اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | كوكبة الفتح المبين http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb يزيد بن زياد بن مهاصر الكنديّ - 55 2009-02-09 00:00:00 2009-02-09 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5081 http://arabic.irib.ir/programs/item/5081 السّلام على الحسين وعلى علي بن الحسين، وعلى اولاد الحسين، وعلى اصحاب الحسين. اختلف عدد شهداء كربلاء عن المؤرخين وأصحاب السير، وإن بلغ عندهم أكثر من مئة شهيد، ولعل أقدم من ثبّت ذلك مع ذكر اسمائهم: المحدث الجليل الفضيل بن زبير الكوفي الاسدي، احد اصحاب الامامين: الباقر والصادق (عليهما السّلام)، مفصلاً في ذلك روايات مسندة عن رجال معروفين في كتاب له عنوانه: (تسمية من قتل مع الحسين (عليه السّلام) من ولده وإخوته وأهل بيته وشيعته) حققه فضيلة السيد محمد رضا الحسيني الجلاليّ، وقد احتوى على اسماء الشهداء لم يذكروا في موضع آخر، وعلى آثار وروايات وتفصيلات لم توجد في كتاب آخر، مما يرفع من قيمته العلمية والتاريخية. وهنا احببنا أن نذكر من تبقى من كوكبة الفتح المبين، شهداء يوم عاشوراء، في طفّ كربلاء. فيمن ذكر من اصحاب الامام الحسين (عليه السّلام): الادهم بن امية العبدي وكان ممن التحق برحل لأبي عبدالله الحسين مع يزيد بن ثبيط العبديّ من الشيعة البصرية، وقد اصطف في عسكره وثبت مع جملة من الاصحاب الغيارى الاوفياء، حتى نال مناه عندما جعل اصحاب الشمر يرشقون اصحاب الامام الحسين بالسهام والنبال عن بعد في الحملة الاولى ويذكر في شهداء الطف رجل كان قد خرج مع عمر بن سعد، فلما رى اصطفاف الاصحاب حول إمامهم سيد شباب اهل الجنة (صلوات الله عليه) يقونه بأرواحهم، مال قلبه الى ابي عبدالله الحسين مرّة واحدة، فأسرع منضماً الى عسكره وأنصاره، ثم لم يطق صبراً حتى دخل المعركة بقلب يتوق الى الشهادة المكفرة عن ذنوبه، فبرز يقاتل، حتى قتل شهيداً بين يدي سيّد الشهداء، ذلك هو بكر بن حييّ التيميّ (رضوان الله تعالى عليه). وذكر مترجموا الرجال واصحاب السّير والتواريخ، انّ أمية بن سعد الطائي كان من اصحاب امير المؤمنين علي (عليه السّلام)، وكان تابعياً، نزل الكوفة مدّة، فلما سمع بقدوم الامام الحسين (عليه السّلام) الى كربلاء خرج اليه ايام المهادنة، ايام التقاء الامام الحسين (عليه السّلام) بجيش الحرّ الرياحيّ، فلما أصبح يوم عاشوراء، كان امية بن سعد الطائي احد المقاتلين في الحملة الاولى، حيث اقتتل الاصحاب ساعة من النهار، فكان فيهم عدة من الشهداء بين يدي ابي عبد الله الحسين (سلام الله عليه)، منهم امية بن سعد الطائي (رضوان الله تعالى عليه). وأخيراً يأتي في عداد شهداء كربلاء: اسم رجل شهم آخر، ذاك هو ابو الشعثار يزيد بن زياد بن مهاصر الكنديّ البهدليّ، أصله من عرب الجنوب باليمن، كان رجلاً شريفاً شجاعاً، من اهل الكوفة. خرج الى الامام الحسين (عليه السّلام) قبل وصول جيش الحرّ الرياحي في منطقة (شراف). قال المؤرخ المعروف (ابو مخنف): لما كاتب الحرّ عبيد الله بن زياد في امر الحسين (عليه السّلام) وجعل يسايره جاء الى الحرّ رسول ابن زياد، وهو مالك بن النسر الكنديّ، فسلمه كتاباً عن عبيد الله فما كان من الحرّ (رضوان الله عليه) إلاّ أن يأتي بالكتاب الى ابي عبد الله الحسين (سلام الله عليه). وهنا عن مالك بن النسر ليزيد بن زياد الكنديّ وهو من قومه وعشيرته فقال يزيد يسأله: أمالك بن النسر انت؟! قال: نعم. فقال له يزيد: ثكلتك امك! ماذا جئت به؟ قال مالك: ما جئت به أطعت إمامي (اي عبيد الله)، ووفيت ببيعتي (اي ليزيد بن معاوية). فقال له: يزيد الكنديّ عصيت ربك، وأطعت إمامك في هلاك نفسك، وكسبت العار والنار! ألم تسمع قول الله تعالى: «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ». (سورة القصص، 41)، فهزئ مالك بن النسر وولى. روى ابو مخنف في (مقتل الامام الحسين عليه السّلام) أن يزيد بن زياد الكنديّ قاتل وهو فارس، فلما عقرت فرسه جثا على ركبتيه بين يدي الامام الحسين (صلوات الله عليه) وجعل يرمي بمئة سهم، ما سقط منها خمسة، وكان رامياً وكلما رمى قال: انا ابن بهدلة فرسان العرجلة، والامام الحسين (عليه السّلام) يدعو له: (اللهم سدد رميته، واجعل ثوابه الجنة). فلما نفدت سهام زيد بن زياد، قام (رضوان الله عليه) يواصل القتال باستلال سيفه، فحمل على القوم وهو يرتجز قائلاً: انا يزيد وابي مهاصركانني ليث بغيل خادرفلم يزل (رضوان الله عليه) حتى قتل شهيدا مضمخاً بدمائه. وفيه يقول الشاعر الموالي: الكميت بن زيد الاسدي: ومال ابو الشعثاء اشعث دامياًوإنّ ابا حجل قتيل محجّلواشرف من ذلك سلام زاك يبعثه الامام المهديّ المنتظر (عجل الله تعالى فرجه) يوم زار شهداء عاشوراء، حيث قال في زيارته المباركة: السّلام على يزيد بن زياد بن مهاصر الكنديّ، إلى أن قال (سلام الله عليه) يخاطبهم جميعاً: السّلام عليكم يا خير انصار، سَلامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ، بوّأكم الله مبوّأ الابرار. اشهد لقد كشف الله لكم الغطاء، ومهد لكم الوطاء، واجزل لكم العطاء، وكنتم عن الحق غير بطاء، وانتم لنا فرطاء، ونحن لكم خلطاء، في دار البقاء. ******* عمرو بن عبد الله الجندعيّ - 54 2009-02-08 00:00:00 2009-02-08 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5080 http://arabic.irib.ir/programs/item/5080 السّلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى اولاد الحسين، وعلى اصحاب الحسين. لقد اختار الله تبارك وتعالى عدة من المؤمنين، كتب لهم بعد ان أخلصوا نواياهم ومساعيهم أن يصبحوا من أصحاب سيد الشهداء ابي عبد الله الحسين (عليه السّلام) في مسيره الى كربلاء وأن يقاتلوا بين يدي امام زمانهم في ظهيرة عاشوراء، وينالوا الشهادة ويحظوا بتأبين الحسين لهم والدفن في مثواه، ثم يتشرفوا بزيارة ائمة الهدى لهم فيما بعد. واختار الله جلّ وعلا عدة أخرى من المؤمنين، كتب لهم أن يستشهدوا قبل واقعة كربلاء، حيث قتلوا في الكوفة، هم: عبد الاعلى بن يزيد الكلبّي وعبد الله بن يقطر، وعمارة بن صخلب الازدي، وقيس ابن مسهر الصيداوي، وسيدهم مسلم بن عقيل (رضوان الله عليه). وهنالك الاكارم ثلة من المؤمنين كان لهم توفيق آخر حيث شاركوا في يوم عاشوراء بالقتال والنزال الى جانب سيد الشهداء، فجرحوا وارتثوا، ويومها لم يستشهدوا، منهم: الحسن المثنى بن الامام الحسن المجتبى (عليه السّلام) حيث اصابته ثماني عشرة جراحة وقطعت يده اليمنى ولم يستشهد. وسوّار بن منعم الفهميّ جرح واسر، فتشفع فيه قومه الهمدانيون، فبقي اسيرا ولم يقتل، حتى توفي بعد معاناة جراحه. وعمرو بن عبد الله الجندعيّ الذي وقع صريع جراحاته، فحمله اصحاب الحسين ليكون اسير فراشه عاماً كاملاً، ثم صريع اجله بعد ذلك. أما الموقع بن ثمامة الاسدي الصيداوي، فهذه قصته. الموقع بن ثمامة هو ممن اتى الامام الحسين (عليه السّلام) في طف كربلاء، وقد خلص اليه ليلاً مع من خلص. قال ابو مخنف: إنّ الموقع صرع يوم عاشوراء، فاستنقذه قومه بنو اسد وأتو به الى الكوفة فأخفوه، لكن خبره بلغ الطاغية عبيد الله بن زياد، فأرسل عليه ليقتله، فتشفع فيه جماعة من بني اسد فتركه لكن كبّله بالحديد ونفاه الى الزراره بـ (عمان). فكان الموقع (رضوان الله عليه) يعاني جراحاته وآلامه وهو في منفاه بعيداً عن الاهل والوطن، قضى على تلك الحال عاماً كاملاً حتى وافاه الاجل، وفيه يقول الكميت الاسدي يذكره بكنيته: وإنّ ابا موسى أسير مكبّل. هكذا قدر للموقع أن ينقل جريحاً اسيراً الى منفاه مكبلاً، فيعاني الغربة مع الآم الجراح، لحكم اقتضتها مشيئة الله جل وعلا، قد يكون منها: أن ينكشف الكثير من جرائم بني امية وأعوانهم القساة الظلمة، وان يروي هذا المجاهد مشاهد عديدة ووقائع فريدة من ملحمة كربلاء العظمى لبعض المقربين والمحيطين به، وأن يتضاعف بذلك اجره في تلك المعاناة، حتى يقضي شهيداً ايضاً وقد مات على حب آل محمد بعد ثوابات أخر، وفي حين آخر. وشهيد آخر من كربلاء، هو نصير بن ابي نيزر، ابوه نيزر من ولد بعض ملوك العجم، رغب في الاسلام فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرّباه، ثم عاش في ظل البيت النبوي الشريف، وعمل في بستان نخل لأمير المؤمنين علي (عليه السّلام)، وهو الذي نقل الخبر المشهور عن الامام علي في استخراج عين الماء التي عرفت فيما بعد (عين ابي نيزر)، وقد وقفها (عليه السّلام) للخير، وقد انثالت كأنها عنق جزور، فخرج الامام مسرعاً وقال: أشهد الله أنها صدقة ثم كتب: هذا ما تصدق به عبد الله عليّ، تصدّق بالضيعتين على فقراء المدينة. اما ابنه نصر، فقد انظم وانتمى الى الامام الحسين (عليه السّلام) يخدمه بعد شهادة أمير المؤمنين والحسن المجتبى (عليهما السّلام) حتى إذا عزم أبو عبد الله الحسين على الخروج من المدينة. رافقه نصر بن أبي نيزر الى مكة ومن مكة الى كربلاء ليشترك في جمع الاصحاب في تلك الملحمة الالهية العظمى. وقبل ان يبدأ القتال يوم عاشوراء، كان هنالك أمران من سيد شباب اهل الجنة (سلام الله عليه): الاول تعبئة صفوف عسكره. والثاني مخاطبة جيش عمر بن سعد بحقائق أربكتهم، فغربلوا، حتى انحازت جماعة الى صفوفه حاسمين موقفهم الى جانب الحق. لذا سارع عمر بن سعد إلى اشعال نار الحرب بسهم خبيث أطلقه نحو عسكر الامام الحسين (عليه السّلام)، مشهداً أصحابه لدى ابن زياد أنه أول من خبّث ورمى، ثم كانت السهام كالمطر تنثال على اصحاب سيد الشهداء. بعد ذلك كانت الحملة الاولى، كلّ على جهة تهجم هجمة رجل واحد، فكان حصيلة ذلك خمسين شهيد اللامام الحسين (سلام الله عليه). وفي تلك الحملة، كان من نصيب نصر بن ابي نيزر أن يشترك فارساً مقاتلاً، صال وجال حتى عقرت فرسه، وسقط شهيداً (رضوان الله عليه) الى جانب جمع من الشهداء الابرار، يصوّرهم الشاعر ويتصوّرهم: ثاوين قد زهت الرّبى بدمائهمفكأنهم نوّارها الممطورهم فتية خطبوا العلى بسيوفهموله النفوس الغاليات مهورحتى اذا شاء المهيمن قربهملجواره... وجرى القضا المقدورركضوا بأرجلهم الى شرك الردّىوسعوا... وكل سعيه مشكورفزهت بهم تلك العراص كأنمافيها ركدن أهلة وبدورفرضوان الله عليهم من مضحين مخلصين و(صلوات الله عليهم) من شهداْ سعداء مفلحين. ******* الحجاج بن زيد السعدي - 53 2009-02-07 00:00:00 2009-02-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5079 http://arabic.irib.ir/programs/item/5079 بسم الله، والحمد لله، واطيب الصلاة وازكاها على المصطفى حبيب الله، وعلى آله اولياء الله. من اصحاب الامام الحسين (عليه السلام) من كان له دور كبير في وصل الوشائج بين الامام والملأ، ينقل بينهم الرسائل والاخبار، ويدعو الى نصرة صاحب الامر، وإمام الزمان والعصر، مُيسراً بذلك سبيل النصرة. وكان من اولئك الحجاج بن زيد السعدي، هكذا ذكره المؤرخون واهل اليسر: بصريٌّ من بني سعد بن تميم، جاء بكتاب مسعود بن عمرو الى الامام الحسين (عليه السلام)، فبقى معه حتى يوم عاشوراء. أما كتاب مسعود بن عمرو هذا فله قصة طويلة، مفادها أنّ هذا الرجل جمع قومه، واطال معهم الوعظ والتنبيه والتذكير، ودعاهم الى نصرة ابي عبد الله الحسين قائلاً لهم: إنّ معاوية قد مات، فأهون به ـ والله هالكاً ومفقوداً! ـ وقد كان احدث بيعة (اي الى يزيد ابنه) عقد بها امراً ظن انه أحكمه، وهيهات الذي اراد وقد قام يزيد شارب الخمور، ورأس الفجور، يدعي الخلافة على المسلمين، ويتأمر عليهم بغير رضى منهم، مع قصر حلم، وقلة علم، لا يعرف من الحق موطأ قدمه. فأقسم بالله قسماً مبروراً، لجهاده على الدين، افضل من جهاد المشركين. وهذا الحسين بن علي امير المؤمنين، وابن رسول الله صلى الله عليه وآله، ذو الشرف الاصيل، والرأي الاثيل، له فضل لا يوصف، وعلم لا ينزف، هو اولى بهذا الامر، فأكرم به راعي رعية، وامام قوم وجبت لله به الحجة، وبلغت به تاموعظة والله لا يقصر احد عن نصرته الا اورثه الله الذلة في ولده، والقلة في عشيرته. وها انا ذا قد لبست للحرب لامتها، وادرعت لها بدرعها. من لم يُقتل يمت، ومن يهرب لم يفت، فأحسنوا (رحمكم الله) رد الجواب. فماذا كان ـ يا ترى ـ ذلك الجواب ـ؟ قال بنو حنظلة لمسعود بن عمرو بعد خطبته: نحن نبلو كنانتك، وفرسان عشيرتك، لا تخوض غمرة الا خضناها، ولا تلقى ـ والله ـ الا لقيناها وقال بنو اسد: ان ابغض الاشياء الينا خلافك، والخروج من رأيك. وقال بنو عامر: نحن بني ابيك وحلفاؤك، لا نرضى إن غصبت، ولا نوطن إن ظعنت، فادعونا بحبك، وامرنا نطعك، والامر اليك إن شئت. جينها كتب مسعود بن عمرو الى الامام الحسين سلام الله عليه كتابه، ارسله مع الحجاج بن زيد السعدي، وكان فيه: ان الله لم يخل الارض من عامل عليها بخير، ودليل على سبيل نجاة، وانتم حجة الله على خلقه، ووديعته في ارضه، تفرعتم من زيتونة احمدية، هو اصلها وانتم فروعها، فأقدم سُعدت بأسعد طائر فقد ذللت لك اعناق بني تميم وذللت لك بني سعد وغسلت درن قلوبها بماء سحابة مزن. فحمل الحجاج بن زيد كتاب مسعود، وكان متهيئاً للمسير نحو الامام الحسين صلوات الله عليه وهو في طف كربلاء، فلما قرأ الامام كتاب مسعود قال للحجاج: آمنك الله من الخوف، وعزّك وأرواك يوم العطش الاكبر. وبقي الحجاج بن زيد كع ابي عبد الله الحسين، حتى استشهد بين يديه. قال المحليّ في (الحدائق الوردية): قتل الحجاج بن زيد السعدي مبارزه بعد ظهر عاشوراء. وقيل: قتل في الحملة الاولى بعد الظهر. نعم، وزاره بعد حين حجة الله المهدي صلوات الله عليه: السلام على الحجاج بن زيد السعدي، ثم سلم على جملة الانصار الاصحاب الذين نصروا الحسين على قلة عددهم. وفيهم يقول الشاعر: قل الصحابة غيران قليلهم غير القليلمن كان لبيض واضحالحسبين معدوم المثيلمن معشر ظربوا الخبافي مفرق المجد الاثيلوعصابة عقدت عصابةعزهم كفوّا الجليلوردوا على الظمأ الردىورد الزلال السلسبيلوثووا على الرمضاء منكاب ومنعفر جديلونقرأ في زيارة الامام المهدي ارواحنا فداه لشهداء طف كربلاء، يوم عاشوراء: السلام على الجريح المأسور سوار بن ابي حُمير الفهمي الهمداني. السلام على المرتث معه عمرو بن عبد الله الجندعي. والمرتث هو من حُمل من ساحة المعركة بعد ان قاتل واثخن بالجراح، فاخرج من ارض القتال وبه رمق. وكان عمرو بن عبد الله الجندعي، هو احد الاصحاب الذين وفقوا للالتحاق بمعسكر ابي عبد الله الحسين سلام الله عليه ايام المهادنة في كربلاء، وبعد ان انظم الى الركب الحسيني اصطف كتفاً الى كتف مع اصحاب الامام الحسين ينتظر الساعة التي ينتصر فيها لامامه ؛ فأذا كان اليوم العاشر من المحرم وكانت الحملة الاولى في نهضة شهمة نهضها الاصحاب بعد ان رُشقوا جميعهم بسهام الفتنة ايذاناً بالحرب بعد سهم عمر بن سعد. فدخل عمرو الجندعي في غمار الاصحاب مجدردا سيفه يخوض في افواج اعداء الله يضرب فيهم يمنة ويسرة، وعجت غبرة عظيمة، ما انجلت الا عن خمسين صريعاً من اصحاب ابي عبد الله الحسين (عليه السلام)، ما بين قتيل طريح، ومرتث جريح. وكان عمرو بن عبد الله الجندعي من بين الصرعى الجرحى، فوقع مرتثاً بالجراحات، اثر ضربات اصابت بدنه ورأسه، فحمله قومه وبقي مريضاً من ظربة على هامته، طريح الفراش سنة كاملة، حتى وافاه الاجل رضي الله عنه بعد عام من واقعة عاشوراء. واما سوار بن منعم الهمداني النهميّ، فقد ذكر المؤرخون وأصحاب السير انه قاتل هو الاخر في الحملة الاولى قتال الابطال حتى ارتث بالجراح، فصرع على الارض ولم يستشهد، الا انه ا ُخذ اسيراً، فجئ به الى عمر بن سعد، فاراد قتله، الا ان قوم سوار من الهمدانيين تشفعوا فيه لدى ابن سعد فشفعه، فبقي اسيراً جريحاً يعاني آلامه حتى توفي رضوان الله عليه بعد حين، حيث ذكر بعض المؤرخين ان قومه لم يستطيعوا اطلاق سراحه، وانما دفعوا عنه القتل فحسب، فبقي اسيراً وهو جريح، حتى فاضت روحه الطيبة بعد ستة اشهر كما قيل، فسلام عليه في المجروحين، وسلام عليه في المأسورين، وسلام عليه في الآلمين، وسلام عليه في الشهداء الملتحقين. ******* هاني ابن عُروة المذحجيّ - 52 2009-02-05 00:00:00 2009-02-05 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5078 http://arabic.irib.ir/programs/item/5078 السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى اولاد الحسين، وعلى اصحاب الحسين. عدة من اصحاب البصائر وفقوا لان يُصاحبوا الامام الحسين (عليه السلام) بأبدانهم وقلوبهم، وعدة منهم وفقوا لان يصاحبوه بأرواحهم فحسب؛ إذ كانوا عنه بعيدين، ولكنهم احبوه ووالوه واخلصوا له الى حد التضحية والشهادة، كان منهم: هاني ابن عُروة المذحجيّ، ذلك الرجل العريق، فقد كان هو وأبوه عروة صحابيين ومن وجوه الشيعة، واعيانها وزعمائها الكبار في الكوفة. قال المؤرخ المسعودي: كان هاني بن عروة المرادي شيخ مراد وزعيمها، يركب في اربعة آلاف دارع، وثمانية آلاف راجل، فاذا أجابت مراداً أحلافها كان هاني في ثلاثين الف دارع. نعم، وقد ادرك هاني رسول الله صلى الله عليه وآله وتشرف بصحبته، ثم صار من أصحاب امير المؤمنين (عليه السلام)، فشارك معه في: الجمل وصفيّن والنهروان، وكان من رجزه يوم الجمل: يالك حرباً جَثها جمالهايقودها ـ لنقصها ـ ضلالهاهذا علي حوله أقيالهاولهاني ابن عروة مواقف رجولة ونُبل وشهامة، إذ لما همّ معاوية بقتل حُجر بن عديّ شفّع هاني فيه زياد ابن ابيه. ويوم طلب معاوية كثير بن شهاب المذحجي وهدر دمه ودم هاني لما خبأه عنده، باغته هاني لما حضر مجلسه ولم يعرفه معاوية، وقال له: أنا اليوم اعز مني من ذلك اليوم، سأله معاوية: بم ذلك؟ أجابه هاني: بالاسلام. ثم شفّعه في ترك كثير بن شهاب عن قتله. وحين قدم مسلم بن عقيل رضوان الله عليه الى الكوفة، آواه هاني ابن عروة في داره، وكان مسلم قد انتقل الى دار هاني بعد ان كان في دار المختار الثقفيّ؛ لما انتهى اليه من مجئ عبيد الله بن زياد وتهديداته. حتى اذا علم ابن زياد عن طريق جاسوسه (معقل) باختفاء مسلم في بيت هاني بن عروة، بعث على هاني وعاتبه بشدة ولامه وتجاسر عليه، ثم هدده: والله لا تفارقني ابداً حتى تأتيني بمسلم. اجابه هاني بقوله الحازم: لا والله لا اجيبك به ابدا ً، أجيبك بضيفي تقتله؟‍! ثم كان الحاح من هنا واصرار من هناك، وحاول مسلم بن عمرو الباهلي اقناع هاني له: انشدك الله ألا تقتل نفسك وتُدخل البلاء على عشيرتك. فأجابه هاني: والله ان عليَّ في ذلك الخزي والعار ان ادفع جاري وضيفي والله لو لم يكن لي إلا واحد ليس لي ناصر، لم ادفعه حتى اموت دونه. فلما رأى عبيد الله إصرار هاني بن عروة هدده بشدة: والله لتأتينيّ به او لأضربنّ عنقك، فقابله عروة بتهديد أشد ّ: إذا ً والله تكثر البارقة حول دارك (اي السيوف). هذا وهاني يظنّ أن عشيرته مذحجا ً ستنصره وتخلصه. فصاح عبيد الله: والهفاه! أبالبارقة تخوفني؟! ثم صاح: أدنوه منيّ. فأدنوه، فاستعرض وجه هاني بالرمح حتى مزقه ونثر لحمه جبينه وخده لحيته وكسّر عظام وجهه، فغضب هاني ومد يده على قائم سيف شرطيّ، فجاذبه الرجل ومنعه، ثم أمر به عبيد الله فألقوه في غرفةٍ أغلقوا عليه بابها. ولما شاع خبر انّ هاني بن عروة قد قُتل، أقبل عمرو بن الحجاج في جمع من قبيلة مذحج، فأحاطوا بقصر عبيد الله، الذي وسّط شريح القاضي في خدعةٍ أطلاها على قبيلة هاني، وهاني يسمع الضجة على باب القصر وهو يقول: يا الله يا للمسلمين! أهلكت عشيرتي؟! أين اهل الدين، أين أهل المصر؟! والدماء تسيل من لحيته، وهنا خرج هاني خرج على اهل مذحج فهدأهم، وردّهم بعد ان طمأنهم على حياة هاني، فانصرفوا. حتى اذا استطاع عبيد الله بن زياد من قتل مسلم بن عقيل، خلا له الجو فأخذ يفكر بقتل هاني بن عروة، فنادى على جلاوزته: أخرجوه الى السوق وأضربوا عنقه. فأخرج هاني رضوان الله عليه مكتوفاً وهو يقول: وامذحجاه! ولا مذحج لي اليوم! فلما لم يجد من ينصره، جذب يده فنزعها من الكتاف، وصاح صيحة العزيز في نفسه وقومه: أما من عصاً أو سكين تو حجارة او عظم ٍ يدافع به رجل عن نفسه؟! فوثبوا اليه فشدوه وثاقاً، وقيل له: مُدَّ عنقك، فقال: ما انا بها بسخيّ. فأبى الذلة وأنهى حياته بالعزة والكرامة يقول لقتلته: ما انا بمعينكم على نفسي. فتقدم اليه شقيّ كان مولى لعبيد الله بن زياد، فضربه بالسيف فلم يصنع فيه شيئاً، فقال هاني: الى الله المعاد، اللهم رحمتك ورضوانك. فضربه ذلك الشقي أخرى فقتله. وفي طريق كربلاء، يلتحق بالركب الحسيني: عبد الله بن سليمان، والمنذر بن المشمعل الاسديان. يوافقانه في (الثعلبية )، فيخبران الامام الحسين (عليه السلام) بشهادة مسلم بن عقيل وهاني بن عروة رضوان الله عليهما، وأنهما جُرّا في السوق بارجلهما. فأخذ الاسى مأخذه من ابي عبد الله الحسين صلوات الله عليه، فقال متألماً: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ». (رحمة الله عليهما) يردد (عليه السلام) ذلك مراراً. ويأتي الشاعر الموالي ليقول في مسلم وهاني: فإن كنت لاتدرين مالموت فانظريالى هانئ ٍ في السوق وابن عقيل ِالى بطل ٍقد هشّم السيف وجههوآخر يهوى من طمار ِ قتيل ِأصابهما أمر اللعين فاصبحااحاديث من يسري بكلّ سبيل ِتري جسداً قد غير الموت لونهونضح دم ٍ قد سال كلَّ مسيل ِوكان من دناءة عبيد الله بن زياد وجاهليته العريقة وتملقه للطغاة، أن بعث برأسي مسلم بن عقيل وهاني بن عروة الى يزيد بن معاوية الذي يتلذذ بقتل الاولياء. أجل، وكانت شهادة هاني بن عروة الذي يعتبر من اصحاب الامام الحسين، والمخلصين الاوفياء له، في الثامن من ذي الحجة سنة ستين من الهجرة الشريفة وهو اليوم الذي خرج فيه الامام الحسين سلام الله عليه من مكة متوجهاً الى العراق، وعمر هاني يومذاك بضع وتسعون سنة، وقيل: تسع وثمانون، وقيل: ثلاث وثمانون سنة، وكان يتوكأ على عصاه لكبره. فرضوان الله تعالى عليه وشكر الله له نصرته لنهضة مسلم بن عقيل رضي الله عنه وكان ذلك كله في مقدمة النهضة الحسينية المباركة. ******* عمار بن حسان بن شُريح الطائي - 51 2009-02-04 00:00:00 2009-02-04 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5077 http://arabic.irib.ir/programs/item/5077 السلام عليكم ايها الصديقون، السلام عليكم ايها الشهداء الصابرون، اشهد انكم جاهدتم في سبيل الله، وصبرتم على الاذى في جنب الله، ونصحتم لله ورسوله، حتى اتاكم اليقين. اهلاً بكم في هذا اللقاء الطيب معكم، وشخصية اخرى من اصحاب الامام الحسين (عليه السلام)، ذلك هو: عبد الرحمان بن عبد الله بن الكدر الهمداني الارحبي، التابعي الوجيه، والشجاع المقدام، والذي كان من مهماته رضوان الله عليه حمل رسائل اهل الكوفة الى الامام الحسين (عليه السلام)، حيث ذكره اهل السيرة انه كان موفداً عنهم الى ابي عبد الله الحسين وهو في مكة، يرافقه قيس بن مسهر الصائدي، ومعهما كتب نحو ثلاث وخمسين صحيفة يدعونه فيها للقدوم عليهم، وفي كل صحيفة اسماء جماعات غفيرة وقد دخل مكة المكرمة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، ثم تلاقت الرسل والكتب هناك، وكذا الوفادات على يد سعيد بن عبد الله الحنفي، وهاني بن هاني السبيعي، وعبد الله بن سبع بن عبد الله بن وال. عندها كتب الامام الحسين (عليه السلام) الى اهل الكوفة جاء فيه: اما بعد، فان هانيا وسعيدا قدما علي بكتبكم ومقالة جلكم: انه ليس علينا امام، فاقبل، لعل الله ان يجمعنا بك على الحق والهدى. الى ان قال في كتابه (عليه السلام): فان كتب الي (اي مسلم بن عقيل) انه قد اجتمع راي ملأكم، وذوي الحجى والفضل منكم، على مثل ما قدمت به رسلكم، وقرات في كتبكم، فاني اقدم اليكم وشيكا ان شاء الله، فلعمري ما الامام الا الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الداين بدين الحق، الحابس نفسه على ذات الله، والسلام. ودعا الامام الحسين (عليه السلام) مسلم بن عقيل فسرحه مع: قيس بن مسهر الصيداوي، وعمارة بن عبد الله السلولي، وعبد الرحمان بن عبد الله الارحبي. كتب ابو مخنف: لما دعا الحسين (عليه السلام) مسلماً وسرحه من قبله الى الكوفة، سرح معه: قيس بن مسهر، وعمارة السلولي، وعبد الرحمان الارحبي وكان من جملة الوفود. ولما انتهت هذه المهمة عاد عبد الرحمان الارحبي الى الامام الحسين، فكان من الاصحاب الذين واصلوا رحيلهم الى كربلاء، حتى كان يوم عاشوراء. ثم كانت الحملة الاولى، فالتحم عسكر الامام الحسين نع عسكر عمر بن سعد، في قتال ضار بين الحق والباطل، وفي هجمة واحدة انجلت الغبرة عن اقتتال ساعة، كانت قد خلفت خمسين شهيدا من اصحاب الامام الحسين (عليه السلام)، قيل: كان عبد الرحمان بن عبد الله الارحبي احدهم. كما قيل: ان عبد الرحمان الارحبي رضوان الله تعالى عليه استاذن الامام الحسين (عليه السلام) في القتال، فأذن له، فنزل الى ساحة المعركة يضرب بسيفه في القوم وهو يقول: صبرا على الاسياف والاسنةصبرا عليها لدخول الجنةولم يزل يقاتل حتى استشهد رضوان الله عليه في جملة الشهداء الابرار، وزاره الامام المهدي في جملة الفادين الاخيار، وخصه بسلامه فقال: السلام على عبد الرحمان بن عبد الله بن الكدر الارحبي. ومن "طي" كان لامام الحسين صاحب وشهيد، ذلك هو: عمار بن حسان الطائي، كان ابوه حسان ممن صحب امير المؤمنين علياً (عليه السلام)، وقاتل بين يديه في حرب الجمل، ثم في واقعة صفين فاستشهد فيها، ونهض من بعده وله عمار على نهج الولاء، فكان من الشيعة المخلصين، والشجعان المعروفين، ومن اهل الفهم والبصيرة والتوفيق، وقد وعى قول رسول الله صلى الله عليه وآله: من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية، فعرف إمام زمانه (الحسين بن علي) فوالاه ولازمه، وصحبه من مكة الى كربلاء في ذلك الركب الشريف. حتى كان الوم العاشر من المحرم، يومها لم يبدأ الامام الحسين سلام الله عليه بقتال، إذكره ذلك لنفسه ولأصحابه، بل بدأ بالنصائح والمواعظ الموقظة، وتبين الحقائق بأدلتها، فأبى قوم السوء إلا قتالاً، عند ذلك كانت العزة الحسينية قد أبت الذلة، فكان التقدم والنزال، والاقتحام والقتال، وقد حمل الشمر حملته الغادرة نحو عسكر ابي عبد الله الحسين بأصحابه عن اليمين والشمال، رشقاً بالنبال عن بعد، فكان اصحاب الامام الحسين بين طريح وجريح. آساد ملحمةٍ .. ضراغم غابةٍلهم بنازلة الوغى ترحيبُابطال حرب كم بهم قامت علىاهل النفاق وقائع وحروبُيأبون أن يبقون وآل نبيهمكلُّ وجه الصعيد تريبُفاستقبلوا ضرب السيوف بأوجهٍغرّاء عن زُهر النجوم تنوبُحتى هووا فوق الصعيد كأنهمأقمار تمٍّ في الدماء رُسوبُوكان من بين شهداء الحملة الاولى ـ كما يروي ابن شهر آشوب السرويّ في (مناقب آل ابي طالب) ـ عمار بن حسان الطائي رضوان الله عليه، فحاز ذلك الفوز العظيم بنصرته امام زمانه ابا عبد الله الحسين صلوات الله عليه بعد معرفته إياه، ثم القتال بين يديه حتى الشهادة، ثم حظي بالسلام عليه من قبل إمام هذا العصر والزمان، الحجة المهدي المنتظر صلوات الله عليه وعلى آبائه، حيث زاره مع شهداء طف كربلاء، فكان في زيارته الشريفة قوله: السلام على عمار بن حسان بن شُريح الطائي. ******* عمار بن ابي سلامة الهمداني - 50 2009-01-28 00:00:00 2009-01-28 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5010 http://arabic.irib.ir/programs/item/5010 السلام على الارواح المنيخة بقبر ابي عبد الله الحسين، السلام عليكم يا شيعة الله وشيعة رسوله، وشيعة امير المؤمنين والحسن والحسين. السلام عليكم يا طاهرون، السلام عليكم يا مهديون، السلام عليكم يا ابرار، السلام عليكم وعلى ملائكة الله الحافين بقبوركم. من بين الذين اصطفوا في معسكر الامام الحسين (عليه السلام)، رجل له تاريه حافل بالمواقف المشرفة، ذلك هو عبد الحمان بن عبد ربّ، الانصاريّ الخزرجي، من عرب الجنوب، كان صحابياً صاحب رواية, واحدى الشخصيات البارزة في الكوفة. ذكره الطبريّ في تاريخه، والطوسي في رجاله، والسيد ابن طاووس في لهوفه، والمجلسي في بحاره، كما ترجم له الشيخ السماوي في كتابه "ابصار العين، في انصار الحسين". أما المحلي فقد كتب في "الحدائق الوردية": كان امير المؤمنين علي (عليه السلام) قد ربّاه وعلمه القرآن. فيما روى ابن عقدة عن الاصبغ بن نباتة قال: نشد علي (عليه السلام) في الرحبة من سمع النبي (صلى الله عليه وآله) قال يوم الغدير ما قال، الاقام، ولايقوم الا من سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول، فقام بضعة عشر رجلاً، فيهم: ابو ايوب الانصاري، وسهل بن حُنيف، وخزيمة بن ثابت، والنعمان بن عجلان، وهذا الرجل الشهم الشهيد: عبد الرحمان بن عبد ربّ الانصاري، فقالوا: نشهد أنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: «ألا إنّ الله عزوجلّ ولييّ، وأنا ولي المؤمنين، الا فمن كنت مولاه، فعليُّ مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، واحب من أحبه، وابغض من ابغضه، وأعن من اعانه». ذكر ذلك المؤرخ الشهيد ابن الاثير وكرره في موقف الذين قاموا من الصحابة، وذلك في كتابه المعروف: اسد الغابة، في معرفة الصحابة. ويم كان عبد الرحمان الانصاري في الكوفة، كان احد الذين اخذوا البعة من اهلها للامام الحسين (عليه السلام)، حتى اذا تحرك الركب الحسيني الشريف من مكة المكرمة، سارع بالالتحاق به، ثم واصل سفره الجهادي الى ارض كربلاء، حيث معراج الشهادة مع سيد الشهداء ابي عبد الله الحسين صلوا ت الله عليه. ويوم امر الحسين (عليه السلام) بفسطاط فضُرب له، وقف على بابه: برير بن خُضير الهمداني وعبد الرحمن بن عبد رب الانصاري. وقفا يحرسانه ويخدمانه، فجعل عندها بُرير يضاحك صاحبه عبد الرحمن، فقال له عبد الرحمن: يا برير أتضحك؟! ما هذه ساعة ضحك ولا باطل. فقال بُرير: لقد علم قومي انني ما احببت الباطل كهلاً ولا شاباً وانما افعل ذلك استبشاراً بما نصير اليه، فولله ما هو الا ان نلقى هؤلاء بأسيافنا نعالجهم بها ساعة. ثم نعانق الحور العين. وجاءت تلك الساعة المنتظرة، وحلق برير بن خضير في الافاق، لكن عبد الرحمن بن عبد رب الانصاري كان سبقه في التحليق الى عوالم الرضوان؛ إذ هجم في الحملة الاولى ولم يعد، بعد ان قاتل دون الاسلام والامام قتال الغيارى. وفي صفوف الصحابة والاصحاب كان رجل شهم آخر يدعى: عمار بن ابي سلمة الهمداني الدالانيّ وبنو دالان بطن من همدان، من القحطانية عرب الجنوب في اليمن سكنوا الكوفة. وعمار كنيته ابو سلامة، كان صحابياً، وصاحب رؤيا ورواية، ذكره المؤرخ المعروف الطبري في تاريخه فقال: كان عمار الدّالانيّ من اصحاب علي عليه السلام، ومن المجاهدين بين يديه في حروبه الثلاث، الجمل وصفيّن والنهروان. وعمار هذا هو الذي سأل امير المؤمنين علياً: يا امير المؤمنين، اذا قدمت عليهم (اي على جيش عائشة وطلحة والزبير في البصرة) فماذا تصنع؟ فأجابه امير المؤمنين (عليه السلام): ادعوهم الى الله وطاعته، فإن أبوا قاتلتهم. فقال عمار عندها: اذن لن يغلبوا داعي الله! وبأعتبار عمار الدّالانيّ صحابياً، اورد ابن حجر العسقلاني اسمه وترجمته في متابه (الاصابة في تمييز الصحابة)، ثم ختم تعريفه به بقوله: انه اتى الى الحسين (عليه السلام) وقتل معه. اجل، ولكن متى وكيف؟ كتب المحليّ في مؤلفاته "الحدائق الوردية": قـُتل من همدان: ابو ثمامة الصائدي ويزيد المشرفي وحنظلة الشبامي وعبد الرحمن الارحبي، وعابس الشاكري، وعمار ابن ابي سلامة الدّالانيّ وهم يسموّن فتيان الصباح من وادعة. وذكره ابن شهر آشوب السرويّ في مؤلفه "مناقب آل ابي طالب" وقال: انه قتل في الحملة الاولى، حيث استشهد فيها جملة من اصحاب الامام الحسين (عليه السلام). هذا، فيما كتب ابي مخنف في (مقتل الحسين (عليه السلام)):وحمل القوم بعضهم على بعض، واشتد بهم القتال، فصبر لهم الحسين واصحابه، حتى انتصف النهار. وقال الشمر لأصحابه: احملوا عليهم حملة رجل واحد، واثنوهم على آخرهم. فتفرقوا يمينا وشمالاً وجعلوا يرشقونهم بالنبال والسهام فصار اصحاب الحسين بين جريح وطريح! وكان من بين المطروحين الشهداء الطيبين: عمار بن ابي سلامة الدالانيّّ، في جملة من الاصحاب الاوفياء رضوان الله عليهم. فوارس إذ نادى الصرخ ترى لهممكاناً بمستن الوغى ليس يُجهل الى ان ثووا تحت العجاج تلفهمثياب عُلىٌٌ منها قنيٌّ وانصلُواما الرثاء الاسمى، فهو ما ورد في زيارة الامام المهدي خاتم الاوصياء، لأصحاب سيد الشهداء، يوم عاشوراء وقد جاء فيها: السلام على عمار بن ابي سلامة الهمداني. ******* جوين بن مالك الضُّبعيّ - 49 2009-01-26 00:00:00 2009-01-26 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5009 http://arabic.irib.ir/programs/item/5009 السلام عليك يا ابا عبد الله، وعلى الارواح التي حلت بفنائك، واناخت برحلك، عليكم مني سلام الله ابداً ما بقيت وبقي الليل والنهار. الانتساب الى اشرف خلق الله تعالى (محمد وآل محمد صلوات الله عليه وعليهم) شرف عظيم، وفخر كبير سواء كان ذلك الانتساب او الانتماء عقائدياً او اخلاقياً او موقفياً، علمياً او مذهبياً او عملياً، كل له شرفه وكل له قدره ودرجته عند الله عزوجلّ. ومع ان اصحاب الامام الحسين (عليه السلام) كانوا منتمين الى امامهم بالاعتقاد والولاء، ومتابعين له بالمعرفة والاخلاق والتسليم، إلا انهم لم يرضوا لأنفسهم ان يكونوا بعيدين عن امامهم، فما احسوا بالخطر يدنو منه، وانه سلام الله عليه راحل الى كربلاء الشهادة، حتى هبوا اليه من كل مكان ليلتحقوا به وينضموا الى ركبه، ولم يُرخّصوا لانفسهم تركه وحيداً في ساحة الطف وإن رخّص لهم بالانصراف والا إياهم طريق النجاة بأرواحهم، إلا انهم ابوا إلا أن يقدموا دونه كلّ عزيز؛ إذ هو عندهم اعزُّ عزيز. التحق اصحاب الامام الحسين بالحسين من عرب الشمال وعرب الجنوب، من كل قبيلة وعشيرة، وكان فيهم رجل من وجوه الشيعة ومن اصحاب امير المؤمنين علي (عليه السلام) اسمه "جندب بن حُجر الخولاليّ الكنديّ"، ما أن سمع بمسير الامام الحسين (عليه السلام) الى العراق حتى خرج ليوافيه في طريقه الى كربلاء، منظماً الى قافلته، وموافقاً اياه في سفره، وذلك قبل التقاء اصحاب الحسين سلام الله عليه بجيش الحرّ بن يزيد الرياحيّ، فجاء جندب بن حجر مع ابي عبد الله الحسين الى كربلاء، وحطّ رحاله فيها معه، ليكون بعد ذلك مشمولاً بزيارة الشهداء الذين حلوا بفناء ابي عبد الله الحسين وأناخوا برحله، فيهدى اليهم السلام من افواه المؤمنين الموالين آناء الليل وأطراف النهار. وقد حلّ يوم عاشوراء، وجُندب بن حُجر الخولانيّ ثابت مع الاصحاب على ارض كربلاء، ينتظر هو واخوانه الابرار ان يتشرفوا بأمر ٍ او اشارة او اذن يتفضلُ به سيّد شباب اهل الجنة عليهم، لينطلقوا في ساحة الفداء والشهادة يُرضون بذلك ضمائرهم ولم يكن يرضيها الا التضحية بكل شيء، من أجل أعزّ كل شيء. وكانت الحملة الاولى، فهبّ الاصحاب فيها وجندب بن حُجر فيهم ومعهم، فكان من اوائل من وقع على الارض شهيداً بل ارتفع الى آفاق السماء مرضياً، والى جنبه استُشهد ولده حُجير بن جندب في اول القتال ايضاً، اي في بداية الحملة الاولى التي سبقها الامام الحسين صلوات الله عليه نادى باصحابه وقد اصابتهم سهام القوم رشقا ً كالمطر (رحمكم الله) الى الموت الذي لابد منه؛ فإن هذه السهام رسُل القوم الينا! فما اسرع ان قاموا وفيهم جندب الخولاني وابنه حجير، وما اسرع ما حملوا حملة الرجال الابطال، وما اسرع ما نالوا مناهم بالشهادة بين يدي ابي عبد الله الحسين سلام الله عليه. ثم تأتيهم اسباب الشرف والسعادة من كل جانب، حتى ليقف وليُّ العصر، وصاحب الامر، المهدي المنتظر، عجل الله تعالى فرجه الشريف، على قبورهم، فيزورهم، ويخصّهم بذكر اسمائهم، ويؤبنهم ويذكر مقامهم، فكان من زيارته قوله: السلام على جندب بن حُجر الخولاني ّ. وهناك ضمائر كانت غافلة او جاهلة، او مضللة، ولما كان الامام الحسين صلوات الله عليه حجة الله وحجة الحجج الحقّ، والحجة البالغة على الخلق، فقد احرج عسكر عمر بن سعد ببراهينه وادلته واحتجاجاته، لذا حاولوا الانكار والتنكر للحقائق، والمغالطة والجدال الباطل، وخشي عمر بن سعد على جنوده من ان يتزلزلوا امام خطب الامام الحسين (عليه السلام)، لذا وضع سهم الفتنة في كبد قوسه ورمى به نحو عسكر ابي عبد الله الحسين، وأشهد أصحابه بقوله: إشهدوا لي عند الامير أنيّ أولُ من رمى؛ ليقطع على الامام الحسين حججه التي تسرّبت الى القلوب وأخذت تُعمل فيها آثارها، فحاول ابن سعد التعجيل بالقتال وحسم نزاع الحجج والبراهين وقد أقيمت على القوم. حتى مال الحرّ الرياحي هو وابنه الى عسكر الحسين (عليه السلام) مُنسلاً من عسكر ابن سعد، وكان لا يتوقع، انّ معركة ستقع! وكان ممن مال ايضاً الى جهة سيد الشهداء ابي عبد الله الحسين رجل اسمه جُوين بن مالك الضُبعيّ، وذلك لما رأى جيش عمر بن سعد لم يُنصفوا الحسين (عليه السلام) بردِّ شروطه ودلائله، فنهض بجسمه وقلبه ليرحل مع من رحل ليلاً الى الامام الحسين صلوات الله عليه. اجل، لقد حكّم جُوين بصيرته، فرأى ان يقدم بحزم على نصرة سبط رسول الله الحسين، ووصيه ووريثه الحق، الحسين ابن علي وابن فاطمة، فمال بكُله الى جهة الامام النيرة يقاتل دونها، مقدماً روحه ـ وهي اعزّ ما يملك ـ بين يدي مولاه ـ وهو اعزُّ من في الوجود وانتظر جوين بن مالك قليلاً ليتقدم نحوه التوفيق العظيم، فتحين له فرصة التضحية والفداء والشهادة، حتى اذا حانت لم يتردد، ولم يتأخر، فما اسرع أن سارع يقاتل في الصف الذي يحبه الله ورسوله، وهو بنيان مرصوص بالايمان والشجاعة والبصيرة والغيرة والتسليم والنصرة واحتدم القتال ساعة، وانجلت الغبرة بعد ساعة، وإذا بخمسين شهيداً مضرجين من اصحاب الامام الحسين (عليه السلام) وعليهم، كان من بينهم جوين بن مالك الضبعي رضوان الله عليه، بعد ان كان قبل قليل معهم وفيهم، يقاتل بينهم، فخلد ذكره في لوحة الشهداء، يزوره المؤمنون على مدى السنين والقرون، يقال له ولهم: السلام عليكم ايها الشهداء الصابرون، اشهد انكم جاهدتم في سبيل الله، وصبرتم على الاذى في جنب الله، ونصحتم لله ولرسوله، حتى اتاكم اليقين. اشهد انكم أحياء عند ربكم ترزقون، فجزاكم الله عن الاسلام واهله افضل جزاء المحسنين، وجمع بيننا وبينكم في محلّ النعيم. واما جوين، فيخصُّه الامام المهدي سلام الله عليه بسلامه الخاص في زيارته الخاصة لشهداء يوم عاشوراء، فيقول: السلام على جوين بن مالك الضُّبعيّ. ******* عبد الأعلی بن يزيد الكلبي - 48 2009-01-25 00:00:00 2009-01-25 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5008 http://arabic.irib.ir/programs/item/5008 بسم الله الواحد الأحد وأزكی الصلاة‌ علی المصطفی محمد وعلی ‌آله اولياء الله الفرد الصمد. إذا صحت النوايا وصلحت وسلمت وإلی الباري تبارك وتعالی توجهت. انتقلت الابدان الی مواقع الطاعة والخير واثواب والفضيلة ونشطت النفوس والقلوب والأرواح في طريق مرضاة الله عز وجل. فقد اثر عن الامام جعفر الصادق (عليه اسلام) قوله: ما ضعف بن عما قويت عليه النية ومن قبل اثر عن جده امير المومنين (عليه السلام) قوله: من حسنت نيته امده التوفيق. وتلك حال اصحاب الامام الحسين (عليه السلام) كانت نية صالحة حسنة وهمة عالية غيورة فجدوا السفر اليه من كل حدب وصوب وجهة‌ وقبيلة حتی التحقوا بركبه الإلهي المسافر إلی رضوان الله جل وعلا وكان لكل قصة وسبب حتی كان التوفيق يرافقهم والسعادة تحالفهم ليكونوا كواكب تحوم حول سيد شبابا اهل الجنة الى عبد الله الحسين سلام الله عليه. من تلك الكواكب اللامعة التي هبطت في كربلاء رجل يدعی يزيد بن ثبيت العبدي القيسي من شيعة البصرة ومن اصحاب أبي الاسود الدولي وكان رحمة الله عليه شريفاً في قومه. ولما ابلغ عبيد الله بن زياد بمقدم الامام الحسين ومكاتبة اهل العراق له كتب الی عامله بالبصرة ان يضع المسالح التفتيشية ويأخذ الطريق يومها خرج يزيد بن ثبيت العبدي وابناه: عبد الله وعبيد الله من البصرة ‌وانضم اليه صحبه: عامر بن مسلم ومولاه سالم، وسيف بن مالك والادهم بن امية جادين السير في الطريق حتی انتهوا الی الامام الحسين (عليه السلام) وهو بالابطح من مكة. ثم واصلوا السير معه إلی ‌كربلاء حتی اذا احترم القتال يوم عاشوراء تقدم يزيد بن ثبيت العبدي وابناه الی ساحة الطف فبارزوا حتی استشهدوا في الحملة الاولی بين يدي الحسين (عليه السلام) وفي رثائهم قال عامر بن يزيد بن ثبيت العبدي هذه الابيات الحزينة: يا فرو قومي فاندبيخير البرية‌ في القبوروابكي الشهيد بعبرةمن فيض دمع ذي دروروارث الحسين مع التفجعوالتسأوه والزفيرقتلوا الحرام من الأئمةفي الحرام من الشهوروابكي يزيد مجسدلاًوابنيه في حر الهجيرمتزملين .. دماؤهمتجري علی لبب النحوريا لهف نفسي لم نفزمعهم بجنّاتٍ وحوروأعلی من ذلك سلام مقدس بعثه لهم خاتم الأوصياء الإمام المهدي أرواحنا له الفداء حين زارهم مع جميع الشهداء فقال: السلام علی يزيد بن ثبيت القيسي، السلام علی عبد الله وعبيد الله ابني يزيد بن ثبيت القيسي. وهناك قصة‌ اخری لشهيد آخر توالت عليه التوفيقات اذ عقد نواياه علی نصرة الامام الحسين صلوات الله عليه. فبعد ان خذل الناس مسلم بن عقيل (عليه السلام) تحير بعض الشيعة الذين نهضوا مع مسلم وكانوا قد اتخذوا مواقعهم في الكوفة في الكوفة فلما سمعوا ما خطب به قيس بن مسهر الصيداوي رضوان الله عليه بان الامام الحسين (عليه السلام) قادم نحو الكوفة ‌وعلموا بان عبيد الله بن زياد بعد قتله لمسلم اخذ يبحث عن انصاره ليقتلهم هموا بالخروج من الكوفة ليخرجوا من حيرتهم فينقذوا انفسهم وليلتحقوا بالركب الحسيني يوازرونه وينصرونه. وكان من هؤلاء: عمرو بن خالد الصيداوي وسعد مولاه وجنادة بن الحارث السلماني ومولاه واضح ومجمع العائذي وابنه عائذ وجماعة آخرون منهم: عبد الأعلی بن يزيد الكلبي. الذي حاول الخروج لكن لم يكتب له ذلك وعبد الأعلی الكلبي رضوان الله عليه هو شاب كوفي كان فارساً شجاعاً من الشيعة وقد كان ممن بايعوا مسلم بن عقيل رضوان الله عليه فلبس سلاحه حين اعلن مسلم تحركه بعد القبض علی هاني بن عروة فخرج عبد الأعلی الكلبي من منزله لينضم الی مسلم بن عقيل في محلة ‌بني فتيان. الا ان الناس حينها تخاذلوا عن نصرة‌ مسلم حتی تفرقوا اما عبد الاعلی الكلبي فقد قبض عليه كثير بن شهاب بن الحصين الحارثي فحبسه. حتی اذا اقدم عبيد الله بن زياد علی جريمة الكبری بقتله مسلم بن عقيل جاء كثير بن شهاب الحارثي بعبد الأعلی الكلبي فأدخله علی عبيد الله بن زياد فقال له عبد الاعلی: انما أردتك. مستعملاً بذلك الكناية والنقية ‌معاً فلم يصدقه عبيد الله وامر به فحبس. ثم إن عبيد الله بن زياد لما خلاله الجو بقتله مسلم بن عقيل واعوانه دعا بعبد الأعلی‌ الكلبي فاتی به من السجن، فقال له: اخبرني بامرك. فاجابه مستعملاً معه التقية ايضاً: خرجت لانظر ما يصنع الناس فاخذني كثير بن شهاب! فطالبه عبيد الله بامر اباه عبد الاعلی حيث قال له: فعليك وعليك من الايمان المغلظة ان كان اخرجك الا ما زعمت. فلم يحلف له عبد الاعلی الكلبي عندها نادی عبيد الله بن زياد علی جلاوزته قائلاً لهم: انطلقوا بهذا الی جبانة السبيع فاضربوا عنقه! فانطلقوا بعبد الاعلی فضربوا عنقه (رضوان الله تعالی عليه). ******* قيس بن مسهر الصيداوي - 47 2009-01-24 00:00:00 2009-01-24 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5007 http://arabic.irib.ir/programs/item/5007 السلام علی الحسين وعلی علي بن الحسين وعلی أولاد الحسين وعلی أصحاب الحسين. إن للشهامة رجالاً ثابتين، صبروا حتی قضوا صبراً، ولم يعطوا بيدهم عدوهم إعطاء الذليل ولم يفروا فرار العبيد فجابهوا الخصوم في أصعب المواقف فقتلوا تحت التعذيب لينالوا الشهادة في مقامها السامي إن لم تكن أعلی من شهادة‌ ساحة القتال فهي لا تقل عنها، كان أحد نماذجها شهادة‌ قيس بن مسهر الصيداوي رضوان الله عليه، فتعالوا لنتعرف علی هذا الشهيد السعيد الذي عجل بشهادته قبل واقعة‌ كربلاء. قيس بن مسهر بن خالد، ينتهي نسبه إلی خزيمة ‌الأسدي الصيداوي وصيدا بطن من قبيلة‌ أسد. وقيس هذا شاب كوفي من أشراف بني أسد شريف معروف في بني صيدا كان رجلاً شجاعاً مخلصاً في محبة ‌أهل البيت (عليهم السلام) وهو أحد حملة الرسائل المبعوثة من قبل الكوفيين إلی الإمام أبي عبد الله الحسين (عليهم السلام) بعد إعلان الحسين رفضه لبيعة‌ يزيد بن معاوية ‌وخروجه (عليه السلام) من المدينة‌ إلی مكة. وكان الشيعة ‌- بعد هلاك معاوية - قد اجتمعوا في منزل سليمان بن صرد الخزاعي، فكتبوا للإمام الحسين (عليه السلام) يدعونه فيها للإقبال إليهم ليبايعوه وسرحوا كتبهم مع عبيد الله بن سبع وعبيد الله بن وال، ثم كتبوا بعد يومين إلی الإمام مع قيس بن مسهر الصيداوي وعبد الرحمان بن عبد الله الأرحبي بعد ذلك كتبوا إليه مع سعيد بن عبد الله الحنفي وهاني بن هاني. وصورة‌ كتبهم علی الإجمال: من شيعة ‌المؤمنين، أما بعد، فحي هلا، فإن الناس ينتظرونك، لا نری لهم في غيرك فالعجل العجل، والسلام. فدعا الإمام الحسين سلام الله عليه مسلم بن عقيل رضوان الله عليه فأرسله الی‌ الكوفة‌و أرسل معه قيس بن مسهر وعبد الرحمان الأرحبي. فيكون قيس بن مسهر قد صحب مسلما من مكة ‌مبعوثاً من قبل الإمام الحسين صلوات الله عليه إلی الكوفة ‌فسار هؤلاء الثلاثة ‌مع دليلين لهما فلما وصلوا الی مضيقٍ في بطن خبت ضل الدليلان واستبد العطش بهم فبعث مسلم قيساً بكتابٍ إلی الإمام الحسين يخبره بما كان فلما وصل قيس بن مسهر فسار قيس مع مسلم بن عقيل مرةً أخری ليواصلا طريقهما إلی الكوفة. وفي الكوفة‌ رأی مسلم بن عقيل اجتماع الناس علی البيعة‌ للإمام الحسين (عليه السلام) فكتب إليه بذلك كتاباً سرحه مع قيس بن مسهر وأصحبه عابساً الشاكري وشوذباً مولاه فقدموا إلی مكة ليلازموا الإمام الحسين (عليه السلام) إلی أن تحرك الركب الحسيني نحو كربلاء فتحركوا معه. وكما وصل الإمام إلی (الحاجر) كتب إلی أهل الكوفة‌ جواب كتاب مسلم بن عقيل بما أخبره وبعثه مع قيس بن مسهر وقد جاء فيه - أما بعد فإن كتاب مسلم بن عقيل جاء ني يخبر فيه بحسن رأيكم، واجتماع ملأكم عليّ، فاذا قدم عليكم رسولي فانكمشوا في أمركم وجدّوا فإنّي قادم عليكم في أيامي هذه. والسلام عليكم ورحمة‌ الله وبركاته. فسار قيس بن مسهر الصيداوي بكتاب الإمام الحسين (عليه السلام) من الحاجر يطلب الكوفة ليبلغه أهلها بينما سار الحصين بن نمير بخيل عبيد الله بن زياد نحو الكوفة ‌أيضاً قد نظم جنده ما بين (خفـّان) حتی (القطقطانة) وإلی (لعلع) وهناك يقع قيس بن مسهر أسيراً‌في يد الحصين بن نمير يقبض عليه ويوثقه كتافاً، ثم يبعث به إلی‌ الطاغية‌ عبيد الله بن زياد في الكوفة‌ فيكون ذلك الحوار الذي ثبّته التاريخ! سأل عبيد الله بن زياد قيس بن مسهر: من انت؟ أجابه: أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وشيعة ‌ابنه (أي الحسين (عليه السلام)). عبيد الله: لماذا خرّقت الكتاب؟ قيس: لئلْا تعلم ما فيه! (و كان قيس لما قبض عليه خرق كتاب الإمام الحسين إلی أهل الكوفة،‌ لئلا تعرف أسراره). عبيد الله: ممن الكتاب وإلی من؟ قيس: من الحسين إلی جماعةٍ ‌من أهل الكوفة لا أعرف أسمائهم. فغضب عبيد الله بن زياد وقال: إن لم تخبرني فاصعد المنبر وسب فلاناً فلاناً (علياً والحسين عليهما السلام). والله لا تفارقني حتی تخبرني بأسماء هؤلاء القوم، أو تصعد المنبر وتلعن وإلا قطعتك إرباً إرباً! فأجابه قيس بن مسهر: أما القوم فلا أخبرك بأسمائهم وأما العن فأفعل. فصعد المنبر فحمد الله وأثنی عليه وصلی علی النبي صلی الله عليه وآله ثم أخذ يكثر من الترحم علی الإمام عليٍ وولده صلوات الله عليهم، ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه ولعن عتاة‌ بني امية عن آخرهم ثم نادی بالناس ينبههم في فرصته هذه مغافلاً عبيد الله: أيها الناس إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله ابن فاطمة بنت رسول الله وأنا رسوله اليكم فاجيبوه وقد فارقته بموضع كذا فاجيبوه. فامر عبيد الله ان يرمی بقيس بن مسهر الصيداوي من أعالي القصر فالقي رضوان الله عليه مكتوفا فتكسرت عظامه وتناثرت أشلاءه وبقي به رمق فجاءه رجل يقال له: عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه فعيب عليه موقفه الجبان فقال مبررا حقده وملقه للعتاة: أردت أن أريحه. وكان الإمام الحسين (عليه السلام) في أحد المنازل علی طريقه إلی كربلاء ويدعی بـ (عذيب الهجانات) فوافاه أربعة ‌نفر من مواليه كانوا قد خرجوا من الكوفة علی رواحلهم ليلتحقوا بركبه وهم: عمر وبن خالد الصيداوي وسعد مولاه ومجمع بن عبد الله المذحجي وابنه عبد الله فلما انتهوا اليه بادرهم (عليه السلام) بقوله: اما والله إني بارجو ان يكون خيراً ما اراد الله بنا: قتلنا، أم ظفرنا. ثم سألهم (عليه السلام) عن الناس، فأخبروه وكان فيما أخبروه شهادة‌ قيس بن مسهر الصيداوي بعد مواقفه الشجاعة ‌وثباته علی الولاية وتحدي الطفاة الظلمة‌ ودعوته الناس من علی منبر الكوفة في عقر دار العتاة الی نصرة الامام الحسين صلوات الله عليه مخبراً بقرب وروده عليهم. فترقرقت عينا أبي عبد الله الحسين واستعبر بالبكاء علی قيس بن مسهر وقرأ قوله تعالی: «فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا». وذلكم شرفٌ عظيمٌ حظي به قيس بن مسهر مع أنه لم يدرك ارض كربلاء ولم يبلغ يوم عاشوراء لكنه حظي بما حظي به أصحاب الحسين الشهداء من عبرة ترقرقت في صدر إمام هدی هو سبط رسول الله وريحانته وسيد شباب اهل الجنة ودعاء له وتأبين وشرف آخر كان أمام قيس بن مسهر يوم خصه الإمام المهدي (عليه السلام) بذكره في زيارته العاشورائية ‌الخالدة حيث قال فيها: السلام علی قيس بن مسهر الصيداوي. ******* زياد بن عريب بن حنظلة الهمداني (ابو عمرة) - 46 2009-01-22 00:00:00 2009-01-22 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5006 http://arabic.irib.ir/programs/item/5006 بسم الله، والحمد لله، واشرف الصلوات وازكاها على حبيب الله، المصطفى رسول الله، وعلى اله اولياء الله. كم يحسن بالعبد ان يجمع الى العبادة وعيا ويقظة وبصيرة، والى النسك والروحانية شجاعة واقداما وجهادا، والى الاعتقاد السليم موقفاً صحيحاً واتباعاً صادقاً لرسول ولاله صلوات الله عليه وعليهم. وهكذا كان اصحاب الامام الحسين سلام الله عليه، لم يجتمعوا عنده صدفة واتفاقاً ابداً حتى اجتمعت لديهم خصال طيثبة شريفة، فمالت ارواحهم الى سيد شباب اهل الجنة ابي عبد الله الحسين، فوجدوا قلوبهم متعلقة به، مسلمة له، كما وجدوا نفوسهم مبذولة بين يديه، لا يرتضون لضمائرهم غير ذلك ولا يحيدون عنه وكان منهم ذلك الشهيد الشهم ابو عمرة، فمن ترى هذا الرجل السعيد؟! ابو عمرة هو زياد بن عريب بن حنظلة الهمداني، الصائدي. كان ابوه (عُريب) صحابياً ذكره جملة من الرجاليين واصحاب الطبقات، وابو عمرة ابنه هذا له ادراك بعهد النبي (صلى الله عليه وآله)، عُرف بعد نشأته بكونه شجاعاً ناسكاً، مشهوراً بالعبادة والتهجد، كما ذكر ذلك ابن حجر العسقلاني في كتابه (الاصابة.. في تمييز الصحابة). فيما ذكر ابن نما الحلي في (مثير الاحزان) حضوره الموفق في كربلاء، رواية عن (مهران الكاهلي) حيث قال: شهدت كربلاء، فرأيت رجلاً يقاتل قتالاً شديداً، لا يحمل على قومٍ الا كشفهم، ثم يرجع الى الحسين (عليه السلام) فيقول له: ابشر ـ هديت الرشد ـ يا ابن احمدفي جنة الفردوس تعلو صُعداقال مهران: فسألت من هذا؟! فقالوا: ابو عمرة الحنظلي الصائدي. كان ابو عمرة زياد بن عريب ممن دخلوا في ذلك الامتحان الحسيني في جملة الاصحاب بكربلاء، يوم اطلق لهم الامام الحسين العنان عنان الانسحاب من ساحة الطفّ، مُسرحاً اياهم رافعاً عنهم كل تكليف الا النجاة بأنفسهم ليس عليهم من ذمام، وهم قلة قليلة، قائلاً لهم في تعليل ذلك: «فإن القوم إنما يطلبونني، ولو أصابوني لذُهلوا عن طلب غيري». فابى بنو هاشم أن ينصرفوا، وأبدوا عزة ً وشرفاً ووفاءً ـ واستعداد للتضحية والشهادة، وكذلك الاصحاب أبوا ان يتركوا إمامهم أو يسلموه الى اعدائه، بل اصروا على نصرته ولو كلفهم ذلك ان يذوقوا الموت عشرات المرات، فجزاهم الامام الحسين (عليه السلام) خيراً، وفي ذلك يقول الشاعر: جاء المسا فدعاهم: قوموا اذهبوافالليل ستر جهره إخفاتلا يطلب الاعداء غيريفاتركوني، ما بكم من بيعتي تبعاتفأجابه الانصار: هذي منةسبقت لنا، قلت لها المناتإنا نجاهد دونكم، وتُقطّعالأعضاء منا فيه والرغباتثم الرسول شفيعنا يوم الجزاولنا بهذا تُرفع الدرجاتأفنحن يوماً تاركوك وهذهبك قد أحاطت أذؤب وعداة؟!لا كان منا اليوم تركك والذيقد أُحصيت في علمه الذراتكان زياد بن عريب (ابو عمرة) ممن ابى ان يرجع، او يتراجع، فقد ثبت مع الامام الحسين (عليه السلام) حتى حانت ساعة المواجهة والقتال، فكان رسل القوم سهاماً تتجه نحو عسكر الامام الحسين، اصيب بها الاصحاب، ثم قاموا وهم بين طريح.. وجريح، فاستنهضهم سيد الشهداء الى الشهادة مرة اخرى، فقاموا ليحملوا على اعداء الله حملة واحدة، ويقتتلوا اقتتالاً شديداً، لم ينته ذلك الا بفيض ارواح خمسين شهيداً من الاصحاب الاوفياء. ثم اخذ اصحاب الحسين (عليه السلام) - وقد بان النقص في عددهم وأصبحوا قلة قليلة ـ يبرزون الواحد منهم والاثنان، يقاتلون فيستشهدون. فقام عبد الله بن عمير الكلبيّ، والجابريان: سيف بن الحارث ومالك بن عبد ، وهما ابنا عمّ ـ وقام الغفاريان: عبد الله عبد الرحمان ابنا عروة ـ وهما اخوان ـ، وخرج عمرو بن خالد الصيداوي وهكذا تقاطر الابطال على ساحة الكرامة والشهادة في طف كربلاء، يواجهون المئات، فيبارزون ويجاهدون، ثم يُستشهدون رضوان الله تعالى عليهم اجمعين، فيأتي اليهم سيّد شباب اهل الجنة يؤبنهم، ويتلو عليهم: «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا». حتى تقدم زياد بن عريب (ابو عمرة) الى المبارزة ليحظى بشرف الشهادة وسعادتها، وشرف زيارة الامام المهديّ المنتظر له ولأصحابه، حيث خاطبهم صلوات الله عليه وعجل فرجه، بقوله: السلام عليكم يا خير أنصار، السلام عليكم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ، بواكم الله مبوأ الابرار. اشهد لقد كشف الله لكم الغطاء، ومهد لكم الوطاء، واجزل لكم العطاء، وكنتم عن الحق غير بطاء، وانتم لنا فرطاء، ونحن لكم خلطاء، في دار البقاء. ******* عامر بن مسلم - 45 2009-01-20 00:00:00 2009-01-20 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5005 http://arabic.irib.ir/programs/item/5005 الحمد لله كما هو اهل الحمد، وأزكى الصلاة والسلام على المصطفى محمد، وعلى آله اولي الحجى والسؤدد. كل من ورد من اصحاب الامام الحسين (عليه السلام) الى طفّ كربلاء، كانت له قصة جاءت به، وتلك القصة نسجتها اسباب وعلل، منها الايمان والصدق والولاء وثبات النوايا وصلاحها، وتوفيق من الله تبارك وتعالى عظيم، فالالتحاق بسيد شباب اهل الجنة والانضمام الى ركبه الالهي الشريف، والفداء بين يديه سلام الله عليه، لا يتاح الا لاهل الاخلاص والصبر، وذوي الحظ العظيم. وقد خرج ابو عبد الله الحسين (عليه السلام) من المدينة فحفّ به بنو هاشم وبعض الاصحاب، وورد مكة فانظم اليه آخرون، ثم اخذ المؤمنون من كل حدب وصوب يلتحقون، وكان من بينهم رجل من شيعة البصرة اسمه عامر بن سالم العبدي البصري، قد خرج هو ومولاه سالم مع يزيد بن ثبيت العبدي اليصري الى الامام الحسين لينظموا اليه، متشرفين بلقاءه وسعداء بقبول الحسين اياهم بعد ان انجذبت اليه قلوبهم فالتحقت به اجسامهم، ليدخلوا في ملحمة عاشوراء. كانت دار يزيد بن ثبيت العبدي مألفاً للشيعة يتحدثون فيها، وكان عبيد الله بن زياد بعد بلوغه اقبال الحسين (عليه السلام) ومكاتبته اهل العراق له، كتب الى عامله بالبصرة ان يضع المناظر ويأخذ الطرق؛ لذا ازمع يزيد بن ثبيت على الخروج الى لقاء الامام الحسين (عليه السلام)، وكان له من البنين عشرة، فدعاهم الى الخروج معه، فانتدب له اثنان، هما: عبد الله، وعبيد الله. ثم سأل اصحابه: اني قد ازمعت على الخروج، فمن يخرج معي؟ قالوا: انا نخاف اصحاب عبيد الله بن زياد! فخرج يزيد بن ثبيت العبدي هو وابناه، وصحبه عامر بن مسلم ومولاه سالم، وسيف بن مالك والادهم بن امية، وجد في الطرق حتى انتى الى سيد الشهداء ابي عبد الله الحسين صلوات الله عليه وهو بالابطح من مكة المكرمة، فاستراح يزيد في رحله ثم جاء الى منزل الامام الحسين فلم يجده، وقد بلغ الحسين (عليه السلام) مجئ يزيد العبدي فجعل (عليه السلام) يطلبه، حتى جاء بنفسه الشريفة الى رحل يزيد بن ثبيت، فقيل له: قد خرج الى منزلك، فجلس الحسين في رحل يزيد ينتظره حتى اقبل، فلما رأى يزيد امامه ينتظره في رحله قرأ قوله تبارك وتعالى: «بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ» (يونس، 58)، ثم قال: السلام عليك يا ابن رسول الله. ثم جلس اليه، وحدثه بقصة مجيئه وإقدامه عليه، فدعا له الامام الحسين (عليه السلام) بخير، ثم ضم رحل يزيد بن ثبيت العبديّ الى رحله سلام الله عليه. وهكذا يالتحق الاصحاب أرواحاً تهفو الى ريحانة المصطفى وسبطه ابي عبد الله الحسين صلوات الله عليه، فتجد أبدانها تخفُّ إليه على بعد المسافات، لتنضم الى قافلته التي ستعرج قريباً من كربلاء، الى اقاصي السماء، مع سيد الشهداء. فلم يزل يزيد بن ثبيت العبديّ البصري هو وابناه ومن اقبل معه، ملازمين للامام الحسين لحظة بلحظة، وخطوة بخطوة من منزل الى آخر، وفي مسير واحد حتى القوا رحلهم في عرصة كربلاء، وقاتلوا دونه يوم عاشوراء، فاستشهدوا جميعاً في الطف بين يديه. هم فتية خطبوا العلى بسيوفهمولها النفوس الغاليات مهورفرحوا وقد نعيت نفوسهم لهمفكأن لهم ناعي النفوس بشيرفاستنشقوا النقع المُثار كأنهندُّ المجامر منه فاح عبيرواستيقنوا بالموت نيل مُرادهمفالكل منهم ضاحك مسرورفكأنما بيض الحدود بواسماًبيض الخدود لها ابتسمن ثغوركسروا جفون سيوفهم وتقحموابالخيل .. حيث تراكم الجمهورعاثوا بآل أميةٍ فكأنهمسرب الغات يعثن فيه صقورحتى إذا شاء المهيمن قربهملجواره .. وجرى القضا المسطورركضوا بأرجلهم الى شرك الردّىوسعوا .. وكلّ سعيه مشكورفزهت بهم تلك العراص كأنمافيها ركدن أهلة وبدورنقرأ في (مناقب آل ابي طالب ) لابن شهر آشوب، وفي (رجال الشيخ الطوسي)، و(الحدائق الوردية) للمحليّ: أن عامر بن مسلم العبديّ ومولاه سالم رضوان الله عليهما قد استشهدا في الحملة الاولى من وقائع يوم عاشوراء. وكان سالم مولى عامر العبدي، رجلاً من البصرة، رافق مولاه عامراً حتى نال الشرف الاسمى مع صاحبه، فحظي بالشهادة بعد ان برز يقاتل حتى قُتل، فدُفن مع شهداء كربلاء. ولقد كان سالم هذا سالماً في دينه وعقيته، وقد امتلأ شوقاً الى التضحية وهو يسمع إمامه الحسين (عليه السلام) يستنهض الضمائر، ويقول منادياً الناس يوم عاشوراء: «الا إن الدعيّ ابن الدعيّ، قد ركز بين اثنتين: بين السِّلة والذلة، وهيهات منا الذلة! يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وانوف حميّة، ونفوس ابيّة، من أن نؤثر طاعة اللئام، على مصارع الكرام». ثم انشد (عليه السلام) ابيات فروة المرادي: إذا ما الدهر جرّ على اناسٍبكلكله.. أناخ بآخرينافإن نهزم فهزّامون قدماًوإن نُهزم فغير مُهزميناوما ان طبنا جُبن ولكنّمنايانا ودولة آخرينافقل للشامتين بنا: أفيقواسيلقى الشامتون كما لقيناونال سالم مع صاحبه عامر شرفاً آخر، ذلك هو زيارة الامام المهدي صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين، في الشهداء بكربلاء، حيث جاء فيها: السلام على عامر بن مسلم، السلام على سالم مولى عامر بن مسلم. ******* "زاهد" مولى عمرو بن الحمق - 44 2009-01-19 00:00:00 2009-01-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5004 http://arabic.irib.ir/programs/item/5004 الحمد لله أفضل نعمه الايمان، وازكى صلاته على المصطفى رسول الرحمة والاحسان، وعلى آله الهداة الى مرضاة الرحمان. الزهد بالدنيا يجعل الانسان عزيزاً يأبى الذلة والحيف والظلم، وينقله الى التطلع نحو الآخرةبما عند الله جل وعلا من الرحمة والنعيم الابدي، والكرامة العليا. وقد يجتمع الاسم الى المسمى ّ، فيكون احد اصحاب الامام الحسين عليه السلام: اسمه زاهد، ومن صفاته انه زاهد، ذلك هو مولى عمرو بن الحمق وصاحبه. قال اصحاب السير: إن عمرو بن الحمق رضوان الله عليه لما قام بنهضته على زياد ابن ابيه، قام (زاهد) معه، وكان صاحبه في القول والفعل، فلما طلب معاوية بن ابي سفيان عمرو بن الحمق ليقتله، طلب معه زاهداً، لكنه قتل عمرو فيما افلت زاهد، ليكتب الله تعالى له عمراً جديداً يبذله في نصرة الحق وإمامه، ومجاهدة الباطل وأزلامه. (زاهد) رضوان الله عليه نتعرف عليه من كتب السيرة، فنجده رجلاً كوفياً، بل من شخصيات الكوفة، من موال كندة، وكان من اصحاب الشجرة الذين شهدوا بيعة الرضوان لرسول الله (صلى الله عليه وآله). روى عن النبي، وشهد الحديبية وخيبراً. وعُرف زاهد هذا بطلاً مجرباً شجاعاً مشهوراً، محباً لاهل البيت النبوي الشريف. أما كيف التقى بالامام ابي عبد الله الحسين (سلام الله عليه)، فيذكر المؤرخون أن (زاهداً) رحمه الله كان قد تشرف بحجّ بيت الله الحرام سنة ستين من الهجرة النبوية المباركة، فيما كان الامام الحسين (عليه السلام) في مكة بعد مغادرته المدينة ليتوجه الى العراق، فالتقى زاهد بإمامه هناك. وحينها أنفذ يزيد بن معاوية عمرو بن سعيد ين العاص في عسكر له، وأمره على الحجيج وولاه أمر الموسم، موكلاً اليه مهمة اغتيال الحسين عليه السلام أينما وجده، ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة. عندها عزم ابو عبد الله الحسين صلوات الله عليه على الخروج من مكة يوم التروية قبل لتمتم حجه، تجنباً من ان تستباح بقتله حرمة البيت الحرام، ولمنه سلام الله عليه قبل ان يخرج من مكة قام خطيباً فقال: «خُط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما اولهني الى اسلافي اشتياق يعقول الى يوسف. وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلا، فيملأن مني اكراشاً جُوفاً، وأجربة سغباً. لا محيص عن يوم خُط بالقلم. رضى الله رضانا اهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا اجور الصابرين، لن نشذ عن رسول الله لُحمته، بل هي مجموعة له في حظيرة القدس، ألا من كان فينا باذلاً مهجته، موطناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا، فاني راحل مُصبحاً إن شاء الله تعالى». وكان رجال باذلين في آل الله مهجهم، موطنين على الشهادة أنفسهم، انظموا الى ركب سيد الشهداء ابي عبد الله الحسين خلال اقامته عليه السلام في مكة، ومنهم: زاهد مولى عمرو بن الحمق، فصحب إمامته في منازله كلها، حتى حضر معه في كربلاء. قرب مساء عاشوراء، فخطب الامام الحسين عليه السلام بالركب القادم معه، وكان من كلامه الشريف قوله: واني قد اذنت لكم، فانطلقوا جميعاً في حل ليس عليكم مني ذمام. فأبى اهل بيته الانصراف، ثم فداه الاصحاب بعبارات يشابه بعضها البعض، فجزاهم الحسين صلوات الله عليه خيراً. واذا كان (زاهدا) لم يتكلم بلسانه ـ كما تكلم مسلم بن عوسجة، وسعيد بن عبد الله الحنفي، وزهير بن القين، وغيرهم فقد ثبت وتثبت بقلبه على اقوالهم، وكان رايه ومواقفه منضمين الى موقفهم. كما يصورها الشاعر الاديب بقوله: فابت نفوسهم الابية عند ذاان يتركوه مع العدى ويؤوبواوتواثبت ابطالهم .. وجميعهمبالحزم والقول الشديد مجيبكلا .. فلسنا تاركيك، ومابهيوم القيامة للنبي نجيب؟! نفديك بالمهج الغوالي نبتغي الرضوان، ما فينا بذاك مريب. وكانت الحملة الاولى بعد ان رمي الاصحاب برشق من سهام الحقد والفتنة، فنهضوا جرحى اذ ناداهم سيدهم بالنهوض الى الموت الذي لابد منه، والى اتمام هذه الملحمة الالهية التي تهدي فيها الارواح في ساحة الحق والشهادة الكبرى. فقاموا وحملوا حملة واحدة، واقتتلوا اقتتالاً شديداً، خلف ذلك خمسين شهيداً بين يدي سيد الشهداء ابي عبد الله الحسين سلام ربنا عليه، وكان من بين الشهداء الابرار في هذه الحملة: زاهد مولى عمرو بن الحمق رضوان الله عليه. فسلام عليه في الاوفياء وسلام عليه في السعداء، وسلام عليه من الله تبارك وتعالى ومن خاتم الاوصياء، الامام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، حيث يقول في ضمن زيارته لشهداء طف كربلاء: السلام على "زاهد" مولى عمرو بن الحمق. ******* انس بن كاهل الاسدي - 43 2009-01-18 00:00:00 2009-01-18 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5003 http://arabic.irib.ir/programs/item/5003 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والسلام على الحبيب المصطفى أشرف المرسلين، وعلى آله الابرار الميامين. الشيب في الاسلام له احترامه، وذو الشيبة له إجلاله وإكرامه. فأميرالمؤنين عليّ (عليه السلام) يقول في غرر كلماته وحكمه: «وقار الشيب نور وزينة»، ويقول كذلك: «وقار الشيب أحب إلي من نضارة الشباب». والشيبة في الاسلام تحطى بمكانة خاصة، ولها حقوق على الناس، فرسول الله صلى الله عليه وآله يقول: «من إجلال الله، إجلال ذي الشيبة المسلم»، وروي عنه صلى الله عليه وآله في بعض المصادر العامية قوله: «إن من اجلالي توقير الشيخ من أمتي». هذا من أخلاقيات الاسلام وآدابه في شأن الشيبة إذا كانت شابت على دين اللع تبارك وتعالى، فكيف بالشيبة إذا سمت الى مراقي الايمان والتقوى، وتوسّمت بالتسليم والطاعة لله ورسوله ولأئمة المسلمين الهداة من آل البيت صلوات الله عليهم؟! وكيف اذا تقدمت الشيبة الكريمة في سوح الجهاد الغيور المدافع عن حرم الدين وحُرم البيت النبوي الشريف؟ وكيف اذا تعطرت تلك الشيبة الوقورة المجاهدة بدماء الشهادة الزكية؟! إن مثل هذه الشيبة كان لها حضورها المشرف على ارض كربلاء، في يوم عاشوراء وكانت ملتحقة بقافلة الشهداء السعداء، كان منهم: الشيخ الشهيد أنس بن الحارث الكاهلي، الاسديّ. كان انس بن الحارث بن بنيه الاسدي من عداد الكوفيين؛ اذ منازل كاهل ـ وهم من عدنان عرب الشمال ـ في الكوفة. وانس هذا (رضوان الله عليه) كان شيخاً كبير السن، ذا منزلة اجتماعية رفيعة، بحكم كونه صحابياً رأى النبي (صلى الله عليه وآله) وسمع حديثه، وكان ما حدث عن رسول الله قد رواه عنه جم غفير من العامة والخاصة، فمما ورد عن انس بن الحارث قوله: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول ـ والحسين في حجره ـ: «ان ابني هذا يقتل بارض العراق، الا فمن شهده فلينصره». وكان انس بن الحارث الكاهلي من صدق ما سمعه ورواه، فشهد الامام الحسين عليه السلام في العراق فنصره. وقبل ذلك شهد بدراً وحنينا فنصر فيهما رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فاذا مد الله تعالى في عمره واصبح شيخاً مسناً وفق لنصرة آل رسول الله (صلى الله عليه وآله). سمع انس بن الحارث الكاهلي بمقدم الامام الحسين الى كربلاء، فخرج من الكوفة حتى التقى به ليلا، فادركته السعادة بانضمامه الى الركب الحسيني الذي كان مستعداً للقتال، وللنزال، بل للشهادة في درجاتها الرفيعة بين يدي سيد شباب اهل الجنة. وكذا انس بن الحارث كان متاهبا لذلك، فاصطف على كبر سنه مع اخوانه في الايمان والولاء و الجهاد، اصحاب الامام الحسين (عليه السلام)، ينتظر الفرصة للاذن والدخول الى ساحة المنازلة، حتى حان اوان ذلك. فتقدم انس يستأذن امام الحق، وحجة الله على الخلق، وهو يشد وسطه بعمامته؛ لكبر سنه وضعف ظهره (رضوان الله عليه)، وكان دعا بعصابة فعصب بها حاجبيه اللذان قد تدلاً على عينيه بعد ان طال به العمر المبارك، فرفع بالعصابة حاجبيه عن عينيه يزيحهما عن نظره، ليلقى بعد ذلك اخر نظراته الموالية الى وجه ابي عبد الله الحسين (صلوات الله عليه)، فلما راه الامام بهذه الهيئة وقد تقدم يستأذنه للفتال والشهادة، بكى (عليه السلام)، ودعا له: شكر الله لك يا شيخ. وبرز الشيخ المسن انس بن الحارث الكاهلي الاسدي (رضوان الله عليه) في طف كربلاء، وهو يرتجز ويقول: قد علمت كاهلها ودودانوالخندفيون وقيس عيلانبان قومي افة الاقرانلدى الوغى .. وسادت الفرسانمباشر والموت بطعن انلسنا نرى العجز عن الطعانآل علي شيعة الرحمانوآل حرب شيعة الشيطان ثم حمل انس بن الحارث الاسدي رحمه الله على القوم يقاتلهم منحني الظهر يجهد في ضربهم، حتى قتل منهم ـ على كبر سنه اربعة عشر رجلا من عسكر عمر بن سعد، وقيل: ثمانية عشر رجلاً، ومازال يخوض فيهم حتى حاصروه وقد اجهده القتال فقتلوه، ليستقبل ارض الشهادة بكربلاء مضرجاً بدمه الذي صبغ شيبته الكريمة خضابا يفتخر به الموالون المضحون. وتنطوي عقود السنين، فياتي شاعر يقول في الامام الحسين واصحابه، ومنهم انس بن الحارث الكاهلي الاسدي: بابيابي الضيم حامي حوزةالاسلام والاسلام يطلب حاميةفي عصية كرهوا الحياة بذلةواستبدلوا عنها الحياة الباقيةبابي حماة الدين اساد الشرىفي الحرب.. عن حرم النبي محاميةخاضواغمارالموت دون امامهموظبى الصوارم بالمنية هاميةفقضوا على حر الظما بيد العدىوالماء حولهم بحور طاميةوفي حبيب بن مظاهر الاسدي، وانس بن الحارث الاسدي، يقول الشاعر راثياً: سوى عصبة فيهم "حبيب" معفر قضى نحبه، و"الكاهلي" مرمل وفوق هذا وذاك سلام المولى الامام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشربف، اذ خص هذا الشهيد بالذكر الطيب في زيارته المباركة لشهداء الطف بكربلاء، فكان ان قال: السلام على انس بن كاهل الاسدي. ******* زهير بن بشر الخثعمي - 42 2009-01-12 00:00:00 2009-01-12 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4975 http://arabic.irib.ir/programs/item/4975 الحمد لله آناء الليل والنهار، وأشرف الصلاة والسلام على النبي المختار، وعلى آله الهداة الابرار. الحياة فرص، والفرص توفيقات الهية يسعد من يعتنمها، ومن تلك الفرص الطيبة مصاحبة الانبياء والاولياء سلام الله عليهم اجمعين، وتصديقهم والاخذ عنهم والتسليم لهم، ونصرتهم ومؤازرتهم وتلك نصرة لله تعالى من خلال الدفاع عن الدين وتأييد أهله. وقد تهيأت فرصة كبرى مع الامام ابي عبد الله الحسين (عليه السلام)، وفي موقف عظيم، كتب الله سبحانه وتعالى له أن يخلد على مدى التاريخ، تاريخ الدنيا المنقضية، وتاريخ الآخرة الممتدة الابدية. فهبّ له الاقون، فسرُّوا، وقعد عنه الاكثرون، فتحسروا. فالركب الحسيني الشريف قافلة آلهية يتقدمها وليّ الله، يحدو بها الى الله ليدخل بها في اعالي مرضاة الله، جلّ وعلا، وهو القائل، عزّ من قائل: «وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» (سورة التوبة، 72)، أجل، فقد تاقت أرواح المؤمنين الى رضوان من الله تعالى، إذ هو اكبر من الجنات والمساكن الطيبة، فطلبوه مع الامام الحسين، فنالوه بالشهادة بين يدي ابي عبد الله الحسين. وكان ممن التحق بالركب الحسيني، ونال شرف الانضمام اليه رجل خثعمي يدعى زهير بن بشر، وفي بعض الكتب جاء اسمه زهير بن سليم، والظاهر اتحاد الاسم كما يبدو في الزيارة الرجبية الشريفة، فهو من خثعم بن أنمار من القحطانية عرب الجنوب باليمن. لاحق الايام هذا الرجل الشهم، فأقبل على سيد شباب اهل الجنة ليلة عاشوراء، عندما تيقن تصميم القوم على قتل الحسين (عليه السلام)، كيف ذلك؟ كان ذلك لما سأل الحرّ الرياحي عمر بن سعد: أمقاتل انت هذا الرجل؟ فأجابه ابن سعد: اي والله قتالاً ايسره ان تسقط فيه الرؤوس، وتطيح فيه الايدي. سأله الحر: مالكم فيما عرضه عليكم؟ أجابه ابن سعد منهزماً: لو كان الامر اليّ لقبلت، ولكن أميرك (اي عبيد الله بن زياد) أبى ذلك. فتركه الحرّ ووقف مع الناس، حتى حانت فرصته التوفيقية، فانحاز الى معسكر الامام الحسين (عليه السلام). وكان ابو الفضل العباس ابن امير المؤمنين (عليه السلام) قد تقدم الى القوم، بعثه أخوه الحسين يسألهم عما جاء بهم، ليكشف لهم حججه البالغة، فكان جوابهم النزول على حكم عبيد الله أو ننازلكم الحرب. فبعث الامام الحسين (عليه السلام) أخاه العباس أن يستمهلوهم هذه العشية الى غد، ليتفرغ الحسين وأصحابه للدعاء والصلاة وتلاوة القرآن، عندها توقف عمر بن سعد عن الزحف. وكانت فرصة ً لسيد الشهداء وأهل بيته وأصحابه أن يُحيوا ليلة عظيمة بالطاعات والعبادات في أسمى ساعاتها وحالاتها، وهي الليلة الاخيرة للشهداء ولأهليهم المودّعين لهم. وتلك كانت حكمة من الامام الحسين سلام الله عليه مشهودة وحكمة اخرى ـ وحكمة كثيرة وعظيمة ـ أنّ ليلة عاشوراء أصبحت فرصة غنيمة لأن تنتقل جماعة متحيرة بصرت، لتنتقل من معسكر الضلال والاضلال معسكر عمر بن سعد، الى معسكر الهداية والسعادة والانوار معسكر ابي عبد الله الامام الحسين (صلوات الله عليه)، وتلك الجماعة لم تكن تتوقع، او تتصور أنّ قتالاً سيقع! فلما ايقنت حكّمت ضمائرها، واستهدت بصائرها، فاختارت السعادة الابدية. وكان من تلك الجماعة الموفقة التي زحفت في جنح الظلام تلك الليلة ليلة عاشوراء، زهير بن بشر الخثعمي رضوان الله عليه، فأنظم الى قافلة آل البيت، واصطف مع اصحاب الحسين، ليرحل الى الله تبارك وتعالى بالشهادة، وينال اعلى حالات السعادة. بعد ان انضم زهير بن بشر الخثعمي الى اصحابه الازديّين الذين سبقوه الى الالتحاق بالامام الحسين (عليه السلام)، تقدّم يوم الطفّ بكربلاء للقتال، حتى اذا شرع الاصحاب بالحملة الاولى من المعركة، نهض زهير فيمن نهض بعد رشق سهام القوم اياهم، فحمل مع الاصحاب حملة واحدة، واقتتل فيهم ساعة، حتى قامت في ساحة الطف غبرة عالية كثيفة، ما انجلت الا عن خمسين شهيدا، كان من بينهم في اولئك الشهداء السعداء: زهير بن بشر رضوان الله عليه وعليهم. وفيه يقول الفضل بن العباس بن ربيعة من قصيدة له ينعى بها على بني امية افعالهم: ارجعوا عامرا وردوا زهيراثم عثمان فارجعوا غارميناوارجعوا الحر وابن قين وقوماًقتلوا حين جاوروا صفينااين عمرو واين بشر وقتلىمنهم يالعراء ما يدفنونا؟!عنى بـ "عامر" العبدي، وبـ "زهير" الشهيد ابن بشر الخثعمي، وبـ "عثمان" اخا الحسين (عليه السلام) من ام البنين عليها السلام، وبـ "الحر" ابن يزيد الرياحي، وبـ "ابن القين" زهير البجلي، وبـ "عمرو" ابن خالد الصيداوي، وبـ "بشر" ابن عمرو الحضرمي. وزهير هو احد المخصوصين بالذكر على لسان خاتم الاوصياء الامام المهدي (صلوات الله عليه) في زيارته المباركة للشهداء يوم عاشوراء، حيث قال فيها: السلام على زهير بن بشر الخثعمي. ******* سالم مولى بني المدينة الكلبيّ - 41 2009-01-11 00:00:00 2009-01-11 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4974 http://arabic.irib.ir/programs/item/4974 لهفي في رجال ابرقوا وهمضبا القنا وضياء في دياجيناوكم سقوا فاجراً كأس الردى وغداًيُسقى بذلك زقوماً وغسليناوكم أبادوا من الاعداء بضربهمجمّاً غفيراً، وإن كانوا قليليناليهنهم إذ دعا الداعي لحينهمتصارخوا لمناديهم ملبينافجردوا لمواضي العزم وادّرعواقلوبهم، فأتوا للحرب ما شينافعانقوا لرضاه البيض واستبقواالى الفنا بالقنا والبيض راضيناحتى قضوا فإذن قد صار فعلهمقد عانقوا من عطاه الخُرّد العينابين الصِّفاح وسُمر الخطّ مصرعهموحزنهم في حشاشات الموالينايا ليتني متُّ فيهم دون سيدهمومثل أمنيتي جهد المقلينـايا ليتني متُّ فيهم كي اعدَّ غداًفي السابقين المُجلين المصلينامن الشهداء السعداء الذين التحقوا بقافلة الامام الحسين بن علي (عليه السلام)، رجل يدعى (سالم مولى بني المدينة ) وبنو المدينة هم بطن من القحطانية عرب الجنوب في اليمن. كان هذا الرجل النبيل كوفيّاً من الشيعة هناك، فخرج مع ابن عم الحسين: مسلم بن عقيل رضوان الله عليه في من خرج عند نهضته الشريفة، حتى اذا تحاذل الناس عن مسلم فأسلموه لاعدائه واستشهد، قبض على (سالم) هذا فسلم الى الطاغية عبيد الله بن زياد، فحبسه، لكن سالماً ما لبث ان أفلت من قبضة السجان ليختفي في قومه يترقب الاخبار عن كثب، حتى سمع بمقدم ابي عبد الله الحسين (صلوات الله عليه) الى كربلاء، فعقد رباط الارتحال اليه، بعد ان كان عقد في قلبه نيّة نصرته. بعد خروج الركب الحسيني من قصر بني مقاتل ـ تحد منازل الطريق نحو الكوفة ـ أخذ الامام الحسين (سلام الله عليه) يتياسر، الى ان انتهى الى (نينوى)، وهي منطقة تكاد تكون على مشارف كربلاء، وإذا براكب على فرس وعليه سلاح، فأنتظروه، وتأملوه، وإذا هو رسول من عبيد الله بن زياد الى الحرّ الرياحيّ، وكان الحرّ قد رافق الركب الحسيني من منزل (شراف) يريد به الى الكوفة، ومعه كتاب يقول فيه للحر: جعجع بالحسين حتى تقرأ كتابي، ولا تنزله الا بالعراء (اي بالصحراء) على غير ماء وحصن! فقرأ الحرُّ الكتاب على الامام الحسين، فقال (عليه السلام): دعنا ننزل (نينوى) او (الغاضريات). قال الحرّ: لا استطيع، فإن الرجل (اي المرسل من قبل عبيد الله) عُين علي (اي جاسوس). فالتفت الامام الى الحرّ وقال له: سر بنا قليلاً، فساروا جميعاً، حتى إذا وصولوا الى كربلاء، وقف الحرُّ وأصحابه امام الحسين (عليه السلام) ومنعوه من مواصلة السير، قائلين له: إن هذا المكان قريب من الفرات. ويقال: بينما هم يسيرون، اذ وقف جواد الامام الحسين (عليه السلام) ولم يتحرك، كما اوقف الله ناقة النبي (صلى الله عليه وآله) في المدينة حين دخلها لينزل ضيفا عند ابي ايوب الانصاري، عندها سال الامام عن الارض تلك، ما تسمى؟ اجابه زهير بن القين: تسمى "الطف". فسأل (عليه السلام) ثانية: فهل لها اسم غيره؟ قال: تعرف "كربلاء". فدمعت عيناه وقال: اللهم اعوذ بك من الكرب والبلاء، ها هنا محط ركابنا، وسفك دمائنا، ومحل قبورنا، بهذا حدثني جدي رسول الله. كان نزول الامام الحسين (عليه السلام) في كربلاء، في الثاني من المحرم سنة احدى وستين من الهجرة. وتسمى هذه الفترة ـ من ثاني المحرم الى العاشر منه قبل ان ينشب القتال ـ بفترة المهادنة، اذ لم ينو الحر اي مكروه للامام الحسين (عليه السلام)، حتى ان ابا عبد الله الحسين لما قال للحر في منزل "شراف" بعد ان اذن الحجاج بن مسروق لصلاة الظهر: اتصلي باصحابك؟ اجابه الحر: لا، بل نصلي جميعا بصلاتك. فصلى بهم الحسين (صلوات الله عليه)، ثم خطب فيهم بعد الصلاة. وكذا ابو عبد الله الحسين لم تصدر منه بادرة قتال، فهدفه اسمى من ذلك، حتى ان زهير بن القين لما ابدى اقتراحه قائلا: يا ابن رسول الله، ان قتال هؤلاء (اي جيش الحر) اهون علينا من قتال من ياتينا من بعدهم! اجابه الامام الحسين (عليه السلام): ما كنت لابداهم بقتال. كانت تلك ايام الهدنة، خلالها التحق سالم مولى بني المدينة الكابي، بالركب الحسيني قبل ان يكون قتال، فانضم الى صف اصحاب سيد شباب اهل الجنة، ولم يزل مع الامام الحسين (سلام الله عليه) حتى انفاسه الاخيرة، مصطفاً مع الاوفياء المخلصين كانهم بنيان مرصوص. الى ان كانت الحملة الاولى، اذ هجم الشمر بن ذي الجوشن لعنه الله وهو يقول لاصحابه: احملوا عليه حملة رجل واحد، وافنوهم عن اخرهم! وفي المقابل حمل اصحاب الامام الحسين حملة رجل واحد، فكان الاقتتال طاحنا، خلف من الاصحاب خمسين شهيدا طيبا، بعد ان هجموا عشرات، يقابلون الافا ومئات. وكان من بين اولئك الشهداء: سالم مولى بني المدينة الكلبي ّ رضوان الله تعالى عليه. فسلام على هذا الشهيد في الاوفياء، وسلام عليه في الطيبين الشهداء، وسلام عليه من خاتم الاوصياء، حيث زاره يوم عاشوراء قائلاً: السلام على سالم مولى بني المدينة الكلبيّ. ******* عائذ بن مجمع العائذ من الخذلان - 40 2009-01-21 00:00:00 2009-01-21 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4973 http://arabic.irib.ir/programs/item/4973 ونوارس لبسوا القلوب سوابغاًفي الروع عند الغارة الملحاحكأس المنايا الحمر في أفواههمفي الله اعذب من كؤوس الراحمن كل ابيض يستضاء بوجههوبسيفه في كل ليل كفاحأحسابهم، ووجوههم، وسيوفهمأصباحها يغنى عن المصباحيتسابقون الى الوغى وكأنهمسيل تدفق في بطون بطاحقد تاجروا رب السما بنفوسهمفحظوا لديه بأغنم الارباحفسقى مثاويهم بعرصة كربلارب السماء بوابل سحساحشاءت الارادة الالهية الرحيمة، والمشيئة الربانية الحكيمة، أن يكون لولي الله وإمام الحق، وحجة الله على الخلق، أبي عبد الله الحسين (صلوات الله عليه)، أنصار مخلصون أوفياء، اصحاب همم عالية تُبلغ بهم وصل الالتحاق بركب سيد الشهداء، فاجتمعوا في الركب الحسيني من كحل حدب وصوب، ومن كل منجدر وقبيلة، ليتشرفوا بصحبة سيد شباب اهل الجنة، والتضحية بين يديه وهو سبط النبي وريحانته وحبيبه، والامام المنصوص عليه من قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله). وكان من الملتحقين بأبي عبد الله الحسين (سلام الله عليه) رجل من نسل سعد العشيرة المذحجيّ، ومذحج من كهلان من القحطانية عرب الجنوب في اليمن. وذلك هو عائذ بن مجمع بن عبد الله العائذي، الذي ورث الولاء لاهل البيت عن ابيه مجمع، ومجمع هذا كان وثيق الصلة بعمرو بن خالد الصيداوي، والصيداوي هذا كان رجلاً شريفاً في الكوفة، مخلص الولاء لآل الرسول، قام مع مسلم بن عقيل في نهضته الشريفة، حتى اذا غدر القوم بمسلم وخانوه لجأ عمرو الصيداوي الى الاختفاء موقتاً، ليراقب الاحداث عن كثب، لكنه لما سمع بشهادة قيس بن مسهر الصيداوي على يد الطاغية عبيد الله بن زياد، لم يجد بداً من الخروج من الكوفة للالتقاء بالامام الحسين (عليه السلام) وإخباره بمجريات الوقائع في اهل الكوفة. فخرج عمرو بن خالد هو ومعه سعد مولاه، والتحق به مجمع بن عبد اله العائذي وابه عائذ، كما انظم اليهم جنادة بن الحارث المذحجي السلماني ومولاه واضح التركي، آخذين معهم دليلاً اسمه (الطرماح بن عدي الطائي)، فخرج بهم هذا الدليل عن طريق متنكبة، وسار فيهم سيراً عنيفاً؛ خوفاً منان يُطوقه رجال عبيد الله بن زياد، لاسيما وأن الطرق كانت مرصودة. سار الركب المؤمن باتجاه قبلة المؤمنين ابي عبد الله الحسين (سلام الله عليه)، فيما كان الامام الحسين متجهاً نحو الكوفة، فكان الملتقى في (عذيب الهجانات)، رمى الطرماح ببصره من بعيد، فاذا هو يرى نور الله وجلاله، ابا عبد الله الحسين، فأنشأ يرتجز في انتشاء من بلغ مناه؛ مخاطباً ناقته: يا ناقتي لا تذعري من رجزيوامضي بنا قبل طلوع الفجربخير ركبان وخير سفرٍحتى تحلي بكريم النجرالماجد الحر رحيب الصدراتى به الله لخير أمرأيد حسيناً سيدي بالنصرعلى الطغاة من بغايا الكفرفانتهوا الى الامام الحسين (عليه السلام) وهو بعذيب الهجانات، فسلموا عليه وانشدوا بين يديه ابياتاً، فقال ابو عبد الله الحسين: (أم والله، اني لارجو ان يكون خيراً ما اراد الله بنا، قُتلنا أو ظفرنا). في تلك الساعة يُقبل الحرُّ بن يزيد الرياحي بجيشه يُريد ان يحتجز المنضمين الى ركب الامام الحسين (عليه السلام)، وهم عمرو بن خالد الصيداوي ومولاه سعد، ومجمع بن عبد الله العائذي وبنه عائذ، وجنادة بن الحارث المذحجي وواضح التركي. فوقف الامام الحسين دون ذلك، قائلاً للحرّ: إن هؤلاء النفر من اهل الكوفة، وأنا حابسهم او رادّهم. وفي رواية ان الحر قال للحسين (عليه السلام): ان عؤلاء النفر ليسوا ممن اقبلوا معك. فأجابه ابو عبد الله: انما هم انصاري، وهم بمنزلة من جاء معي. وفي رواية انه (سلام الله عليه) قال للحرّ: انما هؤلاء أنصاري وأعواني، وقد كنت أعطيتني ألا ّ تتعرض لي بشيء ٍ حتى يأتيك كتاب ابن زياد. قال الحرّ: اجل، لكن هؤلاء لم يأتوا معك. قال الامام الحسين للحر: هم اصحابي، وهم بمنزلة من جاء معي، فإن تمّمت على ما كان بيني وبينك وإلا ّ ناجزتك! فكفّ الحرّ عنهم. ولما كان يوم عاشوراء، والتحم المعسكران وكان القتال بين أصحاب الامام الحسين (عليه السلام) وعسكر عمر بن سعد، شدّ عمرو بن خالد الصيداوي وسعد مولاه، وجنادة بن الحارث وواضح التركي مولى ابيه، ومجمع بن عبد الله العائذي وابنه عائذ بن مجمع، شدّوا جميعاً على اعداء الله مقدمين بأسيافهم في اول، فلما توغلوا يقاتلون تعطف القوم عليهم وقطعوا عن الحسين وأصحابه، وأخذوا يحوزونهم نحو اوساط عسكر عمر بن سعد، فلما رأى الامام الحسين حالهم ندب اخاه العباس (عليه السلام) لينقذهم، فنهد اليهم، وحمل على القوم وحده يضرب في اعداء الله بسيفه قدماً حتى خلص الى عمرو بن خالد الصيداوي وأصحابه فاستنقذهم، فعادوا معه الى عسكر الحسين وقد جُرحوا جميعاً. وفي اثناء الطريق والعباس (عليه السلام) عائد بهم، رأى الصيداوي وأصحابه أن جماعة من عسكر عمر بن سعد يلاحقونهم مرّة اخرى، فأبوا أن يفرّوا، فانسلوا عن طريق العودة، ورجعوا يشُدّون على القوم بأسيافهم ـ مع ما بهم من الجراح ـ شدّة واحدة، وقاتلوا حتى استشهدوا جميعاً في مكان واحد. رضوان الله تعالى عليهم وسلامه، وسلامنا نحن عليهم بعد سلامنا على الحسين، وآل الحسين، قائلين: السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى اولاد الحسين، وعلى اصحاب الحسين. ******* جبلة بن علي الشيباني - 38 2009-01-05 00:00:00 2009-01-05 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4971 http://arabic.irib.ir/programs/item/4971 بسم الله والحمد لله وازكى الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله آل الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إنه ليس بالقليل ان يحب الله تبارك وتعالى احداً او جماعة، بل ذلك إنما يناله ذو الحظ العظيم، ولكن لمحبة الله عباده موقع ومواضع ومواقف وحالات، فالله عزوجل ـ كما صرح في آياته الشريفة: يحب المحسنين ويحب المتقين، كما يُحِبُّ التَّوَّابِينَ والْمُتَطَهِّرِينَ، ويُحِبُّ الصَّابِرِينَ والْمُتَوَكِّلِينَ، وكذا الْمُجَاهِدِينَ، واي مجادين يا ترا؟ يقول عزمن قال: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ» (الصفّ، 4)، اي كالبنيان الذي لايزول ولا يتزعزع، او كالبناء المرصوص بالرصاص، محكماً يقاوم ما يصادمه من اسباب الانهدام. وهكذا كان اصحاب الامام الحسين (عليه السلام)، سداً في وجه اهل الضلال والنفاق، جاهدوا وقاتلوا دون دينهم، وطاعة لامامهم، ونصرة للحق والشريعة، ملازمين مكانهم على الثبات، وكان بامكانهم ان ينسحبوا او يستسلموا، او يفروا.. وقد اذن لهم، لكنهم ابوّا في عزة من النفس عالية، وكرامة من الروح سامية، ابوا ان يتركوا امامهم امام الحق او يسلموه الى العدو، بل تسابقوا على فدائه وبذل المهج دونه؛ إذ ابت ضمائرهم الباصرة ان يُقتل امامهم سيد شباب الجنة ويبقوا بعده، فضحوا واستشهدوا، فبوأهم الله تعالى مقاعد العلى والشرف الرفيع، فضلاً عما انالهم من الذكر الطيب الحسن، فأصبحوا يُزارون على مدى الزمن، ويُذكرون بالاجلال والتكريم والافتخار، وتُذرف عليهم الموع المحبة كما تُسكب عليهم عبرات الحزن، وتُقال فيهم الاشعار: يا ليتني كنت الفداء لأنفسٍفدت ابن بنت نبيها بحياتهاولكم مررت بركبلا متمثلاًشهداءها صرعى على ربواتهاقوقفت واستوقفت فيها عصبةوقفوا نواظرهم على عبراتهالم تبق حجة على القوم - الا والحسين (سلام الله عليه) اتمها بالغة ملزمة مُوقظة. يقول لهم قبل خطابه إياهم: ايها الناس، إسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى اعظكم بما هو حق لكم عليّ، وحتى اعتذر اليكم (اي ابين لكم السبب) من مقدمي عليكم. وكانت له (عليه السلام) خُطب فيهم، لم يكن جوابها الا سهام اللؤم والعناد: وقام لسان الله يخطب واعظافصموّا لما عن قدس أنواره عمواوقال انسبوني من انا اليوم وانظرواحلال لكم مني دمي، أم محرّم؟!فما وجدوا الا السهام بنحرهتراش جواباً، والوالي تقوّم! وتقدم عمر بن سعد نحو عسكر االمام الحسين ورمى بسهم، وقال: إشهدوا لي عند الامير (أي عبيد الله) أني اول من رمى. ثم رمى اصحابه، فطارت السهام رشقاً كالمطر، فأصابت جلَّ اصحاب الحسين (سلام الله عليه)، فاستنهضهم للموت الذي لا بد منه، فقاموا على جراحهم، وانتظروا الاعداء ان يشغلوا بأنفسهم، لكن اصحاب سيد الشهداء لم يكتفوا بان يقوموا ويقفوا كالجبال الشامخة، بل حملوا حملة واحدة ً، خلفت فيهم خمسين شهيداً مُجللاً بالعز والشرف والكرامة، لاقوا ربهم بدماء الشهادة وأنفاس الولاء للنبي وآله صلوات الله عليه وعليهم. وكان في جملة اولئك الشهداء الابرار من الحملة الاولى يوم عاشوراء: رجل يدعى جابر بن الحجاج وهو مولى عامر بن نهشل التيميّ، كان رجلاً شهماً، وفارساً شجاعاً. قال بعض المؤرخين: حضر جابر بن الحجاج هذا مع الامام الحسين (عليه السلام) في كربلاء، وقُتل بين يديه، وكانت شهادته قبل ظهر عاشوراء في الحملة الاولى، فرضوان الله عليه في المخلصين الاوفياء، وفي المجاهدين الصابرين السعداء، وفي زمرة الاصحاب الشهداء، الذين قاتلوا في سبيل الله صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ، فاستشهدوا وصاروا يُزارون بهذه العبارات المجللة: السلام على الارواح المنيخة بقبر ابي عبد الله الحسين (عليه السلام)، السلام عليكم يا طاهرين من الدنس، السلام عليكم يا مهديين، السلام عليكم يا ابرار الله، السلام عليكم وعلى الملائكة الحافين بقبوركم أجمعين، جمعنا الله وإياكم في مستقر رحمته، وتحت عرشه، انه ارحم الراحمين والسلام عليكم ورحة الله وبركاته. ونقرأ في لوحة الشهداء اسم رجل من شيبان من العدنانية عرب الشمال، هو: جبلة بن علي الشيباني، فمن هو يا ترى؟! قيل: كان جبلة هذا (رضوان الله تعالى عليه) رجلاً شجاعاً من رجالات الكوفة، شهد واقعة صفين الى جنب أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقام مع مسلم بن عقيل رضوان الله عليه أولاً في نهضته، فلما غُدر بمسلم التحق جبلة بن علي بركب سيد شباب اهل الجنة ابي عبد الله الحسين صلوات الله عليه. فحضر كربلاء وشهد مع الاصحاب الاوفياء يوم عاشوراء، حتى اذا كان رشق سهام الفتنة بعد سهم عمر بن سعد لعنه الله وأخزاه، أُصيب جبلة فيمن اصيب، لكنه سمع امام زمانه يستنهضهم: قوموا (رحمكم الله) الى الموت الذي لابد منه؛ فإن هذه السهام رسل القوم اليكم! فقام جبلة بن علي الشيباني فيمن قاموا في جملة الاصحاب الغيارى، ليدافع عن الحق، ويلبي نداء امام الحق، فاشترك رضوان الله عليه في الحملة الاولى، وكانت حملة شجاعة، حكت على مدى التاريخ عزة الاصحاب وإباءهم وشهامتهم ـ، وكان من شهداء هذه الحملة: جبلة بن الشيباني. فسلام من الله تعالى عليه في الشهداء، وسلام عليه من خاتم الاوصياء، حيث خصه في زيارته لشهداء كربلاء بهذه العبارة الشريفة: السلام على جبلة بن علي الشيباني. ******* عابس بن ابي شيب الشاكري - 37 2009-01-04 00:00:00 2009-01-04 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4970 http://arabic.irib.ir/programs/item/4970 الحمد لله، وأسمى الصلاة على المصطفى حبيب الله، وعلى آله امناء الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ان الهمة العالية عُرفت في الشباب، تأخذ بهم الى مراقي الاعمال الكبيرة والمواقف الخطيرة، وترتفع بهم الى الجهاد الصعب، أما أن تكون في الصبيان والنساء والشيوخ، فذلك فضل ينتسب الى الايمان الصادق بالله تعالى، والولاء الراسخ لآل الله (عليهم السلام) من الانبياء والمرسلين، والائمة الهداة الميامين، صلوات الله عليهم أجمعين. في (تفسير العياشي): عن سليمان بن جعفر الهمداني قال: قال لي جعفر بن محمد (اي الصادق) عليه السلام: يا سليمان من الفتى؟ قلت له: جُعلت فداك، الفتى عندنا الشاب. قال لي: (أما علمت أن اصحاب الكهف كانوا ملهم كهولاً فسماهم الله فتية بإيمانهم! يا سليمان، من آمن بالله واتقى، فهو الفتى). وندخل الى كربلاء فنرى جمعاً من أصحاب الامام الحسين عليه السلام كهولاً في اعمارهم، لكن كانت حالاتهم من الهمّة والعبادة تخبر انهم فتية شبان يافعون. فذلك حبيب ابن مظاهر الاسدي، برز الى القتال كأنه الاسد الغضنفر يموج بسيفه وسط جموع الاعداء فيقتل منهم عشرات، حتى اغتيل شهيداً، وذاك شوذب شيخ كبير قاتل بشيبته الكريمة دون سيد الشهداء فلم يرض لنفسه إلا ان تُقتل دون امام زمانه، فوقع شهيداً. وكان رضوان الله عليه مولى لشاكر بن عبد الله الهمداني الشاكري، ويحسب في عرب الجنوب، وكان من رجال الشيعة ووجوهها ومن المخاصين، كما كانت داره مألف الشيعة وملاقاهم، يتحدثون فيها حول فضائل اهل البيت عليهم السلام. قال المحليّ في (الحدائق الوردية): كان شوذب يجلس للشيعة فيأتونه للحديث، وكان وجهاً فيهم. أجل، والى ذك، فقد كان شوذب من الفرسان المعدودين، ومن الثوار المتحمسين، وكان حافظاً للحديث حاملاً له عن أمير المؤمنين، علي عليه الصلاة والسلام. مما نفع شوذباً صحبته لعابس بن ابي شبيب الشاكري مولاه، حيث رافقه من الكوفة الى مكة، وذلك بعد قدوم مسلم بن عقيل رضوان الله عليه الى الكوفة وكان عابس موفداً في ذلك بكتاب من مسلم الى ابي عبد الله الحسين (عليه السلام) عن اهل الكوفة، فبقي شوذب مع عابس حتى قدما معاً الى كربلاء ملتحقين بركب سيد شباب اهل الجنة صلوات الله عليه. وكان يوم عاشوراء والتحم المعسكران في قتال شديد، حينها التفت عابس الشاكري الى شوذب فدعاه ليستخبره عما في نفسه، قال له: يا شوذب، وما في نفسك ان تصنع؟ أجابه شوذب بتعجب واستغراب: ما أصنع؟ أقاتل معك حتى أٌقتل. ابتهج عابس فقال له: ذلك الظن بك يا شوذب، تقدم بين يدي ابي عبد الله الحسين حتى يحتسبك كما احتسب غيرك من أصحابه، وحتى احتسبك أنا، فإن هذا يوم ينبغي لنا أن نطلب فيه الاجر بكل ما نقدر عليه؛ فإنه لا عمل بعد اليوم، وإنما هو الحساب. فتقدم شوذب فسلم على الامام الحسين قائلاً: السلام عليك يا ابا عبد الله، ورحمة الله وبركاته، استودعك الله. ثم مضى شوذب فقاتل ولم يرجع حتى تلقته ارض كربلاء شهيداً، وتلقته رحمة من الله مرضياً مبروراً، ملتحقاً ببُردة الشهادة والشرف الرفيع. واطمأن عابس على صاحبه شوذب، إذ سبقه الى حيث يُحب الله ورسوله، فأقبل الامام الحسين عليه السلام يقف أمامه ليقول له: يا ابا عبد الله، اما والله ما أمسى على وجه الارض قريب ولا بعيد أعزّ ولا أحبّ إلي منك، ولو قدرت على ان أدفع عنك الضيم او القتل بشيء أعزّ علي من نفسي ودمي لفعلت. السلام عليك يا ابا عبد الله، أشهد أني على هداك وهدى ابيك. ثم مضى عابس الشاكري نحو الاعداء مصلتاً سيفه فهابوه، وفرّوا من بين يديه، ولك يطلق الموقف ذاك حتى القى درعه وسلاحه، فقيل له: يا عابس، أجننت؟! قال: بلى، حبُّ الحسين أجنني! وما زال يقدم عليهم، وهم يتحاشونه إذ هابتهم شجاعته وغضبه لله، ولآل الله، حتى تعطفوا عليه بالحجارة يرضخونه، وقد قاتل حتى استشهد رضوان الله عليه. وهكذا كان اصحاب الحسين (صلوات الله عليه)، يتقدمون الى المنية بهمم عالية ترتقي الى القتال حتى الشهادة دون امامهم، وقد طابت ان تكون نفوسهم ضحايا متواضعة تُبذل عند اعتاب الامام الحسين سلام الله عليه، حيث يصور الشاعر حاله وحالهم، فيقول: كأني به في ثلة من رجالهكما حُفّ بالليث الاسود الحواردُإذا اعتقلوا سمر الرماح وجرَّدواسيوفاً اعارتها البطون الاساودفليس لها الا الصدور مراكزوليس لها الا النحور مغامديُلاقون شدّات الكماة بأنفسٍإذا غضبت هانت عليها الشدائدالى أن ثووا في الترب صرعى كأنهمنخيل أمالتهن أيدٍ عواضداولئك أرباب الحفاظ سمت بهمالى الغاية القصوى النفوس المواجدفسلام من الله عزوجل على اولئك الشهداء الابرار، وسلام الامام المهدي عليهم ايضاً ما توالى الليل والنهار، حيث يقول في زيارته الشريفة لهم. السلام على عابس بن ابي شيب الشاكري، السلام على شوذب مولى شاكر، السلام عليكم يا خير انصار، سَلامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ، بوّأكم الله مُبوَّأ الابرار. ******* سيف بن الحارث ومالك بن عبد بن سُريع الجابريّ - 36 2009-01-03 00:00:00 2009-01-03 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4041 http://arabic.irib.ir/programs/item/4041 بسم الله، والحمد لله، وأفضل الصلاة والسلام على الحبيب رسول الله، وعلى آله أوالياء الله. لقد تجسدت في ساحة كربلاء قيم ٍ ومعان أخلاقية رفيعة، قلّ نظيرها أو عدم، كان منها التآخي الصادق بين أصحاب الامام الحسين عليه السلام وإن أختلفت الانساب، كما كان التآخي الحقيقي بين ذوي الارحام، فخرج ابنا عمٍ معا ً يُدعيان "الجابريان" وخرج أخوان لأب ٍ يدعيان "الغفاريان"، فقاتلا معاً، واستشهدا معاً، ودُفنا معاً، وربما يأملان أن يُحشرا معا ً، ويدخلان الجنة إن شاء الله معاً. أما الجابريان فهما: سيف بن الحارث بن سريع الجابري، ومالك بن عبد بن سُريع الجابريّ، كانا ابني عم، وأخوين لأم في الوقت ذاته. وبنو جابر بطن من (همدان) من عرب الجنوب باليمن. وكان للجابريَّين شرف الانضمام الى الركب الحسيني الشريف، حيث جاء ومعهما شبيب خادمهما، فلما كان اليوم العاشر من المحرم ـ وقد رأيا سيد شباب اهل الجنة عليه السلام بتلك الحال ـ أقبلا وهما يبكيان، فسألهما الحسين عليه السلام وهو العارف: ـ أي ِ ابني أخويَّ ما يبكيكما؟! فو الله اني لأرجو أن تكونا بعد ساعة قريري العين. فقالا: جعلنا الله فداك، لا والله ما على انفسنا نبكي، ولكن نبكي عليك... نراك وقد احيط بك ولا نقدر على ان نمنعك (أي نحميك) بأكثر من انفسنا. فقال سلام الله عليه لهما: جزاكما الله ـ يا ابني اخوي َّ ـ عن وجدكما من ذلك ومواساتكما إياي أحسن جزاء المتقين. وبعد أن جزّى الامام الحسين الجابريين، همّا أن يهجما، لكنّ حنظلة بن أسعد الشِّبامي (رضوان الله عليه) سبقهما، فنادى في عسكر عمر بن سعد يعظهم مرة ً ويحذرهم أخرى، ويوبخهم ثالثة، فقال له الامام الحسين عليه السلام: يا ابن سعد رحمك الله، إنهم استوجبوا العذاب حين ردّوا عليك ما دعوتهم اليه من الحق، ونهضوا اليك يشتمونك وأصحابك، فكيف بهم الان وقد قتلوا إخوانك الصالحين! وكان لحنظلة هو الاخر استئذان من امام زمانه، ثم رحيل الى الله ورضوانه.. كل هذا والجابريان... ينتظران، وهما متحفزان. كان الجابريان: مالك بن عبد بن سُريع، وسيف بن الحارث بن سُريع، متلهفين للدخول في غمار المعركة، وهما ينتظران وينظران ما يجري، حتى إذا استشهد حنظلة الشبامي استقدما يتسابقان الى منازلة الاعداء وهم يلتفتان تاى ابي عبد الله الحسين صلوات الله عليه ويقولون له: السلام عليك يا ابن رسول الله، فيجيبهم: وعليكما السلام ورحمة الله وبركاته. ثم جعلا يقاتلان معاً، وإنّ أحدهما ليحمي ظهر صاحبه وابن عمه وأخيه، حتى استشهدا معاً رضوان الله عليهما. فسلام عليكما ايها الجابريان في زمرة الفائزين، وسلام عليكما هابطاً كل يوم من رب العالمين، وسلام عليكما من المهدي خاتم الوصيين، حيث يزوركم مع الشهداء، في زمرة الاصحاب الاوفياء: السلام على شبيب بن الحارث بن سُريع، السلام على مالكك بن عبد بن سُريع. أما الغفاريان فهما عبد الله بن عروة الغفاري، وعبد الرحمان بن عروة الغفاري، كان جدهما (حراق) من أصحاب امير المؤمنين علي علي عليه السلام وممن حارب الى جانبه في حروبه الثلاث: الجمل، وصفين والنهروان. والغفاريان هما من أشراف الكوفة ومن شجعانها، وذوي الوالاة لأهل البيت النبوي الشريف. حضرا كربلاء، وشهدا يوم عاشوراء، واشتركا في الحملة الاولى فاستشهد من الاصحاب خمسون رجلاً... فأخذ يخرج الاصحاب فراجى يستأذنون إمامهم، فيقاتلون ويستشهدون، لكنّ الجابريين: سيف ابن الحارث بن سريع، ومالك بن عبد بن سُريع خرجا معا ً، واستئذنا معاً، وبرزا وقاتلا واستشهدا معاً، رضوان الله عليهما. ثم خرج بعدهما الغفاريان: عبد الله وعبد الرحمان ابنا عروة، فتقدما ليستشهدا بروح من العزة والفداء بين يدي الامام الحسين عليه السلام. قال المؤرخ المعروف ابو مخنف: لما رأى أصحاب الحسين عليه السلام أنهم لا يقدرون على ان يمنعوه (اي يحموه) ولا أنفسهم، تنافسوا في أن يُقتلوا بين يديه. تقدم الغفاريان فقال لسيد الشهداء أبي عبد الله الحسين عليه السلام: يا ابا عبد الله، حازنا العدو اليك (اي دفعنا لأن ننصرك ما رأينا من تقدم العدوّ لقتالك) فأحببنا أن نُقتل بين يديك ندفع عنك. فرحّب عليه السلام بهما، ودنوا يقاتلان قريباً منه أو بين يديه. وروي أنّ الغفاريين لكا دنوا من الامام الحسين بكيا، فسألهما عن بكائهما، فأجابا يفديانه بأنفسهما أنهما يبكيان عليه؛ إذ لا ناصر له وقد أحيط به، ثم هما لا يقدران على ان يدفعا عنه شر الاعداء. فجزاهما الامام الحسين سلام الله عليه على حزنهما عليه ومواساتهما إياه. ثم جعلا يقاتلان قريباً منه او بين يديه وان احدهما ليرتجز فيُتمّ له الآخر رجزه، فيقولان: قد علمت حقا ً بنو غفاروخندف بعد بني نزارلنضربنَّ معشر الفُجّاربكل عضب ٍ ذكر ٍ بتار ِيا قوم ذودواعن بني الاخياربالمشرفيّ والقنا الخَطار ِثم قاتلا معا ً... حتى استشهدا معا ً، رضوان الله عليهما، هكذا الآكد فيما روي فيهما انهما: برزا معاً، وارتجزا سوية، وقاتلا كتفاً الى كتف، حتى استشهدا متقاربين وقتا ً ومكانا ً، وتألقت روحاهما الى الرفيق الاعلى سعيدتين بالشهادة، فرضوان الله تعالى عليهما، فهنيئا ً وطوبى لهما. سعد الفائزون بالنصر يوماًعزّ فيه النصير لابن البتول ِأحسنوا صحبة الحسين وفازواأحسن الفوز بالحباء الجزيل ِصبروا للنزال ضحوة يوم ٍثم باتوا بمنزل مأهول ِوأصيبوا بقرب وُرد ظماءًفأصابوا الورود من سلسبيل ِأبدلوا عن حرور يوم تُقضىجنّة الخلد تحت ظلّ ٍ ظليل ِوقد توَّجهما الامام المهدي صلوات الله عليه بسلامه الشريف المبارك عليهما: السلام على عبد الله وعبد الرحمان ابني عروة بن حراق الغفاريَّين. ******* سويد بن عمرو بن ابي المطاع الانماري الخثعميّ - 35 2008-12-31 00:00:00 2008-12-31 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4040 http://arabic.irib.ir/programs/item/4040 بسم الله، والحمد لله، وأفضل الصلاة وأنماها على رسول الله، وعلى آله الهداة أولياء الله. قد يتخيّل بعض المؤرخين أنّ أصحاب الامام الحسين عليه السلام قد جمعتهم الصُّدف والاتفاقات العمياء، لكنّ التحقيق العلميّ يُجزم أنّ لله في خلقه شؤوناً وأسراراً وحكماً وتوفيقات لا اتفاقات. فالاختيارات الالهية مقرونة بالمشيئة الحكيمة والارادة الغيبية، زعباد الله مكشوفة لدي بارئهم نواياهم وكوامنهم، فيَّسر الله لهم ذلك الفوز العظيم حين والوا سيّد شباب اهل الجنة أبا عبد الله الحسين صلوات الله عليه، وودَّوه وأحبوه، وآزروه وناصروه، وتقدموا بين يديه للشهادة والفداء دونه، لينعموا برضوان ٍ من الله أكبر من الجنان، ويُدفنوا في مزار ولي الله سيّد الشهداء أمين الرحمان، وكان من اولئك سويد بن عمرو الخثعميّ فمن يا ترى هذا الشهيد... السعيد؟‍! سويد بن عمرو بن ابي المطاع الانماري الخثعميّ شيخ شريف، عابد كثير الصلاة، كان رجلا ً شجاعا ً مجربا ً في الحروب... كتب الله تعالى له توفيق الالتحاق بالركب الحسيني الشريف في كربلاء، وكان ممن ثبت مع أصحاب سيّد الشهداء الحسين سلام الله عليه... إذ تلقوا سهام الاعداء وهم صفوف بين يدي إمامهم لما رماهم عسكر ابن سعد حين رمى سهم الفتنة شرارة خبيثة لإيقاد الحرب. فنهض الاصحاب بعد أن لم يبق منهم أحد إلا أصابه شيء من سهام اللؤماء.. نهضوا رغم ما أصابهم ليحملوا حملة واحدة - على قلتهم، فاقتتلوا ساعة، فلما انجلت غبرة الحملة إلا عن خمسين شهيدا ً منهم. وما بقي إلا الاقل القليل، يواجهون جيشاً أصطف آلافا ً مؤلفة، فبرزوا بروح التضحية، والعزة والكرامة، زفيهم ذلك الشيخ الشهم سويد بن عمرو الخثعميّ، يبرز الرجل منهم بعد الرجل.. يقاتلون فيُكثرون القتل في عسكر عمر بن سعد، حتى صاح عمرو بن الحجاج بأصحابه ضجراً. وكان على ميمنة عسكر ابن سعد: أتدرون من تقاتلون؟! إنكم تقاتلون فرسان المصر وأهل البصائر، وقوما ً مستميتين! لايبرز اليهم أحد منكم إلا قتلوه على قلتهم، والله لو لم ترموهم إلا ّ بالحجارة لقتلتموهم. ثم حمل عمرو بن الحجاج هذا بروح خبيثة ٍ على ميمنة عسكر الامام الحسين عليه السلام، فثبت الاصحاب ـ وفيهم سُويد بن عمرو الخثعميّ، حيث جثوا على ركبهم مشرعين رماحهم، فلم تقدم خيل عمرو بن الحجاج، فلما فرّت الخيل رشقهم أصحاب الحسين بالنبل، فصرعوا رجالا ً، وجرحوا آخرين. وكانت المنازلة، رجل من الاصحاب يبرز، فيبرز له عشرات من جيش النفاق والخيانة والغدر. حتى قاتل مسلم بن عوسجة فاستشهد، وقاتل من بعده حبيب بن مظاهر الاسدي فاستشهد، وخرج من بعدهما الحرّ الرياحيّ فقاتل هو وابنه فاستشهدا، وأُثخن سعيد بن عبد الله الحنفيُّ بالجراح حتى تزاحمت السِّهام عليه وقد جعل بدنه سدّا ً أمام الحسين، فاستشهد.. وهكذا بقية الاصحاب تقدموا مستأذنين أبا عبد الله الحسين سلام الله عليه، ثم برزوا فقاتلوا فرادى جموع اعداء الله، حتى تألقت ارواحهم شهداء مبرورين. وسويد بن عمرو ثابت ينتظر أن تسنح فرصة الاستئذان، حتى حانت بعد ان كان صبره أن ينفد وهو يرى إخوانه في الله يُصرَّعون مُضرجين بدم الشهداء، بعد أن تزاحموا بين يدي سيد شباب اهل الجنة أبي عبد الله الحسين. قوم إذا نودوا لدفع ملمّة ٍوالخيل بين مُدعَّس ٍ ومكردس ِلبسوا القلوب على الدروع كأنهميتهافتون الى ذهاب الانفس ِوقُتل الاصحاب فلم يبق منهم إلا رجلان: أحدهما بشرُ بن عمرو الحضرميّ، وسويدُ بن عمرو الخثعميّ... فتقدّم سُويد! نعم ... تقدّم سويد بن عمرو الخثعميّ إلى ساحة الطفّ بكربلاء، بعد أن استأذن إمام زمانه الحسين عليه السلام، وقد رأى صاحبه بشر بن عمرو الحضرميّ قد استشهد امامه، فخرج سويد يرتجز ويقول: أقدِم حسين اليوم تلقى أحمداوشيخك الحبر عليا ً ذا الندىوحسنا ً كالبدر وافى الاسعداوعمَّك القرْم الهمام الارشداحمزة ليث الله يُدعى أسداوذا الجناحين تبوّى مقعدافقاتل قتال الاسد الباسل. وبالغ في الصبر على الخطب النازل، حتى اُثخن بالجراح ووقع على وجهه بين القتلى... فلم يزل كذلك وليس به حراك، فظُن انه قُتل. ولم يستطع سويد ان ينهض، حتى قُتل بنو هاشم وآل ابي طالب، وحتى استشهد الامام الحسين صلوات الله عليه، فسمع سُويد ـ وقد أعياه نزيف الدم ـ من عسكر ابن سعد يتصايحون: قُتل الحسين! فوجد سويد في نفسه افاقة، فتحامل ان ينهض منتقماً لأمامه وقد غلت دماؤه غيرة ً وغضبا ً، وكان معه سكين قد خبأها في خُفّه، فاستهلها ولم يكن عنده غيرها، فجعل يقاتلهم مترنحا ً بسكينه، ثم انهم تعطفوا عليه فقتله عروة بن بكار التغلبيّ، وزيد بن ورقاء الجُهنيّ، وكان سويد بن عمرو آخر قتيل بعد الحسين عليه السلام. فسلام من الله تبارك وتعالى على جميع شهداء طفّ كربلاء، ومن الامام المهدي خاتم الاوصياء، حيث يقول في خاتمة زيارته الشريفة للشهداء: "السلام عليكم يا خير انصار، السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، بوّأكم الله مبوّأ الابرار...". ******* يزيد الجعفي وأداء حق الصحبة - 34 2008-12-29 00:00:00 2008-12-29 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4039 http://arabic.irib.ir/programs/item/4039 بسم الله، والحمد لله، وأفضل صلوات الله على حبيبه رسول الله، وعلى آله الهداة أولياء الله. كان من نتائج الامتحان الكبير في عاشوراء الحسين سلام الله عليه، أن انكشفت كوامن الناس، شرارها وخيارها، حقها وباطلها، فضائلها ورذائلها... فإذا أفرز جيش عبيد الله بن زياد كوامن الحقد والجاهلية ومساوئ الاخلاق وضلالات الاعتقاد، فقد أشرقت في جيش الامام الحسين ـ ببركة الحسين ـ أنوار الهداية والتقوى ونفحات العبودية والطاعة لله تعالى، وخصال الشهامة والشجاعة والغيرة والفتوّة... حتى صدعت حناجرهم الايمانية بالرَّجز الحماسيّ، ودوّت صيحاتهم البطولية في ساحة طفِّ كربلاء مهيبة شامخة. وكان أحد أصحاب سيّد شباب اهل الجنة، رجلا ً يُدعى يزيد بن مُغفل المذحجيّ الجعفيّ، وهو صحابي أدرك النبي صلى الله عليه وآله، وشهد معركة القادسية، وكان بعد ذلك أحد الشجعان من شعراء الشيعة المجيدين. وقد تشرف يزيد بن مغفل أن يكون أحد أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، فيُحارب الى جنبه في "واقعة صفين"، ويكون مبعوثا عن الامام علي عليه السلام في حرب الخوارج. ويستمر يزيد بن مغفل الجحفي على نهج ال الرسول صلى الله عليه وعليهم، فينضم الى ركب الامام الحسين عليه السلام عند مجيئه الى مكة، حتى اذا بلغ المسير الى احد منازل الطريق، وهو "قصر بني مقاتل"، رأى الامام الحسين فسطاسا مضروبا ورمحا مركوزا وفرسا واقفا، فسال عنه فقيل له: هو لعبيد الله بن الحر الجعفي. فبعث اليه يزيد بن مغفل الجعفي والحجاج بن مسروق، فأتياه وقالا له: ان ابا عبد الله يدعوك، فسأل عما وراء ذلك، فأجابه الحجاج: هدية اليك وكرامة ان قبلتها، هذا الحسين يدعوك الى نصرته، فان قاتلت، بين يديه اجرت، وان قتلت استشهدت. فاعتذر عبيد الله بمعاذير ابلغها الحجاج بن مسروق ويزيد بن مغفل الى الامام الحسين. قال المؤرخ المعروف ابو مخنف: فأرسل اليه، فلما حضر عبيد الله بن الحر بين يديه، قال له الحسين عليه السلام: يا هذا! هل لك من توبة تمحص عنك الذنوب تنصرنا اهل البيت. قال عبيد الله: ما خرجت من الكوفة الا مخافة ان اقاتلك بين يدي ابن زياد، ولكن خذ فرسي هذه... وسيفي هذا القاطع ورمحي، واعف عني. فأجابه الامام عليه السلام: اذا بخلت علينا بنفسك، فلا حاجة لنا بمالك... ثم تلا قوله تعالى: «وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا» (الكهف، 51)، ولقد سمعت جدي رسول الله(ص) يقول: من سمع واعيتنا اهل البيت ولم ينصرنا اكبه الله على منخريه في النار يوم القيامة. وفي رواية: فو الله لا يسمع واعيتنا احد ولا ينصرنا، الا اكبه الله في نار جهنم. ثم خرج الامام الحسين من عنده، ومعه صاحباه الحجاج الجعفي، ويزيد الجعفي. وفي يوم عاشوراء... وعلى ارض كربلاء، دعا الامام الحسين صلوات الله عليه براحلته فركبها، ثم نادى بصوت عال يسمعه جلهم... فكانت منه عليه السلام خطب ونداءات، بين نصح وتذكير، وتأنيب وتوبيخ... كان فيها قوله: ايها الناس، انسبوني من انا، ثم ارجعوني الى انفسكم وعاتبوها، وانظروا هل يحل لكم قتلي ولنتهاك حرمتي؟! ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه... او لم يبلغكم قول رسول الله لي ولاخي : "هذان سيدا شباب اهل الجنة"؟! ويحكم! اتطلبوني بقتيل منكم قتلته، او مال لكم استهلكته، او بقصاص جراحة؟! فأخذوا لا يكلمونه، فنادى عليه السلام: يا شبث بن ربعي، ويا حجار بن ابجر، ويا قيس بن الاشعث، ويا زيد بن الحارث! ألم تكتبوا الي ان اقدم؛ قد اينعت الثمار واخضر الجناب، وانما تقدم على جند لك مجندة؟! فأنكروا وقالوا: لم نفعل! فقال عليه السلام: سبحان الله! بلى والله لقد فعلتم، فقال له قيس بن الاشعث راس النفاق: او لاتزال على حكم ابن عمك؟! فأجابه الحسين سلام الله عليه: انت اخو اخيك... لا والله لا اعطيهم بيدي اعطاء الذليل، ولا افر فرار العبيد... واقبلوا يزحفون نحوه لقتله! هكذا يلقي الامام الحسين عليه السلام على الجميع حججه البالغة، فيسقط كل عذر لعاذر، وقد اخذت كلماته الحقانية تدب في نفوس اعدائه حيرة بعد كشف الحقائق الساطعة، لكنهم كابروا واصروا. بينما اخذت كلمات الامام الحسين طريقها الى قلوب اصحابه، فخلقت فيهم روحية عالية، ومعنوية رفيعة، جعلتهم ـ ومنهم يزيد بم مُغفل ـ يزدادون ايماناً وثقة بصحة موقفهم، وحُسن إقبالهم على التضحية والفداء... حتى الشهادة، وصدق الله تبارك وتعالى حيث قال: «وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ» (سورة التوبة، 124ـ 125) وبان النقص في اصحاب الامام الحسين عليه السلام بعد الحملة الاولى، فأخذ الرجل بعد الرجل يتقاطرون فيستأذنون سيّدهم أبا عبد الله الحسين، كلّ يقول له: السلام عليك يا ابن رسول الله... يطلبون الاذن لهم بالمبارزة والجهاد والفداء حتى الشهادة، فيقول عليه السلام لكل منهم: وعليك السلام، ونحن خلفك... فإذا استشهد أي منهم وقف عليه السلام عند رأسه وقرأ قوله تعالى: «فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ». حتى تقدم يزيد بن مغفل الجُعفيّ، فأستأذن الامام الحسين عليه السلام فأذن له، فدخل ساحة الطف وهو يرتجز ويقول: أنا يزيد وأنا ابن مُغفلوفي يميني نصلُ سيف ٍمُصقل أعلو به الهامات وسط القسطلعن الحسين الماجد المفضَّل ِثم أخذ يصول ويجول... يقاتل أعداء الله قتالاً لم يُر مثله، حتى قتل جماعة منه، ثم تعطفوا عليه فقتلوه رضوان الله عليه. فسلام عليه شهيداً باراًبين يدي سيّد الشهداءوسلام عليه مرفوعاًشأنه في الارض والسماءوسلام عليه محشوراًمع أصحاب الحسين الاوفياء******* نافع بن هلال بن نافع البجليّ المراديّ - 33 2008-03-08 00:00:00 2008-03-08 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4038 http://arabic.irib.ir/programs/item/4038 الحمد لله رب العالمين، وأطيب الصلوات وأزكاها على حبيب الله المصطفى الامين، وعلى آله الهداة الميامين. إنّ واقعة الطف الكبرى يوم عاشوراء،كانت امتحانا ً عظيما ً للامة، انشطر على اثرها الناس، وسقطت أقنعة المنافقين، وامتاز أصحاب المودة والنصرة لرسول الله عن المدعين والمتخاذلين، فكلّ امرئ ٍ لا بدّ أن يعلن موقفه، فقد انقضت مرحلة التقمّص وأن يكون الدين لعقا ً في الافواه يلوكه الناس مادرّت معايشهم، وجاءت مرحلة التمحيص بالبلاء، حيث يقلُّ الديانون، ويمتاز الاخيار عن الاشرار... فيتقدم عمرو بن قرظة ينصر ابا عبد الله الحسين عليه السلام ويقف دونه يتلقى السهام والرماح ببدنه حتى يقع على الارض شهيداً، فيرفع طرفه الى مولاه يتحقق منه الرضى عنه. وما هي إلا لحظات حتى يخرج اخوه علي بن قرظة لينتصر لعبيد الله بن زياد، فيتجاسر على سيدد شباب اهل الجنة... عندها ينبري له نافع بن هلال الجمليّ فيصرعه بطعنة ٍ مُردية لولا أن يستنقذه أصحابه أصحاب الضلال فيحملوه جريحاً ينتظر ساعة الهلاك والرحيل الى جحيم العذاب الابديّ، وقد سبقه أخوه الى رحاب النعيم الابدي ّ. وبعد ضرب نافع بن هلال لعليّ بن قرظة... جالت خيل الاعداء، فحمل عليها نافع، وجعل يضرب فيها قدما ً وهو يرتجز ويقول: إن تنكروني فأنا ابن الجمليديني على دين حسين بن عليفنادى به مزاحم بن حُريث يقابله: وأنا على دين "فلان"! فأجابه نافع: أنت على دين الشيطان! ثم شدّ عليه بسيفه، فأراد مزاحم أن يولي ويتحاشاه، لكنّ سيف نافع الجمليّ سبق اليه، فسقط مزاحم قتيلا ً... عندها صاح عمرو بن الحجاج من جهة جيش عمر بن سعد بأصحابه: أتدرون من تقاتلون؟! لا يبرز اليهم منكم أحد. وكان نافع بن هلال ٍ يقاتل في ساحة كربلاء قتالاً شديداً، يجول في الميدان وهو يرتجز ويقول: انا ابن هلال الجمليأنا على دين عليودينه دين النبيفبرز اليه رجل من بني قطيعة، فقتله... قال الشيخ المفيد: فصاح عمرو بن الحجاج بالناس: ـ يا حمقى! أتدرون من تقاتلون؟! إنما تقاتلون فرسان أهل البصائر، وقوما ً مستميتين، لايبرز منكم احداً إلا ّ قتلوه، على قلتهم... والله لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم! فقال له عمر بن سعد: ـ الرأي ما رايت. فأرسل في الناس من يعزم عليهم ألا يُبارزهم رجل منهم، وقال لهم: لو خرجتم اليهم وحداناً لأتوا عليكم مبارزة! وبرز نافع بن هلال الجمليّ مرة أخرى الى ساحة المعركة، وبادر هذه المرة الى مهاجمة الاعداء بنبال مسمومة كتب على افواهها اسمه، وجعل يرميها عليهم وهو يرتجز ويقول: أرمي بها معلمة ً أفواقهامسمومة تجري بها أخفاقهاليملأنَّ أرضها رشّاقهاوالنفس لا ينفعها إشفاقهافقتل بسهامه اثني عشر رجلاً من أصحاب عمر بن سعد، سوى من جرحهم.. حتى انتهت نباله، عندها جرّد سيفه يضرب في جمع اعدائه يميناً وشمالاً وهو يحمل ويكرّ، ولا يفرّ، بل يقول: أنا الهزبرُ الجمليأنا على دين عليوروي ايضا ً انه كان يقول في ارتجازه: أنا الغلام اليمنيّ الجمليّديني على دين حسين بن عليإن أ ُقتل اليوم فهذا أمليفذاك رأيي، وأ ُلاقي عمليفقتل ثلاثة عشر رجلا ً... فتواثبوا عليه وأحاطوا به يرمونه عن بعد ٍ بالحجارة والنَّصال، متحاشين منازلتهع، حتى كسروا عضديه وأخذوه أسيراً! ويتصور الاعداء ان الاسير من المؤمنين يضعف فيطلب العفو بذلة، فأذا بهم يرونه أصلب من الجبل، يؤتى بنافع بن هلال الجملي ّ أسيراً الى عمر بن سعد في ساحة كربلاء، فيقول له سعد: ويحك يا نافع! ما حملك على ما صنعت بنفسك؟! فيجيبه نافع: إنّ ربي يعلم ما أردت. فقال رجل ـ وقد نظر الى نافع والدماء تسيل على وجهه ولحيته: أما ترى ما بك؟! فيجيبه نافع: والله لقد قتلت منكم اثني عشر رجلاً سوى من جرحت، وما ألوم نفسي على الجهد، ولو بقيت لي عضد ما أسرتموني. فقال شمر لابن سعد: اقتله ـ أصلحك الله! قال عمر بن سعد له: أنت جئت به، فإن شئت فأقتله انت. فجرّد شمر سيفه... وقبل ان يرفعه قال له نافع يوّبخه: اما والله يا شمر لو كنت من المسلمين، لعظم عليك أن تلقى الله بدمائنا! فالحمد لله الذي جعل منايانا على يدي شرار خلقه. فما كان من الشمر ـ عليه لعائن الله ـ إلا أنْ قدّم نافع بن هلال وضرب عنقه وفيه يقول الشاعر واصفاً شجاعته، وذاكراً شهادته: ألا رُبَّ رام ٍ يكتب السهم نافعاًويهني به نفعا ً لآل محمدإذا ما أرنّت قوسه فاز سهمهابقلب عدوٍ أوجناجن معتديفلو ناضلوه ما أطافوا بغابهولكن رموه بالحجار المحدَّد ِفأضحى خضيب الشيب من دم رأسهكسير يدٍ ينقاد للاسر عن يد ِوما وجدوه واهنا ً بعد اسرهولكن بسيما ذا براثن مُلبد ِفإن قتلوه بعدما ارتثَّ صابراًفلا فخر في قتل الهزبر المخضّدِولو بقيت منه يد لم يقد لهمولم يقتلوه لو نضا لمُهنَّد ِذاك شرف عتيد ناله نافع بن هلال الجمليّ، وأيُّ شرفٍ ذاك الذي ناله من بعده، حيث يتوجه اليه الامام المهدي المنتظر صلوات الله وسلامه عليه بالسلام عليه، في ضمن زيارته عليه السلام لشهداء طفّ كربلاء، فيقول: السلام على نافع بن هلال بن نافع البجليّ المراديّ. ******* نافع بن هلال الجمليّ - 32 2008-03-06 00:00:00 2008-03-06 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4037 http://arabic.irib.ir/programs/item/4037 كان من ابرز خصال اصحاب الامام الحسين عليه السلام الغيرة على اولياء الله، وعلى حُرَم رسول الله... وقد ظهرت لهم في ذلك مواقف كثيرة شامخة، بيناه في لقاءاتنا السابقة معكم وعرّفناها في حديثنا حول مسلم بن عوسجة، وحبيب بن مظاهر، والحرّ الرياحيّ، وبُرير بن خُضير وغيرهم رضوان الله تعالى عليهم. وفي لقاءنا هذا ـ والحديث منصرف الى شخصية الشهيد نافع بن هلال الجمليّ ـ ينقل لنا المؤرخون أنّ الامام الحسين عليه السلام دخل خيمة اخته العقيلة زينب سلام الله عليها في كربلاء، بينما كان نافع ينتظره بإزاء الخيمة، فسمع زينب تقول لأخيها تسأله: هل استعلمت من اصحابك نيّاتهم؟ فإني اخشى أن يسلموك عند الوثبة! فأجابها عليه السلام وعليها: والله لقد بلوتهم... فما وجدت فيهم إلا الاشوس الاقعس (اي الشجاع الابيّ)، يستأنسون بالمنية استيناس الطفل إلى محالب امه. قال نافع فلما سمعت هذا منه بكيت، وأتيت حبيب بن مظاهر ٍ وحكيتُ ما سمعته، فقال: والله لولا انتظار أمر الحسين عليه السلام لعاجلتهم (أي الاعداء) بسيفي هذه الليلة. فقلت لحبيب: إنيّ خلفت الحسين عند اخته، وأظنّ النساء أفقنَ وشاركنها الحسرة... فهل لك ان تجمع اصحابك وتواجهوهُنّ بكلام يطيب قلوبهنّ؟ فقام حبيب ونادى: يا اصحاب الحمية، وليوث الكريهة! (أي يا اسود الحرب). فتطالع الاصحاب من خيامهم كالاسود الضارية، فقال حبيب لبني هاشم: ـ إرجعوا الى مقرّكم ـ لا سهرت عيونكم (أي من الحزن أو القلق). ثم التفت حبيب الى اصحابه وحكى لهم ما شاهده من نافع وسمعه، فقالوا بأجمعهم: والله الذي منّ علينا بهذا الموقف، لولا انتظار أمره لعاجلناهم بسيوفنا الساعة، فطِبْ نفساً، وقرَّ عيناً. فجزاهم حبيب بن مظاهر خيراً، ثم قال لهم: هلمُّوا معي لنواجه النسوة فنطيّب خواطرهنّ. فجاء حبيب ومعه اصحابه... فصاح: يا معشر حرائر رسول الله، هذه صوارم فتيانكم، آلوا ألا ّ يغمدوها الا في رقاب من يُريد السُّوء فيكم، وهذه اسنّة غلمانكم، أقسموا ألا ّ يركزوها إلا ّ في صدور من يُفرِّق ناديكم فصاحت النسوة: ايها الطيبون، حاموا عن بنات رسول الله، وحرائر أمير المؤمنين. فضج القوم بالبكاء، حتى كانت الارض أخذت تميدُ بهم. ويكتب الطبري في تاريخه: أنّ الماء مُنع في الطف على الحسين عليه السلام، فاشتد عليه وعلى اصحابه العطش، فدعا أخاه العباس فبعثه في ثلاثين فارسا ً وعشرين راجلا، وأصحبهم عشرين قربة... فجاؤوا حتى دنوا من ماء الفرات ليلا ً، واستقدمهم باللواء نافع بن هلال الجمليّ، فأحس بهم عمرو بن الحجاج الزبيدي، وكان حارسا ً على الماء، فصاح: من؟ أجابه نافع: من بني عمك. سأل ثانياً: من انت؟ قال: نافع بن هلال. سأل عمرو ثالثاً: ما جاء بك؟ قال نافع: جئنا نشرب من هذا الماء اللذي حلأتمونا عنه (أي منعتمونا عنه). قال عمرو: إشرب هنيئاً. قال نافع وقد كبُرت عليه عبارة عمرو: لا والله لا أشرب منه قطرة ً والحسين عطشان. فطلع أصحاب نافع، فأعترض عمرو بن الحجاج قائلا ً لنافع: لا سبيل الى سقي هؤلاء؛ إنما وُضعنا بهذا المكان لنمنع الماء. فلما دنا من نافع أصحابه قال لهم: إملأوا قربكم. فنزلوا وملأوا قربهم، فثار عمرو بن الحجاج وأصحابه، فحمل عليهم ابو الفضل العباس عليهم السلام ونافع بن هلال ففرقوهم، وأخذا أصحابهما بقربهم ملاى من الماء، منصرفين إلى رحالهم، وقد قتلوا من عسكر عمر بن سعد رجالاً. مرة اخرى مع الطبري في تاريخه، حيث كتب يقول: لما قُتل عمرو بن قرظة الانصاري (وكان من أصحاب الحسين عليه السلام)، جاء اخوه عليُّ بن قرظة (وكان من أصحاب عمر بن سعد) ليأخذ بثأره، فهتف بالحسين في كلام ٍ بذئ، كان فيه: ـ أغررت أخي وقتلته؟! فأجابه الامام الحسين عليه السلام: إنيّ لم أغرُر أخاك، ولكن هداه الله وأضلك! فقال عليّ بن قرظة متطاولاً ومتجاسراً: قتلني الله إن لم أقتلك! ثم حملته النعرة الشيطانية فحمل نحو الامام الحسين عليه السلام، هنا اعترضه نافع بن هلال الجمليّ رضوان الله عليه فطعنه حتى اسقطه على الارض، فحمل اصحابه على نافع واستنقذوا جريحهم، ثم جالت الخيل مشاغلة نافع بن هلال عن قتل عليّ بن قرظة حتى نُقل الى اصحابه، فردّ نافع خيل عمر بن سعد وكشفها عن التقدم نحو عسكر ابي عبد الله الحسين عليه السلام. وبقي نافع بن هلال في وسط طف كربلاء، بطلا ً يُنشد اراجيزه ببطولة ٍ وشجاعة وشهامة، يلتمع سيفه في وجه الاعداء التماع عزّة وإباء، مع قلة الناصر. ومشى موكب الحسين قليلالعدّ والدرُّ لايكون تلالابل حبوب قليلة تبهرالآفاق لمعا ً، وتملأ الآصالا******* نافع بن هلال المذحجي - 31 2008-03-05 00:00:00 2008-03-05 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4030 http://arabic.irib.ir/programs/item/4030 ركب... برغم العلى فوق الثرى نزلواوقد اعد لهم في الجنة النزلتنسي المواقف اهليها مواقفهمبصبرهم في البرايا يضرب المثلذاقوا الحتوف، باكناف الطفوف... علىرغم الانوف... ولم تبرد لهم غللمع بطل شهيد آخر من شهداء ملحمة كربلاء العظمى، ذلك هو: نافع بن هلال المذحجي، الجملي، رجل من الكوفة، ذو شخصية مرموقة، كان سيداً شريفا شجاعا، وقارئا للقران الكريم، وكاتبا ومن حملة الحديث الشريف. ونافع بن هلال احد اصحاب امير المؤمنين علي عليه السلام، حضر معه حروبه الثلاثة في العراق، وخرج الى الامام الحسين عليه السلام فلقيه في طريقه الى كربلاء، فالتحق بالركب قبل شهادة مسلم بن عقيل رضوان الله عليه، وكان نافع قد اوصى ان يتبع بفرسه المسمى بـ "الكامل"، فأتبع مع (عمرو بن خالد الصيداوي) واصحابه. كتب ابن شهر اشوب المازندراني السروي: لما ضيق الحر على الحسين عليه السلام، خطب عليه السلام باصحابه، وكان فيه خطبته الشريفة قوله: "الا ترون الى الحق لا يعمل به، والى الباطل لا يتناهى عنه "؟! ليرغب المؤمن في لقاء الله، فاني لا ارى الموت الا سعادة، والحياة مع الظالمين الا برما"... فقام نافع بن هلال الجملي فقال للحسين سلام الله عليه: انت تعلم ان جدك رسول الله لم يقدر ان يشرب الناس محبته، ولا ان يرجعوا الى امره ما احب، وقد كان منهم منافقون يعدونه بالنصر، ويضمرون له الغدر، يلقونه باحلى من العسل، ويخلفونه بامر من الحنظل: حتى قبضه الله اليه. وان اباك عليا كان في مثل ذلك، فقوم قد اجمعوا على نصره وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين... حتى اتاه اجله، فمضى الى رحمة الله. وانت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة، فمن نكث عهده وخلع بيعته، فلن يضر الا نفسه، والله مغن عنه.. فسر بنا راشدا معافى، مشرقا ـ ان شئت ـ او مغربا، فو الله ما اشفقنا من قدر الله ولا كرهنا لقاء ربنا، وانا على نياتنا وبصائرنا، نوالي من والاك، ونعادي من عاداك. نعم ذاك هو نافع بن هلال الجملي، رجل مؤمن ذو بصيرة ومعرفة، وموقف راسخ مع الا مامة الحقة، حتى اخذت بيده يد التوفيق الالهي الى الالتحاق بالركب الحسيني، ليكون احد الا صحاب الذين ناصروا الحسين، وبذلوا مهجهم الطيبة دون الحسين. ويمضي يوم تاسوعاء، ويحل بعده المساء، فيجمع الامام الحسين صلوات الله عليه اهل بيته واصحابه ليقول لهم: "اما بعد، فاني لا اعلم اصحابا اوفى ولا اخيرا من اصحابي، ولا اهل بيت ابر ولا اوصل من اهل بيتي، فجزاكم الله عني جميعا. وقد اخبرني جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) باني ساساق الى العراق فأنزل ارضا يقال لها "عمورا" و"كربلاء"، وفيها استشهد.. وقد قرب الموعد. الا اني اظن يومنا من هؤلاء الاعداء غدا، واني قد اذنت لكم فانطلقوا جميعا في حل ليس عليكم مني ذمام، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا". فابى اهل بيته بشدة واصرار وثبات، بدأ فيهم ذلك ابو الفضل العباس عليه السلام، ثم ابى اصحابه الغيارى عازمين جميعهم على الفداء والتضحيه حتى الشهادة: وكان احدهم نافع بن هلال الجملي، وقد عرف الامام ابو عبد الله الحسين من اصحابه صدق النية وحسن الاخلاص في المفاداة دونه، عندها اوقفهم على غامض القضاء، فقال يخاطبهم: اني غدا اقتل، وكلكم تقتلون معي، ولا يبقى منكم احد: وكانت العبارتان الا خيرتان اعظم بشرى لهم، فقالوا بأجمعهم (وفيهم نافع بن هلال): الحمدو لله الذي اكرمنا بنصره، وشرفنا بالقتل معك، اولا نرضى ان نكون معك في درجتك ياابن رسول الله؟! فدعى الامام الحسين عليه السلام لهم بالخير، وكشف عن ابصارهم فرأوا ما حباهم الله من نعيم الجنان، وعرفهم سلام الله عليه منازلهم في الجنة. وتحل ليلة عاشوراء.. وقد حفت بالمحن والمصائب، واذنت بالفجائع والنكبات، لكن اصحاب الحسين نشطوا في تلك الليلة للعبادة وتاهبوا بروحية عالية للقتال والشهادة وهم ينتظرون الموعد الحق بفارغ الصبر، فكان لهم دوي كدوي النحل في تهجدهم وهم مابين راكع ساجد، وقائم وقاعد. وقد امر الامام الحسين عليه السلام ان يقاربوا بين الخيام؛ ليستقبلوا الاعداء غدا من جهت واحدة، كما امر بحفر خندق وراء خيام اهل بيته ووضع الحطب فيه والقى النار عليه اذا داهمهم العدو من الخلف. وفي جوف تلك الليلة، يخرج ابو عبد الله الحسين صلوات الله عليه بعيدا عن الخيام، ليتفقد التلاع والقصبات، فيتبعه نافع بن هلال الجملي، سأله الحسين عما اخرجه خلفه، فأجاب نافع: ـ ياابن رسول الله، افزعني خروجك الى جهة معسكر هذا الطاغي. قال الحسين عليه السلام: اني خرجت اتفقد التلاع والروابي؛ مخافة ان تكون مكمنا لهجوم الخيل يوم تحملون ويحملون. ثم رجع عليه السلام وهو قابض على يد نافع ويقول: هي هي والله، وعد لا خلف فيه. ثم التفت الى نافع يخيره: الا تسلك بين هذين الجبلين في جوف الليل وتنجو بنفسك؟! فوقع نافع على قدمي الامام يقبلها، ويقول له: ثكلتني امي! ان سيفي بألف، وفرسي بألف، فو الله الذي من بك علي، لا فارقتك حتى يكلا عن فري وجري. خفوا لداعي الحرب حين دعاهمورسوا بعرصة كربلاء هضابااسد قد اتخذوا الصوارم حليةوتسربلوا حلق الدروع ثياباوجدوا الردى من دون آل محمدعذبا ... وبعدهم الحياة عذابا******* عمرو الانصاري والدفاع عن حومة الدين - 30 2008-03-04 00:00:00 2008-03-04 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4029 http://arabic.irib.ir/programs/item/4029 قد علمت كتائب الانصاران سوف احمي حوزة الذمارفعل غلام غير نكس، شاردون حسين مهجتي وداريبيات دويا في ساحة طف كربلاء، يوم عاشوراء... فمن صدع بهما في ذلك اليوم العصيب، وفي ساعة الامتحان الرهيب؟! انه عمروا بن قرظة الانصاري رضوان الله عليه.. فمن هذا الرجل يا ترى؟ هو عمروا بن قرظة بن كعب، الخزرجي الانصاري الكوفي، من عرب الجنوب (اليمن)، ابوه شاعر معروف كان يكنى بابن الاطانبة، وكانت له صحبة مع النبي صلى الله عليه وآله، وله ابنان: الاول: هو عمرو بن قرظة... الشهيد بين يدي ابي عبد الله الحسين سلام الله عليه. والثاني: هو علي بن قرظة... الهالك في جحيم اعداء ابي عبد الله الحسين عليه السلام، مع ان اباه قرظة كان من الصحابه الرواة، وكان من اصحاب امير المومنين علي (عليه السلام)، نزل الكوفة وحارب الى جنب امامه في حروبه، وقد ولاه الامام بلاد فارس حتى توفي سنة احدى وخمسين من الهجرة الشريفة، مخلفا اولاد، اشهرهم عمرو، فما هي ـ يا ترى ـ مواقفه؟ نما عمرو بن قرظة على سر ابيه ونهجه، اذ والى آل الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فأقبل الى الامام الحسين صوات الله عليه ايام الهدنة، عند نزوله بكربلاء قبل الممانعة، فاخذ الامام الحسين عليه السلام يرسل عمروا بن قرظة الانصاري الى عمر بن سعد مفاوضا في المحادثة التي دارت بينهما قبل ارسال شمر بن ذي الجوشن، فياتيه عمرو بن قرظة بالجواب... حتى كان قطع المفاوضات بين ابي عبد الله الحسين عليه السلام وعمر بن سعد بوصول الشمر، وخلال ذلك كان سفير الحسين هو عمرو بن قرظة، حتى كان يوم العاشر من المحرم، فاي موقف كان لعمر يا ترى؟ اصبح الصباح في يوم عاشوراء، فصف الامام الحسين عليه السلام عسكره، بعد ان صلى باصحابه صلاة الفجر ثم قام خطيبا فيهم، فحمد الله واثنى عليه، وقال لهم: ان الله تعالى اذن في قتلكم وقتلي في هذا اليوم، فعليكم بالصبر والقتال. ولم يرغب سيد الشهداء عليه السلام في ان يبتدى بقتال، حتى بادر عمر بن سعد بفتنته حين رمى بسهم نحو عسكر الحسين مناديا: اشهدوا لي عند الامير اني اول من رمى. ثم رمى الناس، فلم يبق من اصحاب الحسين عليه السلام احد الا اصابه من سهامهم، حينها نادى الامام باصحابه: قوموا (رحمكم الله) الى الموت الذي لابد منه؛ فان هذه السهام رسل القوم اليكم فحمل اصحابه ـ وفيهم عمرو بن قرظة الانصاري ـ حملة واحدة، واقتتلوا ساعة، فما انجلت الغبرة الا عن خمسين صريعا من اصحاب الحسين! ولما نظر الامام الحسين سلام الله عليه الى كثرة من قتل من اصحابه، اخذ الرجلان والثلاثة منهم يستأذنونه في الذب عنه والدفع عن حرمه، حتى اذا رأى عليه السلام كثرة من قتل من اصحابه، قبض على شيبته المقدسة وقال: اشتد غضب الله على اليهود؛ اذ جعلوا له ولداً.. واشتد غضب الله على النصارى؛ اذ جعلوه ثالث ثلاثة... واشتد غضب الله على المجوس؛ اذ عبدوا الشمس والقمر دونه.. واشتد غضب الله على قوم اتفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيهم! اما والله لا اجيبهم الى شيء مما يريدون، حتى القى الله وانا مخضب بدمي، ثم صاح في الناس ملقيا حججه عليهم: اما من مغيث يغيثنا؟! اما من ذاب يذب عن حرم رسول الله؟! فالتهبت غيرة الاصحاب وفيهم عمرو بن قرظة. بان النقص في اصحاب الامام الحسيين عليه السلام، وقل عددهم، حتى اخذ يبرز الرجل بعد الرجل، فخرج مسلم بن عوسجة.. وحبيب بن مظاهر.. والحر الرياحي.. وابو ثمامة الصائدي.. فقاتلوا حتى استشهدوا رضوان الله تعالى عليهم. عندها تقدم عمرو بن قرظة الانصاري يستأذن امامه الحسين عليه السلام في القتال، فأذن له، فبرز عمرو وهو يقول: قد علمت كتائب الانصاران سوف احمي حوزة الذمارفعل غلام غير نكس، شاردون الحسين مهجتي وداريوجال عمرو بن قرظة يقاتل فداء للامام ودفاعا عن حريمه، حتى قتل جمعا كثيرا من عسكر عمر بن سعد. وبعد ان قاتل ساعة.. يصول ويجول وحده وسط جموع الاعداء، رجع الى الامام الحسين عليه السلام يحميه، اذ راه في خطر، حيث توجهت اليه سهام اللؤماء ورماحهم، فوقف يقيه بنفسه، وجعل يتلقى السهام بصدره وجبهته، ويصد السيوف ببدنه ومهجته، واقفا امام سيده وامامه الحسين صلوات الله عليه كالسد المنيع، فلم يصل الى الامام سوء، لكن عمرو بن قرظة اثخن بالجراح، فهوى على الارض وعيناه متوجهتان الى وجه سيد الشهداء، حريصتان عليه، وشفاه تتمتمان: أوفيت يا بن رسول الله؟! فاجابه سيد شباب اهل الجنة: نعم، انت امامي في الجنة، فاقرئ رسول الله عني السلام، واعلمه اني في الاثر. وحلقت روح عمرو في الشهداء، بعد ان فدى امامه بنفسه الطيبة، فاحزن مصرعه الحسين عليه السلام، كما احزن حجة الله المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فكان منه اليه سلامه في زيارته عليه السلام لشهداء كربلاء: "السلام على عمرو بن قرظة الانصاري". ******* حنظلة الشبامي والانذار من موجبات العذاب - 29 2008-03-03 00:00:00 2008-03-03 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4028 http://arabic.irib.ir/programs/item/4028 وصاحبة ٌ... بذلوا النفوس لنصرهلم تثنهم يوم الوغى اهوالهقلوا... ولكن كل فرد منهمجيش لهام في الكفاح تخالهمن كل ماض قد تقلد مثلهعزت على طلابه امثالهمستقبل حد الصوارم والقنابالنحر منه فحبذا استقبالهغمر الندى... فرد الصفات جليلهاكرمت خلائقه وطبن خصالهما ان يساجله الغمام... ولا ارىللبحر يوما يستطاع سجالههجروا لنصر الدين كل محببوالموت لذ لهم هناك وصالهحتى قضوا بشبا السيوف ظوارمياوالنقع جرت فوقهم اذيالهممن نال السعادة الكبرى بشهادته بين يدي سيد الشهداء ابي عبد الله الحسين صلوات الله عليه؛ رجل اسمه حنظلة الشبامي، فمن يكون؟ وكيف وفق ذلك التوفيق الاعلى؟ قالوا: هو حنظلة بن اسعد بن شبام... الهمداني، الشبامي. وبنو شبام بطن من همدان من القحطانية عرب الجنوب (اليمن)، وهمدان قبيلة معروفة بولائها.. ووفائها.. ومواقفها. اما حنظلة بن اسعد، فقد كان وجها من وجوه الشيعة في الكوفة، ذا فصاحة وبلاغة، وكان رجلا شجاعا، وقارئا للقران، ولفضله ارسله الامام الحسين عليه السلام ايام الهدنة الى عمر بن سعد بالمكاتبة، فلما رحل ابو عبد الله الحسين سلام الله عليه الى كربلاء، التحق حنظلة بالركب الحسيني ـ الشريف؛ يريد نصرة سيد شباب اهل الجنة، امامه الحسين بن علي صلوات الله عليه. وجاء يوم عاشوراء من محرم عام واحد وستين من الهجرة، وقد حلت ظهيرة ذلك اليوم الرهيب، وقد فرغ الامام الحسين عليه السلام من صلاته المباركة، فقال لاصحابه: يا كرام، هذه الجنة قد فتحت ابوابها، واتصلت انهارها، واينعت ثمارها.. وهذا رسول الله، والشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، يتوقعون قدومكم، ويتباشرون بكم، فحاموا عن دين الله ودين نبيه، وذبوا عن حرم الرسول. ولما سمع الاصحاب هذا الكلام من سيد شباب اهل الجنة قالوا له: نفوسنا لنفسك الفداء، ودمائنا لدمك الوقاء... فو الله لا يصل اليك والى حرمك سوء وفينا عرق يضرب. وفي رواية ابي مخنف ان الاصحاب لما سمعوا حديث الامام الحسين عليه السلام ضجوا بالبكاء والنحيب، وقالوا: نفوسنا دون انفسكم، ودماؤنا دون دمائكم، وارواحنا لكم الفداء. والله لا يصل اليكم احد بمكروه وفينا الحياة، وقد وهبنا للسيوف نفوسنا، وللطير ابداننا، فلعله نقيكم زحف الصفوف، ونشرب دونكم الحتوف. في كل مرة يبادر الامام الحسين عليه السلام الى نصيحة القوم وتبيان الحق لهم، وتحذيرهم مما هم قادمون عليه، وفي كل مرة يبادر عمر بن سعد الى اشعال فتيل الحرب والقتال حتى ارسل عمر بن سعد في جماعة من الرماة فرموا اصحاب الحسين وعقروا خيولهم، اي عوقوها عن الكرّ برشقها بالسهام، آل ان استشهد الفرسان من الاصحاب فلم يبق مع الحسين الا الضحاك بن عبد الله المشرفي، الذي قال: رايت خيل اصحابنا تعقر، فأقبلت بفرسي وادخلتها فسطاطا لاصحابنا. واقتتلوا اشد القتال، وكان كل واحد من الاصحاب يريد الخروج، يودع الامام الحسين عليه السلام بقوله: السلام عليك يا ابن رسول الله. فيجيبه الحسين: وعليك السلام، ونحن خلفك. ثم يقرأ قوله تعالى: «فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً» (الاحزاب، 33). وخرج الاصحاب واحد بعد آخر، يبارزون، فيستشهدون... فبرز أبو ثمامة الصائدي، وزهير بن القين، وسلمان بن مضارب البجلي ّ، وعمرو بن قرظة الانصاري، ونافع بن هلال الجملي، وواضح التركي، واسلم مولى الحسين عليه السلام، وبرير بن خضير... الى ان جاء حنظلة بن اسعد الشبامي، فبرز... فماذا عمل؟! برز حنظلة الشبامي فاستأذن الامام الحسين عليه السلام، وتقدم بين يديه، ووقف يقيه السهام والرماح والسيوف بوجهه ونحره، ثم اخذ حنظلة ـ هذا الرجل الشهم ـ ينادي في عسكر ابن سعد: يا قوم اني اخاف عليكم مثل يوم الاحزاب، مثل دأب نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم، وما الله يريد ظلما للعباد.. ويا قوم اني اخاف عليكم يوم التناد.. يوم توولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم، ومن يظلل الله فما له من هاد.. يا قوم لاتقتلوا حسينا فيسحتكم الله بعذاب، وقد خاب من افترى! فجزاه الحسين عليه السلام خيرا وقال له: رجمك الله، يا ابن اسعد قد استوجبوا العذاب حين ردوا عليك ما دعوتهم اليه من الحق، ونهضوا اليك ليستبيحوك واصحابك، فكيف بهم الان وقد قتلوا اخوانك الصالحين! فقال حنظلة: صدقت ـ جعلت فداك ـ يا ابن رسول الله، افلا نروح الى الاخرة؟! وفي رواية اخرى انه قال: افلا نروح الى ربنا، ونلحق باخواننا؟! فاذن له الحسين عليه السلام قائلا له: ـ رُحْ الى ما هو خير لك من الدنيا وما فيها، والى ملك لا يبلى فقال حنظلة مناديا في ساحة المعركة:- السلام عليك يا ابا عبد الله، السلام عليك يا ابن رسول الله، صلى الله عليك وعلى اهل بيتك، وجمع بيننا وبينك في الجنة. فأجابه الحسين عليه السلام بقوله: امين.. امين. ثم تقدم حنظلة بن اسعد الشبامي الى ساحة المنازلة والقتال مصلتا ً سيفه، يضرب في الاعداء قدماً، يقاتل قتال الابطال، ويصبر على احتمال الاهوال، حتى حملوا عليه ـ وهم عشرات ـ فتعطفوا عليه فقتلوه، رضوان الله عليه. فسلام عليك ايها الشهيد البار، منا ومن جميع المؤمنين، وقبل ذلك من الامام الحجة المهدي المنتظر ارواحنا له الفداء، حيث توجه اليك ـ يا حنظلة بن اسعد ـ في زيارته للشهداء، ووجه عنايته الشريفة المباركة نحوك، فقال سلام الله عليه: "السلام على حنظلة بن اسعد الشامي". ******* جنادة ُ بن الحرث المذحجيّ المراديّ الكوفيّ - 28 2008-03-02 00:00:00 2008-03-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4027 http://arabic.irib.ir/programs/item/4027 السّلام علی الحسين، وعلی عليّ بن الحسين، وعلی اولاد الحسين، وعلی اصحاب الحسين. اللهم ارزقني شفاعة الحسين يوم الورود، وثبت لي قدم صدقٍ عندك مع الحسين، واصحاب الحسين، الذين بذلوا مهجم دون الحسين (عليه السلام). ان يلتحق امرؤٌ بالامام الحسين، وينتمي بكلِّ‌كيانه الی ركب الحسين، ويبذل مهجته دون الحسين... ذلك توفيقٌ فريد ناله الصادقون الصابرون، اهل البصائر وذوو الحظّ العظيم، اصابوه اختياراً، كما اخطاه الكثير اختياراً. وكان من اولئك الموفّقين: جنادة ُ بن الحرث المذحجيّ المراديّ الكوفيّ، احد مشاهير الشيعة في الكوفة... كان من اصحاب امير المؤمنين عليٍّ عليه السلام. بقي جنادة علی منهاج آل البيت النبويّ الشريف، يواليهم... ويناصرهم. حتّی اذا نهض مسلم بن عقيلٍ رضوان الله عليه في الكوفة، كان جنادة معه ومن مؤيديه، فلمّا راي الخذلان من اهل الكوفة، خرج ملتحقاً بالرّكب الحسينيّ القادم من مكبة... لكن كيف كان ذلك الالتحاق يا تری؟ لمّا استشهد قيس بن مسهر الصيداوي، علی يد الطاغية عبيد الله بن زياد في الكوفة، وقد اشار الی اصحابه قبل انّ الامام الحسين صار بمنطقة "الحاجِر"... خرج اليه: عمرو بن خالد الصّيداوي ومعه مولاه سعد، ومجمّع بن عبد الله العائذي ومعه ابنه عائذ، وجنادة بن الحرث المراديّ،... واتّبعهم غلامٌ لنافعِ بنِ هلال الجمليّ بفرسه المدعوّ ب (الكامل)، فجنّبوه، واخذوا دليلاً لهم يدعی (الطِّرِمّاح بنَ عَديّ الطائيّ)... كان هذا الليلُ قد قدم الی الكوفة يمتاز منها لاهله طعاماً، فخرج بهم علی طريقٍ متنكّبة وسار سيراً عنيفاً خوف الاعداء... وقد كان في علم هؤلاء انّ الطريق مرصودٌ بالعيون، فالاجواء تنتابها حالة ٌ من الترقّب والحذر والتربّص. حتّی اذا قاربوا الموضع الذي كان يسير فيه ابو عبد الله الحسين عليه السلام، حدا بهم الطرماح بن عديٍّ ناشداً: يا ناقتي لا تذعري من زجريوشمّري قبل طلوع الفجربخير ركبانٍ وخير سفرحتّی تحلّي بكريمٍِ النّجرِالماجد الحرّ رحيب الصدراتی به الله لخير امروفي رواية اخری يقول ذاكراً ركب الحسين عليه السلام: وامضي بنا قبل الطلوع الفجربخير ركبانٍ وخير سفرالسادة البيض الوجوه الزّهرالطاعنين بالرّماح السّمرالضاربين بالسّيوف التبر.... ثم يقول داعياً متوجهاً بخطابه الی الله تبارك وتعالی: يا مالك النّفع معاً والضّرايّد حسيناً سيّدي بالنّصرعلی الطّغاة من بغايا الكفرعلی اللّعينين سليلي صخريزيد لا زال حليف الخمر... انتهت القافلة الصغيرة الر مرادها في منطقة (عذيب الهجانات)، فسلّموا علی الامام الحسين، وانشدوه الابيات السابقة، فقال عليه السلام لهم: «امَ والله، انّي لارجو ان يكون خيراً ما اراد الله بنا... قُتِلْنا، او ظَفِرْنا». ثمّ سالهم عن راي الناس، فاخبروه انّ قلوبَ سائرِ الناس معه، وسيوفهم عليك. وكان جيش الحر الرياحي قد اراد اعتراض هؤلاء النّفر القادمين من الكوفة، معترضين عليهم انّهم لم ياتوا مع الامام الحسين عليه السلام، حتّی قال الحر: انا حابسهم، او رادّهم. فقال له الحسين عليه السلام مدافعاً عنهم: لامنعنهم مما امنع منه نفسي، انّما هؤلاء انصاري واعواني... هم اصحابي، وهم بمنزلة من جاء معي، فان تمّمت علی ما كان بيني وبينك، والّا ناجزتك! اي قاتلتك. فكفِّ الحرّ عنهم، وهم: عمرو بن خالد الصّيداوي ومولاه سعد، ومجمع بن عبد الله العائذي ّ وابنه حائذ، وجنادة بن الحرث. وفي رواية ِ ابي مِخْنَفْ انّ الحسين عليه السلام قال للحرّ: ألم تكن عاهدتني الّا تتعرّض لاحدٍ من اصحابي؟! فان كنت علی ما بيني وبينك، والّا نازلتك في ميدان الحرب! فكفّ عنهم الحرّ، ثم انّ الحسين سلام الله عليه استقبلهم. ولمبا كان يوم عاشوراء، واحتدم القتال... شدّ هؤلاء الاربعة: عمرو بن خالد الصّيداويّ، ومولاه سعد، ومجمّع العائذي، وجنادة بن الحرث... متقدّمين باسيافهم في اوّل القتال، فلمّا توغّلوا في الاعداء تعطّف عليهم القوم، فقاتل اولئك الاربعة في مكانٍ واحد، وقد حوصروا بين المئات، ثمّ اخذ عسكر عمرِ بن سعدٍ يحوزونهم... حتّی ابعدوهم وقطعوهم عن اصحاب الامام الحسين عليه السلام، فلمّا نظر ابو عبد الله الحسين ذلك، ندب اخاه العبّاس عليه السلام لينقذهم، فنهد اليهم، وحمل علی الاعداء وحده يضرب فيهم بسيفه قدماً حتّی مزّقهم، وانقذ اولئك الاربعة، فعادوا وقد جرحوا، فلمّا كانوا في اثناء الطريق الی المعسكر المام الحسين عليه السلام والعبّاس يتقدّمهم، التفتوا الی الاعداء فوجدوهم يتبعونهم ويلاحقونهم، وقد تدانوا منهم، يريدون قطع الطريق عليهم مرّةً اخری، فانسلّ اولئك الاربعة اصحاب الشهامة والشجاعة عن طريق عودتهم، وابوا الرجوع، فاقبلوا بسيوفهم يشدّون علی القوم شدّة رجلٍ واحد علی ما كان بهم من الجراح، فقاتلوا حتّی استشهدوا جميعاً في مكانٍ واحد. وعاد ابوالفضل العبّاس عليه السلام وحده فاخبر الحسين عليه السلام بذلك، فترحّم عليهم مكرّراً ذلك. امّا الامام المهديّ عجّل الله تعالی فرجه الشريف، فقد وجّه اليه سلامه في زيارته الشريفة للشهداء، والّتي يزارون بها في يوم عاشوراء. وامّا الشعراء، فقد رَثَوه، وكان من ذلك قول السِيّد رضا الهنديّ رحمه الله. فئةٌ... ان تعاور النقع ليلاًاطلعوا في سماه شهب الرماحواذا غنّت السيوف وطافتاكْؤُسُ الموت... وانتشی كلُّ صاحباعدوا بين قربهم والمواضيوجسوم الاعداء والارواح******* الحلاس والنعمان ابنا عمرو الازديّ الهجريّ - 27 2008-03-01 00:00:00 2008-03-01 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4026 http://arabic.irib.ir/programs/item/4026 قل الصحابة غير انّ قليلهم غير القليل. من معشرٍ ضربوا الخبافي مفرق المجد الاثيلوعصابةٌ... عقدت عصابة عزّهم كفّ الجليلآحادُ قومٍ يحطمون الجمع في اليوم المهولوردوا علی الظّما الردیورد الزّلال السّلسبيلوثووا علی الرّمضاء منكابٍ... ومنعفرٍ جديلالدنيا سفرةٌ نحو الآخرة، والحياة مدارج ونشآت، والانسان يدرج فيها منذ ان يخلق ولم يك شيئاً في تلك العوالم الاولی، حتّی يولد في هذه البسيطة، ثمّ يموت راحلاً عنها الی العوالم الاخری... متارجحاً بين النزعات، والاختيارات... والمواقف، والعواصف... يمتحن ويمضي، ويخسر او ينال، ويوفّق او يحبط! وهكذا يحدّد الانسان سمات حياته ومصائرها من خلال عقيدته وقيمه واخلاقه، ومبادئه ومواقفه. واصحاب الامام الحسين عليهم السلام، كان لهم توفيقٌ خاصّ اختاروه بمحض ارادتهم، عن ايمان راسخ، وبصيرةٍ نيّرةٍ واعية، وولاءٍ صادق، وضميرٍ غيور، ونفسٍ طيّعةٍ للحقّ عصيّةٍ علی الباطل، وروحٍ متطلّعةٍ الی مرضاة الله تعالی وهي منحصرةٌ يومها الجهاد، ومع سيّد الشهداء فحسب، وفي الشهادة بين يديه لا غير... فتقدّموا بروح التضحية والبسالة والفداء، وعرجوا ببركات الحسين السّبط الی مراقي الرفعة والرضوان والشرف والجنان، بعد ان لبّوا داعي الله، وتجهّزوا للسفر الی الله، بعد ان تحلّقوا حول وليّ الله... فوالوه ونصروه وفدوه. وكان فيهم اخوان مؤمنان؛ هما: الحلاس والنّعمان... ابنا عمرو الازديّ الراسبيّ، رضوان الله تعالی عليهما، فمن هما؟ الحلاس والنعمان ابنا عمرو الازديّ، رجلان من اهل الكوفة، كانا رحمهما الله من اصحاب امير المؤمنين عليّ بن ابي طالب عليه السلام. و كان الحلاس بن عمرو علی شرطة امير المؤمنين في الكوفة وقد ذكر انّ الحلاس واخاه النّعمان صارا بعد مدّة في الكوفة يفكّران في الخروج منها، حتّی حانت الفرصةُ لذلك، فخرجا معاً الی كربلاء. فما حدث بعد ذلك؟ ارسل الامام الحسين عليه السلام عمرو بن قرظة الانصاريَّ الی عمر بن سعدٍ يطلب الاجتماع به ليلاً بين المعسكرين في كربلاء، فكان اللّقاء، وساله الحسين: يا ابن سعد، اتقاتلني؟! اما تتّقي الله الذي اليه معادك؟! فانا ابن من علمت، الا تكون معي وتدع هؤلاء؛ فانّه اقرب الی الله تعالی. اعتذر سعدٌ حينها قائلاً: اخافُ ان تهدم داري. اجابه الحسين: انا ابنيها لك. طرح العذر الواهي الآخر: اخشی ان تؤخذ ضيعتي اي بستاني قال عليه السلام: انا اخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز. تقدّم عمر بالعذر الثالث: انّ لي بالكوفة عيالاً، واخاف عليهم من ابن زيادٍ القتل. فقام الحسين عندها يقول له: ما لك! ذبحك الله علی فراشك عاجلاً، ولا غفر الله لك يوم حشرك، فو الله اني لارجوا الّا تاكل من برّ العراق الّا يسيراً. وكانت العبارات الشريفة نبواءاتٍ في ادعيةٍ مستجابة، وقعت كلّها وحصلت بتفاصيلها، الّا انّ عمر بن سعد تخلّص من الحرج بقوله: في الشعير كفاية، اي عن برِّ العراق وحنطته. و كان من الامام الحسين صلوات الله عليه اقامةُ الحجج، وليس مجرّد احتجاجات، ولم يكن يطمع باحدٍ من القوم، وهو الذي انبا عن جدّه وابيه انّه الشهيد لا محالة، وصرّح بانه الراحل الی ربّه جلّ وعلا، وقد خطب في مكّة فقال: كانّي باوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلا... الا ومن كان فينا باذلاً مهجته، موطّناً علی لقاءِ الله نفسه، فليرحل معنا. وقال: الا ترون الی الحقّ لا يعمل به، والی الباطل لا يتناهي عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله؛ فانّي لا اری الموت الّا السّعادة، والحياة مع الظالمين الّا برما! وكان من مقولات سفره الشريف انّ من لحق بنا استشهد، ومن تخلّف لم يبلغ الفتح. حمل الامام الحسين عليه السلام في مسيره الی كربلاء حججاً الهيّة، وشروطاً امتحانياً، وخيّر من معه بعد ان جعلهم امام المحجّة البيضاء الناصعة، فقبل الحقّ من قبله مختاراً سعادة حظّه... ومنهم: الحلاس والنعمان ابنا عمرو الازديّ الهجريّ، والغريب انّهما كانا مع عمر بن سعد، اذ كمّا راياه يردّ شروط الامام الحسين ودعوته الحقّة، تحوّلا الی معسكر الحسين عليه السلام، اذ جاءاه ليلاً منضمّين الی جنده الفائزين فيمن جاؤوه ليبلغوا معه وببركته الفتح الالهيّ المبين. و ليس ذلك فحسب، فقد تقدّما للقتال بين يدي امامهما سيّد شباب اهل الجنّة ابي عبد الله الحسين يستاذنان، فاذن لهما، فقاتلا حتّی استشهدا في الحملة الاولی من معركة طفّ كربلاء، فكانا في عداد الشهداء السّعداء الذين يزارون في خطابهم بلسان حجة الله امام العصر وصاحب الامر، الحجّة المهديّ صلوات الله عليه: السّلام عليكم يا اولياء الله واحبّاءه، السّلام عليكم يا اصفياء الله واودّاءه. السّلام عليكم يا انصار دين الله وانصار نبيّه، وانصار امير المؤمنين، وانصار فاطمة سيّدة نساء العالمين. الُلام عليكم يا انصار ابي محمّد ٍ الحسن الوليّ النّاصح، السّلام عليكم يا انصار ابي عبد الله الحسين الشهيد المظلوم، صلوات الله عليهم اجمعين. بابي انتم وامّي، طبتم وطابت الارض الّتي فيها دفنتم، وفزتم والله فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا. يا ليتني كنت معكم فافوز معكم في الجنان، مع الشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا، والسّلام عليكم، ورحمة الله وبركاته. ******* جون بن حويّ -2 - 26 2008-02-16 00:00:00 2008-02-16 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3956 http://arabic.irib.ir/programs/item/3956 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والسلام على خاتم النبيين وأشرف المرسلين، المصطفى الهادي الامين، وعلى آله الهداة الميامين. من خلال رجال ٍ يُعرف معنى التوفيق، فرجل مثل جون، يُباع عبداً في سوق عكاظ، كيف يصبح شهيداً بين يديّ سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه؟! وإنسان مُكبَّل لم يذق طعم الحرية إلا بعد سنين بين كبراء المشركين، كيف يُتصوَّر أن يكون موضع اجلال أهل البيت النبويّ الشريف؟! وشخص يُحرم الكرامة الانسانية، كيف يوفق أن يعيش في ظلّ ابي ذر الغفاري، ثم أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، ثم الامام الحسن المجتبى عليه السلام، حتى يلتحق بسيد شباب اهل الجنة، الحسين بن عليّ ملتحقا ً بركبه الى كربلاء، ثم بركبه الى الجنان ودائم النَّعماء؟! إنه الاخلاص، وحبُّ آل الله عليهم السلام، وإنها دموع الولاء ذرفها على اولياء الله يوم استشهدوا، وإنه التسليم والطاعة لهم، فوُفق دون الكثير؛ ليكون ليكون مناصراً لإمام زمانه في ساعة المحنة، ومرجّحاً للقتل على النجاة بالنفس وقد أذن له الحسين صلوات الله عليه إذنا ً خاصّا ً بعد الاذن العامّ لجميع الاصحاب. في العاشر من المحرّم، نفد صبر عمر بن سعد من خطب الأمام الحسين عليه السلام وقد رآها توثر في عسكره، فخشي أن تهيمن خُطب أبي عبد الله على جيش عبيد الله بن زياد، فتعجّل الامر بأن رمى عسكر الحسين بسهم يُنذر ببدء القتال قائلاً: اشهدوا لي عند الامير (أي ابن زياد) أنّي أولّ من رمى. ثمّ رمى الناس، فلم يبق احد من أصحاب الامام الحسين عليه السلام إلا ّ أصابه سهم، فتساقط الكثير جرحى، فالتفت إليهم سيّد الشهداء يخاطبهم: قوموا رحمكم الله الى الموت الذي لابدّ منه؛ فإنّ هذه السهام رُسُل القوم اليكم. فحمل أصحاب الامام الحسين حملة رجل ٍ واحد، واقتتلوا على قلة عددهم - وهم عشرات - يواجهون جيشا ً جرّاراً في عشرات الآلاف... فما انجلت الغُبرة إلا ّ وخمسون شهيداً من أصحاب الامام الحسين مُطرَّحين على رمال طفّ كربلاء! لقد بان النقص في أصحاب الامام الحسين عليه السلام، فأخذ الباقون يبرزون واحداً واحداً، أو اثنين اثنين وخلال ذلك برز العبد الاسود (جونُ بنُ حويّ)، وهو يرتجز ويقول: كيف ترى الفُجّار ضرب الاسودبالمشرفيّ ِ القاطع المهنَّد ِ؟!بالسيف صلتاً عن بني محمّدأذبُّ عنهم باللسان ِ واليد ِأرجو بذاك الفوز عند الموردمن الاله الاحد ِ المُوحَّد ِإذْ لا شفيع عنده كأحمد ِوتقدم (جون)، فأحاط به الاعداء من كلّ جانب، فلم يُهن ذلك عزيمته، بل اندفع يقاتل قتال الابطال حتى قتل منهم خمسة وعشرين رجلاً، وقيل: اكثر من ذلك وقد أضناه الظمأ، وأجهدته المبارزة، وقد تعطّف عليه عشرات كالافواج، فحانت منه ضربة لئيمة كبا عنده فرسه، فوقع جون ـ وهو رجل كبير السنّ ـ على وجهه، فما كان من سيوف المنافقين ورماح الغادرين إلا ّ ان تنفذ في جسده، لينال مرضاة الله تعالى بهذه الشهادة المُشرِّفة، وليحظى بأقبال الامام الحسين عليه، فيقف عنده، ويدعو له من قلب صاحب رأفة وحنان: اللهمَّ بيّضْ وجهه، وطيّبْ ريحه، واحشره مع محمّد ٍ صلى الله عليه وآله، وعرّفْ بينه وبين آل محمدٍ عليه السلام. أجل وماذا يُظنُّ بدعاء مترقرق ٍ من صدر الاسرار الالهية، ومن لسان ٍ زاك ٍ لإمام هو سيّد شباب اهل الجنة؟! أيُظنُّ غير القبول والاستجابة؟! كلاّ فقد شهد الرواة أنّ كلّ من مرّ بالمعركة بعد انتهائها، كان يشُمّ من (جون) رائحة أذكى وأزكى من المسْك. وتلك حقيقة قول الحسين صلوات الله عليه (طيّبْ ريحه). وقد طيب الله تعالى ريح تلك الابدان الزاكية، كما طيّب أرواحها، وكان لجون شأن خاصّ، فهو احد من رثاهم الحسين سلام الله عليه ودعا لهم، وهو أحد من مشى إليهم الحسين وأقبل إليهم، فما سقط جون حتى اسرع إليه أبو عبد الله فأبّنه وحزن عليه، وأيُّ شرف ٍ ذلك لجون. ثم انّ الامام المهدي عجلّ الله فرجه الشريف يزوره في جملة شهداء كربلاء، وفي زيارته يخصّه بهذا السلام: (السلام على جون بن حويّ، مولى ابي ذرّ الغفاريّ). ثم يكون لجون ـ بعد ذلك الرقّ ـ شأن عظيم، حين يكون قبره مع الشهداء الى جانب قبر سيّد الشهداء ابي عبد الله الحسين عليه السلام، يُزار ويُسلم عليه بزيارات ائمة اهل البيت وسلامهم... ويُكتب عنه الكثير في المقاتل والسير، وكتب الرجال، ويُرثى في النثر والشعر، وكان فيما قيل فيه هذه الابيات للشيخ محمدّ السماوي ّ: خليليّ ماذا في ثرى الطفِّ فانظراأجونة ُ طيب ٍ تبعث المسْك أم جونَ؟!ومن ذا الذي يدعو الحسين لأجلهأذلك جون ... أم قرابته عَونُ ؟!لئن كان عبدا ً قبلها فلقد زكا الـنجارُوطاب الريح وازْدهَرََ اللونُوأخيراً مما نقله الشهيد السيّد جواد شبر صاحب موسوعة (أدب الطفّ) أنّ هناك طائفة من الزنوج في امريكا، تُقيم كلّ عام في شهر محرّم الحرام حفلاً تأبينياً إحياء ً لذكرى (جون) شهيد كربلاء، مفتخرين انه زنجياً خرج مع أبي الاحرار، وجاهد بلسانه وسيفه، حتى امتزج دمه الاسود مع دماء الاحرار في معرّف الطفّ العظمى، وكأنه أولئك الزنوج يستنشقون المسك الفوّاح من جسد صاحبهم (جون)… وكأنّ قبر جون أصبح في قلب كلِّ زنْجيّ ٍ أبيّ يطالب بالحرية والكرامة. ******* جون بن حويّ -1 - 25 2008-02-14 00:00:00 2008-02-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3955 http://arabic.irib.ir/programs/item/3955 بسم الله، والحمد لله، وأزكى الصلاة والسلام على حبيب الله، المصطفى محمد ٍ وعلى آله أولياء الله. إنّ مما اذهل المؤرخين أسرار النهضة الحسينية الشريفة، فهي عجيبة وغريبة، كما كانت مصيبة الامام الحسين عجيبة وغريبة؛ فقد حام حول الامام الحسين اليبط صلوات الله عليه ذوو القربى والاصحاب، الكهول والفتيان، الرجال والنساء، الاحرار والعبيد. كل يرى في ابا عبد الله الحسين إماماً وأباً رؤوفاً رحيماً، لا يريد بالناس الا الخير والحقَّ والفضيلة والسعادة، جاءهم بالمحبة والمحجّة معاً، ليهديهم وينقذهم، ويخرجهم من ظلمات الفتن الى انوار البصيرة والمعرفة. وكان لا بد من موقف حازم، ووقفة شجاعة، ولكمة حق في وجه إمام جائر... وكان لذلك سيّد شباب اهل الجنة... الحسين بن عليّ، فقام لله، ولبّى دعوته الحقة رجال صدقوا، فجاهدوا معه واستشهدوا... كان من بينهم (جون)، وما ادرانا من (جون)! هو جون بن حويّ، كان عبدا ً مملوكا ً اشتراه الامام أمير المؤمنين عليه السلام ثم وهبه للصحابي أبي ذرّ ٍ الغفاريّ، وبعد وفاة ابي ذر رضوان الله عليه رجع جون الى الامام الحسن المجتبى عليه السلام. في (ذخيرة الدارين) قال الفتونيّ: كان جون منظما ً إلى اهل البيت عليهم السلام بعد ابي ذر رضي الله عنه، فكان مع الحسن بن عليّ، ثم انضم الى الحسين، وصحبه في سفره الى مكة ثم الى العراق. وفي (شُعب المقال) كتب ابو القاسم النراقيّ: جون مولى ابي ذرّ، ومن حواريي الامام الحسين عليه السلام، قُتل في كربلاء. أما في كتابه (حياة الامام الحسين عليه السلام) فقد كتب الشيخ باقر شريف القرشيّ مُعرّفا ً: جون... من أفذاذ الاسلام، كان شيخاً كبيراً قد أترعت نفسه الشريفة بالتقوى والايمان. من منّا لم يعرف أبا ذر الغفاريّ، المتفاني في حب أهل البيت عليهم السلام؛ إذا كان معتقداً أنّ وجودهم هو وجود الاسلام، فروى هذا الصحابي الجليل عن رسول الله صلى الله عليه وآله عيون الروايات في فضائلهم صلوات الله عليهم. من ذلك ما نقله عنه أبو رافع مولى ابي ذر، قال: صعد ابو ذر ّ على درجة الكعبة حتى أخذ بحلقة الباب، ثم اسند ظهره الى الباب فقال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن انكرني فأنا ابو ذرّ... سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (أنما مثل أهل بيتي في هذه الامة كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تركها هلك). وسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (إجعلوا أهل بيتي منكم مكان الرأس من الجسد، ومكان العينين من الرأس؛ فإنّ الجسد لا يهتدي إلا ّ بالرأس، ولايهتدي الرأس إلا ّبالعينين). أجل هكذا نقل أبو ذرّ، وأراد أن يفهم الناس أهمية الامامة ومن هو أهل لها، وماذا يترتب على الامة من تكاليف مع الامام الحقّ، ومن أوجب الله حُبَّهم ومودّتهم، وطاعتهم والاقتداء بهم. نعم، وقد ورّث أبو ذر رحمه الله مولاه (جون) حُب آل محمد صلوات الله عليه وعليهم، ووجوب نصرتهم والدفاع عنهم، فأكرم به من إرثٍ وميراث. التحق جون مولى ابي ذرّ الغفاريّ بالركب الحسينيّ، وسمع من الامام الحسين عليه السلام إذنين بالانصراف عن كربلاء: الاول: عامُّ للاصحاب، قائلا ً لهم: (انطلقوا جميعا ً في حل ّ، ليس عليكم مني ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا)، فأبى الاصحاب جميعا ً، وتقدموا مقبلين على الشهادة. والاذن الثاني: الذي سمعه (جون) كان إذنا ً خاصا ً لبعض الاصحاب، ووجَّه الامام الحسين عليه السلام اليهم على وجه التعيين، كان منهم جون نفسه، حيث خاطبه الامام ابو عبد الله الحسين سلام الله عليه قائلا ً له: (أنت في إذن ٍ مني؛ فإنما تبعتنا طلبا ً للعافية، فلا تبتل ِ بطريقنا)، وتلك هي الشفقة الحسينية الحيمة... لكن، ماذا ـ يا ترى ـ كان قد أجاب جون به إمامه؟! صحيح أن (جون) كان مملوكا ً، لكنه كان مملوكا ً لإمام الرحمة، وقد عاش في ظله فتلقى معرفة وهدىً وبصيرة، وتعلق به، فأبى ضميره ألا ّ يفي لإمامه وقد تنعّم بصحبته، فلما إذِن له الامام الحسين عليه السلام بالانصراف، ماكان من (جون) إلا ّ أن قال يخاطبه بلهجة التوسل: يا ابن رسول الله، أنا في الرخاء ألحسُ قصاعكم، وفي الشدة أخذلكم؟! والله إنّ ريحي لنتن، وإنّ حسبي للئيم، ولوني لأسود، فتنفَّس عليَّ بالجنّة؛ فتطيب ريحي، ويشرف حسبي، ويبيضَّ وجهي ... لا والله لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الاسود مع دمائكم. إنه العزم والوفاء معاً، والنُصرة وعرفان الجميل معاً، والطمع في الكون مع آل محمد صلوات الله عليهم ... حتى في ساحات الوغى والحتوف. «الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ». (سورة الرعد، 29). ******* عبد الله بن عُمير الكلبيُّ العُليميّ - 24 2008-02-13 00:00:00 2008-02-13 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3954 http://arabic.irib.ir/programs/item/3954 وردوا على الظمأ الفرات ودُونهالبيض القواطع والرماح الشرَّعُأسد تـُدافع عن حقائق أحمد ٍوالحرب من لجج الدِّما تتدفعُحفظوا وصية أحمد في آلهطوبى لهم! حفظوا بهم ما استودعواواستقبلوا بيض الصفاح، وعانقواسُمر الرماح... وبالقلوب تدرّعوافكأنما لهم الرماح عرائستـُهدى... وهم فيها هيام وُلَّعُيمشون في ظلل القنا لم يثنهمْوقع القنا والبيض حتى صُرِّعوافدماؤهم للسَّمهرية منهلونحورهم للمشرفيّة مرتعُوجسوهم بالغاضرية خُشَّعُورؤوسُهُم فوق الاسنّة ِ ُترفعُ!من شهداء كربلاء ومن نالوا شرف الصحبة مع الامام الحسين عليه السلام والتضحية بين يديه... الشهيد عبد الله بن عُمير الكلبيُّ العُليميّ، من بني عُليم فخذ من جناب، وهم بطن من قبيلة كلب... وكنيته ابو وهب. كان عبد الله بن عُعير فارع الطول، شديد الساعدين، بعيد ما بين المنكبين، وكان بطلاً شجاعاً، شريفاً في قومه، مجرباً. نزل الكوفة، واتخذ داراً عند بئر الجعد من همدان، فنزلها ومعه زوجته المؤمنة (امُّ وهب) بنت عبد، من بني النَّمر بن قاسط. وفي يوم من الايام رأى عبد الله بن عُمير الكلبيّ قوماً بالنُّخيلة يُعرضون، فسأل عنهم، فقيل له: يُسرَّحون الى الحسين ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله (اي يذهبون لقتاله)، فقال عبد الله هذا: والله لقد كنت على جهاد أهل الشرك حريصاً، وإنيّ لأرجو أن لايكون جهاد هؤلاء الذين يغزون ابن بنت نبيّهم أيسر ثوابا ً عند الله من ثوابه إياي في جهاد المشركين. ثم دخل عبد الله بن عُمير الى أمرأته فأخبرها بما سمع، وأعلمها بما يُريد، فقالت له وهي ذات النُّبل والنجابة: أصبت أصاب الله بك أرشد أمورك، إفعل وإخرجني معك. فخرج عبد الله بامرأته ليلاً... حتى اتي الحسين عليه السلام، ملتحقا بركبه السماويّ الى حيث كربلاء. كان اليوم العاشر من المحرّم، وقد التهبت صحراء كربلاء، وشُحذت الهمم للنزال والجدال والقتال!، والامام الحسين صلوات الله عليه مُعدّ نفسه المقدسة واهل بيته النجباء، وأصحابه الابرار الاوفياء، الى رحلة شريفة نحو اسمى مراقي مرضاة الله تبارك وتعالى. دنا عمر بن سعد يتأبط شراً، فسدد قوس الفتنة، ورمى سهم الخبث، فرمى الناس بعده، وخرج يسار مولى زياد ابن ابيه وسالم مولى عبيد الله بن زياد بن ابيه، فصاحا في ساحة المعركة: من يُبارز؟ ليخرج إلينا بعضكم. فوثبت النخوة الغيورة في الاصحاب، وخرج حبيب بن مظاهر على كهولته الجليلة، وبُرير بن خُضير على حماسه الوثاب، فقال لهما الامام الحسين عليه السلام: إجلسا. فقام عبد الله بن عمير الكلبيّ قائلاً: يا ابا عبد الله، رحمك الله، إأذنْ لي لأخرج اليهما. فرأى الامام الحسين فيه رجلاً طويلاً شديد الساعدين، بعيد المنكبين، فقال: إنيّ لأحسبه للأقران قتالاً، أخرج إن شئت. فخرج عبد الله بن عمير ليسار وسالم، فسألاه: من انت؟! فانتسب لهما، فأنكرا عليه قائلين: لا نعرفك، ليخرج إلينا زهير أو برير! وكان يسار مولى زياد قريبا من عبد الله، فقال له عبد الله يستفزَّه للقتال: وبك رغبة عن مبارزة أحد ٍ من الناس؟! أويخرج اليك أحد من الناس إلا ّ وهو خير منك؟! ثم شدّ عبد الله بن عُمير على يسار ٍ يضربه بسيفه، وبينما هو مشتغل به إذ شدّ سالم مولى عبيد الله بن زياد على عبد الله، فصاح أصحاب الحسين بعبد الله: قد رهقك العبد! فلم يأبه عبد الله بن عُمير حتى ضربه سالم بالسيف، فاتقاها عبد الله بيده اليُسرى فقُطعت أصابعه. ثم مال عبد الله على سالم فضربه حتى أرداه قتيلا بعد أن غشي يسارا ً وقتله.. ثم أقبل عبد الله بن عمير على امامه الحسين عليه السلام فخورا ً يرتجز: إنيّ امرؤ ذو مِرّة ٍ وعَضبولست بالخوّار عند الحرب ِإني زعيم لك ِ أم ُّ وَهْب ِبالطعن فيهم مُقدماً والضَّربِسمعت (ام وهب) ورأت ما كان من زوجها الشَّهم، فهاجت فيها الغيرة حتى اخذت عموداً فأقبلت نحو زوجها عبد الله بن عمير الكلبي تقول له: فداك ابي وأمي، قاتل دون الطيبيّن من ذرية محمدّ صلى الله عليه وآله. فأراد زوجها أن يردها فأبت الحرّة النجيبة، وأخذت بثوبه تمسكه وهي تقول له وقد تعلقت به: لن أدعك دون ان أقتل معك. هذا وعبد الله ممسك سيفه بيمينه، ويساره مقطوعة أصابعها، فلم يستطع ردَّ زوجته الى خيمتها، حتى اتاها الامام الحسين عليه السلام يقول لها: جُزيتم عن أهل بيت نبيّكم خيراً، إرجعي (رحمك الله) الى النساء فاجلسي معهنَّ؛ فإنّه ليس على النساء قتال. فانصرفت اليهن ّ. وحمي وطيس المعركة، فحمل عمرو بن الحجاج على ميمنة أصحاب الحسين فيمن كانوا من أهل الكوفة، فردَّهم أصحاب الحسين بأن شرعوا الرماح في وجوههم، فلم تقدم خيل عمرو بن الحجاج نحوهم. ثم لما رجعت الخيل، سدد أصحاب الحسين سهامهم نحو المتخاذلين من جند عمر بن سعد فأردوا جماعة منهم، وجرحوا آخرين. وحمل شمر بن ذي الجوشن على ميسرة معسكر الحسين عليه السلام فثبت الاصحاب وطاعنوا، وقد قاتل عبد الله بن عمير الكلبي ـ وكان على الميسرة ـ قتال الابطال حتى قتل رجالاً، فحمل عليه هاني بن ثبيت الحضرميّ وبُكير بن حُييّ التيميّ فقتلاه، وما قتلاه وقد خصّه الامام المهدي عليه السلام بسلامه في زيارته الشريفة للشهداء، يقول فيها: "السلام على عبد الله بن عُمير الكلبيّ". ******* بشر الحضرمي وتقديم نصرة الله على النفس والأهل - 23 2008-02-12 00:00:00 2008-02-12 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3953 http://arabic.irib.ir/programs/item/3953 بأبي أفدي وجوها منهمصافحوا في كربلا فيها الصفاحاأوجهاً يُشرقن بشراً كلماكلح العام... ويقطرنَ سماحاتتجلى تحت ظلماء الوغىكالمصابيح التماعاً... والتماحاأرخصوا دون ابن بنت المصطفىانفاسا تاقت الى الله رواحافقضوا صبراً... ومن أعطافهمأرج العزّ بثوب الدهر فاحالم تذق ماءً سوى منبعث ٍِمن دم القلب به غصّتْ جراحاً!من الشهداء الذين نالوا العزَّ والفخر، والشرف والكرامة: بشرُ بن عمرو بن الاحدوث الحضرميُّ الكِنديّ... أو هو: بِشر بن عمر الحضرمي ـ كما ورد اسمه في الزيارة الرجبية الشريفة، وتردَّد بعض الرجاليين فيه بين اسم: بِشر وبشير، والظاهر هو نفسه لاتّحاد الاخبار فيه ( رضوان الله عليه). كان هذا الرجل تابعياً، وله اولاد معروفون بالمغازي ـ كما يذكر الطبري في تاريخه -. وقد جاء بشر الحضرمي الى الامام الحسين عليه السلام أيام المهادنة، فالتحق بالركب الحسيني؛ ليجاهد بين يدي سيّد الشهداء ابي عبد الله، سيد شباب اهل الجنة صلوات الله عليه. وكان لبشر ـ كأصحاب الحسين ـ مواقفه المشرّفة، وثباته وعزمه على نصرة إمام زمانه... فلما جمع الامام الحسين أصحابه قبيل ليلة عاشوراء، قال لهم: (هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً... ذروني وهؤلاء القوم؛ فإنهم لايريدون غيري...)، ما كان من الاصحاب إلا ّ الاصرار على الشهادة بين يدي سيّد الشهداء سلام الله عليه، وكان من اعلانهم النصرة الصادقة قول زهير بن القين: والله وددت أنيّ قُتلتُ ثم نُشِرت. ثم قُتلت: حتى أُقتل كذا الف مرة، وانّ الله عزوجلّ يدفع بذلك القتل عن نفسك ـ يا ابا عبد الله ـ وعن أنفس هؤلاء الفتيان من اهل بيتك. وتكلم باقي الاصحاب بما يشبه بعضه بعضا، فجزاهم الحسين خيراً. وهنا ماذا كان موقف بشر الحضرمي يا تُرى؟ الى ذلك.. بعد هذه الوقفة القصيرة. في الاثناء، قيل لبشر الحضرميّ: إنّ ابنك عمراً قد أ ُسِرَ بثغر الريّ، فقال: عند الله أحتسبه ونفسي، ماكنت أ ُحبّ أن يؤسر وأنا ابقى بعده. فسمع الامام الحسين مقالة بشر الحضرمي فقال له: رحمك الله، أنت في حل ٍّ من بيعتي، فاذهب واعمل على فكاك ولدك. فأجاب بشر إمامه بقوله: لا والله لا أفعل ذلك، أكلتني السِّباع حيا ً إنْ فارقتك يا ابا عبد الله. فقال له الامام الحسين صلوات ربنا عليه: (إذاً أعطِ لابنك هذه الاثواب الخمسة ليعمل في فكاك اخيك). نعم، إذ كان لبشر ابن آخر كان معه في كربلاء، وفي رواية ابن طاووس في (الملهوف على قتلى الطفوف): قال عليه السلام لبشر: (فأعط ابنك هذه الاثواب البرودَ يستعين بها في فداء اخيه. فأعطاه عليه السلام خمسة اثواب قيمتها الف دينار). ونقرأ في زيارة الامام المهدي صلوات الله عليه وعلى آبائه لشهداء الطفّ هذه الفقرة الشريفة، وهو يتوجه إلى هذا الشهيد الشهم فيقول: (السلام على بشر بن عمر الحضرميّ، شكر الله قولك للحسين - وقد أذنَ لك في الانصراف ـ: أكلتني السِّباع حيا ً إن فارقتك، وأسأل ُ عنك الرُّكبان، وأخذُلكَ مع قلة الاعوان، لا يكون هذا ابداً). وكان يوم عاشوراء فتقدم عمر بن سعد يحمل سهم الفتنة، فرمى به نحو معسكر الحسين عليه السلام قائلاً: إشهدوا لي عند الامير أنيّ أوّل من رمى! ثم رمى أصحابه... فأقبلت السهام من جهتهم نحو الحسين وأصحابه كأنها المطر، فلم يبق أحد ألا ّ أصابه سهم من سهامهم، فنادى الامام الحسين بأصحابه: قوموا (رحمكم الله) الى الموت الذي لابدّ منه؛ فإنّ هذه السهام رُسُلُ القوم اليكم! قال المؤرخ المعروف ( ابو مخنف): وحمل القوم بعضهم على بعض، واشتد بينهم القتال.. فصبر لهم الحسين عليه السلام وأصحابه... حتى انتصف النهار. وكتب الشيخ المجلسي في (بحار الانوار): ثمّ حمل شمر بن ذي الجوشن في الميسرة، فثبتوا له، وقاتلهم اصحاب الحسين قتالاً شديداً، وإنما أصحاب الحسين اثنان وثلاثون فارساً، فلا يحملون على جانب مناهل الكوفة إلا ّ كشفوهم... وقاتلوهم حتى انتصف النهار. وفي (الارشاد) كتب الشيخ المفيد: وحمل عمرو بن الحجاج على ميمنة اصحاب الحسين عليه السلام فيمن كان معه من أهل الكوفة، فلمّا دنا عمرو جثا أصحاب الحسين على الرُّكب، وأسرعوا بالرماح نحوهم، فلم تقدِم خيل عمرو بن الحجاج على الرماح، فذهبت الخيل راجعة، وإذا بأصحاب الحسين يرشقونهم بالسهام، فصرعوا منهم رجالاً، وجرحوا منهم آخرين. واشتد القتال... ولم يقدر أصحاب عمر بن سعد أن يأتوا عسكر الامام الحسين عليه السلام إلا ّ من جانب واحد؛ لاجتماع الخيام وتقاربها، فارسل عمر رجالا ً ليُقوّضوا خيام الحسين ويُحيطوا بها فأخذ الثلاثة والاربعة من أصحاب الحسين عليه السلام يتخللون الخيام فيشدّون على الرجل المتسلل فيرمونه عن قرب فيصرعونه. فلما عمر بن سعد ذلك، صاح بأصحابه: إحرقوا الخيام بالنار! إلا أنّ الامام الحسين عليه السلام قال لاصحابه: دعوهم يُحرقوها؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك لم يجوزوا اليكم. فكان كما قال(ع). أما بشر الحضرميّ فيذكر ابن شهْر آشوب المازندرانيُّ أنه قُتل في الحملة الاولى. وقيل: كان بشر أحد آخر رجلين بقيا من أصحاب الامام الحسين عليه السلام قبل ان يقع القتل في بني هاشم هو وسويدُ بن عمرو بن أبي المطاع. فسلام على بشر ٍ في الشهداء الطيبين والاصحاب الاوفياء المخلصين والمؤمنين الصالحين. ******* سعيد الحنفي درع الحسين - 22 2008-02-10 00:00:00 2008-02-10 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3952 http://arabic.irib.ir/programs/item/3952 السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى اولاد الحسين، وعلى اصحاب الحسين. قال الله تعالى: «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ» (سورة العنكبوت، 69). يتفرع الجهاد على: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس الامارة بالسوء... وإنما يهدي الله جلّ وعلا الى سبله من كانت مجاهدته عن ايمان بالله، وأئتمار بأوامر الله، وانتهاء عن نواهي الله عزّ وجلّ. وأما سبل الله تبارك شأنه، فهي الطرق المقربة منه، والهادية اليه تعالى. وإذا كانت نفس المجاهدة من الهداية، كانت الهداية الى السبل هداية على هداية، فتنطبق على مثل قوله تبارك وتعالى: «وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ» (سورة محمد(ص)، 17). وفي ظل الاية الشريفة: «وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا» قال الامام أبو جعفر الباقر عليه السلام: (هذه الاية لآل محمد عليهم السلام ولأشياعهم). والحسين الشهيد هو احد السبل المباركة الى الله جلّ جلاله وإلى رضوانه، به اهتدى الناس الى الحق والخير والفضيلة، وحسن العاقبة لا سيما من والوه وأطاعوه، وفدوا انفسهم في نصرته، ومنهم الشهيد السعيد سعيد بن عبد الله الحنفيّ، فلنتعرّف على مواقفه. يقرب مساء عاشوراء... فيجمع الامام الحسين عليه السلام أصحابه ويخطب فيهم، فيكون من كلامه معهم صلوات الله عليه: (قد أخبرني جدي رسول الله صلى الله عليه وآله بأني سأساق الى العراق، فأنزل أرضا ً يُقال لها (عموراء)، و(كربلاء)، وفيها استشهد، وقد قرب الموعد! ألا وأني اظن يومنا من هؤلاء الاعداء غداً، وإنيّ قد اذنت لكم، فانطلقول جميعا ً في حلٍّ ليس عليكم مني ذمام، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا). وهنا هاجت نخوة بني هاشم، فأبوا الا الشهادة دون امامهم وسيدهم ابي عبد الله الحسين، وقالوا مقالتهم الغيورة، بدأهم بها ابو الفضل العباس بن عليّ عليهما السلام، ثم تابعه الهاشميون. وقام بعدهم الاصحاب فعرضوا اخلاصهم وفداءهم عاى نحو ٍ من الغيرة والشهامة والاباء... فتكلم مسلم بن عوسجة، ززهير بن القين، وعدد من الاصحاب، فجزاهم الحسين خيراً... وكان ممن قام متكلما ً في ذلك الموقف موقف النُّصرة: سعيد بن عبد الله الحنفيِّ، إذ قال يُخاطب إمامه ويُفدّيه: والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسوله فيك، أما والله لو علمت انيّ أقتل ثم احيا، ثم أحرق حيّا، ثم أُذرى... يُفعل بي ذلك سبعبن مرة، لما فارقتك حتى القي حمامي دونك، وكيف لاافعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها ابداً. ويقترب وقت تازوال من ظهيرة عاشوراء... فيقوم سيد شباب اهل الجنة الى الصلاة، فيصلي بمن بقي من أصحابه صلاة الخوف، كما امر الله تبارك وتعالى في قوله عزّ من قائل: «وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ...» (سورة النساء، 102). وتقدم امام سيد الشهداء ابي عبد الله الحسين عليه السلام: زهير بن القين، وسعيد بن عبد الله الحنفي... وكان لسعيد هذا موقفه الشهم الغيور، حيث جعل نفسه الطيبة درعاً وترساً لإمامه يصدّ به عنه ما يرد من سهام الاعداء الغدرة: بابي من شروا لقاء حسينبفراق النفوس والارواح ِوقفوا يدرأون سمر العواليعنه والنبل وقفة الاشباحفوقوه بيض الظبى بالنحورالبيض... والنبل بالوجوه الصباح ِادركوا بالحسين اكبر عيدٍفغدوا في منى الطفوف اضاحيقال أبو مخنف في (مقتل الحسين): لما صلى الحسين عليه السلام الظهر صلاة الخوف، اقتتلوا بعد الظهر فاشتد القتال، ولما قرب الاعداء من الحسين وهو قائم بمكانه، تقدم سعيد الحنفي أمام الحسين، فأصبح هدفا ً لمرمى الاعداء يُصيبونه رشقاً بالنبال من اليمين ومن الشمال، وسعيد قائم بين يدي الحسين عليه السلام يقيه السهام: طوراً بوجهه، وطوراً بصدره، وطوراً بيده، وطوراً بجبينه... فلم يكد يصل الى الامام الحسين عليه السلام سهم. ولما أُثخن سعيد بالجراح... هوى الى الارض وهو يقول يدعو على الاعداء: اللهم العنهم لعن عاد وثمود، وابلغ نبيك منيّ السلام، وابلغه ما لقيت من الم الجراح؛ فإني اردت بذلك ثواباً في نصرة ذرية نبيك صلى الله عليه وآله. ثم التفت سعيد الى الامام الحسين يسأله: أوفيت يا بن رسول الله؟ فأجابه عليه السلام: نعم، أنت أمامي في الجنة. ثم قضي سعيد بن عبد الله الحنفيّ نحبه، واضت روحه الطيبة رضوان الله عليه وقد وُجد في بدنه ثلاثة عشر سهما ً، وفيه يقول الشاعر يرثيه: سعيد بن عبد الله لا تنسينَّهُولا الحُرَّ إذا آسى زهيرا على قسر ِفلو وقفت صمم الجبال مكانهملمارتْ على سهل ودُكتْ على وعرفمن قائم يستعرض النبل وجههومن مُقدم يلقى الاسنة بالصدر ِويحظى سعيد بن عبد الله الحنفيّ رضوان الله عليه بذلك الشرف الاسمى، حيث يُستشهد دفاعا ً عن حجة الله وبين يديه، بعد أن يُفديه بنفسه حين صدّ بوجهه وبدنه ويديه كلَّ ما يرد من العدوّ من سوء، يمنع بذلك ان يصيب إمامه شيء من ذلك. ويتعاقب المزيد من الشرف على هذا الشهيد، فيُدفن عند سيد الشهداء صلوات الله عليه في جملة شهداء كربلاء، فيقف على قبره وليّ الله الامام المهدي المنتظر صلوات ربنا عليه فيخصُّه بسلامه الشريف في ضمن زيارته للشهداء، ويؤبنه قائلاً: «السلام على سعيد بن عبد الله الحنفيّ، القائل للحسين - وقد أذن له في الانصراف-: لا والله لا نُخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله صلى الله عليه وآله فيك، والله لو أعلم أنيّ أُقتل ثم أُحيا، ثمّ أحرقُ ثم أُذرى، ويُفعل ذلك بي سبعين مرةً ما فارقتك حتى القى حمامي دونك... فلقد لقيت حمامك، وواسي امامك ولقيت من الله الكرامة في دار المقام، حشرنا الله معكم في المستشهدين، ورزقنا مرافقتكم في أعلى علييّن». ******* سعيد الحنفي والشجاعة والعبادة - 21 2008-02-09 00:00:00 2008-02-09 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3951 http://arabic.irib.ir/programs/item/3951 مررت على قبرالحسين بكربلاففاض عليه من دموعي غزيرهاومازلت ابكيه وارثي لشجوهِويسعد عيني دمعها وزفيرهاوناديت من حول الحسين عصائبااطافت به من جانبيه قبورهاسلام على اهل القبور بكربلاوقل لها مني سلام يزورهاسلام بآصال العشي وبالضحىتؤديه نكباء الرياح ومورهاولا برح الزوّار زوّار قبرهيفوح عليهم مسكها وعبيرهاكان من وجوه الشيعة بالكوفة، وذوي الشجاعة والعبادة فيهم، رجل يُدعى "سعيد بن عبد الله الحنفيّ" من بكر بن وائل، عدنانيّ من عرب الشمال. وكان من وثاقته وولائه أن اصبح أحد الرسل الذين حملوا رسائل الكوفيين الى الامام الحسين عليه السلام يستقدمونه الى الكوفة إماما ً عليهم. قال اهل السِّير: لما ورد خبر هلاك معاوية، اجتمعت الشيعة في الكوفة فكتبوا الى الحسين عليه السلام: أولاً: مع عبد الله بن وائل وعبد الله بن سبع. وثانياً: مع قيس بن مسهر وعبد الرحمان بن عبد الله. وثالثاً: مع سعيد بن عبد الله الحنفيّ وهاني ابن هانيّ. وكان الكتاب الذي حمله سعيد بن عبد الله هو: من شيث بن ربعيّ، وحجّار بن أبجر، ويزيد بن الحارث، ويزيد بن رُويم، وغيرهم... وصورة الكتاب هذا: (أما بعد، فقد اخضّر الجناب، واينعت الثمار، فإذا شيءت فأقدم على جند لك مجندَّة). فأعاد الامام الحسين عليه السلام سعيد بن عبد الله وهاني بن هاني من من مكّة الى الكوفة بكتاب هذه صورته: بسم الله الرحمن الرحيم«أما بعد، فإنّ سعيداً وهانيا ً قدما عليَّ بكتبكم، وكانا آخر من قدم عليَّ من رسلكم، وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم، ومقالة جلكم أنه ليس علينا امام؛ فأقبل لعل الله يجمعنا بك على الهدى والحق. وقد بعثت اليكم أخي وابن عميّ، وثقتي من اهل بيتي، (مسلم بن عقيل)، وأمرته ان يكتب اليّ بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن بعث إليّ أنه قد أجمع ملؤكم وذوو الفضل والحجى منككم على مثل ما قدمت به عليَّ رسلكم، وقرأت كتبكم، أقدِم وشيكا ً إن شاء الله تعالى. فلعمري ما الامام إلا ّ العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحق، والحابس نفسه على ذات الله، والسلام». ثم ان الحسين صلوات الله عليه أرسل سعيد بن عبد الله الحنفي، وهاني بن هاني قبل مسلم بن عقيل، وسرّح مسلما ً بعدها مع قيس بن مسهر وعبد الرحمان بن عبد الله... حتى إذا حضر مسلم بن عقيل في الكوفة ونزل دار المختار الثقفي، خطب الناس عابس الشاكري.. ثم حبيب بن مظاهر، ثم خطب سعيد بن عبد الله الحنفيّ بعدهما، فحلفَ أنه موطّن نفسه على نصرة الامام الحسين سلام الله عليه، ثم بعث مسلم بن عقيل سعيد بن عبد الله بكتاب ٍ الى الحسين، فأبلغه سعيد وقد التقى بمولاه سيد شباب اهل الجنة أبي عبد الله الحسين صلوات الله عليه، وسلمه كتاب مسلم و وبقي معه حتى ورود كربلاء. إنّ الصدق في كلّ شيء كان احد سجايا أهل البيت عليهم السلام، فكانوا مع الله صادقين، ومع انفسهم كذا كانوا صادقين، ومع الناس كذلك كانوا صادقين، بل كانوا هم المصداق الاتم للصدق؛ لذا دعا الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين لأن ينظموا اليهم بالولاء والاتباع، وأن يُلازموا معيّتهم لينجوا، فقال عز من قائل: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ» (سورة التوبة، 119). وكانت نهضة سيد الشهداء عليه السلام صادقة ايضاً، في جميع ابعادها، وفي جميع اهدافها ومقاصدها، في جميع خطبها ومواقفها، مع انصارها ومع أعدائها وخصومها.. فلم يتحرك الامام الحسين عليه السلام من مدينة جده المصطفى صلى الله عليه وآله أعلن مسيرته الالهية، وكشف عن مصيره ومصير من معه: شاء الله ان يراني قتيلا ً، ويرى النساء سبايا. هذا ما قاله لاخيه محمد بن الحنفيّة، أما لام المؤمنين أم سلمة رضوان الله عليها، فقد قال: إنيّ أعلم اليوم الذي أقتل فيه، والساعة التي أقتل فيها، وأعلم من يُقتل من أهل بيتي وأصحابي... أتظنين أنك علمت ما لم اعلمه، وهل من الموت بُدّ، فإن لم أذهب اليوم ذهبت غداً. وقال وهو في بطن العقبة: ما أراني إلا ّ مقتولاً؛ فإني رأيت في المنام كلابا ً تنهشني، وأشدها عليّ كلب ابقع. بل وفي مكة وقبل ان يخرج منها الى كربلاء، خطب عليه السلام فقال: «كأني بأوصالي هذه تقطعها عُسلان الفلوات، بين النواويس وكربلا، فيملأن مني أكراشا ً جُوفا ً، وأجربة سُغباً لا محيص عن يوم خُطّ بالقلم». بل ومن قبل خروجه عليه السلام من المدينة قال لام سلمة فيما قاله: «يا أماه، وأنا أعلم أنيّ مقتول مذبوح ظلما ً وعُدواناً، وقد شاء الله عزوجلّ ان يرى حرمي ورهطي مشردين، وأطفالي مذبوحين.. مأسورين مقيدين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً!». ثم كتب صلوات الله عليه في قرطاس: بسم الله الرحمن الرحيم«من الحسين بن عليّ، الى بني هاشم..أما بعد؛ فإنه من لحق بي منكم استشهد، ومن تخلفَ لم يبلغ الفتح، والسلام». وينضم الى الركب الحسيني الشريف أصحاب التوفيق والشرف والسعادة، ليحضوا برفقة الامام الحسين، وصحبة الامام الحسين، والشهادة الطيبة بين يدي الامام الحسين. وليُدفنوا الى ماشاء الله الى جنب الامام الحسين، ويُزاروا مع مولاهم الحسين.. وفي الآخرة يكونون جُلا ّس الحسين، وحدّاث الحسين وكان منهم: سعيد بن عبد الله الحنفيّ رضوان الله عليه. ******* ابو ثمامة والاذان القدسي - 20 2008-02-07 00:00:00 2008-02-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3939 http://arabic.irib.ir/programs/item/3939 ابو ثمامة والاذان القدسي السلام عليكم يا انصار ابي عبد الله، بأبي أنتم وأمي، طبتم وطابت الارض التي فيها دُفنتم، وفزتم فوزاً عظيما ً، فياليتني كنت معكم، فافوز معكم. إنّ التوفيق كلمة تجري كثيرا ً على الالسن، ويفهم الناس منها معاني عديدة ومقاصد شتى. وفي اللغة: وَفِقَ الامر يَفِقُ وَفْقاً: كان صوابا ً وموافقا ً للمراد، ووفّق الله فلاناً: الهمه الخير، وفّق الله أمر فلان: أعطاه له مُوافقا ً لمُراده. نعم، وقال اهل الفهم يُضاف التوفيق الى الله تعالى ويُنسب اليه؛ لانه تعالى هو السبب الحقيقي الذي يربط الاسباب بالمسببات، وقد جاء على لسان شعيب ٍ عليه السلام قوله: «وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ» (سورة هود، 88)، اي كل يترشح من ارادتي وتدبيري إنما هو بالله سبحانه لا غنى ً عنه. وفي ظلّ الاية المباركة هذه روي عن الامام الصادق عليه السلام انه قال: إذا فعل العبد كا امره الله عزوجلّ به من الطاعة، كان فعله وفقا ً لأمر الله عزوجلّ، وسُمي العبد موفقا ً. أجل وقد كان اصحاب الامام الحسين موفقين حقا ً؛ لأنهم حكَّموا الايمان في قلوبهم، وحكموا الحق في عقولهم، وكسروا موانع الدنيا والشهوات في نفوسهم، فانضموا الى حبيب الله ورسوله.. أوفياء مخلصين، غيارى مضحين، حتى قال فيهم الشاعر الاديب يُفدّيهم: بأبي من شروا لقاء حُسينبفراق النفوس والارواح ِأدركوا بالحسين اعظم عيدفغدوا في منى الطفوف اضاحيوكان من اولئك الموفقين ابو ثمامة الصائدي، كاتب امام زمانه ابا عبد الله الحسين سلام الله عليه، وناصر مسلم بن عقيل سفير الحسين رضوان الله عليه، والتحق بالركب الحسيني بعد اختفاء ٍ من عبيد الله بن زياد إذ كان طلبه ليقتله، وكان ابو ثمامة قد حاصره في قصره قبل ان ينقلب اهل الكوفة على اعقابهم فيخذلوا مسلم بن عقيل عليه السلام. وكانت ظهيرة يوم عاشوراء: وقد ثبت اصحاب الحسين عليه السلام في وجه حملات شنها الشمر بن ذي الجوشن، فطاعنوه وقاتلوه قتالاً شديداً، مع ان الاصحاب لم يكن فيهم الا اثنان وثلاثون، فدعا عمر بن سعد بالحصين بن نمير في خمسمائة من الرماة، حتى دنوا من الحسين وأصحابه، فرشقوهم بالنبل رشقة واحدة ً، فعقرت الخيول، واحتدم القتال حتى انتصف النهار، وبان العجز على ابن سعد في ان يكسر عسكر الحسين عليه السلام: فلم يزل الاصحاب الواحد منهم والاثنان يقاتلون، فيبين القتل فيهم؛ لقلتهم، ويُقتل من أصحاب عمر بن سعد العشرات فلا يُبين فيهم؛ لكثرتهم. وفي تلك الساعة حانت من ابي ثمامة الصائدي نظرة الى شمس ظهيرة عاشوراء وقد علت نحو الزوال، والحرب قائمة، فالتفت الى مولاه الحسين قائلا ً له: يا ابا عبد الله، نفسي لنفسك الفداء، أني ارى هؤلاء قد اقتربوا منك، ولا والله لا تُقتل حتى أُقتل دونك انشاء الله، وأ ُحب أن القى الله ربي وقد صليت هذه الصلاة التي دنى وقتها. والحسين عليه السلام يعلم، وهو المقيم الصلاة والصلاة أُقيمت به وبآله صلوات الله عليهم، ولكن ابا ثمامة كان موفقا ً؛ لان قلبه كان مع الحسين، وعلى مذهب الحسين، الذي كان عليه السلام عاشقا ً للصلاة، وكانت الصلاة قرة عينه الكريمة كجده المصطفى صلى الله عليه وآله، فرفع راسه الشريف الى السماء ثم قال لابي ثمامة: ذكرت الصلاة، جعلك الله من المصلين الذاكرين.. نعم، هذا اول وقتها. ثم قال: سلوهم أن يكفوا عنّا حتى نصلي. فصلى سلام الله عليه باصحابه صلاة تسمى في الاسلام بـ"صلاة الخوف " وهي الصلاة التي يؤديها المؤمن المجاهد في ساحة القتال خوفا ً منه ان تفوته إذا استشهد، فيؤديها على كيفية خاصة ذكرها القرآن الكريم في الآية الثانية بعد المئة من سورة النساء، ووصفها احد الادباء وقد أُقيمت ظهيرة عاشوراء، بإمامة سيد الشهداء.. قائلا ً: وصلاة الخوف حاشاها... فماروعت، والموت منها كان قابامالواها الموقف الدامي وماصدها الجيش ابتعادا واقترابازحفت ضامئة والشمس منحرّها تلتهب الارض التهاباهزّت الجيش وقد ضاقت بهعرصة الطف سهولاً وهضاباًسائل الميدان عنها سترىكيف ارضته طعاناً وضراباًكيف حامت حرم الله فماخدشت عزاً.. ولاذلت جناباًكيف دون الله راحت تدريبهواديها سهاماً وكعاباًولما فرغ الامام الحسين من صلاته، خطب بأصحابه، فثارت غيرتهم على دينهم وحياة امامهم، وحرم آل نبيهم، فرأوا انفسهم رخيصة يقدمونها فداءاً للاسلام يطلبون مرضاة ربهم تبارك وتعالى، ويرضون ضمائرهم بدماءهم ولم يستقر لهم جنان وهم يرون الحسين غريب في طف كربلاء، فتقدموا يتسابقون الى المنية، مستئذنين سيّد شباب اهل الجنة أن يشرّفهم بقبول تضحياتهم بين يديه الشريفتين. وخرج جملة من الاصحاب يقاتلون بين يدي امامهم ابي عبد الله الحسين عليه السلام حتى تهاووا كالكواكب على ثرى الطف، مضمّخين بدماء الشهادة الزاكية.. فيقف عليهم سيد الشهداء يؤبّنهم، ويقرأ قوله تعالى عليهم: «فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً»، «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ»، ويقول حزينا عليهم: عند الله احتسب نفسي وحماة اصحابي. ويخرج في الاثناء ابو ثمامة الصائدي؛ إذ لم يطق صبراً، قائلاً للحسين عليه السلام: يا ابا عبد الله، انّي قد هممت ان الحق بأصحابي (اي الشهداء)، وكرهت ان أتخلف وأراك وحيدا ً من أهلك قتيلاً. فقال له الامام الحسين: تقدَّم؛ فإنّا لاحقون بك عن ساعة. فيتقدم ابو ثمامة كأنه اسد يجوب ساحة المعركة، فيقاتل قتال الابطال حتى يُخن بالجراحات، حتى اغتاله خؤون من اولاد عمه، الا ان ابا ثمامة نال بغيته وأمنيته، ملتحقاً بركب الشهداء الابرار الذين شرّفهم الامام المهدي صلوات الله عليه بزيارته لهم، ذاكرا ً فيهم الشهيد السعيد، بقوله: (السلام على ابي ثمامة عمر بن عبد الله الصائدي). ******* أبو ثمامة ودوام النصرة للحق - 19 2008-02-06 00:00:00 2008-02-06 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3938 http://arabic.irib.ir/programs/item/3938 السلام على الارواح المنيخة بقبر ابي عبد الله الحسين عليه السلام، السلام عليكم يا طاهرين من الدنس، السلام عليكم يا مهديين، السلام عليكم وعلى الملائكة الحافّين بقبوركم أجمعين، جمعنا الله واياكم في مستقر رحمته، وتحت عرشه، انه أرحم الراحمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إنّ المرء يُقيَّم بمواقفه، ويُكشف عن اعتقاداته وأخلاقياته بمواقفه، وتلك المواقف لا تنكشف الا بالامتحان، والافتتان.. والوقائع والحوادث هي امتحانات مستمرة لابدّ أن تواجه المرء مرّات.. ويواجهها كرّات، حينئذ لا محيص عن الموقف، ولاقيمة للادعاء الباطل.. قال تعالى «أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ». (سورة العنكبوت، 2-3)، وقال جلّ وعلا «أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ» (سورة التوبة، 162)، وقال عز من قائل: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ، وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ» (سورة آل عمران، 142). وكان الامتحان يوم شدّ الامام الحسين صلوات الله عليه رحله عازما ً على السفر الى الله تعالى، ودعا كلَّ من يُريد ذلك السفر الشريف معه يُرافقه الى الرضوان الالهي الرفيع.. فالتحق به جماعة، ثم كان الافتنان يوم ايقن الجميع أن لاعودة الى الديار، وأنه للقتل لا محالة، وقد وُضع الاختيار أمام الجميع، فاختار أصحاب الحسين الحسين عليه السلام، وأختاروا السفر المقدس مع الحسين عليه السلام، وكان منهم ذلك البطل الشهم أبو ثمامة الصائديّ رضوان الله عليه.. فمن هذا الصائدي يا ترى؟ هو عمرو بن عبد الله بن كعب الصائد الهمداني الصائدي، وهمدان قبيلة معروفة بتطلعاتها في نُصرة الاسلام والاخذ بوصايا رسول الله صلى الله عليه وآله في أهل بيته سلام الله عليهم، فكانت منهم النُّصرة للامامة والخلافة الحقة التي عاهدوا عليها لا سيّما يوم غدير خمّ، وكانت النصرة منهم للائمة الهداة الميامين، من آل طه ويس، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وأبو ثمامة رجا تابعي من فرسان العرب ووجوه الشيعة، ومن أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، وقد شهد معه حروبه، ثم صحب بعده ولده الامام الحسن المجتبى عليه السلام، ولازم الكوفة حتى انبثقت النهضة الحسينية المباركة. وكان أبو ثمامة من أوائل المواكبين لنهضة سيد الشهداء الحسين.. فما أن هلك معاوية حتى كتب أبو ثمامة الى الامام بأستمرار ٍ ومواصلة. حتى اذا دخل الكوفة مسلم بن عقيل رضوان الله عليه، قام أبو ثمامة معه وصار يقبض الاموال من الشيعة فيشتري له السلاح، حتى إذا دخل عبيد الله بن زياد الكوفة وجّه مسلم ابا ثمامة عاقدا ً له على رُبع تميم وهمدان حين بدأ مسلم تحركه، فحاصر أبو ثمامة الصائدي عبيد الله في قصره. ولمّا خذل الناس مسلم بن عقيل وتفرّقوا عنه، أخذ عبيد الله بن زياد يشتد في طلب أبي ثمامة ليقتله، فاختفى أبو ثمامة ثمّ خرج من الكوفة ليلتحق بالركب الحسيني الشريف هو ونافع بن هلال الجمليّ، فلقيا الحسين وهو في طريقه الى كربلاء، فانضما اليه يواصلانه، ويواكبانه. في اليوم الثاني من المحرم نزل الامام الحسين أرض كربلاء، ونزلها عمر بن سعد يتكامل عسكره الى ثمانين الف فارس، فبعث الى الامام الحسين عليه السلام كثير بن عبد الله الشعبيّ وكان رجلا ً فاتكا ً قائلا ً له: إذهب الى الحسين وسله ماالذي جاء به! فأجابه كُثير: أسأله، وإن شئت فتكت به.. ثمّ أقبل الى الامام الحسين عليه السلام.. فرآه ابو ثمامة الصائديّ، فقال للامام: أصلحك الله يا ابا عبد الله، قد جاءك شرُّ أهل الارض وأجرأهم على دم ٍ وأفتكهم. ثم نهض أبو ثمامة الى كثير الشعبي قائلا ً له: ضع سيفك. فأجابه كثير بغلظة: لا ولا كرامة، إنما انا رسول، فإن سمعتم مني أبلغتكم ما أُرسلت به اليكم، وإن ابيتم انصرفت عنكم. فقال له ابو ثمامة: فإي آخذ بقائم سيفك، ثم تكلم بحاجتك. قال: لا والله ولا تمُسَّه! فقال ابو ثمامة له: فأخبرني بما جئت به، وأنا أبلغه عنكّ، ولا أدعك تدنو من الحسين؛ فإنك فاجر! قال الراوي: فاستتبا، ثم رجع كُثير الى ابن سعد ٍ فأخبره الخبر، فأرسل ابن سعد قُرة بن قيس التميميَّ الحنظليَّ مكانه مضطراً، فكام الحسين عليه السلام. وهكذا كان ابو ثمامة الصائدي رضوان الله عليه درعا ً في فدائه للامام أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة، دعته غيرته على إمامه ألا ّ يدنو منه عدوّ فاتك، مقدما ً نفسه امامه ترسا ً دون الغدر تضحية ً وإخلاصاً ووفاءاً وحباً لمولاه ريحانة المصطفى صلى الله عليه وآله. ******* عابس الشاكري الحواري المخلص - 18 2008-02-05 00:00:00 2008-02-05 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3937 http://arabic.irib.ir/programs/item/3937 السلام على الحسين وعلى عليّ بن الحسين وعلى اولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين. وتلك وجاهة شريفة من الله تعالى بالامام الحسين عليه السلام، أن يُتلى السلام على أصحاب الحسين آناء الليل وأطراف النهار، بزيارة مقدسة يُزار بها سيد شباب اهل الجنة، فيُزارون معه ومع آل بيته الاوفياء الكرام. وقد اختار الله تعالى له موالين، ابراراً ميامين، فحُمدت مآثرهم، بعد ان زكت جوانحهم وضمائرهم... وكان منهم عابس بن ابي شبيب الشاكري، فمن عابس هذا يا تُرى؟ عرّفه أبو القاسم النراقي في (شُعب المقال) بقوله: هو من حوارّيي أبي عبد الله الحسين عليه السلام، وقد قُتل معه. ومجدّه المحدث الشيخ عباس القمي في كتابه (سفينة البحار) فقال: كان عابس اشجع الناس، ولما خرج يوم عاشوراء الى القتال لم يتقدم اليه أحد، فمشى بالسيف مُصلتا ً نحوهم وبه ضربة على جيبنه، فأخذ ينادي: ألا رجل؟! ألا رجل؟! فنادى عمر بن سعد بجنده: ويلكم! أرضخوه بالحجارة. فرُمي بالحجارة من كل جانب... فلما رأى ذلك القى درعه ومغفره، ثم شدّ على الناس. أما الكاتب عباس محمود العقاد، فقد كتب في مؤلفه (ابو الشهداء الحسين بن علي): لما برز عابس الشاكري وتحداهم للمبارزة، تحاموه لشجاعته، ووقفوا بعيدا ً عنه، فقال لهم عمر بن سعد: أرموه بالحجارة. فرموه من كل جانب، فاستمسك وألقى درعه ومِغفره، وحمل على من يليه فهزمهم، وثبت لجموعهم، حتى قُتل. بطل شهم غيور مثل عابس، ينبغي ان يُتعرَّف عليه ويُفتخر به، هو عابس بن ابي شبيب بن شاكر الهمدانيّ الشاكري، من اهل المعرفة والبصيرة والايمان، ومن اسرةٍ عُرفت بالشجاعة والاقدام، فبنو شاكر بطن من همدان، التي عُرفت بالولاء والاخلاص والصدق، والتفاني في سبيل اعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى، وكانوا من شجعان العرب وحُماتهم، حتى لُقبوا بـ(فتيان الصباح)، وفيهم قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه يوم صفّين: (لو تمت عدتهم ألفا ً، لعُبد الله حقَّ عبادته). وكان من هذه الاسرة الطيبة: شوذب بن عبد الله الشاكريّ، الذي يُعدّ في رجال الشيعة ووجوهها، ومن الفرسان الابطال المعدودين، وكان حافظا ً للحديث، حاملا ً له عن أمير المؤمنين علي ّ عليه السلام، وكان من الرجال المخلصين، وكانت داره مألفا ً للشيعة يتحدثون فيها حول فضائل أهل البيت عليهم السلام. ويوم عاشوراء... أقبل عابس الشاكري على شوذب الشاكري، يقول له: يا شوذب، ما في نفسك ان تصنع؟ أجاب شوذب: أقاتل معك حتى أ ُقتل. فجزاه عابس خيرا ً وقال له: تقدّم بين يدي ابي عبد الله الحسين حتى يحتسبك كما أحتسب غيرك، وحتى احتسبك؛ فان هذا يوم نطلب فيه الاجر بكل ما نقدر عليه فسلم شوذب على الامام الحسين، وقاتل دونه حتى استشهد. واما عابس الشاكري، فهو من الطبقة المؤمنة المجاهدة الصابرة، عرف بمواقفه الشامخة، وكان احد دعاة النهضة الحسينية المباركة في الكوفة، واحد المناصرة لمسلم بن عقيل سفير الامام الحسين عليه السلام. فحين بلغ الكوفيين خبر هلاك معاوية.. اخذت كتبهم تتلاحقُ على الامام الحسين عليه السلام، حتى اجتمع عنده اثنا عشر الف كتاب، فكان منه عليه السلام لطف الاجابة، اذ ارسل اليهم ابن عمه مسلم بن عقيل رضوان الله عليه ممثلا عنه، فما قدم مسلم حتى اسرع اهل الكوفة الى مبايعته، فقأعليهم كتاب الامام الحسين عليه السلام فأخذوا يبكون وخطب خطباؤهم مرحبين، وموطنين انفسهم على نصرته، وممن قام فبايع مسلما وازره عابس الشاكري، حيث حمد الله واثنى عليه، ثم قال لمسلم: اما بعد،فاني لاخبرك عن الناس، ولا اعلم بما في انفسهم، وما اغرك منهم، والله اني لاحدثك عما انا موطن نفسي عليه، والله لاجيبنكم اذا دعوتم، ولأقاتلن معكم عدوكم، ولاضربن بسيفي دونكم، حتى القى الله.. لا اريد بذلك الا ما عند الله، وكان عابس الشاكري كذلك عند مقولته، من الرِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ولايمانه وثاقته، ارسله مسلم مسلم بن عقيل برسالته الى الامام الحسين سلام الله عليه، فلما بلغ الرسالة لازم مولاه في مكة، ثم خرج مع ابي عبد الله الحسين نحو كربلاء حتى نزلها معه. وكان يوم عاشوراء.. فهوى خمسون شهيدا من اصحاب الحسين في الحملة الاولى فاخذ الاصحاب يبرزون الى ساحه القتال فرادى وحدانا، اواثنين يحمي كل واحد ظهر صاحبه، فيخرج الاخوان، او الصديقان، او ابنا العم، فيقاتلان معا حتى يستشهدا معا. ولما قدم عابس صاحبه وقريبه شوذب الشاكري، حتى استشهد، اقبل على امامه قائلا: يا ابا عبد الله، اما والله ما امسى على ظهر الارض قريب ولا بعيد اعز علي ولا احب الي منك، ولو قدرت على ان ادفع عنك الضيم والقتل بشيء اعز علي من نفسي ودمي لفعلته. السلام عليك يا ابا عبد الله اني على هديك وهدي ابيك. ثم مشى عابس يصيح بالاعداء: ألا رجل لرجل؟! فقال عمر بن سعد لأصحابه يدعوهم للغدر الجبان: ارضخوه بالحجارة! فرُمي رضوان الله عليه بالحجارة من كلّ جانب، فلما رأى ذلك ألقى درعه ومِغفره، ثمّ شدّ على القوم أعزل اليدين، فوالله ـ كما يقول الراوي ـ لرأيته يكرد اكثر من مئتين من الناس، ثم ان القوم تعطفّوا عليه من كل جانب حتى قتلوه. فتكالب القتلة على فرسه كلُّ يقول: أنا قتلته، مختصمين به لدى عمر بن سعد، فقال لهم: لا تختصموا، هذا لم يقتله سنان واحد. ففرّق بينهم بهذا القول. وكان قبل ذلك أن أحجم الجيش عن مجابهة عابس بالسيف أو الرمح، وتراجعوا عن مجابهته ومواجهته، حتى أنهم فرّوا من بين يديه وكان ألقى درعه ومغفره وشدّ عليهم مُجرَّا ً، فقيل له: أجُننت يا عابس؟! فقال: أجل.. حب الحسين أجنَّني! ******* الغيرة المحمدية في مسلم بن عوسجة - 17 2008-02-03 00:00:00 2008-02-03 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3936 http://arabic.irib.ir/programs/item/3936 «السلام عليكم يا خير انصار، السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، بوَّأكم الله مبوأ الابرار». مع (مسلم بن عوسجة) مرة اخرى، هذا الصحابي الجليل الذي تشرف برؤيته للنبي (صلى الله عليه وآله) والاخذ عنه، وموالاته وموالاة اهل بيته، فكان صادقا في ايمانه واسلامه، ووفيا في اعتقاداته ومواقفه. كان مسلم بن عوسجة مع الامام الحسين عليه السلام يوم وافت الانباء عن ردة اهل الكوفة وخذلانها مسلم بن عقيل، فتوقف عليه السلام يعلن خبر الفاجعة، وخبر التخيير... حين قال لاصحابه: اما بعد، فانه اتانا خبرٌ فظيع: قتل مسلم بن عقيل، وهانئ بن عروة، وعبد الله بن يقطر.. فمن احب منكم الانصراف فلينصرف، ليس عليه منا ذمام. فتفرق البعض عنه، اخذين شمالا ويمينا، حتى بقي اصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة. وبقي ابو عبد الله الحسين سلام الله عليه يُصفيّ من جاؤوا معه ورافقوه والتحقوا به، ليحظى بالصفوة الذين سيقدم بهم على الله تبارك وتعالى في اسمى الشهادات، فاجتبى الاخيار الابرار الاوفياء، وصارح الجميع انه راحل الى الله عز وجل وعلا وقادم على القتل، يصور لهم المشهد الذي سيكون بعد ايام: «كأني باوصالي تقطعها عُسلانُ الفلوات بين النواويس وكربلاء ‍ فيملأن مني اكراشاً جُوافا، واجربة سغيا، لا محيص عن يوم خُط ّ بالقلم». هذا من جهة، ومن جهة اخرى قال لاصحابه واهل بيته: الا ومن كان فينا باذلا مهجته، مُوطنا على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا. وكتب صلوات الله عليه: (من لحق بنا منكم استشهد، ومن تخلف لم يبلغ الفتح). ومن جهة ثالثة ترك لهم الخيار، مكررا عليهم: (من احب منكم الانصراف فلينصرف). فابى اصحاب الغيرة والنجدة والشهامة، واهل الوفاء والايمان والتقوى، وكان فيهم مسلم بن عوسجة، وكلمته قاطعة: «اما والله لاأفارقك». وفي كربلاء... تجلت واتضحت الفضائل والرذائل؛ اذ كانت المحك لكل ادعاء، والمعرف لكل المسلمين... فسمت المكارم في معسكر الامام الحسين عليه السلام، وظهرت المخازي في معسكر عبيد الله بن زياد، حتى اقبل احد الاراذل يبغي الهجوم على أصحاب الحسين مبتدئا ً بالقتال، فلم يستطع؛ لان الحسين سلام الله عليه كان قد حمى جانباً من عسكره من جهة الخيام بخندق ونار أشعلها فيها، فرجع الباغي ونادى: يا حسين، استعجلت النار في الدنيا قبل يوم القيامة؟‍‍ ‍ فقال الامام الحسين: من هذا؟‍ كأنه شمر بن ذي الجوشن. قالوا: نعم أصلحك الله، هو هو. فأجابه عليه السلام يُذكّره بخسّة ِ أصله: يا ابن راعية المعزى، أنت أولى بها صليّا. فنهضت الغيرة بمسلم بن عوسجة لم يصبر على شمر ٍ وهو يسمعه يتجاسر على المقام الشامخ للامام الحسين عليه السلام، فترجى مولاه: يا ابن رسول الله جُعلت فِداك، ألا ارميه بسهم، فأنه قد امكنني، وليس يسقط مني سهم، فالفاسق هذا من أعظم الجبّارين. فأبى عليه السلام وقال له: (لا ترمه؛ فإنيّ أكره أن أبدأهم بقتال). كتب ابن ابي الحديد في (شرح نهج البلاغة) يقول: قيل لرجل كان شهد يوم الطف مع عمر بن سعد: ويحك!‍ أقتلتم ذرية رسول الله؟! فقال: لوشهدتم ما شهدنا، لفعلتم ما فعلنا! ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها كأسود ضارية، تحطم الفرسان يميناً وشمالاً، وتُلقي بأنفسها على الموت، لا تقبل الامان (اي الاستسلام والمداهنة)، ولا ترغب في المال... فلو كففنا عنها رويداً لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها‍! فما كُنّا فاعلين لا أ ُمَّ لكم؟!‍‍‍‍ وكان أحد أولئك الاسود (مسلم بن عوسجة)، حيث ذكرت كتب المقاتل أنه خرج الى ساحة المعركة ممتلئا ً شجاعة ً وبسالة ً وغيرة، وهو يرتجز ويقول: إن تسألوا عنيّ فإنيّ ذو لبَدْمن فرع قوم من ذرى بني اسدفمن بغاني حائد عن الرشَدْوكافر بدين جبّار ٍ صمد ْوتابعه نافع بن هلال الجمليّ يرتجز ويحميه، فأخذ نافع ومسلم بن عوسجة يجولان في ميمنة عسكر ابن سعد، فصاح عمرو بن الحجاج بأصحاب عمر بن سعد: ويلكم يا حمقى مهلا ً! أتدرون من تُقاتلون؟! انما تقاتلون فرسان المصر وأهل البصائر، وقوما ً مستميتين، لا يبرزَنّ أحد منكم إلا قتلوه على قلتهم.. والله لو لم ترموهم إلا ّ بالحجارة لقتلتموهم. فقال له عمر بن سعد: صدقت الرأي مارأيت. فأرسل في العسكر من يعزم عليه: ألا ّ يُبارز رجل منكم، فلو خرجتم وُحدانا ً لأتوا عليكم مبارزة ً. ثم حمل عمرو بن الحجاج نحو الفرات فأقتتلوا ساعة، وفيها قاتل مسلم بن عوسجة، فشد عليه: مسلم بن عبد الله الضباليّ، وعبيد الله بن خشكارة البجليّ. فثارت - لشدّة الجلاد - غبرة شديدة ماٌنجلت إلا ومسلم بن عوسجة صريع على الارض. فشرّفه الامام الحسين بأن مشى اليه بنفسه الطيبة الكريمة، وأنفاسه الحزينة الحميمة، ومعه حبيب ابن مظاهر، فقال له الحسين: رحمك الله يا مسلم.. ومسلم به رمق، ثم دنا حبيب وقال له: عَزّ عليّ مصرعك يا مسلم، ابشر بالجنة. فأجابه مسلم بصوت ٍ ضعيف وهو يلتقط انفاسه الاخيرة: بشرك الله بخير. فقال له حبيب: لو لم أعلم أني في الاثر، لأحببت أن توصيَ إليّ بما أهمّك. فقال له مسلم: أُصيك بهذا ــ وأشار الى الحسين ــ أن تموت دونه. فقال حبيب: أفعل وربّ الكعبة. وفاضت روحه الطيبة وهو بين الحبيب، وحبيب. وشرف آخر يناله الشهيد مسلم بن عوسجة، يوم خصّه الامام المهدي صلوات الله عليه بسلامه عليه في زيارة الناحية المقدسة، حيث قال له يخاطبه: (وكنت أول من شرى نفسه، وأول شهيد من شهداء الله قضى نحبه، ففزت ورب الكعبة، وشكر الله لك استقدامك، ومواساتك امامك، إذ مشى اليك وأنت صريع، فقال: يرحمك الله يا مسلم بن عوسجة، وقرأ «فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً». لعن الله المشتركين في قتلك: عبد الله الضُّبابيّ، وعبد الله بن خشكارة البجليّ، ومسلم بن عبد الله الضبابيّ). ******* مسلم بن عوسجة والروح المحمدية - 16 2008-01-21 00:00:00 2008-01-21 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3935 http://arabic.irib.ir/programs/item/3935 واتى المساء وقد تجهم نجمهواليوم محتشد البلاء عصيبقال: اذهبوا، وانجوا، ونجوااهل بيتي...انني وحدي انا المطلوبلاذمة مني عليكم، لا... ولاحرج ينالكم ولا تثريبفأبت نفوسهم الابية عند ذاان يتركوه مع العدى ويتأوبواوتواثبت ابطالهم... وجميعهابالحزم والقول السديد تجيبكلا... فلسنا تاركيك، وما بهيوم القيامة للنبي نجيب؟!نفديك بالمهج الغوالي نبتغيالرضـــــوان... ما فينا بذاك مريبلقد اقدم الامام الحسين عليه السلام على الشهادة، وعرف اصحابه طريقه اليها؛ لكي لا يتبعه طامع بدنيا ظاناً انه مقبل على نصر دنيوي، وقد تكرر من ابي عبد الله الحسين في المدينة ومكة، في خطبته الشريفة ورسائله واحاديثه، انه مقتول لا محالة، وحتى ليلة عاشوراء، قدم سلام الله عليه الخيار لاصحابه ان يرحلوا ان شاؤوا، اذ خاطبهم بقوله: ان القوم يطلبوني، ولو اصابوني لهوا عن طلب غيري، وهذا الليل غشيكم فاتخذوه جملا. فقال له اهل بيته ـ تقدمهم العباس عليه السلام بالقول ـ: لم نفعل ذلك، لنبقى بعدك؟! لا ارانا الله ذلك ابداً. اما من الاصحاب، فقد نهض مسلم بن عوسجة فأدلى بموقفه الشجاع الغيور، وعبر عن رأيه وولائه الصادق ووفائه الراسخ، قائلا: انحن نخلي عنك؟! وبماذا نعتذر الى الله في اداء حقك؟! اما والله لا افارقك حتى اطعن في صدورهم برمحي، واضرب بسيفي ما ثبت قائمه بيدي، ولولم يكن معي سلاح اقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة حتى اموت معك. هكذا قالها هذا الرجل عن صدق وايمان، فمن يكون مسلم بن عوسجة يا ترى؟! هو مسلم بن عوسجة بن سعد.. يكنى بـ (ابي جحل)، من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن عباد الكوفة وملازمي جامعها الاعظم. عرّف به حجر العسقلاني بانه كان رجلا شريفا، عابدا قارئا للقران متنسكا. وقال ابن سعد في (الطبقات الكبرى): كان مسلم بن عوسجة صحابيا، ممن رأى النبي صلى الله عليه واله، وكان فارسا شجاعا، له ذكر في المغازي والفتوح الاسلامية. فيما كتب المامقاني في (تنقيح المقال): جلالة الرجل وعدالته، وقوة ايمانه وشدة تقواه.. مما تكل الاقلام عن تحرير ذلك، وتعجز الالسن عن تقريره، ولم يكن في حقه الا ما تضمنته (زيارة الناحية المقدسة) لكفاه. وفي (الاعلام) كتب الزركلي: مسلم بن عوسجة الاسدي، بطل من ابطال الاسلام، وشهيد يوم اذربيجان و غيره من ايام الفتوح، وكان مع الحسين بن علي في قصده الكوفة، فقتل وهو يناضل عنه. اما في (الامالي المنتخبة) فقد كتب الشيخ عبد الواحد المظفر: اذا كانت البطولة عنوان المحاسن ومجمع الكمالات ومحور الفضائل... فلا شك ان مسلم بن عوسجة الاسدي من اتم الرجال في المحاسن التي يتفاخر باقلها عظماء الرجال، ويتمادح ببعضها الوجوه والاعيان، ويتفاخر بفضيلة منها سائر اهل الكمال، نحو: العلم، والتقوى، وشدة البأس، والشجاعة، والفصاحة، والوفاء والايثار، مع ما له من فضيلة الصحبة لرسول الله صلى الله عليه وآله، والاختصاص بعلي امير المؤمنين عليه السلام. عرف مسلم بن عوسجة بالبطولة والشهامة، وكانت له مواقف بطولية في حياة الاسلام، ففي السنة الثانية والعشرين من الهجرة النبوية المباركة، وقف جيش المسلمين على ابواب آذربيجان ـ وهي اقصى حدود البلاد الاسلامية من جهة الشمال يومذاك. وكان مسلم بن عوسجة في طليعة الجيش الذي دك حصون الشرك، فسجل له التاريخ حضوره المقدام حتى شاهد بطولته بعض اهل الكوفة ممن حضروا، ثم شهدوا له بذلك يوم عاشوراء بعد مصارعه، اذ صاحت جاريته: يا سيداه، يا ابن عوسجتاه! وتباشر جيش عمر بن سعد بمقتل مسلم بن عوسجة، فقال شبث بن ربعي (وكان يومها قائد ميمنة جيش ابن سعد) لبعض من حوله: ثكلتكم امهاتكم! انما تقتلون انفسكم بايديكم، وتذللون انفسكم لغيركم، وتفرحون ان يقتل مثل مسلم بن عوسجة؟! اما والذي اسلمت له، لرب موقف له قد رأيته في المسلمين كريم، لقد رأيته يوم (سلق آذربيجان) قتل ستة من المشركين قبل ان تتام خيول المسلمين، افيقتل منكم مثله وتفرحون؟! واما في حركة الشهيد مسلم بن عقيل رضوان الله عليه وكان سفير الامام الحسين عليه السلام الى اهل الكوفة وقد كاتبوه ـ فقد كان مسلم بن عوسجة الاسدي الرجل المؤيد والمعاضد لهذه الحركة المباركة، وكان ممن يتصل ببيت هاني بن عروة، بل اصبح احد اقطاب الحركة التي ارادت ان تطيح بامارة عبيد الله بن زياد ابن ابيه... وبقي مع مسلم بن عقيل حتى كان ما كان من غدر اهل الكوفة وشهادة سفير الحسين مسلم. حتى اذا وافت الانباء بقدوم الامام الحسين صلوات الله عليه نحو الكوفة، كان مسلم بن عوسجة في طليعة المناصرين المخلصين. ******* أصحاب الحسين وصدق الولاء - 15 2008-01-30 00:00:00 2008-01-30 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3934 http://arabic.irib.ir/programs/item/3934 السابقون الى المكارم والعلىوالحائزون غداً حياض الكوثرلو لا صوارم ووقع نبالهملم تسمع الاذان صوت مكبر«السلام عليكم يا انصار الله وانصار رسوله، وانصار علي بن ابي طالب وانصار الحسن والحسين، وانصار الاسلام. اشهد انكم لقد نصحتم لله وجاهدتم في سبيله، فجزاكم الله عن الاسلام واهله افضل الجزاء، وفزتم والله فوزاً عظيماً... يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًاً. اشهد انكم احياء عند ربكم ترزقون. اشهد انكم الشهداء والسعداء، وانكم الفائزون في الدرجات العلى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته». في الزيارة الجامعة الكبيرة، الواردة عن الامام علي الهادي عليه السلام، نخاطب امة الحق والهدى قائلين لهم: «من والاكم فقد والى الله، ومن عادكم فقد عادى الله، ومن احبكم فقد احب الله، ومن ابغضكم فقد ابغض الله، ومن اعتصم بكم فقد اعتصم بالله». نعم.. فقد امر الله تبارك وتعالى بموالاة اهل البيت عليهم السلام ومودتهم، فاي امر يكون معهم يكون مع الله جل وعلا، كما قال تعالى مخاطبا حبيبه المصطفى صلى اله عليه وآله: «إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ» ونقرا في الزيارة الجامعة كذلك هذه العبارات الشريفة: «من اطاعكم فقد اطاع الله، ومن عصاكم فقد عصى الله»، اجل، لانهم صلوات الله عليهم جاؤوا بامر الله وأمروا بطاعة الله وما يرضاه الله، فطاعتهم انما تؤدي الى طاعة الله، كما نقرأ في قوله تعالى: «مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ». فمحمد وآل محمد صلوات الله عليه وعليهم هم ميزان الحق، بهم يعرف المؤمن من غيره؛ ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله للامام علي عليه السلام: «لولا انت ـ يا علي ـ لم يُعرف المؤمنون بعدي». ثم نقرأ بعد هذا الحديث الشريف قول الامام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في دعاء الندبة: «وكان ـ اي امير المؤمنين عليه السلام ـ بعده هدىً من الضلال، ونوراً من العمى، وحبل الله المتين، وصراطه المستقيم». ونقرأ قبل ذلك نخاطب رب العزة عز وجل قائلين: ثم جعلت اجر محمد صلوات الله عليه واله مودتكم في كتابك، فقلت: «قُل لّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» وقلت: ما سألتكم من اجر فهو لكم، وقلت: «قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً»، فكانوا هم السبيل اليك والمسلك الى رضوانك. لقد شاء الله تعالى بحكمته ان يجعل اولياءه من الانبياء والاوصياء، صلواته وسلامه عليهم اجمعين، ميزانا لطاعته او معصيته، لمحبته او ابغضه، لموالاته او معادته، وعلى اساس ذلك يمتاز الناس وينشطرون، ويفترقون الى صفوف وفئات وعساكر، والامة والاجيال كلها في اختبار واختيار، فمن اصاب حظه اصطف الى جانب اولياء الله، ومن اخطأ حظه اصطف الى جانب اعداء الله. وكانت السعادة العظمى لاصحاب الامام الحسين عليه السلام وعليهم رضوان الله تبارك وتعالى، يوم خيِّروا فاختاروا امام الحق، ولم يكتفوا باعلان موالاتهم له، بل ترجموا تلك الموالاة الى مواقف مشهودة مشرفة، قابلوا من خلال ائمة الباطل والضلال، وجاهدوا بين يدي امام زمانهم ملبين لندائه، ومطيعين لوصاياه واوامره، ومضحين في نصرته، مقدمين المهج العزيزة رخيصة يبذلونها في الدفاع عن حريمه وحرمته. والى الموالاة لآ الله... جمع اصحاب الحسين براءة قاطعة من اعداء الله، لا على مستوى الذم اللساني، والاكتفاء باللعن، بل بدأوا معهم بالنصح والقاء الحجج والاحتجاج، وانتهوا معهم الى المحاربة والقتال، ذلك حين صمم المعاندون على اغتيال خليفة رسول الله ووصيه بالحق، فاصبح اصحاب الحسين درعا واقيا وتراسا مانعا دون قتله، ولم يسمحوا لانفسهم ان ُيصاب سيدهم وامامهم باي سوء او اذى وهم احياء ينظرون، ولم يرخصوا لمهجهم ان تعيش ويقتل اولياء الله، فتقدموا بروح التضحية والفداء، متساقطين على الارض شهداء ابرار مقطعين، فوهبهم الله الرفعة والكرامة والشرف السامق والجلال والعزة المنيعة، اذ اصبح لهم قبور نيرة تزار وقد جاوروا الحسين بعد شهادتهم كما اصطفوا الى جانبه في حياتهم، تفد اليهم افواج المحبين كل يوم، يقف الزائر منهم على عتبة ضريحهم ليقول لهم: «السلام عليكم... السلام عليكم... السلام عليكم، فزتم والله فزتم والله فزتم والله، فليت اني معكم، فافوز معكم فوزاً عظيماً». ويقول آخر يخاطبهم في اجلال واكرام: «السلام عليكم ايها الذابون عن توحيد الله، السلام عليكم بما صبرتم فتعم عقبى الدار، بابي انتم وامي، فزتم فوزاً عظيماً». ويقول ثالث في تمجيد واعظام: «السلام عليكم يا اولياء الله واحباءه، السلام عليكم يا اصفياء الله واوداءه، السلام عليكم يا انصار دين الله وانصار نبيه، وانصار امير المؤمنين، وانصار فاطمة سيدة نساء العالمين، السلام عليكم يا انصار ابي محمد الحسن، السلام عليكم يا انصار ابي عبد الله الحسين الشهيد المظلوم صلوات الله عليهم اجمعين. بابي انتم وامي، طبتم وطابت الارض التي فيها دفنتم، وفزتم والله فوزاً عظيماً. يا ليتني كنت معكم، فافوز معكم في الجنان، مع الشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته». فاذا اراد الزائر وداعهم، توجه الى الله بهذا الدعاء: «اللهم لاتجعله اخر العهد من زيارتي اياهم، واشركني معهم، وادخلني في صالح ما اعطيتهم على نصرهم ابن بنت نبيك، وحجتك على خلقك، وجهادهم معه في سبيلك. اللهم اجمعنا واياهم في جنتك مع الشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا. استودعكم الله وأقرا عليكم السلام. اللهم ارزقني العود اليهم، واحشرنا معهم، يا ارحم الراحمين. وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين». ******* تكريم وفاء الانصار - 14 2008-01-28 00:00:00 2008-01-28 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3933 http://arabic.irib.ir/programs/item/3933 «السلام على الحسين بن عليّ الشهيد، السلام على عليّ بن الحسين الشهيد، السلام على العباس بن أمير المؤمنين الشهيد، السلام على الشهداء من ولد أمير المؤمنين، السلام على الشهداء من ولد الحسن، السلام على الشهداء من وُلد ِ الحسين، السلام على الشهداء من ولد جعفر وعقيل، السلام على كل مستشهد معهم من المؤمنين». كلنا تلونا، او استمعنا الى زيارة عاشوراء الشريفة، وهي مروية عن الامام ابي جعفر محمد الباقر عليه السلام، وقد جاءت في هذه العبارة الزاكية دعاءً واقعا ً في قلب كل موال ٍ ومحبّ: «اللهم أجعلني عندك وجيهاً بالحسين عليه السلام». ذلك أن من تكريم الله جلّ وعلا لحبيبه أبي عبد الله الحسين صلوات الله عليه أنْ خصّه بأن جعل الدعاء مستجابا ً تحت قبته، والشفاء في زاكي تربته، والامامة الالهية ممتدة من ذريته.. ثم أكرمه بكرامات وفيرة، كان منها أنْ جعل الوجاهة في محبيه ومواليه، والمخلصين في محبته وطاعته, والبارّين بولايته... والحسين سلام الله عليه هو القائل في خطبة ٍ شريفة ٍ له: «فأني لا أعلم اصحابا ً أوفى ولا خيرا ً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرَّ وأوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي خيراً». فكان حقاً على الله عزوجلّ أن يكتب لهم وجاهة الدنيا والاخرة، وكرامتيها، وكيف لا وقد انضموا الى وليّ الله متشرفين بخدمته، وملبين لدعوته، ومسارعين في طاعته، لا الى أمر دنيوي تحتمل فيه غنائم وأنتصارات، بل الى أمر أخروي فيه فداء وقتل ذريع وتضحيات، فكان لهم الشرف الرفيع والوجاهة الكبرى، لأنهم سعوا الى الانوار الحسينية المقدسة، فكانت شهادتهم من أعلى الشهادات لأنها بين يدي سيد الشهداء، هو الذي دعاهم فلبوا، وهو الذي أذن لهم فهبّوا، وهو الذي مضى اليهم ووقف على اجسادهم المقطعة فحزن قلبه القدسي عليهم، وترحم عليهم وترضّى لهم وأبنهم, وكان يقرأ عليهم قول الحق تبارك وتعالى: «فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً». وكان يقول كلما أوتي بشهيد: (قتلة مثل قتلة النبيين، وآل النبيين). تلك كرامة كبرى أن ينتمي العبد الى الامام الحسين عليه السلام، وأن يكون من أصحابه الاوفياء، ثم من المضحين الشهداء، وأين؟! في بقعة القدس كربلاء! وما أدرانا ما كربلاء! فقد كفاها شرفا ً أنها استقبلت الحسين وضمته في حناياها، وشمخت به حرماً مهيباً وقباباً علياء فاخرة. جاء عن الامام الصادق عليه السلام قوله: «إنّ أرض الكعبة قالت: من مثلي وقد بُني بيت الله على ظهري؟! يأتيني الناس من كل فج عميق، وجُعلت حَرَمَ الله. وأمنه! فأوحى الله تعالى اليها أن: كُفّي وقَرّي، فوعزّتي وجلالي، ما فضل ما فُضلت به فيما أعطيت به أرض كربلاء، إلا ّ بمنزلة الابرة غُرست في البحر... فحملت من ماء البحر، ولولا تربة كربلاء مافضلتك، ولولا من تضمنته أرض كربلاء لما خلقتك ولا خلقت البيت الذي به افتخرت، فقرّي.. واستقري، وكوني دَنياً، متواضعا ً ذليلاً. تلك كربلاء وقد افتخرت بسيد الشهداء سيد شباب اهل الجنّة، أبي عبد الله الحسين سبط النبي، وريحانته، فكان لها الشرف الاسمى، وقد نال منه أصحاب الحسين إذ حلوا في كربلاء على طاعة عظمى، وقُتلوا عليها شهداء مخلصين، ودفنوا الى جنب الامام الحسين صلوات الله عليه، وأصبحوا محطّ نزول الانوار، ومهبط الملائكة الاخيار، ومحل صعود الصلوات، وعروج الزيارات... حيث يفد عليهم المئات والالاف كل يوم، بل والملايين في المواسم الخاصة، يقف الناس عند ضريحهم الطاهر محيّين ومسّلمين عليهم، وزائرين لأجسادهم وأرواحهم، وتلك كرامة فخورة، وتلك وجاهة نادرة، لم تكن الا بالحسين، وزائروه لا ينفكّون يتلون كلّ يوم هذه العبارات المباركة في زيارتهم لأبي عبد الله الحسين صلوات الله عليه: «السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره والوتر الموتور، السلام عليك وعلى الارواح التي حلت بفنائك، وأناخت برحلك، عليكم منّي جميعا ً سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار». ويتلون مئة مرة ٍ هذا السلام الشريف: «السلام عليك يا ابا عبد الله، وعلى الارواح التي حلت بفنائك، عليك مني سلام الله ابدا ً ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم. السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين». ثم يختتمون زيارتهم هذه بسجدة يقولون فيها: «اللهم لك الحمد حمد الشاكرين لك على مصابهم، الحمد لله على عظيم رزيتي. اللهم ارزقني شفاعة يوم الورود، وثبّت لي قدم صدق ٍ عندك مع الحسين، وأصحاب الحسين، الذين بذلوا مُهجهم دون الحسين.. عليه السلام». ******* كرامة اجساد الانصار - 13 2008-01-27 00:00:00 2008-01-27 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3932 http://arabic.irib.ir/programs/item/3932 ولهفي على انصاره وحماتهوهم لسراحين الفلاة موائدمضمخة اجسادهم... فكأنماعليهن من حمر الدماء مجاسدتضيءبهم اكناف عرصة كربلاوتظلم منهم اربع ومشاهدفيا كربلا طلت السماء... وربماتناول عفواحظ ذي السعي ماجدلانت وان كنت العلية نلت منجوارهم مالم تنله الفراقدسررت بهم مذ آنسوك وساءنيمحاريب منهم اوحشت ومساجد«السلام عليكم يا اولياء الله واحباءه، السلام عليكم يا اصفياء الله واوداءه. السلام عليكم يا انصار دين الله، السلام عليكم يا انصار رسول الله، السلام عليكم يا انصار امير المؤمنين، السلام عليكم يا انصار فاطمة سيدة نساء العالمين. السلام عليكم يا انصار ابي محمد الحسن ابن علي الولي الناصح، السلام عليكم يا انصار ابي عبد الله. بابي انتم وامي، طبتم، وطابت الارض التي فيها دفنتم، وفزتم فوزاً عظيماً، فياليتني كنت معكم، فافوز معكم». بعد انتهاء واقعة عاشوراء، وفي اليوم ذاته، امر عمر بن سعد بقطع رؤوس الشهداء، فقطعت، واقتسمتها القبائل لتتقرب بها الى عبيد الله بن زياد... فجات كندة بثلاثة عشر ـ وصاحبهم قيس بن الاشعث، وجاءت هوازن باثني عشر ـ وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن، وجاءت تميم بسبعة عشر، وبنو اسد بستة عشر، ومذحج بسبعة، وجاء اخرون بباقي الرؤوس، ومنعت عشيرة الحر الرياحي من قطع راسه، او رض جسده. وسرّ‍ح ابن سعد راس سيد شباب اهل الجنة، ابي عبد الله الحسين صلوات الله عليه مع خولي بن يزيد الاصبحي وحميد بن مسلم الازدي، وسرح رؤوس اهل بيت الحسين وصحبه مع الشمر وقيس بن الاشعث وعمرو بن الحجاج. واقام عمر بن سعد بقية يوم العاشر من المحرم في كربلاء، واليوم الثاني الى زوال الشمس، فجمع قتلاه الذين وردوا الجحيم وصلى عليهم ودفنهم، وترك ريحانة المصطفى ومن معه من اهل بيته وصحبه تعمل في ابدانهم حرارة الشمس، وتسفي عليهم رياح الصحراء ارتحل عمر بن سعد الى الكوفة، ومعه عيالات الحسين وصبيته وعيالات الاصحاب وكنّ عشرين امراة بين ارملة وثكلى، جاء بهم اسرى سبايا يسيرهن على اقتاب الجمال بغير وطاء، كما يساق سبي الترك والروم، ومعهم علي بن الحسين عليلا انهكته العلة على بعير ظالع هو وولده الباقر وعمره سنتان وشهور، وجمع من الصبية والصبيات ايتاما حيارى. في (بحار الانوار) للعلامة المجلسي عن الامام جعفر الصادق عليه السلام قال: «اصبحت يوما ام سلمة تبكي، فقيل لها: مم بكاؤك؟ فقالت: لقد قتل ابني الحسين الليلة، فرايته شاحبا كئيبا؟‍ فقلت: ما لي اراك ـ يا رسول الله ـ شاحبا كئيبا؟ ‍قال: ما زلت الليلة احفر القبور للحسين واصحابه». وكان اليوم الثالث عشر من المحرّم، فينهض الامام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام بعزم الامامة، رغم ما نزل به من النكبات والمصائب العظمى، ويخرج من السجن صبيحة ذلك اليوم بأعجاز الامامة؛ ليذهب الى كربلاء يدفن فيها تلك الاجساد الزاكية التي توزعت ـ مقطعة مضرجة ـ على صعيد الطفّ. وكان الامام الحسين عليه السلام قد أفرد خيمة في حومة الميدان، فكان يأمر بحمل من يُستشهد من صحبه وأهل بيته الى تلك الخيمة، وكلما أوتي له بشهيد قال: قتلة مثل قتلة النبيين، وآل النبيين. وكان أمير المؤمنين عليه السلام قد وصفهم من علم الغيب بأنهم سادة الشهداء في الدنيا والاخرة، لم يسبقهم سابق، ولا يلحقهم لاحق. وحدّث رجل من بني اسد انه أتى المعركة بعد ارتحال العسكر, فرأى من تلك الجسوم المضرجة أنوارا ً ساطعة، وروائح طيبة زاكية، يتوسطهم سيد الشهداء أبو عبد الله الحسين وهم يُحدقون به كأنهم يطوفون حوله. ومما زاد في حيرة الاسدي وتعجبه أنه رأى عند انتصاف الليل شموعا ً مُسرجة بين الاجساد الطاهرة، كما سمع بكاء وعويلاً مفجعاً. وأقبل الامام السجاد علي بن الحسين عليه السلام لدفن أبيه الشهيد؛ لأن الامام لا يلي أمره الا إمام. وقد وجد عليه السلام بني اسد مجتمعين عند القتلى متحيرين، لايدرون ماذا يصنعون وهم لم يهتدوا الى معرفة الاجساد وقد فُرق بينها وبين الرؤوس، فأخبرهم عليه السلام عمّا جاء اليه من مواراة هذه الجسوم الطاهرة، وجعل يقول لهم: هذا فلان وهذا فلان... والاسديون يوارونهم. ثم عطف على جثث الانصار فحفر لهم حفيرة واحدة وواراهم فيها، إلا ّ حبيب بن مظاهر، فدفنه في ناحية عن الشهداء. أما الحرّ الرياحي، فكانت عشيرته قد نقلته الى حيث مرقده الان؛ لانه امه كانت حاضرة. وهكذا اوقف الامام علي بن الحسين عليه السلام بني أسد ٍ على أسماء الشهداء، وعرفهم بالهاشميين من الاصحاب، وقد ارتفع البكاء والعويل، وسالت الدموع منهم كل مسيل.. وكان يوم عزاء في بني اسد ٍ هناك. فلما فرغوا من المواراة، ركب ذلك الفارس الذي لم يعرفوه جواده، فتعلق به الاسديون وقالوا له: بحقّ من واريته عليك، من انت؟ فقال لهم: انا حجة الله عليكم، انا علي بن الحسين، جئت لاواري جثة ابي ومن معه، والآن راجع الى سجن عبيد الله بن زياد. فودعهم وانصرف عنهم، ورجع الاسديون مع نسائهم الى حيّهم. وبقيت القلوب متوهجة الى الشهداء تبعث اليهم كلمات المحبة والولاء، وتزورهم من قريب وبعيد: «السلام على الارواح المنيخة بقبر ابي عبد الله الحسين... السلام عليكم ياطاهرين من الدنس، السلام عليكم يا مهديّين، السلام عليكم يا ابرار الله، السلام عليكم وعلى الملائكة الحافّين بقبوركم اجمعين. جمعنا الله واياكم في مستقر رحمته وتحت عرشه، انه ارحم الراحمين». والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ******* أسلم التركي والاستماتة في سبيل الحسين(ع) - 12 2008-01-26 00:00:00 2008-01-26 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3911 http://arabic.irib.ir/programs/item/3911 هُمْ فتية خطبوا العلى بسيوفهمولها النفوس الغاليات مهورُفرحوا وقد نُعيت نفوسهم لهمفكان لها ناعي النفوس بشيرُواستشفعوا بالموت نيل مرامهموالكلُّ منهم ضاحك مسرورُالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، آجركم الله، وتقبّل طاعاتكم وأعمالكم... إن ملحمة كربلاء الحسين، لوحة تاريخية سماوية فريدة، لم يكن لها مثال من قبل، ولم يأت لها مثيل من بعد. تباعد ت فيها قلوب وأنفس وأرواح وضمائر، وتقاربت فيها أخرى، فكان للولاية والولاء لآل الله شطر، وللولاء لآل أعداء الله شطرٌ آخر. وقد ضمّ الامام الحسين صلوات الله عليه الى جُنْح عسكره كلَّ طيّب ٍ أصيل مُحب ٍ لرسول الله وآل رسول الله، فائتلفوا على محبة الله، كما نقرأ في (الزيارة الجامعة الكبيرة ) للامام الهادي عليه السلام حيث نخاطب محمدا ً وآل محمد صلوات الله عليه وعليهم قائلين: «بموالاتكم تمَّت الكلمة،وعظمت النعمة، وائتلفت الفُرقة». وتحقق ذلك في الركب الحسيني الشريف، حيث التحق به الشاب والكهل، والرجل والمرأة، والاهل والصديق، والقريب والبعيد، والمسلم وغير المسلم، والعربي وغير العربي... وكان بهم شاب من صفوة الاتراك لسمه (أسلمُ بن عمرو)، غلام من تُرك الديلم قُرب قزوين، وكان يعرف اللغة العربية، وكان كاتبا ً وقارئا ً للقرآن. لم يُقرّبه إلا ّ حبُّه لأهل بيت المصطفى صلى الله عليه وآله، وكانت تلك سعادته، وبهجته، حيث اشتراه الامام الحسين عليه السلام بعد عام خمسين من الهجرة النبوية الشريفة، وكان رقا ً، فوقف امام مولاه الحسين بخشوع يعرض خدمته قائلا ً: إني غلام تركي، أ ُتقن العربية وأ ُجيد الكتابة... فنظر اليه الامام الحسين نظرة الاولياء فقال له: جعلتك كاتبا ً لبعض حوائجي. ولم يفارق أسلم التركي مولاه ابا عبد الله الحسين عليه السلام، فقد التحق به الى طف كربلاء، فإذا كان يوم القتال تقدّم هذا الغلام اليافع يرجو من مولاه أن يأذن له بالنزال، وقد انحنى يُقّبل قدمي امامه الحسين ويقول له: إئذن لي يا مولاي في القتال. فيجيبه سيد شباب اهل اجنة قائلا ً له: قد وهبتك لولدي. وكأن الحسين سلام الله عليه يضع له الخيار أن يبقى مع عليّ بن الحسين من بعده؛ ليخدمه، فلا يجد نفسه مضطرا ً للقتال؛ إلا ّ أن اسلم أسرع نحو خيمة عليّ بن الحسين عليه السلام - وقد أقعده المرض - يستأذنه ايضا ً: سيدي، أستأذنت أباك، فوهبني اياك، وأنا أسألك ان تأذن لي في البراز الى قتال هؤلاء القوم. فقال له زين العابدين عليّ بن الحسين: وأنا أعتقتك، فأنت حُرّ لوجه الله. فيخرج أسلم التركي مبتهجا ً؛ إذ أصبح من الشرف السامي قاب قوسين أو أدنى، فعلى بركة الله، والى سبيله القويم، وبين يدي وليّ الله، أبي عبد الله الحسين عليه سلام الله. الرقّ في أيدي الاولياء كانت سعادة لأسلم التركيّ، ثم الانعتاق كان تأهيلا ً لسعادة ٍ أخرى، فقد وهب الاختيار، فأختار نُصرة إمام زمانه حجة الحق تبارك وتعالى، سيد الشهداء، فلبس درعه، وحمل سيفه، وأطلق صوته في ساحة كربلاء: البحرمن طعني وضربي يصطليوالجو من سهمي ونبلي يمتليإذا حُسامي في يميني ينجليينشقُّ قلبُ الحاسد المُبَجَّل ِفقال علي بن الحسين عليه السلام: ارفعوا طرف الخيمة لأنظر كيف يُقاتل. فكان أسلم نِعم َ المقاتل؛ إذ قتل بجولته جماعة. أيُّ شرفٍ ذاك الذي يناله المرء حين يأذن له وليُّ الله الحسين بالقتال دفاعا ً عن حرمات الدين ومقدساته، وعن حريم الامام والامامة! وُفِّق لهذا ذلك الغلام التركي؛ لأنه والى آل الله وأحبّهم، وأطاعهم ولبّى دعوتهم، فنزل الى ساحة المعركة يقاتل حتى أجهده الظمأ وأعياه النِّزال، فأحاط به أولئك الجبناء وهو يجول وحيده ليس له من ظهير ٍ ولا نصير، فضربوه، وطعنوه، فسقط صريعا ً على رمال كربلاء. فأقبل اليه الحسين مسرعا ً، وذلكم شرف آخر يحظى به أسلم، بل حظي أيضا ً بحزن ٍ قدسي ٍ انبعث من قلب الحسين، ودموع شريفة مقدسة ٍ انحدرت من عيني وليّ الله الحسين، وشرف آخر رفرفت له روح أسلم حين اعتنقه أبو عبد الله الحسين وكأنه أبنه، ووضع خدَّه الشريف على خد هذا الغلام الغريب، وكأن أسلم كان قد فاضت روحه الطاهرة، ثم عادت الى بدنه الممزق، فيعود اليه رمقه، ويفتح عينيه ليُمتِّعها بالنظر الى امامه وسيده الحسين، محاولا ً إطالته وقد غمره الامام بحنانه وعطفه، فتبسّم ابتسامة عبرت عن غاية شعوره بالسعادة العظمى وهو يشعر ان امامه يحبه ويحنّ عليه، فابتهجت روح أسلم وكانت تطير، فأمسك بها ليقول من أعماقه مفتخرا ً وهو يتمتم: مَن مثلي وابن رسول الله واضع خدَّه على خدّي؟! كانت تلك آخر ما تلفظ به أسلم، شفع عبارته الاخيرة بأبتسامة ٍ عذبة ابتشر بها في وجه سيد شباب اهل الجنة، ثمّ فاضت نفسه الزكية، وصارت الى ربه هانئة رضية. وإذا كان الامام الحسين سلام ربنا عليه قد مشى الى سبعة ٍ وقعوا صرعى على رمال طفّ ِ كربلاء.. فإن أسلم التركي كان أحدهم، وقد أبّنهم، وقرأ عليهم «فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً». وإذا كان الامام المهدي صلوات ربنا عليه قد زار شهداء أهل بيته فأنه زار الاصحاب، وسلم من بينهم على اسلم وسمّاه باسمه الخاصّ، فقال: "السلام على سليمان مولى الحسين بن أمير المؤمنين، ولعن الله قاتله سليمان بن عوف الحضرمي". وإذا رثى الشعراء شهداء الطف، فإنهم لم ينسوا أسلم التركي، حيث خصّه أحد الادباء بقصيدة يقول فيها واصفا ً إياه: بطل نشا في بيت آل محمد ٍومع الحسين... فكان من أعوانهِهو (أسلم)... تبدوعليه شجاعةموصوفة... تسمو على أقرانه ِطلب البراز... وراح يخطُرُللردىمتبسِّما ً... والعزم تهنُ ضمانهِ******* اصحاب الحسين والاستقامة الجهادية - 11 2008-01-25 00:00:00 2008-01-25 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3910 http://arabic.irib.ir/programs/item/3910 السلام عليك يا ابا عبد الله وعلى الارواح التي حلت بفنائك، واناخت برحلك، عليكم منّي جميعا سلام الله ابداً ما بقيت وبقي الليل والنهار. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأعظم الله لكم العزاء بالمصيبة العظمى التي حلت بآل بيت رسول الله، بالحسين وآل الحسين، وقد تلوناها في زيارتنا؛ قائلين مخاطبين: يا أبا عبد الله، لقد عظمت الرَّّّزية، وجلت وعظمت المصيبة بك علينا وعلى جميع أهل الاسلام، وجلت وعظمت مصيبتك في السموات على جميع اهل السموات. ورحم الله الشاعر حيث يرثي سيد الشهداء صلوات الله عليه، فيقول: بأبي الظامي على نهر الفراتدمه روى حدود المرهفاتلست انساه وحيداً يستجيرويناديهم: ألا هل من مجير! ويرى اصحابه فوق الهجيرصُرَّعا ًمثل النجوم الزاهراتفدعاهم وهم فوق الرُّغامجثم ما بين شيخ وغلامنومكم طال فقوموا يا كراموادفعوا عن حُرم الله الطغاةلم أدعوكم فلا تستمعونأمللتم نُصرتي، أم لاتعون! بكم قد غدر الدهر الخَؤونورماكم بسهام الحادثاتشهد يوم العاشر من المحرم عام واحد وستين للهجرة، ملحمة فريدة عظمى على ارض كربلاء... يوم صفّ الامام الحسين عليه السلام أصحابه للقتال دفاعاً عن حُرم الله، وحرم دين الله، فجعل زهير بن القين في الميمنة، وحبيب بن مظاهر في الميسرة، وثبت هو عليه السلام وأهل بيته في القلب، وأعطى رايته أخاه العباس قمر الهاشميين وأكفأهم لحملها. ولم يكن مع الحسين عليه السلام الا نيّّف وثمانون فارسا ً وراجلا ً، بعدما التحق به من عسكر الاعداء جماعة ليلة عاشوراء، فيما زحف عمر بن سعد في ثلاثين الفا من جيش الشام التحق بهم النافقون والناكثون والغادرون. وبعد خُطب ٍ ومحاورات، تقدم عمر بن سعد عليه لعائن الله نحو عسكر الحسين فرمى بسهم الفتنة مُعلنا ً: إشهدوا لي عند الامير أنيّ أول من رمى. ثم رمى الناس بعدهم برشق ماطر ٍ من السهام آلافا نحو عسكر سيد الشهداء، فلم يبق من أصحاب الحسين أحد الا أصابه من سهامهم، فنادى الحسين صلوات الله عليه بأصحابه: قوموا (رحمكم الله) الى الموت الذي لا بدَّ منه؛ فإن هذه السهام رُسُل القوم اليكم. فنهض الاصحاب وهم جرحى يستعينون بأيمانهم، وهمتهم في طاعة امامهم، وحملوا حملة رجل واحد، واقتتلوا ساعة... فما انجلت الغبرة إلا ّ عن خمسين شهيدا ً منهم. وبدأت المعارك... فخرج يسار مولى زياد، وسالم مولى عبيد الله بن زياد، وطلبا البراز، فخرج اليهما عبد الله بن عُمير الكلبي من عسكر الحسين فقتلهما... ولما رأى الحسين صلوات الله عليه كثرة من قُتل من أصحابه، أخذ الرجلان والثلاثة والاربعة يستأذنونه في الذب عنه فيأذن لهم، وكل يحمي الاخر من غدر الاعداء وكيدهم. فخرج الجابريان: سيف بن الحارث ومالك بن عبد فقاتلاً حتى استشهدا، وكانا ابني عمّ وأخوَ من الام ّ. ثم خرج الغفاريان: عبد الله وعبد الرحمان ابنا عُروة، فجعلا يقاتلان بين يدي الحسين حتى استشهدوا ايضا ً. وسمع الانصاريان سعد بن الحارث وأخوه أبو الحتوف استنصار الحسين واستغاثته، وكانا في عسكر ابن سعد، فمالا بسيفيهما على أعداء الحسين، ثم قاتلا حتى قُتلا رضوان الله عليهما. وبعد ان بان النقص في أصحاب الامام الحسين عليه السلام، أخذ يبرز الرجل بعد الرجل، فأكثروا القتل في أعداء الله، فصاح عمرو بن الحجاج بأصحابه: أتدرون من تقاتلون ؟! تُقاتلون فرسان المِصر، وأهل البصائر، وقوما مُستميتين، لا يبرز أحد منكم اليهم إلا ّ قتلوه على قلتهم، والله لو لم ترموهم الا ّ بالحجارة لقتلتموهم ثم حمل عمرو بن الحجاج على ميمنة عسكر الحسين، فثبت الاصحاب الغيارى له، وجَثوا على الرُّكب، وأشرعوا الرماح فلم تقدم خيل عمر بن سعد، فلما ولت الخيل رشقهم أصحاب الحسين بالنبل، فصرعوا رجالا ً وجرحوا آخرين. ويستمر القتال، يخرج الرجل الواحد من الاصحاب يقاتل بشجاعة وعزّة وأنفة عالية، فيُحيط به مئات من الجبناء يرمونه بالسهام والحجارة من بُعد ٍ لا يدنون نحوه، حتى اذا أ ُصيب أقبلوا نحوه يطعنوننه بالرماح ويضربونه بالسيوف، فقتلوا مسلم بن عوسجة، وحبيب بن مظاهر، والحرّ الرياحي وابنه، وابا ثمامة الصائدي، وزهير بن القين، وعمرو بن قرظة، ونافع الجميلي، زأسلم التركي، وبُرير بن خُضير، وحنظلة الشامي، وعابس الشاكري، وجون مولى ابي ذر الغفاري، وأنس الكاهلي، وعمرو بن جُنادة، والحجاج الجعفي، وسوارا ً وسُويد بن عمرو، وبقية الاصحاب الطيبين الغيارى، الذين قدّموا مُهجهم المؤمنة بين يدي أبي عبد الله الحسين سلام ربنا عليه وعليهم، فوقعوا على الارض صرعى يخاطبهم الشاعر بقوله: يا ليتني كنتُ الفداء لأنفس ٍفدت ابن بنت نبيها بحياتهاولكم مررتُ بكربلا مُتمثلاًشُهداءها صَرعى على ربواتهافوقفت... واستوقفت فيها عُصبةوقفوا نواظرهم على عبراتهاولما قُتل الاصحاب جميعاً، لم ير الحسين من أنصاره الا ّ من صافح التراب جبينه، ومن قطع الموت انينه، فنادى بهم، يا مسلم بن عقيل، ويا هاني بن عُروة، ويا حبيب بن مظاهر، ويا زهير بن القين، ويا يزيد بن مظاهر، وهلال بن نافع... ولما عددهم بالنداء قال لهم: يا ابطال الصفا، ويا فرسان الهيجا، مالي اناديكم فلا تجيبون، وأدعوكم فلا تسمعون، أنتم نيام؟! أرجوكم تنتبهون،... قوموا عن نومتكم ايها الكرام، وادفعوا عن حُرم الرسول الطغاة اللئام، ولكن صَرَعكم ـ والله ـ ريب المنون، وغدر بكم الدهر الخؤون، وإلا لما كنتم عن نُصرتي تُقصِّرون، ولا عن دعوتي تحتجبون، فها نحن عليكم مُفتجعون، وبكم لاحقون، فأنا لله وانا اليه راجعون. قيل: فجعلت أجسادُ أصحاب الحسين تضطرب وتتقلب، وهي مقطعة مُطرَّحة على الارض تشخب دما، وكأنها تريد أن تنهض مُلبية ً مرّة ً أخرى لدعوة امامها الحسين، أولئك: قوم إذا نودوا لدفع مُلمّة ٍوالخيل بين مُدَعَّس ٍومُكردَس ِلبسوا القلوب على الدروعيتهافتون على ذهاب الانفس ِنصروا الحسين... فيالهم من فتيةعافوا الحياة وأ ُلبسوامن سُندس ِ******* أصحاب الحسين وحب العبادة - 10 2008-01-23 00:00:00 2008-01-23 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3873 http://arabic.irib.ir/programs/item/3873 السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره، والوتر الموتور، السلام عليك وعلى الارواح التي حلتْ بفنائك، عليكم مني جميعاً سلام الله أبدا ً مابقيت وبقي الليل والنهار. يا ابن النبي... كم احتملت فجائعا ًمن أمّةٍ ضلت سبيل نجاتهالكن يومك دونه الايام... كمفاقت فجائعه على فجاعتهالله صحبك إذ وقوك بأنفس ٍبذلوا لنصرك في الوغىمهجاتها خلعت قلوبهم الحياة وأقبلوايتهافتون على ورود مماتهامن خصائص اصحاب الامام الحسين عليه السلام وعليهم، أنهم جمعوا الى المعرفة غَيرة، والى الايمان تقوى، والى العبادة جهادا ً، فلم يفصلوا بين هذا وذاك، إذ الكلُّ يصبُّ في طاعة الله ومرضاته. كتب الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في مؤلفه (ينابيع المودة لذوي القربى) نقلاً عن بعض المقاتل: ثم في الليلة (التاسعة) من المحرم، كان لاصحاب الحسين دويُّ كدويّ النحل من الصلاة والتلاوة. فيما كتب السيد ابن طاووس في (الملهوف على قتلى الطفوف): وبات الحسين عليه السلام وأصحابه تلك الليلة ولهم دوي كدويّ النحل، ما بين راكع وساجد، وقائم وقاعد، فعبر اليهم (اي انضم اليهم في تلك اللية من عسكر ابن سعد اثنان وثلاثون رجلا ً). فقد كانوا على نهج سيدهم ابي عبد الله الحسين صلوات الله عليه وسجيّته، في كثرة عباداته، فما يعود الى فسطاطه الا ّ ويقوم ليلته كلها يُصلي ويتضرع ويُناجي ربه سبحانه وتعالى، ويستغرق في بحار العبادة والعبودية لله جلّ وعلا، وبين الحين والاخر يخرج ليتابع إعداده لأصحابه، ويدخل أحيانا الى خيمة الاطفال والحيارى ليُهدّئ روعهم. ويبلغ أصحاب الامام الحسين من وعيهم ويقظتهم وتَوجُّههم، وحسن اقتدائهم بائمة الحق أئمتهم، أن يراقبوا عباداتهم، فلا تفوتهم الصلاة في وقت من الاوقات؛ فإذا اشتد الامر وأطبق جيش الاعداء آلافا ً مؤلفة ً أحدقت بهم، وهم قلة قليلة، كان من أصحاب الامام الحسين عليه السام صلاة الخوف، حسب الاستطاعة أداء ً للتكليف الالهي، كما هو الجهاد تكليف الهيّ. كتب الشيخ القندوزي الحنفي في (ينابيع المودة): ثم قال ابو ثمامة الصيداوي للحسين: يا سيّدي، صلِّ بنا صلاة الظهر والعصر؛ فإنا نراها آخر صلاة نصليها معك، فلعلنا نلقى الله على اداء فريضته. (وكان ذلك ظهيرة يوم عاشوراء) فأذّنَ الصيداوي وأقام، فقاموا في الصلاة، وقوم عمر بن سعد يرشقونهم بالسهام من بعيد، فقال لهم الحسين: «يا ويلكم! ألا تقفون عن الحرب حتى نصلي!»، فلم يُجبه احد الا الحصين بن نمير قائلا ً: يا حسين، ان صلاتك لا تُقبل! فقام اليه حبيب بن مظاهر فأجابه: إذا لم تُقبل صلاة ابن رسول الله، أتُقبل صلاتك ياابن الخّمارة البوّالة على عقبيها! فيما ذكر المجلسي في (بحار الانوار) أن الصيداوي قال للحسين عليه السلام: يا أبا عبد الله، نفسي لنفسك الفداء، اني أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، لا والله لا تُقتل حتى أ ُقتل دونك، وأ ُحبُّ ان القى الله وقد صليت هذه الصلاة التي دنا وقتها (وذلك في الزوال ظهرا ً)، فرفع الامام الحسين عليه السلام رأسه الشريف الى السماء وقال له: ذكرت الصلاة، جعلك الله من المصلين الذاكرين، نعم هذا اوّل وقتها... سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي. فقال الحصين بن نمير: انها لا تُقبل، فقام اليه حبيب ابن مظاهر تلتهب غيرته فقال له: لا تُقبل الصلاة زعمت من ابن رسول الله، وتُقبل منك يا حمار! فحمل عليه حُصين بن نمير، وحمل عليه حبيب فضرب وجه فرسه بالسيف فشبّ بالحصين فرسه ووقع عنه، فاحتوشه أصحابه واستنقذوه، فأمر الحسين عليه السلام زهير بن القين وسعيد بن عبد الله الحنفيّ أن يتقدما حتى يصلي، فتقدما امامه يحميانه حتى صلى عليه السلام بأصحابه صلاة الخوف، أي عجّلوا بها كي لا تفوتهم وهم مع الشهادة على موعد قريب. ويذكر اصحاب المقاتل ان حبيب بن مظاهر رضوان الله عليه في ذلك الموقف قاتل عسكر ابن سعد قتالا ً شديدا ً حتى قتل على كبر سنه اثنين وستين رجلا ً، فحمل عليه بُديل بن صُريم فضربه غدراً بسيفه، وطعنه آخر برمحه، فسقط حبيب الى الارض، فحاول النهوض الا أن الصين بن نمير عاجله بالسيف على رأسه فسقط حبيب لوجهه، ونزل اليه تميمي فاحتز رأسه، فهدّ مقتله الحسين فقال: عند الله أحتسب نفسي وحماة أصحابي، واسترجع كثيرا ً. وقام الامام الحسين للصلاة، فقيل انه صلى بمن بقي من أصحابه صلاة الخوف، ووقف أمامه سعيد بن عبد الله الحنفي يدرأ عنه السهام الغادرة، ويستقبلها وهي تُرشَق نحو الحسين يمينا ً وشمالا ً، وسعيد قائم بين يدي الحسين يقيه: طورا ً بوجهه، وطورا ً بصدره، وطورا ً بيده، وطورا ً بجبينه، فلم يكد يصل الى الحسين شئ من السهام. ولما أ ُثخن سعيد بالجراح، هوى الى الارض وهو يُتمتم: اللهم العنهم لعن عاد وثمود، وأبلغ نبيك مني السلام، وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح؛ فأني أردت بذلك ثوابك في نُصرة ِ ذرية نبيك. وبعد مناجاته هذه مع الله تعالى... التفت سعيد الى الحسين يسأله وقد فاضت جراحاته: أوفيت يا ابن رسول الله؟ فأجابه عليه السلام: نعم، أنت أمامي في الجنة. ثم قضى نحبه وفاضت نفسه الطيبة رضوان الله عليه. بأبي من شَروا لقاء حسين ٍبفراق النفوس والارواح ِوقفوا يدرأون سُمر العواليعنه والنبل وقفة الاشباح ِفوقوه بيض الضُّبى بالنحورالبيض، والنَّبْلَ بالوجوه الصِّباح ِأدركوا بالحسين ِأكبر عيد ٍفغَدوا في مِنَى الطفوفِ أضاحي******* اصحاب الحسين(ع) والاستقامة على الحق - 9 2008-01-22 00:00:00 2008-01-22 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3872 http://arabic.irib.ir/programs/item/3872 السلام عليك يا ابا عبد الله، وعلى الارواح التي حلت بفنائك، عليك مني سلام الله ابدا ً ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد منّي لزيارتكم. السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى اولاد الحسين، وعلى اصحاب الحسين. ودعا صحبه فخفوا اليهفغدا النسر في اطار البزاةقال اني لقيت منكم وفاءٍوثباتا في الهول والنائباتحسبكم مالقيتم من عناءفدعوني فالقوم يبغون ذاتيوخُذوا عترتي..وهيموا بجنحالليل فالليلُ درعكم للنجاةهتفوا يا حسين لسنا لئامافنخليك مُفردا ً في الفلاة ِفتقول الاجيال: ويل لصحبٍخلفوا شيخهم اسير الطغاةِسَتَرانا غدا نشرّفُ حدَّ السيفحتى يذوب في الهبوات ِان عطشنا فليس تعطش اسيافتعب السخين في المهجات ِليتنا يا حسين نسقط صرعىثم تحيا الجسوم في حيواتِوسنفديك مرةً بعد أخرىونُضحّي دماءنا مرا ّت ِاشتدت العزائم معقودة ً نياتها على الفداء، تعلو دعواتها الى النُّصرة والاستنصار والوفاء.. فجمع يزيد بن مسعود بني تميم وبني حنظلة وبني سعد، ودعاهم الى نصرة الامام الحسين عليه السلام، وخفّ حبيب بن مظاهر الى قومه بني اسد فدعاهم الى نصرة الحق، حتى قال لهم: إني اقسم بالله، لا يُقتل احد منكم في سبيل الله، مع ابن بنت رسول الله، صابرا ً محتسبا ً، إلا كان رفيقا ً لمحمدّ ٍ صلى الله عليه وآله في عليين. فوثب اليه رجل يقال له (عبد الله بن بشر) فقال: أنا اول من يجيب الى هذه الدعوة، ثم جعل يرتجز ويقول: قد علم القوم اذا تواكلواوأحجم الفرسان اذا تناقلواأني شجاع ُ بطل مقاتلكأنني ليثُ عرين ٍ باسل ُثم تبادر رجال الحيّ حتى التام منهم تسعون رجلا ً، فأقبلوا يريدون الحسين عليه السلام، الا ّ ان خائنا ً خرج من ذلك الحي الى عمر بن سعد فأخبره، فدعا ابن سعد برجل من أصحابه يُدعى (الازرق) وضمّ اليه اربعمائة فارس ووجه به نحو حيّ بني أسد، فبينما اولئك القوم قد أقبلوا يُريدون الالتحاق بعسكر الحسين، إذ استقبلهم خيول ابن سعد على شاطئ الفرات، فناوش القوم بعضهم بعضا ً، واقتتلوا اقتتالا ً شديدا ً... فصاح حبيب ابن مظاهر بالازرق: ويلك! مالك وما لنا؟! انصرف عنا ودعنا يشقى بنا غيرُك. فأبى الازرق ان يرجع، حينها علمت بنو اسد أنه لا طاقة لهم بالقوم، فرجعوا الى حيّهم، ورجع حبيب ابن مظاهر الى الحسين فأخبره بما كان وجرى، فقال الحسين: لاحول ولا قوة الا بالله. وكلما اشتد الامر واقتربت ساعة النزال، واحتد الموقف للقتال.. ارتفعت معنويات أصحاب الحسين عليه السلام، حتى انطوى يوم تاسوعاء، واقبل ليل عاشوراء... فجمع الامام ابو عبد الله الحسين اصحابه الكرام، ثم خطب فيهم، وقيل: جمعهم قرب المساء قبل شهادته بليلة، فقال: أثني على الله أحسن الثناء، وأحمده على السراء والضرّاء. اللهم اني احمدك على أن أكرمتنا بالنبوة وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين، وحعلت لنا اسماعا وأبصارا وأفئدة ً ولم تجعلنا من المشركين. أما بعد، فأني لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيرا ً من أصحابي، ولا أهل بيت ٍ أبر ولا أوصل من اهل بيتي، فجزاكم الله عني جميعا ً خيراً. وقد أخبرني جدي رسول الله صلى الله عليه وآله بأني سأ ُساق الى العراق، فأنزل أرضا ً يقال لها (عموراً) و( كربلا)، وفيها أ ُستشْهَد، وقد قرب الموعد. ألا وإني أظنُّ يومنا من هؤلاء الاعداء غدا ً، واني قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعا ً في حلٍّ ليس عليكم منّي ذمام، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا، وليأخذ كلُّ رجل ٍ منكم بيد رجلٍ من اهل بيتي. فجزاكم الله خيراً، وتفرّقوا في سوادكم ومدائنكم؛ فان القوم انما يطلبونني، ولو اصابوني لذهلوا عن طلب غيري. فقال له اخوته وأبناؤه، وبنو أخيه وأبناء عبد الله بن جعفر: لِمَ نفعل ذلك؟ لِنبقى بعدك؟! لا ارانا الله ذلك ابدا. بدأهم بهذا القول ابو الفضل العباس بن عليّ سلام الله عليه، ثم تابعه الهاشميون. والتفت سيد شباب اهل الجنة عليه السلام الى بني عقيل فقال لهم: حسبكم من القتل بمسلم، أذهبوا قد أذنت لكم. فقالوا له: لا والله لا نفعل، ولكن نفديك بانفسنا وأموالنا وأهلينا، نقاتل معك حتى نرد موردك، فقبح الله العيش بعدك. وأما الاصحاب فقد نهض منهم مسلم بن عوسجة فقال: أنحن نخلي عنك؟! وبماذا نعتذر الى الله في أداء حقك؟! أما والله لا أفارقك حتى أطعن في صدورهم برمحي، وأضرب بسيفي ما ثبت قائمه بيدي، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة حتى أموت معك. وقال سعيد بن عبد الله الحنفي: والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسوله فيك، أما والله لو علمت أني أ ُقتل ثم أ ُحيا، ثم أ ُحرق حيّا، ثم أ ُذرى، يُفعل بي ذلك سبعين مرّة ً لما فارقتك، حتى القى حِمامي دونك، وكيف لا افعل ذلك وانما هي قتلة واحدة ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا! وتلكم باقي الاصحاب بما يشبه بعضه بعضا، فجزاهم الحسين خيراً: جاء المسا... فدعاهم: قوموا اذهبوافالليل ستر، جهره إخفاتُلا يطلب الاعداء غيري فاتركونيمابكم من بيعتي تبعات ُفأجابه الانصار: هذي مِنّةسبقت لنا، قَلت لها المناتُإنا نجاهد دونكم ... وتُقطعالاعضاء منا فيك والرقباتُثم الرسول شفيعنا يوم الجزاولنا بهذا تُرفع الدرجات ُأفنحن يوما ً تاركوك وهذهبك قد أحاطت أذؤب وعداةُ؟لا كان منا اليوم تركك والذيقد أحصيت في علمه الذراتُُ******* الصحابي حبيب بن مظاهر والاستقامة على الحق - 8 2008-01-21 00:00:00 2008-01-21 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3871 http://arabic.irib.ir/programs/item/3871 السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى اولاد الحسين، وعلى اصحاب الحسين. لقد جمع اصحاب الامام الحسين عليه السلام خصالا ً نبيلة، تلك هي التي وفقتهم لتلك الصحبة في الركب الحسيني الشريف، ثم لتلك النصرة التي لم تنته الا ّ عند الشهادة بعد التضحية والفداء، والغضب لله وفي الله. فكانوا يحامون عن امامهم ابي عبد الله الحسين سيد شباب اهل الجنّة، بأيديهم وأنفسهم، وألسنتهم، فما يكلم قوم عمر بن سعد الامام الحسين بعبارات سيئة ٍ مسيئة، إلا ّ انبرى لهم اصحاب الحسين بالرّد عليهم والقامهم حجرا ً في أفواههم، وكان منهم حبيب بن مظاهر الاسديّ رضوان الله عليه... فمن ذاك حبيب يا ترى؟! حبيب بن مظاهر بن رئاب أحد أصحاب النبي (ص)، ومن شيوخ التابعين، وحملة القرآن الكريم، ومن علماء المسلمين، إذْ رأى النبي وسمع حديثه. وكان من القُوّاد الشجعان، نزل الكوفة وصحب امير المؤمنين عليا ً عليه السلام في حروبه كلها، وتعلم منه علم المنايا والبلايا، ثم التحق بالركب الحسيني فكان على ميسرة الحسين سلام الله عليه يوم كربلاء وعُمره يومذاك خمس وسبعون سنة. قال الزركليّ في كتابه (الاعلام): وحبيب بن مظاهر واحد من سبعين رجلا ً استبسلوا في يوم عاشوراء، وقد عُرض عليهم الامان فأبوا وقالوا: لا عُذر لنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله إن قُتل الحسين وفينا عين تَطرُف... حتى قُتلوا حول الحسين عليه السلام. نعم... فبعد ان كان حبيب ابن مظاهر أحد خواصّ الامام علي بن أبي طالب عليه السلام ملازما إياه طيلة خلافته ومشاركا معه في حروبه، صحب بعده ولده الامام الحسن المجتبى صلوات الله عليه الى حين شهادته، حينذاك التحق بالحسين السبط سلام الله عليه، وهو يومئذ زعيم بني اسد، فأخذ البيعة منهم لسيّد شباب اهل الجنة ابي عبد الله الحسين، فصار أفضل انصاره؛ إذ سجل مواقف فاخرة شهدت لها كربلاء، حيث كان فيها قائد الميسرة في جيش الامام الحسين (ع)، وكان صاحب لواء لانّه من خواص أصحابه، ولم يفارق الحسين في كربلاء ليلا ً ولا نهارا ً... فجاهد بين يديه، وقاتل فأبلى بلاء ً حسنا ً على كبر سنه، حتى استشهد بين يدي سبط رسول الله؛ ليُدفن مُفرداً عن قبور الشهداء، وليكون على طريق الداخل الى ضريح الامام الحسين والعائد منه، فيُخصّ بالسلام والاجلال ذهاباً، وايابا ً. وحبيب بن مظاهر (رضوان الله تعالى عليه) صاحب المواقف الصادقة، والثابتة على العهد... فهو أحد الذين راسلهم الامام الحسين عليه السلام، تمهيدا ً لنهضته الالهية المباركة، ودعاهم الى نصرته... حيث كتب عليه السلام اليه: من الحسين بن علي بن ابي طالب، الى الرجل الفقيه حبيب ابن مظاهر. أما بعد يا حبيب... فأنت تعلم قرابتنا من رسول الله (ص) وانت اعرف بنا من غيرك، وانت ذو شيمةٍ وغيرة، فلا تبخل علينا بنفسك، يجازيك جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله يوم القيامة. وكان من مواقف حبيب يوم أقبل قُرّة بن قيس الحنظلي ّ يُبلغ رسالة عمر بن سعد الى الامام الحسين (ع)، واراد الرجوع، استوقفه حبيب قائلا ً له: ويحك يا قُرّة بن قيس! أنّى ترجع الى القوم الظالمين! انصر هذا الرجل الذي بأبائه أيدك الله بالكرامة وإيانا معك. ويوم رأى حبيب قلة انصار الحسين وكثرة اعدائه، قال للحسين يطلب له النصرة: إنّ ها هنا حياً من بني اسد، فلو أذنت لي لسرت اليهم ودعوتهم الى نصرتك، لعل الله ان يهديهم ويدفع بهم عنك. فأذن له الحسين عليه السلام، فسار اليهم حبيب حتى وافاهم، فجلس في ناديهم وهو اسدي منهم، ووعظهم، وكان مما قال لهم: يا بني اسد، قد جئتكم بخير ما أتى به رائد قومه... هذا الحسين بن علي أمير المؤمنين وابن فاطمة بنت رسول الله (ص)، وقد نزل بين ظَهر اتيكم في جماعة من المؤمنين، وقد اطاف به اعدائه ليقتلوه، فأتيتكم لتمنعوه (أي لتحفظوه)، وتحفظوا حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله فيه، فوالله لئن نصرتموه ليعطينكم الله شرف الدنيا والاخرة، وقد خصصتكم بهذه المكرمة لانكم قومي وبنو أبي، وأقرب الناس مني رحما ً. فأجابه جماعة، ونهضوا مع حبيب فالتحقوا بالركب الحسيني. ويوم وعظ الامام الحسين اعداءه بخطبة ٍ كان فيها: اما بعد، فانسبوني من انا وانظروا... اعترضه شمر بن ذي الجوشن وقاطعه قائلا ً: هو يعبد الله على حرفٍ إن كان يدري ما تقول! فأجابه حبيب بن مظاهر من مكانه غَيرةً على امامه: أشهد انه يعبد الله على سبعين حرفاً، وأنك لا تدري ما يقول، قد طبع الله على قلبك! ثم عاد الحسين عليه السلام في خطبته. وتلك المواقف المشرفة، يختتمها حبيب بن مظاهر الاسدي رضوان الله عليه بطاعة امامه والتلبية لدعوته ونصرته، والمثول بين يديه... في ظهيرة عاشوراء، وعند الزوال... وبعد قتل معظم أصحاب ابي عبد الله الحسين سلام الله عليه، فبرز حبيب للاعداء وهو يرتجز قائلا ً: انا حبيب وابي مُظهَّرُفارس هيجاء وحرب تُسعرُانتم أعدُّ عُدّةً وأكثرونحن اوفى منكم وأصبرُونحن أعلى حجة ًوأظهرُحقا ً.. وأتقى منكم وأعذرُوقاتل قتالا ً شديدا ً وهو يشفّف على الثمانين من عمره، حتى أردى من عسكر الاعداء اثنين وستين رجلا ً، فأحاطوا به من كل جانب، فحمل عليه يُديل بن صُرَيم فضربه بسيفه، وطعنه آخر برمحه، فسقط الى الارض، فحاول ان ينهض بالرغم من جراحاته إلا انّ الحُصين بن نُمير عاجله بالسيف على رأسه، فسقط حبيب لوجه، وقد رفع الله روحه الى عليين، فقال الامام الحسين عندها: عند الله احتسب نفسي وحماة اصحابي. واسترجع كثيرا ً وقال: رحمك الله يا حبيب؛ فقد كنت فاضلا ً. وبعد دفن الشهداء قال الامام السجاد عليه السلام لبني اسد: أما القبر المنفرد مما يلي الرأس الشريف، فهو (قبر) حامل راية الحسين عليه السلام... حبيب بن مظاهر. وفي زيارته المباركة، قال الامام المهديّ صلوات الله عليه: السلام على حبيب بن مظاهر الاسديّ. ******* زهير بن القين وروح الغيرة والنصيحة - 7 2008-01-20 00:00:00 2008-01-20 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3870 http://arabic.irib.ir/programs/item/3870 السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى اولاد الحسين، وعلى اصحاب الحسين. أعظم الله أجورنا وأجوركم بالمصاب الجلل الذي تحل مناسبته هذه الايام، في ذكرى شهادة ريحانة المصطفى سيد شباب اهل الجنّة، ابي عبد الله الحسين صلوات الله وسلامه عليه، وذكرى شهادة الثلة الطيبة من آله وذويه، والنخبة الشريفة من أصحابه الاوفياء المخلصين... الذين تقدموا مع الامام الحسين سلام الله عليه يوادُّونه ويوالونه، وينصرونه ويؤازرونه... وتقدموا أمام أعدائه من عسكر عمر بن سعد ينصحونهم مرة ً ويحذرونهم اخرى، يعظونهم مرة ً ويذكّرونهم اخرى، فإذا لم ينفع ذلك وبّخوهم وهددوهم، ثم نزلوا الى ساحة الشرف والشهادة فقاتلوهم يُعزّون الحق ويُذلون الباطل، ويدافعون عن امامهم ويجاهدون أعداءه، ويضحّون دون دين الله تبارك وتعالى في قتال لا ينتهي الا ّ عند مرضاة الله جلّ وعلا. لما صلى الحسين صلوات الله عليه بأصحابه، خطبهم، ثم صفهم للقتال، وهناك صفّ عمر بن سعد اصحابه للحرب.. فألتفت ابو عبد الله عليه السلام الى القوم فخطب فيهم يُحذرهم مما هم قادمون عليه، ليهلك من هلك عن بينّة، ويحيى من حَيّ عن بينة. فخاف ابن سعد على اصحابه من أن يؤثر خطاب الامام الحسين، عندها حثهم على رده يقول لهم: ويلكم كلموه فأنه ابن ابيه، والله لو وقف فيكم هكذا يوما جديدا لمل قُطع ولما حُصر، فكلموه. اي لو بقي يوما آخر يخطب فيكم لما انقطع عن الكلام البليغ ولما عجز عن مواصلته؛ فهو ابن سيد البلغاء عليّ بن ابي طالب سلام الله عليه! لكن القوم أخرسهم ما سمعوا، فبانَ منهم كل خَطَل ٍ وخذلان، فتقدم احد اصحاب الحسين، ذلك الرجل الباسل زهير بن القين، وهو شاك ٍ في السلاح قائلا ً للقوم من على فرسه: يا اهل الكوفة! نذار لكم من عذاب الله نذار، ان حق على المسلم نصيحة اخيه المسلم، ونحن حتى الان اخوة على دين واحد، وملة واحدة، مالم يقع بيننا وبينكم السيف، وانتم للنصيحة منا أهل، فأذا وقع السيف انقطعت العصمة، وكنا امة وانتم امة. انّ الله ابتلانا واياكم (اي امتحننا وامتحنكم) بذرية نبيه محمد صلى الله عليه وآله؛ لينظر مانحن وانتم عاملون. انّا ندعوكم الى نصرهم وخذلان الطاغية يزيد وعبيد الله بن زياد؛ فأنكم لا تدركون منهما الى سوء سلطانهما كله، ليَسملان اعينكم، ويقطعان ايديكم وأرجلكم، ويمثلان بكم، ويرفعانكم على جذوع النخل، ويقطعان أماثلكم وقرّاءكم.. أمثال حُجر بن عديّ ٍ وأصحابه، وهانئ بن عروة وأشباهه. فما كان من قوم عمر بن سعد الا ان سبوا زهير بن القين وأثنوا على عبيد الله بن زياد ودعوا له، وقالوا: والله ِ لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه، او نبعث به وبأصحابه الى الامير عبيد الله سلما ً. ويعود زهير بالنصح والتذكير والتحذير، يقول لهم: عباد الله، إنّ ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ابن سمية (اي عبيد الله، وسمية معروفة في خزيها؛ ولذا كناها بها اشارة الى عاره وعارها)، ثم قال: فأن لم تنصروهم (اي ولد فاطمة) فأعيذكم بالله ان تقتلوهم. فرماه شمر بن ذي الجوشن بسهم من بعيد وقال له: اسكت اسكت الله نامتك، أبرمتنا بكثرة كلامك. وهنا هاجت الحمية الدينية في زهير بن القين وشمخت به كرامته وغلت نخوته وعزته، فصاح بالشمر: ما إياك اخاطب، انما انت بهيمة! والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين، فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الاليم! فقال الشمر: ان الله قاتلك وصاحبك عن ساعة. فأجابه زهير: افبالموت تخوّفني؟! فوالله للموت معه احب الي من الخلد معكم. ثم عاد زهير فأقبل على الناس رافعا ً صوته فيهم ينادي بهم: عباد الله، لا يغرنكم عن دينكم هذا الجٍلف الجافي واشباهه، فوالله لا تُنال شفاعة محمد صلى الله عليه واله قوما هرقوا دماء ذريته وأهل بيته وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم. بعد هذا نادى رجل من أصحاب الحسين على زهير: ان ابا عبد الله يقول لك: أقبل، فلعمري لأن كان آل فرعون نصح لقومه وابلغ في الدعاء (اي في الدعوة للحقّ)، فلقد نصحت لهؤلاء وأبلغت لو نفع النُصح والابلاغ. وبعد ان يتقدم زهير بن القين بلسان النصح والارشاد والموعظة، فلم ينفع مع المعاندين والناكثين، يتقدم بسيف العزة والجهاد، يمسكه بيده، ويضع يده الاخرى على منكب الحسين ليستاذنه قائلا ً: أقدِمْ هُديت هاديا ً مهديافاليوم القى جدك النبياوحسنا ً والمرتضى عليا ًوذا الجناحين الفتى الكميّافيقول له الحسين: وانا القاهما على اثرك. فيتقدم زهير يقاتل قتالا ً لم يُرَ مثله، وهو يحمل على القوم ويرتجز قائلا ً: انا زهير وانا ابن القين ِاذودكم بالسيف عن حسين ِان حسينا ً أحد السبطين ِمن عترة البَر التقي الزين ِفحصد بسيفه عشرات حتى ارهق، فتربص به غادران، هما: كُثير بن عبد الله الصعبي والمهاجر بن أوس، فقتلاه، فوقف عليه الامام الحسين عليه السلام يقول: لا يبعدنّك الله يا زُهير ولعن قاتليك، لعْن الذين مُسخوا قردة ً وخنازير. وتمرّ القرون فيقف الامام المهدي صلوات الله عليه، ليقول في ضمن زيارته المقدسة للشهداء: السلام على زهير بن القين البجليّ القائل للحسين عليه السلام - وقد أذن له في الانصراف-: لا والله، لا يكون ذلك أبداً، أترك ابن رسول الله صلى الله عليه وآله اسيرا ً في يد الاعداء وأنجوا انا؟! لا اراني الله ذلك اليوم. رضوان الله عليك يا زهير وسلام الله عليك في الغيارى الشجعان، واسكنك ربك فسيح الجنان. ******* زهير بن القين وصدق التلبية - 6 2008-01-17 00:00:00 2008-01-17 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3869 http://arabic.irib.ir/programs/item/3869 السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى اولاد الحسين، وعلى اصحاب الحسين. آجركم الله تعالى بذكرى المصاب الاليم في ابي عبد الله الحسين، وآل الحسين صلوات الله عليه وعليهم. وإنه لشرف رفيع، ووجاهة فخورة، أن ينتمي المرء الى سيد الشهداء سبط النبي وريحانته، سيد شباب اهل الجنة الامام الحسين بن علي وابن فاطمة سلام الله عليهم جميعا ً... ينتمي اليه بالنسب او السبب، بالمحبة والولاء، وبالصُّحبة والخدمة، كما وُفق الى ذلك أصحاب الحسين، حيث تركوا الديار والاهلين، والتحقوا بالركب الحسيني الشريف، ليُقتلوا دونه، مدافعين عنه بالانفس والارواح، في غيرة ٍ وشهامة، وحالة ٍ رفيعةٍ من التضحية والوفاء والفداء. وكان فيهم رجل نجيب يُعرف بـ"زهير بن القين" رضوان الله عليه، فمن يكون زُهير يا ترى؟! زهير بن القين الانماري البجليّ، هو احد شجعان المسلمين، ممن اشترك في فتوح اسلامية، انتهى به الامر ان يتحق بالامام الحسين(ع). ذلك لما خرج الامام الحسين عليه السلام من مكة يوم التروية (الثامن من ذي الحجة الحرام)؛ لان يزيد بن معاوية ارسل اليه من يقتله ولو كان متعلقاً باستار الكعبة المشرفة، فسار الموكب الحسيني نحو كربلاء، وسار قريبا منه موكب يتزعمه زهير بن القين مجانبا لم يرغب في المسايرة او النزول معه. وتنطوي المسافات والايام، فينزل الحسين سلام الله عليه في جانب، وينزل زهير في جانب آخر، وفجأة ً ُيقبل رسول الحسين ليقول لزهير: ان ابا عبد الله الحسين بن علي بعثني اليك لتأتيه. هنا ينهض زهير تاركا ما بين يديه من طعام، يحجم قليلا ثم يعود مستبشرا قد اسفر وجهه، ثم يامر بفسطاطه وثقله ومتاعه ليُقدَّم له، ثم خير اصحابه قائلاً لهم: من احب منكم ان يتبعني، والا فانه آخر العهد، اني ساحدثكم حديثاً. فانصت اصحاب زهير، فقال لهم: غزونا "بلنجر" ففتح الله علينا واصبنا غنائم. فقال لنا سلمان الباهلي: افرحتم بما فتح الله عليكم واصبتم من الغنائم؟! قلنا: نعم. فقال لنا: ان ادركتم شباب آل محمد فكونوا اشد فرحا بقتالكم معهم مما اصبتم من الغنائم. ثم قال زهير لاصحابه: اما انا، فاني استودعكم الله. وبلغ حب اصحاب الحسين للحسين غاية قصوى، جعلهم يتسابقون على بذل المهج دونه، وابدى بعضهم روح النصرة لامامهم، ومنهم زهير بن القين، الذي قال للامام الحسين: والله لو وددت اني قتلت ثم نشرت، ثم قتلت... حتى اقتل هكذا الف مرة، وان الله عز وجل يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن انفس هؤلاء الفتيان من اهل بيتك. واما مع عياله، فقد جاء زهير الى زوجته ـ وهي ديلم بنت عمرو ـ فقال لها: انت طالق الحقي باهلك؛ فاني لااحب ان يصيبك بسببي الاّ خير، وقد عزمت على صحبة الحسين؛ لافديه بروحي، وأقيه بنفسي. ثم سلمها مالها، واودعها الى اخيها، وفي روايه: الى عمها ـ ليوصلها الى اهلها ـ. بكت ديلم بنت عمرو وودعت زوجها البار بهذه العبارة: كان الله عونا ومعينا لك، خار الله لك، أسألك ان تذكرني في القيامة عند جد الحسين (صلى الله عليه وآله). في طريقه الى كربلاء، قام الامام الحسين عليه السلام خطيبا في اصحابه فقال بعد حمد الله والثناء عليه، وذكر جده والصلاة عليه: «انه نزل بنا من الامر ما قد ترون، وان الدنيا قد تنكرت، وتغيرت، وادبر معروفها... الا ترون الى الحق لايعمل به، والى الباطل لايتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربه محقا؛ فأني لا ارى الموت الا سعادة، والحياة مع الظالمين الا برما». فنهضت الحمية الغيورة باصحاب الحسين عليه السلام، يسبقهم في مناصرته زهير بن القين؛ ليقول لامامه وسيده ابي عبد الله الحسين (صلوات الله عليه): لقد سمعنا ـ هدانا الله بك يا ابن رسول الله ـ مقالتك، ولو كانت الدنيا لنا باقية، وكنا فيها مخلدين، لاثرنا النهوض معك على الاقامة فيها. وعلى هذه اللهجة والنية والفكرة، كانت كلمات الاصحاب تناصر الحسين وتفديه، وترى فيه المهج سعادة وكرامة اذا بذلت في طاعته وولايته، فرضي الله عنهم، ورحم الله من قال فيهم: بابي من شروا لقاء حسينبفراق النفوس والارواح ِفئة ان تعاورالنقع ليلا ًاطلعوافي سماه شهب الرماح ِادركوا بالحسين اكبر عيدٍفغدوا في منى الطفوف اضاحي******* بُرير بن خُضير وصدق الايمان - 5 2007-12-29 00:00:00 2007-12-29 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3868 http://arabic.irib.ir/programs/item/3868 السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى اولاد الحسين وعلى اصحاب الحسين. عظم الله أجورنا وأجوركم بمصابنا بالامام الحسين وآل الحسين، والخيرة من أصحاب ابي عبد الله الحسين. الايمان في القلب، وهو يمضي في العقل والنفس، وينعكس في الجوارح، حتى يكون منطقا ً قرآنياً يرتضيه الله تبارك وتعالى، وأقداما الى جانب الحق في وجه الباطل حتى يبارك عليه الله جلّ وعلا، بل يُصبح الايمان موقفا ً مشهودا ً وربما كان لوحة تاريخية ترتسم امام اعين الاجيال، ومشهدا ً مشرفا ً يكسب صاحبه العزة والفخر والسعادة والكرامة... في الدنيا والاخرة. وقد كان هذا حصل لاصحاب الامام الحسين سلام ربنا عليه، يوم عاهدوه على النصرة فوفوا، وبايعوه على التضحية فأقدموا، وأقسموا عنده أن يُفدّوه فأستشهدوا بين يديه قرابين حق. ايها الاخوة الاماجد... المواقف هي الحاكمة، وهي المعبرة والمفصحة، من هو الغيور، ومن هو المتخاذل، من كان يطلب الاخرة، ومن كان يعتقد بالمعاد ومن هو في امره على شك وعمى! يقف برير بن خُضير امام جيش عمر بن سعد فيرفع صوته بالقول: لا أفلح قوم ضيعوا ابن بنت نبيهم! أ ُفٍ لهم! غدا ماذا يلاقون؟! يُنادون بالويل والثبور في نار جهنم ! هذا موقف... وموقف آخر لبرير بن خُضير أيضا ً.. متى؟ في غداة يوم عاشوراء، عند باب فسطاط للامام الحسين عليه السلام، هذا موقف... وموقف آخر لبرير بن خُضير أيضا ً... متى؟ في غداة يوم عاشوراء، عند باب فسطاط للامام الحسين عليه السلام، إذ أخذ بُرير يضاحك عبد الرحمان بن عبد ربه الانصاري، فتعجب عبد الرحمان من ذلك وقال لبرير: أتضحك؟! ما هذه ساعة باطل. يُريد أننا قريبون من ساعة قتل وقتال، فقال له بُرير: لقد علم قومي انني ما احببت الباطل كهلا ًولاشابا ً، وانما افعل ذلك استبشارا ً بما نصير اليه... فوالله ما هو الا ّ أن نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا، نُعالجهم ساعة ً... ثم نعانق الحور العين. وكان بُرير بن خُضير صادقا ً، أجل: كان صادقا ً بعمله كما كان صادقا بقوله، وكان صادقا بمواقفه كما كان صادقا بلسانه. وتقدم الى ساحة المعركة، وقد انتظر من رأه انه سيقدم امامه سيفه، لكنه كان ذا بصيرة وايمان وهدى ً، فقدم موعظة قبل سيفه: فأستأذن أمامه الحسين صلوات الله عليه في ان يكلم القوم ويذكرهم، فأذن له، فنادى بالقوم: يا معشر الناس، ان الله عزوجلّ بعث محمداً بالحق بشيراً ونذيراً، وداعيا ً الى الله بأذنه وسراجاً منيراً. وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد وكلابها، وقد حيل بينه وبين ابنه "اي الحسين". فقالوا: يا بُرير، لقد اكثرت الكلام فأكفف، فوالله ليعطشنَّ الحسين كما عطش من كان قبله! وهكذا رأى بُرير رضوان الله عليه ان القوم لا ينفع معهم لسان الموعظة ولا التذكير ولا النصح، فلم يستأذن الحسين بعد ذلك لأن يكلمهم، بل استأذنه هذه المرة لأن يقاتلهم. إذا كان البعض يرى في القتال هيبة الموت ورعدة الهلاك والقتل، فأن بُرير بن خُضير كان يرى فيه بهجة الشرف وسعادة الشهادة وفخر اللقاء بالله تعالى قادما عليه بدم التضحية بين يدي امام الحق والهدى، وسيد الشهداء ابي عبد الله الحسين صلوات الله وسلامه عليه. لننصت... ماذا يقول بُرير للامام الحسين، وكيف يكلمه؟! يقول اليه قبيل الدخول الى شهادة الشهادة: والله يابن رسول الله، لقد من الله بك علينا ان نقاتل بين يديك، فتُقطَّع فيك اعضاؤنا، ثم يكون جدك يوم القيامة شفيعنا. ينادي رجل اسمه يزيد بن معقل من عسكر ابن سعد: يا بُرير، كيف ترى صُنعه الله فيك؟ يريد انك وأصحابك اصبحتم في طوق حصارنا وقد اقترب الموت منكم، فيجيبه بُرير بقوة ايمانه وعمق يقينه: صنع الله بي خيرا، وصنع يك شراً. ثم قال له: وانا اشهد انك من الضالين. ثم دعاه بُرير للمباهلة، فتباهلا بلعن الكاذب وهلاكه، وتضاربا بعدها، فضربه بُرير على راسه ضربة ً قدت المِغفر والدماغ معا ً، فخرّ يزيد كأنما هوى من شاهق وقد ثبت سيف بُرير في رأس يزيد، وبينما بُرير يحاول أخراج سيفه إذ حمل عليه ابن منقذ العبدي فأعتنقا واعتركا، فصرعه بُرير، هنا أسرع كعب بن جابر الازديّ ليحمل على برير فصاح به عفيف بن زهير: هذا بُرير بن خُضير الذي كان يقرأنا القرآن في جامع الكوفة! فلم يلتفت اليه كعب وأسرع بغدره ان طعن ظهر بُرير، ثم ثنّى عليه برمح غادر أخر، وسيف جبان حيث بُرير مشغول بالعبدي، فأستشهد رضوان الله تعالى عليه، فلما عاد كعب الى اهله وبَّخته عليه امرأته النوّار قائلة له: اعنت على ابن فاطمة (اي الحسين)، وقتلت سيد القرّار: (اي بُريرا ً)؟! لقد جئت شيئا ً عظيما من الامر! والله لا اكلمك من رأسي كلمة واحدة! فسلام على بُرير في الشهداء، وسلام عليه في الاصحاب الاوفياء، ورحم الله راثيه إذ يقول: جزى الله رب العالمين مباهلا ًعن الدين كيما ينهج الحق طالبهوأزهر من همدان يُلقي بنفسهعلى الجمع حيث الجمع تُخشى مواكبهأبَرَّ على الصيد الكماة بموقف ٍمناهجه مسدودة... ومذاهبهالى ان قضى في الله يُعلم رُمحهبصدق توخيه ويشهد قاضبهفقل لصريع قام في غير مارن ٍ: عَذرتُكَ.. إنّ الليثَ تدمى مخالبُه******* بُرير بن خُضير وصدق البراءة - 4 2008-01-15 00:00:00 2008-01-15 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3867 http://arabic.irib.ir/programs/item/3867 السلام على الحسين وعلى عليّ بن الحسين وعلى اولاد الحسين وعلى اصحاب الحسين. الايمان الحقيقي ما لم ينحصر في عبارات اللسان، بل هو ما يؤثر في الجنان، وما يدعو الى طاعة الرحمان، ويبلغ بصاحبه الى رحاب الجنان. وقد ثبت لاصحاب الحسين عليهم السلام أنهم كانوا حقا أهل ايمان صادق، وهدي راسخ... إذ قَدِموا يؤازرون إمامهم طاعة ً لله جلّ وعلا، ويقدّمون انفسهم بين يديه ضحايا قرابين في نصرته، وفداءً في سبيله وغايته. ولم يكتفوا بالخطب وعرض ولائهم لحجة الحق سيد شباب اهل الجنة، بل كان منهم الاقدام والنصرة حتى قضوا نحبهم شهداء مُجزَّرين ضحايا.. على صعيد المنايا، وكان منهم بُرير بن خُضير، رضوان الله عليه، فما بُرير هذا؟ بُرير بن خُضير، الهمداني، تابعيُّ عُرف بلقب "سيد القُرّاء". كان شيخا ناكسا تالياً لكتاب الله تعالى، وله في الناس شرف وقدر ومنزلة. وذُكر في كتب الرجال انه كان عابدا ً، زاهدا ً وكان أقرأ اهل زمانه، يُعلم ّ الناس تلاوة القرآن الكريم، كما كان من العباد الصالحين، وكان شجاعا ً جليلا ً من أشراف الكوفة، ورجلا ً صادقا ً ثابتا ً علىالحق، فأثمرت خصاله الطيبة تلك عن مواقف سامية، منها: قوله للامام الحسين عليه السلام في ساعة ٍ عصيبة: والله يا ابن رسول الله، لقد مَنّ الله بك علينا أن نقاتل بين يديك، تُقطَّع فيك اعضاؤنا، ثم يكون جدُّك شفيعنا يوم القيامة. وقد اختاره الامام الحسين عليه السلام أن يكلم عسكر عمر بن سعد فيعِظهم، ويلقي عليهم المزيد من الحجج الواضحة، فتقدّم بُرير ينادي بالقوم: يا قوم اتقوا الله، فإنّ ثِقل محمد ٍ اصبح بين أظهركم، هؤلاء ذريته وعترته، وبناته وحُرمه، فهاتوا ما عندكم، ومالذي تريدون ان تصنعوه بهم؟! ثم قال لهم: ويلكم يا اهل الكوفة! أنسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها، وأشهدتم الله عليها؟! يا ويلكم! أدعوتم أهل بيت نبيكم وزعمتم انكم تقتلون انفسكم دونهم، حتى اذا اتوكم اسلمتوهم الى ابن زياد، وحلأتموهم من ماء الفرات؟! بئسما خلفتم نبيكم في ذريته! مالكم! لا سقاكم الله يوم القيامة، فبئس القوم انتم! فقال له نفر منهم: يا هذا، ما ندري ما تقول! فأجابهم: الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة، اللهم اني أبرأ اليك من فِعال هؤلاء القوم، اللهم ألق بأسهم بينهم حتى يلقوك وأنت عليهم غضبان! ولم يتمّ بُرير دعاءه هذا حتى جعل القوم رشقونه بالسهام... فأخذ برير يرجع القهقرى ووقف بإزاء سيده الامام الحسين عليه السلام. وفي كل موقف وكلمة، كان برير بن خُضير ٍ يُعبرّ عن ثباته وإخلاصه ووفائه، وعن يقينه وبصيرته، وولائه لآل رسول الله وبرائته من أعدائهم.. كتب الشيخ المفيد: قال الضحاك بن عبد الله: ومرَّت بنا خيل لابن سعد تحرسنا وإنّ حسينا ً ليقرأ: «وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهُمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ، مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ»، فسمعها من تلك الخيل رجل يقال له "عبد الله بن سُمير" وكان مضحاكا ً، كما كان شجاعا فارسا فاتكا، فقال: نحن - وربِّ - الطيبون، مُيِّزنا بكم. فقام له برير تنهض به غيرته فقال له: يا فاسق! أنت يجعلك الله مع الطيبين؟! قال ابن سُمير له: من انت ويلك! قال: أنا بُرير بن الخُضير. فتجادلا، فأنتصر بريرلأهل البيت يقول بأنهم هم الطيبون حقاً. نعم والله، هم الطيبون الذين طابوا فطابت الدنيا بهم، وطاب موالوهم، وطابت الارض التي حلوا بها، وطابت الارواح التي فدتهم وطافت حول قبورهم، ومنها روح بُرير بن خُضير: أبناءُ صِدق ٍ عاقدت اسيافهابالطف أن تلقى الكُماة لقاءهالقلوبها امتحن الاله بموقف ٍمحضته فيها صبرها وبلاءهامن حيث جعجعت المنايا ركبهاوطوائف الآجال طِفْن إزاءهاووفت بما عقدت فزوّجت الطلىبالمرهفات، وطلقت حوباءها******* وهب الكلبي وزوجته والتفاني في الفداء - 3 2008-01-14 00:00:00 2008-01-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3866 http://arabic.irib.ir/programs/item/3866 السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى اولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين. حقا ً ان الاقدام في المعارك يحتاج الى شجاعة وصبر، لكنه في الحياة الدينية يتطلب معرفة وبصيرة. والمعرفة عي غير العلم... فالكل كان يعرف من هو الحسين، وابن من هو الحسين، وحفيد وسبط من وريحانة من هو الحسين، ولكن.. ليس الكل ناصره وحامى عنه وفداه بنفسه ووالاه بقلبه، انما آزره وضحى من اجله أهل المعرفة وأصحاب البصائر وذوو القلوب النيرة... أولئك الذين آمنوا حقا برسول الله صلى الله عليه وآله، وبما جاء به من عند الله تبارك وتعالى، وترشح ايمانهم عن حالات شريفة ومواقف مشرفة، وولاء صادق، واقدام واع ٍ منطلق عن قول حقيقي لله ولرسوله ولآل البيت، وبراءة ٍ مصرة ٍ من أعدائهم لا مداهنة فيها، فأبصروا الحقيقة... قال الامام الباقر عليه السلام: «من سرّه ان لا يكون بينه وبين الله حجاب، حتى ينظر الى الله وينظر الله اليه... فليتولَّ آل محمد ويبرأ من عدوِّهم، ويأتَمَّ بالامام منهم...». أجل... اولئك الذين عرفوا شيئا من مقام الامام الحسين ومنزلته وشرفه الاسمى، فأنجذبت ارواحهم اليه، وتمنت ان تكون له الفداء، بعد ان كانت من اهل المحبة والولاء. وكان من اولئك: وهب بن عبد الله بن حبّاب الكلبيّ، ولم يكن هذا الشاب معروفا ً، ولم تؤثر عنه علوم او خُطب، بل قال المجلسي: رأيت حديثا ً أنّ وهبا ً هذا كان نصرانيا فأسلم هو وأمه على يدي الامام الحسين عليه السلام، وفي بعض الاخبار ان ناعية الحسين قد كسرت قلوبهم وهم يسمعون صوته السماوي ويرون في محياه سيماء الامامة التي هي وريثة النبوة. في غمرة القتال يوم عاشوراء، يُستشهد «بُرير بن خُضير رضوان الله عليه» فيبرز من بعده شاب اسمه «وهب بن عبد الله الكلبيّ»، وقد كانت امه يومئذ ٍ معه، فقالت له: قُم يا بنيَّ فانصر ابن بنت رسول الله. فيبرز وهب وهو يرتجز قائلا ً: إن تنكروني فأنا ابن الكلبيسوف تروني وترون ضربيوحمالتي وصولتي في الحربأدرك ثأري بعد ثأر صحبيوادفع الكرب أمام الكربليس جهادي في الوغى باللعبِثم حمل حملته... فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم جماعة، فرجع الى امّه وامراته، فوقف وقال: يا أمّاه، أرضيت ِ؟ قالت: ما رضيت أو تُقتل بين يدي الحسين. فصاحت عليه امرأته: بالله لا تفجعني في نفسك يا وهب. قالت له امّه: يا بنيَّ لا تقبل قولها وارجع فقاتل بين يدي ابن رسول الله، فيكون غدا ً في القيامة شفيعا ً لك بين يدي الله تعالى. يعود وهب بن عبد الله الكلبي الى ساحة المعركة وهو يرتجز ويقول: إني زعيم لك أمُّ وهببالطعن فيهم تارة والضرب ِضرب غلام مؤمن بالربِّحتى يُذيق القوم مرَّ الحرب ِإني أمرؤ ذو مرّةٍ وغضبِولست بالخوّار عند النَّكْب ِفلم يزل زهب يقاتل حتى قتل تسعة عشر فارسا ً من جيش عمر بن سعد وهو راجل، حتى قُطعت يداه، فلم تملك أمرأته نفسها، فأخذت عموداً وأقبلت نحوه تقول له: - فداك ابي وامي يا وهب، قاتل دون الطيبين حرَم رسول الله. فاقبل عليها يريد ان يردها الى خيمة النساء، فأبت، وأخذت بجانب ثوبه وهي تقول له: لن اعود، او اموت معك. فنادى عليها الحسين عليه السلام: جُزيت من أهل بيتي خيراً، إرجعي الى النساء رحمك الله. فأنصرفت! وبقي وهب في ساحة المعركة يحاول القتال، حتى قُتِل رضوان الله عليه... فخرجت اليه زوجته وجلست عند رأسه تمسح الدم والتراب عن وجهه، وفجأة يراها شمر بن ذي الجوشن، فيأمر غلاماً له، فيضربها بعمود على رأسها فيشدخه، فتقع الى جانب زوجها وهب، وهي اول امراة تُقتل من عسكر الامام الحسين عليه السلام. ورُوي ايضا ان وهبا ً هذا قتل اربعة وعشرين راجلا ً، حتى اذا استُشهد رُمي برأسه نحو عسكر الامام الحسين عليه السلام، فأخذت أمه الرأس فقبلته، ثم شدت بعمود الفسطاط على قتلته فقتلت رجلين منهم، فنادى بها الامام الحسين: - ارجعي يا ام وهب، أنت وابنك مع رسول الله ؛ فأن الجهاد مرفوع عن النساء. فرجعت وهي تقول: الهي لا تقطع رجائي. فقال لها الحسين عليه السلام: لا يقطع الله رجاك يا أمَّ وهب. كيف ياتحق وهب بن عبد الله الكلبيّ بالركب الحسيني وهو ناء ٍ عن ساحة كربلاء نشأة ً وحالا ً؟! وكيف يثبت في ساحة المعركة وقد أحاط به جيش من الاعداء فيصرّ على المقاتلة حتى الشهادة وهو شاب يافع قليل التجربة والممارسة؟ إنها البصيرة التي شعّت في قلبه وروحه، حتى دفعته الى اصعب المواقف فوجد نفسه على غاية من البسالة والشجاعة والاقدام، وعلى غاية من الرغبة في التضحية ولقاء الله في سبيله، فكان له ذلك التوفيق الرفيع, إذ أصبح شهيد كربلاء الحسين، وأصبح قبره الى حنب قبر ابي عبد الله الحسين، وأصبح يُبكى عليه في جملة أصحاب الامام الحسين: وبكيت من بعد الحسين عصائباًأطافت به من جانبيه قبورهاسلامٌ على اهل القبور بكربلاوقَلّ لها مني سلام يزورهاسلام بآصال العشي وبالضحىتؤديه نَكْباء الرياح ومُورُهاوشرف آخر يناله وهب، حين يُتلى عليه هذا السلام من قبل خاتم الاوصياء، الامام المهدي عليه الصلاة والسلام؛ وهو يقول في زيارته لاصحاب الحسين صلوات الله عليه: السلام عليكم يا خيرَ انصار، السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، بوّأكم الله مُبوَّأ الابرار. أشهد لقد كشف الله لكم الغطاء، ومهّد لكم الوطاء، وأجزل لكم العطاء، وكنتم عن الحق غير بطاء، وأنتم لنا فُرَطاء، ونحن لكم خلطاء في دار البقاء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ******* الحر الرياحي وصدق التوبة - 2 2008-01-13 00:00:00 2008-01-13 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3865 http://arabic.irib.ir/programs/item/3865 السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى اولاد الحسين وعلى اصحاب الحسين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأعظم الله لنا ولكم اجورنا بمصاب سيد الشهداء، وأهل بيته الابرار النجباء، واصحابه الاوفياء. اذا كانت مقدمات فاجعة كربلاء ونكبة عاشوراء، أنّ ضمائر ماتت، فانحاز بعضها الى الباطل، وبعضها نكث وغدر أو قسط ومرق، وبعضها انزوى واعتزل ينجو بنفسه من الموت الذي لا بدّ منه ليقع في الهلاك الابدي، والعذاب الخالد السرمدي، فأن ملحمة الطف كانت وراءها ضمائر حية، وضمائر ابّية، بعضها كانت يقظا ً بصيرا ً من اول الطريق، وبعضها الاخر صحا وتيقظ في وقتها فأسرع الى جبهة الحق والنور والهداية وهؤلاء واولئك، كلهم نهضوا بهمّة الغيرة، وروحية الفداء والتضحية. نفسي الفداء لمعشر ٍ قد جعلوانفوسهم بالطف للسبط وِقىقَلوا... ولكن كلُّ فردٍ منهميُغني عن الالف إذا خَطْب عراحاموا عن الدين الحنيف جُهدهمحتى ثووا صرعى علىوجه الثرى قَضَوا عُطاشىوالفرات حولهم فليته للواردين ما صفاأقبل الحر الرياحي ّ على رأس الف فارس من قِبل عبيد الله بن زياد؛ ليصدَّ الامام الحسين(ع) عن الدخول الى الكوفة... حتى اذا وصل منزل ]شَراف[ قال الحسين لفتيانه: اسقوا القوم وأرووهم من الماء، ورشِّفوا الخيل ترشيفا ً. ففعلوا، ولم يزل الحرّ موافقا لسيد الشهداء حتى حضرت الصلاة صلاة الظهر، فكان منه عليه السلام خطبة موجزة كشف بها حقائق لهم، فسكتوا، ثم قال الحسين عليه السلام للحرّ: أتريد ان تصلي بأصحابك؟ قال: لا، بل تصلي انت ونصّلي بصلاتك. فصلى بهم الحسين سلام الله عليه. وكان بعد ذلك خطبة من الامام الحسين(ع) أخرى وقت العصر... قال فيها: ايها الناس، فأنكم إن تتقوا وتعرفوا الحق لاهله يكنْ أرضى لله، ونحن - اهل البيت - أولى بولاية هذا الامر عليكم من هؤلاء المُدّعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان. ثم اشهَدَ القوم على كتبهم التي دعوه فيها الى القدوم عليهم، فلما تساءل الحرّ، قال الحسين(ع): يا عُقبة بن سمعان، أخرج الخرجين اللذين فيها كتبهم اليّ. قال الحرّ: إنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا اليك، وقد أ ُمرنا إذا نحن لقيناك أن لا نُفارقك حتى نُقْدمك على عبيد الله بن زياد. فأجابه الحسين: الموت أدنى اليك من ذلك. ورأى الحرُّ الرياحي شيئا ً من أخلاق الامام الحسين عليه السلام وفضائله فأنارت قلبه، وأثارت عاطفته، فأرتقى في استكمال نفسه الى العلوّ في طلب السعادة الحقيقية، وكانت في ذلك الموقف لا تُنال الا بالانحياز الى صفّ الامام الحسين وطلب الشهادة بين يديه. فأقبل على عمر بن سعد يسأله: أمقاتل انت هذا الرجل؟! قال: اي والله قتالا ً أيسره ان تسقط فيه الرؤوس وتطيح الايدي! سأل الحرُّ مرة أخرى: فمالك في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضى؟! قال ابن سعد: أما والله لو كان الامر لي لفعلت، ولكن أميرك أبى! فأنحاز الحرّ كأنه يُريد أن يسقي فرسه الماء وقد أخذته الرعدة، وكانت خشية ً من الله تعالى، ويقظة ً باصة وقد جدّ الامر وبلغ السّيل الرُّبى. فقال: إني والله أ ُخيرُّ نفسي بين الجنة والنار، ووالله لا أختارُ على الجنة شيئا ً ولو قُطِّعتُ وحُرِّقت. كان هذا جوابه للمهاجربن أوس الرياحيّ لما سأله: مالذي أرى منك؟! أما حقيقة الحرّ فهي أنه يحب ّ الحسين ولا يرضى أن يُقتل، بل جاء اليه وقد قلب تِرسَه ويده على رأسه وهو يقول: اللهم اليك تبت، فتُبْ عليّ؛ فقد أرعبت قلوب اوليائك، وأولاد بنت نبيك. ثم توجّه للامام الحسين عليه السلام يقول له: جعلني الله فداك... والله الذي لا اله الا ّ هو، ماظننتُ أنّ القوم يردُّون عليك ما عَرضتَ عليهم ابدا ً، ولا يبلغون منك هذه المنزلة.. وإني قد جئتُ تائبا ً مما كان مني الى ربي، ومواسيا ً لك بنفسي، حتى أموت بين يديك، أفترى لي توبة؟ قال الحسين عليه السلام: نعم، يتوب الله عليك ويغفر لك، فانزلْ. قال: أنا لك فارسا ً خير منّي راجلا ً، أقاتلهم على فرسي ساعة، والى النزول يكون آخر أمري. أي لا يكون لي نزول عن فرسي إلا ّ وأكون عندها قتيلا ً شهيدا ً بين يديك، مكفراً بذلك ذنبي. فقال الحسين عليه السلام: فاصنع ما بدا لك. وقبل ان يشهر الحرُّ الرياحيّ سيفه، ادلى بخطبة ٍ على جيش عمر بن سعد، يُذكرّهم ويحتجّ عليهم، كان آخرها قوله: بئسما خَلفتم محمدّا ً في ذريته، لا سقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتنزعوا عمّا انتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه. فحَمَل عليه الرجّالة ترميه بالنبل، فأقبل حتى وقف أمام الامام الحسين عليه السلام، ثم خرج بعد الحملة الاولى الى ساحة المعركة وهو يرتجز: إنيّ أنا الحرُّ ومأوى الضَّيفأضرب في أعناقكم بالسيف ِعن خيرِ من حلَّ بأرض الخيف ِوحمل حملات... وصال صولات... وأدار رَحى الحرب وحدَه، يحصد الرؤوس, ويُخمِد الانفاس والنفوس، فقتل العشرات حتى ضجّ العسكر وعجز عنه، فنادى ابن سعد بالرماة والنبالة، فأحدقوا به من كل جانب يرمونه، فنزل عن فرسه يكرّ عليهم راجلا ً حتى استُشهد رضوان الله عليه، فجيء به الى الامام الحسين فجعل يمسح الدم والتراب عن وجه ويقول له: ما أخْطَأتْ أ ُمُّكَ إذ سَمَّتك حُرّا ً، انت الحرُّ في الدنيا والاخرة. ثم استعبر عليه السلام، وذلك شرف عظيم للحرّ، وقيل ان الامام الحسين(ع) قال فيه: فنعم الحرُّ حرُّ بني رياحصبورٌ عند مشتبك الرماح ِونعم الحرُّ إذ واسا حُسينا وجاد بنفسه ِ عند الصفاح ِوشَرَفٌ آخر ناله الحرّ حين خصه الامام المهدي عليه السلام في زيارته، فقال: «السلام ُ على الحُرِّ بن يزيد الرّياحيّ». ******* مقدمة عامة عن اخلاقية اصحاب الحسين(ع) - 1 2008-01-09 00:00:00 2008-01-09 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3864 http://arabic.irib.ir/programs/item/3864 السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى اولاد الحسين، وعلى اصحاب الحسين. عظم الله اجورنا واجوركم بمصابنا بالامام ابي عبد الله الحسين سيد الشهداء، وسيد شباب اهل الجنة، وريحانة المصطفى(ص). احسن الله لكم العزاء بذكرى هذا المصاب الجلل، وكتب لكم افضل الثواب على مواستكم لرسول الله وامير المؤمنين وفاطمة الزهراء، وال النبي الكرام، عليه وعليهم افضل الصلاة والسلام. صحيح ان واقعة كربلاء، كانت واقعة تاريخية، لكنها ايضاً كانت لوحة سماوية، علاها الامام الحسين سلام الله عليه رمزا للعشق الالهي ّ والتضحية والفداء، وتلاه اهل بيته واصحابه رضوان الله تعالى عليهم رمزا للاقتداء. وصحيح ان معركة طف عاشوراء، كانت التقاء بالسيوف والرماح والنبال، ولكنها في جوهرها كانت صراعاً بين الحق والباطل، والعدل والظلم، بل بين النور والظلام... وصحيح ان يوم الغاظرية استغرق ساعات على بقعة محدودة، لكنه استمر يملا الدنيا زمانا ومكانا بصداه واثره، وخلوده في الضمائر والقلوب، يتلو دروسا، ويحيي نفوسا، وينير عقولاً... والحسين ما زال يسمو وهو الوجيه، ورزق الوجاهة كل من ناصره وعاضده وفداه بنفسه، بل وكل من والاه واشتاق اليه، وتمنى صادقاً نصرته، ودعا من اعماقه وهو يتلو زيارته: «اللهم اجعلني عندك وجيها بالحسين عليه السلام، في الدنيا والاخرة»، وقال مخلصا في سجوده بعد زيارته: «اللهم ارزقني شفاعة الحسين يوم الورود، وثبت لي قدم صدق عندك مع الحسين، واصحاب الحسين، الذين بذلوا مهجهم دون الحسين، عليه السلام». ان قصة كربلاء رسمت لنا لوحة تزينت بالمثل العليا، يحميها رجل الهي طاهر. بايعه عليها ثلة مؤمنة شريفة تشربت عقولهم وارواحهم بالعقائد الحقة، وارتوت نفوسهم بالاخلاق الكريمة السامية، وكانت تلك الاخلاق مترشحة عن القيم الدينية والمبادئ الروحية والفطرة الانسانية، ترافقها البصائر الواعية والعواطف الطيبة النبيلة، والنزاعات الشريفة الطاهرة متجهة جميعها نحو الامام المعصوم النزيه، وريث اشرف الخلق، واكرمهم واعزهم على الله تبارك وتعالى... ذالك الداعي الى الحق والفضيلة، والقادم بخير الدنيا والاخرة وسعادتهما، فهوت نحوه الافئدة الطيبة تلبي دعوته الالهية، تريد ان تعرج الى ربها برفقة امامها، بل تريد ان تسبقه الى المنية، تضحية له وبين يديه الطاهرتين، وقد شعرت ان الله جل وعلا كتب على الاوفياء قتلا، فبرزوا الى مضاجعهم، وقد حاولت الدنيا تقييدهم، فافلتهم الشوق، وانهضتهم الغيرة، وانشطهم الايمان، وطار بهم حب الله في افاق الشهادة... اذ قاموا لله مثنى وفرادى ينصرون امامهم: وتنادبت للذب عنه عصبةوريثوا المعاني اشيباً وشبابامن ينتدبهم للكريهة ينتدبمنهم ضراغمة الاسود غضاباخفوا لدعي الحق حين دعاهمورسوا بعرصة كربلاء هضابااسدٌ قد اتخذوا الصوارم حلية ًوتسربلوا حلق الدروع ثياباتخذت عيونهم القساطل كحلهاواكفهم فيض النحور خضابايتمايلون... كأنما غنى لهموقع الظبا، وسقاهم اكوابابرقت سيوفهم فامطرت الطّلىبدمائها، والنقعُ ثارَ سحابا وكانهممستقبلون كواعبا ً مُستقبلين أسنة ًوكعابا وجدوا الردى من دون آل محمدٍعذبا ً، وبعدهم الحياة عذاباًودعاهم داعي القضاء وكلهمندْب، إذا الداعي دعاه أجابافهووا على عفر التراب... وإنماضموُّا هناك الخُرَّدَ الا تراباونأوا عن الاعداءِ وارتحلوا الىدار النعيم وجاوروا الا حباباوتمضي القرون في عُمر الزمن الممتدّ وكربلاء ماثلة في وجه التاريخ، عيونا ً للحق ّ... ولسانا ً للهدى، وقد تجلت المبادئ العليا في ملحمة عاشوراء: تجلت التضحية، وتجلى الوفاء، يومها تكلمت الدماء، وقد شُلت الالسن عن ان تصف. فنطقت الحقائق، وكانت المواقف هي الحاكمة، فأقبل الشرف يرفع اهل الاخلاص والوفاء، وجاء الخزي يلفّ الناكثين والغدرة واهل الشقاء... وقد سبق ان أبلغ الحسين وقال لهم في انفسهم قولاً بليغاً: «انه من سمع واعيتنا، أو رأى سوادنا، ولم يُجبنا ولم يُغثنا، كان حقا ً على الله عزوجلّ أن يُكبه على منخريه في النار!». *******