اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | يوم الحسين http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb البكاء على الصديقة الحوراء والسبايا المحمديين - 20 2017-11-15 12:47:59 2017-11-15 12:47:59 http://arabic.irib.ir/programs/item/15456 http://arabic.irib.ir/programs/item/15456 السلام عليكم مستمعينا الأكارم ورحمة الله وبركاته، تقبل الله منكم خالص تقربكم إليه بإحياء الشعائر الحسينية القدسية وهذا من أعظم القربات الى الله كما هدتنا لذلك صحاح الأحاديث الشريفة. معكم إخوة الإيمان في آخر حلقات هذا البرنامج.. ووقفة عن الحضور التوحيدي الخالص للصديقة الحوراء زينب والسبايا وشهداء السبي في يوم الحسين صلوات الله عليه وآثار البكاء عليهم، وهذا الحضور جزء لا يتجزأ من يوم الحسين وهذا البكاء أظهر مصاديق البكاء على الحسين نتلمس كل ذلك معاً مما كتبه أستاذنا الحاج الأديب إبراهيم رفاعة عن قصيدة زينبية فريدة في قسمها الأخير حيث قال حفظه الله: (البكاء على الصديقة الحوراء والسبايا المحمديين هو بلا شك إعلان جهور لأعداء الله الذين أنزلوا كل تلك الفظائع بعيالات حبيبه المصطفى – صلى الله عليه وآله -: تبكون زينب إذ ترحل عن ربى أرض الحسين وقلبها متقسما تبكون زينب إذ تقاد أسيرة وهي التي انقادت لها جند السما تبكون زينب إذ تلظى متنها بسياطهم، فالأفق حزناً أظلما تبكون زينب في ربى كوفانها إذ أمطروها بالشتائم أسهما كانت مليكتها، فسيقت مثلما بالذل ساقوا تركها والديلما! البكاء على هذه الأم المأسورة المقهورة التي هي نبع للرحمة والحنان.. هو جوهرة تشيع شفافية في قلوبنا وحزناً وبهجة علوية، علمنا الله عزوجل أن نتلقاها تعبداً بالدموع. لو كانت الأسيرة المسبية المظلومة المسيرة عنفاً على عجاف النياق امرأة أخرى غير حفيدة النبي وبنت علي.. لرقت لها قلوب أصحاب الوجدان، ولشاركوها – في الأقل – بليتها ولأعانوها بما يستطيعون، لكن هذه الصفية التي كابدت – دون ذنب جنته – أهوال السبي بأيدي أجلاف بني أمية هي كبيرة الأسرة المحمدية زينب شقيقة الحسين التي ذرف عمرها الشريف على الخمسين! وتزداد المصيبة إيلاماً إذا رأينا أنها ليست وحدها من تعاني في أسرها من الإرهاب والترويع، بل إنها – وهي في محنتها هذه – هي الحاضنة الحانية على الصبيان والصبيات والنساء الفاطميات الأسيرات الأخريات من عيالات النبي الرؤوف الرحيم: تبكون زينب إذ يطاف بركبها ركب الفواطم حسراً، وبها احتمى تبكونهن وهن ناموس العلا يلقى من النظار سهما سمما يتصفحون وجوههن بنظرة كالملح ماث بجرحهن مخذما تبكون زينب وهي تحبس أدمعاً حمراً تلهب في الجوى جمراً همى يا لله.. ويا لسبي زينب! إن شئت مقايسة بين ما كانت عليه هذه السيدة الجليلة النبيلة بين إخوتها وأهليها نجباء العالم من عز وصون في خدور بيت النبوة والوحي.. وبين ما تلقاه متصبرة عليه الآن، لبان أن الفارق هو فارق ما بين السماء والأرض. ما أشق سبي العزيزة المتألهة المصونة على قلوب آل محمد! إنها لهم مصيبة المصائب ورزية الرزايا جمعاء.. اولئك الأوباش الجناة يسوقون ركب السبيات الملوعات بأغلظ غلظة وأقسى قساوة، يتلذذون بضربهن وبالشتم.. في مسير وعر لا يتوقف ليل نهار! وتلك العيون الوقحة تتصفح الوجوه الفاطمية المكروبة المضروبة التي هي عرض النبي.. على طول الطريق في القرى والمدن النائية! إنهن الآن نسوة مقهورات عاجزات بين علوج أمية المستكبرين على الله، الذين أسكرتهم لذة السطوة والقدرة والإستحواذ على الملك. آه للكريم من سطوة اللئيم! إنها – لسبايا آل محمد المحمولين قسراً من كربلاء الأحباء المجزرين – مصائب مركب بعضها فوق بعض.. مصائب خانقة تقطع الأنفاس! ثم دخلت السبايا الشام.. يا ويل الشام! هي يومئذ مركز نحس آل أبي سفيان.. من قصر معاوية الشؤم وبعده ولده الشقي يزيد الشر.. خرجت فتن غشيت بلدان المسلمين كقطع الليل المظلم، إنه الإنقلاب الجاهلي الأوحش صوتاً، والأقبح عناداً وصلفاً ووقاحة. ومن اجتراء ابن الطلقاء معاوية على حرمات الله أنه حول منابر الجمعة في مساجد الشام وغير الشام الى مباءات سوء عاكف أهلها على الشتم واللعن لعلي بن أبي طالب أخي رسول الله ووصيه وساعده الأيمن في إقامة الدين. حورب المؤمنون الثابتون على صراط الحق والصدق، وألجمت الأفواه، وقتل منهم كثيرون. إن الإرهاب الأموي في كل مكان منتشر.. كأنه وباء مرعب. في مثل هذا المناخ من "إرهاب الدولة" المنظم.. دخلت قافلة سبايا آل محمد الشام، متعبة منهكة قد أضر بها العسف والعنف وطول مشقات الطريق: تبكون زينب وهي تدخل شامهم وأذانهم شتم الوصي تألما وفي الشام: المغرور المتجبر حفيد هند آكلة أكباد الشهداء متكئاً على سلطة الأمر والنهي ودموي الإرهاب، إنها مأساة أخرى من مآسي العقيلة التي لا يبدو أن لها إنتهاء، لكن مولاتنا زينباً – روحي فداها – سيدخلونها مجلسه المكتظ برعاعه المتزلفين، وستنطق بصوت هادر جهير كأنه صوت أبيها أسد الله علي، وسينتكس تجبر هذا الطاغية المتصالف، وستدس الصديقة رأسه – رغماً عنه – في حضيض التراب. تبكون زينب وهي تدخل شامهم - وأذانهم شتم والوصي – تألما تبكون زينب.. فالدواهي أجبرت عزّ الهواشم أن تخاطب مجرما لا استراحة لسبايا آل محمد في الشام، إذ أقاموهم في خربة كالأطلال.. كما لا استراحة لهم في الطريق. في طريق المسبى.. مات من الصبية اليتامى المأسورين والصبيات من مات، دفنوا أقماراً هادية تضيء البراري والقفار، ومن الجهد الجهيد الذي كابدته النسوة على أقتاب الإبل الخشبية الصلبة.. أسقطت زوجة لسيد الشهداء جنينها "المحسن" عند جبل الجوشن قرب حلب، عابراً من الغيب الى الغيب.. دون أن يمر بدنيا أهل الأرض التي قتلوا فيها أباه العظيم. وفي خربة السكنى المتداعية في الشام تفارق الدنيا – كمداً وشوقاً الى أبيها الحسين – إبنته فاطمة الصغرى المسماة رقية شبيهة جدتها الزهراء البتول، ليسطع مزارها القدسي من بعد مناراً حسينياً في قلب دار أعدائه الألداء، وتلك رزايا مفجعة تزيد القلب الزينبي جراحاً على جراح: تبكون زينب وهي تودع محسناً نجل الحسين بجوشن قد سنما تبكون زينب إذ تشيب، لفقدها بخرابة الشامات زهرة فاطما والهفي عليها.. العقيلة المهضومة المكلومة! البكاء عليها هذه المرة بكاء أخص، والتوجع لمعاناتها الآن لها مذاق مريع، إنها الآن تعود الى ديار الأحباب مدينة جدها الرسول، هي ذي دورهم خالية موحشة.. تركت أهلها مصرعين على ثرى كربلاء، وعادت بعد الأسر والسبي لتتجدد مصائبها كل يوم: تبكون زينب وهي تدخل يثرباً والصوت من ناعي الحسين تقدما "يا أهل يثرب لا مقام لكم بها سبيت عقيلتكم كما تسبي الإما عادت بلا سبط النبي ورهطه ثكلى تجرعت المصائب دهما البلايا متصلة متحاضنة يأخذ بعضها برقاب بعض، ما كانت إقامتها صلوات الله عليها قرب مثوى جدها النبي إلا إقامة قصيرة مؤقتة. إن إرهاب السلطة السفيانية لا يتحمل أن يرى المعنى الزينبي المقدس يبث أنواره في المدينة التي بدأت تصحو على مقتلة آل الله في كربلاء، حملوها سلام الله عليها مرة أخرى الى مسباها الإجباري في منفى الشام، لتكتمل الحكاية بلحاق هذه السيدة المعظمة بأخيها المظلوم.. شهيدة هي في شهداء الله من درر التاج: تبكون زينب إذ تغادر طيبة والقلب من ثخن الجراح تورما نفيت.. فودعت البيول وجدها والمجتبى والبيت ثم وزمزما ثم ارتدت إحرامها، وتسلمت باقي حنوط شقيقها إذ قسما مسحت على صدر الإمام المبتلى ففؤادها لفراقه ألماً طما قد ودع السجاد عمته التي من كفها ثقل الأمانة سلما سلكت مسير السبي ثانية ضحىً لتصير "راوية" بها نبعاً سما تبكون زينب إذ تعود لشامهم ليكون مثواها مناراً هادما لعروش آل أمية في دارها في بقعة طهرت بسرك فاطما سبي العقيلة كان معراجاً لها إختاره الرحمن بيتاً معلما أما نحن .. فهل نودع المشهد وننقلب الى أهلنا صامتين؟ لابد أن يظل لنا ما يذكرنا أبداً بهذه الأم المظلومة التي يشع قلبها بأعذب الرأفة الحنان، دعونا إذن نؤدي لأمنا ولو أقل الوفاء: نبكيك مولاتي بدمع ذا جرى من مهجة، فالعين فاضت بالدما نبكيك زينب في الصباح وفي المسا فحياتنا لك أن ننوح ونلطما صلى عليك الله زينب بكرة وعشية متحنناً ومسلما تقبل الله منكم أيها الإخوة والأخوات حسن المتابعة لحلقات برنامج (يوم الحسين) إستمعتم لها مشكورين من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران.. دمتم في أمان الله... البكاء الزينبي - 19 2017-11-12 09:01:19 2017-11-12 09:01:19 http://arabic.irib.ir/programs/item/15435 http://arabic.irib.ir/programs/item/15435 السلام عليكم أيها الإخوة والأخوات ورحمة من الله وبركات.. أهلاً بكم في لقاء من هذا البرنامج... البكاء الزينبي بجميع مضامينه ومصاديقه هو من مصاديق نصرة الحسين صلوات الله عليه ونصرة قيم قيامه المقدس ونصرة قيم الإسلام المحمدي النقي وبالتالي نصرة الله تبارك وتعالى. هذه الحقيقة مستمعينا الأفاضل أكدتها كثير من الأحاديث الشريفة وهي التي يبين في هذا اللقاء أهم مصاديقها وبأبلغ البيان أخونا الأستاذ الأديب الحاج إبراهيم رفاعة ضمن تعليقاته على القصيدة الزينبية الغراء التي عشنا وإياكم في أجوائها في عدة من حلقات البرنامج، كتب الأستاذ رفاعة يقول: عندما تمتزج المأساة بالسمو والرفعة، والحزن العميق بالعظمة الجليلة، والوصف الملحمي بالأبهة والفخامة.. تلوح على الشعر ملامح الفن الشعري الذي يبقى ويدوم، لا سيما إذا أضيف الى قصيدة الشعر عنصر السلالة في اللفظ والوضوح في البيان، وهذا كله من سمات ما نحن في تياره من قصيدة "هو قلب زينب". الفجيعة الوجيعة الدامية التي حلت بسيد شهداء الله ورجاله الأنقياء في كربلاء.. مما لا يقدر قدره أحد، ولا يقدر على حمل أعباء طرف منه أحد. كل تلك الرزايا والبلايا والكروب إنما تحملها قلب امرأة هي من رسول الله لحمته وعزيزته. إنها زينب ابنة أم أبيها فاطمة الزهراء. وهي ما تدور كل أبيات هذه القصيدة المديدة التي زادت أبياتها على المئتين حولها.. في محور أحمر مشرب بالأحزان والأشجان، مجدول بالصبر والتحمل والرضا وطهر النور. هذه المرأة اتسع قلبها من قبل أيضاً لتجرع مصائب جدها النبي، وقد عاصرته صغيرة السن في أعلى درجات الوعي والتمييز، وتجرح فؤادها كذلك لمآسي أبيها أمير المؤمنين علي، وما وقع عليه من ظلامات هي أبهش الظلامات، ثم رزايا أخيها الحسن الزكي المظلوم، وها هي قد تناولت كأس بلاء طافحة في عاشوراء شقيق روحها أبي عبدالله الحسين: خامس الخمسة الذين اصطفاهم الله ليكونوا أصحاب الكساء المطهرين تطهيراً مطلقاً من كل ما يشين. لقد وقعت الواقعة.. وتم كل شيء! وهي – بعد المقتلة العظمى لخاصة أولياء الله وأحبائه الشهداء – بين أراذل القتلة السفاحين.. ثكلى تقاد – هي والصفوة الذين أبقاهم السيف من يتامى آل محمد واليتيمات – أسيرة مكبلة، كأنها ليست ناموس النبي وشرف الوصي وشقيقة الحسنين سيدي شباب أهل الجنة وريحانتي النبي! يكفي أن تقول: إنها زينب.. لتنثال عليك أسمى معاني الطهر والعفة والحياء، وتهبط عليك أصفى أنوار الهدى وأسرار التوحيد. إن البكاء على الفلذة المحمدية الطاهرة في تحملها عظيم الفجائع، والبكاء عليها في هذا المشهد الجديد من الأسر والسبي والإذلال.. مما يثير في نفوس أهل الحمية الأحرار: الغيرة والنهوض سراعاً للنصرة وفتح الصدور لتحدي الآسرين المنكوسين من شيعة آل أبي سفيان، وهو مما يوقظ كل نائم ويوقف كل قاعد لإستنقاذ عرض النبي الذي هو عرض الله، وناموس علي الذي هو ناموس الله. أما وقد وقعت الواقعة من قبل، واقتيدت العلياء العزيزة المعظمة، في قافلة السبي الأليمة التي تستحث الخطى من الكوفة الى الشام.. فماذا يمكن للمرء أن يفعله نصرة لآل الله المسبيين؟ إن أدنى ما يفعله أحدنا هو هذا التعاطف القلبي، وهذه الحرارة الوجدانية الحزينة الغاضبة، ومن صور هذا التعاطف وهذا الحزن الحار الفوار: أن يجود القلب بالخفقان المتبصر، وأن تجود العيون منا – على ما أصاب هذه الأم القدسية – بجاري الدموع. إن البكاء – بما يختزن من مودة وحرقة وغضب مقدس – هو نوع من النصرة بلا ريب وما أكثر مواطن ابتلاء هذه الأم الشفيقة الحنون! وما أشق ما تحمل قلبها المجرح الصبور من مصائب آل الله في كربلاء! إن كل موطن من مواطن ابتلائها مناحة عظمى وكرب مرنح شديد: تبكون زينب إذ تقدم للردى برباطة الجأش الشقيق الأفخما لما أتى قدس الخيام مودعا مسترجعاً، من أهله مستعلما: من ذا يقدم لي الجواد بكشفه عني البلا، فأجيب ربي مسلما؟ من ذا يقدم للمنية وارثاً مني الأمانة آخذاً ومقدما؟ ما قدم فرس المنية لأخيها الذاهب الى القتل – بعد مصرع جميع رجاله – غير أخته العقيلة، لا أحد بقادر أن يقدم فرس المنية تقوده لأخيها الأعز – في تلك اللحظة – غير أخته الخفرة المصونة التي هي شرف النبي: فاسترجعت بنت البتول، وقدمت لشقيقها ذاك البراق مطهما وتناولت كأس البلاء، وبعضه قد هد من صلب الجبال الأشمما باختيارها – روحي فداها – تناولت كأس البلاء، وهي كأس دهاق مترعة طافحة، ثمة موطن آخر من مواطن فجائع كربلاء الحسين، هو ذا أخوها الشهيد المدمى أمامها.. تريد أن تنقل إليه أمانة عهدت بها أمها البتول إليها قبل رحيلها من هذه الدنيا. في أحرج اللحظات تؤدي ابنة فاطمة الأمانة، وقلبها يتسعر ناراً ويتحرق مأساة، ما هي هذه الأمانة الفاطمية العجيبة التي تؤدي في لحظة الإستشهاد هذه العجيبة؟! تبكون زينب وهي تنقل قبلة لشقيقها، والقلب ناراً أضرما كانت أمانة أمها، لثمت بها صدر الحسين ومنحراً قد ثلما قبلة من أمه فاطمة الزهراء – نيابة عنها ثغر ابنتها زينب – لحبيب قلبها الحسين.. على صدره المبضع وعلى نحره الذي سينحر بعد قليل! يا لله، ويالفاطمة، ويالزينب، وياللحسين!! ما السر في هذه القبلة الفاطمية المذخورة لولدها الحبيب في أقدس لحظات كل عاشوراء، وفي أرهب مواضع كل كربلاء؟! وما أكبره قلب زينب العليمة الصبورة يتحمل الوصل في لحظة الشهادة بين فم الأم الراحلة ومنحر ولدها الحسين الشهيد! هو قلب زينب.. حل فيه إلهها فغدا يفيض بجوده متكرما لابد أن تكون كذلك، القلب الذي يقدر على تحمل إيصال أمانة قبلة الزهراء في تلكم الحالة الصاعقة.. لابد أن يكون قد حل فيه ربها بعظمته وجلال صبره. ما انتهت – عند هذا الحد – مصائب العقيلة التي نبكيها بكاء طفل على أمه، ثمة مآس أخرى ملوعة بالإنتظار: تبكون زينب إذ تغالب لوعة جاشت بها لكفيلها إذ قطما عباسها، وقد انحنى لمصابه ظهر الحسين، فعاد يندب ضيغما ومصيبة أخيها الشهم أبي الفضل العباس في نفسها كارثة الكوارث، وخطب والخطوب. ثم.. ماذا بعد؟! أبقي شيء لم يجرح القلب الزينبي المدمى الصابر الكبير؟! تبكون زينب وهي تسعى في لظى بين الخيام وصدر وال هشما تبكون زينب وهي تسلب عنوة فالكون أمسى في عزاها مأتما تبكون زينب وهي تجمع صبية هاموا شتاتاً في البرية حوما والآن.. هل بقي في كأس البلاء صبابة لم تتجرعها عقيلة الطالبيين؟! إن الكأس ما تزال في امتلاء مستمر، وفي طفح مستمر: تبكون زينب إذ ترحل عن ربى أرض الحسين، وقلبها متقسما كتقطع الشهداء أشلاءً.. غدت في كربلاء الله نوراً معلما قلب العقيلة قد توزع مثلهم لينير أفئدة النوادب مرهما مأساة فوق مأساة، وجرح غائر على جرح غائر، مآسي الفقد والتقتيل، وجروح الفراق والترحيل، الخطوب تجمعت مرة واحدة، لو كانت خطوبها تأتي فرادى، فكل خطب منها يذهل أربط الرجال جأشاً وأشدهم بأساً.. فكيف وقد نزلت متتابعة متواصلة على قلب إمرأة.. ما سلاحها إلا الصبر، وما اتكاؤها إلا على الصبر؟! منها – صلوات ربها عليها – الجرأة والتضحية والصبر الجميل ومنا المشاركة القلبية – بمقدارنا – والمواساة، بيد أن هذه المواساة منا لسيدة الأسرة بعد استشهاد أخيها المظلوم.. ما تزال تنثر على المواسين والنادبين زخات من النور السماوي المبصر، هو لقلوبهم – ولقلوب كل النادبين على طول التاريخ – مرهم الشفاء. بقي من القصيدة – يا أخي – مسك الختام، وهو ما يتعطر به لقاؤنا القادم، بإذن الله. جزى الله خيراً أستاذنا الحاج إبراهيم رفاعة على هذه الإشارات النيرة بشأن خصائص الحضور الزينبي في القيام الحسيني المقدس، نتابعها معاً فيما كتبه في الحلقة الأخيرة من برنامجكم (يوم الحسين) الذي يأتيكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران. شكراً لكم ودمتم في أمان الله.. قصيدة هو قلب زينب 4 - 18 2017-10-30 12:31:54 2017-10-30 12:31:54 http://arabic.irib.ir/programs/item/15390 http://arabic.irib.ir/programs/item/15390 السلام عليكم مستمعينا الأكارم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج العاشورائي؛ نتابع فيه التعرف الى خصائص الحضور الزينبي في يوم الحسين الخالد من خلال ما كتبه أستاذنا الأديب الحاج إبراهيم رفاعة عن قصيدة (هو قلب زينب)، هي قصيدة عشنا في أجوائها والحقائق الحسينية السامية التي إشتملت عليها، حقائق تعرضها من خلال حوار في عالم المعنى والملكوت بين الحوراء زينب عليها السلام والبلاء الذي سجد لصبرها الإلهي الفريد وهي تتسلم من أخيها سيد الشهداء صلوات الله عليه أمانة رسالة الشهادة في ركب السباء.. قال الأستاذ رفاعة حفظه الله: القصة الواقعية التي تجلت في الغيب.. ما حكاها إلا السيدة الصديقة زينب شقيقة روح الحسين ورفيقة دربه الأحمر النبيل، حكتها مركزة رفيعة سامية، وقد تعرفنا على فصول منها عبر القصيدة الرائعة هو قلب زينب". البلاء الذي أذهله صبر العقيلة الذي هو المظهر الأتم لصبر الله الصبر، ووصف المآسي العاشورائية المفجعة، وهذا الرضى الغامر الذي قابلت به الصفية الصابرة عواصف الرزايا والمحن.. هذا كله أفضى – في القصيدة – الى أفق جديد، هو ذروة الذروة في الحكاية، الله تبارك وتعالى نفسه يريد أن يعرف بزينب بنت أميرالمؤمنين أمته الحبيبة العليمة التي أودعها خزانة الصبر كله. سيعرفنا جل وعلا على شقيقة روح الحسين نقطة نقطة، تعريفاً بالإشارة المجملة.. يدركه من له قلب، وعلى المرء نفسه أن يبحث عن التفاصيل. في اللقاء الأخير إنتهينا الى تسليم البلاء تسليماً تاماً الى ما تصنعه هذه الصديقة العلياء، قال البلاء آخر ما قال: "الله أعلم حيث يجعل سره" قال البلاء لزينب مستسلماً ثم جاء النطق من عمق عرش الله، ليكون ختاماً ربوبياً لكل مشاهد القصيدة: فعلا نداء العرش يوحي من علىً حكم الإله، وكان قولاً محكما: هي زينب صنع الجميل لخلقه فقد اصطفاها للزكية محرما هي من حروف السر في قطب الرحى في فاطم مستودعاً مستعصما هي زينة المولى علي المرتضى توحيده، هي صبره.. فيها نما هي طيب طه، هدي سبطي أحمد هي دمع أصحاب الكساء ململما هي آية التطهير إذ تبكونها دمعاً طهوراً للنفوس وعاصما إنها – سلام الله عليها – إذن – خلاصة أهلها الأصفياء الأطهار: محرم أسرار أمها فاطمة الزكية، وزينة أبيها علي المرتضى، وهي توحيده وصبره النامي العظيم. وهي طيب جدها النبي الأنور، وهدي أخويها الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة. وهي الى جوار هذا، دمع الخمسة الأطياب المطهرين، إنها بعبارة أشد إيجازاً: "صنع الجميل تبارك وتعالى لخلقه". هذه هي مولاتنا زينب بتعريف الله لها في عالم الملكوت والمعنى والحقائق المكنونة، وما وراء تعريف الله من تعريف. هذه الآفاق الزينبية العليا هي لزينب وحدها، وهي أحق بها وأهلها بهذا علا النداء الملكوتي العرشي. ولها صلوات الله عليها حق علينا، بل حقوق، والمدهش أن هذه الحقوق التي في أعناقنا الخلق لهذه الصديقة المعظمة.. إنما ترجع إلينا ثمراتها، وتعود علينا عوائدها السخية إنها عنا في غنى، غنية بربها عن الخلق، والخلق هم المحتاجون الى التحف السماوية التي تفيض بها كفها القدسية، وهم الظامئون الى سحائب الغيث والغوث والخير المتألقة في سماء ابنة النبي. ما يزال النداء الملكوتي يعلو.. يعلمنا أن تخشع منا القلوب إزاء مشاهد الرزايا الزينبية المفجعة، ويحرضنا على أن يتيقظ في داخل كل منا غافي الوجدان، لتكون لنا مشاركة لصفية الله المظلومة المهضومة، لا مشاركة في تحمل ما تحملت؛ فهذا ضرب من الإستحالة والتعجيز، إنما نشاركها بما نقدر عليه – وبكل ما نقدر عليه – من التعاطف الوجداني والحرارة القلبية.. فنأسى لما أصابها، ونتحرق كمداً للرزايا والخطوب والبلايا التي نزلت بها مجتمعة ومتفرقات. إن مولاتنا زينب بنت علي وفاطمة هي كالأم لنا في حنانها ورأفتها، بل هي أم.. أكثر حناناً ورأفة من الأم، ماذا يفعل أحدنا إن عاين أمه تلقى الأذى والنصب والإستخفاف من أوباش جفاة معتدين؟! أتراه يظل متفرجاً كالغرباء على أمه التي تستذل وتضرب وتهان؟! إن أهل الكوفة ممن لم تسنح لهم فرصة المشاركة في القتل والقتال يوم عاشوراء كانوا متفرجين، أترانا نرضى لأنفسنا أن نكون قد حضرنا اليوم العاشر في كربلاء، ووقفنا من وقائعه موقف المتفرجين؟! هذا صوت أبي عبد الله الشهيد الغريب المظلوم ما يزال – منذ يوم عاشوراء – يرن في فضاء الأجيال والقرون "من سمع واعيتنا – أي صوت مقتلتنا – ولم ينصرنا أكبه الله على منخريه في النار". إنه اختيار أحد موقفين لا ثالث لهما: إما موقف أهل الغيرة والحمية الرجال، أو موقف المتخاذلين الأنذال. الله تبارك وتعالى يدلنا على الموقف اللائق بمن في قلبه محبة لأهل البيت ومودة: أن نأسى في الأقل لهذه الأم العظيمة الفياضة بالرحمة والحنان، وأن يجرح مرآها في كربلاء – وهي المرأة المستوحدة المستفردة المقهورة الصبورة – منا سويداء القلب، فتنفجر في داخلنا عيون الحمية بالدمع والبكاء، والبكاء هذا نوع من النصرة، ولا ريب. إن الحزن يمسي مضاعفاً، والأسى مركباً إذا بكينا على شقيقة الحسين: لفداحة مصائب شهداء كربلاء أنفسهم، ثم لعظيم فجيعة العقيلة نفسها على مصائب شهداء كربلاء، وعندئذ يغدو نظرنا الى رزايا عاشوراء.. كمن ينظر إليها من خلال عدسة أشد تركيزاً للصورة، وأكثر توسيعاً لألوانها الحمراء. هي آية التطهير إذ تبكونها دمعاً للقوس وعاصما هي آية التطهير إذ تبكونها دمعاً للقوس وعاصما أرأيت – يا أخي – ما نفوز به في بكائنا على عزيزة الله المصونة بنت فاطمة الزهراء البتول؟! ستكون دمعتنا عليها مطهرة لنا، وما أحوجنا في هذه الدنيا الى التطهير! وستكون عاصمة لنا من الغرق في الشك والضلال، وما أجدرنا أن نبادر الى ما يعصمنا من الغرق في الشك والضلال! ليس هذا وحده، فثمة هبات رائعة أخرى نستمدها من الصديقة في البكاء عليها وفي الحزن لأحزانها المتألهة المقدسة، وما أغلاه من فتح لنا إذا كان فوزنا – من كرم يديها – بأن تمنحنا رؤية الحسن والبهاء منطوياً في داخل المحن، ورؤية جميل صنع الله متلألئاً مجدولاً في عمق كل رزية ومصاب، أجاركم الله من كل مصاب ورزية! تبكون زينب أم كل مصيبة جزعاً يصير لكل جرح بلسما وهكذا مستمعينا الأفاضل تتضح خصوصية أخرى من خصوصيات يوم الحسين يتضح منها سر ما أكدته كثير من الأحاديث الشريفة بشأن عظمة الثواب الذي جعله الله تبارك وتعالى للبكاء على المصاب الحسيني والمصاب الزينبي. فهو بكاء يستتبع صلاة الله على الباكي كما ورد في الحديث المشهور المروي عن الإمام الصادق – عليه السلام – وهو بكاء يطفأ نيران جهنم لأنه يجفف في نفس الباكي كل نزوع للظلم والجور وهما أهم العوامل الى جهنم أعاذنا الله وإياكم منها. نشكركم على طيب الإستماع لحلقة اليوم من برنامجكم (يوم الحسين) إستمعتم له مشكورين من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران.. في أمان الله... تجليات عزة المظلوم الذبيح - 17 2017-10-23 09:24:47 2017-10-23 09:24:47 http://arabic.irib.ir/programs/item/15356 http://arabic.irib.ir/programs/item/15356 سلام من الله عليكم أيها الإخوة والأخوات ورحمة منه وبركات.. (تجليات عزة المظلوم الذبيح) هي من أبرز خصائص يوم الحسين عليه السلام وهي موضوع حلقة اليوم من هذا البرنامج.. نتعرف إليه من خلال ماكتبه أستاذنا الأديب الحاج إبراهيم رفاعة عن تأملاته العميقة في إحدى أجمع القصائد الغراء في بيان خصائص اليوم الحسيني الخالد إنها قصيدة (هو قلب زينب) التي تحكي لنا حواراً في عالم الملكوت والمعنى بين الصديقة الحوراء وبين البلاء الذي سجد صبرها وأمره ربه أن يتعلم منها أسمى مراتب الحمد والشكر والصبر والرضا بمشيئته عزوجل. قال الأستاذ الحاج رفاعة: جسد النور الحسيني الأحمر، هذا الممد المسلوب الرداء بجنب زينب في طف كربلاء.. تنظر العقيلة الحوراء في مساء يوم لترى فيه ما لم يره أحد.. في فضاء هو العز في أسماه، والجمال في أرقاه، والبهجة في أسعدها وأغلى طيبها؛ وها هي تحدث البلاء – بل وجميع الموحدين – قائلة بلسان الحال: ورأيت في الجسد السليب حمية هيهات منها أن تذل وتهضما ورأيت في الشيب الخضيب نضارة تحكي انتصاراً في الملاحم أعظما ورأيت نوراً في عميق جراحه يعلو إباءً في البلايا أكرما وشممت تربته، فأنطق طيبها قلبي وأبهجه، فقال متمتما: ماذا على من شم تربة أحمد في كربلا أن لا يفارق ذا الحمى؟! إننا الآن لسنا أمام مرأى مقتلة مروعة مفجعة تفجر الأسى والبكاء والنحيب فحسب، بل ما نراه مشهد عظيم معبأ بالإباء والحمية والظفر الغالب رغم الظاهر المغلوب.. وأمام نور حسيني يستعلي على وهن المصائب والكروب، ثم هذه تربة الشهيد عابقة بطيب أبدية الله.. يمازجه ابتهاج روحي وجمال بهي يهيمن على كل شيء، هذا الطيب ذوالبهجة الغامرة هو نفسه طيب جده النبي، أو ليس السيد الحسين شبيهاً بجده النبي؟! ماذا على من شم تربة أحمد في كربلاء أن لا يفارق ذا الحمى؟! هذه التربة الملكوتية المكنونة المصونة المضخمة بدم الشهادة الأقدس، وبالعطر المحمدي الأنفس.. تربة عزيزة كريمة فضلى زخارة بالأسرار والأنوار، تتناول الصديقة زينب قبضة من ثراها تحملها معها أينما حلت، هي مسجد لها وحرز ومسبحة وزاد شفاء: فحملت منها مسجداً يسري معه حرزاً ومسبحة وزاداً بلسما وأنعم بهذه التربة المرتوية بيد سقاء آل محمد أبي الفضل العباس من "ربوة ذات قرار ومعين" فيها زمزم.. وفيها كل ماء الحياة: فحملت منها مسجداً يسري معي حرزاً ومسبحة وزاداً بلسما ورواه من ماء الفرات بربوة سقاء آل الله كان المعلما فلقد بكت نبع الوفاء وجوده فتفجرت عين السقاية زمزما من زمزم العباس كان شرابنا فلركبنا صار الكفيل ملازما وكان هذا فضلاً من أخيها أبي الفضل العباس، وللعباس بن أميرالمؤمنين حكاية عظمى في طف كربلاء.. كل تفاصيلها عزم رجولة وعمق يقين ومعرفة وتهاليل جمال، هو السقاء للأكباد الحرى قبل اضطرام الملحمة العاشورائية، وسيظل الى الأبد للأكباد الحرى هو السقاء. وهو الكفيل الحمي المدافع عن حرمات رسول الله، تهاب نظرته شزراً بمؤخر عينيه قلوب الشجعان أن تدنو الى مخيم حرائر علي وفاطمة، وسيظل المرافق الغيور المؤتمن الذي يماشي ركب الهاشميات المحمديات في رحلة السبي الشاقة الطويلة الى الشام. إن أخاها العباس هو صورة لأبيها علي بن أبي طالب في شهامته المجبولة له وحده، وفي رحمته السابغة التي لا تناسب قامة إلا قامة ولي الله الأعظم علي: من زمزم العباس كان شرابنا فلركبنا صار الكفيل ملازما حديث كربلاء.. هذا المدمى المتوثب بالبسالة وبالحمد والتعبد والجمال، كل هذا الحديث تحكيه للبلاء – في عالم المعنى- العلياء المكرمة بنت محمد وعلي، البلاء الذي أدهشه جبل الصبر الزينبي، فاستقال ربه ودعاه أن يعفيه من ملازمة دار العقيلة، تحكيه لتري البلاء أنها ما رأت في المصائب غير الجميل من فعل الله، وما عاينت في أعتى الكوارث والخطوب إلا أسنى الحسن والبهاء؛ فإن حبيب قلبها الحسين هو من مسح بكفه على صدرها.. فإذا هي ترى عياناً أن الرزايا نعم، والبلايا منح وهدايا تتنزل بسخاء من فوق! ها هي صلوات الله عليها لا تسمي حديث كربلاء إلا حديث العشق، حتى ما ستلقاه من أسر وهضم في سبي الأدعياء الأشقياء لخفرات الله من نساء آل محمد.. تتذوق فيه عشق الله والشوق إليه، إن رحلة الأسر والسبي هي إتمام لرحلة القتل والذبح في كربلاء: هذا حديث العشق في طف البلا وتمامه في الشام سبياً مدغما وستكشف سلام الله عليها لهذا البلاء المترحم المذهول سراً من أسرار الملمحة الحمراء التي اختار صنعها بدمه المقدس شقيقها العظيم، كما ستجلو سر اختيارها لظلامات السبي المضني الملوع الذي سيعقبه استشهادها بعد أمد قصير، هذا السر فيه من الإيثار والغداء ما يبصرنا بعرفان جميل هذه السيدة الهاشمية علينا.. تماماً كما كان قبلها سابغاً علينا جميل أخيها الحسين: خار الحسين القتل كي ينجو الورى من ميتة المحيا بديجور العمى خار الشهادة فهو مصباح الهدى واخترت سبياً بالشهادة تمما واخترت أسراً كي تحرر شيعتي من كل أسر ظاهراً أو مكتما البلاء – هذا المخلوق الإلهي المطيع – من داخله اهتز وهو يصغي الى الحقائق المذخورة التي نطقت بها شقيقة روح الحسين، هذه الحقائق الزينبية المكنونة التي تهادت على سمعه نقية غالية رقراقة.. زادته حيرة، وعمقت في داخله الإحساس بالضالة أمام طود صبر لا يقدر عليه إلا الله. بكى البلاء، لابد للبلاء أن يبكي إن كان له قلب حي. وسجد البلاء أيضاً، لا مناص له من السجود طوعاً في هذه الحضرة المتألهة العزيزة، ولا مناص له كذلك من الإستغفار بين يدي ربه وقد تجلى له جميل صنع الله المجدول بالحكمة والنعمة المدرارة، ومن حينها قرر أن لا يتساءل عما يجري على العقيلة الصفية، مطيعاً مذعناً لما تصنع هذه الصديقة ولما تقول: فبكى البلاء وخر عبداً ساجداً واستغفر الله الحكيم المنعما رضي المقام بدارها طوعاً لها وأناب عبداً للعقيلة قائماً: "الله أعلم حيث يجعل سره" قال البلاء لزينب مستسلما القصيدة الزينبية ما تزال – يا أخي – تحكي.. تحكي حكاية كربلاء، لكن من أفق نوري زاه موغل في العلو؛ لأنها حكاية نطقت بها العلياء المعظمة زينب بنت أميرالمؤمنين.. الناهضة – بشجاعة فذة – بأعباء ملحمة عاشوراء. اللقاء المقبل يا أخي.. يتألق أيضاً بآفاق رائعة من قصيدة "هو قلب زينب". كان هذا مستمعينا الأفاضل مما كتبه أستاذنا الأديب الحاج إبراهيم رفاعة عن تجليات عزة المظلوم الذبيح عليه السلام في يوم عاشوراء.. تقبل الله منكم حسن الإصغاء لحلقة اليوم من برنامج (يوم الحسين) إستمعتم لها مشكورين من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران.. دمتم في أمان الله... قصيدة هو قلب زينب 3 - 16 2017-10-09 10:16:31 2017-10-09 10:16:31 http://arabic.irib.ir/programs/item/15299 http://arabic.irib.ir/programs/item/15299 السلام عليكم مستمعينا الأكارم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج. أيها الأطائب.. إن يوم الحسين هو يوم أصحاب الكساء المطهر جميعاً.. فهم جميعاً الذي إستهدفتهم أحقاد الطغيان الأموي، وسعت الى محو ذكرهم وقطع وحيهم المتدفق عن مدينة علم سيدهم المصطفى محمد – صلى الله عليه وآله -. وهذه من كبريات حقائق يوم الحسين التي سعى الطواغيت والمضلين لإخفائها رغم تصريح معاوية ويزيد وعديد من عساكر البغي الأموي بها وهم يرفعون يوم عاشوراء شعار: لا تبقوا لهذا البيت باقية.. وهذا شعار أفصح عن مضمونه الطاغية يزيد وهو يستقبل أسارى أهل البيت عليهم السلام بالأبيات المعروفة التي يتشفى فيها بأنه إنتقم لأسلافه وأخذ ثاراتهم وقضى ديونهم من محمد بقتل وأسر أهل بيته – صلى الله عليه وآله -. فكان من خصائص يوم الحسين أنه كشف حقيقة أدعياء خلافة رسول الله – صلى الله عليه وآله – وأصل في الوقت نفسه أصول الدين المحمدي توحيداً وولاءً وبراءةً فأقامت فيه الصديقة الحوراء الصلاة الملكوتية المجسدة لتلكم الأصول فخذلت الى يوم القيامة. الأستاذ الأديب الحاج إبراهيم رفاعة وفي تعليقاته القيمة على قصيدة (هو قلب زينب) كتب يقول: لقد وقع الواقعة.. وقتل الحبيب الأغلى مذبوحاً أمامها على ثرى كربلاء، هنا تبتدئ ملحمة أخرى من ملاحم عقيلة الطالبيين، إنها الآن وحدها مع توأم روحها الذبيح، وتلك حكاية طويلة سامية مدماة، كل ما فيها متأله، وكل ما فيها غيب عزيز لا يعرفه أهل الأرض: ونظرت شوقاً للذبيح بعبرة فأتيته، والقلب قبلاً يمما خضبت وجهي من طهور دمائه غسلاً، وضوءً مسبغاً وتيمماً وقصدت قبلتي الحسين وكعبة صليت وتراً بالنياحة تمما فرأيت بيت الله يهوي ساجداً ويلوذ بالجسد السليب مسلما كبرت للإحرام سبعاً عند من لاقى الإله مصلياً بل محرما فسمعت تكبير العوالم جهرة ناحت معي مؤتمة نوح الإما إنه تكبير زينب الملكوتي ونوحها على الحسين، تكبير خاص ونوح متفرد شاركتها فيهما العوالم كل عوالم الخليقة.. قد استغرقا من القصيدة ثمانية أبيات هي غاية في اللوعة والتفجع، ختمتها الصديقة بصلاة فريدة من جنس الملأ الأعلى صلتها آنذاك، صلاة فيها قراءة وقنوت وركوع وتسبيح وسجود وتشهد وتسليم.. كله من نمط لحظة الحسين، تلك القدسية الحمراء المنفتحة على الله أقرب ما يكون الإنفتاح. نكتفي هنا بالتعرف على تسليم صلاة شقيقة الحسين: وقرنت تسليم الصلاة ببدئها فصلاتنا في كربلاء لن تختما قلت: السلام على النبي وآله من ربنا متواتراً ومتمماً منك السلام، إليك يرجع ربنا أنت السلام، فحينا به دائما طيب السلام على النبي ملاذنا والآل منه مباركاً مستتمها طيب السلام على الحسين وولده والصحب منه إذ فدوه أنجما فسمعت رداً للتحية هاتفاً: وعلى السبايا العابدات مسلما إذن قصيدة "هو قلب زينب" داخلة الآن في عمق كربلاء، كربلاء في رزاياها ومصائبها ومآسيها، كما تراها عيون العلياء الصابرة زينب بنت علي أمير المؤمنين. ودعها أخوها الشهيد المظلوم وهو في الرمق الأخير، هي أيضاً ودعته وداع من يفارق روحه التي بين جنبيه: أأخي وداعاً يا حسين.. الى اللقا أنعم بلقياك الحبيب منعما ثم صلت صلاة عاشورائية عجيبة حمراء، ما صلاها غيرها أحد، صلاة تامة بكل أركانها وآدابها الملكوتية الفريدة، إنها الآن في مشهد هذا الذبيح ظلماً الذي هنئ ونعم بلقاء حبيبة الله، في عرس شهادة اختاره أخوها بنفسه.. مخلفاً العوالم وراء ظهره؛ شوقاً الى لقيا الله. لقد جاء الحبيب حبيبه ومعه أقوى برهان للعشق، جاءه – بتدفق عشقه الفوار – مصبوغاً كل بدنه بصبغة دماء حمراء، هي صبغة مهجته القدسية.. وجاءه أيضاً بلا رأس! المشهد – في رؤية الصديقة العظيمة – مشهد تعبد ملكوتي، ومشهد حمد علوي بين يدي الله تبارك وتعالى: فسجدت ثانية، وقلبي قد رأى ثغر الحسين مبضعاً متبسما جددت شكراً لا انقضاء لطيبه ناجيت نوراً للسما متسنما: صلى عليك الله يا بدر الدجى ألفاً، وألفاً مثلها قد سلما إن من قتل اليوم على ثرى كربلاء ذبيحاً مقطعاً بالسيوف والرماح والنبال.. هو شقيق روحها الحسين، هي أيضاً استشهدت لحظة استشهاده، وها هي تري إراءة تعبد وحمد لا ينقطع أنها متوحدة به وتوأمه، وها هي ذي تمجد بطل الله المضرج بالدماء: خضبت وجهي من دماه تيمناً وعلى الوريد سجدت أحمد ضيغما عانقت نحراً قطعت أوداجه ولثمت تربته.. فكانت بلسما قبلت منحره أعاهد ربه عهد الوفاء، موثماً بل مبرما أخوها أبو عبدالله جوهرة القدس الإلهية.. هو خامس الخمسة الطيبين أهل الكساء، الله جل وعلا من غيب ذاته الجليلة الجميلة هو من اختارهم واصطفاهم، وزينب سلام الله عليها هي توأم روح أخيها الحسين، دائرة الخمسة الطاهرين هي من أصيبت بمقتل الحسين؛ فإن الدائرة الخماسية لم تكتمل إلا بالحسين. زينب المفجوعة الصابرة الحامدة حقيقة الحمد.. تتوجه الآن الى دائرة الخمسة القدسية؛ دائرة محمد وعلي وفاطمة والحسين الحليم، وهذا كمال الدائرة أخوها الذبيح الطريح بقربها على أحمر التراب: ثم التفت الى المدينة في شجىً فرأيت جدي باكياً مستعصما ورأيت أمي تستغيث بلوعة وتلوذ بالصبر الجميل تحلما وبجنبها أخي الحليم مردداً وعلى محياه الأسى قد خيما: "آه لزينب والحسين، فما أتى يوم كيومهما بما قد قدما ما مثل يومك زينب يوم جرى ما مثل خطبك زينب أبكى السما" هذا مأتم المدينة، وبقي مأتم الفري في نجف أبيها الوصي أميرالمؤمنين علي: ثم التفت الى الفري بنظرة فرأيت كفي والدي حامي الحمى ورأيت في عينيه حزناً شامخاً ملأ الفؤاد سكينة وتشيما فأخذت من صبر الوصي شموخة ومزجته بإبا الحسين، فأفعما والى هنا نصل مستمعينا الأطائب الى ختام حلقة أخرى من برنامج (يوم الحسين) قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران.. شكراً لكم وفي أمان الله قصيدة هو قلب زينب 2 - 15 2017-10-04 11:37:06 2017-10-04 11:37:06 http://arabic.irib.ir/programs/item/15282 http://arabic.irib.ir/programs/item/15282 السلام عليكم مستمعينا الأكارم ورحمة الله وبركاته.. تقبل الله منكم تقربكم المخلص لله عزوجل بأفضل القربات إليه أي تعظيم الشعائر الحسينية القدسية.. معكم أيها الإخوة والأخوات في حلقة اليوم من هذا البرنامج نتابع فيها التعرف الى خصائص يوم الحسين عليه السلام من خلال الحوار الذي صورته عن عالم المعنى قصيدة (هو قلب زينب) هو حوار بين العقيلة الحوراء عليها السلام والبلاء، يتعلم فيه البلاء من سيدة الصبر والشكر حقيقة حمد الله على البلاء التي تجلت بأسمى صورها في يوم الحسين. يتابع أستاذنا الحاج الأديب إبراهيم رفاعة تأملاته البليغة في هذه القصيدة الغراء فيكتب حفظه الله قائلاً: قصيدة "هو قلب زينب" المطولة.. تهم الآن أنتدخل في كربلاء! العقيلة وهو تحدث البلاء في عالم المعنى فقالت فيما يشبه التمهيد: مسح الحسين على الفؤاد بكفه فغدا يرى في كل خطب مغنما إن الصديقة الصابرة توأم روح الحسين هي من يحكي ويخبر عن عظم البلاء الذي شرب أخوها الشهيد كأسه الى آخر قطرة فيها يوم عاشوراء، قالت: إن أخاها الحبيب قد مسح على فؤادها بكفه المباركة، فإذا هي ترى في كل خطب ورزية منحة من ربها وهدية، فكان صبرها ممزوجاً بالحمد، وكانت المصائب المتلاحقة مسبوقة منها بالشكر للرب المنعم الرؤوف. ها هي سلام الله عليها تدخلنا في يوم طويل إنه يوم الحسين، يوم كله وقائع وفجائع ورزايا وبلايا. هو الأشد حمرة من كل أيام التاريخ. أما الأرض فهي المصبوغة بالدماء المقدسة المراقة، يحسب الرائي – لأول وهلة – أن تربتها مجبولة من ذوب ياقوت أرجواني قادم من أبهى الجنان، إنها أرض كربلاء الحسين.. سرادق العشق المتأله الذي ما مثله من عشق. في كربلاء.. ما بدأت شقيقة روح الحسين الحكاية من أولها، ولا لملمتها من أطرافها، إنما بدأت في قص الواقعة من ذروة ذراها ومن أعنف اللحظات، إنها أخطر لحظة في تاريخ العالم كل العالم. لا أدري لماذا كان البدء من هذه الذروة الهائلة، ومن هذه اللحظة الفاصلة التي قلبت كل شيء! لعلها روحي فداها – وهي الرائية لذروة جمال فعل الل في ذروة البلاء – كأنما تريد أن تعلمنا على رؤية هذا الجمال الإلهي المستكن في تلافيف البلايا والمطوي في ثنايا الخطوب. إنها هي التي قال صدقها الأصدق عن مقتلة أعزائها في كربلاء "ما رأيت إلا جميلا" كلمة ما قالها أحد غير كعبة الصبر بنت أميرالمؤمنين علي – عليه السلام -. العلياء المصونة إبنة فاطمة البتول تحكي.. وتخبر عما عاينت وعانت بعد ظهيره عاشوراء، في لحظة مذهلة تترنح لرؤيتها عزائم الرجال، وتخور من هولها شكائم الأبطال: لما نظرت الى الحبيب مجدلا والشمر يسعر لاهثاً كي يثلما في حوزة التوحيد أعظم ثلمة إذ يقطع الرأس المخضب بالدما وبخنجر الأحقاد يفري منحراً كان النبي مقبلا له لاثما وأخي يجود بنفسه مستشهداً: "أزف الوداع" يقولها مسترحما يا لله.. ويا لصبر زينب! ما أشق هذا المشهد وما أفظع ما فيه! من ذا يقدر أن ينظر إليه أو أن يملأ منه عينيه؟! قالت هذه العلياء: إنهم إذ قتلوا الحسين المظلوم ثلموا صرح التوحيد ثلمة عظمى.. لا التوحيد ألفاظاً على اللسان، بل التوحيد الحقيقية المقدسة القائمة في الوجود. تلك اللحظة التي تذهل المرء عن كل شيء.. كانت من الحسين صلوات الله عليه لحظة وداع لأخته، وداع مفعم بالرحمة والرأفة بأخته المثكولة المفجوعة: وأخي يجود بنفسه مستشهداً: "أزف الوداع" يقولها مسترحما نادى: أخية أنت بنت علينا فتصبري بالله صبراً أكرما عظم البلاء، فلا يطيق بلاءه إلاك زينب، فاستعيدي فاطما هو قلب زينب.. ما أصبره، وما أوسعه! لكأن الدنيا كلها تابعة في زاوية منه. لا أحد بقادر على أن يتماسك إزاء مشهد الذبح الشمري الشقي بخنجر الأحقاد، وإزاء مشهد قطع رأس عزيز الله وحبيب قلب النبي، فكيف بقلب إمرأة هي أخت شقيقة، وهي توأم له في الروح؟! إن ما أصاب أباعبدالله الشهيد الغريب لحظة الذبح قد أصاب أخته الثكلى أيضاً، وهي – لفرط عظمتها وصبرها المحير – تعلم أن عليها أن تظل متماسكة صلبة بعد الحسين؛ فإن لها مهمة عظيمة تنتظرها، وها هي قد ابتدأت بتحمل تكاليفها الكبيرة منذ اليوم: والرأس يقطع وهو ينظر في أسىً نحو الخيام موصياً ومسلما كادت تفارق روحي الجسد الذي كان المقدر أن يكون هو الحمى لعيال آل الله بعد كفيلها إرث الأمانة والذبيح الأعظما ولا خفاء أن روحها القدسية – سلام الله عليها – هي التي كادت أن تفارق جسد أخيها الحسين، وأخوها الشهيد المظلوم هو المقدر أن يكون الحماية والصون للأسرة النبوية الباقية من حد السيف في كربلاء، بعد استشهاد الكفيل الحامي قمر بني هاشم أبي الفضل العباس. كان أبوعبدالله الحسين روحي فداه في النزع الأخير، وكانت العقيلة زينب على التل أيضاً في النزع الأخير، في تلك اللحظة بلغ كل شيء أوج ذروته، ووصل كل شيء الى أقصى منتهاه: فشبكت عشري فوق رأسي؛ خشية من أن تفيض الروح أو أن تفصما! على التل كانت تصبر مهجتها.. وإذا بشيء يحدث على حين غرة! شيء إلهي خاص بها سلام الله عليها.. هي كانت تشهده وتراه: بينا على تل أصبر مهجتي نزلت علي بنصرها رسل السما! إنها إذن رسل من الله ربها تبارك وتعالى هي من نزلت عليها حاملة لها رسالة من ربها الذي يسمع ويرى رسالة تخيير لها وهي الراضية بما اختارته من الصبر الراسخ في مقابل عظيم البلاء، تخيير بين أن ينزل الله عليها نصر الشهادة، فتلحق هي بأخيها الذبيح شهيدة مستشهدة أكرم ما يكون الشهداء، وبين أن ينزل الله المنتقم الجبار عذابه الفوري على الأعداء القتلة، فيبيدهم إبادة جذ من الأصول واجتثاث من الجذور، إن الخيار الآن بيد الصديقة شقيقة الحسين تختار منه ما تشاء: بينا على تل أصبر مهجتي نزلت علي بنصرها رسل السما قالت: لك من ربك ما اخترته جئنا هنا أن تأمري كي نخدما: إن شئت نصراً باختيار لقائه تلقين رباً راضياً متكرما تنجين من وجد الفراق وحزنه فمع الحسين تعانقين الأنجما وبه خلاص من مجاورة العدا من أسر ذل كان قدماً الأما أو شئت سوماً للأعادي كلهم ونبيد عجلهم الأعق الأظلما ما شاءت صلوات الله عليها إلا ما شاءه الله: موطنة النفس على بلاء ما نزل مثله على أحد، ولا رأى بهاء صنع الله المتواري فيه أحد، إنه موطن لها للبكاء والدموع في الأقل، لكنها حبست حتى ما في عينيها من أمطار الدموع. وهذ – يا أخي – طرف من معرفة حرمة العلياء زينب.. الجليلة عند الملأ الأعلى بنت علي أميرالمؤمنين وفاطمة الزهراء البتول: وأنا على تل المصاب أجيبهم والجفن يحبس ديمه المستكتما: قد شاء ربي رؤيتي مسبية إذ شاء شئت وكان ربي أعلما خرت الفراق مع الهموم وسبيهم ولقا الأعادي، خفرة لن تهزما والله، لم أتمن موتاً قبل ذا مهما بدا خطب أجل وأجسما وبحبه اخترت الوصال بفرقة آليت فيها أن أضام وأهضما أأخي وداعاً يا حسين الى اللقا أنعم بلقياك الحبيب منعما ما هذا القلب الذي يختار في حب الله ورضاه الضيم والهضم وعذابات الأسر والسبي بأيدي أوباش جفاة؟!: قد شاء ربي رؤيتي مسبية إذ شاء شئت، وكان ربي أعلما وكلنا قد سمع عن المشيئة الإلهية المقدسة الحكيمة في رؤية زينب سبايا من بلد الى بلد، أخوها الحسين سلام الله عليه هو من عرف من حوله في مكة بهذه الحقيقة، يوم بين لأخيه من أبيه محمد بن الحنفية من أمر الرحيل بالنسوة الى كربلاء ما كان خافياً عنه، قال له: شاء الله أن يراني قتيلاً، وأن يراهن سبايا. سر في هذا القتل لشهيد الله المظلوم، وفي هذا السبي للطاهرات الخفرات من نساء آل محمد.. ما كانت تبلغه أفهام معاصري سيد الشهداء. سر يجليه الله تبارك وتعالى بعد حين، ويزداد جلوة وإشراقاً كلما تقادم بالناس الزمان، وهذا ما يشهده عياناً أصحاب البصائر والقلوب. مستمعينا الأكارم، كان هذا ما كتبه الأستاذ الأديب إبراهيم رفاعة عن يوم الحسين وتجليات حمد الله على البلاء والرضا بمشيئته عزوجل، وبهذا نصل الى ختام لقاء اليوم من برنامجكم (يوم الحسين) إستمعتم له مشكورين من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران.. دمتم في أمان الله. يوم الحسين مدرسة الصبر الجميل - 14 2017-09-26 09:43:47 2017-09-26 09:43:47 http://arabic.irib.ir/programs/item/15259 http://arabic.irib.ir/programs/item/15259 السلام عليكم أيها الإخوة والأخوات ورحمة الله وبركاته؛ تحية مباركة طيبة نهديها لكم ونحن نلتقيكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج. أيها الأفاضل؛ قصيدة (هو قلب زينب) التي تربو أبياتها على المئتين هي من غرر القصائد الحسينية الجامعة في بيانها لخصائص يوم الحسين أو دروس القيام الحسيني المقدس. فهي تبين كثيراً من تلكم الخصائص من خلال حوارات في عالم الملكوت والمعنى بين الله تبارك وتعالى وبين البلاء الذي تصوره القصيدة كوجود متجسد ذي شعور وهو يسجد مستسلماً لصبر زينب الصديقة الحوراء صلوات الله عليها ويناجي ربه متعجباً من صبرها أولاً وجازعاً ثانياً من عظمة المصائب التي نزلت بها منذ أن حلت في هذا العالم، ويسائل ربه الجليل تبارك وتعالى عن سر ذلكم الصبر الجميل الذي إنتصرت به الحوراء على كل تلك المصائب. وهذا ما تعرفنا إليه أيها الأكارم في حلقات سابقة من البرنامج ومن خلال ما كتبه أستاذنا الحاج إبراهيم رفاعة عن هذه القصيدة الإلهامية الغراء حسبما وصفها الأستاذ رفاعة. في هذا اللقاء نتابع ما كتبه حفظه الله وهو ينتقل الى بيان التعليم الزينبي لسبيل الفوز بالصبر الجميل تحت عنوان (يوم الحسين مدرسة الصبر الجميل). قال الأستاذ رفاعة: البلاء يسمع كلام ربه عن حاجته هو الى تعلم ما يجهله عن جوهرة الصبر المتألقة، فمن أين يتعلم البلاء ما عليه أن يعرفه عن حقيقة الصبر؟! ما من سبيل له إلا أن يقصد كعبة الصبر عقيلة آل أبي طالب شقيقة حبيب الله الحسين، إن ربه هو من دله على خزانة العلم الإلهي الغيبي العزيز: فارجع الى أمتي العليمة خاشعاً تنبئك علما من لدني ملهما هذه الشهادة الإلهية للصديقة الصابرة بامتلاكها العلم المتنزل عليها من لدن الله عزوجل.. إنما هي حجة لها سلام الله عليها على من آذاها ذلكم الأذى الأسطوري الفظيع، وحجة أيضاً على من يقول إنه يود هذه الصديقة ويتعاطف معها في رزاياها الطويلة، هذه الحجة البالغة كأنما تقول لنا: ينبغي أن نعرف العقيلة معرفة لائقة بمنزلتها عند الله، وأن نقدر عظمتها تقديراً يناسب حرمتها عند الله. رجع البلاء الى العقيلة حائراً خجلاً يذوب، ولا يطيق تكلما لا غرابة أن يحار البلاء أمام معدن الصبر إبنة السيد الوصيين، ولا عجب أن ينعقد في محضرها منه اللسان، أي فم تبقى له قدرة على النطق إزاء عظمة إبنة فاطمة الزهراء البتول؟! ما ثمة إلا تنكيس الرأس خجلاً، وإلا الصمت العاجز الذهول: رجع البلاء الى العقيلة حائراً خجلاً يذوب، ولا يطيق تكلما حيته في ود، وقالت: مرحباً البيت بيت الحمد وداً أفعما الصبر بالتحميد طاب مذاقه والشكر فيه على المصائب قدما أهلاً حللت، مبارك من قادم أنعم فحملك مغنم لا مغرما هذا هو جمال اللقيا والترحيب والضيافة من آل محمد الأصفياء الأوفياء، إنها نسمة هابة يلطف من حدائق أهل البيت الفياضة بالبهجة والنضارة والبهاء، ومولاتنا زينب هي الصورة الناطقة عن آل محمد أجمعين. بهذه التحية الزيبنية الودودة المرحبة.. يذهب خجل البلاء ويستعيد لسانه قدرته على النطق والكلام، أي شعور بالضالة والصغار يمكث في قلب هذا المخلوق المطيع حين يسمع العليمة الإلهية تطمئنه أنه إنما جاء الى بيت الحمد على البلوى لا بيت الجزع والشكوى، وتعرفه أنها متحصنة بالصبر إزاء بلاءتها؛ لأنها مزجت الصبر مزج صدق بالحمد لله المنعم الرؤوف؟! إنها سلام اللهعليها تستقبل المصائب – قبل أن تقع المصائب – بقلب شاكر يرى نعم الله فيما يفعل، ويقدر هذه النعم أسمى ما يكون التقدير. لابد أن يكون البلاء قد وعى الآن ما قالت له العقيلة العظيمة عن الغنيمة المستكنة في داخل البلاء، خلافاً للناس إذ يعدون البلاء النازل مغرماً وخسارة ومضرة: أهلاً حللت، مبارك من قادم أنعم فحملك مغنم لا مغرما فأزاح عنه قولها استيحاشه نادى، وأهوى ساجداً ومعظما: يا كنز صبر الله، إنك شمسه بضياك يغدو الصابرون الأنجما فالصابرون يرونني ضراً لهم نصباً، عذاباً حل فيهم، خيما المشهد – يا أخي – هو نفسه يحكي لا يحتاج الى بسط وبيان. كلنا نرى هنا أن البلاء الذي كان حائراً ألجم لسانه الخجل قد انبسطت أساريره لدى سماعه ما نطقت به العقيلة الصفية. وإذا فاجأه ما علمته من حقيقة حمد الله وشكره على البلايا والرزايا.. لم يستطع إلا أن يخر ساجداً في محضر علم الله الباهر وصبره الصبور. سجد البلاء هذا السجود الذي يذكر تذكيراً ساطعاً بسجود ملائكة الله لآدم في أفق علوي، ويذكر أيضاً بسجود يعقوب النبي لولده يوسف في أفق الأرض. أدرك البلاء أنه الآن في حضرة "كنز صبر الله" لا أمام مفردة من مفردات الصبر، وأدرك أن عقيلة بني هاشم هي شمس صبر الله في سماء يستمد منها كل الصابرين، فيغدون نجوماً في آفاق هذه السماء. وحده صبر زينب المعجون بالحمد، المسبوق أبداً بالشكر.. هو حقيقة الصبر. البلاء الذي يتذوقه الناس قسراً فلا يجدون فيه غير طعم المرارة.. هو – في مذاق هذه المرأة الهاشمية الفذة – نعمة بهية، ولطف من ألطاف الله الخفية، لكن سنام البلاء الظاهر الذي يطفح فوقه يبدو للعين مصاباً وبلية. إنه إذن بلاء نعمة ولطف خاص يقابل حتماً بالسجود شكراً للرب المنعم الرؤوف، سجود طوعي لدى رؤية جمال، في لحظة قدس خاضعة خاشعة للرب الجميل في صنعه الحسن في بلائه: قالت: وربي، بل رأيتك نعمة لطفاً خفياً بالمصاب مسنما فسجدت شكراً.. أحمد الرب الذي ما زال – مذ كنت – الرؤوف المنعما صنع الجميل، وقد رأيت جماله وعرفته بي راحماً بل أرحما صنع الجميل، فلا أرى منه سوى روح وريحان وطيب قدما إن البلاء من صنع الحبيب، هو من اختاره لأحبائه الذين صفاهم واصطفاهم لنفسه، الحبيب الأول والآخر الذي لا حبيب سواه.. يقدم لمحبوبه باقة ورد رائعة التلاوين، عابقة بأزكى العبير، كيف يتلقى المحب إذن هدية الحبيب هذه؟ سيختارها راضياً ممتناً شاكراً ناطقاً بالحمد والثناء، هدية "ما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم". قالت سلام الله عليها عن حبها لربها، وهي تخاطب البلاء: وبحبه اخترت المصاب لحبه طوعاً، وكان الله قدماً أرحما وبفضله طاب المصاب، وشربه عسلاً يصير، وكان قبلاً علقما! ثمة سر خفي وراء هذا كله، سر عظيم صير مذاق علقم الصبر مذاق مصفى الشهد ولذيذ العسل، وحول كل خطب دهى العقيلة الهاشمية غنيمة وهبة نفيسة. ما هو هذا السر الجليل الذي يصنع العجائب، ويكون "المحال" عنده يسيراً هيناً يسر "الممكن" المألوف؟ الواقع أنه لا قمة أشمخ من قمة الحسين، ولا دوحة باسقة فرعاء كدوحة الحسين ولا سحابة دفاقة مدرارة كسحابة أبي عبدالله.. سيد الأسرة صاحب ملحمة الله العظمى في كربلاء. هذا الفعل المذهل إنما هو بركة من بركات كف شقيق زينب المظلومة حبيب فؤادها الشهيد المظلوم، هي صلوات الله عليها، جلت هذه الحقيقة، وباحت – رحمة بنا – بهذا السر: مسح الحسين على الفؤاد بكفه فغدا يرى في كل خطب مغنما وهذا مدخل لسيرة أخرى جليلة مفصلة، تنفتح أبوابها العاشورائية في اللقاء القادم.. بإذن الله. إنتهى مستمعينا الأفاضل"، ما كتبه لنا ولكم الأستاذ إبراهيم رفاعة عن المعنى الإلهي للبلاء هدانا إليه يوم الحسين وزينب عليهما السلام إنطلاقاً من قصيدة (هو قلب زينب).. خصوصية أخرى من خصوصيات اليوم الحسيني الخالد تأتيكم مع تأملات أخرى في هذه القصيدة الغراء في الحلقة المقبلة بإذن الله من برنامجكم (يوم الحسين) لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران خالص الدعوات ودمتم في أمان الله. الرؤية الحسينية الزينبية - 13 2017-05-24 11:26:26 2017-05-24 11:26:26 http://arabic.irib.ir/programs/item/14809 http://arabic.irib.ir/programs/item/14809 السلام عليكم مستمعينا الأكارم ورحمة الله وبركاته.. كانت لنا في اللقاء السابق من هذا البرنامج وقفة تأملية أولى مع أستاذنا الحاج إبراهيم رفاعة في قصيدة هو قلب زينب ومنها إنطلق حفظه الله للتعريف بخصائص يوم الحسين عليه السلام من خلال حوار في عالم الملكوت والمعنى بين البلاء الذي سجد لزينب وبين ربها الأعلى تبارك وتعالى.. وفي هذا اللقاء نتعرف الى الرؤية الحسينية الزينبية للبلاء من خلال تلكم القصيدة الغراء، التي تصور البلاء يجسد إستسلاماً لصبر الصديقة الحوراء وإقراراً بأنه عجز عن قهر هذا الصبر بل وعجز حتى عن إضعاف روح الشكر والحمد لله وهي الروح التي أفعمت الصبر الزينبي. كتب الأستاذ إبراهيم رفاعة حفظه الله يقول: البلاء الذي شهد لعز الهواشم وفخر المحمديات بشموخ الصبر؛ هو نفسه كما يصور لنا الشاعر الذي ألهم قصيدة – هو قلب زينب – من وقف أمام ربه يعدد ألوان الرزايا والمصائب التي إحتضنتها بنت فاطمة وعلي، وعايشتها معايشة من صميم القلب. طويلة هي قائمة رزايا إبنة علي، وجليلة أيضاً وباهضة تبهض حتى صلابة سلاسل الجبال. عاصرت رزايا جدها أنواعاً، أنكاها الأذى الذي كان يرشقه به القريبون منه بعدما أخرجهم من الظلمات الى شاطئ النور. فتحت على خطب الني عيونها ورأت تجرعه الأذى مستكتماً ورأته يقتل بالسموم ثلاثة غدر اليهود، ومنها حسد العمى ورأت مصائب ابنته الأثيرة أمها فاطمة الفتية التي يملأ كل مكان تخطو فيه نور جلال رهيف، ما أقساها من فجائع أصيب بها قلب أمها الزهراء البتول: ورأت مصائب أمها وهمومها إذ تستغيث شكاية وتظلما سمعت نحيب الأم في سحر الدجى وقبيلة الإسلام طراً نوماً ورأت ربيع شبابها كمداً ذوى صارت خيالاً للجراح ململما أما ما لقيه أبوها أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب من مسلمي قريش وغير قريش.. فهو وحدة ملحمة قائمة بذاتها كلها ظلم وجور وعسف وخطوب، ظلوا يوقدون نارها طيلة التاريخ! وكما كانت حاضرة في المآسي المتتابعة التي رموا بسهامها الغادرة أخاها الحسن السبط الشهيد.. حضرت أيضاً – في مدىً أوسع – كل فجائع أخيها أبي عبدالله الحسين خلاصة أهل الكساء: ورأت مصائب كربلا.. واكربلا! ما مثلها كتب القضاء وأبرما إكتملت الدائرة الخماسية لعذابات محمد وآل محمد الخمسة الطيبين، دائرة تدور دوراناً لا أول له ولا آخر. وكان القلب الزيبني الكبير هو من تحمل كل هذه الرزايا التي لا تنتهي في العدد، ولا يطيق أدنى جراحاتها – في جليل معناها – أحد. -----فاصل----- لقد نفد صبر البلاء.. وما نفد صبر زينب! هو ذا البلاء يرجو ربه أن يقيله ويعفيه من ملازمة دار الصبر الزينبي الشامخ المنيع، فما للبلاء نفسه من طاقة للتحمل، إنه يدعو أن يأذن له ربه بالجلاء والرحيل: قد عيل صبري من لزومي دارها رباه، فاأذن بالجلاء ترحما! هكذا – إذن – انتهى المطاف بالبلاء طالباً الإنسحاب من المشهد.. في مقابل جبل الصبر المدهش الذي ما تصدق منه حجر واحد، ولا فلت منه – على كثرتها وتنوعها – معاول المصائب والخطوب. ترى.. بم يجيبه ربه عزوجل؟ أيحكي له عن معنى هذا الصبر العزيز، أم يحيله على أمته العليمة الحبيبة زينب بنت فاطمة، فتكون هي التي تحكي للبلاء عن جمال الصبر وعن عذوبة هذه النعمة الإلهية العظيمة؟ من يتصور أن موجات محن ورزايا تصطدم بصخرة راسخة، فترتد الرزايا والمحن منحسرة منكفئة في ذهول؟! من سمع أن البلاء الإلهي – وهو مخلوق ذو حياة ووعي وتمييز – يذهل أمام صبر إمرأة قاست المحن ألواناً وكابدت الخطوب أصنافاً، فما وهنت لها عزيمة ولا وهى من صبرها شموخ، لن تكون هذه المرأة إلا واحدة لا ثانية لها في العالم، ولن يكون اسمها إلا الصديقة زينب بنت أميرالمؤمنين علي. رجع البلاء الى ربه.. يسأله أن يعفيه من التوجه مرة أخرى الى شقيقة الحسين. لكأنها في تتابع البلايا على قلبها القدسي دوحة باسقة خضراء، لا يزيدها ماء سقياها إلا خضرة ونماء! لقد ذاقت من البلاء ما يهد الجبال.. وهي ما تزال واقفة تقارع العواصف العاتية بمفردها، صلبة ثابتة بقلب كأنه مجبول من نوع صبرها الفريد! إنها الجديرة بأن يكون شرابها صفو ماء السماء الطهور.. لا شراباً من موجات بحر الرزايا والمحن والخطوب! هكذا رجع البلاء الى ربه يسأله ويتضرع إليه أن يقيله من هذه المهمة، داعياً أن يسمح له ربه بالمغادرة والجلاء: هل مثلها رباه يسقى علقماً وشرابها صفو الطهور من السما؟! قد عيل صبري من لزومي دارها رباه فاأذن بالجلاء تكرما هذا مما نقرأه في هذه الميمية الزينبية المتحدرة من أفق علوي شفيف.. متحاضنة الأبيات، متواشجة المشاهد، بواحة بمعان قدسية خاصة لا يخطئها التذوق في جميع أبياتها التي زادت على المئتين. القصيدة ضرب من الإلهام تنزل على قلب الشاعر ولاريب، يتفطن الى هذه الحقيقة من ينفتح قلبه على قراءتها مرة ومرات، إنها قصيدة جديدة في الصورة وفي المعنى وفي الترابط العضوي الذي يوحدها.. كأنك تتطلع – من خلالها – على مشهد عال من مشاهد الغيب. -----فاصل----- إن على البلاء – في محضر الله تبارك وتعالى – أن يتعلم الصبر! ما أجمل الصبر إن كان تحملاً بلا شكوى ولا تذمر ولا شعور بالحرج والضيق! جوهرة نقية هو إذن، أنفس من الماس، وأصفى من مترقرق الياقوت، إنه يشع حسناً وجمالاً يملأ قلب صاحبه ويملأ من حوله الحياة. ما كان لهذا البلاء الذي حل في دار ابنة علي أن يعجل، وأن يجيء ربه طالباً عن دارها الإنصراف، عليه أن يتعلم ما لم يكن يعلم، وأن يفهم تماماً جلوة الدرس: فأجابه الرب الجليل معاتباً: صبراً جميلاً إن أردت تعلما الصبر مني، يستنير بنوره من رام هدياً والصراط الأقوما الصبر الجميل هبة من الله للعبيد، الصبر منار يهدي الصابر ويوصله الى جادة الصراط المستقيم في الدنيا والصراط الأقوم المتجسد عنه في الآخرة وكلامها واحد. وهكذا يتضح أيها الإخوة والأخوات أن الصديقة الحوراء زينب صلوات الله عليها قد عرفت العالمين في يوم الحسين حقيقة البلاء مثلما علمتهم عملياً معنى الصبر الجميل.. قالت عن وقائع يوم الحسين المفجعة: (ما رأيت إلا جميلا) وبذلك أثارت في قلوب المؤمنين دفائن الفطرة السليمة لإمتلاك العين التوحيدية التي يرون بها الجلال والجمال والحكمة والرحمة في كل ما قدره الله عزوجل لعباده وهو بهم أرحم الراحمين. وبهذه الرؤية التوحيدية لجميل الصنع الرباني يصبح المؤمنين موحدين صادقين وبها يتحلون الصبر الجميل الذي تجلى بأسمى صوره في أخت الحسين الصديقة زينب الكبرى صلوات الله عليها.. ولهذا المجمل تفصيل يأتيكم في الحلقة المقبلة فيما كتبه أستاذنا الحاج إبراهيم رفاعة عن قصيدة (هو قلب زينب). نشكركم أيها الأطائب على طيب الإستماع لحلقة اليوم من برنامجكم (يوم الحسين) قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران.. في أمان الله. قصيدة هو قلب زينب 1 - 12 2016-12-28 13:48:47 2016-12-28 13:48:47 http://arabic.irib.ir/programs/item/14340 http://arabic.irib.ir/programs/item/14340 سلام من الله عليكم أيها الإخوة والأخوات ورحمة الله وبركاته.. تقبل الله أعمالكم وأنتم تعظمون أقدس شعائره القدسية شعائر سيد الشهداء الحسين صلوات الله عليه.. أهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج... أيها الأكارم.. يوم الحسين هو يوم زينب هو يوم الحسين عليهما السلام فلا يمكن معرفة خصائص الحسين المعرفة الكاملة إلا بمعرفة الخصائص الزينبية.. وهذا هو ما تضمنته قصيدة زينبية طويلة كتب عنها أستاذنا الأديب الحاج إبراهيم رفاعة فقال حفظه الله: لعل غياب إسم شاعر قصيدة هو قلب زينب – زاده الله نوراً وبصيرة ولاء – كان على تعمد منه. وإنما أخفى إسمه من هذه القصيدة الرائعة – فيما يبدو – ليكون المشهد الزينبي فيها خالصاً للصديقة زينب، لا يشغل القارئ عنه حتى إسم الشاعر. وهذه الكلمات المدونة حول القصيدة ليست شرحاً للقصيدة، إنها مجرد مفاتيح يفتح بها القارئ أو المستمع أبواباً يلج منها الى الفهم والتذوق وملامسة شرفات الجمال. إنه ليس بالفهم وحده تتفتح أزاهير قلب الإنسان، لابد من التذوق الذي يعلو على الفهم، رؤية الوردة من مسافة وإدراك أنها وردة.. شيء والإقتراب منها واستنشاق شذا عطرها المنعش شيء آخر ولاريب، لابد من الدنو أكثر، لينشرح الصدر تذوقاً للعبير البواح، إن إنشراح الصدر هيبة علوية تهبط على الإنسان من فوق. القصيدة الميمية الطويلة كلها في عقيلة الهاشميين، من ذا الذي يعرف عقيلة الهاشميين معرفة حقيقة كما هي الحقيقة؟! هذا مما لا يكون إلا إذا شاءت هي – سلام الله عليها – أن تعرف الصادقين في ولائهم بقدر ما تريد. ما نعرفه عنها – صلوات الله عليها – إنما هو رشح قطرات ماء ترشح علينا من سحابة قدس علياء ما لها من حدود، قطرات ماء كافية لتغمرنا غمراً وتسلمنا الى حيرة من معرفة أسرار أخت الحسين.. الحاملة على كاهلها عظمة أهل البيت وعظمة كربلاء. إنها كأبيها علي أمير المؤمنين وسيد الموحدين، سأله صاحبه كميل بن زياد ليلة أن يكشف له عن سر "الحقيقة" قال له علي سلام الله عليه: ما لك والحقيقة؟ ولعل كميلاً فوجئ بهذا الجواب القاطع العلي، قال لسيده أمير المؤمنين: أولست صاحب سرك؟! أجابه عليه السلام: بلى ولكن يرشح عليك ما يطفح مني. الصورة كالصورة، وزينب المعظمة المتفردة هي كأبيها الممسوس في ذات الله علي. وها نحن مع رشح معنىً من الصديقة زينب، لكنه رشح هذه المرة جديد، لم نره فيما قيل وكتب – شعراً أو غير شعر – من قبل لأول مرة نرى هذه الصورة بجلائها النضاح جمالاً وجلالاً وكمال توحيد. فرصة هي أندر من النادرة لنتعرف على أفق وزينبي يملأنا معرفة ومحبة وقرباً من هذه الآية الإلهية الناطقة في بنت علي وفاطمة وشقيقة الحسن والحسين، إنها كبرى زينبات آل محمد.. وما أدراك ما كبرى الزينبات! الهيكل الذي قامت به القصيدة هو محاورة واقعية في الغيب.. في أنوار أفق علوي متصل بأحباء الله محمد وآله، لكن من خلال جلوة في مرآة العقيلة بنت أمير المؤمنين. المحاورة التي تفيض دفء ربانياً حميماً.. هي محاورة بين الله تبارك وتعالى، والبلاء بوصفه كائناً متجسداً ناطقاً، والصديقة زينب كعبة التجلد والصبر. بداية القصيدة الزينبية هذه غير معهودة في شعر الشعراء، وهي في الوقت نفسه رائعة روعة بمعنى الزينبي الذي نشهده لأول مرة طافحة به موجات النور في هذه القصيدة التي نبدو كأنها إلهام: سجد البلاء لزينب مستسلماً ولصبرها ألقى القياد وأسلما لطالما قال الناس عن الصبر – وما يزالون يقولون – إن الصبر مر، هذا من بني آدم إجماع أو كالإجماع لكن إبنة علي وفاطمة – وقد كابدت البلايا من أشد الألوان وذاقت المحن من أشق الأنواع – ما كان مذاق الصبر في ذائقتها مراً كما يقولون، لقد استحلت الصبر، فتحلت به حلية وزينة! وإنها – وأهل بيتها من آل محمد -لمنفردون عن الناس كلهم في هذه المزية ولها – سلام الله عليها – تفرد الفرادة، واختصاص أخص. للصبر – كما لكل خصلة جمال أخرى – غاية قصوى ينتهي إليها ما بعدها غاية، وللصبر منبع في الوجود يستمد منه لا منبع أعظم منه، هذه الغاية القصوى والمنبع الوجودي الأعظم للصبر ولخصال الكمال جميعلً.. هي صفات الله عزوجل ومظاهر حسنى أسمائه المكنونة. ولا غرو، فالصبر المطلق الذي تألق زينة لهذه الصديقة العظيمة وحلية متلألئة.. ما هو إلا من صفات الله سبحانه ومن مجالي أسمائه تبارك وتعالى. لا غرابة إذا ما قيل: إن صبر زينب هو التجلي لصبر الله الصبور وتعين له.. تجسد في هذه المرأة التي ما مثل تحمل قلبها من تحمل، صبرها هو الصبر في أقصى مراتبه وأعلى درجاته. إنه لمن المقبول إذن – ومن الواقعي أيضاً – أن يقال: إن شقيقة الحسين هي كعبة الصبر يطوف في مدارها الملكوتي كل صبر الصبر، وصبر كل أهل الصلابة والصلادة في التجلد والتحمل من الناس كل الناس. لقب كعبة الصبر لكأنما فصل على مقاس هذه القامة الزينبية التي هي عز الهواشم عين قلادة ولد آدم.. لا يشركها فيه من الناس شريك. وإزاء الصبر، لابد أن يكون البلاء هو القرين، قرين مقيم.. لا يغادر ولا يريم، أي معنى يبقى للصبر والتجلد والإحتمال إن لم يكن صاحبه واقفاً أمام عين إعصار البلايا والرزايا والكوارث والخطوب؟! البلاء.. هذا المخلوق الحي الذي يعي ويستجيب لأمر ربه جل وعلا، هو من وقف متحيراً مغلوباً على أمره، رافعاً يديه بالإستلام أمام الصبر الزينبي المتفرد العظيم. إنه لا يملك إلا أن يخر ساجداً باكياً بخشوع بين يدي هذا الصبر الذي ما عهد مثله في العالم.. والذي هو أجلى جلوة لله الصبور: سجد البلاء لزينب مستسلماً ولصبرها ألقى القياد وأسلما لما أتى أهل الكساء برحله وبدارها صلى التمام ويمما فهناك سبح ربه مستعبراً إذ بان صبر الله فيها أعظما ولقد رأى من نورها ما قد رأى قبساً، فساءل ربه مستفهما: هل مثلها رباه يسقى علقماً وشرابها صفو الطهور من السما؟! هذا البلاء الذي جاء الخمسة أهل الكساء (محمداً وعلياً وفاطمة والحسن والحسين) إنما جاءهم – لعظم منزلتهم وقربهم من الله – مقيماً لديهم.. ألقى رحال سفره واستقر وما اختار للإقامة الدائمة – من دور آل محمد – إلا دار زينب، روحي لها الفداء. وفي دارها.. رأى شيئاً من نور هذه الصديقة، ما رأى من هذا النور الملكوتي البهي – في الواقع – إلا قبسة صغيرة كشعلة الشمعة، لاغير، أم عظمة نورها الأنور الأتم فهي أكبر من طاقة هذا البلاء أن يتحملها، وطاقة ما هو أكبر من هذا البلاء. لقد هال البلاء نفسه ما لقيته عزيزة الله زينب وحبيبة أنواره الخمسة، إن هذه البلايا والخطوب الفادحة التي تعيش لحظاتها العقيلة المكرمة واحدة بعد أخرى.. هي – فيما يرى البلاء – شيء مر شديد المرارة، لم يجد نعتاً معبراً عنه خيراً من "العلقم" لكنها متجلدة جلداً فوق ما يحلم به التجلد نفسه، مستكينةً الى ربها، راضية أروع ما يكون الرضا. ذاقت كل هذا البلاء المتواصل من يوم جدها النبي الى يوم كربلاء أخيها الوصي، وما هجس في نفسها القدسية ولو ظل من حرج أو ضيق. هذه المرأة الصفية التي دون صفائها كل ما خلق الله من صفاء حور الجنان مجتمعات.. إنما لائق بها – شراباً – لا ماء الله الطهور وحسب، بل صفو هذا الماء السماوي وخلاصته، مما لا يسقاه إلا خواص الخواص من أصفياء الله هذا هو حقاً اللائق بابنة فاطمة الزكية. مستمعينا الأكارم؛ من هنا يتضح أن الصديقة الطاهرة زينب الكبرى صلوات الله عليها هي التي أظهرت للعالمين بصبرها الجميل في وقائع القيام الحسيني المقدس، لب التوحيد الخالص الذي يرى الموحد ربه جميلاً في كل ما قضاه وقدره لعباده، وهي – صلوات الله عليها – الذي رأت جميل الصنع الإلهي في كل ما نزل بها وبآلها في يوم الحسين فلم تره ضراً لأنه العالمة غير المعلمة بأن الله لا يشأ ولا يقدر لعباده إلا ما في الخير فصبرها الشكور هو علامة صدق العارفين والموحدين؛ وهذا أسمى المنارات في يوم الحسين عليه السلام. ختاماً نشكركم أيها الأكارم على كرم الإصغاء لحلقة اليوم من برنامج يوم الحسينإستمعتم له من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران. دمتم في أمان الله. قصيدة ولائية إنجذبت لأنوار ليلة عاشوراء - 11 2016-12-13 12:09:19 2016-12-13 12:09:19 http://arabic.irib.ir/programs/item/14290 http://arabic.irib.ir/programs/item/14290 السلام عليكم مستمعينا الأطائب ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج. أيها الأكارم النور الملكوتي الباهر هو الصبغة الإلهية التي إصطبغ بها عاشوراء يوم الحسين عليه السلام في ليلته وفي نهاره. نور تشعشع من الطلعات النيرة للحسين وآله وصحبه.. متمظهراً في مواقفهم التوحيدية التي تجلى فيها نور الإخلاص لله.. والله جل جلاله ينزل نوره على من يشاء ويهدي إليه من يشاء.. مظاهر لهذه النورانية نلمحها فيما كتبه أستاذنا الحاج إبراهيم رفاعة حفظه الله عن قصيدة ولائية إنجذبت لأنوار ليلة عاشوراء.. قال – حفظه الله -: عظيمة في الليالي هي ليلة عاشوراء، كما يومها عظيم في الأيام. من نافذة عين البصيرة يتطلع أحد معاصري الشعراء.. ليرى طرفاً من مشهد – في هذه الليلة – جليل، ومنذ قرون أربعة عشر.. ما يزال المشهد حاراً حاضراً متجدداً كل يوم، فواراً كما تفور عين الماء. إنه يبصر من خلال نافذته.. ليلة في هلالها العشاري، لكنها مضاءة بضياء مدهش هو أشبه بضياء عالم الملكوت منه الى ضياء عالم الشهادة، لأنه شعاع من بهاء أبي عبدالله الحسين بن علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء البتول. ولعل الشاعر – وهو الأحسائي الرهيف جاسم الصحيح – لا يدري لم كان نصيبه اليوم أن يطلع على لمحة مما حدث في هذه الليلة العاشرة بكربلاء! الليلة التي في غدها الآتي ستقع واقعة ملحمة العشق الإلهي الحسيني الفريد، فيحمل معه السيد الشهيد رجال أهله وأصحابه الأوفياء. إنها ليلة الإعداد والإستعداد للقاء لم يقع مثله لأحد، ولا يقع فيما يستقبل من الزمان. أول ما انجذب إليه وعي الشاعر.. هو هذه الحياة النيرة المستمرة من ليلة عاشوراء، عابرة الأحقاب والقرون، سارية كالسحابة العظيمة الدفاقة بالبهجة الحزينة فوق رؤوس أجيال الزمان: ذكراك ملء حناجر الأجيال حظرات حزن يزدهي بجلال ورفيف سرب من طيوف كآبة تختال بين عواصف ورمال يا ليلة كست الزمان بغابة من روحها، قمرية الأدغال ذكراك ملحمة توشح سفرها بروائع نسجت من الأهوال فهنا الحسين يخيط من أحلامه فجرين: فجر هدى وفجر نضال ها هنا مخيم آل محمد من أهل بيت الحسين، مخيم قدس يحجبه جلال الله لأن فيه زينباً عقيلة آل أبي طالب وأخوات زينب.. والصبيان والصبايا المحمديين الأطهار، وكل من يمت الى سيد العشق الكبير بصلة إنتماء من عظماء الهاشميين. في مخيم الحسين بنت أميرالمؤمنين أخته الصديقة بجلالها الإلهي المستور، وفي المخيم: زين العابدين السجاد علي بن الحسين صاحب السجدة الطويلة، وفيه كذلك: سكينة الحسين إبنة المستغرقة مع الله، وسائر النساء الخفرات من أسرة هؤلاء السادة النجباء. كل هذا يتراءى للشاعر كرؤيا من وراء دفقات متواصلة من النور، بيد أن ما استوقفه مشهد آخر أيضاً.. ربما يود لو أنه نفسه كان له فيه نصيب، كما يود ذلك أصحاب الغيرة على حرمات رسول الله التي هي حرمات الله. إنه مشهد لحظات لأصحاب الحسين الذين واصلوا معه الطريق الى كربلاء، أو التحقوا به بعد نزوله في كربلاء؛ وقد قال لهم حنانه ونبله المنقطع النظير: "هذا الليل قد غشيكم، فاتخذوه جملاً ثم ليأخذ كل رجل بيد رجل من أهل بيتي، ثم تفرقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله؛ فإن القوم إنما يطلبوني ولو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري" ولم يتردد أحد من أصحابه سلام الله عليه عن مد عنقه أمام حد السيف، ولقد قالوا كلاماً غير قليل.. كله صدق بيعة وتوطين نفس، إنهم ما جاءوا إلا ليكونوا أضاحي في حج الحسين هذا المقدس في كربلاء.. فكيف – وقد أزف أوانه – يتراجعون؟! قالوا لسيد الفتح فيما قالوا: نفديك أنفسنا وأموالنا وأهلينا، ونقاتل معك حتى نرد موردك، فقبح الله العيش بعدك! ومشهد آخر في ليلة عاشوراء يتصدره رجل شيخ تهدل على عينيه حاجباه الأبيضان، وبدت لحيته البيضاء النقية هالة نور حول ملاحة وجهه القمري ذي السمرة الجذابة الطافحة، هذا الشيخ "اليافع" تفرض حيويته وأريحيته نفسها قدوة لشبان، إنه حبيب بن مظاهر زعيم بني أسد ومقدمهم الكبير.. هو من يقود الآن وفداً من أنصار الحسين يتجه نحو المخيم، ليطمئن عقيلة الهاشميين أنه ومن معه رهن إشارة أخيها المفدى الحبيب، وأنهم عازمون على العبور الى الشهادة – فداء لإبن فاطمة – عبر شدقي الموت: ووراء أروقة الخيام حكاية أخرى، تتيه طيوفها بجمال فهنالك "الأسدي" يبدع صورة لفدائه.. حورية الأشكال ويحاول استنفار شيمة نخبة زرعوا الغلاة رجولة ومعالي نادى بهم.. والمجد يشهد أنه نادى بأعظم فاتحين رجال فإذا الفضاء مدجج بصوارم وإذا التراب ملغم بعوالي هذا الوصف – ما كأنه وصف لجند يستعدون في ليلة حرب مليء بالجمال – غد هذه الليلة سيشهد حضور الجمال في أبهى جلواته: الجمال في فعل الرب، والجمال في فعل العبد.. في ملحمة أفعال كل ما فيها جميل؛ بشرط أن يرى الرائي بعين الصديقة زينب أخت الحسين، هي التي قالت عن وقائعوفجائع عاشوراء: "ما رأيت إلا جميلا". أين يريد حبيب أن يأخذ هذه الكوكبة في ليلة عاشوراء، وهم علة وشك اقتحام عين العاصفة التي تريد أن تهب؟! ومشى بهم أسداً يقود وراءه نحو الخلود كتيبة الأشبال حتى إذا خدر العقيلة أجهشت أستاره في مسمع الأبطال ألقى السلام، فما تبقت نبضة في قلبه لم ترتعش بجلال وتفجر الفرسان بالعهد الذي ينساب حول رقابهم بدلال قري فؤاداً يا عقيلة، واحفظي هذي الدموع؛ فإنهن غوالي ما دامت الصحراء يحفل قلبها منا بنبضة فارس خيال سيظل في تاريخ كل كرامة ميزان عزك طافح المكيال عهد زرعنا بالسيوف بذوره وسقته ديمة جرحنا الهطال حتى الفرات.. هذا الرقراق السلسال الممنوع ماؤه – جوراً وتعدياً – عن أهل مخيم الحسين.. يترقب الغد مسهداً لا تغفو له عين. ربما كان الفرات يحس أن ماءه هذا الدقاق سيبدل لونه الى الأرجواني القاني، إذا حان وقت ظهيرة عاشوراء! تماماً كما ستبدل الكعبى ثوبها الى الأسود بعد وقت قصير، إنقلاب جبار هو ما سيحدث ويتبدل في كل شيء! سيتذوق الفرات الأحمر – كما لم يتذوق من قبل – طعم وفاء من نمط خاص.. لأول مرة تشهده الدنيا في تاريخها الطويل. وسيغتسل الفرات – وكل قطرة منه شوق ووجد – بهذا الوفاء المترقب النفيس، وهو الوفاء الأوفى الذي لا يمكن أن يشرق إلا من رجل الرجال أبي الفضل العباس بن أمير المؤمنين: أما الفرات فمقلة مشبوحة نحو الصباح مشهد السلسال يترقب الغد.. بالدماء يزفه عبر امتداد أباطح وتلال ويتوق للعباس يغسل ماءه بأجل معنى للوفاء، زلال ختم جاسم الصحيح أبيات قصيدته بالوفاء العباسي الرائع الوتر الذي لا يتكرر مثله في الناس. وفاء أبي الفضل نبراس علوي سخي الإضاءة.. يهدي من استهداه في مسالك الدروب، ويجلو أشد الكروب حلكة وأكثرها تحرياً والتباس موقف. ما علينا إلا أن نستمطر سحائب فضل أبي الفضل بصدق لائق بالصادقين. نشكركم أعزاءنا المستمعين لكرم إصغائكم لحلقة اليوم من برنامج (يوم الحسين) قدمنا لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران.. دمتم في أمان الله. حلم الثأر المحتوم - 10 2016-11-29 14:05:00 2016-11-29 14:05:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/14246 http://arabic.irib.ir/programs/item/14246 سلام من الله عليكم إخوة الإيمان ورحمة منه وبركات.. تقبل الله منكم قيامكم المخلص بنصرته عزوجل من خلال إقامة الشعائر الحسينية والمشاركة فيها وإعلانكم بذلك لصدق الولاء لله وأوليائه والبراءة من أعدائه عزوجل. أهلاً بكم أيها الأكارم في لقاء اليوم من هذا البرنامج الحسيني.. يوم الحسين هو يوم المهدويين؛ وهذه هي من خصائص يوم جد المهدي الموعود – عجل الله فرجه -. لقد نصت الأحاديث الشريفة على أن شعار ثورة خاتم الأوصياء المحمديين المهدي المنتظر هو (يا لثارات الحسين)، وهذا يعني أن الأخذ بثارات الحسين هو الذي يطهر الأرض من كل ظلم وجور بعد أن تملأ بهما، وأن الأخذ بثارات الحسين هو مقدمة ملأ الأرض قسطاً وعدلاً. من هنا نفهم – أيها الأفاضل – أن الأخذ بثارات الحسين لا ينحصر بالقصاص من قتلته المباشرين وهؤلاء قد عاقبهم الله على يد المختار رحمه الله وغيره، كما أن الأخذ بثارات الحسين لا ينحصر على القصاص من سائر الظالمين الراضين بأفعال قتلة الحسين وصحبه وسباة عيالاته المكرمة، والسائرين على نهج اولئك الظلمة في ظلم العباد.. بل إن الأخذ بثارات الحسين يشمل القضاء على جذور الظلم والجور داخلياً وخارجياً والتطهر من كل أشكال الظلم التي سببت جرائم يوم عاشوراء وتطهير الأرض منها.. من هنا كان يوم الحسين يوم المهديين لأنهم ينير لهم طريق الإصلاح الذاتي والإجتماعي بهذا المفهوم الواسع وبذلك يتأهلون لنصره سليل الحسين والآخذ بثاراته المهدي الموعود الذي يملأ به وبأنصاره الحسيني الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت على أيدي اليزيديين ظلماً وجوراً. وبهذا الفهم نفهم مستمعينا الأفاضل دعوات الآخذ بثارات الحسين عليه السلام والتشوق لظهور سليله المهدي المنتظر – عجل الله فرجه – وهي دعوات شكلت محوراً أساسياً في العديد من المراثي الحسينية التي خلدها ديوان الشعر الولائي. تحت عنوان حلم الثأر المحتوم كتب الأديب الولائي الأستاذ إبراهيم رفاعة يقول: (عاشورائية ضاجة بعميق الحزن ومتوقد الغيظ بكانية ثأرية من بكائيات الشاعر المتوهج إيماناً، والمشرب قلبه – صافياً – من أنوار يوم الحسين.. إنه عبد الحسين شكر النجفي من شعراء الوجدان المتيقظ في القرن الهجري الثالث عشر، قصيدته اللامية هذه نبدأ رخية بهيجة يزخها النور والمطر، وتربة الطف الكربلائية الحبيبة هذه قلعة للعذوبة والجمال، أرض هي فخر الفخر في العالم وشموخ الشموخ، لأنها أرض السيد الأغر، صاحب ملحمة العشق، خامس الخمسة الإلهيين.. الشهيد الفريد الغريب أبي عبدالله مولانا الحسين. في هذه الأرض.. كان ما كان يوم عاشوراء الليالي العشر، ومنذ فجرها بدء عروج الوصال الذي ما مثله عروج ولا يحاكيه وصال، الحسين الذي ارتقى في معراجه على براق من نور الدم الأحمر.. هو من قتل ذبيحاً مقطعاً مصبوغاً بلون الأرجوان.. وحوله من الضحايا: الأشراف من أهل بيته وأنصاره الأحرار الأوفياء، في ملحمة شم الزمن نفحة من عطرها، فتولد منه "الخلود" الذي انفلت من قبضة الزمان! هم الشاعر في هذه القصيدة التلميح الى فروسية فرسان الملحمة الحسينية من أهل البيت، أكثر مما يومي الى جنايات آل أبي سفيان من أبناء الطلقاء الحاقدين، هي ذي إذن تربة كربلاء التي التي يخاطبها أولاً، ثم لا يستطيع إلا أن يذكر القوم الذين "غضب الله عليهم" بقتلهم سيد شباب أهل الجنة ريحانة سيد المرسلين: إنما أنت مطلع لهلال من سنا ضوئه استمد الهلال مهبط الوحي.. عنده في هبوط وعروج: جبريلها.. ميكال إنما أنت مجمع الرسل، لكن لهم عنك بالأسى أشغال فيك قد حل سيد الرسل طاها وعلي وفاطم والآل وسرايا بني نزار.. ولكن فيك جذت يمينها والشمال هذه الأرض التي طابت وتقدست.. هي الأرض انتهك حرماتها وحرمات من حل فيها آل أمية الأفاكون السفاكون: يوم في عشر الضلال أمي عثرت أي عثرة لا تقال! واستفزت لحرب آل علي عصباً قادها العمى والضلال وعليهم قد حرمت – يا لقومي - ورد ماء الفرات وهو الحلال الوصف الملحمي لفرسان آل محمد الكماة الأباة الشجعان.. يملأ المشهد حزماً وعزماً ورجولة وبكولة، هم على الأرض هولها المرعب، وتتطاول قامات عنفوانهم لتلامس النجوم: فاستثارت لنصرة الدين أسد ترجف الأرض منهم والجبال وأقاموا مضارباً مست النجــ م علواً، لكنها قسطا والقسطال هو الغبار الذي هاجته صولاتهم الى عنان السماء.. يتابع الأديب شكر النجفي منشداً: طعنوا بالقنا الخفاف، فعادت وهي – من حملها القلوب – ثقال صافحتهم أيدي الصفاح المواضي ودعاهم داعي القضا فانثالوا هذا كله.. قبل أن يبرز للقتال وحيداً وريث أبيه المرتضى أسد الله الحسين: فانثنى ليث أجمة المجد فرداً ناصراه: الهندي والعسال فسطا شاحذاً من البأس عضباً كتبت في فرنده الآجال! فرأت منه آل سفيان يوماً فيه – للحشر – تضرب الأمثال وأبيه، لو لا القضا والمقاديــ ر.. محتهم قبل اليميم الشمال ثم هوى على الأرض – في آخر الأمر – الطود الشامخ الأشم، وتبادرت وضاعة القوم الذين غضب الله عليهم يستعرضون بطولاتهم الزائفة الراجفة أمام نسوة آل محمد المفجوعات المروعات، ويضربون بسياط الحقد وجوه اليتامى المذعورين الصغار واليتيمات الفزعات، هذا مشهد يستثير في القلب رحمة من لا رحمة له، ويوغر بالغيظ والغضب أفئدة ولو كانت مجبولة من حجر! الشاعر عبدالحسين شكر.. يستحضر المشهد، ويعيش مصائبه، فتضطرم في داخله لوعة طاغية لابد – ليحتمل عبءها – أن يجد لها ما ينفس عنه، إنه يتوجه الآن ليرسل رسولاً الى المدينة الطيبة.. حيث يرقد الجد الأعظم والصفوة الموسدون الثرى من آل عبد المطلب.. يستصرخ ويستغيث: ناد ما بينها: بني الموت هبوا قد تناهبنكم حداد صقال تلك أشياخكم.. على الأرض صرعى لم يبل الشفاة منها الزلال غسلتها دماؤها، قلبتها أرجل الخيل، كفنتها الرمال! أما إذا أراد أن يبلغ في رسالته هذه حديث الأسر والسبي.. فهو حديث كله إثارة نخوة واستنهاض وتحشيم: ونساء عودتموها المقاصيـ ر.. ركبن النياق وهي هزال هذه زينب – ومن قبل كانت بفنا دارها تحط الرحال أمست اليوم واليتامى.. عليها - يا لقومي! – تصدق الأنذال! هذه الشكوى المتظلمة وهذا الإستنجاد برجال الهاشميين – ولو كانوا في مدافنهم – مما يخفف على الشاعر أوجاع قلبه، ويضع عنه بعض آلام المصائب والمعاناة، بيد أنه يظل يحلم، يحلم حلم الثأر الذي لابد أن يحين موعده ويجيء، الثأر ثأر الله الذي ما منه محيص، وهو جل جلاله الثائر لحبيبته فاطمة الزهراء البتول بدم أولادها المظلومين الشهداء. هو ذا الشاعر يهدد آل أبي سفيان وينذرهم يوم الإنتقام الذي يوعدون، يدعو عليهم أولاً بخراب بيوتهم ويباب ربوعهم.. ثم يأخذ بعتاب عنيف، لينتهي الى يوم التلاقي القادم، ولو في الزمن الأخير: آل سفيان لا سقى لك ربعاً مغدق الودق والحيا الهطال أي جرم لآل أحمد حتى قطعت من أبنائه الأوصال؟! فالحذار الحذار من وثبة الأسـ د؛ فلليث في الشرى أشبال! إنما يعجل الذي يختشي الفو ت، ومن لم يكن إليه المآل نشكركم أيها الأكارم على كرم الإستماع لحلقة اليوم من برنامج يوم الحسين قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، دمتم في أمان الله. الأديب عبد الحسين شكر - 9 2016-11-23 13:55:01 2016-11-23 13:55:01 http://arabic.irib.ir/programs/item/14228 http://arabic.irib.ir/programs/item/14228 سلام من الله عليكم أيها الإخوة والأخوات ورحمة منه وبركات.. أهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج.. أيها الأفاضل.. الدعوة لنصرة الحق المظلوم هي الصرخة التي يجهر بها في كل حين يوم الحسين عليه السلام ويسمعها الأجيال في كل زمان، لتستثير الهمم في اليوم المعلوم كما نشهد ذلك في هتافات شعراء الحسين عليهم السلام ومنهم الشاعر الذي كتب عند أستاذنا الحاج إبراهيم رفاعة. تحت عنوان الظلم.. الذي يوغر الصدور يقول الحاج رفاعة: إنه كمن يصرخ ويستغيث محاصراً في وسط حريق هائل! بأعلى صوت يصرخ، وبأقوى استغاثة يستغيث! ومع هذا كله.. ما بلغ عبد الحسين شكر النجفي من الصراخ والإستغاثة ما يناسب ولو جزء من مذبحة كربلاء. لو كل حناجر البشر تركزت في حنجرة واحدة، وكل صراخ الدنيا صار صراخها.. فإنها تظل قليلة ضئيلة إزاء المقتلة التي لا توصف فظائعها في يوم عاشوراء. تفاصيل المجزرة لا يحتملها حتى خيال المتخيلين، وضحايا المذبحة من أهل من أهل بيت الحسين - الذين قال عنهم مولانا الرضا سلام الله عليه – ما لهم على وجه الأرض من شبيه، أما عميد آل محمد وسيد الأسرة الطاهرة فهو سيد شباب أهل الجنة المستنقذ لأمة جده النبي من الضلال الذي استيقظ محموماً بعد جده النبي، إنه "حسين الله".. خواض ملحمة العشق الإلهي الدامية الحمراء، الذي فعلت بجسده الشريف سيوف بني أمية الأفاعيل. وبعد قتله.. تقاد نساء أهل البيت الثكالى والأطفال اليتامى سبايا يساقون أعنف سوق، ويشتمون أقذع شتم، وفيهم عقيلة آل أبي طالب ناموس رسول الله: الصديقة زينب بنت فاطمة الزهراء الزكية البتول. من ذا يرى ما جرى ولا يلقي بنفسه بين شفرات السيوف؛ انتصاراً لآل محمد المظلومين المضطهدين؟! ومن ذا إذا فاتته النصرة أن لا تزهق نفسه كمداً ولوعة وحسرات؟! الحق مع عبد الحسين شكر إذ يصرخ ويستصرخ ويستنجد ويستغيث، ما حضر شكر مذبحة آل الله الأبرار في كربلاء، فبينه وبين الحادثة الأليمة الدامية – من حاجز الزمان – فاصل طويل، لكنه حضرها في القرن الثالث عشر الهجري بقلبه.. أو هكذا يخيل في بادئ الأمر. والواقع أنه استحضر إيمان قلبه لمحات مما وقع.. فتفجر في داخله غضب موتور، وبلغت حميته النبيلة أقصى ما لها من حدود. لكن.. من يستنصر هذا الشاعر المستنير القلب، ومن يناشد للثأر، ومن يدعوه الى النفير أعجل ما يكون النفير؟ إنها فاجعة التوحيد التي ليس لها إلا أهل التوحيد من آل محمد الهاشميين الأصفياء، قال الحسيني الأديب عبد الحسين شكر: البدار البدار آل نزار قد فنيتم ما بين بيض الشفار قوموا السمر، كسروا كل غمد نقبوا بالقتام وجه النهار سوموا الخيل، أطلقوها عرباً واتركوها تشق بيد القفار طرزوا البيض من دماء الأعادي فلقوا الهام بالضبا البتار وابعثوها ضوابحاً، فأمي وسمت أنف مجدكم بالصغار سلبتكم بالرغم أي نفوس ألبستكم ذلاً مدى الأعمار يوم جذت بالطف كل يمين من بني غالب وكل يسار إنه إذن جيش الإنتقام الذي يستحثه الشاعر الى النفير الفوري، ليأثر من القتلة الجناة السفاكين، قوم الحسين المحمديون هم الذين يحرضهم بهذا النداء، لأنهم المعنيون بالثأر، وهم من عليهم المبادرة الى تهيئة رماحهم وتحطيم أغماد السيوف؛ فإن الحرب لا رجعة عنها، وخيولهم الأصيلة لابد أن تنطلق مسرعة مخلفة وراءها غباراً يغطي وجه الأرض، ولابد لصهيلها أن يملأ الآفاق. أفي بني هاشم العلويين الأباة من يحتمل هذا الضيم والهوان الذي ألحقه بهم في طف كربلاء آل أبي سفيان؟! وقعت المذبحة العظمى، وأبيحت لله أجل الحرمات، لكن.. بيد من ذبح من ذبح وأبيح ما أبيح؟ بيد أراذل الخلق من علوج الشجرة الخبيثة الملعونة في القرآن المتسلقين منبر رسول الله من بعده تسلق القرود! أخت عمرو بن عبد ود – لما صرع أخوها الفارس المغوار يوم الخندق بسيف علي – ما هدأ لها بال من شدة حبها لأخيها وفرط افتخارها به، لكنها لما علمت أنه قتل – وهو العدو المشرك المحارب – بيد علي بن أبي طالب.. هدأت واطمأنت، وقالت: كفء كريم. أما هؤلاء الأوباش الأرذال من آل أبي سفيان فما في أحدهم ذرة كرامة، ولا عرفوا يوماً طعماً لرجولة أو شهامة، المآسي يركب بعضها بعضاً، والظلمات القاسية الألمية ما لها من انتهاء. من كانت له كرامة إيمان وكرامة وجدان.. فاليوم يومها الكبير، ومن له عزة ونجدة وإباء فلمن يدخر هذه الأسلحة المعنوية التي لابد أن تنطلق كالسهم للثأر، وإن لم يفعل فإن أسلحته هذه الفعالة تتعفن في داخله وتتفسخ وتموت.. كطعام لم يؤكل في حينه: يفسد إن مر عليه زمان! الشاعر يتلوى في عمق كينونته ولا يقر له قرار، ما يزال صوته ينادي قوم الحسين – بأعلى نبرة – ليبادروا الى الإنتقام، وإلا فلا حياة لهم يحيونها ولا يطيب لأحد منهم مقام، عليهم – قبل أن يدركوا لهم أعظم ثأر – أن يكفوا عن كل ما ألفوه في حياتهم اليومية، وأن يصوموا صوماً شاملاً عن كل شيء: قال الأديب النجفي: لا تلد هاشمية علوياً إن تركتم أمية بقرار طأطئوا الرؤوس، إن رأس حسين رفعوه على القنا الخطار لا تذوقوا المعين، واقضوا ظمايا بعد ظام قضى بحد الغرار لا تمدوا لكم عن الشمس ظلاً إن في الشمس مهجة المختار حق أن لا تكفنوا هاشمياً بعد ما كفن الحسين الذاري لا تشقوا لآل فهر قبوراً فابن طه ملقىً بلا إقبار أما عقيلة الطالبيين وشرف آل محمد زينب بنت أمير المؤمنين علي.. فحكايتها – في مصائب كربلاء – أشد تجريحاً وأنكى إيلاماً لأهل الإيمان ولأصحاب الوجدان. هذه البضعة المحمدية الطاهرة الزكية.. إنها هي المحمولة الآن قسراً – بين الأجلاف الأرذال من أشباه الرجال – لتقاد بارزة لعيون الفضوليين وعيون الشامتين – أعماها الله من عيون! يا لله.. ويا لزينب! ناموس محمد.. وأبرزوه جهاراً على ظهور النياق يطاف به في الشوارع والأسواق! ماذا يظل للناس إذن من شرف ليحفظوه، وماذا يظل من صون في العالم وستر وحجاب؟! لقد سقط الحجاب كله يوم أسروا شقيقة روح الحسين وساروا بها في المدن والقصبات: هتكوا عن نسائكم كل خدر هذه زينب على الأكوار! أين من أهلها بنو شيبة الحمـ د.. ليوث الوغى حماة الذمار؟! فليسدوا رحب الفضا بالعوادي وليهبوا طراً لأخذ الثار مستمعينا الأكارم، ويستمر الشاعر الحسيني الغيور الحاج عبد الحسين شكر النجفي وكما سيحدثنا الأستاذ إبراهيم رفاعة في حلقة مقبلة بدعواته لنصرة الحق الذي دعا له الحسين وانتصر له سيد الشهداء – صلوات الله عليه – بكل أسرته ووجوده في يوم عاشوراء، لكي تكون هذه النصرة الحسينية مناراً لكل حسيني يطلب بصدق أن يكون من الأنصار المخلصين في مؤازرة المهدي الموعود الطالب بثأر الحسين وآل الحسين وكل المظلومين على مدى التأريخ؛ جعلنا الله وإياكم من أنصاره في غيبته وظهوره – عجل الله فرجه -. ختاماً تقبلوا منا أيها الأكارم جزيل الشكر على متابعتكم الطيبة لحلقة اليوم من برنامجكم يوم الحسين قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران. الشاعر منصور بن سلمة النمري - 8 2016-11-21 13:54:30 2016-11-21 13:54:30 http://arabic.irib.ir/programs/item/14221 http://arabic.irib.ir/programs/item/14221 السلام عليكم أيها الإخوة والأخوات ورحمة من الله وبركات، وأهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج ووقفة إستلهامية أخرى في الرحاب النيرة ليوم الحسين سيد الشهداء صلوات الله عليه وقيم الحياة الكريمة التي زخر بها هذا اليوم الخالد من أيام الله الكبرى. إخوة الإيمان.. في يوم الحسين تجلت جماليات الولاء الحق لله جل جلاله بأسمى صورها في مواقف الحسين وصحبه الشهداء وعيالاته الأسرى عليهم جميعا صلوات الله. وفي المقابل إنكشفت قبائح أعداء الله وشدة عدائهم لخلقه بأبشع صورهم في سلوكيات اليزيديين فكانت تلك الجماليات الحسينية الزينبية عامل بعث مستمر لروح الولاء الحق لله وأوليائه، فيما صارت تلك القبائح اليزيدية عامل ترسيخ مستمر لروح البراءة من أعداء الله وأوليائه في كل مكان وزمان؛ يعبر عنها المؤمنون ما استطاعوا لذلك سبيلا حتى لو كانت حراب الطواغيت مشهورة على رقابهم وهذا ما شهدنا ونشهد مصاديقه سماعاً وعياناً عبر التأريخ السالف والمعاصر في نماذج كثيرة منها ما نحدثكم عنه في هذا اللقاء وهو أديب قدم روحه على طبق الإخلاص ليوم الحسين وروح الولاء للحسين وآل الحسين ورب الحسين والبراءة من أعدائهم أجمعين. تحت عنوان وعي .. لجذور المأساة كتب أستاذنا الحاج إبراهيم رفاعة يقول: مرارة قلبه الذي أضاءته ومضة من برق كربلاء.. تلمس في شعره؛ إذ شعر منصور بن سلمة النمري حديث قلبه.. وقيمة كل امرئ حديث قلبه. ومنصور النمري هذا ينتمي في نسبه الى النمر بن قاسط من نزار، عاش في القرن الثاني وتوفي في العقد الأخير منه.. يضطرم داخله إيماناً وحباً للعترة النبوية الطاهرة.. في ظروف معاكسة مزروعة بنصال السيوف وظلمات السجون.. ماذا يصنع منصور إذن وهو بين نارين؟ نار حب آل محمد هذه المضطرمة في باطنة والغضب لهم لما ألقي عليهم من ظلم أهل الظلم، ونار الإضطهاد والإرهاب السلطوي العباسي والمتزلفين للمتسلطين، لابد للماء المتدفق من باطن الأرض قوياً أن يعبر عن نفسه بصورة نبع فياض.. كما لابد للنار المحتدمة بين طبقات الصخور أن تولد البركان! حبه الصادق القوي لأهل البيت الهداة يحرضه على قول الشعر فيهم، وسيوف بني العباس المسلولة أمام الرقاب تلجم الأفواه، لكن منصوراً يأبى له لسان، سيلجأ الى أسلوب التورية والإيهام، يقول شيئاً ويريد شيئاً آخر هو الذي يقصده، لتكتب له – ولو مؤقتاً – النجاة، لكنه يجاهر أحياناً بولائه لآل محمد بنبرة واضحة بينة، إذ يرى حتى اليهود والنصارى بين المسلمين في دعة وأمان، أما وديعة النبي من أحبائه وأعزته فهم ومن يحبهم مهددون مشردون أو مستشهدون! هو ذا يفضح بلا قناع هذا الموقف النفاقي الذميم الذي عليه حكام المسلمين: آل النبي ومن يحبهم يتطامنون مخافة القتل أمن النصارى واليهود، وهم من أمة التوحيد في أزل والأزل أيها الأفاضل يعني المضايقة والإرهاب ولمنصور النمري قصيدة لامية تعبر عن انتمائه الصريح لأهل الحق والصدق المظلومين. هي في زمانها بمنزلة وسيلة إعلام مقروءة ومسموعة سريعة الإنتشار، تحرض على الإنتماء الى خط آل محمد، وتفضح مضطهديهم من أهل الجور والطغيان، كان النمري آنذاك في الرقة من بلاد الشام لما سمع هارون العباسي الرشيد حكايتها في بغداد، فبعث هارون من فوره أحد قواده الى الرقة ليقبض على منصور ويقطع لسانه ويقتله ثم يحضر رأسه إليه، فلما وافى هذا القائد العسكري باب الرقة رأى جنازة منصور النمري محمولة على الأكتاف. قال له الرشيد لما رجع إليه وأخبره خبر وفاته: فألا إذ صادفته ميتاً أحرته بالنار! أيها الأكارم، القصيدة اللامية ذات الأربعة والعشرين بيتاً.. ترينا – منذ بيتها الأول – شاهداً على صدق النبوءة المحمدية عن الحرارة التي لا تبرد لقتل الحسين فنراها في صدر منصور النمري وهو يحبس حرارة لا تبرد، ويذرف دمعاً لا يكف تجعله يقول: متى يشفيك دمعك من همول >ويبرد ما بقلبك من غليل؟! هذا الحزن المتغلغل في قرارة نفسه يسلمه الى البكاء والعويل: أول تجل غير إرادي للأحزان المختزنة الخارجة عن طوق المألوف: ألا يا رب ذي حزن تعايا بصبر، فاستراح الى العويل لكن.. لم كل هذا البكاء يا منصور، ولم كل هذا العويل؟! إنه الحسين صلوات الله عليه.. الذي إذا ذكر الله وذكر رسول الله والقرآن، وذكر بذكره جمال حقيقة التوحيد، هو المقتول ظلماً واستخفافاً بالله والنبي.. بأيدي أوباش أمة جده صاحب الرسالة والدين، هو وحده الحسين من حمل راية الهدى والإنقاذ للأمة التي تسلط عليها من لا يرحم ولا يؤمن بالقرآن والرسول، الموقف لبني أمية موقف مزدوج: يخالف ظاهره باطنه، وهو الموسوم بالنفاق، في أقبح صور النفاق: قتيل.. ما قتيل بني زياد ألا بأبي وأمي من قتيل! ومما يزيد الفاجعة ألماً وكرباً أن مثل نور الحسين الإلهي المحمدي الرقراق يذبح بأيدي أمثال لؤم ووضاعة بني زياد. فزياد ابن أبيه ظل إلى اليوم زياد ابن أبيه! رويد ابن الدعي وما ادعاه سيلقى ما تسلف عن قليل والنمري ذو بصر وبصيرة.. ينظر في الحوادث الى جذورها إذا رأى ماء يسيل لم يكتف برؤيته، بل تتبعه الى المنبع، وهذا وعي في المرء ممدوح. إن البغضاء والشحناء لأبي عبدالله الحسين الثائر لله وحده والمصلح لما أفسده المفسدون من أمة جده العظيم.. إنما لهما منابع وجذور، إنها ثارات قديمة في نفوس مظلمة.. راجعة الى جاهليتهم التي لقيت من رجولة علي بن أبي طالب في بدر وغير بر الأمرين. ها هم الآن من نجل علي وأهله يستشفون، ومن دين النبي الذي أفقدهم سلطتهم الزائفة الغاشمة ينتقمون: معاشر أودعت أيام بدر صدورهم وديعات العليل فلما أمكن الإسلام شدوا عليه شدة الحنق الصؤول أي قلب ذي إيمان لا يبكى الإيمان الذي ذبح في كربلاء؟! وأي وجدان صاحب وجدان لا يستثيره مرأى بهاء الوجدان الذي مزقوه بسيوف البغي والآثام في عاشوراء؟! الشاعر وهو متألق الإيمان متوهج الوجدان.. يحزن ويبكي ويدعو الى الحزن والبكاء: أيخلو قلب ذي ورع ودين من الأحزان والهم الطويل وقد شرقت رماح بني زياد بري من دماء بني الرسول؟! ألم يحزنك سرب من نساء لآل محمد خمش الذيول؟! يشققن الجيوب على حسين أيامى قد خلون من البعول بتربة كربلاء لهم ديار نيام الأهل دارسة الطلول ثمة أمران يقوم بهما منصور النمري في هذا الجو، إيمان قلبه هو من يقوده الى هذين الأمرين ويهديه، أولهما: زيارة بقعة الحسين في كربلاء بإهداء التحية والسلام: تحيات ومغفرة وروح على تلك المحلة والحلول السلام معبر عن المودة والإنتماء، كما هي الزيارة أيضاً.. في بذل المرء ما يبذل لبلوغ الأرض المقدسة وإعلان المحبة والولاء. وثاني الأمرين خطوة متقدمة الى الأمام، وموقف رجولي حازم من كلا المعسكرين: إنه يبرأ الى الله – أمام رسول الله – من معسكر النفاق الأموي الذي ارتكب في كربلاء مجزرة الإنتقام من أهل التوحيد. ثم الإندفاع – في الأمر الثاني – للإنضمام الى معسكر أهل الحق المقتولين، دفاعاً عنهم وانتصاراً لهم حتى يسفك منه الدم، ما قيمة كل دماء أهل العالم إزاء دماء حبيب الله وصفيه الحسين؟! برئنا يا رسول الله ممن أصابك بالأذاة وبالذخول ألا يا ليتني وصلت يميني هناك بقائم السيف الصقيل فجدت على السيوف بحر وجهي ولم أخذل بنيك مع الخذول سلام الله ورضوانه على منصور النمري يوم انتصر لآل محمد بسلاح لسانه، ويوم مات مضطهداً مشرداً، ويوم يبعث ضاحكاً مستبشراً تحت راية الحسين صلوات الله عليه. وبهذا نصل مستمعينا الأكارم الى ختام حلقة أخرى من برنامج يوم الحسين كان حديثنا فيها عن القيام الحسيني المقدس كمنار ليس ثمة أقوى منه في إشاعة وبعث روح الولاء الحق لله ولرسوله ولأوليائه تبارك وتعالى وفي المقابل بعث روح البراءة من أعداء الله ورسوله وأوليائه عليهم جميعاً أزكى الصلاة والسلام.. لكم جزيل الشكر من إخوتكم وأخواتكم في إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران على طيب إستماعكم لهذا البرنامج نستودعكم الله على أمل اللقاء بكم في الحلقة المقبلة بإذن الله دمتم في أمانه سالمين والحمد لله رب العالمين. بكائية رأس الحسين للأديب المسيحي جوزيف حرب - 7 2016-11-16 12:16:36 2016-11-16 12:16:36 http://arabic.irib.ir/programs/item/14208 http://arabic.irib.ir/programs/item/14208 السلام عليكم مستمعينا الأكارم ورحمة الله وبركاته.. تقبل الله حسن تقربكم إليه عزوجل بتعظيم الشعائر الحسينية وهي أعظم القربات إليه تبارك وتعالى. أيها الأفاضل.. البراءة من فعال القتلة اليزيديين ومن يحمل إرثهم البغيض من ذيولهم المعاصرين، لا تنحصر بالمحمديين بل تشمل كل ذي وجدان إنساني مهما كان دينه لأنها فعال يأباها كل وجدان كما أن الولاء لمواقف الحسين وآل الحسين وقيم الحق والشهادة التي يهفو لها ممجداً كل ذي وجدان إنساني.. هو ولاء لا ينحصر بالمحمديين بل يشمل كل ذي وجدان إنساني.. وهذه من الخصوصيات البارزة في يوم الحسين. ومن شواهد ذلك المقالة الحسينية التي إخترناها لهذا اللقاء وهي من النماذج المؤثرة وإن كانت نظائرها ليست بالقليلة في كتابات مفكري غير المسلمين عن يوم الحسين.. تابعونا على بركة الله .. مستمعينا الأفاضل.. تحت عنوان بكائية رأس الحسين كتب الأديب المسيحي جوزيف حرب يقول: كربلاء.. يا مساحة المرارة، وموشحة الحزن، وشبابة الفرات التي بحت وما شربت، وحارسة المصابيح التي اشتعلت بزيت مساريج الجنة: رققي من حواشي الريح، واملئي الأباريق، ومدي الوسادة الزينبية، فلقد أقبل الليل، ورجعت كوفة الزمن القديم. هبيني – كربلاء – أرح رأس الحسين على يدي، أنا لست من أنزل الحسين في العراء من غير ماء وغير حصن، ولست من شك سيفه بين منكب الحسين وعنقه، ولست يا كربلاء من قطع الكتف اليسرى، أنا لست الأبرص بن ذي الجوشن أحز بالسيف في عنق الحسين، ولست من أوطأ الجياد عظام صدره، ولست عبيدالله بن زياد أضرب ثناياه بعصاه في مسالك الكوفة. ولست يزيد بن معاوية أنكث بقضيب العرش في شفتي الحسين اللتين قبلتهما شفتا الرسول الكريم حتى ارتوتا من عبير ريحانة الجنة. هبيني – كربلاء – أرح رأس الحسين على يدي.. هبيني سراويله اليمانية التي مزقها كي لا يقتسمها من بعده القتلة. ويالعطش عبدالله الرضيع.. وقد مرى الهجير عرقه وهدلت رباعية أطرافه.. ورنقت عيناه ودير به مغشياً عليه، فرفعه الحسين بين يديه وخاطب الواقفين دون ماء الفرات: يا أهل الفرات، يا أهل الكوفة.. خافوا الله واسقوا هذا الطفل.. إذا كنت أنا في اعتباركم إستوجب الموت، فما ذنب هذا الطفل الصغير؟! يا قوم، خافوا الله واذكروا عذاب يوم أليم. أراك لا تنسين – يا كربلاء – كيف صاح به أحد الجند: خذ.. أسقيه! وأوتر القوس ورمى الطفل بسهم اختلجت عليه أحشاؤه! فهبيني – كربلاء – أرح رأس طفل الحسين على يدي. هبيني ذؤابتيه المرسلتين، وخلاخيل قدميه، ومشملته، وقميصه المشقوق، والعقد، والبكاء الذي ما ترسل من بين أجفانه، مخافة أن يتملح فمه إذا لامست قطرات دمعه شفتيه. ويتابع الأديب المسيحي جوزيف حرب مقالته الحسينية، فبعد براءته المؤثرة من فعال قتلة الحسين ورضيعه وسائر شهداء كربلاء عليهم السلام ينتقل لإعلان ولائه للحسين وقيم الحسين المفعمة بكل جمال وكرامة وكمال فيقول: عندما يحمل الرجال رؤوسهم هم العالم، ويصفو دمهم زيتاً للحقيقة، وتتوثب في سواعدهم جياد المعارك العلوية.. يمر في خاطري الحسين بن علي: مقدساً في رسالة، جنة في جسد، سدرة في منتهى، شهيد عقيدة باعها لربه واشتراها بدنياه.. وكانت نسبة أن تعيش هي غداً [أي العقيدة] من نسبة أن يموت هو اليوم .. إنه الومض المقدس.. لو دخلت عاشوراء يد القضاء لما اختل ميزان قاض ولو هبت [عاشوراء] على خفق راية لما أذل وطن ولو لامست وسادة حاكم لمنعته من صلف النعاس، ولو استوت على سرير خلافة لما عرف التاريخ قراصنة الأرض ولصوص الأمم وشذاذ آفاق الممالك والمشعبذة والطغاة والسحرة. مستمعينا الأفاضل؛ ونتابع ما كتبه الأديب المسيحي جوزيف حرب فنجده يستنير بأنوار الرؤوس الحسينية التي لم تطأطأ ذلة ورفعت على الرماح عزيزة لتكون منارات الكرامة الإنسانية الباسلة، قال: ثلاثة وسبعون رأساً.. ورأس الحسين طليعتها: منارة خلفها منائر.. دخلت البلاط اليزيدي على سن ثلاثة وسبعين رمحاً؛ فهل لشمس أن تشرق، ولفرات يعد أن ينساب، ولريح بعد أن تهب، ولطائر بعد أن يسحب جناحيه، ولنبت بعد أن يمرع، ولقضاء بعد أن يعدل، ولحكم بعد أن يستوي، ولدين بعد أن يشيع، ولسلام بعد أن يسود.. إلا ومعه قضية ثلاثة وسبعين رأساً قضت أن لا يلاحم من صدوع الباطل، ويصدع من ثبات الحق؟! إن مسيحيتي أيها السادة.. لن تكتمل ناقصاً منها الحسين، وإن أي دين – سماوياً كان أو غير سماوي – لا يتضمن مرتبة حسينية إنما هو دين كثير الأرض قليل الجنة، وإن أي حق لابد من أن يضيع إن لم تكن وسيلته حسينية؛ فإما الحق، وإما الشهادة! ولندع صفين، ولندع التحكيم، ولندع الفتنة.. ولندع خوف يزيد من العراق في يد الحسين، فإن في عمق ذهاب الحسين الى العراق ليس ما دار في رأس يزيد فقط، وإن في عمق أن الحسين ما رجع عن العراق ليس سيفاً للحسين سل وما غمد فقط! هناك صوت ما، صوت من أعماق السماء.. نادى إليه الحسين، فسار إليه، من هنا كانت عاشوراء فصلاً من فصول ذهاب الحسين الى الجنة لا الى العراق. وينطلق الأديب المسيحي اللبناني الأستاذ جوزيف حرب من الإستنارة بالمنار الى تمجيد قيم الحق والشهادة التي تجلت في سائر أعلام يوم الحسين عليه السلام وحملة قيمه من السبايا المحمديين يقول هذا الأديب: إن النبي الكريم إذ روت شفتيه – وهو على الأرض – شفتا الحسين من ريحانة الجنة، فإن شفتي الحسين – وهو في الجنة – ترويان شفتي النبي من رائحة الشهادة والحق. ولعل رائحة الريحان في الجنة توزن برائحة الحق والشهادة. وأما الإمام المكرم وجهه – أعني علياً أبا الحسين .. فلم يكن فرحه والحسين طفل في حضنه بأعظم من فرحه وليس في حضنه من الحسين إلا رأس الحسين، إذ انتقل الحسين من الطفولة البريئة في المشهد الأول الى الومض في المشهد الثاني: الحق والشهادة. كربلاء.. يا مساحة المرارة، وموشحة حزن، وشبابة الفرات التي بحت وما شربت، وحارسة المصابيح التي اشتعلت بزيت مسارج الجنة: خذي الدفء من وجه رياب، والحنان من فؤاد سكينة، ومن فاطمة الذراع العف، ومن زينب رقة الأخت.. ورققي حواشي الريح، واملأي الأباريق، ولكن.. لا تمدي الوسادة الزينبية، وإنما هبيني – مرة واحدة – أريح رأس الحسين على يدي. بإنتهاء هذه البكائية الحسينية المؤثرة للأديب المسيحي جوزيف حرب ننهي أيها الأكارم حلقة اليوم من برنامج يوم الحسين قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، تقبل الله منكم جميل الإصغاء ودمتم في أمان الله. القيام الحسيني في الادب المسيحي - 6 2017-02-27 10:34:48 2017-02-27 10:34:48 http://arabic.irib.ir/programs/item/14557 http://arabic.irib.ir/programs/item/14557 بسم الله الرحمن الرحيم اعزاءنا الافاضل السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وتقبل الله خالص اعمالكم وأنتم تسبرون أغوار الحسين في يومه، يوم الحسين إطلاله للحسين عليه السلام. كونوا معنا وإصحبونا. اعزاءنا تميزت القيم التي تجلت في يوم الحسين وقيمه المقدسة عليه السلام بقوة نفوذها الى الفطرة الانسانية وعمق تأثيرها في الوجدان الانساني عموماً بغض النظر عن الانتماء الديني ولذلك كان الانتصار للمظلومية الحسينية ولقيم القيام المقدس الذي اشتملت عليه من أهم وسائل الجذب والاتفاق في المجتمع الانساني برمته، فالى جانب عنصر المظلومية لأعلام يوم الحسين من الشهداء والسبايا فإن هؤلاء المظلومين قد تميزوا اولاً بمحاسن سامية يعشقها كل قلب وفطرة سليمة وتميزوا ثانياً بظهور أسمى مصاديق الرحمة والرأفة في تعاملهم مع الخلق. وثالثاً أنهم ظلموا وأستشهدوا وأسروا وتحملوا اقصى اشكال الاذى لأنهم رفضوا الذل والخنوع. نعم وهذا ما تهدينا اليه كثير من كتابات المفكرين من مختلف الديانات عن النهضة الحسينية، نستعرض في هذا اللقاء نموذجاً لذلك من الادب المسيحي كتب عنه استاذنا الحاج ابراهيم رفاعة تحت عنوان كربلاء المنتشرة كالهواء. اعزاءنا الافاضل قال الحاج ابراهيم رفاعة: هذه قصيدة مطولة في واقعة الطف تشكل جزءاً من ملحمة الغدير للشاعر اللبناني الراحل بولس سلامة. إهتز وجدان سلامة هذا وهو الاديب المسيحي المتمرس في سلك القضاء لما تجلى له من عظمة اهل البيت عليهم السلام ولما أصابهم من ظلامات. وكانت فاجعة كربلاء معلماً بارزاً في ملحمته الطويلة وكان ابو عبد الله الحسين رمزه الاسمى للانسانية العليا وللشهامة وللقيم النبيلة التي تتحقق بها انسانية الانسان. طالما قضى بولس سلامة الليالي وهو يكتب شعره الحسيني وطالما بللت دموعه وسادته وكأنما ماءاً سكب عليها من فرط الحزن واللوعة والبكاء. أيها الاخوة والاخوات ما الذي إنجذب اليه الشاعر من نهضة الامام الحسين سلام الله عليه وما الذي أثر فيه هذا التأثير الكبير؟ هذا السؤال تجيب عنه ابيات له من الملحمة رائية القافية يصور فيها وصول الامام الى كربلاء في اليوم الثاني من محرم عام 61 للهجرة بعد أن منع من التقدم الى الكوفة ومن الانصراف الى أي ارض غير كربلاء. اذ صور الشاعر نزول الركب الحسيني في ارض كربلاء اختار أن يجعل رؤيته للنهضة العاشورائية على لسان سيد الشهداء، سنرى في رؤية سلامة أن الارض التي شربت من الدماء القدسية الطاهرة ستصنع المعجزات وتبدل تاريخ الانسان وستشرق من ثرى المقتل الحسيني شمس العدالة والهدى والحرية والكرامة والشهادة في سبيل هذه القيم العظيمة وستمتلأ الدنيا بالأصوات الهادرة الثائرة على الظلم والظالمين ليبلغ اصحابها احدى الحسنيين، النصر او الشهادة! ها نحن مستمعينا الافاضل اولاء مع الشاعر بولس سلامة في حسينيته العابقة بالعطر والجمال والضياء حيث يقول: أنزلوه بكربلاء وشادوا حوله من رماحهم أسواراً لا دفاعاً عن الحسين ولكن اهل البيت الرسول صاروا اسارى قال ما هذه البقاع ؟؟ فقالوا كربلا فقال ويحك داراً ها هنا يشرب الثرى من دمانا ويثير الجماد دمع العذارا هذا الدمع مستمعينا الفاضل الذي يذرف على شهيد الله ليس كسائر الدموع، إن له مزية الخصوبة المتوالدة وسمة الإحياء والإنبعاث. أما قبور شهداء عاشوراء فلها خاصية الإنبات، إنبات ازهار الحسن والعطر السماوي المنعش لقلب والروح ولها ايضاً خاصية التنوير في الليل البهيم. إن خلت هذه البقاع من الأزهار التمس قبورنا ازهاراً او نجوماً على الصعيد تهاوت في الدياجير تطلع الأقمارا يوم الحسين هو عنوان المادة التي تستمعون اليها ايها الكرام من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران. عظم الله لنا ولكم الاجر بمناسبة ذكرى استشهاد مولانا ومقتدانا الامام الحسين سلام الله عليه. أعزاءنا كربلاء في رؤية الشاعر المسيحي مبكاء ولكن البكاء بكاء من نوع خاص، هو علامة للحب الصادق ولرقة القلب والمرء بلا عواطف قلب اشبه بحجر دائس يائس لاخير فيه ولايرجى منه موقف انساني كريم. تتلاقى الأكباد من كل صوب فوقها والعيون تهمي إدكاراً من رآها بكى ومن لم يزرها حمل الريح قلبه تذكاراً إنه يبتغي من ثرى كربلاء أن يكون قبلة لطلاب الهدى والبصيرة والضياء فليس في العالم مستمعينا الافاضل من هدى وضياء كما هو في كربلاء كربلاء ستصبحين محجاً وتصيرين كالهواء إنتشاراً ذكرك المفجع الأليم سيغدو في البرايا مثل الضياء إنتشاراً فيكون الهدى لمن رام هدياً وفخاراً لمن يروم الفخارا أحبتنا كربلاء وكما يراها الشاعر وكما هي فعلاً بقعة في المكان لكنها تسري في طول التاريخ وعرضه لتكون قطباً خالداً يطوف في محوره أهل الكرامة والعزة والإباء، الرافضون للظلم والعسف والاستبداد. لقد تعلموا من الحسين صلوات الله عليه إختيار الغلبة والنصر او موت الشهادة العظيم. هو ذا سلامة مازال يجري شعره الرقيق على لسان سيد الشهداء: كلما يذكر الحسين شهيداً موكب الدهر ينبت الاحرارافيجيء الاحرار في الكون بعدي حيثما سرت يلثمون الغبارا وينادون دولة الظلم حيدوي قد نقلنا عن الحسين الشعارا فليمت كل ظالم مستبد فإذ لم يمت قتيلاً توارى ويعودون والكرامة مدت حول هاماتهم سناءاً وغارافإذا أكرهوا وماتوا ليوثاً خلد الحق للاسود انتصاراً هكذا يتحدث مستمعينا الافاضل قلب الشاعر المسيحي بولس سلامة، اذ يجد كربلاء الحسين الملهم الكبير لكل قيم الجمال وقيم الرجولة والإباء. إنه يعلم أن البكاء على مأساة عاشوراء ضرورة تتدفق من الانسان بلا إختيار لكنه يدري في الوقت نفسه أنه ليس بالبكاء وحده يكتمل الموقف الحسيني المقدس إنما الغضب المواج في القلب ورفض الظلم والهضم ونصرة المستضعف المقهور هو مما يلازم بكاء كربلاء. أعزاءنا أن المعنى الحسيني الأشم الرفيع هو ألق لعاطفة القلب الانساني النبيل ومنار للعقل المتبصر المتطلع لإستقامة الصراط وهو فضاء واسع بهي للروح المشوقة لجمال الحق وجمال الحياة. كل ذلك يبصره شاعر رقيق القلب مرهف الحس ينتمي من داخله إنتماءاً مصيرياً صادقاً الى نور الحسين. ولاغرو أن في مسيحي الدنيا من اذا عرف الحق فاضت أعيونهم بالدمع كما شهد بذلك القرآن المجيد. أيها الاخوة والاخوات وهكذا نصل الى ختام حلقة اخرى من برنامج يوم الحسين خصصناها لإشارة عن تجليات الفطرة الانسانية السليمة للقيام الحسيني المقدس بحيث صار منبعاً لإستلهام هذه القيم من قبل كل ذي فطرة سليمة وجذبه الى رب الحسين ودين جد الحسين المصطفى الهادي الامين صلوات الله عليه وعلى آله اجمعين. اعزائي الكرام استمعتم الى برنامج يوم الحسين من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، نشكركم على كرم المتابعة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الى اللقاء. كشف صفات المنافقين وائمة الضلال - 5 2017-02-06 13:23:20 2017-02-06 13:23:20 http://arabic.irib.ir/programs/item/14481 http://arabic.irib.ir/programs/item/14481 بسم الله الرحمن الرحيم السلام مستمعينا الكرام ورحمة الله وبركاته حضرات المستمعين الافاضل اهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج، يوم الحسين عليه السلام. اعزاءنا من المنارات الالهية التي شاء الله تبارك وتعالى أن يكون يوم الحسين عليه السلام مصباحها الخالد هو منار كشف صفات المنافقين والأئمة المضلين الذي كثرت تحذيرات النبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم منهم ومن اخطارهم على دين المسلمين، فهؤلاء هم الساعون لتطويع ارادة المسلمين لحكم الطواغيت وكان منهم من أفتى بوجوب مبايعة امثال يزيد ودعا الناس لها. في لقاء اليوم حضرات المستمعين الافاضل نلتقي ببيان حقيقة هؤلاء المضلين الذين حذرنا منهم الهادي المختار صلى الله عليه واله وسلم ونرى اليوم الكثير من نماذهم ومنهم مفتوا الوهابية الذين مازالوا يصرحوا بأن الحسين أخطأ برفضه مبايعة يزيد. نقرأ لكم أيها الاكارم التصوير البديع لموقف سيد الشهداء صلوات الله عليه تجاه احد هؤلاء بما كتبه سماحة السيد أسعد القاضي حفظه الله وهو ينتزع روايته البليغة مما ذكرته المصادر التاريخية المعتبرة. اعزاءنا قال سماحة السيد اسعد القاضي: تسلم يزيد بن معاوية عرش الملوك العضود وصار وهو ربيب الفسق والفجور خليفة للمسلمين وبين الله الحرام، يقصده الناس من كل فج عميق، تزدحم عنده الابدان، يكثر فيه الضجيج، ينظر الناظر اليهم فيحدث نفسه ما اكثر الحجيج ثم يعود لرشده فيعترف بل ما اقل الحجيج واكثر الضجيج. إن اكثر هؤلاء تميل قلوبهم نحو من اتخذ سبيل الغي سبيلاً فهم ليسوا بحجيج لاوجود لهم بل الوجود فقط لضوضائهم ولضجيجهم أما من اتخذ سبيل الرشد سبيلاً فقليل ماهم لايخلو منهم زمان لولا أن منّ الله علينا بهم لخسف بنا وكان في الايام يوم لا كالايام إنه يوم الحسين. مستميعنا الافاضل لم يكن موسم الحج عام ستين للهجرة مختلفاً عن الاعوام السابقة فهو مجمع للناس وملتقى على اختلاف توجهاتهم وافكارهم وثقافاتهم، يجتمع الشريف والوضيع، السيد والمسود، الحر والعبد سوى أن موسم الحج هذا العام يحمل طابعاً مختلفاً يتسم بسمة خاصة حيث الحسين عليه السلام سبط رسول الله صلى الله عليه واله وسلم متوجه تلقاء مكة عسى ربه أن يهديه سواء السبيل، معه عدد ليس بالقليل من اهل بيته من نساءه واطفاله. حان الوقت المناسب ليقف عليه السلام ضد الطغاة ليرفع شعاراً مارفع من قبل حيث لم تكن الظروف مواتية لا للحسين عليه السلام ولا لمن قبله، قال الحسين: مثلي لايبايع مثل يزيد. قالها معلناً للكافة عدم اهلية يزيد للخلافة والولاية مبيناً أن الخلافة هي حيث يضعها الله كي لاتكون دولة بين جبابرتها كي لايتسلط قوي على ضعيف ولايبخس حق في هذه المعمورة. أعزاءنا لم يترك الحسين عليه السلام فرصة إلا وإنتهزها، صرح بموقفه من خلافة يزيد امام ملأ المعتمرين والحجيج. حاول اصحاب بعض المصالح الوقتية أن يثنوا الحسين عليه السلام عن عزمه من اجل أن يضع يده بيد يزيد صاغراً لكن حرص السبط الشهيد على مستقبل الامة لايسمح بذلك. الظرف مناسب، الفرصة مواتية وقبل كل ذلك وصية الجليل سبحانه وعهده لسيد الشهداء عليه السلام بعدم السكوت في هذا الظرف بالخصوص في حين عهد له بالسكوت في فترة حكم معاوية. هذا هو شأن الانبياء والاوصياء مع ربهم، يسيرون وفق التخطيط الالهي كما كان من داع والحال هذه الى السكوت بل العوامل كلها داعية الى موقف صريح، خطوات جادة، إعلام مدروس، إيصال الصوت الى ابعد نقطة في المعمورة لايكون إلا عبر آلاف الحجاج والمعتمرين. اعزاءنا الافاضل وفي مكة منطلق نبذ الاصنام جاء رجل آثر الخنوع وقدم نصيحته لسيد الشهداء عليه السلام في بيعته ليزيد، كان ذلك حينما جمعه مجلس مع الحسين عليه السلام وعبد الله بن عباس. أشار الخانع المتزهد على الحسين أن يبايع ويدخل فيما دخل الناس فيه، تجاهل أن الحسين عليه السلام ليس كعامة الناس، تناسى أن الحسين عليه السلام هو الامام الحق وهو أولى من قيادة الامة من يزيد وامثاله بل ومن كل احد ليس فقط أنه المنصوب من قبل الله تعالى الحسين عليه السلام يحمل مؤهلات ترقى به نحو الكفاءة في قيادة الامة. قال المتزهد: أبا عبد الله رحمك الله إتق الله الذي اليه معادك فقد عرفت من عداوة اهل هذا البيت لكم وظلمهم اياكم وأنا اشير اليك أن تدخل في صلح ما دخل فيه الناس واصبر كما صبرت لمعاوية من قبل فلعل الله أن يحكم بينك وبين القوم الظالمين. لقد آن الاوان للمصارحة، للمكاشفة، للتفكير بالحقائق المرة، حقائق لايطيقها سمع من سار في ركاب الغاصبين الذين عادوا القهقرى وإنقلبوا على اعقابهم بعد رسول الله صلى الله عليه واله. هذا هو وقت الحج الدامغة وإن كان الحسين عليه السلام يدري أن الحجة والموعظة لن تنفع إلا لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد. لايوم كيومكم يا ابا عبد الله يوم الحسين تجليات هذه الانطلاقة الجليلة بين رحاب الحسين وثنايا القصائد التي قيلت فيه وفي اولاده واصحابه. تأتيكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران. مستمعينا الافاضل قال الحسين عليه السلام لذاك المتزهد الذي كان يروي ما شاء من احاديث رسول الله: أبا عبد الرحمن أنا أبايع يزيد وادخل في صلحه وقد قال النبي صلى الله عليه واله وسلم فيه وفي ابيه ما قال. لم يطق المتزهد سؤال الحسين عليه السلام فهل تراه مجيباً والحال هذه؟ انتقل الحوار الى ابن عباس بدوره اجاب بالحق حيث قال للحسين: صدقت ابا عبد الله. قال النبي صلى الله عليه واله وسلم في حياته: مالي وليزيد لابارك الله في يزيد وإنه يقتل ولدي وولد ابنتي الحسين. والذي نفسي بيده لايقتل ولدي بين ظهراني قوم فلايمنعونه إلا خالف الله بين قلوبهم والسنتهم. بكى ابن عباس وعادته الذكريات الى الوراء كأن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حاضراً الآن ويخبر بما سيرتكب بحق سبطه الشهيد، بكى الحسين عليه السلام معه. التفت السبط الى ابن عباس اراد أن يسمع ذاك المتزهد ويؤكد بالحجة عليه فقال: يابن عباس تعلم أني ابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال ابن عباس: اللهم نعم نعلم ونعرف أنه ما في الدنيا احد هو ابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم غيرك وأن نصرك لفرض على هذه الامة كفريضة الصلاة والزكاة التي لايقدر أن يقبل احدهما دون الاخرى. فقال الحسين: يابن عباس فما تقول في قوم اخرجوا ابن بنت رسول الله من داره وقراره ومولده وحرم رسوله ومجاورة قبره ومولده ومسجده وموضع مهاجره فتركوه خائفاً مرعوباً لايستقر في قرار ولايأوي في موطن. يريدون في ذلك قتله وسفك دمه وهو لم يشرك بالله شيءاً ولااتخذ من دونه ولياً ولم يتغير عما كان عليه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم. لم يعد للمجاملة موضعاً ولا للمداهنة محلاً، ذاك زمان ابتلينا به من قبل يوم كان ابن عباس يداهن هذا ويجاري ذاك من اجل أن يلقي بحجته البالغة عليهم، كي يذكرهم أنهم ابطلوا الحق واقاموا الباطل، اليوم تبدل الظرف، أراح الله من جور ذلك الزمان فإذا كان حجة الله في ارضه يتكلم بصريح البيان فكيف بإبن عباس؟ أقبل نحو الحسين عليه السلام مجيباً له على سؤاله، قال ابن عباس: لاقول فيهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولايأتون الصلاة إلا وهم كسالى، يراؤون الناس ولايذكرون الله إلا قليلاً مذبذبين بين ذلك لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء ومن يظلم الله فلن تجد له سبيلاً. وعلى مثل هؤلاء تنزل البطشة الكبرى. وأردف يدلي بقناعته التي إنطوى عليها قلبه هدفه إسماع ذاك المتزهد، قال ابن عباس: وأما انت يابن رسول الله فإنك رأس الفخار برسول الله صلى الله عليه واله وسلم. أنا اشهد أن من رغب عن مجاورتك وطمع في محاربتك ومحاربة نبيك محمد صلى الله عليه واله وسلم فما له من خلاق. فقال الحسين عليه السلام: اللهم اشهد!! كان المتزهد يصغي وقلبه محتدم، خشي أن يضيف بن عباس الى قوله قولاً، أن يستخرج كل مافي قلبه من كلام إنطوت عليه نفسه سنين طوال. عبر بن عباس عن بذل مهجته في سبيل الحسين عليه السلام، في سبيل دين جده صلى الله عليه واله: جعلت فداك يابن بنت رسول الله كأنك تريدني الى نفسك وتريد مني أن أنصرك؟ والله الذي لا إله إلا هو أن لو ضربت بين يديك سيفي هذا حتى إنخلع جميعاً من كفي لما كنت ممن أوفى من حقك عشر العشر وها أنا بين يديك مرني بأمرك. تصريحات ومواقف أحجرت المتزهد الذي كان يحدث عن رسول الله بما تشتهيه السلطة ورأى نفسه أنه لايسعه السكوت وهو يرى أن ابن عباس يبدي استعداده للتضحية بين يدي السبط كما لايسعه أن يبدي رأيه بما يجري، صمت الجميع! ينظرون أي كلمة ستكسر كجدار الصمت فتوجه المتزهد بكلماته نحو ابن عباس يقرعه على تصريحاته فقال: مهلاً ذرنا من هذا يابن عباس. وتوجه نحو سيد الشهداء عليه السلام يمنيه السلامة ويعرض عليه الرجوع الى المدينة، يحاول إقناعه ببيعة يزيد. قال بنفاقية باردة: يا ابا عبد الله مهلاً عما قد عزمت عليه وارجع من هنا الى المدينة وادخل في صلح القوم ولاتغب عن حرمك وحرم جدك رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ولاتجعل لهؤلاء الذين لاخلاق لهم على نفسك حجة وسبيلاً وإن أحببت أن لاتبايع فإنت متروك حتى ترى برأيك فإن يزيد بن معاوية عسى أن لايعيش إلا قليلاً فيكفيك الله امره. أجاب الحسين عليه السلام راداً على المتزهد الخانع بقوله: أف لهذا الكلام ابداً ما دامت السموات والارض. أسألك بالله يا ابا عبد الرحمن أنا عندك على خطأ من امري هذا؟ فإن كنت على خطأ فردني فإني أخضع وأسمع وأطيع! يعلم سيد الشهداء أن الرجل لايمكن أن يتهمه بالخطأ وهو عليه السلام الذي شهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه سيد شباب اهل الجنة. قال المتزهد: اللهم لا ولم يكن الله تعالى يجعل ابن بنت رسوله على خطأ وليس مثلك من طهارته وصفوته من الرسول صلى الله عليه واله على مثل يزيد بن معاوية بإسم الخلافة ولكن أخشى أن يضرب وجهك هذا الحسن الجميل بالسيوف وترى من هذه الامة ما لا تحب فإرجع معنا الى المدينة وإن لم تحب أن تبايع ابداً فأقعد في منزلك. قال الحسين عليه السلام: هيهات يا ابا عبد الرحمن إن القوم لايتركوني وإن أصابوني ولم يصيبوني فلا يزالون حتى أبايع وأنا كاره او يقتلوني. أما تعلم ياعبد الله أن من هوان هذه الدنيا على الله تعالى أنه أوتي برأس يحيى بن زكريا عليه السلام الى بغية من بغايا بني اسرائيل والرأس ينطق بالحجة عليهم؟ لم يكن الحسين عليه السلام ليترك ذاك المتزهد دون أن يطوقه بالحجة الصريحة البالغة ليأتي يوم القيامة وليس له من جواب ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة. دعاه الى نصرته صريحاً. قال الحسين عليه السلام: إتق الله أبا عبد الرحمن ولاتدعن نصرتي. إن الذي ينمي الى النفاق والشقاق لاترتجى له الهداية والميل نحو الحق، ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم على ابصارهم غشاوة من النظر بعين الصواب لاتنفع فيهم موعظة ولاتهزهم عبرة. وكان عاقبة ذاك المتزهد أن أبى الطاغية الحجاج سوءة سوءات طواغيت بني امية أن يقبل بيعته له بمسح يده له وقدم رجله لكي يمسح عليها ليبايعن بذل وهوان. أعزاءنا الكرام وبهذا نصل الى ختام حلقة اخرى من برنامجكم يوم الحسين استمعتم لها من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران شكراً لحسن متابعتكم والى اللقاء. علي الاكبر عليه السلام - 4 2017-01-03 12:10:31 2017-01-03 12:10:31 http://arabic.irib.ir/programs/item/14195 http://arabic.irib.ir/programs/item/14195 بسم الله الرحمن الرحيم ايها الاخوة والاخوات سلام من الله عليكم ورحمة منه وبركات وحياكم الله اهلاً وسهلاً ومرحباً بكم الى حلقة اخرى من برنامج يوم الحسين. أعزاءنا الكرام إظهار جمالية الاسلام المحمدي النقي هي من أبرز القيم التي خلدها يوم الحسين وقيام سيد الشهداء عليه السلام ومن أزكى تجليات هذا الجمال هو ما جلاه فتى الحسين علي الاكبر عليهما السلام في ملحمته الحمراء يوم عاشوراء. كتب أستاذنا الحاج ابراهيم رفاعة يقول تحت عنوان: البدر المحمدي المقطع بالسيوف أعزاءنا لهذه القصيدة مزايا تنفرد فيها عن قصائد كثيرة في موضوعها العاشورائي العام. أولى مزاياها أنها من أولها الى آخرها خالصة لشبيه جده رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن الحسين الأكبر أول شهداء الله من آل محمد في ملحمة كربلاء. وثانيها أنها سلكت وادياً أخر في المعنى غير الشائع المألوف من تصوير الأكبر سلام الله عليه فارساً بهياً يجول في ميدان القتال المحتدم في عاشوراء. ومن توصيف بطولاته ثم إستشهاده الفجيع مع اشارات في السياق الى ملامح من خصاله في الشهامة والجود والحياء. إن قصيدة البدر المحمدي المقطع بالسيوف للشاعر عبد الحسين الحائري هذه معنية في المقام الاول بعلي الاكبر بوصفه آية إلهية فذة تجلت بجمالها وجلالها في اليوم العاشر بكربلاء ومركزاً لدائرة الحسن في الصورة المتجسدة وفي النظارة والجمال في الخلق وفي الفعال من خلال مشهد يضوع بالعطر ويشرق بالنور. أعزاءنا حتى الاشارات اللماحة الى فتوته القتالية ورجولته في حرب المواجهة وإستشهاده الدامي، كل ذلك نراه في القصيدة عبر النور والعطر ومحاسن الجمال. السياق كله يرف بالحب السماوي الأطهر ويومئ بهذا الارث الإلهي المعنوي الذي ورثه أكبر الحسين روحي فداه من الخمسة اصحاب الكساء الطاهرين، فكان به حقاً علي الاكبر فتى الحسين. وثالثة المزايا أن هذه القصيدة التي تمت في ثلاثة وعشرين بيتاً من الشعر الطيع اللفظ، الجميل الإيقاع تنهض أمامك وحدة واحدة متماسكة ترسم بقدر ما يسعه طوق الألفاظ صورة شاملة لشخصية الأكبر في شمائله الظاهرة وفي باطن هذه الشمائل النابعة من عظمة المعنى وفريد الكمال. إن القصيدة توصيف لتفاصيل فإذا تم التوصيف إكتملت الصورة قائمة أمامك شامخة بتواضع بعيدة في قرب مشرقة صافية تروق البصر وترضي العقل ويحلق في أفقها القلب وتنتعش لسموها ودنوها الروح. إنها عائمة على موجات من النور واللون والعطر وملكوتي السماء، يسبغ عليها الحسن والجمال فيضاً من الحب والبهجة والعشق المرفرف الشفيف. هذه المزية الخلابة هي ما نحاول الآن تذوق مافيها من روعة الواقع وروعة الفن بما نقدر عليه من التذوق. مستمعينا الافاضل حياكم الله أول عبارة في قصيدة البدر المحمدي المقطع بالسيوف تفتح الى رؤية الفتى الحسيني المتدفق شباباً نافذة متألقة بالحب والنور والجمال. ألق المحاسن في علي الاكبر جمع النضارة في عيون الانور إننا منذ الومضة الاولى أمام مواطن الحسن الزاخر متجمعة في شاب فتي وأمام نضارة أحدية متركزة في عينيه سلام الله عليه وعين المرء مرآة نرى فيها المرء نفسه. مانرى في هاتين العينية إلا الحسن والصفاء والحنان والعزة والوفاء على نحو يحملك الى عالم بهي من الطيبة والنقاء والشهامة والكرم والسعادة والإسعاد. إن هذا كله بعض ما يترائى لنا في الصورة من مضمون فتى الحسين ثم ما يلبث الشاعر أن يدلك على المنبع الذي تدفق منه هذا الجمال الاكبري الفرد، فإذا هو منبع أزهر خماسي المصدر، هو على رأس الذروة الارفع وفي أشم ما خلق الله من قمم الطهر والصفاء. يقول الشاعر: ألق المحاسن في علي الاكبر جمع النضارة في عيون الانور في وجنتي شبل الحسين تشعشعت أنوار اصحاب الكساء الاطهر طهر النبوة في حياة فتوة إرث الفتى من فاطم من حيدر هو في الصباحة فاطمي بدره هو في الشجاعة سيف طه الحيدري هو في السماحة نور حلم المجتبى في الجود فيض نبعه من شبر يهب العطيا طيبات باسما شبل الحسين غدير حوض الكوثر هو من حسين والحسين إباءه حق الإبا قهر البلا لم يقهر في شبله ظهر الإباء بحقه قهر العدا عز الغيور القسور يوم الحسين هو عنوان المادة التي تستمعون اليها أيها الكرام من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران. عظم الله لنا ولكم الاجر بمناسبة ذكرى استشهاد مولانا ومقتدانا الامام الحسين سلام الله عليه. أحبتنا الكرام الحديث هنا عن منابع الخير في العالم وعن أصوله الفياضة بمشيئة الله على خلق الله محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين سلام الله عليهم اجمعين. ولقد ورث علي بن الحسين الاكبر آباءه الأطهرين الأنقياء وراثة النور للنور وهذا هو الذي يشع في وجنتيه. ورث الطهر الأطهر والحياء الأوفر والفتوة والفتية والشجاعة العلوية وطلاقة وجه عمه الحسن وحلمه وإباء أبيه الحسين وجوده وسخاء يديه، كلها متحاضنة في وجه قمري واحد متألقة متلائمة الأجزاء إلتئاماً يريك معنى الحيوية النابضة ودفق الحياة. نعم ألا تلاحظ كيف تتداخل في تعابير الوصف الرائع هذه الخصائص والخصال؟ بحيث تراها كلها تترجرج آخذاً بعضها بأحضان بعض. نلاحظ مثلاً تعبير طهر النبوة في حياء فتوة. وفي تعبير هو في السماحة نور حلم المجتبى. لايمكن عزل صفة عن صفة ولارؤية خصلة كريمة مستقلة منفردة من اخواتها من الخصال. أيها الاخوة والاخوات ويستمر الشاعر في إستجلاء صورة فتى الحسين علي الاكبر التي تجلت في يوم الحسين عليه السلام ليأخذ بالقلوب الى نموذج رائق راق من التوحيد الخالص اذ ينقلها الى المشاهدة بالعين القلبية للجمال الإلهي الذي هو منشأ كل جمال فيقول: يحيي الأعزة ذكره وبحبه ساروا الى فجر الخلود الأزهريكفيهم فخراً على أزكى الهوى حب الحبيب شبيه طه الأكبر فيه تجلى أحمد بجماله وجمال احمد اكبر في أنور وبه تهيم قلوب عشاق الصفا فترى جمال محمد لم يستر وترى جمال الله في ثغر الفتى حسناً تفرد مثله لم يبصر إن يتلو آيات الكتاب يرنها وجه الإله بحسنه مستأثر مستمعينا الافاضل اذن نحن هنا أمام مصداق جلي لمعرفة الله بآياته الكبرى عزوجل أظهره القيام الحسيني المقدس من خلال أحد أعلامه الخالدين، هو علي الاكبر أشبه الناس خلقاً وخلقاً ومنطقاً برسول الله كما وصفه أبوه الحسين عليه السلام. وهذا ما نتابع إستجلاء معالمه في الحلقة المقبلة من خلال ما كتبه الاستاذ ابراهيم رفاعة عن قصيدة البدر المحمدي المقطع بالسيوف. نشكركم على حسن الاصغاء لحلقة اليوم من برنامج يوم الحسين استمعتم لها من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران. شكراً لكم والى اللقاء. كشف صفات المنافقين - 3 2016-11-12 12:19:43 2016-11-12 12:19:43 http://arabic.irib.ir/programs/item/14186 http://arabic.irib.ir/programs/item/14186 السلام عليكم مستمعينا الأكارم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج. إخوة الإيمان.. من المنارات الإلهية التي شاء الله تبارك وتعالى أن يكون يوم الحسين – عليه السلام – مصباحها الخالد هو منار كشف صفات المنافقين والأئمة المضلين الذي كثرت تحذيرات النبي الأكرم – صلى الله عليه وآله – منهم ومن أخطارهم على دين المسلمين، فهؤلاء هم الساعون لتطويع إرادة المسلمين لحكم الطواغيت وكان منهم من أفتى بوجوب مبايعة أمثال يزيد ودعا الناس لها. في لقاء اليوم نلتقي ببيان حقيقة هؤلاء المضلين الذين حذرنا منهم الهادي المختار – صلى الله عليه وآله – ونرى اليوم كثيراً من نماذجهم ومنهم مفتوا الوهابية الذين ما زالوا يصرحون بأن الحسين أخطأ برفضه مبايعة يزيد! نقرأ لكم أيها الأكارم التصوير البديع لموقف سيد الشهداء – صلوات الله عليه – تجاه أحد هؤلاء مما كتبه سماحة السيد أسعد القاضي حفظه الله وهو يتنزع روايته البليغة مما ذكرته المصادر التأريخية المعتبرة. قال سماحة السيد أسعد القاضي: تسلم يزيد بن معاوية عرش الملوك العضوض وصار وهو ربيب الفسق والفجور خليفة للمسلمين وبيت الله الحرام.. يقصده الناس من كل فج عميق.. تزدحهم عنده الأبدان.. يكثر فيه الضجيج.. ينظر الناظر إليهم فيحدث نفسه: ما أكثر الحجيج!.. ثم يعود لرشده فيعترف: بل ما أقل الحجيج وأكثر الضجيج إن أكثر هؤلاء تميل قلوبهم نحو من اتخذ سبيل الغي سبيلاً؟! فهم ليسوا بحجيج.. لا وجود لهم.. بل الوجود فقط لضوضائهم.. لضجيجهم.. أما من اتخذ سبيل الرشد سبيلاً فقليل ما هم.. لا يخلو منهم زمان.. لو لا أن من الله علينا بهم لخسف بنا.. وكان في الأيام يوم لا كالأيام.. إنه يوم الحسين يوم ينتظره كان ينتظره العالمون. لم يكن موسم الحج عام 60 للهجرة مختلفاً عن الأعوام السابقة.. فهو مجمع للناس وملتقى.. على اختلاف توجهاتهم وأفكارهم وثقافاتهم.. يجتمع الشريف والوضيع.. السيد والمسود.. الحر والعبد.. سوى أن موسم الحج هذا العام يحمل طابعاً مختلفاً.. يتسم بسمة خاصة.. حيث الحسين (ع) سبط رسول الله (ص) متوجه تلقاء مكة.. عسى ربه أن يهديه سواء السبيل.. معه عدد ليس بالقليل من أهل بيته.. نسائه وأطفاله.. حل الوقت المناسب ليقف (ع) ضد الطغاة.. ليرفع شعاراً ما رفع من قبل.. حيث لم تكن الظروف مؤاتية.. لا للحسين (ع) ولا لمن قبله.. قال الحسين: مثلي لا يبايع مثل يزيد.. قالها معلناً للكافة عدم أهلية يزيد للخلافة والولاية.. مبيناً أن الخلافة هي حيث يضعها الله.. كي لا يكون دولة بين جبابرتها.. ولا يتسلط قوي على ضعيف.. ولا يبخس حق في هذه المعمورة. لم يترك الحسين (ع) فرصة إلا انتهزها.. صرح – وبكل وضوح – بموقفه من خلافة يزيد أمام ملأ المعتمرين والحجيج.. حاول بعض أصحاب المصالح الوقتية أن يثنوا الحسين (ع) عن عزمه.. من أجل يضع يده بيد يزيد صاغراً.. لكن حرص السبط الشهيد على الدين وعلى مستقبل الأمة لا يسمح بذلك.. الظرف مناسب.. الفرصة مؤاتية.. وقبل كل ذلك وصية الجليل سبحانه وعهده لسيد الشهداء (ع) بعدم السكوت في هذا الظرف بالخصوص.. في حين عهد له بالسكوت في فترة حكم معاوية.. هذا هو شأن الأنبياء والأوصياء مع ربهم.. يسيرون وفق التخطيط الإلهي.. فما كان من داع – والحال هذه – الى السكوت.. بل العوامل كلها داعية الى موقف صريح.. خطوات جادة.. إعلام مدروس.. إيصال الصوت الى أبعد نقطة في المعمورة لا يكون إلا عبر آلاف الحجاج والمعتمرين. وفي مكة منطلق نبذ الأصنام جاء رجل آثر الخنوع وقدم نصيحته لسيد الشهداء (ع) في بيعته ليزيد.. كان ذلك حينما جمعه مجلس مع الحسين (ع) وعبدالله بن عباس.. أشار الخانع المتزهد على الحسين أن يبايع.. يدخل في ما دخل الناس فيه.. تجاهل أن الحسين (ع) ليس كعامة الناس.. تناسى أن الحسين (ع) هو الإمام الحق.. وهو أولى بقيادة الأمة من يزيد وأمثاله، بل من كل أحد.. ليس فقط لأنه المنصوب من قبل الله تعالى.. الحسين (ع) يحمل مؤهلات ترقى به نحو الكفاءة في قيادة الأمة.. قال المتزهد: أبا عبد الله! رحمك الله، اتق الله الذي إليه معادك، فقد عرفت من عداوة أهل هذا البيت لكم وظلمهم إياكم... وأنا أشير عليك أن تدخل في صلح ما دخل فيه الناس، واصبر كما صبرت لمعاوية من قبل، فلعل الله أن يحكم بينك وبين القوم الظالمين. لقد آن الأوان للمصارحة.. للمكاشفة.. للتذكير بالحقائق المرة.. حقائق لا يطيقها سمع من سار في ركاب الغاصبين الذين عادوا القهقرى وانقلبوا على أعقابهم بعد رسول الله – صلى الله عليه وآله – هذا هو وقت الحجج الدامغة.. وإن كان الحسين (ع) يدري أن الحجة والموعظة لا تنفع.. إلا لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.. قال الحسين (ع) لذاك المتزهد الذي كان يروي ما شاء من أحاديث رسول الله: أباعبدالرحمن! أنا أبايع يزيد وأدخل في صلحه، وقد قال النبي (ص) فيه وفي أبيه ما قال؟ لم يطق المتزهد سؤال الحسين (ع) فهل تراه مجيباً والحال هذه؟ انتقل الحوار الى ابن عباس.. بدوره أجاب بالحق.. قال للحسين: صدقت أبا عبدالله، قال النبي (ص) في حياته: ما لي وليزيد؟! لا بارك الله في يزيد، وإنه يقتل ولدي وولد ابنتي الحسين، والذي نفسي بيده لا يقتل ولدي بين ظهراني قوم فلا يمنعونه إلا خالف الله بين قلوبهم وألسنتهم. بكى ابن عباس.. أعادته الذكريات الى الوراء.. كأن رسول الله (ص) حاضر الآن يخبر عما سيرتكب في حق سبطه الشهيد.. بكى الحسين (ع) معه.. التفت السبط الى ابن عباس.. أراد أن يسمع ذاك المتزهد ويؤكد بالحجة عليه.. فقال: يا ابن عباس، تعلم أني ابن بنت رسول الله (ص)؟ ابن عباس: اللهم نعم، نعلم ونعرف أن ما في الدنيا أحد هو ابن بنت رسول الله (ص) غيرك، وأن نصرك لفرض على هذه الأمة كفريضة الصلاة والزكاة، التي لا يقدر أن يقبل أحدهما دون الأخرى. الحسين: يا بن عباس، فما تقول في قوم أخرجوا ابن بنت رسول الله (ص) من داره وقراره ومولده وحرم رسوله ومجاورة قبره ومولده ومسجده وموضع مهاجره، فتركوه خائفاً مرعوباً، لا يستقر في قرار، ولا يأوى في موطن، يريدون في ذلك قتله وسفك دمه، وهو لم يشرك بالله شيئاً، ولا اتخذ من دونه ولياً، ولم يتغير عما كان عليه رسول الله (ص). لم يعد للمجاملة موضع.. ولا للمداهنة محل.. ذاك زمان ابتلينا به من قبل.. يوم كان ابن عباس يداهن هذا ويجاري ذاك من أجل أن يلقى بحجته البالغة عليهم.. كي يذكرهم بأنهم أبطلوا الحق وأقاموا الباطل.. اليوم تبدل الظرف.. أراح الله من جور ذلك الزمان.. فإذا كان حجة الله في أرضه يتكلم بصريح البيان، فكيف بابن عباس؟! أٌبل نحو الحسين (ع) مجيباً له على سؤاله.. قال ابن عباس: ما أقول فيهم إلا (إنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى) (يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا*مذبذبين بين ذلك لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً) وعلى مثل هؤلاء تنزل البطشة الكبرى. وأردف يدلي بقناعته التي انطوى عليها قلبه.. هدفه إسماع ذاك المتزهد، قال ابن عباس: وأما أنت يابن رسول الله فإنك رأس الفخار برسول الله (ص).. أنا أشهد أن من رغب عن مجاورتك وطمع في محاربتك ومحاربة نبيك محمد (ص) فما له من خلاق. فقال الحسين (ع): اللهم اشهد. كان المتزهد يصغي وقلبه محتدم.. خشى أن يضيف ابن عباس الى قوله قولاً.. أن يستخرج كل ما في قلبه من كلام انطوت عليه نفسه سنين طوال.. عبّر ابن عباس عن استعداده لبذل مهجته في سبيل الحسين (ع).. في سبيل دين جده (ص).. جعلت فداك يابن بنت رسول الله، كأنك تريدني الى نفسك، وتريد مني أن أنصرك؟! والله الذي لا إله إلا هو أن لو ضربت بين يديك سيفي هذا حتى انخلع جميعاً من كفي، لما كنت ممن أوفى من حقك عشر العشر، وها أنا بين يديك، مرني بأمرك. تصريحات ومواقف أحرجت المتزهد الذي كان يحدث عن رسول الله بما تشتهيه السلطة ورأى نفسه أنه لا يسعه السكوت وهو يرى ابن عباس يبدي استعداده للتضحية بين يدي السبط.. كما لا سيعه أن يبدي رأيه بما يجري.. صمت الجميع.. ينظرون أي كلمة ستكسر جدار الصمت.. فتوجه المتزهد بكلماته نحو ابن عباس يقرعه على تصريحاته.. قال: مهلاً، ذرنا من هذا يا ابن عباس. وتوجه نحو سيد الشهداء (ع).. يمنيه السلامة.. يعرض عليه الرجوع الى المدينة.. يحاول إقناعه ببيعة يزيد.. قال بنفاقية باردة: يا أباعبدالله، مهلاً عما قد عزمت عليه، وارجع من هنا الى المدينة، وادخل في صلح القوم، ولا تغب عن وطنك وحرم جدك رسول الله (ص) ولا تجعل لهؤلاء الذين لا خلاق لهم على نفسك حجة وسبيلا، وإن أحببت أن لا تبايع فأنت متروك حتى ترى برأيك، فإن يزيد بن معاوية عسى أن لا يعيش إلا قليلاً، فيكفيك الله أمره. أجاب الحسين (ع) راداً على المتزهد الخانع بقوله: أف لهذا الكلام أبداً ما دامت السموات والأرض، أسألك بالله يا أبا عبدالرحمن أنا عندك على خطأ من أمري هذا؟ فإن كنت عندك على خطأ فردني، فإني أخضع وأسمع وأطيع. يعلم سيد الشهداء (ع) أن الرجل لا يمكنه أن يتهمه بالخطأ.. وهو – عليه السلام – الذي شهد رسول الله (ص) بأنه سيد شباب أهل الجنة. قال المتزهد: اللهم لا، ولم يكن الله تعالى يجعل ابن بنت رسوله على خطأ، وليس مثلك من طهارته وصفوته من الرسول (ص) على مثل يزيد بن معاوية باسم الخلافة، ولكن أخشى أن يضرب وجهك هذا الحسن الجميل بالسيوف، وترى من هذه الأمة ما لا تحب، فارجع معنا الى المدينة، وإن لم تحب أن تبايع أبداً واقعد في منزلك. قال الحسين (ع): هيهات يا أباعبدالرحمن! إن القوم لا يتركوني، وإن أصابوني وإن لم يصيبوني فلا يزالون حتى أبايع وأنا كاره أو يقتلوني، أما تعلم يا عبدالله أن من هوان هذه الدنيا على الله تعالى أنه أتى برأس يحيى بن زكريا (عليه السلام) الى بغية من بغايا بني اسرائيل، والرأس ينطق بالحجة عليهم؟ لم يكن الحسين (ع) ليترك ذاك المتزهد دون أن يطوقه بالحجة الصريحة البالغة.. ليأتي يوم القيامة وليس له من جواب.. ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة.. دعاه الى نصرته صريحاً.. الحسين (ع): اتق الله أبا عبدالرحمن ولا تدعن نصرتي. إن الذي ينمي الى النفاق والشقاق لا ترتجى له الهداية والميل نحو الحق.. ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم.. على أبصارهم غشاوة من النظر بعين الصواب.. لا تنفع فيهم موعظة.. لا تهزهم عبرة. وكان عاقبة ذاك المتزهد أن أبى الطاغية الحجاج سؤة سؤات طواغيت بني أمية أن يقبل بيعته له بمسح يده وقدم له رجله لكي يمسح عليها مبايعاً بذل وهوان! وبهذا نصل مستمعينا الأكارم الى ختام حلقة أخرى من برنامجكم يوم الحسين قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران. شكراً لكم وفي أمان الله. الهاشميين بعد واقعة الطف - 2 2016-11-09 07:24:54 2016-11-09 07:24:54 http://arabic.irib.ir/programs/item/14177 http://arabic.irib.ir/programs/item/14177 السلام عليكم مستمعينا الأكارم ورحمة الله وبركاته.. أهلاً بكم في أولى حلقات هذا البرنامج الذي نسعى فيه لإستجلاء القيم الإلهية التي حفظها القيام الحسيني المقدس. وسيدة هذه القيم – أيها الأكارم – إحياء نهج التوحيد الخالص وحفظ الإسلام المحمدي النقي، وهو مما جلاه هذا القيام التضحوي القدسي. أيها الإخوة والأخوات، كانت لنا في الحلقة الأولى من هذا البرنامج وقفة قصيرة عند موقف السبايا من آل الحسين صلوات الله عليه عند عودتهم الى المدينة بعد وقائع عاشوراء ومسيرة السبي المفجعة. فقرأنا لكم أبياتاً مفجعة أنشأتها في رثاء أبيها الحسين السيدة المتألهة سكينة وهي عروس القاسم الشهيد يوم عاشوراء.. والأبيات من بواكير ما قيل في حفظ يوم الحسين، لنا عندها في هذا اللقاء وقفة تتقدمها إشارة الى أجوائها، حيث كتب أستاذنا الأديب الحاج إبراهيم رفاعة عنها يقول: خمس سنين بعد مقتل الشهيد الأبي المظلوم: ما اكتحلت هاشمية ولا اختضبت، ولا رئي دخان في بيت هاشمي.. حتى قتل عبيدالله بن زياد والي يزيد في الكوفة، الذي جيّش جيش قتل الحسين. إن سيد الأسرة أباعبدالله الحسين هو في حياتهم كل شيء، لأن كمال توحيد الله في جماله وجلاله هو في حياتهم كل شيء. وسكينة – منذ اللحظة الرهيبة المرنحة الى آخر حياتها النورانية الشريفة المنزهة في سنة 117 الهجرية – ما نسيت لحظة أباها الشهيد. تقيم مجالس للنساء مجلساً بعد مجلس.. نعياً وبكاءً وتذكيراً بمن ذكره من ذكر الله، ونسيانه من الغفلة عن الله. هذه المجالس الناعية التي تستبطن غضياً مقدساً.. يعرف بنو أمية أنها سكاكين تطعن خواصرهم، وتفضح من قبائحهم وسرائرهم ما طالما تستروا عليه. وظفوا أجهزة الإعلام التزويري الحاضرة أبداً، فأشاعوا أن مجالس بنت الحسين إنما هي مجالس شعر ولهو وطرب وغناء! وتولى كبر هذا التزوير الآثم بعض آل الزبير الذي تفننوا في الكذب والإفتراء.. حتى صدق ذلك من صدق، وسود به صفحات بعض كتب التاريخ. لم يحفظ التاريخ – في أجواء الإرهاب الفكري والسياسي لبني أمية – تفاصيل عن مجالس إبنة شهيد الله المظلوم، وما تسرب من بين قبضة الإرهاب إلا نزر يسير، منه أبيات لسكينة تنعى فيها أباها الحسين. أبيات السيدة المتألهة سكينة بنت الشهيد الحسين رواها العالم اللغوي الأديب ابن دريد، عن أستاذة أبي حاتم السجستاني المتوفى سنة 250 الهجرية. ومنذ مطلع الأبيات نرى المضايقة المتعمدة لآل محمد في المدينة على إقامة مجالس المناحة والرثاء، أول كلمة افتتحت بها هذه الأبيات تصور عذل العاذلين ولوم اللائمين لها على البكاء وذرف الدموع: لا تعذليه، فهم قاطع طرقه فعينه بدموع ذرف غدقه ومن البداية ترفض إبنة الشهيد المظلوم هذا العذل الجهول، فالمصاب أعظم من أن يكون فيه موضع للوم أو عتاب، إنه يبتلع بفداحة رزئه كل تردد أو عذل أو سكوت. إن الهم الجليل الثقيل الذي طرق القلب جاثماً عليه.. لا يقبل التفاوض على الرحيل! لقد "قطع" على الباكي المتفجر بكاءً كل طريق متفجر البكاء. وسواء أكانت هي سلام الله عليها المعذول المراد في البيت أم هو رجل من أهلها لا ينقطع عن البكاء مثل أخيها السجاد زين العابدين.. فإن عذل العذال لن يلقى آذاناً صاغية من لدن المتشبع استغراقاً مع الله: لا تعذليه، فهم قاطع طرقه فعينه بدموع ذرف غدقه يكفي أن نقف قليلاً عند عجز هذا البيت ليتبين لنا هذا الدمع المتواصل المدرار، إن العين هنا تذرف دموعاً كثاراً لا دمعة واحدة، وهذه الدموع ليست "ذارفة" بل هي "ذرف" بصيغة المبالغة والتكثير، تعقبها صفة "الغدقة" للعين.. المعبرة – بصيغتها هذه – عن الإستمرار في سكبها الغزار من الدموع. كل هذا البكاء كأنما هو "إذن دخول" الى ذكر عالم أبي عبدالله سيد الشهادة وإمام الشهداء: إن الحسين غداة الطف يرشقه ريب المنون فما إن يخطئ الحدقه هذه هي فجيعة الفجائع ومناحة المناحات. جوهرة الله الخالصة المصفاة كانت الغرض المسترخص في يوم الطف.. يرشقونه باستخفاف دونما رادع من دين أو عقل أو وجدان، إن سواتر الحماية الإنسانية هذه معطلة لا تعمل في ميزان آل أبي سفيان، وبئس الميزان! حبيب قلب النبي وفلذة فؤاده هو من ترشقه – متسارعة – سهام أوباش بني أمية من كل صوب، وهو المستوحد المستفرد الغريب المظلوم. وكان لهم من إصامة جوهرة الله ما يريدون. لم يخطئوا "حدقة" عين التوحيد التي هي المركز له وقلب القلب فيه؛ أصابوها في الصميم وفارت – في الزمن الحالك المكفهر – دماء شهيد العشق الإلهي الحق.. لتعلو في سموات العالم شمساً ساطعة حمراء. إنه لتأسف فوق تأسف أن يكون مصرع شهيد الله الأنور بأيدي من وصفتهم يتيمة الحسين سكينة ذات القلب الملوع المفجوع: إن الحسين غداة الطف يرشقه ريب المنون، فما إن يخطئ الحدقه بكف شر عباد الله كلهم نسل البغايا وجيش المرق الفسقه وهذا الوصف شديد الإنطباق على قتلة أبي عبدالله الحسين، وهو الى التصوير الواقعي أقرب منه الى الشتم بما هم فيه ناقعون، إنه أشبه شيء بالتذكير، من لا يعرف أن عبيدالله بن زياد أمير الكوفة ليزيد الشقي هو ابن زياد بن سمية، المعروف بزياد ابن أبيه، لأنه مجهول الأب،وقد ادعى عدد من الرجال أن كلاً منهم هو أبوه، ثم استلحقه معاوية بن أبي سفيان سنة 44 الهجرية – ولداً غير شرعي – بالسيء الصيت أبي سفيان، في سابقة بدعة نكراء لم تعرفها حيأة المسلمين، وأثبت تفاصيل خبرها عامة المسلمين. يا لها – إذن – من أمة يسوسها أمثال هؤلاء المارقين من دين جد الحسين، ويقودون دفتها الى حيث تنتظرهم هاوية سحيقة، لن تستقر بهم إلا في الجحيم. يا أمة السوء، هاتوا ما احتجاجكم غداً، وجلكم بالسيف قد صفقه؟! والصفق بالسيف – يا فداك روحي يا مولاي الحسين – ضرب يسمع له صوت! وهو مما رأته سكينة وسمعته يصنع بأبيها في مذبحة كربلاء: الويل حل بكم، إلا بمن لحقه صيرتموه لأرماح العدا درقه ثلاثة من أسلحة الحرب الفتاكة هي ما أعملوه بحقد متأجج يوم عاشوراء: رشق السهام، وصفق السيوف، وطعن الرماح! بدا سيد شهداء الله في هذا الطعن كالترس الذي ما أكثر ما تشكه الرماح! لا محالة أن الويل والعذاب نصيب اولئك المسوخ البشرية الشائهة، أما من لحق بأبي عبدالله المظلوم لحوق موقف ونصرة فهو في أفق آخر كله تأله وتنور ونعيم، ويبدو في قول العقيلة سكينة "الويل حل بكم، إلا بمن لحقه" نوع من التحريض على رفض الواقع الجائر والإنضمام الى ركب أنصار الحسين والمطالبين بالثأر، كما فعل في ثورتهم بعد عاشوراء الرجال التوابون. إن الدمع والغضب في كربلاء طاقتان متلازمتان، ما أطهره من دمع.. وما أشرفه من غضب! بدأت عزيزة الحسين – في مرثيتها أباها – بالبكاء وختمتها – بعد وصف للفاجعة – أيضاً بالبكاء: يا عين، فاحتفلي طول الحياة دماً لا تبك ولداً ولا أهلاً ولا رفقه لكن على ابن رسول الله فانسكبي قيحاً ودمعاً، وفي إثريهما العلقه هو ذا بكاء آل محمد – صلوات الله عليهم – على الحسين، بكاؤهم استأثر به أبوعبدالله الحسين، دون أي موضوع آخر يستدر الدموع، وهو بكاء طويل يمتد ما امتد العمر. والمزية الأخرى لبكاء آل محمد أنهم يبكون دموعاً ويبكون.. حتى تتقرح وتلتهب منهم الجفون، فيسيل منها الدم ممتزجاً بماء العيون، والعلقة: الدم المتجمد من أثر تقرح الجفون: يا عين، فاحتفلي طول الحياة دماً لا تبك ولداً ولا أهلاً ولا رفقه لكن على ابن رسول الله فانسكب قيحاً ودمعاً، وفي إثريهما العلقه نشكركم إخوة الإيمان على طيب الإستماع لحلقة اليوم من برنامج يوم الحسين قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، شكراً لكم وفي أمان الله. موقف السبايا من آل الحسين صلوات الله عليه - 1 2016-11-05 14:15:53 2016-11-05 14:15:53 http://arabic.irib.ir/programs/item/14166 http://arabic.irib.ir/programs/item/14166 السلام عليكم مستمعينا الأكارم ورحمة الله وبركاته.. أهلاً بكم في أولى حلقات هذا البرنامج الذي نسعى فيه لإستجلاء القيم الإلهية التي حفظها القيام الحسيني المقدس. وسيدة هذه القيم – أيها الأكارم – إحياء نهج التوحيد الخالص وحفظ الإسلام المحمدي النقي، وهو مما جلاه هذا القيام التضحوي القدسي، يحدثنا عنه الأستاذ الحاج إبراهيم رفاعة فيقول تحت عنوان: البكاء الغاضب في شعر لسكينة بنت الحسين عاشوراء يوم قيامة التوحيد، يوم تفتح توحيد الله في أدق معانيه وأروع ما فيه من حقائق، إنه اليوم الذي صنعه الحسين ريحانة رسول الله وسيد شباب أهل الجنة أجمعين. سبط رسول الله ونجل علي وحبيبه وابن فاطمة البتول وفلذة كبدها.. هو من تحمل مختاراً هذه المهمة العظمى في الإنتفاض على جاهلية بني أمية القديمة المتجددة في دنيا الإسلام. ها هم أولاء بنو أمية يصادرون من الناس نورانية القرآن، ويدفنون أثر جهود النبي الراحل في الهداية والتبصير، ويتعقبون آل بيت محمد – ص- محاصرة وتجويعاً وأبشع تنكيل. بنو أمية لبسوا عباءة الإسلام، لا مناص لهم من لبس عباءة الإسلام، لكنهم لبسوا لبس الفروة بالمقلوب! رهيبة كانت جهودهم لقلب الإسلام، اصطنعوا – فيما اصطنعوا – جهازاً ضخماً من الرواة وصناع الحديث، يدسون في حديث النبي وأخبار الناس ما يبسط لهم التحكم في الرقاب، ويدفع الى الظل المعتم من يناوئهم ومن يناوئون. من ذا قادر على أن يوقف المؤامرة؟! كبيرة هي المؤامرة في تيارها الجارف كالسيل، حتى من بقي من معاصري النبي – وهم يرون ما يحدث – كانوا عاجزين، مالك بن أنس قعد في بيته مستسلماً للبكاء على دين النبي الذي لم يبق منه بنو أمية حتى الصلاة التي قال عنها إنها قد ضيعت وبدلت وما بقي من قدسيتها الإلهية شيء! ومن بين جيل أبناء أصحاب النبي.. كان صوت عبدالله بن الزبير صوتاً عالياً فيهم، وابن الزبير كان يريدها لنفسه، فرصة له أن يتحرك ويستأثر بسلطة يرى أنه أولى بها من آل أبي سفيان. وحده الحسين من يحمل قرآن الحق، ومن يتألق به نور جده النبي. إن كان ثمة إسلام صدق فهو إسلام الحسين، إن كان ثمة إيمان حق فهو الذي ينضح من قامه الحسين هو اليقين مجسداً وهو لب حقيقة التوحيد. وحده أبوعبدالله من بادر وتحرك، واختار طريق إنقاذ مزروعاً أشواكاً ونصال سيوف وأسنة رماح، ودماء طاهرة تصبغ حتى أفق السماء. سينطق في كربلاء بصوت الله، قال عن يزيد بن معاوية: "ومثلي لا يبايع مثله وقال: "ألا ترون الى الحق لا يعمل به، والى الباطل لا يتناهى عنه؟! ليرغب المؤمن في لقاء محقاً؛ فإني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برماً. وقال صلوات الله عليه للناس الكثير.. يجرؤهم على اقتحام عقبة الخوف، ويهديهم الى الإقدام على ساحة الجهاد والموت بصدور مفتوحة ونفوس أبية راضية باختيارها شرف المصير. من أجل حبه الفريد لله ربه.. آثر لنفسه القتل، وآثر لأهل بيته الثكل والترمل واليتم.. في مأساة أسر وسبي يسير ركبها الى الشام؛ كل لحظة من كروبها تبكي حتى مجارة الطريق. بركان أبدي هو ما فجره في قيامة كربلاء أبوعبدالله الشهيد المظلوم. بركان نور متدفق لا يتوقف، أرأيت المنار يصير بركاناً يملأ كل العالم بدفء محبب وضياء دائم حميم؟! أما نيران حممه الغزيرة.. فهي المتساقطة من بني أمية وأشياعهم طول التاريخ على هاماتهم الجاهلية المجبولة من طينة خبال. هو الحسين.. سيد الأحرار من أباة الذل في كل أزمنة العالم وفي البقاع. وهو الحسين – قبل ذلك وبعد ذلك – سيد العشق الإلهي الكبير. وقعت الواقعة العاشورائية الدامية في كربلاء.. ووقعت للناس صحوة ما لهم بمثلها من عهد: صحا من كان غافياً، وتنبه من كان لاهياً، وندم من كان متراخياً، وبكى من كان محباً لحبيب الله الحسين. أما الذين انعقدت جذورهم على بغض آل محمد وغطستهم أهواء الدنيا في أحوال الرجس.. فزادهم نور كربلاء الحسين ظلمة الى ظلمتهم، وارتكاساً الى ارتكاسهم.. تماماً كما القرآن: يزيد الذين آمنوا إيماناً، ويزيد الكافرين عمى وضلال طريق. ومنذ اللحظة الأولى آل الله في كربلاء.. انطلقت قلوب الناس – مسلمين وغير مسلمين – تناغي أباعبدالله بأسىً حزين، وتمجد صنيعه الفذ الذي لا يجرؤ أحد على أن يصنع مثله، وعبرت عن نور الحسين في صدورها – أجلى ما عبرت – بصوت الشعر.. الذي ما يزال ينبض من كل صوب على طول التاريخ. وكان من أوائل من نطقت المأساة على لسانه شعراً: إحدى بنات الحسين، حضرت واقعة كربلاء، وشهدت من محنها ومصائبها في قتل الأحبة التفاصيل، كما شهدت مكابدة الضر والبلوى الواقعة على نساء آل محمد وصغارهم في رحلة الأسر المضنية الطويلة الى الشام. إنها سكينة الحسين التي وصفها أبوها – وطالما أحبها حباً فوق التصور – بأنها "الغالب عليها الإستغراق مع الله" ونعم المستغرقة مع الله، ونعم المستغرق معه هذا الإستغراق. المدينة الحزينة التي آبت إليها البقية الباقية من أسرة رسول الله.. يجللها حزن التفجع العميق. زينة عباد الله السجاد علي بن الحسين، والصديقة الطاهرة زينب بنت علي أمير المؤمنين، وسائر آل محمد الهاشميين.. عادوا الى مدينة جدهم مخذولين منكوبين لا تجف لهم دموع. وفيهم: حبيبه قلب أبيها الحسين: سكينة الشابة اليافعة.. الغالب عليها الإستغراق مع الله. فما الذي فعلته هذه السيدة المحمدية المتألهة لحفظ ذكر يوم الحسين؟ هذا ما سنتعرف إليه في اللقاء المقبل من خلال وقفة عند الأبيات التي أنشأتها عليها السلام في رثاء سيد الشهداء صلوات الله عليه وهي الأبيات التي إستطاعت أن تخرق حجب التعتيم التي فرضتها سلطات الطغيان الأموي على ما قامت به سبايا آل الرسول نكتفي هنا وكمسك ختام بقراءة هذه الأبيات وهي: لا تعذليه فهم قاطع طرقه فعينه بدموع ذرف غدقة إن الحسين غداة الطف يرشقه ريب المنون فما أن يخطئ الحدقة بكف شر عباد الله كلهم نسل البغايا وجيش المرق الفسقة يا اُمة السوء هاتوا ما احتجاجكم غداً وجلكم بالسيف قد صفقة الويل حل بكم إلا بمن لحقه صيرتموه لأرماح العدا درقة يا عين فاحتفلي طول الحياة دماً لا تبكِ ولداً ولا أهلاً ولا رفقة لكن على ابن رسول الله فاسكبي قيحاً ودمعا وفي أثريهما العلقة نشكركم إخوة الإيمان على طيب الإستماع لحلقة اليوم من برنامج يوم الحسين قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، شكراً لكم وفي أمان الله.