لازالت الكلمات المدوية التي اطلقتها زينب ، تلهب رأسه ، كأسواط من نار ... تطبق على قلبه وتعتصره كقبضة هائلة مجهولة... تجثم على صدره وتخنقه ، مثل كتلة حجرية ضخمة ... تلفت حوله كمن يبحث عما ينفّس غضبه ... عن شئ .. عن احد ينزل به انتقامه ..! ليست كلمات تلك المرأة العجيبة وحدها ، هي التي اطارت صوابه ... بل ان ذلك الشاب الهادئ الصامت كاد يخرجه عن طوره ... كان طيلة الوقت صامتاً ، وكأنه قرر ان يستثيره بصمته..! شخصيته الوقور تضفي عليه هيبة تكبره بعشرات السنين ... نظراته النافذة يحس بها تخترقه ، تعرّيه ..! أسماه ابوه علياً ، تخليداً لذكر ابيه – أول حامل لراية محمد – وله أخَوان قُتلا في كربلاء حملا الاسم نفسه ... ما معنى ذلك ؟! هل أراد ان يقول ان راية محمد ستبقى تنتقل من يد علي الى علي آخر !! ... لا ... لا ... لن يبقى الامر على ما هو عليه ... لابد ان يسبر تينيك العينين العميقتي الغور .... سيدفع به غداً الى المسجد ... وسيأمر الخطيب لينال من جده وابيه امام جموع المصلين ... فما عساه يفعل ؟ انفرجت اسارير خليفة معاوية ، وأراد ان يطلق ضحكة رنّانه ... لكن وجهه سرعان ما غزاه الوجوم ... وتساءل بصوت مسموع ، هذه المرة : - .... وماذا لو تكلم ...؟! ... فما عساه يقول ؟! ......... تقلب في فراشه عدة مرات ، قبل ان يجلس وهو يصرخ : - كلا ... لن اسمح له ..!! غص المسجد الجامع في دمشق بالناس ... فيما لازال الكثير يتوافدون عليه ... الغالبية العظمى من الحضور ، دفعهم الفضول للمجئ ... حملهم الهمس الذي بدأ يدور في كل مكان ، للبحث عن حقيقة هؤلاء الاسرى الذين جئ بهم من العراق ... فرجال الحكومة والمحسوبون عليها ، يقولون انهم خوارج ... فيما ان ظاهرهم ، وما عليهم من سيماء الدين ومخائل الشرف تكذب ذلك ... هذا فضلاً عما يتناقله البعض ، من انهم من الحجاز ، بل ومن الذرية الطاهرة للنبي (ص). نهض خطيب المسجد ، ليرتقي المنبر بوقار مصطنع ... ثم ... وبعد ان اخذ مكانه ، بدأ خطبته التي حفظها عن ظهرقلب ... واكثر من كل مرة ، بالغ في الوقيعة بعلي والحسين ( عليهما السلام ) ، ثم راح يثني على معاوية ويزيد ، ويطنب في تقريضهما .... ! و فجأة دوى صوت مزلزل يقول بنبرة منذرة : - ويلك ايها الخطيب ..!! ... اشتريت رضا المخلوق بسخط الخالق ، فتبؤ مقعدك من النار .. !! توجهت الانظار بإنبهار الى المتكلم ، فيما اضطرب يزيد في مجلسه ، دون ان ينبس بكلمة ..! تحولت العينان ذوا النظرات النافذة من الخطيب الى يزيد ، وقال صاحبهما : - يا يزيد ..! .. اتأذن لي في ان اصعد هذه الاعواد ، فأتكلم بكلمات فيهن لله رضا ، ولهؤلاء الجالسين اجر وثواب ... تجهمت ملامح يزيد وهو يقول بارتباك لم يستطع اخفاءه : - لا... لا ..! دنى منه احد مقربيه ، وقال : - يا امير المؤمنين ..! ، إئذن له ليصعد ، فعلّنا نسمع منه شيئاً ..! التفت يزيد الى محدثه ، وهمس له بحنق : - ان صعد المنبر هذا ، لم ينزل الا بفضيحتي ، وفضيحة آل ابي سفيان ... ! ... فردّ عليه : - و ما قدر ما يحسن هذا ؟ ...... اجاب يزيد بنبرة مشحونة بحقد قديم : - انه من اهل بيت ، قد زقوا العلم زقاً .. !! .... وتصاعدت الصيحات من اطراف المسجد : - دعوه يصعد ...! دعوه يصعد ... ! ..... تلقى يزيد شارة خاصة من كبير مستشاريه ..... فقال كالمغلوب على امره : - ليصعد ... ! وفيما بدأ الشاب يصعد المنبر بخطوات وئيدة ، تطاولت الاعناق تنظر اليه اعجاباً بجرأته ... ! و ما اِن استوى جالساً ، حتى شمل الجلوس بنظرة موحية ، قبل ان ينطق بحمد الله والثناء عليه ... ثم يقول : - ايها الناس ..! ... اُعطيناً ستاً وفضلنا بسبع ... : اُعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين ... و فضلنا : بان منا النبي المختار محمداً ( صلى الله عليه وآله ) ، ومنّا الصديق ، ومنّا الطيار ، ومنّا أسد الله وأسد الرسول ، ومنّا سيدة نساء العالمين ، فاطمة البتول ، ومنّا سبطي هذه الامة وسيدي شباب اهل الجنة ... فمن عرفني، فقد عرفني، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي: أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الرداء... أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى... أنا ابن من دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن محمد المصطفى... أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا لا له إله إلا الله... أنا ابن من بايع البيعتين وصلى القبلتين، وقاتل ببدر وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين... أبي السبطين، الحسن والحسين علي بن أبي طالب. أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيدة النساء، أنا ابن بضعة الرسول... زفرات وشهقات مكتومة رددها المسجد، قبل أن تتصاعد الى موجة بكاء ضجت به جنباته..! أصاب يزيد وأزلامه الإرتباك، فأرسل إشارة الى المؤذن الذي تلقاها سريعاً ليصدح صوته بالأذان: - الله أكبر، الله أكبر... أطرق الشاب معلقاً بخشوع: - كبرت كبيراً لا يقاس، ولا يدرك بالحواس، ولا شيء أكبر من الله...! - أشهد أن لا إله إلا الله..... انبرى الشاب معلقاً أيضاً: - شهد بها شعري وبشري ولحمي ودمي ومخي وعظمي...! - أشهد أن محمداً رسول الله.... التفت الشاب نحو يزيد وقال: - يا يزيد..! محمد هذا، جدي أم جدك؟ فإن زعمت أنه جدك فقد كذبت.. وإن قلت أنه جدي، فلم قتلت عترته؟! لم يحر يزيد جواباً ولم يجد مهرباً إلا أن يشرع الصلاة، عله ينجو من الفضيحة التي توقعها..! ما كان يزيد يحسب أن للكلمات حداً مرهفاً قاطعاً كالسيف...! كان يخشى أن تسيء الى سمعته... لا أن يكون لها كل هذا الفعل...! بيد أنه وما أن رأى الرجال الذين استمعوا لكلمة علي بن الحسين في المسجد، تقدح عيونهم بالغضب ؛ حتى عرف ان النقمة بدأت تحاصره...! قبل أن يتيقن – فيما بعد – انها اقتحمت عليه بيته..! فحيث آوى الى فراشه ليلاً باغتته زوجه صارخة: - يزيد...! أرأس ابن فاطمة بنت رسول الله في بيتنا؟! تظاهر بالتنصل مما حصل، وهو يقول: - أجل يا هند...! لقد عجل عليه ابن زياد..! شعر يزيد بالخطر يدهمه في آمن مكان كان يظنه... فراح يعمل فكره من أجل تهدئة الأمور... فأمر بإخلاء دار خاصة لإسكان آل النبي... ورفع أي قيود على تحركهم... والسماح لهم باقامة مراسم العزاء ، واستقبال المعزين... لكن كل تلك الإجراءات لم تشعره بالأمن... ذلك أنه راح يرى أن بقاءهم بقربه، أمسى خطراً محدقاً، متوجسا من احتمال التفاف الناس حولهم...! وهكذا، سارع الى إصدار أوامره بإعادتهم الى المدينة المنورة. في طريق العودة ...كانت ناقتها تسير بها وسط القافلة... وذهنها مثقل بالتفكير... إلا أنها ورغم الآلام والأحزان، كانت تستشعر الطمأنينة والسكينة... وقلبها يحدثها أن المهمة الرسالية الثقيلة التي نهضت بها هذه الأسرة، قد نجحت في إيصال رسالة الثورة... وإفشال المخطط المعادي في تشويه مسيرتها وأهدافها...! واستعادت زينب عبارة أخيها الشهيد لمن أراد أن يثنيه عن اصطحاب أسرته الى كربلاء : "شاء الله أن يراهنّ سبايا"... إستعادت ذلك ثم اغرورقت عيناها بالدموع...! لسان الثورة – القسم الأول – - 69 2015-03-05 10:25:26 2015-03-05 10:25:26 http://arabic.irib.ir/programs/item/12144 http://arabic.irib.ir/programs/item/12144 أنهك الشيخ طول السير، واستبد به التعب.. توقف يستجمع قوته، قبل أن يرفع ثوبه قليلاً، ليخوض مياه النهر الذي اعترض طريقه... ثم يقول بملامح منبسطة: - يا لها من مدينة مطردة الأنهار كثيرة الأشجار...! ومع اتضاح معالم دمشق أمام عينيه، راح الشيخ يمني نفسه باستراحة طويلة... فرحلته لن تنتهي هنا... فلا زال أمامه شوط طويل الى بيت المقدس...! وعلى البعد، راحت تتناهى الى سمعه أصوات مختلطة... لم يستطع تمييزها... شيء شبيه بالضجيج أو الدوي المتصل... أمال عمامته قليلاً، وأرهف السمع... ورويداً رويداً، بدأ يميز أصوات طبول ودفوف... ثم راح يلمح تجمع الناس هنا وهناك... وطالعته مظاهر الفرح والإبتهاج... فتعجب الشيخ وقال: - لعل لأهل الشام عيداً لا نعرفه نحن؟! وعلى مقربة من أحد أبواب المدينة، لمح لفيفاً من الرجال يقفون... لكنه لم يجد للفرح أثرا في وجوههم، فتقدم منهم، وقال محاولاً اسباغ مسحة من المزاح على سوآله: - يا هؤلاء؛ ألكم بالشام عيد لا نعرفه نحن؟!... تجهمت وجوه الرجال أكثر... ورد أحدهم: - يا شيخ! نراك غريباً...! .........أجاب باعتزاز: - أنا سهل بن سعد... قد رأيت رسول الله (ص) وحملت حديثه...! أحاط الرجال بسهل، وقال الأول بصوت مختنق: - يا سهل! ماأعجبك السماء لا تمطر دما، والأرض لا تخسف بأهلها...!! أصاب الشيخ الذهول، فدنى من محدثه وهمس: - ولم ذاك؟!... تلفت الرجل يميناً وشمالاً، قبل أن يجهش بالبكاء.. ثم يقول: - هذا رأس الحسين،عترة رسول الله (ص)يُهدى من أرض العراق الى الشام،وسيأتي الآن.. تكدر وجه صاحب رسول الله، وقال غير مصدق: - واعجبا..! أيهدى رأس الحسين، والناس يفرحون؟! خطا خطوة الى الأمام إلا أنه عاد ليتساءل: - من أي باب يدخل؟!... فرد الرجل، وهو يشير: - من باب الساعات..! ...سارع سهل يحث الخطى نحو الباب، ونوبة من الألم الشديد تعتصر قلبه..! مظاهر البهرجة التي حرصت سلطة آل أمية على أن تعم دمشق، لتهويل ما صورته انتصاراً حققته على آل محمد؛ انسحبت على البلاط الأموي نفسه... فوسط الأضواء الباهرة والقعقعة الفارغة، دعي له اشراف الشام وشخصياته النافذة، في وقت كان يستقبل أيضاً مبعوث الإمبراطورية الرومانية... كانت قافلة أسرى آل محمد، تتقدمها رؤوس الشهداء، يتلوها علي السجاد مكبل بالحديد، فالصبيان والصبايا موثقين بالحبال، فالنساء؛ تهم بدخول البلاط الأموي، عندما تقدم رجل عجوز من الإمام السجاد وعلى وجهه علامات الشماتة، وقال بتشفي: - الحمد لله الذي قتلكم وأمكن أميرالمؤمنين منكم..! ألقى الإمام نظرة فاحصة على الرجل وقال بتمهل: - يا شيخ..! هل قرأت القرآن؟!... رد الرجل وقد بدت علائم التعجب عليه: - نعم قد قرأته..! ...قال الإمام وهو يمعن النظر اليه: - فعرفت هذه الآية: "قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى"؟ قال الرجل العجوز: - قد قرأت ذلك...! ...فرد الإمام: - فنحن القربى يا شيخ...! ...عاد الإمام يسأل: - وهل قرأت في سورة بني إسرائيل: "وآت ذا القربى حقه"؟ فرد العجوز وقد تملكته الدهشة: - نعم قرأت... فقال الإمام: - نحن القربى يا شيخ... وسأل الإمام ثالثة.. وتوالت أسئلته... وفي كل مرة كان العجوز يرد بالإيجاب... ثم وكمن اكتشف متأخراً أنه كان ضحية خدعة مضللة... رمق السماء بطرفه ثم أطرق حياءاً وهو يقول: - "اللهم إني تائب إليك مما تكلمت...!" ...ثم تقهقر منسحباً وهو يهمس مع نفسه: - "اللهم إني أبرأ إليك من عدو محمد وآل محمد...!" هكذا تربى في حاضنته الأموية..! الا يشعر بالإنتشاء، الا بعد ان تملأ أنفه رائحة الدم العبيط...!! والا يفعم عيناه الحبور ، إلا بمشهد الرؤوس الآدمية المقطوعة...!! والا يشعر بالزهو الفارغ الا وهو يسوط بخيزرانه ألاشلاء الميتة...!! ذلك هو يزيد خليفة معاوية... هو يستجيب لعقدته الراسخة ... بعد أن وضعت أمامه الرؤوس الشريفة للحسين وآل الحسين...!! وانه ليفعل ذلك بمرأى ومسمع من أطفال ونساء هذه الأسرة الكريمة المفجوعة... وبمحضر من رجال البلاط ومدعويّه وضيوفه الأجانب...! ووسط الصمت المهيب الذي هيمن على المكان، انبعث صوت يزيد، بارداً رخواً متردداً: يفلقن "هاما" من رجال أعزة علينا، وهم كانوا أعق وأظلما وفوجئ يزيد بأحد أعضاء الأسرة الحاكمة يرد عليه... وقد كست وجهه شحنة من التأنيب والتوتر والسخط: لهام بجنب الطف أدنى قرابة من ابن زياد العبد ذي الحسب والوغل سمية أمسى نسلها عدد الحصى وبنت رسول الله ليس لها نسل..! فوثب يزيد ضارباً بصدره، وهو يقول: - أسكت...! أمسك يزيد بخيزرانته ثانية وراح ينكت رأس الحسين... وباغت الجميع صوت ضعيف لكنه صارم يقول: - أتنكت في ثغر الحسين... لربما رأيت رسول الله يرشفه... جحضت عينا ابن معاوية غضباً، وهم أن ينادي على جلاوزته، غير أن المبعوث الرومي الذي أدهشه ما فاه به الرجل، قطع عليه متساءلا: - يا ملك العرب...! هذا رأس من؟! ...لانت ملامح يزيد وصوته وهو يجيب: - هذا رأس الحسين بن علي بن أبي طالب، إبن فاطمة بنت رسول الله..! ظهر الإشمئزاز والإحتقار على وجه المبعوث، وهو يقول: - أفٍ لك ولدينك...!!.. إن أبي من أحفاد داوود (ع) وبيني وبينه آباء كثيرة، والنصارى يعظمونني...! وأنتم تقتلون ابن بنت نبيكم؟!! همهم يزيد بكلام غير مفهوم، قبل أن ينهض علامة على انتهاء المجلس. أُقتيد أسارى آل الرسول الى مجلس يزيد ثانية – بعد انسحاب الضيوف الأجانب – ودخل يزيد متمايلاً... كان ترنح مشيته ، وارتخاء لسانه ، ونظراته الزائغة تنبئ أن الرجل قد عاقر المسكر ساعات وساعات....!! راحت الكلمات تتعثر على لسانه : ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل لأهلوا واستهلوا فرحاً ثم قالوا يا يزيد لا تشللعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل لا زال الخليفة تحت خدر المسكر، عندما صفعه صوت جهور له صليل السيف: - "ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوآى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون.." انها زينب بنت علي... شقيقة الحسين التي تابعت كاندفاع الاعصار: - أظننت يا يزيد، حين أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء؛ أن بنا على الله هواناً، وبك عليه كرامة، فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلان مسرورا...! - أمن العدل يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإمائك، وسوقك بنات رسول الله سبايا...؟! ..ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم: لأهلوا واستهلوا فرحاً.. وتهتف بأشياخك زعمت انك تناديهم.. فلتردن وشيكاً موردهم، ولتودن انك شللت وبكمت، ولم تكن قلت ما قلت، أوفعلت ما فعلت...! ...وسيعلم من سوّل لك، ومكنك من رقاب المسلمين، بئس للظالمين بدلاً، وأيكم شر مكاناً، وأضعف جنداً... ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك، فإني لأستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك..! فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد وجمعك إلا بدد... يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين..!! لم تكن كلمات تلك التي فاهت بها ابنة علي ...وانما صفعات متوالية على وجه مسخ متقنع بمسوح الخلافة ...ولم تكن حجة ساقتها ...وانما عاصفة اطلقتها لتطوح بالعرش الذي بُني على الدماء والظلم و القهر....!! بعيداً عن أبواب مكة الموصدة - 68 2015-03-05 10:25:38 2015-03-05 10:25:38 http://arabic.irib.ir/programs/item/12143 http://arabic.irib.ir/programs/item/12143 مع صوت المسحاة وهو يركلها في أحشاء التربة... تسرب الى أذنيه صوت مفعم بالخشوع والألم: "اللهم إني أشكو إليك غربتي وكربتي، وهواني على الناس يا أرحم الراحمين.." تطلع حواليه... رمى ببصره الى خارج البستان... لم ير شيئاً... عاد يمسح ببصره البستان... لا أحد غير سيديه عتبة وشيبة.... ظل مشدوداً الى مصدر الصوت، إلا ان صوتاً قريباً طرق سمعه هذه المرة... عرف فيه صوت شيبة... - يا عداس.. يا عداس..! ...ركز المسحاة في الأرض وتقدم من سيده... أشار شيبة باتجاه شجرة عنب أقصى البستان، وقال: - خذ قطفين من العنب، وقدحاً من الماء، واذهب بها الى ذلك الرجل الجالس في ظل تلك الحَبَلة. أسرع عداس وقد غلبت عليه الرغبة باستكشاف سر الرجل... فحمل العنب والماء ليضعهما بين يديه... وفوجئ بما رأى... لقد كان وجه الرجل يشع ببريق أخاذ... نظراته النافذة.. ملامحه المكسوة بالهيبة والوقار... تنبأ عن شخصية إستثنائية لم تقع عينا عداس على نظيرها في حياته... وعندما رأى قدمين النازفتين بالدماء، هم أن يسأله... لكن الرجل بادره ليقول: - من أي أرض أنت..؟ ...رد عداس وهو لا يزال تحت تأثير المفاجأة: - أنا من أهل نينوى..! قال الرجل وقد طاف بعينيه بعيداً: - من مدينة الرجل الصالح يونس بن متى! ...أجاب عداس متعجباً: - وما يدريك من يونس بن متى؟! ...رد الرجل بنبرة توحي باليقين: - أنا رسول الله، والله تعالى أخبرني خبر يونس بن متى..!...تمهل الرجل قليلاً، ثم انطلق يتحدث عما يقول: ان الله أوحاه إليه بشأن يونس... كانت كلماته تنطلق بهدوء وعفوية وصدق... لكن صداها في نفس عداس كان كريح عاصف... أخذت يهزه هزاً... فلم يجد نفسه، إلا ساجداً لله... ثم منكباً على قدمي الرجل يقبلهما... كان إبنا ربيعة يتابعان عن كثب ما يدور بين الرجل وعداس... وما ان رأى عتبة عداساً، وهو ينكب على قدميه الرجل... حتى التفت الى أخيه قائلاً: - قد أفسد عليك محمد غلامك..! توفي عم النبي أبوطالب (رضوان الله عليه)... ففقد النبي بوفاته الحامي والسند الكبير بإزاء قريش وعتوها وجبروتها... حتى قال (ص) فيما بعد: "ما نالت مني قريش شيئاً، حتى مات أبوطالب"... وقوع هذا الحدث المؤلم، كان إيذاناً لقريش لتزيد من ضغطها وعنفها بل وبطشها بالنبي وأتباعه... ولتوصد جميع أبواب مكة بوجه الرسالة.. لكن عزيمة خاتم رسل السماء، لم تكن لتهن أو تضعف، حتى وإن وقفت الدنيا بأسرها بوجهه... فراح يبحث عن ميادين جديدة لعمله الرسالي... فوقع اختياره أولاً على الطائف... ورغم مكائد الأعداء وتحيّنهم الفرصة للإنقضاض عليه، فقد قصد الطائف بنفسه وباشر دعوة الناس الى دين الله... وخلافاً لطبيعة هذه المنطقة الجميلة المنفتحة، وجوّها المعتدل... فقد كانت تستقطب من ذوي العقول المغلقة، بل المتحجرة، الكثير...! ولهذا فلم يجد رسول الله في الطائف من يصغي إليه... لا بين رجالاتها ولا من جمهورها... الطائف التي لم تكتف بوضع أصابعها في آذانها.... أغرت سفهاءها بإيذاء النبي، فقذفوه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين...! أجل... لم تثمر رحلة الطائف الشاقة، سوى إسلام رجل واحد... ذاك هو عداس... وفي ذاك كفاية... في حساب محمد... ألم يقل لوصيه يوماً: - وأيم الله لأن يهدي الله على يديك رجلاً، خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت. وعلى طول طريق العودة الى مكة... كان النبي دائم التفكير... بحثاً عن آفاق جديدة لدعوته..! كانت الحرب آنذاك محتدمة بين الأوس والخزرج... كانتا لا تضعان السلاح لا بليل ولا بنهار...! وجاء يوم بعاث... فدارت الدائرة على الخزرج... فخرج رجلان من رجالها الى مكة، أملاً بالتحالف معهما على الأوس ....وعندما بلغاها، نزلا على عتبة بن ربيعة... وعلى مائدة الطعام التي أعدها عتبة لضيفيه... افتتح أسعد بن زرارة الحديث قائلاً: - تعلم يا ابن ربيعة! انه كان بيننا وبين قومنا حرب، وقد جئناك نطلب الحلف عليهم... ابتسم عتبة بمرارة، وقال: - بعدت دارنا من داركم... ولنا شغل لا نتفرغ لشيء...! ....تساءل أسعد باستغراب: - وما شغلكم، وأنتم في حرمكم وأمنكم...! ...رد عتبة بعد أن زفر بقوة: - خرج فينا رجل يدعي انه رسول الله، سفّه أحلامنا، وسب آلهتنا، وأفسد شبابنا، وفرق جماعتنا...! ....رمق أسعد رفيقه، ثم تساءل: - من هو منكم؟! ...أطرق عتبة وقال: - إبن عبدالله بن عبدالمطلب، من أوسطنا شرفاً، وأعظمنا بيتاً... أطرق أسعد هو الآخر، وقد استرجعت ذاكرته مقولة لطالما سمعها من اليهود: "إن هذا أوان نبي يخرج بمكة، يكون مهاجره بيثرب"... رفع أسعد رأسه، كمن يبحث عن دليل يعزز به ما دار في خلده وقال: - فأين هو؟! ...رد عتبة بنبرة لا تخلو من سخرية: - في البيت – يعني البيت الحرام – جالس في الحجر – أي حجر إسماعيل... ثم رفع إصبعه محذراً: - لا تسمع منه ولا تكلمه... فإنه ساحر يسحرك بكلامه...! أجاب أسعد مبتسماً: - فكيف أصنع.. ولابد أن أطوف بالبيت؟! ...قال عتبة مشيراً بكلتا يديه: - ضع في أذنيك القطن...! بدأ أسعد الطواف، وقد حشا أذنيه بالقطن... وعندما حاذا الحجر، لمح رجلاً يتلألأ وجهه بالنور، ومعه رجال عرف بعضهم من بني هاشم... فواصل طوافه... متظاهراً بعدم الإكتراث، غير أن نقاشاً صاخباً، أخذ يحتدم في رأسه، ثم انفجر على شفتيه همساً: - ما أجد أجهل مني...! ...أيكون مثل هذا الحديث بمكة، فلا أتعرّفه حتى أرجع الى قومي فأخبرهم؟! وما ان حاذا الحجر ثانية، حتى انتزع القطن من أذنيه ورمى به، ثم تقدم من رسول الله، وقال: - أنعم صباحاً...! ...ارتسمت إبتسامة عذبة على محيا النبي، وقال: - قد أبدّ لنا الله به، ما هو أحسن من هذا، تحية أهل الجنة: السلام عليكم..!! أخذ الرد بلبه... فجلس، وقال: - الى ما تدعو يا محمد؟ ...توهجت عينا النبي ببريق عجيب، وهو يقول: - "الى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله... وأدعوكم الى أن لا تشركوا به شيئاً، وبالوالدين إحساناً... ولاتقتلوا أولادكم من إملاق... ولاتقربوا الفواحش... ولاتقتلوا النفس......" واستمرت الكلمات النبوية تتدفق، كينبوع... بل أنشودة متناغمة... توقع على النفس وتداعب القلب...! وأحس أسعد كما لو أن دفئاً عذباً يتسلل الى روحه... رحيقاً عابقاً بأريج السماء تتشربه مشاعره... فلم يملك نفسه أن هتف بصوت متهدج: - أشهد أن لا إله إلا الله، وانك رسول الله...! ثم تقدم أكثر نحو النبي، وانكب على يديه يقبلهما، وهو يقول: - يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أنا من أهل يثرب من الخزرج، وبيننا وبين إخوتنا من الأوس حبال مقطوعة، فإن وصلها الله بك، فلا أجد أعز منك... ثم انبجست عيناه بالدموع وهو يضيف: - والله يا رسول الله، لقد كنا نسمع من اليهود خبرك، ويبشروننا بمخرجك ويخبروننا بصفتك... وأرجو أن تكون دارنا دار هجرتك، وعندنا مقامك...! توقف أسعد عن الحديث، كمن تذكر شيئاً... تلفت يمنة ويسرة باحثاً عن صاحبه... ثم نهض ليعود به بعد قليل... ليسلم هو الآخر على يد النبي. وهكذا فتح هذا الحدث الصغير الباب أمام دعوة الإسلام لتنطلق الى يثرب، حيث أقامت هناك قاعدتها الراسخة... ومن هناك راحت تبث أشعاعها لتغمر الآفاق...!! الكوفة تجلد نفسها - 67 2015-03-05 10:25:31 2015-03-05 10:25:31 http://arabic.irib.ir/programs/item/12142 http://arabic.irib.ir/programs/item/12142 سار موكب اُسارى آل محمد في طريقه الى الكوفة ...مهيض الجناح ...مجللا بالحزن والالم ...! ماأضفته السماء على بيت الرسالة...استباحته الجاهلية الاموية بقســوة ...! لازالت اجساد الحسين واهل بيته وصحبه ، متناثرة على ارض المعركة ، كتناثر النجوم على صفحة السماء ...لكن الموكب سار ، يدعّه جنود امية باسنة الرماح دعّا...! ياللطفولة البريئة ...! مروعة العيون ...ذابلة الشفاه... هزيلة الابدان ...! دموعهم تنسكب بغزارة... كل ماحولهم باك ...فكيف لايبكون ...!! ...الامهات ...الاخوات ...العمات...! قافلة من النساء والاطفال ...ليس فيها رجال ...الا شاب عليل ..! ياللنسوة الطاهرات المفجوعات ...الا تهادنكن لوعة الحزن ..؟!..الا يرقأ دمعكن ساعة ...؟! في مقدمة الركب ...سارت به ناقته ، مثقلا بالقيود ....يفترس بدنه الضعيف ، الهم والالم ...لكن وجهه ظل يفيض بنور سرمدي ...وعينيه تتألقان بعزيمة قاهرة !! انه ثمالة الاوصياء ...علي بن الحسين ...زين العباد ..! وخلفه ..وبين يديه..ووسط القافلة وآخرها ...كانت هناك امرأة ،...تتنقل بين افراد القافلة مرفوعة الرأس ، غارسة في نفوسهم الامل ...ذائدة عن ارواحهم الشفافة ، احساس الذل ...! عجبا لهذه المرأة ...لاتأبه للاسر والقيود ...بل تشمخ كقمة من البطولة والصمود..! انها زينب بنت علي (ع) . وفيما بدت معالم الكوفة ، تتضح شيئا فشيئا ...تضاعفت مشاعر الحزن والالم على وجوه تلك الكوكبة المفجوعة ...!! مهرجان الانتصار المزيف الذي اعلنه والي الكوفة ، عبيد الله ابن زياد لم يستطع ان يزيل عن صدرها ذلك الكابوس الثقيل ، من شعور الاثم والخزي...!! الكوفة التي تعبأت لحرب ابن رسول الله ...كانت كمن يغط في نوم عميق ، ثم استفاقت...! لتصحو على الحقيقة المروعة : لقد أراقت الدم الزكي لريحانة النبي...! استباحت اعز حرمات الله ، في اول الاشهر الحرم ...! اجل لقد غدرت بالحسين ... هذا الرجل الطاهر ...بايعته على الولاء والنصرة ...حتى اذا مااستجاب لها ...وخاطر بنفسه واسرته وذويه وصحبه ...عدت عليه تقاتله ...!! الظلام الدامس والصمت المطبق ، الجاثمان على المدينة ، يحكيان هدوء السطح..وفي الاعماق..موجات عاتية من مشاعر الاثم وتأنيب الضمير ، تتقاذفها...! ..فهي لاتكف عن جلد نفسها ...إلهابها باسواط الندم ...وانها لتفعل ذلك بصمت ...كما لو تخال ان فعلها هذا سيكفر عنها جنايتها ...! ولكن ..اتراها تستطيع ، ان تسقط من سجلها ، فعلتها الشنيعة تلك ...؟؟ هل سينسى التأريخ انها روّت ثراها ، بالدم النبوي ؟؟!! وقفت تتطلع الى قافلة الاسرى ، مع حشود الناس المتدافعة على جانبي الطريق ، المؤدي الى قصر الامارة ... لاتستطيع ان تصدق ..! ياإلهي ..! أهولاء آل النبي ..؟! ..أهذه الرؤوس المرفوعة على اسنة الرماح ، هي رؤوس رجالهم ..؟! ...أهذا الشاب المكبل بالحديد على رأس القافلة من شبابهم ..؟! أهولاء النسوة اللائي يلفهن الحزن والكمد والحياء ، من نسائهم ..؟! أهولاء الصبية المتلألئون كالاقمار..الحمر العيون من شدة البكاء ؛ صبيانهم ...؟؟!! أوشك قلبها ان يثب من صدرها ..! ورأسها ان يتحطم..!..انفاسها بدأت تضيع ..وكأن مشاهد الالم ، اذرع اخطبوطية ، أخذت بخناقها ...! ورغم شدة الزحام والصراخ ...فقد عرفتها ..وهي تمر امامها ..اجل انها هي ...المرأة التي احبتها ... المعلمة التي اخذت بيدها لتفتح عينيها للنور... تلقت عليها - يوم كانت صبية - دروس القرآن في مسجد الكوفة ..! ياه...! لقد مضى على ذلك الزمن عشرون عاما ..!! ارادت ان تناديها ...سيدتي زينب ..!!..لكنها خافت ...! ..انسكبت دموعها ، وهي تناجي نفسها : -زينب...! يانبراس الطهر والعفاف ...ياقلعة الصبر والثبات...! زينب...! يادوحة ضاربة الجذور في الاصالة والنبل ، سامقة الاغصان في المجد والشرف ... انت : عنوان المفاخر كلها ... بضعة محمدية علوية نقية ، لم تشوبها انجاس الجاهلية ولا ارجاسها...! رأتها تومي لجموع الناس ان يسكتوا ... فلما سكتوا ...وهدأ الضجيج ...انطلقت ابنة علي تتكلم -وكانما تُفرغ عن ابيها -حامدة الله ، مصلية على الرسول ..ثم قالت: -...وبعد ياأهل الكوفة ...! ياأهل الختل والخذل والغدر..!أتبكون ..؟!...انما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا.... تعالت اصوات البكاء ...فيما واصلت زينب : لقد ذهبتم بعارها وشنارها ...ولن ترحضوها بغسل ، بعدها ابدا ... صاح احدهم : -حسبك يابنة رسول الله ...فيما اخذ رجل عجوز يضرب راسه ويقول : -صدقت بابي وأمي ..! كهولكم خير الكهول ، وشبابكم خيرالشبان...ونساؤكم خير النسوان ، ونسلكم خير نسل ..! شعرت المرأة ، كما لو ان الارض تميد بها ... ثم تدور بسرعة جنونية ، فتهاوت على الارض مغميا عليها ...!! مع وصول أُسارى آل محمد ورؤوس شهداءهم ، اُضفي على قصر الامارة ، مزيدا من مضاهر البهرجة والزينة ..! وفي الشرفة المطلة على الباحة الرئيسية للقصر ...جلس ابن زياد ، وامامه اناء مغطى بمنديل..وعلى يمينه منبر..وعلى جانبيه توزع رجال الحاشية وقيادات الجيش...فيما احتل باحة القصر جمهور من الناس وعدد كبير من الجنود . ...اطلق ابن زياد اشارة خاصة ، فادخل اُسارى آل الرسول...يتقدمهم علي السجاد يرسف بقيوده ... وبعد ان أخذ الجميع اماكنهم ...تناول ابن زياد قضيبا من الخيزران ، كشف به المنديل عما تحته ...فبان الرأس الشريف لابي عبد الله الحسين (ع) . ومع تعالي صيحات حرم الرسول ...اخذت عصا ابن زياد ، تنكث شفتي ابي عبد الله ...!! وفجأة شق الجموع رجل ، مطلقا صوتا قويا ، دوى كزلزال باذنّي ابن زياد : -ارفع هذا القضيب عن هاتين الشفتين ...فوالذي لااله غيره ، لقد رأيت شفتي رسول الله (ص) على هاتين الشفتين يقبلهما.........قال الرجل ذلك ثم انتحب باكيا. -استشاط ابن زياد غضبا وصرخ : -ابكى الله عينيك ، فوالله ، لولا انك شيخ قد خرفت ، لضربت عنقك ..! خرج الشيخ وهو يدمدم : -انتم يامعشر العرب العبيد بعد اليوم..قتلتم ابن فاطمة، وامرتم ابن مرجانة!! ابن زياد الذي باغتته هذه الصفعة القوية ، اراد ان ينفس عن غضبه ، فالتفت الى اسارى آل البيت ، مخاطبا العقيلة زينب بقوله : -"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَحَكُمْ وَ أَكْذَبَ أُحْدُوثَتَكُمْ"! .... ردت زينب بقوة وصلابة: - "الحمد لله الذي اكرمنا بمحمد(ص)وطهرنا تطهيرا إِنَّمَا يَفْتَضِحُ الْفَاسِقُ ، وَ يَكْذِبُ الْفَاجِرُ ، وَ هُوَ غَيْرُنَا". تململ ابن زياد محاولا لملمة نفسه وقالَ : "كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ اللَّهِ بِأَخِيكِ وَ أَهْلِ بَيْتِكِ؟" ...... رمت ابنة علي بحممها، قائلة : "مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا ...! هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ، وَ سَيَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُمْ فَتُحَاجُّ وَ تُخَاصَمُ ، فَانْظُرْ لِمَنِ الْفَلْجُ يَوْمَئِذٍ ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ مَرْجَانَةَ...!" أطارت هذه الكلمات ماتبقى من صواب ابن زياد ، فحار كيف يفعل ...فتقدم احد رجال الحاشية - انقاذا للموقف- وقال : -اصلح الله الامير، المرأة لا تُوآخذ بشئ من منطقها .؟! اطلق ابن زياد ضحكة هستيرية ، متظاهرا بالاستخفاف بما سمع ، ثم اتجه الى المنبر يرتقيه بخطوات متعثرة ..وقال : -الحمد لله الذي اظهر الحق..ونصر الامير يزيد وحزبه...ثم راح يهاجم آل البيت...متهما الحسين وأباه بالكذب ...! بيد ان صوتا هادرا قطع عليه ، وكانه صفعة جديدة ادارت رأسه : -يابن مرجانه ..! ان الكذاب ابن الكذاب انت وابوك ، والذي ولاك وأبوه ...اتقتلون ابناء الانبياء ، وتتكلمون بكلام الصدقيين .؟؟!! ارتجف صوت ابن زياد وهو يزعق : -عليّ به ..! انبرى اليه الجلاوزة ...فتواثب فتية من بني الازد... دافعوهم ، اشتبكوا معهم بالايدي ...قبل ان ينتزعوه من ايديهم ... ابن زياد الذي خشي سريان اللهيب ...هبط من المنبر مسرعا ...فارا من ساحة المواجهة بجلده ...! الوضع الذي اخذ يتفاعل في الكوفة– في ظل وجود الاسرى - بات ينذر بتطورات غير محسوبة...لذا فقد سارع ابن زياد ، الى تسوية عاجلة لهذه القضية مقررا ترحيلهم الى الشام ...!! البيعة لله - 66 2015-03-05 10:25:45 2015-03-05 10:25:45 http://arabic.irib.ir/programs/item/12141 http://arabic.irib.ir/programs/item/12141 منذ بدء حياة الإنسان على الأرض، ونشوء صراع الحق والباطل، والتأريخ يتأبط سجله الكبير ، يرصد حلبة الصراع... يدون المواقف...يوثقها ... ثم يسجل النتائج فيما بعد ... ذلك هو السجل المدون للتأريخ ... صاغه رجاله وفق هوى السلطان والزمان...! وغير هذا...هناك سجل تأريخي آخر ، بيد انه غير مقروء... لأن التأريخ لم يكشف عنه، بل احتفظ به في ضميره وذاكرته...! وأمام مشهد كربلاء... وقف التأريخ مرتبكاً ذاهلاً، لا يعرف ماذا يفعل... فكف عن التدوين، وقد تعلق نظره بمعسكرين... الأول صغير بحساب الأفراد، يعد بالعشرات... والثاني كبير، تجاوز عديده عشرات الألوف... أجل.. لقد كف عن التدوين... ذلك أنه أحس أنه أمام تجربة جديدة بل فريدة، لم يسجل لها، فيما مضى من عمره الطويل نظيرا...! وكمن دخل في سبات عميق، وقد ثقل رأسه بهذا التساؤل: هل وقع بصره يوماً على فئة قليلة، تقف بإزاء فئة كثيرة، دون أن تتزعزع أو تستسلم؟! خمسة أيام مضت على نزول الحسين في كربلاء... ومنذ ذلك الحين، والمنطقة العازلة بين المعسكرين، تشهد لقاءات متواصلة، بينه وبين قائد الجيش الأموي، عمر بن سعد... كان أبوعبدالله يسعى الى تحطيم حالة الإنقياد الأعمى لدى ابن سعد وجيشه، للسلطة الأموية الظالمة... إلا أن هذه المحاولة لم تتم... ذلك ان الإستخبارات العسكرية الأموية، رصدت الموقف، ورفعت به تقريراً لإبن زياد، والي الأمويين على الكوفة، جاء فيه: "أما بعد.. أيها الأمير: ان عمر بن سعد، يخرج في كل ليلة، ويدعو الحسين حتى يمضي من الليل ثلثه... وقد أدركته على الحسين الرحمة والرأفة... فأمره أن ينزل عن حكمك.." ومضى البريد مسرعاً بالتقرير الى ابن زياد، ثم عاد بكتابه الى ابن سعد... يقول فيه: - إذا قرأت كتابي هذا، فأمر الحسين أن ينزل على حكمي، فإن أطاع وإلا فامنعه من شرب الماء!! يومان مرا على محاصرة المعسكر الحسيني... الأطفال والنساء اللذين لم يألفا هذه الظاهرة من قبل، وجدا أنفسهما مطوقين بالجنود من كل جهة... فراعهما ذلك أشد الروع... و خضع الماء الذي أوشك على النفاد، للتقنين الشديد... والحسين (ع) جالس أمام فسطاطه، مُحْتَب بحمائل سيفه – أي جامع ظهره وساقيه بها -. وغير بعيد عنه وقفت أخته زينب... وقد استلفتها ارتفاع اصوات جنود العدو... فدنت من أخيها وقالت: - أما تسمع يا أخي الأصوات قد اقتربت...! ...وقدم العباس مسرعاً وهو ينادي: - يا أخي..! أتاك القوم...! نهض الحسين (ع) مستطلعاً ثم قال مخاطباً العباس: - يا عباس..! إركب بنفسي أنت يا أخي، حتى تلقاهم ، فتسألهم عما جاء بهم... ... ومثلما ذهب العباس مسرعاً، عاد ، وقد كست وجهه علائم الغضب... وقال مطرقاً: - يقولون: جاء أمر أميرهم، بأن يعرضوا علينا النزول على حكمه أو ينازلوننا..! ....رد الحسين وهو ينظر الى قسمات أبي الفضل المشرقة. - ارجع إليهم... فإن استطعت أن تدفعهم عنا العشية، لعلنا نصلي لربنا وندعوه ونستغفره، فهو يعلم اني قد كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والإستغفار... وذهب العباس بالرسالة... وعلى الاثر عقد ابن سعد، إجتماعاً بأركان حربه، لمدارستها... ودارت بينهم مداولات... قبل أن يعلن موافقته... تنقلت الدعوة على عجل في المعسكر الحسيني...وفي دقائق معدودة ، أخذ الجميع مكانه في خيمة القائد مصغيا لما يقول... استهل الحسين خطبته بالثناء على الله تعالى وحمده على نعمه، ثم قال: - أما بعد فإني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي... ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي... فجزاكم الله عني جميعاً خيراً... ...ألا واني قد رأيت لكم، فانطلقوا جميعاً في حل، ليس عليكم مني ذمام... هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً... فانبرى العباس قائلاً بعد أن مسح عينيه التي تندت بالدموع: - لمَ نفعل ذلك؟ ...لنبقى بعدك!... لا أرانا الله ذلك أبدا..! ونطق أبناء عمومته، فقالوا: - سبحان الله... فما نقول للناس؟... إنا تركنا شيخنا وسيدنا... لا والله ما نفعل ذلك... ولكننا نفديك بأنفسنا... قبح الله العيش بعدك..! وجاء دور الأصحاب ، فقام مسلم بن عوسجة، وقال: - أنحن نخلي عنك...؟ وبم نعتذر الى الله في أداء حقك...؟ لا والله لا يراني الله أبدا وأنا أفعل ذلك...! وتلاه سعيد بن عبدالله الحنفي، مختنقا بعبرته : - والله لو علمت اني اقتل فيك ثم أحيا ثم احرق ثم اذرى، يفعل ذلك بي سبعين مرة، ما فارقتك...! وتبعه زهير بن القين قائلاً: - لو كانت الدنيا لنا باقية، وكنا فيها مخلدين، لآثرنا النهوض معك، على الإقامة فيها...! واندفع نافع بن هلال الجملي يقول: - والله ما كرهنا لقاء ربنا، وانا على نياتنا وبصائرنا، نوالي من والاك، ونعادي من عاداك...! وتحامل برير بن خضير على نفسه، لينهض ويقول: - والله يا بن رسول الله، لقد منّ الله بك علينا، ان نقاتل بين يديك، ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة. وانطلق صوت المؤذن، معلناً حلول صلاة المغرب... فنهض الجميع ليصطفوا خلف الحسين..!! ...ومر الليل على ابي عبد الله وصحبه، وهم في صلاة ودعاء وتلاوة القرآن... وفي صفاء الليل... كان المار بقرب معسكر الحسين، يسمع صوت متصلاً كأنه دوي النحل....!! أشرقت شمس عاشوراء كابية اللون، حزينة...!! كان المعسكران يموجان بحركة سريعة، حاكية عن بدء الإستعدادات للقتال... ووسط هذا الجو المشحون بالترقب، انطلقت ضحكة بين أصحاب الحسين... فالتفت عبد الرحمن بن عبد ربه الأنصاري، الى رفيقه برير بن خضير الهمداني، مستغرباً وقال: - يا برير..! ما هذه ساعة باطل..! ....فرد برير ولا زالت ملامحه مشرقة بالإبتسامة: - ما أحببت الباطل كهلاً ولا شاباً...!! وإنما أفعل ذلك، استبشاراً بما نصير إليه...!! توقف... وكأنه يتملى مشهداً جميلاً، ثم أردف: - فوالله... ما هو إلا أن نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا، نعالجهم بها ساعة، ثم نعانق الحور العين..! وبدت حركة غير طبيعية في صفوف الجيش المعادي... وتعالى صوت قائده ابن سعد، وهو يسدد سهماً صوب معسكر الحسين، ثم يطلقه قائلا : - أشهدوا لي عند الأمير، انني أول من رمى..! ... وتفجرت الحرب... ودار القتال على أشده... واستبسل أصحاب الحسين... وراحوا يتحدون العدو... مطالبين بالمنازلة... فاستجاب العدو على تردد... إلا انه سرعان ما استولى عليه الرعب... فصرخ عمرو بن الحجاج أحد قادة الجيش الأموي بجنوده: - يا حمقاء أتدرون من تقاتلون.. تقاتلون فرسان أهل المصر وأهل البصائر وقوماً مستميتين... والله لو لم ترموهم بالحجارة لقتلوكم...! فهتف ابن سعد: - صدقت... لا يبارز رجل منكم رجلاً منهم...! وتقدم شاب صغير من أصحاب الحسين يستأذنه في القتال... فقال (ع) هذا شاب قتل أبوه... ولعل أمه تكره خروجه... فركض الشاب خشية من ان يمنعوه ، ونادى: - سيدي أباعبدالله، إن أمي هي التي أمرتني بذلك..! وتهاوت النجوم على ثرى كربلاء... وفاحت أجواءها بعبير الدم الزاكي... ووقف أحد جنود الجيش الأموي – في ساحة المعركة – مذهولاً أمام شجاعة أبي عبدالله وثباته... ثم قال، مرسلاً قولته، اعترافاً صريحاً للتأريخ: - والله ما رأيت مكثوراً – أي مغلوباً لكثرة من اجتمع عليه – قط ، قد قُتل ولده، وأهل بيته وأصحابه، اربطا جأشاً، ولا أمضى جناناً منه ولا أجرأ مقدما... وان كانت الرجالة لتنكشف بين يديه ، انكشاف المعزى، اذا شد عليها الذئب! معسكري النور والظلام - 65 2015-03-05 10:25:50 2015-03-05 10:25:50 http://arabic.irib.ir/programs/item/12140 http://arabic.irib.ir/programs/item/12140 مع إطلالة الصباح.. نهضت القافلة تتابع طريقها الصعب، نحو الكوفة.. ودعت موقع (شراف) الذي قضت فيه ليلتها، لتضعن مع الشمس التي راحت تتعالى في أفق السماء... كان الجميع يتطلع الى الطريق.. لكنه من بينهم، كانت عيناه مشدودتين باستمرار باتجاه الأفق البعيد... وبلغت الشمس كبد السماء وتفاقمت حرارتها... واقتربت القافلة من جبل ذو حسم... فارتفع فجأة صوت الرجل مكبراً... فالتفت أصحاب الحسين الى رفيقهم مستفهمين، فيما كبر الحسين هو الآخر، ثم سأل: - لم كبرت..؟ ...فأجاب مشيراً بيده، وعلائم السرور تغمر وجهه: - رأيت النخيل... وهو يحسب أنهم قد وصلوا الكوفة... فرد عليه أحد رفاقه: - ليس في هذه الأرض نخلة قط..! ...فتساءل الحسين (ع): - ما ترون إذن؟! ...أجاب أكثر من واحد: - نراه والله آذان الخيل، كناية عن كثرة الخيل وكثافتها... فقال الحسين: - أنا والله أرى ذلك..! ...ثم وبحسه القيادي اليقظ سارع الى توجيه أوامره العسكرية بالإتجاه يساراً نحو الجبل... ورويداً رويداً... اتضحت معالم القافلة المقبلة... ولم يعد أحد يشك انه الجيش الأموي... وازاء حركة القافلة التي استحثت خطواتها الثقيلة، راحت خيل العدو تتسابق لإعتراضها، ومنعها من بلوغ الجبل... بيد أن القافلة الحسينية بلغت مرامها، قبل وصول الجيش اليها... الى الجنوب الغربي من مدينة الكوفة.. حيث ارتفع جبل "ذوحسم"، التقت طلائع الجيش الأموي بقيادة الحر بن يزيد الرياحي بقافلة الحسين(ع)... كان الجيش في حالة مزرية... فحرارة الظهيرة... والهواء اللاهب، احالا الصحراء الى اتون متقد... وبُعد مواقع الماء ونفاده لدى الجيش، اوشك أن يدفع جنوده الى التقاتل فيما بينهم عليه... إضافة الى طول المدة التي قضاها متربصاً بقافلة الحسين في الصحراء... وما عاناه من انهاك جسدي ونفسي خلال ذلك. وأمام هذا المشهد المؤثر... مشهد الإنسان الذي يكاد يقتله الظمأ.. مشهد الحيوان اللاهث المتضور من شدة العطش... تفجر الينبوع الحسيني... فوقف أبوعبدالله هاتفاً بمن معه: - أسقوا القوم وارووهم من الماء... ورشفوا الخيل ترشيفاً، أي اسقوها قليلاً. أقبل الجنود على الماء يعبونه عباً... فيما اقترب الحر – بعد ان ارتوى – من الحسين... فمال عليه (ع) وسأل: - ألنا أم علينا..؟ ...فرد الحر متجنباً النظر الى وجه الحسين: - بل عليك يا اباعبدالله...! ...فقال الحسين: - لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..! ...رمق قرص الشمس بطرفه، قبل أن يأمر أحد أصحابه بالأذان للصلاة... ووقف الحسين يأم الصلاة... والتحق الحر وكثير من جنده بصفوف المصلين... وتعالت كلمات الضراعة الحارة الندية من شفاه أبي عبدالله، فيما تحدرت الدموع من العيون... وحلقت الأرواح الى عوالم ملكوتية بعيدة وطافت أشواطاً لا تعد وهي تسبح في لجة من نور...! وبانتهاء الصلاة، تهادى روح الحسين الجائش، ثم سكن... قبل أن ينهض متوجهاً للمصلين قائلاً: - أيها الناس، إنها معذرة الى الله واليكم، اني لم آتكم حتى اتتني كتبكم ان اقدم علينا، فانه ليس لنا امام...! فقاطعه الحر قائلاً: - والله ما أدري ما هذه الكتب التي تذكر...! ...فجاء اصحاب الحسين بالرسائل التي بعث بها اهل الكوفة الى الإمام، فنثروها بين يديه... فقال الحر: - انّا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا اليك... وقد أُمرنا اذا نحن لقيناك ان لا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيد الله... فغضب الإمام وقال: - الموت أدنى اليك من ذلك..! ...ثم التفت الى أصحابه وقال: - قوموا فاركبوا..! ...فسارع الأصحاب الى امتطاء دوابهم... وتحركت القافلة... إلا ان الجيش أخذ عليها الطريق... فتقدم الإمام مخاطباً الحر بغضب: - ما تريد..؟ ...ودار حوار عاصف للحظات... الا ان الحر تراجع ليأذن للقافلة بمعاودة سيرها... شريطة ان تأخذ طريقاً يجنبها دخول الكوفة أو العودة الى المدينة. مضى النزع الأخير من الليل إلا قليلاً... والقافلة التي أمض بها التعب والعناء بعد أيام عديدة قضتها في الطريق الى الكوفة، تغط في أحضان نوم عميق... رجلان فقط سهرت عيونهما من بين رجال القافلة، هما القائد... الحسين وإبنه علي الأكبر... كان الحوار يدور بينهما فينة بعد فينة... إلا أن عينيهما مافتئت ترقب طليعة الجيش المعادي المرابطة أمامهما... تأمل علي الأكبر وجه أبيه، فخاله شلالا متدفقاً من النور... دون أن تفت نظرته الفاحصة خيوط العناء والسهر كظلال خفيفة توزعت عليه هنا وهناك... وعاد يواصل الحديث: - يا أبة...! لا أراك الله سوءاً... ألسنا على الحق؟! حدق الحسين في عيني ولده... وقد لامست كلماته الندية شغاف قلبه... وتملى طلعته المشرقة التي كثيراً ما أحب النظر اليها... لا لأنها لإبنه وحسب، بل لأنها تذكره بجده العظيم محمد (ص)... ارتسمت ملامح ابتسامة على وجهه، ثم نطق بيقين: - بلى، والذي اليه مرجع العباد...! تدفقت من عيني علي اشعة كينبوع الماء الصافي... فيما جرت على لسانه كلمات كاندفاع السيل الجارف...! - فإننا إذن لا نبالي، ان نموت محقين...! ...أجاب الحسين مبتهج القلب: - جزاك الله من ولد، خير ما جزى ولداً عن والده..! وفيما كان الحديث متصلاً بين الوالد وولده... بدأ الفجر يرسل خيوطه الأولى من وراء غمامة سوداء مدلهمة...! فنهض الرجلان يوقضان أصحابهما للصلاة... فأمامهم طريق محفوف بالمخاطر والمفاجآت..! تابعت قافلة الحسين طريقها مقتربة من كربلاء... وكان جيش العدو يسايرها... ومن بعيد ترآى للطرفين أربعة رجال مقبلين... حتى إذا ما اقتربوا، تصايح أصحاب الحسين: - هذا عمرو بن خالد الصيداوي...! ونادى آخر: - وهذا مجمع العائذي... ومعه إبنه...! ...وهتف ثالث: - أجل والله...! هذا جنادة بن الحارث السلماني...! وأقبل الرجال يشتدون في السير نحو الحسين... وهو (ع) وأصحابه يلاحقونهم بنظراتهم... وفي تلك اللحظة، انطلقت كوكبة من فرسان الجيش الأموي لتعترضهم... فوثب أبوعبدالله منادياً: - لأمنعنهم مما أمنع منه نفسي... إنما هؤلاء أنصاري وهم بمنزلة من جاء معي... ثم التفت الى الحر وقال، متوعداً: - فإن بقيت على ما كان بيني وبينك... وإلا ناجزتك...! فنادى الحر بجنوده، ان يكفو عنهم... واُستقبل المجاهدون الجدد بفرحة غامرة... لكنها سرعان ما تبددت... فقد كان لآخر الأنباء التي حملوها من الكوفة وهم يتسللون منها ليلاً، صدى مؤلماً في نفوس الحسين وصحبه...! ثم تابع أبوعبدالله ومن معه طريقهم... واجتازت قافلتهم عدة مواضع، حتى إذا ما بلغوا موضعاً سأل الحسين: - ما اسم هذه الأرض؟ ...فقيل له كربلاء...! ...فقال: - أهذه كربلاء؟! ...قال أصحابه: - نعم يا ابن رسول الله..! ...فقال: - هذا موضع كرب وبلاء... أنزلوا هاهنا مناخ ركابنا، ومحط رحالنا ومقتل رجالنا، ومسفك دماءنا...! فنزلوا جميعاً... ونزل الحر وجنوده في الناحية المقابلة... ولم يمر مزيد وقت حتى وردت رسالة للإمام من ابن زياد... تناولها الإمام من الرسول وأطلع عليها ثم ألقى بها على الأرض، وهو يقول: - لا أفلح قوم اشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق...! فقال له الرسول الجواب يا أباعبدالله...! فأجاب الإمام: - ما عندي جواب...! ابن زياد الذي فوت عليه الحسين أي فرصة للإحتيال والغدر... راح يدفع بالجيوش نحو كربلاء، وكأنه يعد لمواجهة جيش جرار وخوض حرب فاصلة...!! وفي ليلة وضحاها غدت كربلاء معسكراً مترامي الأطراف يموج بالجند... وبدا أن وقوع الحرب أصبح أمراً واقعاً لا محالة... الغربلة - 64 2015-03-05 10:26:01 2015-03-05 10:26:01 http://arabic.irib.ir/programs/item/12139 http://arabic.irib.ir/programs/item/12139 مهمتان عسيرتان تنتظران عبيدالله بن زياد في الكوفة...! فأمامه هذا القطاع الكبير من الجماهير الذي يوالي الحسين... فيجب عليه أن يسكته بأي ثمن... أي أن يخمد الثورة في الداخل... حتى يتفرغ لمهمته الثانية في التصدي للهجوم العسكري الذي يقوده الحسين بنفسه... وبعد اتصالات أجراها ليلاً بأنصار الحزب الأموي... إحتشد هؤلاء صباحاً أمام قصر الإمارة بدعم من قوات الشرطة... ووقف إبن زياد خلف الجميع يتهدد ويتوعد المعارضة، قائلاً: - إن سوطي وسيفي على من ترك أمري وخالف عهدي...! بل أن تهديده طال حتى زبانية السلطة وأزلامها... متوعداً العرفاء.. الذين يمثلون قطاع الجواسيس وعناصر الأمن، بأخذهم بأشد العقوبات...! - أيما عريف وجد في عرافته أحد لم يرفعه إلينا، صلب على باب داره، وألغيت تلك العرافة من العطاء...! ومع ارتفاع العصا الغليظة وانبثاث الجواسيس في كل مكان... وجدت الإشاعات مرتعها الخصب وراحت الأراجيف تفعل فعلها المخرب... واهتزت قواعد الثورة... وبدأت تلوح في الأفق بوادر نكسة واضحة... وأمام هذه التطورات المتسارعة، اضطر مسلم بن عقيل، ممثل الحسين في الكوفة الى تغير مقره العلني من دار المختار بن عبيدة الثقفي الى مقر سري في دار هاني بن عروة... ولكن هذا المقر الجديد، لم يبق سرياً... إذ استطاع جواسيس ابن زياد - وباستخدام واحد من الأساليب المخابراتية القذرة - الكشف عنه... وهكذا أصبح مسلم وهاني مهددين بالإعتقال...! تلاحقت الأحداث في الكوفة... فقد اعتقلت السلطة هاني بن عروة، وهو أحد رجال الثورة ومن زعماء مذحج... فتسامعت قبيلته فهاجمت قصر الإمارة، وفرضت عليه الحصار... ورأى ابن زياد الخطر ماثلاً أمامه... فسارع الى اتباع أسلوب المناورة والخديعة... مستعيناً بشخصية شريح القاضي في الإتصال بزعماء مذحج وطمأنتهم بسلامة هاني... بل والقسم لهم انه يتداول مع الوالي أوضاع الكوفة... وانه سيخرج اليهم فور انتهاء محادثاته...! وعملت أيادي أخرى من وراء الستار... وشيئاً فشيئاً هدأت سورة الغضب في نفوس المحتجين، وتفرقوا بهدوء... وبلغت هذه الأخبار مسلم متأخرة... فقرر مهاجمة قصر الإمارة فنادى برجاله... وتعالت كلمة السر على ألسن الثوار: (يا منصور أمت).. وسرعان ما تشكلت قوة ضاربة، راحت تزحف باتجاه القصر... ابن زياد الذي تنفس الصعداء تواً... فوجئ بهذه القوة الزاحفة... سيما وقد رآها تزيد على قواته بكثير... فتحصن واتباعه بالقصر، بعد أن أغلقت كل منافذه... فيما تولى أنصار الحزب الأموي وجواسيسه خارج القصر مهمة تخذيل جماهير الثورة وتخويفها من جيش شامي في طريقه الى الكوفة..! كانت الدقائق تمر على جبهة الثورة، فلا تكتفي بتمزيقها وتشتيتها، بل وتستنزف آخر رمق من حياتها...! وراحت شمس الكوفة تسحب أشعتها الضعيفة جانحة للمغيب وكأنها تأذن بلملمة آخر معاقل الثورة...! وتحرك مسلم لأداء الصلاة في المسجد فكان معه عشرة رجال فقط... لكنه حينما أتم الصلاة... تلفت خلفه، فلم يجد أحداً...!! وتاهت خطوات مسلم في أزقة الكوفة باحثة عن مكان آمن يقضي منه ليلته... أربعون ألف رجل بايعوه على الموت... لكنه لم يجد رجلاً واحداً يستضيفه ليلة واحدة..!! وأخيراً... وبعد تطواف طويل، وجد مسلم من يؤويه... بيد أنه لم يكن رجلاً بل إمرأة... ومن المؤكد أنها لم تكن ممن مد إليه يد المبايعة...!! كان الرجلان يهرولان، وفي عينيهما نظرةفزع... دون أن يبدو أنهما مطاردان أو هاربان من شيء ما... تعثر أحدهما وهو يراقب اختفاء الشمس خلف الشفق، ثم التفت لصاحبه وقال: - ألم تقل: أمسينا على مشارف الثعلبية..؟! ...رد رفيقه وهو يشير: - بلى... لودققت لرأيت...! ...بدت معالم الإرتياح على وجهه وهو ينظر... ثم قال: - إن لم يكن قد تنكب الطريق، فسنصادفه حتماً..! ...رد الآخر، كمن يتحدث عن حقيقة غير قابلة للنقاش: - الحسين لا يتنكب الطريق..! ...توقف الرجل الذي لا زال يجوس الصحراء بعينيه، وقال: - يخيل لي أني أرى شيئاً... أم تراها أشباحاً ترآت لي؟!...نظر الآخر حيث أشار صاحبه... فصدرت عنه صرخة مكتومة، ثم انطلق يعدو للإمام، وصاحبه في أثره. توقفت قافلة الحسين عندما بلغها الرجلان... تهامس أصحاب الحسين: - أتعرفونهما؟! ... رد رجل أسدي: - أجل... إنهما رجلان صالحان من بني قومنا... شق الرجلان طريقهما وسط القافلة مهرولين، حتى إذا ما مثلا أمام الحسين، سلما... وَهَما أن يقولا شيئاً، إلا أنهما انفجرا بالبكاء... تساءل الحسين برقة عما دهاهما... فكفك أحدهما دموعه، وقال: - نعزيك يا بن رسول الله بمقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة...! طافت بملامح الحسين المشرقة غمامة ألم، وراح يردد: - إنا لله وإنا إليه راجعون..! ..إنا لله، وإنا إليه راجعون..! ...تقدم الرجل الآخر، وقال برجاء: - ننشدك الله في نفسك وأهل بيتك، إلا انصرفت من مكانك هذا، فإنه ليس لك في الكوفة ناصر ولا شيعة..! ...فانتفظ رجال من ذوي الحسين، وقالوا: - والله! لا نبرح حتى ندرك ثأرنا، أو نذوق ما ذاق مسلم..! ...فنظر اليهم الحسين وقال بمواساة وألم: - لا خير في العيش بعد هؤلاء...! لا زالت قافلة الحسين، تغذ السير نحو الكوفة... فيما راحت الأخبار المؤلمة تتوارد عليه... خبر استشهاد رسوله الى مسلم: عبدالله بن يقطر... وخبر انقلاب الأوضاع في الكوفة... وحملات القمع الشديدة التي بدأت تمارسها السلطة الأموية على يد الوالي الجديد عبيدالله بن زياد... كانت عينا الحسين النافذتان تراقبان القافلة وهي تسير... فيرى أهل بيته وأصحابه المضحين... ويرى المدفوعين بالحماس وكره آل أمية وحسب..! ويرى آخرين ممن حفزتهم المطامع...! توقف الحسين، فتوقفت القافلة... واشرأبت اليه الأعناق فصدع صوته حامداً الله ومثنياً عليه... ثم راح يتحدث عن التطورات السلبية التي شهدتها الكوفة وخذلانها الثورة... مختتماً كلمته بالقول: - فمن أحب منكم الإنصراف، فليس عليه منا ذمام..! تصاعدت الهمهمات والهمسات من هنا وهناك... ثم بدأ الافراد يتفرقون يميناً وشمالاً... وراحت القافلة الكبيرة تصغر وتصغر، حتى عادت الى حجمها الذي خرجت به من المدينة...! شعر أحد أصحاب الإمام بالألم، فالتفت الى صاحبه وسأل: - لماذا فعل أبوعبدالله ذلك؟!... فرد الآخر بقلب مطمئن: - إنما فعله لأنه يعلم أن بعض من التحق بنا كان يظن أن الأمور قد اتسقت لنا...! ...ثم أضاف وهو يحدق الى البعيد: إننا مقبلون على أمر، لا تثبت له إلّا قلوب إختارت الآخرة على الدنيا..! عادت القافلة تشق طريقها الى الامام بعزم واصرار واستقامة ...وكأنها قد تخففت من حمل ثقيل كان يعيق حركتها ....! ومن مقدمتها صدح صوت شجي يحدو : يا ناقتي لا تذعري من زجري وامضي بنا قبل طلوع الفجر بخير فتيان وخير سفرآل رسول الله أهل الفخر حتى تحلي بكريم النجر الماجد الجد الرحيب الصدرأتى به الله لخير أمر إبن أمير المؤمنين الطهروابن الشفيع من عذاب الحشر يا مالك النفع معاً والضر أمدد حسيناً سيدي بالنصر محطات على الطريق الشائك - 63 2015-03-05 10:26:08 2015-03-05 10:26:08 http://arabic.irib.ir/programs/item/12138 http://arabic.irib.ir/programs/item/12138 بعد مبايعة الحشود الغفيرة للحسين على يد ممثله مسلم بن عقيل أخذت الكوفة تغلي بالحماس الجماهيري... واستمر الموقف بالتصاعد ، حتى خشيت السلطة الأموية المحلية التي يمثلها الوالي النعمان بن بشير أن تثب الجماهير عليها في كل لحظة فانسحبت من مواجهتها، لتجنب أي اصطدام. وأعلن الوالي: إنه لن يقاتل إلا من قاتله، ولا يثب الا على من وثب عليه! سياسة الوالي المتعقلة لم ترق لأنصار الحزب الأموي... فاحتجوا عليه قائلين: - إن هذا الذي أنت عليه من رأيك، إنما هو رأي المستضعفين. ولما رأوا إنه لا يستجيب لهم... جلسوا يتشاورون، لينتهوا الى إعداد تقرير عن الوضع المتفجر في الكوفة وموقف الحكومة المحلية، وإرساله الى دمشق... ووُضع التقرير بين يدي يزيد بن معاوية ...وها هو يزيد يعيد قراءته للمرة الثالثة، وهو يتميز غضباً: "أما بعد... فإن مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة، وبايعته الشيعة للحسين بن علي بن أبي طالب... فإن يكن لك في الكوفة حاجة، فابعث إليها رجلاً قوياً، ينفذ أمرك، ويعمل مثل عملك في عدوك، فإن النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعف..!" طوح يزيد بالتقرير بعيداً، وزعق منادياً على حاجبه بنزق... فدخل الحاجب فزعاً... فباغته قبل أن يفوه بكلام: - أدع لي سرجوناً! ...تراجع الحاجب وهو يقول: - الساعة يا سيدي! نهض يزيد... ثم راح يذرع الغرفة، وعيناه متوقدتان بالغضب... ثم ساق بقدمه التقرير الذي اعترض طريقه... توالت ثلاث طرقات هادئة على الباب... فقال يزيد دون أن يتوقف: - أدخل..! دخل المستشار ملقياً تحية تقطر ملقاً مشفعاً إياها بأميرالمؤمنين! رد يزيد بهزة من رأسه، ثم أشار الى الورقة الملقاة على الأرض... التقط المستشار الورقة بعجلة، وأخذ يتطلع فيها... فيما خطا يزيد باتجاه كرسيه وجلس... رفع المستشار رأسه... فأشار إليه يزيد بالجلوس، وهو يقول: - فماذا ترى يا سرجون؟! إبتسم المستشار إبتسامة توحي بأن له دالة كبيرة على محدثه، وقال: - أرأيت معاوية لو نشر لك، أكنت آخذاً برأيه؟! رد يزيد دون تأمل: - نعم..! خرج سرجون للحظات، ثم عاد وفي يده كتاب مطوي بعناية، وهو يقول: - هذا عهد معاوية لعبيد الله بن زياد على الكوفة... هز يزيد رأسه مراراً ، وهو يطالع الكتاب... ثم قال: - امضه أذن...! ...ثم اكتب اليه ما أقوله لك..! انتظر يزيد، ريثما أعد صاحبه عدة الكتابة، ثم قال: - أما بعد... فإنه كتب إليَّ شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أن ابن عقيل فيها، يجمع الجموع ليشق الطاعة... رفع سرجون رأسه وقال مقاطعاً: - الأولى أن نقول: عصا المسلمين... رد يزيد بلا مبالاة: - أكتب ما شئت..! ....ثم واصل: - فسر حين تقرأ كتابي هذا، حتى تأتي الكوفة، فتطلب ابن عقيل طلب الخرزة، حتى تثقفه – أي تلقاه – فتوثقه أو تقتله أو تنفيه)). - ها هو النهار قد انتصف أو كاد... الا نقيل في هذا الموضع القريب..؟ ...ثم توقف ليتساءل. - حقا ما اسمه؟! ...أجاب الفرزدق، مستنكراً جهل رفيقة: - انه الصفاح... وكيف لا تعرفه؟!...رد الرفيق متهرباً من الجواب: - ما ذاك... اترى سواداً من تلك الناحية؟ ترامت الصحراء الواسعة أمام عينيه، قبل أن يلمح على مدى البصر أشباحاً تتحرك.. فالتفت نحو رفيقه، وقال: - أظنها قافلة... ولدى بلوغهما الموضع، ترجل الرفيقان عن دابتيهما.. واستخرجا متاعهما، ثم جلسا يأكلان... قال الفرزدق وهو يشير الى القافلة التي أصبحت قريبة... - أحسب أنها تروم مكاناً بعيداً...! ...تساءل الرفيق: - وكيف عرفت؟ ...أجاب الفرزدق باستنكار: - ألا ترى أنهم ركبوا الإبل وجنبوا الخيل؟! ...رد الرفيق معترفاً ببلادته: - أجل... أجل... ولكن لأي شيء تقلدوا السيوف وتنكبوا القسي؟! وثب الفرزدق عجلاً، وهو يقول: - أسكت ثكلتك أمك... إنه الحسين (ع)... تقدم الفرزدق نحو القافلة بخطى متسارعة... وألقى التحية على الإمام بأدب جم... ثم تساءل: - أين تريد جعلت فداك؟...فرد الإمام مرحباً، ثم قال: - العراق... فكيف تركت الناس؟ فأجاب الفرزدق وفي صوته رنة ألم: - تركت الناس، قلوبهم معك وسيوفهم عليك..! سكت قليلاً قبل أن يردف. - الدنيا مطلوبة، وهي في أيدي بني أمية... والأمر الى الله عزوجل والقضاء ينزل من السماء بما شاء..! رد الإمام موافقاً: - صدقت..! لله الأمر، والله يفعل ما يشاء، وكل يوم ربنا في شأن... إن نزل القضاء بما نحب، فنحمد الله على نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء، فلم يعتد من كان الحق نيته والتقوى سريرته... أثار الحوار بين الحسين والفرزدق تساؤلات لدى أفراد في القافلة... لم يُبدو هذه التساؤلات... إلا أنهم عجزوا عن إخفاء حالة التردد التي إنتابتهم..! احتشد الناس حول الفارس الملثم، فيما لازال المئات يتراكضون قادمين من مختلف أرجاء الكوفة ليلتحقوا بالحشد الذي راح يكبر ويكبر حول الفارس... كلمة واحدة كانت تتردد على الأفواه... الحسين... الحسين... وهم يشيرون الى الفارس الذي أحكم لثامه، حتى لم تعد تتبين إلا عيناه...! بدأ الفارس ومن خلفه مرافقه، يشقان طريقهما بصعوبة الى قصر الإمارة... واكتفى الفارس بهز رأسه كرد على تحيات الجماهير، التي راحت تتعالى: - عليك السلام يا ابن رسول الله...! - أهلاً بك يا ابن رسول الله...! ومن على شرفات القصر العالية ، أطل الوالي النعمان بن بشير ، وعلى وجهه علائم الحيرة والارتباك وقال بتوسل : - أنشدك الله إلا ما تنحيت...! والله ما أنا بمسلم إليك اماني، وما لي في قتالك من ارب...! ودنى الفارس من بوابة القصر... وقد قاربت الشمس المغيب... فتقدم مرافقه لأول مرة ليصرخ بالجماهير المحتشدة: - تأخروا...! هذا الأمير عبيدالله بن زياد... دخل ابن زياد ومرافقه القصر... وأحكم إغلاق البوابة خلفه: صدمت الجماهير... وشعرت بانتكاسة نفسية... ثم راحت تتفرق مبتعدة عن القصر، وقد دب في نفوس الكثيرين الرعب...! مشاهدته عن قرب الحشد الجماهيري الكبير الذي كان يستقبله ظناً منه انه يستقبل الحسين، أصابته بهزة قوية... فهو يعني مدى تعلق الجماهير بالحسين، وخسارة السلطة لآخر موقع لها بين الناس...! ...وبدلاً من أن يسعى الى فهم اسباب ذلك ... امتلأ غيظاً وحقداً جارفاً، متمنياً أن لو كان قادراً على سحقها جميعاً بضربة واحدة..! بقي ابن زياد ليلته يقظاً أرقاً، يفكر بوسيلة علها تستطيع وقف هذا الإعصار الذي أوشك أن يقوض ركائز الحكم الأموي...! الثورة ومرحلة التعبئة - 62 2015-03-05 10:26:14 2015-03-05 10:26:14 http://arabic.irib.ir/programs/item/12137 http://arabic.irib.ir/programs/item/12137 سار معاوية – خلال فترة حكمه – بسياسة الحزب الواحد... آخذا الناس بالترهيب والقمع والبطش والتنكيل والتقتيل... وكل ذلك على الظنة والتهمة..! وليس هذا وحسب... بل لاحقهم حتى في أرزاقهم، ولقمة عيشهم...! وتتبع شيعة علي (ع) بقراراته وكتبه الرسمية التي كان يعممها على ولاته في الأمصار: - أنظروا من قامت عليه البينة إنه يحب علياً وأهل بيته، فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه...! - من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكلوا به واهدموا داره..! وكان أتباع أهل البيت النبوي، يقبضون على الجمر ويصطلون بلهيب العذاب الأموي كل يوم... بل كل ساعة...! ورغم اشتداد المحنة... فلقد وجدوا في الحسين، البقية من محمد وعلي قائداً وملاذاً... كانوا يلتقونه، ويشتكون إليه، مطالبين إياه بإعلان الثورة إلا أنه، كان يدعوهم الى الصبر والتريث، مذكراً باتفاق الصلح بين الإمام الحسن ومعاوية والذي يلزمه بالهدنة، مادام معاوية على قيد الحياة. وفيما كان الأسى والعذاب يخيم على الكوفة... اهتزت فجأة على وقع نبأ سار... ودار الخبر سريعاً على الألسن: - مات معاوية ... مات معاوية... وتباشر الناس... وراح الواحد منهم يهنئ الآخر بقرب الخلاص... وانشغل الناس أياماً بهذا النبأ ريثما أفاقوا على نبأ آخر، يتحدث عن رفض الحسين مبايعة يزيد، وخروجه الى مكة... فكان لهذا النبأ وقع كالزلزال... حيث سار الحماس بين الناس وتنادوا بالثورة... واجتمع القادة يتشاورون في الخطوة التالية. سليمان بن صرد الخزاعي، أحد الوجوه الكبار لشيعة آل البيت، في الكوفة؛ دعا نظراءه الى الإجتماع في بيته... وعقد الإجتماع، وامتد لساعات وساعات. كان الموضوع الذي سيطر عليه... هو تحرك الحسين وكيفية الإنضواء تحت لواءه... وعندما لاحظ سليمان أن الحديث طال وتشعب دون أن يتجه الى اتخاذ موقف محدد، نهض ملقياً على المجتمعين نظرة طويلة فاحصة، وكأنه يقيس بذلك عزمهم، ثم قال: - إن كنتم تعلمون انكم، ناصروا الحسين ومجاهدو عدوه، وتقتلون أنفسكم دونه، فاكتبوا إليه واعلموه...! ...ثم توقف ثانية وعاد يجيل بصره في القوم قبل أن يردف: - وإن خفتم الفشل والوهن، فلا تغرو الرجل في نفسه...! فتنادى الحاضرون: - ...لا بل نقاتل عدوه...! - ونقتل أنفسنا دونه...! عاد سليمان يقول، وهو يشير بيده: - إذن أكتبوا إليه...! ما الذي يجري في مكة... توقف متسائلاً مع نفسه... تأمل قليلاً ثم مال على حانوتي قريباً وسأل: - منذ ثلاث وأنا أرى حشداً كبيراً من الناس عند هذه الدار... فهلا أخبرتني من هو صاحبها؟! ولأي شيء يجتمع الناس على بابها كل يوم؟ ابتسم الحانوتي وقال: - أظنك غريباً يا أخا العرب..... - أجل والله... رد الرجل... وأردف: - من اليمن جئت قاصداً بيت الله... - يا حياك الله... يا حياك الله...! ...رد الحانوتي، وتابع وهو يشير الى دار قريبة شاهقة: - أما الدار... فهي للعباس عم النبي (ص)... وقد نزلها منذ أيام سبط النبي (ص) الحسين بن علي بن أبي طالب... اجتاحت اليمني موجة فرح غامرة... فقاطع الحانوتي متسائلاً: - تقول إنه سبط النبي ونجل علي..؟! - أجل.. أجل.. هو كذلك...! وكمن أنسته الفرحة... اندفع صوب الدار، دون أن يودع صاحب الحانوت..! سريان خبر وفود الإمام الحسين على مكة وامتناعه عن مبايعة يزيد جعل المكيين والمعتمرين ينكفئون على دار العباس التي نزلها (ع) زائرين... وشيئاً فشيئاً أخذت الدار تستقبل الوفود والرسل من مختلف الأرجاء... اجل لقد بدأت في مكة المكرمة مرحلة جديدة من التحرك الحسيني ... فمساحة الرأي العام الواسعة فيها واستمرار الناس في الوفود اليها والصدور عنها ، اضافة الى ماتتمتع به مكة من حرمة وحصانة شرعية ، فتحت امام الامام ، فرصا جديدة للعمل الثوري والتعبوي . اخذت الوفود تزدحم على بيت الامام ...هذا فضلا عن المبعوثين الحاملين لكتب البيعة... فهذا كتاب من الكوفة يصف معاوية بانه جبار عنيد انتزى على الامة – اي اعتدى - وتأمر عليها بغير رضا منها ..ويناشد الحسين ان يُقبل ، فليس على الكوفيين امام..! وهذا ثان يقول : العجل يابن رسول الله فقد اخضر الجناب... فانما تقدم على جنود مجندة لك ...! وهذا كتاب من البصرة ، يصف نصرة الحسين بالفوز، ويعتبر آل محمد حجة الله على خلقه ... داعيا الحسين الى القدوم ، متمنيا له بان يسعد باسعد طائر ... الامر الذي دعا الامام الى تركيز نشاطه على حاضرتي العراق الكوفة والبصرة ...فبدأ بالكوفة...بخطوة مهمة لمعرفة مدى جدية الكوفيين واخلاصهم ، تمثلت بارسال ممثل عنه ، محملا اياه كتابا جاء فيه : "واني باعث اليكم اخي وابن عمي وثقتي من اهل بيتي مسلم بن عقيل .. فان كتب اليَّ انه قد اجتمع راي ملئكم وذوي الحجى – اي العقل- والفضل منكم على مثل ماقدمت به رسلكم.. فاني اقدم اليكم وشيكا ان شاء الله". كما ارسل مبعوثا الى البصرة ، وزوده بالرسالة التالية : "انا ادعوكم الى كتاب الله وسنة نبيه (ص) فان السنة قد اُميتت والبدعة قد احييت ... فان تسمعوا قولي ، اهدكم الى سبيل الرشاد." وهكذا راحت كتب الامام تدعو الى الثورة بوجه الحكم الاموي البغيض ... وخلع بيعة يزيد التي فرضت على الامة بالقوة .. وفي كلتيهما ...في الكوفة والبصرة... تلقت الجماهير مبعوثي الامام بالاحتفاء والاكبار ... مؤكدة التفافها حوله ونصرته .. بل وذهب آلاف الكوفيين الى حد مبايعة الحسين (ع) امام ممثله ابن عقيل ... مما جعل الاخير يطمئن لولاء الكوفة ... واستعدادها للتحرك ...فبادر الى مكاتبة الحسين قائلا : (...ان جميع اهل الكوفة معك ... وقد بايعني منهم ثمانية عشر الف.. فعجل الاقبال !. وفي البصرة عقد يزيد ابن مسعود احد زعماءها الكبار- بعد تسلمه كتاب الامام -اجتماعا مع عدد من زعمائها ، ودعاهم الى نصرة الحسين فاستجابوا له .. فكتب الى الحسين قائلا : "...قد فهمت مادعوتني له من الاخذ بحظي من طاعتك والفوز بنصيبي من نصرتك ..... فاقدم، فقد ذللت لك اعناق بني تميم وبني سعد". تواصلت دعوات الثوار التي تحث الإمام الحسين (ع) على التعجيل بالقدوم الى الكوفة... وكانت الرسائل تنهال عليه يومياً، حتى ملأت خرجين كاملين..! لكن رغم كل ذلك، فقد أحب الإمام التريث... ذلك أن موسم الحج قد أصبح على الأبواب... بل ان أولى طلائع الحجيج، بدأت بالتوافد على بيت الله الحرام... لكن الأيام التالية، حملت معها نذر الشر الأموي... فقد وردت معلومات تؤكد أن السلطة الأموية تخطط لإغتيال الإمام، أثناء انشغاله بالعبادة داخل الحرم المكي... بل إن كتاب يزيد الى جلاوزته نص على قتل الحسين حتى وإن كان متعلقاً بأستار الكعبة! ورأى أبوعبدالله (ع): إن حرمة بيت الله الآمن أصبحت مهددة... هذه الحرمة التي رعاها حتى الجاهليون مذ وضع آدم أساس البيت بأمر الله تعالى وحتى ذلك الوقت... وفي الليل جمع الحسين (ع) رجاله، وقال لهم: - إن أبي حدثني أن للكعبة كبشاً، به تستحل حرمتها... فما أحب أن أكون ذلك الكبش... نظر الى العيون المتطلعة نحوه، ثم انطلق يرسم آفاق الدرب الصعب، وعقباته الكؤود... مختتماً كلمته بالقول: - من كان باذلاً فينا مهجته، وموطناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا... فإني راحل مصبحاً إن شاء الله. أول الطريق - 61 2015-03-05 10:26:20 2015-03-05 10:26:20 http://arabic.irib.ir/programs/item/12136 http://arabic.irib.ir/programs/item/12136 تفاوت كبير بين الرؤية الحسينية للأمور ورؤى الآخرين... بين لغة الحسين في الإحتجاج والثورة ولغة اولئك الذين يعدون أنفسهم نظراء له... وليس الحسين بخاف على البعيد، فضلاً عن القريب... فهو علم شامخ، وقمة سامقة متوجة بالعزة والإباء والشمم...! كان محمد ابن الحنفية الأخ غير الشقيق للحسين متردداً يقدم خطوة ويأخر أخرى... ماذا يفعل... أن الطريق الذي اختاره أخوه الحسين، سينتهي به الى القتل... ذلك مما لا يشك فيه... فهل يبقى هو متفرجاً حتى تحل المأساة، أم يحاول... عله استطاع فعل شيء...! جلس أمامه متأدباً وفي عينيه ألق من حب عميق... وقال: - يا أخي أنت أحب الناس إلي...! ولست أدخر النصيحة لأحد من الخلق إلا لك.. أطلق زفرة حرى قبل أن يواصل: - تنح ببيعتك عن الأمصار ما استطعت... ثم ابعث رسلك الى الناس فادعهم الى نفسك... فإن بايعوك حمدت الله على ذلك، وإن اجتمعوا على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ولا يذهب به مروتك ولا فضلك... تساءل الحسين بحنو: - فأين أذهب يا أخي؟!... رد محمد وقد طمع في إقناعه: - إنزل مكة فإن اطمأنت بك الدار بها فبسبيل ذلك، وإن نبت بك، حقت بالرمال وشعف الجبال، وخرجت من بلد الى بلد حتى تنظر ما يصير أمر الناس إليه...! فانتفض الحسين، بيد أنه حافظ على هدوءه، وهو يرد: - يا أخي والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى، لما بايعت يزيد بن معاوية أبداً...!! عرف محمد أن ما كان يخشاه، واقع لا محالة... فلم يستطع كتم مشاعره، وانفجر بالبكاء... ولم يملك الحسين أمام دموع أخيه إلا أن بكى هو الآخر... كفكف الحسين دموعه ثم ربت على كتف أخيه وهو يقول: - جزاك الله يا أخي عني خيراً... لقد نصحت وأشرت بالصواب... إني عزمت على الخروج الى مكة، وقد تهيأت لذلك.. وأما أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم في المدينة، فتكن لي عيناً عليهم... ثم التفت ليتناول دواة وورقة، وراح يكتب... أخذ محمد يراقبه وذهنه مسرحاً لذكريات عزيزة... بعيدة وقريبة... يوم كان طفلاً يحظى بعطف وحدب هذا الأخ الشفيق... وعندما كبر... لم يعدم يوماً حبه وتفقده، له ولأسرته... إن حبه للحسين، لم يكن نابعاً من كونه أخاً وحسب... ولا لكونه ذي قلب خافق يموج بالحب والرحمة... وخلق هو تجسيد لأسمى صور الطهر والنبل... ونفس عزيزة أبية... بل لكل ذلك، وأكثر منه، مما تزدان به شخصيته الفذة...! ومن هذا الذي يجاري الحسين عزة وإباءا...؟! وهل ينسى ملامحه النورانية التي إكتست بالغضب، وهو يستمع لمن دعاه الى مداهنة السلطة... لكنه مع ذلك، لم يعنفه أو يغلظ له القول... بل التفت اليه وقال: - إني لا أعطي الدنية من نفسي أبداً...! أتم الحسين كتابة ما يريد... ثم طوى الورقة وناولها أخاه... ثم نهض يعد نفسه لسفره الطويل... بسط محمد الورقة، وقد عرف أنها وصية أخيه، وتطلع فيها فراحت عيناه تنهمران...! ثم علا نحيبه وهو يقرأ: ((...وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي (ص)... أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي...)) احتبس صوت محمد نتيجة البكاء... فكف عن القراءة، وأعاد طوي الكتاب، ثم أحدق الى الأفق البعيد بعينيه المحتقنتين... وقد بدى له الشفق حين الغروب سحابة بلون الدم الأحمر القاني، تسير بسرعة مخيفة..!! كان الليل يلقي بأستاره الثقيلة على المدينة المنورة... ليغرقها في ظلام دامس عندما غادرها الحسين (ع) متجهاً الى مكة، وبمعيته أهل بيته، وطائفة من ذويه وصحبه... إنفصل قليلاً عن الركب، ليلقي نظرة دامعة من بعيد على مثوى الأحبة... وتداعى الى ذهنه، مشهد زيارته الأخيرة لمرقد جده (ص)... ووقوفه بين يديه يبثه شجنه وهمه الكبير...! قبل أن يراه يطل عليه من عالمه العلوي، ملقياً عليه كلمات ملأت عليه قلبه وكيانه كله: ((إن لك في الجنة درجات لن تنالها إلا بالشهادة..))!! ومع كلمات الوداع التي فاه بها... إغرورقت عيناه بالدموع... قبل أن يحث السير خلف القافلة التي راحت تشق طريقها عبر الصحراء المترامية الى مكة... أفرادها قليلون لا يزيدون على العشرات... حركتها هادئة رتيبة لا ضجيج فيها... سكينة من نوع غريب تغمر أفرادها... أجل... ذلك ما يوحيه ظاهر القافلة... لكنك لو تطلعت في عيون رجالها... لزلزلك بريق العزم الراسخ، الذي لو اعترضته الجبال لأزالها...! ولو أصغيت الى دوي وقع أقدامهم، لهالك ذلك، ولحسبت أن إعصاراً كاسحاً في طريقه إليك...! قافلة صغيرة... ربما عدها الناظر إليها من بعيد واحدة من عشرات القوافل التجارية التي تكثر على طريق مكة العام... بيد أن حقيقتها تمثل انطلاق مسيرة تأريخية عميقة الأغوار مدوية الأصداء... وفيما كان الركب يغذ السير... إقترب من الحسين رجل من أهل بيته وقال: - لو تنكبت الطريق الأعظم، كيلا يلحقك الطلب..! ...نظر إليه الحسين وقال: - لا والله، لا أفارقه حتى يقضي الله، ما هو قاض..! أجل... كان لابد لهذه المسيرة أن تُسمع صوتها الآخرين... إن تحفز النفوس... أن تستثير الضمائر... إن تزرع السؤال هنا وهناك...! كان لابد لها أن تحطم حاجز الخوف... ان تتحدى... ان تختط طريق المواجهة... الطريق الذي لا ينهجه إلا الحسين، ومن سار على دربه...! - ترى أتكون هذه القافلة قافلة الحسين...؟! تساءل عبدالله بن مطيع مع نفسه، وهو يرى قافلة صغيرة متجهة نحوه... فلقد بلغه أن الحسين رفض بيعة يزيد، عندما استدعاه والي المدينة... دقق النظر أكثر ثم هتف: - أجل والله إنه الحسين... تقدم مهرولاً، حتى إذا ما وقف بإزاءه قال بلهفة: - جعلت فداك... أين تريد..؟! ...رد الحسين: - أما الآن فمكة... وأما بعدها، فإني أستخير الله...! رد ابن مطيع: - خار الله لك...! وجعلنا فداك... ألزم الحرم، فإنك سيد العرب، لا يعدل بك أهل الحجاز أحداً... ويتداعى إليك الناس من كل جانب...! - سكت قليلاً، ثم أردف كأنه يلتمس: - لا تفارق الحرم، فداك عمي وخالي... فوالله! لئن هلكت لنسترقن بعدك! لم تكن هذه أول نصيحة ولا آخر نصيحة يتلقاها الحسين... فقد قال له أحدهم من قبل: - إذا كان أهل العراق يريدونك كما زعموا، فلينفوا عدوهم، ثم أقدم عليهم... إنه يدعو الحسين الإمام الثائر، الى أن يقدر الأمور بنظرته المصلحية هو...! إذ يرى أن على الأمة أن ترفع للزعماء ثمار جهادها وتضحياتها على طبق من ذهب، وهم في بروجهم العاجية... خشية عليهم أن ينزلوا... فتصيبهم شوكة "لا قدر الله"!! وما علم أن الحسين (ع) لن يكتفي بوضع نفسه مرمى للسهام والسيوف بل يخاطر بأهله... وحتى بطفله الرضيع في هذا السبيل...!! أجل... إن في داخل الحسين مرجلاً من الغضب يغلي غيرة على قيم الدين المنتهكة... ودماء الأبرياء المطلولة... وحقوق المستضعفين المسلوبة وكراماتهم المهدورة...! وهو إذ يركب هذا الطريق الصعب، فإنما يريد الوفاء لربه بعهده الذي أخذه على العلماء، أن لا يقاروا على كضة ظالم ولا على سغب مظلوم!! الشرارة الأولى - 60 2015-03-05 10:26:26 2015-03-05 10:26:26 http://arabic.irib.ir/programs/item/12135 http://arabic.irib.ir/programs/item/12135 تسلل السأم الى الجارية، وشعرت بالقرف والإحتقار معاً، وهي تسمع صوته الرخو المخمور، وكلماته المفككة غير المترابطة، كلما دعته الى النهوض من النوم... ماذا تفعل..؟ ...إنها تخشى إن ألحت عليه، أن لا تجد رأسها في مكانه...!! يا لسذاجتها...! تصورت أنها أصبحت نصف أميرة، عندما أعفيت من عمل التنظيف داخل القصر... لتغدو الخادمة الخاصة لولي العهد... فها هي تكابد العذاب في مهمتها الجديدة، بنحو آخر...! لطالما استشعرت التقزز والغثيان، وهي تطوف في غرف القصر وقاعاته، فاحصة قطع الأثاث والطنافس والسجاجيد والستائر... خشية من أن تكون قد لوثت... فكثيراً ما يعجب أصدقاء الأمير... لا فرق بينهم: قيس كان، أم سمير، أم خلف... أن يوزع فضلاته هنا وهناك كيفما اتفق...! لاينبغي أن يثير هذا الكلام العجب... فهذه الأسماء التي اعتاد الناس تسمية ابناءهم بها ، لا تمثل شخصيات آدمية هنا ... أجل... أجل... إنهم أصدقاء الأمير، ولكن ليسوا من طائفة البشر... وما وجه العجب أن يكون للرجل المرشح لخلافة المسلمين أصدقاء من فئة القرود...؟؟!! إن مأساتها الحقيقية تبدأ، إذا ما رغب الأمير باستضافة أحد أصدقائه اولئك في مخدع نومه... يا له من ذوق أعرابي متوحش..!! تنهدت، وقالت تخاطب نفسها : ... تخلصتِ من حضانة القرود، لتبتلي بحضانة أبي القرود... ضحكت وقالت: حقاً ما قيل إن شر البلية ما يضحك..!! صمتت... وكأنها استكثرت على نفسها الضحك... وعادت تندب حظها... فإلى متى تبقى ترعى هذا الخامل المدلل، الغارق في القذر...؟! ...لا تريد التحدث عن الوضع المقزز الذي رأته عليه قبل يومين... حيث عاد الى فراشه ثملاً آخر الليل... ليغرق بعد ساعة في بركة من القيء... يا لحظها السيء... حتى ذلك القدر البسيط من الأمن والإستقرار الذي كانت تنعم به سابقاً افتقدته الآن... فلا هي تأمن ثورة الأمير المخمور، ولا هي تستقر في مكان معين... بل عليها أن تطوف معه حيث طاف...! جاءها الصوت الرخو من غرفته، منادياً عليها... خفق قلبها... كما لو حسبت أنه اطلع على سرها... راحت تعدو نحوه... فوجئت برئيس الحرس، وثلاثة من رجاله الأشداء، قد اقتحموا المكان... أصابها الخوف والذهول معا.... طرق سمعها ذات الصوت، لينقذها من محنتها... - اعدّي كل شيء لنعود الى القصر...! انقلبت عائدة، وهي تقول: - نعم يا سيدي...! لم يفتها الالتفات الى حالة الإرتباك الشديد السائدة بين الرجال... نظراتهم وحركاتهم، تشي بأمر يسعون الى إخفائه... بل خبر مهم يريدون التستر عليه...!! حالة من الإرتباك والإضطراب تمكنت من والي المدينة، وأصابته بشلل التفكير والحيرة العميقة التي لا يهتدي معها الى فعل شيء...! فالكتاب الرسمي الذي تسلمه من الشام قبل قليل يحمل نبأين هامين، ويطالبه باتخاذ إجراء على جانب كبير من الخطورة...اراد ان يمنح نفسه فرصة اطول للتفكير ...نادى على الحاجب، قائلاً: - لا تدخلن عليَّ أحد...! ثم نهض من كرسيه، ألقى الكتاب عليه وراح يذرع الغرفة جيئة وذهاباً... لم يكن أمر النبأين هو الذي أهمه... فهو يعرف أن عمه: معاوية بن أبي سفيان يعالج من مرض خطير، قد يأتي عليه في أي وقت... وليس من العجيب أن يجهز عليه اليوم قبل غد ، فيموت... وإذا ما مات، فإن أمر الخلافة سيؤول الى يزيد... وهذا الأمر لم يعد سراً على أحد داخل البلاط أو خارجه، فضلاً عنه هو، باعتباره أحد أعضاء الأسرة الحاكمة... وهل ينسى الإجراءات القمعية التي طالبه معاوية بفرضها إبان مجيئه للمدينة، ليتاح له إسكات المعارضين من أجل تمرير البيعة ليزيد...؟! تناول الكتاب ثانية وراح يحملق فيه... تقافزت الكلمات أمام عينه بتحد وصلف... - خذ البيعة من الحسين، ولا ترخص له في التأخير... وإن أبى عليك فاضرب عنقه وابعث إليَّ برأسه...!! ألقى الكتاب بنفور، وهتف بغضب: - يا ويلي.. يا ويلك يا وليد بن عتبة! خطى نحو كرسيه، قبل أن يتهاوى عليه وينادي على الحاجب... دخل الحاجب عجلاً، وقال: - نعم يا سيدي...! رد بصوت شبه مبحوح: - ادع لي مروان بن الحكم..! رد الحاجب على عجل: - هو ذا من ساعة... حبسته من الدخول عليك، نزولا عند امرك..! - دعه يدخل، ويحك..! ...رد الوالي متعجلاً الأمر... دخل مروان بادي الحزن... وقبل أن يفوه بالسلام... دفع إليه الوليد الكتاب، وقال: - ما رأيك بهذا؟! ألقى مروان نظرة على الكتاب، دون أن يبدو عليه الإهتمام، ثم رفع رأسه وقال: - إن الحسين لا يقبل بهذا...! ثم أحّد النظر الى الوليد، وأردف: - لو كنت مكأنك لضربت عنقه!.... حدج الوليد مروان بنظرة طويلة وقد بان الكدر العميق على وجهه، وقال: - ليتني لم أك شيئاً...! ثلاثون رجلاً تعلقت أنظارهم بشفتيه... لا يعلمون لأي شيء دعاهم الحسين ليلاً... لكنهم ليسوا بحاجة أن يعرفوا... يكفي أن يفوه ابن رسول الله بما يريد حتى يثبوا أمامه، وثبة رجل واحد...! رفع الحسين رأسه بعد اطراقة قصيرة، وقال: - إن الوليد قد استدعاني في هذا الوقت... ولست آمن أن يكلفني فيه أمراً لا أجيبه إليه... فكونو معي...! تحفز القوم، وراحوا يرهفون السمع أكثر فأكثر... واصل الحسين، موضحاً ما يريد: - إذا دخلت، فاجلسوا على الباب... فإن سمعتم صوتي قد علا؛ فادخلوا عليه لتمنعوه عني...! ...سارت الخطة في طريقها المرسوم... ودخل الحسين على الوالي... فوجد عنده مروان ...فالقى التحية وجلس... ولم يطل بحث الوالي عن منطلق للحديث... فالتفت نحو الحسين (ع) ناعياً إليه معاوية... فرد الحسين: - إنا لله وإنا إليه راجعون... مد الوليد يده الى كتاب بقربه وتناوله... ثم لوح به دون أن يفضه وهو يقول: - لقد جاءني هذا الكتاب من الخليفة، يأمرني أن آخذ له البيعة منك...! حدجه الحسين بنظرة واثقة، وقال: - إني أراك لا تقنع ببيعتي سراً،حتى أبايعك جهراً، فيعرف ذلك الناس... رد الوليد وقد كست وجهه علامة الرضا: - أجل..! ...فقال الحسين: - تصبح وترى رأيك في ذلك... ابتسم الوالي وقال: - انصرف على اسم الله... حتى تأتينا مع جماعة الناس...! وكأفعى تتهيأ لنفث سمها، مد مروان عنقه وقال: - والله لئن فارقك الحسين الساعة ولم يبايع، لا قدرت منه على مثلها أبداً... ولكن احبس الرجل، فلا يخرج من عندك، حتى يبايع أو تضرب عنقه...! وثب الحسين (ع) نحو مروان، ملقياً عليه نظرة مزلزلة، وقال رافعاً صوته: - ويلي عليك يا بن الزرقاء..! ...أنت تأمر بضرب عنقي..؟! كذبت والله ولؤمت...!! وفوجئ الوالي ورفيقه بكوكبة من المسلحين، تقتحم المكان...!! أحاط الرجال بالحسين، وأيديهم على قوائم سيوفهم، فيما التفت الحسين نحو الوالي، وصارحه قائلاً: - أيها الأمير... إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة... بنا فتح الله، وبنا ختم... ويزيد فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحرمة، معلناً بالفسق... ومثلي لا يبايع مثله...!! ...قال الحسين ذلك، ثم خرج يتهادى بين رجاله. تابعهم مروان بعينيه... حتى إذا ما رآهم قد غادروا المبنى... التفت نحو الوليد وقال: - عصيتني..!! ...لا والله لا يمكنك مثلها من نفسه أبداً... بدا الغضب على وجه الوليد، فدنى من مروان صارخاً: - ويحك.. انك أشرت عليّ بذهاب ديني ودنياي... والله ما أحب أن أملك الدنيا بأسرها، واني قتلت حسينا...! تنهد بقوة ثم أضاف: - سبحان الله، أقتل حسيناً، لما ان قال: لا أبايع...! ثم سكت كما لو قد زايله الغضب قبل أن يردف ، وهو ينظر الى بعيد : - والله ما أظن أحداً يلقى الله بدم الحسين، إلا وهو خفيف الميزان، لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه، وله عذاب أليم...! إبتسم مروان إبتسامة صفراء، وقال وقد وشت عيناه بحقيقة ما يضمره: - فإذا كان هذا رأيك، فقد أصبت فيما صنعت...؟! مواجهة بيضاء تلك التي خاضها الحسين مع السلطة المحلية في المدينة االمنورة ...لكنها قطعت وبشكل نهائي كل جسور التواصل الممكنة بين الطرفين ....! كان الامام الحسين في طريقه عائدا الى بيته ، وحوله رجاله الاوفياء ، وهو يفكر، انه لابد له ان يقطع برأي نهائي خلال الساعات المتبقية من ذلك النهار...! صدى التحدي - 59 2015-03-05 10:26:43 2015-03-05 10:26:43 http://arabic.irib.ir/programs/item/12134 http://arabic.irib.ir/programs/item/12134 رأى نفسه يطوف على صهوة جواد أدهم... يواكب حشداً من الناس لاعدله... يسوقه الى جهة مجهولة... مظهره يدعو الى الضحك والعجب معاً...! ...فقد اعتمر تاجاً متناهي الطول... ووضع سيفاً بيمينه، ولجاماً بيساره... وفي قدميه ركاب، وتحته سرج... وكلها مصاغة من الذهب الخالص! كان يواصل الطَوَفان حول الحشد، يسوقه سوقاً حثيثاً... وويل لمن يخرج من الحشد أو يتوقف عن الهرولة أو يتأوه أو يتأفف...!! فسيهوي رأسه أمامه في أقل من لمحة بصر..!! ...وكلما تعثر الجسد بالرأس متدحرجاً على الأرض... ضحك في نشوة عارمة... والتفت الى الخلف، يحصى الرؤوس التي زرعها كعلامات تثير الرعب على الطريق...!! ومن بين الجمع العريض ذاك... انطلق – على حين غرة – صوت شديد الوقع، متناهي التحدي يقول: - ومن هو معاوية، الطليق بن الطليق... لم يكتف بنصب نفسه خليفة لرسول الله (ص)، حتى يريد حمل إبنه الفاسق، شارب الخمر، على رقاب المسلمين..! زلزله الصوت من الأعماق... أراد أن يصرخ به فلم تسعفه حنجرته...! أن يشهر بوجهه السيف فلم تقو يده! فتخاذل وقد تملكه رعب حقيقي... شاهد الحشد يتوقف فينعطف عليه ثم يضيّق عليه الحصار حتى يطبق عليه بشكل تام... هب من النوم فزعاً... تلفت يمنة ويسرة... حتى إذا عرف أنه في قصره... تحسس لباسه... وراح يلعن نفسه قبل أن ينهض... بسرعة وسخط وتذمر، ...يتوارى... متحاشياً النظر لأحد، أو نظر أحد إليه...؟! حلم الملك العريض الممتد في الأبناء والأحفاد، لم يراود معاوية بن أبي سفيان في النوم وحسب... بل عاشه طموحاً يسعى بكل إمكانياته وقوته وحيلته أيضاً لتحقيقه، بل لازمه كهم دائم لا يغيب عن نفسه لحظة واحدة... وتضاعف هم ابن أبي سفيان ذاك، عندما أخبره الأطباء.. أن وضعه الصحي لا يبشر بخير...! ولكن ماذا يفعل؟! فأمام تحقيق ذلك الطموح عقبات وعقبات... لعل أيسرها تسويق شخصية يزيد الذي يصفه معارضوه بأنه (غلام حدث يشرب الشراب ويلعب بالكلاب). ثم كيف له أن يبرر تنصله من الصلح الذي وقعه مع الحسن بن علي، والذي ينص على انتقال السلطة بعد وفاة معاوية الى الحسين إذا لم يكن الحسن على قيد الحياة...؟! وحتى لو لم يكن هناك من صلح أو إتفاق، أكان يسوغ تجاوز شخصية مثل الحسين بن علي وريث بيت الرسالة... ولها كل ذلك الرصيد الشعبي...؟! هذا فضلاً عن شخصيات أخرى ترى في نفسها الأهلية للترشح لمقام الخلافة... تأمل قليلاً ثم قال مع نفسه: لابد لي من أن أعمل على كسب سكوت الآخرين أو عدم معارضتهم على الأقل... ثم وبعد لحظة تأمل أخرى شحب وجهه، وتصلبت أطرافه وهو يضيف: ومن لا يريد حقن دمه بالسكوت، فإنني لا أعدم الوسيلة القادرة على إسكاته الى الأبد...! فوجئت مدينة الرسول (ص) صبيحة أحد الأيام بانتشار عسكري غير معهود... وتساءل الناس متعجبين عن ماهية هذه الظاهرة التي لم يروا لها مثيلاً من قبل... ولم يطل بقاء النبأ في السر... فقد عرف الجميع أن معاوية قد وصل المدينة، مصطحباً الآلاف من الشاميين، جنود وغير جنود... وانه استدعى الحسين (ع) وعبدالله بن عباس... أصبح قصر الإمارة محطاً للأنظار... ولو من بعيد... كان الجنود لا يسمحون لأحد الإقتراب من القصر... فأكتفى الناس بالتطلع من بعيد وكأنهم سيكتشفون ما يدور في داخل القصر عبر هذه النظرة... طبع معاوية على وجهه إبتسامة ثعلبية وهو يستقبل الرجلين اللذين استدعاهما... حاول التمهيد لما ينوي طرحه بكلمات قبل أن يقول: - قد كان من أمر يزيد ما سبقتما اليه... وقد علم الله ما أحاول به في أمر الرعية من سد الخلل ولم الصدع بولاية يزيد... ثم ابتسم إبتسامة صفراء وهو يردف: - وقد علمتما أن الرسول (ص) قدّم على أكابر الصحابة وأوائل المهاجرين يوم غزوة السلاسل، من لم يقاربهم... ثم وزع نظرة على جليسيه، قبل أن يختم كلامه قائلاً: - مازلت أرجو الإنصاف في اجتماعكما... فما يقول القائل إلا بفضل قولكما... استعد ابن عباس للرد... غير أن الحسين (ع) أشار إليه، وقال: - على رسلك، فأنا المراد، ونصيبي في التهمة أوفر...! ثم التفت الى معاوية وقال: - هيهات، هيهات يا معاوية... لقد فضلت حتى أفرطت، واستأثرت حتى أجحفت... وجرت حتى جاوزت... ثم تنهد وأضاف: - فهمت ما ذكرته عن يزيد... تريد أن توهم الناس في يزيد... كأنك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً...! وتابع يقول بنبرة، هي خليط من التهكم والغضب.. - قد دل يزيد من نفسه، على موقع رأيه... فخذ ليزيد، فيما أخذ به من إستقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، والقينات ذوات المعازف، وضروب الملاهي... تجده ناصراً... ودع عنك ما تحاول...! فما أغناك ان تلقى الله بوزر هذا الخلق، بأكثر مما أنت لاقيه..!! فانتفخت أوداج ابن أبي سفيان ونظر الى ابن عباس، وقال: - ما هذا يا بن عباس؟!... فرد ابن عباس دون إبطاء: - لعمر الله، إنها لذرية الرسول، وأحد أصحاب الكساء، ومن البيت المطهر... فالْهُ عما تريد، فإن لك في الناس مقنعاً، حتى يحكم الله بأمره، وهو خير الحاكمين...! شوهد معاوية بعد أن انفض الإجتماع، محتقن الوجه غضباً... زائغ النظرات... يهذي بكلمات غير مفهومة، وكأنه يجادل شخصاً غير منظور...! ودعيت شخصيات معارضة أخرى، لإجتماع جديد... افتتحه معاوية بالدعوة الى مبايعة يزيد... ومافتئت أن تصاعدت همهمات الإحتجاج من بين المجتمعين... وقام أحدهم مخاطباً معاوية: - إفعل كما فعل أبوبكر، حيث اختار لها رجلاً ليس من أهله...! تابعه آخر قائلاً: - أو افعل كما فعل ابن الخطاب، حيث اختار ستة وجعلها فيهم... فاستشاط معاوية غضباً... وقاطع المتكلم، هادراً: - لقد كنت أخطب أحياناً، فيقاطعني الرجل منكم، فلا ألومه ولا أعنفه... ثم زمجر، وهو يلوح بيده مهدداً: - إني ذاهب الى المسجد، لأعلن ما عزمت عليه، فإن قاطعني أحد منكم وعارضني فيما أقول، فسوف يكون السيف أسبق الى عنقه من لفظه الى شفتيه...!! أُقتيد المعارضون الى المسجد، وأُجلسوا في المقدمة، والى جانب كل واحد منهم رجل مسلح...! وفيما غص المسجد بأهل الشام، صعد معاوية المنبر، وقال: - إنني نظرت في أمر المسلمين، فلم أجد لهم من بعدي أصلح من ولدي يزيد... ثم ألقى نظرة شمل بها الحضور، وأضاف: - لقد عرضت هذا الأمر على الحسين بن علي، وابن عمر، وابن الزبير وابن أبي بكر... على أن لا يقطع دونهم أمراً، ولا يقضي بغير رأيهم حاجة، فوافقوا، وتركوا لي أن أفعل ما أرآه...! وهكذا مرت البيعة ليزيد، أشبه بمسرحية باردة العرض، خاوية المحتوى... ...وعاد معاوية الى الشام، محبطاً، وقد عرف أن ما قام به، ليس سوى عمل أخرق، لن يجلب الإستقرار لحكم يزيد، ولن يعود على الأمويين بغير المزيد من الكراهية والسخط...!! كان الليل الأموي يزداد قتامة وعتمة كل يوم.... ومن وراء أستاره الثقيلة... كانت خيوط الفجر القريب، تترآى بوضوح، مبشرة بانبثاق نور ثورة ذي وهج محمدي... ثورة ولود، تتبعها ثورات وثورات...! حصون الشرف (القسم الثاني) - 58 2015-03-05 10:26:49 2015-03-05 10:26:49 http://arabic.irib.ir/programs/item/12133 http://arabic.irib.ir/programs/item/12133 عاد والي العراق من الشام بوجه غريب... وجه يعكس صراعاً محتدماً... يموج بمشاعر مختلطة متناقضة..!! عينان متوهجتان بالغضب طوراً... وخابيتان تحاكيان عيون الموتى آخر... سحنة مصطبغة بلون أحمر قان تارة... وصفراء ذابلة، كأوراق الشجر في الخريف، ثانية...! ومذ دخل بيته، وأغلق باب غرفته الخاصة عليه، لم يهدأ لحظة واحدة...! كان يذرع الغرفة بخطوات هائجة، وهو يتطلع الى الإمام... كمن غُلب على عقله....!! وفجأة توقدت عيناه بغضب جارف... وانفجر يصرخ، ويضحك بشكل هستيري: - تباً لك يا ابن هند... آكلة الأكباد...! تباً لك يا غادر... يا محتال... تباً لك... تباً لك... تتوعدني لأطلق زوجتي....!! لماذا..؟ لماذا..؟ .. ألم أخلص لك الخدمة؟!... ألم أمكنكم من رقاب أهل العراق؟! أطلق ضحكة هستيرية ... وعاد يقول: - أجل.... لقد طلقت أرينب...!... من...؟! أرينب... أرينب....!! تهاوى على الأرض... وضع وجهه بين كفيه... وانخرط في نوبة بكاء حادة... ... تجربة قاسية كابدها عبدالله ابن سلام... حالة فضيعة من أحاسيس متباينة إستولت عليه... قهر... غبن... إنكسار... غضب... هوان... خوف... كلها إشتبكت في صراع عنيف، عاناه أياماً وأياماً... صراع، قضى على آخر مقاومة لدى الرجل... ودفعه لأن يقف على حافة الإنهيار...! حسب معاوية أنه نجح في إسدال برقع ديني على عملية القرصنة التي قام بها... واستكمالاً لخطته... انتدب أبا الدرداء ليقوم بمهمة خطبة أرينب... فهو يعرف علاقته بأبيها... وثقة الأخيرة الكاملة به... لكن لا زال أمام معاوية عقبة كبيرة، وهي قلب أرينب... فهو لم يستطع إستمالته ليزيد... ذلك أن أرينب أدركت أن معاوية هو الذي اغتال سعادتها... وهو الذي استل طلاقها، تحت طائلة التهديد... لكن معاوية ظل يتشبث... فالى جانب شخصية أبي الدرداء المحترمة... وضع في يده مبلغاً كبيراً، عسى أن يشتري رضا أرينب... وصل أبو الدرداء الى الكوفة، في مهمته الصعبة... كانت الكوفة لا زالت تحتفل بزيارة الحسين (ع) لها... وطرق النبأ سمع أبي الدرداء، وهو لم يغسل غبار السفر عن وجهه بعد... فخف الى لقاء الحسين قائلاً: - هذا ابن بنت رسول الله (ص) وسيد شباب أهل الجنة... فلست بناظر في شيء، قبل التسليم عليه... وقاده الناس الى الحسين... فلما رآه (ع) قام إليه فصافحه، ورحب به... دنى ابوالدرداء من الحسين أكثر، وكأنه يريد الاسرار إليه بشيء، وقال: - لقد وجهني معاوية، خاطباً لأرينب بنت إسحاق على أبنه يزيد. إبتسم الحسين (ع) وكأنه كان يتابع مسار خطة معاوية أول بأول، ثم حدق في عينيّ محدثه، وقال: - اخطب رحمك الله عليّ وعليه...! ... ثم مد يده الى جيبه واستخرج كيساً فيه مال – كان قد أعده لهذا الغرض، على ما يبدو – وناوله أبا الدرداء، كمهر... ضحك أبوالدرداء، وكأنه سر بمهمته الجديدة. عوفي ابن سلام من الهدة النفسية التي ألمت به... وبعد عزلة طويلة فرضها على نفسه، بدأ يفتح بابه لذويه وأصدقائه... وراحت الأخبار التي تراكمت خلال فترة العزلة تأتيه تباعاً... فعرف أن معاوية قد نحاه عن منصبه... وأنه قد بعث من يخطب أرينب... فضحك، لا سروراً بما سمع طبعاً، وإنما وفاءاً لما عزم أن يأخذ به نفسه... أن يضحك للخطب إذا ما نزل به، مهما بلغ...! كمرهم يضعه على جراحه العميقة... وهمس له أحد أصدقائه مواسياً: - إسمع يا عبدالله... والله ما أرى، إلا أن الله قد أحبك، إذ أنقذك من العمل لآل أمية... قاطعه عبدالله بنفاد صبر وقال: - ومن قال لك إني آسف على ولايتهم... أطلق زفرة قوية وواصل: - أما والله... وبعد الذي رأيته من غدرهم بي... لكنت في هوان ما بعده هوان، لو ارتضيت البقاء معهم...! ....تحسر بألم، ثم أضاف: - إن ما يؤلمني يا صاحبي، رضوخي لتهديدهم، وظلمي لبنت إسحاق... ثم اختنق بعبرته... هم الصديق أن يتكلم، إلا أن طرقاً توالى على الباب، بدا وكان صاحبه في عجلة من أمره... فتح الصديق الباب، فاندفع شاب الى داخل البيت، وهو يهتف: - البشارة يا عم البشارة...! ... وثب عبدالله مستقبلاً الشاب وهو يقول: - خير يا حسان، ما وراءك؟!... عاد الشاب يقول وهو يلهث: - البشارة... ياعم... ثم ضحك، وتنهد، وقال: - لقد رفضت أرينب خطبتها على يزيد...! اهتز ابن سلام لهذا النبأ فرحاً، غير أنه تماسك وقال: - من أين لك هذا...؟! ... رد حسان كمن يدافع عن نفسه: - بعثني به أبي... وها هو ذا على أثري...! تبادل عبدالله وصديقه نظرات الإستغراب... ثم نهض الرجلان يسبقهما حسان، مستقبلين الطارق الجديد... اختزل أبوحسان ما جرى بان اباالدرداء لقيه، بعد ذهابه الى ارينب خاطباً للحسين ويزيد معاً... فأبلغته رضاها بالحسين وردها يزيد...! أطال أبوحسان النظر في وجه عبدالله، ثم قال: استمع لي يا أخي... أرى أن تلقى الحسين...! استغرب عبدالله هذا الإقتراح وقال: - أفعل ماذا؟!... برقت عينا أبي حسان، وأجاب: - احسب ان الحسين لم يخطب أرينب، الا لأمر آخر في نفسه...! تطلع اليه أخوه، وقال: - لم أفهم...! .. رد أبو إحسان وهو ينسحب، واضعاً يده في يد إبنه: - ستفهم كل شيء حالما التقيته...! إنه مطمئن لرجاحة عقل أخيه... لكنه كلما قلب الفكرة التي اقترحها، لم ير لها أي مسوغ.. لو كان يمتلك ذريعة واحدة، لما تردد في الذهاب الى الحسين... ولكن ان يذهب هكذا، دون مناسبة وللحسين نفسه... فهو ما لا يستطيع الإقدام عليه أبدا...! وقضى الليل في التفكير دون نتيجة... ومع خيوط الصباح الأولى، تذكر أمراً هاماً... انه كان قد استودع أرينب بدراً من المال... عند ذاك قطع بلقاء الحسين... توجه نحو محل إقامة الحسين، ثقيل الخطو... كان يسير في طريقة وهو يحسب أن لعنات الناس تطارده... فهو – بنظرهم – عامل الأمويين المعزول الذي فقد حصانته... والزوج الغادر الذي تخلى عن زوجته، طمعاً في الزواج من إبنة معاوية...! ولذلك فقد تملكه التردد ثانية، وهو يهم بطرق الباب على الحسين... إلا أنه تحامل على نفسه وطرقه... فانفتح الباب عن طلعة الحسين النورانية البهية... فبادر صاحبنا يقول بشيء من الإرتباك: - السلام عليك يا أباعبدالله...! ....سطعت قسمات الحسين المشرقة بابتسامة ودودة، قبل أن يرد التحية... فتشجع ابن سلام، وقال: - إن لي عند إبنة إسحاق، وديعة من المال.... رحب به الإمام ودعاه للدخول. قالت أرينب مجيبة الحسين: - إنه لمطبوع عليه بطابعه... هنا بدا الحسين، كما لو أنه يعمل خطته... إذ أمر أرينب أن تجيء بالبدر، فتضعها بين يدي ابن سلام... أما هو فقد خرج من الغرفة، تاركاً الزوجين السابقين وحيدين...! تناول ابن سلام بدرة، وحثا منها مالاً وهو يقول: - خذي هذا، فهو قليل مني...! ...ترامقا بنظرة... ثم انفجرا بالبكاء...! فدخل الحسين وقد رفرفت على ملامحه الشريفة مشاعر الرقة والرحمة، وقال: - أشهد الله أنها طالق...!....ثم توجه الى الله بالدعاء، كاشفاً عن دواعي خطته: - اللهم إنك تعلم، اني لم أتزوجها رغبة في مالها وجمالها... وإنما أردت إرجاعها الى بعلها...!! خرج الإثنان مودعين من قبل الحسين، وفي قلبيهما طوفان من الحب والتقدير وعرفان الجميل!!....وفيما كانت عينا الحسين ترمقان السماء، بخشوع ورجاء... كانت شفتاه تتمتم ببقية الدعاء: اللهم فأوجب لي بذلك الأجر...!! حصون الشرف (القسم الأول) - 57 2015-03-05 10:26:55 2015-03-05 10:26:55 http://arabic.irib.ir/programs/item/12132 http://arabic.irib.ir/programs/item/12132 جلس ولي العهد منطوياً على نفسه كئيبا، وكأن جبلاً من الهم تدكدك عليه...! كان يزيد بن معاوية صامتاً، يطيل التفكير... متسمراً في مكانه لا يتحول عنه... استأذن عليه مهرج البلاط، وعلى يديه قرد قد ألبسه ثوباً فاخراً، وأحاط رقبته بحلة ذهبية نفيسة... وأخرى وضعها على رأسه...! حاول القرد أن يفلت من يدي حامله باتجاه الأمير، إلا أن المهرج أمسك به، مخاطباً إياه: - تمهل أبا قيس... تمهل...! وفي حركة سريعة غاضبة من يده، أشار يزيد له، ليبعد القرد عنه... فخرج المهرج حاملاً القرد، محبطاً... فحتى الشيء الاثير عند الأمير، لم يخرجه من كآبته...! لوح بيده في إشارة خاصة، لمعاوية وإبنته، الّلذين وقفا خلف الباب يسترقان السمع...! دفع معاوية الباب ودخل وخلفه ابنته متظاهراً بالتساؤل عن سر انطواء إبنه...! تحرك الإبن بارتباك دون أن يتكلم... عاد الأب يلح في سؤاله رافعاً صوته... فابتسم يزيد ابتسامة باهتة، وقال: - لا شيء... لا شيء...! صرخ الأب قائلاً بلغة آمرة: - تكلم...! ... اطرق الإبن وقال: - قد كان الحديث عن جمال أرينب بنت إسحاق... فرغبت إليك في نكاحها... فتركت ذلك، حتى تزوجتْ من عبدالله بن سلام...! سكن غضب معاوية، وظل يتأمل قليلاً قبل أن يقول: - أكتم أمرك...!! ثم راح يجوب الغرفة بخطوات متقاربة وئيدة.... وبعد مضي وقت غير قليل... تراقصت عيناه نشوة... ثم دنى من بنته وقال: - سيجيئك أبوهريرة وأبو الدرداء، يذكران ابن سلام فقولي: كفؤ كريم.. لكن عنده أرينب بنت اسحاق، وأخاف أن يعرض لي من الغيرة ما يعرض للنساء، فأسخط الله فيه... ولست بفاعلة حتى يفارقها...! هزت البنت رأسها، إعجاباً بخطة أبيها... تبادلا إشارة خفية، قبل أن يخرجا معاً... تسلم والي العراق، عبد الله بن سلام كتاب معاوية... وعندما فضه سر أيما سرور... فمعاوية يستدعيه عاجلاً الى الشام، ويقول: - إقبل لأمر حضك فيه كامل...! سارع الى بيته... أطلع زوجته على الخبر... واستودعها بدراً من المال... ثم خرج من بيته، ميمماً وجهه شطر الشام. هو يعلم أن مكانته كبيرة عند معاوية... ولكن ما هو الشيء الجديد الذي يعده به؟! أحلام عريضة راودته، وجعلته يحلق على بساط الريح، دون أن يلتفت لطي المسافة الطويلة بيد الكوفة ودمشق... وتمادى في خيالاته، حتى حسب أنه سيجد جميع أبواب البلاط الأموي مشرعة بوجهه... رجال الدولة... الحرس... يقفون على أهبة الإستعداد لإستقباله... بل حتى معاوية نفسه يراوح قدميه تعباً من طول الوقوف، مترقباً مجيئه، لحظة بعد أخرى!! ودخل قصر الخضراء مزهوا... وتقدم داخل القصر... فلم يجد غير أفراد من الحرس كالحي الوجوه، لم يكلفوا أنفسهم حتى الرد على تحيته... ودار بعينيه في أروقة القصر، بحثاً عمن يعرفه... ولما التقى الحاجب، صرفه بهدوء الى دار الضيافة، معللاً ذلك بانشغال الخليفة... دقائق قليلة أمضاها في الدار، ليفاجأ بدخول رجلين عليه... يا إلهي... أليس هذا هو الصحابي أبا الدرداء؟!... أجل انه بعينه! أما هذا الآخر، فهو أبوهريرة من غير شك...! سلم عليه الرجلان بحرارة غير معهودة، وجلسا... بدأ الشيخان في عجلة من أمرها... أطلق أبوهريرة ضحكة مجاملة ثم سكت... فغمزه صاحبه بعينه، يستحثه على الكلام... فعاد أبوهريرة يضحك، ثم تنحنح وقال: - لقد كنا عند الخليفة آنفاً... مد أبوالدرداء رقبته وقال مؤيداً: - أجل... أجل...! ....واصل أبوهريرة، وهو يقترب من ابن سلام: - ولقد أخبرنا، أنه قد بلغت له بنت يريد تزويجها... وقد ارتضاك لها... وقال لنا: أذكرا له ذلك عني...! طغت الفرحة على وجه ابن سلام، وقال مع نفسه: وهل من مأثرة أكبر من هذه يكرمه بها معاوية...؟! استدار نحو الشيخين ليواجههم معاً، وليقول: - أشيرا عليّ..! قال أبوهريرة: - ابعثنا لأبيها خاطبيّن..! ... وخرج الشيخان من عند عبدالله، ليدخلا على معاوية، فقال لهما: - لقد علمتما رضاي به... فادخلا على البنت واعرفا رأيها...! - إني لأكره أن أطالب الرجل بمفارقة زوجته..! أطلق أبوهريرة ضحكة ساخرة وقال: - ليس عليك من هذا شيء أيها الشيخ..! كان الشيخان يتحاوران في الطريق، بعد أن إستمعا لإبنه معاوية تقرر عليهما الشرط الذي أملاه عليها أبوها.... وعند باب دار الضيافة، حيث أقام ابن سلام... توقف أبو الدرداء وقال مخاطباً صاحبه: - إذهب أنت... سأنتظرك هنا...! نظر اليه أبوهريرة شزراً، وقال: - أنت وما تريد... ثم تركه ودلف الى الداخل... لم يُعرف ما دار بين الرجلين... لأنهما كانا يتهامسان... لكن أبوهريرة الذي غضب، ترك التحفظ ليقول بصوت مرتفع: - إسمع يا بن سلام!... إن ردك هذا سيغضب الخليفة، وان الرجل العاقل لا يشتري غضب الملوك من أجل إمرأة...! قال أبوهريرة كلمته، وخرج ليترك ابن سلام يتأمل فيها بخوف...! بدا له أنها تحمل إنذاراً مبطناً بنصيحة شخصية... وهل يجهل هو الاعيب السياسة الاموية، التي خبرها، وكان أميناً على تطبيقها... إذن فقد اصبح الرهان على رأسه...!! وتصور له موقفه في تلك اللحظة، أشبه بفريسة استدرجها الطعم، لتطبق عليها المصيدة..!! وبعد لحظات مرت على ابن سلام كالدهور... دخل عليه أحد رجال الحرس الغلاظ، ذوسحنة تنم عن تمرس طويل بالإجرام... عرف ابن سلام انها الرسالة الأخيرة... فاكتفى بأن عبر بارتباك عن موافقته...! ... قبل أن يركب ناقته وينحدر نحو العراق. إحتفال كبير تعيشه الكوفة هذه الأيام... مهرجان لكنه غير رسمي عامر بالفرح، يتنقل بين بيوتها...! الواحد من أبنائها يفتخر على الآخر: - لقد حل ابن رسول الله في بيتنا أمس... فيهز الآخر الشوق، ويفوه بعتاب: - ولماذا لم تخبرني قبل هذا؟!... فيرد الأول: - إن الإمام لا يريد أن يلفت أنظار السلطة الى شيعته...! الكوفة التي غادرها الإمام الحسين (ع) الى المدينة المنورة شاباً... يعود إليها زائراً، وقد تجاوز سن الكهولة... ...كم عانت الكوفة، من تقتيل وتشريد، وقهر وإذلال وتجويع وترويع، على يد خليفة بني أمية، معاوية بن أبي سفيان... ولذا فهي لا زالت تتطلع الى المخلص... الى المنقذ... ومن غير ابن رسول الله.. ابن علي.. ذلك الذي ساس الناس بالعدل... ووضع الجميع أمام حقوقهم على صعيد سواء..؟! أجل... من غير الحسين، ينهض لفك أسارها، وإعادة عزها الغابر...؟! وتحت جنح الظلام، تسلل ابن سلام الى بيته... وفي اليوم التالي... تهامس الكوفيون: - أسمعت؟! - ماذا..؟! - لقد طلق الوالي زوجته..! - أرينب بنت إسحاق، تعني؟! - أجل.. ومن غيرها؟! - لا أصدق... أرينب مثال الحسن... الغنية...؟! - قلت لك طلقها... وقد فعل ذلك فور عودته، من استدعائه العاجل الى الشام.. سار الخبر في الكوفة، سريان النار في الهشيم... وتلقاه الناس بالإستغراب بدءا... لكن سياق الحدث، دلّهم على ان لمعاوية يداً فيه... وتناهى الخبر الى الإمام الحسين (ع) فشعر بالألم، وانتابه الغضب لإستهتار السلطة الأموية الحاكمة بكرامة الأمة وشرفها... وامتهانها لمشاعر الناس وعواطفها...! وتوهجت عيناه ببريق نافذ وكأنه عزم على أمر ما...!! --سنعود غداً لإكمال القصة-- ينابيع الرحمة - 56 2015-03-05 10:27:02 2015-03-05 10:27:02 http://arabic.irib.ir/programs/item/12131 http://arabic.irib.ir/programs/item/12131 هاله ما سمعه وما رآه في السوق... بضاعة قليلة، وأسعار مرتفعة، وحيرة وارتباك لدى الباعة والمتسوقين معاً...!! بدا هذا الطارئ غريب جداً... فلو أنه حصل بين موسمين، لعده حالة عابرة، ولاستطاع الناس التأقلم معه... ذلك انهم تعودوا الإنحناء للعاصفة... لكن مجيئه في ظروف غير معهودة، رمى الجميع بالخشية من إستمراره...! كان متعب في طريقه الى بيت سيده... بعد أن قضى بعض الوقت في السوق، وامتلأ رأسه بما يدور هناك... إلا أنه ورغم كل ما سمع... يشعر ببعض الإطمئنان... ذلك أنه عهد مخزن الطعام في بيت سيده، ملآناً... وإن كان يعرف أن إطمئنان الإنسان للقمة عيشه غير كاف لإستشعاره الأمان، في هذا الزمن الرديء... حديث الناس الذي سمعه – ليس في السوق وحده، وإنما في كل مكان – إن الحكومة في الشام هي التي افتعلت الغلاء... فالتجار والمسافرون على السواء، ينقلون أن أسعار البضائع في الشام على حالها... لم تتغير... أجل... تلك هي السياسة الأموية، تجاه مدينة الرسول، منذ واقعة الحرة، قبل أكثر من نصف قرن، وهي تزداد مع توالي الأيام، تنكيلاً وإذلالاً وإمعاناً في الترويع والتجويع...! إعترض طريقه عابر سبيل، وسأل: - هل تدلني على بيت الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد؟! إبتسم معتب وقال: - تريد بيت سيدي الصادق؟ - أجل... إنه سيدي أيضاً... ومن لا يفتخر بخدمة ابن رسول الله. معتب الذي تفقد مخزن الطعام، قبل ذهابه الى السوق صباحاً، عاد يتفقده ضحى بعد عودته... وكأنه يريد أن يطمأن الى تقديراته... فوجئ بصوت الإمام يناديه... استجاب من فوره... وهو يقول: - أجل يا بن رسول الله... ابتسم له الإمام وقال: - كم عندنا من الطعام؟.... ارتسمت على ملامح معتب إبتسامة عريضة ...ورد وفي كلامه رنة زهو: - عندنا ما يكفينا أشهر كثيرة... أجاب الإمام بشكل حاسم: - أخرجه وبعه...! ....سمع معتب قول الإمام... إلا أنه بقي ذاهلاً وكأنه لم يصدق أذنيه... ثم قال: - ليس في المدينة طعام...!! .... رد الإمام بكلمة واحدة.. وكأنه اتخذ قراراً لا رجعة فيه: - بعه...!... - حمل معتب الطعام الى السوق... ولم يحتج لمزيد وقت للتدليل عليه... فقد تلاقفه الناس في دقائق... وعاد بالمال الى الإمام... وضعه بين يديه، وجلس... وهو يتمنى لو إطلعه الإمام على سبب قراره ذاك... بانت على وجه الإمام علائم الإرتياح... وقال: - إشتر مع الناس يوماً بيوم... ثم أضاف: - يا معتب...! إجعل قوت عيالي.... نصفاً شعيراً ونصفاً حنطة... إختنق معتب بعبرته، وهو يقول: - أجل يا ابن رسول الله...! ...قال ذلك ثم انسحب بهدوء... وعندما أصبح خارج الغرفة، فاضت عيناه بالدموع... وقال مخاطباً نفسه: - يا ويلك يا معتب... وكيف فاتك معرفة مرام الإمام... وأنت تعيش في كنفه عمراً... أحس بمن يربت على كتفه... فرفع رأسه ناظراً إليه وقال: - مالك يا مصادف؟... لقد أفزعتني...! ....أجاب مصادف: - مالك أنت... لماذا أراك باكياً؟! قص عليه معتب الحكاية من أولها... فتبسم صاحبه ودنا منه هامساً: - بعد خروجك الى السوق... أرسل الإمام خلفي وأعطاني ألف دينار وقال: تجهز حتى تخرج الى مصر!.... رد معتب متعجباً: - تخرج الى مصر...تفعل ماذا؟! ....تملى مصادف وجه صاحبه قبل أن يجيب: - للتجارة... أطلق زفرة قصيرة ثم أضاف: - ألا ترى يا معتب أن السلطة أخذت تضيّق على الناس سبل أرزاقها... ولقمة عيشها... ثم تغيرت نيرة صوته وهو يضيف: - لقد أوصاني الإمام أن أخرج مع أول قافلة للتجار... بعد صمت طويل، فرضه التعب والطريق الطويل الشاق البعيد... ارتفعت أصوات القافلة... وبان الفرح على وجوه رجالها... وتقدم أحدهم براحلته مبتسماً وهو يقول: - ((أدخلوا مصر إن شاء الله آمنين)).... إنبرى كبير القافلة يرد عليه: - ((فإن لم تجدوا فيها أحداً، فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم)). اختلطت أصوات الآخرين متساءلة... فرفع القائل صوته: - تلك قافلة خارجة من مصر... فينبغي لنا المكوث هنا... وإرسال أحدنا ليسأل عن حال المتاع الذي معنا... حتى نكون على بصيرة من أمرنا... استحسن أفراد القافلة الفكرة... فترجلوا عن رواحلهم... فيما انطلق أحدهم نحو القافلة الأخرى... توسط كبير القافلة رفاقه وهو يقول: - أصغوا إليّ أيها الرجال...! ....التفتوا إليه بأجمعهم...فتنحنح وقال: - إن مصلحتنا جميعاً تقتضي...إن نتفق على الربح.... ثم نتحالف ونتعاقد إلا ننقص منه شيئاً... فإذا فعلنا ذلك...نفقت بضاعتنا في وقت قصير، وانقلبنا من وقتنا، عائدين الى أهلينا... قطع عليه معتب حديثه وهو ينظر الى بعيد ويقول: - أرى صاحبنا قد أقبل مسرعاً... نهض الرجال خفافاً وقد بدت على وجوههم اللهفة لمعرفة الخبر... اقترب الرجل، ثم توقف يلتقط أنفاسه، وهو يقول: - يقولون ليس بمصر، من متاعنا شيء... طغت الفرحة على رجال القافلة... فيما رفع كبيرها صوته هاتفاً بحماس: - إسمعوا... الدينار بدينار...! ...وتابع وهو يهز قبضته: - أجل إياكم أن تنقصوا متاعكم من ربح الدينار ديناراً...! انطلقت صيحات التأييد... قبل أن تتحرك القافلة من جديد. عالماً خيالياً جميلاً، اصطنعه لنفسه... كان رجال القافلة يتحدثون ويضحكون ويضجون... فيما انغلق هو على عالمه الخاص... لم يكن كئيباً... على العكس... كان غارقاً في الفرح... لكنه فرح من النوع الذي لا يريد أن يشاركه فيه أحد...! مد يده الى جيبيه يتفقد المال الذي حمله... كيس على اليمين... وآخر على الشمال... ألف... والف... ألفان... ضحك مع نفسه... وهو يتخيل البسمة العريضة التي، ستكسو الملامح المشرقة لإبن رسول الله..! سيضع أحد الكيسين أمامه، وهو يقول: - هذا رأس المال!... ويضع الآخر ويقول: - وهذا الربح...! - يا مصادف!... يا مصادف..!... هتف به صاحبه... فهب وكأنه يستيقظ من نوم عميق... ورد بارتباك... - أجل... ماذا... خير إن شاء الله...! - اصح يا صاحبي...! ....لقد بلغنا تخوم مدينة الرسول..!!... ما هي إلا ساعة... قاطعه مصادف، وكأنه لم يغادر عالمه بعد: - بشرت...! بشرت بكل خير...! امتلأت نفسه بالغبطة، وهو يجد كل هذا الترحيب من الإمام... أجاب عن أسئلة الإمام المتعددة... عن حاله... طبيعة الرحلة... ناله تعب أم لا... تعامل رجال القافلة معه... أحس في نفسه، كما لو أن الإمام لا يريد المبادرة الى سؤاله عن مهمته... فمد يده الى جيبيه ليخرج كيسيّ المال، ويضعهما بين يدي الإمام ويقول: - جعلت فداك...! هذا رأس المال... وهذا الآخر ربح... فقال الإمام وفي صوته رنة تعجب: - إن هذا الربح كثير!!.. وأردف: - ولكن ما صنعتم في المتاع...؟! فانطلق مصادف يتحدث بكل ما جرى... وكيف تحالف هو ورفاقه، على أن لاينقصوا متاعهم من ربح الدينار ديناراً...! إدلتهمت ملامح الإمام وقال بشيء من الغضب: - سبحان الله...! تحلفون على قوم مسلمين، على أن لا تبيعوهم إلا بربح الدينار ديناراً...!! شعر مصادف بالخجل والإرتباك معاً... وجف فمه.... فيما مد الإمام يده الى أحد الكيسين، فأخذه وهو يقول: - هذا رأس مالي، ولا حاجة لنا في هذا الربح...!... ثم نهض وهو يقول: - يا مصادف..! مجادلة السيوف، أهون من طلب الحلال!! بعد أن تخلص مصادف من وقع الصدمة... لام نفسه كثيراً... إذ لم يستوعب دروس الإمام وتوصياته المتعددة... وعرف أنه وقع تحت تأثير عقل الجماعة... أطلق زفرة قصيرة... وقد عزم على مراجعة الإمام لمعرفة مآل الكيس الثاني!؟ حدود الله - 55 2015-03-05 10:27:12 2015-03-05 10:27:12 http://arabic.irib.ir/programs/item/12130 http://arabic.irib.ir/programs/item/12130 هم كبير جثم على صدره... لا يفارقه ليل نهار... هم ثقيل باهض... لقد صدق من قال: (الهم هم الدَين)... لابد له من الوفاء للناس بدينها... ولكن من أين يأتي بالمال؟ كل الأبواب موصدة... لم يبق أمامه إلا باب واحد لم يطرقه بعد... صحيح أن حال صاحبه لا يمتاز على حاله بشيء... لكنه قادر على أن يغنيه لو شاء... بل ويغني نفسه أيضاً...! ليس عليه إلا أن يتناول مما بين يديه... يصطفي ما طاب لنفسه من صفراء وبيضاء... بيدأنه لا يفعل... بل يستحيل أن يفعل...! أطلق زفرة قصيرة، وقد طافت بمخيلته ذكرى قديمة... هز رأسه علامة الرفض... كلا... لا يريد أن يطرق تلك الباب ثانية... تكفیه تجربة مرة عاشها معه من قبل...! ولكن ماذا عليه أن يفعل..؟!... لم يعد يطيق نظرات دائنيه أو تلميحاتهم... تلك التلميحات التي ربما منعهم أن يصرحوا بها، حفظهم لذمام أبيه سيد بني هاشم... أو مداراة لمكانة أخيه في زعامة المسلمين... وإلى متى سيدوم ذلك... من غير شك، أن له أجلاً، سينتهي إليه يوماً...! وذهب به الخيال بعيداً... فرأى دائنيه، وقد شكلوا طابوراً اصطف على باب داره، وكل يصرخ: كفاك مماطلة يا عقيل...! أعد لي حقي يا عقيل...! فانتفض وقال: لا.. لا.. لابد أن أفعل شيئاً..! ظلت نفسه تنازعه طويلاً... متردداً بين الأقدام والأحجام... بين الذهاب الى الكوفة... الى حيث مقر أخيه أميرالمؤمنين، وبين عدم الذهاب... يقصده أو لا يقصده... ولماذا لا يقصده؟! أيكون لأحد أخ بمثل هذا العنوان الكبير، ولا يستعين به أو لا يرفع حاجاته اليه...؟! وعاودته الذكرى المؤلمة... تلك التجربة القاسية التي لا تكاد تمح من ذهنه...! قد يحسبها السامع قضية ذا بال... أبداً... بل مجرد طلب صغير تقدم به لأخيه أميرالمؤمنين... ليس طلباً كبيراً أو إستثنائياً...! ...فلا هو يتطلع لتسنم موقع حكومي حساس... ولا نيل هبات أو عقارات أو إقطاعات أراضي... كلا... كل ما طلبه شيء لا يستحق الذكر... لكن علياً امتلأ غضباً... وأغلظ له القول..!! ومع ذلك... فإنه يعلم أن قلب أخيه، بقي ينز بالألم من أجله... إنه يعرف علياً... ومن غيره أكثر معرفة بعاطفة علي...؟! لقد ظل الموقف يتفاعل في نفسه، حتى وقف يوماً يحدث أصحابه واللوعة تقطر من كلماته، قائلاً: والله.. لقد رأيت عقيلاً وقد أملق... حتى استماحني من بركم صاعاً، ورأيت صبيانه شعث الشعور، غبر الألوان من فقرهم... وعاودني مؤكداً، وكرر عليّ القول مردداً... فاحميت له حديدة، ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها... فضج ضجيج ذي دنف من ألمها... فقلت له: ثكلتك الثواكل يا عقيل...! اتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه، وتجرني الى نار، سجرها جبارها لغضبه؟! ... أجل...تلك هي القضية برمتها... صاع من البُر – القمح – لا غير...!! ...بيدأن الإنصاف يقتضي القول: انه لم يكن لعلي أن يغضب كل هذا الغضب، للبُر أو لغير البُر... إنما كان غضبه، حيث عدها مطالبة بتفضيلي على باقي المسلمين...!! لقد حمد الله، إذ تناهت إليه كلمات أخيه تلك... فلولاها لظلت اللوعة تعتصر قلبه...! ..لقد كانت مواساة أبلغ من اعتذار! ...ترى...مادام الأمر هكذا...فما الذي يمنعه من معاودة الكرة على أخيه؟! كان القمر يتلألأ ساطعاً وسط السماء... وبدت الكوفة تحت نوره الكاشف، كلحظة طلوع الفجر، بينة، شاخصة المعالم... ومن فوق قصر الإمارة، حيث جلس عقيل، راح يسرح طرفه فيما حوله... وقد بدت عليه آثار الرحلة الشاقة من المدينة المنورة، الى الكوفة... حيث مقر حكومة أخيه... جالت عيناه في سوق الكوفة المجاور، واستطاع رغم بصره الكليل، أن يميز البضائع المكدسة، والصناديق المرصوفة في المخازن... وفيما كانت عيناه تسرح هناك... كان عقله يبحث عن مدخل لطرح الموضوع الذي جاء من أجله... صعد إليه علي حاملاً طعام العشاء... بسط الخوان، وضع عليه أقراص الخبز وشيئاً من ملح... نظر عقيل الى المائدة، وتساءل بإنكار: - ما هذا؟! أجاب علي بأناة: - أو ليس هذا من نعمة الله... ولله الحمد؟! سكت عقيل قليلاً كاتماً غيضه، قبل أن يغلبه فيقول: - أعطني ما أقضي به ديني، وعجل سراحي، حتى أرحل عنك! رد علي متمهلاً: - فكم دينك؟! - مائة ألف درهم. أجاب علي كمن فوجئ: - لا والله... ما هي عندي، ولا أملكها... ولكن انتظر حتى الصباح كيما يخرج عطائي فاواسيكه... صمت قليلاً ثم أردف: - ولولا أنه لابد للعيال من شيء لا عطيتك كله! رد عقيل بادي الإنفعال: - بيت المال في يدك، وأنت تسوفني الى عطائك..؟! وطفت على وجهه علائم الإستهانة، وهو يضيف: - وكم عطاؤك، وما عساه أن يكون لو أعطيته كله؟! شيء كالفزع، اكتسى به وجه الإمام، وهو يسمع إشارة عقيل لبيت المال... تأمل وجه محدثه، وقال: - ما أنا وأنت فيه، إلا بمنزلة رجل من المسلمين...! سكت مطيلاً النظر إليه، ثم أضاف، وهو يشير بيده الى جهة السوق: - إن أبيت ما أقول، فانزل الى بعض هذه الصناديق، فأكسره وخذ ما فيه... سأل عقيل غير مصدق: - وما في هذه الصناديق؟ - فيها أموال التجار........................... فوجئ عقيل وقال باستنكار: - أتأمرني إن أكسر صناديق قوم، قد توكلوا على الله، ووضعوا أموالهم فيه؟! رد الإمام، وقد أشرق وجهه بابتسامة، جهد أن يخفيها: - أتأمرني أن أفتح بيت مال المسلمين، فاعطيك أموالهم، وقد توكلوا على الله فيه؟! تكدر وجه عقيل أكثر فأكثر... لمح الإمام ذلك، فتصنّع الجد قائلاً: - فإن شئت أخذت سيفك، وأخذت سيفي، وخرجنا معاً الى الحيرة، فإن بها تجاراً ميسرين... تدخل على بعضهم، فتأخذ ماله... رد عقيل وقد أشاح بوجهه: - أو سارقاً جئت حتى أفعل هذا؟ فابتسم الإمام إبتسامة عريضة، وربت على كتف أخيه، وهو يقول: - نسرق من واحد، خير من أن تسرق من المسلمين جميعاً!! طالت ملاطفة علي له... فأحس انه ذهب بعيداً في كلامه مع أخيه...! وشعر بضميره يؤنبه...! ...وهل هناك أوضح من المعادلة التي بسطها أمامه: أن تمد يدك في غفلة من شخص الى ما له أو متاعه فتأخذه، كفعلك عندما تستولي على نصيب جعله الله له في بيت المال... كلاهما سرقه... بل هما أمر واحد...! أجل... معادلة واضحة وطريقة واضحة... لكنها لم تعد معهودة...!! فلطالما رأى الأموال – بعد عهد النبي (ص) – تحثى من بيت المال، والأراضي تقتطع، فيستأثر بها رجال دون غيرهم... أجل والله كانوا كما وصفهم علي: ((يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع)) حتى أن بعضهم جمع من هذا وذاك ثروة طائلة، واكتنز من الذهب ما كان يكسر بالفؤوس...!! والى جانب هذا الاثراء المفرط... كان هناك الكثير، ممن (لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع)... اضطجع بعد طول جلوس... مواصلاً تأملاته... ذلك واقع عاشه عن قرب... لشدما آلمه....!! وخطرت له فكرة، دفعته الى ان يستوي جالساً ثانية... ترى أكان يريد من علي، أن يدير بيت المال، كما أداره غيره: يهب من يشاء، ويمنع من يشاء... وكأنه يتصرف بملكه الخاص...؟؟!! اجتاحته موجة ندم على ما فرط منه من كلام إزاء أخيه... راح يراقب علياً الذي وقف بقربه، وقد انقطع لربه في صلاة خاشعة... مرخياً لدموعه العنان... ترقرقت الدموع في عينيه، اللتين توهجتا وكأنهما انطوتا على نداء صارخ: ليتني لم أقل ما قلت.. ليتني لم أقل ما قلت...!! العينان الواهبتان للسكينة - 54 2015-03-05 10:27:19 2015-03-05 10:27:19 http://arabic.irib.ir/programs/item/12129 http://arabic.irib.ir/programs/item/12129 هذه هي البصرة... حاضرة العراق الثانية بعد الكوفة... يا لها من مدينة كبيرة، جميلة العمران...! ...أتراها كلها على هذه الشاكلة من سعة الدور، وفخامة البناء... أم إنه دخلها من أجمل أحياءها...؟! لاح له على البعد مبنى حسبه مسجداً... فاستشعر الإرتياح... ذلك أنه لم يبق على الزوال وقت كثير... فالأجدر به أن يأوي الى المسجد، يتقي بظله حر الظهيرة... ويلتمس بعض الراحة... حتى إذا ما حانت الصلاة، صلى، ليتابع بعدها المشوار الأخير من رحلته. دخل المسجد، وهو يحسبه فارغاً... فلا زال الوقت مبكراً على الصلاة... إلا أنه فوجئ برجل يصلي... كان رجلاً متوسط العمر، بهي الطلعة... لكن الملابس الخشنة التي تدثر بها، أظهرته وكأنه شيخ أسنّ وبلغ به العمر عتياً...! بدا له وجود تناقض، أو عدم انسجام بين ظاهر هذه الشخصية التي يحسبها الرائي، ذات خطر وسطوة إجتماعية، وبين واقعها الذي عكس حال الرهبنة والعزلة عن الحياة العامة... أحس بالإرتياح لهدوء المسجد وجوّه المعتدل... لكن ذهنه بقي مسكوناً بهذا الهاجس...! لم يطق صبراً... اقترب من أول داخل للمسجد، وسأله: - من يكون هذا الرجل الذي لبس العباء على هيئة المرتاضين؟! طفى الإستغراب على وجه الرجل، وسأل: - أظنك غريباً؟!... ثم ابتسم وقال: - ومن لا يعرف عاصم ابن زياد الحارثي؟! أحاط الرجل لفظ "عاصم" بقدر كبير من الإحترام... فخجل صاحبنا... وانسحب الى ركن من المسجد، ليؤدي صلاته على عجل ويخرج... لوّحته الشمس طويلا، فلاذ بفناء دار فخمة، هارباً من الحر... وهو لا يملك عينيه من النظر إليها والقول: يا لها من دار واسعة...! يجب أن يكون صاحبها ثرياً كبيرا...! أحس بالعطش الشديد... ماذا لو طلب قليلاً من الماء.... لم يضع وقتاً... تقدم نحو باب الدار... طرقه ووقف جانباً مرهفاً السمع... مضى بعض الوقت، قبل أن يطل صبي من فرجة الباب... مد إليه عنقه وسأل: - لمن هذه الدار يا ابن أخي؟! فرد عليه الصبي برزانة يحسد عليها: - دار العلاء بن زياد الحارثي... فوجئ الرجل، وقال مع نفسه: أتكون دار الرجل الذي شاهدته في المسجد آنفاً؟.. أجل... ألم يقل... بن زياد الحارثي؟! ابتسم في وجه الصبي وقال: - هل لك أن تسقني شربة ماء؟! ذهب الصبي... ثم عاد دون مكث ليقول: - إن أبي يدعوك الى أن تقيل عندنا! شعر الرجل بشيء من الإحراج، غير أنه لم يتردد في الدخول... قاده الصبي الى غرفة كبيرة، مفروشة بشكل جيد... وفي صدرها طرح فراش، اضطجع عليه رجل، بانت عليه علائم المرض... رحب به الرجل بصوت ضعيف، قبل أن ينادي على الصبي، قائلاً: - اسق عمك ماءاً...! خرج الصبي... لكنه عاد بعد هنيهة لاهثاً وهو يهتف: - يا أبه.... يا أبه...!! ...رد الرجل كمن فزع: - ما لك؟!... أجاب الصبي بصوت متقطع: - يا أبه... إن... أميرالمؤمنين... أميرالمؤمنين... الإمام علي على الباب...! ...هب الرجل فرحاً... وتحامل صاحب البيت على نفسه ليجلس، وقال وقد بانت عليه علائم الإهتمام الشديد: - ويحك...! دعه يدخل...! طلب صاحب الدار من ضيفه أن يقيمه... فدخل أميرالمؤمنين، وابتسامة مشرقة تتألق على محياه الشريف... - إنكب صاحب الدار على يده يقبلها، وتبعه الضيف، وهو لا يمتلك نفسه من الفرح... تساءل أميرالمؤمنين عن حال صاحب الدار وهو يجلس... ودعا له بالشفاء... ثم تشاغل قليلاً بالحديث معه، قبل أن يلتفت يمنة ويسرة، ويقول مخاطباً إياه: - ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا، وأنت إليها في الآخرة أحوج؟!... ثم تأمل هنيهة وهز رأسه وأضاف: - إن شئت بلغت بها الآخرة... تقري فيها الضيف، وتصل فيها الرحم... وتطلع منها الحقوق مطالعها...! العلاء الذي بان عليه الحياء... بدا راغباً بتغيير وجهة الحديث، فقال: - يا أميرالمؤمنين... أشكو إليك أخي عاصم!... نظر إليه الإمام، ثم تساءل: - وماله؟! أجاب العلاء: - لبس العباء وتخلى عن الدنيا...! ...وشت ملامح الإمام النورانية، غلالة رقيقة من عدم الإرتياح، وقال: - عليّ به...! كشف حوار الإمام وصاحب الدار، اللبس الذي وقع فيه... وقال مع نفسه: إذن فالرجل الذي رأيته في المسجد، هو أخ صاحب الدار... العلاء وعاصم... وأردف: يا لها من إخوة على طرفي نقيض؟!! ...دنيا عريضة وترف باذخ في جانب... وحياة زاهدة وكفاف وحرمان في جانب...!! ...وعاد الى نفسه ...فاستغفر الله لا طلاقه هذا الحكم المتسرع، وقال مخاطباً نفسه: - وكيف عرفت أن الرجل يتقلب في ترف باذخ... وتابع: - لو كان كما وصفت... لما وجدت قلبه يخفق من أجلك... فمثل اولئك تموت قلوبهم، وتصبح كما الصخرة الصماء، لا تتألم لأنين الجائعين، أو آهات المحرومين... ....ودخل فجأة ذوالعباء... واختطف يد أميرالمؤمنين، وراح یقبلها.... إلا أن الإمام لم يمهله... بل نظر إليه مؤنباً وقال: - يا عدو نفسه....!... لقد استهام بك الخبيث... أما رحمت أهلك وولدك؟!... وأردف وهو يشيح عنه قليلاً: - أترى الله أحل لك الطيبات، وهو يكره أن تأخذها؟!... أنت أهون على الله من ذلك...! كان عاصم يصغي.... ورأسه مطرق... ولما أتم الإمام كلامه، رفع رأسه جزئياً، وهو يقول: - يا أميرالمؤمنين...! هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك...!!... فرد أميرالمؤمنين: - ويحك!... إني لست كأنت... إن الله تعالى فرض على أئمة العدل، أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس... كيلا يتبيّغ بالفقير فقره. إبتسم عاصم بحياء، وقد تندت عيناه بالدموع...!! ...فيما كان العلاء يسعى الى إخفاء علائم الإرتياح التي بانت عليه، وهو يقف لتوديع أميرالمؤمنين، الذي ابتسم للجميع قبل أن يغادر الدار... الكلمات التي فاه بها علي (ع) آنفاً، أعادت الى ذهنه مشهداً مؤثراً رآه عن قرب في الكوفة... يومها لم يكن قد حضي بمعرفة الإمام، أو حتى رؤيته... كان يدور في سوق الكرابيس، لإبتياع ثوب لأهله... وفجأة رآه إمامه ومعه شاب أسود... يا إلهي..! من يكون هذا الرجل؟!... إنه ليبدو إنساناً عجيباً...! فعيناه اللتان تبعثان بشعاع هادئ يفيض بالرحمة والسلام... هما نفسهما تومضان ببريق من البأس والقوة، تنخلع له القلوب إجلالاً ورهبة...!! شده الفضول... ما عسى يفعل هذا الرجل العجيب في سوق الكرابيس..؟! توقف وصاحبه أمام حانوت... إبتاع ثوبين... ودفع قيمتهما للبائع خمسة دراهم... ثم التفت الى رفيقه وقال: - يا قنبر خذ الذي بثلاثة.... فقال الشاب: - أنت أولى به يا أميرالمؤمنين.... تصعد المنبر، وتخطب الناس.. فأجابه: - يا قنبر...! ... أنت شاب ولك شره الشباب... وأنا أستحي أن أتفضل عليك.. إذهله ما سمع... أميرالمؤمنين...!! ....إذن فهو أميرالمؤمنين...!! إنه لم ير في حياته، بل ولم يسمع أن يقدم سيد مولاه على نفسه في شيء..!! ...فضلاً عن أن يكون ذلك السيد هو الحاكم...! ...وبعد أن عاد إليه انتباهه، كان الرجلان قد غادرا المكان... فطفقت عيناه اللتان احتبست فيهما الدموع تلاحقانهما، وهو يتمنى لو أتيح له أن يملأهما من التطلع الى تينّيك العينين الفائضتين بالحب والرحمة، المشيعتين في النفس، الأمن والسلام!! لأنهم عبادك - 53 2015-03-05 10:27:26 2015-03-05 10:27:26 http://arabic.irib.ir/programs/item/12128 http://arabic.irib.ir/programs/item/12128 توسطت القافلة الطريق... من الكوفة انطلقت... وغايتها بيت الله الحرام... كل فرد فيها، تحدوه آمال وآمال... يريد أن ينيخ راحلته بجوار البيت... فهو موعود بولادة جديدة... يريد أن ينزع هناك أهابه الدنيوي الثقيل... أن يتخفف عما يشده للأرض... أن يلقي بالأغلال التي تقيد روحه، وتمنعها من الإنطلاق، من التحليق عالياً... يريد أن يزيل هذا العشو، هذا الغشاء البغيض الذي يمنع عينيه من التطلع نحو البعيد... أن يفتح كوة باتجاه العالم العلوي، عالم النور.... الرحمة المطلقة... غاية الرأفة والكرم، و...و... يريد لنفسه أن تغتسل... أن تتطهر وتزكو... ولقلبه أن يكتنز بالحب والرحمة... ولروحه أن تسمو... يريد أن يمد يده باتجاه الفيض الإلهي المتدفق... أن يتعرض لنسيمات العطاء الإلهي... عساه يرتشف شيئاً من برد الكرم الرباني... وفي فناء البيت الحرام... حيث تتضرع أنفاس رحمة الرب... يطيب شميمه العابق بعبير الجنة... وتحلو المناجات مع الودود... وتتفتح النفس بآمالها وأشواقها على رحاب الرب الكريم... هناك لا ينبغي التردد... ليلقي بكل ما يثقل نفسه... ليقدم على بساط الإعتراف بكل ما ينوء به ضميره... ليفح قلبه على مصراعيه أمام تيار النور... ليدع هذا الفيض الملكوتي... شلال النور المتحدر من الأعالي، يأخذ بمجامع فؤاده فيستيقظ... ويلامس روحه فيصحو... فينضح حباً بالخلق وتواضعاً لهم، ورأفة بالضعفاء ورحمة عليهم... ومن بعيد، بدت معالم العمران والزراعة... فتصايح رجال القافلة مبتهجين... تلك هي طيبة...! حطت القافلة رحالها في مدينة الرسول... فقد نال رجالها التعب، ونفدت ميرتهم، ولم يعودوا قادرين على مواصلة الطريق الشاق... ولم تكن المدينة المنورة محط رحال وحسب... بل هي مهوى الأفئدة لمثوى حبيب رب العالمين... وبضعته الطاهرة... ومن هذا الذي يأتي حاجاً لبيت الله، ولا يأخذ به الحنين لزيارة رسوله..؟! تفرق رجال القافلة بعد أن أودعوا دوابهم، واتفقوا على موعد للإنطلاق... فضل بعضهم المبادرة الى ارواء شوقه لتقبيل عتبة النبي الأكرم، واستشمام المحال التي فاحت بأريج أنفاسه... ورأى البعض الآخر... ان عليه أولاً نزع وعثاء السفر، وإماطة التعب، ليتوجه بمجامع قلبه للقاء الحبيب... وهكذا أصبح رجال القافلة فريقين... الأول أم المسجد النبوي، والآخر اتجه الى المنازل التي تؤي الزوار... وبحلول الليل إجتمعا معاً... وراح أفراد كل فريق يتحدث عن مشاهداته لزملائه في الفريق الآخر... قال أحدهم: - لقد تعرفت على رجل بادي الصلاح، عليه آثار العبادة والزهد ولقد جالسته ساعة، فوددت أني لم أفارقه... تأمل قليلاً ثم تابع: - نعم والله... انك لتحس وأنت تقترب منه... إنه لوثيق الصلة بربه... - ومن هو... ألم تسأله عن إسمه وقومه؟!... رد عليه آخر... - لا والله... لقد هبته أن أسأله...!...ولكنا تواعدنا على اللقاء ثانية... فلقد طلب إلي أن أعرض عليكم رغبته بالإلتحاق بقافلتنا... قال أكثر من واحد: - ولم لا... وتابعهم آخر قائلاً: - على الرحب والسعة...! عاد الأول ليوضح: - لكنه إشترط شرطاً...! نظر الرجال بعضهم في وجه بعض، مبتسمين، وهتفوا باستغراب: - شرط...؟! رد وهو ينظر في وجوههم: - أجل انه يشترط أن يكون من خدم الرفقة، فيما يحتاجون إليه... ضحك أحدهم وقال: - ما أيسره من شرط...! وأردف ثان: - إذا كان الأمر هكذا... فانا سنسعد بصحبته ذهاباً وإياباً... ضحك الجميع... قبل أن يتقدموا لتناول العشاء... أمضت القافلة أياماً في المدينة المنورة، قبل أن تحزم أمتعتها ثانية، متوجهة الى مكة... ودعت القافلة ديار الحبيب المصطفى (ص) بقلوب والهة... وعلى الاجل الذي ضربوه له... استقبل رجال القافلة زميلهم الجديد... كان الرجل كما وصفه رفيقهم بادي الصلاح، عليه آثار العبادة، وقوراً مهيباً... وبدا ومن أول وهلة وفياً للشرط الذي ألزم به نفسه... فكان يسارع لمساعدة الضعيف من رفاق السفر... يخدم الجميع دون توان... يسابق لأي عمل من أجل راحة القافلة... حتى أثار إعجاب رفاقه وعجبهم أيضاً... قال أحدهم: - انني اعجب لهذا الرجل، إذ لا يكاد يحس بتعب، على كثرة ما يعمل...!.. رد صاحبه الذي تعرف عليه: - لأنه يستشعر بلذة ما يقوم به... - وكيف؟... تساءل الآخر متعجباً - لأنه يعلم أنه يتعامل مع الله...! - أجل.. تعني حرصه على الحصول على الثواب... قاطعه صاحبه: - أنا لم أقل الثواب...! - إذن تعني ماذا؟ - إسمع يا صاحبي... إني لأحسب أن هذا الرجل من أولياء الله الصالحين... ومثل هؤلاء لا يحفزهم الثواب للعمل، ولا يردعهم العقاب عنه... إنما دافعهم للفعل أو الترك هو الحب... الحب لله تعالى... بدا التفكير على الثاني وقال: - لم أفهم...! - ألم يصلك ما جاء عن الإمام علي (ع): ((اللهم إني ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، ولكني رأيتك أهلاً للعبادة فعبدتك...)) - أجل والله... لقد سمعتها ولكني لم اسبر غورها... إرتفع صوت يقول: - دعونا ننيخ رواحلنا هنا... كانت القافلة قد اشرفت على أحد المنازل بين المدينة المنورة ومكة المكرمة... حتى إذا ما وصلته، نزل الرجال عن دوابهم، وبدأوا يعدون للإقالة هناك... - السلام عليكم... رد أحد رجال القافلة كمن فوجئ: - وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا أباعبدالله، وأهلاً بك... ما الذي جاء بك الى هنا؟ - الذي جاء بك، جاء بي...! - أما أنا فقد أتيت حاجاً إن شاء الله..! - رزقك الله حجاً مبروراً...! - جزاك الله خيراً...! وأنت أين وجهتك؟! إبتسم وهو يقول: - أنا على دربك إن شاء...! قطع الرجل كلامه، وراح يحد النظر الى أحد رجال القافلة، ثم سأل: - من هذا الرجل المهيب ذوالثفنات... الذي يقوم بأعمال القافلة؟! - هذا رجل صالح، التحق بنا في المدينة، وقد اشترط علينا أن يكون من خدم الرفقة... - نعم... إنكم لا تعرفونه... ولو عرفتموه... لم تكلوا اليه أعمالكم... دهش الرجل، وقال: - وهل تعرفه؟! - نعم...ومن لا يعرفه... إنه الإمام علي بن الحسين زين العابدين... اتسعت حدقتا الرجل، وتساءل بلهفة وعجلة: - أأنت متأكد يا أباعبدالله؟! - من غير شك...! انطلق الرجل مهرولا صوب بقية رفاقه، وسرعان ما أقبل رجال القافلة على الإمام، وقد جللهم الحياء.. إنكبوا على يديه يقبلونها... قال أحدهم... - يا ابن رسول الله... أردت أن تصلينا نار جهنم...؟! أضاف آخر: - لكنا قد هلكنا...!!...كان القوم يتحدثون، فيما كان الإمام مطرقاً، وعلى وجهه ابتسامة مصطبغة بالحياء... ثم رفع رأسه وقال: - أكره أن آخذ برسول الله صلى‏الله‏عليه‏ وآله ما لا أعطي مثله ..! أهل البيت... الادلاء الحاملين لمشعل الهدى الإلهي، الذي تسير البشرية في سناه نحو الخلود...! هم الكواكب المشرقة التي إزدانت بهم الدنيا وتوهجت الحياة... والماء الذي يوقظ نماء الحياة السابتة في التربة اليابسة... هؤلاء العظماء الذين تتوهج مواقفهم، ومفردات حياتهم نوراً وعلماً وتقوى وفضلاً، عالم رفيع متسام، يتدفق بالرحمة ويموج بالطهر ويترع بالنبل، ويزهو على جنباته المعشوشة الخضراء الأمل... أوشكت الشمس على الزوال... وبدأت الإستعدادات لإقامة صلاة الظهر... فنهض الإمام، وتبعه بقية أفراد القافلة... رياضة النفس - 52 2015-03-05 10:27:37 2015-03-05 10:27:37 http://arabic.irib.ir/programs/item/12127 http://arabic.irib.ir/programs/item/12127 إنكسرت حدة حرارة الجو... فالشمس قد جنحت للمغيب.. ونسيمات بساتين الكوفة المحملة بالرطوبة، تهب لطيفة طوراً، وحارة خانقة آخر... وهو على ظهر بعيره، يحس بلذع الجوع والعطش ويتصابر... فقد نفد زاده القليل، وشرب آخر جرعة ماء في قربته... لكن من حسن حظه، انه طوى معظم الطريق... ولم يبق أمامه، سوى شوط قصير... ولعل الحظ يسعده أيضاً برجل كريم يستضيفه الليلة، ليوفر دراهمه لغد، حيث يرتاد السوق ليبتاع لأهله حاجتهم... ها هي مدينة الكوفة.. عليه أن يخترق سككها المتشبعة، حتى يبلغ مسجدها الكبير... وإن كان ليظن أنه لن يدرك صلاة المغرب... غابت الشمس... واكتسى الشفق الغربي بحمرة ذهبية، وبدى بعير صاحبنا يتلكأ في حركته، وكأنه مال الى الراحة والإستجمام، مع ميل الطبيعة الى الهدوء والسكون... لكز الرجل بعيره... وراح يخاطبه، وكأنه يعي كلامه: - ها قد وصلنا يا رفيقي... لم يبق إلا القليل... طب نفساً... سأقدم لك عشاءك وشيكاً... وسيكون كل شيء على ما يرام... الظلام الذي أخذ يبسط جناحيه على الارجاء... لم يحجب مسجد الكوفة التليد... والذي بدا أنه يرقد هناك، بسلام وسكينة، منذ دهور خلت..! بلغ باب المسجد... نزل عن بعيره... عقله... قدم له شيئاً من العلف... حمل معه صرة صغيرة... ثم اعترض صبياً يمر من هناك وسأله: - يا غلام أين يضع الغريب حاجته في بلدتكم هذه؟... أشار له الصبي دون أن يتكلم... وبعد لحظات كان يدخل المسجد، وعيناه تجوبات باحته العريضة... كان المسجد خالياً من المصلين، باستثناء عدد من الأشخاص تناثرو هنا وهناك... لم يضع صاحبنا وقتاً... أدى صلاته على عجل... وراح يلقي نظرة على ما حوله... استلفت نظره رجل وقور بهي الطلعة... ذو نظرات مشعة نافذة... لا يكاد ينقطع عن الصلاة... والقيام والقعود... لكنه جلس أخيراً... رآه يبسط خوانا ويدعوه لتناول الطعام، ثم يعود لينخرط في الصلاة ثانية... لبى الدعوة من غير إبطاء، بيدأنه بقي متردداً للحظة، هل عليه أن يشرع بالأكل، أم ينتظر فراغ الرجل من صلاته... جلس الى المائدة قبل أن تتعلق عيناه بالطعام... يا إلهي... سويق شعير... في الكوفة عاصمة الخلافة ويأكلون السويق... إن سكان الصحراء لم يعودوا يسيغوا مثل هذا الطعام الجشب... ألقى نظرة على الرجل الذي بدا مستغرقاً في الصلاة وكأنه يحلق في عالم آخر... لاحظ بساطة لباسه الذي أعمل فيه الراقع يده في أكثر من مكان... بدى له وجود تناقض كبير بين ملامح الرجل المنبئة عن شخصية ذات وزن إجتماعي كبير وبين بساطه مطعمه وملبسه... لا يستطيع أن يصدق أن هذه الشخصية التي لا يصمد المرء لنظراتها النافذة، مع ما لها من بسطة في الجسم وقوة غير خافية، شخصية إنسان فقير لا يجد إلا سويق الشعير مطعماً.. غاب لحظات يصغي لكلمات الضراعة التي فاه بها الرجل وقد فاضت دموعه بصمت... إنها لتحمل الإنسان الى عوالم شاهقة غير مرئية... أحس بداخله بالخجل... ما عساه أن يبرر للرجل عدم استجابته لدعوته! عليه إذن أن ينسحب، قبل أن يفرغ الرجل من صلاته.. وعندما بلغ باب المسجد، التفت يلقي نظرة أخيرة إليه فألفاه مشغولاً بالصلاة. حمداً لك يا رب... لقد كان يبحث عن مأوى يقضي فيه ليلته... أما أن يكون مضيفه إبنيّ رسول الله، فهذا ما لم يكن يحلم به أو يخطر له على بال... أن مجالسة الحسن والحسين لوحدها تدخل الى النفس إنشراحاً وبهجة لا يوصفان.. فشمائلهما شمائل النبي (ص) ومن أعطافهما يتضوع أريج الرسالة وخلقها السامي... لكن.. ماله...؟ انه ليجد نفسه متهيباً من مجادثتهما، رغم تواضعهما وقربهما من النفس، لا يدري لماذا؟! يراهما في عزة منيعة صعبة المنال... وجيء بطعام العشاء... فبسط الخوان وامتدت عليه المائدة وأخذ الثلاثة مجالسهم حولها... كان صاحبنا قد استبد به الجوع... فنال نصيبه من الطعام الشهي... وأحس بالإمتلاء... فتجشأ حامداً الله... وطافت أمام مخيلته صورة مضيفه الأول وسويق الشعير، فاستشعر إزاءه الرحمة وقال: - رأيت شيخاً غريباً في المسجد، لا يجد غير هذا السويق، فترحمت عليه... ابتسم كالخجل وهو يضيف: - أفأحمل من هذا الطعام إليه ليأكله؟ نظر الحسنان أحدهما الى الآخر، وقد طافت غمامة من الأسى على وجهيهما المشرقين...ثم ما فتأ الإثنان إن بكيا...! ذهل الرجل، وأصابه الإرتباك، إنه لم يقل شيئاً يدعو الى البكاء أو يعد إساءة لأحد... فلماذا يبكيان؟! أراد أن يعتذر، أن يوضح كلامه... إلا أنه سمعهما يقولان: - إنه أبونا أميرالمؤمنين علي، يجاهد نفسه بهذه الرياضة... كان كل همه عندما خرج من بيت الحسنين صباحاً، ان يرى الإمام ثانية... بادر الى السوق... استوفى شراء حاجياته، ثم عاد الى المسجد.. اتجه الى حيث التقى الإمام بالأمس... فلم يجده... جال ببصره هنا وهناك، فلم يعثر له على أثر... أراد أن يخرج من المسجد... فوجئ بمن يسأله: - هل أضعت شيئاً يا أخا العرب؟!... إلتفت الى حيث مصدر الصوت، فصافحت عيناه رجلاً كهلاً متوسط القامة أسمر اللون، قال وقد برحته المفاجأة: - أضعت رجلاً وليس شيئاً... إبتسم الرجل، وقال: - ومن هو... أو كيف هو؟ - لم أكن أعرفه... إذ التقيته هنا أمس، لكني عرفته والحمد لله... حدق فيه الرجل قليلاً، وقال: - ومن هو؟! - أميرالمؤمنين...!... اتسعت حدقتا الرجل وقال: - تبحث عن أميرالمؤمنين...؟ وهل يخفى مكانه... ثم أضاف وهو يشير... تجده هنا يصلي بالناس أو يقضي بينهم... أو هناك في دار الحكومة، لا يمنعك حرس ولا حاجب إذا شئت الدخول عليه... أعاد صاحبنا على الرجل، لقاءه بالإمام وقضية السويق، وأضاف: - أردت أن أعرف: لماذا يأخذ الإمام نفسه بهذه الشدة؟ إبتسم الآخر وقال: - إن كانت هذه بغيتك، فأنا أجيبك... لأنني سمعته يقول: - هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي الى تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز واليمامة، من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع... توقف الرجل عن الحديث... قبل أن يردف: - أجل يا صاحبي هذا هو علي أميرالمؤمنين... إنه يقول: - أأقنع من نفسي بأن يقال هذا أميرالمؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو اكون إسوة لهم في جشوبة العيش؟ كان يستمع لحديث الرجل وهو ذاهل... لم يلتفت لتزايد عدد المصلين، الذين بدأ يغص بهم المسجد... وتنبه للرجل، يقول له: - سيحضر الإمام عما قليل لأداء صلاة الجمعة: ومن غير مراسم خاصة... حضر الإمام، ثم صعد المنبر وشرع في خطبة الصلاة... لاحظ أن الإمام يحرك كم قميصه ذات اليمين وذات الشمال، فتعجب... سمع طفلا يجلس الى جانب أبيه وهو يسأل: - يا أبة... لماذا يتروح أميرالمؤمنين بكمه، هل يجد الحر؟!... رد عليه أبوه: - لا يجد حراً ولا برداً، ولكنه غسل قميصه وهو رطب، ولا له غيره فهو يتروح به ليجف. تمنى لو يستطيع أن يعبر عن مشاعره بحرارة للإمام... لكنه لم يجد الى ذلك سبيلاً... غير أن دموعه التي انسكبت بغزارة على وجهه، كانت تحمل أصدق تعبير عن حبه الذي تنامى بسرعة. دموع الرحمة - 51 2015-03-05 10:27:43 2015-03-05 10:27:43 http://arabic.irib.ir/programs/item/12126 http://arabic.irib.ir/programs/item/12126 كانت تمشي مسرعة متعثرة الخطوات... تتوقف بين حين وآخر لتمسح دموعها المنسكبة بصمت... كان الجو حاراً شديد الحرارة، والشمس في رابعة النهار... مما دفع الناس الى بيوتهم هروباً من أشعة الشمس اللاهبة، فخلت شوارع الكوفة من المارة، إلا القليل القليل... توقفت تنتظر مرور عابر سبيل تسأله... إنها تريد أن تشتكي، أن تتظلم... تريد أن تبوح بظلامتها الى إنسان كثيراً ما سمعت بحزمه مع الظالمين ورحمته وشفقته بالمظلومين والضعفاء، وعدله مع الجميع... إنها لعلى يقين من انها ستهتدي اليه، فليس هو مما يجهله أحد، ولكن طال عليها المشوار واضربها الحر... رأت على البعد رجلاً مقبلاً... فلاذت بفناء أحد البيوت اتقاءاً للحر، مسحت ما علق بأهداب عينيها من دموع، ووقفت تنتظر... وعندما اقترب نظرت اليه فهابته... يا إلهي إن عينها لم تقع يوماً على أحد يجلله كل هذا القدر من الهيبة والوقار، ويشع جبينه بكل هذا البهاء والنور... أيكون هو مرادها الذي قصدته؟! ألقى الرجل التحية، فردت عليه باستحياء... توقف الرجل، وكأنه قد عرف أنه المقصود... تشجعت المرأة وقالت بانكسار: - إن زوجي ظلمني وأخافني، وتعدى علي، وحلف ليضربني...! رد الرجل برفق ورأفة: - يا أمة الله! إصبري حتى يبرد النهار، ثم أذهب معك إن شاء الله! قالت المرأة بخوف: - يشتد غضبه عليّ..! طأطأ الرجل رأسه ثم رفعه وهو يقول: - لا والله، أو يؤخذ للمظلوم حقه غير متعتع...! ثم سأل: - أين منزلك؟!... فأجابته.... فانطلق يغذ السير، وهي خلفه... كانت الجاهلية البغيضة تعد المرأة من سقط المتاع... فلا ترعى لها حرمة ولا تعترف لها بحق... لا فرق أن تكون أمّاً أو أختاً أو بنتاً أو زوجة... فزوجة الأب، يتزوجها الإبن الأكبر دون رغبتها إذا ما مات أبوه! إذ يعتبرها العرف الجاهلي واحدة من مقتنيات الأب التي تعود بالوراثة للأبناء... والأخت والبنت تذبحان كما تذبح الشاة إذا ما قارفا الخطيئة... وهما قبل ذلك لا رأي لهما في أمر زواجهما، بل وربما زوجتا في إطار صفقة، لتسوية المنازعات العشائرية التي لا تنتهي..! أما الزوجة، فليس هي غير خادمة مطيعة في البيت وآلة مصممة على الإستجابة في الفراش، وكم مهمل لا يأخذ ولا يعطي، بينهما. وعندما جاء الإسلام بمنشور كرامة المرأة وحقوقها الإنسانية، آمن به من آمن وكفر به من كفر، وإن قبل الإسلام طقوساً وعبادة، وتلى القرآن للبركة والثواب أو علقه في رقبته حرزاً وتميمة.. ومثل هؤلاء كثير في الماضي، ولا يخلو منهم الحاضر... وقف الرجل المهيب يمسح العرق عن وجهه، ثم التفت نصف التفاتة نحو المرأة التي توارت خلفه، وسأل: - أهذا منزلك...؟ ... أجابت بحياء وخوف: - نعم... - طرق الرجل الباب،... وبعد هنيهة... خرج شاب... وما أن تطلع إليهما... حتى اصطبغ وجهه بعلائم الغضب... ألقى الرجل التحية وقال: - يا عبد الله... اتق الله، فأنك قد أخفتها وأخرجتها...! رد الشاب بصلافة وتحدي: - وما أنت وذاك؟! ثم أضاف وقد انتفخت أوداجه: - والله لأحرقنها لكلامك! إرتفع صوت الرجل وهو يقول: - آمرك بالمعروف وأنهاك عن المنكر، تستقبلني بالمنكر وتنكر المعروف. - السلام عليكم يا أميرالمؤمنين... قطع عليهم أحد المارة الكلام فرد عليه الرجل... إستيقظت حواس الشاب... أيعني هذا أن الرجل الذي أمامه هو علي ابن أبي طالب... هلك إذن ورب الكعبة... إختطف يد الإمام وراح يقبلها، وهو يقول: - يا أميرالمؤمنين، أقلني عثرتي..! ...فوالله لأكونن لها أرضاً تطأني.. إلتفت الإمام الى المرأة قائلاً: - يا أمة الله! أدخلي منزلك ولا تلجئي زوجك الى مثل هذا وشبهه... - وما تقولون في سودة بنت عمارة؟ تساءل أحد الرجال: - سودة؟! قال الثاني مستفهماً.. - أجل سودة، وكم في الهمدانيين أمثالها؟... إمرأة عاقلة... شاعرة... جمعت الفصاحة والبيان... رد ثالث: - أجل والله، نعم المرأة سودة... ولكن اتجدها ترضى بأن تركب راحلتها وتطوي كل هذه المسافة من البصرة الى الكوفة؟! عاد الأول يقول: - وكيف لا... ألا يهمها قومها وما نزل بهم من الجور؟!... ثم حك رأسه وقد بدا كالمتأمل، ثم قال: - أتركوا أمر إقناعها إليّ... وهكذا وقع الإختيار على سودة لرفع ظلامة قومها الى عاصمة الخلافة في الكوفة... فليس من المعقول أن يسود نواحي دولة الإسلام العدل ويجار على بني همدان خاصة..!! ومع حركة ناقتها الوئيدة، كانت سودة تراجع أفكارها... قال لها رجال من قومها: - أنت شاعرة... ومن الجدير بك أن تنظمي قصيدة تمتدحين بها الإمام... وقال لها آخرون: - ينبغي لك أن تقدمي بين يدي حاجتك، هدية له... - وضحكت في سرها... إنهم يجهلون علياً...! وهل يغيب عن ذهنها ذلك المشهد الذي تابعته بثوانيه... كانت تنتظر دورها يوماً لتعرض حاجتها على أميرالمؤمنين... فسبقها رجال راحو يكيلون المديح له... فأغامت معالم وجهه المشرقة، وأطرق وهو يتمتم: ((اللهم إنك أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم... اللهم اجعلنا خيراً مما يظنون، واغفر لنا ما لا يعلمون)). أما تلك التي سمعت بها ولم تحضرها... محاولة أحدهم إستمالة الإمام بهدية... فيومها شوهد على أميرالمؤمنين من الغضب، ما لم يشاهد عليه مثله أبداً...! أمال التعب وتوالي الأفكار برأس سودة، فوضعته على طرف السرج قبل أن يأخذها النوم...! إنتهت الصلاة في مسجد الكوفة... وتفرق المصلون... ولم يبق حول الإمام الذي كان جالساً إلا أشخاص قلائل... ثم ما فتئ الإمام أن نهض، وانخرط في الصلاة ثانية... اطلت سودة على باحة المسجد... فرأت الإمام قائماً يصلي، أرادت أن تنتظر، إلا أن التعب الشديد، دعاها لأن تفرغ من مهمتها، حتى تذهب لنيل قسط من الراحة... تقدمت تنقل خطواتها بحياء وتعب... رآها الإمام فانفتل من صلاته وأقبل عليها برحمة ورفق وتعطف وقال: - ألك حاجة؟... أطرقت سودة، ثم انطلقت تشكو له ظلم وتعسف والي صدقاته على الاهواز... وما أصابها وقومها من جور على يديه... وفوجئت سودة بدموع الإمام تنسكب على كريمته... ثم وهو يمد الضراعة الى الله عزوجل قائلاً: - اللهم أنت الشاهد عليّ وعليهم، وإني لم آمرهم بظلم خلقك، ولا بترك حقك...! كفكف الإمام دموعه، ثم أخرج قطعة من الجلد وقلماً وراح يكتب... وقعت سودة تحت تأثير بكاء الإمام مستشعرة الحرج، وظلت ترقبه بطرف عينها... فرأته يفرغ من كتابه فيناوله إياها مفتوحاً فتسلمته وودعت الإمام وخرجت.. أثار الكتاب المفتوح فضول سودة... وودت لو عرفت ماذا كتب الإمام... وبلغت راحتلتها... فلم تستطع الصبر أكثر... إستخرجت الكتاب وراحت تقرأ، منفرجة الأسارير: (بسم الله الرحمن الرحيم "قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" (سورةالأعراف85) فإذا قرأت كتابي هذا، فاحتفظ بما في يدك من عملنا، حتى يقدم عليك من يقبضه منك والسلام). ووسط احتفاء قومها بعودتها.. جلست سودة تحدثهم عن رحلتها ونجاح مهمتها، ثم صمتت وقد سبقتها دموعها... قبل أن تتابع: لقد بكى الإمام لما حل بنا... وتبرأ من فاعله... فشعت عيون الجميع من حولها بالحب الممزوج بالدموع...! أئمة العدل - 50 2015-03-05 10:27:50 2015-03-05 10:27:50 http://arabic.irib.ir/programs/item/12125 http://arabic.irib.ir/programs/item/12125 يوم رابع تصرم أوكاد في البحث عن عمل دون طائل... ماذا يفعل؟!... أيعود الى البيت ليجد وجه أمه المكفهر... أم يبقى يطوف على غير هدى... لا يدري ما الذي دهى أمه هذه الأيام... يبدو له أن كل همها أن تدفع به خارج البيت... لم تكن لتعامله بكل هذا الجفاء، لولا إخوتها... هكذا بدأ يظن..! لقد رآها تشتد في تعنيفه، كلما دخل عليهما أحد أخواله... ولكأنما تريد استرضاءه بذلك... إنه ليحس، كما لو أن الشكوك التي راودته طويلاً في الماضي، بدأت تتحقق... كان يشك أن أخواله لا يبادلونه مشاعر المحبة... بل لعلهم يزدرونه..! ... لكن لماذا؟... ما السر وراء ذلك؟! في الصغر... كان يرى خيلاءهم وعجرفتهم فيتصور أنها طريقة الكبار في تعاملهم مع الصغار... لكن هذا التصور سرعان ما توارى عندما تداعت الى ذهنه الصور الباهتة التي إحتفظت بها ذاكرته عن أبيه... أجل، ذلك كلما بقي له من ذلك الحبيب الذي غاب ولم يعد... لشد ما يعجبه أن يستعيد تلك اللحظات بين يدي أبيه يلثمه ويناغيه.. ويلاعبه.. صحيح انه كان صغيرا آنذاك... ربما لم يتعد أعوامه الخمسة أو الستة إلا أنه كان يشخص بوضوح قرب أبيه من نفسه... بل انه ليحس وكأنهما جسدان في روح واحد... إنهما ليتشابهان في كل شيء... حتى في اللون... إذ وحدته بأبيه، السحنة السوداء، خلافاً لأمه وأخواله... بلغ بعد مشوار طويل، البيت... هم أن يطرق الباب... إلا انه التفت الى وجود صرة كبيرة هناك... فوجئ وهو يفتحها... قلّب محتوياتها جيداً.. انه ليعجب فليس فيها غير ثيابه وحاجاته الخاصة... حتى ثوبه الذي اشتراه في العيد... عجيب... لماذا تلقي أمه بملابسه ومقتنياته خارج البيت؟!! غلى رأسه بالغضب... فطرق الباب بشدة... مر وقت قبل أن يسمع صوت أمه، يخاطبه بنبرة غريبة... من خلف الباب: - من الطارق؟... ماذا تريد؟.. ودون ان تفسح له المجال للجواب... واصلت الكلام: - خير لك أن تذهب من هنا... انا لا اعرفك...!! رد غير مصدق، وقد حمل صرة ملابسه بيده... كيف لا تعرفينني؟ ألست إبنك؟! جاءه الرد قوياً حاسما، كنصل على القلب: - كلا.. لا أعرفك... ليس لي ولد..! تحدث معها طويلاً... مذكراً إياها بصباه... بالحكايات التي كانت تحكيها له قبل أن ينام... بالرياح التي تصفر في ليالي الشتاء عند الأبواب والنوافذ، فتضطره الى الإحتماء بها خوفاً... ولما أحس بالصمت المطبق... عرف أنه كان يتحدث الى نفسه... إذ لم تعد أمه خلف الباب... نادى عليها طويلاً فلم ترد عليه... أخذ بالصراخ، فلم يلن قلبها... جلس مسنداً ظهره الى الباب، واضعاً رأسه بين ركبتيه وراح يبكي ويقول: - يا أحكم الحاكمين... أحكم بيني وبين أمي بالحق...! وطرق أذنيه على حين غرة، صوت رجل يقول: - يا غلام لم تدع على أمك؟! رفع رأسه... فطالعته صورة رجل أثارت الفزع في نفسه... إنه الخليفة... أجل الخليفة عمر بن الخطاب... أعاد الخليفة سؤاله، ملوحاً ببدرته، وخلفه جمع من مرافقيه وحراسه وخدمه... استجمع الشاب شجاعته... فلأي شيء يبالي بالحياة، بعد أن فقد آخر من أحبه... ثم قال: - أجل.. لقد دعوت عليها... لأنها حملتني تسعاً، وأرضعتني حولين كاملين، فلما ترعرعت طردتني، وانتفت مني... ظل الخليفة ساكتاً للحظات، وقد قدر أنه أمام مشكلة عويصة... ثم أمر مرافقيه بإحضار الشاب وأمه الى المسجد. إمرأة وشاب وأربعة وأربعون رجلاً، عدهم الحارس بنفسه وهم يدخلون على الخليفة.. ما معنى هذا.. أيكون كل هؤلاء شركاء في دعوى واحدة. ارتفع صوت الخليفة، مخاطباً الشاب: - سمعنا منك... دعنا نسمع من المرأة... ثم التفت إليها وقال: - إن هذا الغلام يدعي إنك أمه، فماذا تقولين؟ تكلمت المرأة بجرأة فقالت: - إنها لا تعرفه... إنه مدع ظلوم، يريد أن يفضحها في عشيرتها، مؤكدة أنها جارية من قريش، لم تتزوج قط. ثم تقدم أحد الرجال وقال: - نحن أربعة رجال إخوة هذه المرأة، وهؤلاء أربعون رجلاً، يشهدون بما قالت... بانت الحيرة على الملامح الصارمة للخليفة... إلا أنه التفت الى أحد حراسه وقال: - خذوا هذا الشاب الى السجن، حتى نسأل عن الشهود... وتوترت ملامح الخليفة أكثر، وهو يتوعد الشاب، قائلاً: - إن عدلت شهادة الشهود، جلدتك حد المفتري...! أشار الخليفة بيده، فانصرف الجميع، فيما خرج الحراس بالشاب يقودونه الى السجن... كان الشاب يمشي بين حراسه، بادي الإنكسار، مطرق الرأس... يرفعه بين الفينة والأخرى، رامقاً السماء بطرفه، قائلاً: - يا أحكم الحاكمين.... دون ان تنقطع هذه الدعوة على لسانه ، أو تتغير... ولأول مرة ينظر أمامه، ليلمح شخصية في غاية الجلال والهيبة مقبلة في الطريق... قال مع نفسه: يا إلهي.. أليس هذا الرجل علي بن أبي طالب، إبن عم النبي (ص).. أجل هو... ومن له هذا القدر من الهيبة غيره... تخاذل الحراس عندما رأوه، وسارعو الى تحيته... ووجد الشاب نفسه يصرخ من أعماق قلبه: - يا ابن عم محمد... إنني مظلوم..!! توقف علي (ع)، وهو يرمق الشاب... قاسه بعينيه الفاحصتين ثم أمر الحراس، بإعادته الى الخليفة. دخل علي على الخليفة، يتبعه الشاب والحراس، وقال: - أتأذن لي أن أقضي بينهم؟ رد الخليفة، مظهراً الترحيب: - يا سبحان الله... وكيف لا، وقد سمعت رسول الله يقول: ((أعلمكم علي))... ثم نادى على الحراس ، ليستدعوا المرأة وشهودها... - ... وبعد أن وقف الجميع أمامه... إستمع علي الى افادتيّ الشاب والمرأة، فشهادة الشهود... ثم توهجت عيناه ، وهو يقول بصوت نافذ: - والله لأقضين اليوم بينكما، بقضية، هي مرضاة للرب، من فوق عرشه... ثم التفت نحو الشاب، وهو يقول: - أما ترضى أن أكون لك أبا، والحسن والحسين أخويك؟ رد الشاب وقد اختنق بعبرته: - بلى..! ثم التفت الى المرأة، وقال: ألك ولي؟... ردت المرأة: - نعم، هؤلاء إخواني... نظر علي إليهم، وقال: - أمري فيكم وفيها جائز؟ ردو بأجمعهم: - نعم..! هنا، رفع علي صوته، وهو يقول: - أشهد الله ورسوله، ومن حضر من المسلمين... إني زوجت هذه الجارية من هذا الغلام، بأربعمئة درهم، والنقد من مالي. ثم التفت الى مرافقه، وقال: - يا قنبر... علي بالدراهم... خرج قنبر مهرولاً... وما أسرع ما عاد، ومعه الدراهم... فنادى علي على الشاب: - خذ الدراهم وصبها في حجر امرأتك... ولا تأتنا إلا وبك أثر العرس... فعل الشاب ما أمره علي، وأخذ بيد المرأة، مطالباً إياها بالذهاب معه... فانهارت مقاومة المرأة، منادية: - الأمان، الأمان، يا ابن عم محمد... تريد أن تزوجني من ولدي؟!... ثم بكت وهي تردف: - هذا والله ولدي... ثم سكتت.. وأطلقت زفرة حارة، وهي تضيف: لقد زوجوني هجينا... فولدت منه هذا... فلما ترعرع وشب أمروني أن أنتفي منه... هيمن الصمت للحظة على المجلس، قبل أن يكسره الخليفة وهو لا زال تحت تأثير هذه المناورة القضائية البارعة: - وا عمراه، وا عمراه.... ثم التفت الى علي وهو يقول بانبهار: - لولا علي، لهلك عمر..!! خرج الشاب من المحاكمة مرفوع الرأس، لكن بعينين دامعتين... عجباً... ألم يربح القضية، فعلام يبكي..؟! نطقت عيناه بأبلغ من الكلمات: مواساة للمتطلعين التائقين للعدل... الذين أرقّ عيونهم الإنتظار الطويل..! بيوت الله - 49 2015-03-05 10:27:56 2015-03-05 10:27:56 http://arabic.irib.ir/programs/item/12124 http://arabic.irib.ir/programs/item/12124 - أتعرف ذلك الشيخ الكفيف الجالس هناك؟! سأل الشاب صديقه، وهما يدخلان المسجد النبوي... - من تعني؟ رد الآخر، وهو يدقق النظر في المصلين. - ذلك الذي أسند ظهره الى اسطوانة المسجد، معتماً بعمامة سوداء. - ذاك.. إنه جابر، صاحب رسول الله.. وكيف لا تعرفه؟ - ومن هو جابر؟ أتعني جابر بن عبد الله الأنصاري؟! - أجل... هو بعينه... هلم أعرفك عليه!.. قال ذلك وأخذ بيد صاحبه، الى حيث جلس جابر... إنتزع الآخر يده، وهو يقول: - لا... لا.. لا حاجة لذلك... - إذن لأي شيء سألت؟ - أحسب أنه لم يعد بكامل عقله... ظهرت على وجه الآخر علامات الإستنكار، وسأل: - ماذا... وكيف عرفت؟ - لقد مررت بقربه أمس، وهو جالس وحده، فسمعته يكرر كلمة لا يحيد عنها: يا باقر العلم... يا باقر العلم..! وتابع: - أظن أنه يهجر..! رد الآخر محذراً: - غض من صوتك، لئلا يسمع..! وفوجئ الإثنان بصوت جابر، وهو يقول: - لا والله.. ما أهجر... ولكني سمعت رسول الله (ص) يقول: "ستدرك رجلاً مني إسمه إسمي، وشمائله شمائلي، يبقر العلم بقرا..."... إبتسم جابر رغم معالم الألم التي طافت بوجهه، وهو يضيف... - فذاك الذي دعاني لما أقول... أخذ الشاب يعتذر بارتباك... حاول تقبيل يد صاحب رسول الله... الا أن جابر سحب يده... وأخذ يربت على كتف الشاب، وهو يقول: - لا بأس عليك يا بني.. لا بأس.. رغم مهامه العلمية والإجتماعية الكثيرة... إلا أنه جعل عيادة المرضى وزيارة المؤمنين، جزءاً من برنامجه اليومي المعتاد... وفي بيت جابر بن عبد الله الأنصاري، الذي دخله زائراً، راح يتطلع في وجه جابر الذي تغضن، وانطمس نور بصره، بعد عمر من الجهاد والصحبة الطويلة لرسول الله وأميرالمؤمنين... سأل جابر: - من أنت؟ أجاب: - أنا محمد بن علي بن الحسين. بان الفرح والإهتمام الشديدان على وجه جابر، فقال: - يا بني أدن مني... فدنى منه... اختطف صاحب رسول الله يد ضيفه فقبلها... ثم فاضت عيناه بالدموع سروراً... وابتسمت ملامحه... ثم تنفس الصعداء كمن تخفف من ثقل طال حمله، وقال: - إن رسول الله (ص) يقرئك السلام..! فقال الضيف: - وعلى رسول الله (ص) السلام ورحمة الله وبركاته... وكيف ذلك يا جابر..؟ سكت جابر لحظة، وهو يستعيد ذكرى عزيزة على نفسه... اتخذت نبرات صوته صدى عميقاً، وهو يقول: - كنت معه (ص) ذات يوم... فقال لي يا جابر... يوشك أن تبقى حتى تلقى ولداً لي من الحسين، يقال له محمد، يبقر العلم بقراً... فإذا التقيته، فاقرأه مني السلام. شهدت السياسة الأموية أواخر عهدها تذبذباً واضحاً في التعاطي مع معارضيها، سيما أئمة أهل البيت النبوي (ع)... ففيما سجل عهد عمر بن عبد العزيز انفتاحاً كبيراً، كان عهد هشام بن عبد الملك، عبارة عن سلسلة من العمليات القمعية والحربية، كان أهمها: قيام السلطات بالقضاء على التحرك الجماهيري الذي قاده الشهيد زيد بن علي، ومن ثم صلبه وإحراق جسده... وكذلك دسها السم للإمام الباقر(ع)... وباستثناء عهد الطاغية هشام، فقد أتاحت الأجواء السياسية العامة، المجال للمدرسة العلمية التي أنشأها الإمام الباقر، لأن تشق طريقها، ممهدة لحركة علمية واسعة.. هذا الى جانب النشاط التثقيفي الذي مارسه الإمام من أجل رفد المسيرة الإسلامية بالكوادر التي تتطلبها حركتها... ورفع مستوى الوعي والثقافة لدى عامة الأمة... ولذا فهو لم يكتف بالحلقات الدراسية، كأسلوب لعرض الفكر الإسلامي، بل راح يعقد المناظرات مع قادة الفكر تارة، ويوظف اللقاءات العامة كمواسم الحج أخرى، وينظم مجالس الوعظ وما شاكلها ثالثة... وتطورت مدرسة الباقر، وامتدت حتى روى عنه، معالم الدين بقايا الصحابة، ووجوه التابعين ورؤساء فقهاء المذاهب. فهذا عبد الله بن عطاء المكي يقول: ما رأيت العلماء عند أحد قط، أصغر منهم عند أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين... ولقد رأيت الحكم بن عينيه، مع جلالته في القوم بين يديه كأنه صبي بين يدي معلمه. وهذا عبد الله بن عمر يقول: - لا أعلم... قال الشيخ بعد تفكير طويل... دون أن يرفع رأسه... حار السائل الغريب... فلقد أرشدوه لعبد الله بن عمر... لكنه لم يجد عنده بغيته، فماذا يفعل؟ رفع ابن عمر رأسه، وقال وهو يشير الى شاب يقف غير بعيد عنهما... - إذهب الى ذلك الغلام، فسله، واعلمني بما يجيبك. بقي الرجل واقفاً غير مصدق... أيعجز الصحابي عن إجابته ويستعين بشاب هو في عمر أحفاده..! هم أن يقول شيئاً، إلا أن ابن عمر أشار إليه برأسه حاثا اياه على العمل بنصيحته... ماذا يفعل، لا خيار ثان أمامه. أقبل على الشاب الذي تلقاه بابتسامة تملأ النفس بالحبور... طرح سؤاله، فانطلق الشاب يجيب، وكأنه يقرأ في كتاب مفتوح أمامه... أصغى صاحبنا مأخوذاً بجرس الكلمات، وكأنه دفق ينبوع عذب رؤي، ينفذ الى القلب، ويتشربه العقل، بيسر وسلالة... أراد أن يسأله عن إسمه، إلا أنه خجل... فعاد أشبه بالمسحور الى ابن عمرو... يحدثه بما سمع... علق الأخير وكأنه يتحدث عن بديهية مفروغ منها: - إنهم أهل بيت مفهمون..! سأل الرجل الغريب: - تعني انه من آل محمد. - أجل... إنه محمد بن علي بن الحسين سبط النبي (ص). يا ابن رسول الله... على الباب رجل يقول: إنه قتادة بن دعامة البصري... بدى الإمام الباقر (ع) كالمتأمل، وقال: - ليدخل...! ألقى البصري التحية على الإمام بأدب جم، فرحب به الإمام أطيب ترحيب، وأذن له بالجلوس... سأل الإمام وعلى شفتيه ابتسامة: - أنت فقيه أهل البصرة؟! أجاب قتادة وقد ظهرت على وجهه علائم الحياء: - نعم..! فقال الإمام بحزم، دون أن تفارق وجهه الإبتسامة: - ويحك يا قتادة، إن الله عزوجل، خلق خلقاً، فجعلهم حججاً على خلقه، فهم أوتاد في أرضه، قوام بأمره، نجباء في علمه، إصطفاهم قبل خلقه، أضلة عن يمين عرشه.... فسكت قتادة طويلاً، ثم قال: - أصلحك الله، والله لقد جلست بين يدي الفقهاء، وقدام ابن عباس، فما اضطرب قلبي قدام أحد منهم، ما اضطرب قدامك. فقال الإمام: - أتدري أنى أنت..؟.. أنت بين يدي ((بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة))... فأنت ثمّ ونحن اولئك..! فقال قتادة: - صدقت والله، جعلني الله فداك، والله ما هي بيوت حجارة ولا طين...! تتابعت الكلمات الملهمة تنسكب في أذني البصري... فيما حلّق هو بخياله بعيداً بعيداً... محاولاً أن يرسم حدوداً لآفاق تلك البيوت... إلا أنه رآها تتفلت تتأبى... فاتعبت خياله، بل اعجزته، كما اعجزت من قبل عقله!! منهل الإنسانية العذب - 48 2015-03-05 10:28:03 2015-03-05 10:28:03 http://arabic.irib.ir/programs/item/12123 http://arabic.irib.ir/programs/item/12123 أقبل الفارس يشتد به جواده، حتى إذا ما بلغ مقدمة الجيش ترجل بعجلة، وقال: - دلوني على أميرالمؤمنين...! أفسح له المقاتلون الطريق، وقد عرفو فيه أحد رجال الطلائع، متسائلين: - ما وراءك..؟ ... أجاب الفارس دون أن يتوقف: - أخذ علينا جيش معاوية الماء... قال ذلك، ثم أسرع ملتمساً طريقه الى خيمة أميرالمؤمنين (ع). لم يطل مكوث الفارس لدى القائد العام إذ سرعان ما خرج، وهو يقول: - أدعوا صعصعة بن صوحان، لأميرالمؤمنين... ثم امتطى جواده، وانطلق عائداً من حيث أتى.. ووسط الحشد الذي بدأ يزداد حول خيمة القائد، شق ابن صوحان – الخطيب المفوه وأحد كبار قادة الجيش – طريقه الى الخيمة.. المهمة التي كلف بها صعصعة تتمثل بإيصال رسالة من الإمام الى معاوية، خلاصتها: إنا سرنا مسيرنا هذا، وإنا نكره قتالكم، قبل الاعذار اليكم، وانك قدمت بخيلك تقاتلنا، وبدأتنا بالقتال، وهذه أخرى، حلتم بين الناس وبين الماء... فخل بينهم وبينه... وإن كان أحب إليك، إن ندع ما جئنا له، وندع الناس يقتتلون على الماء، فعلنا...؟! في صفين، على الشاطئ الأيمن للفرات، قرب الحدود بين سوريا والعراق، التقى الجيشان... جيش الخلافة المنتخبة، بقيادة علي بن أبي طالب، وجيش الشام بقيادة واليها المتمرد، معاوية بن أبي سفيان... معاوية الذي قاد أبوه حروب الشرك ضد النبي، قبل أن يضرب (ص) قاعدته الأساسية في مكة ويخضعها لسلطته؛ معاوية هذا رفض الإعتراف بخلافة علي التي كانت مرشحة السماء، قبل أن تصوت لها الأمة، في مهرجان إنتخابي، لم تشهد له دولة الإسلام مثيلاً على الإطلاق. ولم يكتف معاوية بعدم الإعتراف، بل اعتدى على حدود الدولة الإسلامية بأمل ضم بعض أطرافها إليه... ثم عبأ جيشه متحركاً باتجاه العراق لحرب جيش الخلافة... ولدى وصول جيشه الى شاطئ الفرات، قبل جيش علي اغتنمها فرصة مناسبة لمنع أعدائه الماء... متصوراً إنه بهذا الإجراء سيقتلهم ضماءاً إن لم يضطرهم الى الإنسحاب. الرسالة الشفوية التي حملها ابن صوحان، استطاعت شق صف قيادة جيش معاوية... فقد نصح ابن عقبة وابن أبي سرح، معاوية بمنع جيش الإمام الماء... إلا أن عمرو بن العاص، قال: - خل بين القوم وبين الماء... فإنهم لن يعطشوا، وأنت ريان... وأنت تعلم: أن علياً الشجاع المطرق! ويبدو أن واقعية عبارة ابن العاص، استفزت معاوية، فأصر على مخالفتها، قائلاً: يا أهل الشام هذا أول الظفر، لأسقاني الله ولا أبوسفيان، ان شربوا منه أبدا، حتى يقتلوا بأجمعهم عليه... في ظروف الحرب بالسيف والنبل، ومباشرة القتال جسدياً، يحتاج المقاتل الى توظيف أقصى قوته العضلية... ونتيجة للجهد المتواصل والظروف المناخية والتعرق الشديد، تتضاعف الحاجة لديه لشرب الماء... وفي ضوء ذلك، كان الموقف بحاجة الى قرار سريع وحاسم... وقبل أن يختلط الظلام... قام علي في جيشه خطيبا... فقال: إن القوم قد بدأوكم بالظلم... حتى منعوكم الماء... ثم أجال عينين متوقدتين في جنوده يمينا وشمالا، وقال: ارووا السيوف من الدماء، ترووا من الماء، فالموت في حياتكم مقهورين، والحياة في موتكم قاهرين... أثارت كلمات القائد الملتهبة العزيمة مضاعفة في صفوف جيشه... فتواثبوا الى سلاحهم... غير أنه أمرهم بالتريث الى الصبح، لينالوا شطراً من الراحة بعد عناء المسير... ...وجاء الصبح وجاء معه الماء، إذ لم تدم عملية جيش الإمام لإستعادة شاطئ الفرات، الا وقتاً قصيرا... ووصل النبأ الى معاوية، فاضطرب... فدخل عليه ابن العاص، وعلى وجهه علائم الشماتة، وقال: - ما ظنك يا معاوية بالقوم إن منعوك الماء اليوم، كما منعتهم أمس، أتراك ضاربهم عليه، كما ضربوك عليه؟! رد معاوية مدارياً إنكساره: - دع عنك ما مضى..! فما ظنك بعلي؟ - ظني بعلي أنه لا يستحل منك ما استحللت منه، وأن الذي جاء له غير الماء... أجاب عمرو بيقين تام. وصدّق علي (ع) ظن ابن العاص... فما هي إلا سويعة أو بعضها حتى وصلت برقيته معاوية: ((انا لا نكافيك بصنعك... هلم الى الماء، فنحن وأنتم فيه سواء)). وألح بعض جند الإمام عليه، ليمنع الجيش المعادي الماء، بيدَ أن علياً أوضح بمنطقة الرسالي: لا أفعل ما فعله الجاهلون... سنعرض عليهم كتاب الله، وندعوهم الى الهدى فإن أجابوا، وإلا ففي حد السيف ما يغني إن شاء الله. علي (ع) الذي أراد لبادرته تلك، فتح نافذة باتجاه السلم، والحيلولة دون ارهاق الدماء... عاد يعرض على معاوية التفاوض والكف عن القتال... إلا أن إبن أبي سفيان، الذي عرف أن مآل أي حل سلمي، يعني حذفه من الحياة السياسية، والقضاء على تطلعه الى الملك، أصر على مواصلة الحرب... وكبادرة أخيرة لحقن الدماء، أرسل علي رسالة مقتضبة الى معاوية... فدفعها هذا الى ابن العاص، وقال اقرأ: قفزت مشاعر مختلطة على وجه عمرو، وهو يلقي النظرة الأولى على الرسالة وقال: - إنه يدعوك للمنازلة! غاضت الدماء من وجه معاوية... فيما أضاف عمرو: - إنه يقول لك: أبرز لي واعف الفريقين من القتال، فأينا قتل صاحبه، كان الأمر له... ثم ابتسم قائلاً: - لقد أنصفك الرجل... معاوية الذي هاله التحدي، وراح يتردد في رأسه كدوي مفزع... رد مبرراً عدم استعداده: - إني لأكره مبارزة الشجاع الأخرق، ثم جمع بين الجد والهزل مخاطباً رفيقه: - لعلك طمعت فيها يا عمرو. استطاع الفارس الملثم إثارة الفزع الشديد في جيش معاوية، ولم يمض على بدء القتال، سوى وقت قصير وراح الجنود يتخافتون بينهم: - من عساه هذا الفارس... من أين نبع... وأين منه مالك الأشتر، كبير قادة جيش علي، الذي كنا نحسب له ألف حساب... وكما كان هؤلاء في حيرة، كان ابن العاص في حيرة أشد؛ فهو لا يدري كيف دفع به سوء حظه، ليضعه في طريق هذا الفارس... فلقد لمح السيف يبرق موشكاً أن يهوي على هامته... فكان عليه أن يعمل ذهنه بأقصى سرعة ممكنة للخلاص من الموت المحقق... ولمعت الفكرة في رأسه، فلم يتردد في تنفيذها... أشاح الفارس بوجهه عنه تكرماً... فاستغل عمرو الفرصة، وأطلق ساقيه للريح... ولم يقف إلا عند خيمة معاوية... فدخل عليه لاهثاً... فقال له صاحبه، بسخرية تقطر شماتة: - ما صنعت يا عمرو؟! رد عمرو وهو يحاول لملمة نفسه: - لقيني علي، فصرعني..! أطلق ابن أبي سفيان ضحكة مجلجلة، وقال: - أحمد الله وعورتك! أما والله لو عرفته ما اقتحمت عليه... فغضب عمرو وقال: - وهل هو إلا رجل لقيه ابن عمه، فصرعه، افترى السماء قاطرة لذلك دما..؟! أطلق معاوية صوتاً ساخراً، وقال: - أبدا... ولكنها معقبة لك خزيا...! خرج ابن العاص عن طوره، ملتفتاً الى معاوية وهو يقول: - لقد كنت والله لعلى يمينك يا معاوية عندما دعاك علي الى البراز، فخرج منك ما لا يحسن ذكره... إحتقن وجه إبن أبي سفيان، غير أنه لم يحر جواباً... والى مقره، وسط الجيش، عاد الفارس الملثم، فاستقبله جنوده متسائلين: أقتلت الرجل يا أميرالمؤمنين؟! أجابهم: - وهل تدرون من هو؟! قالوا: - لا! فقال (ع): - إنه عمرو بن العاص، تلقاني بعورته، فصرفت وجهي عنه!! صفقة الجوز - 47 2015-03-05 10:28:09 2015-03-05 10:28:09 http://arabic.irib.ir/programs/item/12122 http://arabic.irib.ir/programs/item/12122 لم يفارقه إلا سويعات معدودة ، لكنه اشتاق إليه ثانية... إنه ليحس بلهفة الى لقائه، وسماع كلماته... لهفة العطشان الى الماء، في عمق الصحراء المجدبة الحارة... هم بالنهوض مراراً، لكنه تراجع... قائلاً مع نفسه: لعل الوقت المناسب لم يحن بعد.. بيدَأنه لم يطق صبراً في النهاية... فخرج ميمماً وجهه شطر بيت النبي (ص). كان يسير وفي رأسه نزاع بين عقله وعاطفته... عقله يثنيه عن مواصلة الطريق... وعاطفته تلح عليه أن يستمر... يسمعه هو: ما جاء بك في هذه الساعة..! وتسمعه هي! أهلاً بك، جئت في وقتك..! لكن ما يخشاه حقا: ان يقطع على النبي استراحته... ... وأخيرا وصل... وقبل أن يسمح للتردد بالسيطرة عليه ثانية، طرق الباب وقال: أنا جابر، استأذنوا لي على رسول الله..! وجاءه الإذن بالدخول سريعاً.. تقدم جابر بخطى مترددة، وهو يسمع ضحكات أطفال تتعالى من حجرة النبي... توقف على عتبة باب الحجرة وتنحنح... فسمع صوت النبي (ص) يدعوه للدخول... فولج الحجرة مسلماً... غير أنه توقف وقد فوجئ بما رأى...! كان النبي (ص) يحمل سبطه الحسن والحسين على ظهره، وهو يمشي على أربع... مداعباً إياهما بحركات وأصوات مختلفة... فيما كان الصغيران يشرقان من الضحك سعادة... لم يملك جابر نفسه من الضحك أيضاً، وقال: - نعم الجمل جملكما..! فرد النبي باسماً: - ونعم الراكبان هما..! جابر الذي ظل يراقب الموقف.. شاهد ظلال السعادة العميقة على الملامح الكريمة للنبي (ص)... فأنب نفسه... إذ اقتحم عليه، لحظة أنسه بسبطيه، وحرمه من وقت يقضيه بين أسرته... فانسل خارجاً دون إذن، وضحكات الصغيرين تلاحقه... وعندما أصبح خارج البيت، راح يقول مع نفسه: يا لعظمة الرسالة... ها هو الرسول يتخطى كل الحواجز الساذجة التي يقيمها المجتمع، رعاية لمواضعات وشكليات فارغة؛ من أجل أن يجسد القيم الإلهية التي ينادي بها... أجل... فلطالما سمعه يقول: "من كان له صبي، فليتصابى له" ولن تغيب عن باله، موجة الألم العارمة التي رآها تخيم على الملامح المشرقة للنبي، في مناسبة كهذه... فقد كان النبي في جمع من أصحابه، يوماً منشرحاً أتم الإنشراح، والحسنان بين يديه، يضاحكهما ويقبلهما، فتدخل رجل، وقال بفضاضته الأعرابية الجافة: - إن لي عشرة أولاد، ماقبلت أحدهم يوماً..! هنا طغت سحنة الألم، على وجه النبي، وقال مخاطباً الرجل: - إنك رجل نزعت من قلبه الرحمة...! مع جنوح الشمس للمغيب، بدأ المصلون بالتقاطر على مسجد النبي... وشيئاً فشيئاً أخذ المسجد يغص برواده... وازف موعد الصلاة أو كاد، ولم يحضر رسول الله (ص) بعد... وعند باب المسجد، حيث وقف عدد من المصلين، ترقباً لمجيئه (ص)، اقترح أحدهم أن يذهب خلفه يتقصى أخباره... فيما دعا آخر للتريث قائلاً: - إنه (ص) سيأتي لا محالة، متى ما ارتفع صوت بلال مؤذناً... رد ثالث: - لكن بلال – هو الآخر – لم يأت بعد.... عاد الأول ليقول – وكأنه يحدث نفسه -: - أيكون قد ذهب يتفقد النبي... قال ذلك ثم سكت فجأة، كمن خطرت له فكرة... انسل من بين الواقفين رويداً رويداً... وقد أخذ هذا السؤال يلح عليه: أيكون قد حصل مكروه للنبي... وكمن هيمنت عليه هذه الفكرة، راح يقول بصوت شبه مسموع: لابد لي أن أتحرك... أن أستعجل... فمن يدري... لا سمح الله... وهل يؤمن الكيد اليهودي، أو غدر أهل النفاق... بدأ ببيت النبي... فقيل له أنه خرج مصطحباً بلالا، قبل وقت ليس بقليل... راح يدور في الأزقة... تخلل العديد منها... سائلاً المارة، دون جدوى. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. ألقى النبي (ص) السلام، وقد ارتسمت ابتسامة عريضة على ملامحه المشرقة... تنبه الأولاد، الذين استغرقهم اللعب، على هذه الكلمات الندية الفائضة بالحب... فالتفتوا مستطلعين... ثم هبوا إليه جميعاً.. بعد أن. أخذ أحدهم بيده الشريفة وراح يلثمها... وألصق ثان نفسه بثيابه فيما وقف ثالث بإزائه، وقال مخاطباً إياه، بصوته الطفولي العذب: - أتلعب معنا يا رسول الله...! ...وقبل أن يجيبه النبي، أردف: - إنك كثيراً ما تلعب مع الحسن والحسين.. ضحك النبي (ص)... وقال وهو يمسح على رؤوسهم: - سوف ألعب معكم... تقافز الأولاد فرحين... وتبرع أكثر من واحد، لشرح طبيعة اللعبة للاعب الجديد...! بلال الذي كان مرافقاً للنبي، انتحى جانباً، وقد اخضلت عيناه بالدموع، لما يراه من خلق النبوة وحنوها... غير أنه ما فتئ يراقب الأفق... وبعد مضي بعض الوقت... تقدم ليقول: - يكفي، يكفي يا أولاد... أن النبي يريد الذهاب لإقامة الصلاة... وقد طال انتظار آبائكم له في المسجد... لكنهم لم يردوا على بلال، ولا بكلمة، وكأنهم لم يسمعوه... وواصلوا لعبهم بشغف... أشار النبي (ص) الى بلال إشارة سريعة ليقترب منه، ثم همس له ببضع كلمات: مط بلال قامته، معلناً دخوله حلبة اللعب... ونادى بصوت تمثيلي جهور: - أيها الأولاد، أيها الأولاد...! التفت الأولاد إليه، فقال: - ما تقولون في أن يعطيكم النبي شيئاً، لتدعوه يذهب الى شأنه! تساءل أحدهم، بمعابثة طفولية محببة: - وماذا يعطينا؟! ضحك النبي (ص) وقال: - جوز... أطلق الأولاد صيحة واحدة، معلنين قبولهم بهذه الصفقة... فأرسل النبي بلالاً الى بيته، ليعود بالجوز، فأخذه وقسمه بينهم، ثم ودعهم وانصرف. ظل صاحبنا يضرب هنا وهناك في أنحاء المدينة، دون أن يقع على خبر... ازدادت هواجسه... فسارع من خطوه... مر على صبية يلعبون، وتجاوزهم غير أنه توقف، وعاد إليهم وسأل: - أيها الأولاد..! ألم ترو النبي، ماراً من هنا؟! صاح أكثر من واحد منهم: - أجل..! وثب نحوهم، وسأل بفرح: متى، متى؟! تضاحك الصبية مستغربين سلوكه وقال أحدهم: - لقد كان هنا يلعب معنا قبل قليل.. - يلعب معكم؟!... ما هذا الكلام... رد الرجل بنبرة وشت بتأنيب.. مد الصغير يده في جيبه، مستخرجاً جوزة، وقال ببراءة: - أنظر..! هذه واحدة من جوزات ثلاث أعطانيها النبي.. أكلت اثنتين واحتفظت بهذه لأختي الصغيرة..! فتصايح بقية الصبية: - وأنا... وأنا... وأنا...! تراجع الرجل قليلاً وهو يفكر: أيعقل أن يتآمر هؤلاء الصغار للعبث به... تقدم اليه أكبرهم وقال موضحاً: لقد مر النبي ومعه بلال من هنا، فسلم علينا... فدعوناه للّعب فاستجاب... ثم استأذننا في الذهاب، فلم نرض... فعرض علينا جوزاً فقبلنا! ضحك صاحبنا لغرابة هذه الرواية، وانقلب عائداً الى المسجد... ولما بلغه... وجد النبي قد فرغ من الصلاة... فأحاط به رفاقه متساءلين... تصنع الجد، وهو يقول: - لقد وقع النبي (ص) ورفيقه رهينتين بأيدي مجموعة، قبل أن يتهيأ لهما وجيه يشفع في خلاصهما... وجمت وجوه القوم... غير أن الرجل لم يستطع إكمال دوره الذي بدأه فانفجر في الضحك، قاصاً عليهم حكاية الصبية والجوز. الإيمان كله - 46 2015-03-05 10:28:24 2015-03-05 10:28:24 http://arabic.irib.ir/programs/item/12121 http://arabic.irib.ir/programs/item/12121 عقدت غرفة عمليات جيش المشركين إجتماعاً لتدارس الموقف... فها هي تواجه تكتيكاً عسكرياً جديداً لم تألفه من قبل... كان رجالها لا زالوا يقفون على الخندق، عندما قال أحدهم دون أن يستطع إخفاء إعجابه بالخطة: - والله إن هذه مكيدة، ما كانت العرب تكيدها...! أطلق أحدهم ضحكة مفتعلة، مستنكراً حالة الصمت التي أطبقت على المجتمعين، قبل أن يبسط وسطهم قطعة جلد، وعليها بعض الخطوط والرسوم... تساءل أكثر من واحد: - ما هذا؟! أجاب بحركات ماكرة، وشت عن هويته اليهودية. - إنها يثرب... أجل يثرب! تطلع إليه الآخرون باستغراب، وقد بدا أنهم لم يفهموا بعد ما يريد... وضع اليهودي إصبعه على جزء من مخططه، وقال موزعاً نظرة بين الحاضرين...: - ها هنا ناحية الشمال من يثرب... حيث حفر محمد الخندق. ثم رفع إصبعه ليضعها على ناحية أخرى، وهو يقول: - وها هنا في ناحية الشرق وما يقابلها من الغرب أيضاً، إمتدت دور أتباع محمد متلاصقة كأنها السور المنيع... فلا مطمع لنا في النفوذ من هنا. وأشار الى ناحية أخرى وهو يقول: أما ها هنا، حيث جنوب المدينة... فهي مساكن إخواننا من بني قريضة... وأردف: - وهم كما تعلمون، يربطهم عهد بمحمد. مد زعيم بني فزاره رقبته، وقال: - يبدو أن لا سبيل أمامنا – على ما تقول – غير بني قريضة... هم اليهودي أن يتكلم، غير أن أبا سفيان قاطعه بإشارة من يده وهو يقول: - إسمع يا ابن أخطب..! ألم تأتنا أنت وكنانة بن الربيع، وسلام ابن أبي الحقيق، وغيركم من زعماء اليهود، وقلتم: (أيدينا مع أيديكم، ونحن معكم، حتى نستأصل محمدا...) سارع حيي ابن أخطب الى الرد بادي الحرج: - أجل، ونحن لازلنا على ذلك... ولكن ماذا نفعل لكعب بن أسد... لقد أغلق حصن بني قريضة بوجهي، ومنعني من الدخول، بل رفض حتى الإستماع إليّ. وبنبرة أقرب للتوسل، واصل ابن أخطب: - سأقوم من ساعتي لأرى كعباً، ولن أدعه حتى أحمله على ما نريد. بنو قريضة الذين تظاهروا حتى ذلك الوقت باحترام عهدهم مع رسول الله (ص)، أخذوا على عاتقهم مهمتين خطيرتين: تجسسية: تسترق أخبار المسلمين، وترصد تحركاتهم، وتستكشف ثغراتهم، وتسلمها أول بأول الى المشركين... ودعائية: مستهدفة شل عزائم المسلمين وإرهابهم... في إطار حرب نفسية مركزة، يعاونهم فيها المنافقون. وفيما أخذ المنافقون يرددون مستهزئين: - محمد يعدنا بقصور كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر على الغائط... راحوا ينفخون في أي حادث، وإن كان بسيطاً، ويختلقون معلومات مهولة عن عديد جيش الشرك وعدته... وتطورت الأحداث سريعاً لغير صالح المسلمين... فقد نجح حيي بن أخطب في مهمته بإقناع بني قريضة في نقض عهدهم مع النبي، ودخول الحرب... وبلغت الوقاحة بهم حدا، ان اعتدوا على بعض عوائل المسلمين، القريبة من ديارهم وارهبوها... فيما بدأوا يعدون جيشاً لدخول الحرب. وعلى المستوى الميداني، وبعد أيام اكتفى فيها الطرفان بالترامي بالنبل والحصى، استطاع عمرو بن عبد ود العامري أحد أبطال المشركين من عبور الخندق... فاستبد الرعب بالمسلمين... وزاغت أبصارهم، وبلغت قلوبهم الحناجر، وزلزلوا زلزالاً شديداً... تواردت هذه الأنباء على النبي (ص)، وهو في المكان الذي جعله كمعسكر في مواجهة الخندق... فأرسل وفداً لبني قريضة، يذكرهم بالعهد.. كما أمر علي بن أبي طالب ونفراً معه، بإغلاق الثغرة التي عبر منها المشركون. لم يضع عمرو بن عبد ود وقتاً، بل إنطلق يجول بفرسه، بين الخندق وسوق المدينة، في مسعى استعراضي لإظهار القوة وإخافة المسلمين... وبعد جولة طالت بعض الشيء، توقف أمام معسكر المسلمين ونادى بأعلى صوته... - هل من مبارز؟!... هذه العبارة الوجيزة، كان لها صدى كالزلزال في معسكر المسلمين...إلا أن علي بن أبي طالب (ع) نهض وقال: - أنا له يا نبي الله... فأمره النبي (ص) بالجلوس... وراحت عيناه الكريمتان تدور في الوجوه التي كساها الإصفرار، وهو يكرر: - من له؟ ... فلا يجيبه أحد... ومضى بعض الوقت، قبل أن يأتي صوت ابن ود ساخراً: - أين جنتكم التي تزعمون أن من قتل منكم يدخلها... أفلا تبرزون لي رجلاً...؟ فقام علي وقال: - أنا له يا رسول الله... فأشار له النبي بيده أن اجلس ...وعاد (ص) يقول : - من له ؟ ...فلم يقم احد... وسمع ابن ود ينشد شعرا ، كاقصى مايكون التحدي : ولقد بححت من النداء بجمعهم : هل من مبارز نهض علي(ع) ثالثة ، وقال : - أنا له يا رسول الله...! نظر النبي (ص) لعلي باكبار، وقال: - ادن مني...! فدنا منه... فنزع النبي عمامته وعممه بها... وتناول سيفه وأعطاه له، وقال: - إمض لشأنك...! ثم رفع يديه بالدعاء قائلاً: - اللهم أعنه! خرج علي لمبارزة عمرو بن عبد ود... فيما التفت النبي (ص) نحو المسلمين، وهو يقول: - (برز الإيمان كله، الى الكفر كله). استغرب ابن عبد ود... لم يكن يحسب أن يجرأ أحد على مبارزته... أحس أن كبرياءه قد تصدع... عمرو الذي يعد بألف فارس، يبرز له من هو في عداد أولاده... ترى هل أراد محمد معابثته، عندما أبرز له علياً الشاب؟! قطع عليه سلسلة أفكاره صوت علي، وهو يقول: - يا عمرو، إنك كنت في الجاهلية تقول: لا يدعوني أحد الى ثلاث، إلا قبلتها، أو واحدة منها... قال عمرو بأنفة: - أجل قال علي: - فإني أدعوك الى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن تسلم لرب العالمين. قال عمرو بتهكم واضح: - يا ابن أخ اخِّر هذه عني! رد علي (ع): - أما أنها خير لك لو أخذتها... ثم قال: - فها هنا أخرى... - ما هي؟ رد عمرو بلهجة مختلفة هذه المرة. قال علي: - ترجع من حيث جئت...! امتقع وجه ابن عبد ود، وسحب زمام فرسه بقوة وهو يقول: - لا يحدث نساء قريش بهذا أبدا. قال علي: - فها هنا أخرى... - ما هي... قال عمرو متحفزاً أجاب علي: - تنزل فتقاتلني! أطلق عمرو ضحكة هستيرية، وقال: - إن هذه الخصلة، ما كنت أظن أن أحداً من العرب يرومني مثلها... ثم أردف: - إني لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك! فرد علي: - لكني أحب أن أقتلك، فأنزل إن شئت! فغضب عمرو، وألقى بنفسه من فرسه، ضارباً وجه الفرس... واشتبك الرجلان، وثار غبار المعركة، فلم يعد يرى أي منهما... وحبس المسلمون الأنفاس... وتجرأ بعضهم على النظر من بعيد... وتعالى صوت التكبير فجأة، فكبر المسلمون... وطغت الفرحة إذ عرفوا أن علياً قد حسم الجولة. ومضى وقت غير قليل، قبل أن يأتي علي حاملاً رأس ابن ود... فقام النبي متهلل الوجه، إكراماً له... واستقبله المسلمون مكبرين مهنئين... .... ولم يبق خفياً سبب إبطائه... فلقد أغضبه المشرك... ولم يرد علي أن يقتله لغضبه... فقام عنه... حتى إذا ما سكن عنه الغضب، عاد إليه. أجل... لقد وضع رسول الله، ضربة علي الخالصة لله، في ميزان الأعمال، فرجحت على عمل الأمة بكاملها... فليس عجيباً إذا ما وضعت هذه الضربة الحد، ليس لحياة واحد من أقطاب الشرك وحسب، بل للمعركة كلها... فقد أرسل الله تعالى أثرها، ريحاً مدمرة أحاطت بالمشركين، فاقتلعت خيامهم، وكفأت قدورهم، وزلزلت نفوسهم، وجعلتهم يلوذون بالفرار. الخلق الرحب - 45 2015-03-05 10:28:30 2015-03-05 10:28:30 http://arabic.irib.ir/programs/item/12120 http://arabic.irib.ir/programs/item/12120 الجاهلية رمز... بشع... مشوه... دموي... حاقد... لا يجزي وصفه بالوحشي... ذلك أن الوحوش إذا شبعت كفت عن الإفتراس... أما الجاهلية، فإنها لا ترتوي من سفك الدم، وانتهاك العرض... واسترقاق الأحرار... وهدم قيم الخير والإنسانية... تفعل كل ذلك وأكثر ولا تبالي..!! وفي جزيرة العرب، أرسلت السماء مبعوثها بمهمة ثقيلة... مهمة إخراج الناس من ظلمات الجهل الى نور الإيمان والمعرفة... فثارت ثائرة الجاهلية، ولاحقت المؤمنين بالتقتيل والتعذيب والتنكيل... وهي تحسب أنها ستقدر بهذا على إخماد جذوة الإيمان في نفوسهم... وعندما استبان لها عجزها، أعلنتها حرباً شعواء، وكل ظنها أنها ستحفر بذلك للدعوة قبراً... ولكن الله بالغ أمره... ويشاء تعالى أن ترتفع راية دينه خفاقة عالية... وأن تقوم للإسلام دولة، يكون على رأسها رحمة الله للعالمين، منتخب السماء، المصطفى من البشرية... ويشاء الباري بعد برهة من الزمن، أن يدعو مبعوثه إليه... ويغيب شخص محمد (ص) عن دنيا الناس... وتظهر بعده هنات وهنات... حتى إذا ما اطمأنت الجاهلية، أعلنت صراحة عن وجودها وقيام دولتها... وها هو زعيمها يعلن في اجتماع مغلق حضره بنو أبيه: "تلقفوها يا بني أمية تلقف الكرة... فو الذي يحلف به أبوسفيان ما من عذاب ولا حساب، ولا جنة ولا نار، ولا بعث ولا قيامة..." في الفرصة القصيرة الوحيدة التي أتيح للأمة فيها حقاً، أن تعبر عن إرادتها... جاء خيارها تحدياً لقرارات التعيين التسلطي مجسدة إياه في رجل هو مرشح السماء ومنتخب الأمة. لكن الجاهلية التي إشتد عودها بعد أن غذتها سنون الإنحراف والتخبط، أعلنتها حرباً شعواء عليه... ولم ترعو حتى اغتالته في محراب الصلاة... وعندها هبت ريحها سوداء قاتمة...فاسيلت الدماء ...وانتهكت الأعراض وسحقت القيم... وضربت الكعبة الشريفة بالمنجنيق... واستبيحت مدينة الرسول (ص)، حتى بايع أهلها عبيداً لفرسان الجاهلية صوناً لدمائهم... وأخذ الناس على التهمة والظنة... وهدمت الدور وقطعت الأرزاق... وأصبح السواد بستان لقريش... وأعلن الحاكم صراحة أمام مواطنيه: أنه ما قاتلهم ليصلوا، ولا ليصوموا ولا ليحجوا ولا ليزكوا... إنما قاتلهم ليتأمر عليهم... وبدون مواربة أيضاً يقول أنه سيبعد معارضيه عن طريقه عبر إطعامهم العسل المعجون بالسم الزعاف...قائلا بمكر ونشوة : إن لله جنوداً من عسل... وكان النصيب الأوفر من هذه الحرب والعدوان والحقد اللئيم... من هذا العسل الجاهلي، لآل الرسالة... فسبوا على منابر المسلمين... ودس لهم السم... وقتلوا وسجنوا، وضيق عليهم... ولوحق أولياؤهم ومحبوهم، وقُتلوا تحت كل حجر ومدر... وظلت سياسة السب، وحملات التشويه مستعرة، يؤججها أصحابها، وهم يقولون: حتى يربو عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير... أجل... لقد أرادت الجاهلية طمس أشعة الحق... غافلة أن شعاع الشمس لا يضمحل. لم ير المدينة المنورة في حياته... هذه هي المرة الأولى التي يزورها... بل المرة الأولى التي يغادر فيها الشام. إن كل شيء هنا، ليبدو في عينيه غيره في بلاده... حتى طبيعة الناس وتعاملهم... إنهم ليبدون له باردين، هادئين أكثر مما ينبغي... إن أحدهم ليطأ طرف رداء الآخر، فيعتذر، فينتهي كل شيء، وكأن شيئاً لم يحصل..! يا للرجولة الخاملة، البليدة... لو فعلها معي أحد لأدميت وجهه..! ولكن.. من هذا الرجل يا ترى... يا له من رجل فخم... يتلألأ وجهه تلألؤ القمر... مال على صبي في الطريق، يلعب، وسأله، مشيراً بيده: - أتعرف راكب البغلة؟! تطلع إليه الصبي مستغرباً... وهل هناك من لا يعرف إبن رسول الله (ص) وقال: - أظنك غريباً يا عم... ثم ابتسم مضيفاً: - إنه الحسن بن علي. إصطبغت سحنة الرجل بلون أرزق، وصاح: - تقول إنه الحسن... ودون أن ينتظر الجواب هرول خلف الإمام. تعجب الصبي من فعل الرجل، فحسبه مخلطا... إعترض الرجل طريق الإمام، وراح يسب، ويهذي بكلمات غير لائقة، بذيئة... وبعد أن أفرغ جعبته، ضحك الإمام وقال: - أيها الشيخ، أظنك غريباً... ولعلك شبهت؟! بقيت ملامح الرجل كاسفة عابسة... بيد أنه التزم الصمت... فتابع الإمام باسماً: - لو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك. لانت ملامح الرجل وأطرق... فواصل الإمام، والإبتسامة لا تفارق شفيته: - إن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسوناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك... بان الحياء على وجه الرجل، وبدا مرتبكاً لا يعرف بماذا يرد... فأردف الإمام وقد اتسعت إبتسامته: - فلو حركت رحلك إلينا، وكنت ضيفنا الى وقت ارتحالك، كان أعود عليك... الرجل الذي أذهله هذا الموقف الكريم، أحس وكأن الإمام قد أغلق أي باب للإنسحاب، وهو يفتح أمامه كل هذه الخيارات فلبى دعوة الإمام للنزول في ضيافته... غير أنه أسر في نفسه أمراً... وعلى امتداد الطريق الى البيت... كان الإمام يبادر بالسلام من يلقاه... فيتوقف الآخر إجلالاً... ويرد السلام باحترام شديد، مردفاً كلامه بالقول: - بأبي أنت وأمي يا بن رسول الله. فتعجب الرجل، وراح يقول في نفسه يا له من جاه عريض، بل مكانة عظيمة... وبلغ البيت... فأعجب الرجل بما رأى وقال في نفسه: يا له من موضع رحيب. كان بيت الإمام يموج بالحركة... فهؤلاء طلاب العلم... واولئك طلاب الحاجات... وبين هؤلاء واولئك الزوار والضيوف... وفي هذا الوسط الرحب، أحس الرجل أنه خرج تماماً من القوقعة التي حبس فيها... وانفتح على أجواء لم يكن يعرف بها، أو يسمع عنها شيئاً... كان يرصد كل شيء، مذ دخل هذا البيت... كل حركات الإمام وسكناته... راقبه في سلوكه وأخلاقه مع الناس، فوجده قمة سامقة تفيض حباً ونبلاً وتواضعاً... لاحظه في عبادته وعلاقته مع الله، فرآه مرتعد الفرائص مصفر الوجه، إذا أقبل على الوضوء... باكياً إذا ذكر الموت والقبر... أما عندما ذكرت القيامة، فإنه شهق شهقة خشاها عليه... لم يفته شيء.. حتى في مجالسه العلمية شاهده عن كثب، فرآه بحراً زاخراً لا يسبر غوره. وتنتهي إقامة الرجل في بيت الإمام... فيتقدم من الإمام مودعاً، ويقول بلسان يثقله الحياء وصوت تخنقه العبرة: كنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ، والآن أنت وأبوك، أحب خلق الله إلي، وأردف رافعا صوته: - أشهد أنك خليفة الله في أرضه... وتناول يد الإمام ليقبلها وهو يقول "اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ". الفيلسوف الذي أحرق أوراقه - 44 2015-03-05 10:28:35 2015-03-05 10:28:35 http://arabic.irib.ir/programs/item/12119 http://arabic.irib.ir/programs/item/12119 غمس ريشة الكتابة في المحبرة، وبقي يتأمل برهة، ثم أخرجها وخط فيها عدة كلمات، ثم توقف عن الكتابة، وراح يتأمل من جديد... ألقى الريشة، ومد يده الى كتاب بقربه، تناوله، تردد في فتحه، لكنه فتحه، أطال النظر في بعض صفحاته... ثم قلب عدداً منها ونظر فيها، ثم عاد يتأمل الصفحات السابقة، قبل أن يعيد الكتاب الى مكانه. وكمن اكتشف شيئاً غمض عليه، أشرقت أساريره بابتسامة عريضة، وراح يهز رأسه... تناول الريشة من جديد، وأخذ يكتب بسرعة... حتى إذا ما سود صفحة كاملة، شرع يطالعها، وكلما تقدم في المطالعة، إكفهر وجهه... ثم ما لبث أن ألقى ما في يده، ودفع المنضدة الصغيرة التي إنكب عليها، ونهض برما. يعقوب بن إسحاق الكندي... ينعتونه بفيلسوف العراق آنذاك... والإشتغال بالفلسفة ومعايشتها الطويلة، والخوض المستمر في دروبها الشائكة، والدوران في أقبيتها ودهاليزها المظلمة المعقدة؛ يغبش الرؤية، ويجعل الإنسان مرمى لكثير من الأوهام والتخيلات... وإذ رأينا فيلسوفنا مشغول الفكر، دائم التأمل، فذاك لأن أمراً عظيماً قد شغله... فهو جليس داره منذ زمن ليس بالقليل، متشاغلاً بالقرآن، وفقا لأقيستة الفلسفية، متوهماً إنطواءه على التناقض. جلس الرجل متأدباً، وعلى ثغره إبتسامة يطبعها الحيا... تمنى لو كان يمتلك قدراً أكثر من الجرأة، لألقى الى الإمام بكل ما يدور في رأسه من أسئلة وإبهامات وشبهات، وبالذات ما يقوله أستاذه الكندي... كيف.. ومن أين تواتيه الجرأة، وهو بين يدي بقية البيت النبوي، الحسن بن علي العسكري، سلام الله عليه...؟! حطم الصمت، صوت هادئ ورصين، يقول معاتباً: - أما فيكم رجل رشيد، يردع أستاذكم الكندي، عما أخذ فيه من تشاغله بالقرآن.. فرح الرجل، وهو يرى الإمام يبادر الى إثارة الموضوع، فرد معتذراً: - نحن تلامذته، كيف يجوز منا الإعتراض عليه؟! فعرض عليه الإمام: - أتودي إليه، ما ألقيه إليك؟ رد الرجل مغتبطا: - نعم! أصغى بدقة الى الأمام، وهو يوصيه بالتلطف في مؤانسة الكندي وكسب ثقته، ومسايرته بعض الوقت، كمقدمة لفتح باب الحوار معه. ثم أرشده الى نقطة البدء، وإدارة الحوار من خلال بعض الأسئلة. خرج الرجل من عند الإمام وهو جذل... فإن كان قد دخل على الإمام قبل ساعة أعزلاً من السلاح، فقد غدى الآن مسلحاً... توقف لحظات محاولاً تركيز ما قاله الإمام في ذهنه، ثم عاد يغذ السير. غمر الكندي الإرتياح، إذ وجد في أحد تلاميذه، من هو أكثر طاعة له وحفاوة من بنيه... لا يريد شيئاً إلا ووجده حاضراً... ولا ينهى عن شيء إلا وسارع للكف عنه... يا له من تلميذ مطيع ومهذب. ...وربما تسرب الى نفسه بعض الشك: لعلها: مأربة لا حفاوة... إلا أنه بالغ في نفي ما جال في نفسه من خاطر سوء... ثم انصرف الى مراجعة الكتاب الذي بين يديه... ينبغي أن ينتهي اليوم من المراجعة... إنه ليخشى أن يفارق الحياة ولم ير الكتاب النور... أيجدر أن يسمع الناس بالآراء البكر التي قال بها الكندي حول القرآن، ولا يقرأونها... وفي تلك اللحظة، استأذن تلميذه الأثير بالدخول عليه... فرحب به وقال مشيراً للكتاب: - أرجو أن أنتهي منه اليوم. فابتسم التلميذ، وقال: - قد حضرتني مسألة أسألك عنها... - سل يا ولدي... رد الكندي متلطفاً... قال التلميذ: - إن أتاك هذا المتكلم بهذا القرآن... هل يجوز أن يكون مراده، غير المعاني التي قد ظننت إنك ذهبت إليها؟ تأمل الكندي طويلاً قبل أن يقول: - من الجائز. شعر التلميذ بشيء من الزهو... إلا أنه حرص إلا يرى ذلك الأستاذ منه، فأطرق وهو يقول: - فما يدريك، لعله قد أراد، غير الذي ذهبت أنت إليه، فتكون واضعاً لغير معانيه. رد الكندي وهو يتأمل: - أعد علي..! فأعاد التلميد كلامه. بدا الكندي سارح الذهن للحظات، وراح يقول مع نفسه بصوت شبه مسموع: إن ذلك محتملاً وسائغاً في النظر... ثم التفت الى تلميذه، وقال: - أقسمت عليك، ألا أخبرتني، من أين لك هذا؟! أجاب التلميذ متستراً على الحقيقة. - إنه شيء عرض بقلبي فأوردته عليك. فأشاح الكندي بوجهه وهو يقول: - كلا ما مثلك من اهتدى الى هذا، ولا من بلغ هذه المنزلة... ثم نزع على كلماته صيغة الأمر، وهو يسأل: - عرفني من أين لك هذا؟! فاستخذأ التلميذ وقال: - أمرني به الإمام العسكري. فهز الكندي رأسه مراراً وهو يقول: - الآن جئت به... ما كان ليخرج مثل هذا، إلا من ذلك البيت. قال ذلك، ثم نهض، وكأنه عزم على شيء ما. اجتاحت التلميذ، موجة غامرة من الفرح... أحس أن كلمات الإمام التي ألقاها لأستاذه، نفذت الى سويداء قلبه...! عجباً... أي سر إنطوت عليه تلك الكلمات... وأي سحر وقوة نفوذ تملكها... ولماذا اختار الإمام هذه العبارات دون غيرها... يا له من تشخيص دقيق... سلام الله عليكم أهل بيت الرسالة... طبكم واحد... وأبوكم المصطفى الدوار بطبه... يا لها من نسخة شافية...! العجيب: أن الأستاذ شخصها بدقة... قال جازماً: ما مثلك من اهتدى الى هذا الكلام... ما كان ليخرج مثل هذا، إلا من ذلك البيت... ولكن لماذا تراه نهض بكل هذه المهمة... وما عساه أن يفعل؟! ونوى في نفسه، إنه لن يغادر مجلس أستاذه اليوم، ما لم يتجلى له هذا الأمر. لم يطل إنتظار التلميذ... فقد عاد الكندي الى مجلسه، لكنه عاد بجسمه، أما عقله، فقد كان مسرحاً مضطرباً لمعركة حامية الوطيس... كان يهمهم مع نفسه، وكأنه يحاور شخصاً آخر: - كيف فاتك ذلك، كيف...؟ ألم تكن تعرف أن القرآن حمال ذو وجوه...؟! ثم يجيب نفسه: - بلى، إنك لتعرف...! ثم يرد قائلاً: - إذن لماذا؟... لماذا ركبت هذا المركب الصعب؟! خمن التلميذ أن الأستاذ يعيش حالة من تبكيت الضمير، أو لعلها ندم على ما أضاع من جهد ووقت في تأليف الكتاب... فكر في سؤاله... رمقه بنظرة خاطفة، فتيقن أن المعركة لم تضع أوزارها بعد، فتقهقر... شعر بالمواساة تجاه أستاذه... حقاً أن الأمر ليس بالشيء الهين... فمن الصعوبة بمكان أن يتنازل الإنسان عن رأيه... وهو أن فعل فذو نصيب من الشجاعة كبير..! إنتبه على صوت الأستاذ ينادي خادمه: - أسجر التنور...! نهض ولم تمض سوى دقائق، حاملاً الكتاب بيد، ومشيراً بالأخرى لتلميذه، وهو يقول: - هيا بنا...! أطاع التلميذ، دون أن يعرف بغية الأستاذ... لم يكن يعرف أن الكتاب سيصبح طعمة للنار بعد قليل... وعلى وهج النار التي تأججت أكثر وأكثر بعد أن رمى الكندي الكتاب في التنور، قرأ التلميذ على وجه أستاذه، نهاية المعركة التي كان رأسه مسرحاً لها. ظل الأستاذ يلاحق بعينيه، آخر أوراق الكتاب المشتعلة، حتى تحول بكامله الى كتلة من رماد... وعندها ابتسم، والتفت الى تلميذه قائلاً: - أرأيت؟ سارع التلميذ ليقول: نعم... دون أن يفهم ما الذي عناه أستاذه بهذا السؤال... عاد الى بيته بعد أن ودع أستاذه، وذهنه مشغول بما قال... ثم توقف ونكث رأسه بإصبعه، وهو يقول: وجدتها... لابد أنه أراد أن يحملنيها رسالة جوابية للإمام العسكري. التضحية الفريدة - 43 2015-03-05 10:28:39 2015-03-05 10:28:39 http://arabic.irib.ir/programs/item/12118 http://arabic.irib.ir/programs/item/12118 فشل مهمة الوفد الذي انتدبته الزعامات القرشية الى الحبشة، خلق نكسة نفسية كبيرة لديها، وأثار مخاوفها الحقيقية من خروج الدين الذي بشر به محمد من نطاق سيطرتها في مكة، ليمتد الى آفاق جديدة... الذي عزز خشية رجال مكة، أن النجاشي زعيم الحبشة، أعطى المسلمين اللاجئين الى بلاده، الحرية التامة في ممارسة عقيدتهم، باسطاً عليهم كامل حمايته... بل والأكثر من ذلك، إعترافه بشرعية دين محمد... ألم يعلن صراحة أمام الوفد القرشي ولفيف المهاجرين، ورجال الدين والحكومة في بلاطه أن ما جاء به عيسى ومحمد إنما هو نبع من عين واحدة..! أجل... لقد أصبح أمر محمد خطيراً جداً... ها هو يكتسب الأتباع والأنصار يوماً بعد آخر، رغم التعذيب والتنكيل الذي تصبه قريش عليهم... وها هو يحرز الإعتراف، ليس على مستوى القبائل العربية في جزيرة العرب واليمن، بل وفي الحبشة أيضاً... ولكن، هل فقدت قريش يا ترى، كل أوراقها الضاغطة، ولم تعد تستطيع الوقوف بوجه تقدم دين محمد... كلا إنها لازالت قادرة على فعل الكثير... إنها تحتفظ بالرأس... إن محمداً نفسه لازال بين ظهرانيها... وماعسى أن يفعل أتباع محمد، إذا ماأصبحوا يوماً ولم يجدوه...! إرتسمت إبتسامة شيطانية على وجه أبي سفيان الذي كان رأسه نهباً لكل هذه الأفكار... لكنه سرعان ما تقطب متساءلاً في سره، إن كان سينجح في استقطاب آراء رجالات قريش الآخرين لخطته، أم لا؟ على خلاف إجتماعاتها السابقة، أحيط إجتماع دار الندوة هذه المرة بالسرية التامة... القدر الذي تناقلته الأفواه وقتها: إن الإجتماع الذي عقد بدعوة من أبي سفيان، قد ضم ستة عشر رجلاً من كبار زعامات قريش، وإنه يستهدف مناقشة موضوع في غاية الخطورة. معالم الوجوم والإحباط الممزوج بالغضب، كانت هي السمة الغالبة على الحضور... وردد المكان سعالاً مفتعلاً، وصوت عروة بن هشام وهو يقول دون مقدمات: - نتربص به ريب المنون! نظر بعضهم في وجه بعض، دون أن ينبس أحدهم بشفة... تشجع العاص بن هشام، ليقول بحماس زائد: - بل نخرجه وننفيه من بلدنا، ولا نبالي أين، فنستريح من أذاه. رد عليه أحدهم: ألم تر حسن حديثه، وحلاوة منطقه... ثم أجال بصره في القوم، وأضاف: - لو فعلتم ذلك، لحل على حي من أحياء العرب، فتغلب عليهم حلاوة منطقه، ثم يسير بهم إليكم، حتى يطأكم، ويأخذ أمركم من أيديكم. تنحنح العاص بن وائل، وقال: - أنا وأمية نرى أن يبنى له بنيان يستودع فيه، فلا يصل إليه أحد. أجاب ثان بعصبية: - بئس الرأي ما رأيتما... لئن صنعنا ذلك، يسمعن هذا الحديث، الحميم والحليف، ثم لتأتين المواسم والأشهر الحرم بالأمن، فلينتزعنه من أيديكم... جاء الدور لعتبة، ليعبر عن رأيه ورأي أخيه شيبة وأبي سفيان: - نرحل بعيراً صعباً، ونوثق محمداً عليه، ثم نقطع البعير بأطراف الرماح، فتقطعه إرباً إرباً. أبو جهل الذي بدا مستهيناً بما سمع، لم يعلق بشيء... بيدأنه قال: - لكني أرى لكم رأياً سديداً... وهو أن تعمدوا إلى قبائلكم العشر، فتندبوا من كل قبيلة رجلاً نجدا... ثم تسلموه حساماً عضباً – أي قاطعاً – حتى إذا غسق الليل قتلوه... فيذهب دمه في القبائل من قريش، فلا يستطيع بنوهاشم وبنو عبدالمطلب مناهضة قريش، فيرضون بالدية... تعالت أصوات التأييد من أغلب الحاضرين: - أصبت يا أبا الحكم... هذا هو الرأي، فلا نعدل به رأياً. وكما لو أن الرجال ملوا النقاش، أو لعلهم خشوا أن يطرح رأي جديد يثير الخلاف، نهضوا سراعاً بعد أن اتفقوا على ساعة الصفر. مسح العرق الذي تفصد به جبينه المشرق، وراح يتأمل ثانية الكلمات التي هبط بها الوحي الإلهي إليه آنفاً... "وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ"(سورة الأنفال/30) قرأ رسول الله (ص) خيوط المؤامرة بتفاصيلها... فلم ينتظر طويلاً، بل قال: أدعوا لي علياً! علي (ع) الذي فارق النبي قبل برهة قصيرة، لم يتوان عن إجابة النبي (ص) فدخل عليه ملقياً التحية، ثم سكت تأدباً. إبتسم النبي (ص) وقال: - يا علي: أوحى إليّ ربي أن أهجر دار قومي، وأنطلق إلى غار ثور، تحت ليلتي... وأنا آمرك بالمبيت على مضجعي، ليخفى بمبيتك عليهم أمري... فما أنت قائل؟ رد علي وحالة من الترقب تختلجه: - أو تسلمن بمبيتي هناك يا نبي الله؟ أجاب النبي (ص): - نعم. فتبسم علي (ع)، ثم هوى الى الأرض ساجداً شكراً لله، ثم قال: - إمض يا رسول الله فيما أمرت، فداك سمعي وبصري وسويداء قلبي، وأمرني بما شئت، وما توفيقي إلا بالله. بدأ الليل يلقي سدوله الثقيلة على مكة... ومع الهدوء الذي أخذ يشيع في أحياءها... كانت هناك أصوات تنطلق في الخفاء متهامسة، دون أن يبين قائلها...! ... وبعد مشوار غير طويل، توقفت الأشباح طويلاً، مترصدة قرب إحدى الدور، وقد انتشرت بنحو يؤكد نيتها ضرب حصار على الدار. ومع اقتراب منتصف الليل، بدت الدار نائمة مطمئنة... بل لم تكن توحي بأنها آهلة، لو لا وجود فراش في باحتها، تمدد عليه رجل اشتمل ببرد حضرمي... وفجأة سمع وقع أقدام تجري.. فهب صاحب الفراش الذي بدى في غاية الفطنة... وتفرس في المهاجمين، قبل أن يزعق فيهم زعقة زلزلتهم... ثم اختطف سيف أحدهم، وشد عليهم... فتصايحوا: - إنك لعلي؟! قال الرجل: - نعم أنا علي... - قالوا إنا لم نطلبك... حدجهم علي (ع) بنظرة ملتهبة، كأنها تفصح: لأي شيء إذن اقتحمتم الدار.... ردوا بارتباك: - نريد... نريد محمد، فأين محمد؟ أجابهم علي بتهكم: - أجعلتموني حارساً عليه... ثم هز السيف ثانية في وجوههم... فصرخوا: - إحبس نفسك عنا يا ابن أبي طالب..! توقف علي كمن شعر بالحرج، وهو يلاحظ شدة الهلع التي المت بالقوم، فجعلتهم يتكدسون عند الباب متدافعين للخروج، غير مصدقين بالنجاة... ليلة كغيرها مرت في حساب الزمن.. لكنها ليلة خلدتها السماء... بخس كتاب التأريخ حقها، لكن كتاب الله، عظمها، وأشاد فيها في قرآن يقرأ ليل نهار... لماذا؟!... لأنها شاهدة على أعظم تضحية عرفها التأريخ... "وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ" (سورة البقرة/207) العقد المبارك - 42 2015-03-05 10:28:45 2015-03-05 10:28:45 http://arabic.irib.ir/programs/item/12117 http://arabic.irib.ir/programs/item/12117 جلس يستريح بعد مشوار طويل من السير الحثيث... لا زالت الصحراء ممتدة أمامه على مرمى البصر... كانت عليه أسمال بالية، مخرقة في أكثر من مكان... وإذا أضافها الرائي الى ملامح الشيخوخة المتهدمة والتعب المضني، حسب صاحبها أنه قد بعث تواً من القبر! عاد يواصل مسيره ثانية بمشقة وأناة... يمشي مشواراً قصيراً ثم يضع يده على بطنه، وكأنه يعاني ألماً أشد من التعب وجهد المسير الذي بدا عليه واضحاً... وعلى إمتداد الطريق الطويل الى المدينة المنورة وجهته، لم يتحدث الى نفسه كما يفعل المسافر عادة، عندما يخلو له الطريق... كأنه انطوى على سر ما لا يريد البوح به! توقف ينظر الى الشمس المائلة للمغيب.. كان يخشى أن يحل عليه الليل دون أن يصل الى بغيته. إستأنف السير وهو يحس أن العطش قد أضر به... تفقد متاعه القليل، والذي لم يكن غير قربة ماء صغيرة... أراد أن يأخذ جرعة منها، بيد أنه كف نفسه، خشية أن تنفد صبابة الماء التي يحملها، فيهلك وسط الصحراء... توقف ثالثة كمن فوجئ... ولأول مرة تنفرج غضون وجهه عن ابتسامة... إنه يعرفها... أجل، ها هي معالم المدينة المنورة، وإن كانت غير واضحة بعد تمام الوضوح. صفوف المصلين الطويلة التي انتظمت خلف النبي (ص) كمستطيل امتد مع مسجده الواسع، سرعان ما شكلت نصف دائرة بعد فراغ امام الصلاة، لتتحلق حوله... وبدا الجميع يتسابقون، ليكون كل منهم الأقرب في مجلسه من النبي... أما هو (ص) فقد كان يوزع نظراته الحانية بين جلسائه، وعلى ثغره إبتسامة مفعمة بالحب، مكتنزة بالرحمة... تشيع في النفس البهجة والأمن معاً...! ورغم إشراقة ملامحه الشريفة، إلا أنه كان يمكن للعين البصيرة أن تلمح عليها خطوطاً من الجهد أو الضعف... ربما كانت بأثر الجوع... من يدري...؟ فلعل النبي صائما... كان (ص) قد فرغ للتو من الرد على سؤال أحد أصحابه، عندما لمحت عينه شيخاً طاعناً في السن، عليه اسمال خلقه، قد دخل المسجد، ووقف غير بعيد عنه. أقبل عليه النبي وهو يبتسم مستطلعاً... ألقى الشيخ السلام بصوت مرتعش، وقال وهو يضع يده على بطنه: يا نبي الله؛ إني جائع الكبد فأطعمني، وعاري الجسد فاكسني، وفقير فارشني (أي أحسن إلي). اصطبغ المحيا المبارك للنبي بغشاء شفيف أحمر، واطرق ثم قال وقد خالط بسمته الحياء: ما أجد لك شيئاً... ثم رفع رأسه وأردف: ولكن الدال على الخير كفاعله... قال ذاك ثم حدق في أصحابه، كأنه يبحث عن أحد بعينه، ثم أشار الى بلال، وقال: يا بلال قم فقف به على منزل فاطمة... محمد (ص) الذي وصفه ربه بأنه (رحمة للعالمين) لم يكن يسيغ طعاماً وعنده جائع... إنه ليقدم طعامه للجياع، ويبقى طاوياً، ربما أياماً... كان ديدنه عندما لا يجد شيئاً يعطيه لسائل، أن يرسله الى بيت علي زوج ابنته فاطمة (عليهما السلام) ولم تكن هذه المرة، الأولى التي يمر فيها اليوم واليومان والأكثر، والثلاثة جياع، لم يطعموا شيئاً... كانت فاطمة تحس بالضعف، مترقبة مجيء علي، فلربما حمل الى البيت شيئاً؛ إذ فوجئت بصوت مرتعش لرجل من وراء باب البيت: السلام عليكم يا أهل بيت النبوة...!! ردت فاطمة: وعليك السلام، فمن أنت؟! قال صاحب الصوت: شيخ من العرب، أقبلت على أبيك مهاجراً من شقة بعيدة... وأنا يا بنت محمد عاري الجسد، جائع الكبد، فواسيني يرحمك الله..! سارعت فاطمة الى عقد كان قد أهدي إليها، فناولته للرجل وهي تقول: خذه وبعه، عسى أن يعوضك الله بما هو خير منه. كان النبي (ص) لا يزال في المسجد وحوله أصحابه، عندما عاد الشيخ، والفرحة الغامرة تطل من عينيه.. تقدم رافعاً صوته اللاهث: يا رسول الله... أعطتني فاطمة هذا العقد، وقالت لي بعه! بان السرور واضحاً على القسمات النورانية... ثم سمع صوته المبارك، وهو يبكي بهدوء. نهض عمار بن ياسر، وقال مخاطباً الشيخ: بكم تبيع العقد يا شيخ؟ فنظر الرجل الى عمار، ثم مد يده بالعقد إليه، وهو يقول: بشبعة من الخبز واللحم، وبردة يمانية أستر بها بدني وأصلي لربي، ودينار يبلغني الى أهلي... فقال عمار: لك عشرون ديناراً ومائتا درهم، وبردة يمانية، وراحلتي تبلغك الى أهلك، وشبعك من خبز البر واللحم. عرف عمار قيمة العقد، فبادر إلى شراءه... لم يكن ليهمه ثمنه في حساب الدنانير والدراهم... المهم أنه يحمل عبير الرسالة...! فهل تراه يقتنيه، أن يتجر به... وبكم سيقتنع إبن ياسر ثمناً له...؟ حرصاً استثنائياً أبداه للحفاظ عليه... فقد أعد عمار بردة يمانية خاصة، ثم طيب العقد وأدرجه في البردة. - يا سهم! نادى على غلام مملوك له... فأجاب غلام بدت عليه مخائل الفطنة: - نعم يا سيدي...! - خذ هذا العقد، فادفعه الى رسول الله (ص) وأنت له. فرح سهم... يا له من شرف كبير... أيتولى خدمة رسول الله بنفسه! إنطلق كالسهم... ألقى التحية على رسول الله (ص) وأبلغه مقالة عمار.... تبسم النبي (ص)، وقال: إنطلق الى فاطمة، فادفع إليها العقد، وأنت لها... سهم الذي نال حريته على يد سيدة النساء، ضحك، عندما أبلغته أنه عتيق لله... فقالت له: ما يضحكك يا غلام؟! فقال ببديهة حاضرة: أضحكني عظم بركة هذا العقد... أشبع جائعاً، وكسى عرياناً، وأغنى فقيرا، وأعتق عبداً، ورجع الى صاحبه...!! نفحة من عطائهم - 41 2015-03-05 10:23:22 2015-03-05 10:23:22 http://arabic.irib.ir/programs/item/12116 http://arabic.irib.ir/programs/item/12116 لا يدري لماذا يحس – رغم لفح الحر – برداً يخامر قلبه...! لماذا كل هذا الشعور من السلام يداعب روحه، منذ دخل البستان صباحاً... عاد يضرب الأرض بمسحاته بقوة بعد توقف قصير... إنغمس في العمل ساعة في نشاط رؤوب لا يعرف كنهه... توقف عن العمل ثانية... ركز المسحاة في الأرض مسح العرق عن جبينه الأسود.. مط قامته تدريجياً، ثم انحنى.. إختطف جرة ماء صغيرة بالقرب منه، شرب جرعة منها وأعادها الى مكانها... ألقى نظرة شاملة على البستان... هم أن يتناول المسحاة ثانية، إلا أنه سمع طرقاً على الباب، بادر مسرعاً إليه... من تراه يتفقده في مثل هذه الساعة من الصباح...! فتح الباب ليفاجأ بسعيد... هتف دون قصد: يا لصديقي المسكين... ما الذي جاء بك في هذا الوقت... أو ترى سيدك أعفاك من العمل اليوم...؟ رد سعيد وغمامة من الألم واليأس تطوف بسحنته السوداء: أتحسب أنه يعفيني ساعة.. لا يا صاحبي.. زفر بقوة وأردف: شدد عليّ أن أعود سريعاً الى البستان. - هيا الى الداخل! - كلا لا أستطيع.. إنه يعد علي أنفاسي... جئت أتفقدك سريعاً وأعود... قال ذلك وأدبر منصرفاً... استوقفه صافي... هرع الى داخل البستان، إختطف جعبة صغيرة كان قد علقها في شجرة التوت القريبة... تناول منها رغيفاً وعاد مسرعاً الى صاحبه... ناوله الرغيف، أظهر الآخر بعض التمنع... ثم أخذ الرغيف وانصرف. عاد صافي الى البستان وقد ركبه شيء من الوجوم... قصد شجرة التوت، جلس مستنداً الى جذعها... ملامح صديقه سعيد المكدودة، ذكرته بمسيرة العمل اليومي الشاقة التي يكابدها هذا المسكين على يدي سيده اليهودي... قبل شروق الشمس ينطلق الى البستان ضواحي المدينة المنورة، ها هنا غير بعيد عن البستان الذي يعمل هو فيه... ولا يعود من العمل إلا مع حلول الظلام. كانا معاً قبل أن يبيعهما تاجر العبيد.. هو اشتراه سبط النبي (ص) الحسين (ع)... أما سعيد البائس فكان من نصيب تاجر يهودي. إبتسم بمرارة وقال: لو لا أن تداركني رحمة ربي لكان مصيري كمصيره، وكتيار جارف إنهالت عليه كلمات سعيد الثائرة المتمردة، وقد تحدثا يوماً عن مستقبلهما... - عن أي مستقبل تتحدث... عبودية ومستقبل!! وأردف بنفس النيرات الحادة المتوترة: العمل الشاق واللقمة الجافة والإمتهان والمصير المجهول... وهل لما يسمونه بالعبد أن يفكر بأفق أرحب؟!... ليس له أن يحلم بقدر من الحياة الناعمة أو الترف، فذلك أمر مستحيل... حسبه أن يحقق قدراً من الكرامة الإنسانية، أن تكون له أسرة تحتضنه، وبيت دافئ يؤوي إليه بعد مشوار العمل الطويل والشاق... حمد الله ثانية، فها هو يرفل بنعمة وكرامة لا يقدران بثمن، أغدق بهما سيده عليه. أحس أنه تأخر بعض الشيء عن عمله... نهض... أعاد جعبته الى مكانها على الشجرة... وعاد يعمل... لم يدر كم مضى عليه من الوقت... غير أنه عندما نظر الى الشمس، محتمياً بكفه من أشعتها، تيقن حلول صلاة الظهر... ركز مسحاته في الأرض، وأقبل على الساقية، أسبغ الوضوء على عجل، ووقف للصلاة. انفتل من صلاته.. تناول جعبته الصغيرة، وتهالك عند شجرة التوت ثانية.. مدد رجليه.. شعر بشيء من الإسترخاء في أطرافه.. فتح جعبته.. وانساب الى أذنيه على حين غرة تغريد بلبل وقع على شجرة قريبة.. ترنيمة تأخذ باللب.. يا إلهي أي سحر هذا... كثيراً ما سمع البلبل يشدو... ولكن ليس كهذا الترنيم الهامس كماء رقراق ينساب في السواقي الصغيرة.. كنسيمات الصباح في الربيع، تورق براعم الأمل في الحياة، وتسبغ عليها ألواناً زاهية ساحرة. تنفس الصعداء وكأنه رأى أن غمامة الوجوم التي حاصرت روحه بعد لقاءه القصير بسعيد تتمزق... بل وينزاح تماماً شبح الكابوس الذي أثقل صدره! شعر بجفاف فمه... بل ريقه بجرعة ماء من جرته، وحمد الله... إستخرج رغيفاً من جعبته التي سها عنها، وضع كسرة في فمه، وراح يلوكها وهو يمسح البستان بنظرة شاملة.. تناول ثانية وثالثة و... ثم التفت الى الخلف على إثر خشخشة خفيفة... وقعت عيناه على كلب ضاوي الجسم هزيل... فوجئ لأول مرة، من أين أتى هذا الكلب... إنه ليبدو غريباً.. هز الكلب ذيله بوهن وكأنه يستعطفه...! سارع صاحبنا الى إلقاء نصف الرغيف الذي بقي في يده إليه... إزدرد الكلب الخبز بسرعة وعاد يهز ذيله..! همس مع نفسه: أيا للمسكين... كم هو جائع...! استخرج رغيفاً ثانياً... ألقى بنصفه للكلب وأخذ في تناول الباقي.. وبوغت بمن يحييه... يا الهي إنه صوت سيده.. وهل يخطئه السمع... التفت الى الناحية الأخرى على عجل، ليرى الحسين (ع) بتلك القسمات البهية المشرقة... قال بشيء من الإرتباك: يا سيدي وسيد المؤمنين، إني ما رأيتك، فاعف عني...! فقال الحسين (ع) وعلى ثغره إبتسامة محببة، إجعلني في حل يا صافي، لأني دخلت بستانك بغير إذنك..! رد بحياء: بفضلك يا سيدي وكرمك وسؤددك تقول هذا، أجابه الحسين (ع) والبسمة لا تفارق شفتيه: رأيتك ترمي بنصف الرغيف للكلب وتأكل النصف الآخر، فما معنى ذلك؟! قال وهو يشير للكلب: إن هذا الكلب ينظر إلي حين آكل، فأستحي منه يا سيدي بنظره إلي... غابت الإبتسامة فجأة عن وجه الحسين، وكأنها شعلة مصباح إنطفأت.. وبكى.. بكى الحسين (ع)... ثم رفع رأسه، وقال: أنت عتيق لله... وقد وهبتك ألفي دينار! فقال صافي: إن أعتقتني فأنا أريد العمل ببستانك.. فقال الحسين (ع): (إن الرجل إذا تكلم بكلام، فينبغي أن يصدقه بالفعل.. فأنا قد قلت: دخلت بستانك بغير أذنك، صدقت قولي، ووهبت البستان وما فيه لك). ملأت أذنيه الكلمات التي فاه بها سبط الرسول (ص)، ووعى معناها تماماً.. ولكن.. أيمكن له أن يصدق أنه لم تعد له صلة بالرق.. إنه فارق عهد العبودية.. إنفك عن سني الذل والإضطهاد التي عاناها قبل أن يحل كريماً على آل البيت النبوي... أن يرتفع من الوهدة التي كان فيها، إلى مصاف السادة، فيكون له كما للأحرار بيت وأسرة... أن يتعامل معه المجتمع بإكرام وإعزاز...! يا الهي، أحس أن قلبه لا يطيق تحمل هذه الفرحة الكبيرة... ومع دموع الفرح الغزيرة التي انهمرت على وجهه، كانت كلمات الشكر لله التي لهج بها لسانه تخرج مقطعة مبحوحة... وفيما اكتست صفحة السماء بحلة الشمس الذهبية بُعيّد الأصيل، امتلأ البستان بزقزقة الطيور العائدة الى أعشاشها، وكأنهما يعدان لمهرجان احتفالي كبير..!! الفجر الصادق 3 - 40 2015-06-07 08:34:19 2015-06-07 08:34:19 http://arabic.irib.ir/programs/item/12115 http://arabic.irib.ir/programs/item/12115 خبير البرنامج: الدكتور سعد الشحمان خلاصة القسم الأول والثاني عشنا في الحلقة الأولى مع صورة للحياة الجاهلية بقسونها وهمجيتها، بتعطشها للدماء، بجهالتها وبلادتها وإنغلاقها الفكري ولاحظنا في طرف من الحوار الذي سيق هناك إحتفاء العرب بأيامهم تلك التي تمثل في غالبها غارات قتل وسبي ونهب وسلب. وفي وجه آخر من تلك الصورة الجاهلية رأينا جانباً لايقل عتمة وظلامة، رأينا الطفولة البريئة تنتزع من احضان الأمومة الدافئة الحنونة لتدس في التراب فالبنت مجلبة للعار وهي لهذا لاتستحق الحياة. وكالملاك الطاهر عندما يهبط بلباسه النقي الناصع البياض من السماء ليخطو على الأرض كان هناك رجلان يتناجيان بحديث جميل يلذ للآذان سماعه، إنه حديث السماء، حديث الخلاص، حديث الثورة على الواقع الجاهلي المظلم. لقد كان الحوار ذاك إرهاصاً لإعلان الرسالة المنقذة، أجل الإعلان الذي أقلق على قريش ومكة نومها وأيقظها من سباتها العميق. القسم الثالث كانت هجرة الرسول صلى الله عليه وآله وأتباعه من مكة الى يثرب مفاجئة كبيرة أذهلت قريش وزعامات الشرك وأثارت أحقادهم وضغائنهم الى أبعد حد أما وقد يجد المسلمين وأصبح لهم كيانهم وقاعدتهم القوية التي ينطلقون منها في تحركهم فقد أطال ذلك صوابهم وفجر مخزون أحقادهم اللئيمة. فماذا يفعلون ومحمد وأتباعه ليسوا في متناول أيديهم هل هناك من سبيل آخر للتنفيس عن نيران الأحقاد المضطرمة في نفوسهم غير أن يصبوا أسواط عذابهم على المسلمين المستضعفين الذين لم يتمكنوا من اللحاق بركب الرسول او أن يغروا على بيوت المسلمين المهاجرين ينهبونها ويخلفوا لعوائلهم الحرمان والمعاناة. وفات الزعامة القرشية أن عواقب اللعبة التي إختارتها ستهدد فريش نفسها وتجارتها وثروتها فالموقع الجغرافي للمدينة المنورة قد خولها لأن تتلاعب بمصير مكة متى شاءت وتقطع عليها طرق قوافلها وهكذا كان. ففي احد الأيام أقبل أحد المسلمين تشتد به فرسه ولما بلغ مسجد الرسول قفز من على ظهر جواده فإعترضه آخر سائلاً: خير؟ ماذا وراءك ياأخاه؟ قافلة كبيرة لقريش مقبلة من الشام وعلى رأسها أبو سفيان. يا الله اذن إسرع وأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله. ويتجهز المسلمون لإعتراض القافلة غير أن الأمور تسير على نحو آخر فتبتعد القافلة عن الطريق الرئيس وتتسامع قريش بالنبأ فتعبء جيشاً كبيراً لحرب المسلمين. تقدم رجال من معسكر المشركين ليحملوا قتلاهم الثلاثة فيما حمل البطلان المسلمان رفيقهم الجريح. كانت خسارة المعسكر القرشي فادحة فقد فقد في لحظات ثلاثة هم خيرة مقاتليه ولم يعد بوسع قادته وقد خشوا من أن تدب الهزيمة المعنوية الكاملة بين صفوف جيشهم إلا أن يعطوه شارة الإلتحام. ومع حركة الجيشين إختلطت أصوات المقاتلين وصهيل الخيل ورغاغ الابل وإرتفعت سحابة كبيرة من الغبار ثم تعالت قعقعة السلاح معلنة عن صدام ضري بين الجيشين. دارت الحرب وإضطرمت وحمى وطيسها وتداعت الأصوات وتجاوبت الأصداء وزلزلت أقدام وثبتت أخرى. وسواعد المسلمين تضرب بقوة الايمان وتعلو أسيافها في جماجم ورقاب العدو بثبات وصلابة تحسد عليها. بدت الكفة تميل بوضوح لصالح الجيش النبوي وشيئاً فشيئاً أخذ الإضطراب يدب في الجيش الوثني وعمت الفوضى ثم وقعت الهزيمة المنكرة وإنهزم الجمع وولوا الدبر. ورددت الأفواه بقين وقوة: الله أكبر.... الله أكبر وتجاوبت سهول ووديان بدر مع هذه الصرخة المدوية وظلت هاتان الكلمتان الربانيتان تتماوجان في الفضاء كنغمتين أبديتين تبعثان على الشعور بالجلال والخشوع. دخل غلام أبي سفيان أحد أندية قريش ليهمس في أذن سيده بضع كلمات وينسحب وعلى الأثر ودع أبو سفيان جلساءه وخرج. وعند الباب قال لغلامه الذي وقف ينتظره: تقول إنه حيي بن أخطب؟ أجل ياسيدي! وأين تركته؟ أدخلته الدار وقلت له إن سيدي سيحضر حالاً. حسناً فعلت!! هههه أهلاُ بك يابن أخطب. كيف هو حال إخوتنا من يهود يثرب؟ وهل يبقي لنا محمد حالاً نحمد عليها؟ لك الحق خصوصاً بعد أن ركبه الغرور فأبعد إخوانكم من بني النظير عن ديارهم. إسمع يابن حرب إنني ما جئتك إلا في أمر هذا الرجل، فهل أنتم صارمون وحازمون في رأيكم بإجتثاث دعواه وإخماد جذوته أم أنكم سئمتم الحرب؟ هات ما عندك يابن اخطب فإنك أعلم أننا أحرص على هذا الأمر. الأمر عندي هين وهو أن أقنع اليهود على حربه وتساعدني في إقناع قبائل العرب واذا ما إستطعنا جمع أمرهم على القتال فهل ترى لمحمد بعد ذلك من باقية؟؟ أطلق الرجلان ضحكة عالية وعلق أبو سفيان قائلاً: نعم الرأي ما رأيت. ينجح اليهود في تأليب القبائل العربية على النبي صلى الله عليه وآله وتجيء الأحزاب بكيدها وخلف أبي سفيان تخفق رايات قريش وبني خزاعة وأشكع ومرة وسليم وبني سعد وبني أسد وغيرهن من قبائل العرب. ويحمل النبأ للنبي صلى الله عليه وآله: أنهم عشرة آلاف مقاتل يارسول الله!! "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله الله مع الصابرين" ويعلن الرسول بعدم مغادرته المدينة والتحصن فيها لمواجهة العدو. ووقف صلى الله عليه وآله يخطط للمعركة، يلقي نظرة متأنية فيستوعب الموقف بكامله. كانت المنازل القائمة على الجبهتين الشرقية والغربية للمدينة عالية كأنها سور منيع ومن الجنوب حيث يقع حي يهود بني قريظة يتكون المدينة آمنة ايضاً لو أنهم حافظوا على عهدهم مع رسول الله. اذن فلم تبق امام العدو إلا ثغرة واحدة يمكنه النفوذ منها وهي الجهة الشرقية. إلتفت رسول الله الى اصحابه وسألهم أن يشيروا عليه، عمّ الصمت للحظات إلا أن رجلاً تقدم وقال: إنا كنا بفارس اذا حوصرنا خندقنا علينا!! بان البشر على ملامح رسول الله وعرف المسلمون أن النبي إستحسن إقتراح سلمان الفارسي فإندفعوا يحفرون والقائد بينهم يضرب بمعوله كأحدهم. عاد الرجل يكرر دعوته بزهو وخيلاء وتبجح: هل من مبارز؟ وعاد شاب أسمر يمتلأ قوة ورجولة أن يقول: أنا له يارسول الله! ردّ الرسول للمرة الثانية بالقول: إجلس إنه عمرو! أجال رسول الله نظرة في المسلمين وهو يقول: من له؟ وله الجنة!! كان الحصار المفروض على المسلمين على أشده خصوصاً وقد نقض بني قريظة عهدهم مع الرسول وكان الخوف قد إستبد بالمسلمين فطأطأت الهامات المرفوعة وإنكمشت وبلغت القلوب الحناجر ولاذ الجميع بالصمت إلا صوتاً واحداً أجاب رسول الله... وإن كان عمرواً؟؟؟ وتقدم! تقدم علي ليكتم انفاس عمرو بن عبدود العامري ويعود حاملاً رأسه. وهكذا فك علي الطوق عن اسلامه المحاصر ينطلق الى الآفاق، الآفاق البعيدة، يحرر النفوس والعقول ويعيد للإنسان كرامته التي منجه الله إياها ويرسم للبشرية المستقبل المشرق الوضاء. الزلزال 2 - 39 2015-06-06 09:03:38 2015-06-06 09:03:38 http://arabic.irib.ir/programs/item/12113 http://arabic.irib.ir/programs/item/12113 خلاصة القسم الأول وصل مبعوث الرسول صلى الله عليه وآله مكة المكرمة وهو يحمل كتاباً إبن عمه علي بن أبي طالب يدعوه فيه وأسرته للحاق به في يثرب. ويدخل المبعوث أبو واقد الليثي مكة حذراً إحتراساً من العيون التي تبثها قريش وبعد أن يأخذ مجلسه يعلن لعلي رغبته في إتمام الأمر سراً والخروج بالعائلة في جنح الظلام لأن لاتعلم قريش. إلا أن علياً ينتهزها فرصة لتحدي قريش وربما كانت لديه أوامر مباشرة بذلك من الرسول فيدخل على قريش أنديتها وهو يومها لم يتجاوز العشرين من عمره ويهتف أنه خارج بعيال محمد محذراً من تسول له نفسه اللحاق به، أنه سيفري لحمه ويريق دمه. ويقود قافلته بإتجاه يثرب ويقف أبو واقد والى جانبه أيمن مولى رسول الله صلى الله عليه وآله يسوق الرواحل وعلى ظهورها محامل أربعة من نساء البيت الهاشمي. كان أبو واقد يستحث رواحله على الإسراع خشية ملاحقة قريش إلا أن علياً يدعوه ليتمهل رفقاً بالنسوة. ليس إلا الله فأرفع ظنك يكفيك رب الناس ما اهمته. إنهم مهاجرون الى الله وهو قادر تعالى أن يكفي أولياءه. ثم ينتقل من الراوي الى أحد أندية قريش ليسمعنا جانباً من الجدل الدائر هناك حول خروج علي بأسرة محمد عدوهم اللدود وتحدي علي الذي أسموه صبي إبن أبي طالب. ويحرض بعضهم بعضاً مذكرين بموقف علي بالأمس ومبيته على فراش محمد محبطاً بذلك الخطة التي وضعوها لإغتيال النبي صلى الله عليه وآله. وينتهي الجدل القرشي بقرار إرسال كتيبة من خيرة فرسانهم لإعتراض قافلة علي وإعادتها راغمة الى مكة، وتتحرك الكتيبة المؤلفة من ثمانية فرسان بينهم مولى لحرب بن أمية كان يعد بعشرة فوارس يقتفون إثر القافلة وما إن يلمحوها تشق قلب الصحراء حتى يسارعوا اليها تدفعهم الأحقاد اللئيمة وبغرور وعنجهية لاحد لهما ينذر علياً أن عليه العودة بالقافلة وإلا سيعود بأكثره شعراً. غير أن علياً يرد عليهم بسخرية لاذعة ويبدأ الإشتباك بضربة مباغتة من فارس قريش الأسود رباح لعلي إلا أن علياً الشاب خاض تجربته القتالية الأولى بفطنة عجيبة بل معجزة فراغ عن ضربة غريمه بسرعة مذهلة ثم إعتلاه بضربة قاصمة قبل أن يستعيد توازنه جعلت منه في لمحة بصر شلوين متناثرين. وكان مثل هذا الموقف حرياً لأن يزرع الرعب في قلب فرسان قريش ويبث التخاذل بين صفوفهم وبالتالي يحول مجرى المعركة تماماً. ويتنادى الفرسان القرشيون وقد شلهم الرعب: إحبس نفسك عنا يابن أبي طالب!! ضربة علوية واحدة حسمت المعركة وفتحت الطريق من جديد في وجه القافلة لمواصلة مسيرها. ويشكل هذا الحدث الكبير لدى بلوغ القافلة المدينة المنورة إندفاعة معنوية كبيرة للمسلمين بعد أن يروا فيه أول انتصار للإسلام على عدوان قريش السافر واول رد منهم على إذلالها وإضطهادها لهم. القسم الثاني تسامع الناس بعودة كتيبة الفرسان التي أرسلت لإعتراض القافلة فهرعوا من كل مكان تدفعهم الرغبة لمعرفة ما حدث، وبعد وقت قصير كان هناك حشد كبير يقف بالإنتظار وعيونه مشدودة للطريق، ومن بعيد ترائى أشبه بالقافلة الصغيرة مقبلة إلا أنه لم يكن بالإمكان تمييزه بدقة. وظل الحشد المكي ذاك يرفع قدماً ويضع اخرى وهو يتململ في مكانه. إقتربت القافلة شيئاً فشيئاً وتسمرت العيون أكثر فأكثر لهذه النقاط السوداء المتحركة، بعد لحظات قليلة سمع من يقول: ما هذا؟ ونادى صبي بأعلى صوته: أراني أفتقد أحد الفرسان!! مع صيحات الإستفسار التي إنطلقت من هنا وهناك عاد الصبي ليرى أحد الجياد يقوده فارس آخر! بدت التساؤلات الممزوجة بالإستغراب تتردد على الأفواه لتتحول الى نبرة جهيمة وأخذ ورد. فجأة زعق أحد الرجال: صه!! كان موكب الفرسان يتقدم ويتقدم وهم مطرقوا الرؤوس وعلى وجوههم إرتسمت ملامح الخيبة والمرارة والهزيمة واضحة. من مقدمة الحشد تقدم رجل تحفه مظاهر الزهو والخيلاء، قال: ما هذا؟؟ أين رباح؟ لم يجبه أحد! عاد يتسائل بحدة وغضب: أقول أين رباح؟؟ رفع احد الفرسان رأسه ونظر اليه بإستخفاء وأجال بصره في الجمع المحتشد ثم إسترد وتمتم: لقد قتل! صرخ الرجل: تقول إنه قتل؟ ثار الفارس وزعق هو الآخر: أجل لقد قتل! ولكن كيف؟ كيف قتل؟ ومن الذي قتله؟ قتل، قتل وكفى!! ماذا؟ ألا يهمك أنه قتل؟ وماذا تراني فاعلاً؟ أتريدني أفدي مولاك بنفسي؟ أجل كان عبداً حقاً، ولكنك تعلم فارس ليس كالفرسان، إنه يعد بعشرة!! بل بعشرين فارس!! إشتد غضب الفارس وصرخ: ليعد بألف فارس، إنه قتل قتل!! تقدم الفارس أكثر وهو ينظر في عيون الفرسان وقال بهدوء هذه المرة: لاأدري ألا يهمكم قتل فارس من فرسان قريش المعدودين؟ خرج احد الفرسان عن حالة الصمت وقال: الحق معك يا أبا سفيان ولكن ألا يهمك أمرنا؟ ألا يهمك أننا عدنا بخير؟ حدق به أبو سفيان قليلاً ثم اطلق ضحكة هستيرية ثم نظر الى الجمع المحتشد وقال: باركوا لفرسانكم الأشاوس فلاأظن إلا أن صبي أبو طالب قد تكرم عليهم بالحياة بعد أن أذاقهم ذل الهزيمة والهوان!! غلت الدماء في عروق الفرسان وتوقدت عيونهم بالشرر ثم حرك احدهم جواده بإتجاه أبي سفيان إلا أن شيخاً من القوم ووجوههم تقدم من بين الصفوف وإقتاد أبا سفيان بعيداً مخمداً بذلك ثورة كادت أن تنفجر! لم تمض إلا سحابة تلك الليلة حتى كان هذا الحدث حديث مكة ومجالسها إلا أن الحديث الذاتي، هذا الحوار الذي بدأ يثور داخل النفوس كان أشد اهمية وخطورة فقد كسر حالة الجمود الذهني لدى الكثير وبدأوا يتسائلون: ترى هل من المعقول أن شجاعة إبن أبي طالب هذا الشاب الغض العود الذي لم يخض الحروب ولم تحنكه تجارب المعارك هي السبب فيما حصل؟ أم أن في الأمر سراً ما؟ وخشية من إنكشاف الحقيقة أمام عيونهم التي غشيها الظلام حتى عادت تخاف أن يبهرها الضوء لم يستطيعوا الذهاب أبعد من ذلك ومغالبة تفكيرهم الذي تجمد على التقليد والمحاكاة. أجل حاولوا النأي به بعيداً عندما وجدوه يحوم حول الحقيقة متسائلاً: أيكون ربه قد نصره؟ أتراه على الدين الحق؟ وإمعاناً في الحروب حاولوا إيصاد هذا الباب لتبقى هذه القضية حبيسة تقيدها دائرة الغموض والإبهام وتحتجزها جدران الجهل والظلام، ولكنها محاولة عقيمة فقد كانت دائرة التساؤل تتسع وحلقات الشك تتداخل والهزات النفسية متوالية تعصف بالعقل والوجدان. كانت مكة تودع يوماً عادياً فالمنازل قائمة والأسواق متخمة بالبضاعة والزبائن والأندية مزدحمة بروادها. أجل كل شيء في مكانه إلا شيئاً واحداً بدا هاوياً متهالكاً خرباً كأن زلزالاً مدمراً قد هده وضعضعه فلن يبقى منه إلا هيكلاً صورياً، بدناً خاوياً من الحياة يتنقل بين الأحياء أما روحه فقد مالت للغروب مع شمس ذلك اليوم. الزلزال 1 - 38 2015-06-01 09:30:27 2015-06-01 09:30:27 http://arabic.irib.ir/programs/item/12112 http://arabic.irib.ir/programs/item/12112 ترجل الرجل عن ناقته عجلاً وتلفت يمنة ويسرة قبل أن يتقدم الى أحد الأبواب ويطرقه بشيء من الارتباك! وبإحتراز شديد أماط اللثام عن وجهه وعاد يطرق الباب من جديد. فتح الباب عن شاب أسمر تتدفق الرجولة والحيوية من ملامحه. رحب بالزائر ثم تراجع موسعاً الطريق أمامه ليدخل. في غرفة متواضعة جلس الرجلان متقابلين، تناول الزائر كوب ماء وراح يرتشف يهدوء فيما إنكب الشاب على مطالعة الرسالة التي حملها اليه صاحبه. اخيراً رفع رأسه وقد شاعت عيناه ببريق خاص، شعر الرجل بشيء من الإرتياح فصاحبه ورغم حداثة سنه مدرك لخطورة المهمة التي سيقوم بتنفيذها ولاشك فهو يعي ثقل الدور الذي سيأخذه على عاتقه ويتصدى هو لاغيره بالنهوض به. تأمله قليلاً ثم تسائل في نفسه: إنه يبدو رجلاً بحق ولكن أتراه جديراً بتحمل المسؤولية التي أناطها به رسول الله صلى الله عليه وآله؟ توقف قليلاً ثم عاد الى محاورة نفسه: ولكن مهما يكن من أمر ألا ينبغي لرجل مثلي صبر الحياة خبر حلوها ومرها وتقلب بين أفراحها وأتراحها من أن يفيد هذا الشاب بما يعينه على خوض غمار هذه التجربة الصعبة لعلها الأولى في سنيه الغضة. وحاول جمع أشتات ذهنه المكدود وقال: أرى أن نتسلح بالكتمان! إبتسم الشاب ابتسامة مهذبة ثم رفع اليه عينان تقولان لاتقلق للأمر فلازال هناك متسع من الوقت وكل شيء موكول الى حينه. ثم دعاه الى إستيفاء قسط من الراحة يعد هذه الرحلة الشاقة بين يثرب ومكة. ترامت الصحراء على مد البصر قاحلة خاوية وتجانست معالمها حتى لم يعد هناك ما يميز ناحية عن اخرى وغاب عنها أي مظهر للحياة فلاطيف انسان ولاأثر لحيوان او نبات بل ليس هناك ما يحمل على الاعتقاد أن هذه الأرض الميتة المجدبة تنفست الحياة يوماً او دبّ على ظهرها كائن حي. والى الجنوب صوب مكة المكرمة بدا وأن هنالك قافلة صغيرة تريد المخاطرة بنفسها ودفعها لركوب هذا الطريق المنقطع الموحش. اربع من الابل الشديدة وضعت على ظهورها المحامل ومن وراءها سار ثلاثة رجال، كان الرجل الأكبر سناً يسوق الرواحل ويستحثها على الإسراع وآلاف الأفكار المتباينة والاحتملات المتضاربة تدور في رأسه. وفجأة سمع صاحبه الشاب يقول له: إرفق بالنسوة يا أيا واقد! ألقى نظرة فاحصة الى الخلف وأجاب: إني اخاف أن يدركنا الطلب. إبتسم الشاب وقال: إرب عليك! وتقدم ليحل محله تاركاً الرواحل تسير على مهلها. ثم أنشد: ليس إلا الله فإرفع ظنك يكفيك رب الناس ما أهمك!! أطلق الشاب كلماته تلك بعفوية وصدق وعزم لاحد له وكأنه وهو يترنم بها يصغي الى طيور بيضاء جميلة خافقة بأجنحتها حوله ومشيعة الأمن والسلام والطمأنينة في نفسه. بيد أن ذلك لم يمنع أبا واقد في أن يتسائل في سره: ترى ماذا لو أدركنا القوم؟ ألنا قبل بهم؟ وإستطرد قائلاً: وددت لو أنا خرجنا بهدوء دون أن يثير علي تلك العاصفة. ورغم ذلك فقد أفترت شفتاه عن ابتسامة وهمس: الحمد لله اذ بلغنا هذه المرحلة وتذكر كيف دخل مكة متنكراً قبل يومين ليبلغ أمر الرسول إبن عمه علي بن أبي طالب بحمل عائلته واللحاق به في يثرب. كان الحرص وحده يدفع أبا واقد ليتسائل مع نفسه: هل يكتب لنا النجاح في إنجاز هذه المهمة أم أن هنالك مفاجئة تنتظرنا؟ يا للرجال، يا للرجال!! بالأمس رقد هذا الفتى على سرير محمد يوهمنا أن محمداً نائماً وهو ينطلق آمناً الى يثرب واليوم يقف على أبواب أنديتنا يهيننا ويتحدانا أنه خارج بعيال محمد!! ههه ياللعار! فتى يتحدى جبروت قريش وكبرياءها! ماذا تقول يارجل؟ أي فتى تعني؟ ههه كأنك لم تسمع بإبن أبي طالب، عندما وقف هنا ممسكاً بقبضة سيفه وهو يعلن على الملأ ويقول ملأ فيه: لاتقولوا جبن إبن أبي طالب، ها أنا خارج بعيال محمد فمن شاء أن أفري لحمه وأريق دمه فليلحق بي!! ها أحقاً تقول؟؟ أجل واللات والعزى! شهدت ذلك بنفسك؟ ما الذي دهاك يارجل؟ اجل وعشرات من رجال قريش! حسناً ولم تفعلوا شيئاً؟ وماذا ترانا فاعلين؟ تسألني؟ إفعلوا ما بدا لكم!! إفعلوا أي شيء، أي شيء حتى لايقال إنكم جبنتم. حتى لايقال إن فتى لايتجاوز العشرين هزمكم، سحق رجولتكم وكرامتكم!! أوشكت أن أقول بمقولتك هذه ولكن أيجدر بي أن أتفوه بشيء وسادة قريش وكبراءها يشهدون. مامنع كبراءها أن يفعلوا شيئاً؟ هل كان الأمر بحاجة الى إعداد جيش أم عوزتهم مساعدة احلافهم؟ دعك من ملامتي وقم بنا إن كنت حازم الرأي نسير الى القوم نحرضهم ونحفزهم قبل أن يفوتنا الرجل. توقف هذا الحوار الصاخب في أحد أندية قريش قبل أن يشاهد رجلان وهما ينطلقان منه لايلويان على شيء كأنهما عاصفة هادرة. بدا التعب والإرهاق واضحاً على وجوه الرجال الثلاثة وإنقطع الحديث بينهم او كاد وأخذت الرواحل تجرجر قوائمها بتثاقل وإعياء، رفع أبو واقد يداه بإزاء عينيه متقياً أشعة الشمس وهو يلقي ببصره صوب الشمال وقال: آه تلك هي ضجنان! وأردف: لم يبق شيء كثير. ثم تلفت الى الجنوب وسرعان ما شحبت سحنته وهتف بنبرة لاتخلو من إرتباك: اذا لم يخن بصري أرى عدة فرسان في إثرنا!! نظر علي حيث أشار صاحبه ثم هتف: يا أبا واقد وأنت يا أيمن أنيخا الإبل وإعقلاها!! ثم تقدم وأنزل النسوة!! وعندما فرغ من ذلك إنتظى سيفه وإستقبل المغيرين! إقتربت الجياد تشتد بأصحابها ثم توقفت، ثمانية من الفرسان الشداد كستهم غبرة الطريق ورغبة الانتقام سحنة غريبة. ولاح من بينهم فارس أسود فارع الطول عريض المنكبين. نادى احدهم بغرور: ظننت أنك ياغدار ناج بالنسوة؟ إرجع لاأبا لك!! ردّ علي ببرود وسخرية: فأن لم أفعل؟ هتف رجل ثان: لترجعن راغباً او لنرجعن بأكثرك شعرة وأهون بك من هالك! ثم تقدموا بإتجاه النساء إلا أن علياً إعترضه. كان الفارس الأسود يترصد علياً وظن أنه وجد فرصة مناسبة فسرعان ما إنقض عليه وكانت مفاجئة مذهلة بل معجرة لاتصدق!! فقد أهوى الفارس بسيفه على رأس علي بضربة أودعها قوته غير أن هذا الشاب راغ كلمح البصر متفادياً الضربة ومسدداً في الوقت نفسه ضربة قاتلة لغريمه!! ضربة واحدة إلا أنها كانت حاسمة فقد رسمت مشهداً مروعاً كادت قلوب القوم تثب فزعاً منه. أجل فقد توزع هذا البائس الى شطرين تساقطا من على ظهر الجواد وكأنهما كومة حطام. ولم يترك علي فرصة لأعداءه يلتقطون فيها بعض الأنفاس فقد شدّ عليهم وهو يطلق صيحات بثت الرعب فيهم فتراخت مفاصلهم وإصطكت أرجلهم وراح يواصل مطاردتهم وهو يرتجز: خلو سبيل الجاهد المجاهدآليت أن لاأعبد غير الواحد فتفرقوا بين يديه وتنادوا: أحبس نفسك عنا يا إبن أبي طالب!! وقف علي شاهراً سيفه ملقياً عليهم نظرة إحتقار وإستخفاف ونادى بأعلى صوته: إني منطلق الى أخي وإبن عمي رسول الله فمن سره أن أفري لحمه وأريق دمه فليدنو مني! تراجع القوم غير مصدقين أنهم ناجون من الموت فيما إلتفت علي الى صاحبيه وقال: إطلقا مطاياكما!! تحركت الدماء في وجوه أفراد القافلة ووثب أبو واقد وأيمن وهما يعبران عن فرحتهما الغامرة وراحا يعدان العدة لمواصلة السير. وسرت بين النسوة كلمات هامسة داعية الله بحفظ علي وتوجهن لإحدى رفيقاتهن يباركنها: بوركت يا أم طالب، يا ام علي، أسعدك الله بهذا الإبن الشجاع. كان الجميع فرحاً يعبر عن فرحته بنحو او آخر غير البطل فقد كان مطرقاً كأنه يتأمل شيئاً ما، وجهه ينم عن شيء، عن معنى واحد، لكنه معنى مستغلق، معنى عميق، سر روحي بعيد الغور!! وتتابع القافلة سيرها وتصل بعد طول عناء ليهز وصولها المدينة المنورة وتسري اخبار المواجهة البطولية، المنازلة الأولى بين المسلمين والمشركين فتخفق القلوب لهذه البشارة وتلهج الألسن بشكر الله ويملأ الجميع إعتزاز كبير بدينهم. القلب الكبير - 37 2015-05-28 14:02:07 2015-05-28 14:02:07 http://arabic.irib.ir/programs/item/12111 http://arabic.irib.ir/programs/item/12111 توقفت قليلاً تلتقط أنفاساً لاهثة، حولت جرتها الخالية من يدها اليمنى الى اليسرى ثم عاودت المسير. إستشعرت أطرافها بعض الراحة إلا أن رأسها ظل مسحاً لأفكار مضطربة هائجة كقوارب مزقت أشرعتها الرياح العاتية. حاولت تنظيم أفكارها لتحدد بالضيط ماذا تريد، ينبغي لها أن تؤمن أولاً الحاجة الآنية. أجل ينبغي لها قبل كل شيء أن تجد شيئاً تسد به الأفواه الصغيرة الجائعة حسبها أن تحصل قوت صغارها اليوم وعلى الله رزق الغد. وسبحت أفكارها نحو الغد، ترى هل سيكون عليها أن تقطع رحلتها اليومية الشاقة؟ أن تمضي هذه الجولة المقيتة بين بيوت الناس تخدمهم وتقضي لهم بعض حوائجهم لقاء أجر بخس لايكاد يفي بحاجتها وحاجة اطفالها اليومية الى الخبز فضلاً عن الادام. وبلغت النهر فهوت الى الجلوس معتمدة على يديها، تنفست الصعداء، مدت يدها الى الماء، إغترفت غرفة بلت بها ريقها واخرى سكبتها على وجهها، مسحت يدها الأخرى بما فضل من الماء ثم أطلقت زفرة طويلة وراحت تخاطب نفسها بصوت مسموع: أثوابهم أصبحت رثة، لم تعد تصلح لشيء، لقد تعبت من الرتق. لاأدري لاأدري كيف أتدبر الأمر؟ هل كتب عليهم البقاء على هذه الحالة التعسة كما كتب عليهم اليتم؟ وتهدج صوتها وهي تضيف: ذهب ليستريح استراحة أبدية وتركني أعاني هذا الشقاء لوحدي! أجل فقد استراح. وأردفت بحدة وهي تنهض واقفة: جاد بنفسه، بذل بدمه الغالي رخيصاً ولكن هاهم صبيانه يهزلون من الجوع دون أن يخفق قلب من اجلهم!! إختطفت جرتها بغضب وأركستها في الماء وراحت ترقب فقاعات الهواء المتصاعدة ثائرة متمردة. جاهدت لحمل الجرة التي بدت أثقل من طاقتها وبالكاد استطاعت رفعها الى كتفها ثم إنقلبت عائدة وثورة من الغضب تعصف برأسها! وفجأة طرق رأسها صوت رجل عارضاً عليها المساعدة. إلتفت فزعة فرأت رجلاً مهاباً عليه ملابس متواضعة وقد تغضى بصره، وضعت الجرة على الأرض وتنحت جانباً. تقدم الرجل وحملها ثم سار متمهلاً، شعرت المرأة بالإطمئنان لنبراته الهادئة الوادعة وهو يسألها عن حالها. ردت بحنق: بعث علي بن أبي طالب صاحبي الى بعض الثغور فقتل وترك عليّ صبياناً يتامى، وليس عندي شيء! وقد ألجئتني الضرورة الى خدمة الناس. ظهرت على الرجل إمارات القلق إلا أنه لم يجب بشيء وواصل سيره بهدوء وتمهل حتى وصل منزل المرأة، أنزل الجرة من على ظهره ثم ودعها وإنصرف. والله أني لأغبطك يا مبارك، ها انت تنعم بالحرية بعد أن أنعم عليك سيدك بها! ولكن ألا تقول لي ما الذي دعاك الى تفضيل البقاء في كنفه؟ ماتقول يامسعود؟ ليتك عشت يوماً في هذا البيت الكريم لترى بنفسك كرم الخلق ومامدى الرفق وشدة الشفقة والرأفة! لقد دعا سيدي أحدنا يوماً فلم يجبه فخرج فوجده على باب البيت فقال له: ما حملك على ترك إجابتي؟ قال: كسلت عن إجابتك وأمنت عقوبتك! فقال سيدي: الحمد لله الذي جعلني ممن يأمنه خلقه، أمضي فأنت حر لوجه الله! آه هههه يالسعادته! ولكن اذا كان دأب سيدك شراء العبيد وتحريرهم فمن يبقى لخدمته؟ إنك رجل حديث العهد بهذه البلاد ولو كنت قديم العهد بها لعرفت من يكون أهل هذا البيت. إن رجلاً مثلهم لايشتري أمثالنا إلا لهذا الغرض. لم أفهم؟! أعني أنه لايشتري العبيد إلا ليبيعهم. أجل يامسعود حق بك أن تعجب! إن سيدي ينفق من كد يمينه، لينقذنا من براثن الفقر، يرفعنا الى سماء الحرية. إنه ليصعب عليك تصديق أن سيدي حرر أكثر من ألف رجل. اجل أهدى لهم الحرية واعاد لهم كرامتهم وانسانيتهم التي أهدرتها الجاهلية المقيتة. حقاً! لم تقل لي ما الذي تؤدي الآن من عمل؟ لقد كلفت بالتعرف على منازل الشهداء وإحصاءها حتى يتم إيصال عطاياهم الى أهليهم. وفجأة قطع عليهما حديثهما دخول رجل بهي الطلعة وفي يده زنبيل، ألقى التحية فنهضا سراعاً، أحاطا به. بادر أحدهما مشيراً الى الزنبيل: إعطني أحمله عنك ياسيدي. ردّ الرجل معرضاً عن هذه المساعدة: من يحمل عني وزري يوم القيامة؟ ثم نظر اليه نظرة خاصة! حدق أحدهما في وجه الآخر بدهشة فيما واصل الرجل طريقه وزنبيله في يده!! إستيقظت المرأة، نهضت تعد نفسها للخروج على عجل وراحت تهمس مع نفسها: يجب عليّ الإسراع، لو أنهم أفاقوا لتشبثوا بيّ ولما إستطعت الخروج!! ولكن الطفال إستيقظوا على صوت الطرقات التي توالت على الباب، فيما إستولى الذهول على المرأة للحظة ثم تحركت نحو الباب. من يطرق بابها في هذه الساعة من الصباح الباكر ياترى؟ وماعساه يريد؟ وهتفت قائلة: من هذا؟ أنا ذلك العبد الذي حمل معك القربة، إفتحي فأن معي شيئاً للصبيان! رضي الله عنك وحكم بيني وبين علي بن أبي طالب! دخل الرجل ووضع زنبيلاً كان يحمله على الأرض وقال: إني أحببت إكتساب الثواب فإختاري بين أن تعجني وتخبزي وبين أن تعللي الصبيان لأخبز أنا!! جزاك الله خيراً، أنا بالخبز أبصر وعليه أقدر! ولكن شأنك والصبيان. اللهم وفق هذا الرجل وأحفظه في نفسه وأهله. لأعمد أولاً للدقيق فأعجنه ولكن لاأدري إن كان لدي من الحطب ما يكفيني ام لا؟ وإنشغلت المرأة في إعداد الخبز فيما جلس الرجل قرب الموقد يشوي اللحم ويطعم الصغار وهو يضاحكهم ويقبلون عليه فرحين مغتبطين. وتبدلت ملامح الرجل وهو يهمس لكبيرهم: بني إجعلني في حل مما أمرت في أمرك! نطقت عينا الطفل بحبور وإن لم يعرف ما الذي يعنيه هذا الرجل الطيب. أرى أن العجين قد إختمر فلولا شجرت التنور يا عبد الله! أجل! نهض الرجل عجلاً وراح يجمع الحطب ويلقيه في التنور ثم يبحث عن جذوى من نار يوقده بها. ووقف الرجل قرب التنور ينظر الى ألسنة اللهب وهي تلفح وجهه وراح يهمس مع نفسه: ذق هذا جزاء من ضيع الأرامل ويتامى!! وظل الرجل يحدق في النار المضطرمة وكأنه يرقب من خلال ذلك عالماً آخر، عالماً بعيداً. ثم يعود الى جانب الأيتام الصغار يلاطفهم ويضاحكهم لتفرغ المرأة لإصلاح الخبز. يطرق الباب من جديد!! من هذا؟ أنا جارتك! أهلاً بك أدخلي. ودخلت المرأة تتقدم خطوات وتتوقف وقد شلتها المفاجئة!! مالك؟ تفضلي! وتشير الزائرة مبهوتة الى الرجل فتقبل الأخرى عليها مبتسمة قائلة: إنه رجل بار محسن رآني أمس وأنا انوء بحمل الجرة فحملها عني واليوم حمل الينا اللحم والتمر والدقيق، ولم يكتف بذلك بل ساعدني في إصلاح الطعام! ويحك! أتعرفين من هذا؟ كلا! من يكون؟ إنه أمير المؤمنين!! أمير المؤمنين؟؟ علي بن أبي طالب؟ أجل والله إنه علي!!! ياويحي ياويحي! لطمت المرأة وجهها وقالت بصوت مبحوح: وا سوأتاه وا خجلتاه! هذا وانا أسمعه الكلام الغليظ وهو ساكت لايفوه بشيء! تقدمت المرأة من الامام تتعثر بخجلها وإرتباكها وقالت: وا حيائي منك يا امير المؤمنين! ردّ الامام وهو يغض بصره: وا حيائي منك يا أمة الله فيما قصرت من أمرك! لفّ المرأة شعور بالخف ولم تعرف ما الذي قالت بعد ذلك وما الذي ردّ به الامام غير أنها تذكر أن عينيه اللتان تشعان هيبة ووقاراً كانت تصافح وجوه الصغار مودعة فتسكبان نظرات حانية حنية. مرفأ الأمل 3 - 36 2015-05-26 09:19:26 2015-05-26 09:19:26 http://arabic.irib.ir/programs/item/12110 http://arabic.irib.ir/programs/item/12110 خلاصة القسم الأول والثاني كثيرة هي التحديات التي واجهها القادة الإلهيون، أمناء الرسالات الإلهية على الأرض ومتنوعة ومختلفة ايضاً كماً وكيفاً ضيقاً وإتساعاً مداً وجزراً. وأياً كان لون تلك التحديات والمصاعب او حجمها فقد بقي عاجزة عن أن تفل في ارادة وعزم وصبر تلك القيادات الإلهية. حتى اذا ما وقف يعقوب عليه السلام ورأى دفة القيادة الزعامة لم تسالمه الظروف بطبيعة الحال بل واجهته بنوع آخر من الصعوبات والمشاكل. فيوسف الذي رشحته السماء من بين أبناءه الأحد عشر لفيادة الركب نحو الأهداف الإلهية الكبيرة أصبح مثاراً لمشاعر إخوته الضيقة الحاسدة ومداراً لدوائر كيدهم وتآمرهم، وتتفق كلمة الأخوة عدا واحد على التخلص من يوسف بأي سبيل. وكانت يد التدبير الإلهي وراء الصيحة التي ارتفعت بينهم للتوقف عند إلقاء يوسف في البئر دون قتله، وتمتد أي احدى القوافل العابرة الى قاع البئر تنتشله ومن ثم تحمله الى مصر لتبيعه بدراهم معدودة "وقال الذي اشتراه من مصر لأمرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا او نتخذه ولداً". وعملت المرأة بوصية زوجها وبالغت في إكرام يوسف الى الدرجة التي ضايقته وأثارت في نفسه التساؤلات!! ترى لماذا تنفق هذه المرأة جل وقتها للعناية به؟ أليس في هذا القصر الكبير من الخدم ما يكفي للقيام بهذه المهمة اليسيرة؟ غير أن يوسف عليه السلام لايلقي بالاً لهذا الأمر، إنه في شغل عنه بل وعن كل مايدور في القصر ويلهج به من وقوع مؤامرة على حياة الملك وإعتقال اثنين من رجاله إثر ذلك. فلدى يوسف من همومه الرسالية وأحزانه الشخصية ما يكفيه. ولكن كيف سينتهز أويقات يختلي بها الى نفسه اذا كانت هذه المرأة تلاحقه وتقطع عليه تأملاته بضحكاتها العابثة؟ لايدري لماذا تصر هذه المرأة على إقتفاء أثره؟ لماذا تسعى الى إقحام نفسها في حياته وعالمه الخاص؟ وتبقى سيدة القصر تتودد وتتبدل لكن يوسف يصدها، يذودها عن اجواء حياته. إنه لون من النزال المقدس بين العقل والارادة والملكات النفسية السامية الرفيعة وبين الغريزة والشهوة الرخيصة الهابطة المبتذلة. ويتحرك يوسف الصديق مبتعداً عن هذه البؤرة التي شم فيها رائحة الأثم إلا أنه سمع الخطوات تندفع خلفه فأسرع يوسع خطوه نحو الباب لكن يداً من وراءه تشبثت بقميصه ومزقته، وكانت المفاجئة ماثلة أمامهما فقد ألفيا رب البيت يقف عند الباب!! القسم الثالث في عرف الطواغيت وحكام الجور أن كل شيء فداء لوجودهم المقدس، حياة الآخرين وكراماتهم ومايملكون، البلاد وإستقلالها وثرواتها، حقائق الكون وقيم الخير، فضائل الأخلاق كلها وكلها لاتعدو في ذلك القاموس الظالم أن تكون وفي أي لحظة كبش فداء! الفرصة الضئيلة لها بالحياة ورؤية النور اذا كانت خرساء لاتقوى على الاعتراض والاحتجاج أي أن وجودها وعدمه متساويان وفق أي معيار او معادلة رياضية ومن أي درجة كانت. وكثيراً مايكون إمتلاك فضيلة البكم وحدها سبباً غير كاف يتعلق به للنجاة. ومالم ينسلخ الانسان عن ارادته ويندك في الارادة الطاغوتية فإن اسمه يوضع أبداً على قائمة المرشحين للاعدام ويبقى ساهراً يرقب مصيره المحتوم. واذا كان هؤلاء الذين يجعلون من انفسهم آلهة صغار يسوسون رعاياهم بنظام إحصاء الأنفاس فإنهم مع ذواتهم وذويهم وأتباعهم وأفراد جوقاتهم منفتحون وأريحيون ومتحررون وديمقراطيون ايضاً. ولاينبغي للمواطنين العاديين أن يشتبهوا ويخلطوا هذا بذاك فيما لو دفعت الصدفة او غيرها أن يلتقي هذان الخطان او أن يتماسا. يجب لهم أن يعرفوا وأن يراعوا دوماً الحدود الفاصلة والشاخصة بين الأمير والمأمور، وفي حالة من هذا القبيل وجد يوسف الصديق نفسه فلم يكن في عينيه الغاضبتين ولافي ملامح وجهه المتوترة الثائرة ولافي قميصه المقدود من دبر ولا حتى في الكلمات القوية البريئة الصادقة مايشفع له عند جلالة الملك ويثبت برائته. أما سيدة القصر فيكفي أن تدفن وجهها بشيء من طلاء العفة المصطنعة ثم تسدل عليه غلالة صفيقة من الرياء ثم تقول "ماجزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن او عذاب أليم" يكفي ذلك تماماً بأن يزور الملك الحقيقة ويوجه ركلة اخرى لرمس ضميره الذي دفنه منذ اعوام طويلة خلال المراسم الاحتفالية بتتويج جلالته. ويعقد الملك جلسة للتشاور مع مقربيه بشأن يوسف وبعد حديث طال أم قصر بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات "ليسجننه حتى حين"!! "إني تركت ملة قوم لايؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون وإتبعت ملة آبائي ابراهيم واسحق ويعقوب ماكان لنا أن نشرك بالله من شيء ياصحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ماتعبدون من دونه إلا أسماءاً سميتموها انتم وآبائكم ما انزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر أن لاتعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لايعلمون" هكذا بدأ يوسف عليه السلام بتعريف نفسه لنزلاء السجن بل لنزيلي السجن اللذين لم يكونا غير ذينيك المتهمين في التآمر على حياة الملك. اجل في السجن في ذلك العالم الغريب والمعقد بدأ يوسف مهمته الرسالية، في قلب المحنة والاختبار الصعب وفي لحظة الأسر والوقوف في قبضة العدو يتحدى العدو ويسعى لأن يفل قواه ويضعضع من غطرسته وإرهابه ويهون من أدواته التي يستخدمها للقمع والارهاب او للتعمية والتضليل. "إن الحكم إلا لله" ماهذه الأرباب المزيفة التي تنقادون لها وتخنعون امام طغيانها وتجبرها "ذلك الدين القيم" عبادة الواحد القهار لكل الطواغيت والجبابرة حتى يردهم عباداً. لافرق بينهم، لايعلو بعضهم على بعض، متساوين كأسنان المشط. وهكذا واصل يوسف عليه السلام الدعوة الى الحق وكان له من شخصيته القوية الجذابة وكلماته الصادقة المعبرة ماجعله يمسك بمفاتيح القلوب وخرائط النفوذ الى الذهان والعقول. الوحدة عندما تكون مطلباً نفسياً يختلي فيها الانسان مع نفسه في رحلة قصيرة يستريح فيها ويراجع وإياها في عزلة بعض الحسابات الخاصة التي لايود لأحد غيره أن يتنصت اليها او يسترق السمع فهي بهذه الحدود او بهذا اللون مقبولة بل ومطلوبة أما عندما تفرض بالقوة او نتيجة ظروف معينة وبشكل دائم ومستمر عند ذاك تصبح لوناً من ألوان الحرب النفسية وصبغة ممقوتة ومنفرة. وشدما تكون هذه الحالة مؤلمة في السجن في عالم الظلام والأقبية السوداء، هناك تتضاعف الحاجة الى الأنيس وتعنف حيث تخيم الوحشة بكوابيسها الثقيلة على القلوب فتغلق نوافذ الهواء النور. على إمتداد الممر الطويل ظل حارس السجن يسير ذهاباً وإياباً وقد بدت عليه علائم التفكير والقلق، كان لايفتأ كلما بلغ نهاية الممر ذاك أن يهم بالنظر الى داخل الغرفة المحشورة في الزاوية لأنه سرعان مايعدل كمن أخذته الرهبة ويواصل تطوافه الذي لاينتهي. وتباطئت خطواته وهو يهمس مع نفسه: لقد غادره رفيقاه! أجل لقد رأيتهما بنفسي، لاشك أنه يقبع وحيداً هناك في أعماق الظلام! وأردف بصوت شبه مسموع: ياإلهي لكم أحبه!! فاه حارس السجن بهذه العبارة القصيرة ثم واصل تطوافه حتى اذا ما حاذى الغرفة المحشورة في الزاوية توقف من جديد ثم مدّ رأسه من هوتها وقال دون مقدمات: إنني لأحبك!! فوجئ يوسف عليه السلام بهذا الكلام إلا أنه إبتسم وقال: ما أصابني إلا من الحب! كان أبي أحبني، حسدوني إخوتي. وإن كانت امرأة العزيز أحبتني حبستني! ثم إتسعت إبتسامته يريد القول: وها انت أحد المحبين تغلق عليّ الباب!! ليست هي ثورة تلك التي نقلت يوسف فجأة من ظلام الزنزانة لتضعه تحت انوار المصابيح الكبيرة في القصر الملكي. أجل ليست هي ثورة على غرار مايحصل في العالم من ثورات بل إنها إعلان عن نهاية مرحلة وشوط من البرنامج الذي أعده الباري عزوجل لصقل شخصية يوسف القائد الإلهي. المشيئة الإلهية التي عبرت بيوسف ظلمتي الجب والسجن لايعجزها أن تفتح عليه الأنوار وتضعه في مركز دائرة الضوء، وهكذا كان. فالملك نفسه الذي ألقى بيوسف عليه السلام في السجن يعود ليخاطبه: "إنك اليوم لدينا مكين امين" ثم يفسح له مكاناً الى جنبه ليحتل أخطر موقع حكومي بعد الملك وليشرع في معالجة الأزمة الاقتصادية التي تتفاقم آنذاك. وتتقدم سيدة القصر معترفة بجرمها ومقرة على نفسها بالذنب. "وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون" أجل جاءه الذي كاده بالأمس بعد أن لوت عنقه ارادة السماء وسلمت مفاتيح رزقه بيد يوسف الصديق. وقف إخوة يوسف بين يديه متصاغرين ومدوا أيديهم بذلة "ياأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجز المتصدقين". ثم يحملوا أباهم من الشام الى مصر بعد أن يعرفوا الحقيقة، ويكحل يعقوب عينيه لرؤية يوسف من جديد ثم يخروا ومعه بنيه سجداً لله ليلتفت يوسف الى أبيه قائلاً: "يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً". مرفأ الأمل 2 - 35 2015-05-25 11:21:15 2015-05-25 11:21:15 http://arabic.irib.ir/programs/item/12109 http://arabic.irib.ir/programs/item/12109 خلاصة القسم الأول كل ولادة جديدة تبقى يسيرة اذا ما قيست الى ولادة المجتمع فعملية ولادة او بناء من هذا النوع تبقى عسيرة وشديدة الصعوبة اذا لم يكن نصيبها الإجهاض في وسط الطريق ولاينتظر بعد ذلك أن نرقب عملية المخاض الصعبة تلك لنشهد تحولاتها في عام او اعوام او حتى عشراتها. فها هو المجتمع الذي جاهد ايراهيم خليل الرحمن من اجل وضعه على منهج التوحيد وهدى الحق والعدل لايزال بناءاً لايرتفع على أساسه إلا بمقدار يسير. وعندما يتحمل يعقوب عليه السلام أعباء عملية البناء تلك يسعى لأن يضع لبنات جديدة على طريق تشييد الصرح التوحيدي الشامخ. غير أن التحديات والصعوبات تبدأ عملها من الداخل قبل أن تلج عليه من الخارج، من أسرته نفسها. وشعر عليه السلام بإهتزاز الأرضية التي يقف عليها. يفتح فتى يافع كأنه شعلة تتوهج إشراقاً وتتوقد ذكاءاً، يفتح باب دار يعقوب صباحاً ليخرج كوكبة من الشباب وهم يحملون المعاول والفؤوس وقبل أن يودع آخر شاب الدار يلتفت الى أخيه الفتى الذي أخذ يراوح في مكانه كأنه يستعجل إغلاق الباب والعودة الى داخل الدار يلتفت اليه قائلاً بلهجة متحاملة متهكمة: هههه وأنت يايوسف ألم تكبر بعد لتخرج معنا الى العمل؟ ويشايعه بالقول أخ آخر وهو يشير من طرف خفي الى أبيه: دع الصبي فهو لايزال بحاجة الى الحنان!! وعندما عاد الفتى يوسف عاجلاً الى أبيه قرأ على جبينه سطور الألم. وتردد أينبغي له إلتزام الصمت احتراماً لمشاعر أبيه أم يتحدث؟ إنه يريد أن يتحدث، يريد أن يخبر أبيه عن هذا الشيء العجيب المحير الذي رآه في عالم النوم. وهمس! ياأبه رفع الشيخ رأسه ولما رأي التردد في عيني فتاه إبتسم مشجعاً فإنطلق يوسف يقول: "ياأبت إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين". تمازجت الفرحة والرهبة في نبرات الشيخ وهو يجيب: "يابني لاتقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً إن الشيطان للإنسان عدو مبين" ولكن القصة تبلغ مسامع الأخوة فتضطرم نيران الحسد في قلوبهم وتزيد لظى وإستعارة وتتطاير شراراتها لتصيب ليس يوسف وحسب وإنما اخ صغير له ايضاً. وتبدأ دوائر الكيد بالعمل. "أيوسف وأخوه أحب الى أبينا منا" "ونحن عصبة" "إن أبانا لفي ضلال مبين" "أقتلوا يوسف او أطرحوه أرضا يخلو لكم وجه أبيكم" "وتكونوا من بعده قوماً صالحين" ويطرح أحدهم حلاً وسطاً "لاتقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين" وهكذا تمتد الأيدي بغلظة الى يوسف لتدلي به في البئر بعد أن تنزع قميصه. ولماذا سلبوه قميصه؟ أكانوا بحاجة اليه؟ كلا إنها عادة الجريمة، إرتداء القمصان فمكرها يمنعها أن يراها الناس عارية وهي على ماهي عليه من بشاعة ودمامة!! ولايملك الشيخ بعد أن يبلغه الخبر إلا أن يردد "فصبر جميل والله المستعان على ماتصفون" وتفيض عيناه بالدموع. لكن فتانا يوسف ورغم حداثة سنه فإنه لم يرهب ذلك القبر المظلم الموحش بل كان ايمانه الكبير يسرج له ما شاء من قناديل. ومن بعيد تتناهى الى سمعه أصوات خاصة. ماهذا؟ ياإلهي إنها قافلة عابرة من غير شك!! ولكن أتراها سترد الماء؟ القسم الثاني الصدق والمشاعر النبيلة توأمان او كيانان ولدا من رحم واحد فحيثما يكون الأخ يكون أخوه فلا الصدق يكلل حياة الانسان وشخصيته اذا إنجمدت فيه المشاعر وإنحسرت ولامشاعر نبيلة تفوح من نفس الكاذب الخربة. أجل فهذه النبتة المباركة لاتنمو إلا في الرياض ولاتتنسم هواءاً مالم يعطره شذى الصدق ويضوع منه أريج النبل والحب أسمى تلك المشاعر وأرقاها، ليس الحب بالمعنى الذي يدعيه شعراء الأغاني الرخيصة والمتسكعون في الشوارع المأخوذون بالبريق والطلاء إنما الحب ذلك المعنى المطلق، الينبوع الثر الذي يتحدر من الأعالي، من مصدر الخير والعطاء الأزلي، من الخالق الرحيم الودود. ذلك حب لايعرف الأنانية بل يبسط بخيمته الواسعة على الجميع. ولعل من قدر الحب أنه كثيراً ما يحفه الحزن ويواكبه البكاء ويغتسل في اليوم مرات ومرات بالدموع. وهل هناك أحق بالرثاء من المآقي عندما تفيض بالحزن والدموع؟ وكم هو مؤلم اذن منظر الشيخوخة عندما تأكلها الأحزان ويقتات على صبابة عيونها البكاء. وهل بعد في المثال أصدق للحزن من حزن يعقوب، يعقوب الصادق الوفي البار، يعقوب الوالد الذي غيبوا عنه ولده الحبيب البار "فإبيضت عيناه من الحزن فهو كظيم". لم يطق الجلوس أكثر فنهض واقفاً ثم راح يذرع القاعة الفسيحة جيئة وذهاباً. نظراته الساحرة يلونها معنى عميق فيفضي عليها مزيجاً عجيباً من الجمال والجلال، الجمال الآسر الأخاذ والجلال القدسي المحاط بالأسرار. وإنتقل الى قاعة اخرى وأخذ يدور ويدور غير أنه كان يدور بشطر منه وحسب، كان يدور ببدنه أما روحه، شطره الآخر فقد كان يدور في ميدان بعيد وقصي في البعد. ولما جال مختلف ردهات القصر الكبير ذاك عاد الى مكانه الأول ليبدأ رحلة جديدة مع عالم التأملات العريض. رحلة عجيبة تلك التي حملته من الشام الى مصر، من ظلمة ذلك البئر العميق الى انوار هذا القصر الواسع. كم مضت عليه صعبة تلك الأيام التي إسترقه فيها رجال القافلة؟ ولكم تمنى لو بقي في البئر لكان خيراً له من هذا الشعور المقيت، شعور الذل والهوان!! لكن الله تعالى أنقذه من براثن الإسترقاق. وقفزت الى ذهنه فجأة تلك الضحكة الغريبة التي أطلقتها زوجة العزيز وهي تستمع الى وصية زوجها به، كلما قاله الرجل "أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا او نتخذه ولداً". فأين الضحك من هذا؟ وماذا له أن الغموض يغلف موقف تلك المرأة بشكل كامل؟ لكنه لاينكر منها شيئاً، إنها تحيطه بالحب والرعاية الكبيرين!! ويعجب أنها تنفق جلّ وقتها للعناية به وخدمته. أليس في هذا القصر الكبير من الخدم ما يكفي للقيام بتلك المهمة اليسيرة؟ إن شدة الحبل تلك نفسها تضايقه أيما مضايقة!! تحدث القصر الملكي في أحد الأيام عن إكتشاف مؤامرة تستهدف رأس العزيز وإرتفعت أصابع الإتهام مشيرة الى اثنين من الرجال العاملين في خدمته، وسيق الرجلان دون إمهال الى السجن. وجرى كل ذلك حوله بيد أنه لم يعره أي إلتفات، كان له من همومه الرسالية وأحزانه الخاصة مايصرفه بها عن هذا العالم المحيط به، العالم الذي لايمت اليه بأي صلة من حسب او نسب. وعندما يحل الليل وتتناجى القلوب المكلومة يهرع الى ربه يشكوه بثه وحزنه ويرخص دمعاً من علائمه الكبر، إنه يعلم أن الله قادر على كل شيء فكما انقذه من القتل ظلمة الجب وذل الإسترقاق فهو قادر كذلك على إعادته الى أبيه. ولكن المشاعر النبيلة الشفافة تتأبى إلا وفاءاً وحنيناً وشوقاً ودموعاً. إقتحمت عليه وحدته وخلوته ضحكة عابثة، إنها المرأة نفسها! ياإلهي! لماذا تصر هذه المرأة على إقتفاء أثره؟ لماذا تحاول إقتحام حياته وعالمه الخاص؟ ما الذي تريده؟ ماهو الشيء الذي تبغيه من وراء هذه الضحكات التي لامبرر لها؟ إنه يتسامى فوق هذا الإبتذال؟ إنه يشب في المرأة عندما تدني على نفسها جلباب الحياء والعفة وتتزين برداء الشرف والفضيلة. وتبقى سيدة القصر امرأة العزيز تتودد وتتبذل! لكن يوسف يصدها، يبعدها عن عالمه. إنه لون من النزال المقدس بين العقل والارادة والملكات الانسانية السامية الرفيعة وبين الغريزة والشهوة والمطالب الحيوانية الرخيصة المبتذلة. في الوقت الذي تفيض عينا يوسف الصديق بالنور والعزم والإباء تسيل عيناها رغبة هابطة كما يسيل فم الكلب الجائع لعاباً مقززاً. وتحرك يوسف عليه السلام مبتعداً عن هذه البؤرة التي تفوح منها رائحة الاثم وسمع خطواتها تلاحقه فأسرع يوسع من خطوه بإتجاه الباب لكن عقلها المفتون، المشلول لايسعفها بعمل سليم فتمد يدها لتتشبث بقميصه وتمزقه إلا أنه يسبقها الى الباب. وفجأة "ألفيا سيدها لدى الباب". مرفأ الأمل 1 - 34 2015-05-23 09:49:04 2015-05-23 09:49:04 http://arabic.irib.ir/programs/item/12064 http://arabic.irib.ir/programs/item/12064 الأمر مختلف جداً، الأبوان يستقبلان وليدهما وهو يطل من رحم الحياة. يفتح عينيه لأول مرة في مهده ثم يضيق به ليدرج وليقف على قدميه ثم يشتد عوده. وشيئاً فشيئاً يشق طريقه في الحياة. وربما دخل الأبوان مرة اخرى بمثل هذه التجربة وظلا يرقبان أطوارها طوراً طوراً حتى تبلغ مرحلة النضوج والإكتفاء. والأمر مختلف ايضاً عندما يبذر الفلاح بذره او يغرس غرسه ويظل يتعهدها بالسقي والرعاية وهو يعد الشهور والفصول إنتظاراً لليوم الذي يمد يده لإقتطاف أولى ثمار تعبه. أجل الأمر مختلف جداً اذا ما قيس بمسيرات الرسالات والانقلابات العقائدية الكبرى ومراحل التغيير الاجتماعي الخطيرة وصبر وثبات القيادات الربانية، القيادات التي اعدتها السماء لمواكبة الأشواط الطويلة من عمر البشرية بالإرشاد والتوجيه والعناية. وهناك على صفحات ذلك التقويم التاريخي العتيد يتوانى الزمن وتثقل خطواته وتمسي الأيام والشهور بل وحتى السنون والعقود وحدات قياس غير صالحة لتقدير حركته وتطوره. اجل فها هو المجتمع التوحيدي الذي جاهد ابراهيم خليل الرحمن من اجل إرساء دعائمه لايزال وهو في جيله الثالث صبياً صغيراً لايكاد يقف على قدميه، زرعاً لم يستوي على سوقه وبناءاً لم يرتفع على أساسه إلا بمقدار ضئيل. وعلى خطى أسلافه الصالحين يشمر يعقوب عليه السلام عن ذراع الجد ويبذل جهوده المخلصة لأن يضع لبنات جديدة في ذلك البناء الذي تتعهده السماء. أجل إنه يعرف أن أمامه طريقاً طويلاً طويلاً، عليه أن يجتاز مفازه ويقطع شوطاً بعيداً بعيداً ولكن لاضير فصبره الرسالي وأمله الكبير ويقينه أن عمله يحظى بمباركة السماء ورغبته المخلصة لهداية الناس وإسعادهم وقبل ذلك كله الجائزة الإلهية التي ينتظر تسلمها في النهاية، كلها عوامل تدفعه للعمل والمثابرة والمضي في طريقه دون تلكأ اوإلتفات الى الوراء. مع آفاق الصباح الأولى إنبعثت الحياة من رقادها ودب النشاط في الخلائق شيئاً فشيئاً وككثير من أبواب الدور التي تفتح في تلك الساعة حيث يتوجه الرجال الى الحقول والمراعي ومحال العمل فتح فتى يافع مشرق القسمات باباً خشبياً هرماً ثم تنحى جانباً فاسحاً الطريق لمرور كوكبة من الشباب وهم يحملون المعاول والفؤوس. كان كل واحد منهم يخرج وعلى لسانه بقية كلمات يتفوه بها: فلتدعو الله لنا يا أياه! لتشملنا بركاتك يا أباه! أذكرنا في صلواتك يا أباه! ومن داخل الدار كان يسمع صوت شيخ يرد بوقار وحنان على كلمات التوديع تلك. وقبل أن يودع آخر شاب الدار إلتفت الى الفتى الذي أخذ يراوح في مكانه وكأنه يستعجل إغلاق الباب والعودة الى داخل الدار وقال بلهجة متحاملة متهكمة: هه وأنت يايوسف ألم تكبر بعد لتخرج معنا الى العمل أم أنك ما زلت صغيراً؟! وبدا أن الكلام ذاك لبى حاجة في نفوس الشباب الآخرين فإنبرى أحدهم الى القول بلهجة ساخرة وكأنه يعني شخصاً آخر: دع الصبي فهو لايزال بحاجة الى الحنان والرعاية!! لم يجب الفتى بل إنسحب الى الداخل عجلاً مغلقاً الباب خلفه. على ملامح أبيه النورانية المهابة قرأ سطور الأمل وهو يهم بالجلوس وأدرك على صغره أن الكلمات التي فاه بها أخوه آنفاً قد خدشت مشاعر الأبوة النقية. اذن لم يعد من المناسب له أن يتحدث الى أبيه الآن، ينبغي أن يلتزم الصمت احتراماً لمشاعره ولكنه يريد أن يتحدث، يريد أن يقول له شيئاً! أجل يريد أن يخبره عن هذا الشيء العجيب المحير الذي رآه في عالم النوم! وهمس! رفع الشيخ رأسه ولما رأى التردد في عيني يوسف الجميلتين إبتسم مشجعاً فإنطلق الفتى يقول: "ياأبت إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين". تمازجت الفرحة والرهبة في نظرات الشيخ وهو يجيب: "لاتقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً إن الشيطان للإنسان عدو مبين". وتأمل الشيخ ملامح ولده الوضيئة المشرقة بإعجاب ثم اطرق وهو يضيف: "وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل ابراهيم واسحق إن ربك عليم حكيم". كثيراً ما تصف أقلام الأدباء المبدعين مشاهد الطبيعة الحية فتقرب الى الأسماع المرهفة لحناً رقيقاً تمتزج فيه بوسقة الطيور في أعشاشها بخفيف اوراق الشجر وهي تتراقص مأخوذة بنشوة نسيمات الصباح او تنفذ الشمس بريشة فنان موهوب حورية شقراء تنثر جدائلها الذهبية على مدى الفضاء فتبعث بطلعتها الآسرة الدفء في القلوب. أجل فقلم الأديب وريشة الفنان يجهدان ليريا الآخرين ومضة نور، حزمة شعاع، رشحة ضياء، مسحة جمال ولكن أيمكن أن يتجسد الجمال كله في شيء، في أحد؟؟ كانت عيناه الآسرتان تحملان على الجواب بنعم! وأي عينان كانت تلك العينان الساحرتان الآمرتان؟ وأي جبين هذا الذي كأنه قبس من نجم متلألأ على الدوام؟ لكنه ينفض حزماً وإباءاً ورجولة وقوة، إنه يوسف الذي أسبرت عليه السماء نعمة الحسن والبهاء حتى حسده أبناء أبيه! أجل حسدوه! والحسد نار تتلظى، تأكل قلب الحاسد وتمد لسانها طلباً لمزيد وقود. كلمة لامقصودة، نبرة عابرة، ابتسامة بريئة، تفوق بسيط، تعبير عن إعتزاز كلها تنقلب في قاموس الحاسد وتصبح لها معاني ودلالات اخرى تذكي نار حسده وتزيد لظاها وإضطرامها أواراً وإزدهاراً بل وتصيب شراراتها غيره ايضاً. أجل فلم يأمن يوسف شرور الحسد حتى تعدت الى اخ صغير له ايضاً. خيم الليل على الأرجاء ولفت أستار الظلام كل شيء فلم يعد يتخيل إلا أشباحاً متلفعة بأبراد سوداء تدب بحذر وكأنها تخشى إنكشاف جريمة تسعى لتدبيرها. وفي احدى غرف ذلك البيت الذي طالما شع بالنور والهداية، جلس عدة رجال متهامسين وراحوا ينسجون خيوط جريمة مروعة: ههه يوسف يقول لأبيه أنه يرى كواكب ويرى الشموس والأقمار تخر عند قدميه ساجدة!! والشيخ يفتتن بهذا الكلام ويهيم به أي هيام! ههه "أيوسف وأخوه أحب الى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين" أينبغي أن يبقى يوسف وأخوه مستحوذين على قلب أبينا دوننا؟ أليس هناك من حل؟ "أقتلوا يوسف او أطرحوه أرضاً يخلو لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوماً صالحين" "لاتقتلوا يوسف"!! ماذا؟ " وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين" حسن حسن هذا هو الرأي ولكن كيف ستحتالون في اخذه من أبيه؟؟ صمت الجميع للحظات غير أن أحدهم إنبرى يتحدث بصوت خافت فإستحسن الباقون رأيه وتعاهدوا على التعاون في تنفيذه مع الصباح. "يا أبانا مالك لاتأمنا على يوسف وإنا له لناصحون" "أرسله معنا غداً يرتع ويلعب وإنا له لحافظون" "أني ليحزنني أن تذهبوا به واخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون" ههه "لأن أكله الذئب ونحن عصبة إنا اذن لخاسرون". وامام الإصرار ذاك لم يجد يعقوب عليه السلام إلا ليذعن لهذا الطلب ويكتفي ببعض التوصيات التحرزية. وينطلق الفتى مع إخوته في حين ينسحب الشيخ الى داخل البيت وقلبه ينوء بشعور ثقيل غامر. ترى لماذا يعتريه مثل هذا الشعور؟ أهو من أجل يوسف؟ ولكن لماذا؟ ما عشى أن يحدث له؟ أجل لقد كانت مرآة هذا القلب الرباني تحكي عن مخاوف حقة وكانت تلتقط من بعيد من اميال عدة شارات إستغاثة. وتمتد الأيدي لتنتزع منه قميصه ومن ثم تدلي به في البئر، إنتزعوا قميصه، فالجريمة بحاجة الى قميص. إنها لاتستطيع أن تنزل الى الشارع وأمام انظار الناس عارية، لابد لها أن تتقمص!! تخفي بشاعتها بالمسوح والقمصان. "وجاؤا أباهم عشاءاً يبكون" أجل ياأبانا "إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب" فوجئ الشيخ، حاول أن يتماسك!! "وما انت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين" أنظر يا أبه، أنظر هاهو قميصه قد تلطخ بدمه الزاهي! توهجت عينا الشيخ بنار الغضب ودمدم: "بل سولت لكم انفسكم امراً" وكأن نيران الغضب سكنت فجأة فأضاف بعد صمت قصير: "فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون". فاه الشيخ بهذه الكلمات واقفاً ثم كمن تخاذلت قواه هوى للجاوس وقد فاضت عيناه بالدموع. كان الظلام يلف كل شيء حوله اذا أخرج يده لم يكد يراها، زنزانة صغيرة سوداء ولو لم يقيض له الله هذه الصخرة التي يجلس عليها لوجد نفسه يغرق في ماء البئر. وعند سقف تلك الزنزانة التي تشبه الإسطوانة الطويلة حلقة، دائرة ضياء صغيرة لاتكاد تبين. ورغم حداثة سنه فلم يرهب ذلك القبر الموحش بل كان أمله يسرج له ما شاء من قناديل وايمانه يمنيه النجاة. ما هذا؟ أي أماني باطلة ما يسمع أمن حقيقة؟ كلا كلا إنها قافلة مارة بلاشك! ولكن أتراهم سيردون الماء؟ يا إلهي، ولكن ماله يستعجل، ماله يستعجل الأمر؟ ماله يريد كل شيء أن يمر عبر يديه وتدبيره هو؟ "أليس الله بكاف عبد"؟؟ خير الصحاب 2 - 33 2015-05-20 12:54:04 2015-05-20 12:54:04 http://arabic.irib.ir/programs/item/12062 http://arabic.irib.ir/programs/item/12062 خلاصة القسم الأول إنها الحرب التي عليها أن يخوضها مهما كلف الأمر. لم تخطأ حدسه هذه النتيجة ولكن أي نوع من الحروب هي؟ إنها تبحث عن نمط فريد، نموذج نادر يتخطى كل الحسابات، كل المعادلات، ينسف كل الجسور المؤدية الى سجن الدنيا الكبير ليفتح الطريق بوجه رواد الحياة الكريمة في ظل الرسالة الاسلامية المقدسة. الرسالة التي أراد لها الجاهليون أن تخنق بل وتقبر فنشطوا بعد غياب قائدها الفذ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله يتآمرون على حياتها ووجودها. ومن كالحسين الذي ضحى جده ما ضحى من اجل تبليغ دعوة الاسلام ونشرها وجاهد أبوه طويلاً حتى جاد بحياته في سبيل تحققها وإمتدادها ومن ثم إعادتها الى مسيرتها الأولى؟ من كالحسين حرص عليها وإدراكاً ووعياً لمسؤوليته في حفظها وصيانتها؟ وهكذا أعلنها ثورة بوجه الجاهلية الحاكمة. وتبادر الجماهير الكوفة التي تسامعت بهذه الصيحة الحسينية المدوية لتعلن ولاءها للثائر الكبير، ويتحرك الحسين نحو العراق بقافلة صغيرة ضمت اهل بيته وجمعاً من أنصاره. ويتلقى وهو في الطريق أنباء تخاذل الكوفة غير أنه يمضي في عزمه رغم كل ذلك، ولكنه لايريد لغيره أن يتحمل دون وعي وايمان ذاتيين كاملين نتائج القرار الذي إتخذه هو فيتقدم من أصحابه بعد أن ضمهم معسكرهم في كربلاء يعرض عليهم الإنسحاب قبل بدأ المعركة والنجاة بأنفسهم، إلا أن العرض ذاك يواجه بصيحات الرفض ودموع الولاء ايضاً: نقاتل معك حتى نرد موردك! أجل كانت عزائم الرجال كبيرة جداً وظلت تكبر وتكبر كلما كبر وتوسع معسكر الأعداء. ويطلق أحدهم ضحكة صافية وهو يحاور صاحبه فيستغرب الآخر ويقول في إستنكار: ماهذه ساعة ضحك!! ويجيبه وعيونه تغرق في حبور: إنما أفعل ذلك إستبشاراً بما نصير اليه. ويضيف: فوالله ماهو إلا أن نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعالجهم بها ساعة ثم نعانق الحور العين!! القسم الثاني كانت التعليمات التي وجهها الوالي اليزيدي على الكوفة بقيادة جيشه مشددة وصارمة تقضي بتضييق الحصار وقطع الإمدادات ومنع الماء عن معسكر الحسين وهي فوق ذلك صريحة بعدم إمهال الجيش الحسيني والسعي من أجل الإجهاز عليه سريعاً محذرة من أي تردد او تماهل قد يؤدي الى حصول تطورات غير محسوبة كإشارة الى إحتمال وصول تعزيزات قتالية لمعسكر الثوار ولهذا فقد رفض إبتداءاً مبدأ المنازلة الفردية وإلتحم الجيشان غير المتكافئان في معركة ضارية. كان الجيش المعادي دفعاً كالطوفان فما هي إلا جولة قصيرة حتى يحسم المعركة لصالحه ويسوي كل شيء ولم يكن يحسب أن مفاجئة مذهلة تنتظره وهو يهم بنقل خطاه. قاتل الثوار ببسالة منقطعة النظير ورغم المشهد الماثل للعيان فقد كان أمراً صعباً تصور أفراد قلائل يقاومون تياراً جارفاً يتساقط منهم قتيل وقتيلان وثلاثة ويرتفع العدد الى عشرين لأنهم يثبتون له حتى يكشفوه ويعيدوه على أعقابه. تشعر قيادة الجيش المعادي أنها مرغمة هذه المرة للأستجابة لدعوات التحدي والمنازلة مضطرة لقبول هذا التحدي الثائر الحسيني الأسمر الذي ما فتأ يقرع الأسماع بكلماته الصلبة العنيدة: ألا رجل برجل؟ وتبرز اليه الرجال بهامات متشامخة لأن سرعان ما يعفرها التراب. ويشتد الخطب على الجيش المعادي فينادي: إضربوه بالحجارة! عندها يشد الثائر على صفوف الأعداء فتضطرب وتفر بين يديه كفرار الخراف أمام الذئب. ويقف، ماذا يفعل؟ من يحارب؟ لاأحد يثبت أمامه، لاأحد!! وتراود ذهنه فكرة يأخذ بها في الحال فيلقي عن نفسه لامة الحرب ولايبقي معه إلا السيف ثم يغوص في قلب الأعداء. إرتفعت الشمس الى كبد السماء ولم تزل المعركة تدور بضراوة، يرمق أحد الصحاب الشمس ويهتف: أبا عبد الله نفسي لنفسك الفداء، هؤلاء إقتربوا منك! لا والله لاتقتل حتى أقتل دونك! أحب أن ألقى الله ربي وقد صليت هذه الصلاة. رفع الحسين رأسه الى السماء وقال: ذكرت الصلاة، جعلك الله من المصلين. نعم هذا اول وقتها. سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي!! وقف القائد وسط لهيب المعركة بين يدي ربه مصلياً فيما تقدم إثنان من أصحابه امامه لحمايته. تجاهل معسكر الأعداء دعوة الهدنة المؤقتة وواصل حربه الشعواء ضد المعسكر الحسيني. لاحظ القادة اليزيديون أن مثل هذه الفرصة حيث ينشغل الحسين بالصلاة يمكن إغتنامها وتوجيه أسلحتهم اليهم مباشرة، وهكذا إنطلقت السهام المسمومة مستهدفة شخص القائد وفي لمحة بصر قفز احد الرجلين يتلقى بصدره السهم المنطلق بقوة. إهتز قليلاً تحت وطأة الألم إلا أنه ترك الدماء المنبسجة تجري على رسلها وراح يحد النظر خشية وصول سهم آخر. إنها تجربة من نوع عجيب تلك التي تدفع إنساناً لكي يتسامى على الأمل جاعلاً من جسده متراساً لآخر. ولم يطل انتظاره فقد توالت السهام القاتلة تغرس بوحشية نصولها الحادة في بدنه، ولم تكن تقلصات الألم، هذه النيران التي بدأت تشب هنا وهناك على طول مساحة جسده وعرضها لتدع الخور يتسلل الى ارادته الفولاذية المتعالية. وما أسمى الابتسامة التي طفت على قسماته رغم غضون الألم وهو يقول: أوفيت يا أبا عبد الله؟؟ ها هي الحرب تدخل مرحلتها الأخيرة وها هي سيوف البغي تحصد الفتيان والأطفال الرضع بعد أن جالدت طويلاً الرجال والفرسان. وفي لحظة تلمح عينا القائد فتى صغيراً وهو مقبل اليه على عجل متقلداً سيفاً راح يخط الأرض من وراءه فيقول لجنوده: هذا فتى قتل أبوه في المعركة ولعل أمه تكره خروجه! إلا أن الفتى يهرول خشية أن يمنع من بلوغ مرامه ويهتف: أبا عبد الله! والله إن أمي هي التي أمرتني بالخروج. ويبرز وهو يرتجز: أميري حسين ونعم الأمير سرور فؤاد البشير النذير علي وفاطمة والداه فهل تعلمون له من نظير؟ له طلعة مثل شمس الضحى له غرة مثل بدر منير ويصول الفتى في ميدان الحرب، يضرب بسيفه رقاب البغاة قبل أن تناله سيوفهم الغادرة وتحتز رأسه الجميل! أجل ذبحوا الطهر والبراءة، قتلوا البسمة الصافية، خنقوا الوردة المتفتحة ولم تزل في أكمامها. وما تفتأ السيوف تقطر دماءاً ودماءاً وهذا وجه كفلقة قمر قسماته تدل عليه لابد أن يكون من هذا البيت، من بيت النبوة، هذا الفتى الذي برز الى ساحة الميدان وهو يرتجز: إن تنكروني فأنا إبن الحسن سبط النبي المصطفى والمؤتمن هذا حسين كالأسير المرتهن بين أناس لاصقوا صوب المزن ونعم ما إفتخر الفتى فسار مقتحماً ميدان الوغى غير هياب ولاوجل. ثم كشف سيفه وشد عليهم مطلقاً له العنان يعمل في نقابهم كيف يشاء ويندفع يطارد خصومه وفي عنفوان هذه المطاردة يتوقف، لماذا توقف البطل الصغير؟ إنه ينحني ليشد شسع نعله الذي إنقطع. عجباً إنه نوع نادر من الإباء، إن رجولته تأبى عليه أن يتخلى عن نعله فيقال إنه لسبب ما قد إحتفى أي أن القوم يحتوشونه من كل جانب. وهكذا دفع فتى البيت النبوي ثمن بطولته الفذة. وتستمر المعركة وتدور رحاها عنيفة طاحنة وتتوقف قلوب الثوار الأبرار، رواد الدرب الحسيني، الواحد تلو الآخر عن أن تخفق في صدورهم. ويبقى قائد الثورة وحيداً في ساحة الوغى، جبهات كثيرة كانت جديرة أن يخوض عليها أكثر من معركة. فها هي ساحة القتال أمام ناظريه مزروعة بأجساد أبناءه وإخوانه وذويه وأحباءه وها هي السيوف والرماح والنبال بيد أعداءه ظمئى لدماءه. وها هم الأطفال والنساء، أسرته وبعض أسر ذويه وصحبه عزل أمام الأعداء. يمم الحسين وجهه شطر المخيم يودع أهله ثم ينقلب الى ساحة الحرب، هدج القوم بنظرة طويلة، هذه الأجساد المنتمخة، السقيمة، الممتلئة الخاوية، المتعجرفة، المسلوبة الارادة، هؤلاء الناس الذين لايمتلكون من امرهم شيئاً، لايملكون أن يفكروا بعقولهم، لايقدرون أن يصدروا عن ارادتهم، ليسوا أكثر من ادوات جامدة متحجرة لاتملك لنفسها نفعاً ولاضراً إلا أن يشاء لها السلطان. ويطلق الحسين لجواده العنان وتجفل الخيل بفرسانها، يسوقهم نحو حتفهم المحتوم. وتنطلق صيحات التحذير من كل مكان وبعد شوط طويل من القتال يعود الفارس يتفقد عائلته فتتعالى الصرخات: دونكم الرجل مادام مشغولاً بأهله، تا الله لو فرغ لكم لاتمتاز ميمنتكم عن ميسرتكم!! ويقف أحدهم وقد بصر بالحسين عن كثب ليقول لصاحبه: أرأيت؟؟ ماذا؟ ألا تنظر لوجه الرجل؟ كلا، ماله؟ والله مارأيته مكسوراً قط فقد أولاده وإخوته وأهل بيته مثله!! راحت الشمس تتوارى شيئاً فشيئاً كأنها تهرب أن تكون شاهدة على الجريمة النكراء. وتوهج الشفق بحمرة الدماء التي صبغت وجه الثرى وأطبق السكون على تلك الأرجاء وكأن كل شيء قد أخلد الى الصمت حداداً على الحدث الجلل. وبدأت صفحة السماء كما لو أنها صفحة منزوعة من ضمير الغيب. راحت تغرق في لجة حمراء، حمراء قانية لانهاية لها. خير الصحاب 1 - 32 2015-05-17 09:42:50 2015-05-17 09:42:50 http://arabic.irib.ir/programs/item/12049 http://arabic.irib.ir/programs/item/12049 لم يبق أمامه بعد جميع الخيارات التي عرضها إلا أن يخوض الحرب. كانت هذه النتيجة واضحة لديه منذ البداية ولم يكن هذا الأمر ليغول حتى لو أغضي عن شخصيته النادرة الفذة، ذلك إن لم يكن بالشيء الذي لم يألفه او لنقل إن التجربة المنتظرة لم تكن التجربة الأولى او البكر في حياة الرجل. فقد شهده العديد من سوح القتال وهو في رعيان الشباب جندياً باسلاً مندفعاً لتبليغ رسالة الاسلام خارج جزيرة العرب او ذائداً عنها مؤامرات المتربصين في الداخل وقائداً مجرباً ومحنكاً يدير المعارك ويخطط لها بحكمة ومهارة نادرتين. وليس في طبيعة المهمة التي تنتظره او ينتظرها من هذا او ذاك وحسب فلاهي مقصورة على بسالة الجندي المندفع المضحي ولاهي رهينة مهارة ودراية القائد المحنك القدير، إنها تبحث عن نمط فريد، نموذج نادر، رجل ينسف كل الجسور التي تصله بهذه الحياة تربطه بالدنيا ليمد بنفسه جسور العبور بالآخرين الى حياة أرحب، حياة كريمة في ظل الرسالة التي سيرفدها بدماءه الحارة. أجل سيخوض المعركة رغم ما يلوح في الأفق القريب أنها لن تحصد شيئاً آخر غير الهزيمة العسكرية المحققة. وعلى شحوب قرص الشمس وهو يسير مترنحاً نحو المغيب وتناهت اليه وهو في وقفته التأملية تلك أصوات مبهمة، مالبثت أن أصبحت ضجيجاً راح يرتفع شيئاً فشيئاً. مدّ ببصره صوب معسكر العدو فشاهد على البعد قوافل عسكرية كبيرة بدأت تقترب ثم تنحاز الى المعسكر الكبير ولم يملك إلا أن يلتفت الى الخلف حيث تلاصقت بضع عشرات من الخيم الصغيرة تمثل مقرات أنصاره وأهل بيته، المعسكر الذي يكون عليه في الغد منازلة المعسكر الكبير. بدأت صفحة السماء الناصعة تتشح قليلاً قليلاً بالسواد وهبط الليل ثقيلاً كئيباً وإنحدر الرجل حيث خيم عسكره الصغير. أن تحنو على شيء تحوطه وترعاه وتنميه وتشهده يزهر ويكبر وتتدفق في أصوله الحياة ويشتد عوده ثم تجد من يغير عليه، يستل منه بغلظة جذوة الحياة فتغيض إشراقته وينطفأ ويذوي فذلك أمر مض. ولكن الأشد من ذلك أن تجد ما وجدت وقد كنت بذلت له من دمك وعمرك وجهدك الشيء الكثير الكثير. أجل هكذا رأي الحسين بن علي آماله الرسالية توأد الواحد تلو الآخر، هذه الآمال التي عانى جده الرسول من أجلها ما عانى وجاهد أبوه في سبيل تحققها وإمتدادها حتى جاد بحياته. وفجأة يشع الأمل وتشرق النفوس، نفوس اولئك المستضعفين الذين نعموا بالحياة الاسلامية الكريمة ولمسوا فيها تجسيداً لطموحهم وتوقهم الدائم لعدل والكرامة. أجل أشرق الأمل كإلتماع البرق في الليلة الظلماء المتلهمة عندما بدأت الحركة التصحيحية نهضتها المباركة لتعيد الأمور الى مجاريها الى سابق عهدها المحمدي الأصيل الناصع، بيد أن هذه الحركة إنطلقت في وقت إستفحلت فيه المؤامرة وبلغت اوجها ولم يكن هناك من سبيل بعد أن سرت روح التخاذل وشاعت حالة سوء الظن لوقف المد الجاهلي المستشري. وكما بدأت الحركة تلك إنتهت وشيئاً فشيئاً طفق الأمل في نفوس المستضعفين وتطايرت الأحلام الوردية الجميلة بالحياة الكريمة العزيزة ولكن هل إنطفأ الأمل؟ كلا، إنه خبى وحسب فلا زال هناك بصيص أمل بالخلاص يراود المخيلات ويراود الأحلام. ولم لا؟ ألم تردد بطاح الميدنة المنورة بالأمس صيحة الرفض المجلجلة التي إنطلقت من البيت النبوي الشريف؟ ألم تلبي الجماهير المسلمة في الكوفة النداء الذي وجهه سبط الرسول صلى الله عليه وآله؟ ألم يأخذ الحسين طريقه الى العراق معلناً عن ثورته ورفضه لحكم يزيد الطاغية الأرعن؟ ولكن ماذا لو صدق ما يقال عن تراجع أهل الكوفة وتنكرهم لعهودهم مع الحسين؟ ترى هل يتراجع الحسين هو الآخر أم يمضي في عزمه؟ إنطلق رجل من الخيمة الكبيرة وهو يهتف: أبو عبد الله يدعوكم اليه! بادر القوم سراعاً وكلمات الإجابة تتناثر من أفواههم بحرارة وصدق واخلاص: لبيك أبا عبد الله! لبيك يابن رسول الله! وإحتشد الرجال داخل الخيمة في حلقة كبيرة وقد تعلقت عيونهم بالقائد الذي وقف يجيل نظراته فيهم وفي عينيه ألق من نور سماوي. ترى ما الذي يريد أن يقوله الحسين؟ هل حصل تطور ما؟ هل طرأ تغير في موقف الكوفيين المتخاذل؟ هل وردته أنباء جديدة؟ وفيما كانت هذه الأسئلة تدور في رؤوس الصحاب بإلحاح صافحت آذانهم كلمات هادئة رخيمة تدفقت بطلاقة وسلاسة ويسر: أثني على الله أحسن الثناء وأحمده على السراء والضراء. اللهم أني أحمدك على أن أكرمتنا النبوة وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة فإجعلنا من الشاكرين. أما بعد فإني لاأعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ولاأهل بيت أبر وأوصل من أهل بيتي فجزاكم الله عني خيراً. ألا وإني لأظن يوماً لنا من هؤلاء، ألا وإني قد أذنت لكم فإنطلقوا جميعاً في حل ليس عليكم حرج مني ولاذمام. هذا الليل قد غشيكم فإتخذوه جملاً. أصغى الرجال بقلوبهم وعقولهم وكانت الدموع المنهمرة بصمت تحكي عن عمق الولاء ومدى الحب الذي يكنونه لزعيمهم غير أن العبارة الأخيرة كان لها وقع آخر تماماً وكان رد الفعل الأولي لهم أن جفلوا وكأن وتراً حساساً قد مس فيهم. وعلى غير ما ألفوه من التأدب مع قائدهم هدرت عدة أصوات في وقت واحد: لم نفعل ذلك؟؟ ثم اختلفت الأصوات وتداخلت: ألنبقى بعدك؟ لاأرانا الله ذلك أبداً! نفديك بأموالنا وأنفسنا وأهلنا! نقاتل معك حتى نرد موردك! قبح الله العيش بعدك!! ووثب رجل منهم ليقول بصوت يقاطعه النحيب: أنحن نخلي عنك وبماذا نعتذر الى الله في أداء حقك؟ لا والله حتى أطعن في صدورهم برمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي! ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة! ووقف ثاني ليقول: والله لوددت إني قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى أقتل هكذا ألف مرة وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من اهل بيتك! وأردف كالمغيظ: قد سمعنا قد هداك الله يابن رسول الله مقالتك ولو كانت الدنيا لنا باقية وكنا مخلدين لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها! ومن بين القوم تحامل شيخ كبير على نفسه ونهض مستعيناً بسيفه وفاه بكلمات يجللها الوقار: والله يابن رسول الله لقد من الله بك علينا أن نقاتل بين يديك فتقطع فيك أعضاءنا ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة. وإندفع رابع ليقول وهو مطرق الرأس وكأنه يتلو إبتهالاً: والله ما كرهنا لقاء ربنا وإنا على نياتنا وبصائرنا نوالي من والاك ونعادي من عاداك. ويوالي الرجال التعبير عن مكنون نفوسهم بفيض من المشاعر الجياشة وعيون مئلها الدموع ويعاود الحسين المحاولة ثانية وثالثة ورابعة لثنيهم عن عزمهم إلا أنه يجدهم في كل مرة أكثر إصراراً وتمسكاً بقرارهم الصعب، قرار التضحية والشهادة فينصرف وقلبه الكبير يخفق شفقة وحنواً. كان الهدوء يسم كل شيء في المعسكر الصغير ولولا بضع أشخاص تناثروا هنا وهناك لكان طبيعياً الاعتقاد أن القوم لازالوا يغطون في النوم ولم يكحل نور الفجر عيونهم بعد. وفي أحد اركان المخيم إنزوت خيمة صغيرة وقف على بابها رجلان كان المتقدم منهما شيخاً كبيراً تلوح من بين خديه التجاعيد التي غزت وجهه إبتسامة مشرقة راضية أما الآخر والذي بدا أنه عبر الخطوات الأولى نحو الكهولة فقد كان ساهماً مفكراً. وتلحظ عينا الشيخ الكبيرتان هذه السحابة الطافية على وجه صاحبه فيحاول تبديدها ويتلطف له بالقول ويضاحكه فيعجب الرجل، تغيب علائم السهوم والتفكير من قسماته لتعلوها امارات الدهشة والإستغراب ويسأل بإنكار: أتضحك؟ يجيبه الشيخ ولازالت الابتسامة العريضة تضيء وجهه الوقور: ههه ولم لا! وفي لمحة بصر يمر امام خيال الرجل مشهد الحرب التي لم يبق على إندلاعها إلا سويعات قليلة، أجساد مزروعة هنا وهناك، دماء تصبغ الأرض، صراخ الأطفال وعويل النساء. ويحرك يده بشكل لاإرادي كأنما يحاول إبعاد هذا المشهد ويقول بمرارة وألم: ماهذه ساعة ضحك ولاباطل! والله ما احببت الباطل كهلاً ولاشاباً وإنما أفعل ذلك إستبشاراً بما نصير اليه! وتومض عيناه بنور عجيب وهي تسرح في الأفق البعيد الذي بدأ احمر متلألئاً يوشك أن يسفر عن وجه الشمس وأضاف: والله ما وإن نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعالجهم بها ساعة ثم نعانق الحور العين. لم يكن صرف كلام ذلك الذي سمعه الرجل ولامجرد لسان يصوغ محض ألفاظ بل هو مشهد سماوي أخضر رسمته بعناية ريشة فنان موهوب. وهل هناك اعظم من هذه اللوحة الفنية المذهلة، منظر الجنان بخضرتها النضرة، بأنهارها الرقراقة المنسابة بروعة، بحورها اللؤلؤيات يسن جمالاً وعذوبة ورقة، بنسماتها العابقة بشذى الزهور، بطيورها المغردة المزقزقة، هذا العالم البهيج اللامتناهي وهو يبدو من وراء الأشلاء المقطعة والدماء المطلولة، وهل هناك اعظم من هذه الروح التي تعبر كل تلك المسافات بأقل من لمحة بصر. ولم يزد الرجل الذي أتعبه الجري في هذا العالم خلف صاحبه اذ قال: طوبى لك ياأخاه!! السيد المسود - 31 2015-05-13 10:44:17 2015-05-13 10:44:17 http://arabic.irib.ir/programs/item/12035 http://arabic.irib.ir/programs/item/12035 كان لايفتأ يحث ناقته على الاسراع يحرص دائماً لأن يكون في المقدمة. لو لم يعد أمراً مستهجناً لترك القافلة ورفاق السير وإنطلق وحيداً ليصل المدينة المنورة على جناح السرعة. ولكن أي جناح وأي سرعة وهل قصارى مايبلغه جهد ناقته غير هذا؟ أههه لو كان له جناحان يطير بهما لكان الآن في المدينة بين يدي سيده ولنال تلك المكافاة التي لايريد ولايطمع أكثر منها! وليس أسرع مما صورته مخيلته داخلاً الدار حاملاً متاعه على ظهره. الامام يجلس وحيداً في مكانه المعهود. لمحه يدخل نهض مرحباً، تلطف بكلامه مخففاً عناء السفر عنه، يجلس هو يتحدث عن نجاح مهمته: توجهت مع مجموعة من التجار الى مصر كما أمرت ياسيدي. أحس أن صوته بدأ يرتفع. تلفت حوله محملقاً في وجوه رفاقه باحثاً عن صدى إحساسه ذاك ولما ظن أنه لم يسمعه أحد عاد يتملل المشهد الذي رسمته مخيلته. أحنى رأسه رافعاً يده بالدعاء: أحمد الله ياسيدي أن منّ الله عليك بالربح الوفير. مدّ يده للجراب الذي وضعه بجانبه، أخرج كيسين قال وهو يقدمهما لسيده: هذا ألف دينار الذي أعطيتنيه وهذا ألف آخر ربح!! وطوفت عيناه الى وجه سيده مختبراً وقع كلماته عليه، كان يأمل الابتسامة العذبة وهي تشيع في وجهه فتتلألأ قسماته بإشراقة محببة. يامصادف، يامصادف!! إلتفت فزعاً كمن ضبط متلبساً بجرم: أجل أجل! مالك ياصاحبي ألم تفرغ بعد من مناجاتك الطويلة؟ ها نحن نشرف على المدينة! ألا يخفق قلبك حنيناً لمرئى الديار؟ ها حقاً تقول، مرحى مرحى، يبدو أنني غبت في عالم بعيد، بشرت بالخير! أمسكت السماء قطرها وعمّ الجفاف أراضي الحجاز فيبس الزرع وجثم شبح الجوع المخيف، وتمر شهور قاسية تلتهم موارد الناس المعيشية وتضيق عليهم سبل حياتهم ويخرج الناس ساعين هنا وهناك بحثاً عن لقمة العيش وهرباً من هذا الشبح المرعب. يذهبون بعيداً حيث تهل بشائر الحياة والنماء. وهكذا تتوارد القوافل التجارية على مصر والشام وتصدر عنها وهي تنوء بأحمالها من المواد الغذائية والتموينية. وكالنجدة التي يغاث بها الجيش المحاصر يستقبل الناس نبأ وصول احدى القوافل التجارية العائدة. إن هذا الربح كثير ولكن ماصنعتم في المتاع؟ عندما دنونا من مصر إستقبلتنا قافلة خارجة منه فسألناهم عن المتاع الذي معنا وما حاله في بلادهم فأخبرونا أنه ليس بمصر منه شيء، وهكذا ياسيدي تحالفنا وتعاقدنا ألا ننقص متاعنا من ربح الدينار ديناراً!! غاضت الإشراقة من وجه الرجل وكست ملامحه غلالة حمراء شفيفة وقال بغضب: سبحان الله. تحلفون على قوم مسلمين أن لاتبيعهم إلا بربح الدينار ديناراً؟ ثم مدّ يده الى أحد الكيسين وأردف: هذا رأس مالي ولاحاجة لنا في هذا الربح! ولكن يابن رسول الله... إنني! يامصادف! مجالدة السيوف أهون من طلب الحلال! قال جعفر بن محمد الصادق ذاك ونهض تاركاً مولاه نهباً للحيرة! ياإلهي ماذا يفعل، كان يحسب أنه سيدخل السرور على قلب إبن رسول الله فإذا هو يغضب. ما الذي يستطيع فعله؟ كيف له تدارك ما فات؟ وهذا الكيس، هذا المال الذي رفض الامام قبوله ماتراه فاعل به؟ أطرق مفكراً ساعياً الخروج من هذا المأزق الذي وجد نفسه فيه. هل يجتهد هو في إنفاقه في وجه من الوجوه التي يرى فيها صلاحاً ومنفعة عامة ام يذهب ويستشير الامام في ذلك؟؟ تفاقمت الأزمة وإشتدت حالة الجوع ولم تعد المؤن والبضائع التي تجلبها القوافل التجارية سوى إسعافات اولية لاتلبي الحاجة الملحة ولاتغني في مواجهة الوباء الذي إستشرى ولم تعد من وسيلة ترجى لتطويقه إلا إعلان حالة طوارئ عامة. وبدا أن الحكومة العباسية التي أغرقت الناس بالوعود بحل المشاكل المستعصية ورفع معاناة المعيشة والتخفيف عن كواهل الناس وإشاعة العدل وإنصاف المحرومين، بدا وكأنها تشعر أنها غير ملزمة بتعهداتها او أن الأمر خارج عن حدود واجباتها كحكومة ينبغي لها الحرص لإسعاد شعبها والسهر على راحته. ولهذا فقد تردت الأوضاع المعيشية أكثر فأكثر وشهدت أسعار السلع الضرورية قفزات مروعة. وبلغ الأمر حداً أنذر معه بوقوع أزمة اقتصادية مفجعة. وغرو أن تكون الوطأة أشد على الفقراء والمساكين، اولئك الذين لاتفتأ عيونهم تتطلع الى العدل والانصاف والكرامة. ولكن اذا كان أمرهم قد هان على الولاة الظلمة او على الناس فإنه لم يهن على الخالق الرازق. وكان لهم موعد مع عبد من عباد الله كل ليلة، موعد ينتظرونه بشوق. فعندما يهبط الليل ويلف الظلام كل شيء تمتد يد سخية الى ابواب الفقراء تطرقها، توزع عليهم الخبز واللحم والدراهم وبلاسم الأمل ايضاً. لم يعرف الناس إلا رجلاً واحداً كان هذا دأبه وقد رجع الى ربه راضياً مرضياً، فمن يكون هذا ياترى؟؟ حقاً لقد كان علي بن الحسين فرع الدوحة النبوية لايجارى في الفضل والاحسان. ولكن العجيب في الأمر أن هذا الرجل يحذو حذوه في كل شيء! لاأكتمك ياصاحبي أني سمعت من يقول إنه جعفر حفيده! جعفر الصادق؟ وهل في الأمر مايدعو للعجب؟ أبداً أبداً ولكني حسبته في شغل عن هذا، ظننت أنه منصرف لتفقيه الناس بمعالم دينهم ونشر معارف القرآن وعلومه. ذلك أني ما رأيته يوماً إلا وقد أحاط به العلماء وطلاب العلم!! هؤلاء أهل بيت شعارهم العلم والعمل. "الله أعلم حيث يجعل رسالته"!! كل شيء كما أراد، أجل كما اراد! إنطبعت على ملامحه السمراء ابتسامة صامتة وعاد يوزع نظراته الى الأكياس المسندة الى بعضها بعناية ويقول بصوت مسموع: هذا رز وهذا قمح وتلك هي زقاق السمن. إنفرجت شفاه ثانية عن إبتسامة راضية وتراجع تاركاً مخزن المؤن، همّ بإغلاق الباب. ها من ينادي؟ ترك الباب على حاله وأسرع ملبياً: أجل يابن رسول الله! يامعتب؟ نعم ياسيدي! كم عندنا من طعام؟ ردّ وهو يبتسم: عندنا مايكفي أشهر كثيرة يامولاي! أخرجه وبعه! نعم، ماذا؟ هل أخطأ سمعه؟ لا، لايمكن وهل أن الامام لايعلم وضع السوق؟ أبيعه وليس في المدينة طعام؟ بع! ولكن ياسيدي؟ إشتري مع الناس يوماً بيوم! كلا إنه لايتوهم، ها هو الامام يأمره وما عليه إلا أن يقول: سمعاً وطاعة يابن رسول الله! يامعتب إجعل قوت عيالي نصفاً شعيراً ونصفاً حنطة. قال الصادق ذاك ودخل الى حجرة كبيرة حيث كان ينتظره تلامذته. ودع الطلاب أستاذهم وشيئاً فشيئاً راح الجمع ينفض ويتفرق. مكث الأستاذ ريثما إبتعد تلامذته ثم نهض بهم، تناول إزاراً غليظاً ملقى هناك وخرج. وفي وجه حرارة الشمس لمح أحد التلاميذ أستاذه وهو يلج بستاناً قريباً فتعجب. ترى ما الذي رومه أستاذي من الخروج في هذا الحر؟ أليس لديه من ولده من يكلفه القيام بالعمل الذي يريد؟ واذا كان هناك من عمل يتطلب جهداً ومشقة ترى لم لايستأجر أحداً لإنجازه؟ ولم يضع وقته بمزيد من الأسئلة بل تبع أستاذه، ولشدما أذهلته المفاجئة. كان الأستاذ على شيخوخته وجلالته يمسك بالمسحاة وقد ألقى عليه إزاراً غليظاً وراح يعمل بصبر وجلد رغم الحر الشديد. تقدم التلميذ بخطوات سريعة وهتف: جعلت فداك، اعطني، أتفك!! رفع الأستاذ رأسه وطافت على قسماته المشرقة الوقور ابتسامة وقال: إني أحب أن يتأذى الرجل بحر الشمس في طلب المعيشة. صغى التلميذ لكلام الأستاذ وسرحه التفكير طويلاً: لم يكن ما سمعه محض كلام، كلا، بل مشهداً حياً رائعاً، إمتزجت فيه حبات العرق بالأنفاس اللاهثة بملمس اليدين المحمرة المخشوشنة، وبهذه الشخصية القدسية الصادقة. تذكر الرجل قطعة الأرض جرداء التي يمتلكها وقال مع نفسه: إنه درس بليغ لي، درس جديد من حياة هذا الرجل العظيم. ألقى نظرة طويلة على ما حوله. كل شيء أخضر باسم، نظر الى أستاذه، دقق النظر الى ظهره الذي إبتل بالعرق وترقرقت عيناه بالدموع. ثم عاد يناجي نفسه من جديد قائلاً: نعم ما أخذ أستاذي به نفسه. وهل فوق إبن رسول الله من مطمح لمفاخر؟؟ كتاب شفاعة - 30 2015-05-12 10:57:52 2015-05-12 10:57:52 http://arabic.irib.ir/programs/item/12034 http://arabic.irib.ir/programs/item/12034 إنحدرت الشمس للمغيب ومن بعيد ترآت المدينة لعيناه التي إضمرهم التعب وكأنها سحابة دكناء. شهور خمسة قضاهم ورفيقيه، جواده والطريق لم يجد فيها طعم الراحة إلا إختلاساً. تنفس الصعداء وهو يلمس شجيرات صغيرة تناثرن بغير إنتظام. آه اذن فقد بلغ الواحة، قال وهو يجيل بصره في السماء، لاشك أنه لم يبق الكثير على موعد الصلاة. أرخى جفنيه قليلاً يتذكر شيئاً ثم حلق كمن إعتزم أمراً وقال: ليكن! تقدم بإتجاه ساقية صغيرة هناك وتابع تقدمه حتى وقف على نبع صاف يضاهي البلور رقة وصفاءاً. احس بالفرحة تطغى عليه، ترجل عن جواده، مطى جسده المرهق. ها هو يعود لمدينته بعد عام، عام كامل! وأنا أجوب الفيافي بين الري ومكة. إقتاد الجواد الى شجيرة قريبة وربطه وعاد يحرك ذراعيه كيفما إتفق كعصفور صغير يغادر عشه لأول مرة. شمّر الثوب عن ساقيه، خلع نعليه وجلس على حافة البئر تاركاً قدميه تنسابان في الماء البارد، ومع الرجفة الخفيفة التي سرت في أوصاله أحس بنشوة عذبة لكنها لم تدم طويلاً. داهمته هواجسه وهمومه، تلك الهواجس والهموم التي دفعته الى ركوب مشقة هذا السفر الطويل، ليته يرتاح منها ساعة واحدة، يستريح من هذا القلق المستمر، هذا الخوف الدائم، هذا العناء، العناء! وألحت على ذهنه ذكرى، ذكرى اللحظة التي تلقى فيها نبأ تعيين الوالي الجديد على الري وهتف: ما أشأمها من ساعة!! وراح يناجي نفسه بصوت مسموع: ماذا لو إطلع على سجلي؟ فهل يجد غير ضرائب متراكمة؟ وحدق في الماء بغضب ثم قال بحدة كما لو كان يخاطب أحداً: أينبغي لي الخضوع لإبتزاز الولاة الظلمة الذين يدأبون على مضاعفة الضرائب ليحملوا الناس معاناة الى معاناتهم وفقراً الى فقرهم؟ آه أطلق زفرة طويلة وعاد يقول: أينبغي لي أن أمد هؤلاء الظلمة بما يطيل في اعمارهم وبقاءهم ليطول بالتالي عذاب الناس وشقاءهم؟ ليطول هذا الليل البهيم؟ هذا الوباء الذي لايبقي ولايذر؟ وفجأة تحسس صدره بسرعة وإرتباك وتمتم: الحمد لله! تلفت حوله بإستغراب وهو يجد الليل يلف كل شيء!! عشرات المرات طرح على نفسه سؤالاً واحداً، بيد أن عقله لم يسعفه بشيء. ما الذي سيواجهه بعد قليل. إستجمع شجاعته وتقدم من الباب وطرق. أجابه صوت من داخل صدره بدقات قوية متناوبة، من وراء الباب الذي إنفرج قليلاً أطل غلام شديد الأدمة تبدو عليه ملامح القوة والفطنة. السلام عليكم. أهذه دار الوالي؟ أحس أن سؤاله لامعنى له! وهل هناك من يجهل دار الوالي؟ لكنه مد عنقه متظاهراً بإنتظار الجواب. وعليكم السلام ورحمة الله، اجل. ونطقت عيناه بسؤال: قل له إن على الباب رسول الامام الكاظم. أشرق وجه الغلام بإبتسامة عجيبة وإنقلب الى داخل الدار عدواً لماذا إبتسم؟ هل انني أخطأت التعبير؟ لاأبداً، ولكن؟ أجل أجل لابد أنه عرفني؟ لابد أنه قال مع نفسه هذه بغية الوالي منذ عام سعت اليه بقدميها؟ أجل أجل انني أصبحت مطارداً مطلوباً للعدالة. إقترب منه وقع أقدام مسرعة، إنفتح الباب بقوة. رجل مهيب بادي التوتر حاسر الرأس، عليه ثوب أبيض طويل. لايراوده الشك أنه الوالي بعينه. بادره السلام. وعليك السلام ياسيدي. جاء الجواب خلافاً لما توقعه تماماً! هل أنك رسول الامام؟ تابع الرجل بتواضع جم: ياسيدي؟ أحقاً يقول الرجل أم أنه يسخر مني؟ لا لا إن عينيه صادقتان، ماذا يجيب؟ أجل أنا هو!! ردّ الرجل وقد تهللت أساريره: حللت اهلاً ونزلت سهلاً. ومد اليه يديه وإحتضنه ثم قاده الى داخل الدار وقال بلهفة: ها كيف تركت الامام؟ هل هو بخير؟ أجل أجل بخير بأتم الخير! حمداً لله حمداً لله. وهل حظيت بزيارته؟ نعم لقد تشرفت بلقاءه في مكة. ها أحقاً تقول؟ أجل والله بوركت! وطوبى لك! عاد الوالي يسأل بعد أن أخذا مجالسهما وكأنه يحاول تمثل الموقف كاملاً: قلت إنه عليه السلام بخير وعافية وتمكن من اداء المناسك كاملة؟ وواصل دون أن يتيح لصاحبه فرصة الرد: حدثني بالله عليك كيف كنتم مع الامام؟ وكيف قضيتم فترة الحج؟ الحقيقة أني قصدت الامام لأمر أهمني فقيل لي أنه قصد مكة المكرمة وهكذا شددت الرجال الى مكة. كنت احدث نفسي أني سأجهد في البحث قبل أن أصل اليه وسط الزحام الشديد ذاك! ولكني لمحته ولما أدخل بعد، رأيته يشق طريقه بين الجموع يسعى نوره بين يديه وكان الناس ينظرون الى وجهه المشرق الوضاء وينفرجون له سماطين! وفي فراغ من عبادته كان معنا كأحدنا يصغي الينا اذا حدثناه ويقبل الينا اذا حدثنا، يوزع بيننا نظراته الحنونة المفعمة بالود! أنصت الوالي كالحالم، كمن يتملى مشهداً مؤثراً وقد بللت اهدابه الدموع وكالمستغرق في نوم عميق إنتبه مبدياً رد فعل سريع وهو يرى صاحبه يمد يده الى صدره ويقول: وقد حملني كتاباً اليك!! إنفرجت شفتاه، إتسعت حدقتا عينيه وإمتدت يداه بشكل لاإرادي لتخطف الرسالة! ثم كمن إستعاد وعيه رفع الرسالة ولثمها مرة وثانية وثالثة ثم أبعدها قليلاً وراح يتأملها. ومع حركة يديه المرتبكة لفض الرسالة إنهمرت دموعه بغزارة. ركضت عيونه على السطور تحاول إستباق الألفاظ وبلوغ معانيها دفعة واحدة، قرأها مرة واحدة. ألقى نظرة خاطفة مفعمة بالحبور على صاحبه وعاد يقرأ مستئنياً. نهض ذرع الغرفة طولاً وعرضاً ثم توقفف وقرأ بصوت مسموع: بسم الله الرحمن الرحيم إعلم أن لله تحت عرشه ظلاً لايسكنه إلا من أسدى الى أخيه معروفاً او نفس عنه كربة او أدخل على قلبه سروراً وهذا أخوك والسلام. كان فارسان يمتطيان جواديهما وكأنهما في نزهة شائقة ورغم أن الوقت قد قارب الضحى إلا أن الحديث لازال متصلاً بينهما منذ أن إعتليا صهوتي جواديهما مع إشراقة الشمس. قال الأول وفي كلامه رنة عتاب تنبأ على دالة كبيره له على صاحبه: ولكنك لم تحدثني بذلك؟ ها أنا أحدثك!! ردّ الثاني وهو يبتسم. أجاد أنت أم هازل؟ لا وربي جاد كل الجد! بشرك الله بخير. لا والله بالخير كله!! ولكن أكان إسمينا الوحيدان اللذين أسقطهما الوالي من ديوانه؟ كلا كلا بل أسماء كثيرة، أسقطها وأعفى أهلها من الضرائب! ولكن كيف أسقط كل تلك الأسماء؟ لقد قال لي إنه أدوا الحقوق الشرعية لمستحقيها متجاهلين اوامر السلطة الظالمة ووعيدها. غريب ولكنه أحد أعضاء هذه السلطة شاء أم أبى؟ كنت سألمحه له بمثل هذا لو لم يبادرني والألم باد على محياه قائلاً: أظننت أني أقبل بتسلم هذا المنصب لولا توجيه الامام عليه السلام؟ وأطلق زفرة عميقة ثم أردف: أنه أمرني بالسعي لرفع الحيف عن المظلومين ورفد المحرومين ونصرة المستضعفين. وهزّ رأسه رفضاً ثم أضاف: لولا ذلك لما وجدتني هنا لحظة واحدة!! هذا امر لم يخطر لي على بال، ها جميل منه ذاك!! ولكن اين دنياه ياترى من دنيا المظلومين؟ ما تقول ياصاحبي؟ إنك لم تعرف كل شيء بعد، لم تعرف كل شيء عن الرجل!! لو حدثتك بكل ماجرى لي معه لتولاك العجب العجاب! ماذا بعد اذن؟ بعدما إنتهى الوالي من امر ديوان الخراج حمل بنفسه كيساً وأفرغه بين يدي. مسكوكات ذهبية تخطف الأبصار! قلت: لاياسيدي حسبي ما أسديت إليّ من معروف! لاياأخي، لقد أمرني الامام أن أسرك! إنك أخي في الله، ألا تريد ليّ الفوز برضاه؟ قبلت منه على إستحياء وحاولت الإنصراف إلا أنه أجلسني وزاد فيما أعطانيه. ولاأطيل عليك فقد غادرت بيت الوالي وقد خشيت على جوادي الهلاك من ثقل ما حملته!! الحق الحق أن ماسمعته لهو الغاية في الغرابة!! والأغرب من ذلك بركة كتاب الامام. لقد كنت أتوقع كل شيء إلا ذلك. وإنقطع الحديث بين الرجلين للحظات غير أن الرجل الأول سأل: ترى ما الذي دعاك للسفر من جديد وها انت لم تلقي عصى السفر بعد؟ أنني والله أروم الحج. ولكنك عائد منذ شهور قليلة من مكة؟ أجل ولكني أنوي لقاء الامام وتسديد بعض الديون. ها أعليك ديون في مكة؟ كلا!! لم أعد أفهم! لقد فكرت طويلاً فوجدت أفضل ما يمكن تقديمه للوالي جزاء أياديه البيضاء عليّ هو أن أهدي له ثواب حج البيت. آهههه ياحبذا ياحبذا، ليوفقك الله ويكلأك برعايته. زاد الله في فضلك ياأخي. قال ذلك ثم تطلع الى السماء وقال: أرى الظهيرة تداركتنا فهل أسرعنا حتى نلتجأ الى ظل ظليل ليقينا حر الهاجرة. وهمز جواده وهو يحث صاحبه على الاسراع فإنطلق الجوادان خبباً تقرع حوافرهما الأرض بقوة. الهم الكبير - 29 2015-05-11 14:22:46 2015-05-11 14:22:46 http://arabic.irib.ir/programs/item/12033 http://arabic.irib.ir/programs/item/12033 أنهى الوزير قراءة تقريره، تقدم بخطوات متأدة من مجلس الخليفة ومدّ اليه كلتا يديه بورقة ملفوفة بعناية. بدا الخليفة وكأنه يخوض لجة عميقة من الأفكار، رفع رأسه متنبئاً أخيراً لليدين الممدودتين وتناول الملف وبحركة تنم عن الكسل وعدم الاهتمام فضه ملقياً نظرة عابرة على سطوره، وسرعان ما تعلقت عيناه بأعلى الورقة وكأنها إنشدت اليها بوثاق غير مرئي. إتكأ الخليفة على مرفقه الأيمن وعلائم التفكير والحيرة بادية على محياه، حالة من الدهشة والاستغراب إستبدت بالوزير فراح يخالص الخليفة النظر دون أن يجرأ على السؤال او التفوه بشيء. إستغرق الأمر على ذهن الخليفة فرفع رأسه وسأل مشيراً الى أعلى الورقة: ماهذه العلامة التي اجدها على تقريرك أيها الوزير؟ نظر الوزير حيث أشار الخليفة وهو يدنو اكثر فأكثر وقال: لا اعرف يامولاي!! لاتعرف؟ عاد الوزير ينظر للعلامة وكأنه سيكتشف فيها شيئاً جديداً وقال: كلا كلا ياسيدي! سدد الخليفة وزيره نظرة وشت عن عدم رضاه ثم نادى: أيها الحاجب، أيها الحاجب! مولاي! قل لي أتعرف ماتعني هذه العلامة؟ تناول الحاجب الورقة وحدق فيها طويلاً ثم قال: رعا الله امير المؤمنين لو أذنت بإحضار من يحسن اللغة الرومية فأني أجد خطوطها شبيهة بالحروف الرومية. إستحسن الخليفة الفكرة وقال: اذن أبعث من يحضره لنا على وجه السرعةز سمعاً وطاعة يامولاي. ردّ الحاجب وتراجع الى الخلف خطوات ثم إنسحب بهدوء. ساد الهدوء وبدا الجو داخل القاعة الكبيرة حاراً خانقاً يقطع الأنفاس. رفع الوزير رأسه بحذر ونظر الى الخليفة. عينا الخليفة تحلقان كما كانتا في الورقة. أطرق من جديد منكمشاً على نفسه وكأنه فأرة تربص بها قط، لعن في سره الحظ لأن يكون وزيراً لعبد الملك بن مروان! ومن بعيد اخذ وقع أقدام مسرعة يعكر الهدوء ويثير آلاف الإحتمالات المخيفة في رأس الوزير المكدود. دخل الحاجب عجلاً ثم إنحنى امام الخليفة: لقد أحضرت الرجل الذي أردت يامولاي. فليدخل! قال الخليفة ذلك ثم إعتدل في جلسته. أقبل رجل بخطوات يشلها الإرتباك ووقف منحنياً أمام الخليفة فخاطبه الخليفة بالقول: اذا كنت تجيد الرومية فأخبرني ما معنى هذه العلامة؟ ودفع اليه بالورقة. تطلع الرجل في الورقة بعينين يطل منهما الفزع وقال بسرعة غير متوقعة: ها إنه شعار النصارى يامولاي. تفاجئ الخليفة او هكذا بدا وصرخ: ماذا؟ أمتأكد أنت؟ نعم يامولاي. إلتفت الخليفة الى وزيره وقال: ما معنى هذا أيها الوزير؟ إبتلع الوزير ريقه وأجاب بصعوبة ظاهرة: لاأدري! لم أكن أعرف بذلك يامولاي. وأضاف بصوت متهدج: ماذنبي أنا ياأمير المؤمنين اذا كانت هذه العلامة مطرزة على القراطيس التي تباع في أسواقنا. المترجم الذي ظل مطرقاً حتى تلك اللحظة رفع رأسه كمن دبت فيه الحياة وقال: أصلح الله مولاي الخليفة اذا أذن لي قلت ما اعرفه بهذا الشأن!! هزّ الخليفة رأسه موافقاً بعد أن ألقى عليه نظرة شاملة مستخفة. تكلم الرجل كما لو كان يعرض قصة لها شأن كبير في حساب الزمن قائلاً: منذ سنين عديدة يامولاي مذ كان التجار يبتاعون هذه القراطيس من بلاد الروم وهذا الشعار عليها وبعد أن نقل الأقباط هذه الصناعة الى مصر فإنهم نسجوا على منوالهم وراحوا يطرزون قراطيسهم بالشعار نفسه ويبيعونها في أسواق المسلمين. إن ما قاله الوزير يامولاي حق فليس هناك قرطاس في أسواقنا يخلو اليوم من هذا الشعار. وما إن إنتهى المترجم من حديثه حتى سكن غضب الخليفة وكأنه تناول جرعة دواء مهدأ ثم اطرق مفكراً وما لبث أن إعتدل في جلسته ونادى على القلم والدواة وتناول قرطاساً وراح يكتب. شعر عبد العزيز بن مروان أخو لخليفة وعامله على مصر بحرج المهمة التي كلف بها وثقلها. وحاول أن يوهم نفسه فعاد يقرأ كتاب الخليفة من جديد لكنه رجع بعد نظرة متأنية على سطور الكتاب القليلة ليجزم أنه لابد من المضي في إنجاز المهمة فأوامر الخليفة تقضي بسحب جميع الورق المعروض للبيع في السوق ومن ثم إلزام العاملين بصناعته بتزيين قراطيسهم بسورة التوحيد وجملة شهد الله أنه لاإله إلا هو بدلاً من الشعار الذي كانوا يضعونه عليها، كما يتوعد الكتاب بمعاقبة كل من يبيع القراطيس الرومية او يتداولها. وهكذا فقد أثار قرار الخليفة الذي عمم على مختلف الولايات الاسلامية لوناً من الدعاية لصالحه خصوصاً وأن تنفيذه تم بطريقة فيها من الرنين والبريق الشيء الكثير فالولاة والقائمون بأمر الحكومة والمنتفعون يدأبون من أجل خلق إنطباع لدى عامة الناس من أن القرار ذاك نابع من حرص الخليفة على أمور الدين ومقدسات المسلمين. فوجأت الشام صبيحة أحد الأيام بنزول نفر عليهم لباس غريب وتداول الناس الحديث في شأنهم، ترى من يكونوا هؤلاء القوم؟؟ ومن اين أتوا؟ قال تاجر وكان كثير الأسفار: هذا لباس أهل الروم، انا أعرفه، والذي أعتقده أنهم من رجال القيصر! ويستمر موكب الغرباء في السير. مولاي على الباب رجال يقولون إنهم رسل قيصر الروم!! ألقى عبد الملك نظرة جامدة على حاجبه وقال: دعهم يدخلوا! من قيصر الروم الى خليفة المسلمين أما بعد فإن عمل القراطيس بمصر للروم ولم يزل مطرز بطراز الروم حتى أبطلته فإن كان من تقدمك من الخلفاء قد أصاب فقد اخطأت وإن كنت قد أصبت فقد أخطأوا فإختر من هاتين الحالتين أيهما شئت وأحببت. وقد بعثت اليك بهدية وأحببت أن تجعل رد ذلك الطراز الى ما كان عليه حاجة أشكرك عليها. نظر الخليفة الى حاجبه بوجه مكفهر وقال: رد هديتهم اليهم وقل لهم لاجواب لكم عندنا. ويعود وفد القيصر ويأتي وفد آخر وتتعاقب الوفود على الشام حاملة الكتب والهدايا وداعية الى إعادة الشعار النصراني الى القراطيس ومحو الشعار الاسلامي، وكلها تواجه الرفض والخيبة. ويتحدث قصر الخليفة في احد الأيام عن وصول وفد رومي جديد وينشغل القصر خلافاً للمرات السابقة بالزيارة الجديدة. إنفرد الخليفة بنفسه بعد أن صرف جميع مقربيه وأفراد حاشيته وجلس مطرقاً تتصارع في رأسه الأفكار. ترى ماذا يعمل؟ أيخضع لهذا التحدي؟ ولكن كيف سيكون موقفه أمام الناس وأعداءه؟ وهل يمكنه حينئذ تحمل ثقل الهزيمة الباهض؟ وتشتد الحيرة والغضب بعبد ملك بن مروان فيصرخ: أشأم مولود ولد في الاسلام ويضيق بنفسه وعجزه فينادي الحاجب أن يدعو له العلماء والحكماء واصحاب الرأي. ويلتأم الاجتماع ويقف الخليفة معلناً سبب هذه الدعوة فيقول: إن قيصر الروم تهددنا من أنه سيضرب دراهم ودنانير جديدة ينقش عليها عبارات في شتم نبينا، اذا لم ننزل عند ارادته بإعادة شعار النصارى الى ماكان عليه. ويتوقف الخليفة عن الكلام مجيلاً الطرف في الحاضرين ثم يتابع: فما الرأي وأنتم ترون جميع المعاملات تجري بين الناس بدراهم الروم ودنانيرهم؟؟ ويمتد الاجتماع يطول الحديث ويسري السأم بين الحاضرين ولا من نتيجة تذكر. ويتقدم أحد الجلوس وكان جريئاً لأن يهمس في أذن الخليفة: أنك لتعلم الرأي والمخرج من هذا الأمر ولكنك تتعمد تركه، ويحك أنت! الباقر من آل محمد!! سكت عبد الملك قليلاً قبل أن يجيب: صدقت. ولكن إرتج الرأي عليّ فيه! شهد قصر الخلافة إستعدادات خاصة وردد بعض رجالات القصر تساؤلات: ترى هل نحن على موعد مع وفد رومي جديد؟؟ ويتواصل الهمس في زوايا القصر عن الشخصية التي يستعد الخليفة لإستقبالها. وتوقف الهمس وإنشدت الأنظار الى رجل دخل على حين غرة وشق طريقه الى بهو الخليفة غير هياب ولاوجل، ولم يملك الحرس وافراد الحاشية الذين إصطفوا على جانبي الطريق إلا أن ينحنو له إحتراماً ويسارعوا في إفساح الطريق امامه. بدت في لهجة الخليفة الذي تخفف من زيه الرسمي رنة إنكسار واضحة وهو يقول: علمت يابن رسول الله ما طرقنا، لايعظمن هذا عليك! فإنه ليس بشيء. أجابه الرجل بوقار. مال احد الجالسين في ركن القاعة الى صاحبه وسأله بهمس: من الرجل؟ وهل يجهل مثله؟ رد الرجل بإنكار وإستطرد قائلاً: إنه محمد بن علي الباقر، الرجل الذي إنتهت اليه زعامة البيت النبوي. اما سمعت كيف يخاطب الخليفة؟ ههه اذا كنت تستعظم مثل هذا الأمر الصغير فكيف بالكبير؟ أجل أجل كمن يقل له ليس هذا بعشك فأدرجي! عاد عبد الملك ليقول بتأمل: وما الحيلة في ذلك يا أبا جعفر؟ تدعو بصناع فيضربون سككاً للدراهم والدنانير وتجعل النقش عليه سورة التوحيد وذكر رسول الله صلى الله عليه وآله. إستمع الخليفة مبهوتاً للإمام وهو يحدثه عن تفاصيل خطته لمواجهة التحدي الرومي، الخطة التي عبرت بالبلاد الاسلامية آنذاك أخطر منعطف سياسي واجهته وأنقلتها من الإرتهان الاقتصادي والسياسي للدولة الرومية. طريق العودة 2 - 28 2015-05-10 10:58:22 2015-05-10 10:58:22 http://arabic.irib.ir/programs/item/12032 http://arabic.irib.ir/programs/item/12032 خلاصة القسم الأول رغم الشوط الطويل الذي طوته قدماه بين نينوى والبحر الأحمر فقد بقيت ساحة المعركة التي يعيشها في داخله ويكتوي بلظاها ساخنة بل ومتوقدة. اجل لم يبق له إلا البحر، ليس غيره بقادر على إخماد هذه النار المستعرة، إنه يريد ركوب البحر وليكن من أمره ما يكن! ها هو ذا هدير الموج يصك أذنيه وكأنه بركان ثائر يلقي بوجه قاصديه رسائل الإنذار والوعيد. ليس عليه إلا قطع هذه المسافة القصيرة ليصل تلك السفينة الراسية ويركب وينقطع عن عالمه، عن هذا الدوي المتصل الذي يضج به رأسه. وتطلعت العيون للراكب الجديد، وجه ينم عن قدر كبير من الوقار وقوة الشخصية والارادة. أجل إنه نبي الله يونس الذي حمل لأهل نينوى رسالة السماء بيد أنهم قابلوه بالجحود والإنكار فوقف يحذرهم العقاب الإلهي ويشير الى عقارب الزمن التي تأتي على الأجل المضروب الى ثلاثة أيام لامحالة مالم يأخذوا بطريق العودة ويتوبوا الى الله. إني نظرت في أمر هذا الرجل فلم أر له كذباً في قول ولاخطأ في رأي!! أجل والله إننا لم نجرب عليه كلمة! ولذلك أني متوجس خوفاً من تحذيره! "إننا جميعاً وجلون"!! اذن لنرقبه اللية فإن بات فينا فليس بشيء وإن لم يبت فأعلموا أن العذاب مصبحكم!! ولكن العيون التي إنبثت حول بيت يونس عليه السلام لم تستطع رؤيته وهو يتسلل في الظلام تاركاً أهل نينوى يغطون في نومهم آمنين. وهكذا إنتهت به رحلته الطويلة الى ركوب سفينة مبحرة. وينشد الرجل الى مكانه في السفينة لايغادر كأنه يعيش عالماً آخر تماماً، إغراق في التفكير والتأمل، حزن مقيم لايعرف له سبباً. وليس رفاق السفر وحدهم الذين تسائلوا الى متى سيبقى الرجل حزيناً أسفاً موصداً أبواب عالمه الخاص؟ بل هو ذاته الذي سأل: "كيف آسى على قوم كافرين"؟ ولكن أليس فيهم روبيل ذلك العالم الحليم، لم يغادر القرية. ولم؟ ألا يريد النجاة بنفسه من العذاب المحيق؟ أجل لقد بقي روبيل في القرية ليجد فيه أهل نينوى الدليل على الطريق والملجأ الذي يفزعون اليه وهم يرون شارات العذاب!! ماذا؟ لاشيء أنه سحاب! وأي سحاب في هذا اليوم القائض ياأحمق؟ كانت هناك غيمة سوداء مذلهمة تتحرك بسرعة عجيبة نافخة دخان غليظاً مرعباً!! وأيقن الناس نزول العذاب فهرعوا الى بيت يونس صارخين فلم يطالعهم غير وجه الصمت الكالح الكئيب. وكاد مارد اليأس أن يفتك بهم لولا أن يبلغ آذانهم نداء شيخ مسن: إستمعوا للعالم روبيل! وقف روبيل امام الجمع الباحث عن ملاذ مشيراً الى بداية الطريق. أجل كان روبيل هناك غير أن يونس ظل يتسائل في نفسه عن جدوى وجوده في القرية التي أحدق بها العذاب. وفجأة تهتز السفينة هزة عنيفة قطعت عليه سلسلة أفكاره. يقف الناس فزعين يتراكض الملاحون هنا وهناك ثم يقف الجميع ذاهلاً بهذه المفاجأة المروعة: حوت حوت!! كان الحوت يقف أمام السفينة فاغراًً فاه كأنه يستعد لإلتهام طعمة. ويرتفع صوت كبير الملاحين: لابد أن نقترع ومن أصابته القرعة ألقيناه في البحر!! القسم الثاني وأدت كلمات البحار تلك روح الأمل التي رفرفت قليلاً حول القلوب وتجسم الموت شبحاً أسطورياً مرعباً يمد أذرعه اللانهائية السوداء بإتجاه الجميع، الكل مرشح للموت والجميع فرداً فرداً طعام طازج، لقمة سائغة لهذا الوحش الرهيب. وتمشت موجة الرعب في الدماء، في العروق، في المفاصل ثم تخاذلت الأطراف وإرتجفت كأوراق نبتة صغيرة راحت ترتعش بفعل رياح الخريف. أما الرجل ذاك فقد شوهد لأول مرة واقفاً وقد تملكه الخوف. كانت العيون تسبح مبشرة الى حيث يطفو ذلك الوحش البحري الهائل، الجميع ينظر الى الأسفل، الى مصدر الخطر إلا هو فقد كانت عيناه تسبحان في الفضاء العريض، يرمي ببصره الى الأعلى، الى جهة لانهائية، جهة غير محدودة. ينظر الى السماء وتخظل أهداف عينيه بالدموع وهو يتمتم "لاإله إلا انت سبحانك إني كنت من الظالمين" إلهي إن لم يكن بك عليّ غضب فلاأبالي!! شرع البحار بعملية القرعة وهو يصرخ وكأنه احد زبانية العناء: إنها هنا أبداً عاصية آبقة!! وتعلقت العيون بيدي البحار وإحتبست الأنفاس في الصدور ودقت القلوب كدقات طبول تخبط عليها أيادي مخبولة وإستطالت الدقائق حتى عادت كسنين متمادية. وأخيراً رفع الرجل رأسه وراح يجيل نظره في الركاب ثم توقف عند شخص بعينه، وقبل أن يفوه البحار بشيء تحرك الشخص ذاك بخطوات واثقة وتقدم من مقدمة السفينة بعزم وشجاعة عجيبين، توقف، ألقى نظرة وداع معبرة على رفاق سفره ثم اطلق نداءاً مروعاً بأعلى صوته: أنا العبد الأبه! وسرعان ما إختفى عن العيون المتطلعة اليه بخوف وحزن وذهول. ولم يكن لديهم غير صرخات الألم والتوجع يطلقونها وهم يرون الحوت يغوص برفيقهم الى الأعماق!! وتنفس الركاب الصعداء اذ تيقنوا زوال الخطر المحدق بهم إلا أن مسحة من الألم لم تفارق ملامحهم وهمس احدهم لرفيقه: ياليت أن القرعة لم تصب سهم ذلك الرجل الصالح. ردّ الآخر وعلى قسماته تلوح موجة ألم: أجل والله، ياليتها كانت من نصيب غيره! ونظر أحدهما الى الآخر نظرة قلق ثم قال الثاني: ولكن ما معنى الكلام الذي فاه به آنفاً ياترى؟ عندما تغمر الأرض بركات السماء فتهبها حباتها اللؤلؤية الصافية تعود الحياة الى العود الأجرد اليابس فيخضر ويورق وتزف أوراقه حفيفاً رقيقاً كهمسات غادة خفرة ليلة زفافها وعندما تنساب نسائم الرحمة الإلهية يمتلأ صدر الخلق بعبير الحياة ويزدان الكون بكل جميل وزاهي ومحبب. وعندما توهب الحياة لمن أوشك على وداعها فذلك خلق آخر. اجل هكذا عاد قوم يونس الى منازلهم وقد احسوا أنهم منحوا حياة جديدة، أعماراً جديدة. وفاضت الألسن بالشكر ومن احق بالشكر والحمد غير واهب الحياة! أجل هاهي بداية الطريق ولكن من ذا الذي سيكون دليلاً عليه؟ من ذا الذي سيضمن لهم السير عليه الى النهاية؟ لقد كان يونس وذهب "ذهب معاضباً" فهل له من عودة ياترى؟؟ ذلك يبدو حلماً بعيداً بعيداً. أية رحلة بحرية قام بها هذا الرجل؟ وأي سفينة بحرية حملته عبر البحار لتلقي به على بر الأمان ياترى؟ ولماذا حملت هذه السفينة راكبها الوحيد في جوفها وليس على ظهرها كما هي العادة في ركوب السفن؟ أي نوع من الغواصات التي عافها التاريخ في مستقبل أشواطه ومراحله؟ أياً كان الجواب فما لهذا الرجل ملقى على الساحل لايقوى على النهوض كأنه فراخ صغيرة لم ينبت ريشها بعد! ماذا؟ أهو عناء السفر؟ أم أنه مرّ بتجربة صعبة وظروف قاسية؟ وشيئاً فشيئاً يسعى الرجل بأن يقف على قدميه والنهوض بنفسه. وعندما إستوى واقفاً مثلت الأعجوبة العصية عن التصديق، إنه يونس!! يونس النبي!! لكن يونس إلتقمه الحوت؟ هوى به الى أعماق سحيقة. اذن كيف؟؟ كيف أفلت من فكي ذلك الوحش المخيف؟ كان الرجل ينقل خطواته بوهن وإعياء وشفتاه لاتفتئان تتمتمان بحمد الله والثناء عليه. وإنطوت مسافات ومسافات ولسانه لايمل هذه الأنشودة الروحية العذبة. ومن بعيد بدا له قطيع من الأغنام، توقف قليلاً يستمتع بمرئى الحقول، بروعة الطبيعة التي غابت عنه او غاب عنها وكأنه عينيه لم تقع على مشهد كذاك من قبل. على بساط من الثيل الأخضر بصر بفتى جالس وسط شياهه فإقترب منه محيياً ثم سأل: من أنت؟ إستغرب الفتى، من هذا الرجل الذي إنشقت عنه الأرض فجأة؟؟ أجابه وفي صوته رنة خوف: من قوم يونس!! ظل الرجل يتطلع اليه بلطف ثم قال: اذا رجعت اليهم فأخبرهم أنك لقيت يونس. حدق الفتى غير قليل في وجه محدثه ثم إنطلق يعدو بإتجاه القرية تدفعه موجة فرح غامر. طريق العودة 1 - 27 2015-05-09 10:49:09 2015-05-09 10:49:09 http://arabic.irib.ir/programs/item/12031 http://arabic.irib.ir/programs/item/12031 وجهه ينم عن قدر كبير من الوقار وقوة الشخصية والارادة لكن النظر اليه يحس ومن اول نظرة أن حرباً طاحنة تدور على أشدها في داخله، حرباً تتخذ من نفسه مسرحاً ومن عقله وارادته ويقينه الكبير وعواطفه ومشاعره وأحاسيسه جيوشاً وعدة لها. ولم تخمد نار هذه الحرب ولاخفّ أوارها ولم تمل جيوشها الحرب ولاجنحت للسلم رغم طول المسافة التي قطعها فأين نينوى من ارض الموصل واين بحر القلزم البحر الأحمر. أجل أنه ليس غير البحر بقادر على إطفاء هذه النار. أجل البحر، أنه يريد ركوب البحر ولكن من أمره مايكن ولكن لايجد السفينة التي ستحمله أم سيكون مضطراً للإنتظار وتحمل المعاناة. كان هدير الأمواج يصل من بعيد كأنه بركان ثائر يلقي بوجه قاصديه رسائل الإنذار والوعيد. راحت عيناه تمسحان الشاطئ البعيد من شماله الى جنوبه ترنوان الى عرض البحر ثم تعودان سابحتين الى الشاطئ من جديد. وكان ظاناً أنه وجد ضالته، توقف قليلاً وقد تسمرت عيناه حول نقطة معينة ثم عاود المسير وهو يأد إبتسامة فرح كادت تتسلق محياه. وبدا البحر شيئاً فشيئاً شريطاً فضياً رفيعاً لامعاً كما لو أنه نصل حاد يبرق تحت أشعة الشمس. وظل الرجل يسير ويسير بإندفاع وحماس غريبين، يفر، يهرب، يريد أن يذهب بعيداً بعيداً، ليس عليه إلا قطع هذه المسافة المتبقية. كم هي؟ ألفان؟ ثلاثة آلاف ذراع؟ ليصل تلك السفينة الراسية ويركب ويحس بالانفصال، بالإنقطاع عن هذا الدوي المتصل الذي يضج به رأسه. نسى الرجل او تناسى أنه سيرافق البحر بأمواجه الهادرة مدة قد تطول كثيراً. كان الملاحون على وشك الإبحار بسفينتهم عندما شاهدوا رجلاً مقبلاً يشتد في سيره ولعلهم هموا بالإبحار وتركه على اليابسة لولا يروا في وجهه تلك الهالة النورانية المشرقة. المشكلة الرئيسة التي واجهت الرسالات السماوية على امتداد تاريخها الطويل على الأرض هي الإنغلاق والتحجر، مشكلة وضع الأصابع في الآذان وإغلاق منافذ السمع والتلقي وبالتالي منافذ الوعي والتفكير. وليس هذا وحسب بل سرعان ما يتطور الموقف فتحتقن الكلمات وتتشنج الأعصاب وترفع أصابع الإعتراض والإحتجاج بل وتشهر شراب العداء. ولانجد في التاريخ أمثلة متعددة للقرى التي جاءتها الرسالات والأقوام التي بعث فيهم الأنبياء ينكرون دعوة السماء ثم لم يرفعوا ضدها لواء الحرب والعصيان غير قوم يونس عليه السلام فقد أبوا على نبيهم اذا دعاهم الى الله والى قبول رسالته المنجية فحذرهم العذاب الإلهي وأنه مصبحهم الى ثلاثة أيام مالم يتوبوا الى ربهم. وهنا إتسم موقفهم بالحكمة والتعقل اذ لم يجادلوا النبي ولم يلجأوا كعادة ذوي الجهل والخفة الى أساليب الهزو والسخرية بل خلصوا نجياً وبدأوا يتشاورون بشأن التحذير ذاك. إسمعوا أيها الرجال ما من رأي ليس فيه للعقل سهم وافر إلا كان وبالاً على صاحبه وكل أمر لم تسهم الأناة في إبرامه وعقده فذاك الى الإنتقاض والإنفصام. صدقت، الحق فيما تقول. إنني نظرت في امر هذا الرجل فلم أر له كذباً في قول ولاخطأ في رأي! أجل والله إننا لم نجرب عليه كذباً! لذلك ولاأخفيكم أنني متوجس خوفاً من عاقبة إنذاره. "إننا جميعاً وجلون" اذن ما دمنا على رأي واحد فلنرقبه، نرقبه تلك الليلة التي وعد بها فإن بات فينا فليس بشيء وإن لم يبت فإعلموا أن العذاب مصبحكم. وهو كذلك! أجل أجل والله نعم الرأي ما رأيت!! جرت السفينة بركابها بريح طيبة وعلى ظهرها المشحون بالبضائع تنقل الركاب هنا وهناك وهم يتبادلون الأحاديث وحكايات السفر، اما ذلك الراكب لم يغادر ركنه القصي منذ صعد على ظهر السفينة إلا مرات معدودة وكأنه يعيش عاماً آخر تماماً، عاماً له همومه وتطلعاته ومصيره الخاص به. إغراق في التفكير والتأمل، حزن مقيم لايعرف له من سبب والعجب من ذلك شخصية نافذة تفرض إحترامها بقوة وتشد الآخرين اليها من حيث أريدوا او لايريدوا. وليس الآخرون وحدهم الذين يتسائلون الى متى سيبقى الرجل حزيناً أسفاً موصداً أبواب عالمه الخاص، لايغادره هنيهة بل أنه هو ذاته الذي سأل نفسه مرات عدة: كيف آسى على قوم كافرين؟ ولكن أليس فيهم روبيل ذلك العالم الحميد؟ لم يغادر القرية، ولم؟ ألا يريد النجاة بنفسه من العذاب المحيط. لم يخرج صاحبه العابد أمليخا، إنه يعرف روبيل، لايريد أن يقول إنه يحب المخالفة والعناد لكنه على أي حال ولاينصاع ببساطة. ألم يحاول روبيل ثنيه عن عزمه كلما فكر بفغر فاه على قومه والدعاء عليهم إستنزال العذاب الإلهي؟ كان يقول بتوسل: لاتدعو عليهم فإن الله تعالى يستجيب لك ولايحب هلاك عباده!! أيمكن ذلك؟ أيكذبون دعوة الحق لما جاءتهم ويفسدون عليه رأيه ويخذلونه ثم لايستحقون العذاب والتنكيل؟ ينذرون هكذا دونما رادع؟؟ إهتزت السفينة بشدة ونهض الناس قياماً وتراكض الملاحون هنا وهناك مستظلين الخبر إلا أن هناك لايكن أي أثر يدل على وجود خطر ما، ليس غير موجة صغيرة سرعان ما تلاشت لدى مرور السفينة. إستولى الذهول على الجميع للحظات فقد كان البحر هادئاً والرياح رخاءاً فكيف إهتزت السفينة بكل هذه الشدة؟ ترى هل إصطدمت بصخرة من الصخور؟ ولكن ليس هناك من صخرة! وشيئاً فشيئاً عاد الركاب الى اماكنهم إلا أن مشاعر القلق والخوف لم تفارقهم!! أمضت نينوى ليلة هادئة فالعيون التي بثتها حول بيت يونس أشاعت اجواء الأمان من خلال تأكيدها أنه عليه السلام لايزال في بيته ولم يغادره. ومع شروق الشمس استقيظت المدينة من رقدتها ودبت الحياة في كل شيء والطيور تزقزق في أعشاشها. الرجال يخرجون لمزاولة اعمالهم، قطعان الماشية تسرح في مراعيها وإستوت شفاه البعض وهم يرقبون الشمس التي راحت ترتفع في الأفق رويداً رويداً وتوقفوا يمسحون العرق عن جباههم ويثرثرون: ترى كيف أصبح حديث العذاب الذي يبشر به يونس؟ هذه الحياة جارية كما هي منذ الأزل! وهاهي الشمس!! ماتت الكلمات على الألسن، ماهذا؟؟ أترون؟ لاشيء إنه سحاب. وأي سحاب في هذا اليوم القائض يا أحمق؟؟ كانت هناك غيمة سوداء هائلة تتحرك بسرعة عجيبة وهي تبعث بدخان شديد مرعب، وسرعان ما مدت أذرعها الأخطبوطية في كل اتجاه فاغرة فمها الحالك الظلام كأنها هوة سحيقة لاقاع لها!! وخيم الظلام من جديد وسرى الرعب في الدماء وتعالت صيحات الخوف والفزع وركض الناس بكل اتجاه حيارى لايعلمون ما يصنعون. وإنطلقت صرخة قوية تقول: الى بيت يونس، الى بيت يونس! إندفعت الجموع لاتنوي على شيء، حتى اذا ما وصلت لم تجد ليونس من أثر. فوقت لاهثة مشلولة العقل مسلوبة الارادة. وبان اليأس والتخاذل في العيون الذابلة المنكسرة. ونادى شيخ مسن: ألا فإقصدوا العالم روبيل! وهدرت الجموع بإسم روبيل وإندفعت راكضة. وأشرف روبيل على الجمع ذاك وراح يجيل فيهم نظراته الحالية. نادى احدهم بجزع: لقد نزل بنا العذاب فماذا ترى؟؟ أطرق الرجل قليلاً ثم رفع رأسه وقد إبتلت عيونه بالدموع وقال: إفسحوا الى الله فلعله يرحمكم ويرد العذاب عنكم! وصمت قليلاً ثم أردف: أخرجوا الى المفازة وفرقوا بين النساء والأولاد وبين سائر الحيوان وأولادها ثم إبكوا وإضرعوا الى الله. وتحرك الموكب العجيب ذاك مترسماً خط التوبة، طريق العودة الى الله، ورددت الآفاق كلمات الإنابة والإستغفار وإغتسل الصعيد بدموع الإثابة الصادقة وصدحت الأرجاء بأصداء سمفونية كونية حزينة خالدة. لم يكن الوضع يستتب بعض الشيء في السفينة حتى تعرضت لهزة اخرى أشد من الأولى. إنتاب الفزع الجميع وإنقلب يونس في البحر وراح الملاحون يسعون وراء مايجري. عند مقدمة السفينة كان الماء يتحرك في دوامة كبيرة ثم عاد ليهدأ غير أنه سرعان ما إرتفع من جديد. وذهل الجميع لهذه المفاجأة المرعبة ثم سرت على الأفواه كلمة واحدة: حوت حوت!! كان حيوان يقف أمام السفينة فاغر فاه ساداً عليها الطريق وكأنه يقول ليس أمامكم طريق آخر غير دفع الضريبة المطلوبة. بعد لحظات تجسدت فيها صورة الموت للجميع غير أن كبير الملاحين تقدم ليرفع صوته بالقول: إسمعوا أيها الرجال لايغلبنكم الروع فليس هذه المرة الأولى التي نواجه فيها مثل هذا الأمر وألقى زفرة طويلة ثم تابع: كنا اذا إعترضنا الحوت لجأنا الى طريقة خاصة فدفعناه بها، وسكت!! وراح يجيل في الحاضرين نظرات غريبة وتنادى الناس: وماذا كنتم تفعلون؟ وردّ الملاح بنبرات هادئة: أجل ليس هناك حل آخر، لابد أن نعمل على نجاة الجميع، ثم سكت ايضاً. وتعالى النداء: تكلم تكلم! لابد أن نقترع فمت أصابته القرعة ألقيناه في البحر!! ثورة الأنبياء 2 - 26 2015-05-06 10:31:14 2015-05-06 10:31:14 http://arabic.irib.ir/programs/item/12030 http://arabic.irib.ir/programs/item/12030 خلاصة القسم الأول في ظل تسلط البطش والارهاب الفرعوني وفي جو مشحون بالرعب والخوف يفتح موسى بن عمران عينيه على الحياة، هذه الولادة المباركة التي شكلت فيما بعد قاعدة ومحطة لرصد المسيرة الانسانية بالمزيد من الوقود والطاقة لتواصل كدحها الدائم بإتجاه الايمان والكمال. ولكن فرعون وأجهزته الشيطانية تكتشف او تستشرف الثورة الموسوية التي لاتزال بذرة في ضمير الغيب فينشطون الى وأدها والسعي الى قتل قائدها الذي لم تحتضنه الأرض بعد ويصدر الأمر الفرعوني بضرورة قتل كل مولود جديد في بني اسرائيل ولكن "الله يستهزأ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون". "ويؤتى فرعون من حيث لايحتسب" فموسى الوليد الذي ضيق عليه الظلم الفرعوني الأرض يلقى في البحر طلباً لنجاته من القتل ويلتقط آل فرعون التابوت الذي وضع فيه موسى "ليكون لهم عدواً وحزناً". فتقترح امرأة فرعون على زوجها "قرة عين لي ولك" " لاتقتلوه عسى أن ينفعنا او نتخذه ولداً" "ولكن فؤاد أم موسى أصبح فارغاً". وكيف لا وهي تجد صغيرها وفلذة كبدها يصبح بيد عدوه، غير أن الله يرأف بحالها فيعيد موسى الى كفالتها بعد أن يحرم عليه المراضع ويضرب موسى الوليد عن شرب أي لبن مالم يكن لبن أمه. بيد أن ذلك كله أصبح ماض وذكريات فيد أخت موسى الممدودة لتربت على كتف امها تقطع عليها سلسلة ذكرياتها وتعيدها الى الحاضر والى حديث الحاضر حيث غدا موسى رجلاً وغادر بيت فرعون ولكن هل غادر موسى بيت فرعون طواعية وإختياراً؟ كلا فقد وقع شجار بين أحد رجال النظام الفرعوني وآخر من المستضعفين ويتدخل موسى عليه السلام لصالح الأخير وينتهي الشجار بمقتل الفرعوني على يد موسى وهنا إضطر موسى عليه السلام الخروج من مصر والإتجاه الى أحد الأقاليم القريبة وهي مدين. وبينما هو يقف مستظلاً بشجرة مجاورة لعين ماء حيث يسقي الناس ماشيتهم لحظ فتاتين تذودان أغنامهما وعرف أنهما لايسقيان حتى يصدر الرعاء فعجبته هذه العفة التي لاتأذن لهما بدخول الزحام والتدافع من أجل الوصول الى الماء فسقى لهما وكان ذلك سبباً ليتعرف على أحد أنبياء الله وهو شعيب عليه السلام ومن ثم يصاهره على احدى إبنتيه. ويطوي موسى سجل ذكريات سنيه العشر في مدين فهو على أبواب سفر ولابد أن يستعد الرحيل، وتتحرك قافلته الصغيرة رغم البرد الشديد وفي الطريق الى مصر يمر موسى بأعظم حدث في حياته على الاطلاق فقد تنكب وأهله الطريق وإشتد عليهم البرد ولما لاح له بصيص نور قال لأهله "أمكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بخبر او جذوة من النار لعلكم تصطلون". وذهب موسى ليلتمس جذوة من النار غير أنه عاد بالرسالة والأمانة الربانية الكبيرة. وفي مصر التي بلغها موسى عليه السلام لازال الظلم والارهاب الفرعوني على أشده ولازال بنو اسرائيل هم الضحايا الذين ينهال عليهم سوط فرعون او يقع عليهم حد سيفه او إهانته وإذلاله وإستعباده. ولازالت ذاكرة بني اسرائيل حية اذ وقف موسى عليه السلام ينم عن مستضعفيهم ويتصدى بكل رجولة لأحد رجالات فرعون ويقتله. أجل فقد كانت لعودته المباركة صدى عميقاً في نفوسهم، الأمر الذي أدركته السلطة الفرعونية وجعلها تخشى فيما لو أرادت مواصلة إجراءتها بملاحقة موسى من أن تكسبه مزيداً من الشعبية والقبول والتعاطف. ومهما يكون الأمر فموسى النبي لايهمه إن آمن الناس برسالته او لم يؤمنوا فهو امام تكليف إلهي واجب التنفيذ أطاع الناس أم عصوا. ونزولاً عن الأمر الإلهي الصريح شق موسى طريقه الى قصر فرعون وهو يصطحب أخاه هارون. حيث تركناكم الأسبوع الماضي تستمعون الى الضجة التي أحدثها دخولهما المفاجئ على رجال الحرس الفرعوني. القسم الثاني أن تعلو صرخة الثوار والأحرار ضد الجبابرة والطواغيت واولئك الذين ينصبون انفسهم ملوكاً ورؤساء مدى الحياة فذلك في عرف هؤلاء الطواغيت ارادة الفساد وإخلال بالأمن ومحاولة لإشاعة الفوضى وما الى ذلك من مفردات يحفل بها قاموسهم أما أن تكون الثورة ضد اولئك الذين يقدمون انفسهم آلهة تعبد ويقولون للناس "أنا ربكم الأعلى" فهي بلاشك خروج على سنن الكون وتعدي على قوانين الطبيعة وإنتهاك صارخ لقيم الحياة الأزلية الخالدة وكيف نتوقع بعد ذلك أن يكون الرد من قبلهم، لاريب أنه في غاية العنجهية والصلافة والغرور وهذا ما واجهه موسى وأخوه وهما يدخلان على فرعون بعدما دافع الحرس الفرعوني طويلاً. على عرش أسطوري مصاغ من ذهب ومرصع بنفائس الأحجار الكريمة جلس فرعون تحيطه كل مظاهر الزهو والأبهة، المظاهر التي تفرغ على فرعون القوة والمنعة والرهبة وتلقي عليه هالة من القداسة والغموض وبالتالي تنفخ فيه شيئاً من الألوهية المصطنعة الفارغة. بدا فرعون وهو يجلس بجسمه الضئيل نسبة للعرش الكبير ذاك شيئاً متقوقباً او جسماً محنطاً، كائناً يستحق الرثاء أكثر من أي شيء آخر. أجل هكذا بدا لعيني موسى النافذتين الجريئتين، تقدم موسى خطوات ونادى بصوت مرتفع: يافرعون!! وترك للكلمة أن تأخذ مداها في نفوس الحاضرين فإلهكم المزعوم لايعدو هذا الرجل الذي ترون! ثم تابع: "إني رسول من رب العالمين حقيق عليّ أن لاأقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني اسرائيل". أحس فرعون بخطورة الكلمات التي فاه بها موسى. قلب في ذهنه الأمور سريعاً فوجد أمامه طريقين للرد وقرر أن يسلكهما معه. أجال طرفه في الحاضرين وقال: "يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري". أطلق كلمات الوعيد هذه ثم إلتفت الى يمنيه مخاطباً الشخص القريب اليه: "أوقد لي ياهامان على الطين فأجعل لي صرحاً لعلي أطلع الى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين". أطلق هامان ضحكة مفتعلة بعد أن نظر الى سيده نظرة خاصة ثم قال: "إن هذا لسحر مبين". تصلبت نظرات موسى عليه السلام أكثر وهو يقول: "أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولايفلح الساحرون". ضحكت أسارير فرعون للفكرة المنقذة التي طرحها وزيره وإن بدا مغضباً وهو ينسج على منوالها قائلاً: "أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ياموسى فلنأتينك بسحر مثله فإجعل بيننا وبينك موعداً لانخلفه نحن ولاأنت مكاناً سوى". ورغم أن موسى أدرك محاولة فرعون رمي الكرة بعيداً عن مرماه وإفساح الفرصة أمامه لأتخاذ مزيد من التدابير الضرورية لمواجهة نذر العاصفة القادمة، رغم ذلك فقد قبل التحدي وحدد موعداً للمواجهة الحاسمة. الدعوة الحقة والكلمة الصادقة تنساب الى القلوب بسلاسة وعفوية كما تنساب المياه الصافية الرقراقة في الجداول الصغيرة، قد تعترض طريقها الأحجار والحصى الكبيرة إلا أنها تعدل مسيرها قليلاً ثم تشق طريقها من جديد بهدوء وقد تواجهها العقبات الكدباء فتعيق تقدمها بيد أنها تعلو عليها في النهاية وتتجاوزها. وثمن قول الحقيقة غالي ويكلف الكثير في غير قليل من الأحوال لكن الكثير ايضاً معبئون لتقديم مثل هذه التضحية وهذا ما حدث في ذلك اليوم المشهود حيث حشد فرعون جمهوراً غفيراً من الناس لمشاهدة غبارات إحتجاجية فريدة من نوعها ذلك لأنها لم تتم بوسائل الإحتجاج الفكري المعروفة وإنما هي في أحد طرفيها نوع من إستمداد الأساليب الباطنية الخادعة من وسائل السحر والشعوذة وهي في طرفها الآخر إستمداد الغيب والقوة الأزلية الحكيمة القاهرة التي تحكم سنن الكون وتسير عجلة الحياة. وتشرع العملية ولاتمر إلا دقائق معدودة حتى ألقى السحرة سجداً وهم يقولون: "آمنا برب العالمين رب موسى وهارون". فينزل الأمر على فرعون أشد من الصاعقة فيفقد زمام نفسه ويصرخ: "آمنتم به قبل أن آذن لكم" وتابع صراخه وهو يلهث: "لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجميعن". وجاء رد الرجال الذين نبذوا الدجل وأقبلوا على الحق: "إقض ما أنت قاض إنما تنقضي هذه الحياة الدنيا". جاء ردهم البطولي ذاك ليجسد الإقتدار الرسالي وليمثل تعالي الايمان وبالتالي ليتوج الجهود المؤمنة الصالحة بإنتصار الرسالة على القوى الفرعونية الضالة المضلة. ويتقدم القائد الرباني موسى بن عمران أمام المسيرة المؤمنة يشق لها الطريق المستقيم ويخط لها درب العبور متجاوزاً ببني اسرائيل البحر، وكانت الرعاية الإلهية الحانية التي جعلت من البحر طريقاً يبساً هي نفسها التي نكلت بالكافرين وبطشت بهم وأحالت البحر غولاً خرافياً يطبق بفكيه على فرعون وجنده ليكونون لقمة سائغة له ليزدردها في لمحة بصر. ويواصل القائد الحكيم المظفر طريقه بإخلاص وتفاني لكنه يقابل من اكثرية أتباعه بالعصيان والتمرد. ويستقيل موسى ربه "ربي إني لاأملك إلا نفسي وأخي فأفرق بيننا وبين القوم الفاسقين". وينسى بنو اسرائيل ربهم يتخذوا لهم رباً مما يمثل الدواب ثم يتيهون في الأرض ويلتحق موسى عليه السلام بالرفيق الأعلى وهم يضربون في التيه. ويردد الكون لعنته الأزلية على الفاسقين الضالين الذين نبذوا كتاب الله ونبيه وراء ظهورهم وإختاروا لأنفسهم طريق الشقاء الأبدي. ثورة الأنبياء 1 - 25 2015-05-05 09:24:01 2015-05-05 09:24:01 http://arabic.irib.ir/programs/item/11933 http://arabic.irib.ir/programs/item/11933 كان الخوف والإضطراب لايقعدها مكاناً إلا أقامها ولايدعها تسكن لحظة إلا أهاجها ولاتلتمس الإطمئنان هنيهة إلا سلبها إياها وأفزعها وتركها تدور وتدور، ترقب أول الطريق وتعود الى البيت وتمكث ثوان قليلة ثم تعود لتخرج من جديد متطلعة الى الطريق. وعندما يشتد بها القلق تصرخ بصوت مغيظ مكتوم: اين ذهبت؟ اين ذهبت؟ ولاتنفك تدور وتدور، ولاتنفك الأفكار والهواجس تدور وتدور برأسها هي الأخرى. أيمكن أن تكون قد أخطات سماع الهاتف "فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولاتخافي ولاتحزني إنا رادوه اليك وجاعلوه من المرسلين". كلا كلا لقد سمعته بوضوح، بوضوح تام وهو يردد عليها الأمر الإلهي ولكن ياإلهي الطفل الصغير، الصغير كيف كان وادعاً مستسلماً للنوم عندما وضعته في ذلك التابوت. أجل وضعته في التابوت ثم ألقته في البحر. ألقيته في البحر، اجل ألقيته في البحر، كيف ياإلهي؟!! كيف طوع لي قلبي أن ألقي صغيري في البحر؟ إنسابت الدموع من مقلتيها بهدوء. "فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولاتخافي ولاتحزني إنا رادوه اليك وجاعلوه من المرسلين". مسحت دموعها وتمتمت بصوت جريح: غفرانك يارب، غفرانك! فجأة مدت احدى الامرأتين يدها لتربت على كتف الأخرى وهي تقول: إيه بم تفكرين يا أمي؟ ضحكت المرأة العجوز وقالت: لقد كنت بإنتظارك إذ بعثتك إثر تابوت موسى. بالله عليك لاتذكرينني ياأمي. وأطلقت زفرة طويلة ثم تابعت: ما أوحشها من أيام، كان جنود فرعون يجوبون كل مكان، يتسورون على المنازل ويخطفون الأبناء الصغار ليتركوا أمهاتهم للوعة والأسى. أجل يابنيتي فيأجرهن الله. إنهن امهات ومن غيرهن أحق بذلك. وأطلقت حسرة متقطعة وهي تضيف: تذكرين كيف بلغ بيّ الحال عندما عدت اليّ ذلك اليوم لتقولي: ياأمي ياأمي لقد إلتقطه آل فرعون!! آه يا لها من أيام قاسية! ولكني جئتك بالبشارة عندما رضي آل فرعون بكفالتك إياه. اجل يابنيتي، أحمد الله ولكن هل كنت تظنين أن ذلك يسكن قلب الأم؟ أن ترى وليدها ينمو ويكبر وهي لاتملك من أمره شيئاً إلا أن ترضعه وترعاه ثم تسلمه، تسلم فلذة كبدها الى يد عدوه!! ياأمي ياأمي أرجوك دعينا من ذلك لقد نما موسى وكبر وأصبح رجلاً في دار عدوه تحت ظل بيت فرعون وسمعه وبصره، وشاء الله أن يحفظه طيلة حياته ثم ينجيه من فرعون وعمله وهاهو يعيش في مدين مطمئناً بعيداً كل البعد عن مصر وعن متناول عدوه. أجل يابنيتي، أجل أحمد الله. ولكن كيف تريدينني أن لاأفكر به وهذه سنون عشرة لم أكحل عيني برؤيته؟ قالت المرأة العجوز ذاك وغارت عيناها بالدموع. تحت ظل شجرة وارفة وقف شاب في عنفوان الشباب وراح يرقب جمع الناس الذين إحتشدوا مع دوابهم حول بركة الماء. كان المشهد ذاك أمراً عادياً بالنسبة اليه وكثيراً ما رأى التجمع ذاك حول العيون والآبار ولكن ما إسترعى إنتباهه وقوف فتاتين على مقربة من البركة وهما تذودان بأغنامهما على الماء فتعجب، وهمّ بأن يتقدم منهما ليسألهما ولكنه احجب. ومرّ وقت ليس بالقليل كان الناس يسقون ثم يتولون ليأتي فريق آخر يسقي. وكل هذا وهاتان الفتاتان واقفتان تذودان أغنامهما. فلم يطق الشاب صبراً، تقدم منهما وسأل "ما خطبكما"؟ "لانسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير" لاعليكما أنا أسقي لكما بارك الله فيك إندفع الشاب بحيوية يسوق الأغنام نحو البركة وسرعان ما شق طريقه بين الزحام ذاك. وبعد أن أروى شياهه عاد يسوقهن نحو الفتاتين. ثم ودعهن وإنصرف الى الطريق. كان التعب والجوع قد إستبدا به فقد قطع مسافة كبيرة على قدميه هرباً من ملاحقة النظام الفرعوني في مصر وهاهو يبلغ مدين لعل الله يجعله بمنجى من عدوه. ورفع عينيه الى السماء وغمغم: "ربي إني لما أنزلت إليّ من خير فقير". وفجأة وقع بصره على امرأة تتقدم نحوه ودهش. أحد النظر اليها من بعيد فعرف فيها احدى الفتاتين اللتين سقى لهما قبل قليل، تقدمت منه وهي تمشي على إستحياء وقالت: "إني أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا". وقطعت عليه زوجه حبل أفكاره وهي تدخل عليه متسائلة: وأي شيء أعد للسفر بعد؟ إبتسم موسى ضاحكاً، لقد عادت به الذكرى الى عشر سنوات مضت، ما أسرع ما تطوي الحياة الزمن، إلتفت الى زوجه يجيبها ثم سرحت عيناه من جديد في المكان، المكان الذي شهد إقترانه فيه بزوجه كما شهد شطراً غير قليل من عمره. راح يتملاه ويتملاه قبل أن يودعه عائداً الى مصر. كان الجو بارداً والرياح الباردة تهب بقوة فتلسع وجهيهما وأطرافهما بقسوة ثم تتسلل الى العظام فتبعث القشعريرة في الجسم وبدأ الظلام يخيم على الأرجاء وتوقفت القافلة الصغيرة. تلفت موسى يمنة ويسرة فلم يجد أي أثر يهتدي به الطريق بيد أنه ساق شياهه من جديد فالوقوف يعني الموت وسط هذه المنطقة الوعرة الباردة. ومن بعيد حيث بدأ يقترب من احد الجبال الشاهقة ترائى له وهج ضعيف فإلتفت الى أهله وقال: "أمكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بخبر او جذوة من النار لعلكم تصطلون". وتقدم بمفرده يباعد بين خطواته مستعيناً بعصاه، وعندما أصبح على مقربة منها لاحظ أن الوهج ينبعث من بين اوراق شجرة خضراء فذهل، بيد أن صوتاً قدسياً جميلاً إنطلق في تلك اللحظة مخاطباً إياه، وتجاوبت الطبيعة بالتسليم والخضوع وأحس موسى أن تياراً عظيماً من النور يغمره ويملأ قلبه بالرهبة والخشوع، أجنحة غير مرئية تحلق به بين السماء والأرض، أحزمة من شعاع، وهجاً عجيباً يداعب عينيه فيفتحهما على ملكوت السماء. وأنصت موسى طويلاً وتكلم ثم عاد ينصت من جديد. وهكذا عاد الكليم وهو يحمل السر الذي أباحته له السماء، الرسالة التي بعثه الله بها رحمة لبني اسرائيل. كان بنو اسرائيل يعانون أشد أنواع العذاب والتنكيل من النظام الفرعوني الحاكم في مصر الذي لم يغادر إلاً ولاذمة إلا داسها ولانفساً او عرضاً إلا أباحها متى شاء وأنى شاء. والى ذلك كله كان الاسرائيليون منقسمين مشتتين تتوزعهم الآراء وتتقاذفهم الأهواء وشاء الله أن يجعل من تلك الفئة من الناس أمة ترفع لواء التوحيد في تلك المرحلة من عمر الزمن. وهكذا راحت المشيئة الإلهية حالة التوق لديهم الى قائد يحررهم من الأسر الفرعوني. وجاءت حادثة مقتل أحد رجالات فرعون على يد موسى إنتصاراً لأحد الاسرائيليين ومن ثم غروب موسى من وجه الملاحقة الفرعونية لتنسج وشاجاً عاطفياً قوياً بينهما ولتخلق حالة من التطلع الشديد نحو موسى. وهكذا فقد كان لعودة موسى عليه السلام صدى عميقاً في نفوس بني اسرائيل ولعل هذا هو السبب المنظور الذي جعل السلطة الفرعونية تختار جانب التعقل وتلغي قرارها بمواصلة ملاحقة موسى وإعتقاله. أما موسى عليه السلام فكان ماض بعزيمة فولاذية لاتفل لأداء مسؤوليته الربانية سواءاً وجد في بني اسرائيل نصيراً أم لم يجد. فبادر الى تجنيد أخيه هارون لهذه المهمة ايضاً مستفيداً من قوته البيانية وفصاحته ليتكاملا من خلال جهديهما هذا التحرك الرباني المبارك الذي سيقود المجتمع الايماني نحو العبودية الحقة. وهنا بدأت الساعة تدق ثوانيها الحرجة فقد نزل الأمر الإلهي العاجل "إذهبا الى فرعون إنه طغا فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر او يخشى". ولم يجد موسى وهارون بداً من المسارعة الى تنفيذ الأمر الإلهي فخرجا متوجهين الى قصر فرعون. هناك غير بعيد عن النيل يمتد بناء فخم وشامخ تزين واجهاته الرخامية رسوم ونقوش مختلفة وعلى كل باب من أبوابه الضخمة المتعددة وقف عدد ليس بالقليل من الرجال الشاكين بالسلاح. وبدت هذه القلعة الحصينة عصية على الإختراق. وكيف لاتكون كذلك فها هنا ينتصب عرش الإله، الإله العاجز عن حماية نفسه وعرشه. اجل هو الإله المزيف. ولكن ماهذه الضوضاء التي تسمع عند الباب. قفوا في وجهيهما. إمنعوهما من الدخول!! نذر العاصفة 2 - 24 2015-05-04 10:56:01 2015-05-04 10:56:01 http://arabic.irib.ir/programs/item/11932 http://arabic.irib.ir/programs/item/11932 خلاصة القسم الأول الكوفة المدينة الخاملة التي كانت تتمطى بتراخي وكسل وتلعق جراحها بهدوء وصمت وتشاهد كل شيء فيها يتهاوى وينسحق فلايخفق لها علم ولاترف لها راية. الكوفة هذه تنتفض فجأة فتعلن وفي عملية انتخاب جماهيري واسع اسم الزعيم الذي تريد. وكان من الطبيعي أن يجد الزعيم المنتخب الحسين بن علي عليه السلام في هذا التحرك الكوفي المساند ما يضاعف من مسؤوليته النهضوية ودواعي ثورته الشاملة لتصحيح الأوضاع وإعادة المسيرة الاسلامية الى نهجها المحمدي الأصيل. وهكذا وصل سفيره مسلم بن عقيل الى الكوفة لتقصي حقيقة الأوضاع والإطلاع على حجم الإمكانيات التي تقول الكوفة أنها رصدتها لتفجير عبوة الثورة. ولكن الكوفة التي بدت وفية لأهداف ثورتها الشاملة تسارعت في مهرجان شعبي قلّ نظيره تؤكد البيعة لرائد الثورة ومبعوث القيادة مسلم بن عقيل لم تخلو من العناصر الموالية للسلطة الحاكمة التي أبرقت بتقاريرها الفورية الى الشام داعية الى تغيير حاكم الكوفة النعمان بن بشير وإبداله بوجه إرهابي دموي حتى يستطيع الإمساك بزمام الأمور التي اوشكت على الإنفلات، وهكذا كان فقد دخل الكوفة عبيد الله بن زياد والياً جديداً من قبل يزيد بن معاوية وكان لدخوله ذاك وقع كوقع الصاعقة على الناس ذلك أن الجميع يعرف فيه مجرماً محترفاً وعريقاً في الإجرام. وأمام الجو الإرهابي الذي أشاعه الحاكم الجديد وظهور شارات لسريان حالة التخاذل وإنحسار المد الجماهيري قرر رائد الثورة مسلم بن عقيل البدأ بمهاجمة مقر الحكومة او قصر الوالي غير أن رجال مسلم المقربين اليه يشيرون عليه بالتريث ويتقدم احدهم وهو شريك بن الأعور الهمداني والذي كان طريح فراش المرض يتقدم من مسلم بهذا الإقتراح: إن إين زيادة يعودني وإني أرى أن تخرج اليه فتقتله! وتتم زيارة إبن زياد لشريك الذي كان ساعتها في بيت هاني بن عروة. ولكن الزيارة تنتهي دون أن يخرج مسلم من مكمنه. ما منعك من قتله ياسيدي؟ صرخ شريك وهو ينتفض غيظاً. وقف مسلم معلناً أحد المبادئ الرئيسية للثورة: إن الايمان قيد الفتك فلايفتك مؤمن. مضيفاً هذا هو حديث رسول الله. ولكن الثورة الملتزمة لايمكن أن تبقى على إلتزامها تجاه أعداءها، هذا ماكان يراه شريك وهو ما دعاه ايضاً لأن يعتبر الموقف محسوماً لصالح العدو، ويقف وسط الطريق وقد إنتابه الفزع. القسم الثاني الشمس التي أوشكت على الأفول راحت تجر أذيال ثوبها الفضاض فتخط على كل شيء وتلونه باللون الأحمر وكأنها وهي تسير مترفقة متمهلة تتقدم موكباً جنائزياً تخيم عليه اجواء الخشوع والجلال والرهبة. وسرحت عينا الرجل تتأمل هذا المنظر وكأنه يشاهد ظاهرة غريبة. أثاره ذلك التوافق العجيب بين ما يجده في ذهنه وهذا المشهد الكوني المعبر ولكن ماهو ذلك الشيء الذي يحسه ويشعر به بقوة؟ ذلك الشيء الذي أعادته رؤى المغيب سحابة حمراء قانية. يا إلهي آه أجل أجل قال هذه العبارة المقطعة وإستعبر باكياً. وعندما أرضى عواطفه وهدأت نفسه كان الظلام يدب حوله بحذر وإحتراز. نهض واقفاً على قدميه، تلفت حوله ثم سار ينقل خطواته بملل وإعياء. إنتهى كل شيء، أجل إنتهى كل شيء. الحسين واهل بيته وصحبه يقتلون وتضرج الأرض بدماءهم ومن قبلهم مسلم وإبن عروة. آه يالمنظر الأجساد المتناثرة، يالمنظر الدماء المطلولة، يالها من كارثة وما أعظمها من فاجعة. ثم صرخ بصوت عالي: ماجدوى كل ذلك؟ ما جدوى كل ذلك؟ وعاد ينتحب من جديد. تناهى الى سمعه حوافر خيل مغير، توقف، مسح دموع عينيه على عجل ثم تلفت حوله. بدا له أنه يعرف الفارس المقبل رغم الكوفية التي تلثم بها بحرص حتى لم تبدو غير عينيه وهتف: أهلاً بك يابن منقذ! هذا انت ياشريك؟ أهلاً بك أراك تستحث جوادك فأي وجهة تقصد؟ نرى سليمان بن صرد الخزاعي. قال الرجل ذاك ثم لكز جواده فإنطلق ينهض الطريق. تابع شريك طريقه غير أنه توقف ونظر حيث يمتد خيط من الغبار خلف الجواد المغير وتمتم: سليمان بن صرد؟؟ ثم إسترد بصره وعاود المسير. عندما ذهبت السكرة وجاءت الفكرة صحت الكوفة تماماً على عمق الجريمة التي إرتكبتها وراحت تحاول جاهدة غسل يديها الملطخة بدماء آل الرسول الطاهرة البريئة. وحتى اولئك الذي إختاروا الوقوف على الحياد أحسوا أنهم قد ساهموا بنحو ما في وقوع المأساة فإن كانوا لم يوجفوا على الحسين بخيل ولاركاب ولم يعينوا عليه فقد خذلوه وتنكروا لدعوتهم وبيعتهم إياه وكتب تأييدهم الكثيرة اليه. كان هذا الشعور يكبر كل يوم ويتسع ويأخذ أبعاداً جديدة وخطيرة. وتحول شيئاً فشيئاً الى صيحة تنطلق هنا وهناك للتكفير عن الذنب بالإقتصاص من الجناة القتلة ومسح بعض معالم الجريمة. وأصبح شعار يالثارات الحسين حافزاً وهاجساً بل واجهة عريضة يجتمع تحتها الثائرون والناقضون على إنتظام القائم. وفي صبيحة احد الأيام رددت أزقة الكوفة وشوارعها نداءاً أخذ يتعالى ويتعالى "يالثارات الحسين" "يالثارات الحسين" "يالثارات الحسين" ... لبيك لبيك هتف عبد الله بن حازم ثم وثب الى ثيابه فلبسها ثم تناول سلاحه. ذهبت زوجه التي كانت ترقبه ثم نادت بجزع: ويحك أجننت؟ ردّ عبد الله وفيه عينيه تصميم لم تر مثيله من قبل: لا ولكني سمعت داعي الله عزوجل فأنا مجيبه وطالب بدم هذا الرجل حتى أموت!! فتقدمت منه وامسكت بيده ثم صوبت اليه نظرة حملتها كل فتنتها الطاغية وجمالها الساحر وهمست: الى من تودع بيتك هذا؟ سارع عبد الله الى القول وكأنه يخشى أن يثنيه حبه العارم لزوجه عما يروم الى الله، ثم حول وجهه ورفع يديه وقال: اللهم اني أستودعك ولدي وأهلي، اللهم إحفظني فيهم وتب عليّ فيما فرطت في نصرة إبن بنت نبيك. قال ذلك ثم خرج لايلويه شيء. وهكذا إندفعت الأفواج تتلوها الأفواج مجيبة ملبية وإلتأمت في جيش كبير. وقف سليمان بن صرد الخزاعي في مقدمته ثم سار، وسار الجيش ميمناً وجهه شطر الشام. مالي أراك واجماً يا أبا المعالي؟ دعني وشأني يا صاحبي! خير ماذا دهاك؟ صمت الرجل قليلاً ثم اجهش بالبكاء. ماهذا الذي أرى منك؟ لاأبكى الله عينيك. أتكتم أمرك عن اخيك ورفيق طفولتك؟ إنني لاأبكي حزناً وإنما أبكي أسفاً اذ لم نوفق في إجتثاث هؤلاء العتاة الذين أدموا قلب رسول الله صلى الله عليه وآله بقتل سبطه وأهل بيته! رحم الله بن صرد ورحم أصحابه الذين مضوا الى ربهم صابرين محتسبين وآجرك الله وإياهم. ولكن أتحسب أن الأمر سينتهي هكذا؟ وتابع بنبرة أشد إصراراً: كلا الأيام مقبلة على الكثير الكثير. ومن اين لك العلم بذلك؟ أتراني أفوه بغير علم؟ مدّ يده بشيء من العصبية وإستخرج كتاباً وراح يقرأ: اما بعد فإن الله أعظم لكم الأجر وحطّ عنكم الوزر لمفارقة القاسطين وجهاد المحلين، إنكم لن تنفقوا نفقة ولن تقطعوا عقبة ولم تخطو خطوة إلا رفع الله لكم بها درجة وكتب لكم حسنة فأبشروا فإني لو خرجت اليكم جربت فينا بين المشرق والمغرب من عدوكم بالسيف بإذن الله لجعلتهم ركاماً وقتلتهم فذاً وتواباً فرحم الله لمن قارب وإهتدى ولايبعد الله إلا من عصى وأبى والسلام ياأهل الهدى. من صاحب الكتاب؟ المختار بن أبي عبيدة الثقفي. أليس المختار في السجن؟ أجل وسيخرج بعد أيام. والله لأن فعلها فإني أول من يجيب. بارك الله فيك وليزكو قلبك فقد أصبحت الكوفة كلها تلهج بإسمه. عاد الرجل يبكي وبكنها الآن دموع من نوع آخر، كانت دموعه تنسكب بهدوء على وجهه وهو يتطلع باسماً الى البعيد وكأنه يستعرض كتائب المقاتلين وهي تصطف للقتال. وتمتم مع نفسه: أجل لقد أصبح دم أبي عبد الله الحسين عليه السلام وقوداً لكل الثارين بالطاقة الصمود والتحدي. ومسح دموعه وقد أصبحت سحنته أكثر تجهمناً وهو يقول: أجل هي والله نذر العاصفة تلوح من جديد!! نذر العاصفة 1 - 23 2015-04-30 12:45:56 2015-04-30 12:45:56 http://arabic.irib.ir/programs/item/11931 http://arabic.irib.ir/programs/item/11931 كانت المدينة تتمطى بتراخي وكسل وخمول وكانت تلعق جراحها بهدوء وتأني كأنها أم خرساء. وكانت تقر على الذل، ترى أبناءها يقتلون بأبشع قتلة وينكل بهم أشد تنكيل وتشاهد بيوتها تهدم وتتحول الى انقاض على ساكنيها او تدمر ويستباح كل شيء فيها. ترى كل ذلك وغيره كثير وتبقى نائمة راكدة لايخفق لها علم ولاترف لها راية. أجل لاترف منها إلا الجفون ولاتبذل فدى لكرامتها وحريتها غير الدموع. ولكن كيف حصل ذلك؟ ألم تتربع الكوفة يوماً على ذروة المجد وهامة العز؟ ألم يكن محلها بين المدائن الأخرى محل القطب من الرحى؟ ألم تحتضن الخلافة ومن قبل كانت مركزاً لعساكرها وجيوشها؟ وهل تراها اذا اخلدت على حين غرة تستنيم على كل هذا الذل وهذا الضيم وهذه الفواجع؟ ولكن أهذه الكوفة التي تلفها خيوط العنكبوت أم هي غيرها؟ ومال الناس يتحركون في كل إتجاه وهم فرحين مستبشرين؟ وما هذه الكلمات التي يلهج بها الناس عن البيعة ومسلم بن عقيل رسول الحسين؟ أبايعت يا عبد الله؟ لا والله إني ما سمعت إلا تواً، أصحيح مايقال عن قبول الحسين بن علي عليهما السلام دعوتنا للقدوم الى الكوفة؟ ماذا تقول يارجل؟ إن إبن رسول الله في طريقه الى هنا وهذا إبن عمه مسلم بن عقيل منذ أيام يستقبل الوفود تلو الوفود مبايعة مناصرة. ها بشرت بالخير يابن عوسجة. ولكن كيف السبيل اليه؟ اذا شئت أن ترى مسلماً فهو في دار سالم بن المسيب. وتقول إنه بايع له الكثير؟ أجل أجل إثنى عشر ألفاً خلال الأيام الثلاثة الأولى. حمداً لك يارب، حمداً لك. ولكن قل لي ماهو موقف والي الكوفة النعمان بن بشير؟ ههه تسأل عن موقف النعمان، عندما رأى الرجل إنسيال الناس على مسلم بن عقيل خطب الناس فقال: إني لاأقاتل من لايقاتلني ولاآتي على من لم يأتي عليّ. عجباً وهل ترى يسكت انصار الحزب الأموي في الكوفة؟ آه أصبت، نعم إنهم لم يسكتوا وقد بعثوا بالفعل رجلاً منهم الى الشام وحملوه كتاباً الى يزيد يخبرونه بالأمر ويقترحون عليه إنفاذ رجل قوي للكوفة. إيه ذلك امر له خطره!!! آه آه يا إلهي، يا إلهي. اللهم إرحمني برحمتك. لاأراك الله مكروهاً ياشريك. آه أسعد الله بالك يا أخاه. خير ما الذي دهاك؟ قتلني قتلني إبن مرجانة، آه قتلني قتله الله! ها وكيف؟ جاء بنا من البصرة، من البصرة يسوقنا سوق الرواحل، قاتله الله! ما أصبره على إحتمال مشقة الطريق! أصحبت عبيد الله بن زياد من البصرة؟ أجل أبعده الله! لم يكن له من بغية إلا بلوغ الكوفة ساعة قبل اخرى. وهل عرفت ما ينوي فعله؟ وماظنك بإبن زياد. وهل عهد أبيه لعنه الله عنا ببعيد!! كفو كفو!! ماوراءك يابن عروة؟ غلام بن زياد!! ها !! السلام عليكم وعليكم السلام وعليكم السلام أهلاً بك تفضل تفضل إن سيدي يبلغك السلام ويقول ماله لايأمنا؟ وقد اخبرناه أنك شاكي! فقال لو علمت بمرضه لعدته!! آه أجل أجل الشكوى تمنعني. أذن سأقول له لازلت تشكو المرض! كانت لدى دخوله المدينة بصفته والياً وحاكماً جديداً على البلاد وقع كوقع الصاعقة على الناس ذلك أن الجميع يعرف عليه أنه مجرماً عريقاً ومحترفاً في الإجرام وليس ذلك منهم إغراقاً في التشاؤم او الخوف فالبلاد تعيش غلياناً شعبياً وتمرداً. والناس قد أعلنوا من خلال إنتخابهم الحسين بن علي سبط الرسول قائداً وزعيماً الخروج على قيادة الشخص الذي فرض عليهم بالقوة وليس هذا في منطق النظام الارهابي القائم غير حل واحد وهو البطش والتصفية الجماعية للثورة ريادة وقاعدة. وهكذا وجدت الإشاعات مرتعها الخصب وراح ينظر لكل تحرك او كل خطوة يريد الوالي الجديد إتخاذها من خلال منظار مكبر يبرز الشيء في حجم مضخم يزيد ألف مرة عن حجمه الطبيعي. ولم يجد رائد الثورة او قائدها الميداني مسلم بن عقيل بداً من الإستجابة للإتجاه الذي أخذه تطور الحدث فسارع الى نقل مقر قيادته الى مكان آخر وإتخاذ بعض الإجراءات الضرورية التي يستلزمها الموقف. ثم اعلن لرجاله المقربين عن نيته لمواجهة بن زياد وأخذ زمام الموقف. فقال له هاني بن عروة: إني أرى أن لاتعجل! وبدا شريك بن الأعور الهمداني مفكراً فإلتفت مسلم اليه مستطلعاً رأيه فقال: إن عبيد الله بن زياد يعودني هنا في بيت هاني وإني أرى أن تخرج اليه فتقتله!! فوجئ مسلم بهذا الخبر إلا أن الإقتراح راق له على ما يبدو. فتابع شريك بلغة جازمة راسماً خطته بدقة: أني متع له الحديث. وعلامتك أن أقول أسقوني ماءاً!! وبعد لحظات من التفكير ظهر البشر على وجوه الجميع فالعملية بلاشك ستختصر المسافة امامهم من أقرب السبل. وماذا سيكون هلاك عبيد الله بن زياد غير كسر الجناح الذي يطير به يزيد بن معاوية رئيس العصابة التي إغتالت الخلافة في الشام. يا إلهي إن كل شيء بدأ يسير نحو الهدف المطلوب! تبادل الرجال كلمات اخيرة ثم إنسحب مسلم ليكون في احدى الغرف المجاورة. هههههه إيه ياشريك، يابن الأعور هكذا هي الرجال تضعف ويدب فيها الوهن. ههه علمت أن لاطاقة بك على قطع تلك الشقة! ماذا أفعل يا أمير كان السفر وبهذه العجلة فوق حد وسعي وجهدي. هه وماذا ظننتني أيسقطني التعب مثلك ومثل عبد الله بن الحارث؟ إبتلع شريك ريقه بصعوبة او تظاهر بذلك ثم نادى: آه آه أسقوني ماء! وعاد يواصل الحديث: اين الكوفة من البصرة ياأمير؟ بل قل أين نحن من القوة الصلابة والجلادة؟ ألا من يسقيني ماءاً؟؟ نادى شريك متضايقاً وهو يقول مع نفسه: ماالذي يقعد بمسلم؟ يا إلهي، وماذا لو قام هذا اللعين؟ ألا تذهب هذه الفرصة السانحة؟ إلتفت الى عبيد الله بن زياد محاولاً إستدراجه الى الحديث مرة اخرى فقال: أكاد أقول إن الأمير رآنا دونما يطمح في رجاله من قوة وصلابة وجلادة فلم يبأسه أننا رحنا نتساقط الواحد تلو الآخر وكأن لسان حاله يقول: ما للإنتظار بسلمى أن تحييها كأس المنية بالتعجيل أسقوها ها ها أجل أجل أجل كأس المنية بالتعجيل أسقوها أجل كأس المنية بالتعجيل أسقوها وفجأة إستغاض إبن زياد وتوجس خيفة وساورته الظنون في أن يكون وراء هذا الكلام أمر ما فنهض منسحباً على عجل! شعر شريك بالألم والحسرة ينهشا قلبه نهشاً، أيضيع تدبيره سدى؟ أتذهب الفرصة بهذه السهولة؟ أيعرضه نفسه لغضب إبن زياد وشره ويقدم رأسه لقمة سائغة لعدوه دون أن يحقق من وراء ذلك شيئاً ما؟ ودخل مسلم مهموماً حزيناً مطرقاً الى الأرض ومن وراءه هاني مطرق برأسه هو الآخر فإنتفض شريك صارخاً: ما منعك من قتله ياسيدي؟ أجاب مسلم دون أن يرفع رأسه: حديث للنبي صلى الله عليه وآله اذ قال "إن الايمان قيد الفتك فلايفتك مؤمن". رفع هاني رأسه وظهر الإنفعال على قسماته وقال وهو ينظر الى جهة اخرى كأنه يخاطب شخصاً غير مسلم: آه أما والله لو قتلته لقتلت فاسقاً فاجراً كافراً. وهدر صوت شريك رغم إرتعاشه مرة اخرى: ولكن ولكن لماذا؟؟ فردّ عليه مسلم بشيء من الإنفعال مقاطعاً: ماذا تقول ياشريك إنما قمنا بهذا الأمر من اجل أمر واحد ألا وهو أن نقيم المعطلة من حدود الله وهل هي إلا كتاب الله وسنة رسوله؟ نكس شريك برأسه وقلبه ينزف ألماً وإختنق بعبرته وغامت عيناه ثم زفتا دموعاً ساخنة كالدم. كان الأمر بتقديره قد حسم لصالح العدو وأصبح خسرانهم الجولة بل الموقف برمته محققاً فكيف يمكن الحرب أن تكون مواجهة مبدئية. وهل عليك إلا ما توسل عدوك بكل الوسائل القذرة البعيدة عن الرؤى المبدئية والقيم الحقة؟ هل عليك إلا أن تعتزل الحرب؟ وهل اذا ما إعتزلتها يدعك عدوك وشأنك؟ وإنتاب شريك الفزع لهذه النتيجة!! كوكب يغيب في المشرق - 22 2015-04-28 09:27:00 2015-04-28 09:27:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/11930 http://arabic.irib.ir/programs/item/11930 غص البهو الكبير الذي إحتشد فيه الناس بمختلف طبقاتهم ليشهدوا المحاكمة التي ستجري لأحد اعوان الخليفة العباسي السابق هارون. وفي صدر المكان جلس المأمون الخليفة الجديد تحفه مظاهر الزهو والعظمة والى يمينه جلس رجل تنطق شمائله بالهيبة والوقار وتتلألأ عيونه بنور ساطع وعلى مقربة من الخليفة وقف رجل طويل القامة قوي الساعدين متجهم الوجه، وشت هيئته الغليظة القاسية أنه من اولئك الأشخاص الذين إختاروا لأنفسهم مهنة قتل الناس وإزهاق أرواحهم. كل شيء في البهو الكبير يبعث على الخوف والهلع والترقب وماعدا وجه الخليفة والشخص الجالس الى جنبه فقد كست الوجوه ظلاله صفراء وكأنها كانت عرضة لرياح الصحراء الساخنة. أما الخليفة فقد تلونت سحنته بحمرة خفيفة ندت من حالة الغضب ورغبة الإنتقام. وعلى خلاف الجميع كان الشخص الآخر مطمئناً هادئاً إلا من مزحة ضيق وإنقباض طافت بقسماته المشرقة. رفع الخليفة يده في إشارة خفيفة الى الجلواز الذي وقف على مقربة منه، تلقى الرجل الإشارة بسرعة كما لو كان ينتظرها وأطلق صوتاً قوياً خشناً منادياً على احد المتهمين!! القيام على الأمين على أيدي انصار أخيه المأمون والتصدع الذي شهده البيت العباسي كان لابد للخليفة الجديد من مهادنة المعارضة التي يتزعم لواءها بشكل تقليدي آل البيت النبوي وليس من الصعب التكهن حتى على الخليفة نفسه أن هذه الهدنة لاتعدو أن تكون استراحة قصيرة لاتفي بإسترداد بعض الأنفاس نظراً لما عرف عن زعماء هذه المعارضة من صلابة مبدئية وإرادة فولاذية ترفض أساليب المهادنة والمساومة حتى راحت السلطات الحاكمة التي صدمتها هذه الحقيقة وعجزتها جميع محاولات الإلتفاف والخديعة تطلق عليها اسم الرافضة وتلاحقها شر ملاحقة. ولكن الخلافة العباسية تمر بهذا المأزق الخطر كان لابد من العمل وهكذا إستدعى الخليفة الجديد الى مرو زعامة المعارضة التي آلت آنذاك الى أبي الحسن علي بن موسى الرضا عارضاً عليه ولاية العهد. غير أن سليل البيت النبوي لم تكن لتنطلي عليه مثل هذه اللعبة فرفض هذا العرض ودافع المأمون في قبول ذلك إلا أنه وجده مصراً الى درجة أضطرت الخليفة الى حسر قناعه وشهر سلاح التهديد بوجه الرضا. عند ذلك حيث خرجت المؤامرة تمشي سافرة من ظلمة وكرها الى أعين النظار ووضوح النهار قرر وريث البيت النبوي تطويقها وإفراغها من مفعولها حيث أعلن قبوله بولاية العهد كمنصب فخري غير منوط بأي مهمة تنفيذية. سارع المأمون الى قبول هذا الشرط وهو يقول في نفسه: الأيام كفيلة بالباقي!! حالماً باليوم الذي يتمكن فيه من تذويب المعارضة وإنهاء دورها. ومنذ ذلك اليوم شرع الخليفة يعمل ليل نهار لأن يجر هذه الزعامة العنيدة الى البلاط محاولاً إشراكها في مسؤولية قراراته ومواقفه وبالتالي نسف مكانته المعنوية في نفوس أتباعها. ولعلنا فهمنا الآن أسباب حالة عدم الإرتياح التي لحظناها على قسمات الرضا وهو أستدعى على كره منه لحضور المحاكمة التي يجريها الخليفة لبعض معارضيه فمن الطبيعي أن يخشى إحتمال إنطلاء خدعة السلطة على الناس فتعتبر حضوره المحاكمة دليلاً على إمضاءه لأحكامها وهو قبل ذلك يرفض أي محاكمة لاتقوم على أساس الحق والعدل وإحقاق الحقوق. دخل المتهم تسبقه جلبة الحراس، أقتيد بغلظة حيث يقف الجلواز غير بعيد عن مجلس الخليفة. وقف الرجل الذي بدا هرماً مضعضعاً قد كلّ سمعه وضعف بصره فأحدقت به العيون من كل جانب. صعد الخليفة بصره فيه وبقي صامتاً. رفع الرضا عينيه لأول مرة ورمق الرجل بنظرة سريعة لأنه عاد بعد لحظة ينظر اليه وقد علت وجهه البغتة. وقبل أن يفوه الخليفة بشيء مال عليه الرضا ليقول: هب لي هذا الشيخ! ردّ المأمون كمن فوجئ بهذا الطلب: ياسيدي هذا الذي سلب بنات رسول الله وفعل ما فعل! عاد الرضا يكرر طلبه إلا أن صوتاً منكراً قبيحاً صرخ: يا أمير المؤمنين أسألك بالله وبخدمتي للرشيد أن لاتقبل قول هذا الرجل في ّ. ودهش الجميع ياللرجل ذي الحظ النكد، يبدو أن فقدانه السمع أورثه حالة سوء الظن بالآخرين فحسب أن الرضا يسعى ضده لدى الخليفة. إبتسم المأمون ونظر الى الرضا وقال: هه يا أبا الحسن قد إستعفى ونحن نبر قسمه. ثم إلتفت موجهاً خطابه للرجل: لا والله لاأقبل قوله فيك! ماذا تريد يارجل؟ لابد أن أدخل البيت! أمسك أبو الحسن بقوة بقائمتي الباب وقال: ولم؟ أجاب الرجل الذي قاد كتيبة عسكرية وقفت وراءه على اتم الإستعداد: أريد سلب النساء كما أمرني أمير المؤمنين. قال الرضا: أنا أسلبهن لك. لايمكن ذلك. أحلف اني لاأدع عليهن شيئاً إلا أخذته! ويصر الرجل على موقفه غير أن الضجة التي بدأت تتصاعد بين الناس المحتشين حول المكان ونذر الإنفجار الذي بدأ يقرع في العيون قلبت الموقف سريعاً وتنازل الرجل ليدع أبا الحسن يتولى تلك المهمة. أجل كل ذلك طاف بذاكرة الرضا وهو يشيح بوجهه على الرجل الذي لم يكن إلا الجلودي قائد الحملة على بيته في المدينة المنورة قبل اعوام مضت وهي واحدة من حملات السلب والتنكيل الكثيرة التي قام بها جلاوزة هارون الخليفة العباسي ضد البيت النبوي كإنتقام لثورة محمد بن جعفر عم الرضا ضد الحكومة العباسية. وفجأة حطم صوت الخليفة الهدوء: قدمه فإضرب عنقه! وماهي إلا هنيهة قصيرة حتى تدحرج رأس الجلودي. وفي وسط الجمع المحتشد ذاك أطرق احد الرجال وهو يكفكف دموعه فنكزه صاحبه قائلاً: ماذا أتعرفه؟ لست أبكيه! اذن ممن بكاءك؟ أبكي اذ أن إبن رسول الله تأخذه الرقة والشفقة لهذا الحد بأعداءه! منذ ساعات والناس تواصل زحفها صوب بيت أبي الحسن الرضا وفيما إفترش ألوف الرجال الطريق الذي سيسلكه لدى خروجه، أشرف النسوة والأطفال من على سطوح المنازل وعيونهم مشدودة الى الطريق. وعند عتبة الباب إزدحمت الخيل وعلى ظهورها وجوه الدولة وقادة الجيش. ونسى الكثيرون او كادوا يوم العيد فلم يتبادلوا التهاني، إنهم يعيشون اليوم سروراً، عيداً من نوع خاص. كان الجميع ينتظر ويترقب وكان سؤال يداعب الأذهان بإلحاح: هل صحيح أن إبن رسول الله نفسه سيأم صلاة العيد؟ وبينما كانت الشمس تنسج خيوطها الأولى سمعت أصوات التكبير تنطلق من داخل البيت. وما لبث الباب الذي تعلقت به العيون أن إنفرج وأطل شخص بهي الطلعة نوراني المحيا، كان الرجل على جلالته محتفياً مشمراً عن نصف ساقيه معتمراً بعمامة بيضاء حرص أن يضعها بطريقة تبعث على الشعور بالخشوع والتذلل وقد أضفى المظهر ذاك جواً عابقاً بالروحانية والقداسة فتملكت الناس الرهبة ووثب مسؤول الدولة وقادة الجيش من على ظهور جيادهم الى الأرض والحيرة تشلهم. تقدم الرضا قليلاً ثم توقف وكبر وعاد من جديد فهدرت الجموع الغفيرة مرددة التكبير. وتجاوبت الأصداء بالصوت المجلجل كأنها قصف رعد مدوي. ومع هذه الأنشودة الروحية الجماعية المؤثرة إنسكبت الدموع بغزارة وإختلطت أصوات التكبير بالبكاء والنحيب واستمر الموكب المهيب ذاك يتقدم ويتقدم وكأن ارادة علوية سامية ترعاه وتفيض عليه رهبة وخشوعاً وجلالة. إقتحم رجلان على حين غرة مقر الوزير الفضل بن سهل وهما يلهثان وخرجا بعد لحظة يسيرة يتقدمه الوزير نفسه. ولم يكد الوزير يبلغ بعض الردهة الداخلية حتى إلتفت لرفقيه وغمز لهما بعينه فتفرقا فيما واصل هو طريقه نحو قصر الخلافة. يا أمير المؤمنين اذ بلغ الرضا المصلى على هذا السبيل إفتتن به الناس وخفنا كلنا على دماءنا فأمثل اليه أن يرجع. قال الوزير ذلك مخاطباً الخليفة بعد أن ظهرت على وجهه ملامح الإضطراب والخوف. نهض الخليفة من مكانه عاجلاً ونادى على حاجبه وهتف وهو يداري حالة من الإرتباك: إبعث ويحك الى الرضا من يبلغه عنا أنا قد كلفناه شططاً وأتعبناه ولسنا نحب أن تلحقه مشقة فليرجع الى بيته وليصلي بالناس من كان يصلي بهم!! إنطلق الحاجب يعدو فيما إلتفت المأمون الى وزيره يلقي اليه اوامره بتشديد الحماية ومراقبة الموقف بشكل دقيق. تلكأ الوزير بالإنصراف منتظراً اذن الخليفة له بيد أن الخليفة لم ينتبه لذلك، وراح يذرع البهو جيئة وذهاباً. إنسحب الوزير بهدوء فيما واصل الخليفة حركته دون ملل!! مرّ وقت ليس بالقليل والخليفة لايهدأ له عقل او جارحة. رفع رأسه فجأة والغضب بادي عليه: لم يعد هناك من سبيل. تسارعت خطواته وصرّ على أسنانه وحرك قبضتيه بشكل هستيري ثم توقف ضارباً بقدميه الأرض. بعد ذلك سار بهدوء الى عرشه وجلس بصمت وكأنه قد قاء غضبه دفعة واحدة. بدا وكأنه قد مرق في لجة عميقة عميقة. اجل كان رأسه يموج برؤى حمراء دامية وعلى غير قصد منه إنسابت الكلمات المحتقنة بالغضب من فمه بهمس: اجل لله جنود من عسل!! السخاء - 21 2015-04-27 09:28:00 2015-04-27 09:28:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/11929 http://arabic.irib.ir/programs/item/11929 إنحت المرأة العجوز بصعوبة ظاهرة تلتقط شيئاً من على الأرض وألقته في جراب لها وقالت: آه لقد أدور العمر ولم يبق منه إلا النزر اليسير، فلم الخوف يا أبا عبد الله؟ ردّ الشيخ على زوجه بضجر: إنكن معشر النساء هكذا دائماً، لاترين من بعد أرنبة أنفوكن! ألم يطف بخلدك أننا بحاجة الى من يلفنا غداً ببقية طمر بال ويحتفر لنا حفرتين يواري بهما سوأتينا! إنحنت المرأة العجوز تلتقط شيئاً من على الأرض وألقته في جرابها دون أن تفوه بشيء. واصل الشيخ هجومه بأنفاس لاهثة: هذه كتلك... أطلق زفرة طويلة وتابع: أجل هذه الحماقة كتلك، تذبحين شويهتنا الوحيدة لرجال لانعرفهم! أين الشاة يا أم عبد الله؟ ذبحتها!! وكيف؟ ماذا أفعل؟ لقد نزلنا أضياف! من هم الأضياف؟؟ لاأعرفهم! قالوا إنهم من قريش. عدنا فيما كنا يا أبا عبد الله. وما عسى أن يفيد هذا الكلام. وإنحنت تلتقط شيئاً من على الأرض ثم إعتدلت ببطئ وهي تسند ظهرها بيدها. إنفجرت المرأة غضباً بعد أن عيل صبرها وصرخت في وجه زوجها: كأني أتيت فعلاً ألام عليه!! وأردفت بنفس الحدة: أراك تأنف هذا العمل؟ تهدج صوتها وهي تضيف: اجل عانيت ما عانيت ولكن هل في اليد حيلة؟ ثم توترت نظراتها من جديد وهي تردف قائلة: لو لم يعني الله بقوة منه ترى ما كنت فاعلاً؟ أكنت قادراً وأنت تدب بقامتك المحدودبة هذه على الإحتيال لمعيشتك؟ كفي كفي!! أغاضك كلامي الى هذا الحد؟ كفي! إستحي، ألا ترين الرجل المقبل ذاك؟ وما نحن والناس؟ ياسبحان الله! كفي يا أمرأة! ظلت المرأة العجوز تهمهم كمن تناجي نفسها فيما تطلع الشيخ الى القادم بإمعان. وبعد خطوات توقف الشيخ ذاهلاً، أوبصره الكليل يخدعه أم أنها حقيقة ماثلة؟ الملامح هي هي!! هذه البشرة البيضاء المشربة بحمرة، هاتان العينان السوداوان الواسعتان، يا إلهي إن الرجل هو هو!! لولا ملامح الكهولة لقال إنه رسول الله صلى الله عليه وآله بعينه قد عاد الى الحياة! ولكن أتراه ينتهي اليه بنسب؟ ولشدما أثار عجب الشيخ أن رأى الرجل يحدق هو الاخر في وجه زوجه كمن قد عرفها!! الوقت ظهيرة والجو حار شديد الحرارة والرياح الصحراوية الجافة تلفح الوجوه بقسوة. ولن يعد هناك من امل لأن يدركوا الرواحل التي تقدمت أمامهم حاملة الأمتعة والمؤن. وشعر الرجال الثلاثة وقد جفت أفواههم من العطش أن الموت يتواثب قيد خطوات منهم وفجأة إنشقت تلك الصحراء الصفراء القاحلة عن بقعة صغيرة خضراء. إندفع الرجال بخيولهم صوب تلك البقعة التي لم يدركوا بعد إن كانت وهماً أم حقيقة؟ كانت هناك خيمة قريبة منصوبة على مقربة من بئر والى الجانب الآخر إمتد شريط أخضر ضيق نبت فيه العشب بكثافة، وفي أقصى الشريط ذاك ربطت شاة راحت تجتر طعامها بهدوء. على صوت حمحمة الخيول أطل من الخيمة وجه امرأة عجوز أتعبته السنون وسرعان ما تقبض وإصفر علامة الخوف. لأنه عاد بعد هنيهة لينبسط ويعيد طلاقته. ألقى الرجال الثلاثة السلام ثم تقدم أحدهم طالباً ولرفيقيه الماء. ردت المرأة العجوز وهي تشير صوب الحقل الصغير: تلك الشويهة أحلبوها وإرتزقوا لبنها! بلّ الرجال ظمأهم باللبن فإستعادوا بعض النشاط، لم يكن امامهم إلا التفكير بإحدى إثنتين، العودة ومواصلة الطريق او المكث ريثما تخف حدة الحاجرة. ولكن ماذا لو قرروا البقاء؟ ترى هل تقدر هذه العجوز الفقيرة على إيواءهم وإسعافهم بشيء من الطعام؟؟ ذهب أحدهم يستطعمها فقالت: هه ليس إلا هذه الشاة فليذبحها أحدكم! نظر أحدهم في وجه الآخر وإبتسموا! يا لكرم هذه العجوز الطيبة!! كل ذلك دار في رأسه وهو ينظر الى المرأة التي لم تكن إلا العجوز الفقيرة التي أضافته ورفاقه بينما كان في طريقه الى مكة لحج بيت الله الحرام. عند ذاك تقدم ملقياً التحية ثم قال: أتعرفينني؟ أجابت المرأة بتردد وقد أذهلتها المفاجأة: لا! غير أنها راحت تحدث نفسها، هذا الوجه رأيته من قبل، أتراه احد الرجال الثلاثة الذين إستضافوني يوماً؟ ها نعم، اجل! هو هو بعينه، وهل انسى ساعة إنصرافهم عندما دنا مني هذا الرجل وقال: نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه فإذا عدنا فألمي بنا فإنا صانعون بك خيراً!! أجل تذكرت تماماً وكيف يغيب عن بالها ما حصل بعد ذلك عندما عاد أبو عبد الله ولم يجد الشاة!! أعانك الله يا أبو عبد الله! وأعانك! ولكنك لو أسعفتيني باللبن لكان خيراً من السلام وحده. فما عسى أن يفيد سلامك فؤادي الذي يضطرم ظمأ. ومن اين آتيك باللبن يا رجل؟ لماذا؟ ألم تحلبي الشاة بعد؟ لم تعد لدينا شاة!! وكيف؟ ظهر الإرتباك على وجهها لأول مرة وهمت أن تقول شيئاً غير أن الشيخ عالجها بالقول: لماذا انت ساكتة؟ لماذا لاتتكلمين؟ مالك يارجل؟ لقد نزلنا أضياف ولم يكن لدي ما أطعمهم إلا أن أذبح لهم الشاة! أضياف؟؟ ومن هم أضيافك يا أم عبد الله؟ لاأعرف لاأعرف!! قالوا إنهم نفر من قريش! ويحك! تذبحين شاتي لقوم لاتعرفينهم ثم تقولين نفر من قريش؟؟ إنتهت أم عبد الله الى نفسها وهزت رأسها كأنما تحاول إبعاد شبح ماضي ثم نظرت الى الرجل الذي لازالت الإبتسامة المتألقة تعلو قسماته النورانية الوقور وقالت متلعثمة: أجل تذكرت فداك أبي وأمي!! طريق ترابي ضيق يخترق المنازل الطينية المتراصة والمدينة المنورة تستقبل يوماً ربيعياً جديداً وأطفال يتعلقون بأغصان دوحة توت مثقلة بالثمار يهزونها فيتساقط عليهم التوت ناضجاً لذيذاً. وشجرة اخرى الى جنبها جافة يابسة محطمة. وأفكار كثيرة تدور في رأس هذا الرجل ذو السحنة البيضاء المشرقة، صورة المرأة العجوز بعودها الجاف ويديها المعروقتين وعينيها الغائرتين ألحت على مشاعره الشفافة المرهفة فآلمتها، تجسم امام خياله الصراع الطويل العنيف الذي ناء هذا الظهر المحدودب تحت ثقله. الشوط البعيد الشاق المتحالف مع المعاناة والآلام والدموع. ترى ألم يحن لهذه العظام المتهالكة أن تستريح؟ هذا الجسد الخاوي المتعب أن يخلد الى شيء من السكينة؟ وعادت ذكرى الأمس بكل حيويتها، بكل صدقها وبكل سذاجتها ايضاً تتواثب أمام خياله. المرأة العجوز الفقيرة تشير الى الشاة الوحيدة التي تملك وتقول: ليذبحها أحدكم! هكذا خذوا هذا كل ما لدي!! أية نفس كريمة سمحة؟ ما اجدر هذا الصون؟ ما أحق تلك الكف الندية بالتكريم؟ وكم هي قنينة تلك المرأة بالإحتفاء والإعتزاز؟ إنها لتستحق كل ذلك! لتجد في اخريات أيامها على الأقل بعض السكينة والاستقرار لتتذوق شيئاً من الراحة والدعة، لتهادنها الفاقة والمعاناة والآلام هذه الصبابة من الحياة! أجل! يريد لها أن تعيش بقية سنيها بكرامة ودعة فلاتشتعل بالطلب ولاتتحمل إصر تبعات المكسب. وقبل أن يدلف الى بيته ومن وراءه الشيخ وزوجه العجوز كان الرجل قد حسم أمره وقطع برأيه. يا أمة الله! أجل يابني! هذا القطيع من الأغنام منحكماه سيدي! إستولى السكوت على العجوزين إلا أن الشيخ تمالك نفسه وسأل: آه ومن هو سيدك؟ عجباً وكيف لاتعرفانه؟ الرجل الذي تنزلان ضيوفاً عليه! ولكننا لم نعرفه بعد!! ومن يجهل ريحانه رسول الله، الحسن بن علي. هتفت المرأة مأخوذة: تعني إبن فاطمة الزهراء؟ أجل يا أماه! بكى الرجل وقال: الحمد لله، الحمد لله الذي حفظ لي بصيرتي على وهن من بدني وبصري. ثم إبتسم وأضاف: إنني ما إن لمحته حتى قلت: هذه شمائل رسول الله! مدّ الغلام يده الى جيبه ليخرج كيساً يدفعه اليهما وهو يقول: هذه ألف دينار يقول سيدي ليستعينا بها على شؤونهما. وإستطرد كمن يحاول الفراغ من مهمته: وقد أوصاني سيدي أن اوصلكما الى أخيه الحسين وإبن عمه عبد الله بن جعفر. إلتفت الشيخ مستغرباً الى زوجه فقالت: ها لابد أن يكونا الرجلين اللذين رافقاه في سفره ذاك. ولم تمض سحابة ذلك اليوم حتى عاد العجوزان بقطيع غنم كبير ومال وفير. ويلتفت الشيخ الى زوجه وبسمة عريضة تضيء وجهه ليقول مداعباً: هههه أنظري كيف تستهينين بغضبي لذبح الشاة؟ ألم ننل كل هذا ببركتها؟ إبتسمت المرأة وقالت: قل بفضل الله وبركة اهل البيت! جيل قديم جديد - 20 2015-04-26 10:31:34 2015-04-26 10:31:34 http://arabic.irib.ir/programs/item/11928 http://arabic.irib.ir/programs/item/11928 لم يكن يحمل أي تصورات عن شخصياتهم او هوياتهم المهمة التي يزورونه من اجلها لذلك فقد أثار دخولهم المفاجئ عليه توجساً وريبة. وكان يريد إستدراك ما فات. بادروا الى إلقاء التحية: "سلاما" ورد عليهم وقد زايلته بعض شكوكه: "سلام" ترى من يكون هؤلاء الرجال؟ لاشك أنهم غرباء فلم يصادف أن رآهم في هذه الأنحاء! أجل لابد أن يكونوا عابري سبيل. وعندما إنتهى الى هذه النقطة من التفكير إستدار خارجاً وهو يقول مع نفسه: لعلهم بحاجة الى طعام!! كان الرجل ورغم سنيه المئة نشطاً ذا هيئة بهية وقور ولم يكن بيته ملاذاً للضيوف وعابري السبيل والفقراء والمساكين وحسب وإنما كان مهواً للأفئدة ومركزاً للإشعاع والهداية. ومن منهم لايود مجالسة ابراهيم خليل الرحمن والتزود من فيض روحه الكبير، هذا النبع المعنوي الثر الذي لاينزف. عاد الشيخ حاملاً طبقاً كبيراً يعلوه شواء لذيذ ودفعه بلطف أمام ضيوفه. غير أن الرجال تبادلوا الإبتسام ولن يمدوا أيديهم الى الطعام. "ولما رأى أيديهم لاتصل اليه نكرهم وأوجس منهم خيفة". وعاودت الشكوك "إنا منكم وجلون" "لاتخف إنا أرسلنا الى قوم لوط". تأمل ابراهيم قليلاً وقد ذهب عنه الروع ثم قال: "فما خطبكم أيها المرسلون إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين" "إن فيها لوطاً" "نحن نعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا أمراته كانت من الغابرين" وبدا عند ابراهيم لديه مايقول ايضاً فتبادر اليه الرد "ياابراهيم أعرض عن هذا أنه قد جاء أمر ربك وأنهم آتيهم عذاب غير مردود" غاضت بعض إشراقة وجهه البين وسرح بصره بعيداً وكأنه يتمثل ملامح الغضب الإلهي المهول. عليه أن ينظم حملة واسعة لمكافحة الوباء وإستئصاله، هذه هي المهمة التي أنيطت به. ولكن أنى له ذلك وقد شاع الوباء وإستشرى وتجذر في حياة القوم وسلوكهم؟ وكيف له ذلك وهو لايمتلك من الوسائل الناجعة شيئاً اللهم إلا الكلمة وماعسى الكلمة أن تغني في مجتمع عاثت فيه الجريمة وسممت حياته الأوبئة الأخلاقية الخطيرة حتى لم يعد له من هم او طموح إلا التسابق في هذا الميدان الوسخ والخوض في هذا المستنقع الآسن. وبعد هذا فهل له سبيل غير الأخذ بأسباب العلاج الإلهي؟ ذلك المنهج الذي اخذ به الأنبياء على إمتداد تاريخ الرسالة الإلهية على الأرض والذي لايكتفي بالمعالجة السطحية ولايمنح الدواء لمكافحة اعراض المرض وحسب بل أنه الطب الحالق الذي يغوص الى الداخل، الى الأعماق ليستكشف أسباب الداء وجذوره ومن ثم يبدأ بوضع برنامجه العلاجي. فإن أتى بثماره المرجوة وظهرت علائم النقاهة والعافية ينفتح الطريق الى النمو والرقي الذي يرعاه التوفيق الإلهي. وإن أهمل العلاج وإستشرى المرض فإن العلاج الطبيعي والمنطقي حينذاك هو الإستئصال خوفاً من تفشي الوباء وسريانه الى الاخرين من أعضاء الأسرة البشرية الى بقية عباد الله. ويحمد الله أن العلاج البديل ذاك ليس من مهمته ولايدخل اطار الوظيفة التي انيطت به. وتنفس بعمق وهو يرنو للأشواك النابتة حوله وكأنه يستعد لطي مشوار طويل. وفي لمحة خاطفة عادت الى ذكراه الأيام العصيبة الأخيرة التي عاشها وعمه الكريم خليل الرحمن ابراهيم عليه السلام في قرية كوثي وقرار الهجرة الذي إتخذاه وتذكر كيف وقف يومها ليعلن على مسامع الملأ "أني مهاجر الى ربي إنه هو العزيز الحكيم". أعادت اليه الذكرى شيئاً من الإرتياح والسكون ومع دفق كلمات الإبتهال الحارة المخلصة التي نبض بها قلبه وترنمت بها شفتاه أحس وكأنه تخفف من ثقل باهض كان ينوء تحته والعقبات المزروعة بالأشواك التي تعترض طريقه قد سويت. وإرتسم على شفتيه ظل إبتسامة كدأب قادة الدعوات السماوية عندما يواجهون العقبات في طريق العمل الرسالي فيبتسمون لها شعاراً خالداً يوحي بتعالي الإيمان والحق والصمود وثبات الموحدين. سنو أسم لايغفله التجار والمسافرون آنذاك. وهل يمكنهم تناسي احدى محطات الطريق الرئيسية، كانت المنطقة تتوسط طريق القوافل التجارية بين الشام والجزيرة واليمن. ولم يكن للمسافر من خيار آخر غير طرقها ليتزود بالماء والمؤونة وهو يستقبل بلقعاً جديداً لاحد له. وبدت المدينة في ضوء القمر الضعيف كجحافل جيش محطمة منهارة القوى ورغم ذلك فلازال سلطان النوم عاجزاً عن قهر عيون المتسامرين ولازالت أصواتهم وضحكاتهم تسمع من بعيد كالحشرجات الأخيرة في جسد محتضر.. لم يكن نصيبي اليوم بالشيء الذي يذكر، الأيام كثيرة والقوافل رائحة غادية ولك أن تأخذ ما تشاء او تدع ما تشاء اذا كان ذراعك يحملك يابن النخناء. وهل تشك في ذلك يابن البوال على عقبيه؟ اذن ولم تشتفي ياأسد الأسود لقد وجدت ضالتي في شيء آخر ياأحمق!! ههه وما هو؟؟ هه أتريدني أن أفشي أمري لك فتطالبني بنصيبك ايضاً؟ هههه قل قل ولاتخشى شيئاً!! سنسوي الأمر كما تحب! وماذا لو عرف لوط؟ سيبقى يلاحقنا بمواعظه السمجة "إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين" هههه أجل "أنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في نادكم المنكر" هه لاأدري هل يريدنا لوط وأتباعه أن نترهف؟ "إنهم أناس يتطهرون" وإستمر الحوار الصاخب بين أنصار الحرية الجنسية بمزيد من الضحكات الماجنة والكلمات الساخرة الفجة. ولعله غمط لحقهم أن نقول إنهم أنصار وهم حملة فكرها التأسيسي والرواد الأوائل على طريق جيل الشذوذ المسخ، الجيل المنسلخ عن رجولته وكرامته، جيل الإيدز الذي بدأ يتفسخ ويتلاشى في وحول الخطيئة. غير القلوب القليلة التي تفتحت للنور والحقيقة ظلت قلوب قوم لوط صدئة مسكرة فعندها لن تنبض بنسيم الحياة يوماً. وظل إندفاعهم الشاذ أهوجاً محموماً مسعوراً لايعرف قيداً ولايعترف بحد، وضاعت الفرصة ولم يعد هناك من سبيل او جدوى للعلاج. وحملت علائم الأفق إشارات غامضة تبعث على الضيق والإنقباض والخوف، ومع جنوح الشمس للمغيب كان هناك أربعة رجال يدخلون على لوط عليه السلام، كانت ملامحهم الوضاء تشرق ماجعله يحدس النتيجة التي يمكن أن يؤول اليها وجودهم في بيته فيما لو علم قومه بذلك. فسيء بضيوفه وضاق بهم ذرعاً وردد مع نفسه "هذا يوم عصيب". وأحس بالغموض الي يكتنف هذه الزيارة فلم يبق له إلا مواجهتهم بحقيقة مشاعره فقال: "إنكم قوم منكرون". "بل جئناك بما كانوا فيه يمترون وأتيناك بالحق وإنا لصادقون" كانت ملامحهم تشير الى أنهم يحملون رسالة خاصة وعاجلة وأنهم حريصون على إستغلال عامل الزمن الى أقصى حد. وسمع باب الدار وهو يفتح في تلك اللحظة. لعلهم الرجال الذين بدت عليهم علائم الحزم والرصانة إقتربوا من لوط وراحوا يسارونه بتفاصيل خطتهم السرية وما تضمنته من أوامر إلهية عاجلة. وفجأة علت الأصوات عند الباب وبعد لحظة كان هناك جمع من الرجال يقتحم المكان وذهل لوط عليه السلام ومشت غصة الألم في حلقه للحظة بيد أنه إستعاد إنتباهه ووثب أمام القوم آخذاً عليهم الطريق وصارخاً في وجوههم: "ياقوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فإتقوا الله ولاتخزوني في ضيفي أليس منكم رجل رشيد". هذه رحمة وإيثار الرسالة وهذه الطبيعة السوية هذه فرصة العلاج الأخير. ولكن ما كان جواب قومه؟ كيف تلقوا هذا العرض السخي؟ ههه "لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك تعلم ما نريد". أطلق النبي زفرة وشت عن قدرة شحنة الألم التي طب عليها فؤاده وقال: "لو أن لي بكم قوة او آوي الى ركن شديد". "يالوط إنا رسل ربك أن يصلوا اليك" جاء هذا الصوت المجلجل ليمنح الموقف القوة اللازمة ويجعله ينفتح على الإمكانات الحقيقية التي رصدتها السماء لمرحلة العلاج الأخيرة. ومع السحر يخرج لوط عليه السلام وأتباعه من المدينة وفي الوقت الذي اخذت فيه هذه الكتلة السوداء التي تدب على الأرض تبتعد عن المدينة، كانت هناك كتلة سوداء هائلة تطبق على سماءها. وإنبثقت الشمس من وراء الأفق ودقت ساعة الصفر وراح كل شيء يطلق صوتاً مدوياً مروعاً "وإنقلب عاليها سافلها". وأزت الرياح ومطرت السماء حجراً وإبتلع الفناء القرية الظالم اهلها لتبقى آثارها معلماً يشير الى عاقبة الانسانية التي تختار بمحض ارادتها الإنحدار الى الحضيض. الجري وراء العاصفة - 19 2015-04-25 10:44:55 2015-04-25 10:44:55 http://arabic.irib.ir/programs/item/11927 http://arabic.irib.ir/programs/item/11927 بين المدينة المنورة والشام يقع واد أخضر كبير عرف بإسم وادي القرى وكان كثير من اهله يتقلب في رغد من العيش وبحبوحة من الحياة وقد بلغوا شأواً من رغد العيش ورفاهية الحياة أن شيدوا القصور الشاهقة في السهول ونحتوا البيوت الفارهة في الجبال وراحوا يسرفون ويبذرون في كل وجوه المعيشة في بطر وبذخ لاحد له. أما في الأكواخ الصغيرة القميئة لم يكن يسمع او يشاهد غير مظاهر الفقر والفاقة والتعاسة ودون سماع انين الجياع والمحرومين ألف وقر ووقر في آذان المتخمين. ولم يكن السهل أن يخرج أحد هؤلاء الجياع وهم من أفراد ذلك الشطر المستضعف المرتهن من المجتمع ثائراً من اجل ردم هذه الهوة ووضع حد لهذا الإنقسام البغيض، كما لم يكن منتظراً أن يتمرد أحد من الشطر الآخر وهو المستفيد الذي تبلد إحساسه وعفى الزمن على مشاعره ولكن يدا الله مبسوطتان وتشاء ارادته الغالبة أن تضع حداً لذلك العناء الذي تعيشه طائفة من عباده والضلال الذي تتيه فيه أخرى. رغم الوقار والرزانة الواضحة التي ترافق حركاته وسكناته فقد كان وديعاً قريباً للنفس محبباً وليس هذا وحسب فقد عرف بحبه الشديد على الفقراء والمعوزين ورأفته البالغة باليتامى والأرامل ومواساته الصادقة للثكالى والمفجوعين. وهل مثله أحد عندما يكون مجتازاً في حاجة او سالكاً في طريق يلقي التحية على هذا ويفتر ثغره عن ابتسامة ودود لذاك ويبذر بذور المحبة والألفة بين الناس وينفي عنهم أسباب الكره والتباغض والشحناء أياً كانوا وأنى كانوا. كل شيء فيه جميل إلا شيئاً واحداً إنه لايفتر عن لمز الآلهة بسوء! أجل إنه يعيب علينا آلهتنا ويسفه احلامنا والأدهى من ذلك أن صوته إرتفع أخيراً ليقول ملأ فيه: "أعبدوا الله ما لكم من إله غيره"!! كيف؟ كيف يجعل الآلهة إلهاً واحداً؟ بل أنى له نهينا عما كان يعبد آباءنا؟ هو القائل حقاً أن آلهتكم هذه حجارة ميتة لاتضر ولاتنفع فإن ذلك أمر لايطاق!! أيظن صالحاً أن سادتنا وكبرائنا يتركونه وشأنه يقول ما يشاء ويفعل مايشاء؟ ما عسى أن يجديه عدة انفار ماهم إلا أراذلنا! نهض الرجل وأردف بصوت مسموع وهو يشير الى شخص بدأ يبتعد عن مدى الرؤية: أني لااظن إلا أن صالحاً سيكف عن دعواه العجيبة الغريبة تلك! أغلق الرجل ملف حديثه الذاتي ثم تحول عن الجلوس في شرفة قصره المنيف!! ههه "ما أنت إلا بشر مثلنا فإت بآية إن كنت من الصادقين". لتكن ناقة!! ناقة كبيرة! "هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم" ماذا؟ كيف؟ "لاتمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم" كانت المفاجأة مثيرة الى حد كبير فلم يصادف أحداً منهم أن رأى ناقة بهذا الحجم وإن كانت قادرة حقاً على شرب كل تلك المياه فإن الأمر يصبح فوق مستوى التصديق!! ومن بين الجمع الذي إحتشد لسماع كلام صالح عليه السلام إنضم تسعة أشخاص الى بعضهم البعض وراحوا يتهامسون. قال احدهم: إسمعوا لأن سكتنا فإن صالحاً سيفتن الناس ببدعته هذه!! ردّ آخر: وما العمل؟ نلقي في أسماع الناس أن ذلك سحر! فاه ثالث بغضب مكتوم: فلتبادروا إن كنتم صارمين! ألا ترون الناس ينظرون للناقة مبهورين؟ إستحث الرجال احدهم الآخر ثم تفرقوا بين الجمع ذاك وبعيون ينز منها الحقد الممزوج بالرهبة أخذوا يرقبون الناقة وهي تتحرك بتثاقل صوب بركة الماء كما لو أنها تتعمد إثارتهم وإستفزازهم. وبينما كان جمع الناس الذي يحف بالناقة يشرف على البركة صدرت اشارة خاصة من احدهم لتتبعها ضحكات وصرخات إستهزاء مفتعلة ورفع أحدهم صوته ليقول: "إنما أنت من المسحرين". تجاهل صالح عليه السلام القائل ونادى مخاطباً الناس: "لاتطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولايصلحون". وعاد المتكلم الأول يزعق من جديد إلا أنه إختار السكوت بعد لحظة وهو يرى أن جميع العيون من حوله قد تسمرت على الناقة التي مدت عنقها الى البركة وراحت تعب الماء بشراهة عجيبة!! أخذت الكلمات الربانية النيرة التي يلقي بها صالح تشق طريقها الى قلوب المستضعفين دون عناء او مقاومة وشيئاً فشيئاً قصرت الاذان التي ثقل عليها سماع نداء الحق وخفقت القلوب التي لم تهزها صرخة الضمير وإنزاحت اغشية الجمود والجهل والتحجر، وجاءت آية الناقة المعجزة التي وضعها صالح في الواجهة لتحدث تطوراً هاماً لصالح الرسالة كما وتشحن الجو من حولها بالتوتر والتشنج! وبهذا بدأت الساحة التي إقتصرت لذلك الوقت على الإحتجاج الفكري تشهد ألواناً من النزاع والمخاصمة العنيدة فواجهوا صالحاً وقالوا له: "أطيرنا بك وبمن معك" فرد عليهم بكل هدوء: "طائركم عند الله بل انتم قوم تفتنون". وتعرضوا لأنصار الرسالة مستفزين: "أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه" "إنا بما أرسل به مؤمنون" "إنا بالذي آمنتم به كافرون" وهكذا بدأت ملامح المجابهة تتشكل رويداً رويداً وبدأ طريق الرسالة محفوف بالكثير من الأشواك والمعابر الخطرة. تقاسموا بالله "لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك اهله وإنا لصادقون" ورأوا الناقة رافعة ذيلها! هه كلا كلا نقتلها هي الأخرى!! ومثلما إنزاح عنهم للحظات قليلة عاد الظلام يبتلع الرجال المتحاورين من جديد. كان لوقع أقدامهم في جوف الليل وهم ينقلونها بحيطة وحذر صدى غريب، ومن بعيد إنطلق صوت منكر لوحش جائع وتوالى عواءه المخيف كما لو أنه يهم بمطاردة فريسة ما. وعلى امتار يسيرة من بركة الماء تسلل عدة رجال الى أجمة هناك وراحوا يرقبون إنبلاج الفجر!! لعل الكثير من السياسيين الذين ينسب اليهم لطف التدبير وحين المكر والخديعة والحيلة سيضطرون الى التنازل عن براءات إختراعهم لو إطلعوا قليلاً الى كتاب التاريخ. ولعل عقول المخابرات العالمية ورؤوس عصابات الإجرام واللصوصية سينحنون إكباراً لأسلافهم الذين لم يتخرجوا على أيدي أساتذة ومتخصصين ولم يتأهلوا في جامعات او معاهد خاصة وإنما رسموا خططهم الجهنمية على عفو الخاطر ودون أن يفكر أحدهم يوماً بالحصول على شهادة او براءة إختراع. اجل فقد قامت الخطة التي رسمها اعداء الرسالة الإلهية من قوم ثمود على فكرة إستغلال الجنس اللطيف لتثوير الجانب الغريزي وتغييب الجانب العقلي في الرجال والتلويح لهم بشروط الإشباع. وإختار ثمود عدداً من صباياه الجميلات ودفعهن للنزول الى زريبة الخنازير البشرية الجائعة في صورة مزرية من الإبتذال والتهتك. وهاجت الخنازير في الزريبة وتحرك كل شيء فيها إلا العقول! وإندفعت في هجوم جنوني مدمر لتقتل الناقة وتتركها تتخبط بدماءها بشكل يرثى له!! لم يكن اللقاء عاصفاً بين صالح والكافرين من قومه كما هو متوقع فلم يزيدوا أن قالوا متهكمين "أتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين" ولم يزد صالحاً ايضاً على القول "تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب". وإنتهى كل شيء، إنتهى اللقاء عند هذا الحد ولكن التحدي قد بدأ وراحت الساعة تعد دقائقه بإصرار ومعاناة وبدا أن الثواني الأخيرة ستدق في النهاية لامحال. وهنا ظهرت بوادر اليقظة والصحوة لدى القوم وعظوا اصابع الندم وليت ينفع ندم. وصدر الإيعاز الرباني لصالح عليه السلام ليخرج من القرية بما تبعه من المؤمنين وتضاعفت الحيرة في نفوس القوم. أهو حقق وعد صالح أم هو أسلوب لإرعابهم والنكاية بهم؟ وما عساهم أن يفعلوا؟ أيثبوا للتحدي ويمكثوا في ديارهم أم يفروا بجلودهم ويتقبلوا الإهانة أياً كانت النتيجة؟ ويمر يومان ويبقى الثالث ويضلهم الليل فيناموا، وتحت جنح الظلام تسمع أصوات قوية مهولة! لكن القوم يبقون نياماً كأنهم لم يسمعوا شيئاً. وتشرق شمس يوم جديد على الأرض وهم رقود، لم يكن بين الأمس واليوم إلا سويعات ولكن كل شيء ينبأ أن عالماً كاملاً قد تهاوى وعلى انقاضه قام عالم آخر. أجل إنحسر ليل الظالمين "فأصبحوا في ديارهم جاثمين" واضاء النهار للمؤمنين الموحدين. وإستنشقت الحياة بعد سنين طويلة عبير العدل في ظل رسالة السماء. الميلاد - 18 2015-04-22 09:33:43 2015-04-22 09:33:43 http://arabic.irib.ir/programs/item/11926 http://arabic.irib.ir/programs/item/11926 قال لها اذ سألته: يا إبراهيم أتدعنا في موضع ليس فيه أنس ولا ماء ولازرع؟ الله الذي أمرني أن أضعكم في هذا المكان، هو يكفيكم! ثم رأته يرفع يديه في ضراعة ويقول: "ربنا أني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فإجعل أفئدة من الناس تهوي اليهم وأرزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون". كانت هذه آخر الكلمات التي سمعتها من زوجها بعد أن ودعها ووليدها عائداً من حيث أتى! تلفتت حولها من جديد ثم نهضت وراحت تدور وتدور وكأنها تترقب عودته مرة اخرى. كانت الأرض الرملية الصفراء تمتد أمام ناظريها دونما نهاية. ولاحقت عيناها الكثبان الرملية الصغيرة وهي تتشكل بفعل الرياح وكانها تود أن ترى فيها كائناً حيواناً صغيراً تأنس به او تجد فيه على الأقل أثراً من الحياة في تلك الصحراء الميتة المجدبة. وتحرك حسها الفطري وهي تنظر الى وليدها الصغير: آه يا إلهي ماذا أفعل؟ ضمته الى صدرها بقوة ثم أبعدته قليلاً تنظر اليه فألفته يسرح وعينيه الجميلتين ينظر اليها ببراءة وهدوء. وكم من أثر ذلك أعجبها أو تأنيبها لنفسها اذ لم تجد في عالم هذا الصغير أي شعور بالقلق او الاضطراب. جلست تمسد شعره وتربت على خديه وتتمنى في وجهه المفعم بالرضى والحبور. إستشعر الصغير حنو الأمومة ولين لمساتها الودود فراح يحرك يديه ورجليه وهو يترنم بمناغاته المحببة الأنيسة، عالم جميل لاحد له! أشادته في نفسها تلك الحركات والتنهدات العفوية الممنسقة، عالم تتدفق فيه العاطفة كتدفق الماء في الشلالات الكبيرة طوراً وتنساب إنسيابه في الجداول الصغيرة آخر. وغرقت الأم في عالمها ذاك لم يستعدها منها غير تململ الصغير وصراخه فعلتها حالة من القلق لحظة إلا أنها سارعت لتلقمه ثديها، سكت الصغير هنيهة وتضامن إلا أنه سرعان ما عاد بالصراخ والبكاء فإضطربت الأم ونهضت تحمله بيديها وراحت تدور وتدور بيد أنه واصل صراخه وبكاءه ولم تجدي معه هدهدتها شيئاً، ولما أرادت الكلام ثانية وجدت فمها جافاً يبساً وعندها فقط تذكرت: آه أني لم أسقه ماءاً! وكما لو أن هذه الكلمة قد أدخلت على قلبها الفزع. ظلت حيرى جامدة للحظة ثم دبت فيها العزيمة! وضعت الصغير على الأرض وإنطلقت تسعى هنا وهناك بحثاً عن الماء، كانت تجري مبتعدة وتعود لتلقي نظرة عليه ثم تنقلب جرياً وطوفان من المشاعر المختلطة يهدر في رأسها الكليل!! وفجأة تطرق اللجة امام ناظريها وهي تنظر الى حيث وضعت طفلها الرضيع: يا إلهي! ماهذا؟؟ وعادت تجري ويغمر وجهها السلام والرضا وهي تغترف بيديها لتسقي صغيرها الماء. ثم تفيض من عينيها دموع الفرح والعرفان. أجل! والشكر للعين الساهرة التي رعتها وصغيرها وسط الصحراء المجدبة القاحلة!! أنني أرقب منذ أيام أمراً عجيباً! عجيب؟ وماهو؟ لاأدري! الطير رائحة غادية أطراف هذا الوادي. إيه! وما عسى أن يكون الأمر؟ كيف ألا يعني ذلك لديك شيئاً؟ أجل ربما شيئاً ولكنه أمر مستحيل، أترى أن الأرض إنشقت عن عين ماء؟؟ دعنا نرتاد الوادي فلعلنا وقفنا على خبر من هذا الأمر. إستعاد الرجلان راحلتيهما على الإسراع وشيئاً فشيئاً إبتعدا عن مظاهر قومهما متوغلين في عمق الصحراء. كانت قبيلة جرهم العربية تستوطن المناطق المحيطة بمكة المكرمة وككل مستوطني البوادي كان الفقر وشظف العيش السمة البارزة في حياة هذه القبيلة. وكان الماء في تلك الصحراء القاحلة شيئاً عزيزاً كثيراً ما أسترخصت الدماء من اجله. ولم يكن الحصول عليه او الوصول اليه إلا بمشقة وعناء كبيرين أما يجد الماء مفترشاً أديم الأرض فذاك حلم او شبيه به! لذلك فقد ظل الرجلان اللذين ذهبا لإرتياد أطراف الوادي ذاهلين، أيمكن ذلك؟ إنهما يعرفان هذه الأرض كما يعرفان موطنهما وكما يعرفان إبلهما بل ونفسيهما! وهل من المعقول أن تتفجر الأرض الميتة المجدبة كل هذا العمر وهذه السنين تتفجر بين ليلة وضحاها بينابيع؟ ولشد ما أثار عجب الرجلين أن أبصرا على بعد امرأة جالسة على ضفاف النبع فتقدم احدهما وسأل: من أنت يا أمة الله؟ فأجابته عن صوت ينم عن الحياء والنبل معاً: إنني زوج خليل الرحمن وهذا ولده! واين هو بعلك؟ لقد وضعنا هنا ورحل! ومتى عادك بهذا الماء؟ لقد أفاض الله بركاته على هذا الصغير الذي كان يشكو الظمأ! إمتلأ قلب الرجل رهبة وإكباراً لهذه المرأة العجيبة وقال: إننا وقومنا نسكن غير بعيد من هنا أفتأذنين لنا أيتها المباركة أن نحط الى جوارك؟ صمتت المرأة قليلاً ثم أجابت بوقار: حتى يأتي ابراهيم. وخلافاً لما درجوا عليه من الإستهانة بالمرأة وإستضعافها فقد وجد الرجل نفسه ينسحب بهدوء من أمامها وكأن لها عليه سلطاناً لايقهر! كانت رسالة التوحيد الابراهيمي تخاطب القلوب والعقول معاً وتهتف بالناس لأن يتحرروا من أسر الطواغيت المتحكمين ببني البشر دون حق ولهذا فقد أصبحت تلك الصرخة الابراهيمية المباركة في عرف فراعنة وطواغيت ذلك الزمان النذر التي تسبق العاصفة فيهبوا لأن يواجهوها بأي سبيل. وهكذا تنقلت الرسالة من أرض بابل وسط العراق الى اور في جنوبه ومن أرض الشام في فلسطين الى أرض النيل ومصر. وكان أبو الأنبياء ابراهيم يمارس مهمته الأبوية الرسالية بحكمة وصبر وأناة ويحاول أن يفتح امامها آفاقاً أوسع وأرحب. وعندما تلقى الإيعاز الإلهي بالتوجه وزوجه هاجر تلقاء مكة عرف في ذلك موقعاً جديداً للرسالة فتحرك وزوجته وصغيره الوحيد آنذاك ليستودعهم الله في تلك الصحراء الخاوية وينصرف عائداً للشام. وما إن يرجع لتفقد الموقع الجديد حتى تستقبله ام اسماعيل قائلة: إن ها هنا قوماً من جرهم يسألونك أن تأذن لهم حتى يكونوا بالقرب منا، أفتأذن لهم في ذلك؟؟ أجاب نبي الله وقد غمر البشر ملامحه المشرقة الوقور: نعم!! ولاتلبث أن تندفع قوافل جرهم لتملأ ذلك الوادي الموحش الكئيب فتدب فيه الحياة وتخضر الطبيعة وتورق الأشجار وتعم الأرض بركات السماء. طلت عينا الخليل ترقبان اسماعيل الصغير وتتعهداه بالسهر والرعاية حتى اذا ما شب على الطوق وبلغ مبلغ الرجال صدر الأمر الإلهي لإبراهيم بأن يقدم قرباناً، أجل قرباناً!! وأي قربان؟ إنه قربان من نوع خاص، لن يطالب ولن يطالب به احد غير ابراهيم! وبعد أن يبتعد الرجلان عن البيت يميل الشيخ على الشاب قائلاً بلهجة غريبة إلا أنها واضحة: "يابني إني أرى في المنام اني أذبحك فأنظر ماذا ترى". غير مسحات ألم خفيفة عبرت ملامحه المتوقدة ذكاءاً ورجولة، لم تشي تلك الملامح أي تعبير للرفض او الإستنكار. وسرعان ما جاء الجواب على لسان اسماعيل: "ياأبت إفعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين". ويسير الأب والإبن في موكب حزين، يسيران الى مكان أبعد لينفذا المهمة بمنئى عن الأنظار. وعندما دخلا شعب بني ثبير توقفا، نظر اسماعيل الى أبيه وقال: ياأبي أشدد رضاضي حتى لاأضطرب واكفف عني ثيابك حتى لاينتضح من دمي شيئاً فتراه أمي! وإشخذ شقرتك وأسرع مر السكين على حلقي ليكون اهون عليّ فإن الموت شديد!! ردّ ابراهيم بنبرات واهنة: نعم العون انت يابني على امر الله!! وتمدد اسماعيل على الأرض وبدأت ثواني الرعب تتقارب وتتداخل. إستلّ ابراهيم سكينه، أنزله بسرعة ليحتز رأس ولده ..... "ياإبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم". وبسماع هذه الكلمات تجمدت يد ابراهيم للحظة ثم هوى الى الأرض في سجدة طويلة وتابعه اسماعيل على ذلك. أجل لقد عبر الإختبار الصعب وزينت السماء صدريهما بأوسمة باقية خالدة وإصطفى الله الشاب اسماعيل لحمل رسالة التوحيد الى المجتمع الجديد والموقع الجديد الذي أختير للرسالة. ومن جوار الكعبة الصرح الذي ولد على يدي هذين النبيين والذي أتخذ رمزاً لحركة التوحيد إمتدت الرسالة الحنيفية المسلمة تخفق بأجنحتها البيضاء فوق صحارى الجاهلية البغيضة العمياء فتحيي القلوب وتحرر العقول وتبعث في الحياة الرونق والخصب والنماء وتشيع في النفوس الطمأنينة والأمن والسلام وتفعل كل جميل بإذن ربها. ساعة الغروب - 17 2015-04-21 09:44:47 2015-04-21 09:44:47 http://arabic.irib.ir/programs/item/11925 http://arabic.irib.ir/programs/item/11925 كان همه الكبير لكنه الأخير. ذلك أنه يعلم أنه يعيش أيامه الأخيرة. أجل الأخيرة! حياته العظيمة الحافلة بالعطاء، ذلك الكفاح الطويل الطويل ستوضع له النهاية عما قريب وقريب جداً، أيام لاأكثر ولكن كيف ستسير الأمور في أخريات أيامه كما أراد لها وخطط أم خلاف ذلك. تجربة شاقة تلك التي اخذها على عاتقه وهل هناك أشق من أن تعمد الى مجتمع فتنزع عنه معتقداته وسننه وعاداته ورسوماً هي ألصق به من أسمه ثم تقيم من نفسك حاكماً عليه، إفعل هذا ولاتفعل ذاك، كل هذا ولاتأكل ذاك، إشهر سيفك هنا وإغمده هناك! ولهون الخطب أن ذلك كله حصل في عصر العلم وإستنارة العقل ويقظة الوعي بل على الخلاف من ذلك تماماً فقد جرى كل شيء في وقت لم يزل فيه العلم جنيناً او علقة في أحشاء الزمن. وكان الجهل والجمود الفكري السمة البارزة والطابع العام لتلك المرحلة من عمر الزمن علاوة على ذلك فالبيئة التي كان على التجربة او عملية التغيير الرسالي أن تجري على أرضها من أشد البيئات إنغلاقاً وتعصياً وأكثرها تعصباً وتحجراً وتمسكاً بالأطلال والآثار الدارسة. ومع هذا وذاك فقد أمسك هذا الرجل الكبير بدفة السفينة بقوة وقادها الى شاطئ البر والأمان رغم الأمواج والعواصف العاتية. لكن مهمته لم تكن لتنتهي عند هذا الحد فهذه السفينة يجب أن تجوب المحيطات والبحار حاملة الزاد لجميع أفراد البشر الذي يعانون الفقر والمجاعة الروحية وحاملة الأدلة والخرائط التي تشير الى نقاط الأمان وسط صحارى الضياع والتيه البعيدة البعيدة. أجل لم تنتهي مهمته عند هذا الحد فهو مسؤول عن تسليم الدفة الى ربان قدير يستطيع بما أوتي من علم ودراية وشجاعة من إقتحام أهوال البحار وبلوغ أقصى شواطئ الدنيا. ولكن أتراه مختاراً في من يرشحه هو خليفة له؟ او يرشحه هؤلاء الناس الذين صحبوه على إمتداد هذه الرحلة الشاقة ركاباً على ظهر السفينة؟ أم ترى أن هذا الأمر هو من مهمة أحد آخر؟ لعله صاحب السفينة ومالكها!! كادت وخزات الألم تموج في وجهه المشرق الذي يفيض نوراً فينحسر قليلاً او كثيراً ذلم الألق السماوي الذي يزين طلعته الربانية البهية وبين الفينة والأخرى كان يفتح عينيه فيدير وجهه في الحاضرين. أجل لقد كان الرسول مريضاً طريح الفراش. على مقربة من فراشه جلس عدد من أبناء عمومته وذويه وفي الجهة الأخرى جلس عدد من صحابته بينهم عمر بن الخطاب. كان يبدو على وجوه الجميع الألم وكانت العيون تحوم حول ذلك الأكليل الذي إعتصره الذبول. وعلى وجه الرسول كان هناك شيء يطوف كما أن هناك شيء يفكر أن يقوله او يفعله. وأخيراً فتح عينيه، اجال بصره في الحاضرين وقال بلهجة عميقة حاسمة: هلم اكتب لكم كتاباً لاتضلوا بعده!! ومن بين القوم الجلوس سارع احدهم بلهجة تدعو للأستغراب وكأنه يحاول تفادي وقوع امر هو على علم بحتمية وقوعه: ها عندكم القرآن، حسبنا كتاب الله! فرد عليه آخر غضباً: وهل كلام رسول الله إلا وحي يوحى؟ وصرخ ثالث: وما يضرك أن يكتب رسول الله كتاباً؟ عاد الرجل يقول بوقاحة يحسد عليها: إن النبي ليهجر! علت عدة أصوات ترد عليه: أتقول هذا لرسول الله؟ أسكت، أسكت الله نعمتك! وإرتفع صوت مؤكداً: قدموا لرسول الله الكتب والدواة. ورد عليه الرجل الأول ينز صلافة ووقاحة: كلا كلا لاحاجة لذلك. ثارت الضوضاء وكثر اللغط حتى نادى الرسول: قوموا!! كان للنبأ الذي تنوقل بسرعة حول مرض النبي صلى الله عليه وآله ردود فعل مختلفة في المدينة المنورة فقد دب الخوف والقلق بين المؤمنين وتوجسوا خيفة من أن يكون هذا العارض الصحي بداية لما أعلنه عليه الصلاة والسلام قبل ما يقارب الثلاثة شهور بقوله: أوشك أن أدعى فأجيب!! أما المنافقون فقد فرحوا وإستبشروا بالخلاص وراحوا يتوافدون على كهوفهم المظلمة، يتناجون ويحيكون الدسائس تآمراً على مستقبل الرسالة. غير أن كلا الفريقين إستغربوا إصرار الرسول على إنفاذ جيش أسامة رغم هذا الطائل. وعندما تبالغ النبي بذلك قصد مواقع الجيش بنفسه وعقد اللواء بيده الشريفة لأسامة ثم حثه على المسير. وتقدم أسامة امام الجيش يتبعه المقاتلون المؤمنون غير أن المنافقين ظلوا يراوحون مكانهم. ماترى ياصاحبي؟ أليس هذا من العجب العجاب؟ الرجل ينام على فراش المرض ويبعث بجيشه لمقاتلة جيش الروم!! لاأدري أهذا من الحكمة والعقل؟ زه زه لاتزحمنا بزهيقك، تنحى بنا الى هناك وعندها تكلم ملأ فيك! أقول لاتزال وقعة مؤتة خضراء العود فما الذي يريده محمد من وراء محاربة الروم خصوصاً وهو قعيد المرض؟ لاياصاحبي، إنك لم تبرأ من داءك منذ عرفتك، تستعجل الأمور ولاتعرف الأناة! وكيف؟ إني أرى من وراء ذلك مالا تراه انت! وماذا ترين يازرقاء اليمامة؟ لينفعك هزأك! لا لا أقسم عليك. بمن؟ بمن تشاء من الأرباب والآلهة! حقاً لك أن تعرف. إني أرى أن محمداً يعمل بعقل وحكمة! وكيف؟ دعني أسألك. سل! هل ترى محمداً إستثنى أحداً لم يندبه الى الجيش؟ لاأدري، ولكني رأيت سادة قريش والأوس والخزرج وباقي القبائل. قل المهاجرين والأنصار. أجل أجل المهاجرون والأنصار إن شئت ولكن مهلاً مهلاً، لم أر علي بن أبي طالب؟ أجل هذا ما سأوصلك اليه ولكن دعني أسألك سؤالاً آخر: محمد يجهز جيشه لمحاربة الروم ويحشد في الجيش كبار المهاجرين والأنصار إلا أنه يؤمر عليهم أسامة بن زيد، فتى ذا سبعة عشر ربيعاً لاغير ويستبقي عنده علي بن أبي طالب. ثم أنه يفعل كل ذلك وهو على فراش المرض! ما الذي تريد أن تقول؟ الأمر واضح تمام الوضوح! دعني! أجل أجل إن محمداً أحس بدنو أجله فهو يريد إبعادنا وإبعاد من يخافه ليخلو له الجو في تنصيب إبن عمه خليفة له. حتى اذا ما عدنا يقول أمر الخلافة أمر مقضياً. عجباً وكيف فاتني ذلك. اذن قل لي لماذا إختار هذا الصبي على رأس الجيش؟ أعزت الرجال؟؟ ذلك يصبح أمراً واضحاً، حتى تقع هذه الأسبوبة تلاحقنا. إنه بالأمس أمر عليكم صبياً ولو وجدكم أفضل منه لأختاركم للأمارة. أجل هو كما قلت. أذن لايتبغي أن نسمح بهذا أبداً! أجل أجل ولكن ألديك تدبير ما ؟ سترى!! أصدر قائد الجيش أوامره بضرورة أن يعسكر المقاتلون في الجرف بإنتظار إلتحاق المتخلفين. كما شرع بإتخاذ العديد من الإجراءات العسكرية الضروري بينها تعيين حامل اللواء وهو موقع له خطره في التنظيم العسكري السائد في الجيوش آنذاك. غير أنه أحس بوتيرة العمل تتثاقل وتتلكأ ثم تأكد من عبث التيار النفاقي بين قطاعات الجيش وطرقت أذنيه العديد من الإشاعات والتحريضات التي راح يبثها هذا القطاع الخبيث. وخشية من إتساع هذه الجبهة سارع أسامة الى كتابة تقرير تفصيلي وإرساله على وجه السرعة الى النبي صلى الله عليه وآله. دخل رسول أسامة على النبي وتردد ليسلمه الكتاب. كانت حالته الصحية قد تدهورت كثيراً ولحظ النبي صلى الله عليه وآله التردد في عيني الرجل فأشار اليه ليقول ما عنده. فلم يجد من سبيل إلا أن يتقدم ويناوله الكتاب. وشيئاً فشيئاً بان الغضب في وجهه الكريم فنهض من فراشه ثم خرج معصوب الرأس متدثراً بقطيفة وأخذ سبيله الى المسجد. بدأ الناس الذين فاجئهم ورود الرسول صلى الله عليه وآله يتراكضون ليحيطوا به. وعندما عرفوا نيته في صعود المنبر أفسحوا له الطريق ثم تعلقت عيونهم بشفاهه إصغاءاً لما يقول. شمل عليه الصلاة والسلام الحاضرين بنظرة فاحصة طافحة بالغضب ثم تكلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ولأن طعنتم في تأميري أسامة فقد طعنتم في تأميري أباه من قبله وإنه والله لكان خليقاً بالأمارة وأن إبنه من بعده لخليق بها! وسكت النبي قليلاً ثم راح يحض على المبادرة بالإلتحاق بالجيش. نهض الحاضرون ملبين دعوة النبي وبدأوا يودعونه صلى الله عليه وآله ثم يغادرون المسجد صوب المعسكر. ولكن الفتنة التي أشعل فتيلها المنافقون إستشرت وراحت تتفاعل بشكل خطير فتبذر بذور التمرد بين صفوف الجيش محاولة دفعه للخروج على الطاعة والإنقياد لقائده الميداني. الشمس تودع الأرض وخيوط النور تضمحل وتذوي شيئاً فشيئاً وكأنها وهي تسير في موكبها الحزين ذاك تودع الحياة الى غير عودة، كل شيء يذهب لأن يغرق في الظلام والسبات الطويل الطويل غير نسيمات المساء التي تهب بوداعة وكأنها أرواح محلقة في الأعالي. وتتناغم أصوات الطيور مع معزوفة الحزن الكوني فيهدر الحمام بألم وحنين وتموزق العصافير بتراخي وخمول وكأنها تنشج بهدوء، ويتصل النشيج وترتفع الأصوات بالبكاء من بيت الرسالة ثم تسري الى كل مكان. بعدها لاتلبث المدينة أن تضج نادبة باكية. التحدي الكبير - 16 2015-04-20 09:42:22 2015-04-20 09:42:22 http://arabic.irib.ir/programs/item/11924 http://arabic.irib.ir/programs/item/11924 سرعان ما سرى النبأ سريان النار في الهشيم وراحت حلقات الناس المتجمهرة هنا وهناك تتناقل خبر إقتياد شيخ شامي كبير الى السجن ولم تكن عملية الإعتقال تلك لتثير كل ذلك الاهتمام لو لم تصاحبها إشاعة غريبة راحت تستقطب الناس وتغذي فضولهم. ومثل أي واحد من هؤلاء الناس كان بإمكانه أن يستمع الخبر ويعلق عليه او يكتفي بالإستماع إلا أنه وجد نفسه تدفع دفعاً لأن يقصد السجن بنفسه ويلقي عليه نظرة من الخارج دون أن يكون وراء ذلك أي مطمع آخر. وتخلل أزقة المدينة وعبر العديد من احياءها قبل أن يأخذ عليه الطريق جدار مرتفع عرف فيه على الفور السجن الكبير، حدق في أبراج السجن وجدها عالية تناطح السحاب والجدران تبدو كالقلاع لايطمع احد في تخطيها وشعر بشيء من الرهبة وعيناه تتسلق ذلك الحصن المخيف وكأنه وحش خرافي هائل يتهيء للإنقضاض تشيع نظراته المفترسة الرعب والفزع من حوله. وكان يعود ليرى أنه بدلاً من ذلك تقدم بخطوات واثقة من بوابة السجن. كانت نبرات الحارس واضحة عندما وقف يجيبه قائلاً: حقاً كان صديقك؟ أجل أجل كيف لاأعرفه؟ لقد كان أحد مسؤولي السجن ولكنه غادره منذ مدة الى قصر الخليفة. وضحك وهو يضيف: إنه الآن في بغداد احد حراس الخليفة المقربين. شعر بالصدمة بيد أنه بادر ليقول دون مقدمات: هل لي أن أرى هذا العجوز؟ بدا الحارس متردداً لأول وهلة لكن بعد برهة سار وهو يقول: أدخل!! داهمته المخاوف وهو لم يجتز بعد عتبة الباب المطل، عاد ليقول لنعد لاحاجة بي لرؤيته لكنه قد عرف أن الأوان قد فات فقد إحتواه الظلام بسرعة وقسوة وأحس وكانه بدأ يختنق بفعل الرطوبة العالية والرائحة الكريهة. بدت الدهاليز المظلمة وعلى جانبيها الأقبية المرعبة كأنها أفواه وحوش جارحة. وتكاثف الظلام حتى لم يعد بوسعه أن يبصر موضع قدميه لولا ضوء السراج الخافت الذي حمله الحارس. وشيئاً فشيئاً بدأت أسباب الخوف تتعاظم من حوله، صراخ يصك الآذان، تأوهات وحشرجات متقطعة، أصوات السلاسل والقيود يزف بها السجناء، مخيف مرعب، جنوني، كلمات أصبحت بالنسبة اليه خاوية لايمكنها إستيعاب هذا العالم، عالم السجن والأقبية السوداء. وعند باب خشبي تراكمت عليها الأوساخ توقف الحارس، عالج الباب بمفتاح من مفاتيحه الكثيرة ثم ركله بقدمه فأطلق الباب صريراً قوياً كأنه صيحة ألم ثم توقف وأشار بيده، تناول الرجل السراج وراح يهبط درجات السلم الى حيث ترك الرجل العجوز مكبلاً في طامورة عميقة. مدينة سامراء حديقة غناء واسعة، مناظرها الجميلة تسحر العيون وتشيع في نفوس الزائرين والغرباء أنساً وبهجة خاصين. أما أهلها فلم يعودوا يأبهوا لذلك وكأنهم قد فقدوا الحاسة التي تتذوق الجمال. لقد إستيقظت لديهم حاسة اخرى فهي تعيش الإستنفار ليل نهار، تلك هي غريزة الخوف والرعب. الحكومة العباسية في عهد المعتصم إلتزمت السياسة العباسية التقليدية التي تؤاخذ على الظنة والتهمة والتنور الذي إستحدثته الزيات وزير المعتصم أسلوباً لمحاورة معارضي الخليفة، صورة مصغرة على المدى الذي بلغه الارهاب والبطش آنذاك. ولكن رغم كل ذلك أتمتد أياديهم القاسية لهذا الشيخ الضعيف المتهالك وبأي جريرة؟ كل هذا دار برأسه وهو يتطلع الى الرجل العجوز المكبل أمامه. وأخيراً خشي أن يمر الوقت دون أن يقف على أمره فمد يده يلامس كتفه برفق وقال: صحيح ما يقال إنك تدعي النبوة؟ صرف الشيخ وجهه وقد طافت سحابة من الألم على قسماته ثم أجاب: آه أسف على بعض الناس البسطاء، إنهم يصدقون ما يشاع بتثبت! تعني أن القصة مفتعلة؟؟ هزّ الشيخ رأسه وأجاب دون أن يخرج عن هدوءه: أجل أجل يابني! قال الرجل مع نفسه: ترى ما شأن هذا العجوز؟ ولم يقاد الى السجن؟ وعلام يرمى بهذه التهمة؟ أمسك بيد الشيخ وقال كالمتوسل: يعنيني أن أعرف لماذا اذن ألقوا بك في السجن؟ تنفس الشيخ بعمق كمن يستعد لحمل ثقل باهض وأجاب: هه كل مافي الأمر يابني إنني تحدثت بفضيلة لوريث البيت النبوي، الجواد من آل البيت عليهم السلام! وما علاقة هذا الأمر بإدعاء النبوة؟ تغيرت لهجة الشيخ وأجاب بإنفعال ظاهر: قلت إنني لم أدعي النبوة، ذلك كذب، كذب وإفتراء!! وأطلق زفرة نارية ثم تكلم بلهجة أقل توتراً فقال: المشكلة أن كلامي بلغ مسامع الوزير محمد بن عبد الملك الزيات فأمر بإلقاء القبض عليّ زاعماً أنني مدعي للنبوة! يكفي يكفي! فلنذهب. هتف حارس السجن وتناول السراج من الرجل وهو يستدير للخروج. وبصوت يلفه الألم قال الرجل وهو يودع الشيخ: لن أدخر جهداً في سبيل إطلاق سراحك!! وما عساي أن أفعل أكثر مما فعلت؟ لأنتظر صاحبي، أليس بالأمر العسير عليّ وهو يحفى بتلك المنزلة في قصر الخليفة أن يسعى في أمري لدى الوزير؟ ولكن الأيام تمر ولاجواب على كتابي! من؟ من يكون؟ أجل أجل ها أنا قادم! طلعت عند الباب صورة فارس شاب، آثار التعب ووعثاء الطريق البادي على معالم وجهه تنبأ أنه وصل للتو واللحظة من مكان بعيد. السلام عليكم، أليست هذه دار علي بن خالد؟ وعليكم السلام ورحمة الله. أجل أجل تفضل تفضل أشكرك، لقد حملت اليك هذا الكتاب من بغداد. كتاب؟ كتاب؟ شكراً لك ولكن ألا تتفضل قليلاً؟ ينبغي لي أن أذهب فأن هناك عملاً عاجلاً ينتظرني. ودع الشاب ثم فض الرسالة بسرعة وإرتباك ولشد ما هاله أن الوزير نفسه يتولى الرد عليه، ولكن رسالة الوزير لم تكن أكثر من سطر ساخر يقول فيه: إن كان الرجل الذي يتحدث الشيخ بفضائله قادراً على إنقاذ صاحبه فليفعل!! وهل كان يعني احداً بكلامه غير الجواد عليه السلام؟ مسح الرجل العرق الذي إنساب على جبهته وأطرق ملياً، ولما عياه التفكير قال مع نفسه: لم يبق لي إلا أن أرى الشيخ ما إستطعت الى ذلك سبيلاً. يعلمه على الأقل أنني وفيت بما قطعته على نفسي بالسعي من أجل خلاصه. أغلق الباب خلفه وأخف السير صوب السجن. إن إيداع الشيخ السجن بعد إطلاق إشاعة النبوة لم تكن إلا محاولة للتغطية على مآثر الجواد التي راحت تتناقلها الناس. وليس هناك من شيء تخافه السلطة الحاكمة كخوفها من وعي الناس بمكانة أئمة الهدى وبالتالي إلتفافهم حولهم. أجل ولولا المشهد المخيف الذي سد الطريق أمامه لتمادت خواطره وأنسته بغيته، السجن! السجن الذي أصبح يمثل له دهاليز مظلمة وصرخات مرعبة وطوامير كالقبور لايطل منها إلا الكسر وتذكر الشيخ المسكين قابعاً في عمق الظلام الموحش. وردت عنه آهات او كادت ولكن ما هذا؟ ما لهؤلاء الحرس في حركة دائبة يتراكضون في كل إتجاه؟ ما الذي حدث؟ لكأن الرجل قد حلق في السماء!! بل قل ربما غار في الأرض! دنا من الحارسين المتحاورين الواقفين عند بوابة السجن وقال بوجل: هل لي أن أسأل عمّ تتحدثان؟ أجابه أحد الحارسين بغير كثير إكتراث: لقد هرب احد السجناء ياصاحبي! وكيف؟؟ وهل يهمك الأمر؟ إنني نفسي لم أره إلا مرة واحدة! قال الحارس الثاني بتعاطف: لقد كان رجلاً شامياً مسناً. لعلكما تعنيان ذلك الشيخ المخرف الذي يزعم أنه نبي؟ أجل أجل هو بعينه! إنسحب الرجل بهدوء وهو يدافع موجة فرح غمرته ويقاوم صرخة مدوية كادت تفلت منه، إنه تحدي الحق، إنها فضيلة أخرى! حريم الشهداء - 15 2015-04-18 09:26:58 2015-04-18 09:26:58 http://arabic.irib.ir/programs/item/11923 http://arabic.irib.ir/programs/item/11923 لو أن هذه المحاولة فشلت هي الأخرى لبقي يحاول ويحاول حتى يصل الى مرامه ولكن أتكون نتيجة مسعاه الجديد الخيبة حقاً، لايدري لم لايفكر الخليفة مثل ما يفكر هو؟ أتراه أبعد نظراً عندما يخشى عواقب الإقدام على مثل هذه الخطوة؟ إنه لايعلم مدى خطورة بقاء هذا الشبح! صرخ بأعلى صوته بالعبارة الأخيرة ثم عاد يناجي نفسه: شبح؟ أجننت؟ كلا إنه كابوس، كابوس مرعب يؤرق ليلي ويوزعني في يقظتي ونومي!! لاأدري أمجانين هؤلاء الناس؟ ما الذي يجدونه في التردد على هذا الرمس؟ وماهي الفائدة التي يجنونها من زيارة هذه الأطلال والتمسح بها؟ اللعنة اللعنة! كل يوم لهم معه شأن آخر، كل يوم يلبسونه ثوباً جديداً، يوم للزيارة ويوم لإحياء الذكرى وثالث لاأدري لمن؟؟ ولاأدري رابع يكون للمؤامرة وعصيان الخليفة! أجل وهل اليوم سليمان بن صرد وأصحابه التوابين عنا ببعيد. أطلق الرجل زفرة عميقة وأردف: وغيرهم وغيرهم كثير. ثم صرخ: لا لابد أن يزول، لابد أن يمحى أثره، لابد أن يندرس!! طرق الباب طرقتين هادئتين إلتفت الوالي صوب الباب وقد أستثيرت أعصابه بقوة فقال بعقل نصف مشلول وصوت شبه مبحوح: من؟؟ جاءه صوت حاجبه ليعيد اليه بعض الإطمئنان: انا ياسيدي! أنت يازرارة؟ أدخل أدخل! هذا كتاب الخليفة وصل للتو على البريد. كتاب الخليفة؟ أليّ به! فض الكتاب وبدأ يقرأ على عجل. وشيئاً فشيئاً راح ملامحه تنبسط وتنبسط حتى أطلق ضحكة عالية ذهل لها الحاجب!! مدينة الكوفة تسبح بأشعة شمس الصيف الحارة وأزقة المدينة الضيقة والملتوية خاوية عدا أشخاص قليلون يمرون على عجل عائدين الى بيوتهم للإحتماء بها من شدة الحر. وفي احدى الأزقة العريضة نسبياً كان هناك شيخ كبير تبدو عليه شمائل النبل والشرف يمر على حمار أبيض، ملامح وجهه المتقبضة تشير الى أن لديه باحة زهو على ترك ظل بيته الوارف واستقبال لفح حرارة الشمس اللاهبة، حوافر حماره النشيط تقرع أرض الأزقة بقوة فيتردد صداها في هدئة تلك الساعة التي يأوب كل شيء على عيشه فيحل الهدوء والسكون. اجل كل شيء هدأ والسلام الى ملجأه غير حمار هذا الشيخ الكوفي، ولعل هذا ما أثار فضول يحيى بن عبد الحميد الحماني ودفعه لأن يفتح نافذته ويتطلع الى هذا الراغب في التجول في هذه الساعة الحارة من النهار وفوجأ: أهذا انت يابن عياش؟ أجل والله! ألا تخرج؟ فعندي ما أريدك من اجله! اغلق يحيى النافذة وخرج لإستقبال صاحبه، أهلاً بك يا أبا بكر، اهلاً بك تفضل تفضل بالدخول! لا لا إن هناك ما يدعوني للذهاب الى قصر الوالي إلا أنني بحاجة الى شاهد. شاهد؟ ليس أيسر من هذا! وسط حديقة غناء متشابكة الأشجار شمخ قصر كبير وجميل. كانت الشمس تسكب أشعتها الذهبية عليه فتكسبه حلة ذهبية قشيبة ولم يكن كل ذلك يستوقف إبن عياش وصاحبه وهما يعبران حديقة الوالي الواسعة الغناء الى قصره المنيف. بل الذي أوقفهما هم رجال الحرس الذين وقفوا عند بوابة القصر الداخلية ولم يدعونهما ينخطونها إلا بعد أن أخضعوهما لتفتيش دقيق. في نهاية غرفة واسعة جلس الوالي على سرير خاص وعلى جانبيه إصطف صفان من المسلحين. اهلاً أهلاً، قام موسى بن عيسى من سريره وهو يردد هاتين الكلمتين وتقدم خطوتين مستقبلاً أبا بكر ثم قاده ليجلسه الى جانبه. إلتفت إبن عياش الى رفيقه يستدنيه اليه فقال الوالي: هذا رجل تكلمنا فيه؟ أومضت عينا أبي بكر ببريق خاص وقال: لا ولكني جئت به شاهداً عليك! رد الوالي كمن فوجئ: في ماذا؟ أصبح صوت الشيخ أكثر عمقاً وهو يقول: لقد لحظت وأنا امر قبل أيام أن جنودك قد أحاطوا بمرقد الحسين بن علي بن فاطمة إبنة رسول الله صلى الله عليه وآله وإنهالوا على زواره بالضرب فيما إنشغل آخرون بحراثة الأرض المحيطة به ولاأدري ما الذي ينوون فعله؟ إنني ما جئت الى هنا إلا من أجل أن أقول لك: إتق الله!! ولاتؤذي رسول الله في سبطه، الأولى بك أن تنهى عن مثل هذا العمل الذي يسخط الباري عزوجل! بأعصاب متوترة وصوت مبحوح صرخ الوالي: كفى كفى وأردف بنبرات عاتية متفرعنة: إنما أمسكت عن إجابة كلامك لأستوفي هذه الحمقة التي ظهرت منك!! وتالله إن بلغني بعد هذا الوقت أنك تحدث بهذا لأضربن عنقك وعنق هذا الذي جئت به شاهداً عليّ !! إجتاحت الشيخ رعشة الغضب فصرخ هو الآخر: أذن يمنعني الله وإياه منك فإني إنما أردت الله بما كلمتك به! صرّ موسى على أسنانه وصرخ بأعلى صوته: أتراجعني يا؟ وراح يردد كلمات فاحشة ثم أطلق صرخة كالعواه: أيها الحارس، أيها الحارس فلتؤدب لي هذا العجوز المخرف وصاحبه ثم لتلقي بهما في السجن حتى يتعفنا فيه على مهل!! هجم أفراد الحرس على الرجلين وسحبوهما سحباً ثم طرحوهما في باحة القصر وإنهالوا عليهما ضرباً وركلاً حتى فقدا الوعي تماماً. بعد ذلك حملوهما الى السجن ورجلاهما تخطان الأرض! كان خامس خلفاء بني العباس هارون طاغية متجبرة فبدلاً من أن يستشعر روح الشكر والطاعة والإنقياد لخالقه الذي أتاح له الإمساك بمفاتيح الدنيا العريضة ونعم وخيرات لاحدود لها إنتفخ وتجبر وظلم وتبجح وهو يرمق السماء بطرفه ويقول: أينما تنظرين فإليّ خراجك!! إنه يتطلع بإستمرار لشيء رسمه في ذهنه ثم يشبه بأنفه خارطة تمتطت على مساحة شاسعة من الأرض فاتحة ذراعيها من مناطق جنوب شرق آسيا الممطرة وحتى مجاهل أفريقيا ومن هضاب جنوب أوربا الخضراء الممرعة حتى سواحل المحيطات والخلجان في آسيا وأفريقيا. إمبراطورية مترامية الأطراف تزاحم فيها ملايين الناس بمختلف الألوان والأعراق ولكن اين من اين؟ بعض يعيش في قصور أسطورية مزينة بأنواع الرخام ومجهزة بالأواني الذهبية والفضية ويقف فيها آلاف العبيد والجواري على اهبة الاستعداد لخدمته والترفيه عنه وبعض آخر يضع على كاهله اللباس البالي ويجهد من الصباح حتى المساء سعياً للحصول على لقمة العيش ومع كل هذا الشقاء فهو لايأمن لحظة أن تنهال عليه أصوات الولاة واعوانهم الجفاة. أجل عصر ذهبي كما يقولون ولم لا! وهل هناك أكثر بريقاً ولمعاناً من بريق الذهب الذي يزين به جواري الخليفة صدورهن ومعاصمهن؟ وهاهم المخلصون، حملة راية الاصلاح وإعادة المسيرة الى جادتها المحمدية الأصيلة يتهاوون الواحد تلو الآخر بسيوف البطش والارهاب ويقمعون ويسحقون وينكل بهم أشد تنكيل ليكونوا عبرة لكل الأحرار والثوار وطلاب الحق والعدل. وهاهم اعوان الظلمة والجلادون يصنعون في كل يوم مأساة مروعة يرممون بها كرسي الجلاد من جماجم الصالحين والمخلصين. وكان هؤلاء الجناة يتخيرون من بين أفراد البطالة كولاة على الأقاليم ليكونوا أقدر على كم أفواه المظلومين وتلجيمها وإسكات صرخات الأحرار والولوغ في دماء المجاهدين. ولهم بعد ذلك أن تملأ جيوبهم مالاً وأن يدخل احدهم متى شاء على الخليفة ليقول له: أوق الركاب فضة او ذهبا. وموسى بن عيسى والي الكوفة أحد هذه النماذج المريضة الذي لم يضع فرصة تواتيه للتنكيل بأنصار البيت النبوي وقتلهم او ملاحقتهم وإلقاءهم في الطوامير المظلمة حتى يلاقوا حتفهم بأسوء حال. وشد ما يغيظه أن يرى هذا الإقبال المنقطع النظير على زيارة مرقد سبط الرسول وريحانته الحسين بن علي عليه السلام. لقد أصبح ذلك المرقد بالنسبة اليه كابوساً لايفكر إلا بالخلاص منه ولم تكن أحقاد الرجل الشخصية هي الوحيدة التي تسول له التفكير بالعدوان على الحرم الحسيني وإنتهاك قدسيته وتخريبه بل أنه أصبح يرى فيه مركزاً وقاعدة إنطلاق أنصار البيت النبوي. وكان للإجراءات الشائنة التي إتخذها عقب تلقيه الاشارة الخضراء من العاصمة العباسية ما أثار الغالبية الساحقة من المسلمين وحتى اولئك المسلمين غير المنضوين تحت لواء الزعامة الربانية لأهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله. أعلنوا عن إدانتهم ورفضهم وسخطهم بل ومعارضتهم الصريحة لتلك الإجراءات. وأبو بكر بن عياش هو واحد من هؤلاء المسلمين الذين لم يسوغ له دينه وضميره السكوت وهو يشهد مثوى إبن نبيه ينتهك ويعتدى عليه!! الطامورة مظلمة وحالكة الظلام والليل موصول بالنهار فلاتعرف الساعة من الليل هي أم من النهار. اللحظة الوحيدة الخاطفة التي يرى فيها السجناء بعضهم البعض ويرون انفسهم ويصدقون أنه لايزال هناك خيط رفيع يمتد بين عالمهم وعالم الحياء هي تلك اللحظة التي يفتح فيها السجان باب الطامورة ليدفع صحناً قذراً فيه شيء من كسيرات خبز وإناء من الماء العكر. وعند ذاك تضيء رشحة من الضوء داخل الطامورة تنيرها ثواني معدودة ثم تعود الطامورة تسبح في الظلام من جديد. وهذه الجدران الميتة الكئيبة هي الأخرى تدب فيها الحياة وتنطق بالألم لحظة الانارة تلك. إنها تحطي قصة العذاب الطويل التي تبدأ بظلمة الطامورة وتنتهي بها بعد أن تتحول تلك الطوامير الى قبور لروادها. اجل إنها قصة روتها بصدق سطور خطها السجناء بأظفارهم الطويلة وغفلوا او تعمدوا أن لايذكروا لها تاريخاً. وفي عمق الظلام في تلك الطامورة الموحشة حيث يرقد الشيخ وصاحبه توغل الذئاب فجأة فرفعا رأسيهما ليشاهدا وجهاً تضيئه الابتسامة، وجهاً لم يروه من قبل يطل من بوابة الطامورة وهو يقول: أخرجا لقد أهلك الله عدوكما! وسرعان ما ترصعت كريمة الشيخ بقطرات الدموع وإلتفت الى صاحبه قائلاً: أتذكر ما ردده به يوم هددني وإياك بالقتل؟ العقاب - 14 2015-04-15 09:45:25 2015-04-15 09:45:25 http://arabic.irib.ir/programs/item/11920 http://arabic.irib.ir/programs/item/11920 كل شيء راح ينقلب ويخرج عن طوره، السماء تفتح أبوابها بماء اسطوري منهمر، الأرض تفغر أفواهاً لاتحصى، نافورات خرافية، الرياح تعصف بقوة خيالية والرعد يقصف ويزمجر. كل شيء وكل شيء يدمر ويتمرد وكأنه ذات ارادة علوية قاطعة قررت وضع نهاية شاملة مروعة للكون. الكثير من الكائنات البشرية التي أصبحت نقاط وهمية في هذا البحر الطامي الذي غطى كل شيء في دقائق معدودة إنهارت وإستسلمت للطوفان بعد أن صرعته طويلاً، القليل منها راح يتسلق سفوح الجبال ساعياً أن يجد في ذلك ملاذاً له. لم تكن هناك فرصة للتفكير ومحاولة إدراك كل ما يحدث، كل ما بدا لأول وهلة أن هناك عملية إنتحار جماعية شاملة، عملية وأد مروعة تقوم بها الطبيعة لأبناءها. أشياء كثيرة راحت تطفو ثم تغطس، تظهر فوق سطح الماء قليلاً ثم يغيبها الموج. ومن بعيد، بعيد جداً بدا شيء كبير ظل صامداً يلازم الأمواج دون أن يبدو عليه أنه سيتنازل وظل يكبر ويكبر كلما تقدم وهو يجري في موج كالجبال. وشيئاً فشيئاً بدت معالمه تتوضح وتتبين، كانت هناك سفينة ضخمة على مدى البصر تسير ببطئ متمايلة مترنحة ومن على سطحها أطلت رؤوس بشرية ومن وراءها حيوانات وأشجار. أنها سفينة غريبة بل قل إنها رحلة عجيبة حقاً، من أي عالم إنبعثت هذه السفينة؟ وما معنى وجود كل هذه الكائنات الحية على ظهرها؟ هل أن ركابها قرروا وهم يشدوا رحال السفر الإحتفاظ بذكرى عن عالمهم البعيد؟ أم أنهم أحسوا الخطر المحدق وحدسوا أن هناك تدميراً ماحقاً وشيكاً فأرادوا إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ ولكن من أين لهم أن يعرفوا ذلك؟ وأنى؟ أتراهم الذين خططوا لإفناء الحياة وبهذا الشكل المريع؟ ثم ركبوا سفينتهم للهروب من وجه الفناء؟ أم أن وراء ذلك ما وراءه؟ ظهور هذه السفينة العملاقة وسط ذلك المحيط المائي الذي لاحدود له أثار سؤالاً كبيراً وكبيراً، ترى هل أن هذا الانقلاب الشامل ثورة عفوية جامحة لعناصر الطبيعة أم أنه ثورة مدبرة وهادفة؟ وهل أن عندما يزهق الطوفان أرواح الموجودات على وجه الأرض سينجو ركاب هذه السفينة المتأرجحة بين السماء والأرض أم أن ذلك لون من العبث يحلو للطبيعة او للأقدار ممارسته متى عم له ذلك أم أن هناك حملة تطهير شاملة تجري بحساب وتدبير مسبق ومتقن؟ ألواح خشب مختلفة الأشكال والأحجام موزعة هنا وهناك وحفرة ليست بعميقة ممتلئة بمادة دهنية كالقطران. مطارق من الخشب والحجر وأشياء عديدة اخرى متناثرة حوله وهو ينكب بنشاط وجد وحرص على عمله، رجل ضخم البنيان، نافذ النظرات، ذو طلعة بهية ومهيبة. بدا منهمكاً في عمله ولم يسمع منه إلا رداً واحداً على المارة الذين راحوا يتهكمون ساخرين من عمله وجدواه. قال أحدهم: ههه ههه وأخيراً أصبحت نجاراً ههههه يبدو أخيراً أنك إقتنعت أن لافائدة من النبوة؟؟ أجل أجل أنه عمل لاطائل من وراءه، اللهم إلا الأتعاب والمشاكل. لاعيب في ذلك، لاعيب!! أبداً! كثير من الناس يلجأون الى تغيير مهنهم عندما يفشلون في تحقيق نجاح ما! بدأ الثاني من حيث إنتهى صاحبه قائلاً: هذا اذا وفق في مهنته الجديدة، ولاأراه كذلك ولاأرى من يبتاع منه هذه السفينة؟ وما عساه أن ينتفع بها في هذه الأرض اليابسة؟ أمسك الثالث بطرف الحديث مقترحاً: أرى أن تكون عشرة من الثيران القوية وهي تتكفل له بإيصالها الى الماء! كان الرجل يرد بكلام واحد وهو منصرف الى عمله دون أن يلقي عليهم نظرة واحدة او يعيرهم أدنى إهتمام. "إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون". أطلق نظرة عميقة محاولاً الإنصراف لمتابعة شريط الذكريات الذي وجده ليطوقه بقوة، أمسك بحافة السفينة، ركز نظره في أعماق المياه بيد أن عينيه سرعان ما سرحتا الى بعيد "إني لكم نذير مبين ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم". تقدم أحد من بين الحشد الذي إستيقظ في خياله وقال: "ما ذاك إلا بشراً مثلنا وما نراك إتبعك إلا الذين هم أراذلنا وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين". إبتسم الرجل بمرارة وهو يطرق الى الأرض ثم رفع رأسه وقال: أرأيتم إن كنتم على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده عميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون". ثم تابعوه وهو يجيل فيهم نظرات قوية وثابة "لاأقول لكم عندي خزائن الله ولاأعلم الغيب ولاأقول إني ملك ولاأقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيراً الله أعلم بما في أنفسهم إني اذن لمن الظالمين". صاح رجل بصوت مبحوح: "يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فإتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين". إلتفت الى القائل ونطق بلهجة تحذير واضحة "إن ما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين". إبتعد الرجل عن حافة السفينة بعد أن مسح أهدابه المبتلة بالدموع عازماً للمرة الأخيرة على غلق ملف ذكرياته المرة. لازالت السفينة تسير متأرجحة وما فتأت الأمواج العنيفة تضرب جوابها بقوة وعناء وغير أصوات مختلطة لحيوانات مختلفة ومتنوعة لايكاد يبين صوت عن آخر. كان الركاب يجلسون بطمأنينة وثقة، وجوههم تفيض بإشراقة الايمان والسعادة لأنهم يعيشون بمعزل عن هذا العالم المضطرب المرعب. أجل كل شيء في هذا العالم يعيش الفوضى والإرتباك بل والإنهيار. وعندما تهتز الحياة بمثل هذه الهزة ليست الطبيعة وحدها التي تهتز وتتزلزل بل إن الزلزال سيمتد الى جميع مرافقها ومناحيها، زلزال نفسي، عقائدي، اجتماعي فردي. زلزال، زلزال الى ما لانهاية له. بيد أن هذه الثلة المؤمنة، هذا المجتمع الصغير الذي يحاصره هذا المحيط الكبير المتلاطم يعيش حالة الاستقرار النفسي، حالة من سكينة مركوسة القلب وكالطالب الذي غادر قاعة الامتحان الصعب وهو واثق من النجاح الباهر. كان الجميع ينظر الى ما حوله برضى وتفاؤل. ولكن التجربة الجديدة المنتظرة لم تكن لتغيب عن الأذهان! أجل سيعودون الى الأرض بعد أن ولدوا من رحم الموت. سيبدأون الحياة كرواد اوائل على الطريق الطويل الطويل. قال أحدهم وهو يتوسط حلقة من أصحابه: ترى كيف سنواجه الحياة على أرض خالية؟ إنني أعتقد أنه لأمر صعب غاية في الصعوبة! أجابه الآخر: أوتعتقد أن مثل هذا الأمر يعزب عن علم الله وتدركه عقولنا؟ وإبتسم وهو يضيف: هون عليكم ياأخاه! وتابع أخاه: على خلاف ما تراه ستجد أن الحياة قد غدت سهلة يسيرة! أجل فعندما نجتث النباتات الضارة من حقولنا وعندما نميط الأذى عن طريقنا وعندما نمحي كل أمر ضار وفاسد من حياتنا فإنها ستزدهر وتنمو سريعاً لأنها لاتجد مقاومة. هنا تخوض صراعاً! وتوقف قليلاً وهو يتطلع الى الأفق البعيد كأنه يحاول قراءة صفحة الغيب وقال: أه إنها حياة سنحسد عليها، وكيف لاتكون كذلك؟ حياة تخلو من الظلم والتعدي، تختفي منها شوائب القهر والإضطهاد، تسلم من العتو والعلو والتسلط، حياة يشيع فيها الأخاء والصفاء، يعمها العدل والمساواة، تشرق في ربوعها شمس الحرية والكرامة. ثم توقف من جديد وأضاف: وليس لنا يا أخاه أن نحار او نخاف ونحن نسير في هدى السماء! أقلعت السماء عن المطر وأطل الركاب السفينة، سكان هذه الجزيرة المتحركة، هذا الجزء المعمور من دون اجزاء الأرض. أطلوا دفعة واحدة وكأنهم على موعد مع حدث هام ورويداً رويداً بدأت تتشكل على البعد أشبه بالسفينة الصغيرة الطافية على سطح الماء. وشد هذا المشهد ركاب السفينة، ما هذا؟ أيمكن أن تكون سفينة أخرى مثل سفينتهم؟ أما نوح فقد تلألأ وجهه بشرى وحبوراً. وإقتربت السفينة الصغيرة او إقتربت السفينة الكبيرة منها ولكن لن تكن هناك أي سفينة اخرى على الإطلاق! تطاولت الأعناق أكثر وأكثر وتعلقت العيون في البقعة الصغيرة التي لم تكن إلا قطعة صغيرة من الأرض. أجل من الأرض وتباشر الجميع وتصاعدت كلمات الشكر وتنهدات الإرتياح. وإرتفع صوت أحد الرجال متسائلاً: أفي شرق الأرض نحن أم في غربها؟ رد عليه الآخر قائلاً: يقول النبي نحن فوق قمة الجبل الجودي من أرض نينوى! تعالت صيحات التعجب غير أن صوتاً عالياً عميقاً كأنما إنشقت عنه أستار الغيب راح يدوي "يانوح إهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يسمهم منا عذاب أليم". خشعت القلوب لجلالة هذه الكلمات وإبتلت الأهداب بالدموع وغيض الماء وإنحسر عن بقع أرضية صغيرة هنا وهناك. وهبط عباد الله الصالحون من السفينة يتقدمهم نوح وإنتهت الرحلة بسلام. كان الفرح يغمر الجميع ولكنه فرح من نوع آخر. سلام عليكم، سلام عليكم، سلام عليكم، سلام عليكم. كانوا يتبادلون هاتين الكلمتين وكأنهم يتبادلون بشارة كبيرة. وكيف لا وإنها نتيجة الامتحان الرباني بالفلاح والقبول. وكان نوح يحدق في الأرض التي طهرها الله من ثقل الآثام والأوزار البشرية، عقم أجواءها من الأنفاس المريضة وقد إستغرقه التفكير. ترى أيكون هذا الطوفان هو الأخير أم أن الأرض بحاجة الى حملة تطهير شاملة اخرى. للحق قوة - 13 2015-04-12 09:55:32 2015-04-12 09:55:32 http://arabic.irib.ir/programs/item/11919 http://arabic.irib.ir/programs/item/11919 يا أمير المؤمنين، يا امير المؤمنين لقد أصبح الرجل حديث الناس. لاهم لهم إلا قال أبن الرضا وفعل الحسن بن علي! هه هه لاأدري كيف تأمنه وهو على ما ترى من ميل الناس اليه؟ ألا تخشى من وثوبه عليك؟ بلع الرجل ريقه وأردف قائلاً: لاأخفيك ياسيدي أنني ربما علمت من إخواننا وذوي قرابتنا تخوفهم من نتائج هذه السياسة. إنهم يقولون إننا وضعنا ثقتنا في المعتمد وقلنا إنه سيلزم نهج أبيه إزاء أهل هذا البيت إلا أنه خيب آمالنا! تكدرت ملامح الخليفة وقال بنفاد صبر: يابني العباس، يا اخوتي، يا أهلي قولوا ماذا أفعل؟ ألم أحمل الرجل الى السجن؟ ألم أوصي علياً بن جرير بالتضييق عليه؟ هه هه ولكن ماذا أفعل؟ جاءني إبن جرير يوماً وقال: يا امير المؤمنين إنك أنزلت إبن الرضا في سجن، أرصت عليه ووضعت عليه الرقباء فلم أسمع منه إلا الخير! وما رأيته نهاراً إلا صائماً ولا ليلاً إلا قائماً! وأني اخشى يا أمير المؤمنين أن ينظر بعض رجالك وأنصارك الى صلاحه فيلزموه واخشى إن طال حبسه أن يقول فيك الناس ما يقولون!! وهكذا رأيتني مضطراً لأن أأمر بإطلاق سراحه! إسمع مني يا أمير المؤمنين إن سلطانك أعزه الله أصبح مرهوباً وليس هنالك اليوم من يجرأ عليك بكلام. إني أرى أن تسلم الرجل لصالح بن وصيف فهو احرى بتدبر أمره. لامانع لدي، أبلغ عني إبن وصيف أنني أأمره بحمل الحسن بن علي الى السجن وتوفير أشد رجاله به! إبتسم الرجل إبتسامة الرضا وفاه ببعض كلمات تعين الخليفة من آفة الأبدان وآفات السلطان وتدعو له بالسلامة على كل حال وشأن ثم إنحنى وإنسل خارجاً. توالت الصرخات القوية مزيجاً من الألم والرعب ورددت في السجن في جوف الظلام الحالك صداها المفزع، وعلى جانبي ممر طويل فغرت الزنزانات أفواهها وراحت تلك الصرخات الممقوتة مقرونة بأصوات السياط وهي تمزق الأجساد البشرية كوحوش كاسرة إستبد بها الجوع. ومع تزايد وقع أقدام الحرس جيئة وذهاباً يتفاقم الاحساس بمشاعر مقتضبة لايخال لحظة أن الجيوش المغولية الكاسحة تغول على كل شيء فتدمره. ومن بعيد ومن نهاية الممر الطويل ما فتأت تسمع ضحكات هستيرية، ضحكات وحشية وقحة تهزأ بالصراخ وتسخر بآلام الناس وعذاباتهم. إقترب مصدر الصوت أكثر وأكثر وتحول الضحك المفتعل الى شبه خوار متقطع، كان هناك رجلان من رجال الحرس يتقدمان في الممر الطويل وبين لحظة واخرى كانا يتوقفان أمام أحدى الزنزانات، تقدم أحدهما مشيراً الى احد السجناء وقال: ههه ههه اليك هذا ثور ههه ههه ثور من غير قرون!! لا لا لا إنك تظلمه وهل رأيت ثوراً بهذه اللحية الجيدة التشذيذ؟ اذن نقول تيس معز! كلا كلا ولا هذا. ولكن ماهو؟؟ وكيف يخفى عليك؟ أنظر أنظر، تماماً إنه قرد! قرد قد اعاره الشيطان لحيته!! إنفجر الأول ضاحكاً فيما واصل الثاني كلامه بنحو آخر: كفى كفى هذا لايجوز أبداً. اهاب أن أحداً تعثر به الحظ فهل لك أن تنكل به الى هذا الحد؟ الرجل كاد أن يكون في يوم ما خليفة ولكن رجال أمير المؤمنين لم يخلوه، حسبنا ما يجد بيننا من حفاوة ولعله يعدنا من أفراد رعيته. ياعلقمة وأنت ياسليم، الأمير يدعوكما اليه! ها ماذا؟ نادى؟ الأمير ماذا يريد ياترى؟؟ دعنا نذهب وإلا عده الأمير تهاوناً في أمره! هه هه وعند ذاك فلاعجب أن ينزلنا مقصورة مريحة في هذا القصر الكبير!! إنني ما بعثت وراءكما إلا لأمر هام داهمنا! إننا طوع إرادتك يا أمير، سمعاً وطاعة يامولاي! إنني أقدر صدق خدمتكما وإخلاصكما، وإنني ما إصطفيتكما وإلا وأنا عالم بذلك! وواصل صالح بن وصيف كلامه دون أن يتيح لصاحبيه فرصة رد: إن الخليفة بعث اليّ برسول آنفاً يحبرني فيه بلزوم حبس أحد أعداءه ويؤكد بوجوب تسليمه خيرة رجالي، وقد رأيت أن أكلفكما هذه المهمة. نحن طوع بنانك ياأمير!! سمعاً وطاعة ياسيدي!! أحسنتما، إني باعث بكتيبة من الفرسان الى بيت الرجل فإذا حضر عليكما به، ضيقا عليه، أنزلاه أشد الطوامير ظلمة وضيقة وأسمعاه كل قبيح ! أوعيتما ما أقول؟ أجل ياأمير ولن نطعمه إلا الجشب من الطعام والأجاج من الماء! أوتحسب أنه يلقي بالاً لذلك؟ ولم لا ياسيدي؟ إنكما لاتعرفاه إنه ... دعكما الآن من ذلك وإهتما بما أوصيكما به ! سمعاً وطاعة ياأمير! سمعاً وطاعة ياسيدي! هناك أمر بالغ الأهمية، اذا بلغني أنكما تماهلتما به او صدر عنكما أي تقصير بشأنه فسوف يكون حسابكما شديداً عندي. إننا عند حسن ظن مولاي فليأمر الأمير بما يشاء، إننا رهن إشارته! ينبغي أن تعرفا أن هذا الرجل يشكل خطراً على الخليفة ولايؤمن أن يكون له أتباع او أنصار لذلك يجب أن تكونا حذرين من أن يصل اليه أحد. لاأراكما تغفلان عن مراقبته ساعة كما لاأذن لكم بإيكال أمره الى احد غيركما! سمعاً وطاعة ياسيدي! سمعاً وطاعة ياأمير! ههه خذ هذا لك ياعلقمة! وهذا لك ياسليم!! لك الفضل يامولاي شكراً ياأمير! تستطيعا الآن الانصراف!! ها كيف وجدته؟ إنه يقرأ القرآن! هه هه يصلي، يقرأ القرآن! ألا يفرغ هذا الرجل من عبادته؟ لاأدري! اذا كان هذا ديدنه فكيف لنا أن نصدع بأمر الأمير ومتى؟؟ لنلعن هذا الحظ البائس الذي ساق لنا هذه المشكلة! الحق ياحنظلة أني أشعر، لاأدري كأني أضطرب، أضطرب كلما دخلت عليه!! ههه وهل حسبت أنني أحسن حظاً؟ وأنت كذلك؟ ياصاحبي أحس برجلي وقد خارتا، خشيت أن يخونانني فلا يقويان على حملي! آه عجباً كأنك تصف عين ما حصل لي! لاأدري لاأدري ما أقول!! إن عينيه تشعان بوهج عجيب، شعاع لايقاوم! حزمة من وميض تنفذ الى القلب فيضطرب! وتصافح العيون فتختلج! بل لاأقول إني وجدت جسمي يرتجف كما لو أنه صعق! ها أنني رأيت أميرنا مرتبكاً متخاذلاً كما لو أنه صعق هو الآخر ايضاً! أحقاً تقول؟ أجل والله! وأزيدك أنني سمعته يحدث الرجل فيقول مخاطباً إياه في تواضع يابن رسول الله!! ها وهل هو حقاً من احفاد رسول الله صلى الله عليه وآله؟ لاأدري! غير أني رأيت وأنا في طريقي الى هنا حشداً من الناس وهم يستمعون الى من يخبرهم بأن الشرطة إقتادت الى السجن ابن رسول الله!! إبن الرضا، الحسن بن علي!! إبن الرضا؟ لقد سمعت به كثيراً وأنه لجدير بأن يكون من هذه الشجرة الطاهرة! ولكأني ما سمعت أحداً إلا ذكره بالخير والفضل. اذن ها نحن أصبحنا حرباً لرسول الله، أعاذنا الله من ذلك! وكيف يعيذنا ياصاحبي؟ الحق أني كثيراً ما فكرت مع نفسي وقلت تعساً لي، لم أجد لي عملاً آخر أطعم منه أسرتي إلا هذا العمل! لماذا إخترت سبيل إيذاء الناس وإيلامهم؟ لماذا أمضغ هذا الرغيف المعجون بدماء الآخرين ودموعهم؟ لماذا اتنفس دائماً هذا الهواء المحتقن المشحون بالزفرات والآهات؟ لماذا لماذا؟ لماذا لاأستنشق كباقي الناس الهواء الطلق الممزوج بعبير الحرية؟ لماذا كتبت على نفسي العيش بين جدران أربع سجيناً مع السجناء أصبح وأمسي وليس لي نصيب من الحياة، من التمتع بالشمس، من النظر الى الحدائق، الى الحقول، من النظر الى الدنيا العريضة إلا ما للمسافر او الضيف الذي يتأمل الأشياء بعينيه ولايقرب منها؟ أسكت يارجل، إنك لتدمي قلبي! ولماذا أسكت؟ لا لا أسكت، اذا كنت حرمت نصيبي من الحياة الكريمة، اذا كنت أضعت شطراً كبيراً من سني حياتي سدى، اذا كان عمري مرتعاً للشيطان فلماذا تريدني أن اهدر الباقي من هذه السنين؟ لماذا تريديني أن أهدر هذا الباقي من الصبابة من العمر في اللاشيء؟ لماذا؟ لماذا تريد حرماني؟ لماذا؟ لماذا ياإلهي؟؟ اللهم إني أتوب اليك، اللهم أني أتوب اليك. كان الرجل يتحدث بحرقة ولوعة وصاحبه يصغي اليه بكل جوارحه ودموعه تنسكب بغزارة حتى اذا ما سكت قام اليه وإحتضنه وإنخرطا في نوبة بكاء عنيفة!! يقولون إن إبن الرضا يعيش في السجن وكأنه يعيش في بيته، صحيح ما يقولون يابن وصيف؟ لمح السماء بطرفه وقد حجبت الشمس ظلة سوداء وقال: إنني أحمد لك حرصك على سلطان أمير المؤمنين وأحفظ لك منزلتك وقرابتك منه ولكني أسئلك يا أبا عبد الله أريئتني مقصراً في أمر الخليفة؟ حاشاك ياصالح حاشاك ولكني أعجب من أمر الحسن بن علي في سجنك. ما أصنع به؟ وقد وكلت به رجلين هما شر من قدرت عليه!! لقد صار من العبادة والصلاة الى امر عظيم. ياغلام ياغلام!! أجل أجل ياسيدي ! إذهب ويحك ونادي الرجلين اللذين أوكلتهما بإبن الرضا. ويحكما، ما شأنكما في أمر هذا الرجل؟ مانقول في رجل يصوم نهاره ويقوم ليله كله، لايتكلم ولايتشاغل بغير العبادة. فإذا نظر الينا إرتعدت فرائصنا وداخلنا ما لانسبقه من انفسنا! صرف إبن وصيف الرجلين وكأنما خشي من نفسه أن يقع تحت تأثير حديثهما. أما ضيفه فبهت ثم لملم ثيابه وخرج يجر أذيال الخزي. وإنزاحت الظلة السوداء عن الشمس وتلئلئت السماء وأشرقت الأرض وزهت كأنما بعثت الحياة في كل جزء من اجزاءها. الجنة الدائمة والجنة الفانية - 12 2015-04-11 09:46:55 2015-04-11 09:46:55 http://arabic.irib.ir/programs/item/11918 http://arabic.irib.ir/programs/item/11918 إصطبغ كل شيء بلون الليل البهيم وساد الصمت والسكون أرجاء المدينة وإنقطع المارة فلن يعد يسمع أي صوت اللهم إلا نباح كلب هرم يصل من بعيد متقطعاً. المدينة هادئة ساكنة كطفل وديع يغفو في مهده مطمئن البال ورغم الظلام الكثيف فقد بدا أن هناك خطوطاً تشتد سواداً، أشباحاً عديدة تلوذ بأشجار الفواكه والنخل او تحتمي بالزوايا ومنعطفات الأزقة. هكذا يبدو المشهد للناظر أول وهلة فيخال أنها صورة من وحي الخيال لاغير ولكن سرعان ما تتجسد الحقيقة مخيفة غامضة. سمعت همسة خفيفة لعلها كلمة او صفير ضعيف او صوت طائر صغير او حشرة ثم ما لبثت الأشباح أن دبت فيها الحياة وإهتزت وبدأت تسعى من تلقاء نفسها، وشيئاً فشيئاً راحت الصورة تتوضح وتصبح أكثر جلاءاً وبدا عشرات الرجال المسلحين بالسيوف والأعمدة يتحركون بحيطة وحذر، من يكون هؤلاء؟ أهم من اللصوص أم من رجال الشرطة؟ ربما كانوا شرطة! ولكن الى اين هم ذاهبون؟ وماهي المهمة التي كلفوا القيام بها ياترى في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟ غص الباب على سعته برجال البلاط وحكام الأقاليم وأمراء الجيش، وفي صدر المجلس تربع الخليفة العاشر من بني العباس على سرير مذهب وراح يكرع كؤوس الخمر بشراهة. ورغم أن المجلس أعد ليكون مجلس شرب وقصف إلا ان جواً من التوتر لايعرف مصدره خيم على المكان وشحنه بالإرتباك. حاول أحد حكام الأقاليم تبديد الجو السائد بيد أن الخليفة قطع حديثه بإشارة خفيفة ومال على وزيره يهمس في أذنه. في زاوية قصية من البهو واصل رجلان حديثهما الهامس بحذر، قال الأول بدهشة: إني لأعجب ليستخدم الخليفة علي بن محمد الى سامراء ولايوكل امره الى عامله في المدينة فيريحه منه. ردّ الثاني بإنكار: ما تقول يارجل؟ أوحسبت الأمر هيناً الى هذا الحد؟ أو لاتعلم أنه الشخص الذي إنتهت اليه زعامة البيت النبوي؟ ولكن لم أشخصه الى هنا؟ الأمر واضح تمام الوضوح! وكيف؟ ليقطعه عن أنصاره وشيعته ويجعله رهن مراقبته بإستمرار! ها أمر عجيب، لم يخطر لي على بال. ولكن أترى إبعاد الرجل عن المدينة وإبقاءه في سامراء كافياً لأن يصرفه عن التفكير بالزعامة وتولي مقاليد الحكم؟؟ كلا كلا انا لاأرى ذلك، ولاأعتقد أن الخليفة يراه!! المهم أن يكون هناك تدبير ما إسمع إن الخليفة لم يكن ليكتفي أن يشخص علي بن محمد الهادي الى هنا منتقلاً الى المدينة وسامراء وحسب. وهل إن تغير موطن الرجل وسكناه تغير شخصه؟ أبداً أبداً إن ما يرموه الخليفة إبعاده عن أنصاره وشيعته كما قلت ومن ثم إحباط تدابيره وخططه وذلك من خلال سلبه الشعور بالأمن وزعزعته نفسياً وجعله عرضة للسجن والإستجواب في كل لحظة. ها قل إشغاله بأمر نفسه!! تماماً ولكن أينبغي أن يكون هناك سبب وإن كان ظاهرياً للسجن؟ الخليفة لايعجزه إصطناع مثل هذا السبب، ألم تسمع ما قاله لصاحب الشرطة اليوم؟ كلا!! قال له: إذهب وإتني بعلي بن محمد على الحالة التي تجده عليها فقد علمت أنه يجمع السلاح والأموال في بيته للوثوب بالدولة. تقول إن الشرطة ذهبوا لإحضار علي بن محمد ؟ ولهذا دعا الخليفة رجاله لهذا الاجتماع!! كان الصوت ينساب في هدئة الليل من غرفة مغلقة رخيماً عذباً فيبعث على الخشوع والرهبة، تتماوج موسيقاه فتلين وتترقرق طوراً وتشد وتتوتر آخر وكأنه يواكب حركة مشهد حي متحرك يهدأ ثم يثور فجأة. بحر ينبسط ويطمئن تارة ويتمرد ويهيج اخرى. تحس من وراء تلك النبرات الملائكية المتجانسة أن قلباً يخفق بين الخوف والرجاء، روحاً ينصهر على مهل فيكسو الكلمات روحاً وألقاً خاصاً. من وراء الباب المغلق ذاك جلس رجل مكتمل الرجولة مفترشاً الرمل والحصى وقد ألقى على كتفيه رداءاً صوفياً، كان وجهه الأسمر يفيض بنور بألق خاص، عيناه المحدقتان في الكتاب كأنهما لجة عميقة الغور تكتنفها الأسرار، كفاه حملتا مصحفاً شريفاً تقوستا في ضراعة، كل شيء فيه يحكي عن عروج ملكوتي، تحليق في عالم بعيد، عالم فوق عالم السموات والكائنات والأجرام والكواكب، عالم مطلق لاحد ولانهاية له. وعلى نقطة تكاد تكون وهمية فوق كوكبنا الصغير هذا زحفت عدة كائنات بشرية نحو مصدر النور ذاك، كائنات زاحفة، بهر عيونها النور فراحت تبحث عنه لتطفأه، إنها لاتهنأ لها الحياة إلا في الظلام. وزحفت وزحفت وكل ماإقتربت من شعاع النور إنكمشت وتضائلت وتذبذبت كالحشرات الباحثة على الجدران عن شقوق تختبأ فيها، تواصلت الأنشودة الإلهية الخالدة وإستمر الصوت السماوي الشجي يترنم بآيات الذكر الحكيم. لم يعكر عليه صفاءه طنين الذباب الذي إقتحم عليه خلوته فجأة. لازال الكأس مصافحاً يد المتوكل ولم يفارقه منذ ساعة وما فتأ رجال حاشيته وأمراء جيشه وذووه يكرعون نخب الخليفة وينحنون له ممتنين حامدين بركات امير المؤمنين. ويستخف الخليفة الفرح فينادي على الساقي أن يريق الخمر على الأرض حتى تتشرب أقدام القوم وترتوي عروقهم. ويدخل الحاجب مضطرباً: سيدي لقد عاد الرجال بعلي بن محمد ويقولون إنهم لم يجدوا في بيته شيئاً، وقد دخلوا عليه وقد كان يقرأ القرآن مستقبلاً القبلة!! وأردف: هل أدخلهم عليك؟؟ دعهم يدخلوا!! قال الخليفة ذلك وإنخرط في نوبة ضحك لامبرر لها! رجع الحاجب يتعثر بخطواته، وبعد لحظة قصيرة دخل رجل أسمر مهيب الطلعة يحفه عدد من الرجال المسلحين. وما إن أرمقه الخليفة بطرفه حتى تراقصت عيناه إرتباكاً وإهتزت الكأس في يده فقام إجلالاً له ودعاه للجلوس الى جنبه، وتملكت الخليفة الحيرة قليلاً، كيف يتخلص من هذا الكأس اللعين؟ ولم يسعفه رأسه الثمل إلا بفكرة سقيمة، بادر الأخذ بها دون مزيد تفكير فقدم الكأس لضيفه، أعني سجينه. ردّ الرجل وقد إصطبغت سيماءه الصافية بحمرة الغضب: والله ما يخامر لحمي ودمي قط. ضحك الخليفة بإرتباك وقال: هه هه اذن انشدني إني قليل الرواية للشعر ! لابد من ذلك! تصلبت ملامح الرجل قليلاً وراح ينشد: باتوا على قلل الأجبال تحرسهم غلب الرجال فلم تنفعهم القلل وإستنزلوا بعد عز عن معاقلهم وأسكنوا حفراً يا بأس ما نزلوا ناداهم صارخ من بعد دفنهم اين الأساور والتيجان والحلل اين الوجوه التي كانت منعمة من دونها تضرب الأستار والكلل فأفصح القبر عنهم حين سائلهم تلك الوجوه عليها الدود يقتتل قد طالما اكلوا دهراً وقد شربوا قد أصبحوا اليوم بعد الأكل قد أكلوا وطالما قد عمروا دوراً لتسكنهم ففارقوا الدور والأهلين وإنتقلوا وطالما كنزوا الأموال وإدخروا ففرقوها على الأعداء وإرتحلوا أضحت منازلهم قفراً معطلة وساكنوها الى الأحداث قد نزلوا كان الرجل ينشد وفي صوته رنين عجيب، صدى مفزعاً، كأن قبوراً مكشوفة فاغرة أفواهها المقيتة ومن داخل أجوافها المظلمة راح يتصاعد رجل مضخم مرعب لحسيس الدود وهو يتصارع على أجساد الموتى المتعفنة. هال الخليفة ما سمع وأرعب ونسي تحت تأثير الخمرة كبرياءه وعظمته الزائفتين وإنخرط في نوبة بكاء مرير. بكى الخليفة كبكاء الطفل الصغير الذي جرف التيار دميته بعيداً فقنط من إستعادتها، دميتي دميتي، أريد دميتي!! ويبكي الخليفة يبكي، يبكي دنياه الزائلة، جنته المدبرة، جنته ليست خالدة، لن تبقى له، تخرج من يديه، دنياي، أريد دنياي!! ويبكي الخليفة حتى إبتلت لحيته وبكى رجاله تملقاً او خيفة. أما الهادي فكانت ملامحه النورانية الوقور صورة موحية وعيناه تلك اللجة البعيدة الغور المحاطة بالأسرار. ويسمح الخليفة دموعه وينهض ويتقدم من سجينه به بإحترام ويهمس اليه بكلمات. ويخرج الرجل مودعاً هذه المرة ونظرات الاحترام والإكبار تشيعه. مذاق العسل ومذاق العدل - 11 2015-03-31 21:20:30 2015-03-31 21:20:30 http://arabic.irib.ir/programs/item/11917 http://arabic.irib.ir/programs/item/11917 الجو حار ملتهب والرياح الجنوبية تلفح الوجوه بقسوة كأنها بخار متصاعد من مرجل يغلي بنار سرمدية. الصحراء واسعة ممتدة بإمتداد البصر كمحيط لانهائي عجيب إبتلع شواطئه. ثلاثة من الابل الشديدة تشق طريقها بصعوبة وسط الكثبان الرملية المتوهجة بالحرارة. إستحث الرجل الكوفي راحلته وقال مخاطباً رفيقيه الغريبين: ماهي إلا سويعة حتى تلقيا عصا السفر وتستريحا. مسح الرجل الأول العرق المتصبب من جبهته وقال: نرجو أن نجد مضيفك كريماً كما وصفت! ردّ الكوفي: بل وأكثر من ذلك. قال الرجل الثاني بشيء من التهكم: لم يبق إلا أن تقول إنه حاتم الطائي، وأضاف إنك تبالغ ياكوفي! إنكما لم تعرفا من يكن الرجل بعد. قال الكوفي محتجاً ثم أردف: إنهم أهل بيت لايقاسون بحاتم او غيره. أياً كان الأمر فإن جلّ ما نرجوه مكاناً ظليل يقينا حر الهاجرة وشربة ماء نبرد بها الغليل ورغيف خبز ندفع به ألم الجوع. قال الرجل الأول محاولاً وضع حد للجدال: هلموا اذن عسانا نعجل بالوصول. قال الكوفي ذلك ونكز عصاها مطلقاً صوته بحداء مليح. إخترقت أزقة الكوفة أعداد من الجمال وهي مثقلة بأحمالها ومن وراءها سار مجموعة من الغلمان. وعندما إنحرفت هذه القافلة الصغيرة عن طريق السوق تطاولت اعناق المارة تنظر اليها بإستغراب. ترى اذا لم تكن هذه البضاعة للسوق فلمن جاء بها ياترى؟ واصلت القافلة طريقها حتى توقفت عند منزل طيني. تسائل أحد الغلمان بلهجة يشوبها الاستغراب: أهذه هي دار الامارة؟ أجل! ردّ الثاني مردفاً: ليس هاهنا الشام ياأحمق، ههه هذه الكوفة حكومة علي!! إستخذأ الغلمان إعترافاً بجهله وظل واقفاً لايقدم قدماً ولايؤخر أخرى. صرخ به صاحبه: مالك توقفت؟ لج، ليس هناك من بواب ولاحاجب! تلفت الغلام متهيباً ولم يبدي حراكة. ومن داخل الدار أقبل رجا كهل يمشي على عجل. إلتفت الغلام الى صاحيه وسأل: من يكون الرجل؟ إنه قنبر مولى أمير المؤمنين وصاحب بيت المال. ألقى الرجل التحية وسأل: مافي رحالكم أيها الرجال؟ إنها زقاق عسل أمرنا بإيصالها الى بيت المال. ردّ أحدهم وكأنه يعلن عن نهاية المهمة التي قام بها ورفاقه. إيه هذه الكوفة! عجل يارجل! عجل لقد كدنا نهلك! اين صاحبك؟ اين؟ دلنا عليه! لابأس عليك ها قد وصلنا. إلتفت الرجل الثالث وقال: ولكنك لم تخبرنا من الرجل؟ أي رجل؟ سبحان الله، الرجل الذي سننزل عنده! آه الحق معك، كيف لم تعرفه بعد؟ إنه الحسن بن علي. الحسن بن علي؟ تعني أنه نجل الخليفة؟ أجل أجل إنه الإبن الأكبر لأمير المؤمنين! نعم ما إخترت، اذن فلنهنئ اليوم بطعام جيد وفراش وفير. ضحك الكوفي دون أن يعلق على كلام رفيقه. لازال الرجلان تحت تأثير المفاجأة الأولى عندما إستقبلهما الحسن بحفاوة كبيرة فهما لايستطيعا أن يصدقا بعد أن إبن الخليفة يسكن مثل هذا البيت الطيني القني. وهاهو يستقبلهم بترحيب وحفاوة أنسياهما تعب الطريق. وبلهجة تسيل رقة وأدباً إستمهل الحسن ضيوفه كيما يصلح لهما الطعام وغادرهم ومسحة من الحياة تلون وجهه الأبيض المشرق. كيف يقدم لأضيافه أقراص خبز جافة هي كل مافي البيت من طعام دون أن يكون هناك شيء من الأدام؟ فجأة خطرت له فكرة فنادى: ياقنبر! نعم يابن رسول الله. ياقنبر إذهب وأتني من زقاق العسل بمقدار نصيبي من بيت المال فقد نزل بي ضيوف وماعندي ما أطعمهم، واذا وزع امير المؤمنين العسل فخذ نصيبي ورده الى بيت المال. أوشك قنبر أن يقول شيئاً غير أنه تحرك دون أن ينبس ببنت شفه. صراع شديد نشب في رأسه. ترى ماذا عليه أن يفعل؟ أيمكنه أن يعتذر إبن أمير المؤمنين، الشخص الذي كان يستأثر بحب رسول الله ويحظى لديه بكل تلك المكانة. لا لا، لايمكن إعتذاره في أمر بسيط بل لاقيمة له كهذا. ولكن ما عساك أن تقول لأمير المؤمنين ياقنبر؟ أنسيت قطعة الحلي التي إستعارتها بنت الخليفة الصغيرة؟ جاءتك ام كلثوم تمشي على إستحياء وقالت: إنها تريدها لتتزين بها في العيد وتعيدها في اليوم التالي. أكنت تحسب أن علياً يغضب كل ذلك الغضب لمثل هذا الأمر الهين؟ لحظ عينيه وهو يعطفها ويقول: أعدها الى بيت المال، كانت حمراوان مخيفتان وياليتك لم تسمع كلمات العتاب التي سمعتها منه. لقد كانت أشد على نفسك من التقرير والتوبيخ بل من العقاب ايضاً. وكيف لي أن أنسى العهد الغليظ الذي أخذه عليّ؟ أجل ياأمير المؤمنين أعاهدك أن لاأفتح بيت المال بوجه اهلك وذويك او أي كان. ولكني أفتحه الآن. ما عساي أن أقول لوأطلع امير المؤمنين على ما انا فاعل؟ وهل يقنع مني هذه المرة بالعتاب وحده؟ ولكن هل يعد إعطائي مقداراً بسيطاً، أجل بسيط من العسل تجاوزاً للعهد ذاك؟ إنني سأتولى بنفسي إعادته الى بيت المال. إنني أستحي، لاأستطيع أن أرد الحسن لأمر تافه كهذا !! ياقنبر؟ نعم يامولاي، لاأدري لماذا شعر بالإرتباك وهو يسمع صوت أمير المؤمنين! نهض من فوره، تحرك بسرعة ثم وقف بين يدي الخليفة. عاد بعد لحظات، لم يكن هناك مايخيف. كل مافي الأمر أن الخليفة ينوي توزيع المؤن الموجودة في بيت المال وماعليه إلا القيام بوظيفته العادية والمناداة بذلك في المسجد. عاد الى حجرته وقد زايله الإضطراب، تناول كساءاً له ملقى في زاوية وراح يرتقه. ياقنبر؟ تردد صوت علي من جديد في أنحاء المكان. نعم يامولاي، ذهب مهرولاً: نعم ياامير المؤمنين. ولكن الحجرة خالية، اين الخليفة؟ أيكون ذهب كعادته لتفقد بيت المال؟ دخل لاهفاً، أجل إنه هناك، يا إلهي لماذا يقف أمير المؤمنين أمام زقاق العسل؟ لقد بان له النقص من غير شك. نظر في عينيه ليستا حمراوين، يبدو أنه ليس غاضباً. أشار بيده الى زق. أجل هو بعينه، نفس الزق الذي اخذ منه. يا إلهي ماذا يقول؟ الامام ينتظر، ماعساه يقول؟ لايمكن أن يكذب! لايمكن أن يكذب، ليقول أي شيء! أي شيء! ههه ههه الحق ياأمير المؤمنين إنني اخذت شيئاً منه. عينا الامام تسمرتا عليّ، لا إنه لايعبء بهذا الكلام، يريد أن يعرف، يريد الحقيقة، لابد أن أعترف، لابد أن أقول كل شيء. لقد طرق الحسن الضيوف ولم يكن لديه ما يطعمهم فطلب إليّ أن أقرضه من بيت المال مقداراً من العسل وأن أعيده من حصته اذا قسمت الزقاق. هنا لمح عيني الخليفة وقد لمعت بالحمرة المخيفة!! عاد الحسن من توديع ضيوفه. أجب أمير المؤمنين، إستقبله قنبر بهذه العبارة المقتضبة. إلا أنه أضاف: الامام غاضب لأخذنا العسل!! تملك الحسن الخوف بيد أنه هرول الى حجرة امير المؤمنين وعند عتبة الباب توقف قليلاً ثم دلف بخطوات مرتبكة لكنها سريعة ودون أن يتبح له فرصة الكلام إنكب على قدمي أبيه وقال بنظرات مخنوقة: بحق عمي جعفر إلا ما عفوت! وبقي مطرقاً لايرفع رأسه. قال علي وقد ذهب بعض غضبه: ماحملك أن تأخذ من عسل المسلمين قبل قسمته؟ أجاب الحسن بإستعطاف: أليس لي فيه حق كغيري من المسلمين؟ بلى ولكن ليس لك أن تنتفع به قبلهم! وأردف بنظرة وعيد: أما والله لولا أني رأيت رسول الله يقبل ثناياك لأوجعتك ضرباً. وتوقف قليلاً ثم قال: قم وأشتري عوضه ورده الى الزق الذي اخذته منه. ويقف علي بعد فراغه من الصلاة يوزع العسل بين المسلمين ويراهم ينصرفون مغتبطين راضين فيجلس وقد ذرفت عيناه الدموع وهو يقول: اللهم إغفر للحسن!! الأبرار - 10 2015-03-29 15:11:19 2015-03-29 15:11:19 http://arabic.irib.ir/programs/item/11916 http://arabic.irib.ir/programs/item/11916 أطبق صمت ثقيل على المدينة ولاذ الناس ببيوتهم إلتماساً للراحة بعد يوم من العمل والسعي الدؤوب. السماء تزينت بنثار من النجوم المتلئلئة ومنازل المدينة الطينية لبست ستارة حريرية رقيقة من نور القمر الواني الضعيف. وإستبد الصمت في المدينة حتى لم يعد يذكر بوجود الحياة فيها إلا وقع خطوات رتيبة راحت تقترب من بيت علي. لم يكن الزائر في هذه الساعة من الليل غير رسول الله صلى الله عليه وآله يرافقه إثنان من أصحابه ولم يكن خافياً الإهتمام الذي بدا على محيا الزائر الكبير، ها قد كاد للنبأ الذي تلقاه وقع خاص في نفسه. وصل الرسول وصاحباه الى بيت علي. تردد في أرجاء الدار صوت محبب وجميل، هو صوت النبي. السلام عليكم أهل البيت مستأذناً بالدخول ورفقيه. ويهرع علي مرحباً بالقادمين، ولكن ماالذي جرى؟ كان سماع صوت النبي صلى الله عليه وآله وحده لأن يجعل الحسن والحسين يهرولان وبشوق لايوصف نحو جدهما ويتعلقان به، يلقيان نفسيهما بين احضانه، يتحسسان دفء حنوه وهو يضمهما الى صدره الشريف. أجل إنهما طريحي فراش المرض مسجيان ولم تعد بهما القوة للنهوض والحركة ويسمعا صوت النبي المفعم بالحنان والدفء، يفتحا عيونهما بصعوبة عليه وهو يغرق وجناتهما بقبلاته الحارة العطشى. يلتفت النبي الى والدهما عارضاً عليه أن يقدم بين يديه شيئاً قربة الى الله من أجل شفاءهما. ردّ عليه دون إبطاء: بلى يارسول الله نذر عليّ اذا شفا الله إبني هذين أن أصوم ثلاثة أيام متوالية! وتعالت الأصوات متضامنة مع قرار علي. الأم والصغيران وحتى فضة هذه الامرأة التي تطوعت لأن تعيش في هذه الدار رغم شظف العيش وتقشف الحياة فيها. كل ذلك من أجل أن تكون لفاطمة رفيقة ومؤنسة. تبتسم العافية على شفاه الصغيرين الذابلة فتعم الفرحة الجميع ويحين موعد الوفاء بالنذر. وهكذا يصبح الصباح على اهل البيت وهم صائمون. ويقطع النهار شوطه الطويل بطيئاً كأنه عجوز ينقل خطواته بتثاقل وإعياء ويحل الأصيل. لم يكن في البيت غير مقدار من الشعير فكان لابد من طحنه وعجنه ومن ثم إنضاجه في النار وأخيراً بسط خوار الطعام ووضعت عليه أرغفة الخبز وكوز من الماء وتطلعت العيون لعودة علي من المسجد. ولم يطل الانتظار، دخل علي، اخذ مكانه من المائدة ثم تحلق الجميع حوله ... يا أهل بيت النبوة! يا آل الرسول! فقير محتاج ببابكم، أطعمونا أطعمكم الله من طعام الجنة، ساعدوني انا وعائلتي الجائعة. طرق أسماعهم هذا النداء ولما تمتد أيديهم للطعام بعد ولم يتم الرجل كلامه حتى قام علي وقد حمل رغيفه بيده فإمتدت يد فاطمة برغيفها تضعه في يده وهكذا فعل الحسنان وفضة. أجل حملت المائدة التي اعدتها العائلة الصائمة لإفطارها لتعطى للرجل الفقير ولم يبق على الخوان إلا الماء فأفطروا بشربة منه وحمدوا الله وطوي الخوان الخالي كما طويت الأحشاء على الجوع وإنقضى الليل وأشرقت شمس اليوم الثاني على القوم وهم صيام. تمر ساعات النهار طويلة مملة تشتد فيها الوطئة على الصائمين فيلجؤون الى كؤوس الصبر يتجرعونه وتجف أفواههم من شدة العطش فيرطبونها برشفات من الذكر. ومع جنوح الشمس للمغيب تتوالى طرقات على الباب تخللها هاتف يقول: السلام عليكم ياأهل البيت النبوي، إنني طفل يتيم وليس عندي ما أتقوت به فأعينوني! إمتدت بوعاء الباب يد تحمل أرغفة الخبز التي انضجت تواً لتسلمها لليتيم مع كلمات الترحيب والدعاء. وبلّ الصائمون ريقهم بالماء ولاشيء غيره! وتنتهي فضة زاوية تناجي نفسها: ياإلهي، ياإلهي مثل سيدي رجل يخوض الأهوال والمصاعب ويغوص في لهوات الحرب، ألا يشق عليه تحمل الجوع؟ ولكن هذين الطفلين كيف لهما تحمل ذلك يومين متتاليين، ياإلهي! إن قلبي ليذوب ألماً من أجلكما أيها الملكين الطاهرين!! لعل الليل تكفل بتحمل بعض معاناة الجوع والعطش ولعلهم وجدوا شيئاً من الراحة في الإخلاد الى النوم غير أن النهار أطل من جديد ليتركهم والشوط الخير من هذه الرحلة الشاقة. أمامهم صيام بقية يومهم ذاك حتى يتم إستيفاء النذر كعاملاً غير منقوص. يجب عليهم تحمل معاناة الجوع حتى يحين وقت الافطار ليتبلغ كل واحد منهم برغيف من خبز الشعير منهياً بذلك سغب الأيام الثلاثة. تبدأ الاستعادات لإصلاح الطعام، كانت الأيدي ترتجف والأرجل خائرة لاتقوى على حمل الأجساد، الوجوه شاحبة، الشفاه جافة متيبسة والعيون ذالبة ودعتها نضارتها وإشراقتها. لكم الله، كيف أمضى أفراد هذه الأسرة ثلاثة أيام جائعين. إمتد الخوان بطعامه المعهود... السلام عليكم ياآل محمد. أسير تجرع كضات الجوع يأمل إحسانكم! وتكرر النداء الذي إنطلق عند الباب فجأة له، لمن الصعب تصور هذا المشهد، تمتد الأيدي المرتجفة من الجوع، تمسك باللقمة ثم ترد، تبقى مقبوضة للحظة ثم تنبسط لتضم الأرغفة الى بعضها لتقدمها لجائع آخر!! عجباً أيام ثلاثة لم تقت فيها شيئاً اللهم إلا السغب. ترى مالذي يبقي الدم متدفقاً في عروق هذه الأسرة الكريمة التي امضها الجوع؟ ليس هو غير شيء واحد. الشعور بلذة العطاء في سبيل الله والايثار الى جنبه ففي الوقت الذي هم في مسيس الحاجة اليها يمدون يد العون الى الآخرين، ينتزعون اللقمة من أفواههم الجائعة ليمنحونها بطيب خاطر لجائع آخر. وينظر علي الى وجهي ولديه الشاحبين ويقول مع نفسه: رؤيتهما رسول الله صلى الله عليه وآله تنفي عنهم الآلام وتنسيهم الجوع. ويهتف بولديه: أن قوما لزيارة جدكما!! ينشط الحسنان شوقاً لزيارة النبي ويأخذ الثلاثة طريقهما الى داره. صورتا الحسن والحسين وهما يدخلان عليه بتلك الحال من الضعف أثارت في رسول الله مشاعر الشجن والألم وإغرورقت عيناه بالدموع. أجل تفجر هذا الينبوع الثر المعطاء، فاض القلب الكبير بالعاطفة الرسالية المتدفقة، بالحب الإلهي الصافي العذب، هذا الشعور الناضح من الرسالة التي يصدر عنها الرسول في كل حركة وسكنة قول او فعل، حب او بغض. سرعان أن إمتدت يداه بالدعاء وغاب طويلاً في إبتهال وضراعة وعندما فرغ من مناجاته تمهل قليلاً ثم عاد اليهم بالخطاب داعياً لأن يذهبوا معاً لزيارة فاطمة. كانت المرأة منقطعة الى الله في صلاة خاشعة ولولا صوت واهن ضعيف راح ينبعث متقطعاً في تلك الحجرة لخلا الناظر اليها من بعيد وهي ساجدة ثوباً مطروحاً. ويدخل عليها أبوها ويبكي، ومن لايبكي، ومن لايعتصر فؤاده الألم وهو يرى هذه النماذج الملكوتية الطاهرة، صرعى الجوع، أريج سماوي، أريج سماوي راح يعبق في المكان ويعبق. وتمر لحظات من الصبر والانتظار مليئة بالأسرار والمعنوية ثم يطفح البشر على وجه النبي صلى الله عليه وآله وهو يرتل الآيات التي حملها الوحي اليه "إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً". وفي غمرة النور القرآني وأنفاس الرسول القدسية يغيب عن الجميع الاحساس بالجوع ويخرون سجداً شاكرين الله سبحانه على هذه الكرامة التي حباهم بها. الكلمة الثورة - 9 2015-03-26 22:54:08 2015-03-26 22:54:08 http://arabic.irib.ir/programs/item/11915 http://arabic.irib.ir/programs/item/11915 أنني اهنئك أيها الفلاح المثابر. على أي شيء تهنئني ياسيادة الوزير؟ لقد مرّ موكب الملك أمس وهو في طريقه الى الصيد من امام بستانك فسرّ الملك وإلتفت اليّ قائلاً: ما أجمل هذا البستان أيها الوزير، ألا تعلم لمن هو؟ كلا ياسيدي ولكني سأرسل من فوري من يسأل عن صاحبه. أجل أجل، إستدعيه الى القصر وقل له إن الملك يريد البستان!! سمعاً وطاعة ياجلالة الملك! وهكذا تجدنا نصدع بأمر الملك، فما تقول؟ كلا ياحضرة الوزير لاأستطيع. إن هذا البستان هو مصدر رزقي ورزق عيالي، وأنا أحوج اليه من الملك الذي سيجد بغيته في مكان آخر من هذه البلاد العريضة. إسمع يارجل، قلت لك إن البستان أعجب جلالته وهو لايريد عنه بدلاً! إسمع مني هذه النصيحة، تنازل عن البستان للملك ولاتكن أبلهاً! فهل يضيع أحد هذه الفرصة السانحة للتقرب من الملك من اجل بستان لايساوي شيء؟ التزلف الى ربي يغنيني عن التزلف لأحد من خلقه! هكذا اذن؟ همش الوزير لحيته بعصبية ثم قال: أقول أن تقبل مني هبة جزيلة إزاء ذلك؟ لاحاجة لي بهذه الهبة المشهوظة أيها الوزير!! أراك تصر على العناد، أتحسب أن الملك لايقدر أن يسلبك إياه بل وحتى هذا الذي فيه عيناك!! الله أشد بأساً وأكثر تنكيلاً!! إنه يرفض ياحضرة الملك! يرفض؟ ومن يكون هذا الفلاح البائس ليرد لك طلباً ياجلالة الملك؟ إني في الواقع في حيرة من امره! ماتقول ياجلالة الملك؟ وهل لمثل هذا الأمر يقال هذا؟ إيه! إني أرى غير ما ترين ياحضرة الملكة فلو أني أرغمت الفلاح على التنازل من البستان إليّ لقيل إنه يسلب خدمه ورعاياه أموالهم وممتلكاتهم!! ولا هذا أيها الملك! وماذا هل لديك تدبير ما؟؟ أوكل الأمر إليّ ! أني أشهد أيها القاضي أن هذا الرجل على غير دين الملك!! أفسمعت ما قال؟ فماذا تقول انت؟ إسمع أيها القاضي إنني رجل فلاح فقير ليس لي من حطام الدنيا إلا بستان صغير وإني كما ترى منهمك في العمل صباح مساء، لاأكاد أجد متسعاً من الوقت لإزدراد طعامي فضلاً عما يقوله هذا الرجل!! إنه يكذب ياحضرة القاضي، انا أشهد كذلك أن هذا الرجل يدين بغير دين الملك. وهذه شهادة اخرى أيها الفلاح! أنا أشهد! أنا أشهد! فما قولك؟؟ هل تريدنا أن نكذب شهادة كل هؤلاء؟ هل تعلم ما حكم الخارج عن دين الملك؟ القتل! أجل القتل!! كانت في خطواته الهادئة الوقور وقع خاص، وقع ينبأ عن عزم وإصرار وتحدي. وعلى وجهه البهي المشرق تلاطمت موجات الغضب ورغبة الإقتصاص، وكلما إقترب من القصر الكبير الجاثم كالسجن المقيت كان أوار غضبه يشتد ويعنف ولم يبدو أن هناك مايفتأ حدة غضبه او يخفف من غلواءه إلا بلوغ القصر الكبير الذي ما فتأت عيناه تتطلع اليه وهما تقدحان بالشرر. إستولى الذهول على الحرس الذين وقفوا عند البوابة الرئيسية وهو يمر بهم كالإعصار وعندما تجاوزهم تهامسوا بحذر: النبي، النبي! في نهاية قاعة فسيحة رصفت أرضها بالبلاط النفيس وزينت جدرانها بالتماثيل الستائر المطرزة برسوم الوحوش المفترسة، أقيم عرش كبير، فوق العرش ذاك جلس الملك إزاءه وراح يجيل في الحضور نظرات متعالية متغطرسة وكالفئران المرتجفة في جحورها خوف الوقوع بين فكي القط لاذ الحاضرون احدهم بالآخر وعيونهم ملتصقة بالأرض خوفاً وفاقة. وعلى حين غرة إنقطع الخيط اللامرئي الذي يشد الرقاب الى الأسفل فتطلعت العيون الى الخلف. كانت هناك قدمان تخطوان بقوة وثبات، راحتا تدقان بلاط القاعة كما لو أنهما توقعان لحن التمرد والثورة. الملك الذي فوجئ لأول وهلة دمدم مع نفسه بكلمة غضب مقموتة ثم مال بوجهه الى وزيره حانقاً وكأزيز الرصاص عندما يخترق حاجز الصمت منتصف الليل إنصبت الكلمات التي فاه بها الرجل في أذن الملك متوعدة منذرة بالغضب الإلهي. وهدر صوت الرجل قوياً مجلجلاً يقرع الملك ويعنفه ويدمغه واذا هو أصم أبكم لايقدر أن يدفع عن نفسه بقول او فعل. تواصل سيل الكلمات يتدفق من فم الرجل كسهام لاتطيش! إنتهز الملك فرصة قصيرة ليقول لوزيره بضع كلمات مضطربة وينسحب الى بيته بعجلة مسجلاً على نفسه إعترافاً قاطعاً بجريمة القتل التي وصفه الرجل بها! صرخت الملكة بوصيفتها ونهضت مسرعة لإستقبال الملك الذي دخل عليها مخدعها فجأة: مرحباً بك ياجلالة الملك! مرّ وقت ليس بالقليل قبل أن يجيب الملك معقباً بزفرة طويلة: وبك ههههههههه. نعمت بالاً ياحضرة الملك، أرجو لأن لايكون إلا الخير. أطلق الملك زفرة اخرى بحرقة وأجاب: وأي خير تسألين؟ ما كدنا ننعم ببعض الراحة حتى جاء هذا النبي. آآآآه أهذا يهمك؟؟ أدريس؟ نبي الله أدريس؟؟ وما عساه يريد هذه المرة؟ تسأليني؟ لقد كان الأمر كله من تدبيرك!! لم تدعيني أسوي الأمر بالسياسة والملاينة! أراك نسيت ياجلالة الملك، أنسيت رفض إعطاءك بستانه او حتى العرض المغري الذي عرضه عليه وزيرك؟ بل وأكثر من ذلك، كان الفلاح القذر ذاك يتحداك ويهزأ بقدرتك وسلطانك. لاأدري، لاأدري ماذا أفعل؟ ماذا افعل؟ لاتعكر صفو خاطرك ياملك!! وكيف؟ وكيف لايتعكر خاطري وأدريس يلاحقني كل يوم ويعيد على مسامعي وأمام مرئى الناس ومسمعهم مايدعوه بجريمة إزهاق النفوس البريئة وإهراق الدماء الطاهرة؟ إسمح لي ياجلالة الملك أن أقول إن أدريس ماكان ليقول ما قال لو أنك أريته الحزم وجابهته بصرامة رأيك. ما تقولين ياأمرأة؟ أظننت أن أدريس رجل نكرة لايأبه لأمره أحد؟ اطاش عقلك ام ماذا؟ ألا تعلمين أن الناس يدعونه نبي الله وأنه يخبر عن السماء؟ اذن اذا كان الأمر كما ترى، اذن دعه يوغل قلوب الناس عليك ويؤلبهم. اذن ماذا تأمرين ياسيدتي؟ لاأقول أقتله ولكن إلقه في السجن!! لم يحر جواباً بل نهض وراح يذرع الغرفة جيئة وذهاباً. وواصلت الملكة لهجتها التحريضية تلك. وعند ذاك تنظر اذا ساع الأمر وفق ماتريد أبقيته في السجن حتى يعتاد الناس ذاك وينسوه ثم لك أن تفعل ماتريد دون أن تسمع كلمة إحتجاج واحدة، وإن رأيت أن الناس عادوا عليك فإعزل الوزير وقل إنه دبّر هذا العمل على غير علمك!! هدأ الملك قليلاً ولانت أساريره ثم إنفرجت وما لبث أن أطلق ضحكة لم تخلو من توتر!! وشاء الله أن ينجي نبيه إدريس فإختفى إلا أن صدى كلماته الثائرة الرافضة ظل يتردد ويتردد ودماء الفلاح المؤمن البريئة وعشرات غيره ظلت تفور وتفور وبكاء الأيتام وضراعات الثكالى والأرامل بقيت تستصرخ وتستصرخ حتى جاء ذلك اليوم... دخل الملك على زوجته والفزع يطل من عينيه وهتف بصوت مبحوح: هيا هيا إسرعي، إسرعي لننجو بنفسينا !! دعني احمل مجوهراتي ! إختاري بين رأسك ومجوهراتك! أجل، كانت الثورة تعصف بالبلاد ولم توفق الملكة التي لم تستطع حمل مجوهراتها من حمل رأسها حتى النهاية، فقد اطيح بذلك الرأس الماكر ولم يكن الملك هو الآخر بمنجى عما حصل. ويعود إدريس عليه السلام ليقود مسيرة البشرية من جديد ببصيرة وهدى يفتح لها آفاق الرحمة اليفعة نحو اهدافها الربانية الرشيدة. جرعة غيظ - 8 2015-03-18 08:52:00 2015-03-18 08:52:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/11914 http://arabic.irib.ir/programs/item/11914 لملم الربيع أطراف ثوبه الجميل والنسمات المعتدلة المنعشة راحت تتقهقر أمام لفحات الصيف الحارة ومن على جدران المنازل أطلت الشجار بأغصانها المورقة الخضراء راغبة في إلقاء نظرة وداع على عزيزها المسافر. تقدم أبو سالم من بغله المتهالك وإمتطاه على عجل تاركاً له دفة القيادة في إختيار طريق العودة التي يريد. كانت عينا أبي سالم تدور بسرعة تمسح الجدران، تحدق في وجوه العابرين، ترمي ببصرها هنا وهناك غير أنه كان غافلاً تماماً أن عينين يقظتين تترصده بإستمرار !! تخطى أبو سالم بوابة المدينة المنورة واضعاً أولى الخطوات على الطريق المؤدي الى المناطق الزراعية المحيطة، إمتدت المساحات الخضراء أمامه وهو يطوي المسافة مبتعداً عن العمران. وهبطت أشعة الشمس تصافحه عنوة وتمعن في حرارة إستقبالها، إعترضته ساقية صغيرة، نزل من على ظهر بغله جلس القرفصاء على حافة الساقية بيد أنه لم يلتفت لحركة غير طبيعية جرت خلفه كادت تفضح صاحبها. بعد أن بلّ وجهه ويديه وعبء ليس قليل من الماء نهض مواصلاً رحلته. هناك بمحاذاة الطريق إستنام بيت قروي صغير للأشجار الملتفة حوله وكأنه طفل صغير إطمئن الى ذراعي أمه وهي تضمه بحنان وكما لو أن شريط خياله قد توقف عند هذه الصورة. إبتسم أبو سالم وترجل عن ظهر دابته ثم وقف يشد قامته قبل أن يغيبه بيته. وفي اللحظة التالية سمع وقع خطوات حذرة مبتعدة!! في غرفة واسعة نسبياً وقف عدة نساء وصبيان وخلف حاجز خشبي صغير وقف شاب في مقتبل العمر ومن وراءه إصطفت لفائف الأقمشة، كان الشاب منهمكاً في عمله والنساء منصرفات الى الحديث عن جودة هذا النسيج او ذاك والصبيان يلحون على أمهاتهم في إختيار هذا اللون او ذاك. وفجأة إقتحم الحانوت شاب لاهث الأنفاس متوتر الأعصاب وراح يقترب من البزاز وهو يشد على قبضته ثم صرخ: هههه ههه لقد وجدته، أجل وجدته!! ثم أفلتت من فمه ضحكة يخالطها الإنفعال وأردف: هههه وجدته، وجدته، وقعت على بيته!!! إرتسم الذهول والحيرة على قسمات الشاب البزاز وتراجعت النسوة خطوات ونظراتهم تنطق بالخوف والريبة فيما لاذ الصبيان بأمهاتهم! إمتعض الشاب وجذب ثوب البزاز وهو يهتف: مالك ياطالب؟ أقول لك لقد وجدته! إكتشفت منزل الرجل، أجل لقد تابعته، لقد تابعته حتى دخل بيته!! ظهرت ملامح التفكير لأول مرة على وجه البزاز وهمس بخوف: أي رجل ياعبد الله؟ ألقى عليه نظرة إستنكار وأجاب: أي رجل؟ ذلك الرجل الجلف الذي ... قاطعه طالب بضحكة مفتعلة وأشار اليه من زاوية عينه أن أسكت!!! وتابع محاولاً التمويه: هههه هههه لدي ما أقوله لك فلو أنك مررت بي في البيت بعد ساعة لوجدتني بإنتظارك !! غادر عبد الله حانوت صديقه البزاز تشيعه النسوة بنظرات الإستغراب والدهشة!!! مدّ طالب يده بكأس لبن الى ضيفه وقال: ماذا سينفعنا معرفة منزل الرجل؟ تأمله عبد الله قليلاً قبل أن يجيب: ما عسانا فاعلين اذا لم نكن نعرف؟ مثل ماذا، ردّ عبد الله ببرود! ألا ينبغي وقف الرجل عند حده! قال طالب مقلداً طريقة صاحبه في الحديث: وكيف؟ أطرق عبد الله برأسه شاعراً بالإحباط. عاد صاحبه يقول: قلت وكيف؟ إكتسى وجهه بصبغة الغضب وحدق في عيني طالب وهو يقول: القتل!! بلورات من العرق البارد لمعت على وجه طالب وتصلد لسانه وإحتبست الكلمات في فمه فلن يحر جواباً. وقع غريب أحدث في أذنه ذلك الذي فاه به عبد الله. لقد درجا طفلين معاً وعرف احدهما الآخر منذ الصغر غير أنه لم يتصور يوماً أن يفكر عبد الله بالقتل أياً كانت الأسباب. إنه أمر يصعب على التخيل فضلاً عن التصديق! ومن حيث لم يتوقع طالب ايضاً وقف عبد الله وهو يصيح في وجهه بنزق: إنك ضعيف العقيدة، ضعيف الايمان، إنك جبان، جبان، أتسمع؟؟ جبان!! حاول طالب أن يدافع عن نفسه غير أن عبد الله كان قد خرج وصفق الباب خلفه بشدة. ألا تقول لي اولاً ياعبد الله؟ سأقول لك، بل سترى كل شيء بأم عينك بعد قليل. ماذا أرى؟؟ صبراً ياجعفر! صبراً! هاهو المسجد قد بلغناه. قل لي الآن ماذا ترى هناك؟؟ تلفت جعفر هنا وهناك وأجاب: لاأرى شيئاً وكيف لاترى شيئاً؟ اعني لاأرى شيئاً ذا بال!! انظر ياصديقي انظر، ألم تلمح ذلك الرجل الواقف والى جانبه بغل؟ أجل أجل، وماذا في الأمر؟ المهم أنك رأيته. الآن إفتح عينيك جيداً وسترى كل شيء بنفسك. ألقى جعفر نظرة إستغراب على صاحبه ثم عاد ينظر لصاحب البغل. كان المصلون يتقاطرون على المسجد مثنى وفرادى، ومن احد المنعطفات ظهر رجل كهل عليه آيات الهيبة والوقار وراح يتقدم بأنات صوب المسجد. وما إن وقعت عينا جعفر عليه حتى هتف بصاحبه: ها الامام الكاظم قادم، الامام! هيا هيا ياعبد الله! أمسك عبد الله بطرف ثوب صاحبه وهمس: إنتظر ثم أردف: قلت إفتح عينيك جيداً! أثارته كلمات صاحبه وهمّ أن يصرخ بوجهه غير أن صاحب البغل شدّ إنتباهه. تقدم الرجل بسرعة معترضاً طريق الامام ثم توقف وفغر بالذم المقدح فماً، صبت الكلمات كرنين الصفعة القوية على أذنه فوثب جعفر محاولاً البطش بالرجل إلا أن عبد الله أمسكه وهتف: إنتظر إنتظر!! ولشدما أذهل جعفر أن رأى الامام يمر كأن لم يسمع شيئاً. إلتفت جعفر الى صاحبه مغضباً وهتف: لماذا لم تدعني أودبه؟ أسكت لو فعلت لمنعك الامام. يمنعني؟ لم؟ لقد عرض عليه الكثير من شيعته ذلك فأبى. وقبل أن يسمع ردّ صاحبه واصل عبد الله كلامه بنبرات متوترة: إسمع ياجعفر إنني ماجئتك إلا من أجل هذا، إنني أرى أن لايجوز التسامح مع مثل هذا الرجل. آخ، لعل مثل هذا السلوك يشجعه على المضي في عدوانه او حتى ربما جرأ الآخرين على هذا الفعل ايضاً. تأمل جعفر قليلاً وقال: إنني معك، انا لاأرى السبيل لإيقافه عند حده إلا كتم انفاسه وإسحاق نفسه الخبيثة! نظر جعفر الى صاحبه فلمح في عينيه بريق الاصرار والعزم فردّ قائلاً: إنني معك ولكن؟ ماذا؟ بشرط واحد!! شرط؟ أجل أجل، وهو أن نستشير الامام! صاح عبد الله بعصبية: اراك خفت؟ إبتسم جعفر بمرارة وقال: أجل ولكن ليس حيث ذهبت، انني أخشى أن لايحظى هذا العمل برضا الامام ومباركته فماذا تكون عاقبة عملنا ياترى؟؟ بدت علائم الاهتمام والتفكير على وجه عبد الله وقال بعد فترة صمت: وماذا لو رضي الامام؟ عند ذاك سينتقل هذا الرجل الذميم وعلى جناح السرعة الى المكان الذي هو اجدر به، أعني في قاع جهنم !! رفرفت الابتسامة على ثغر عبد الله وقال: جيد، إتفقنا اذن! فردّ صاحبه: إتفقنا!! جلس أبو سالم القرفصاء بعد أن شمل مزرعته بنظرة رضا وراح يجتث النباتات الطفيلية النامية بين نبتات الخير. وما فتأت عيناه تراقب هذا الرجل الذي أقبل على حماره هادئاً مطمئناً، صاح أبو سالم وهو يرى الرجل يدخل المزرعة وهو على ظهر حماره: لاتدس زرعنا ! فلم يسمع جواباً، عاد أبو سالم الى الصراخ: لقد أفسدت عليّ زرعي! فلم يأبه الرجل لصراخه. وعلى غير مايعرفه في نفسه من حدة الطبع وشكاسة خلق وجد أبو سالم نفسه يضحك. ألقى الرجل التحية وهو ينزل عن حماره ثم دنا مبتسماً وقال: كم غرمت على زرعك هذا؟ ردّ أبو سالم مطرقاً وقد شعر بالحياء مما بدر منه: مئة درهم! كم ترجو أن تربح؟ بسط أبو سالم يده وهو يقول: لاأدري!! ردّ الرجل باسماً: سألتك كم ترجو؟ مئة اخرى! بارك الله لك فيه ! دخل عبد الله المسجد كعادته وسرعان ماتوقف كالمصعوق لايقدم قدماً ولايؤخر أخرى، ولسانه الوحيد الذي تحرك بكلمتين: أبو سالم؟ كان المصلون ينتظمون في صفوف متراصة إستعداداً لصلاة المغرب وبالأصوات التي هدرت بالصلاة على محمد وآله مرحبة بقدوم الامام إرتفع صوت يقول: "الله أعلم حيث يجعل رسالته" وهو في شدة حيرته وذهوله وجد عبد الله من يناديه بهمس: هل ترى ياجعفر؟ ما هذا؟ قاطعه جعفر بضحكة مكتومة وهو يقول: لقد أصبح الامام ما أردته بكلمات !! النداء الإلهي - 7 2015-03-16 10:12:05 2015-03-16 10:12:05 http://arabic.irib.ir/programs/item/11913 http://arabic.irib.ir/programs/item/11913 أواسط آذار من عام 632 للميلاد الموافق للثامن عشر من ذي الحجة من العام الهجري العاشر كانت تتحرك على الطريق بين مكة والمدينة قافلة ضخمة للحجاج العائدين بعد أداءهم مناسك الحج. رغم أن الوقت لازال ضحى إلا أن الجو حار شديد الحرارة وكأنما أريد له أن يكون تسجيلاً طموحياً آخر في حدث ذلك اليوم الكبير. الجميع كان فيما أشبه بالسباق لأن يكونوا قرب مقدمة القافلة حيث يسير القائد وحوله جمع من اهله وأنصاره. الرجل والرجلان والثلاثة كانوا ينحازون عن القافلة عندما يبلغوا اماكنهم وبواديهم إلا أن القافلة تبقى كما هي سائرة وكأنها كائن عجيب وسط تلك الصحراء اللاهبة. على ذات ثلاث أميال من الجحفة إنما توقفت مقدمتها وصاح رجل في آخر القافلة: ما الذي جرى؟ لاأحسب أننا بلغنا الجحفة. ردّ عليه آخر: كلا، بيننا وبينها فرسخ واحد. أليس هذا الموضع غدير خم؟ أجل هو كذلك. تعالت الأصوات من مقدمة القافلة داعية الجميع الى النزول. عاد الرجل الأول يسأل بضيق: عجباً ننزل على غير ماء ولامرعى؟ أجابه الآخر بهدوء: تمهل يارجل، فلعل هناك مايدعو الى هذا النزول. وإنطلقت النداءات داعية المتقدمين والمتأخرين عن القافلة الى الإلتحاق بها. توقفت القافلة بكاملها ودار على الشفاه سؤال حائر: ما الذي حدث؟؟ لاأدري أرمل أم نار غضى؟ إن قدمي لتحترقا ياأبا عمارة! أنظر الى الناس وأفعل مثلهم. ومايفعل الناس؟ لف قدميك بطرف رداءك ثم أعطف مافضل منه على عصاك لتستظل به! "يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لايهدي القوم الكافرين" أطرق الناس رؤوسهم خشوعاً وما إن إنقطع النداء الإلهي حتى نظر بعضهم في وجه بعض ترقباً وإنتظاراً. وإنطلقت صيحات وسط الحشد الذي بدأ يتشكل في دائرة كبيرة تقول: إجمعوا رحالكم ، هلموا هلموا يارجال!! هلموا بالرحال! قال أحدهم: وما يصنع بالرحال؟ ولما لم يجبه أحد آثر السكوت. ولم يمض وقت طويل حتى قام في مركز الدائرة أشبه بالتل الصغير. وتعالت الأصوات المنادية من جديد: الصلاة جامعة، الصلاة جامعة، الصلاة جامعة!! تقدم رجل نيف عمره على الستين يقود شاباً في ذروة الشباب واوائل الكهولة وراحا يلتقان التل ذاك حتى بلغا قمته. وساد الصمت وسط الجموع الملتفة حول ذلك المنبر، كأن على رؤسها الطير. تكلم الشيخ فحمد الله ثم أثنى عليه بعظيم صفاته وتحدث عن قدرة الله المطلقة ورحمته البالغة ونعمته السابغة ودعا الجميع الى طاعة ربهم والاخلاص له. ثم صمت لحظات وأردف بصوت لايخلو من التهدج: أني قد دعيت ويوشك أن أجيب وقد حان مني خفوق من بين أظهركم. تصاعدت شهقات البكاء من بين السامعين إلا أن الرجل تابع بلهجة توكيدية قائلاً: إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، كتاب الله وعترتي اهل بيتي فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض. ثم نادى بأعلى صوته: ألست اولى بكم من أنفسكم؟ هدرت الجموع بصوت واحد: اللهم بلى! إلتفت الرجل الى الشاب الذي وقف الى يمينه وأخذ بعضديه فرفعهما وقال: فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأنصر من نصره وأخذل من خذله. استمر صوت الرجل يتدفق وجموع الناس منصتة حتى اذا ما أراد النزول قال: معاشر الناس قولوا مايرضى الله به عنكم من القول فإن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فلن يضر الله شيئاً. اللهم إغفر للمؤمنين والمؤمنات وإغضب على الكافرين والحمد لله رب العالمين. ماذا تفعل ياعمار؟ الناس تستعد للرحيل وأنت تبني خيمتك! أي رحيل ياحسان؟ لقد امر الرسول صلى الله عليه وآله أن تقام خيمة لأبي الحسن بإزاء خيمته. ها! وهل الرسول ينوي البقاء هنا مدة اطول؟ لاأعلم والله. تقدم حسان بن ثابت خطوات حيث يقف الرسول صلى الله عليه وآله في حلقة من أصحابه وهتف: أتأذن لي يارسول أن أقول في هذا اليوم المبارك مايرضي الله؟ إبتسم الرسول فتألقت عيناه بضياء البشر فهتف احد الصحابة: قد أذن لك فقل يا بن ثابت، لافض فوك! وقف حسان وقفة الخطيب الذي يستعد لإلقاء بيان حماسي، رفع يده اليمنى وصدح صوته منشداً: يناديهم يوم الغدير نبيهم بخم وأسمع بالنبي منادياً يقول فمن مولاكم ووليكم فقالوا ولم يبدو هناك التعاميا إلهك مولانا وأنت ولينا ولم تر منا في الولاية عاصيا فقال له قم ياعلي فإني رضيتك من بعدي إماماً وهاديا فمن كنت مولاه فهذا وليه فكونوا له انصار صدق عالياهناك دعا اللهم وال وليه وكن للذي عادى علياً معادياً تناثرت كلمات الثناء حول حسان فيما أشار رسول الله اليه وهو يقول: لاتزال ياحسان مؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك. إقترب عمار من النبي وقال له بضع كلمات فإلتفت صلى الله عليه وآله الى علي مشيراً اليه أن يدخل الخيمة التي اعدت له. وعلى الأثر إنطلق صوت عال يدعو الجميع الى الدخول على ابي الحسن وتهنئته بإمرة المؤمنين. وبدأ صحابة رسول الله والمسلمون الأوائل يدخلون على علي أفواجاً أفواجاً يباركون له هذا المنصب الإلهي. كانت نظرات أحدهم قوية واضحة اذا يقول: بخ بخ لك ياعلي !! أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. ثم تلى ذلك وفود أمهات المؤمنين والنساء المسلمات ليرفعن التهاني لخليفة النبي. وتنتهي مراسم الإستخلاف او مؤتمر الإمامة دون ضجيج ودون مزيد ضوضاء لكنها رغم هذه البساطة أنجبت حقيقة كبيرة خالدة وساطعة كالشمس. إتخذت القافلة الكبيرة طريقها من جديد صوب المدينة المنورة، كان التعب والارهاق بادياً على الجميع وكانت الوجوه تموج بمشاعر مختلطة ومن بعيد كان يمكن تمييز وجهه النابض بالحيوية إلا أنه كان كئيباً. مالك ياعمار؟ دنا منه صاحبه وسأل تأوه ! ثم سكب دموعه بحرارة. عجباً! أفي مثل هذا اليوم تذرف الدموع؟ اولا إنني سمعت كلمة من رسول الله، لاأدري ربنا لمح بها بقرب أجله، لاأدري، لاأدري حقاً!! أجل لولا ذلك لقلت أنني في عيد لابل في عيدين ! ياعمار أنني قلق أن يحدث لرسول الله أمر ولايكون قد إستخلف احداً يرضاه. وهل مثلك من يخفى عليه خطورة غياب شخص الرسول؟ وما ترى بعد ذلك فاعلين؟ وهل سنكون بمنئى عن الاختلاف؟ بل هل سنكون بمنجى عن كيد المنافقين واعداء الله والرسول من دول الكفر والباطل؟ ثم في الواقع إنني فرح إن وجدت هذا الإختيار الرباني يلقاه على علي بن أبي طالب، ولو أن الرسول قلدها غيره لأسفت، ليس لنا أن نعترض على قضاء الله وأمره ولكني لاأجد اهلاً لها سواه. لقد إهتم علي بالاسلام فتى وشب يذود عنه بكل ما أوتي من قوة، لقد حضر المخاطر والحروب والأهوال دفاعاً عن هذه الأمانة الإلهية وعن النبي. ثم توقف وتابع: ومن يدانيه علماً وبصيرة بأحكام الله وشرائع دينه. ألم يقل فيه رسول الله "أنا مدينة العلم وعلي بابها"؟ ولأول مرة يقاطعه صاحبه باك ولكن بهدوء ورفق قائلاً: فلندعو الله من اجل ذلك. أجل الدعاء حق ولكن مالي أراك مكسور البال كأنك مرتاب؟ مرتاب؟ معاذ الله ان أكون مرتاباً ولكن يبدو لي أنك لم تستمع جيداً لكلام الرسول. وماذا قال صلى الله عليه وآله؟ لاأعتقد أنه قال شيئاً بهذا الشأن يبعث على الكدر! بلى بلى قد قال، بلى قد قال!! وماذا قال؟ لقد ألمح أن الخلافة لاتجري كما أراد الله لها !! أجل لقد سمعت شيئاً من ذلك ولكني حسبت أنه يرمي لأمر آخر. ولكن بعد أن فصل رسول الله فيه الخطاب، أجل "فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً". كان آخر القافلة لم يغادر غدير خم بعد عندما نزلت مباركة السماء "اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلاتخشوهم وإخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام ديناً". الفجر الصادق 2 - 6 2015-03-15 10:44:43 2015-03-15 10:44:43 http://arabic.irib.ir/programs/item/11911 http://arabic.irib.ir/programs/item/11911 خلاصة حلقة الأسبوع الماضي عدّل أبو عمرو من هيئته وقال متفاخراً: هه لقد كنت معنا عندما غزونا بني الأشهل. هزّ ابو الوليد رأسه وواصل: كم كان مباغتاً هجومنا ذاك!! هزّ الرجل رأسه مرة اخرى. ضحك أبو عمرو بصوت عال وقال: إن إستطاع بنو الأشهل النجاة ببعض أسلابهم فإنا لن نترك لبني النمير هذه المرة شيئاً ههههههه. لقد حللنا المال والطعام وسقنا السبي بما عليهن من الحلي وإقتد الضلف والخف والحافر. ويتواصل الحديث على هذا المنوال في أحد اندية قريش. أجل وهل للعشيرة العربية يوم ذاك حديث غير هذا الحديث، حديث الغزو والغارة على بعضها البعض، حديث القتل والسلب والسبي. حديث الثارات والدماء، حديث الجاهلية الرثة المتعصبة، حديث الصحراء القاحلة المجدبة. كان الحديث متواصلاً بين أبي الوليد وأبي عمرو وعمارة، غير أن دخول احد الغلمان قطعه. أهههه ماذا وراءم يارباح؟ سيدتي ضربها الطلق ولابد من عودتك ياسيدي الى البيت. ثم ينتقل بنا الراوي الى بيت خيّم عليه الحزن والكآبة، عدد من النسوة يجلسن في رحبة الدار وعيونهن تفيض بالدموع وبين الحين والآخر كن يقفن يتطلعن بأسى الى احدى زوايا البيت حيث إنطوت امرأة على نفسها. كان المشهد ينطق بالألم والحزن ويوحي بأن مأساة او نكبة ما قد حلت بأهل هذا البيت، غير أن الحقيقة غير هذه تماماً فالبيت يعيش اليوم فرحة غامرة او هكذا ينبغي له فقد رزق عمارة وليدة جميلة لم ير الحي مثلها. اذن لماذا إختنقت زغاريد الفرح لتتحول الى شهقات بكاء؟ دعونا نتملى هذا القادم! إنه عمارة، تتسمر عيون النسوة عليه فيما يتقدم هو بخطوات واسعة ويسأل: ها أذكر ام أنثى؟؟ وعندما يأتيه الرد يهجم على زوجته التي إحتضنت طفلتها وقد تجمدت الدماء في عروقها ويستلها منها بقوة. اجل شيمة الجاهلية أن تدفن البنت الوليدة في التراب، أن تأدها ببراءتها وطهرها! ولكن أي شعور متلبد وأي إحساس جامد وأي قلب ميت متحجر يحمل ذلك الانسان الجاهلي على دس وليدته الصغيرة البريئة في التراب؟ او الإغارة على اخيه وجاره فينهبه ماله ويسبي عياله وينزل به الفواجع والنكبات؟ ترى إلام يبقى الانسان أسير الجاهلية والتعصب؟ متى ينفض عن نفسه كل هذا الركام البغيض؟ متى تحين ساعة الخلاص؟ ومن هو المخلّص؟ من هو المنقذ الذي ينتشل الناس من هذه الهوة السحيقة ويلقى بهم الى مكانتهم السامية الرفيعة؟ من سيكون؟ من؟ وفجأة يطرق أسماعنا هذا الحوار: أجل يا اخاه أجل إن ديننا الحنيف يأبى كل هذه المواضعات الجاهلية، الناس عنده سواء كأسنان المشط. رسولنا صلى الله عليه وآله يقول: كلكم لآدم وآدم وآدم من تراب. أجل ياأخاه إن الله تبارك وتعالى يريد لعباده العيش بكرامة وسلام، لايعتدي احد على احد ولايغتصب أحد حق أحد. حديث غريب ولكنه جميل شيق، حديث الدين الجديد، إنه حديث الاسلام الذي لم يزل أمره سراً يبشر بدعوته رجال قليلون. بينما كان الرجلان المسلمان في حديثهما ذاك حتى فوجئا بحديث رجال في إثرهما وراودتهما الظنون، أيكون أمرهم قد أفتضح؟ أتكون قريش قد عرفت بأمر الدعوة الجديدة؟ ويقترب الرجال فيتلاشى خوف المسلمين. أحسب أنهم ماضون لغير شأننا؟ هل عرفتهم؟ يبدو لي أنهم من غلمان عمارة؟ أجل أجل!! ولكن ما هذا الشيء الذي يحملون؟ أهو طفل؟ وبعد أن يعرف المسلما حقيقة الموقف يعزمان على إنقاذ الطفلة البريئة. وهكذا كان، فقد باع الغلمان الطفلة الصغيرة بدراهم معدودة وكانوا فيها من الزاهدين. القسم الثاني كانت مكة غافية تبات في سبات ليلها البهيم وليس هناك ما يعكر عليها صفوها او يقلق هجعتها الطويلة إلا حديثاً بدا خافتاً ثم مالبث أن تصاعد وتصاعد.. صحيح أن حفيد عبد المطلب يقول إنه نبي؟؟ أجل ويدعو الناس الى عبادة إله واحد!! ها إله واحد؟ وأكثر من ذلك، إنه يعيب علينا آلهتنا ويسفه احلامنا! صحيح ماتقول؟ أجل وهبل!! عجباً!! أيظن هذا الفتى أن قريشاً ترضى له ذلك وتغضي عن إهانة دينها ودين آباءها؟؟ وهكذا استيقظت مكة، أفاقت وراحت ترقب الحدث الجديد وتتسائل: أيكون محمد بن عبد الله نبياً؟ أيمكن أن يكون هذا الرجل الذي عرفت صدقه وأمانته صغيراً وصلاحه وإستقامته كبيراً أيمكن أن يكون مدعياً؟ واذا كان نبياً حقاً فهل تتبعه؟؟ هل تتخلى عن آلهتها، عن أعرافها وتقاليدها، عن مكانتها ومركزها بل عن أيامها وماضيها التليد؟؟ لا، لايمكن ذلك، لايمكن أبداً. صرخ صخر بن حرب في وجه محدثيه وهو يحثهم على ضرورة مواجهة الرسالة الجديدة وإستطرد بأوداج منتفخة: إن محمداً يريد لنا أن نكون نحن وعبيدنا متساوين كأسنان المشط!!! ههههههه وأطلق ضحكة هستيرية. قطع عليه أحد الحاضرين ضحكته وقال: إن هذا الأمر أدعى بالإكبار منه بالسخرية ياأبا سفيان! نظر اليه أبو سفيان شزراً وتسائل: ما تعني؟؟ أعني أن الرجل يعرف من أين تؤكل الكتف، فهو بكلامه ذاك يدغدغ مشاعر العبيد فيهيجهم على سادتهم وبالتالي يكسب الى صفه قوة لايستهان بها. نكس أبو سفيان رأسه وقد غلب على أمره، فيما إنفلت من الجمع رجل كهل وصرخ: أتخشون تمرد عبيدكم؟ ههه رفع أبو سفيان رأسه وقال: هات ماعندك يا أبا جهل. ردّ أبو جهل وهم يحمحم: ليس لهم عندي إلا السوط ! حدّق أبو سفيان قليلاً في وجه أبي جهل ثم نهض وقال: أجل السوط، السوط والعذاب! ثم راح يصرخ وهو يضيف: ليس العبيد وحدهم بل كل من تطاله أيدينا!! أطلق الجمع صيحات الحماس والتأييد وراحوا ينفضوا شيئاً فشيئاً.. إنطلقت الدعوة الاسلامية تتسور الحواجز والعقبات التي بنتها الجاهلية اللئيمة وتفتح القلوب عنوة وتنشر أما إتجه النور والرحمة والسلام. ورغم العنف القرشي الذي ضرج الأرض بالدماء الشهيدة وشحن الجو بآهات المؤمنين المعذبين وأنات الجائعين الساغبين فقد استمر النبي صلى الله عليه وآله ينقل خطواته الرسالية بحكمة وأنات غير عابئ ولامكترث بكل ما يجري حوله من مساع ومحاولات يائسة لوأد الرسالة وإطفاء نورها. وكانت كلماته الربانية المنيرة تضيء الدرب امام اتباعه وتمسح على جراحاتهم برفق وحنو ورحمة فيندفعون وهم أشد قوة. وتمضي الأيام ويأم البيت الحرام جمع من أهل يثرب ويلتقيهم النبي صلى الله عليه وآله عارضاً دعوته عليهم فتنساب كلماته الهادية الصافية الى نفوسهم ويشرح الله صدورهم بالاسلام فتترع قلوبهم المتعطشة بالايمان. وهكذا مع تزايد أنصار الرسالة فيها تتحول يثرب الى قاعدة حصينة للاسلام وينزل الوحي حاملاً أمراً إلهياً، قراراً كان له الأثر الخطير في تقرير مصير الرسالة ورسم مستقبلها الوضاء المشرق. طرق الباب عدة طرقات متوالية ووقف ينتظر بفارغ الصبر. وعندما إستبطأ فتح الباب همّ أن يهتف بإسم صاحبه إلا أنه كمّ فمه في اللحظة الأخيرة وعاد يطرق بطريقة اخرى، طرقتين، طرقة، طرقتين وسرعان مافتح الباب. عمار؟ أدخل أدخل!! ألقى عمار التحية بشكل عاجل وقال: تهيء فالرسول أصدر امره بالهجرة. الهجرة؟ أجل الهجرة الى يثرب! إتسعت حدقة الرجل دهشة إلا أن صاحبه عالجه بالقول: لقد أسلم الكثير من اهل يثرب ودعو الرسول صلى الله عليه وآله ليكون بين ظهرانيهم، يحمونه ويذبون عن الدين كما يذبون عن أنفسهم وأهليهم. ها! بشرك الله بالخير يا عمار ورحم أبواك. على بعد المسافة بين الحقيقة والخيال او الواقع والطموح نحس أحياناً أنهما أشد ما يكونان من أحدهما الآخر دونواً وإقتراباً فعندما تمتد الصحراء القاحلة المجدبة أمام عيني المسافر أرض مستوية جرداء، كثبان رملية، ساحات مقفرة من كل شيء، من كل شيء! حتى من الحياة. وتألف عيناه هذا المشهد الجامد المكور، تألفه أياماً وأياماً. وفجأة ينبثق أمامه وسط تلك الصحراء الخالية مشهد يضج بالحياة، واحة خضراء، جنينة جميلة تمتزج فيها الأصوات بعذوبة، حفيف أوراق الأشجار المثقلة بالثمار، تغريد الطيور وهي تثب بفرح من شجرة الى اخرى، خرير سواقي المياه الصغيرة. لأول وهلة، هل تصدق ذلك؟ هذا هو حال المجتمع الاسلامي الذي أنشأه الرسول في يثرب المدينة المنورة، هو حال المدينة وهي تطل مزهوة، واحة خضراء في قلب صحراء الجاهلية. أتأثر بقبول دعوتي ياأخاه؟ قال ذلك مسلم أنصاري وهو يجلس الى جوار اخيه المهاجر بعد أن فرغ من الصلاة. ردّ المهاجر وبسمة عريضة تضيء وجهه: يسعدني أن ألبي دعوتك ياأخي. وتمتد المائدة امام الأخ الضيف وينال حاجته من الطعام ويحين وقت الانصراف، يهم بتوديع صاحبه غير أن ذلك يسبقه فيطلب الاذن لنفسه ثم يقول: الدار بما فيها لك ياأخاه. تفاجئ الرجل ولكن: ألست أخي؟ ألم يؤاخي بيني وبينك رسول الله صلى الله عليه وآله؟ أجل ولكن؟ اذن هذا بعض حقك عليّ ! ولكني؟ ولكني أخوك! ماج صدره بالغبطة والسرور وأخذ قلبه يقفز يثب في نشوة روحية لاحد لها. أجل هذا هو المجتمع الذي ينشد، هذه هي الحياة التي يروم ويطمح اليها، هذا هو الأمل الذي كان يحلم به طويلاً، هل هو ذا يعيش واقعاً باسماً مترعاً بالأخاء والصلاة. وبلغ المسجد، سارع يجلس الى صاحبه بعد أن بحثت عنه عيناه هنا وهناك. وشرع يبث أخاه رفيق الهجرة حديث أخيه الأنصاري، ولما لم يجد أثراً للدهشة على ملامحه تعجب واراد أن يفوه بشيء، بيد أن صاحبه إبتسم وقال: هذا ما حصل لي ايضاً كما حصل لكثير من اخواننا المهاجرين !! الفجر الصادق 1 - 5 2015-03-14 09:10:44 2015-03-14 09:10:44 http://arabic.irib.ir/programs/item/11910 http://arabic.irib.ir/programs/item/11910 اذن فقد فاز أبو عمرو بحصة الأسد. قال الرجل ذاك لمحدثه بصوت مرتفع محاولاً إسماع رجل آخر أقبل عليهما ينقل خطواته بزهو وخيلة. هتف صاحبه هو الآخر قائلاً: وإنه آل لذلك يا أبا الوليد أنتما مساءاً ! ألقى الرجل التحية ثم أردفها بإبتسامة. ردّ أبو الوليد: طاب مساءك يا أبا الغنائم، ههه ههه نعم الصيد الضبا! ثم إنصرف الى صاحبه يقول: الرجال تصطاد الضباع، تخطفها من بيوتها، من مرادع قومها ونحن هنا نطارد الأرانب ولا نكاد نعود بطائل. أطلق صاحبه ضحكة قصيرة ثم إتخذ سمة الجد وهو يخاطب الرجل الذي لم يزل واقفاً: أهلاً بك يا أبا عمرو! ها كيف تجري الأمور؟ ليس على مايرام ياعمارة! صاح الرجل بذاك وهو ينضم الى المجلس. أجاب الرجلان بصوت واحد: وكيف؟ أي ههه، ليس هي من النوع الذي تظنان. لقد حاولت معها وحاولت وحاولت ولكن من غير جدوى. ضحك أبو الوليد وقال: تتمنع عليك؟ إحمل عليها غلمانك. لاتقول يارجل، ردّ أبو عمرو بشيء من الغضب. قال أبو الوليد ضاحكاً: أعني دونك الصوت. إسترخى قليلاً ثم هزّ رأسه رافضاً يقول: لا لا، لاتقل هذا ياأبا الوليد بحقي عليك. إرتفعا حاجبا الرجل دهشة وهو يجيب: أحب الرجل وهبل. ثم إلتفت الى عمارة وأضاف: هه لاغزا صاحبك بعد اليوم. هزّ عمارة رأسه نفياً وقال: لا لا ، إنه يهزل من غير شك!! أيعشق أحد سبيته؟ ضاق أبو عمرو بالحديث وقال: دعونا الآن من هذا الأمر وأردف موجهاً خطابه لأبي الوليد: ولكنك لم تسألني حديث البارحة؟ ترى هل أطلعك عمارة على كل شيء؟ لقد سمعت كل شيء ولكني لاأمل سماع المزيد. عدّل أبو عمرو من هيئته وقال وهو يتيه زهوه: لقد كنت معنا عندما عزونا بني الأشهل. هزّ أبو الوليد رأسه وواصل: وتذكر كم كان مباغتاً هجومنا ذاك. هزّ الرجل رأسه مرة اخرى. ضحك أبو عمرو بصوت عال وقال: هههههه إن إستطاع بنو الأشهل النجاة ببعض أسلابهم فإنا لم نترك لبني النمير هذه المرة شيئاً، هههههه. لقد حمل المال والطعام وسقنا السبي بما عليهن من الحلي وأقتنا الضلف والخف والحافر. غمز أبو الوليد بعينه وهو يقول: لو لاتكن إلا ضبية بني نمير وحدها لكنا ظافرين! ضحك الثلاثة وهمّ عمارة أن يقول شيئاً إلا أنه توقف وراح يتطلع بإهتمام صوب الطريق. كان هناك فتى يافع يشتد في سيره وهو يلتفت هنا وهناك وعندما لاح له الرجال الثلاثة أخذ يجري بإتجاههم. تطلع أبو عمرو هو الآخر الى القادم وقال: أظنه من غلمانك ياعمارة؟ أجل، ردّ عمارة بشيء من القلق ثم نادى: خير، ماذا وراءك يارباح؟ توقف الفتى عن الجري وصرخ: لدينا ضيف ياسيدي. ضيف؟ صاح عمارة بهذه الكلمة ثم نهض واقفاً وعلى عجل ودع صاحبيه ثم تقدم الى جواده وإمتطاه. قال الفتى ولازال يلهث وهو يهرول خلف الجواد: ليس هناك من ضيف ياسيدي. إن سيدتي ضربها الطلق. تقول الطلق؟ أجل ياسيدي! لقد مضى وقت طويل وأنا أبحث عنك. كيف تقول؟ قال ذاك ثم نكز جواده كالسهم تاركاً الفتى يعدو خلفه يكاد يختنق من شدة اللهث. سحاب قاحلة ممتدة لانهاية لها، أكواخ قليلة اوخيام صغيرة متناثرة هنا وهناك، إبل ترعى نباتات شوكية جافة، وجوه سمراء طبعتها المعاناة وشضف العيش بطابع خاص. غزوات وغارات، قتل وسبي، نهب وسلب، احقاد وضغائن وثارات، خوف وقلق، حياة لاتعرف الاستقرار والدعة. هذه هي الجزيرة العربية قبل أن يشرق في جنباتها نور الاسلام وأن يبدد ظلماتها ويسحق جاهليتها المقيتة ويلم ذاك الشتات المتناثر. ذلك الخليط من العشائر المتنازعة لتخلق منها امة قوية عزيزة متحررة رائدة تحمل بيدها مشعل الهداية للعالمين. ولكن الاسلام لم يزل بشارة تصغي اليها قلوب المستضعفين والمسحوقين لتهفو لها وتخفق أملاً بالحياة الكريمة والمستقبل الوضاء. اجل بشارة وأمل وتطلع لاغير. فما فتأت الجاهلية الرعناء تلقي بكلكلها الثقيل على الجزيرة العربية فتخنق الحياة وتدوس الكرامات وتسحق الحرمات. أي حياة تلك التي يحياها الانسان الجاهلي؟ إنها حياة في غابة تسكنها الوحوش المفترسة فلا يدري في أي لحظة يقع لقمة سائغة في فم وحش ضاري جائع، أي شعور متلبد وأي إحساس جامد وأي قلب ميت متحجر يحمله ذلك الانسان الجاهلي عندما يقدم على دس وليدته الصغيرة البريئة في التراب او يغير على أهله وجاره فينهبه ماله ويسبي عياله وينزل به الفواجع والنكبات بل وأي عقل ممتهن ذلك الذي يعكف على صنع ربه بيده تمثالاً من التمر يخر له ساجداً وما إن يفرغ من مناجاته الحارة حتى يجلس يلتهمه بنفس الحرارة. عقل مغلول بآلاف الخرافات والتقاليد البالية تثقله وترهقه بأعمال سخيفة فارغة لاغنى فيها. فهذا يقلد نهيق الحمار كتطعيم او كضمان لسلامته من المرض وذاك يأتي بأعمال غريبة لاتفسير لها ليطرد العفاريت التي حلت جسمه فجعلته طريح الفراش فريسة الوباء. اجل هكذا هو العقل الجاهلي يدور ويدور في هذه الدوامة الفارغة كما تدور دواليب الطواحين الهوائية أنى هبت الريح، ولكن الى متى يبقى الانسان أسير هذه الأوهام؟ متى يتحرر العقل؟ يحطم اغلاله وقيوده؟ ينفض عن نفسه كل هذا الركام الجاهلي؟ متى تحين ساعة الخلاص؟ ومن هو المخلص؟ من هو المنقذ الذي ينتشل الناس من هذه الهوة السحيقة ويرقى بهم الى مكانتهم السامية الرفيعة؟ من؟ من سيكون؟ هل هو الرجل الذي يبشر به أحبار اليهود والنصارى ويقولون إنه نبي أضلنا زمانه؟ ولكن متى متى؟ لف الحزن والكآبة النسوة ورحن يجلن في رحبة الدار وعيونهن تفيض بالدموع وبين الحين والآخر كن يتطلعن بأسى الى امرأة إنطوت على نفسها في احدى زوايا البيت وقد إصفر لونها وشاب وجهها بما يشبه علائم المرض. حاولت احدى النساء تبديد حالة الوجوم فقالت: لم يرد رباح بعد أصابته داهية الدواهي، هذا حال العبيد هذه الأيام لايجيدون غير التسكع. ردت عليها الأخرى متظاهرة بالغضب. وفجاة إنطلق صوت بكاء طفل صغير، إنقطع حديث النسوة، أعادهن صوت الباكي الى حقيقة المأساة الماثلة امامهن. فتهادين الى المهد الصغير ثم حملن وترددن ليقدمنه الى أمه. كانت المرأة مطرقة وكأنها غائبة في عالم بعيد، بعيد تماماً. وعندما نادينها رفعت عيناه، تسمرت على الصغير لبرهة ثم إنسكبت دموعها بصمت. وضع الصغير في حضن أمه، سرعان ما تغير حال المرأة فإضطربت في مكانها ثم إبتسمت وضمته الى صدرها وراحت تتمتم بكلمات غير مفهومة. إقترب وضح حوافر جواد غير مغير ففزعن النسوة وتعلقت عيونهن بالباب وبعد لحظات أطل عمارة. تقدم بخطوات سريعة وهتف: ها أذكر ام أنثى؟ وعندما لم يجبه أحد صرخ: ما لكن تقفن صامتات كالأشباح؟ هل يعني هذا أن المولود بنت؟ تقدمت اليه احداهن وقالت بوقار: أجل ياولدي إنها بنت! ولكنك لو نظرت اليها لوجدتها وردة جميلة متفتحة في أكمامها. اقسم أن الحي لم ير وليدة مثلها !! عربدت دماء الجاهلية في عروق عمارة وتوهجت عيناه بالغضب وصرخ: بنت؟ لايريد عمارة البنات. وأردف صارخاً: كلا كلا، لن يكون هذا أبداً. قال ذلك ثم هجم على زوجته وإستلّ منها الطفلة بقوة. وثبت الأم فزعة مرعوبة وتعلقت بأطراف ثوبه وراحت تتضرع بإنكسار وألم لاحد لهما: دعها لي ياعمارة، أتوسل اليك ياعمارة !! حاولت الإمساك بوليدتها إلا أنها أبعدت بكل غلظة وجفاء. طفق الرجل ينادي على غلمانه يدفع لهم الطفلة البائسة لينيط بهم تلك المهمة القذرة المروعة، مهمة وأدها وإزهاق روحها البيضاء الطاهرة. أجل ياأخاه إن ديننا الحنيف يأبى كل هذه المواضعات الجاهلية. الناس عنده سواء كأسنان المشط. رسولنا صلى الله عليه وآله يقول: كلكم لآدم وآدم من تراب. ديننا ينكر أن يكون هناك فضل لأبيض على أسود، غني على فقير، سيد على مسيود إلا بأخذه بقيم الدين وانتقاءه في مدارج الايمان التقوى. أجل ياأخاه إن الله تبارك وتعالى يريد لعباده أن يعيشوا بكرامة وسلام، لايعتدي احد على احد ولايغتصب أحد حق احد، إن الله يريد... قطع الرجل كلامه. كانت هناك أصوات تقترب منهم وعندما إلتفتوا رأوا مجموعة من الرجال يجدون في إثرهم تملكهم الإرتباك. أيكون أمرهم قد أفتضح؟ إنهم لم يأتوا بما يثير ريبة وشكوك الآخرين، ولكن ماذا لو كان ذاك؟ يعني أمر دعوتهم لم يعد سراً؟ وأنها ستتعرض لبطش قريش وارهابها. فجأة إلتفت الرجل المتحدث الى صاحبه وقال: أتعاهدني ياأخي أنك لم تذكر الرسول او إخوانك المؤمنين ولو عذبت؟ أعاهدك الله ياأخي على ذلك!! ذلك المرجو مني. وفيما كان الرجال يقتربون أكثر فأكثر إلتفت الرجل الى صاحبه وقال: أعرفتهم؟ يبدو لي أنهم غلمان عمارة!! هزّ الرجل رأسه وقال: أحسب أنهم في غير شأننا ! أجل هذا ماأراه وأردف: ولكن ماهذا الشيء الذي يحملون؟ أحد الرجلان النظر ثم هتف أحدهما: إنه طفل!! طفل؟ أجل، يا إلهي أرجو أن لاتكون جريمة جديدة!! تقدم قليلاً ثم نادى: ما الذي تحملون يارجال؟ أحس غلمان عمارة بغرابة هذا الخطاب، إنهم لم يتعودوا مثل هذه اللهجة التي تفيض احتراماً. فتوقفوا وخطى أحدهم خطوات الى الأمام وقال: لقد أمرنا سيدنا أن ندفن هذه المولودة! أطرق الرجل مفكراً ثم رفع رأسه وقال: هل لكم أن تهبوا حياتها لي؟ ردّ الغلام وقد تملكه شيء من الخوف: وماذا نقول لسيدنا؟ اذا كان سيدكم يبتغي الخلاص منها فقد خلصناه! تراجع الغلام وهو يقول: إنا نخاف سيدنا، ثم إنضم الى أصحابه وساروا. مكث الرجل قليلاً ينظر اليهم ثم هتف: إسمعوا ما أقول ألكم بدنانير أمنحها لكم على أن تستجيبوا لرغبتي؟ توقف الغلمان وراحوا يتبادلون النظرات!! عباد الرحمن 2 - 4 2015-03-12 10:43:07 2015-03-12 10:43:07 http://arabic.irib.ir/programs/item/11909 http://arabic.irib.ir/programs/item/11909 خلاصة حلقة الأسبوع الماضي إستهللنا الحلقة السابقة بمشهد احد جواسيس البلاط العباسي وهو يقدم تقريره للخليفة هارون الرشيد عن المهمة الخاصة التي إبتعثه فيها على رأس مجموعة تجسسية ويبدو أن التقرير ذاك كشف عن خيبة أمل حقيقية للخليفة تجاه واحدة من خططه الأساسية لضرب المعارضة المتمثلة آنذاك بإمامة البيت النبوي وقواعدها الشعبية العريضة. ويحدثنا الراوي في مقطع آخر عن جانب من الأساليب التي إتبعها زعماء الدولة العباسية لنشر دعوتهم وإنجاح مشروعهم السياسي مستغلين الجمهور الموالي لآل الرسول ذلك من خلال الشعارات التي رفعوها الى الرضا من آل محمد الثأر لدم الحسين وما الى ذلك. وما إن تتوج الكفاح العباسي من اجل السلطة بنيلها حتى احسوا أن هذا الإنتصار إنتصار ناقص مهزوز مالم يتم لهم فرض هيمنتهم الكاملة على كل معارضيهم وتبدأ عملية الملاحقة العباسية للكثير من رجالات البيت العلوي مع تسلم المنصور الدوانيقي منصب الخلافة. ثم تشتد وتأخذ لوناً دموياً بعد تولي الهادي مقاليد الأمور وبجلوس هارون الرشيد على كرسي الخلافة تدخل القضية مرحلة جديدة فقد راح يخطط لضرب إمامة البيت النبوي في الصميم فرسم خطة جهنمية تقوم على نسف الأساس الفكري الذي تقوم عليه خلافة آل البيت ويبدأ العمل ببث فرق تجسسية أوكل اليها مهمة إشاعة مفهوم محدد مفاده أن موسى بن جعفر الكاظم هو المهدي الموعود المبشر به على لسان النبي صلى الله عليه وآله من أنه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما تملأ ظلماً وجوراً. وعندما تأخذ هذه الفكرة طريقها الى الأذهان تأتي الصدمة القاسية بتصفية الامام لتهز كل الاعتقادات والقناعات الأخرى فتتململ العقول ريبة وتشك وتضطرب النفوس والقواعد الشعبية الموالية لآل البيت فريسة التمزق والضيع ومن ثم الذوبان. هذه خطة الخليفة ولكننا ألممنا بالنتيجة التي آلت اليها فقد أنبئتنا عينا الجاسوس اللتان سلتهما الخوف والقلق، أنبئتنا بكل شيء قبل أن نرى الخليفة ثائراً هائجاً. ثم ينتقل بنا الراوي الى احد السجون العباسية المظلمة في بغداد حيث أودع موسى بن جعفر وما أن نخطو إياه هابطين درجات احدى الطوامير المظلمة المرعبة حتى تصافح آذاننا كلمات هادئة تثير السكينة وتشيع الأمن والسلام وتبدد الخوف والظلام المطبقين على السجن، إنها كلمات حارة مخلصة، كلمات إبتهال وبراعة وننتبه الى وجود وزير الخليفة الذي بدا أنه يجمع شتات شجاعته ليقترب من رجل اعزل مثقل بالحديد مفترشاً حصير صغيرة يبدو أنه فرغ للتو من صلاته وعلى لسانه بقية دعاء. ألقى الوزير تحية مضطربة وقال: هه هه لقد أرسلني الخليفة اليك وأمرني أن أطلق عنك الحديد وأن أبلغك سلامه كما حملني وصية اليك ياسيدي، إنه يقول، يقول لك إبن عمك قد سبق مني فيك أني لاأخليك حتى تقر لي بالاساءة وتسألني العفو عما سلف منك وليس عليك في إقرارك عار ولافي مسئلتك إياي منقصة. وكانت كلمة الرفض واضحة قوية لدرجة لم تترك امام الرسول إلا فرصة قصيرة لم فيها اطراف ثيابه وإنسحب على عجل. وتحبط الخطة الجديدة التي لم تكن تستهدف غير إفراغ زعامة المعارضة من تأثيرها المعنوي وسلطتها الروحية على أتباعها بعد أن يشم هؤلاء الأتباع رائحة غريبة يتوهمون انها رائحة مساومة فيشعرون بالإحباط وفقدان الثقة بقيادتهم وربما قالوا لقد أوهن زعامتنا الحديد وفت في عضدها وصلابتها السجن وقادها لأن تعترف على نفسها بالتقصير والندم وتلتمس رحمة وغفران الخليفة ولكن هذه الأمنية التي راودت احلام الخليفة طويلاً تخبو كسابقاتها. فماذا بقي له أن يفعل؟ القسم الثاني ما معنى هذا؟ ما معنى هذا؟ ألست الخليفة؟ ما الذي يجري؟ لاأدري ماذا أفعل؟ هه ما معنى أن أأمر عيسى بن أبي جعفر عمي وعاملي على البصرة في امر هذا الرجل فيكتب لي أن يأمر أمير المؤمنين أن يعفيني من أمره! أدفعه الى حاجبي الفضل بن الربيع لينفذ فيه ارادتي، لايجيبني! أنه لايستطيع ذلك! اندب الفضل بن يحيى إبن الرجل الذي إستخلصته لنفسي وجعلته وزيري وثقتي وصاحب أمري، أندبه لهذه المهمة فيتأبى عليّ! كان الأعوان والزبانية الذين توافدوا على قصر الخليفة بدعوة منه نهباً للخوف والفزع أن لايقعوا ضحية غضبه، راح كل منهم يفكر في نفسه، ترى هل صدر منه ما يوجب غضب الخليفة؟ ولكن اذا كان إنزال العقاب على الظنة والتهمة فما عسى أن يغني مثل هذا السؤال؟ إن الأمر لايعوزه إلا كلمة قصيرة يهمس بها عين الخليفة لأذنه فينتهي الانسان بلمحة بصر. وقطع عليهم الخليفة سلسلة أفكارهم وهو يصرخ: أيها الناس إن الفضل بن يحيى قد عصاني وخالف طاعتي ورأيت أن إلعنوه! فتعالت الأصوات باللعن ورددت جنبات القصر أصداءها. أما الخليفة بمواصلة حديثه غير أنه وقع خطوات مغتلسة مفاجئة. إلتفت خلفه بإرتباك، إنتزعت حدقتا الخليفة وقال ولم تزايل رنة صوته الاضطراب بعد: ما الذي جاء بك يابن خالد؟ إقترب الرجل اكثر وقال بصوت منكسر خافت: يا امير المؤمنين إن الفضل إبني حدث وأنا أكفيك ما تريد!! تبدلت ملامح الخليفة وشاع السرور في وجهه. تابع الرجل يقول: ياأمير المؤمنين لقد غضبت على الفضل بلعنك إياه فشففه بإزالة ذلك. إبتسم الخليفة وأقبل بوجهه على الجمع المحتشد وقال: إن الفضل قد عصاني في شيء فلعنته وقد تاب وأناب الى طاعته فتولوه.. هدرت الأصوات: نحن اولياء من يوالي امير المؤمنين وأعداء من يعاديه. مرت موجة الأصوات أمام أسماع الخليفة قوية مدوية فشعر أنها تحمله وترقى به الطريق بعيداً بعيداً فيه نشوة لاحد لها فضحك وضحك وأغرق في الضحك والترنح. وعندما إنتبه الى نفسه وجد أن كرسيه يهتز من تحته هو الآخر!!! لم يكن الرجل يجهل جسامة المهمة التي تحملها بل سعى بقدميه لتحملها ولذلك فقد أخذ للأمر اهبته وإستعد لمواجهة الطوارئ. والذي أثلج صدره أن الخليفة عمل بنصيحته ودون تردد فغادر بغداد الى الرقة ليكون بمنئى عن الأحداث والمهم الآن هو إستعراض قوة السلطة وإظهار سطوتها فبغير ذلك لايستطيع العمل بحريته كيفما يشاء او تشاء خطته. وردد مع نفسه: أجل لابد من الارهاب، لابد من تخويف الناس، ذلك وحده الذي يوفر المناخ المناسب للعمل. كانت هذه أفكار راودت ذهن يحيى بن خالد وهو في طريقه الى العاصمة العباسية ولكن بغداد كانت تخبأ له مفاجأة لم تكن بالحسبان. دخل بن خالد بغداد فهاج الناس وساد التوتر ولاحت نذر الانفجار، أحس الرجل بالحاجة الى عمل عاجل، حملة دعائية سريعة تصرف الأنظار عن الوضع الراهن وتحوله الى جهة اخرى تماماً فوقف امام جموع الناس خطيباً وهو يتحدث عن الوضع المعاشي للطبقات المحرومة والظلم الذي لحقها نتيجة سوء ادارة المسؤولين وقال: إنما قدمت لتعديل السواد والنظر في أمر العمال. وهكذا اخمد هذا المسعى الشيطاني لهيب الثورة الذي كاد أن يشب! أجل إنطلت الخدعة على الجماهير التي لم تعي بعد ألاعيب الحكم والسياسة وإنصرف كل الى شأنه ثقة بما قيل او يقال ولم يكن يحسب أن يكون طالعه بعد أيام ذلك المشهد الجلل، الخطب المروع ماثلاً على الجسر. كانت شرطة الخليفة تقف على أهبة الاستعداد وهي مدججة بالسلاح وقد أحاطت بجثمان مسجى. إنطلق صوت أجش ينبأ أن صاحبه عريق في صناعة الجريمة والرعب، منادياً: هذا موسى بن جعفر ههه ههه الذي تدعي الرافضة أنه لايموت !! أجل أنه السهم الأخير الذي بقي في جعبة امير المؤمنين هارون. الأمنية التي وأدها القدر. مضت دقائق قليلة كان هناك شيء ما يسري في العروق فتتشنج وتنط من تحت الجلود راعدة غضباء. وسرت همهمة متوعدة منذرة أحس الجلاوزة أن الجو يختنق من حولهم، ما هذه الأصوات التي بدأت تتعالى الى نذر بركان مدمر أوشك أن ينفجر وإستولى عليهم الذهول، ماعسى يصنعون بعيداً عن الناس. ومع حركة الجماهير لإستلام النعش تلقى فريق من الرجال إحتل زاوية بعيدة إشارة خاصة مريبة فتحرك على الفور وهجم على الشرطة غير أنها تنازلت له عن النعش دون أية مقاومة. وفجأة ظهر احد رجالات البلاط متقدماً فريق المشيعين وعلى وجهه علامات حزن ثبتها بإتقان. لم تنتظر الجماهير التي أدركت كل شيء فتخطفت النعش وراحت تطوف به المدينة وطوفان من المشاعر المخلصة الحراء يلفها بالحزن واللوعة وإستمرت تطوف وتطوف وكأنها تخط بمسيرها ذاك أفقاً يترامى الى الغيب البعيد، أفقاً يعلو على هامات النهود والشموخ والمجد. عباد الرحمن 1 - 3 2015-03-11 10:14:55 2015-03-11 10:14:55 http://arabic.irib.ir/programs/item/11908 http://arabic.irib.ir/programs/item/11908 خلع الرجل ملابسه التنكرية ووضعها جانباً ثم ركن جانباً من ذلك البهو الواسع وعيناه تتراقص في محجريها نامة عن قدر كبير من الخبث والمكر. كان خائفاً قلقاً لايكاد يستقر به مجلس وكأنه يفترش أرضاً حاصبة لوحتها الهاجرة طويلاً ولم يحس وقعاً للقدمين اللتين كان صاحبهما ينقلهما بغطرسة ورضى على البساط المخملي الذي غطى بلاط البهو الكبير. فجأة وقف على قدميه وهتف بإرتباك: امير المؤمنين وأول بإتجاه الرجل الذي وقف بإزاءه متشامخاً وإنكب على رجليه ويديه يقبلهما. أطلق الخليفة ضحكة قصيرة مفتعلة وقال برنة جافة متعجرفة: مممه ماذا وراءك؟ كل خير يامولاي! كل خير أومأ اليه برأسه أن تابع قبل أن يتقدم الى العرش ويعتليه إنطلق الرجل الذي أحنى قامته كأنه لو يريد الركوع، إنطلق يتحدث ولسانه يسيل قلقاً وخسة قائلاً: لقد سمعنا بأمر مولاي وذهبنا حيث أمر ونرجو أن نكون قد حققنا غاية امير المؤمنين. صعد الخليفة نظره فيه وقال: أراك تقتصد في الكلام يارجل، أخبرني ما فعلتموه. إبتلع الرجل ريقه وقال: لقد شرعنا بعملنا يامولاي من حيث أمرت فقصدنا مجالس القوم وخالطناهم ولم نكن ننتظر أن تئاتينا الفرصة بل كنا نبحث عنها ونقصدها، وما رأينا جمعاً إلا وإندسسنا فيه وما رأينا احداً منهم إلا تبعناه وكنا ألصق به من ظله، فما مضت إلا أياماً قلائل حتى وجدنا بعض الآذان الصاغية والكثيرين يامولاي كانوا ينظرون الينا نظرة الشك والريبة حتى راحوا يسعون بشحن الظنون من حولنا بيد أن عزائمنا لم تخر او تهن ولازمنا امرنا دون كلل او ملل. قاطعه الخليفة قائلاً: وماذا جرى بعد ذلك؟ إرتبك الرجل غير أنه إبتسم إبتسامة باهتة يداري بها خوفه وأجاب: إننا لم نصدر في كل مافعلناه إلا عما امرتنا به يامولاي، أعني أننا لم نتخطى حدود مهمتنا. إنني أستطيع أن أجزم أننا أفلحنا في أن نجد من يقول بقولنا وأن نكمل المهمة التي بدأناها من سنين وسيجد امير المؤمنين لو أنه بث عيونه وأرصاده أن هناك من يعتقد أن موسى بن جعفر هو المهدي الموعود!! توقف الرجل عن الحديث ورفع رأسه بحذر وتطلع الى الخليفة ثم أطرق وقال: ولكننا يامولاي لم نفلح في حملهم على الاعتقاد أنه قد غاب وإختفى عن الأنظار، كان الجميع يعلم أنه رهين السجن والأكثر من ذلك أن الكثير يعلمون من اخباره واحواله داخل السجن. لم يطق الخليفة سماع المزيد من هذا الحديث الذي عرف فيه خيبة ما بعدها خيبة فذهب صارخاً: كفى كفى أخرج الآن ولاتغادر القصر حتى أستدعيك. وقف الرجل وقدماه ترتجفان واخذ يتراجع الى الخلف وهو يقول: سمعاً وطاعة لأمير المؤمنين، سمعاً وطاعة يامولاي. إشتدت حالة الانفعال والغضب في الخليفة ومن خلال خطواته السريعة غير المتوازنة التي راح يترك بها المكان ونظراته الملتهبة بدا وكأن آلاف الأفكار تتقاتل في رأسه بضراوة ودون هوادة. وفجأة رفع يديه في الهواء واهوى بهما على ام رأسه وصاح: لقد إنتهى كل شيء. ثم بنبرة هاجسة مشحونة بالغيظ: لقد آلت خطتي بالفشل، الفشل الذريع!! جرجر أقدامه نحو العرش وتهالت عليه بإنهيال تام. كان زعماء الدعوة العباسية نجحوا أيما نجاح في تعبئة التيار الشعبي الموالي لآل البيت النبوي وتجنيده ضد الأمويين وكان الشعار الذي يتقدم هذه الدعوة هو للرضا من آل محمد. وهكذا عندما آلت الأمور لبني العباس وتمكنوا من الإمساك بقوة بزمام الأمور شعروا أنهم أمام منافس قوي لايمكن إغفال أمره او تخطيه بحال، ومالم ينجحوا بقهره والقضاء عليه فإن إنتصارهم يبقى مهزوزاً وناقصاً. ولهذا بدأت الحرب العباسية ضد أئمة هذا البيت تأخذ شكلها العلني والسافر مع عهد المنصور الدوانيقي وعندما آل الأمر الى هارون الرشيد قرر وضع حد نهائي لهذه المخاوف فرسم خطة شيطانية بعيدة المدى ترمي الى زعامة الخط المعارض في الصميم وإنهاء إمامة البيت النبوي وبدأ التنفيذ بدس العشرات من العناصر في الوسط الشيعي بعد أن ألبسها مسوح الدين والتي راحت تشيع فكرة خطيرة مثلها أن موسى بن جعفر هو المهدي الذي بشر به النبي صلى الله عليه وآله وأنه سيقوم بالحق ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً. ثم عمد الى تدبير عملية إعتقاله ليلاً ساعياً من خلال الأجواء التي احاط بها العملية الى إثارة أكبر قدر من الغموض والإبهام حول غياب الكاظم من بيته بعد منتصف الليل. اجل ألقي بوريث البيت النبوي في غياهب السجون فيما واصل جواسيس الخليفة بث تلك الفكرة وحشد الأنصار لها وهكذا مهد النشاط الدعائي والتضليلي لتقبل فكرة غيبة الكاظم لدى بعض القطاعات الشيعية التي يعوزها الوعي وتفتقر الى الثقافة الدينية الكافية. ذلك أنها تعرف أن المهدي سيواجه ظروفاً سياسية خطيرة وملاحقة من قبل السلطات الحاكمة تضطره الى التخفي والغيبة. ولكن هل كل ذلك ما تبغيه خطة الخليفة؟ وهل سينفعه هذا النجاح المحدود الذي حددته خطته. أجل لقد أدرك الخليفة بعد مرور سنين عدة فشل خطته فطفق يفكر برسم خطة جديدة. امتد امامه عالم واسع مترامي الأطراف مليء بالأسرار والبهجة الروحية العميقة العميقة محاطة بهالات النور، أحاسيس جميلة لذيذة وشفافة كأنها تطير بحرية منطلقة في سماء عريضة عريضة. ولم يكن سهلاً سبر أغوار تلك الاشراقة التي تتماوج على هذا الوجه المفعم رضى وحبوراً. بيد انك تحس أن عالماً زاخراً بألوان الحياة بشتى الصور المبهجة، بمختلف المشاهد النضرة يتدفق امام ناظري الرجل ومع اليدين اللتين إرتفعتا في دعوة ضالعة إنسكبت بخشوع ووله كلمات حارة مزقت الظلام والوحشة في ذلك السجن الرهيب "الهم إنك تعلم أني كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك ولقد فعلت فلك الحمد". وفجأة يدفع الباب يدخل اثنان من حرس السجن يتقدمهم رجل كهل يرتدي بزة فخمة يخطو بضع خطوات ويتوقف، تأخذه رهبة، يحس كما وأنه يجازف بولوج عالم غيبي مليء بالأسحار، شيء لاعهد له به، ينتهك شيئاً مقدساً. أجل إنتهك حرمة هذه الخلوة الملكوتية المقدسة. تراود الرجال الثلاثة فكرة واحدة، هل يتراجعوا؟ تبادلوا النظرات للحظة غير أنهم اطرقوا الى الأرض. طرقت على وجه الرجل المتقدم علائم الضيق والألم وبدا وكأن موجة من الأسف والندم قد إستبدت به ودفعته لأن يقول مع نفسه: ما الذي حملني على تقبل هذه المهمة الثقيلة؟ ألم يجد هارون من يكلفه غيري؟ صرصرت السلاسل الحديدية في يدي السجين ورجليه ثم سكنت وكما لو نزلت على الرجل النجدة من حيث لايعلم او هكذا شعر وهو يرى السجين يفرغ من صلاته فوثب نحوه وقال: السلام عليك يابن رسول الله وعليكم السلام تملك الرجل الارتباك والحيرة، ماذا يقول؟ لقد دفع الى موقع لايحسد عليه. حاول جمع شتات شجاعته وقال: لقد أرسلني إبن عمك وأمرني أن أطلق عنك الحديد وأن أبلغك سلامه ولقد حملني وصية اليك ياسيدي، إنه يقول، يقول لك إبن عمك: إنه قد سبق مني فيك أني لااخليك حتى تقر لي بالاساءة وتسألني العفو عما سلف منك وليس عليك في إقرارك عار ولامسئلتك إياي منقصة. وسكت الرجل، وقف متأدباً ماداً عنقه لتلقي الجواب وسرعان ما صافحت اذنيه كلمات هادئة لكنها قوية صلبة تثير الخوف والرهبة: أبلغه عني، يقول لك موسى بن حعفر ستعلم غداً اذا جافيتك بين يدي الله من الظالم والمعتدي على صاحبه. سرت الرعدة في اوصال الرجل وهو يستمع الى هذه الكلمات فلم يمتلك إلا أن جرجر أقدامه وإنسحي رويداً رويداً وكلمات توديع مضطربة تتعثر على لسانه. اجل لقد كانت النتيجة التي حملها اليه وزيره عن هذا اللقاء شديدة على الخليفة فهاهو مسعاه الجديد يكلل بالاحباط وهاهي خططه تصطدم الواحدة تلو الأخرى بصلابة ووعي وريث البيت النبوي. وعلى غير وعي منه إختطف رسالة ملقاة على رف قريب نظر فيها وكأنه يراها لأول مرة ثم اطلق ضحكة هستيرية هي أقرب الى صراخ المصقوع منها الى الضحك وفجأة عدل عن الضحك ليزئر: لن ينقضي عني يوم من البلاء حتى ينقضي عنك يوم من الرخاء، حتى نفنى جميعاً الى يوم ليس فيه إنقضاء هنالك يخسر المبطلون. إضطرمت النيران في نفسه إنه موسى بن جعفر مرة اخرى. صرخ وهو يلقي بالرسالة: يخوفني الموت، الموت، الموت !!! الثبات - 2 2015-03-10 10:01:43 2015-03-10 10:01:43 http://arabic.irib.ir/programs/item/11907 http://arabic.irib.ir/programs/item/11907 المدينة تعيش حركة دائبة غير عادية فالناس الذين يغادرونها جماعات وأفراد ومظاهر الزينة التي حفلت بها تشير الى أن مهرجاناً كبيراً ستشهده العاصمة النمرودية. وفي منئى عن الصخب ذاك وقف ابراهيم وحيداً والهم يعتصر قلبه ويطبق على روحه كالسحابة الثقيلة عندما تخنق بمرورها اشراقة الشمس. اجل كان ابراهيم مهموماً حزيناً، حزيناً لهذا الجهل المستشري، حزيناً أن يبقى الناس ضحية أضاليل نمرود الطاغية وأتباعه، ويتسائل: الى متى يبقى الناس في سفاهتهم وتفاهتهم؟ وحتى لو يمرون بحقيقة الكون الأزلية ولايلتفتون؟ هذه الحقيقة التي طبعت كل شيء، أضاءت كل شيء حتى أفعمت وجدان ابراهيم وعقله وأحاسيسه. الا يدركون حقاً أن عبادة الأصنام إمتهان لعقل الانسان وتفكيره وإزراء لكرامته وانسانيته. إنفلت من تأملاته هنيهة ليقول بصوت غاضب: ما العمل؟ إلا أنه عاد يفكر ويتأمل من جديد. كم مرة وقف ينصح هؤلاء القوم، حطموا هذه الأغلال التي ترصف بها عقولكم، حرروا أفكاركم من أسر هذه الأوهام البائسة. ولكن لاأحد يصغي، لاأحد. واذا كانت الكلمة عاجزة عن فعل شيء فما عساه أن يسمع. وتخلو المنازل من اهلها او تكاد وتصفو الطرقات من المارة عندها ينتفض ابراهيم يكر عائداً الى البيت ويخرج متسلحاً بفأس. وكمن يلقي نظرة على امر إعتزمه توقف قليلاً ثم تحرك بخطوات سريعة واثقة. هناك في قلب المدينة كان بناء شامخ أغدقت واجهاته بالبناء والرسوم. كان لابد وأنت تمر بالمكان ذاك من أن تؤدي طقوس العبادة للآلهة. أجل لابد من دفع تلك الضريبة فهذا بيت الأصنام. ففي هذا البيت او هذا المعبد إصطفت الأحجار المنحوتة على هيئة انسان، فهذا صنم صغير إله صغير وذاك أكبر منه والثالث اكبر منهما، ورابع وخامس. وفي نهاية الصف وضع صنم كبير، كبير جداً، أنه كبير الآلهة. وعلى الأرض بموازاة هذا الحشد الغارق في الغيبوبة والذهول عند أقدام هذه الآلهة المتحجرة إمتدت الموائد وعليها ألوان القرابين فهي هدايا للآلهة. هكذا بدا المشهد لعيني ابراهيم النافذتين الغاضبتين، لوحة رسمتها يد انسان في ساعة من ساعات الهوس وغياب العقل فهل يمكن أن تجد فيها غير ما يبعث على السخرية والتندر؟ تقدم ابراهيم الى الامام وقال وهو يشير الى القرابين المرصوفة على الموائد: ألا تأكلون؟ وسكت كأن يريد أن يترك لها فرصة الكلام، ثم أردف: مالكم لاتنطقون؟ هزّ فأسه في وجوههم ولم يسمع كلمة إحتجاج واحدة فراغ عليهن ضرباً باليمين وهم مستكينون لايردون عن انفسهم ولايحركون ساكناً. وماهي إلا لحظات قليلة حتى جعلهم جذاذاً إلا كبيرهم. حمل ابراهيم فأسه ليقلده الصنم الكبير ويستدير خارجاً بعد أن صيّر من بيت الآلهة مقبرة لها. خرج وهو يشعر بغبطة روحية لاحد لها، أن حطم الآلهة المصطنعة الميزفة، حطم أغلال العقل وقيوده لينطلق الفكر حراً طليقاً يتدبر آيات الكون ويتملى آفاقه. إحتشدت الجموع حول ساحة القضاء في دائرة كبيرة وإختلطت الأصوات الهادرة وتعالت الأصوات وتقاد العيون بالشرر ونفرت العروق حتى اوشكت أن تتفصد، كلها تحكي عن سرة غضب عارمة عصفت بالجمع ذاك. وفي وسط الدائرة الكبيرة إنتظمت دائرة صغيرة بالرجال دلت أيديهم الغليظة أنهم من رجال نمرود. إنطلق صوت أجش منكر قوي كغوار الثور يدعو الناس الى إلتزام الصمت. ألقى صاحب الصوت الذي إرتدى بذلة وتحلى بحلية خاصة وشت أنه من رجال القضاء، ألقى نظرة مخيفة على الشخص الذي وقف امامه بثبات يحسد عليه لأن نظرته سرعان ما إنقلبت عليه حسيرة. كان الشاب رغم رهبة الموقف يسدد للقاضي نظرات ثابتة لاتريم لدرجة أيقن معها رجل القضاء النمرودي أن نظراته المخيفة القاسية التي كثيراً ما جربها في محاكمة المتهمين لم يعد لها في حساب هذا الشاب من أثر. زمجر القاضي محاولاً تجنب نظرات ابراهيم: هل مكثت في المدينة عندما غادر الناس لحضور المهرجان؟ نعم! جاء الجواب بتلقائية تامة أجل، تضرعت بالمرض لتبرر بقاءك وتأتي ما أتيت، أليس كذلك؟ تفوه القاضي بهذه العبارة وكأن نوبة غضب جديدة قد ركبته. نبأ عن ابراهيم صوت هادئ رزين كما لو قال عن أي شيء تتحدث. صرّ القاضي على أسنانه وصرخ: من فعل هذا؟ وأشار الى أكوام الأصنام المحطمة. لم يعد عليه ابراهيم مباشرة مقراً أن يدمر غرور هذا القزم النمرودي ويحكم أعصابه تماماً. هادجه بنظرة باردة ثم أشار بفتور الى كبير الأصنام الذي أقيم هناك وقد تدلى الفأس من رقبته بإعتباره الشاهد الوحيد الناجي من الكارثة، أشار ابراهيم اليه وقال: فعله كبيرهم هذا!!! رغم أن الكلمات التي تفوه بها ابراهيم لم تكن توحي بهذه الاستجابة إلا أن الحشد ذاك تلقاها كإيعاز عسكري وجهه ضابط لجنوده فطأطأ رأسه وسرت همهمة "إنكم انتم الظالمون" إلا أن القاضي تدخل محاولاً إنقاذ الموقف وراح يصرخ: ألا لديك بينة على ما تزعم؟ الجواب حاضر على لسان ابراهيم: إسألوهم إن كانوا ينطقون؟ مشيراً الى حطام الأصنام! ولأول مرة يعترف بها القاضي بهزيمته. أشاح بوجهه وراح يداري بخزيه: لالقد علمت ما هؤلاء ينطقون!! ردّ ابراهيم وهو يجيل نظرات ملئها الألم والاستنكار معاً في تلك الجموع المحتشدة حوله: أتعبدون من دون الله ما لاينفعكم شيئاً ولايضركم، أف لكم ولما تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون؟ صدى كلمات ابراهيم القوية الواثقة تردد في النفوس نافذاً كالسكين فبهت القوم وراح ينظر بعضهم في وجه بعض. ومن مكانه تلفت نمرود وقد حاصره الخوف من تطور الموقف فأشار الى كبير جلاوزته اشارة خاصة. تقدم ذاك وهو يصرخ: حرقوه وأنصروا آلهتكم! وتابعه آخر هاتفاً: إبنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم! رغم موجة التهديد والصخب فقد كان ابراهيم مغتبطاً شامخاً قلبه يزخر بالايمان وروحه ترفرف في الأعالي ونفسه تسبح في أشواق سرمدية. وتحين منه إلتفاتة لأكوام الآلهة المحطمة ويبستم، تقفز الى خياله ذكرى الصبى حيث كان يربط الأصنام التي كان يصنعها عمه وكفيله بالحبل ويطوف بها بين الناس ليبيعها تحت تهديد عمه. كان يريد أن يقول لوراء ذلك: هاكم هذه آلهتكم مهينة عاجزة!! وفيما شريط الذكريات يمر في ذهن ابراهيم ارتفع في مسافة غير بعيدة عنه جبل من الحطب، وتتوقد النيران وترتفع ألسنتها الى عنان السماء وتتعالى الصرخات من حولها ويجثم الهول على الموقف ويبقى ابراهيم واقفاً لاتهتز له قناة فإن كل ذلك لايعنيه وتغلي مراجل الغضب في رأس نمرود فها هو ابراهيم لايهاب النار التي أججها لغضبه، فما عساه فاعلاً؟ كان يأمل أن يرى في هذا الشاب المتمرد ذلة الانكسار، كان يطمع أن يسمع منه كلمة رجاء واحدة. آه آه، اذن ليعجل به الى النار عله يسمع صرخة ألم عندما تنشب النار انيابها في جسده، تنهشه وتلتهمه. نهض نمرود هائجاً وقد تفجر مخزون الغضب الوثني في نفسه اللئيمة وصرخ بزبانيته: إقذفوه !!! وتتسمر العيون على النقطة التي طلت ابراهيم وسط النيران المتأججة وساعة والعيون مشدودة والأنفاس مبهورة والنار تضطرم وتضطرم وفجأة تختلط الحقيقة بالخيال الواقع بالمستحيل، المعقول بغير المعقول، ماهذا أحقاً، يصعب التصديق ولكنه حق، أجل!! هذا ابراهيم قادم بلحمه، بدمه، بخطواته الثابتة، بنظراته الواثقة. كانت الجموع ترقب المشهد مبهورة ذاهلة ومن وراء الغيب إنطلق نداء إلهي ردد صداه الوجود: قلنا يانار كوني برداً وسلاماً على ابراهيم، أرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين. الاحسان - 1 2015-03-09 10:12:22 2015-03-09 10:12:22 http://arabic.irib.ir/programs/item/11906 http://arabic.irib.ir/programs/item/11906 الجو البارد القارص وهطول المطر المستمر دفع الناس للإحتماء ببيوتهم طلباً لشيء من الدفء. ومنظر الطرق الخاوية من المارة يوحي أن المدينة أخذت هجعتها مبكراً هذه الليلة. وفي احد الأحياء الفقيرة لازال الحديث ينبعث من منزل إن صح إطلاق مثل هذا الاسم على تلك الخربة معلناً أن اهله لازالوا أيقاظاً وأن النوم لم يطرق جفونهم بعد. كثيرة هي الأحياء الفقيرة في المدينة المنورة في ذلك الزمان فقد شاء السلطان تأديب أهلها العصاة الذين أعلنوا التمرد على حكومته بعد أن رأوا فيها إغتصاباً للخلافة واعتبروا شخص الخليفة يزيد بن معاوية رجلاً فاسقاً لايصلح لإدارة أمور المسلمين وهكذا قيل لمدينة الرسول "جوعي". فعظمت مظاهر الفقر وإزداد عدد الفقراء ودعت الحاجة الكثير من الناس الى مد أيديهم والرضوخ الى لون من الإذلال لاعهد لهم به. عاد الحديث من المنزل المنخرب يسمو اكثر من ذي قبل، ارتفع صوت ضعيف النبرات لكنه واضح: هه هه سألقي نظرة على الزقاق قبل أن آوي الى الفراش! فطل رأس قد كساه الشيب وغارت عيناه وبرزت عظامه بشكل يبعث على الرثاء، حاول الرجل العجوز أن يمد قامته المنحنية وهو ينظر صوب بداية الزقاق إلا أنه عاد فتقهقر الى داخل البيت. خاطبته زوجه التي تمددت بجسدها النحيل في زاوية من الغرفة: ألا أوسطت الباب؟ ردّ عليها بشيء من التهكم الممزوج بالمرارة: هههه وهل لدينا ما تخشين عليه السرقة! لا ولكن ألا يحق لنا أن نستشعر ببعض الأمن ايضاً؟ أطمئني أطمئني تماماً!! فليس لدينا ما يغري أحد بنا، اللهم إلا يبغي سلبنا أرواحنا وليست هي مما يباع او يشترى. آه ليته فعل فقد عافت نفسي هذه الحياة الضنكة فالى متى ونحن نقاسي شضف العيش ومرارة الحياة. أشاح بوجهها وهي تضيف: لاأدري لاأدري كيف مصيرنا لو لم يقيض لنا هذا الرجل المحسن؟ قال الرجل وكأنه رغب في تغيير وجهة الحديث: أتراه الليلة يطرق بابنا على عادته أم أن المطر والبرد الشديدين سيمنعانه؟ تثائبت المرأة وقالت: آه لاأظنه فاعله!!! كان الزهري أحد علماء المدينة يسير الهوينا ومن وراءه غلامه عندما صادفه رجل مقبل يحمل متاعه على ظهره فحدق الزهري قليلاً في وجه الرجل مالبث بعدها أن خف اليه وأقبل يحيه بتواضع جم ثم قال وهو يشير الى المتاع الذي يحمله على ظهره: ما هذا ياسيدي؟ أريد سفراً أعد له زاداً أحمله الى موضع حريص! قال الزهري وفي كلامه رنة رجاء: هذا غلامي يحمله عنك. ابتسم الرجل مبدياً رغبته بمواصلة الطريق دون مساعدة. عاد الزهري يقول بإلحاح: انا أحمله عنك فإني أدفعك عن حمله! أجاب الرجل بوقار وهدوء بالغين: لكني لاأرفع نفسي عما ينجيني في سفري ويحسن ورودي على ما أرد عليه. اراد الزهري أن يعترض من جديد إلا أن الرجل قال: أسألك بحق الله لما مضيت لحاجتك وتركتني! ويفترق الرجلان إلا أن وقع اللقاء لايفترق عن ذهن الزهري ويتسائل مع نفسه: الى اين هو مسافر ياترى؟ ولم هذا الاصرار على البقاء وحيداً؟ بل ولم يحمل متاعه على ظهره دون أن يدع من يحمله عنه؟ الا يرى في ذلك مساساً او خدشاً بشخصيته وهو على هذه المنزلة والشرف؟ ثم يقول بكلام مسموع: لابد أن في الأمر شيء قد خفي عليّ؟ عشرات الدور الصغيرة المتلاصقة شبه المندثرة تراكمت هناك وكأنها اطلال أثرية تعود الى قرون خلت فالجدران مرصوفة بخليط عجيب غير متجانس فهذه حجارة الى جانبها جزء من خشبة او جذع نخل وربما جمجمة حيوان وهذه ثغرة رممت بسعف النخيل وهذا جانب منهار ترك على علته مهباً للريح. ومن وراء ذلك بدت أجزاء الدار المتداعية وكلها تبعث على الرثاء والألم وليس باطن هذه الدور بأفضل من ظاهرها او مما ينيف عليه بشيء فلاتجد من أثاث او محتويات إلا كوز ماء مركون في زاوية وصحون وأواني من الفخار في زاوية اخرى ولعل هناك حبلاً من الليف ألقيت عليه بقية أسمار بالية. وإن إلتفت تقرأ صور الفقر والعوز ماثلة تستدر العطف والشفقة. وفي هذه الساعة من الليل تدب في هذه الدور حركة غير عادية، حركة انتظار وترقب فخلف أبواب الدور المتداعية تلك وقف اصحابها وفي عيونهم نظرة تطلع ورجاء وبين لحظة واخرى تمتد رؤوس تستطلع وجوه المارين ثم تنكفأ من جديد وفجأة سرت بين القوم عبارة مبشرة تقول: جاء صاحب الجراب. من اول الطريق بدا رجل يتقدم بخطوات ثابتة وقور وبعد ان إقترب كان وجهه قد إختفى خلف لثام. بلغ اول باب أنزل جرابه من على ظهره، مدّ يده الى داخله واستخرج شيئاً أدناه من فيه ولثمه ثم طرق الباب عدة طرقات خفيفة. ولم يكن الأمر بحاجة الى مزيد من الانتظار فقد بدا وكأنه اصحاب البيت على موعد مسبق مع هذه الزيارة فسرعان من فتح الباب وتسلم احد ما الشيء ذاك مع كلمات سلام حارة غير أنها مقتضبة. ويدور الرجل على بقية الدور، يطرق أبوابها باباً باباً وهو متلثم يفرق عليهم مما عنده مشفعاً ذلك بكلمات قصيرة إلا أنها غنية مفعة بالود كأنها تمسح بأنامل حريرية على جراح هؤلاء البائسين. مضت الساعات طويلة ثقيلة وتقدم الليل وتململ الفقراء الواقفون وراء أبواب بيوتهم المتداعية وسئموا الانتظار وتسائلوا في أنفسهم: هل من الممكن أن يخلف الرجل المحسن عادته الكريمة ويقطع صلته عنهم؟ كلا لايمكن! لقد حضروه في ليالي الكل والبرد، في الليالي الممطرة، في أصعب الظروف وأقساها. في كل ذلك يتفقدهم ولاينقطع عنهم ولكن ما الذي شغله حتى هذه الساعة المتأخرة من الليل؟ خرج احدهم ليقف عند عتبة الباب ويتطلع بعيون وجلة صوب أول الطريق ويتبعه ثاني وثالث ورابع وشيئاص فشيئاً تنزع حالة الانتظار الهم المشترك الكلفة بينهم فيتقاربوا ويفضي بعضهم الى البعض. سؤال واحد سار على لسانهم: ما الذي حصل لصاحبهم، صاحب الجراب ويمتد الحديث ساعة وساعتين ويتفرق القوم ويجتمعون ليلة اخرى ويتسائلون هل من جديد؟ وتتردد عبارة كلا لم نسمع شيئاً. وتمر الليالي على الفقراء والمعدمين مظلمة بعد أن تغيب في سماء حياتهم القمر وتعود الآهات الحرى والدموع الساخنة تمتزج بفتات الطعام الذي يزدادونه ويتسم الذهول على النظرات والفتور على الحركات وتغيض ذبالة الاشراقة عن الوجوه وتموت صبابة الابتسامة على الشفاه وتهدأ الدور فتحاكي صمت القبور. دخل الرجل العجوز داره ووجهه يطفح بالألم ويغص بالمأساة ولم تفت المرأة هذه الغمامة السوداء التي لونت وجه زوجها فمسحت عنه أي أثر من البشاشة تقدمت منه وسألت: هه هه خير ماذا وراك؟ أشاح بوجهه وقد فاضت عيونه التي أنضبتها السنون بالدموع وقال بحرقة وألم وإنكسار: هه هه لم يبقوا لنا حتى هذه الزهرة المتفتحة التي نتنسم أريجها بين حين وحين!! ماذا تقول؟ حتى هذه الكوة التي نخطف من خلالها نظرات حالمة بالحياة الكريمة والمستقبل الوضاء! ما هذا الكلام؟ من تعني؟ يا إلهي ! الرجل المحسن، الرجل الصالح ينبوع الخير والاحسان! إرتفع صوته بالبكاء!!! عالجته زوجته بالقول دون أن تترك له فرصة التنفيس عن مشاعره: ما له؟ قل، هل أصابه مكروه؟ من وراء دموعه اللؤلؤية المنهمرة نظر اليها بإشفاق وأطرق قائلاً: قتلوه!!! ثم رفع رأسه وصرخ: أجل قتلوه، قتلوه. قتله أباطرة الظلم والجور والتعسف، قتله أرباب الجريمة والقتل والهرقال، قتله صناع الخراب والدمار والجوع!! صاحت المرأة بفزع وإنكار: كلا كلا !! ردّ بجزع: يكفيني يكفيني ما أنا به!! ثم أضاف بهياج: ولكنك لم تسأليني من هو ذلك الرجل؟ من هو صاحب تلك الكف الندية التي تمتد الينا بالطعام في جوف الليل؟ كلا أراك نسيتي إننا لولا ياأمرأة لتسربلنا لباس الذل ورحنا نمد أيدينا مستدرين عطف هذا وذاك؟ وإستدار باكياً وهو يقول بصوت تتقطعه حشرجة المحتضر: إنه علي ياأمرأة!! علي؟ علي بن الحسين!! تقول إنه ابن الحسين؟ جسده المسجى يحكي القصة كاملة، الثفلات العريضة توزعت لترسم عمق المعاناة التي تكبدها من اجلنا، اجل كان يحمل جرابه على ظهره ليلاً عندما تنام العيون، يطوف بها على الفقراء أمثالنا. لايريد لأحد أن يطلع على حالنا التعيس، لايريد أن يقرأ في عيوننا ذلة الانكسار، يريد لكرامتنا وانسانيتنا أن تبقى مصونة عزيزة. ويواصل العجوزان نجواهما الحزينة وعيونهما تسح الدموع. ولكم هي حزينة دموع البائسين، أنك تحس وأنت تشاهدها أن جرحاً عميقاً آخر قد إنفتح في جسد هذا البائس نزيفاً جديداً في جسد جندي ملقى في ساحة المعركة وهو مثخن بالجراح.