اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | المقاتل الحسينية http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb المقاتل الحسينية -26 - 26 2009-02-15 00:00:00 2009-02-15 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5039 http://arabic.irib.ir/programs/item/5039 الحمد لله رب العالمين، وازكى الصلاة على المصطفى الهادي الامين، وعلى اله الهداة الميامين. كما سبق الحديث حول المقاتل التي كتبت في شهادة الامام الحسين (عليه السلام) واهل بيته واصحابه رضوان الله عليهم، انها لما دونت واستقرت فيها اخبارها وروايتها التاريخية والعقائدية، اخذت الاقلام تدخل الى هذا الموضوع من زوايا وجوانب اخرى، وباساليب جديدة، منها: تحقيقية، ومنها تحليلية، ومنها: اخلاقية وعقائدية وانسانية. فكان من ثمار الاطروحات الكتابية المتأخرة عن اطروحة السرد التاريخي المجرد، كتاب ظهر عن يراع الشيخ المولى نوروز علي البسطامي من بلاد فارس، حمل عنوانا جديدا في عالم التأليف حول شهادة الامام ابي عبد الله الحسين (عليه السلام)، وهو: "امواج البكاء"، فمع الكاتب والكتاب هذه الدقائق القليلة. كما ورد في (الذريعة، الى تصانيف الشيعة) لاغابزرك الطهراني، كان المولى نوروز البسطامي من العلماء العاملين، والواعظ المخلصين، والخطباء البارعين، وقد تلمذ على يد كبار العلماء من تلامذه اليسد مهدي بحر العلوم والشيخ الوحيد البهبهاني. وخرج عن يراعه العلمي جملة مؤلفات نافعة، منها: سراج المجتهدين في آداب صلاة الليل وادعيتها. والفوائد الرضوية، ترجمة وشرح لطب الامام الرضا (عليه السلام) لاستاذ الشيخ محمد حسن المشهدي. وفردوس التواريخ ـ في تواريخ خراسان واحوال الامام الرضا (عليه السلام)، والتحفة الرضوية، والتحفة الحسينية، ثم "امواج البكاء"- في تعداد مواضع بكاء ابي عبد الله الحسين يوم عاشوراء، وذكر مصائبه، وهو باللغة الفارسية ـ طبع لاول مرة 1388 هجرية ـ 2006 ميلادية. ويبدو ان كان للشيخ البسطامي مكتبة كبيرة اوقفها على الحرم الرضوي الشريف، وكان المتولي عليها ولده المولى صادق بعد وفاته رحمه الله سنة 1309 هجرية. اما مقدمة المترجم المحقق سماحة السيد علي اشرف، فقد جاء فيها: اليوم عاشوراء، اليوم بكى الحسين. الحسين الذي بكت عليه الموجودات جميعاً، بكت عليه السماوات دماً وتراباً احمر، وقد احمرت الافاق وانسكفت الشمس ومن قبل بكاه الانبياء والاوصياء، وبكاه اشرف الخلق وسيد الكائنات، محمد صلى الله عليه واله وبكاه سيد الوصيين، علي امير المؤمنين، وسيدة نساء العالمين فاطمة التي لازالت لها شهقات. وكان عاشوراء، فبكى فيه الحسين، وارتفع صوته بالبكاء، فبكى الوجود لبكائه. فلماذا بكى (عليه السلام)؟ ومتى بكى؟ ولاي مصاب ارتفع صوته بالبكاء (عليه السلام)؟ هذا ما حاول المؤلف البسطماني رحمه الله ان يعرضه في كتابه ( امواج البكاء ). وكان من محاسن المقتل الحسين الشريف الذي كتبه البسطامي بعنوان "امواج البكاء" ان مؤلفه تقدم بمقدمة مناسبة لاطروحته التي اراد ان يبين من خلالها الحالة العاطفية النبيلة عند الامام الحسين (عليه السلام)، وقد تضمنت هذه المقدمة موضوعا حول البلاء والصبر، مبرهنا ان البلاء رحمة ونعمة، ذاكراً قول رسول الله صلى الله عليه واله: ان الله يتعاهد وليه بالبلاء، كما يتعاهد المريض اهله بالدواء، معلقا على ذلك بقوله: فهذه البلايا عطايا من الله الرؤوف الرحيم بعباده؛ وذلك ان هذه البلايا اذا كانت من اجل تطهير العباد من الخبائث والمعاصي، فهي دفع لبلايا اعظم. ثم يذكر المؤلف الشيخ البسطامي ابتلاء الانبياء والاوصياء والاولياء، واقتران المقامات العالية التي ناولها بالصبر، مستدلاً على ذلك بايات، ليقول بعد ذلك: ان عمدة وجوه الصبر في هذه المرحلة: ان يتذكر المرء ماورد في الحديث: اذا اصابكم مصاب ونزل بكم بلاء فتذكروا مصائبنا، فتهون عليكم مصائبكم وتتاسون بنا. اضاف رحمه الله قائلاً: وليتاس العبد في البلايا والمحن والالام بما نزل باشرف الخاضعين لله تعالى، وسيد المظلومين في سبيل الله تعالى، الامام الحسين (عليه السلام)؛ ليكون تذكرة سببا لدفع البلاء، واستيفاء الاجر من الله والعطاء، ورفعة الدرجات، من عند واهب الرحمات والبركات. يختم مقدمته بهذه العبارات المعللة لتاليفه قائلاً: لهذا انبريت لجمع هذا المختصر الشريف في بعض المصائب والمواقع التي انكسر فيها قلب "سلطان الاحزان"، وبعض المواضيع التي بكى فيها وسالت دمعته، وانبعثت زفرته، وحسراته وعبرته، فتكون ذكرى للشيعة وقد سميته: "امواج البكاء، في تعداد جملة من بكاء سيد الشهداء روحي له الفداء". ولم يتم حديثنا حول هذا المقتل الحسيني الشريف، لذا نرجو الله تبارك وتعالى ان يوفقنا للقاء طيب آخر معكم، حتى يكتب الله لنا ذلك، نتمنى لكم اسعد الاوقات واهنأها وانفعها، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ******* المقاتل الحسينية -25 - 25 2009-02-14 00:00:00 2009-02-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5037 http://arabic.irib.ir/programs/item/5037 بسم الله، والحمد لله، وأشرف الصوات الزاكيات على حبيب الله، المصطفى الهادي رسول الله، وعلى آله أولياء الله. هذه هي الوقفة الأخيرة مع مقتل حسينيّ شريف، هو جديد في أطروحته وأسلوبه، ذلك هو: "أمواج البكاء، في مواضع بكاء سيّد الشهداء"، للعالم الفاضل المولى نوروز عليّ البسطاميّ، كتبه باللّغة الفارسيّة، فترجمه وحققه فضيلة السيّد علي جمال أشرف، فطبع في الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة. وقد حمل هذا الكتاب ثلاث خصائص مهمّة ذات امتياز: الخصّيصة الأولى: في ذات الكتاب، حيث جاء بموضوع لافت وعنوان جديد، ربمّا غاب عن أذهان أرباب المقاتل، كما جاء بأسلوب عاطفيّ عن فكرة جديدة ركّزت على الجانب الإنسانيّ الرفيع لدى سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين (صلوات الله عليه) وهو في أصعب المواقف القتاليّة العصيبة وعناوين الكتاب الداخليّة في فصوله كانت جديدة وظريفة، نقرأ في مقدّمته الخواصّ المترتبة على انكسار قلب الحسين وعلّة بكائه (عليه السلام)، وفيما بعدها نقرأ بكاءه (عليه السلام) في مواقف حزينة عديدة، تشير إلى رقته وعاطفته الإنسانية في أسمى حالاتها ودرجاتها والفصول سمّاها الكاتب - أو المحقق- بأمواج البكاء، فيكتب (الموج الثاني) في بكائه (عليه السلام) منذ أن ودّع روضة جدّه المصطفى (صلى الله عليه وآله) في المدينة متوجّهاً إلى العراق. والموج البكائيّ الثالث في بكائه (سلام الله عليه) منذ نزوله أرض كربلاء إلى حين شهادته، يمضي فيه المؤلّف (رحمه الله) في سبعة وعشرين حديثاً وخبراً ورواية، فإذا انتهى من الأمواج الثلاثة كتب في عنوان الموج الرابع: (بكاء الصدّيقة الصّغرى زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين عليها أفضل صلوات ربّ العالمين) يعرض المؤلّف خلال ذلك تلك العاطفة النبيلة التي وهبها الله جلّ وعلا لسيّد شباب أهل الجنّة، الحسين بن عليّ، والمتخلّقة بأخلاق الله سبحانه وتعالى، من الشفقة بالناس، وتمنّي الخير والسعادة لهم، والحرص على هدايتهم ونجاتهم، والرحمة والرّفق بهم، والتأثّر القلبيّ على من يصاب من الأحبّة المؤمنين، وذوي الرّحم المخلصين. والخصيصة الثانية: في الكتاب "أمواج البكاء" الموالون هي في المؤلّف الكاتب، فهو عالم فاضل، صاحب مقال ومقول، ويراع راشح بالمعارف الشريفة، وقد أثمرت علومه عن كتب عديدة تحوم حول أهل البيت النبويّ الطاهر، كان منها هذا الكتاب النافع، المثير للإعجاب والمدرّ للدموع الموالية، وهو يحكي عن قلب مفعم بالولاء لرسول الله ولآله الأطياب (صلوات الله عليه وعليهم). أمّا الخصيصة الثالثة: في "أمواج البكاء" فتتجه إلى المترجم سماحة السيّد علي أشرف، فهو إلى كونه من أهل العلم والفضيلة، خطيب حسينيّ، ومحقق مطّلع، ومترجم محيط بمعاني اللّغتين: العربيّة والفارسيّة، وكتاب "أمواج البكاء" موضوعه من اختصاص فصيلة المترجم، فهو يجيد التعبير الروائيّ، ويعرف أسلوب المقاتل الحسينيّة، ويحسن لغة الخطابة والكتابة معاً، وقد طعّم كتاب (الشيخ فوروز البسطاميّ) بفاكهتين علمّيتين، نفع بها الكتاب وقرّاءه: الأولى: التحقيق العلميّ باستخراج مصادر ما أورده الكاتب (رحمه الله). والثانية: القطع الأدبيّة الشّعريّة المناسبة التي أوردها في محالّها، منسجمة مع الموضوع العاطفيّ والأسلوب العاطفيّ، اللّذين توخّاهما المؤلّف (قدس سره)، فخرج الكتاب في حلّة جديدة ترتاح له النفوس والقلوب والأذواق والمشاعر الإنسانيّة، كما تضفي على المشاهد العاشورائية شعاعاً مبصّراً للبصائر والأبصار معاً. ويبقى إلى جانب المزايا والخصائص التي حظي بها كتاب "أمواج البكاء" من خلال موضوعه، وأسلوب مؤلّفه، وإبداع مترجمه ومحققه. لابد أن يشار إلى بعض الجوانب التي يحسن معالجتها واستدراكها، فقد رأينا ضرورة كتابة مقدّمة خاصّة بموضوعين أخلاقيّين إنسانيّين، متقاربين، هما: الرحمة، والبكاء. في بحث مختصر يهيّئ القارئ إلى دخول الكتاب بخلفيّة عقليّة وقلبيّة تميل إلى هاتين الخصلتين الطيّبتين، اللتّين تجلّتا في الإمام الحسين (صلوات الله عليه) في أشرف صورها وحالاتها، قبل كربلاء، وفي يوم عاشوراء... وقد بحث هذا الموضوع في الكتب التي تناولت الحديث حول (الأخلاق الحسينيّة)، كما بحث في الدراسات الحديثة لعلم النفس وعلم الاجتماع الانسانيّ، فرجّح البكاء والرحمة على الجمود والقساوة، وذكرت نتائج ذلك على المجتمع البشريّ. والملاحظة الأخرى في الكتاب هي ورود بعض الأخبار الشاذّة مرويّة عن كتب العامّة، وهي لا توافق مصادرنا فضلاً عن مخالفتها لمعتقداتنا إذ لا تليق بشأن أوليائنا (سلام الله عليهم)، فليس كلّ ما ورود في (تذكرة الخواص) أو نقل عن حميد بن مسلم مسلّماً عندنا. ثمّ لا تزال في الكتاب ثغرات بسيطة يرجى أن تملأ، في هوامش التحقيق، وخاتمة الكتاب التي تحتاج الى فهارس فنّيّة لا سيما للمصادر المستفادة فيالتحقيق. وعلى العموم يبقى الكتاب ("أمواج البكاء"، في مواضع بكاء سيّد الشهداء، وخروج زينب الحوراء، في يوم عاشوراء) عنواناً جاذباً، مثيراً للحزن النبيل، والإعجاب الكبير، ومهيّجاً للعواطف الأبويّة والأموميّة والأخويّة والرّحميّة والإنسانيّة معاً، وقد ارتسمت جميعها في يوم واحد على صور مشاهد وشواهد، نقلتها لنا كربلاء الحسين. فبوركت تلك الأقلام التي حرصت بغيرة وهمّة وحماس، لأن تدوّن قصّة المقتل الحسينيّ الشريف، بل وترسم وقائعها على صور كلمات وعبارات، وأخبار وروايات، وقصص موثقة ورؤىً صالحة وحكايات. فينضمّ ذلك كلّه إلى أشرف تراث عقائديّ لدى المؤمنين، الذين رأوا في سيّد الشهداء (عليه السلام) وفي مقتله المقدّس، مناراً ونهجاً ونوراً، كلّها متّجهة إلى الله سبحانه تبارك وتعالى. ******* المقاتل الحسينية -24 - 24 2009-02-12 00:00:00 2009-02-12 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5036 http://arabic.irib.ir/programs/item/5036 الحمد لله بارئ النسمات، وأفضل الصلوات على المصطفى سيد الكائنات، وعلى آله الميامين الهداة. جدّت الاقلام بعد واقعة كربلاء، ان تنقل حوادثا ومجرياتها، وشيئاً من تفصيلاتها. فكتبت المقاتل بصور عديدة وأساليب مختلفة، وصوّرت من جوانب وزوايا متعددة، ومن قريب وبعيد، ودوّنت الوقائع السابقة ليوم عاشوراء والوقائع المتأخرة عنه. فلمّا تكاملت المقاتل ولم يبق من يروي جديدا، بدأ أسلوب جديد في الكتابة حول مقتل سيد الشهداء ابي عبد الله الحسين (عليه السّلام) وهو تناول الوقائع من أبعاد أخرى غير السرد التاريخي، فأعملت الأقلام في التحليل الديني والتاريخي والتحقيق الروائي والرجالي، والجمع البرمجيّ. فكتب الشيخ محمد بن طاهر السماوي "إبصار العين في أنصار الحسين"، وكتب الشيخ زهير بن علي الحكيم "مقتل أبي عبد الله الحسين من موروث أهل السنّة" في ثلاثة مجلّدات كبيرة، وجاء كتابا الشيخ جعفر التستري وهما: "شواهد ومشاهد" و"الخصائص الحسينية" شفعهما بكتاب جمع له من مجالسه بعنوانين: (المواعظ) و(الايام الحسينية)، ومن قبله كان لفخر الدين الطريحي كتابه المجلسي - على صورة مجالس مرتّبة عنونت بـ"المنتخب". وكان للشيخ (نوروز علي البسطامي) من بلاد فارس نصيب ايضاً في جملة الأطروحات الجديدة، حيث كتب مقتلاً آخر بطريقة اخرى سمّاه أمواج البكاء في مواضع بكاء سيد الشهداء (عليه السّلام) عرض المواقف التي تحكي رقّة قلب الامام الحسين (عليه السّلام) وإنسانيته العليا، ما يؤكّد أنه لم يأت للحرب والقتال، بل جاء للنصيحة والموعظة وإنقاذ الأمة من الانحراف والضلال. واذا كان القادة في الغالب الأعمّ يتّصفون بالقساوة والحدّة والإنتقام والوحشية، ويسمّون ذلك حزماً وشجاعة وبطولة، فإنّ المواقف الحسينية العاطفية التي تعرّف عليها الجميع في طفّ كربلاء، أثبتت للقوم أنّ الإمام الحسين كان الأخ الشفيق، والوالد الرقيق، لهذه الامة التي لم تعرف قدره، وكان يريد بها خيراً وسعادة فأرادت به سوءاً وشرّاً، فتجرّأت على الله ورسوله بقتله أبشع قتله وأفضعها. اجل، إنّ البكاء حالة انسانية راقية، طفحت في خصال الانبياء والاوصياء والأولياء في اسمى صورها ومواقفها، ثم في العبّاد والزهّاد والصلحاء، وأصحاب الرحمة والرقّة والانسانية والوفاء. معبّرة عن لين القلب ورقّته، وتفاعله الانسانّي وتوجّهه الى بارئه تبارك وتعالى. والامام الحسين (سلام الله عليه) هو القّمة في الحالات البشرية الراقية السامية، وهو أحرص الناس على سعادة الناس ونجاتهم وهو الوريث لجّده رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد وصفه الله تعالى في محكم كتابه بهذه الخصال الطيبة النبيلة الشريفة، حيث قال مرّة يخاطبه، «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ» وقال مرّة يخاطب تعالى هذه الأمة: «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ» (سورة التوبة، 128). فالرحمة والرأفة من أشرف خصال النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله) واوضحها في سيرته المباركة، وهما موجبتان للبكاء، فبكى على أولاده لمّا توفّوا بين يديه، وبكى على أعمامه وعلى زوجته الطيبة الطاهرة أمّ المؤمنين خديجة (رضوان الله عليها)، وبكى على أصحابه وأحبّته على أمّه وأبيه وقد زارهما مراراً في قبريهما، وعلى ابن عمّه جعفر الطيار، وعلى الشهداء الأبرار حمزة عمّه وعبد الله بن رواحة، وكم بكى على سبطة وريحانته الحسين (عليه السّلام) حينما أخبره الله مراراً بشهادته، فتفجّع له وأحزنه أمره. وهكذا كان اهل البيت (صلوات الله عليهم)، خصالهم نبوية عالية، منها البكاء، فماذا يتوقّع من إمام طاهر كالحسين (سلام الله عليه) وهو يرى اصحاب الضلالة يقتلون أوفى أصحابه وأعزّ أهل بيته؟! وقد جاء (سلام الله عليه) للهداية والانقاذ والنجاة لهم من الغواية الأموية الآخذة لهم نحو الجحيم الأبدي، فرقّ لهم ورئف بهم، ورحمهم، فنصحهم ووعظهم، وذكّرهم وحذّرهم، فما زادهم ذلك إلاّ إصراراً على قتله، والاقدام على جريمة عظمى تدخلهم أشدّ العذاب الأزلي، فبكى (صلوات الله عليه) لهم وعاود تذكيرهم، فأوغلوا في جرائمهم. وفي الوقت الذي كان الامام الحسين يقاتل شجاعاً لا يرهب جموعهم آلافاً تموج في صحراء كربلاء تشهر سيوفها ورماحهم ظمأى لقتله كان (عليه السّلام) لا يحبّ أن يبدأهم بقتال ولم يجز لأحد من أصحابه أن يبدأ بنزال! بل كان في كل موقف يخيّرهم ويهيء لهم الفرصة لتوبتهم وكم جرت له (عليه السّلام) دموع شريفة كتبها التاريخ وسلّط عليها الاضواء الشيخ البسطامي في كتابه النافع (امواج البكاء). الذي سيكون لنا لقاء آخر على صفحاته المشرقة وتعّرفنا على المؤلّف والمؤلّف معاً وعلى ترجمته وتحقيقة اللذين جريا على يد سماحة السيد علي جمال اشرف فخرج بحلّة جديدة مع أطروحته الجديدة مزّيناً بعيون المصادر الخاصة والعامة ومبسوطاً باللغة العربية المطعّمة بالأدب الرفيع والقصائد الفاخرة. ******* المقاتل الحسينية -23 - 23 2009-02-11 00:00:00 2009-02-11 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5035 http://arabic.irib.ir/programs/item/5035 الحمد لله رب العالمين، وأشرف الصلوات على المصطفى سيّد المرسلين، وعلى آله الميامين. إذا كان في الاشياء تقدم وتأخر، أو تقديم وتأخير، فإنّ العلم مقدّم على العمل، والمعرفة متقدمة على الحديث والبيان. هكذا تفهمنا روايات اهل البيت النبوي الشريف: فقد جاء في احدى وصايا رسول الله صلى الله عليه وآله قوله: إذا عملت عملاً فاعمل بعلم وعقل، واياك وأن تعمل عملاً بغير تدبير وعلم؛ فإنه جلّ جلاله يقول: «ولا تكونوا كالتي نقضت غزْلها من بعد قوّة ٍ أنكاثا»، وقوله صلى الله عليه وآله: من عمل على غير علم، كان ما يفسده أكثر مما يُصلح. ألا وإنّ العالم من يعمل بالعلم وإن كان قليل العمل. وأثر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: العلم رُشد لمن عمل به. أجل، فقبل أن يُحاط القلم بقبضة اليد ومسكة أصابعها، ينبغي أن يُحاط بالعلم والمعرفة والتريّث والدقّة، وحسن التحقيق ودقة البيان، وتلك كانت بعض مزايا المقتل الحسيني الشريف الذي كتبه السيّد علي بن جعفر بن موسى بن طاووس رضوان الله عليه، والمسمى بـ"الملهوف على قتلى الطفوف". إنّ امتيازات المؤلَّف، هي من امتيازات المؤلِف كذلك خصائص الكتاب، مكتسبة من خصائص الكاتب. والسيّد ابن طاووس رحمه الله كان أحد العلماء من أهل المعنى والمعرفة، كما كان من الفضلاء المضطلعين في علوم كثيرة أتقنها وأجاد فيها، حتى كان له إجماع العلماء على سموّ مكانته العلمية، وعلوّ ملكاته العقلية والروحية، فأثنى عليه كلُّ من تأخر عنه، وأطروه بالعلم والفضيلة والتقى والنُّسك ِ والكرامة، والوثاقة والزهد والجلالة، والورع والعدالة. فلم يكتب إلا ّ عن علم واطلاع واطمئنان، وعن بصيرةٍ وتحقيق وإدراك، فهذا السيد كان أورع من أن ينتقل كلّ ما روي على غير هدى ولا علم، وأتقى من أن يترك الاخبار على علاتها من دون تمحيص وفحص وتنقيب واستخلاص علمي دقيق. لذا جاء كتاب "مقتل الحسين عليه الصلاة والسلام" للسيد ابن طاووس، والموسوم بـ" الملهوف على قتلى الطفوف" في اوثق ما كتب من المقاتل الشريفة؛ وذلك لانسيابية ما جاء فيه وفق العقيدة الاسلامية الصحيحة، ولتناغم هذا المؤلف مع الحقائق الشيعية الحقّة والافكار الامامية السليمة، لان كاتبه رجل عالم كبير، وناقد خبير، فكتب "المقتل" هذا خالي عن الاشكالات العقائدية وملابساتها المتسربة عن بعض المرويات والاخبار الغريبة الهجينة، فجاء كتاب "الملهوف على قتلى الطفوف" منسجماً مع العقائد الامامية من جهة، والوقائع التاريخية المؤكدة من جهة ثانية، وذلك يعود الى انّ المؤلف كان عالماً في العقيدة، كما كان عالماً في التاريخ. لاهمية موضوع "مقتل سيد الشهداء ابي عبد الله الحسين سلام الله عليه"، ولفضيلة المقتل الذي كتبه السيد ابن طاووس رحمه الله، وهو "الملهوف على قتلى الطفوف"، توجه الاهتمام: اولاً: - الى نشرـ هذا الكتاب من خلال طبعه، وقراءته في المراسم الحسينية وشعائرها. وثانياً: - الى مراجعته ـ وتحقيقه، فكان للاستاذ المرحوم عبد الزهراء عثمان محمد بذل جهد في هذا المضمار، اثمر عن اعداد للكتاب وتوثيقه بالمصادر، وتوشيحه بالهوامش والتعليقات التحقيقية حسب ما أرتآه من خلال دراساته في السيرة والتاريخ، وخرج الكتاب في حلته الجديدة سنة 1419 هجرية مزيناً بالملاحق، ومثبتاً بالمصادر، ومبيناً بالعناوين الاصلية والفرعية في ثلاثة مسالك: الاول: في الامور المتقدمة على القتال. والثاني: في وصف حال القتال. والثالث: في الامور المتأخرة عن قتل الحسين (عليه السلام) تقدمها المحقق بمقدمة قرابة عشرين صفحة حول سيرة السيد رضي الدين ابن طاووس (المولود سنة 589 والمتوفى سنة 664هـ ) رضوان الله تعالى عليه. وكان قد سبق الاستاذ عبد الزهراء عثمان محمد في تحقيق كتاب "الملهوف، على قتلى الطفوف"، المرحوم الشيخ فارس الحسون، حيث نشر الكتاب هذا في طبعته الثانية سنة 1417 هجري بتحقيق علمي جديد، مع مقدمة فاخرة، سماها بـ"البيانات التي ظهرت بعد شهادة الامام الحسين (عليه السلام)"، ذكر فيها على نحو تفصيلي عناوين الايات الكونية، والتقلبات الطبيعية التي حدثت اثر قتل سيّد شباب اهل الجنة موثقة بعشرات المصادر السنية، من تكلم رأس الحسين وهو على الرمح بالقرآن وغيره، الى وجدان الدم العبيط تحت كل حجر الى احمرار السماء كالعلقة، وتلطخ الحيطان بالدم، وظلمة الدنيا ثلاثة ايام، وانكساف الشمس حتى بدت الكواكب نصف النهار، واسوداد السماء وسقوط التراب الاحمر وغير ذلك من الظواهر الكونية الرهيبة الغريبة، اضافة الى نوح الجن، والعثور على حجر مكتوب ومخطوط على جدران دير تشير الى فاجعة الطف العظمى، وغير ذلك من الوقائع العجيبة التي حدثت، ومنها صور الانتقام الالهي من قتلة الحسين واهل بيته وأصحابه. كل ذلك دوّنه فضيلة الشيخ فارس الحسون نقلا ً عن اوثق كتب العامة. بعد ذلك عرّف (رحمه الله) باول من كتبوا في "المقتل الحسيني" الى زمن السيد ابن طاووس، فجاء بثلاثة وثلاثين عنواناً معروفاً من كتبه، الحق بذلك قرابة عشرين صفحة في التعريف بشخصية السيد ابن طاووس رحمه الله وقدس سره، لا سيما الجانب العلمي المعرفي منها، ذاكراً بعد ذلك خمسين شخصية علمائية كتبت في السيد ابن طاووس، مشيراً الى كتبهم والصفحات التي ذكروا المؤلف ابن طاووس فيها وقبل دخوله في عرض الكتاب وتحقيقه كتب عنواناً (حول الكتاب) في نسبته الى المؤلف وأسمائه التي عرفت وأشير اليها، وفي النسخ الخطية المتوفرة منه، وطبعاته وترجماته، واخيراً في عمله التحقيقي في الكتاب. ثم دخل الى متن الكتاب على ثلاثة ـ مسالك ايضاً: ما قبل القتال، وعنده، وما بعده. ******* المقاتل الحسينية -22 - 22 2009-02-08 00:00:00 2009-02-08 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5034 http://arabic.irib.ir/programs/item/5034 بسم الله، والحمد لله، وأزكى الصلاة والسلام على محمدٍ حبيب الله، وعلى آله أولياء الله. القلم الذي تُمسكه يد عابدة طائعة لله تبارك وتعالى، يُملي عليها قلب منوّر بالايمان، وفكر صحيح الاعتقاد، ذاك قلم يُثمر كتاباً نافعاً مؤثراً في العقول والنفوس والارواح. وفي المكتبة الحسينية كتب مقاتل عديدة، يمتاز من بينها كتاب اسمه: اللهوف، في قتلى الطفوف، او: اللهوف على قتلى الطفوف، وفي تحقيق جديد خرج بعنوان: الملهوف على قتلى الطفوف، مؤلفه رجل من السالكين الفضلاء، رضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن طاووس، المتوفى سنة ستمئة وأربع وستين من الهجرة. لابأس بالتعرف عليه من خلال نبذة قصيرة من حياته، قبل التعرف على كتابه هذا أو بقية مؤلفاته. السيد ابن طاووس محدث وعالم فاضل، وفقيه كبير، وهو الى ذلك اديب ومنشيء بليغ، تشهد له المكتبة الاسلامية، والمحافل العلمية، أولها: الحلة الفيحاء التي تعرّفت على معارفه ومواهبه، ثم بغداد. وكان رجلاً ورعاً تقياً من اهل العبادة من جهة، وبصيراً حاذقاً في الشؤون العلمية والاجتماعية من جهة اخرى. فتجنّب فتن زمانه، وانصرف الى ما يخدم به الاسلام والمسلمين من خلال تولي نقابة الطالبيين، وحقن دماء الناس على يد هولاكو المغولي الذي احتل بغداد، ومن خلال نشر العلوم الدينية المنوّرة، ومنها: الاقبال بالاعمال، وفلاح السائل، وكشف المحجّة، ومصباح الزائر، وغياث سلطان الورى، لسكان الثرى، ومحاسبة النفس ومنها ايضاً كتاب في مقتل الامام ابي عبد الله الحسين (عليه السلام) عُرف بـ"الملهوف على قتلى الطفوف". الذي كان من كتب المقاتل المتقدّمة زمناً وأسلوباً، فحظي بتوفيق ٍ خاص ٍ ومزايا فاخرة، جعلت منه مرجعاً متقدّماً في كتابه المقتل الحسيني وقراءته على مسامع المؤمنين الموالين. إنّ من أوائل خصائص كتاب "الملهوف على قتلى الطفوف" للسيد ابن طاووس: انفراده بمطالب لم يُعثر عليها في بقية كتب المقاتل الحسينية، وذلك عائد: إما الى طريقته الخاصة في استجماع الاخبار، واستحصال صحيحها وموّثقها،، وإما الى استفادة السيّد ابن طاووس من مصادر خاصّةٍ كانت يومذاك في يده، ثم أتلفتها حرائق هولاكو بعد سقوط بغداد بيده! وعلى اية حال، فالمؤلف في أمر وثاقته وجلالة شأنه هو ممن يُخذ عنهم بأطمئنان في هذا المجال،وقد استفاد مما يراه مفيداً، وربما اعتمد في بعض الاخبار على ابن أعثم الكوفي من كتابه "الفتوح"؛ لتطابق بعضها فيه وفي "الملهوف". ثم ان ابن طاووس رحمه الله امتاز عن بقية المؤرخين والمحدثين بعدم اعتماده على الاسناد اعتماداً كاملاً، بل كان يقف على عدة روايات في الواقعة الواحدة والموقف الواحد والخبر نفسه، ثم يعطينا نصاً متكاملاً مفهوماً واحداً، وحادثة منسَّقة واحدة، بعيداً عن إثقال الاخبار بالاسانيد المربكة احياناً، حتى ليشعر القارئ في كتاب السيّد ابن طاووس بحالة من الاختصار المشوِّق، ذلك الاختصار الخالي من الحواشي والتطويل بلا طائل، وهكذا كان "الملهوف"، بلا تطويل مملّ، ولا اختصار مخلّ. ونبقى ايها الاخوة الاعزة مع السيد ابن طاووس رضوان الله عليه، وكتابه "الملهوف على قتلى الطفوف"، وهو يظهر لنا على صورة مقتل جديد، ونافع مفيد، مُزيَّن ٍ بخصائص فريدة، كان منها سلاسة العبارة وعدم التداخل في نسج الحوادث، وكم سعى المؤرخون في أداء ذلك عند كتابتهم للوقائع التاريخية، لكنهم لم يُوفقوا الى ما وُفق اليه السيّد ابن طاووس في كتابه المقتل، فاعتبر اسلوبه في درج الاخبار مرحلة متقدمة ومتطورة من مراحل كتابه "مقتل الامام الحسين بن عليّ سلام الله عليه"، فابن طاووس لا يكتفي بالاستعراض المجرد للمرويات التاريخية، ولا يستعرضها استعراضاً عشوائياً بل يعطينا مستخلص الحادثة؛ ولذا لا نجد عنده تداخل العبارات، كما لا نجد عنده ارتباك المشهد التاريخي للواقعة. وإلى هذا نجد النصوص الشعرية الواردة عن السنة الشهداء في أراجيزهم قبيل النزال والقتال والشهادة، أو الواردة عن السنة غيرهم، نجدها نصوصاً وفيرة ودقيقة في كتاب السيّد ابن طاووس "الملهوف على قتلى الطفوف"، بل هي اكثر وأوفر وأدق من النصوص الشعرية التي نقلها غيره في مقاتلهم. وفي هذا اشارة تحقيقية إلى سعة أطلاع السيد ابن طاووس، ودقته الادبية في المتون الشعرية. ******* المقاتل الحسينية -21 - 21 2009-02-07 00:00:00 2009-02-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5033 http://arabic.irib.ir/programs/item/5033 بسم الله، والحمد لله، واسمى الصلاة وأزكى السلام على حبيب الله، محمدٍ رسول الله، وعلى آله أولياء الله. بعد واقعة عاشوراء، جدّت الاقلام في تدوين هذه الواقعة الكبرى التي هزّت العوالم وأذهلت التاريخ، فكُتبت الاخبار المنقولة والمسموعة، والمرويات الواردة عمّن شهد قصة كربلاء أو نقل إليه شيء منها. حتى إذا ثبتت معظم الوقائع المحكيّة، أخذت الاقلام تكتب في تصنيفها وتحليلها، وأحيانا في توثيقها وتحقيقها، من خلال دراسات في عالم الرجال والسيرة، وعلم الرواية والدراية وقد أثمرت الجهود المشكورة في هذا المجال عن تأليفات رافقها التوفيق في البحث العلمي والاسلوب الابتكاري، كان منها كتاب: "مقتل الحسين (عليه السلام) برواية جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) من كتب العامّة" بقلم فضيلة الشيخ قيّس العطار، حيث حاول فيه المؤلف بحث جميع الروايات الواردة عن العامّة، مستوفيا ً إياها، ومتناولاً طرقها وأسانيدها ورجالها، حديثاً حديثاً، ورواية رواية، حتى اجتمع عنده من حصيلة البحث عشرون صحابياً يُضاف إليهم رأس الجالوت وكعب الاخبار مخبرين عن شهادة الامام الحسين (عليه السلام) من الكتب السماوية السابقة، يُضاف إلى الجميع رؤيا ابن عباس ورؤيا أمّ سلمة. ثم ّ ينتقل المؤلف (العطار) الى التابعين، فيرى عدداً كبيراً منهم يروون عن الصحابة عن النبي صلى الله عليه وآله ما أنبأ به من شهادة ابي عبد الله الحسين سلام الله عليه، حتى يقارب عدد التابعين خمسين رجلاً. وعن اولئك التابعين روى عدد ضخم يُصطلح عليهم (تابعي التابعين)، ومن بعدهم هم أكثر فأكثر، حتى تحقق التواتر في جميع الطبقات ما روي عن مقتل سيّد شباب اهل الجنة صلوات الله وسلامه عليه. إنّ نتيجة البحث الذي قدمه الشيخ قيّس العطار في كتابه "مقتل الحسين برواية جدّه من كتب العامة"، أظهرت أنّ الجلَّ الاكبر من روايات علماء السنة وطرقها هي صحاح وحسان، ومقبولات ومعتبرات، في مصطلحات علم الحديث عن علماء السنة، يعلق المؤلف على ذلك بقوله: لعلنا لانجد كما بهده الضخامة من هذه الروايات في تاريخ الاسلام حول موضوع ما، اللهم إلا ّ في الاحاديث الناصة على ولاية امير المؤمنين عليّ وإمامته (عليه السلام)، وكذا في الاحاديث المنبئة عن ظهور الحجة المهدي سلام الله عليه، وما يسبق ذلك الظهور المبارك ويرافقه ويتلوه من الحوادث والوقائع. وبذلك تكتمل المفاصل الرئيسية في سلسلة أحاديث الامامة، أخذاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله. إنّ مؤلف "مقتل الحسين برواية جدّه رسول الله من كتب العامة" فضيلة الشيخ قيّس العطار، قد اعتمد في تأليفه هذا على تبنيّ مناهج أبناء العامة: دراية ً، ورجالاً، في توثيق تلك الاحاديث المنقولة في كتب العامة أنفسهم؛ لبيان قيمتها العلمية ودرجة وثاقتها، متجاوزاً منهجي السرد التاريخي، وإلزام المخالف، وقد اتضحت لديه من خلال تحقيقاته الروائية - الرجالية نكات مهمة، يعُزّ ـ أو بندُرـ العثور عليها في مكان آخر، سجّلها في مقدمة كتابه هذا، منها: الوقوف على تصحيفات كثيرة، واقعةٍ ـ عمداً أو سهواً ـ في رجال الاسانيد والاعلام. وهي أخطاء وردت نتيجة التوّهم والسهو وسوء النسخ أو سوء القراءة، وقد حاول المؤاف ـ مشكوراًـ توحيد الاختلافات الواقعة في أسماء بعض الرواة، وأرجاعها الى الاسم الصحيح، وحذف الاسم المحرّف أو المصحَّف عنه. والنكتة الاخرى هي انّ المؤلف استطاع الوقوف على هذه الحقيقة، وهي أنّ جميع الانتماءات في الصحابة والتابعين ومن بعدهم، من شيعةٍ وعامةٍ وخوارج وعثمانيين، كلهم رووا تلك الاخبارات النبوية الشريفة في شهادة الامام الحسين (عليه السلام). والحقيقة الاخرى في هذا الباب، أنّ المؤلف ومن خلال روايات مقتل الامام الحسين المروية عن كتب العامة. تعرّف على رواة كوفيين وبصريين، ومدنيين ومصريين، وغيرهم، دون ان يرى نصيباً ملحوظاً للرواة الشاميين الامويين، وهذا سيجل علامة واضحة تشير الى مدى التعصب الشامي والحقد والاموي البغيض الذي كان يكمن كالسل في صدور الامويين. ويقف المؤلف على حقائق كثيرة اخرى، يذكر منها ان بعض الروايات الواردة في كتب العامة حول مقتل الحسين (عليه السلام) قد اسقط بتعمد، حيث نُقلت الى الكتب الاخرى بينما لامجد لها اليوم أثر في المصدر المنقول عن: كما نُقل من "المعجم الكبير" للطبراني ما لا نجده اليوم في هذا الكتاب! كما يذكر مؤلف "مقتل الامام الحسين (عليه السلام) برواية جده من كتب العامة". انّ اقوى الروايات العامية في هذا الموضوع سنداً ومتناً وأكثرها طرقاً: هي الروايات الواردة عن امير المؤمنين علي (عليه السلام)، وعن ام المؤمنين ام سلمة رضوان الله تعالى عليها. وحقيقة اخرى يذكرها المؤلف في روايات العامة حول مقتل الامام الحسين (عليه السلام)، هي أنّ اخبارات النبيّ (ص) بشهادته كانت ضمن روايات متواترة منذ الصدر الاول؛ لذلك كان يرسلها بعض التابعين ارسال المسلمات؛ لتحقيقها القطعي على صعيد الواقع، فكلما أخبر به رسول الله جرى وحدث ووقع، بينما الاخبارات تحدثت عن الشهادة قبل ولادة الامام الحسين (عليه السلام) وعندها، وفي السنة الاولى والثانية من عمره المبارك وفي ما بعد ذلك. كما تحدثت عن لسان رسول الله صلى الله عليه وآله عن كيفية القتل ومكانه، وعمن هو قاتله، ومن هو خاذله، ومن هو ناصره، وعن عقوبة الخاذلين والقاتلين، وثواب المناصرين والمآزرين. كل ذلك في روايات علماء السنة ومحدثيهم، وهي لم تُبحث من قبل لتباعه اهل البيت (عليهم السلام) طبق مباني العامة؛ لاستغنائهم بما اخذوه، كما لم تبحث من قبل ابناء العامة وأتباع مدرسة الخلفاء، لحرص الكثير منهم على طمس معالم الواقعة، وتغطية جرائم الامويين: فجاء كتاب "مقتل الحسين برواية جده رسول الله من كتب العامة" ذكراً في بابه؛ لبحث مؤلفه جميع روايات العامة، طبقاً لمناهج ومباني العامة. ******* المقاتل الحسينية -20 - 20 2009-02-05 00:00:00 2009-02-05 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5032 http://arabic.irib.ir/programs/item/5032 الحمد لله كما هو اهله، وافضل الصلاة على النبي المختار، وعلى اله الابرار. كل المؤمنين احبوا ان يدخلوا الى كربلاء الحسين، اذ اشتاقت قلوبهم الى تلك الرحاب الطيبة، فتاملوا في عظمتها التي اكتسبتها من عظمه سيد شباب اهل الجنة، ابي عبد الله الحسين ابن علي صلوات الله عليه وكما قيل: شرف المكان، بشرف المكين. ولكن ليس كل الداخلين الى كربلاء كانوا على حال واحدة فمنهم من دخلها بالارواح المرفرفه تحوم حول ضريح سيد الشهداء بل حول روحه الطاهرة الزاكية. ومنهم من دخلها بقلوب دامية قداعتصرتها الذكريات الحزينة، والروايات الكئيبة. ومنهم من دخلها بعيون مترقرقة ‍بدموع الشوق والمودة، وانفاس المحبة والولاء. ومنهم ايضا من دخل كربلاء بعقول معجبة، لايزال الحسين شامخا، مجللا بعز الله وكرامته، وقد احتضنت ببدنه المقدس أسوارالمحبه، وأضرحة‌ الجلال، وجدران الهيبه والجمال. وكان الطغاة يتخيلون ان القتل ماح لذكر اهل البيت، فاذا به يعلو ويسمو على تعاقب الد هور، وتلك قباب المجد لامعة في اعنان السماء, وتلك منائر الرفعه هاتفة في الاذهان والاذان ان الحسين منتصر مدى الدهر، وانه حي في قلوب الملايين، كما هو حي مرزوق عند رب العالمين. نعم، وهناك من دخلوا الى كربلاء القدس باقلام العلم والمعرفه والبيان، لتدون الوقائع والاحداث والسير، وترسم لوحات تاريخيه كبرى لقصة حسينيه عظمى، تنسجها من خلال الاخبار والروايات، والمنقولات والمخطوطات، محاولة جمع ماأمكن وأختطافه من الضياع، لان البعض ـ للاسف ـ حاول خائبا ان يتعامل مع تراث آل البيت (عليهم السلام) بنوع من التضعيف والاهمال، لكن غيارى المؤمنين هبوا لتدوين ذلك التراث الشراف بعد جمعه، وترتيبه وتصنيفه بعد تحقيقه. وكان من تلك الاقلام الغيورة التي جدت في هذا المضمار قلم لفضيلة الشيخ قيس العطار، حيث بذل مجهوداً كبيراً لتأليف كتاب عنوانه: "مقتل الامام الحسين (عليه السلام)، برواية جدِّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) من كتب العامة". وكان المؤلف في كتابه هذا موفقاً في ابتكاره وتحقيقه؛ حيث نسق الاحاديث النبوية الواردة في كتب العامة تنسيقاً زمنياً منطقياً، لتخرج على صيغة رواية واحدة تحكي فضائل الامام الحسين متصلة بها قصة شهادته وآثارها في نسيج جميل ٍ مرتب على اسلوب الحكاية الواحدة، مشفوعاً بتحقيق علمي ٍ رفيع المستوى في مجال الرواية وعلم الرجال. طالما كتب الكتّاب والباحثون من الشيعة في مقتل سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه، وأفردوا لذلك تأليفات خاصة، إلا أنّ بعض تلك المؤلفات قد اعتمد منهج السرد التاريخيّ، وبعضها الاخر اعتمد ـ الى جانب السرد التاريخي ـ اسلوب التحليل والربط بين الوقائع أخذاً ورداً، بينما اعتمد آخرون منهج المزاوجة بين الروايات التاريخية والروايات الحديثية. وما تزال المكتبة الاسلامية تفتقر الى كتاب في "مقتل الامام الحسين (عليه السلام)" يعتمد على المنهج الروائي البحتْ، وعلى بحث تلك المرويات سنداً ومتناً، حتى كانت البادرة الموفّقة التي نهض بها سماحة الشيخ عبد الحسين الاميني رضوان الله عليه صاحب موسوعة الغدير، وذلك في كتابه المعروف "سيرتنا وسُنتنا". لكن هذا الكتاب هو الاخر الذي لم يكن ملماً جامعاً لكافة مرويات أبناء العامة في "مقتل الامام الحسين (عليه السلام)"، وإنما بحث قسماً خاصاً منها، هذا من جهة، ومن جهة اخرى فإن الاميني قُدس سره قد اعتمد في كتابه هذا طريقة العقائديين وأسلوب إلزام الخصم المخالف. أما الكتاب الذي نحن بصدد تعريفه، وهو "مقتل الامام الحسين برواية جدّه رسول الله من كتب العامّة" للشيخ قيس العطار، فإنه بحث جميع الروايات العامة مستوفاة شاملة، متناولاً طرقها وأسانيدها ورجالها، حديثاً حديثاً ورواية رواية، حتى اجتمع عنده من حصيلة البحث عشرون صحابيا ً، يضاف اليهم في رواية المقتل الشريف طريقان الى: رأس الجالوت، وكعب الاحبار، مخبرين عن الكتب السابقة للاسلام حول مقتل الامام الحسين (عليه السلام). يُضاف اليهما رؤيا ابن عباس ورؤيا ام المؤمنين أمّ سلمة، حيث رأيا النبيّ صلى الله عليه وآله في منامهما وعلى راسه ولحيته التراب، وبيده قارورة فيها دم، ذلك هو دم الحسين وأصحابه، كان رسول الله يلتقطه يوم العاشر من المحرَّم بعد الزوال. أجل، فتتكامل الروايات في هذا المقتل الشريف، وتنسجم في عرض روائي فاخر، وتحقيق رجاليّ علمي ٍ رفيع، ليخرج في لوحته المبتكرة وإطاره الجديد، مقتلاً في كتب العامة، تناثرت رواياته، وتركت بلا اعتناء، مع ان الحسين سلام الله عليه هو ريحانة المصطفى، وشهادته هي مفخرة الاسلام وشرفه وعلاه. ******* المقاتل الحسينية -19 - 19 2009-02-03 00:00:00 2009-02-03 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5031 http://arabic.irib.ir/programs/item/5031 الحمد لله، وأشرف الصلوات على أشرف خلق الله، محمد رسول الله، واله اولياء الله. ان جميع المؤرخين، وحتى الداعين الى اعادة كتابه التاريخ، يجمعون على ان قضية طف كربلاء، وواقعة يوم عاشوراء. قد غيرت مجرى التاريخ، واحدثت صاعقة في الوجدان الانساني وما تزال، ودفع الكثير من المعاصرين فضلاً عن المتقدمين، الى التعرف على قصة شهادة الامام الحسين (عليه السلام)؛ لما رأوا من اثارها العظيمة الممتدة الى يومنا هذا، وهي تتسع افاقها في رحاب التبليغ العالمي، وتتعمق في الضمير البشري، حتى تساءل الكثير من حكام الغرب وزعماء المسيحية واليهودي: من هو الحسين؟ وماذا كانت اهدافه؟ وكيف قتل ولماذا؟ وما هي تفاصيل تلك الملحمة التي لاتزال تدوي في اعماق التاريخ، وتعمل في تأثيراتها على الافكار والمواقف، والاجيال والاقوام؟! ومن هنا طالت وقفات كل المؤرخين عند مقتل الحسين (عليه السلام)، ومنهم صاحب "ناسخ التواريخ" الميرزا محمد تقي سبهر "لسان الملك"، فكتب في ذلك اربعة اجزاء من موسوعته التاريخية هذه، ترجمت من اللغة الفارسية الى اللغة العربية بقلم احد الافاضل المتخصصين في (تاريخ الامام الحسين (عليه السلام) ومقتله) سماحة السيد علي اشرف، فلنتعرف على المزيد من خصائص هذا الكتاب. ان اول ما يلاحظ على القسم المختص بحياة الامام الحسين (عليه السلام) من كتاب "ناسخ التواريخ" هوالترتيب الزمني، فيبدا بالحديث عن خلق الامام الحسين وخلق نوره القدسي، ثم عن ولادته وبركات وجوده الشريف، ثم عن رضاعته واسمه وكناه وشمائله، وفضائله وخصالصه والنص على امامته، ثم وقائع عصره وفترته. في سلسلة سنوات عمره المبارك، ضمن جمع من الاخبار يصل فيها المؤلف الى سنة ستين من الهجرة النبوية الشريفة، فيستعرض فيها الحوادث المتقدمة قبيل واقعة كربلا أوائل سنة احدى وستين من الهجرة وفيها: ما كان من يزيد من محاولة اجبار الامام الحسين (عليه السلام) على بيعته، وفشله في ذلك لاصطدامه بعزة ولي الله، وخليفة رسول الله، وابائه الذي صحا له المسلمون. ثم تتتابع الوقائع وتنطوي المقدمات، وتاتي نهضة مسلم بن عقيل رضوان الله وسلامه عليه، ويكون ما يكون من خذلان الكوفة فيستشهد هناك، ثم تبدا الرحله الثانية للركب الحسيني من مكة الى العراق بعد ان كانت الرحلة الاولى له من المدينة الى مكة، فيخرج سيد الشهداء من الحرم المكي يوم التروية يمنع من هتك حرمة بيت الله الحرام، الى حيث موعد شهادته ومحلها في غاضرية نينواء، التي عرفت بطف كربلاء والى حيث احياء الاسلام وايقاض المسلمين بالشهادة وفيض الدماء! ثم يجري ميرزا محمد تقي سبهر في "ناسخ التواريخ" متابعاً ومفصلاً، وقد دخل الامام الحسين (عليه السلام) هو واهل بيته واصحابه الى ارض كربلاء فكان هناك محط رحالهم، ليكون ما قد شاء الله ان يكونه، في عشرة ايام لم يشهد التاريخ منها ولن يشهد.. فكانت شهادة الاصحاب ثم شهادة الاهل والقربى والاصحاب، ثم كانت الفاجعة العضمى بشهادة سيد شباب اهل الجنة ابي عبد الله الحسين، سبط المصطفى وريحانته، في مشهد فضيع ورهيب وغريب وعجيب لا يوصف. وذاك ما اصطلح عليه "المقتل"، فاذا اطلق هذا الاسم اطلاقا انصرفت الاذهان الى مقتل الامام الحسين وشهادته صلوات الله عليه، وقد جدت الاقلام في تدوينه على نحو من التفصيل موثقا بالروايات والاخبار الصحيحة الشهيرة، والرواة الموثقين المشهورين. ثم تجري الوقائع يسجلها مداد المؤرخ سبهر من خلال ما جرى بعد شهادة الامام الحسين (عليه السلام)، يضيف اليها جملة من الروايات المتعلقة بحياة الامام وشخصيته واسرته، ويحاول بذلك اتمام قسم كتابه المتعلق بحياة سيد الشهداء (عليه السلام)، وان تاخرت بعض الحوادث عن محالها. واخيراً لابد من الاشارة الى جمله ملاحظات حول كتاب "ناسخ التاريخ" او الى القسم المتعلق بحياة سيد الشهداء (عليه السلام) من هذا الكتاب وهي على العموم: اولاً: جاء الكتاب على نحو من التفصيل، بحيث يعني الباحث والمتخصص في مجال التحقيق والمطالعة الشاملة. ثانياً: يكاد الكتاب ان يكون حصيلة مراجعة عدد هائل من المصادر ومراجع كتب التاريخ والسيرة والرجال، كما اشار المؤلف الى ذلك مدرجا اسماء مصادره. ثالثاً: لعل المؤلف "سبهر" جعل عمدة كتابه كتاب "الفتوح" لابن اعثم الكوفي، ولربما اوقعه ذلك في اطار ضيق لايخلو من اخطاء، او شواذ الاراء ‍وكان المترجم ـ وهو فضيلة السيد علي اشرف ـ رجلا متحققا، قد وجه بعضها توجيها سليماً، ورد البعض الاخر مخطئا لها ومصححا ذهن القارئ بالادلة والبراهين النافعة. رابعاً: لا يفوتنا ان نقول: ان قلم المترجم مخبر عن اطلاع وافر في العلوم الدينية، و تحقيق رفيع المستوى في السيرة الحسينية، فضلا عن نقد وتخصص وتسلط على اللغتين: العربية والفارسية، فكان موفقا في بياناته، وانتقاداته وتعليقاته وحتى في اضافاته ما وجده مناسبا من الاشعار العربية، كما كان موفقا في نقل العبارة الفارسية الى اللغة العربية بما يستأنس بها الذوق العربي وتناسب القارئ العربي، بأسلوب روائي فاخر. ******* المقاتل الحسينية -18 - 18 2009-02-02 00:00:00 2009-02-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5030 http://arabic.irib.ir/programs/item/5030 الحمدلله، وافضل الصلوات الزاكيات علی المصطفی رسول الله، وعلی آله اولياء الله. انّ شهادة الامام الحسين (عليه السلام) استوقفت التاريخ، فكيف لا تستوقف كتّاب التاريخ، واذهلت الاخبار، فكيف برواة الاخبار؟! لقد اصبحت قصة كربلاء ضرورةً في التدوين والرواية والمحاكمة التّاريخية، ومدينةً لا بدّ ان تمرّ عليها جميع الاديان كما مرّ عليها جميع الانبياء (عليهم السلام)، ولا بدّ ان تتوقّف عندها جميع الاجيال كما هي عبرةٌ كبری لجميع البشر. ومن هنا يغالط الموّرخ نفسه ويكابر عقله اذا لم يتعرّف، ثمّ يعرّف، بما جری يوم عاشوراء الحسين عام واحدٍ وستّين من الهجرة النبويّة الشريفة. وهكذا وجدنا جلّ الموّرخين لا يكتفون بالاشارة حتّی يفصّلوا في هذه الواقعة العظمی، بياناً، وتحليلاً، وراياً، بل وموقفاً‌، فاجتمعت الآراء علی ضرورة التعرّف والتعريف، وعلی ضرورة الانتصار للامام الحسين سلام ُ الله عليه بالالسنة والاقلام، بعد ان فاتنا الزمنُ للانتصار له صلواتُ الله عليه بالسيوف والرماح والسّهام. وكان من الذين كتبوا علی نحو التفصيل في تاريخ حياة سيّد شباب اهل الجنّة ابي عبد الله الحسين: المورّخ الشهيد "ميرزا محمّد تقي سپهر"، وذلك ضمن كتابه "ناسخ التواريخ"، فتعالوا معنا لنتعرّف علی هذا الكتاب بعد ترجمته من اللّغة الفارسيّة، الی الّلغة العربيّة. في البدءْ لا بدّ ان نتبيّن سبب تسمية هذا الكتاب بـ"ناسخ التواريخ"، لنری هل لهذا الاسم داعٍ موجبٌ مشيرٌ الی منهجٍ معيّن، او اسلوبٍ خاصّ؟ نعم، يذكر المؤلّف "محمد تقي سپهر" انّه راجع مئات المصادر، علی نحو التحقيق والمراجعة الباصرة، وبطريقةٍ احتوت الحوادث التاريخية، فكانه نسخ كلّ التواريخ التي كتبت قبله. هذا ما ادّعاه، ومصاديق ذلك يعثرُ عليها القارئُ بين الآونة والاخری، فانّ مِن عادة المؤلّف عند نقله للاخبار، تقديم مقدماتٍ تؤكّد انّه تتّع الخبر وراجع مصادره، ولم ينقله متعجلاً ولا متساهلاً، وعلی سبيل المثال نراه يقول في قصّة تدخّل (محمّد بن كثير) في خضمِّ احداث الكوفة ايّام نهضة مسلم بن عقيل (عليه السلام): وانا اسطّر هذه الصفحات، كنتُ قد نظرت ُ وبحثتُ في: بحار الانوار، وعوالم العلوم، وزبدة الفكر، واللّهوف، وكتب الشيخ المفيد، ومناقب ابن شهر آشوب، واعلام الوری للطّرسي، ومروج الذهب، والفصول المهمّة، وتذكرة خواصّ الامّة لسبط ابن الجوزيّ، وشرح الشافية، ومقتل ابي مِخْنَفْ، وكشف الغُمبة، وكتاب الطّريحي، وكتاب اعثم الكوفيّ، ومطالب السّؤول. الی ان يقول "محمّد تقي سبهر": وفي مئات الكتب والمجلّدات الصربيّة والفارسيّة التي الّفها العلماء العظام، في (مقتل الحسين (عليه السلام))، فلم اجدْ في ايّ كتابٍ منها قصّة تدخّل "محمبد بن كثير" في نصرة مسلم بن عقيل بهذا التفصيل الذي ياتيو ثم قال (سپهر): ولمّا كان ابنُ اعثم الكوفيّ من علماء اهل السنّة والجماعة، وله احاطةٌ ودرايةٌ في جمع السّير، ويروي غالباً عنِ ابن اسحاق وابن هشام، رايت من المؤسف ان لا آخذ ما كتبه بنظر الاعتبار. ولمترجم الكتاب ومحقّقه، فضيلة السيّد علي جمال اشرف في هذا الموضع تعليقته، فهو يقول: انّ المؤلّف - في الحقيقة - قد اسند ما نقله الی مصدره (وهو كتاب الفتوح لابن اعثم الكوفيّ) وذلك بعد التفحّص. امّا عدمُ وجود الخبر في النّسخ المطبوعة المتوفّرة اليوم بين ايدينا، فذلك لا ينقص من قدر الكتاب، وانّما قد يؤكد نقص المصادر المطبوعة، وربّما كانت قد وقعت نسخةٌ مخطوطة بين يدي المؤلّف، هي اتمُّ واكملُ من النُّسخ التي وصلتنا وتوفرّت عند محقّقي المصدر المنقول عنه. من خلال مراجعة كتاب ( ناسخ التواريخ ) يتّضح لنا انّه كتاب مدوّنٌ علی نهج الكتب التاريخية، ضمن ترتيبٍ زمنيّ، وقد اعتمد هذا الاسلوب كذلك في اجرائه التي خصّصها حول حياة سيِد الشهداء ابي عبد الله الحسين (عليه السلام)، مبتدئاً باحاديث بدو خلقه سلام الله عليه، وروايات تاريخ ولادته، ومنتهياً بشهادته، ثمّ الوقائع التي تلت شهادته صلوات الله عليه مع بعض الاخبار المتعلّقة به وباسرته المكرّمة. وقد ضمّن المؤلّف كتابه هذا جملة من الوقائع والاخبار القديمة والنادرة، بل والمتفرّدة، لاسيّما في خضمّ حوادث المقتل وحياة اهل البيت (عليهم السلام)، فضلاً عن بقيّة الابواب، ناقلاً عن المصادر التي توفّرت لديه، وكان من اهمّها كتابُ "الفتوح" لابن اعثم الكوفيّ. ******* المقاتل الحسينية -17 - 17 2009-02-01 00:00:00 2009-02-01 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5029 http://arabic.irib.ir/programs/item/5029 الحمد لله الملك الحقّ المبين، وافضل الصلوات علی خاتم الانبياء والمرسلين، وعلی آله الهداة الميامين. من وصيّةٍ للامام امير المؤمنين (عليه السلام) لوليه الحسن المجتبی (عليه السلام)، قال له فيها: «ايْ بُنَيْ، انّي - وانل لم اكن عمرت عمر من كان قبلي - فقد نظرت في اعمالهم، وفكّرت في اخبارهم، وسرت في آثارهم، حتّی عدتُ كاحدهم ف بل كانّي - بما انتهي اليّ من امورهم - قد عمرت مع اولهم الی آخرهم، فعرفت صفْو ذلك من كدره، ونفعه من ضرره...». فالتاريخ عبر، والوقائع مواقف، والمطالع للحوادث والسيّر مع الاعتبار انسان ٌ منتفعٌ مستفيد. ومن هنا كانت الضرورةُ للكتابة التاريخ، ثمب مراجعته والوقوف علی مجرياته، لاخذ العبرة، واتّخاذ الموقف في الجوانب العقائديّة والفكريّة والرسالية. ومن هنا ايضاً كانت الضرورة لتدوين مقتل الامام ابي عبد الله الحسين (صلوات الله عليه)، فمن خلال ذلك المقتل تطلّع الاجيال علر حقائق مهمّة، يعرف من خلالها الحقّ من الباطل، والمحقق من المبطل، والظالم من المظلوم، والغاصب من المغصوب. كما تعرف القيم الانسانية والدينية من النزعات الحيوانية الوحشية. فالمقتل الشريف لسيّد الشهداء الامام الحسين بن عليّ عليهما السلام، يحمل الشهادة والاخلاق والاهداف التي نهض بها الاسلام علی يد رسول الله صلّی الله عليه وآله، كما يصوّر حالاتٍ اسمی في العبوديّة لله تبارك وتعالی، والسفر الی الباري جلّ وعلا واعلی الطاعات واشرف الفداء، وكان الاجدر لكلّ ذاك هو الامام ابو عبد الله الحسين (صلوات الله عليه)، فكانت الشهادة وكان المقتل، وكانت قصّة كربلاء، ولوحة عاشوراء. انّ من المقاتل الشريفة التي دوّنت في كتب التاريخ، ما كتبه المؤرخ الشهيد ميرزا محمد تقي سپهر، المعروف بـ"لسان الملك"، وذلك في موسوعته التاريخيّة الكبری المسماة بـ"ناسخ التواريخ"، دوّنه مؤلفه سپهر باللّغة الفارسيّة، وقد ترجم القسم المتعلّق بحياة الامام الحسين (عليه السلام) فضيلة السيّد علي جمال اشرف مع تحقيقٍ وتخريجٍ لمصادره، جعله في اربعة اجزاء ضمّها مجلّدات. مستعينين بصاحب كتاب ( الذريعة ) المرحوم آقا بزرك طهرانيّ، حيث قال ضمن تعريفه: "ناسخ التواريخ" فارسيٌ مبسّطٌ مطوّل، للاديب المطلع الخبير، مستوفي الديوان، ميرزا محمد تقي الكاشاني، مقيم طهران، والمقلّب بـ"لسان الملك" والمعروف بـ"سپهر"، المعمّر نيّفاً وثمانين سنة، والمتوفّی سنة 1297 هجريّة.م شرع في تحرير "ناسخ التواريخ" في اواسط سلطنة محمّد شاه بن عباس ميرزا ابن فتح علي شاه القاجار سنة 1258 هجريّة: الاول: يضمّ حوادث ما قبل الهبوط، الی ولادة المسيح (عليه السلام). والثاني: من ولادة المسيح (عليه السلام) الی الهجرة النبوية امّا كتابه الثاني، فقد خرج منه وقائع ما بعد الهجرة في ستّة مجلّدات: الاول: في وقائع زمان النبيّ (ص) من الهجرة الی الوفاة. الثاني: في من حكم بعد النبيّ (ص). الثالث: في احوال امير المؤمنين (عليه السلام) وما وقع في زمانه. الرابع: في احوال فاطمة الزهراء عليها السلام. والخامس: في احوال الامام الحسن (عليه السلام). اما المجلد السادس: فيختصّ باحوال الامام الحسين (عليه السلام). وهذا المجلد هو الذي اعتنی فضيلة السيّد علي اشرف بترجمته الی اللّغة العربية مع التحقيق، ليخرج في مجلّدين يضمّان اربعة اجزاء تعنی بحياة سيّد الشهداء الحسين (عليه السلام)، تبدأ بذكر بدو خلق الحسين وخلق نوره، وتنتهي بشهادة الامام الحسين (عليه السلام) ومراثيه وبعض احواله وشؤونه وكلماته الشريفة. والآن نحاول التعرّف علی المؤلف، بعد ان تعرّفنا علی المؤلّف. فنقرأ في كتاب ( اعيان الشيعة ) للسيّد محسن الامين هذه العبارات: الميرزا محمد تقي خان الكاشاني في الملقّب بـ"لسان الملك" والمتخلص بـ"سبهر". كان فاضلاً، متبحّراً، اديباً، بصيراً، مطّلعاً خبيراً، له: كتاب (اسرارا الانوار في مناقب الائمة الاطهار)، وغيره وله "ناسخ التواريخ" فارسيّ كبير في غاية البسط وكان عزم المؤلّف اتمام تواريخ الائمة (عليهم السلام)، فعاجله اجله المحتوم، وتوفّي سنة 1297 هجريّة. وذكر دهخدا في كتابه "لغت نامه" انّه نقل بعد وفاته الی النجف الاشرف، حيث دفن هناك. هذا هو المقدار الذي عرف عنه، يبقی الكتاب، ما هي يا تری درجةُ وثاقته، وهل هناك من ضعّفه، وايّ شان ٍ لهذا الكتاب في المكتبة التاريخية؟ يقول السيّد علي اشرف مترجمُ الكتاب ومحققه، في مقدّمته: انّ كتاب "ناسخ التواريخ" هو مرجعٌ معتمد عند الكتّاب والمثقّفين والخطباء، وهو - كايّ كتاب - له انصارٌ وله معارضون، بل وله خصومٌ احياناً، ولكنّ "ناسخ التواريخ" - بمقدار ما اطّلعت عليه من المجلّد المتعلّق بحياة الامام الحسين (عليه السلام) - هو كتابٌ موثّق، لا يكاد المؤلف ينقل فيه شيئاً الّا وذكر مصدره، سوی بعض الموارد النادرة جداً. كما ان المؤلف يسند ما ينقله الر المصدر في مواقع ربّما لم نعثره عليه في المصدر المطبوع اليوم، وهذا في الواقع من موارد قوّة الكتاب لا ضعفه، ولم يحصل مثل هذا الّا في موردين فيما كتبه من حياة الامام الحسين (عليه السلام). يريد المحقق الفاضل السيّد علي اشرف ان يقول: ربّما كانت المصادر المخطوطة لدی المؤلّف اكمل من المصادر التي وصلتنا،‌ وتوفـّرت طباعتها اليوم وهذا موردُ قوّةٍ لا ضعف،‌ لا سيّما وانّ المؤلف لا يغفل عن ذكر المصدر الذي نقل منه، يوم كان ذلك المصدر مخطوطاً وفي حيازته. ******* المقاتل الحسينية -16 - 16 2009-01-31 00:00:00 2009-01-31 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5028 http://arabic.irib.ir/programs/item/5028 الحمد لله، وأفضل الصلاو وأسمى السلام على الحبيب رسول الله، وعلى آله أمناء الله. لفضاعة المأساة التي وقعت على طف كربلاء، كانت الضرورة العقائدية والتاريخية، والانسانية الاخلاقية لإن تكتب بتفاصيلها، وإن تعذر ان يحاط بها. ولذا وجدنا أصحاب الديانات من اليهود والنصارى وغيرهم وقفوا عند قصة كربلاء، كما وجدنا المؤرخين في جميع الاتجاهات توقفوا في سنة احدى وستين من الهجرة عند يوم عاشوراء وهكذا أصحاب الفكر وأهل الاخلاق والسير والرجال، استوقفتهم قضية الامام الحسين (عليه السلام) صلوات الله عليه؛ لرهبتها، وغرابتها، وعظمتها، فيكفي انها قصة شهادة عظمى، شهيدها سبط المصطفى وريحانته، وسيّد شباب اهل الجنة، وسيّد الشهداء. كما يكفي أنها قضية ديانة كبرى، محييها وباعثها من جديد سليل الرسول والرسالة، ومهجة قلب الزهراء والمرتضى، أبو عبد الله الحسين صلوات الله عليه. كُتبت المقاتل الحسينية، وكان لابد أن تُكتب، بأقلام يرى مايسكوها أنّ إمام وصيّ، أو يروا أنه عبد صالح وليّ، أو انه رجل حقّ ٍ أبيّ، لا يرضى بضيم أبداً، وهو القائل سلام الله عليه: «لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفرُّ فرار العبيد» والقائل أيضاً صلوات الله عليه ايضاً صلوات الله عليه: «ألا إنّ الدَّعي ابن الدعيّ، قد ركزَ بين اثنتين: بين السِّلة والذلة ِ، وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوف حميّة، ونفوس أبية، من أن نؤثر طاعة اللئام، على مصارع الكرام». وتملكَ الإعجاب قلوب الناس وعقولهم، أيُّ موقف ٍ ذاك للحسين ابن فاطمة، وهو يقول: «والله لا أعطي الدنيّة من نفسي أبدا، ولتلقينَّ فاطمة أباها شاكية ما لقيت ذريتها من أمته، ولا تُدخلُ الجنّة أحداً آذاها في ذريتها!». وبعد ذلك تملك الناس العجب، أيَّ قتلةٍ قُتل بها ابن رسول الله! فلابدّ إذن أن تُسجَّل المناقب، ثم المصائب وذلك ما نهض ببعضه الشيخ مؤمن بن حسن المؤمن الشِّبلنجيُّ الشافعيّ في تأليفه كتاب (نور الابصار في مناقب آل النبي المختار)، والذيب ضم بين دفتيّه فصلاً نختصاً بالامام ابي عبد الله الحسين (عليه السلام)، واقفاً عند قصة شهادته العظمى في إحدى وعشرين صفحة حاول خلالها عرض المقتل الشريف على نحو من العجالة بصورة ادراج لبعض الاخبار والروايات المهمة، ونقل بعض المشاهد العاشورائية. يبتدئ الشبلنجي الشافعي قصة كربلاء بهذه العبارة: قال ابو عمرو، وحبّذا لو كان عرّف به. ثم أخذ بعد ذلك في سردٍ تاريخي مرتَّب، ويشعر القارئ من خلاله أنّ الرجل لم يأخذه منحى ً متعصِّب خاص الى فئة او طائفة، وكأنه كان متحمساً لإبداء الحقائق من خلال الوقائع التاريخية، والحوادث التي نقلتها الاخبار، فأخذ الشبلنجيّ في كتابه (نور الابصار) وهو حياديُّ اللهجة الا ما ندر، فاظهر منه عبارة يبدي من خلالها رأيه واكنه في الاعم الاغلب حاول اظهار الحقائق، وتعاطف مع الامام الحسين ذاكراً بعض اسمه الشريف عبارة (رضي الله عنه) باعتباره رجلاً صالحاً طيباً سليلاً لرسول الله صلى الله عليه وآله، وليس باعتباره إماماً موصىً به مفروض طاعته؛ ولم يخل عرضه التاريخي من وقوفٍ على مواقف مهمة، منها: أن يزيد بن الحصين الهمدانيّ لما استأذن الحسين (عليه السلام) التكلم مع عمر بن سعد فأذن له، جاء فحاجج عمر فأحرجه، فما كان من عمر بن سعد إلا أن قال له: أخل همدان، إنيّ لأعلم ما تقول. ثم انشأ يقول: دعاني عبيد الله من دون قومهِإلى خصلةٍ فيها خرجتُ لحينيفوالله ما أدري وإنيّ لوقفعلى خطرٍ لا أرتضيه ومين ِأآخذ مُلك الريّ ِ مُنيتيوأرجع مطلوباً بقتل حُسين ِوفي قتلة النار التي ليس دونهاحجاب .. وملك الري قرّة عيني!وبعد نرى في المقتل الذي كتبه الشبلنجيُّ الشافعيّ في كتابه (نور الابصار) على نحو الاختصار والاقتضاب، أنّ هنالك مواضيع حساسة ومهمة، كتبها المؤلف ليتبين للقارئ أيُّ قصة ٍ كانت وجرت في كربلاء، من ذلك موضوع الرأس المقدَّس للامام الحسين سلام الله عليه، وموضوع سوق ِ الاسارى، ومجريات الاحتجاجات التي وقعت في مجلس يزيد، مع يزيد نفسه بعد قتله الحسين ونكت ثغره الشريف بقضيب الخيزران، وإحراج زين العبدين عليّ بن الحسين إياه. ثم من خائص كتاب الشبلنجيّ ( نور الابصار) في خصوص شهادة الامام الحسين (عليه السلام)، نقله: لروايات، ومنامات، وغيبيّات ٍ وكرامات، تتعلق بأبي عبد الله الحسين صلوات الله عليه، تؤكد جلالته وعِظم شأنه ومقامه السامي الكريم عند الله تبارك وتعالى، كما تؤكد مظلوميته وثأر الله تعالى لدمه، وظهور آيات مصابه ومصائبه في الاكوان ما شهدها الناس وتعاهدوها، نقل الشبلنجي ّ الشافعيّ ذلك من مصادره السنيّة المهمة بلا تردّد، كنوح ِ الجنّ على الحسين، وبكاء السماء على الحسين، وأنه لم يقلب حجر في بيت المقدس إلا ّ وُجد تحته دم عبيط بعد شهادة الامام الحسين. مثبتاً عنده ان اليوم الذي قُتل فيه الحسين (عليه السلام) هو يوم الجمعة، عاشر محرّم ٍ الحرام، سنة احدى وستين من الهجرة. بعد ذلك كان له بحث مفصل حول الرأس المقدّس، وقد جال به القوم في البلدان والديار، فظهرت له كرامات عديدة وغريبة، أذهلت الناس وعرفتهم بإمامته، ومظلوميته! وفي هذا كان الشبلنجيّ الشافعيّ ينقل عن رجال معروفين في الاوساط السُّنية، وعن رجال سماهم بـ"أرباب الكشف" ذاكراً: كرامتين، وغريبة، ونادرتين، وعجيبة. كنا نتمنى استعراضها لو كان هنالك فسحة في المجال، لكننا نترك للمستمع الكريم مراجعة ذلك في محله. وأخيراً لا يخلو الكتاب من مواضع تحتاج الى التحقيق، أو التعديل والتغيير والتعليق، نرجو أن يوفَّق الى ذلك أهل البصائر النيرّة. ******* المقاتل الحسينية -15 - 15 2009-01-29 00:00:00 2009-01-29 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5027 http://arabic.irib.ir/programs/item/5027 بسم الله وأزكى الصلاة على المصطفى حبيب الله، وعلى آله آل الله. لقد حمل الامام الحسين (عليه السّلام) هموم الرسالة النبوية الشريفة، وعزّ عليه أن يهوي المسلمون في وديان الضلالة ومستنقعات الفساد وجحيم الظالمين. فبلغ حقائق الاسلام، ودعا الى الصلاح والاصلاح، لكن الطغاة ضاقوا به ذرعاً، فقرروا قتله اينما كان ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة، وكيفما كان ولو كان ساجداً لله في محراب التوحيد والعبادة، إنّه لابد أن يقتل بأي صورة وبأي أسلوب يكون ذلك القتل. وقد شاء الله تعالى أن تقام ملحمة الشهادة على ارض كربلاء، وفي يوم عاشوراء، فاحتدمت بين عسكرين قيم الايمان والتقوى، وقيم الكفر والفسوق وقيم الاسلام الحنيف، وقيم الجاهلية الاولى وجند الثبات على الدين، وجند الرّدة والنفاق والضلال! وانتهت المعركة فوق رمال الطف الساخنة، لتنتقل الى الضمائر والقلوب، وإلى النفوس والعقول، وكانت الاخبار تتطاير في آفاق الفضاء لتستوطن هنا وهناك، وذهل الناس وعمّ العجب، وهيمنت الحيرة...؟! نعم كان له أدلته الصارخة وشواهده الحيّة، إذن لا بدّ من تثبيت ذلك على القراطيس، بمحابر التأكيد والتوثيق، وبأقلام صارخة بالحقيقة. فكتبت المقاتل، وكان منها مقتل احتلّ فصلاً في كتاب للشبلنجي الشافعيّ، سمّاه: (نور الابصار في مناقب آل النبي المختار). مما عرف في شخصية الشبلنجي الشافعي أنه كان يهتم ببعض قضايا التاريخ وحقائقه الكبيرة، وكان يميل الى العزلة وربما أعانته على فهم بعض الامور بعيداً عن تشويشات المزوّرين، كما كان الشبلنجي هذا يألف زيارة القبور والمشاهد، وذلك ايضاً مما عانه على أن يخطو خطوات نحو حياة الاولياء، ومنهم سيّد الشهداء. أبو عبد الله الحسين (صلوات الله عليه). ومما يذكر في سيرة الشبلنجي الشافعي وفي سرّ تأليفه لكتابه (نور الابصار)، أنّ رمداً شديداً أصاب عينيه، فالتجأ الى قبر العلوية الحسنية العارفة، السيدة نفيسة حفيدة الامام الحسن السبط ابن الامام عليّ (عليه السّلام)، فتوسل بها وبآبائها الكرام الى الله تعالى، ونذر إن شافاه الله جلّ وعلا أن يكتب في مناقب النبيّ وأهل بيته الاطهار صلوات الله عليه وعليهم، فارتدّ بصيراً، وأمرّ الله عينيه فوفى بنذره، وألفّ كتابه (نور الابصار في مناقب آل النبي المختار) سنة 1290 هجرية، فطبع سنة 1346 هجرية وقد حوى فيما حواه بين دفتيه فصلاً في مقتل سيد شباب اهل الجنة الامام الحسين (عليه السّلام) فماذا يا ترى في ذلك الفصل من الكتاب؟ بعد بيان الشبلنجيّ الشافعيّ لبعض مناقب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين علي سلام الله عليه، يمضي في عرض شيء من سيرة الامام الحسن وفضائله (عليه السّلام) حتى إذا بلغ فصله المتعلق بالامام الحسين، كتب بأختصار اشارات من حياته المباركة، معّرفاً بجوانب منها، ليقف قليلاً على عنوان: نبذة من الاحاديث الواردة في حقه، اي الاحاديث النبوية الشريفة الذاكرة لفضائل الامام الحسين ومناقبه، ذكر منها رواية أمّ الفضل زوجة عمه العباس بن عبدالمطلب حيث قالت: دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: يا رسول الله، رأيت البارحة حلماً منكراً! قال: ما هو؟ قلت: رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت فوضعت في حجري! فقال: خيراً رأيت تلد فاطمة الحسين. فكان في حجري كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدخلت عليه فوضعته في حجره، ثم حانت منيّ التفاتة، فاذا عينا رسول الله تدمعان! فقلت: بأبي وأميّ يا رسول الله، ما يبكيك؟! قال: جاء جبرئيل (عليه السّلام) فأخبرني أنّ أمتي ستقتل إبني هذا وأتاني بتربة من تربته حمراء! ثم يختم الشبلنجي مقدمة فصله برواية للحافظ عبد العزيز الجنابذيّ من كتابه (معالم العترة الطاهرة) عن الاصبغ بن نباتة قال: أتينا مع عليّ (رضي الله عنه) في سفرة فمررنا بأرض كربلاء. فقال عليّ: ها هنا مناخ ركابهم، وموضع رحالهم ومهراق دمائهم، فئة من أمة محمد (صلى الله عليه وآله) يقتلون في هذه العرصة، تبكي عليهم السماء والارض. كان ذلك الاماجد مقدمة لذكر مقتل الحسين (عليه السّلام) في كتاب (نور الابصار) حيث يبدأ بفصل عنونه الشبلنجيّ الشافعيّ هكذا: في خروجه الى العراق واستشهاده رضي الله عنه، آتياً بمقدمات قصة كربلاء وأسبابها، والوقائع التي سبقتها، الى أن يذكر المقتل الحسيني الرهيب، ليدخل في الحوادث التي أعقبته، ولم يخل استعراضه المتسلسل من التفاتات نابهة، منها: علامات انحراف قتلة الحسين (عليه السّلام) وحالات سبي آل الحسين، واحتجاجات الامام السجاد (عليه السّلام) مع يزيد بن معاوية، وانقلاب العوالم الكونية على أثر مقتل أبي عبدالله الحسين وبعض من عوقب من قتلة الحسين في الدنيا قبل الاخرة، إمّا: بالقتل، أو سواد الوجه، أو تغيير الخلقة، أو زوال الملك في مدّة يسيرة. ويختم هذا الفصل بهذه الاشارة وكانت عدّة القتلى التي حملت رؤوسها الى عبيد الله بن زياد، في صحبة رأس الحسين (رضي الله عنه) سبعين. نقل الشبلنجيّ الشافعيّ ذلك عن ابن الصبّاغ المالكيّ من كتابه (الفصول المهمة) لينتقل الى فصول أخرى تتعلق بالرأس الشريف لسيّد الشهداء (صلوات الله عليه) وبمواضيع اخرى. ******* المقاتل الحسينية -14 - 14 2009-01-27 00:00:00 2009-01-27 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5026 http://arabic.irib.ir/programs/item/5026 الحمد لله كما هو أهله، وافضل الصلاة وأزكى السّلام على المصطفى ومن هم خاصّته وآله. إنّ تدوين قصة شهادة الامام الحسين سلام ربنا عليه، أصبح ضرورة انسانية فرضتها الحياة على البشر، فمن اراد ان يكتب في تاريخ بني آدم، أو في تاريخ الاديان، أو في السيّر وتراجم الرجال، او في الاخلاق والقيم العليا، أو في حياة الاوصياء والاولياء. كان لابد أن يقف عند الامام الحسين، لاسيما عند شهادة الامام الحسين، وعند مبادئه العليا وقيمه السامية، ونهضته العظمى ووقفته الفريدة، وملحمته العجيبة. وذلك ما استأثر بأهتمام أصحاب الفكر والقلم، حتى أملت عليهم رسالتهم الانسانية أن يكتبوا في قضية الحسين الكبرى ولو فصلاً يعرفوا بما جرى على سيد شباب أهل الجنة من المصاب الجلل، من قبل قوم كانوا يدّعون انهم من أمة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) ثم قتلوا سبطه وريحانته وحبيبه الحسين (صلوات الله عليه). وتلك قضية لا تحتاج الى انتماء الى دين معين، أو مذهب بعينه، أو اعتقاد حتى بإمامة، فقد أقرّ بها كلّ أحد، وتكلم بها كل الناس اجيالاً بعد اجيال. وكتبت فيها قراطيس وفيرة صدرت عن جميع الاديان والمذاهب. كان منها ذلك القرطاس المسمى بـ (نور الابصار، في مناقب آل بيت النبي المختار) حبّر بيد عالم شافعي معروف. يدعي بالشيخ (مؤمن الشبلنجيّ الشافعيّ)، فمن هذا المؤلف؟ وأي شيء جاء في ذلك المؤلف؟! الى ذلك بعد هذه الوقفة القصيرة. مؤلف (نور الابصار) هو السيد مؤمن ابن حسن مؤمن الشبلنجيّ، نسبة الى (شبلنجا) قرية من قرى (مصر). ولد سنة نيّف وخمسين بعد المئتين والألف هجرية، تربى في حجر والده، ثم قدم الجامع الازهر، واشتغل بالعلم على يد اساتذة معروفين، حتى دون بعض المؤلفات، كان اهمها كتاب (نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار). وذلك لأمرين مهمين: الاول: أنّ الشبلنجي الشافعي صرف في كتابه هذا عناية خاصة لذكر فضائل اهل البيت ومناقبهم (صلوات الله عليهم)، وذلك عمل يحبه الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله). والامر الثاني: في اهمية هذا الكتاب أن لتأليفه سبباً شريفاً، يذكره المؤلف نفسه في مقدمته حيث كتب يقول: وبعد، فيقول فقير رحمة ربه المهيمن، السيد الشبلنجيّ الشافعيّ المدعوّ بـ (المؤمن): أصاب عينيّ رمد، فوفقني الله الفرد الصمد، لزيارة السيدة نفيسة بنت سيّدي الحسن الانور فزرتها وتوسلت بها الى الله، وبجدّها الاكبر، (أي الحسن المجتبى عليه السّلام) في كشف ما انا فيه، وإزالة ما اكابده وأقاسيه ونذرت، إن شافاني الله. لأجمعنّ كلمات من كتب السادة الاعلام، تشتمل على ذكر بعض مناقب أهل بيت النبيّ الكرام، فمضى زمن يسير فحصل الشفاء، فأخذت في الاسباب وعزمت على الوفاء. والان اخوتنا الاحبة ندخل في كتاب الشبلنجي الشافعي، المسمى (نور الابصار، في مناقب آل النبي المختار). فنراه يبدأه في الباب الول بذكر سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فيمضي فيه مئة صفحة تقريباً، ثم ينتقل الى مواضيع وعناوين لا تمتّ الى منهج الكتاب ولا الى عنوانه بأي صلة، ذاكراً اسماء بعض الصحابة ومعرفاً بهم وناسباً اليهم وما هم من آل النبي (صلى الله عليه وآله) كما يذكر في صريح عنوان كتابه. ثم يكتب فصلاً جديداً عنوانه: ذكر مناقب سيدنا علي بن ابي طالب ابن عم الرسول، وسيف الله المسلول ومن هنا يبدأ الشبلنجيّ الشافعي من جديد بمحاولة تحقيق عنوان الكتاب بذكر مناقب آل النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم). وتطول وقفة الشبلنجيّ عند مناقب أمير المؤمنين عليّ (عليه السّلام) ما تتجاوز ثمانين صفحة، لينتقل الى مناقب الامام الحسين المجتبى (سلام الله عليه). ثم الى مناقب الائمة الهداة، والاوصياء الولاة، والسادة الحماة. حتى ينتهي بالامام المهديّ المنتظر (أرواحنا فداه)، مستعرضاً لبعض شؤون حياتهم المباركة مرّة، ومعرّفاً مرّة اخرى، ومنبهاً الى فوائد وعجائب وكرامات مرة ثالثة وهو يعدد العناوين ويأتي بالروايات والاخبار الظريفة والنادرة أحياناً، في مناقب آل البيت النبويّ الشريف، لكنه في الفصل الذي يعنونه بالعبارة التالية: ذكر مناقب سيدنا الحسين السبط، ابن الامام علي بن ابي طالب (رضي الله عنه)، ابن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يكتب تحته إلاّ صفحتين ونصف الصفحة، ليقف وقفة طويلة على قصة كربلاء، ومقتل سيّد الشهداء، ابي عبدالله الحسين (صلوات الله عليه)، وهذا ما يستوقفنا الحديث حوله، وحول خصائصه والملاحظات التي سجلت عليه. ******* المقاتل الحسينية -13 - 13 2009-01-25 00:00:00 2009-01-25 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5025 http://arabic.irib.ir/programs/item/5025 بسم الله واهب الآلاء، وازكى الصلاة والسّلام على سيّد الرسل والانبياء، وعلى آله الهداة الامناء. لقد نهضت الرسالة الاسلامية الشريفة، ببركات جهود النبي (صلى الله عليه وآله) رافقتها جهود أمير المؤمنين علي وجهاده، وأموال خديجة، وأهتدى من كتب الله تعالى الايمان في قلوبهم. حتى كانت الرّدة أو لنقل: حتى كشفت الاقنعة عن اوجه النفاق، وسرقت الامانة الالهية، وكثر الادعياء والمدعون. فآلت الخلافة مغصوبة الى آل بني امية، ليضحى معاوية وليّ أمور المسلمين. وكان القرآن الكريم قد انبأ إنباءات كثيرة، منها قوله تعالى: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ (الحجرات، 14) ومنها أيضاً قوله جلّ وعلا: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا (الاسراء، 60). روى السيوطي في (الدر المنثور)، وأخرج ابن مردويه وكذا ابن ابي حاتم عن يعلى بن مرّة، والبيهقي في (دلائل النبوة) وابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق)، أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله أصبح وهو مهموم، فسئل في ذلك فقال: إنيّ أريت في المنام كأن بني امية يتعاورون منبري هذا. وفي رواية قال: أريت بني امية على منابر الارض، وسيملكونكم فتجدونهم ارباب سوء. قال الآلوسي في تفسيره (روح البيان) في ظلّ الاية الكريمة: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ في عبارة بعض المفسرين هم بنو أمية وفيه من التأكيد على ذمهم ما فيه، وضمير نُخَوِّفُهُمْ مجعول للشجرة إذ المراد بها بنو امية، وكونهم ملعونين بعبارة وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ لما صدر منهم من استباحة الدماء المعصومة، والفروج المحصنة، وأخذ الاموال من غير حلها، ومنع الحقوق عن اهلها، وتبديل الاحكام، والحكم بغير ما أنزل الله تعالى على نبيه (صلى الله عليه وآله)، إلى غير ذلك من القبائح العظام، والمخازي الجسام، التي لا تكاد تنسى مادامت الليالي والايام، وقد جاء لعن بني امية في القرآن على الخصوص وعلى العموم. انتهى كلام الآلوسي، وهو من اشهر المفسرين المتأخرين عند اهل السنة، وكان من متقدميه ابن كثير وقد قال في (تفسير القرآن العظيم) في ظل الآية المباركة: المراد بـ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ بنو امية. فيما قال الفخر الرازي في (التفسير الكبير): قال ابن عباس: الشجرة بنو امية. ويطول الحديث في الامور التي جرت بعد رحيل المصطفى (صلى الله عليه وآله) لكن المختصر منه أنّ الاسلام قد تشوهت صورته على ايدي المنحرفين والمنافقين والمنقلبين على اعقابهم، ومن كانوا يعبدون الله على حرف واحد. فكان لابد من نهضة منقذة لرسالة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وكان لابد من دماء مضحية يستفيق على اثرها المسلمون من غفلاتهم، لتكون الصحوة ولم يكن أهلاً لهذه وتلك إلاّ الامام الحسين ابن عليّ وابن فاطمة البتول، سبط رسول الله وريحانته، وسيّد شباب اهل الجنة (صلوات الله وسلامه عليه). فنهض للشهادة، في ملحمة سماوية عظمى، هزّت التاريخ، بل هزّت عوالم الوجود كلها، فكانت الضرورة القاطعة أن تدون تلك الملحمة، مرّة بالاطناب، ومرّة بالاسهاب، على نحو الاجمال او على نحو التفصيل، بأسلوب العرض ودرج الوقائع، أو بأسلوب التحليل. وعلى أية حال، فقد اقتضت الضرورة أن تصور تلك الوقعة الكبرى بالاقلام والمحابر، بعد أن صورتها السماء بالدماء والمدامع. فتحركت الضمائر لا تهنأ ولا تستقرّ حتى توالي وتبرأ، وحتىّ تثبت الحقائق من خلال الاخبار والروايات. فكتبت عشرات المقاتل: بدلائل عقائدية، أو بحوافز فكرية تاريخية، أو بدوافع انسانية. المهم، لابدّ ان تسجل واقعة طف كربلاء، وأن ترسم مشاهد يوم عاشورا. بيراع الكاتب او بريشة الرسّام، أو بعواطف الشاعر، بمحابر الفكر والعقيدة، أو بمحابر التاريخ والحقيقة، مقرونة بأنفاس الولاء والحزن، أو بنظرات الاكبار والاعجاب والاجلال أو بجميع ذلك. وكان من تلك المقاتل، وقد جاء بعضها في كتب مستقلة، وبعضها في فصول مستقلة، كتاب (نور الابصار، في مناقب آل بيت النبي المختار) للشيخ مؤمن بن حسن الشبلنجيّ الشافعي المدنيّ المولود سنة 1250، والمتوفى سنة 1308 هجرية. ******* المقاتل الحسينية -12 - 12 2009-01-24 00:00:00 2009-01-24 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5024 http://arabic.irib.ir/programs/item/5024 الحياة في تطور، والناس جيلاً بعد جيل في تغيّر، وقضية شهادة الامام الحسين (عليه السّلام) كبقية قضايا العقيدة والتاريخ والسيرة أصبحت مورد البحث والاحتجاج، والتساؤل والاستفهام وأريد لذلك اكثر من بيان وجواب واستدلال ولذا رأى بعض الكتاب المحققين، وهم يسجّلون بأقلامهم وضمائرهم مقتل الامام الحسين (عليه السّلام)، أن يفتحوا نوافذ للبحث العلمي العقائدي، فيثبتوا من خلالها للمشككين أو المتحيرين او المضللين انّ الامام الحسين هو حجة الحقّ، ووصي رسول الله الى الخلق وكان له (صلوات الله عليه) تكاليف إلهية ائتمنها عليه النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر من الله تعالى مختوم في لوح سماوي شريف عرف بـ (لوح فاطمة عليها افضل الصلاة والسّلام)، رواه عنها سلمان الفارسي (رضوان الله عليه) عرضه بين يدي الامام الباقر (عليه السّلام)، وقد روى ذلك: الشيخ الصدوق في كتابه (عيون اخبار الرضا عليه السّلام)، والشيخ الطوسي في (أماليه)، والحافظ البرسي في (مشارق انوار اليقين) بثلاثة اسانيد صحيحة، وقد جاء في اللوح الشريف قوله عزّ وجلّ في حديث قدسي يخاطب الباري فيه الرسول (صلى الله عليه وآله): إنيّ لم ابعث نبياً فأكملت أيامه، وإنقضت نبوته، إلاّ جعلت له وصياً، وإنيّ فضلتك على الانبياء، وفضلت وصيك على الاوصياء، وأكرمتك بشبليك وسبطيك حسن وحسين، فجعلت حسناً معدن علمي بعد انقضاء مدة ابيه، وجعلت حسيناً خازن وحيي، وأكرمته بالشهادة وختمت له بالسعادة فهو افضل من استشهد وأرفع الشهداء درجة، جعلت كلمتي التامّة عنده، وحجّتي البالغة معه. وفي (الكافي للكليني) وبحار الانوار للمجلسي، وعلل الشرائع للصدوق: أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) دفع خاتماً الى أمير المؤمنين (عليه السّلام) وأمره ان يفكه بعده ويعمل بما فيه، ففعل، ثم عند شهادته دفعه الى الحسن (عليه السّلام) ففكه وعمل بما فيه، ثم دفعه الى اخيه الحسين (عليه السّلام) ففك خاتماً فوجد فيه أن اخرج بقوم الى الشهادة فلا شهادة لهم إلاّ معك، واشر نفسك لله عزَّ وجلَّّ، ففعل. ثم دفعه الى علي بن الحسين. اجهد السيد عبد الرزاق المقرّم في كتابه "مقتل الحسين (عليه السّلام) أو حديث كربلاء" في ان يثبت حقانية النهضة الحسينية الشريفة، بل وإلهيّتها، ثم مظلومية امام هدى شهدت له بالفضل آيات كريمة وأحاديث نبوية كريمة فكيف يتصور ان غيره هو الاحق فيبايع؟! في تاريخ الطبري ج 7- ص 216، والكامل في التاريخ لابن الاثير ج 3 ص 262 انّ الامام الحسين (عليه السّلام) خاطب والي المدينة لما اراد أخذ البيعة منه ليزيد، فقال له: أيها الامير! إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة ومهبط الرحمة، بنا فتح الله وبنا يختم ويزيد رجل شارب الخمر، وقاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله! والسيد عبد الرزاق الموسوي المقرّم رحمه الله جعل ثلث كتابه (مقتل الحسين عليه السّلام) بحوثاً للاجابة على افكار تدور في اذهان بعض الناس، كموضوع: رخصة الحسين (عليه السّلام) لأصحابه بالانصراف، والسجود على التربة الحسينية وقول الشعر في الشهداء وقضية الخروج بالعيال، وتشريع الزيارة الى غير ذلك ممّا يكون مقدمات لبعض المثقفين للدخول الى مشاهد قصة كربلاء. والتي عرضها السيد المقرّم عرضاً تاريخياً متسلسلاً منسجماً مع الوقائع، ومطعماً بالبيانات العقائدية الظريفة، والتنبيهات العلمية العميقة، والتحقيقات المبرهنة المستدلة. إنّ ابرز ما يمتاز به (مقتل الامام الحسين عليه السّلام) للسيّد عبد الرزاق المقرّم هو: دقته العلمية كبقية مؤلفاته وآثاره الفاخرة وهي اكثر من اربعين كتاباً- منها: وفاة الصديقة الزهراء، الشهيد مسلم بن عقيل، سرّ الايمان في الشهادة الثالثة، وفاة الامام الرضا، وفاة الامام الجواد، السيّدة سكينة، ذكرى المعصومين، قمر بني هاشم، عليّ الاكبر، يوم الغدير وغيرها. كذلك يمتاز (مقتل الحسين) بتفصيل الحوادث والوقائع بشكل منظم مرتب دقيق، ومطابق للاماكن التي جرت فيها وهي لا تخلو من التحقيقات التاريخية الرشيقة، في المتن بعضها، وبعضها في الهوامش مع عناوين المصادر. يضاف الى ذلك حسن الاسلوب وسلاسة العبارات ووضحها، وتلك كانت من ملكات السيّد المقرّم رحمه الله، اذ كان صاحب ذوق رفيع، وقلم أدبيّ بديع. فهو شاعر اديب من جهة، ومحبّ للشعر الذي يقال في اهل البيت (عليهم السّلام) لذا طعّم الحوادث التي أدرجها في (المقتل) بقصائد ومقاطيع شعرية فذة في بابها من ناحية سبكها الادبيّ، ومن ناحية عكسها لظلال الواقع ومجريات الواقعة. فانتخاب السيّد المقرّم للقطع الشعرية كان انتخاباً موفقاً. يخلو من التطويل المملّ، والاقتضاب المخلّ. ونعود فنقول: إنّ السيّد الموسوي المقرّم مزج في كتابه (حديث كربلاء - او مقتل الحسين) تلك الاخبار - اخبار كربلاء - بالعواطف الرقيقة، والعقائد العميقة. مع انّ الاثارات العاطفية التي كتبها بأسلوبه الادبي الجميل، وانفعالاته الوجدانية الغيورة كانت مطابقة للوقائع والحقائق، فلم تجمع به العواطف لتخرجه عن الموازين العلمية، أو عن الاصول المنطقية، بل كانت عواطفه رزينة عاقلة وهو يمزج التاريخ بالعقائد الحقة وبالمشاعر النبيلة، دون اخلال بالهدف أو الحقيقة. ومن هنا وحسب المقاييس العلمية نستطيع ان نقول كلمتين: الاولى: أنّ (مقتل الحسين عليه السّلام) للسيّد المقرّم هو من أفضل ما كتب من المقاتل في عصرنا الحاضر. والكلمة الثانية: هي انّ السيّد المقرّم رحمه الله يعدّ بكتابه النافع هذا مجدّداً في كتابة المقتل. ******* المقاتل الحسينية -11 - 11 2009-01-21 00:00:00 2009-01-21 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5013 http://arabic.irib.ir/programs/item/5013 أعظم الله أجورنا وأجوركم بمصاب سيّد الشهداء ابي عبدالله الحسين (صلوات الله عليه) الذي ما انفكت شهادته مدوّية في أرجاء العوالم، تعيش في القلوب عبر القرون وما تزال، ولن تزال، والناس يصغون في كلّ مكان وزمان، جيلاً بعد جيل، إلى قصة واقعة كربلاء. بعد إن كان للمقاتل دورها الكبير في حفظ حوادث عاشوراء، ووقائع الطفّ الرهيبة، وكان من تلك المقاتل التي دوّنتها الاقلام الحسينية الغيورة (مقتل الحسين - او حديث كربلاء) للسيد عبد الرزاق الموسوي المقرّم رحمه الله، فلنتعرّف في هذا اللقاء الطيب معكم الافاضل على المؤلف ثم على المؤلف، بعد هذه الوقفة القصيرة. السيّد عبد الرزاق المقرّم، يرتفع نسبه الشريف الى الامام موسى الكاظم (عليه السّلام)، ولد في مدينة النجف الاشرف سنة 1316 هجرية 1894 ميلادية، نشأ في بيئة علمية طيبة، فأصبح من أهل الفضل والعلم مستفيداً من الاساتذة العلماء في النجف الاشرف، حتى أصبح له مكانته العلمية الرائقة تُعرف من خلال الاجازات العلمية التي تلقاها عن أكابر العلماء، ومن خلال المؤلفات الفاخرة التي خطها يراعه النيّر بأسلوبه الادبي الرصين الواضح. وكان من أهمها كتابه (مقتل الامام الحسين - أو: حديث كربلاء) الذي حقق السيد المقرّم (رضوان الله عليه) من خلاله مصداقاً حياً من مصاديق: أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيى أمرنا. وكان من خصائص هذا المقتل الشريف أن السيّد المقرّم قد روى حوادث شهادة الامام الحسين بطابع حزين مثير للعواطف، مستفزّ لكوامن النفوس ودفائن الخواطر، مما جعل القلوب تلتاع بالأسي، وتكتئب للصور العجيبة في مشاهد القتل، ثمّ لم يخل هذا المقتل المقدّس من هوامش تحتوي على: بحوث فقهية، ولغوية وأدبية، وتحقيقات علمية. منها على سبيل المثال: شرعية الاقدام على الشهادة، بحث هذا الموضوع بأدلة فقهية عقائدية رصينة. ثم طرق موضوع (آية التَّهْلُكَةِ) وهي قوله تبارك وتعالى: وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (سورة البقرة، 195) تناولها في بحث تفسيري استدلالي روائي رائع خرج به الى نتائج عقائدية رفيعة المستوى من خلال اثنتي عشر صفحة تقريباً، عاضداً بحثه بتأييد علماء المسلمين عامة، وعلماء السنة خاصة، أنّ الامام الحسين (عليه السّلام) خرج بأمر الله تبارك وتعالى، وكانت كل خطواته المباركة مشفوعة بالادلة الشرعية التي هو اعلم بها من غيره، فهو ربيب بيت الوحي والرسالة، وهو سليل المصطفى محمد سيد المرسلين، والمرتضى عليّ سيد الوصيين، والزهراء فاطمة سيدة نساء العالمين. ثم هو سيد شباب اهل الجنة (صلوات الله عليه وعلى آله) والسيّد المقرم في مقتله يأتي بين الآونة والاخرى بالادلة القائلة بشرعية النهضة الحسينية، ومنها هذه الرواية التي ينقلها في (المقتل) لما بلغ حديثه حول منزل الثعلبية في طريقه الى كربلاء، إذ اجتمع بالامام الحسين رجل، فكان بينهما حديث، كان أن قال فيه الحسين (سلام الله عليه) للرجل وكان من اهل الكوفة: يا أخا اهل الكوفة أما والله لو لقيتك بالمدينة لأريتك أثر جبرئيل من دارنا، ونزوله على جدي بالوحي، يا أخا اهل الكوفة مستقى العلم من عندنا، أفَعَلِمُوا وجَهِلنا؟! هذا ما لا يكون. ولم يكتف السيد عبد الرزاق الموسوي المقرم أن يدلي أدلة شرعية الجهاد الحسيني والشهادة الحسينية، حتى استدل أنّ من واجه الامام الحسين وجاهده وقاتله هو الذي كان على موقف غير شرعي ولا انساني. سواء اولئك الذين قاتلوه في طفّ كربلاء، أو شجعوا على قتاله وقتله، او أمروا بذلك وتشفَّوا بقتله، وجاء من خلال استعراضه للوقائع بأدلة قاطعة بكفر أولئك. من ذلك ما كتبه السيد المقرّم تحت عنوان (في الشام): وكان يزيداً جالساً في منظرة على جيرون، ولما رأى السبايا والرؤوس على اطراف الرماح، وقد أشرفوا على جيرون، نعب غراب، فأنشأ يزيد يقول: لمّا بدت تلك الحمول، وأشرقتتلك الرؤوس .. على شفا جيروننعب الغراب .. فقلت صح او لا تصحفلقد قضيت من الرسول ديونيأضاف السيد المقرّم بعد هذا هذه التعليقة: ومن هنا حكم: ابن الجوزي، والقاضي ابو يعلى الموصليّ، والتفتازانيّ، والجلال السيوطيّ. بكفر يزيد ولعنه. وما اكتفى السيد المقرّم بهذا، وهو يورد اسماء علماء السنة المشهورين القائلين بكفر يزيد، حتى وضع هامشاً يكتب فيه المصدر الذي اعتمد عليه، فيكتب: روح المعاني للآلوسي ج 26 ص 73 في ظلّ آية هَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ؟! (سورة محمد، آية 22). قال الآلوسي أراد يزيد بقوله: فقد اقتضيت من الرسول ديوني! أنّه قتل بمن قتله رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم بدر: كجدّه عتبة، وخاله، وغيرهما. ثم قال الآلوسي وهو من علماء السنة ومفسريهم: وهذا من يزيد كفر صريح، ومثله تمثله بقول عبدالله الزّبعرى: ليت أشياخي ببدر شهدواجزع الخزرج من وقع الأسللأهلوا واستهلوا فرحاًثم قالوا: يا يزيد لا تُشلقد قتلنا القوم من ساداتهموعدلناه ببدر فاعتدللعبت هاشم بالملك فلاخبر جاء ولا وحي نزللست من خِندَف إن لم انتقممن بني احمد ما كان فعلوفي جلّ فصوله وجدنا السيد الموسوي المقرّم (رضوان الله عليه) ذا قلم شجاع. في العقيدة والموقف، في التوليّ والتبريّ، وفي البحوث والاستدلال العلمي. فيفتح لنا باباً في مقدمات كتابه (حديث كربلاء او مقتل الحسين) بعنوان: علم الحسين بالشهادة، يطعّمه بالادلة الروائية والعقيدية ثم يفتح باباً آخر بعده وعنوانه: الحسين فاتح. يثبت ايضاً كما في جلّ بحوثه ان الحسين (سلام الله عليه) كان وما يزال هو المنتصر في واقعة عاشوراء. انتصر بالحقّ، ونصرة الدين، ونوال مرضاة الله تعالى، وبلوغ الشهادة الارقى، وإعلاء كلمة الله جلّ وعلا، وإخزاء الادعياء، وزلزلة عروش الظالمين دهراً بعد دهر بدمائه القدسية الزاكية. ******* المقاتل الحسينية -10 - 10 2009-01-19 00:00:00 2009-01-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5012 http://arabic.irib.ir/programs/item/5012 اللهم العن أول ظالم ظلم حق محمد وآل محمد، وآخر تابع له على ذلك، اللهم العن العصابة التي جاهدت الحسين، وشايعت وبايعت وتابعت على قتله، اللهم العنهم جميعاً. السّلام عليك يا ابا عبدالله، وعلى الارواح التي حلت بفنائك، عليك مني سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد منيّ لزيارتكم. خطب دها الاسلام كان فضيعاًمن أجله بكت السماء نجيعاً! آهاً له من حادث ذهل الاسىفيه.. غداة مضى الحسين صريعاًوتظنّ أنك منه لم تهجع أسىً! يكفيك أنك لا تقرّ هجوعاًالله! هذا ابن النبي لعظمهجبريل هز المهد فيه رضيعاًيقضي بضاحية الهجير بكربلاظام ومطوي الحشاشة جوعاًفيكون مائدة لساغبة الظبىوالسّمر تكرع من حشاه نجيعاًما للمواضي وزعت من جسمهلحم النبوة في الوغى توزيعا! عجبا لمن قد كان نورا محدقاًبالعرش.. يغدوا في التراب صريعاومن ارتبى طفلا بحجر محمدحتى اغتدى وحي الاله رضيعايغدوا غداء المرهفات وبعد ذامنه ترض الصافنات ضلوعا! فتعج املاك السماء لقتله: اليوم مات الانبياء جميعا! لقد بكى الوجود، كل الوجود، على مصيبة سيد شباب اهل الجنة، اذ قتل تلك القتلة الفضيعة، فاصبح اهل البيت في اعظم فجيعة! وكان من قبل قد بكى الانبياء والاوصياء والاولياء، على واقعة الطف العظمى، وعلى قتل ريحانة المصطفى، وكان بكاه رسول الله واهل بيته قبل ان يقتل بعشرات السنوات، ثم كان لابد من الحزن المقدس على الامام الحسين (عليه السلام). وللحزن - ايها المؤمنون الغيارى- دواعي الشجى، ومن دواعي الحزن والشجى ذكر المصاب، ومصاب الحسين مقتل عجيب، بل غريب، بل رهيب! فلا بد ان يذكر بخشوع واجلال، لينعم الحزن، ولابد ان يفصل بتفجع والم، ليعم الشجى، ولابد ان ينادى به بصراخ، ليعلو البكاء، ويشاع الحداد والعزاء وينشد امر الرثاء! اجل، انه الحسين قد قتل، فاصبحت قصة المقتل ضرورة تعيش في وجدان كل مؤمن موال محب، ولابد ان تتلى ذلك القصة المقدسة بفصولها الكئيبة، فكتبت، كل مرة بيراع خاص، وكان مما دون من قصة المقتل الحسيني الشريف: كتاب (حديث كربلاء) بقلم حسيني غيور، فضلاً عن عالماً ذا نور و بصيرة وفضل، انه يراع سيد من نسل الامام الحسين وذراريه وحفيدته المخلصين، ذلك هو السيد عبد الرزاق الموسوي المقرم (رحمه الله)، وكان له في كتابه هذا الذي اشتهر بعنوان: (مقتل الحسين) (عليه السلام)، مقدمات ضرورية ومفيدة عقائدية وروحية وولائية، منها ما كتبه تحت عنوان: البكاء على الحسين فقال فيه: قول الامام (عليه السلام): انا قتيل العبرة لم يقصد فيه سيد الشهداء فقط التعريف بان قتله لأجل ان يبكي عليه فيستحق به الاجر في الاخرة فحسب، بل اثار اخرى تترتب على قتله، منها احياء شريعة الحق، وتقويم ما اعوجّ من علم الهداية، وتعريف الملأ ما عليه امراء الجور مع تاكيد الصلة بين ذكر مقتله وبين استدرار الدموع. ثم كتب السيد المقرم تحت عنوان التباكي: لقد راق ائمة الهدي (عليهم السّلام) ان تبقى تلك الذكريات الخالدة مدى الدهر، تتحدث بها الاجيال المتعاقبة، علما منهم ببقاء الدين غضا طرياً مادامت الامة تتذاكر تلك الفاجعة العظمى ولم يقتصروا على لازمها وهو البكاء حتى رغبوا في التباكي فالباكي والمتباكي مشتركان في احتراق القلب وتأثر النفس، لأجل تصور ما ورد من الظلم على اهل البيت (عليهم السّلام) ومشتركان في لازمه، وهو النفرة والتباعد عن كل من دفعهم عن مقامهم وكم لأهل البيت من اسرار لا يقف عليها إلا من مارس كلامهم، ودرس مقتضيات الاحوال. وبعد تفصيل الوقائع والحوادث ما قبل يوم الطف، ينقلها السيد المقرم الى مشهد عاشوراء يقسمه على عناوين عديدة، يكتبها وكأنه يضعها في ساحة الواقعة، وذلك بيراعه الادبي الحزين، ونفسية الصادق والعميق في حزنه، وباسلوب مرهف في مشاعره، حتى انه (رضوان الله عليه) يأتي بالشعر بين الفقرة والاخرى وكأنه يريد ان يرثي رثاء الناعي من على منبر الحسين في أيام مصاب الحسين! ولرقة ما صاغه السيد المقرّم من قصة كربلاء وحديثها، ومشاهد المقتل الرهيب، أصبح كتابه يقرأ يوم عاشوراء بعنوان (مقتل الحسين الشهيد) ساعات من النهار في بكاء وعزاء، لا سيما مقطع (سيد الشهداء في الميدان- وشهادة الطفل الرضيع- والوداع الاخير). وقد يتوقف اغلب الخطباء عن تفصيل المنظر الاخير لقداسته، وفظاعته ويكتفي بالاشارة من بعيد بالقرائن والكنايات، ليبدأ ضجيج الفاجعة وعجيجها، وصراخ النكبة العظمى وعويلها، وأمّا السيد المقرّم فيختم هذا الفصل بالقصيدة التي توفي على اثرهما الشريف الرضيّ: كربلا... لازلت كرباً وبلاما لقي عند آل المصطفىوأما بعد المصاب الجلل يوم عاشوراء، فإن السيد المقرّم يفتح في كتابه (حديث كربلاء - أو مقتل الحسين) عنوان: حوادث بعد الشهادة - يصوّر: أولاً: حالة آل الحسين ليلة الحادي عشر من المحرّم. وثانياً: ينقل من كتب العامة ما حدث من انقلاب العوالم وتغيّرات الطبيعة وأحوال الكون على اثر شهادة الامام الحسين (صلوات الله عليه) حيث يقول: لقد تغيرّت اوضاع الموجودات، وأختلفت الكائنات. ثم يذكر ومن عيون كتب السنة أنّ السماء مطرت دماً، وأنه لم يرفع حجر إلاّ وجد تحته دم عبيط - اي طريّ- وأنّ السماء صارت فيها حمرة لم تعرف إلاّ بعد قتل الحسين، وأنّ الناس مكثوا ثلاثة اشهر يرون الجدران ملطخة بالدم ساعة تطلع الشمس وساعة تغرب وقد سمعوا بكاءً وعويلاً ولم يروا أحداً وغير ذلك من الآيات التي صرخت في أفهام الناس وضمائرهم: بأنّ أمراً عظيماً قد وقع، وأنّ جريمة عظمى قد حدثت وأنّ هتكاً لحرمة الله كبرى قد حصل وأنّ الغضب الالهيّ سيحلّ! ******* المقاتل الحسينية -9 - 9 2008-01-23 00:00:00 2008-01-23 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3921 http://arabic.irib.ir/programs/item/3921 بسم الله، والحمد لله، وأطيب الصلاة وأزكى السلام على المصطفى حبيب الله وعلى آله الهُداة أولياء الله. إنّ الاقلام الغيورة التي انتصرت للامام الحسين بن علي (عليهما السلام)، وذكرت مظلوميته وشهادته، كانت اقلاماً متعصبة إما للحقّ، وإما للحقيقة، واما لكليهما. وإنْ كانت جميعها لا تخلو إما من العواطف أو التعاطف؛ فأن قصة شهادة ابي عبد الله الحسين سلام الله عليه قد استأثرت بالقلوب، وعملت في الضمائر، وأحزنت النفوس، ولذلك نرى آثارها عند الشيعة والسنة، وعند اليهود والنصارى، وعند كثير من الاقوام والاديان، تحيرّهم كيف يُقتل رجل تلك خصاله الشريفة بتلك القتلة الغريبة! ولذلك انطلقت في البيان والتدوين أقلام المحدثين والمؤرخين، وأقلام السيرة والخبر والرواية. كلّ يُصوّر المنظر من زاوية خاصة، وبأسلوب خاصّ، فكُتبت المقاتل بصيغ تاريخية، وأدبية، وروائية خبرية وبدوافع عقائدية، ووجدانية.. وحيادية؛ تعصباً للشهيد السبط المظلوم مرّة، وتعصبا ً للحقائق التي يُخشى أن تندثر أو تضيع ـ مرّة أخرى-. وكان من بين تلك المقاتل (مقتل الحسين (عليه السلام)) للمؤرخ الشهير (ابي مخنف) فلنقف عنده هذه الدقائق القليلة. لقد عالج المؤرخ أبو مخنف كثيراً من الحوادث التأريخية بكتب صغيرة ومفيدة، تناولت ـ عن طريق الرواة القدماء ـ أموراً تتعلق بجوّ العراق السياسي في العصر الاموي عامة، وبجوّ الكوفة بصورة خاصة. ومن هنا لم يفُت أبا مخنف تلك الواقعة العظمى التي هزّت الدنيا وأقامتها ولم تـُقعدها، وهي واقعة كربلاء الحسين، فسجلها بتفاصيلها من أفواه الرجال، وممن كان شاهداً للواقعة عن قرب، أو سمع بها عن قرب، أو ينقلها عن قريب منها، مسافة ً أو زماناً. ومما يؤسف له أنّ معظم كتب ابي مخنفٍ قد ضاعت أو أضيعت، وتُلفت أو أتلفت؛ لاسباب يعرفها المؤرخون والمطلعون. وربما يرجع الفضل الاكبر في حفظ كتب ابي مخنف وروايتها وتوريثها للاجيال الى المؤرّخ والنسّابة محمد بن السائب الكلبيّ، ثم جاء الطبري فروى روايات ابي مخنف بحسب رواية الكلبي ّ. على ان ابا مخنف يذكر احيانا رواة أقدم من الكلبي او معاصرين لهم ويعتمد عايهم، مثل: عامر الشَّعبيّ، وابي المخارق الراسبي ّ ومجالد بن سعيد. أما غالباً فإنه لم يأخذ ما رواه الكلبيّ عن أقرانه، بل جمع ابو مخنف رواياته من سماعه لها بنفسه، ومن السؤال عنها في مختلف مظانها، وعند كل من استفادها من مصادرها، أو حضرها بنفسه من الناس. وعلى هذا فإنّ الاسناد الذي تقوم عليه روايات أبي مخنف كان لا يزال عنده شيئا ً حقيقيا ً، ولم يكن مجرد صيغة ادبية، أو تخيلية، أو ظنّيّة أحتمالية. وكانت سلسلة الرواة الذين يذكرهم أبو مخنف هي دائماً سلسلة قصيرة جداً؛ نظراً الى ان المسافة التي تفصل بين ابي مخنف وبين الحوادث التاريخية التي روى اخبارها، كانت مسافة قصيرة جداً. إنّ ابا مخنف دوّن كثيراً من المصنفات والتواريخ، حتى بلغت كتبه ستين كتاباً ربّما أُشير اليها بـ(التاريخ الكبير لابي مخنف)، منها: كتاب السقيفة، والشورى، ومقتل عثمان، والجمل، وصفّين، وكتاب اهل النهروان والخوارج، والغارات، وأخبار محمد بن ابي بكر ومقتله رضوان الله عليه، وكتاب مقتل امير المؤمنين علي (عليه السلام)، واخبار عبيد الله بن ابيه، ومقتل الحسن ومقتل الامام الحسين (عليهما السلام)، وكتاب اولاد مسلم بن عقيل، وواقعة الحرّة، وكتاب التوابين، وأخبار المختار بن ابي عبيد الثقفي، وأخبار الحجاج، وكتاب زيد بن علي، والخطبة الزهراء لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وسيرة الامام الحسين (عليه السلام) وغيرها كثير، جُمعت من ستة وعشرين كتابا ً تناثرت اخبارها ورواياتها فيها، منها: الارشاد للمفيد، والاستيعاب لأبن عبد البر، وامالي المرتضى، وأنساب الاشراف للبلاذريّ، وبحار الانوار للمجلسيّ، وتاريخ الطبريّ، وخزانة الادب للبغداديّ، وتاريخ دمشق لأبن عساكر، والعقد الفريد لأبن عبد ربّه، ومقاتل الطالبيّين، وفتوح البلدان للبلاذري ّ، ووقعة صفّين للمنقريّ وغيرها؛ لأن معظم كتب التاريخ وجلها كانت عيالاً على تواريخ ابي مخنف، لا سيّما في كتابه (مقتل الامام الحسين بن علي (عليه السلام)) الذي أصبح مرجعاً رئيسياً لمن يُريد ان يذكر واقعة الطف العظمى سنة احدى وستين للهجرة، فقد تناولها كبار المؤرخين كالطبريّ، وابن الاثير وأشارت اليه جميع الفهارس الرجاليّة والمعجمية، مثل رجال النجاشي، وفهرست ابن النديم، وفهرست الطوسي، ومعجم الادباء لياقوت الحمويّ، وفوات الوفيات للكُتبيّ، وايضاح المكنون للبابائي، والذريعة الى تصانيف الشيعة لآغا بزرك الطهراني وغيرها. وقد احتلّ (مقتل الامام الحسين (عليه السلام)) في كتاب (تاريخ ابي مخنف مئة ً وتسعة صفحات في مئة وواحد وعشرين رواية، جمعها وحققها ونسقها، واستخرج المصادر التي روت عنها: الاستاذ كامل سلمان الجبوري وقد فصلّ خلالها في المقاتل والمصارع، وذكر الاخبار المهمة حول الوقائع التي سبقت واقعة كربلاء من رحيل ابي عبد الله الحسين (عليه السلام) عن المدينة، حتى عودة السبايا الى المدينة، وقد بدأ ابي مخنف كتابه (مقتل الحسين (عليه السلام)) بهذا الخبر: عن عبد الله بن قيس قال: كنت مع من غزا مع أمير المؤمنين (عليه السلام) في صفيّن، وقد أخذ ابو ايوب الاعور السَّلميّ (من عسكر معاوية) الماء وحرزه عن الناس، فشكا المسلمون العطش، فأرسل الامام علي (عليه السلام) فوارس لكشفه فانحرفوا خائبين، فضاق صدره، فقال له ولده الحسين (عليه السلام): أمضي له يا أبتاه؟! قال: أمضِِ يا ولدي. فمضى الحسين مع فوارس فهزم أبا ايوب عن الماء، وبنى خيمته وحط ّ فوارسه، وأتى الى ابيه علي ٍّ فأخبره. فبكى عليُّ(ع)، فقيل له: ما بكيك يا أمير المؤمنين وهذا أول غتح ببركة الحسيين؟! فقال: ذكرت انه سيُقتل عطشاناً بطفّ ِ كربلاء، حتى ينفُرَ فرسه ويحمحم ويقول: «الظليمة الظليمة لأمّة ٍ قتلت أبن بنت نبيّها!». ******* المقاتل الحسينية -8 - 8 2008-01-22 00:00:00 2008-01-22 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3920 http://arabic.irib.ir/programs/item/3920 الحمد لله رب العالمين، وافضل الصلاة وازكى السلام على المصطفى خاتم المرسلين، وعلى اله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مرة اخرى نعود الى (مقتل الامام الحسين عليه السلام) لمؤلفة الشيخ لوط بن يحيى الغامدي، المشهور بـ (ابي مخنف) مسجلين له ملاحظات مهمة وخصائص ملفتة في كتابه هذا، وقد دون وقائع معركة طف كربلاء، وهو المؤرخ الراوي الذي كان معاصرا او قريبا من المعاصرة للواقع التي سجلها عن واسطة واحدة في اغلب الاحيان. وهذه ميزة مهمة في مؤلفات ابي مخنف ومصنفاته التي ضاع قسم منها او اضيع، وتلف البعض منها او اتلف؛ لان الرجل كان يدون الكثير من الحقائق المرة التي لا يروق للحكام الظلمة ولا للجهلة المتعصبين سماعها، فضلا عن تثبيتها ونشرها، لاسيما اذا مست الرموز من السلف. ومع ذلك فقد فرض ابو مخنف نفسه على التواريخ، حتى كان له القسط الاعظم في اخبار العراق وفتوحاته، وكان معتمد علماء السنة في النقل عنه، كما كان اكثر المؤرخين عيالا عليه، خصوصاً: ابن الاثير، والطبري.. فلنتبين. تناول المؤرخ الشهير ابو جعفر محمد بن جرير الطبري في (تاريخ الامم والملوك) كثيرا من تواريخ ابي مخنف، ويكفي المراجع ان يرى ان (تاريخ الطبري) يضم بين دفتيه، وفي مكان واحد، اكثر من سبعين صفحة تحت عنوان احداث سنة احدى وستين من الهجرة، ينقلها عن(مقتل الحسين) عليه السلام لابي مخنف؛ لان واقعة الطف هي الحادثة العظمى في تلك السنة، حيث كتب الطبري: فمن ذلك مقتل الحسين رضوان الله عليه، قتل فيها (اي تلك السنة) في المحرم لعشر خلون منه.. ثم قال: وقد ذكرنا ابتداء امر الحسين في مسيره نحو العراق، وما كان منه في سنة ستين، ونذكر الان ما كان من امره في سنة احدى وستين، وكيف كان مقتله. حدثت عن هاشم (ابن الكلبي)، عن ابي المخنف.. ثم يبدا الطبري بنقل الوقائع المحرمية لمسيرة الامام ابي عبدج الله الحسين سلام الله عليه، فيكتب: اقبل الحسين حتى نزل (شراف).. ويمضي مع الوقائع، وفي كل مقطع يكتب: قال ابو مخنف، حتى يقف على العنوان الاخير، هكذا: ذكر اسماء من قتل من بني هاشم مع الحسين عليه السلام، وعدد من قتل من كل قبيلة من القبائل التي قاتلته.. فيدوّن الطبري تحت هذا العنوان هذا الخبر ينقله قائلاً: قال هشام: قال ابو مخنف: ولما قتل الحسين بن علي عليه السلام، جيء برؤوس من قتل معه من اهل بيته وشيعته وانصاره الى عبيد الله بن زياد... فذلك سبعون رأسا! ويواصل الطبري روايته ياخذها عن الشيخ (ابي مخنف) في شان الوقائع المتاخرة عن شهادة الامام الحسين صلوات الله عليه، فيكتب: قال ـ اي ابي المخنف ـ: وقتل الحسين ـ وامه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، قتله سنان بن انس النخعي، ثم الاصبحي، وجاء براسه خولي بن يزيد. وقتل العباس بن علي بن ابي طالب ـ وامه ام البنين ابنة حزام بن خالد.. قتله زيد بن رقاد الجنبي، او الجهني، وحكيم بن الطفيل السنبسي. وقتل جعفر بن علي بن ابي طالب وامه ام البنين ايضاً.. وهكذا يستمر في الذكر اسماء الشهداء رضوان الله تعالى عليهم، معرفا بهم حتى ينتهي الى آخر قتيل قبل شهادة سيد شباب اهل الجنة ابي عبد الله الحسين سلام الله عليه، فيكتب الطبري: وقُتل عبد الله، رضيع الحسين بن علي. فاذا اراد الطبري الانتقال الى الفقرة الاخرى، كتب هذا المؤرخ: قال ابو مخنف: حدثني عبد الرحمان بن جندب الازدي، ان عبيد الله بن زياد بعد قتل الحسين، تفقد اشراف اهل الكوفة فلم ير عبيد الله بن الحر الرياحي، ثم جاءه بعد ايام حتى دخل عليه، فقال: اين كنت يا ابن الحر؟ قال: كنت مريضاً. قال عبيد الله بن زياد (مستهزئا): مريض القلب، او مريض البدن؟! قال ابن الحر: اما قلبي فلم يمرض، واما بدني فقد من الله علي بالعافية. فقال له ابن زياد: كذبت، ولكنك كنت مع عدونا (يقصد الحسين(ع))، فاجابه ابن الحر: لو كنت مع عدوك لرئي مكاني (اي لرآ ني الناس كيف اصول.. واجول)، وما كان مكاني يخفى. قال الراوي: وغفل ابن زياد غفلة. فخرج ابن الحر فقد على فرسه، فقال ابن زياد: أين ابن الحر؟! قالوا: خرج الساعة، قال: علي به. فاحضرته الشرطة قائلين له: اجب الامير، فاندفع بفرسه وهو يقول لهم: ابلغوا عبيد الله اني لاأتيه ـ والله ـ طوعا ابداً! ثم خرج حتى اتى كربلاء، فنظر الى مصارع القوم، فاستغفر لهم هو واصحابه، ثم مضى حتى نزل المدائن، وقال في ذلك (يهجو عبيد الله بن زياد ـ ويرثي الحسين صلوات الله عليه): يقول امير غادر حق غادرالا كنت قاتلت الشهيد ابن فاطمةفياندمي الا اكون نصرتهالا كل نفس لا تسدد نادمهواني لاني لم اكن من حماتهلذو حسرة ما ان تفارق لازمهسقى الله ارواح الذين تازرواعلى نصرة سقيامن الغيث دائمهوقفت على اجداثهم... ومجالهمفكاد الحشا ينفض والعين ساجمهلعمري لقد كانوا مصاليت في الوغىسراعاً الى الهيجا،حماة خضارمهتآسوا على نصر ابن بنت نبيهمباسيافهم... اسادغيل ضراغمهفما ان راى الراؤون افضل منهملدى الموت سادات وزهراً قماقمهثم يوجه خطابه الى ابن زياد فيقول: اتقتلهم ظلما وترجوودادنا؟!فدع خطة ليست لنا بملائمهلعمري لقد راغمتمونا بقتلهمفكم ناقم منا عليكم وناقمه! اهم مرارا ان اسير بجحفل ٍالى فئة زاغت عن الحق ظالمهفكفوا والاذدتكم في كتائب ٍاشد عليكم من زحوف الديالمه!******* المقاتل الحسينية -7 - 7 2008-01-21 00:00:00 2008-01-21 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3919 http://arabic.irib.ir/programs/item/3919 بسم الله، والحمد لله، وأشرف الصلوات تازاكيات على رسول الله، وعلى آله الهداة أولياء الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. لقد أستأثرت شهادة الامام الحسين صلوات الله عليه بجميع المحافل العلمية والادبية والانسانية، فلم تبق فئة أو جماعة أو طائفة أو ديانة، الا ّ وكان لها رؤية أو خبر، أو رأي أو موقف، او شعور او عاطفة تجاه ماكان وقع يوم العاشر من محرم عام واحد وستين من الهجرة النبوية الشريفة، على ارض كربلاء. حتى ان بعض المؤرخين حاول استباق الاحداث، فذهب الى الطف يواكب العسكرين، فيرى ويسمع ثم يدوّن ذلك على قرطاسه، وكان ذاك حميد بن مسلم.. فسُجلت كثير من الوقائع والحوارات، ونُقل الكثير من تفاصيل المعركة، فأ ُخذ من قبل الناس يتداولونه بعنوان (مقتل الامام الحسين عليه السلام)، وإن كنا نطمئن اطمئناناً كاملا ً الى ما روي عن أهل البيت عليهم السلام: أولاً: ثم عمّن حضر مع الامام الحسين عليه السلام. ثانياً: ثم ما رواه الثقات من المؤرخين، والرواة الموثوقن اجمالا ً، وما ورد بما يعضده العقل والاعتبار والاخبار الاخرى التي يُعتدّ بها ويُسكن اليها. وكان من تلك المقاتل التي دونت من قبل مؤرخ معاصر لواقعة عاشوراء.. مقتل كتبه يراع المؤرخ الشهير أبي مخنف. فمن يا ترى هذا الرجل، وما خصائص المقتل الذي كتبه؟ ابو مخنف هو الشيخ لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف الازدي الغامدي، الكوفي، من أصلٍ نابه، فقد كان جده مخنف بن سُليم صحابيا ً، روى عن النبي صلى الله عليه وآله ومن أصحاب الامام علي عليه السلام، شهد واقعة الجمل حاملا ً فيها راية قبيلة الازد، فأستُشهد في تلك الواقعة سنة ست وثلاثين للهجرة. زكان ابوه يحيى بن سعيد بن مخنف من أصحاب أمير المؤمنين عليّ عليه السلام ايضا ً فيكون أبو مخنف من هذا الباب وغيره ـ موثقا ًعند الشيعة، حتى انّ النجاشي أورده في رجاله وقال فيه: إنه يُسكَن الى ما يرويه. يُذكر أن ابا مخنف كان صديقا حميما للنسّابة والرواية المعروف محمدّ بن السائب الكلبيّ، وقد عُرف بكثرة الرواية والنَّسَب، وبصورة عامّة كان أبو مخنف صاحب أخبار وأنساب، والاخبار عليه أغلب، ولم يُؤثر عنه روايات في أبواب الاحكام، لذا لا ينبغي معاملة راو ِ بقدر ما يعامل معاملة مؤرخ أخباري.. حتى انه حين تُرجم - كما في رجال العلامة الحليّ ورجال النجاشي وغيرهما - ذكر ان ابا مخنف كان شيخ أصحاب الاخبار بالكوفة ووجههم، بل كان ابرز الاخباريين فيما يتعلق بفتوح العراق، وأول من صنّف في اخبار الخوارج وأيام العرب وأحاديث الحكام والولاة وأخبار الفتوح، ختى انّ العلماء قد قسموا واية أحداث التاريخ الاسلامي بين ثلاثة رواة: أبي مخنف بأمر العراق وأخبارها وفتوحها، والمدائني بأمر خراسان والهند وفارس، والواقدي بالحجاز والشام. ومع ذلك ـ ايها الاخوة الاكارم، اعتبره اكثر رجال الحديث راوية ثقة يُطمئنّ الى ما يرويه. ومع اشتهار ابي مخنف بتشيعه، فقد اعتمد عليه ائمة علماء السنّة في النقل عنه، كالطبريّ، وابن الاثير ... وغيرهما. وأكثر المؤرخين هم عيال على ابي مخنف... هذا، مع انّ ابن ابي الحديد المعتزلي ينفي كون ابي مخنف شيعيا ً، بل يقول بأنه يرى صحة الامامة بالاختيار. نعم، وإن كان الاشهر انه كان شيعيا ً واضح الاهتمام بتاريخ التشيع.. ومن علامات ذلك ما كتبه حول أمير المؤمنين والحسن والحسين صلوات الله عليهم، وحول بني هاشم وأصحاب الائمة عليهم السلام. وكان البارز في تواريخه الكثيرة تفصيله الفاخر في مقتل ابي عبد الله الحسين سلام الله عليه، كتبه برواية لم تكن إلا ّ عن واسطة واحدة غالبا ً، كأن التقى مرة ً بزوجة الشهيد زهير بن القين رضوان الله عليه وهي (دلهم بنت عمرو)، فروت له الوقائع التي جرت في كربلاء، يضاف الى ذلك سعة اطلاع ابى مخنف على أخبار العراقيين: الكوفة والبصرة، وعلى اخبار الكوفة ورجالاتها بالاخص، ثم انه كان معاصرا ً لمعظم التواريخ التي دوّنها من جهة، ومن جهة أخرى كان متتبعا ً للوقائق التي حدثت في زمانه، لا سيما احداث الشيعة في ذلك الوقت، راويا ً عن أفراد اسرته وأقربائه الشيعة في الكوفة، وعن رواة لم يعرفهم غيره، ومن هنا جاءته التهمة بأنه يروي عن مجاهيل، حتى نفى وثاقته جماعة من علماء السنة، ولم يوردوا دليلاً واحدا ً على نفي وثاقته سوى رميه بالتشيع، مع ان التشيّع عند اهل العلم لا ينفي الوثاقة. يُضاف الى هذا أن جميع المذاهب اعترفت بأنّ أبا مخنف مؤرخ أخباري فطحل في بابه، إلا ّ أنّ الطعن وقع عليه من بعض المتعصبين روائيا ً للسلف، إذ كان الرجل يروي بعض مثالب السلف، وتلك مشكلة قديمة: بين الاخباريين والمؤرخين من جهة، وبين الفقهاء والرجاليين من جهة أخرى. روى أبو مخنف عن مئتي راو ٍ تقريبا ً، أمّا مؤلفاته ومصنفاته فقد بلغت ستين كتاباً، ضاع الكثير منها أو أ ُتلف؛ لان تلك الكتب لم تكن تروق للحكومات الجائرة الظالمة، والباقي من مؤلفاته تناثر في الكتب، حتى ذُكر انه لا يوجد تاريخ في أحوال السلف خاليا عن الايماء الى ما كتبه أبو مخنف، ومن هنا حرّم بعضهم مراجعة التاريخ، مع انّ كتب الصحاح مشحونة بالايماء الى ما ذكره أبو مخنف وجميع المؤرخين. وقد جُمعت أخبار ابي مخنف وما تناثر من رواياته في الكتب في مؤلفٍ بجزءين تحت عنوان: نصوص من تاريخ ابي مخنف، بأستخراج وتنسيق... وتحقيق الاستاذ كامل سلمان الجبوري ـ طبع ونشر: دار المحجة البيضاء، زدار الرسول الاكرم في بيروت / الطبعة الاولى سنة 1419هـ/1999 م، وقد سُمّي بـ(تاريخ ابي مخنف) لأن الخوارزمي الحنفي كتب في مؤلفه (مقتل الحسين عليه السلام) راويا ً عنه عبارة: (ذكر ابو مخنف في تاريخه الكبير). نعم... وفي هذا التاريخ (مقتل الحسين عليه السلام نتعرّض له في لقائنا القادم بإذن الله تعالى، حتى ذلك الحين نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ******* المقاتل الحسينية -6 - 6 2008-01-20 00:00:00 2008-01-20 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3918 http://arabic.irib.ir/programs/item/3918 الصلاة وازكى السلام على الرسول الهادي الامين، وعلى آله الهداة الميامين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. من يقرا، او يسمع، او يطلع على قصة شهادة الامام الحسين عليه السلام، وبشيء من التجردوالانصاف، والموضوعية والحيادية... فانه اما سيعجب او يستغرب او يستعظم، او يذهل او يغضب.. وقد تاخذه الغيرة على الحق والتعصب له، فلا يكتفي بهذا وذاك، حتى يطلق لسانه او يراعه بالبيان، فيقول شيئا او يكتب شيئا، يرضي بذلك ضميره. نعم، ان قصة ابي عبد الله الحسين سلام الله عليه يقراها كل البشر، على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم وافكارهم، وبلدانهم واقوامهم وعصورهم، فيتأثرون بها، ويقفون عندها، حيث تستوقفهم لاحدى الحالات... وكانت أن استوقفت هذه القصة الغريبة، والعجيبة، وان شئت فقل: الرهيبة! قد استوقفت رجلا ً من علماء الحنفية هوالشيخ سليمان القندوزي الحنفي، فكتب حول أهل البيت عليهم السلام سمّاه (ينابيع المودّة لذوي القربى) معجبا ً بهم، ومجللا ً لمقاماتهم ومناقبهم وفضائلهم.. لكنّه حينما وصل الى ذكر سيّد شباب اهل الجنّة أبي عبد الله الحسين صلوات الله عليه، وقف عنده وقفات طويلة، إذ أفرد له ثلاثة أبواب من كتابه النافع هذا، احتلت الابواب ما يقرب من مئة صفحة، لأن الحسين سيّد الشهداء، وقد قُتل مظلوطا ً بقتلة عجيبة، وغريبة.. وإن شئت فقل رهيبة! قبل الدخول الى المقتل الذي اورده الشيخ القندوزي الحنفي. أحببنا أن نشير الى المؤلِّف، ثم الى المؤلَّف.. أما المؤلِّف فهو سليمان بن خواجة كلان ابراهيم بن بابا خواجة القندوزي البلخيّ، الصوفيّ، الحسينيّ، نزيل القسطنطينية. وُلد سنة 1220 هجرية، وتوفي سنة 1294 هجرية. من تصانيفه ومؤلفاته: "أجمعُ الفوائد" و"مُشرق الاكوان"، و"ينابيع المودة لذوي القربى ...". وكان ينوي تأليف موسوعة تضم مناقب اهل البيت عليهم السلام، إلا ّ انه لم يخرج من يراعه إلا ّ "ينابيع المودة" وهو موسوعة مصغرة لمشروعه الذي نواه وقد اجتبى اليه ما في كتب المناقب المهمة لدى علماء السنّة، مثل (مودة القُربى) للسيد عليّ الهمداني، و(ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى) لمحب الدين الطبري الشافعي، و(المناقب) للخوارزمي الحنفي، و(مناقب الامام عليّ) لابن المغازلي الشافعي، و(الصواعق المحرقة)لابن حجر الهيتميّ الشافعيّ، و(جواهر العقدين) للسمهودي الشافعيّ، و(فرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين) للحموينيّ الشافعي، و(كنوز الحقائق) للمناويّ، و(فردوس الاخبار) للديلمي ابن شيرويه.. ومن هذه الكتب وغيرها استقى الشيخ القندوزي بعض الفضائل المتعلقة بسيد الشهداء الحسين عليه السلام، مُحاولا ً إيراد المختصرات من الروايات والاخبار. عُرف الشيخ القندوزي الحنفي بأنه كان عالما ً عابداً ورعا ً تقيا ً، رقى مراقي العلوم والاداب في بلخ، وأكمل تحصيله في بُخارى، ونال الاجازات من الأعلام، حتى عُدّ من أعلام الحنفية في الفروع، وأساطين النقشبندية في الطريقة، أو كما عبّر ولده الشيخ عبد القادر بأنه حنفي المذهب، نقشبندي المشرب. وهذه كانت مقدمات الى ولعه في التعرف على مناقب أهل البيت والتعريف بها. وفي خصوص الامام الحسين عليه السلام، أعتمد اولا ًَ على مصادر عديدة في عرض الاحاديث الواردة في الإنباء بشهادة الامام الحسين عليه السلام، وحزن النبي صلى الله عليه وآله وبكائه عليه، مستفيدا من الكتب السنية المعتمدة والشهيرة، حتى أورد تسعة وستين حديثا ً في هذا الباب، وهو الباب الستون من كتابه (ينابيع المودة) عدّها مقدمة لدخوله في قصة مقتل الامام الحسين عليه السلام، والتي رواها في الباب الحادي والستين عن المقتل المشهور، المعروف بـ(مقتل ابي مِخنف) موفرا ً على نفسه جهدا ً كبيرا ً في جمع روايات مقتل الامام الحسين عليه السلام، فجاء في ثلاث ٍ واربعين صفحة، يجده موثوقا ً ومدرجا ً ادراجا ً مرتبا ً زمنيا ً، يبدأ من محاولة أخذ البيعة من الامام الحسين وامتناعه عليه السلام عن اعطاء البيعة ليزيد، الذي حاول قتل الامام إن لم يبايع، ثم الخروج من المدينة الى مكة ثم الى العراق، حتى يتسلسل في الوقائع والحوادث التي تنتهي بتفاصيل شهادة الاصحاب ثم آل ابي طالب، ثم الحسين سلام الله عليه ثم السبي الى الكوفة فإلى الشام، لتنتهي بالعودة الى المدينة، مُورداً ما انشدته ام كلثوم بنت أمير المؤمنين عليه السلام بنت أمير المؤمنين عليه السلام من قصيدة نونية طويلة اولها: مدينة جدّنا لا تقبيلينافبالحسرات والاحزان جيناولما قارنا ما جاء به القندوزي مع مقتل ابي مخنف، وجدنا اختلافا ً يسيرا ً مع النسخة المشهورة اليوم، وكأنه اعتمد نسخة أخرى. ثم كان ان فتح الباب الثاني والستين من (ينابيع المودة) عنونه بإيراد مدائح الشافعي وتفسير بعض الايات والاحاديث الواردة في كثرة ثواب من بكى على الحسين وأهل بيته رضي الله عنهم. وقد أوردنا في هذا الباب ابياتا ً للشافعي وغيره، كان منها: تأوب هميّ والفؤاد كئيبُوأرق عيني والرقاد غريبُتزلزلت الدنيا لآل محمدوكادت لها صمم الجبال تذوبُفمن مُبلغ عنيّ الحسين رسالةوإن كرهتها أنفس وقلوبُقتيل بلا جرم كأن قميصهصبيغ بماء الارجوان خضيبنصليّ على المختار من آل هاشمونؤذي بنيه؟! إنّ ذاك عجيبُ!ثم يورد الآية الكريمة: «فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ». ليأتي بأخبار كثيرة حول بكاء السماء، صدرها بما أخرجه الثعلبي عن السَّدّيّ أنه قال: لما قُتل الحسين، بكت عليه السماء، وبكاؤها حمرتها. وحُكي عن ابن سيرين قوله: إنّ الحمرة في السماء لم ترَ قبل قتل الحسين. وعن سليم القاضي قال: مطرتنا السماء دما ً، أيام قتل الحسين! ******* المقاتل الحسينية -5 - 5 2008-01-17 00:00:00 2008-01-17 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3917 http://arabic.irib.ir/programs/item/3917 بسم الله وبالله، والحمد لله، وأفضل الصلوات الزاكيات على الحبيب المصطفى رسول الله، وعلى آله اولياء الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مرّة أخرى معكم، نواصل حديثنا السابق حول كتاب (مهيّج الاحزان، وموقد النيران، في قلوب اهل الايمان) للشيخ العالم المجتهد حسن بن محمد عليّ الحائري اليزدي. وهذا الكتاب القيّم هو أحد كتب المقاتل المفصلة في شهادة الامام السبط ابي عبد الله الحسن صلوات الله وسلامه عليه.. تلك المقاتل التي ترشحت عن جهود خلقتها الاحزان العميقة على تلك الفاجعة الاليمة، ودفعت بها الهمم الغيورة على الامامة والامام لما كان حلّ يوم عاشوراء، على صعيد طف كربلاء، من وقائع ونكبات رهيبة.. وعجيبة خلفت في النفوس الطيبة كآبة لاتنتهي، ولوعة لا تنقضي، وأسى ممتدا على طول الازمان والدهور يتجدد ويتسع حتى يملأ الآفاق. ان واقعة كربلاء ليست كوقائع التاريخ طوّقتها مساحات محدودة، وحصرتها ايام معلومة.. بل هي واقعة هزّت الوجدان الانساني، فضلا ً عن الوجدان الاسلامي، ولذلك كان لابدّ أن تُكتب للاجيال تحديثا ً بما جرى على آل الرسول صلى الله عليه وآله. كانت من تلك الاقلام التي كتبت مقتل الامام الحسين عليه السلام قلم العالم الفاضل الشيخ حسن الحائري، الذي كان وراء كتابه (مهيّج الاحزان) كرامة شهدها لأبي الفضل العباس عليه السلام في رجب عام 1236 هجرية، فألف كتابه هذا عام 1237 هجرية، فطُبع سنة 1284 هجرية، ثم في سنة 1297 هجرية في حاشية كتاب (محرق القلوب).. كتب الشيخ آغا بُزرك الطهراني رحمه الله في معجمه الفاخر (الذريعة.. الى تصنيف الشيعة / تحت الرقم 9057) مُعرفا ً بالكتاب قائلا ً: (مهيج الاحزان.. للمولى حسن بن محمد علي الحائري، تلميذ السيد محمد المجاهد، والكتاب هذا مُرتب على: مقدمة في آداب التعزية، وأربعة عشر مجلسا ً، من اول خروج الامام الحسين عليه السلام من مكة، الى آخر ورود الركب الحسيني الشريف المدينة. وقد طُبع الكتاب مكررا ً.. وكان المؤلف رجلا ً زاهدا ً عابدا ً). هكذا كانت فصول الكتاب على هذا النحو: الاول: خروج سيد الشهداء من المدينة المشرفة الى مكة المعظمة. الثاني: خروج الامام عليه السلام من مكة الى العراق، ووروده كربلاء. الثالث: وقائع كربلاء منذ نزلها الحسين عليه السلام الى ليلة عاشوراء. الرابع: وقائع ليلة عاشوراء. الخامس: وقائع صبيحة عاشوراء. السادس: بيان شهادة بعض الاصحاب الكرام. السابع: شهادة اولاد عقيل، وشهادة القاسم ابن الامام الحسن المجتبى عليه السلام. التاسع: شهادة المولى علي الاكبر شبيه النبي المختار وفرع حيدر الكرار. العاشر: قتال سيد الشهداء صلوات الله عليه. الحادي عشر: وقائع ما بعد شهادة الامام الحسين عليه السلام. الثاني عشر: ورود قافلة المحنة والالم الى الكوفة. الثالث عشر: دخول قافلة المحنة والآلام الى الشام. الرابع عشر: رجوع أهل البيت ودخولهم الى المدينة المنورة. إن هذا التقسيم لا يخلو من تسلسل زمني محكم، واستعراض تاريخي متسلسل، ويُعد شيئاً جديدا في اسلوب التأليف، لا سيما في وقته. ثم ان المؤلف رحمه الله قد أدخل في فصول كتابه ومجالسه عناوين فرعية، معظمها جديد وملفت للخواطر... كعنوان: المظلومون المشردون، وتمرّد الامة، ولماذا لم ينزل العذاب، وتأثير مصائب الحسين عليه السلام في الكون، وتأملات في مصائب الامام الحسين سلام الله عليه، فضلا ً عن المواضيع العقائدية والتاريخية أدرج فيها روايات شريفة وأخباراً موّثقة كان منها: صرخة جبرئيل عليه السلام يوم عاشوراء، ورؤيا زينب عليها السلام في منزل الخُزيمية، ونظرة الى التقابل بين الدنيا والاخرة، وحرمان عمر بن سعد من ولاية الريّ، ونصر الله تعالى،.. ثم لا تخلو فصول الكتاب من ذكر فضائل اهل البيت عليهم السلام، ومقاماتهم، وفي المقابل يكتب الشيخ الحائري رضوان الله عليه في دناءة اعدائهم، وما كان انزلوه عليهم من المصائب التي لم يُطق الانبياء تحمُّل سماعها. وهذا الاسلوب الذي نحاه المؤلف هو من سنخ اسلوبه الخطابي بأعتباره رجلا ً واعظاً، من شأنه التنوع في مواضيعه، وطرحها بأسلوب أدبي لا يخلو من الوقفات العقائدية، والتعليقات المُطعمة بالعبر والمغازي، حتى وجدنا فضيلة المحقق السيد علي اشرف منسجما ً مع المؤلف في كتابه، فأطال شيئا ً ما في بعض الهوامش والتخريجات والبيانات، والتعضيدات والتوثيقات من عيون المصادر، وكأن المواضيع المهمة استوقفته فلم يمض معها عجولا ًَ، إنما تأنى فدَّبجها بتعليقات نافعة، وملاحظات مفيدة وقيّمة. ******* المقاتل الحسينية -4 - 4 2008-01-13 00:00:00 2008-01-13 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3916 http://arabic.irib.ir/programs/item/3916 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ان فاجعة طف كربلاء أسالت مجاري الدموع المتدفقة بغزارة وحُرقة، وأقضت مضاجع آل بيت الوحي والرسالة، وأرقت مُحبيهم، بل وأذهلت غير المسلمين.. كيف يكون قتل ذريع لسبط نبي على يد امته؟! وهل يُعقل أن يُسبى حرم الرسول من قبل امته؟! بأمر ممن يدّعي أنه سليل خلافته! انها مأساة كبرى حقا ً لا بدّ أن تدون للعبر والعبارات، رحم الله الشاعر حيث يقول مستعظما ً متعجبا ً مستغربا ً: الله أيُّ دم ٍ في كربلا سُفكالم يجر في الارض حتى أوقف الفلكا! واي خيل ضلال بالطفوف عَدَتعلى حريم رسول الله... فانتهكافالناس عادت اليهم جاهليتهموالرشد لم يدر قوم أية سلكاوقد تحكم بالاسلام طاغيةيمسي ويصبح بالفحشاء منهمكالم أدر أين رجال المسلمين مضواوكيف صار يزيد بينهم ملكا؟!لئن جرت لفظة التوحيد في فمهفسيفه بسوى التوحيد ما فتكا! من المقاتل الشريفة كتاب (مهيّج الاحزان، ومُوقد النيران، في قلوب اهل الايمان)، وهو لعالم مجتهد عرّفه الشيخ آغا بزرك الطهراني في كتابه (الكرام البررة) بقوله: هو الشيخ المولى حسن بن محمد عليّ اليزدي الحائري، من أعاظم علماء عصره، عرّف به التنكابني في (قصص العلماء) مفصلا ً، وأثنى على فضله وورعه كثيرا ً. كان الشيخ حسن الحائري في كرلاء المقدسة من تلاميذ السيد علي الطباطبائي صاحب كتاب (الرياض)، وفي اواخر عمره جاور الشيخ الحائري الحائر الحسيني الشريف بكربلاء، مهتما ً بالوعظ والابكاء، وأقامة المآتم على سيد الشهداء، وقد انتفع من مجلسه العوامّ والخواصّ وكان من آثاره الطيبة كتابه (مُهيّج الاحزان) وهو مقتل مختص بالامام ابي عبد الله الحسين صلوات الله عليه، ألفه سنة 1237 هجرية باللغة الفارسية، الى أنْ حظي بالترجمة والتحقيق سنة 1427 هجرية،على يد فضيلة السيد علي جمال اشرف، معتمدا في ترجمته للكتاب الى اللغة العربية على نسخة حققها ــ مأجورا ًــ تحقيقا ً بسيطا ً فضيلة الحاج محمد حسين رحيميان، الذي تطوع بأضافة عناوين داخل المجالس لم تكن من أصل الكتاب. فيما قام السيد أشرف بتخريج الاحاديث والمرويات من مصادرها بما استطاع الى ذلك سبيلا ً، محاولا ً التوفيق بين مااعتمده المؤلف من النصوص وما اشتهر اليوم في المصادر المطبوعة والمحققة، فيكون المحقق - جزاه الله خيراً - قد ادى امانة الترجمة وأمانة النقل في وقت واحد.. مشيرا ً الى ان ما أضافه في كلّ موقع، ومطعما ً المواقف بالابيات الشعرية المناسبة. في مقدمة كتابه (مهيج الاحزان).. يتطرق المؤلف الشيخ حسن اليزدي الحائري الى سبب تأليفه لهذا الكتاب، قائلا ً ما خلاصته: لمّا كان التوسل بالائمة الطاهرين عليهم السلام أعظم الوسائل التي يتقرب بها العبد الى ربه، نجد كل عبد يبحث عن ذلك السبيل ليتخذه منهجا ً. ولما كان السعي في حفظ الآثار والاخبار الواردة عن أهل البيت الاخيار عليهم السلام مرغوبا ً فيه ومحبوبا ً، ويُعد من حفظ شعائر الاسلام، انبرى العلماء في جميع الاعصار والامصار الى تأليف الكتب وتحرير الرسائل في هذا المجال. ولما كان ذكر الحسين سيد الشهداء سلام الله عليه، وحفظ الاخبار المتعلقة به وهو حادي ظعن السالكين الى مرضاة الله تعالى مشتملا ً على تلك المزايا والآثار المذكورة، أهتم اهل الايمان والولاء في التأليف حول مناقب الاملم الحسين عليه السلام وشهادته. لهذا قررت ان أحرر رسالة في هذا الباب، أ ُرتب فيها الاخبار المعتبرة التي أجمعها من كل شتات.. حتى إذا تأكد عندي هذا العزم، ألحّ عَليّ بعض الاخيار من الاصدقاء أن اشرع في التأليف، لكن عاقني عن النهوض بذلك ــ ولمدة طويلة ــ عوائق الايام، إذ حلت بالبلد حوادث عظيمة غشيتنا بالاضطراب والخوف على النفس والمال من التلف، فقلت: إن نجانا الله اللطيف الرحمان من هذه المهالك، وأنقذنا من هذه المآسي، فإني انجز ــ بإذن الله تعالى ــ هذا المشروع شُكرا ً لله على ما يُنعم علينا به من السلامة والامان. فلما نجونا ببركة الولى الحسين عليه السلام، أردت أن أفي بعهدي شكرا للنعمة، فلعلها تكون سببا ً لمغفرة الذنوب، وتوجب النجاة من مهالك الاخرة كما كانت سببا ً للنجاة في الحياة الدنيا. اللافت للافهام في كتاب (مهيج الاحزان) أن المؤلف كتب له مقدمة مهمة تحتوي على مطلبين: الاول في آداب التعزية وإقامة المآتم، والمطلب الثاني في أدلة ذكر مناقب أهل البيت عليهم السلام وفضائلهم، ومعجزاتهم، ومصائبهم، والطرق الى ذلك. ولا شك أن مقدمة كهذه تُعد باباً مهما ً في موضوع حزين كمقتل الامام الحسين عليه السلام، كما تعد بادرة نافعة في تهيئة القلوب للكآبة على سيد الشهداء سلام الله عليه. وسنواصل الحديث حول كتاب (مهيج الاحزان) في لقائنا القادم بإذن الله تعالى، حتى ذلك الحين نرجو لكم أفضل الطاعات في هذه الايام الشريفة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ******* المقاتل الحسينية -3 - 3 2008-01-15 00:00:00 2008-01-15 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3915 http://arabic.irib.ir/programs/item/3915 الحمد لله رب العالمين، وازكى الصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين، محمد المصطفى الهادي الامين، وعلى اله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. لنا وقفة اخيرة مع (مقتل كتاب الحسين عليه السلام) للخوارزمي الحنفي، حيث دعته ضرورة او ضرورات الى كتابة هذا المؤلف النافع، مع ان الرجل لم يكن من اتباع اهل البيت عليهم السلام، لا فقها ولا موالاة، وانما هو احبهم واعجب بهم، وتالم لمظلوميتهم، وتاسف على مصابهم، حتى انه غضب على اعدائهم، فلعنهم في مقدمة كتابه هذا، ثم لم يكتف بذلك، بل جرد يراعه للكتابة في امرين: مناقب آل البيت، ومثالب اعدائهم.. فضائل ال البيت، وجرائم اعدائهم معهم. وقد اتضح ذلك جليا في كتابه (مقتل الحسين عليه السلام) كما سنرى بعد هذه الوقفة القصيرة ان شاء الله تعالى. صحيح ان عنوان كتاب الخوارزمي هو (مقتل الحسين)، حيث يستوحى منه ان بحثه يدور حول شخصية الامام الحسين عليه السلام، بل و حول مقتله سلام الله عليه على الخصوص، الا ان المؤلف سلك في الكتاب مسلكا خاصا، اذ جعل الجزء الاول منه دائراً حول الفضائل، وبعض الوقائع الخاصة التي سبقت واقعة طف كربلاء، ثم تفرغ في الجزء الثاني الى الواقعة المفجعة بتفاصيلها... فكان منه ان ذكر شيئا من فضائل رسول الله صلى الله عليه وآله، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت بنت اسد، ونماذج من فضائل امير المؤمنين وذريته الطاهرة، عطف عليها فضائل فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه واله، هذا ما استغرق خمسة فصول من كتاب (مقتل الحسين)، بعد ذلك كتب الخوارزمي الحنفي شيئاً من فضائل الحسن والحسين عليهما السلام، عاطفا عليها في فصل لاحق اخبارات النبي صلى الله عليه واله ما سيجري على سيد شباب اهل الجنة ابي عبد الله الحسين صلوات الله عليه من الظلم والقتل، منبئا صوات الله عليه وآله بما كان بعد ذلك ووقع، وطابق الوقائع. ثم يدخل الخوارزمي بعد هذا الى ذكر بعض الحوادت التي سبقت معركة يوم عاشوراء، في المدينة... ثم في مكة... ثم ما كان من السبط الشهيد من الخروج الى العراق وما جرى عليه في طريقه حتى نزوله بالطف من ارض كربلاء. بعدها يفصل في مقتل الامام الحسين يوم عاشر محرم عام واحد وستين، في تلك الوقائع الرهيبة، والغريبة. ويفرد بعد هذا فصلا في بيان عقوبة قاتلي الحسين وخاذليه، ولعن قاتليه، وفصلا في ذكر المصيبة به ومراثيه، وفصلا في زيارة قبره... حتى اذا بلغ الفصل الاخير من الكتاب ـ وهو الفصل الخامس عشر ـ، خصصه لذكر انتقام المختار بن ابي عبيد الله الثقفي رحمه الله من قاتلي الحسين وخاذليه. واخيراً ... اذا اردنا التعرف على خصائص كتاب (مقتل الحسين) للخوارزمي ابي المؤيد الموفق محمد بن احمد المكي اخطب خوارزم، لابد من مطالعته بدقة، ومقارنته بالمقاتل الاخرى، فاذا كان ذلك وقفنا على هذه الخصائص: الاولى: جامعية هذه المقاتل والماميته. الثانية: الجمع بين الروايات المحضة والاخبار التاريخية، فالخوارزمي يصح ان يعد مؤرخا وراويا في الوقت ذاته. الخاصية الثالثة: امتياز هذا المقتل بثبوت اسانيده الخاصة، وامتدادها الى زمن المعصومين عليهم السلام. الرابعة: انصافية المؤلف وعدم تعصبه ضد التشيع. الخامسة: اعتماد المؤلف على كتاب (الفتوح) لابن اعثم الكوفي. والخصيصة السادسة: امتداد طرق الخوارزمي في الرواية الى الصحابة وائمة اها البيت. اما الخصيصة السابعة: فهي ربما عد الخوارزمي من المتساهلين في اسناده، الا ان التحقيق اثبت خلاف ذلك. واذا كان الخوارزمي ـ من اجل اكمال سير الحوادث والوقائع ـ يروي كثيرا من المراسيل، فان مراسيله كان يعضدها الاعتبار. وتبقى الطبعتان طبعة النجف الاشرف، وطبعة قم المقدسة ـ دار انوار الهدى، كلاهما يحتاجان الى تنقيح الاسانيد والمتون وضبطها، وبالجملة يحتاج كتاب الخوارزمي (مقتل الحسين) الى تحقيق جديد ادق. ونبقى شاكرين تلك الاقلام التي متشقت غضبا للحسين، وحبا وغيرة، واكراماً واجلالاً.. فدونت بعض فضائله التي لاتعد، ووقفت على مصيبته المذهلة التي احزنت الملايين، وابكت الاف الملايين.. جيلاً بعد جيل، وامة بعد اخرى، وذلك حين نشات النياحة يتلى فيها مقام الامام الحسين صلوات الله عليه، فاعتصرت القلوب على مظلوميته، والتهبت النفوس غضباً على قاتليه ومبغضيه، وانطلقت الالسن والاقلام بعد ذلك تنشر فضائل اهل البيت وافضليتهم، واولويتهم في خلافة النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم. ******* المقاتل الحسينية -2 - 2 2008-01-14 00:00:00 2008-01-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3914 http://arabic.irib.ir/programs/item/3914 بسم الله، والحمد لله، وأزكى الصلاة والسلام على محمد وآله آل الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. لقد جرحت مأساة الحسين عليه السلام كرامة المسلمين ومشاعرهم، وأيقظتهم على نكبة عظمى، فهبوا يستخبرون: مالذي جرى وكيف؟ فوقعوا على الحقائق المرّة التي انبأهم رسول الله بها من قبل وحذرهم، ووبخهم... سوم استرجع ودمعت عيناه الشريفتان، فسُئل عن ذلك، فقال لهم: هذا جبرئيل يخبرني عن ارض بشاطئ الفرات يقال لها (كربلاء)، يُقتل فيها ولدي الحيسن ابن فاطمة. فقيل له: من يقتله يا رسول الله؟! فقال رجل يقال له: "يزيد"، لا بارك الله في نفسه... ورجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) مغموماً فصعد المنبر والحسين بين يديه مع الحسن، فلما فرغ من خطبته وضع يده اليمنى على رأس الحسين، ورفع رأسه الى السماء وقال: اللهم انيّ محمد عبدك، ونبيّك، وهذان أطائب عترتي، وخيار ذريتي وأرومتي، ومَن اخلفهما بعدي.. اللهم وقد أخبرني جبرئيل بأن ولدي هذا مقتول مخذول، اللهم فبارك لي في قتله، واجعله من سادات الشهداء، انك على كل شيء قدير.. اللهم ولا تبارك في قاتله، وخاذله! فضج الناس في المسجد بالبكاء، فقال لهم النبي: أتبكون ولا تنصرونه؟! هذه الرواية التي اوردناها على مسامعكم الكريمة، هي ما نقاه كاتب حنفي المذهب، خطيب وعالم مشهور، اسمه الموفق أبو المؤيد الخوارزمي في كتابه (مقتل الحسين عليه السلام)، حيث ذكر في مقدمة كتابه هذا فضائل اهل البيت عليهم السلام جرت على لسان المصطفى صلى الله عليه وآله، وتناقلها الرواة والمحدثون والمفسرون والمؤرخون بالتصديق والتوثيق، مثبتاً أفضليتهم عليهم السلام حتى نجد الخوارزمي في نهاية مقدمته تأخذه حالة من الغضب لهم والغضب على اعدائهم فيقول: فلعن الله مبغضي أهل البيت، ولعن الله من لم يلعن مبغضي اهل البيت، وقاتليهم وسافكي دمائهم، والذين أعانوا على قتلهم، وأشاروا الى قتلهم ودلوا عليه. أليس عُرف من دين الاسلام أن من دلّ على قتل صيد الحرام، كمن قتل صيد الحرم في الاحكام فهذا حكم الله في الدال على صيد الحرَم، فكيف يكون حكم الله في من انتهك حُرمة رسوله في الحَرَم، وسفك من دم سبط شفيع يوم العَرض، ولم يكن حينئذ ٍ ابن بنت نبي ٍ غيره في بسيط الارض؟! وكأن الضمائر لم تهدأ دون ان تستدرك مافاتها، ودون ان تأسف على ماكان جرى وحلّ! وفي مقدمة الخوارزمي الحنفي نقرأ ذلك الاسف المقرون بالتمنيّ، وقد حثه على ان يُرضي ضميره بأن يكتب شيئا ً عن الامام الحسين عليه السلام، حيث كتب يقول: ولمّا عجزت لتأخير زماني... عن المناضلة دون الحسين، وإراقة دمي، والمثول بين يديه على قدمي، أحببت أن أجمع مقتله بلعاب قلمي، وأ ُطاعن دونه ودون ذريته باللسان؛ إذ لم أ ُطاهن دونهم بالسنان، وأ ُضارب عداهم بالبيان المُساعد؛ إذ لم أ ُضاربهم بالبنان والساعد؛ ليجدد مطالع مجموعي (اي كتابي المجموع هذا يُجدّد) اللعن على قاتليهم، ويوجه اللائمة الى خاذليهم، وليكون لي حظ في شفاعة جدهم محمد المجتبى من برّيته، مع الاولياء من ذريته، يوم ينادي المنادي من وراء حُجُب العرش: (يا أهل الموقف، غُضُّوا ابصاركم لتجوز فاطمة بنت محمد. فتمضي في عرصات القيامة مُلتحفة ً بثوب مخضوب بدم الحسين، فتحتوي على ساق العرش ثم تقول: انت الجبار العدل، إقض بيني وبين قتلة وَلدي. قال رسول الله صلى اله عليه وآله: فيقضي الله لبنتي ورب الكعبة! ثم تقول: شفعني فيمن بكى على مصيبتي، فيشفعها الله تعالى فيهم). وبعد ان يستعرض الخوارزمي فصول كتابه (مقتل الحسين) - وهي خمسة عشر فصلا - يعرف بمؤلفه هذا قائلا: توخيت ان اودع هذا المؤلف ما لا يمجه سمع السماع، وقصدت ان احلي هذا المصنف بما لا يرده جمع الاجماع، واردت ان يرتفع مستطير الشعاع، مكشوف القناع... وختمت مجموعي هذا بقصة المختار، الذي شفى صدور الابرار، من تلك الاوتار، وبهلاك عبيد الله بن زياد الابتر، بصُمصام ابراهيم بن الاشتر، لا طفئ من قلوب اهل الاسلام نائرة لاتنطفي في الآجلة نارها،.. واذا كان قد استمرت لاشقياء جولة على السعداء، واستفحلت للبغاة وطأة على الشهداء، فانما ذلك ليكرم الله تعالى منقلب ذرية الرسول ومآبهم، ويجزل لهم بالشهادة ثوابهم. ثم ان الله تعالى ارسل على عبيد الله بن زياد صاعقة ابراهيم بن الاشتر.. فاذاقه شطر وبال ما احتطب، وجزاء ما اكتسب.. وطهر اديم الارض من ادناس هؤلاء العارمين الالمين، وتركهم في مصابهم جاثمين، «فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ». ******* المقاتل الحسينية -1 - 1 2008-01-13 00:00:00 2008-01-13 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3913 http://arabic.irib.ir/programs/item/3913 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، واعظم الله اجورنا اجوركم بمناسبة الذكرى الاليمة لشهادة سبط النبي، الامام ابي عبد الله الحسين سيد شباب اهل الجنة عليهم السلام. ان مأساة الامام الحسين هزت الوجدان الانساني، فتوهجت بها مشاعر المسلمين، وتأنبت ضمائرهم، واعتصرت قلوبهم، كيف يقتل حبيب رسول الله صلى الله عليه وآله وبتلك القتلة الفظيعة؟! وهو حفيد المصطفى وسليله، وابن فاطمة الزهراء وعلي المرتضى، وهو من نزلت فيه وفي اهل بيته ايات شريفة: كآية التطهير، وآية المودة، وآية المباهلة. لقد جرى ما جرى يوم عاشوراء، على طف كربلاء، ما ذهلت له العقول، وعاد الناس بالائمة على انفسهم: لماذا اسلموا الحسين لطاغية زمانه حتى قتله واهل بيته واصحابه بذلك الاسلوب الشنيع؟! لماذا لم ينصروه ويؤازروه، ولماذا ولماذا؟! وانطوت الضمائر على تأنيب ملح شديد، كما انطوت الانفس على كآبة وحزن مديد... فكان لابد من النوح والبكاء... فتوسلوا الى ذلك بوسائل عديدة، رأوا من اشرفها ان تقرا قصة الشهادة الحسينية بفجائعها المرّة المريرة، لتُكسب عليها العبرات الولائية، وليتعرف الناس على المظلومية العظمى والمأساة الكبرى التي حلت بالحسين، وآل الحسين... وليتعرفوا ايضاً على الجريمة العظمى والظليمة الكبرى التي ارتكبها المنافقون أدعياء الاسلام أصحاب النزعات الجاهلية الاولى. ومن هنا تولدت ضرورة جمع فصول مقتل الامام الحسين صلوات الله عليه، فانطلقت الالسن تقصّ وتنقل، وانفتحت الافهام تحفظ وتجمع، وأنبرت الاقلام تدوّن وتسجل لا سيما الاقلام التي شهدت جوانب من المعركة، والاقلام التي كتبت عن السنة من حضر يوم طف كربلاء، وروت عن اهل بيت العصمة والطهارة... فصاحب الدار ادرى... واشترك الجميع، في نقل الوقائع والاحداث، وما جرى من الاحتجاجات والمحاورات، وما كان قبل كربلاء وبعدها... فكتبَت مقاتل عديدة، معظمها موثق ومعضود، والباقي مشهور ومعهود.. لا يخلو من اقرارات الخصوم، ومنهم القتلة والمشاركون في قتل سيد الشهداء وآله وصحبه. واللا ّفت للاذهان ان كثيراً من المقاتل - مفصلة بعضها ومختصرة - قد كُتبت بأقلام ليست تابعة لأهل البيت على مستوى التشيع والولاء، كان منها، بل ومن أفضلها: مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي الحنفي... لنقف عنده بعد لحضات. قبل كل شيء لا بأس ان نتعرف على مؤلف كتاب (مقتل الحسين) هذا، وهو أبو المؤيد، الموفق محمد بن احمد، المكيّ، الخوارزمي، الملقب بـ"أخطب خوارزم" وبـ"خليفة الزمخشري" وُلد سنة 484 وتوفي سنة 568 هجرية. ذكره المؤلفون في مؤلفاتهم: كالسيوطي في (البُلغة)، ونقل له عن القطفي والصفديّ، مديحا ً واعجابا ً به. وممن نقل عن كتابه (مقتل الحسين): الكنجيّ الشافعيّ في (كفاية الطالب)، واليماني الصنعانيّ في (الروض الباسم)، والزرندي الحنفي في (نظم دُرر السِّمطين)، وابن الصباغ المالكي في (الفصول المهمة)، والهيتمي ابن حجر (الصواعق المحرقة) والسمهوديُّ الشافعيّ في (جواهر العقدين)... وغيرهم كثير. وللخوارزمي الحنفي مصنفات كثيرة، اهمها: كتاب الاربعين في أحوال سيد المرسلين صلى الله عليه وآله الطيبين، ومناقب عليّ بن ابي طالب عليه السلام، ومقتل الحسين عليه السلام في جُزءين. وقد ذ ُكر للخوارزمي شعر جميل في ذكر فضائل أهل البيت عليهم السلام، عبّر فيه عن أعجابه بهم ومحبته لهم... من ذلك قوله: ألا هل من فتى كأبي ترابامام طاهر فوق التراب!اذا ما مُقلتي رمدت فكحليتـُراب مسَّ نعل ابي ترابهو البكاء في المحراب لكنهو الضحاك في يوم الحرابوقال كذلك: هل ابصرت عيناك في المحرابكأبي تراب من فتىً محراب؟!لله دَرُّ ابي تراب إنهاسد الحراب... وزينة المحرابهو ضارب... وسيوفه كثواقب ٍهو مُطعِم وجفانه كجوابلو لا عليّ ما أهتدى في مشكل ٍعُمر... ولا أبدى صواب جواب!وقد كتب عدد من العلماء في حياة الخطيب الخوارزمي، منهم: السيد حامد مير حسين الحسينيّ في (عقبات الانوار) ما استغرق عشرات الصفحات، والعلامة الاميني في الجزء الرابع من موسوعته الفاخرة (الغدير)، والمحقق الفاضل الشيخ محمد السُّماويّ في مقدمة كتاب الخوارزمي (مقتل الحسين)... حيث حققه وراجعه، وتطرق الى نشر هذا الكتاب على يد أصحاب الخير والفضيلة في مدينة النجف الاشرف سنة 1367 هجرية، شاكراً تلك الايدي الكريمة التي كتبت المقاتل، وحفظت هذا التراث العزيز الذي يصرخ بمظلومية أهل بيت الوحي والرسالة، وظالميّة أعدائهم. *******