اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | جلال الدين محمد http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb جلال الدين محمد -34 - 34 2008-06-15 00:00:00 2008-06-15 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4389 http://arabic.irib.ir/programs/item/4389 في الحلقة الماضية من هذا البرنامج، تحدّثنا عن الحدث المهمّ الذي غيّر مسيرة حياة الشاعر جلال الدين الرومي. وكان هذا الحدث لقاء شمس بالرومي، لقاء أحال جلال الدين من فقيه وخطيب الى عارف وأديب ولنا ثمة حديث آخر حول هذا العارف الاديب. نعم يرى بعض الباحثين أنّ جلال الدين محمد، وقبل أن يلتقي شمس المرة الاولى في قونية من بلاد الروم كان كالغزالي. والغزالي هو ابو حامد محمد كان من بين المفكّرين المشهورين في الفقه والحكمة والكلام. وعلى رغم عمره القصير نسبياً الذي لم يزد على 55 عاماً فقد وضع الكثير من الكتب والمؤلّفات التي كان لها الاثر العجيب في تاريخ الثقافة الاسلامية ومنها كتاب احياء علوم الدين. ويذكر المؤرّخون والباحثون الذين أرخوا مولوي وكتبوا حوله أنّ جلال الدين كان من بين المعجبين بالغزالي، وأنه قد طالع بدقة وكراراً مؤلفات ابي حامد الغزالي. وكما أسلفنا الاشارة فانّ مولانا وقبل لقائه شمس ملك داد التبريزي، كان عالماً ومفتياً واعظاً كسائر العلماء. لكنّ لقاء شمس هو الذي غير اتجاه الحياة عند الرومي فأحاله إلى مولوي او ملا الروم كما تسمّيه بعض الكتابات. وقد أسّس مولانا في بلاد الروم او آسيا الصغرى او تركيا الحالية افرقة الصوفية المولوية. هذا التحّول في حياة الرومي يسمّيه مولوي (جوهرة) كناية منه عن شيء ثمين. وفي كتابه فيه ما فيه، وهو من الكتب النثرية للرومي يذكر جلال الدين محمد أن شمس الدين التبريزي قد أهداه جوهرة ثمينة هي العشق ومن بعد اللقاء بين جلال الدين وشمس الدين أصبح الاول عاشقاً سلك طريق العشق الآلهي فابدع ما أبدع من آثار أدبية وعرفانية قيّمة أهمّها المثنوي المعنوي وديوان شمس الكبير الذي يعرف كذلك بكليات شمس. إنّ الميزة الاساسية في نتاجات مولوي الادبية والعرفانية، حداثة الحديث فيها، فكلام مولوي لا يتعب احداً، لانه على الدوام غض طري وكان مولوي على علم بغضاضة وطراوة كلامه ومن هنا سمى نفسه عيداً. إنه يقول: باز آمدم چون عيد نوتا قفل زندان بشکنم*******مرة اخرى جئت كالعيد الجديدكي أكسر للسّجن أقفالهإنه يريد هنا سجن الدنيا وسجن الماديات التي تأسر الانسان فتحول دون تحليقه في عالم الملكوت والوصول الى حيث القرب الإلهيّ والتزوّد وهو زاد القلب بالعشق الإلهي. العيد يعني اليوم الجديد، انه اليوم الذي يلبس الناس فيه ملابس جديدة، وتلبس فيه الطبيعة والعالم حلّة زاهية انيقة، في العيد كل شيء فيه طراوة، ومن يسمّي نفسه عيداً مثل مولوي لا ريب أنه جرّب هذه الطّراوة في روحه ومن هنا فإنّ كلام مولوي لا عتق فيه ولا ملل فيه كذلك. ومن يقرأ كتب مولوي، يشتاق لقراءتها مرة اخرى ومرّات اخر، وفي كل مرة يرى القاريء أنه يوجد شيء جديداً، وبكل جرأة يمكن القول إنه قلّما نجد كتاباً فيه هذه الميزة. إذا كان لعمر الخيام رباعياته وإذا كان لحافظ الشيرازي غزلياته، فإنّ جلال الدين الرومي وفي ديوانه الكبير ديوان شمس قد أخذ من هذا اللون وذاك، فضمّ هذا الديوان رباعيات وغزليات. وقد ترجم أجزاء من هذا الديوان الى اللغة العربية الدكتور عيسى علي العاكوب. على أنّ للرومي غزليات بالعربية أيضاً، وسنأتي على عرض نماذج منها في حلقات أخرى من هذا البرنامج لكن بودّنا هنا أن نعرض هذا الرباعيّ مع ترجمته العربية. سوز دل عاشقان شررها دارددرد دل بی دلان اثرها داردنشنيده ايد که آه دلسوختگانبر حضرت رحمتش گذرها دارد*******حرقة قلوب العاشقين تنتج شرراًوآلام قلوب الوالهين تنتج أثراًألم تسمع بأنّ آهة المكلومينتجد لها صوب حضرة رحمته طريقاً ومعبراًحتى لقاء جديد وجلال الدين محمد شاعر العرفان نترككم في رعاية الرحمان. ******* جلال الدين محمد -33 - 33 2008-06-07 00:00:00 2008-06-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4388 http://arabic.irib.ir/programs/item/4388 ها نحن ندخل مرّة اخرى في أعماق التاريخ الغابر، ونعود الى أمس الدابر لنواصل رحلة بدأناها مع الشاعر العارف جلال الدين محمد الرومي البلخي المعروف بمولوي او مولانا. نعم، من أجل دراسة أفكار شخصية مثل جلال الدين محمد البلخي، يبدو من اللازم في البداية الاجابة على هذا السؤال وهو لماذا صار مولوي مولويا او عارفاً بعبارة اخرى؟ وما هي مميّزات شخصيته يا ترى؟ وأيّ ظروف حلّت بهذا الشاعر حتى تمكّن أن يفيض هذا البحر المتلاطم الامواج من المعرفة والعرفان ويستخرج منه كلّ هذه الجواهر الثمينة، جواهر الادب الرفيع والعرفان المتعالي في دنيا العشق الالهي. ما ذكرناه هنا لا ياتي من باب المبالغة في التعريف بل هو عين الحقيقة، ذلك أنه وعلى الرغم من انقضاء ما يقرب من ثمانية قرون من عمر الزمن، فإنّ الانسان المعاصر لم يتمكّن من استثمار كامل لئالي البحر الزاخر للمثنوي المعنوي وأن يغترف بما يروي ظمأه الفكري من نمير عذب هو منهل الفكر المولوي الاصيل، ولتمضي القرون وتتعاقب الازمان دون أن يجفّ بحر العرفان المولوي ودون أن يتوقّف الانسان عن سبر أغوار هذا البحر المحيط. ودعونا نستمع الى مولوي وهو يحدّثنا عن مثنويّه نعم ينقل في التاريخ أنّ مولانا دخل ذات مرّة على أحد أصدقائه في غرفة، فرأى ذلك الصديق وقد وضع كتاب المثنوي خلفه وأسند ظهره اليه. فما كان من مولانا إلاّ الامتعاض من هذا العمل وقال لصديقه، مثل هذا الكتاب لا يضعه الانسان خلف ظهره ويتّكيء اليه، إنه كتاب سيكون له صيت عالمي في المستقبل. ولقد تحقّقت نبوءة مولانا، وأصبح المثنوي عالمياً، بل إنّ كلّ أفكار مولانا هي اليوم وفي كلّ عصر ومكان كانت وما زالت محطّ اهتمام المفكّرين والباحثين، في شرق الارض وغربها عند المسلمين وغير المسلمين، وليس أدلّ على صحة هذا القول من كلّ هذا الاهتمام الذي نشهده بالمولوي شخصية وتراثاً ليس في عامه هذا فحسب بل في كلّ عام. كان كلام مولوي حسناً جميلاً وهو ذاته كان يرى أنّ كلامه عبق بالحسن والجمال، وأنه كلام خالد لن تفنيه الدهور، ولن تفتّت أوصاله العصور بل إنه بقي محافظاً على تماسكه رغم تعاقب القرون والاعوام والسنين والايام. لكن إذا كانت هذه هي نظرة مولوي الى كلامه فلنرى ماذا يقول الباحثون حول آثاره، أجل أيها الإخوة والأخوات يرى جميع الباحثين الذين درسوا آثار مولوي ونتاجاته الادبية والعرفانية أنّ السبب الاساسي في خلود جلال الدين محمد في عالم الادب والعرفان هو ذلك اللقاء الاستثنائي الذي جمعه وشمس تبريز في قونية، نعم في مدينة قونية في بلاد الروم في ذلك الوقت كان اللقاء التاريخي الاول بين جلال الدين محمد البلخي، وشمس ملك داد التبريزي كان مولوي قد أنهى العقد الرابع من عمره وكان شمس قد طلع من وراء ستة عقود من الزمن. لقد وجد شمس في جلال الدين ضالته ووجد جلال الدين كيانه وكلّ وجوده في شمس، وتأثر جلال الدين أيّما تأثّر بكلام شمس، وكيف لا يتأثّر بهذه الدرجة وقد عرف عن شمس كما يذكر الباحثون قوّة تأثير كلامه على الآخرين، حتى إنّ البعض ليشبّهه بسقراط في تأثير كلامه على مستمعيه. على أي حال لقاء شسمس بجلال الدين هو الذي جعل الروميّ مولوياً عارفاً. فقد غادر جلال الدين دنيا الخطابة والوعظ، وتعالى في عالم العرفان، حيث الوصال والعشق الآلهي. لم يستمرّ شروق شمس تبريز في سماء جلال الدين طويلا، أجل بعد نحو عامين غابت هذه الشمس بيد أنّ إشعاعاتها بقيت تفيض دفّ العرفان عند روح الشاعر الولهان. وبقي مولوي يبحث عن شمسه التي غابت وكلّه شغف في أن يأنس من جديد بدفئها. هي نفسه المختلجة وتحدّثنا عن هذا التطلّع، أبيات من مولانا انسابت انسياب القارب في الماء لا تلوي على شيء الا شمس، وأنّى له شمسه وقد غابت وراء الافق البعيد. ای نوبهار عاشقان داری خبر از يار ماای از تو ابستن چمن، وای از تو خندان باغهاای يادنای خوش نفس عشاق را فريادرسای پاکتر از جان، آخر کجا بودی کجا؟*******يا ربيع العاشقين، ألديك أي خبر عن حبيبنا؟يا من حملت منك الحمائل، وضحكت بفضلك الحدائقيا ريح الناي الجميل الالحان، لتسعف العشّاقويا من أطهر من الروح، في النهاية أين أنت أين؟حضرات الافاضل، لنا وإياكم عودة الى جلال الدين محمد شاعر العرفان، طبتم وطابت أوقاتكم بكلّ خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ******* جلال الدين محمد -32 - 32 2008-06-02 00:00:00 2008-06-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4387 http://arabic.irib.ir/programs/item/4387 كما تعرفون فاننا في هذا العام الذي اعتبرته منظمة التربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) عام المولوي بمناسبة مرور 800 عام على ميلاده أعددنا برنامجاً خاصاً بالشاعر جلال الدين البلخي الرومي وقد قدمنا على مدى الاسابيع الماضية العديد من حلقات هذا البرنامج، وها نحن وإياكم في حلقة اخرى منه. القرآن الكريم أكد على هدفية نظام الخلق، وأن الخلق لم يأت عبثا ومن دون حكمة سواء في خلق الكون أو في خلق الانسان لا بل خلق سائر الموجودات وهذه الحقيقة الثرّة والمهمة حظيت بعناية الشاعر والعارف جلال الدين الرومي، فمن وجهة نظر مولانا، فإن عالم الخلقة له معنى وله هدف لا بل أن الفكر المولوي يرى ان كل شيء في الوجود. حتى الجمادات، وأن كل الموجودات تتحدث مع الانسان وأن العالم هو على الدوام في حال تطور وحداثة. ويرى العارف جلال وحسب الروية المولوية لو صحت منا هذه العبارة فإن البحر هو مظهر لاتساع وعظمته المعرفة الإلهية، ولمولوي استنباطات عميقة من كلمة بحر تتجاوز الظاهر المتبادر من هذه الكلمة. ان مطالعة سائر كتب مولانا واحاديثه وما جاء في مجالس وعظه وغيرها من شأنها أن تفتح لنا الطريق لفهم المثنوي بما فيه من درر غراء وصور علياء. وبكلمة يمكن القول إن مؤلفات جلال الدين النثرية والمنظومة، والثانية ربما تكون اكثر من الاولى تساهم في فهم المثنوي بشكل خاص وتعاليم وافكار مولانا بشكل عام. إذن لابد من اللجوء الى المجالس السبعة والى المكتوبات وإلى فيه ما فيه وإلى ديوان شمس بغزلياته ورباعياته لفهم مولانا فكراً وشخصية وسنطل على جانب من هذا الفكر من خلال ديوان شمس. نعم حضرات لقد اخترنا لكم من ديوان شمس هذه الابيات التي حملت عنوان (چه تدبير) أي: ما التدبير؟ يرى المولوي أن هذا العالم هو في حضور الله تعالى وأنه تحت إشراف وحفظ الحق تعالى الذي بيده ازمة الامور. وكل ما في هذا العالم يسير نحو هدف عالم الوجود بكل ذراته يسير نحو هدف مرسوم ومحدد والى هذا الامر أشار مولانا في كتاباته العرفانية والادبية ما بين المثنوي وكليات شمس وغيرها. وتبدو الضرورة لقراءة المثنوي وتفسيره، ومن وجهة نظر الباحث الايراني بديع الزمان فروزانفر وله دراسات عدة حول المولوي ومؤلفاته، وقد انتقل الى رحمة الله تعالى فان القرآن يفسر بعضه بعضاً، والحال ذاته بالنسبة للمثنوي المعنوي، فانه لدرك معانيه من الافضل دراسة آثار مولوي الاخرى إذ انّ هذا الطريق من شانه أن يوصل الباحث الى اعماق الفكر لدى شاعرنا المولوي. إن كلمة (دريا) اي البحر تتعالى في المثنوي المعنوي، ولمولوي مفاهيم ومعاني مختلفة صبها في كلمة بحر، وربما لا نلاحظ مثل هذه الحالة في التعامل مع كلمة بحر عند أشعار اي من الشعراء الآخرين. يقول مولانا: چه تدبير ای مسلمانانکه من خود را نمی دانمنه ترسا، نه يهودم مننه گبرم، نه مسلمانمنه شرقيم نه غربيم، نه بريم نه بحريمنه از کان طبيعيم نه از افلاک گردانمنه از خاکم، نه از آبم نه از بادم نه از آتشنه از عرشم، نه از فرشم نه از کونم نه از کانممکانم لا مکان باشد، نشانم بی نشان باشدنه تن باشد، نه جان باشد که من از جان جانانم*******ما التدبير ايها المسلمونفانا نفسي لا أعرفإني لست مسيحيا ولا يهودياولست مجوسيا ولا مسلماكما إني لست شرقيا ولا غربياولست بريا ولا بحرياولست من منجم ارضيولست من الافلاك السيارةولست من التراب ولا من الماءولست من الرياح ولا النارولست من العرش ولا من الفرشولست من الكون ولا من المكانفمكاني حيث لا مكانوبرهاني حيث لا برهانولست من الجسد ولا من الروحوانما انا من روح الروحهكذا يرى المولوي منزلة الانسان إنها لا تحدّ بزمان ولا مكان، ولا تقدر بما تقدره لها الاديان انها روح الروح، إنها نفحة من نفحات الروح الإلهية في الذات البشرية التي لا تعد شيئاً إذا ما غادرتها الروح او لم تلجها على الاطلاق. ولنا واياكم عودة وجلال الدين محمد شاعر العرفان. ******* جلال الدين محمد -31 - 31 2008-05-31 00:00:00 2008-05-31 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4386 http://arabic.irib.ir/programs/item/4386 جلال الدين محمد هو شاعر العرفان، هو اديب وعارف، تذوّق الادب الجميل، ونأى زخرف الدنيا في ذات الوقت، أي أنه اختار جمال المعنى دون جمال المادة، وتحررت بذلك روحه من أسر الدنيا الخادعة لتحلّق في عالم العشق الالهي، لكن كيف صار كل هذا لجلال الدين؟ نعم هذا السؤال جدير ان يطرح، ومن الجدير كذلك أن يجاب عليه، ولعلنا قد تطرقنا لبعض هذه الاجابة في ماضي حلقات هذا البرنامج. على اي حال لقد كان شمس تبريز هو الذي اوجد كل هذا التحول في حياة الرومي فصّيره شاعراً عارفاً بعد ان كان خطيباً وواعظاً، حيث تدلّنا الدراسات التي تناولت حياة المولوي أنّ مولانا لم يقل الشعر قبل سنّ الاربعين حينما لم تكن شمس تبريز قد أشرقت بعد على وجوده لكن من بعد إشراق هذه الشمس بدّدت سحباً في حياة جلال الدين، فأصبحت سماء حياته صافية لا يزيّنها إلّا العشق الالهي، نعم من هو شمس يا ترى، هذا ما نريد ان نبحث عنه في هذه الحلقة حيث ودّعنا قبل أيام مؤتمراً دولياً حول مولانا عقد في طهران وآخر عقد في تبريز لتخليد ذكرى الرجلين اللذين تمازجت روحهما، وأرسلت إشعاعاتها الوضاءة الى دنيا الأدب والعرفان، اشعاعات لم يغمرها طول الزمان ولا تعاقب الدهور والقرون في دنيا المكان. اذن تعالوا إيّانا لشمس مفخرة من مفاخر إيران، نطلّ من نافذة التاريخ على بعض جوانب حياته، وفي هذه الإطلالة تتراءي لنا علياء العرفان بعد ان مازج الأدب فخرج الإثنان منهما كالعاشق لا بل العاشق الولهان. نعم، محمد بن علي بن ملك داد التبريزي المعروف بشمس تبريزي او شمس الطائر ولد في مدينة تبريز الواقعة شمال غرب ايران في أسرة متوسطة الحال. ومنذ طفولته بدأ شمس ولهاناً، لا تستقّر نفسه على حال. ويمّم هذا الصبي بناءاً على طلب أبيه وجهه صوب العلوم الدينية، فأخذ بدراستها لا سيما الفقه منها ولا تتوفر لدينا معلومات كثيرة عن أساتذة شمس في العرفان، لكّن المصادر التاريخية تدلّنا على أنّ شمس تبريز كان قد تعرّف على تعاليم العرفان عند الشيخ (أبي بكر سلّه باف) التبريزي. الرؤية ذكرت صفات مولانا ودلّ على مكانه في قونية لكن في تلك الرؤيا قيل لشمس إنه لم يئن الأوان لهذا اللقاء وما عليك إلا الصبر حتى اليوم الموعود. وبعد ان حلّ الوقت الموعود قدم شمس الى قونية وكان في الستين من عمره، ونزل شمس في خان حيّ باعة الرزّ في المدينة. وذات يوم يحلّ موعد اللقاء وكان مولانا قد انتهى من درسه في طريقة الى بيته. شمس يعترض طريق الواعظ ويوجّه له سؤالاً، ويجيب مولانا على السؤال ومع هذا يفهم من شمس إشارته فيحتضنه ويأخذ بيده الى حجرة الشيخ (صلاح الدين زرين كوب) ويختلي الرجلان على مدى 40 يوماً وقيل لمدة ثلاثة أشهر. هذه الخلوة هي التي أوجدت تحولاً أساسياً وعميقاً في حياة الرومي، فصار غير ما كان عليه بالأمس، كان مولانا قبل ان يلتقي شمساً واعظاً وخطيباً وعالماً بيد أنه قال لشمس بعد أن التقاه وبعد أن اختلى به إنّ كلّ هذه الكتب أصبحت لديّ لا ذوق لها. نعم، لقد وضع شمس أمام مولانا طريقاً جديدا. لقد أخذ بيده من عالم العلم والتدريس الى دنيا العشق والمحبة والعرفان. وصار ذلك العالم الجليل، عارفاً عاشقاً. كان شمس يعتقد كالكثير من العرفاء أنّ السّفر له تأثير كبير في التكامل الروحي لدى السالك لطريق الله، وبعد مدة اختار شمس طريق السفر وأخذ في اسفاره يفتّش ويبحث عن من يراه أهلاً للكمال. وتنقّل شمس من بلاد الى أخرى ولهذا عرف بشمس الطائر. كان شمس في العشرين من عمره حينما غادر تبريز، واستمرت أسفاره أربعين عاماً، وهو في الستين من عمره وصل الى قونية في بلاد الروم. وعلى مدى اربعين عاماً قضاها في الأسفار التقى شمس العديد من الشخصيات من أمثال شمس الدين الخوئي الذي التقاه في دمشق الشام، وشهاب الخراساني وأسد الدين المتكلّم. والى جانب هذا تعرّف شمس على أفكار آخرين من أمثال محي الدين بن عربي صاحب الفتوحات المكّيّة واوحد الدين الكرماني، والفخر الرازي. كان شمس تبريز يذكر ابن عربي باحسان وكان ينتقد البعض لا سيما بعض المتصّوفة الذين كانوا يرتكبون أعمالاً تخالف الاخلاق، ذلك أنّ شمساً كان يرى أنّ مراعاة الاحكام الشريفة أمر لازم للجميع. وينقل عن شمس أنه كان يدعو الله ان يعرّفه بأحد أولياء الحق ليصاحبه، وفي عالم الرؤيا قيل لشمس سنجعلك صاحباً لأحد الأولياء، وفي تلك كان شمس يرى مولانا شخصية شفافة وجوهرة لمّاعة بين احجار صلدة، ومن هنا كان شمس يخشى ان يذهب بريق هذه الجوهرة سدى فلا يصل الرجل الى الكمال الحقيقي الذي يليق به. وتعالوا نفتح ديوان شمس لنرى ماذا كتب مولانا فيه. ای نوبهار عاشقان داری خبر از يار ماای از تو آبستن چمن، وای از تو خندان باغهاای باد نای خوش نفس عشاق را فريادرسای پاک تر از جان، آخر کجا بودی کجا؟*******يا ربيع العاشقين ألديك خبر عن جيبنا؟يا من حملت منك الخمائل، وضحكت بفضلك الحدائقيا ريح الناي الجميل الالحان، لتسعف العشّاقيا من أطهر من الروح، في النهاية أين انت، أين؟اجل لقد غابت شمس تبريز عن سماء مولانا، ولم تغب عن وجوده ووجود الزمان، فتمازجت الروحان وكان أن قدّمت للإنسانية هدية الجمال الفتّان في دنيا العاشق الولهان، إنه جلال الدين محمد شاعر العرفان. ******* جلال الدين محمد -30 - 30 2008-05-26 00:00:00 2008-05-26 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4385 http://arabic.irib.ir/programs/item/4385 يعتبر المثنوي المعنوي، أهمّ عمل أدبي وعرفاني للشاعر العارف جلال الدين محمد البلخي. وعلى رغم مرور ما يقرب من 800 عام فانّ هذا الكتاب القيّم ما يزال يلمع كالدّرة الثمينة على جبين الثقافة والادب في العالم. ويرى الكثير من الباحثين ان المثنوي كتاب للتعليم والهداية والارشاد، وان مولانا هو حامل لواء هذه التعاليم الّثّرة. ولابد من القول هنا ان الكثير من فلاسفة الشرق والغرب من امثال محمد اقبال اللاهوري وهيغل قد استلهموا في نظرياتهم الفلسفية من فكر المولوي. كما ان الكثير من كبار العرفاء الايرانيين كانوا قد ارتشفوا من نمير المثنوي واستنشقوا عبيره المعنوي. وفي الوقت الحاضر الّفت الكثير من الكتب وكتبت العديد من الرسائل حول مولانا جلال الدين محمد البلخي وحول المثنوي المعنوي. له ومع هذا فما يزال الكثير ممّا لم يقال حول المولوي والمثنوي وما تزال الكثير من النقاط من المثنوي وصاحبه غامضة غير مكشوفة. متابعي كتابات المولوي وفكره، انه المرحوم بديع الزمان فروزانفر ومن مؤلفاته كتاب من بلخ الى قونيه، يقول المرحوم فروزانفر: بعد قرن من وفاة مولانا جلال الدين الرومي التي وقعت أواسط النصف الثاني من القرن السابع الهجري، كتب الكثير من الشروح على المثنوي، إلاّ ان بعض هذه الشروح لم تكن العلاج الناجع فحسب، بل انها كانت سبيلاً للضلال كذلك، ويعلل المرحوم فروزانفر هذا بقوله: في الحقيقة ان هولاء الشارحين لم يعرفوا مولانا على حقيقته، ومن هنا لم ينجحوا في شرح مثنويه ولو درسنا المثنوي بأجزائه الستة لرأينا ان مولانا قد تأثّر في كتابه هذا باسلوب القرآن الكريم وفي القرآن نلاحظ انتقالاَ لو صحّ التعبير من حكاية أو قصة الى قصة أخرى، وفي المثنوي استخدم مولانا اسلوب القصة في القصة ايضاً. لكن كل من يسمّي المثنوي قرآن العجم فإنه مخطئ، ولعل العارف نورالدين عبد الرحمن جامي الذي عاش قبل ما يقار الخمسة قرون، هو الذي اثار مثل هذا الأمر الغريب وهذه ترجمته للعربية. ماذا أقول في وصف هذا الشخص الجليلانه ليس نبي لكن له كتابالمثنوي المعنوي المولويهو قرآن الكلام البهلويهنا أراد عبد الرحمن الجامي بالشخص الجليل، مولانا المولوي ويريد من الكلام البهلوي، اللغة الفارسية القديمة وهي لغة المثنوي. وسيأتي توضيح آخر بعد قليل. نعم، ان جلال الدين الرومي المولوي باعتباره مسلماً كان ملتزماً أيما التزام بالقرآن الكريم والعقيدة الاسلامية السماوية واستنادا الى البحوث التي اجريت حول المثنوي المعنوي فإنّ مولانا وفي هذا الكتاب القيّم قد اشار الى 2200 آية من آيات القرآن المجيد، كما وانه وباسلوب الشعر قد فسّر العديد من آيات الذكر الحكيم. وبشكل عام فإنّ المولوي قد استفاد في مثنويه من ما يقرب من ثلثي آيات القرآن بشكل صريح أو غير صريح. أي انه كان ينقل الآية القرآنية بذاتها في بعض الأحيان، وفي أحيان آخر يشير ويومي اليها. عمق الفكر المولوي واتّساع بحر المثنوي لا يزال يفسح المجال لصيد الكثير من اللئالي من هذا البحر الموّاج الزاخر. وانّ توّجه واهتمام العالم المعاصر لا سيّما العالم الغربي بنتاجات مولانا الادبية ما بين منظومها ومنثورها خير شهادة على ما نقول. ولسنا نبالغ اذا ما قلنا ان المثنويّ المعنويّ لجلال الدين الرومي له الجدارة ان يصبح سلّم ترقّي الانسان المعاصر، ذلك ان المولويّ يريد تحرّر الانسان من كل ما يقيّده مع هذه الدنيا وبالتالي الوصول الى العشق الإلهي والوصال الابدي. وقد يسأل سائل فيقول يخاطب من المثنوي؟ وإلى من يوجّه مولانا كلامه وأفكاره؟ وللاجابة عن هذا السؤال يمكن القول: ان من يخاطبهم المثنوي يمكن ان نقسمهم الى ثلاث جماعات. الاولى: عوام الناس الثانية: الخواص منهم والثالثة: من سلكوا للعشق طريقا واذا كان مولانا يخاطب العامّ والخاصّ والعاشق الولهان في طريق الله، فهل فهم كل هؤلاء خطابه؟ الاجابة على هذا السؤال نتركها لأحد ومن هنا فإنّ المرحوم ملا هادي السبزواري المعروف بالحكيم السبزواري صاحب المنظومة المشهورة في الفلسفة وقد كان شاعراً وعارفاً في القرن الثالث عشر الهجري، يعتبر المثنوي المعنوي تفسيراً للقرآن وينظر الى المولوي على انه مفسّر للقرآن. ولعلّ فيما ذكرناه في هذه الحلقة وسابقاتها من الحلقات ما يعدّ كافياً لدرء شبهة قرآن العجم التي تشدّق بها المستشرق البريطاني ادوارد براون ومن بعده سار على هذا الخط المعوجّ لشديد الاسف بعض الكّتاب المعاصرين. ولنا عودة واياكم الى رحاب المثنوي ورحاب العرفان في لقاء آخر مع جلال الدين محمد شاعر العرفان. ******* جلال الدين محمد -29 - 29 2008-05-18 00:00:00 2008-05-18 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4384 http://arabic.irib.ir/programs/item/4384 كنا في الحلقات الماضية من هذا البرنامج قد تحدثنا عن نتاجات مولانا جلال الدين المولوي الادبية والعرفانية، وجاء بعض التفصيل في حديثنا حول المثنوي المعنوي وحول كليات شمس بما تتضمنه هذه الكليات من غزليات ورباعيات. لكن في سياق ذلك الكلام مرّت منا إشارات كذلك الى مؤلفات مولانا الادبية التي جاءت بصيغة النثر وهي كتاب فيه ما فيه، وكتاب المجالس السبعة والمكاتيب او الرسائل كما يسّميها بعض من أرّخ لجلال الدين وترجم حياته. ومن اللازم علينا في هذا البرنامج تسليط الاضواء على مؤلفات الرومي النثرية، إذ في هذا إكمال للحديث عن آثار هذا الشاعر العارف، وسنبدأ الحديث بعد قليل حول (فيه ما فيه). نعم كتاب "فيه ما فيه" هو مجموعة تقريرات مولانا التي بينّها في مجالسه، فحفظها ابنه بهاء الدين المعروف بسلطان ولد او واحد آخر من مريديه وأغلب فصول الكتاب إجابات عن أسئلة حول مطالب معيّنة، وقد بدى بها تبعاً لما يقتضيه الحال ولهذا ليس لها ارتباط بسابقاتها. إنّ موضوع الكتاب بشكل عام، هو مسائل الاخلاق والطريقة، ونقاط في التصوّف والعرفان، وشرح لآيات القرآن والاحاديث النبوية، وكلمات المشايخ التي أوضحت بالطريقة الخاصة لمولانا نفسها أي ضرب الامثال ونقل الحكايات، وهي الطريقة المشهودة في المثنوي المعنوي على وجه الخصوص وتشابه حكايات (فيه ما فيه) وأمثاله ووجوه بيان مقاصده في نواحي كثيرة مع المثنوي. وأما الفرق بين المثنوي (وفيه ما فيه) فهو أنّ مطالب المثنوي غير مجرّدة من الكتابات والتعبيرات الدقيقة وفهمها أصعب بسبب أنّ الشاعر مفيد بالقوافي والاوزان وحدود الشعر والنظم. أما كتاب (فيه ما فيه) فهو عار من هذه القيود ومتحرّر منها، خاصة وأنّ مولانا لا قصد له في تقريراته إلاّ إدراك المستمعين وحضار مجلسه. وفي كتاب (فيه ما فيه) يذكر مولانا اسم أبيه سلطان العلماء. وقد طبع هذا الكتاب بعد مقابلة وتصحيح دقيقين نسبياً في سنة 1333 هجري في طهران وقد تمّت ترجمة كتاب (فيه ما فيه) الى اللغة العربية وصدرت الترجمة عن دار الفكر في دمشق في عام 2002 للميلاد. وقد خرجت هذه المخطوطة الى عالم الطبع. كما تمّت ترجمة كتاب المجالس السبعة الى اللغة العربية عن طبعة باللغة الفارسية صدرت في طهران بتحقيق الدكتور توفيق سبحاني. وصدرت الترجمة العربية للمجالس السبعة عن دار الفكّر في دمشق في عام 2004، ولنا وإياكم عودة الى جلال الدين محمد، شاعر العرفان. ******* جلال الدين محمد -28 - 28 2008-05-13 00:00:00 2008-05-13 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4383 http://arabic.irib.ir/programs/item/4383 المثنوي المعنوي هو اشهر کتاب عند جلال الدين الرومي، وبواسطته طارت شهرة هذا الشاعر العارف في دنيا الادب الفارسي في ازمنته السالفة وعصوره الاخری لا سيما في عصرنا هذا. واذا کان المثنوي هو النتاج البارز لجلال الدين فان لهذا الشاعر نتاجات اخری ما بين منظومة ومنثورة، وکنا في حلقات مضت من هذا البرنامج قد تحدثنا عن ديوان شمس او کليات شمس بما تحتوية من غزليات ورباعيات. بيدان يراع جلال الدين جاد کذلک بالمکاتيب والمجالس السبعة وکتاب فيه ما فيه، ولنتابع الحديث بعد قليل. نعم الی جانب مجالس المثنوي، کانت هناک مجالس شخصية اخری تشکل في کل يوم، وکان حديث مولوي في هذه المجالس يسجل ويحرر، وقد تجمعت هذه التحريرات فيما بعد في کتاب "فيه ما فيه". حسام الدين الچلبي کان هو الذي يشرف علی تحرير وتدوين اقوال مولانا. کما ان حسام الدين هذا کان يکتب بخطه مکاتيب مولانا الشخصية ويقوم بارسالها الی من يريد مولانا ارسالها اليهم. وهذه الفترة من حياة مولانا تمثل فترة الاستقرار الروحي له، ولعل من الضروري القول ان الهدوء الروحي عند الرومي هو الذي أدى الی ظهور المثنوي في عالم الادب والعرفان وليس من قبيل المبالغة فيما لوقلنا ان المثنوي يعد درجة جديدة لجلال الدين المولوي علی سلم العرفان والعروج نحو الکمال والمنازل العرفانية العالية. وفي تلک الفترة من حياته کان جلال الدين يری انه مثل الناي الفارغ او القصبة الفارغة ياخذ في الحکاية والشکاية. انه وبلغة الناي يبث شکواه واشتياقه وکان الناي بالنسبة لمولانا رمز القلب المحروق للعارف الذي يريد الوصول الی المبدا الازلي للوجود. لقد علم مولانا السالکين طريق الحق انه من اجل وصال الحق لابد من التحرر من قيود الذات المادية. حسام الدين وعدد معدود من المريدين کانوا يحررون اقوال مولانا، ومن هنا کانت مجالس املاء المثنوي فرصة مناسبة امام خواص المريدين للارتشاف من نمير العرفان المولوي. و في هذه المجالس وکما هو الحال في مجالس وعظه کان مولانا يفيض علی الحضار ما يترشح من ذهنه من ادعية ومناجات وتفسير للايات واحاديث وقصص وحکايات. ويذکر من ارخ للادب الفارسي ومن کتب حول الرومي حياة ونتاجاً ان مولانا وفي تلک الايام کان يتذکر کثيراً شمس، الشمس التي اشرقت عليه في قونية فغيرت مجری حياته. کانت کلمات مولانا تبلغ اوجها حينما کانت ذکری شمس تداعبه. وفي تلک الايام کانت الساعات تنقضي ويمضي الليل مسفرا من وراء ظلامه ضياء ومولانا مستمر في انشاء ونظم المثنوي ما کان يکتبه حسام الدين والمريدون کان يعرض علی مولانا وکان هو يصححه ومن بعد انقضاء عامين انتهی تحرير الجزء الاول من المثنوي، وکان من المقرر ان يتم البدء بکتابة الجزء الثاني من هذا السفر الادبي والعرفاني، الا ان امر کتابته تاخر وکان سبب التاخير تالمات حسام الدين الروحية بسبب وفاة زوجته، وبسبب فقدان مولانا لولده علاء الدين الذي کان فقيها کبيرا ولم يکن له من العمر سوی 36 عاماً. ومن بعد عامين، عاد حسام الدين الی جمع المريدين واستانفت جلسات المثنوي وبدأ بتدوين الجزء الثاني منه. واستمر نظم المثنوي وکتابته حتی وفاة مولانا بعد 10 عشرة اعوام من ذلک التاريخ ولنختم الحديث في هذه الحلقة بابيات جاءت في بداية المثنوي: الناي صديق لکل من افترق عن اليفهولقد مزقت انغامه الحجب عنافمن رای کالنای سما وترياقا؟ومن رای کالناي نجيا ومشتاقاًان الناي يتحدث عن الطريق المليء بالدماءوالناي هو الذي يروي قصص عشق المجنونمرة اخری سنعود واياکم الی رحاب المولوي وسنتابع حياته الفکرية، حتی بعد انقضاء حياته المادية وان لم تکن في الحقيقة مادية فقد تجرد مولانا عن قيود الماده وهو في الدنيا وسمی في دنيا العرفان لانه کان شاعرالعرفان. ******* جلال الدين محمد -27 - 27 2007-12-31 00:00:00 2007-12-31 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3636 http://arabic.irib.ir/programs/item/3636 لقد تجسد الانتاج الشعري لمولانا جلال الدین المولوي في کتابين شهيرين هما المثنوي المعنوي وديوان شمس تبريزي. وديوان شمس تبريزي هذا او کليات شمس تبريزي تضم ثلاثة واربعين ألف بيت من الغزليات وتضم سبعة وثلاثين وتسعمائة وألف رباعية، او ألف وتسع مئة وثلاثة وثمانين رباعية حسبما يذکر المرحوم بديع الزمان فرزوانفر. ومهما کان عدد رباعيات مولانا، فان البعض يشکون في صحة نسب کل هذه الرباعيات لجلال الدين اذ ان بعضها منسوب الی غيره من الشعراء کذلك. وقد مرَّ بنا تعريف معنی الغزل ومعنی الرباعي اي مکونات ديوان شمس تبريزي الذي حظي باهتمام المستشرقين ومنهم البروفسور ادوارد براون المستشرق البريطاني الشهير الذي کان مهتما بشؤون الادب الفارسي واللغة الفارسية ويقول براون بخصوص هذا الديوان: واهل الشرق لا يقراون ديوان جلال الدين الرومي او يدرسونه کثيراً کما يفعلون بالمثنوي، ولکن بعض المستشرقين الاوروبين يجعلون الديوان اعلا مرتبة من المثنوي، من ناحية صياغته الشعرية ومعانيه المبتکرة، وقد کان هذا راي جماعة من اکبر الادباء الذين عاصروا جلال الدين نفسه، ويدخل في عدادهم الشاعر الکبير سعدي الشيرازي صاحب البوستان والکلستان. انتهی کلام المستشرق براون. ويتضمن ديوان شمس تبريزي اشعار جلال الدين الغنائية او الغزلية، ويقال ان جلال الدين انشاها في فقرة غياب شمس تبريز في مدينة دمشق، بينما يری آخرون ان جلال الدين کتبها رثاء له بعد موته اي بعد موت شمس ولنقل بعد مقتله وازاء هذين الرايين، هناك رأي ثالث للباحث نيکلسون لعله وقف موقف الوسط حينما اعتبر ان جزءا من هذا الديوان کتب في حياة شمس تبريز، ولکن اکثره تم بعد موته، والی هذا الرأي الاخير يميل المستشرق الانجيليزي براون. وياتي وزن الرباعي علی وزن (مفعول مفاعيل، مفاعيل فعل)، ويذهب البعض الی ان الرباعي ذو منشأ ترکي، وانه وجد طريقه من آسيا الوسطی الی ايران. ويری الدکتور عيسی علي العاکوب في مقدمة کتابه رباعيات مولانا جلال الدين الرومي الذي تضمن ترجمة لرباعيات هذا الشاعر الی اللغة العربية ان هذا الاحتمال اي کون الرباعي من اصل ترکي لم يجد تاييدا له في اي مصدر موثوق في الادوار السابقة. واذا کان الرباعي من حيث القافية يقسم الی نوعيين اي الرباعي الکامل او المصرع والرباعي الخصي فان من صنوف الرباعي في الادب الفارسي صنفين هما: اولاً: الرباعي العشقي او الرباعيات القديمة. ثانياً: الرباعي الصوفي. والی الصنف الثاني تنتمي رباعيات مولانا جلال الدين الرومي وجاء مجموع رباعيات مولانا الرومي في آخر ديوانه الکبير کليات شمس تبريزي، ورباعيات مولانا من أولها الی آخرها تتحدث عن رحلة الانسان الی الحق سبحانه وما يتقدم ذلك ويکتنفه ويعقبه وطيف الموضوعات والفکر الـتي تعالجها هذه الرباعيات واسع جداً، يشمل آفاق التجربة الروحية الواسعة جدا والملمح العام البارز في رباعيات مولانا من جهة الموضوع هو حال العاشق مع المعشوق وما يکتنف الصلة بينهما من وصال وهجر، وقبول وصد وغم واشتياق، وعلی الجملة کل ما يکتنف سير السالك في طريق الحق سبحانه. وبودنا ان نسمعکم في هذا البرنامج نموذجاً من رباعيات مولانا في ديوان شمس تبريزي. يقول الرومي: ياران، ياران، زهم جدائی مکنيددر سر هوس گريز پائی مکنيدچون جمله يگيد، دو هوائی مکنيدفرمود وفا، که بی وفائی مکنيدواما ترجمة هذا الرباعي فهي: ايها الاحبة، ايها الاحبة، لا تجنحوا الی الفراقولا تولوا الادبار امتثالا للهوی والعجبان کنتم علی وفاق واتحاد، فلا تکونوا مفترقي الأهواءلقد امرنا بالوفاء، فلا تکونوا عديمي الوفاءکانت هذه درة من محيط جلال الدين الرومي اثرنا ان يبصر بها القراء لعلها تغريهم علی الاندفاع الی الاعماق. اما نحن فسنبقی واياکم في رحاب جلال الدين المولوي نتناول حياته ومماته ونتاجاته الادبية والعرفانية فهو قد سلك الطريق الی الرحمن وهو شاعر العرفان. ******* جلال الدين محمد -26 - 26 2007-12-29 00:00:00 2007-12-29 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3635 http://arabic.irib.ir/programs/item/3635 حضرات الکرام، قرون عديدة من عمر الزمن مضت علی ولادة ووفاة جلال الدين الرومي البلخي المولوي الذي تسميه الکتابات الادبية باسم مولانا، إلا ان هذا الشاعر العارف او الصوفي کما يسميه بعض الکتاب ترك من ورائه العديد من النتاجات الأدبية ما بين منثور ومنظوم. ومن کتب المولوي النثرية کتاب "فيه ما فيه" وکتاب "المکاتيب"، وکتاب المجالس السبعة، وسناتي الی الحديث عنها في قابل حلقات هذا البرنامج. اما کتب مولانا الشعرية، فيعتبرها من درس الادب الفارسي وأرخ له اکثر اهمية، واکثر شهرة وانتشارا والحقيقة هذه ولاريب. علی ان الانتاج الشعري عند البلخي الرومي قد تمثل في مؤلفين عظيمين هما: الف: المثنوي المعنوي ب: ديوان شمس تبريزي وجاء منا بعض الحديث عن المثنوي، وهو يستحق الکثير من الحديث وسنتابعه، إلا أنَّ ديوان شمس هو الاخر جدير ان نتوقف عنده دونما اطالة، فتعالوا لنری هذا الديوان علی شاشة العرض الادبي. يتکون ديوان شمس تبريزي من مجموعتين من القصائد الاولی هي الغزليات والثانية هي الرباعيات ولا بد اولاً من بيان معنی الغزل ومعنی الرباعي حتی يتضح ما في هذا الديوان الثـّر. يحدثنا التاريخ ان بعضا من شعراء الفرس وخلال القرن الخامس للهجرة بدأوا ينظمون قصائد الغرض منها الغزل وحده ونتيجة لإهتمام عدد کبير من الشعراء بهذا الضرب الجديد أصبحت له قواعد تفرقه عن بقية الفنون الاخری من الشعر ومن أهم سمات فن الغزل في الادب الفارسي ما يلي: اولاً: يجب ان يکون الموضوع الذي يتناوله الشاعر في غزلياته، الغزل الخفيف البريء اولنقل الغزل العرفاني الصوفي. ثانياً: ان تکون الوحدة الفنية - من اول بيت فيه الی آخر بيت- خالصة لمعالجة موضوعات الغزل وإلا يکون الحديث في الغزل مجرد مقدمة لغرض آخر. ثالثاً: ان تکون ابيات "الغزلية" ما بين 7 ابيات و15 بيتاً، وقد اجاز بعض الادباء الايرانيين ان يکون عدد ابيات الغزلية من 5 ابيات الی 15 بيتاً. رابعاً: ان يذکر الشاعر في البيت الاخير او قبل الاخير تخلصة الشعري، والمقصود بالتخلص اسم الشهرة او اللقب الذي يود الشاعر ان يعرف به بين الناس وهذا التخلص يجعل اسناد کل غزلية الی ناظمها امرا ميسوراً. خامساً: يجب ان يکون الوزن الذي نظمت فيه الغزليات يصلح للمعاني العاطفية والعرفانية، اي وزن تقرح موسيقاه الاسماع، فتجتذب القلوب الی سماعة وحفظه. سادساً: يجب ان تکون الفاظ الغزلية متسمة بالرقة والسلاسة بعيدة عن الايقاع العنيف، وليس من قبيل المبالغة اذا ما قلنا ان معظم الغزليات تصلح للغناء. اما الرباعي وهو من الفنون الشعرية الفارسية النشاة. وبغض النظر عن تاريخ الرباعي في الادب الفارسي فإنه ضرب أدبي يتکون من 4 مصاريع وقد يسمی ب "دو بيتي" اي بيتين. ويشترط في الرباعية وحدة القافية في المصاريع الاول والثاني والرابع. اما المصراع الثالث فمن حق الشاعران ينظمه متفقا مع المصاريع الاخری في القافية. او مخالفاً لها، فاذا جاءت الرباعية متفقة في القافية مع المصاريع الاربعة عرفت باسم "رباعي کامل" اما اذا جاءت متفقة في 3 مصاريع فقط عرفت باسم "رباعي خصي". وهناک شروط اخری للرباعيات ربما نتعرض لها فيما بعد. اما الآن فها هي عودة الی ديوان شمس تبريزي بغزلياته، ورباعياته والرومي جلال الدين محمد الذي تعشقت روحه العرفان فتعالت في سمائه مطلقة العنان. لقد انشد جلال الدين ما في ديوان شمس من غزليات ورباعيات تخليدا لذکری مرشده الروحي شمس تبريز، وبخاصة ان هذا الشيخ وکما ذکرنا من قبل هو الذي فجر القدرة علی النظم عند الرومي. وتخلص جلال الدين في معظم غزلياته باسم شمس احياء لذکری هذا الشيخ الذي اختفی بسرعة من علی مسرح الاحداث. ولم يکتف جلال الدين بذکر اسم شمس في التخلص وقد معنا معناه، ولکنه اورده کذلك في الکثير من غزلياته ولم يشأ الشاعر جلال الدين ان يتخذ من اسمه تخلصا شعريا في معظم غزليات هذا الديوان، احتراما لشيخه شمس، واعترافا منه بان کل ما يقوله ويعبرعنه انما بفضل روح شمس تبريزي وتشجيعها له علی النظم والابداع وکما يقول الدکتور بديع محمد جمعة في کتابه من روائع الادب الفارسي (فهو اي جلال الدين يسند ما يقوله الی تلك القوة الخفية الحقيقية وراء هذا الابداع الفکري). ايها الاکارم لقد عد جميع المؤرخين قديماً وحديثاً جلال الدين البلخي الرومي زعيماً لمدرسة الشعر الصوفي الايراني او الشعر العرفاني، وجعلوه يتفوق علی مواطنيه السابقين عليه تاريخاً مثل السنائي والعطار النيشابوري. ومع ذلك فقد کان تواضع الرومي دافعاً له لأن يقول: عطار روح بود وسنائی دو چشم اوما از پی سنائی وعطار آمديمولنا عودة الی ديوان شمس للرومي لنذکر نماذج من غزلياته ورباعياته، الديوان الذي اهتم به المستشرقون کثيراً. علی ان لجلال الدين غزليات بالعربية کذلك ربما ذکرنا نماذج منها سابقاً وسيأتي منا التعرض لنماذج اخری في الحلقات القادمة. ******* جلال الدين محمد -25 - 25 2007-12-27 00:00:00 2007-12-27 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3634 http://arabic.irib.ir/programs/item/3634 في حياة الشاعر جلال الدين الرومي البلخي المعروف بالمولوي محطات عديدة محطات ادبية وعرفانية لونت ادب هذا الشاعر بلون العرفان الاسلامي او التصوف الايراني کما يحلو لبعض الکتاب من العرب وغيرهم من المستشرقين الذين درسوا حياة المولوي ونتاجاته الادبية ذکر ذلك. علی ان فترة التحول العرفاني في حياة جلال الدين بدات بشمس تبريز ومروراً بصلاح الدين زرکوب وانتهت بحسام الدين الجلبي، کما المحنا الی ذلك في سابق حلقات هذا البرنامج، وان کانت الاجواء للتحول العرفاني قد بدات عند جلال الدين منذ صباه وشبابه عندما کان في رکاب والده بهاء الدين ولد يوم شاءت الصدف والاقدار ان تجمعه بامثال الفطاحل مثل السنائي والعطارالنيشابوري. وفي صحبة حسام الدين لجلال الدين ولد المثنوي وقد تحدثنا عنه، لکن لم يکن الحديث کاملاً وسيأتي منا عن المثنوي حديث جديد، ومن بعد هذه المقدمة التي اعتدنا في بعض الحلقات علی ذکر مثلها، تعالوا معنا کما عهدتم منا لنغوص في بحر الزمن ونسير عبر الماضي حيث ندخل مجالس جلال الدين وحسام الدين مجالس الادب والعرفان ومدارس تعلم الانسان. نعم الی جانب مجالس المثنوي کانت هناك مجالس يومية تعقد في کل يوم تحرر وتسجل فيها احاديث مولانا، وقد تاتت هذه المجموعة فيما بعد عن کتاب لمولانا عرف بکتاب "فيه ما فيه". وکان حسام الدين الجلبي يشرف علی هذه المجالس وما کان يدون من المثنوي وغيره وحتی غزليات الشاعر الرومي. وکان حسام الدين بالاضافة الی ذلک يسجل اقوال مولانا ويدونها. ويذکرالمؤرخون ان حسام الدين کان يکتب مکاتيب الرومي بخطه ويقوم بإرسالها الی من يريد مولانا ارسالها اليهم. وکانت تلك الفترة، فترة الاستقرار والهدوء الروحي لمولانا، وهذا الهدوء الرومي هو الذي اثمر عن المثنوي وکان بمثابة السلم الذي قاد مولانا الی مراتب عرفانية اسمی، انها والحقيقة تقال فترة عروج المولوي في سماء العرفان. ولابد من القول هنا ان اشعار جلال الدين وخاصة الغزليات کانت نابعة من فکره ووجدانه. فجلال الدين لم يکن کبقية الشعراء ينظم ارضاءا لهذا او ذاك، بل کان ينظم ما يحسه ويشعر به. وفي کتابه الموسوم بـ (من روائع الادب الفارسي) يقول الدکتور بديع محمد جمعة تعليقا علی ما ذکر لذا فانه اي جلال الدين لم يکن حريصاً کل الحرص علی اصول النظم من بحور واوزان وقواف بقدر حرصه علی ان يبث ما في قلبه من حرارة واحساس في کل کلمة يقراوها او يقولها وفي کل غزلية او رباعية ينظمها. الی جانب المثنوي وفيه ما فيه ظهر لجلال الدين ديوان شمس التبريزي، وکان من المفروض ان يعرف هذا الديوان باسم ديوان جلال الدين او ديوان المولوي او ديوان مولانا، ولکنه عرف باسم ديوان شمس التبريزي. ويذکر البعض عدة اسباب لذلك، منها ان جلال الدين انشد ما فيه من غزليات ورباعيات تخليدا لذکری مرشده الروحي شمس ملك داد التبريزي، وخاصة ان هذا الشيخ فجر القدرة علی النظم لديه. واليکم ايها الافاضل هذا النموذج من ديوان شمس تبريزي، النموذج هو بالفارسية ومن بعد ذلك سنقدم ترجمته بالعربية. يقول الرومي: مرد خدا مست بود بی شرابمرد خدا سير بود بی کبابمرد خدا واله وحيران بودمرد خدا نبود خورد وخوابمرد خدا نيست زباد وز خاکمرد خدا نيست زنار وز آبمرد خدا بحر بود بی کرانمرد خدا بارد در بی سحابمرد خدا عالم ازحق بودمرد خدا نيست فقيه از کتابالعارف ثمل بلاشرابالعارف شبع بلا شواء العارف واله وحيرانالعارف ليس به حاجة الی طعام اوسباتالعارف ليس من ريح وترابالعارف ليس من نار وماءالعارف بحر بلا شطانالعارف يمطر درا بلا سحابالعارف عالم بعلم ربانيالعارف ليس فقيها عن طريق الکتابحضرات الافاضل، مرة اخری سناخذکم في رحلة الزمان الی شاعر العرفان طبتم وطابت اوقاتکم والسلام عليکم ورحمة الله وبرکاته. ******* جلال الدين محمد -24 - 24 2008-01-09 00:00:00 2008-01-09 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3633 http://arabic.irib.ir/programs/item/3633 منذ عدة حلقات وحديثنا في هذا البرنامج يدور حول اهم نتاجات الشاعر الايراني جلال الدين المولوي اي ديوان المثنوي وقبل ان نبدا هذه الحلقة، اليكم هذه الابيات الماخوذة من المثنوي. ذلك الذي جعل الورد والشمس ناراًقادر ايضا ان يجعل النار برداً وسلاماًذلك الذي يخرج الورد من قلب الاشواكقادر ايضاً ان يجعل الشتاء ربيعاًذلك الذي يتحرر به كل سروقادر على ان يجعل الالم سروراًذلك الذي به يغدو كل معدوم موجوداًماذا يضيره لو ابقاه دائماًالدراسات حول ديوان المثنوي سواء باللغة الفارسية او الانكليزية او العربية أو لغات أخرى عديدة ومتنوعة ومن هذه الدراسات، والحق نقول انها دراسة شاملة وضخمة كتاب الشمس المنتصرة. وهذا الكتاب هو للبرو فسورة (آن مارى شميل) وهي مستشرقة المانية كانت قد درست العربية والفارسية والتركية وتاريخ الفن الاسلامي في جامعة برلين وحصلت على 3 شهادات دكترا PH.D. وكان للاستاذة شميل اهتمام خاص بجلال الدين الرومي اذ اعدت حوله دراسات عديدة بالالمانية والانكليزية اهمها كتاب الشمس المنتصرة الذي يستريح على مائدة الثقافة العربية بعد ان ترجمه عن الانكليزية الدكتورعيسى علي العاكوب. وفي كتابها (الشمس المنتصره) تقول الباحثة (شميل) ان حسام الدين هو الذي حض الرومي على تدوين فكره وارائه وتعاليمه وباختصار كل حكمته لمنفعة مريديه. وتضيف شميل، واستجاب الرومي لهذه الرغبة من مريده المحبوب وشرع بنظم ما غداً معروفاً بالمثنوي المعنوي وتحمل حسام الدين عبء الكتابه. وعلى امتداد السنين لازم حسام الدين الشيخ المولوي مدوناً كل بيت انساب من شفتيه سواء اكان ذلك في الشارع ام ابان السماع ام في البيت. ونظم المولوي المثنوي على بحر الرمل المسدس السهل والمتدفق والبسيط فاعلاتن فاعلاتن - فاعلن- وقد استخدم هذا الوزن الشعري بعد عهد الشاعر السنائي والشاعر العطار النيشابوري في الشعر التعليمي الصوفي. ان جاذبية حسام الدين التي لم تكن اقل فوة من جاذبية شمس، حركت مرة اخرى بحر طبع مولانا الذي كان هادئاً نسبيا، وآثارته ودفعته الى الاضطراب من جديد، فلم يكن مولانا يهدا ويستقر لا في النهار ولا في الليل، وانشغل بنظم المثنوي، وفي الليالي كان حسام الدين يجلس الى جانب المولوي، فكان المثنوي مولانا ينظم على البديهة وحسام الدين يسجل ثم يقرا مجموع ما سجله بصوت جميل و عال على مولانا. ومثلما تحكي ابيات المثنوي، فانه في بعض الليالي كان نظم المثنوي لا يتوقف حتى الفجر ويستمر النظم والتدوين حتى الصباح وعندما اكتمل الجزء الاول من المثنوي توفيت زوج حسام الدين، وتوقف نظم المولوي لمدة سنتين كاملتين الى ان اجتمع ذهن حسام الدين من جديد وصار طالبا استئناف نظم المثنوي وانهائه يقول مولانا: المثنوي الذي كان صيقل الارواحكانت عودته يوم استفتاحولان الجزء الثاني من المثنوي بدء في سنة 662 للهجرة كانت المدة ما بين اتمام الجزء الاول وبدء الثاني قد بدأت بين سنتي 657و660. ومن سنة 662 الى ان انتهى الجزء السادس، ويبدو الى آخر العمر انشغل مولانا بنظم المثنوي، وكان حسام الدين والاخرون يكتبون وكان ينشد في المجالس. صاحب كتاب نفحات الانس يقول: امتدت صحبة مولانا لحسام الدين 15 عاماً، وكان الاصحاب يحملون من آثار صحبة ذلك الشيخ الكامل وهذا الطالب المشتهي موائد الفوائد. وكانوا يتسابقون بمحبة تامة الى خدمتها وكان مولانا في هذه الخمس عشرة سنة هادي البال نسبياً مرتاحاً من هجمات الناقصين وفتنهم واشرت هذه الراحة بالراحة الابدية واتصال مولانا بعالم القدس. مرة اخرى، سندخل حياة جلال الدين محمد شاعر العرفان من خلال آثاره ونتاجاته التي خلدها الزمان. ******* جلال الدين محمد -23 - 23 2007-12-23 00:00:00 2007-12-23 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3611 http://arabic.irib.ir/programs/item/3611 حضرات الکرام، مرة اخری ناخذکم عبر سفينة التاريخ الادبي لنمخر عباب بحرالزمان سيرا وراء امواج السنين والايام لنصل الی شاطيء تربعت عليه محطات من حياة الشاعر الايراني جلال الدين المولوي الذي فقد شمسا ومن بعده صلاح الدين زرکوب، فکان مونسه في وحدته بعد ان سلك للعرفان طريقاً حسام الدين الجلبي الذي اشارعليه بکتابة المثنوي المعنوي، وهو من المتون الادبية الرائعة في الادب الفارسي في عصور مضت، واذا کانت العصور مضت والايام خلت واذا کان مولانا قد اخترمه الموت کسائر الناس و هو سنة الله في خلقه فان مثنوية ما يزال باقياً حياً کانه ابی إلا البقاء في دينا لا يبدو فيها فناء في الظاهر دنيا الادب والمکتوبات الادبية التي ستبقی مع سائر العلوم والمعارف البشرية حتی يرث الله الارض ومن عليها والعاقبة والأمر کله له وحده جلت قدرته، اجل حضرات الکرام لنا عودة الی مولانا والمثنوي. ايها الاکارم العمل الرئيس لمولانا جلال الدين الرومي ديوان شعري ضخم يضم نحوا من 45 الف بيت مقسمة علی ستة اجزاء يعرف بالمثنوي. وقد جاء اسمه من الوزن العروضي الخاص المستخدم في نظمه. ويتالف من ابيات مفردة مقسمة علی شطرين مقفيين ينطوي کل منهما علی عشرة مقاطع، حکايات و احاديث نبوية و اساطير و موضوعات من التراث الشعبي، و مقتبسات من القرآن الکريم يتلو بعضها بعضاً مؤلفة ملحمة صوفية کما يری البعض نهر مهيب هادئ و عميق يشق طريقه بين مشهد متنوع ثري الی المحيط الذي لا يسبر غوره و من بعد هذا لا بد ان نذکر ان بعض الکتاب يرون ان ابيات المثنوي تقرب في الحقيقة من سته و عشرين الف بيت. اما الشاعر جلال الدين الرومي فيقول في مقدمة المثنوي علی ما رأيناه في الترجمة العربية التي انجزها الدکتور ابراهيم الدسوقي شتا اجتهدت في تطويل المنظوم المثنوي المشتمل علی الغرائب والنوادر وغرر المقالات و درر الدلالات و طريقة الزهاد و حديقة العباد قصيرة المباني، کثيرة المعاني لإستدعاء سيدي و سندي و معتمدي ومکان الروح من جسدي و ذخيرة يومي لغدي الی آخر ما وصف و يريد مولانا بهذا الشخص الذي اطری عليه ايما اطراء حسام الدين الجلبي حسن بن محمد حسن المعروف بابن اخي ترك. کل من يبقی بعيدا عن اصولهلايزال يروم ايام وصالهنائحا صرت علی کل شهودوقرينا للشقي والسعيدظن کل امرئ ان صار رفيقيلکنه لم يبحث من داخلي عن اسراريحضرات الكرام، مرت من هذا البرنامج علی مسامعکم العديد من الحلقات، واتضح لکم ان جلال الدين البلخي الرومي المولوي هو شاعر العرفان و منهم من وصفه بالصوفي. ونود هنا توضيح بعض الحقائق حول العرفان والتصوف حتی تستجلی الصورة امامکم، فالعرفان، ونقول هنا من باب الاختصار ودون و لوج التفاصيل، هو المعرفة و معرفة الله خاصة و هو في المعارف الالهية وحدة علمية وثقافية ذات قسمين هما العرفان النظري والعرفان العملي والعرفان النظري هو البحث في معرفة الله والعالم والانسان. اما العرفان العملي فهو البحث في کيفية العلاقة بين الانسان وربه وخالقه ومجتمعه ونفسه، و واجبه تجاههم. واذا کان هذا هو العرفان فان التصوف هو اتجاه معين يتخذه المتصوف طريقة للتعبد لله تعالی او قل هو استرسال النفس مع الله تعالی علی ما يريد و ينبغي ان نشير هنا الی ان الفکر الاسلامي قد عرف افرادا او جماعات من اهل الزهد والعرفان حازوا تلك المقامات العرفانية با علی صورها دون ان يکونوا من اتباع السلاسل الصوفية، وهکذا يتضح ان العرفان شيء والتصوف شيء آخر ولأننا لا نريد الاسهاب و دالا طالة في هذا المجال اکتفينا بهذا القدر الوجيز من التعريف والمقارنة کي لا نخرج عن اطار البرنامج الذي سنتوقف في محطة اخری منه فکونوا معنا بعد قليل. نعم رأت المکتبة الادبية في العالم في اواسط عقد السبعينات من القرن الماضي کتابا يحمل عنوان جلال الدين الرومي والتصوف اعدته المستشرقة الفرنسية ايفا ديفترای- ميرو فيتش، وهذا الکتاب وضع باللغة الفرنسية في عام 1977 ميلادي ثم ترجم الی الانکليزية في الولايات المتحدة في عام 1987 للميلاد. وشاء القدر ان ياخذ هذا الکتاب طريقه الی المکتبة العربية بعد ان قام بتعربيه عن نسخته الانکليزية الدکتور عيس علي العاکوب. والذي يلفت النظر هنا ما جاء في اهداء المترجم مخاطباً استاذه حيث جاء الاهداء الی استاذي الغالي الدکتور محمد حمويه صاحب الفضل بعد المولی سبحانه في توجيهي نحو التصوف الاسلامي في الجملة والعرفان الفارسي ممثلا في اعلامه کسنائي والعطار و الرومي وسعدي و حافظ. علی اي حال فان المستشرقة الفرنسية ميرو فيتش تری في کتابها ان المولوي کان صوفيا وان طريقته في التصوف تعرف بالطريقة المولوية منسوبة اليه. وعلی حال کذلك فإننا سنتابع الحديث عن حياة و نتاجات هذا الشاعر بتسميته اياه شاعر العرفان دون استقصاء المزيد من وجهات النظر حول کون الرومي صوفيا او عارفا. لان المهم في هذا البرنامج في الدرجة الاولی هو الجانب الادبي في حياة المولوي و نتاجاته الفکرية و قد ألمحنا الی هذا في ماضي حلقات هذا البرنامج. ******* جلال الدين محمد -22 - 22 2007-12-18 00:00:00 2007-12-18 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3610 http://arabic.irib.ir/programs/item/3610 حضرات الکرام، يمر الزمان ويمضي، لکن الافذاذ تبقی ذکراهم خالدة في الاذهان تؤرخ لحياتهم الکتب والمؤلفات التي تبقی هي الاخری خالدة خلود الدهر. وقديما قال احد الشعراء: الخط يبقی زمانا بعد کاتبهوکاتب الخط تحت الارض مدفون وجلال الدين محمد البلخي الرومي المولوي هو احد هؤلاء الافذاذ، هذا الرجل کان واعظا وخطيبا ثم شاء القدر له ان يلقی شمسا فيضحی من بعد ذلك عارفاً وسالکاً. إلا ان شمس سرعان ما اختفی من حياة جلال الدين الذي راح يبحث عنه حتی اعياه البحث وبعد ان يئس الرومي من وجدان ضالته المنشودة اقتنع بأن شمس قد حل في وجوده واسکن في کيانه، فلماذا البحث عنه من بعد ذلك اذن؟ في رحاب العارف الرومي سرنا ونسير وفي محطات عدة توققنا وها نحن ذا نتوقف في واحدة اخری من محطات العارف المولوي وکتابه المثنوي. لم يکن کل مريدي جلال الدين قد أنسوا بقدوم شمس تبريز. لکن جلال الدين نفسه وجد ان اثنين من مريديه وولده سلطان ولد قد استأسوا بشمس وما احدثه من تغيير في حياة استاذهم. المريدان هما صلاح الدين زرکوب وکان شيخا وحسام الدين الجلبي وکان شابا، وفي حياة مولانا انتشلت يد المنون صلاح الدين فبقي المؤنس لجلال الدين، حسام الدين. کان حسام الدين قد طلب من مولانا ان يکتب المثنوي علی طريقة عطار والسنائي واستجاب مولانا لهذا الطلب وقد کان من کتـّاب اشعاره ومحرم اسراره. وقدم مولانا لحسام الدين هذه الابيات التي قد تسميها الکتابات العربية رسالة الناي. استمع الی هذا الناي ياخذ في الشکايةومن الفرقات يمضي في الحکايةمنذ ان کان من الغاب اقتلاعيضج الرجال والنساء في صوت التياعيابتغي صدرا يمزقه الفراقکي ابث شرح آلام الاشتياقوما ان رأی حسام الدين هذه الأبيات حتی هاجت روحه ولم يستقر لنفسه قرار وطلب من مولانا المزيد ووعده مولانا بذلك واتفق الاثنان علی الاجتماع مرات ومرات لإکمال المثنوي، وبذل حسام الدين کل جهده لکي تجمعه بمولانا هذه اللقاءات. ويحدثنا التاريخ ان نظم المثنوي قد استغرق 14 عاماً واستمر حتی نهاية حياة الرومي، وتزامنا مع نظم المجلد الثاني من المثنوي عين مولانا حسام الدين خليفة له وشيخا للمريدين، کان حسام الدين منظما في عمله دقيقا في نظره، ومن هنا وبراحة بال تفرغ مولانا جلال الدين الی العبادة والسير والسلوك في طريق العرفان. يقول الدکتور ابراهيم الدسوقي شتا وکان استاذا ورئيسا لقسم اللغات الشرقية في کلية الاداب بجامعة القاهرة في مقدمته التي تصدرت ترجمته للمثنوي الی العربية اقدم للقاری العربي ولعشاق الادب العرفاني الرفيع نصا من اروع نصوص العرفان ان لم يکن اروعها جميعا، النسخة الکاملة ستة مجلدات لمثنوي جلال الدين الرومي. کلام المرحوم الدسوقي هذا ليست فيه مبالغة في التعريف بالمثنوي علی الاطلاق. لکن للأسف ظهر من الکتـّاب من تأثر بفکرة المستشرق ادوارد براون فسمی المثنوي بقرآن الحجم وهي ليست تسمية خاطئة فحسب بل مبالغ فيها کذلك، واذا کان صاحب کتاب من روائع الادب الفارسي الدکتور بديع محمد جمعة من اولئک الکتـّاب، فان الدکتور فکتور الکك رئيس مرکز اللغة الفارسية وآدابها في الجامعة اللبنانية قد اشار في مقالة له الی هذه المقولة غير الصائبة. والمقالة بعنوان جلال الدين الرومي والثقافة العربية وقد نشرتها مجلة الوحدة التي تصدر في طهران عن مؤسسة الفکر الاسلامي في عددها لشهر رجب من عام 1425 للهجرة. الدکتور فکتور الکك وبعد ان يعدد محاسن المثنوي يکتب قائلا اذا ادرکنا هذا الواقع لن يصدمنا قول القادرين قدره انه (قرآن العجم) ولا غرو فإن القرآن هو محور المثنوي المعنوي الی آخر کلامه. علی اي حال لا شك في ان خير ذکری لأيام اللقاء بين مولانا وحسام الدين هو نظم المثنوي الذي هو واحد من أهم الآثار الادبية لإيران. وهو من دون شبهة اعظم آثار متصوفة الاسلام هذا هو المثنوي انه نص بارع حوی الکثير من الفوائد، إلا أنه ليس عند الفرس او الايرانيين قرآنا کما يحلو للبعض ان يقول مثل ذلك. فکلام النبي الاکرم صلى الله عليه وآله وسلم والائمة الطاهرين عليهم السلام وهو بلا ريب ارفع واسمی من کلام الرومي ودون کلام الخالق والحق فيما نقول. وليت الکتـّاب ولا نقول جمعيهم بل بعضهم يراعون في کتاباتهم جانب الإنصاف نائين عن الغلو فإنه مذموم إياً کان ولا نراه مؤشراً علی سمو النص الادبي او غيره ولنا عودة الی المثنوي والمولوي في حلقة اخری من برنامج جلال الدين محمد شاعر العرفان. ******* جلال الدين محمد -21 - 21 2007-12-16 00:00:00 2007-12-16 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3609 http://arabic.irib.ir/programs/item/3609 في الحلقات الماضية من هذا البرنامج، اخذنا طائر الزمان عبر جناحيه في رحلة حلقت في سماء التاريخ وسبرت اعماق الماضي حيث القرون الخوالي وسالف العصور وقديم الدهور يوم کانت قونية في بلاد الروم مسکن الشاعر جلال الدين المولوي الذي هجر الوعظ والخطابة بعد ان اشرقت علی وجوده شمس تبريز، الشمس التي سرعان ما غابت وراء الافق فأحالت کيان مولانا الی ظلام استأنس فيه بمصباحين صلاح الدين زرکوب وحسام الدين الجلبي وشاء القدر کذلك ان يخفت ضوء صلاح الدين حيث لم يبق من انيس لمولانا في غيبة الشمس إلاحسام الدين الجلبي. لقد کانت محبة مولانا لحسام الدين محبة فائقة، ما کان لهذا العارف الشاعر ان يطيب له مجلس من دون حسام الدين. واتباع مولانا کذلك صاروا من يوم لآخر عشاق لحسام الدين الجلبي. في تلك الايام کان جلال الدين قد ذرف علی الخمسين، نشاط الشباب تضامر شيئا فشيئا ليفسح المجال الی خلوة السکون والطمأنينة. اصوات اقدام المشيب کانت تقترب الی جلال الدين الذي اتخذ من حسام الدين کاتبا لأشعاره ومستودعا لأسراره. وکان حسام الدين الجلبي قد طلب من مولانا ان ينظم المثنوي علی طريقة الشاعرين فريد الدين عطار النيشابوري صاحب منطق الطير والسنائي، واستجاب مولانا لطلب حسام الدين وألف المثنوي. وبودنا قبل ان ندير رحي الکلام حول هذا النتاج الادبي والعرفاني لجلال الدين محمد المولوي ان نقدم تعريفاً عاماً للمثنوي وبعض الملاحظات حول هذا الاسلوب الشعري وسنتابع الحديث واياکم بعد قليل. يطلق المثنوي في الاصطلاح الادبي علی الاشعار التي يکون لمصراعي کل بيت فيها قافية واحدة ومجموعها متحد في الوزن مختلف في الروي. وهذا الضرب من الشعر استخدم منذ اقدم العهود في اللغة الفارسية، ومنذ ان راج الشعر الفارسي وانتشر انطلقت حناجر الشعراء بالمثنوي مثل کليلة ودمنة للشاعر رودکي- علما ان الاصل هو لعبد الله بن المقفع وآفرين نامه لأبي شکور البلخي اما اليوم فانه کلما ذکر المثنوي تذکر الناس لزاما مثنوي مولانا جلال الدين الرومي البلخي. نعم کان باعث ظهور هذا النغم السماوي واللحن الإلهي کما يسميه بعض الکتاب وفي تسميتهم مبالغة واضحة حسام الدين الجلبي الذي طلب من مولانا ان ينظم علی وزن حديقة الحقيقة لسنائي او منطق الطير للعطار فالمثنوي من کلام المخلوقين وليس فيه ما يوحي الی انه إلهي يقول بديع الزمان فروزانفران حسام الدين طلب من مولانا کتاباً جامعاً لأصول الطريقة وحاويا لأسرار العرفان، واستجابة لرغبته جد مولانا في نظم المثنوي الذي کان قد کتب الأبيات الثمانية عشرة الأولی منه. وفي مقدمة المثنوي قال المولوييا حياة القلب يا حسام الدينيضم المثنوي لمولانا جلال الدين المولوي اکثر من ستة وعشرين الف بيت شعر، وقد جعله جلال الدين في ستة کتب کما يستفاد من بيت الشعر الذي قرآناه آنفا، وجعل مقدمته باللغة العربية. ويعتبره المهتمون بالتصوف الاسلامي من اعظم الکتب التي ألفت في التصوف الاسلامي عامه والتصوف الفارسي خاصة. والذي يؤسف له ان بعض الکتاب العرب المعاصرين ممن تناولوا حياة الشاعر مولوي قد نقلوا بالنص ومن دون ابداء وجهة نظر تحليلية کلام المستشرق البريطاني ادوارد جرانفيل براون صاحب کتاب تاريخ الأدب في ايران حول المثنوي لمولانا. ففي کتابه من روائع الادب الفارسي في طبعته الثانية عام 1983 نشر دارالنهضة العربية في لبنان وفي الصفحة 308 کتب الدکتور بديع محمد جمعة يقول .... حتی ان الفرس قد تعارفوا علی تسميته اي المثنوي باسم القرآن البهلوي اي القرآن الفارسي. ويبدو ان الکاتب بديع جمعة قد استل هذه العبارة من الترجمة العربية للمثنوي التي قام بها براون ووضعها في کتابه دونما تعليق عليها حينما قال ولنترك الحديث عن المثنوي الان الی فرصة اخری. اما نحن فنقول ليس الامر کما يدعي المستشرق براون فالمثنوي عند الايرانيين هو کتاب ادبي وعرفاني ولا يمکن ان يرقی الی مرتبة الکلام الإلهي، وان کنا قد اشرنا الی ان بعض الکتاب قد سموه نغما سماويا ولحنا إلهيا والحق في ان هذه العبارة مبالغ فيها، ونحن وان نقلناها علقنا عليها واوضحنا ما يلزم لها وفي اطار نشاط المجلس الاعلی للثقافة في مصر، وفي ضوء المشروع القومي للترجمة اقدم الباحث المصري الدکتور ابراهيم الدسوقي شتا علی ترجمة المثنوي لمولانا جلال الدين الرومي الی اللغة العربية وجاءت هذه الترجمة في ستة مجلدات کما هو عليه الاصل الفارسي مقرونة بشرح من المترجم الدسوقي شتا مع مقدمة تصدرت کل کتاب من الکتب الستة لا تخلو من فائدة للقاریء العربي والمهتمين بالادب الفارسي من الناطقين بلغة الضاد. ولنا وقفة اخری مع المثنوي في رحاب جلال الدين محمد شاعر العرفان. ******* جلال الدين محمد -20 - 20 2007-12-14 00:00:00 2007-12-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3608 http://arabic.irib.ir/programs/item/3608 ها نحن معکم في حلقة جديدة من هذا البرنامج الذي أعد بمناسبة عام المولوي، نأخذ کم في رحلة عبر الزمن الغابر الی أيام حياة الشاعر جلال الدين محمد، هذه الحياة التي تغيرت مسيرتها وشاء القدر لها ذلك بعد لقاء العارف الرومي بشمس التبريزي، فلنری ما حدث من أحداث بعد قليل. ايها الاکارم، في المرة الثانية وبعد غيبته الفجائية، اخذ مولانا يبحث بنفسه عن شمس، لم يرسل احدا في اثره هذه المرة بل يمم وجهه صوب بلاد الشام وفي دمشق راح يبحث عن الشمس الغائبة او بعبارة اخری التي غابت هذه المرة وراء أفق الدهر دونما طلوع من جديد. لقد ادرك مولانا هذه المرة ان شمسا هو في وجوده وإنه من العبتْ البحث عنه في العالم الخارجي ان عشق مولانا لشمس قد ابد له من فقيه الی شاعر وعارف، ومن هنا کان من الصعب علی مولانا ان يعود الی حياته السابقة بما کانت تتضمنه من وعظ وتدريس. لقد اوکل مولانا مهمة التدريس الی ولده علاء الدين محمد، وراح يقضي اکثرا وقاته مع ولده سلطان ولد، وکان هذا الولد علی سر ابيه في عشقه لشمس وتعلقه به، وشارك في هذا العشق الذي يمکن ان نسميه عشق العرفان کل من صلاح الدين زرکوب وحسام الدين الجلبي والاثنان من مريدي جلال الدين. فکان ان حلق هؤلاء الاربعة في سماء العرفان. في تلك الأيام لم يکن صلاح الدين، بالنسبة لمولانا ذلك العارف العامي، ذلك ان جلال الدين قد وجد شمسا في الشيخ المسن صلاح الدين. وطلب مولانا من ولده وتلامذته ان يقبلوا صلاح الدين شيخا لهم ويتبعوه، وعلی مدی عشرة اعوام کان صلاح الدين مرشدا لأتباع مولانا وصار مع مولانا کروح واحدة في جسدين. لکن من هو صلاح الدين؟ يذکر صاحب کتاب مناقب الافلاکي: کان صلاح الدين فريدون من اهل قونية، وکان في بدء الامر مريدا لبرهان الدين محقق، وبدأت محبة مولانا وارتباطه به من خلال کونه مريدا ومحبا لبرهان الدين، کان صلاح الدين من مريدي مولانا ولم يکن مولانا ايضا يمتنع عن الاهتمام به، لکن مولانا في اوائل حاله ابتلي بحبيب اقوی قبضة من الشيخ صلاح الدين ولهذا السبب لم ينشغل به، وعندما يئس مولانا من لقاء شمس انهمك انهماکا تاما بصلاح الدين. وبعد عشرة اعوام من المصاحبة بين مولانا وصلاح الدين زرکوب، مرض صلاح الدين علی حين غرة وطال مرضه کثيرا حتی انهد جسده. المؤرخون يذکرون ان مولانا ولمدة ثلاثة ايام لم يذهب لعيادة صلاح الدين وأرسل اليه هذه الرسالة. ملك القلب وملك اهل القلوب، قطب الکونين صلاح الدين مد الله ظله... عافاه الله مرات عديدة، ففي معافاته معافاة المؤمنين أجمع. يا من انت روح السماء والأرضلا اوصل الله الی روحك إلا الرحمة والراحةاسألك يا إلهي ان يکون المرضبرداً وسلاماً ونعيماً ورضاابعد الله عنك مرض الحسد يا من انت الراحة لأرواحناابعد الله عنك عين الحسديا من انت عيننا المبصرةجعل الله مرضك في أرواحنا لا في جسدكلکي يکون مرضك کالعقل مزيينا لأرواحاوفي شهر محرم من عام 657 هجري توفي صلاح الدين زرکوب وأقيم له تشييع مهيب وحمل جنازة الشيخ الاصحاب وکان مولانا يصيح ويهتاج وتقدم نحو تربة بهاء ولد حيث دفن جثمان صلاح الدين بقدر کبير من الاجلال في جوار سلطان العلماء بهاء ولد وفي رثائه نظم مولانا هذا الغزل يا من بکت من هجرانك الارض والسماءوانغمرالقلب بالدم وبکی العقل والروحومرت خمس سنوات علی وفاة الشيخ صلاح الدين زرکوب ولم يختر فيها مولانا احدا ليحل محل صلاح الدين مرشدا للمريدين وتعهد مولانا مهمة ارشاد وتربية الطلاب، بيد ان اهتمامه الخاص بحسام الدين المعروف بالجلبي أثبت ان مولانا سيختاره ان عاجلا او آجلا مرشدا، ولنا واياکم عودة الی اجواء حياة مولانا جلال الدين الرومي مؤسس الطريقة المولوية واحد کبار الصوفية علی مدی تاريخها الطويل وشاعر العرفان. ******* جلال الدين محمد -19 - 19 2007-12-09 00:00:00 2007-12-09 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3607 http://arabic.irib.ir/programs/item/3607 ونحن نتابع قصة حياة الشاعروالعارف جلال الدين المولوي، ذکرنا بان الاقدار قادت شمسا مرة اخری الی قونية، الأمر الذي سرّ له مولانا کثيراً، وکان ان تزوج شمس بفتاة اسمها کيميا خاتون کانت ابنة تبناها مولانا وکان کذلك ان ألمّ المرض بهذه الزوجة وفارقت من بعده الحياة وبعد اسبوع من موت کيميا خاتون، ومن دون ان يخبر مولانا ترك شمس قونيه ليلا ولم يره احد من بعد ذلك. وفي صباح الليلة التي غادر فيها شمس قونية وجريا علی عادته في کل صباح توجه مولانا للقاء شمس، فلم يرّ له في غرفته من اثر لقد اختفی شمس ولم يبقی منه إلا بعض اثاثه، مرة اخری شعر مولانا ان ضربة توجه له وقد ران عليه الاضطراب والقلق ونادی ولده سلطان ولد وقال له انهض وابحث عن شيخك . في زاوية من زوايا البيت جلس مولانا وقد لفّه الحزن وقال اسفا علی شمس لقد حرمت نفوسنا مرة اخری من عبير لطفه. ولأن مولانا کان يعرف طبيعة العارف شمس الذي لا يعرف الاستقرار، قال لا أراني هذه المرة ظافرا به، وليس من السهل ان اعيده الی هنا مرة اخری ما کان احد ليعرف اين ذهب شمس. الحيرة استولت علی کيان سلطان ولد الذي راقبت نفسه لشمس کابيه، انه اعتبر هذه الغيبة الفجائية هجرة وعزيمة لا عودة فيها. وشعرمولانا ان غيبة شمس سلبت منه نصف وجوده، ومنذ ذلك البحث بدا البحث عن شمس کان هذا البحث في البداية مقرونا بالانتظار لکن مرور الايام جعلت البحث يقترن بالياس، لا من احد کان يعرف اين يمکن ان يجد شمسا، فراق شمس اثر علی مولانا کثيرا في بيته وفي خلواته کان مولانا يری ظل شمس يتحرك امام ناظريه. وفي هذه المرة لم يخلد مولانا الی الخلوة ولم يستسلم للسکوت والوحدة حزنا علی شمس بل راح صوب الشعر يذکر به شمسا ويسلي به نفسه المعذبة. يا ظريف العالم، سلام عليکان دايي وصحتي بيديک واذا لم اصل اليک بيديفانما الروح والفواد لديکيا شمس الدين هنيئا لک السرور بالجيبفان ذلک قد ظهر في عينيکفي البيت کان کل شيء يذکرّ مولانا بشمس و في خارجه فکر شمس لم يفارق مولانا للحظة واذا ما ورد ذکر شمس عظت وجه مولانا سحابة من الحزن، ولعل هذه الحالة الروحية تبدو واضحة في غزليات مولانا. حيت کان مولانا يتألم من فراق شمس ويبغي وصاله واني له الوصال. وبقي مولانا في انتظار شمس الايام والاسابيع والاشهر، کان يتتبع اثره من کل قادم وکان يعطي البشارة لمن يأتيه بخبرعنه صادقا کان الخبرام کاذبا. وتحدثنا اخبار التاريخ ان مولانا وقد کان عارفا بطبع شمس الاخلاقي ايقن انه لا عودة له بعد هذه المرة الی قونية. من هنا قرر الشاعر الرومي ان يسافر الی الشام. من ابواب دمشق واسوارها شم مولانا رائحة عرفان شمس لکن لم يعثر له هناک علی اثر واتعب السفر جلال الدين واتعب غياب شمس روحه فعاد الی قونية. هنا اطبق الياس بالکامل عليه لا رؤية لشمس بعد اليوم، واخيرا کان ان استسلم مولانا للامر الواقع. کان عليه ان يقبل ان شمسا انما صار في وجوده وخالط کيانه. لقد ايقن مولانا ان ضالته أي شمس هي في وجوده تعيش معه اينما حل ورحل وانه لا طائل من البحث عنه هنا وهناك، ومن يدرينا لعل مولانا قد هدات نفسه يوم اسلمها الی هذه الحقيقة. ******* جلال الدين محمد -18 - 18 2007-12-05 00:00:00 2007-12-05 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3606 http://arabic.irib.ir/programs/item/3606 ها نحن معکم في حلقة اخری من هذا البرنامج، حيث سنتابع وقائع اخری من قصة حياة الشاعر والعارف الايراني الشهير جلال الدين المولوي منذ ذلك اليوم الذي غاب فيه شمس عن قونية، اکثر مولانا من الصمت ولم يکلم مريديه وقطع علاقته بما حوله. ولم تکن الأوضاع في البيت والأسرة باحسن من هذا، لکن زوجة مولانا شعرت بالسرور لذهاب شمس وکانت تتصور ان حياة مولانا ستعود الی حالتها الطبيعية والأبن الأصغر لمولانا وهو علاء الدين سر هو الآخر لذهاب شمس، اما سلطان ولد الابن الأکبر فکان يشاطر والده الحزن علی غيبة شمس وکان يسليه علی فراقه. وکان اثنان من مريدي مولانا هما صلاح الدين الشيخ وحسام الدين الشاب قد تألما لذهاب شمس، ومن هنا کان مولانا يری في لقائمها اياه تسکينا لالآمه وتهدئة لأحزانه وأشجانه. وفي تلك الايام، کان طلاب العلم يتجمعون بالقرب من باب بيت المولوي، لکن انی لهم ان يظفروا بدروسه کما کان الأمر عليه من قبل ولما رأی الطلاب حزن استاذهم علی شمس شارکوه فيه واعلنوا عن استعدادهم لشد الرحال علهم يظفرون بخيوط توصلهم الی تلك الشمس التي أفلت فجأة في سماء مولانا فأحالتها الی ظلام. أجل لقد کان شمس کالطير الذي افلت من يد مولانا وأطلق لنفسه العنان، بيد ان هذا الطائر کانت له أوبة، والی قونية له عودة حيث تسلم مولانا رسالة قصيرة من شمس جاء فيها: (ليعلم مولانا ان هذا الضعيف منهمک في الدعاء بالخير له، وانه لا يختلط باي من المخلوقات). مسافر کان قد قدم من دمشق هو الذي حمل مکتوب العاشق الی العاشق، رسالة الشمس الی سماء العرفان، ولو يتأمل المتأمل في نص الرسالة رغم اقتضائه فإنه يظفر فيها بحقيقة مفادها ان شمس قد منع مولانا من الکلام مع مريديه. استهوت شمس حياة مولانا واستهوت دمشق مولانا، لکن ضعف البدن وتعاقب المحن حال دون ان ييمّم مولانا وجهه صوب الشام، ففيها قد يکون لقاء الحبيب مع الحبيب. وذات يوم استدعی مولانا ولده سلطان ولد و سلمه مبلغا من المال وأمره أن يذهب ويعود الی قونية مصطحبا شمسا بکل أدب وتواضع الی قونيه وديار ابيه. مع عشرين من مريدي أبيه غادر سلطان ولد الی بلاد الشام، وبعد سفر طويل ملی بالمشقات حط الرکب في دمشق، وفيها دلته بعض الدلائل علی شمس، واعتذر له عما حصل وسلمه من أبيه رسالة تدعوه الی قونية رسالة ملئها الشوق من لدن العارف الرومي الی شمس التبريزي، ولبی شمس الدعوة واصطحبه سلطان ولد والمريدون، وبعد شهر وصل الی قونية، حيث کان مولانا فيها ينتظره بفارغ الصبر. واستقبلت قونية شمسا إستفبالا حافلا حيث راح في استقباله علی بوابات المدينة جمع من المتصوفة مع تلاميذ مولانا. وأوفد سلطان ولد الی أبيه من أخبره بعودة شمس، وأظهر العارف والشاعر جلال الدين فرحته لعودة شمس في عدة قصائد غزلية نظمها والشوق کان قد غمره. وفي بيت مولانا، إحتضن العارف السالك لقد شعر جلال الدين ان روحه لا تنفصل عن روح شمس، وعاد مولانا الی مريديه الذين اقاموا الولائم احتفاءا بشمس. وشيئا فشيئا وجد مولانا ان کيانه في کيان شمس ووجوده في وجوده. في ذلك الوقت ابدی شمس رغبة في کيميا خاتون وهي فتاة کان قد تبناها مولانا، لکثرة اسفاره کان شمس قد قضی عمره اعزبا ولم يفکر في الزواج، بيد انه هذه المرة قرر الزواج من کيميا خاتون، وطلب يدها من مولانا فوافق هو وزوجته علی ذلك، وکيميا خاتون وافقت هي الأخری. هذا الخبر ازعج علاء الدين الابن الأصغر لمولانا مع جمع من مريديه، اما مولانا فقد افرد عددا من حجر مدرسه وبالغرب من بيته ليتکون مسکن العروسين، کان شمس في علاقته الزوجية مع کيميا خاتون صبورا هادئا نائيا عن العنف، إلا أن هذا الزواج لم يدم طويلا. فبعد ثلاثة ايام من المرض جاء الموت لينتقل بکيميا خاتون الی الدار الأخری. وران الاسی علی قلب شمس وأبت نفسه ان يستمر في الاقامة في بيت کانت تغدو وتروح فيه زوجته کيميا خاتون. و بعد اسبوع من موت کيميا خاتون ومن دون ان يخبر مولانا، خرج شمس من قونية ليلا، ومن بعد ذلک لم يظفر احد علی اثر له لقد استمر شروق شمس علی قونيه و غروبه من افقها ما يقرب من عامين، غير ان ذکراه بقيت حية خالدة في نفس مولانا ونتاجاته الادبية، ولنا عودة معکم الی رحاب جلال الدين محمد، شاعر العرفان. ******* جلال الدين محمد -17 - 17 2007-12-01 00:00:00 2007-12-01 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3605 http://arabic.irib.ir/programs/item/3605 محطة مهمة في حیاة الشاعر المولوي جلال الدین الرومي البلخي هي لقائه العارف شمس الدین مالك داد التبریزي الذي تعرفه الکتابات الادبیة بشمس او شمس تبریز. هذا العارف دخل في حیاة الشاعر المولوي لفترة لم تدم طويلا، وکان من بعد مدة ان حصل الفراق بين مولانا وشمس، انه فراق الجسد عن الجسد، لکن لا نخال انه فراق الروح مع الروح، فحتی بعد ان قتل شمس بقي مولانا متاثرا بهذه الشخصية التي اعتبرتها بعض الکتابات في قوة تاثيرها کشخصية سقراط في بلاد الاغريق وما کان له من قوة تاثيرعلی تلاميذه ومريديه ولنا متابعة لهذا الحديث. كعادته وما عرف عنه بشمس الطائر غادر شمس مدينة قونية في بلاد الروم الی مکان غير معلوم، وما ان وصل خبر سفر شمس الی تلاميذ المولوي حتی شعروا بالاغتباط ذلك انهم راوا ان کابوسا قد ازيح عنهم، کابوس کان يعذبهم لمدة 14 شهرا وحال بينهم وبين مرشدهم ومحبوب قلوبهم. وحيث قد غادر شمس مدينتهم وترك شيخهم فان الأمل هو في العودة الی الماضي، العودة الی دروس الوعظ والتفسير والقرآن. لکن خلافا لما کان يتصوره تلاميذ الرومي وقع خبرغيبة شمس علی مولانا وقع الصاعقة علی الجسم، حيث کانت مغادرة شمس لقونية کارثة عظيمة ألمت بجلال الدين. لقد شعر مولانا انه اضاع الشمس في رابعة النهار، وکأنه وفي لحظة فقد الأمل في حياته والهدوء الذي کان ينساب الی قلبه. لم يکن مولانا ليحتمل فراق شمس، ذلك ان شمسا کان کل شيء بالنسبة له، کان عشقة وحياته وکل آماله. واول رد فعل ابداه مولانا ازاء هذا الحدث کان السکوت، أجل لقد لزم مولانا السکوت. إلا إنه سکوت مفعم بالمرارة والإنزعاج، علی ان فجائية الحدث ومغادره شمس لمرح حياة مولانا من دون سابق إطلاع قد هزت حياته واثرت علی سلوکه. ما کان جلال الدين من بعد ذلك الحدث ليکلم احدا، انه کان يعلم ان اصحابه قد ضاقوا ذرعا بشمس فکان ان ترك قونية لهم وغادرها. اما جلال الدين فقد کان متألما بشدة، واذا لم يطلق بلسانه ما کان يخالج قلبه فان مکنونه کان ينبئ عن استياء من اصحابه وتلامذته ومريديه. في کتابه من بلخ الی قونية الذي يتناول سيرة حياة جلال الدين الرومي والذي نقله الی العربية الدکتور عيسی علي العاکوب کتب بديع الزمان فروز انفر يقول: استاد شمس الدین من الاقوال والافعال التي کانت تصدر من اهل قونیة المتعصبین واصحاب مولانا الذین کانوا یسمونه ساحرا وتلا شمس قوله تعالی «قال هذا فراق بیني وبینك». ولم توتر في شمس غزلیات مولانا الحارة الملیئة بالاشواق ولا اصراره وعشقة له وهکذا اخذ الرجل طریقه ومضی... وقد جد مولانا في طلب شمس، وظل یبحث عنه قریبا من شهر، لکن لم یظهر له اثر وجاءه من بعد ذلك خبر یقول ان مطلع شمس هو دمشق الشام، وهکذا ارسل مولانا الرسالة اثر الرسالة، وبعث الرسول تلو الرسول، هذا وذکرت الکتب الأدبیة اربع رسائل بعثها مولانا الی شمس وهي في الحقیقة اربعة غزلیات کانت الأولى هي: ایها النور في الفؤاد تعالغایة الوجد والمراد تعالانت تدري حیاتنا بیدیكلا تضیق علی العباد تعالیا سلیمان، دار هدهد لكفتفضل بالافتقاد تعالاستر العیب وابذل المعروفهکذا عادة الجواد تعالیا من باطني یقول لك تعالیویا من، من وجودک جاء الوجود تعالانت کالشمس اذ دنت ونأتیا قریبا علی العباد تعالهذا ولنا معکم لقاء آخر وسیرة حیاة جلال الدین محمد شاعرالعرفان. ******* جلال الدين محمد -16 - 16 2007-11-28 00:00:00 2007-11-28 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3604 http://arabic.irib.ir/programs/item/3604 في متابعتنا لاحداث قصة حياة الشاعر الايراني جلال الدين المولوي، ذكرنا ان مولانا قد تعرف على شمس وكان من عرفاء تبريز، وادت هذه المعرفة الى ان يهجر مولانا دروسه وجلسات وعظه، فلقاء العارف الرومي بشمس التبريزي كان ولادة جديدة لشاعر العرفان، جلال الدين محمد. وفي تلك المدة ايقن مولانا ان وجوده هو في وجود شمس، وكان يحبه اكثر من اي شخص آخر، لقد تخلى جلال الدين من اجل شمس عن كل شيء حتى عن شهرته، لا بل انه نسى هيبته ووقاره اللذين كان يزينانه بين اهله في بيته وبين طلابه ومريديه في مدرسته ومجلس وعظه. كان الرومي على استعداد لان يتخلى عن كل شيء من اجل شمس ويتبعه اينما حلّ ورحل ولسنا نبالغ انما هي حقيقة التاريخ اذا ما قلنا ان كل كلام غير كلام شمس كان يفتقد الجاذبية واللطف بالنسبة لمولانا. وعلى مدى ذلك الاختلاء العرفاني والكلام الروحاني بعيدا عن أعين النظار نمق شمس دنيا مولانا واستقطبه الى دنياه التي كانت دنيا التلهف والوله. وما كان احد ليعرف شيئا عن ماضي هذا الغريب العابر، قد يكون ماضيه قد تبلور في روح لاتعرف للاستقرار من معنى، ما كان لشيء ان يدخل السرور في قلب شمس على مدى سنوات عمره. ولم يعلق خاطره بأحد، كان قد مضى من عمره 60 عاما. اما هو فكان يرى ان عمره قد انقضى ولم يستقر له في يوم منه قرار. وانطلق شمس من تبريز ووصل به المقام في قونية، وخلال ترحاله مرّ على مدن عديدة وتوقف في بعض منها، لقد رأى شمس الكثير من مشايخ عصره، لكن لم يهدأ باله وكان قد هدأ حقا عندما حلّ في قونية وعندما التقى بجلال الدين محمد الواعظ والمفتي الخراساني الاصل والمهاجر الى بلاد الروم. لقد ادرك جلال الدين حال شمس وعرف آلامه وكان يتفهم مشاعره، في تلك المدة كان مولانا يرى نفسه تلميذا حديث التعلم في مدرسة شمس واصبح مولانا رهن اشارة شمس لاينجز عملا الا بمشورته، ترى ما كان يريد شمس؟ وهل في مكنون قلبه كان شخص مولانا؟ الظاهر ان شمسا كان يريد ان يخرج مولانا من دنيا ضيقة دنيا الغرور الذي يستولي على ذات الانسان وينشأ عن الشهرة والزهو بالمقام. وكان شمس يحول دون ان يحضر مولانا دروسه ومجالس وعظه كما كان قد ألف واعتاد لا بل ان مولانا قد باين مطالعته وتأملاته في آثار الماضين، ذلك ان شمسا كان يرى ان كل هذه الامور تحول دون ولوج القلب عالم الروح. وطلب شمس من مولانا ان يكون سماعا. ذلك ان شمسا كان يعتقد ان الموسيقى تربط الانسان بعالم القلب وعالم الروح والعالم المفعم بالذوق والعشق الروحي. اختلاء روحاني بين شمس ومولانا لم يظفر بالعبور منه احد الا صلاح الدين وكان شيخا وحسام الدين وكان شابا، والاثنان هما من مريدي مولانا، وبين صوتي الناي والربابة كان مولانا يغرق في بحر العرفان. ولو اردنا الاسهاب في الحالة التي كان عليها مولانا وهو في معية شمس، لقلنا ان حديث شمس لمولانا ما كان ليضمه الكلام من عبارات وكلمات، كان شمس يحدث مولانا بلغة الاشارة يقول اشياء يعجز عن قولها اللسان. وثمة لغة اخرى استخدمها شمس انها لغة النظرات التي خالطتها لغة السماع لاسيما عندما كان يعجز الحوار عن بيان مكنون القلب واللسان، ومرت اوقات واوقات ومولانا غارق في بحر العارف التبريزي، كل شيء كان بالنسبة له في شمس في نظراته وفي روحانياته كان كل شيء في الوجود يتجلى عندم مولانا في شمس. وانقضت اشهر ثلاثة خرج بعدها مولانا من اختلائه الروحي مع شمس، لكنه كان نسخة اخرى من جلال الدين غير جلال الدين الذي خرج ذات يوم من مدرسة باعة القطن وحظي بما حظي في موعد اللقاء مع الغريب الذي كلفه البحث عن المولوي السفر الطويل وكثير العناء. وعاد مولانا الى طلابه الذين اشتاقوا اليه كثيرا، لكن لم تكن هناك مجالس درس ووعظ كان جلال الدين يجلس في مجالس شمس يستمع يها بك دقة الى حديث محبوبه شيخ القوم هذه المرة هو شمس لا جلال الدين شمس كان يتكلم بوقاحة ما كان ليحتملها مريدو جلال الدين. الا ان سكوت الرومي اسكت تلاميذه كذلك، واكثر طلاب جلال الدين كانوا مغتاضين من شمس وان اظهروا له التكريم في حضرة استاذهم. لقد هدد التلاميذ شمسا بالقتل وفي الحادث والعشرين من شوال من عام 644 او 643 حسب بعض الروايات غاب شمس عن الانظار حيث ترك قونية من دون ان يخبر مولانا عن عزمه على مغادرة هذه المدينة، وكان ان لقي حتفه من بعد ذلك على يد بعض تلاميذ الرومي كما كنا قد ألمحنا الى ذلك في هذا البرنامج، وفي الاسبوع القادم سنتابع الحديث عن جلال الدين محمد، شاعر العرفان. ******* جلال الدين محمد -15 - 15 2007-11-25 00:00:00 2007-11-25 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3603 http://arabic.irib.ir/programs/item/3603 في حياة الكثير من بني الانسان تكون هناك نقاط انعطاف وتغير، وهذه الحالة الاجتماعية انما مردها ان الانسان في اي زمان او مكان كان، يكون في حياته عرضة لمرتقيات ومنحنيات على منحى الحياة. واذا كانت هذه قاعدة اجتماعية فان حياة الشاعر والعارف جلال الدين الرومي او المولوي لم تشذ عنها، ففي فترة من فترات حياته شاءت الصدفة ان يتعرف الشاعر مولوي على شخص عارف هو شمس التبريزي، لم يكن التعارف ما بين الاثنين شيئا عابراً بل ترك عميق الاثر في حياة جلال الدين، وكانت خلوته بشمس هذا الشخص الغريب الذي حلّ في مدينة قونية نقطة البداية لحياة جديدة او لنقل مرحلة جديدة من الحياة بالنسبة له. اختلاء جلال الدين بشمس لم يكن اختلاء الزاهد بالزاهد ولا اختلاء رجل علم وفكر بآخر مثله، انما كان اختلاءا روحانيا جعل مولانا طليقا في سماء العرفان لا يحول دونه مانع في طريق العروج والسلوك العرفاني في سبيل الوصول الى الله. ويذكر المؤرخون ان المولوي قد ترك بيته ومدرسته لكي لايعكر احد على الرجلين العارفين صفو اللقاء بما فيه من نقاء، لكن يا ترى اين كان موعد اللقاء؟ انه كان في بيت صلاح الدين زركوب الذي كان من تلاميذ الرومي والذي انجذب كاستاذه الى شمس تبريز منذ اللحظة الاولى من رؤيته. لم يكن من كتاب او قرطاس في بيت صلاح الدين، مولانا كان من عادته المطالعة، لكنه نسيها ونسي ادواتها عندما راح يتجاذب اطراف الحديث العرفاني مع شمس، واستمر اختلاء مولانا بشمس ثلاثة اشهر او اكثر، وعلى مدى هذه المدة كانت اسرة المولوي تلتقي به نادراً. وثمة سؤال يتبادر الى ذهن البعض هنا وهو ماذا كان موقف ولدي مولانا من شمس؟ يبدو ان الاخوين سلطان وفد وعلاء الدين لم يكن لهما موقف واحد ازاء شمس تبريز، سلطان ولد الابن الاكبر لمولانا سار على نهج ابيه فاظهر المحبة لشمس وذكره مثنيا عليه في كتابه (ولد نامه) او رسالة الولد. اما الابن الثاني لمولانا اي علاء الدين فقد اساء الظن بشمس اما مريدو مولوي الذين كانوا ينظرون الى شمس على انه رجل غريب فلم يكونوا مرتاحين من تواجده الى جانب استاذهم، ذلك انهم كانوا يرون فقيهاً وواعظاً شهيرا مثل جلال الدين يقف امام هذا الغريب، مثل طفل صغير اما استاذه في الكتاتيب. لقد وجد مولانا جلال الدين وجوده في وجود شمس، ومن يوم لآخر كان يزداد انجذابا اليه، المولوي كان يحب شمسا اكثر من غيره، عرفان شمس الذين كان يتجاوز حدود الكتاب والقرطاس صار يفيض ويفيض على جلال الدين معارف جديدة راحب تنهمر على جلال الدين، كان جلال الدين يود ان يفدي كل شيء دروسه ومواعظه ومكانته ومنزلته من اجل شمس وبكلمة يمكن القول ان شمسا كان نافذة تفتح الى عالم الغيب امام عيني مولانا جلال الدين، وظل حال الرومي والتبريزي على ما كان عليه الى ان حل عام 644 للهجرة، ففي ذلك العام وقعت حادثة كانت مهمة جداً بالنسبة لمولانا حيث قتل شمس، ويقال ان القتلة كانوا من تلاميذ جلال الدين المولوي، وانهم اقدموا على ذلك حتى يخلصوا استاذهم من قوة تأثير هذا الشيخ وسحره كما تذكر بعض الكتابات. ومع هذا فلم يرجع جلال الدين الى سابق عمله في الوعظ والارشاد وظل الى آخر حياته حبيساً لذلك التأثير الذي احدثه شمس تبريز فيه على الرغم من ان المدة التي التقيا فيها لم تزد على الخمسة عشر شهراً. ويرى بعض من كتب عن حياة المولوي ان هذا التحول هو الذي اوجد الشاعر الكبير والمفكر والعارف جلال الدين الرومي، وهو الذي خلد اسمه بين اعلام الادب وارباب الفكر في العالم اجمع، وشجعه على كتابة وتأليف ما خلف لنا من كتب واشعار وجعله يواصل السير في الطريق العرفاني حتى آخر لحظة من حياته. وفي كتاب بعنوان جلال الدين الرومي والتصوف واصله بالانجليزية لـ (ايفا دي فتراي) نقرأ ان مولانا وبعدما عرف ان صديقه شمسا قد مات ظل متأثرا زمنا طويلا، وقد كتب على باب حجرة شمس: كنت ثلجاً وتحت اشعة شمسك ذبت شربتني الارضضباب الروح اتسلق الطريق الى الشمس******* جلال الدين محمد -14 - 14 2007-11-20 00:00:00 2007-11-20 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3602 http://arabic.irib.ir/programs/item/3602 يمكن القول ان تعرف جلال الدين الرومي على العارف التبريزي شمس يعتبر نقطة تحول اساسية في حياة الشاعر المولوي. ذكر ان جلال الدين محمد قد تأثر بهذه الشخصية الغريبة واصبح من خالص اتباعه ومريديه، فكان اللقاء الاول الذي جمع شمسا بجلال الدين، وكنا قد عرضناه على شاشة الاحداث في الحلقة الماضية من هذا البرنامج كان نقطة تحول في حياة جلال الدين الروحية حيث انقلب من عالم فقيه له مكانته ويعتد بعلمه ومعرفته في مجال الشريعة الظاهرة، الى متصوف غارق في روحانية الحب الالهي. نعم في اللقاء الاول بين العارف التبريزي والشاعر الرومي طرح سؤال وجواب، وكانا ملتفتين للنظر على ان جواب السؤال لم يكن بالنسبة لمولانا صعبا، فربما كل عالم يعرف عقائد العرفاء واحاديثهم، يتمكن مثل جلال الدين من الاجابة على هذا السؤال، بيد ان النقطة الاساسية هنا هي ان شمسا طرح سؤاله في الملأ العام وبين اهل السوق، ومثل هؤلاء لايكون لهم في الغالب اطلاع على المسائل العرفانية. كما ان بعض من حلل شخصية شمس يرى ان مضمون سؤاله كان يحكي علما واسعا كما يتميز به هذا العارف، قبل ان نصل في المحطة التالية لنصف علائم الموقف الذي جمع مولانا وشمسا لاول مرة لابد ان نشير هنا الى ان العرفان مدرسة ظهرت في الفكر الاسلامي عند السنة والشيعة حيث تتناول المدرسة العرفانية العلاقة بين الانسان والله والكون، ودونما خوض في تفاصيل قد تبتعد بنا عن اطار البرنامج ضروري ان نقول ان العرفان هو غير التصوف وليس الاثنان يؤديان الى معنى واحد. ولنر الان المشهد الذي جمع مولانا بشمس لاول مرة، مشهد سيطل علينا من ذاكرة التاريخ الادبي والعرفاني بعد قليل. بعد ان سأل شمس الرومي، غرق مولانا في لحظة سكوت، وسدد نظراته الى الرجل الغريب، وفي نظرة خاطفة بين الرجلين وفجأة تحولت الغربة الى معرفة. رغم ان النظرات كانت قصيرة وعابرة فقد نفذت الى الاعماق، فأخذت لغة القلوب تبين كل ما اريد قوله بين الرجلين. ولم يستقر لمولانا قرار من بعد ذلك السؤال اما شمس وكما قال هو فيما بعد فقد طوقته الدهشة من كل جوانبه وانسابت نحو جوانحه حينما وقع بصره على مولانا. اجل سؤال وجواب بسيط تبادله الرجلان، لكن ذاك السؤال وذاك الجواب تركا تأثيراً عظيما على الرجلين. وتابع مولانا ما بقي من المسير مصطحبا معه شمس واخذ جلال الدين شمسا الى بيته، كان ضيفا من عالم الغيب قد حلّ عليه، ضيفا حرره من قيود الدنيا واسرها، وبحضور شمس في حياة مولانا، اصطبغت حياة الشاعر الرومي بلون جديد. لقد علّم شمس، جلال الدين ان يحرر ذاته من قيود الدروس والبحث والمناظرة وينفلت من اسر الدنيا وما فيها فيرى نفسه كسائر الناس مخلوقا لله يستسلم امام حكمه ويمكن القول ان لقاء شمس مع مولانا قد وهب جلال الدين القدرة على التحرر من قيود الذات، لقاء شمس وجلال الدين كان في الظاهر لقاءا من قبيل الصدفة، ربما كان شمس يطمح اليه. اما جلال الدين لم يخطر بباله مثل هذا اللقاء الذي وهبته له الايام واخفاه وادخره له القدر وراء ستر الاحداث والوقائع. على اي حال فتح هذا اللقاء صفحة جديدة في حياة مولانا، لا بل انه بداية الحياة الجديدة عند جلال الدين، حياة ابدلت عالما زاهدا الى عارف شاعر وعاشق ولهان. ووفقا لروايات سلطان ولد ابن مولانا في كتابه (ولد نامه) يبدو عشق مولانا لشمس شبيها ببحث موسى عن الخضر، الذي كان على الرغم من مقام النبوة والرسالة ومنزلة كليم الله، يطلب ايضا رجال الله، ومولانا ايضا مع كل ما له من كمال وجلال يمضي وقته في طلب الاكمل حتى ظفر بشمس فصار مريدا له واذعن له وفني في انواره دفع واحدة. على اي حال غرق شاعر العرفان في بحر العرفان، وعبر عن احاسيسه في روحانية الحب الالهي في اشعار كلها حرارة وتتسم بصدق الالم والمعاناة في سلوك الطريق دون النظر الى موقف العامة وتلاميذه منه وما وجهوه من انتقادات ولوم. ولنا واياكم عودة الى الامس الدابر الى حيث شمس وجلال الدين لقاء العرفان بالعرفان في دنيا العرفان. ******* جلال الدين محمد -13 - 13 2007-11-18 00:00:00 2007-11-18 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3601 http://arabic.irib.ir/programs/item/3601 كل من كتب عن الشاعر العارف جلال الدين الرومي او قرأ عنه لابد وان سمع باسم شمس التبريزي او شمس تبريز. والاسم الكامل لهذا الرجل شمس الدين محمد ملك داد التبريزي، هذا الرجل لم يرتو غليله وان استسقى من منهل العديد من الاساتذة كان على الدوام ظمآنا، وكان يتطلع الى اعلى المقامات، مقام يتناسب وشأن الانسان باعتباره خليفة الله على الارض. كان شمس تبريز يريد الوصول الى مرتبة الانسان الكامل، ومن هنا قضى الكثير من سني عمره في السفر والترحال، ولكثرة اسفار شمس تبريز وجولاته سماه الناس شمس الطائر. وفي ليلة من الليالي لم يستقر لشمس بال، ما كان لشيء ان يسكّن من فوران نفسه، التجأ الى الله واخذ يناجيه قال ياالهي، اريدك ان تريني واحدا من احب الخلق اليك، من اولئك الذين وراء الحجب والستور. وفي عالم الرؤيا رأى شمس جلال الدين محمد البلخي الرومي، فتوجه الى بلاد الروم ليبحث عنه فيها. وفي يوم السبت السادس والعشرين من شهر جمادى الاخرة من عام 642 للهجرة وصل شمس الى قونية، وبعد ان تجول لقليل من الوقت في المدينة توجه الى السوق وفي خان باعة السكر استأجر حجرة له. وعلى باب هذه الحجرة، وضع شمس عدداً من الاقفال القديمة ليوهم الناس بانه تاجر على انه لم يكن في حجرته سوى حصير قديم وجرة مكسورة ووسادة خشنة. ومرت ايام، كان فيها شمس يرى جلال الدين محمد الرومي مع جمع كبير من تلاميذه يعبرون من السوق، وفي ذات يوم كان شمس جالساً امام باب حجرته فرأى جلال الدين خارجاً من مدرسة باعة القطن والطلاب والعلماء قد تحلقوا حوله. ما كان شمس يحتمل اكثر من هذا وما كان يطيق الصبر اكثر مما صبر، تقدم نحو جلال الدين، واخذ يحدق في عيني الرومي وما كان احد من مريديه وطلابه ليجرأ على ذلك. ثم طرح شمس التبريزي على جلال الدين سؤالا وقحاً وفيه مغالطة فقال مخاطبا الرومي قل لي ياشيخ ايهما افضل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ام بايزيد البسطامي؟ وتألم خاطر الرومي من هذا السؤال وبلحن غاضب أجاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو خاتم الانبياء عليهم السلام واي صلة بين بايزيد وهذا الرسول الخاتم؟ ولم يقتنع شمس بهذا الجواب واورد حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكلاما لبايزيد وكان من اهل التصوف والعرفان، وطلب من الرومي ان يجيب عن سؤاله هذه المرة بدقة اكثر. وبعد لحظة من التأمل قال جلال الدين، بايزيد كان قليل التحمل انه وبجرعة واحدة من عالم الغيب فقد سكونه وشعوره، اما محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكان بحرا، لقد ارتشف من عالم الغيب رشفات ورشفات لكنه لم يفقد عقله وسكونه. على اي حال لقاء شمس بجلال الدين يعتبر حادثة كبرى في حياة العارف الرومي احدثت تغييرا جذريا فيها، وجعلته يهجر مهنة الوعظ والارشاد. ولنا ان ننقل هنا من دون تعليق عبارة المستشرق البريطاني ادوارد براون وكان مهتما بدراسة الادب الفارسي حول شمس، حيث قال: (شمس تبريز يشبهه البعض بسقراط في تأثيره على مريديه ومستمعيه). وفي كتابه من روائع الادب الفارسي يقول الدكتور بديع محمد جمعة في الفصل الذي عقده لجلال الدين الرومي: فتأثر جلال الدين بهذه الشخصية الغريبة واصبح من خالص اتباعه ومريديه، فكان هذا اللقاء نقطة تحول في حياة جلال الدين الروحية، حيث انقلب من عالم فقيه له مكانته ويعتد بعلمه ومعرفته في مجال الشريعة الظاهرة، الى متصوف غارق في روحانية الحب الالهي. ******* جلال الدين محمد -12 - 12 2007-11-12 00:00:00 2007-11-12 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3600 http://arabic.irib.ir/programs/item/3600 في قصة حياة الشاعر والعارف جلال الدين الرومي البلخي المولوي محطات عديدة، لقد توقفنا في بعض منها، وها نحن نواصل الرحلة مع حياة هذا النجم الساطع في سماء الأدب الفارسي. النجم الذي يبقی وضاءا رغم انقضاء العصور والقرون ينير دنيا الشعر والعرفان بضياء السيروالسلوك والادب الذي تميّز علی الدوام بحيوتيه وجذابيته. وسنتوقف في قونية. الی قونية عاد جلال الدين محمد بعد ان اقام في قيصرية المأتم علی استاذه برهان الدين الترمذي، إلا انه بعد موت الاستاذ احس بالوحدة، وکان ان صرف وقته في تربيه ابنائه وفي الوعظ والتدريس والعبادة. في تلك الاثناء بلغ ولدا جلال الدين مبلغ الشباب (سلطان ولد) الابن الاکبر جلال الدين کان في السابعة عشر من عمره، وکان يرافق ابيه في مجالسه وکان الاب والابن يبدو ان وکانهما اخوين کبير وصغير اما الابن الثاني لجلال الدين او علاء الدين فکان في المرحلة التي دلفنا ايها عبرنافذة التاريخ في هذا الاسبوع في الخامسة عشرة من عمره. لقد کان هم مولانا جلال الدين ان يتزود ولداه من مناهل العلم ما امکنهما الی ذلك سبيلا ومن هنا قررارسالها الی بلاد الشام من اجل اکمال الدراسة والتحصيل فيها. وغادر الولدان سلطان ولد وعلاء الدين قونية الی بلاد الشام وکان لفراقهما اثر کبير في قلب امهما جوهر خاتون التي کانت تستانس بهما وبوجود هما في غيية زوجها جلال الدين. وخلال فترة الاقامة في بلاد الشام کان جلال الدين يرسل لولديه الرسائل تلو الرسائل التي تحظهما علی ان يکونا يدا واحدة واصبح البيت بخلوه من الولدين غير قابل للتحمل للام وللاب جلال الدين، الامرالذي جعله ينشغل في خارجه بالوعظ والتدريس والافتاء. مريدو جلال الدين کانوا يضفون علی مجلس وعظه رونقا، وطلاب العلم الذين ثنوا رکبهم عند منبر درسه قد شدوا الرحال الی استاذهم من اکناف الدنيا واطرافها يحدوهم الشوق للعلم المولوي وعرفانه. مدرسة بهاء ولد في قونية اصبحت مدرسة جلال الدين، هذه المدرسة لبست حلة جديدة بعد ان حل بها مولانا جلال الدين، واضافة الی‌ مدرسته کان جلال الدين محمد يلقي دروسا اخری في مدارس اخری في قونية. اما مجالس حديثة فکانت في ارجاء المدينة تبدو مزدحمة بالحاضرين، مجالس درس جلال الدين في الفقه والتفسير کانت للخواص اما مجالس الوعظ والخطابة فکانت للعوام. وکان لجلال الدين قريحة في بيان القصص والحکايات وفي الشعر کان جلال الدين ذا ذوق جميل، صوته الجهوري کان يزيد من رونق مجالس وعظه وارشاده. وبصدقه وصفائه کان جلال الدين يجتذب سامعيه اليه، وکثيرا ما تاب علی يديه عدد من العاصين اخذوا يتضرعون الی الله لکي يقبل توبتهم ويصفح عنهم. اما مجالس درس مولانا فکانت لها جذابيتها الخاصة وعندما کان هذا الاستاذ يتوجه الی محفل درسه کان يتبعه الکثيرون من المريدين والمحبين شأنه في ذلك شأن ابيه بهاء ولد. کان جلال الدين محمد ملجأ المحتاجين والمظلومين ياوون الی افياء ظلاله حيث تستريح فيها نفوسهم. وبرز من بين مريدي جلال الدين محمد شاب هو حسام الدين الجلبي کان يحضر مجلس وعظ مولانا اما الشيخ صلاح الدين زرکوب القونوي فلم يکن من طلاب العلم وان کان يکن الحب الشديد لمولانا وللسيد برهان الدين الترمذي. وصلاح الدين زرکوب القونوي کان قرويا إلا إنه کان عارفا ولهانا في العرفان، کان يشارك في مجالس الوعظ التي يقيمها مولانا جلال الدين وترك هذا العارف العامي کبير اثر في نفس جلال الدين. في تلک الايام وقع حدث في حياة جلال الدين حيث توفيت زوجته وشريکة حياته جوهر خاتون وترکت مولانا وحيدا في حياته الاسرية، ولکي يتخلص جلال الدين من هذه الوحدة کان يغرق في اکثر ساعات يومه في المطالعة والتدريس والوعظ. اما سلطان ولد وعلاء الدين فقد عادا الی قونية من بلاد الشام بعد ان مکثا فيها فترة من الزمن للمدراسة. و اختار مولانا زوجة جديدة له هي کرا خاتون قونوي وکانت من اصل ايراني وتعرف اللغة الفارسية، وتمکنت هذه الزوجة التي کانت قد انجبت من زوجها الاول ولدا وبنتا وخلال مدة قصيرة ان تهب بيت جلال الدين دفنا وانسا ومحبة، وسنتابع معکم في حلقات اخری من هذا البرنامج جوانب آخری من حياة جلال الدين محمد، شاعر العرفان. ******* جلال الدين محمد -11 - 11 2007-11-10 00:00:00 2007-11-10 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3599 http://arabic.irib.ir/programs/item/3599 جزء آخر من قصة حياة الشاعر والعارف المولوي الذي التقى في قونية في بلاد الروم بالسيد برهان الدين الترمذي. وكان السيد برهان الدين قد شجع جلال الدين محمد على سبر اغوار كتابات ابيه الشخصية والتأمل فيها، فيكون قد ارشده الى الرياضات الروحية والاستغراق في ذكر الله التي كانت لمولوي الشاب امراً لابد منه لا قتفاء دور ابيه الذي اهتم بالعرفان. وبناء على توصية معلمه الشيخ الوقور برهان الدين، قرر جلال الدين ان يواصل دراسته بعيدا عن اهله واسرته، فتوجه صوب بلاد الشام. وفي كتابه من روائع الادب الفارسي، يذكر الباحث الدكتور بديع محمد جمعة ان جلال الدين سافر الى حلب ودمشق، لكي يلتقي بالعلماء هناك ويستزيد من علمهم، وبخاصة ان معظم علماء المسلمين في شرقي العالم الاسلامي، كانوا قد هاجروا الى الشام خوفا من حملات المغول فكانت الشام مكانا خصبا للعلوم والمعارف، فافاد جلال الدين علما عظيما بذهابه اليها، ويقول البعض بان اقامته في الشام استمرت من اربعة اعوام الى سبعة، عاد بعدها الى قونية ليواصل عمله بالتدريس والوعظ والارشاد. وعلى مدى السنوات التي ابتعد فيها جلال الدين عن اسرته، كان السيد برهان الدين يتفقد شؤون الاسرة ويتابع تحصيل ابناء جلال الدين. وفي حلب درس جلال الدين عند ابن العديد وفي دمشق حضر عند اساتذة الادب واللغة والتفسير والحديث والفقه والكلام، ومرت الايام والليالي وجلال الدين منهمك في الدراسة حتى انه ماكان يجد في بعض الاحيان وقتا للراحة وتناول الطعام، الامر الذي ادى شدة تعبه وضعف جسمه ومرضه. ويحدثنا المؤرخون ان جلال الدين محمد عندما كان في ديار الغربة وفي الاشهر الحرم كان يرى صائماً في اغلب الايام، وكان يحيي الليالي حتى انبلاج الفجر بتلاوة آيات القرآن وتكرار الاذكار، كان جلال الدين مثل ابيه بهاء وُلد دائم الذكر الله. صلواته طويلة وادعيته مقرونة بذرف الدموع والتضرع ما ابعدته عن صحبة طلاب العلم ومدرسيه، بيد انها في ذات الوقت قربته من عالم المعنويات. سبعة اعوام من التفكر، سبعة اعوام من الرياضات الروحية، سبعة اعوام من الدراسة انتهت، وبنهايتها اصبح جلال الدين محمد مفتيا وعالما وعارفاً. وفي الثالثة والثلاثين من عمره تقريبا عاد جلال الدين محمد بن بلاد الشام الى قونية عن طريق قيصرية، واشيع في ذلك الوقت ان غياث الدين كي خسرو سلطان الروم الجديد، وفي بداية سلطنته هو الذي عمل على اعادة جلال الدين الى قونية بعد ما كاتب اساتذته في بلاد الشام. وابدى الخراسانيون والاعيان والعلماء شوقا وافرا في استقبال جلال الدين الذي كان شابا واُعد في ذات الوقت من علماء قونية المشهورين. تبحر جلال الدين في العلوم التي درسها حتى ان بعض العلماء من امثال سراج الدين الارموي الفيه، وصدر الدين القونوي المحدث كانا ينظران اليه بعين التكريم. اما برهان الدين الترمذي وكان شيخا كبيرا فكان وقبل وفاته ينظر الى جلال الدين على انه من ابرز تلاميذه، وكان الترمذي من اجل هذا في غاية الفرح. جلال الدين محمد كان يشعر بالرضا لانه من بعد نيف من السنين قد التقى معلمه من جديد الا انه كان اللقاء الاخير بين مولانا وبرهان الدين والسيد برهان الدين الترمذي الذي بلغ الثامنة والسبعين من عمره طلب من تلميذه الشاب جلال الدين ان يأذن له بالذهاب الى مدينة قيصرية لكن مولانا الشاب كان يريد ملازمة الاستاذ الذي عاد الى قيصرية ومن بعد مدة فيها فارق الحياة. كان موت السيد برهان الدين بالنسبة لجلال الدين كموت والده بهاء وُلد بالنسبة له وذهب جلال الدين الى قيصرية، وفيها اقام مأتماً على استاذه، وظل ينقل كلامه حتى آخر عمره وما كان لينساه ابداً، والى قونية عاد جلال الدين، انها رحلة المكان في زمن من الازمان، وفي لقاء آخر سنتابع قصة حياة جلال الدين محمد شاعر العرفان. ******* جلال الدين محمد -10 - 10 2007-11-07 00:00:00 2007-11-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3598 http://arabic.irib.ir/programs/item/3598 حضرات الكرام، فيما مضی من حلقات هذا البرنامج، ذکرنا بان بهاء ولد وبناءا علی‌ دعوة‌ علاء‌ الدين کيا قباد السلطان السلجوقي قد توجه واسرته ومريديه الی مدينة قونية، وفيها حظي بإستقبال واحترام السلطان وکبار شخصيات البلاد وبعد عامين من قدومه قونية وهو في الثالثة والثمانين من عمرة توفي بهاء ولد وهکذا بدأ‌ فصل جديد في حياة جلال الدين محمد وهو في سن الشباب. ولنا ان ندخل هذا الفصل الجديد عبر نافذة التاريخ. بموت بهاء‌ ولد تولی جلال الدين محمد مسئولية ادارة اسرة ابيه وارشاد وتربية مريديه. والی جانب هذا تولی‌ جلال الدين محمد رعاية اسرته التي تتکون من زوجته جوهر خاتون وولديه بهاء الدين وعلاء الدين. وعلی الرغم من دفئ کيانه الاسري وحبه لولديه کان جلال الدين الشاب يشعر بلوعة‌ الفراق بعد وفاة ابيه، وجالت الذکريات في ذهن جلال الدين ذکريات خراسان والسنوات المفعمة بالهدوء‌ حيث کان فيها جلال الدين في کنف ابيه وفي البيت کان جلال الدين وهو يری ولده الاکبر بهاء الدين يذهب الی الکتاتيب کان يتذکر ايام طفولة وصباه يوم کان في بلخ. وهاجت بمولانا الشاب ذکريات الماضی‌ فما کان منه إلا أن أغرق نفسه في بحر المطالعة لکي ينسی تلك الذکريات لأن فيما ما يعصر قلبه ألما لا سيما وجلها ذکريات صحبته لأبيه بهاء ولد ليس في جادة‌ المکان بل في عمق الزمان وعالم السلوك والعرفان ومن يوم لآخر کان يزداد ارتقاء جلال الدين محمد لمنابر الوعظ والخطابة،‌ فألتف من حوله الکثيرون يستمعون الی‌ خطبه ويصغون الی مواعظه. کانت مواعظ جلال الدين غنية بابيات الشعر العرفاني والقصص والحکايات من الوحي القرآني. وکان کلام مولانا الرومي کلاما فيه لذة‌ للناس علی اختلاف شرائحم وتنوع طبقاتهم، في کلامه تتقصی الحکايات اللطيفة والابيات الجميلة والاشارات والنقاط المهمة. وفي ذات الوقت کان جلال الدين ومن مجالس وعظه وحلقات درسه يتعلم التجارب تلو التجارب، ويتعرف علی عادات الآخرين وتقاليدهم المختلفة. وفي تلك الاثناء کان وصول سيد برهان الدين محمد واحد مريدي ابيه بهاء ولد، لقد وصل الی قونية حيث يقيم جلال الدين. وهو في الخامسة والعشرين من عمره عاد جلال الدين الی دنيا الماضي لم يمخرعباب الزمان، بل رحل في دنيا العرفان يوم اعاد الوصال مع معلمه المحقق الترمذي الذي حقا للدين برهان. لقاء‌ المعلم الشيخ مع جلال الدين الشاب کان فيه تسکين لآلام الروح التي خالطتها بعد ان فقد الأبن أبيه، وداعبت أذُن جلال الدين اصداء‌، اصداء صوت ابيه الذي غاص في اعماق البرزخ وصوت من دنيا السنائی وآخر لعطار، تخالطها اصوات من بلخ وسمرقند وبالنسبة لمولانا جلال الدين الرومي فان مجيء السيد برهان الدين الترمذي الی‌ قونية کان الدخول الی الجنة‌ المنشودة او لنقل الظفر بالضالة المنشودة. وکان الترمذي يريد لجلال الدين مرتبة اسمی من تلك التي رآها. اراد الاستاذ للتلميذ ان يتبوأ مکانة تليق بمنزلته الروحية العالية. و شجع السيد برهان الدين الترمذي جلال الدين علی ان يسبر اغوار کتابات ابيه بهاء‌ ولد وهکذا تعلم جلال الدين محمد السبيل والسير والسلوك الی دنيا العرفان وکان له ذلك لأنه شاعر العرفان. ******* جلال الدين محمد -9 - 9 2007-10-31 00:00:00 2007-10-31 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3597 http://arabic.irib.ir/programs/item/3597 في رحلة الزمان والتاريخ سارت قافلة العلم والعرفان والادب لتحط رحالها في مدينة قونية التي كانت يوما ما عاصمة السلاجقة. اما القافلة فكانت قافلة بهاء وُلد والد جلال الدين البلخي واسرته، وحتى مسافة بعيدة عن خارج المدينة خرج تجار السوق والعلماء واهل التقوى واهل الادب لاستقبال الضيوف الذين سيحلون عليهم. لقد عمت الفرصة الجميع لانهم ساروا لاستقبال شيخ واعظ وعالم شهير. وتكريماً لبهاء ولد واسرته اقام السلطان علاء الدين السلجوقي مأدبة فاخرة حضرها كبار قونية وعلماؤها. ومنذ بداية قدومه الى قونية وعلى الرغم دعوة السلطان واهل الجاه، اختار بهاء ولد السكن في احدى المدارس ولم يختر لنفسه منزلا الامر الذي زاد من مكانته وقيمته في اعين العوام والخواص في ذلك المجتمع. ومنذ الاسبوع الاول لاقامته في قونية اخذ العلماء يتوافدون وفي كل يوم على محل اقامة بهاء وُلد، وكانوا يقدمون له الهدايا ويوجهون له الدعوات. وكان للخراسانيين في مدينة قونية الحظوة عند بهاء وُلد وولده جلال الدين محمد الذي اخذ يجالس اولئك الخراسانيين وهو في سني شبابه وبالاضافة الى ذلك تعرف جلال الدين محمد على شرائح مختلفة من الناس في قونية. وكانت مدينة قونية عاصمة السلاجقة الروم مدينة جميلة تزخر بمبانيها الانيقة وبساتينها الباسقة وكثرة مياهها وتعدد اسواقها، هذه المدينة اثارت في مخيلة جلال الدين محمد ذكريات بلخ وترمذ وسمرقند. ان بلاط السلاجقة كان موعد اللقاء للشعراء والعلماء والكتّاب الذين يتكلمون اللغة الفارسية ويعينون بالادب الفارسي، وكانت اللغة الفارسية هي اللغة الرسمية المعتمدة في الاجهزة الادارية في الدولة السلجوقية ولغة ديوان الدولة كما ان العلماء واهل التصوف والشعراء والمؤرخين كانوا يتكلمون اللغة الفارسية، وغالبا ما كانوا يكتبون بهذه اللغة. اما اللهجة التي كانت رائجة في مدينة قونية او بالاحرى اللغة التي كانت رائجة فهي اللغة التركية، بالاضافة الى اللغة اليونانية وبسبب تقدمه في السن قلما كان بهاء وُلد يعقد جلسات الوعظ، بيد انه كان يقيم حلقات الدرس لخواص تلاميذه ومريديه والى جانب جلسات بهاء وُلد كان جلال الدين محمد يقيم هو الاخر جلساته التي كانت تستقطب من يوم لآخر عددا اكبر من المريدين والتلاميذ. واثرت كهولة السن اثرها في بهاء وُلد واصبح الكلام عليه صعبا فاصبح المتكلم عنه ولده جلال الدين الشاب. وكان جلال الدين يعتلي منابر الوعظ والتدريس في مدرسة ابيه، ومرت الايام هذه المرة صعبة ثقيلة واصبح من اليقين لجلال الدين ان والده مفارق الحياة قريباً. نعم وهو في الثالثة والثمانين من عمره لبّى بهاء ولد والد جلال الدين محمد نداء ربه وانتقل الى رحمة بارئه. وجاءت وفاة بهاء ولد بعد عامين من قدومه الى قونية وحين الوفاة كان جلال الدين محمد شابا في الرابعة والعشرين من عمره. وهبت قونية لتشييع جثمان بهاء وُلد بكل حزن واسى وتعالت اصوات المشيعين وهو يتوجهون الى المقبرة بالبكاء والعويل. واعلن السلطان علاء الدين السلجوقي الحداد في البلاد لمدة اسبوع، واقيمت مراسيم العزاء لرحيل بهاء وُلد وبقي جلال الدين ليعيش يتيماً فترة الصبا والشباب. وسنتابع مسيرة حياة جلال الدين محمد شاعر العرفان. ******* جلال الدين محمد -8 - 8 2007-10-30 00:00:00 2007-10-30 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3595 http://arabic.irib.ir/programs/item/3595 شاءت الاقدار ان يتوجه جلال الدين محمد ووالده بهاء وُلد مع اسرته ومريدي ابيه الى بغداد حيث كانت عاصمة الخلافة العباسية، وبعد عام من الاقامة في بغداد واصلوا ترحالهم في مدن الشام وآسيا الوسطى الى ان استقرّ بهم المقام في لارندة تلبية لدعوة حاكمها وبعد سنين من الهجرة والسفر الطويل كانت لارندة بالنسبة لبهاء وُلد مكانا آمنا للاقامة، وبسبب كهولة السن وتجمع الكثير من المريدين من حوله رجح بهاء وُلد عدم السفر الى قونية وان كان كبراؤها وفقهاؤها قد وجهوا الدعوة اليه. وكان الشغل الشاغل لبهاء وُلد التدريس والوعظ، اما جلال الدين محمد الشاب فقد صب كل همّه على الارتواء من نمير علم ابيه وسائر الاساتذة لزيادة معلوماته الدينية والادبية. ولم يضيّع جلال الدين محمد سنوات السفر والترحال، ذلك انه وفي تلك المدة اكتسب وجمع معلومات قيمة في الادب والشعر والعرفان والقرآن والحديث والتفسير والكلام. وتعلم جلال الدين محمد وهو شاب كيف يزيّن كلامه ويجعله اكثر جمالا من خلال مزجه بالامثال والقصائد ما بين فارسية وعربية، كان كلام جلال الدين محمد ينفذ في النفوس وقد تحلى بالقصص والحكايات وبعدما اصر تلاميذ بهاء وُلد افرد الوالد لولده مجلساً في الوعظ والخطابة وكانت اول خطبة لجلال الدين محمد في مدينة اقشهر ومن بعد ذلك بدأ جلال الدين محمد الخطابة في لارندة. ولم تدخل الفرحة قلب بهاء وُلد وهو يرى نبوغ ولده جلال فحسب، بل انسابت اشعة السرور الى قلب والدته بي بي علوي، بيد ان هذا السرور لم يقدر له الاستمرار طويلا حيث عاجلت المنية والدة جلال الدين، وكما يقول الشاعر ابو الحسن التهامي: حُكْمُ المنيّة في البريّة جاريما هذه الدنيا بدار قراروجاء الموت المفاجئ للأمّ ليجعل جلال الدين محمد يغرق في بحر من الحزن العميق وهو يومذاك شاب في مقتبل العمر اما بهاء وُلد الشيخ المسن فقد عاش المحنة وهو يتجرع غصص فراق زوجته وجاء زواج جلال الدين محمد من كوهر خاتون ابنة احد تلامذة بهاء وُلد ليخفف من وطأة الحزن على قلب الوالد والولد وانجبت كوهر خاتون ولدين كان قدومهما الى الدنيا قد افاض شيئا من الدفء لا بل كثيرا من الدفئ على بيت بهاء وُلد الذي بدا بارداً بكيانه المعنوي بعد ان فارقت الاسرة الام الحنون. وكان علاء الدين كي قباد السلجوقي سلطان الروم قد سمع بشهرة وعلم وفضل بهاء وُلد في ارجاء ارزنجان وملطية ولارندة، فاشتاق ايما اشتياق لرؤية هذا المفتي والعالم الخراساني، وبكثير من الاصرار دعا علاء الدين، سلطان العلماء في بلخ بهاء وُلد للقدوم الى قونية عاصمة ملكه. وكانت قونية في تلك الايام مثل بلخ وهرات ومرو ونيشابور مركزاً كبيراً للعلم والثقافة. وعلى الرغم من كهولة سنه وتقدمه في العمر، لبّى بهاء وُلد دعوة سلطان الروم اما جلال الدين محمد فقرر ان يلازم والده الطاعن في السن في سفره فرافقه الى قونية. وبدأت الرحلة، وبعيون دامعة ودع بهاء ولد وولده جلال الدين والاسرة احباءهم وتركوا من ورائهم لارندة قاصدين قونية وحلّ المسافرون بعد رحلة لهم في عاصمة السلاجقة الروم، حيث استقبلت عاصمة السلطان علاء الدين، بهاء وُلد واسرته بكل احترام وترحيب. وكان السلطان علاء الدين كي قباد في مقدمة السمتقبلين، لقد رحب ببهاء وُلد وطبع قبلة التواضع امام العلم والعلماء على يد بهاء وُلد هذا العالم الكبير، وسنتابع رحلة العلم والعرفان مع جلال الدين محمد شاعر العرفان. ******* جلال الدين محمد -7 - 7 2007-10-28 00:00:00 2007-10-28 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3594 http://arabic.irib.ir/programs/item/3594 في الحلقات الماضية من هذا البرنامج ذكرنا ان جلال الدين محمد الذي عرف فيما بعد بالشاعر والعارف المولوي كان قد غادر مدينة بلخ واسرته و300 من مريدي ابيه تزامناً مع هجوم المغول. وبعد اقامة قصيرة في مدينة نيشابور والمرور على مدن مختلفة وصلت اسرة جلال الدين الى مدينة بغداد وكانت اذ ذاك حاضرة بني العباس. ولدى وصول بهاء وُلد الى بغداد استقبلهم شيخ شيوخها الشيخ شهاب الدين عمر السهروردي، وفي مدرسة من مدارس بغداد اقامت اسرة جلال الدين، ولنتابع الاحداث على شاشة التاريخ الغابر بعد قليل. لقد اغتنم الشيخ شهاب الدين السهروردي فرصة حضور بهاء وُلد ومريديه في بغداد وكان الرجلان يلتقيان ويتداولان الحديث في مختلف القضايا، واقترح السهروردي على بهاء وُلد ان يقيم مجلس وعظ للزائرين والحجاج والصوفيين من اهل خراسان الذين كانوا في تلك الايام في بغداد، وابدى بهاء وُلد ترحيبه باقتراح الشيخ هذا لاسيما وانه في سفرته الطويلة من بلخ الى بغداد لم يجد الفرصة للوعظ والحديث. وبدأ بهاء وُلد جلسات وعظه في بغداد وجلس الى منبره الكثير من الناس، هذه الجلسات اعادت ذكرى جلسات ايران في ذهن جلال الدين محمد ومريدي ابيه، ومن بعد ذلك اقترح الشيخ عمر السهروردي على والد جلال الدين ان يشد الرحال الى بلاد الروم لكي يستفيد اهلها كذلك من نمير علمه الصافي. وفي تلك الفترة كان زمام الحكم في ديار الروم بيد علاء الدين كي قباد وكان ينتمي الى سلاجقة الروم. وبعد ان عرف جلال الدين محمد ان المغول قد هاجموا بلخ وخوارزم وخراسان ادرك ان العودة الى ارض الاباء والاجداد امر غير ممكن، فداخل الحزن من ذلك نفسه، لكن ما سكن آلام روحه هو عزم ابيه بهاء وُلد على قصد بلاد يتكلم اهلها اللغة الفارسية. يحدثنا التاريخ ان الحياة في بغداد بالنسبة الى اسرة بهاء وُلد كان امرا عسيرا ومن هنا بدأت الاسرة سفرا آخر كان دافعه اقتراح السهروردي من جهة وضنك العيش من جهة اخرى، اما هذا السفر عند جلال الدين ابن 14 ربيعاً فكان فيه الكثير من دروس الحياة. وبعد ان خرج بهاء وُلد من بغداد اقام واسرته لمدة في نواح من بلاد الشام، ثم قصد البلد الحرام لاداء فريضة الحج. وعلى عادة الواعظين كان بهاء وُلد ينتقل من مدينة الى اخرى حتى وصل الى شرق آسيا الصغرى وكانت اللغة الفارسية رائجة بين سكان هذه المنطقة. الاقامة في المدن المختلفة، وفرت لجلال الدين محمد فرصة الاستزادة من اللغة العربية وآدابها والعلوم التي كانت تدرس وقتذاك في المدارس وما اكثرها يومئذ في بلاد المسلمين. تعاقب الاسفار لازم اسرة جلال الدين محمد ايام كان في مقتبل عمره، هذا التجوال هو من جور الزمان وعدم رحمة الايام، لكن لكل شي نهاية، اجل لكل شيء نهاية وكانت اسفار جلال الدين انتهت عندما حلت اسرته في مدينة لارندة وهي اليوم في تركيا تعرف باسم قرامان. كانت لارندة قد وفرت الاجواء المناسبة امام بهاء وُلد للوعظ والتدريس وقد اكرم واليها من قبل السلطان علاء الدين كي قباد السلجوقي بهاء وُلد واسرته ومريديه وسمى احدى المدارس فيها باسم بهاء وُلد. وكانت لارندة مدينة جميلة احتضنت العديد من آثار الدولة البيزنطينية واليونانيين القدامى او الاغريق، وفي لارندة شعر بهاء وُلد وقد بلغ مبلغ الكهول بالراحة والظروف المناسبة للوعظ والتدريس. كبار رجال قونية وعلماؤها طلبوا من بهاء وُلد ان يتوجه صوب عاصمة السلطان علاء الدين. اما هو فقد رفض هذه الدعوة وبقي واسرته ومريديه في لارندة للاشراف على شؤون المدرسة التي اقيمت من اجله. هذه صوراً اقتطفناها من ذاكرة التاريخ، وثمة صور اخرى في حياة جلال الدين محمد وسنأتي على متابعتها واياكم تباعاً ونحن نضيء الانوار على حياة شاعر العرفان. ******* جلال الدين محمد -6 - 6 2007-10-20 00:00:00 2007-10-20 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3593 http://arabic.irib.ir/programs/item/3593 في الحلقات الماضية من هذا البرنامج ذكرنا بان اسرة الشاعر مولوي مع ثلاثمائة من مريدي والده بهاء وُلد قد غادرت ايران تزامنا مع هجوم المغول عليها، وتركت مدينة بلخ متوجهة لزيارة بيت الله الحرام. وكان مولوي آنذاك في الثالثة عشرة من عمره وفي مدينة نيسابور التقى الشاعر والعارف الشهير فريد الدين عطار الذي اهداه كتابه (اسرارنامه) او كتاب الاسرار. وبعد قليل نكون مع جلال الدين محمد في رحلته عبر الايام والزمان والعصر. نعم حضرات المستمعين، سارت القافلة وجلال الدين معها، الرحلة كانت بالنسبة له رحلة الخيال الجذاب، الطرق المغبرة وقمم الجبال التي ناطحت السحاب، والسهول التي اعتنقت الارض من تحت السماء، اخذت برؤيا جلال الدين الى عالم ماوراء المحسوسات. ومن محاورات والده طوال الرحلة مع شيوخ القافلة ومسنيها تعلم جلال الدين محمد دروساً لايصار الى تعلمها في المدرسة وارتوى من مناهل العواطف والافكار وهو يستمع الى قصص وحكايات تطلقها السن شباب القافلة فتزيل عن الروع والعقل ما علق بها من غبار. نعم الى مشارف بغداد وبواباتها وصلت قافلة المهاجرين من بلخ كانت بغداد تبدو مكاناً آمنا في عيني جلال الدين اللتين ينطلق منهما معاني البراءة والطفولة. اربعون عاما مضت على حكم الخليفة العباسي الناصر لدين الله انه كان يسعى ليعيد لبغداد عظمتها وجلالها جلال عهد الف ليلة وليلة بما زخرت به من اساطير. الناصر لدين الله كان قد شيد في بغداد الابنية الفخمة والمساجد الضخمة والمدارس والتكايا وتمكن ان يعيد الى عاصمة بني العباس الامن والاستقرار، بعد ان انفرط عقديها لفترة من الزمان. الهدوء الظاهري ابدل بغداد الى عاصمة اسلامية مزدهرة اغرقتها النعم والثروات وتزامنا مع قرب وصول قافلة بلخ الى بغداد او وصولها وصلت اليها قوافل المهاجرين واللاجئين قادمة من خراسان وحاملة معها الخوف من المغول. كثرة المهاجرين من خراسان والحجاج العائدين من الحجاز الذين يئسوا من العودة الى ديارهم جعل بغداد على وسعتها تغص بالساكنين. شيخ شيوخ مدينة بغداد الشيخ شهاب الدين عمر السهروردي وبعدما علم بقدوم بهاء وُلد واسرته ومريديه، هب لاستقبالهم بكل حفاوة واقترح السهروردي على والد جلال الدين الاقامة في رباط او تكية في بغداد لكن بهاء ولد رفض هذا الاقتراح ونزل في مدرسة من مدارس مدينة السلام. وما ان حلت اسرة بهاء وُلد في تلك المدرسة حتى شعر جلال الدين محمد ان حلما له قد تحقق. بلخ ونيسابور من مراكز ايران الثقافية آنذاك كانتا مليئتين بالمدارس ودور العلم بيد ان الفرصة لم تسنح لجلال الدين لان يعيش اجواء المدارس فيهما. ففي بلخ كان جلال الدين صغير السن وفي نيسابور لم تقم اسرته طويلا من الوقت ليتخذ الى المدرسة فيها سبيلا. وفي بغداد ولقلة معرفته باللغة العربية سعى جلال الدين محمد ان ينفذ الى عالم القيل والقال يفك رموز الافكار والاقوال الاجواء الروحانية في المدرسة جعلت جلال الدين يعي رغبة ابيه في العيش في هذه الاجواء. واذا كان هذا حال جلال الدين الولد فما هو حال والده بهاء وُلد؟ اجل كان الشيخ شهاب الدين عمر السهروردي يعتبر وجود بهاء وُلد ومريده في بغداد غنيمة لاهلها لاتفوت في كثير من الايام كان السهروردي يلتقي بهاء وُلد وكان الاثنان ولعديد من الساعات يتحاوران ويتجاذبان اطراف الحديث في لغة فارسية سلسلة هذا التحادث جعل جلال الدين محمد اكثر انسا بالشيخ وانشد الطفل الصغير الى الشيخ الكبير بعدما سمع من ابيه ان السهروردي هو ايراني كان اهله يعيشون في ضواحي زنجان، وانه ينشد الشعر بالفارسية ايضا. ولنترك بغداد والسهروردي وجلال الدين محمد لعديد من الايام ثم نعود واياكم الى شاعر العرفان يوم ساربه الزمان والقدر الى مدينة السلام. ******* جلال الدين محمد -5 - 5 2007-10-15 00:00:00 2007-10-15 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3587 http://arabic.irib.ir/programs/item/3587 في الايام الماضية، رحلنا واياكم في عمق الزمان وسافرنا الى بلخ مسقط رأس الشاعر جلال الدين محمد البلخي الذي عرف واشتهر في دنيا الادب بمولوي، وعُرف ديوانه واشتهر بالمثنوي. وشاءت الاقدار ان يترك جلال الدين محمد موطن طفولته، مسافراً مع ابيه الى بيت الله الحرام، وطي الطريق بين بلخ ومكة المكرمة في امس الدابر والعصر الغابر كان يستغرق الوقت الطويل، بل هو حال الترحال عند الاقدمين ومرت الايام تترى ووصلت القافلة الى مدينة نيشابور او قل نيسابور كما تسميها بعض الكتابات العربية. في هذه المدينة اطلع جلال الدين محمد على المساجد والمدارس والاسواق التي كانت تتناثر هنا وهناك، ومر العارف الرومي وهو ابن 13 ربيعاً على احوال كبار وعظماء كانوا بالنسبة له اسوة في السير والسلوك الى الله والعشق الالهي. وكانت آخر ذكرى من نيشابور علقت بذهن جلال الدين محمد هي ذكرى لقائه الشيخ فريد الدين عطار النيشابوري. والشيخ فريد الدين عطار ليس بحاجة الى التعريف انه نجم لامع في سماء الادب الايراني واشتهر عنه كتابه منطق الطير وله اسم آخر وهو مقامات الطيور. وعندما كان جلال الدين محمد صبياً كان فريد الدين عطار النيشابوري رجلا مسنا عرف بحلاوة منطقه وتصوفه. في نيشابور مجمع العلماء والادباء وملتقى الشعراء والعرفاء كان اللقاء بين بهاء وُلد والد جلال الدين محمد وعطار النيشابوري، وفي حضرة الوالد حضر جلال الدين التي ترك لقائه بعطار ذلك الاثر الطيب في نفسه وجرى الحوار بين العارفين الشيخيْن وجلال الدين ينظر الى ذلك الحوار لا بعين الباصرة فحسب بل بعين البصيرة كذلك، ترى حول اي شيء دار الحوار؟ لاريب لانه حوار العارفين فقد دار حول الشوق الى لقاء الله والشوق الى زيارة بيته الحرام والرغبة في لقاء رجال السير والسلوك والعرفان وما احلاه من لقاء!. وفي جلسة الحوار جلس جلال الدين محمد هادئاً مطرقا، لفه الصمت لم يكن صمت الذاهل الشارد الذهن، على العكس كان صمت العالم المتعطش الى المعرفة والعلم. ودار الحوار طويلا بين العارفين حول احوال المشايخ وشعر الشاعر السنائي، جلال الدين محمد كان يصغي بكل جوارحه، اما فريد الدين عطار فقد ران عليه العجب وهو ينظر الى جلال الدين محمد غارقاً في تفكيره وحالاته الروحانية، واستحسن عطار هذه الحالات وقدرة البيان عند جلال الدين محمد. ورأى صاحب منطق الطير عطار النيشابوري في جلال الدين محمد انساناً يفوق الانسان العادي، وبشر والده بهاء وُلد بأن ولده سوف يكون له مستقبل زاهر، وسيكون له شأن وشأو عند اصحاب الطريقة والعرفان. ويحدثنا المؤرخون ان عطار ابى الا ان يهادي جلال الدين محمد، نعم لقد اهداه نسخة من كتاب (اسرارنامه) او كتاب الاسرار وكانت هذه الهدية لجلال الدين محمد بمثابة الهدية السماوية وكان مثلها عنده مثل (الهى نامه) الكتاب الذي عرّفه به معلمه السيد برهان الترمذي والهى نامه يتضمن بين دفتيه خلاصة المعرفة والحكمة عند العارفين في سيرهم وسلوكهم في طريق الله. قافلة بهاء وُلد واهله ومنهم جلال الدين محمد وجمع من مريديه غادرت نيشابور، وسارت قاطعة الفيافي والجبال والسهول، لقد طوت ارض خراسان في رحلة الزمان والمكان، كما يمخر المركب عباب اليم في امان، اين الوجهة هذه المرة يا ترى؟ انها بغداد بيد انها ليست المحطة الاخيرة في قافلة العرفان، فالمقصد عند جلال الدين محمد وابيه وحاشيته في ارض الواقع وسماء العرفان هو ذات الله وبيت الله ومحط ضيوف الرحمان. وعلى مدى الطريق بين خراسان وبغداد كان المونس لجلال الدين محمد كتاب الاسرار هدية العطار والمنظومة الجميلة واللطيفة في العرفان، وكيف لايأنس جلال الدين محمد بها وهو شاعر العرفان. ******* جلال الدين محمد -4 - 4 2007-10-02 00:00:00 2007-10-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3583 http://arabic.irib.ir/programs/item/3583 هذا البرنامج ذكرنا ان الظروف السياسية غير الملائمة في مدينة بلخ والاختلافات التي كانت بين (بهاء ولد) والد الشاعر جلال الدين المولوي والسلطان محمد خوارزم شاه، دفعت (بهاء ولد) الى ترك مدينته لاسيما بعدما ترامت الى الاسماع اخبار الهجوم المغولي على ايران. وخرج بهاء ولد بقصد زيارة بيت الله الحرام واداء مناسك الحج، حيث توجه الى بلاد الحجاز تاركاً خراسان وماراً بالعراق. واخذ بهاء ولد اسرته معه ورافقه في سفرته هذه 300 من مريديه مع اسرهم. وعبرت قافلة المهاجرين بوابة بلخ، عندها وقف جلال الدين محمد للحظة ونظر الى ورائه انه ما كان يعلم سبب الهجرة، بيد ان احساساً داخله بان عليه ان يترك الحياة التي كان يحياها في ارض آبائه واجداده، الشعور بالغربة ضغط على قلبه الصغير، ما كان ليعلم ان هذا المصير المجهول سوف يفصل عن اصدقائه واقربائه، ما كان يؤنسه هو حبه لابيه وثقته به وانه ما كان يقوم بعمل الا بعد التوكل على الله. وادرك جلال الدين محمد المكان الخالي للسيد برهان الترمذي بين مريدي ابيه، حيث كان قد سافر الى بلاد ماوراء النهر. وفي الثالثة عشرة من عمره عرف جلال الدين محمد ان مدرسته ومعلمه هو حب ابيه له، وفي هذه الرحلة كانت مطالعة الشعر والنثر والتحاور الادبي مع ابيه ومريده هي الصلة الوحيدة التي شدته الى دنيا الادب والعلم. ووصلت قافلة المهاجرين من بلخ الى مدينة نيشابور الواقعة الى اقصى الغرب من اقليم خراسان الكبرى. وكان لبهاء ولد اصدقاء كثيرون في نيشابور ومن هنا لم يكن بالمستطاع له ان يمر بهذه المدينة دون ان يمكث فيها لمدة قصيرة لا تتعدى الايام القلائل. وكانت نيشابور في ذلك العهد احد المراكز العلمية والادبية المهمة في العالم الاسلامي، وقد احتضنت العديد من عظماء العلماء، نيشابور كانت ذات جذبة روحانية خاصة بالنسبة لجلال الدين محمد. ذكريات الشاعر والعارف الايراني ابي سعيد ابو الخير ومجالسه مع مريديه في الايام الخوالي وذكرى ابي حامد الغزالي والحكيم عمر الخيام صاحب الرباعيات المشهورة واشياء اخرى عن نيشابور كان جلال الدين محمد قد سمعها او قرأ عنها، قد رسمت في مخيلته مظهراً بديعاً لمدينة نيشابور حيث محط رجال العلم والادب والعرفان. واذا كان هذا حديثاً منا عن جلال الدين محمد في صباه، فلنا ان نتحدث بعض الشيء عن هذا الشاعر فاتحين نافذة حوله من عصرنا الحاضر، الحديث هذا سيأتيكم بعد قليل. نعم –حضرات المستمعين الافاضل- في الاجتماع الخامس والسبعين بعد المئة للمجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو تمت المصادقة على اقتراح اهداء وسام مولانا بمناسبة عام 2007 عام مولوي، والاقتراح هذا تقدمت به الى منظمة العلوم والتربية والثقافة التابعة لمنظمة الامم المتحدة كل من ايران وافغانستان وتركيا ومصر. ومن المقرر ان تقوم منظمة اليونسكو بتقديم هذا الوسام الى الباحثين الذين يستحقونه من الذين اجروا دراسات في الحقول المختلفة حول الشاعر اللامع جلال الدين محمد البلخي المولوي الذي تمر في العام 2007 للميلاد الذكرى الثمانمائة لميلاده. ويعتبر المجلس التنفيذي لليونسكو جلال الدين مولوي صاحب ديوان المثنوي، وهو رائعة من روائع الادب الفارسي القديم، شاعراً وعارفاً لكل شعوب العالم. وترى منظمة اليونسكو ان افكار الشاعر جلال الدين مولوي تتناغم واهداف هذه المنظمة رغم بعد المسافة الزمنية بين جلال الدين محمد واليونسكو، ومن هنا جاءت المصادقة على منح وسام مولانا الذي سوف يحظى بلاريب بترحيب المحافل الدولية والمحافل الثقافية على المستوى العالمي. وسنتابع الحديث عن جلال الدين محمد في امسه الدابر وعصره الحاضر في الحلقة القادمة ان شاء الله. ******* جلال الدين محمد -3 - 3 2007-09-26 00:00:00 2007-09-26 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3582 http://arabic.irib.ir/programs/item/3582 هذا البرنامج بدأنا الحديث عن حياة الشاعر جلال الدين محمد مولوي، وقلنا ان جلال الدين محمد كان قد نشأ وترعرع في اجواء روحانية في بيت ابيه وصاحب العرفان منذ نعومة اظفاره. وكان (بهاء ولد) والد الشاعر مولوي والذي اشتهر بسلطان العلماء في مدينة بلخ واعظاً وخطيباً مفوهاً وكان في مجالس وعظه ودروسه ينتقد اسلوب حكومة السلطان محمد خوارزم شاه وظلمه وتعديه على الناس. وعلى اثر هذه الانتقادات المتواصلة امتعض السلطان محمد خوارزم شاه والمحيطون به من (بهاء ولد)، واستغل الوصوليون والنفعيون هذه الفرصة للاساءة لوالد الشاعر عند السلطان ولم يدخروا لهذا الامر المشين سبيلا، فكان ان ضاقت الحياة على والد مولوي ليس في مدينة بلخ فحسب، بل وفي كل ارجاء سلطنة محمد خوارزم شاه. وكان المتزلقون الى السلطان يظهرون طلاب بهاء ولد والمريدين الكثيرين له على انهم مصدر خطر وتهديد على عرش السلطان وملكه. وفي تلك الاثناء عمت الاضطرابات اجزاءً من سلطنة محمد خوارزم شاه لاسيما حدود سمرقند وبخارا واطراف سيحون. وعاصرت الفترة المذكورة العديد لا بل الكثير من الاحداث التي سلجتها كتب التاريخ، ولا نريد هنا ان نتعرض لها على نحو التفصيل والاطناب خوف الاطالة والاكثار من الكلام، لكننا نقول بعد موت علاء الدين تكش سلطان خوارزم، جلس ولده محمد على اريكة السلطنة وسار الابن على نهج ابيه فكان محباً للسلطة متعطشاَ للقوة وكون له امبراطورية واسعة الاطراف اصبحت فيما بعد وبالاً عليه. ولنختزل بعضا من احداث التاريخ لنصل الى هجوم المغول على سلطنة محمد خوارزم شاه في ايران، نعم في ظل التهديدات المغولية والظروف المتأزمة اضطر بهاء ولد والد الشاعر مولوي الى ترك مدينة بلخ على الرغم من انها كانت موطن آبائه واجداده. نعم لقد غادر بهاء ولد والد مولوي مع افراد اسرته ومريديه ارض خوارزم شاه الى بلاد الحجاز لاداء مناسك الحج، وكان بصحبته ولده جلال الدين محمد وقد صار له آنذاك 13 عاماً، وللحديث صلة وستسمعون جزءاً آخر منه في الحلقة القادمة، وبعد فاصل قصير نمر على بعض الاخبار حول مولوي وعامه العام 2007 للميلاد. ******* جلال الدين محمد -2 - 2 2007-09-26 00:00:00 2007-09-26 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3581 http://arabic.irib.ir/programs/item/3581 هذا البرنامج الذي اعددناه حول الشاعر والعارف الايراني جلال الدين محمد مولوي الذي اسمت منظمة التربية والثقافة والعلوم اليونسكو التابعة لمنظمة الامم المتحدة العام 2007 للميلاد باسمه بمناسبة مرور 800 عام على ولادته. وسننقل لكم بالاسلوب الوصفي، صورة من صور الماضي البعيد، حيث ما بعد ولادة الشاعر مولوي وسني صباه هذه الصورة، سنعيش احداثها عبر امواج الاثير بعد قليل. كثرة الناس قد سدت عليه طريقه، لكن سلطان العلماء والد الشاعر جلال الدين مولوي نزل في منبره، همهمة الحاضرين في المجلس واسئلة الشباب من المريدين قد شغلته بعض الوقت، انه يريد ان يصل الى بيته باسرع ما امكنه لكي يؤدي صلواته ويناجي ربه ويرى كيف يناجي الوالد ربه الطفل جلال الدين محمد ذو الخمسة اعوام. بالنسبة لوالده كان جلال الدين مولوي يجسّد كل امانيه ومناه، من زوجته الاخرى كان لسلطان العلماء ابن وعدة بنات، الا ان الوالد كان ينظر لجلال الدين وامه علوية من فقهاء وسادات سرحنْس في خراسان نظرة اخرى. بصعوبة بالغة انفرط عقد الناس ليفسح المجال لسلطان العلماء كي يتخذ الى بيته سبيلاً الالم كان يعصر قلب الرجل وهو خارج بيته حيث يرى ويسمع ظلم الحاكمين واجحافهم لعل بيته كان له ملجأً آمناً يمارس فيه رياضاته الروحية وسيره وسلوكه في عالم الملكوت، كان سلطان العلماء دائم الذكر لله. سلطان العلماء الذي كان من احفاد عبد الرحمن بن ابي بكر قد اهتم بتربية ولده جلال الدين حتى جاء الولد على سرّ ابيه غارقاً في عوالم الروحانيات، كل الاحداث من حوله قد شدته الى آيات الله وآلائه، مناجات اهل بيته جعلته يشعر بالعالم الوضاء ودنيا ماوراء المحسوسات، كان حج البيت الحرام امنيته والعبادات الرجبية كانت تملأ قلبه الصغير بالسرور والمرح. برهان الترمذي كان معلماً للمولوي وتلميذاً لأبيه، هذا الاب وهذا الوالد جعلا جلال الدين غارقاً ليل نهار في دنيا الروحانيات. سلطان العلماء والد مولوي كان يقضي اكثر اوقاته خارج البيت في مجادلة علماء البلاط والحكام، لقد كان فقيهاً ومدرساً وواعظاً واشتغل بالتدريس والافتاء، كان يسافر الى مدن خراسان المختلفة ومدن ماوراء النهر وتركستان من اجل الوعظ والارشاد، كانت مجالس وعظه ساخنة وحلقات دروسه مفعمة بالمعنويات. في مثل هذه الاجواء اخذ جلال الدين مولوي ينظر الى الحياة نظرة عرفانية، وآن الاوان لان يذهب جلال الدين مولوي الى الكتاتيب يتعلم الى جانب الاطفال القرآن والحديث ومقدمات العلوم، كان يأنس بالحكايات والمشاهد الخيالية التي يسمعها من اقرانه في الكتاتيب ومحلّ سكناه. ويمكن القول ان معلمه خارج البيت هي الحياة اما معلمه في البيت فكان والده واجواء القدسية والطهارة التي كانت تلقي ظلالها عليه. لقد علّم الوالد ولده ان عليه ان يبحث وراء كل شيء عن الله، وان الصلاة هي طريق لقاء الله وعليه ان يؤديها بحضور قلب وسكينة، وجرب جلال الدين الطفل الصغير البكاء العرفاني ما بين صلاته ودعائه لربه. كان يقضي اياماً طويلة في الصيام واكثر اوقاته في القراءة والتفكر في ذات الله، وفي العابه ابان طفولته وصباه كان كالرجل يفكر في الرموز الخفية وراء تلك الالعاب. ******* جلال الدين محمد -1 - 1 2007-09-26 00:00:00 2007-09-26 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3580 http://arabic.irib.ir/programs/item/3580 سمّت منظمة التربية والعلوم والثقافة التابعة لمنظمة الامم المتحدة والمعروفة اختصاراً باليونسكو، العام 2007 للميلاد عام جلال الدين محمد المولوي، وتأتي هذه التسمية بمناسبة مرور ثمانية قرون على ولادة هذا الشاعر الايراني الشهير. وفي هذا الاطار بدأت منذ الآن مراسيم واحتفالات خاصة لتكريم هذه الشخصية العالمية الفذة في ارجاء العالم المختلفة. هذا وان ترجمة النتاجات الادبية والعرفانية لهذا الشاعر الى مختلف اللغات واقامة المؤتمرات العديدة وانتاج افلام سينمائية ووثاقية عن حياة مولوي واعداد قطع موسيقية على اساس غزلياته فضلاً عن نشاطات وملتقيات مختلفة في ايران وفرنسا وتركيا والمانيا وامريكا وبريطانيا وشبه القارة الهندية، وبلدان اخرى ان دلت على شيء فانما تدل على اهمية هذا الامر. وفي مقالة لها نشرت قبل مدة كتبت صحيفة الغاردين البريطانية تقول: ثمة موضوع قد يبدو وغير قابل للتصديق ففي العالم الذي تعج به احداث عديدة مثل حادثة الحادي عشر من سبتمبر وصدام الحضارات وما فعله بن لادن، يلاحظ ان اكثر دوواين الشعراء بيعاً في امريكا ديوان الشعر الكلاسيكي للشاعر الايراني مولوي. وفي بيان اليونسكو بمناسبة تسمية العام 2007 ميلادي باسم الشاعر مولوي نقرأ ان اليونسكو يرى ان الشخصيات الثقافية والعلمية والادبية في العالم لاتتعلق بقوم او ثقافة او شعب ما، انها ملك لكل المجتمع البشري. وان اليونسكو يهدف الى التعريف بالشخصيات التي كان لها دور اساسي في اغناء الثقافة والحضارة العالمية، والى دعوة كل بلدان العالم للتعاون والمشاركة في الحوار بغية اقامة تفاهم ثقافي عالمي واشاعة الصلح في انحاء المعمورة. ان الانظار تتوجه اليوم وفي العالم الى مولوي وادبه وثمة سؤال اشغل اذهان الكثيرين، من هو مولوي؟ وما هي خصائص ادبه؟ فعلى الرغم من انقضاء عدة قرون لم يقل مريدو هذا الشاعر فحسب، لا بل ازدادوا من يوم لآخر. وجاء في تقرير لصحيفة الغاردين الانكليزية ان السيد كلمن باركس قام بترجمة النتاجات العرفانية والادبية لمولوي وان اكثر من نصف مليون نسخة قد بيعت من هذه الترجمة في كافة انحاء العالم، ويبدو انها اي نتاجات مولوي قد ترجمت الى لغات اساسية في العالم، هذا في وقت لم تتجاوز مبيعات كتب اخرى فيه عن عشرة آلاف نسخة. ومولوي العارف والشاعر الايراني هو جلال الدين محمد البلخي نسبة الى مدينة بلخ، وُلِدَ في القرن السابع للهجرة وابوه (بهاء ولد) الخطيب والمدرس والعارف الذائع الصيت في بلخ، وفي ظل ابيه تربى مولوي الشاعر، وكان (بهاء ولد) بالنسبة له في مكانة الوالد والاستاذ معاً. ومع اشتداد تهديدات الجيش المغولي وهجماته على حدود ايران وهدم المدن وارتكاب المذابح بحق الابرياء من الناس واستبداد حكومة السلطان محمد خوارزم شاه، اضطر الكثير من رجال الثقافة في ايران الى ترك وطنهم، ومن بين هؤلاء المهاجرين كان (بهاء ولد) والد مولوي الذي توجه لزيارة بيت الله الحرام والحجاز مع ابناء اسرته و300 من اتباعه. وبعد ان اقامت اسرة مولوي في نيسابور وبغداد والشام والحجاز توجهت الى مدينة لارندة في آسيا الوسطى ومنها الى مدينة قونية حيث حل بها المقام الى نهاية العمر. ودرس مولوي عند ابيه وتلاميذه البارزين والاساتذة المشهورين في ذلك العصر وتعرف على العلوم التي كانت متداولة في عصره وبعد وفاة ابيه حل هو محله. وبفضل معلوماته وقريحته الشعرية وذوقه الادبي اصبح مولوي فريد عصره واجتمع له مريدوه الكثيرون. ومن مؤلفات مولوي كتاب (المجالس السبعة) وكتاب (فيه ما فيه) وهما نتاج جلساته في الوعظ والتدريس وله كذلك ديوانه المعروف بالمثنوي وديوان شمس. وفي الخامس من جمادي الاخر من عام 672 للهجرة توفي مولوي في مدينة قونية عن 68 عاماً. ويعتبر مولوي شاعر القصة، ففي قالب قصصي ابان مولوي افكاره وعقائده وصبّ ادقّ المعاني العرفانية في كؤوس قصص المثنوي فارتشف من رحيقها عشاق العرفان والحقيقة. *******