اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | عبارات و اشارات http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb الأديب الكنجوي والغزل العرفاني - 73 2007-10-27 00:00:00 2007-10-27 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3530 http://arabic.irib.ir/programs/item/3530 نظامي الكنجوي هو عمود آخر من اعمدة الشعر الفارسي، وشاعر كبير من شعراء الشعر القصصي، وركن من اركان الادب الوصفي الذي تتجلى فيه البراعة والمقدرة الفائقة على استعراض الجزئيات، واضفاء الصور والاستعارات الجميلة عليها. قضى شاعرنا جمال الدين ابو محمد الياس بن يوسف الكنجوي معظم عمره في مسقط رأسه كنجة، وكان على علاقات وثيقة مع اتابكة اذربيجان، والملوك المحليين في ارزنكان وشروان ومراغة، واتابكة الموصل الذين قدم لهم معظم اشعاره القصصية. وهو صاحب المنظومات الشعرية الخمس، او الكنوز الخمسة كما سماها الايرانيون وهي: مخزن الاسرار، وخسرو وشيرين، وليلى ومجنون، وهَفْت بَيْكَر (اي الافلاك السبعة)، واسكندرنامه، بالاضافة الى ديوان مؤلف من مجموعة من القصائد، واشعار الغزل. يعد نظامي من الشعراء الايرانيين المشهود لهم بالتميز والنبوغ والذين استطاعوا ان يبتدعوا نهجاً خاصاً بهم ويطوروه. ومع ان جذور الشعر القصصي كانت ممتدة قبل هذا الاديب الكبير، الا انه الشاعر الوحيد الذي استطاع حتى نهاية القرن السادس الهجري ان يطور هذا النوع من الشعر، ويصل به الى الحد الاعلى من الكمال، ويتفوق على اقرانه في هذا المجال. تميز النظامي في شعره بابداع المعاني، والمضامين البكر في شتى الاغراض بالاضافة الى قوة خياله ومهارته في تصوير دقائق الامور خلال وصفه للطبيعة والاشخاص مستخدماً الكثير من التشبيهات والاستعارات البديعة. وجرياً على عادة ادباء فقد اكثر هذا الشاعر من استخدام المصطلحات العلمية، والمفردات، والتراكيب العربية، كما زخرت اشعاره بالمصطلحات الخاصة بمباني، واصول الحكمة والعرفان، والعلوم العقلية، ولذلك جاءت اشعاره في هذا المجال صعبة ومعقدة للغاية لما احتوت عليه من دقة بالغة في المضامين والخيال.وبالرغم من ذلك كله، ونظراً الى مهارته المتميزة في صياغة المعاني الاخاذة، وباعه الطويل في تأليف القصص الشعرية، او الشعر القصصي، فقد اصبحت مؤلفاته انموذجاً يحتذى بعد تأليفها بفترة وجيزة، اي منذ القرن السابع الهجري وحتى يومنا هذا. وفيما يلي نورد لكم - مستمعينا الاعزة- مقتطفات مترجمة الى العربية شعراً من رائعته الخالدة (خسرو وشيرين) التي اضحت بفضل جمال وروعة اسلوبها، ومضامينها الغزلية الممتزجة بالعرفان، من عيون الشعر الفارسي على مر العصور. ونختار من منظومته هذه الابيات التي ناجت فيها شيرين خالقها وبارئها لما اشتملت عليه هذه الابيات من مضامين ومعان سامية يتجلى لنا فيها الحبُّ العذري العفيف الممتزج بالمعاني واللمحات العرفانية، حيث يصور لنا الشاعر اللحظات التي دخلت فيها شيرين محراب الدعاء والمناجاة قائلا: لم تَعُدْ شيرين حيرىلا، ولا تشكو الضجرْعندما لاح صباحٌقلب شيرينَ استقرْسجدتْ لله شكراًوجهُها الحلو تَعَفَّرْبغبار الارض لمّامسَّها الوجهُ المُنضَّرْترى ماذا قالت شيرين في دعائها، وما هي الكلمات والعبارات التي نطقت بها، وكيف اضفت الصور العرفانية على حبها لخسرو، وكيف جعلت من هذا الحب مدعاة الى التطهر، والانصهار في بوتقة المعاناة والآلام واللواعج لكي تخرج وهي ابعد ما تكون عن الحب المادي المغموس بالملاذ والشهوات؟ هكذا يصور لنا نظامي الكنجوي مناجاتها: ومضتْ تدعو بدعاء القانتاتْياالهي اجعل الليل نهاراً في حياتيربّ وانصرني على الدهر وهبْ لي امنياتيمثلما ينتصر النورُ ويجلو الظلماتِفحياتي ليلةٌ أَيْأسها الليل البليدْربّ فاكشفْ ظلمتي بسنا فجر جديدْواجعل اللهم وجهيساطعاً كالنور دوماألفَ رُحماك لقلبيياالهي الفَ رُحْمىوتقسم شيرين التي طهرها العشق الطاهر العفيف، وصفّى نفسها، على الخالق عزوجل، بألوان القسم، وتعزم على صاحب العزة بضروب العزمات في ان ينتشلها من قلقها، ويكشف غمّتها، وينقذها من الاعادي المتربصين بها. ويحاول الشاعر من خلال هذه الابيات ان يضفي المسحات، واللمسات العرفانية على ذلك الدعاء، والضراعة والتوسل، فيقول على لسان الحبيبة المعذبة شيرين الخائفة على مصير معشوقها الرمزيّ خسرو: بين جنبيّ أسى يفتك بالفرسان فتكاًربّ فانصرني عسى حزني ان يرتدّ ضحكابدموع البائسينمن صغار جائعينْومعاناة الثكالىوالعُفاة الطاعنينمَنْ برى اجسادهم كرُّ الليالي والسنينْيا الهي وبحق الاتقياء الطاهرينوبحق الناظرينباشتياق وحنينْنظرة يرجون من وجهك ربَّ العالمينيا الهي، وبحق الشهداء الخالدينْويسترسل نظامي - وهو الشاعر الميّال الى خوض بحار العرفان والتصوّف- في ايراد المعاني والمضامين العرفانية والتوحيدية على منظومته، فاذا به يمخر في عباب بحر التوحيد ليصل الى غاية الغايات وهو الحب الالهي الذي يمثل الاساس والمنطلق لكل حب طاهر عفيف في هذا الوجود، فلسنتمع اليه وهو يحدثنا بذلك في ختام هذه المقطوعة على لسان شيرين: واحدٌ انت الهييا الهي وصَمَدْدونما ادنى شبيهٍاو شريكٍ او وَلَدْانت يا ربّاه مستورٌ بأستار التفرّدْولك الافلاك تعنو وجميع الخلق تسجدْمادرى الخلق جميعاً لك يا ربيّ بدايهْوالذي تملكهُ ما أدركوا منه النهايهْوالى عرشك لايُرجى وصولٌ لسواكْغير من قد سلّموا طوعاً وعاشوا في هُداكربّ اني قد تضرّعتُ أيا ربّي بحبٍّجاءك اللهم ياربّاه من اعماق قلبيحسبُ قلبي انّما نقّاه ياربّاه حُبُّكْغايةُ الغايات في قلبي أيا ربّاه قُرْبُكْ******* الشاعر الخاقاني وإيوان المدائن -2 - 72 2007-10-23 00:00:00 2007-10-23 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3529 http://arabic.irib.ir/programs/item/3529 نستكمل في هذه الحلقة من عبارات واشارات جولتنا في رحاب رائعة الشاعر افضل الدين الخاقاني في وصف ورثاء ايوان المدائن، واستلهام الدروس والعبر منه، حيث الاسلوب الفخم، والمعاني الغزيرة، والصور المبتكرة. حيث يتساءل الشاعر في ابيات اخرى من قصيدته عن السبب الذي ادى الى انهيار هذا القصر الفخم المنيف، وتحوله الى اطلال وخرائب يجول الدمار في جنباتها، وينعق غراب البين بين رحابها. وتستولي الحيرة والدهشة الى نفس الشاعر وهو ينظر بعيونه المتسائلة الى تلك الاطلال، فيصعب عليه وجدان الجواب، ويدهمه حشد من التساؤلات بدلا من ان يهتدي الى جواب تطمئن اليه النفس، ويشفي غليل الصدر، فيعلن قائلا بلهجة مستفهمة: مَنْ تُرى طاح بايوان المدائنْوهو من شال علّواً للسماء؟!أتراهُ فَلَكاً مثل المطاحنْدار فيها، أم ترى حكم القضاءْ؟!ويطلب الشاعر من الراكب المار بهذه الاطلال ان ينيخ عند اعتابها، وان يستعرض في ذاكرته الاحداث التي توالت عليها، وتركت لنا اكبر الدروس والعبر اعتباراً مما حل بالنعمان بن المنذر وكيف ابُتلي بعد عزّه بذلك المصير الرهيب حيث تقطعت اوصاله تحت اقدام الفيلة. ومرورا بالملوك الاخرين الذين ملؤوا الدنيا بعساكرهم، وجاسوا في اقطار العالم بجيوشهم الجرارة، وملكوا الرقاب، وتحكموا في مصائر العباد، والذين كان مصيرهم الهجوع تحت الثرى، بعد ان كان مجدهم يبلغ الثرياّ، هذه الاطلال يوماً شادهازينةً للدهر، تُدعى ملكُ بابلْايّها الراكب فانزلْ راجلاًوضع الخدّ على الارض وسائلْكيف فيها الملكُ النعمانُ ولّىتحت اقدامِ حشودِ الفيلَهْ؟!فاذا بالارض سَكرى بدمٍبدلَ الخمر، فأغفتْ ثَمِلَهْنزفَتْ مِن روح مَن ولّى ومَناصبحوا بعد علوّ في الثرىفأنوشروان كسرى، هرمزٌاصبحوا من بعد عزٍّ عِبَراويقرر شاعرنا الخاقاني بعد ذلك ان تلك الاحداث تحمل في طياتها لمن تأملها واستعرضها العبر والدروس المتواصلة، وانها ينبغي ان تكون دوما منقوشة في الذاكرة كي تسهم في ردع الانسان عن التمادي في التصاقه في الدنيا وخصوصاً عندما يُجسّم الانسان في ذهنه الصورة التي كان عليها مَنْ كان يقيم في تلك المساكن. حيث مظاهر الترف، والحُلَل التي كانوا في يوم من الايام يرفلون فيها والتي سرعان ما زالت، وكان مصيرها الفناء والانقراض وكأنّها كانت طيفاً عابراً، وحُلُماً مرّ مرور الكرام ليطويه عالم النسيان، وليصبح اثراً بعد عين، وخيالاً وظلالاً بعد شخوص كما يحدثنا الشاعر بذلك قائلا: عِبَرٌ لكنها منقوشةٌفوق تاج المُلكِ تبدو ظاهرهْعبرٌ تَتْرى ولا عدّ لهاضِعْفُها قد حفظتْه الذاكرهْكم زهتْ في سالف الدهر موائدْلأنوشروان كسرى ولخسرو! كم لها قد كان مدعوٌّ وشاهدْ! كلهم كالحلمِ في الاجفانِ مَرُّوابخضارٍ كلها من ذهبِوصنوفٍ هِجْنَ كلَّ العجبِذهبتْ ادراج ريحٍ عصفتْفغدت بعدُ مثال التَّربصار برويزُ على الايّامِ نِسْيافدعِ الخوضَ ببرويز وامرِهْواسألِ الدار التي باهى بهااو فدعْه فهو منسيٌّ بقبرِهْولاينسى الخاقاني وهو يدعو المتأمل لتلك الاطلال والخرائب الى استلهام الدروس والعبر منها، ان يشير في شعره الى آي الذكر الحكيم الداعية الى النظر بعين الاستعبار الى آثار القرون الاولى، ومعالم الامم السالفة التي ملأت الارض ضجيجاً وعجيجاً بجبروتها، وطغيانها. لقد مضت هذه القرون والامم الى حيث مصيرها المحتوم، الفناء والزوال، والتحوّل الى عِبَر لمن اعتبر بعد ان سادوا، وغرّتهم الحياة الدنيا، وظنوا - وياله من ظنّ خائب- انهم خالدون فيها! ولْترتّلْ قولَ ربّ العالمينلتنلْ من قوله برد اليقينْاَوَ ما حسبُك ما قد تركوالك جنّات جرت فيها العيونْ؟!ذهب الماضون مِمّن حكمواهذه الارض واهليها وسادوالاتسلْ عنهم ولا كيف قضواانّهم سادوا قليلاً ثم بادواانّهم في رحِم الارض التيحبلتْ فيهم ولكن للأبدْانّه حَمْلٌ بعيدُ المنتهىعمرُه هيهات ان يُحْصى بِعَدْ! نعم! لقد كان مصير كل اولئك الملوك الجبابرة ان خالط التراب اجسادهم، وعفّر خدودهم، ليجول الدود في هذه الاجساد بعد ذلك وتصبح طعمة سائغة له، كم طوى هذا الثرى من جسدٍلمليكٍ او لجبّارٍ عنيدْ! وهو لم يشبعْ الى الآن ومازالَ يدعو دائماً، هل من مزيد؟!وفي ختام قصيدته يحول الخاقاني الخطاب الى نفسه حاضّاً اياها على ان تستلهم العظات البالغة، والزواجر الناهية من تلك الآثار كي تنقل بلسان الشعر المؤثر البليغ هذه العظات والزواجر الى الآخرين علّها تلقى آذاناً صاغية، ونفوساً واعية. وهو –على عادة الشعراء الايرانيين- يذكر اسمه في نهاية القصيدة مؤكداً ان ابيات قصيدته هي بمثابة هدية مزجاة الى قارئها، فهو قد طاف بين ارجاء تلك الخرائب، واجال نظر الاعتبار بين جنباتها، فكان تطوافه وجولاته هذان بمثابة سفر في اعماق التاريخ، وقد جرت العادة على ان يعود المسافر محملاً بالهدايا، فكانت هذه القصيدة، وكانت تلك الابيات، ايّها الخاقان لو تطلبُ عِبْرَهْفالتمسْها عند تلك العَتَبَهْعلّ من شاء لديك المَشْوَرَهْيلتقي عندك يوماً مطلبَهْيحمل العائدُ من اسفارِهِلذويه عادةً منه هديَّهْوأنا من سفري اخترتُ لكمهذه الاشعار ياصَحْبي هديَّهْ******* الشاعر الخاقاني وإيوان المدائن -1 - 71 2007-10-20 00:00:00 2007-10-20 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3528 http://arabic.irib.ir/programs/item/3528 افضل الدين بديل بن علي الخاقاني هو عملاق آخر من عمالقة الادب الفارسي ويلقّب بـ (حسّان العجم)، وكان يلقب ايضا بـ (حقائقي)، انحدر من أب نجار، وكانت امه جارية رومية اعتنقت الاسلام. اما عمّه كافي الدين عمر بن عثمان فكان طبيباً وفيلسوفاً، مما مكن خاقاني من ان يتتلمذ على يديه ويدي ولده وحيد الدين، وان يبرع في العلوم الادبية والحكمية كما تتلمذ مدة من الزمن على يدي الشاعر ابي العلاء الكنجوي، ثم تزوج بابنته، واستطاع بواسطة استاذه، ووالد زوجته ان ينخرط في خدمة الخاقان الاكبر فخر الدين منوجهر شروان شاه، وابنه الخاقان الكبير أخستان، واختار لنفسه لقب (خاقاني) نسبة الى لقب مخدوميه. حجّ خاقاني مرتين، ثم زُجّ به في السجن عام 569هـ، ثم توالت عليه مصائب وخطوب شتى، ومال الى العزلة. لخاقاني ديوان يشتمل على مجموعة كبيرة من القصائد، والمقطوعات الشعرية والغزلية، اضافة الى مثنوي شعري اي مزدوج شعري تحت عنوان (تحفة العراقين)، كان قد نظمه على وزن بحر الهزج بعد عودته من حجه الاول. يعتبر خاقاني من اكبر شعراء القصيدة في اللغة الفارسية، اضافة الى كونه ركناً من اركان الشعر الفارسي، اذ قلّد الشعراء منهجه في الشعر مدة طويلة، وهو يشتهر باسلوبه المتميز بقوة الفكر، والمهارة في مزج الالفاظ، وابداع المعاني، وابتكار المضامين الجديدة، وابتكار طرق خاصة في الوصف والتشبيه، بالاضافة الى اختيار ماصَعُبَ من رويّ ورديف، وتحتوي تراكيبه المتضمنة غالبا لتخيلات بديعة، واستعارات وكنايات عجيبة، على معان خاصة لم تكن مستعملة من قبله. كان خاقاني يتمتع بدراية واسعة فيما يتعلق بمعارف عصره، وبمقدرة فائقة في مجال توظيف تلك المعارف في شعره، مما ادى الى رواج الكثير من المضامين العلمية التي لم تكن شائعة قبله. وقد تأثر هذا الشاعر الكبير مثل اكثر شعراء عصره بمنهج الشاعر سنائي، فنحا منحاه في قصائده الحكيمة والغزلية، وجنح مثله نحو الزهد والوعظ في اشعاره في محاولة للوصول الى مرتبة سنائي نفسه والذي يعدّ بحق رائد الزهد والوعظ في الادب الفارسي. من بين الروائع الخالدة التي خلّفها الشاعر افضل الدين الخاقاني، قصيدته البديعة في وصف ورثاء ايوان المدائن، والتي نهج فيها منهج الشاعر الوصّاف الكبير البحتري الذي سبقه في وصف هذا الايوان والوقوف عنده، واستلهام الدروس والعبر منه، ومما حل به من عوادي الزمن. وقد اشتهرت قصيدة خاقاني على نطاق الشعر الفارسي، وعُدّت واحدة من روائعه الخالدة، واعماله البديعة بما تميزت به من اغراض، ومعان، ومضامين تربوية وخلقية حاول من خلالها ان يستهلم العبر والدروس، ويقدمها الى القارئ في غلاف بديع، وقالب جميل من التشبيهات اللطيفة، والاستعارات الرائعة، والصور الادبية والبلاغية الخلابة. هذا بالاضافة الى صدق تجربة الشاعر، وارتفاع مستوى تأثيره في النفس الانسانية، بما حفل به اسلوبه من صور وتمثيلات مؤثرة اخاذة تتناغم مع الروح، وتتشابك مع النفس، وتدخل الى شغاف القلوب، كما سنرى ذلك في الابيات المترجمة الى العربية من هذه القصيدة الرائعة والتي يبدؤها الخاقاني بمخاطبة قلبه حاثاً اياه على ان يأخذ العبر من صورة الخرائب الماثلة امامه، والتي كانت في يوم من الايام قصراً منيفاً، يناطح السماء، ويحفل بزخارف الحياة الدنيا، فلنستمع معاً: أيّهذا القلب يا قلبي اعْتَبِرْبالذي حلّ بايوان المدائنْمن دماء قد جرتْ مثل نَهَرْوافولٍ حلّ في تلك المساكنْ: طُفْ لمُاماً ايّها القلبُ بهاواذرف الدمع سخيّاً مثل دِجلَهْحَزَناً منك عليها واتّئدْفلعل الدمع يشفي منك غلَّهْويقرر الشاعر وهو يجيل الطرف في ارجاء الاثار التي خلفها الاكاسرة في المدائن حيث يمتد نهر دجلة مسجلا على صفحته الاحداث والنكبات التي توالت وجاست بين تلك الديار، وكأنه شاهد أبديّ على تقلبات الزمان، يقرر ان الدرس الاكبر، والعبرة العظمى التي من الممكن للانسان ان يستهلمها من ذلك الركام المنتثر هو ان كل مجد بشري لابد وان يكون مصيره الافول، وان الايام دول بين الناس كما نرى ذلك في الابيات التالية التي نستمع اليها بعد الفاصل: دجلةٌ يبكي فيجري دمعُهأنهُراً حرّى، ولكنْ من دماءْ! تقطرُ الاهدابُ ناراً ولظىًحَرُّها مضطرمٌ دونَ انطفاءْوتأمّل كيف شبّت حسرةٌانّها حمراء تشوي ماء دجلهْ! ما سمعنا قبلُ كيف النارُ تشويوتلظّي نَهَراً في حجم دجلهْ؟!كلّ حيّ، كل بيت في المدائنْسوف يعطيك عظاتٍ، وعظاتْفاتّعظْ منها، فانّ القولَ بائنْاوضحُ الاقوال قولُ النكباتْكلّ ما تسمعُه منها يقولْكلُّ مجدٍ بعد لأْيٍ لأفولْكلّ ما في ذلك الايوان يوحيانّما الحزنُ عميقٌ وطويلْوخرائب ذلك القصر الفخم المنيف تكاد تهتف بالانسان المتأمل لها بعين الاعتبار مقررة انها خير شاهد ودليل على ان كل شيء في هذه الحياة لابد وان يؤول الى التراب كما بدأ منه، فليقتصد الانسان اذن وليسكب قليلاً الدمع وهو يتذكر الموت: هاتفٌ انّك آتٍ من ترابْواليه في غد تلقى الايابْفامضِ في رفقٍ عليه، واتّئدْواجعل الدمع عليه في انسكابْفاذرفِ الدمع سخيّاً ساخناًملءَ عينيك كماء الورد احمرْعَلَّ منك الدمع يشفي حَزَناًغير انّ الدمع لايمحو المُقَدَرْ! الا ان الشاعر يعود ليقرر ان الدموع هي مصدر الابتسامات والاحزان منبع الافراح، وانها تمثل حقيقة تدعو الانسان الى التأمل، والتفكر، واستلهام الدروس والعبر من الحياة لانها تكون عادة مقرونة بالنظرة الجادة الصارمة الى الامور. ولان الضحك قد يكون مدعاة الى الغفلة، والاغترار، ونسيان المصير الذي خلق الانسان من اجله، فلنسكب الدموع –اذن- ولكن ليس دموع الكآبة والحزن، بل دموع الاستعبار، ودموع الندم والخشوع والتي يعقبها عادة الابتهاج الروحي، والراحة النفسية. انما الدمع أيا قلبي حقيقةوبها تشدو على الغصن البلابلْكم ترى اليوم بها ناحتْ طليقهْمثلما ناحتْ من الثُّكْلِ الاراملْتُطربُ الآذانَ الحانُ البلابلْونواحُ البوم كم يذكي الشجونْ! فدعِ العُجْبَ اذا ما كنتَ راحلْفهي دنياً عَجَبٌ، دنياه فتونْ!******* المحقق الطوسي وأخلاق محتشمي - 70 2007-10-16 00:00:00 2007-10-16 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3527 http://arabic.irib.ir/programs/item/3527 وفي قصيدة اخرى من قصائد رائعته الخالدة (حديقة الحقيقة) يتحدث سنائي الغزنوي عن الموت، وما ينطوي عليه من دروس وعبر وعظات معتبراً اياه قنطرة ينتقل من خلالها الانسان من هذه الدنيا الدنيّة المحفوفة بالمكاره، والشهوات، والبلايا الى دار الخلود والبقاء والسعادة. شريطة ان يكون الانسان متزوداً الى هذه الدار بالاعمال الصالحة، وان يكون متهيئاً لدخولها بما يقدمه من حسنات وخيرات، والاّ فان الموت قد يكون وبالاً عليه، وسبيلاً الى جهنم وبئس المصير، كما يقرر سنائي ذلك في قوله: يا حكيماً عاش في هذي الحياةْانت ان مُتَّ وخلّفتَ الحياةْفُزتَ في دنيا بقاءٍ آمناًفاهجُر الدنيا تنلْ احلى حياةْليس في دنياك هذي من أملْلا ولا من راحةٍ للروح تُرْجىانّها ذئبٌ اخو غدرٍ، وهللقطيع من شرور الذئب مَنْجى؟انّما دنياك هذي مُلئتْبذئابٍ جائعاتٍ غادرهْفالام المرءُ يبقى راعياًدون اجرٍ ككلابٍ صابرهْ؟!ايّها الانسانُ حان الوقت لكيتنقل المنزلَ منها مسرعاانّ ما شيّدْتَه من اعظمٍفانطلقْ منه كَمَنْ قد فُزِّعا! ومن الجدير بالانسان ان هو امعن النظر قليلاً في حقائق الامور، وغاص في دقائقها وخفاياها، ان لايخشى الموت لانه ليس سوى ظاهرة طبيعية تغشى بدن الانسان. وعليه بدلاً من ذلك ان يخشى امر هذه الدنيا التي ديدنها الخدع والمكر، والممتلئة بكل ما هو فتن - على حد تعبير الشاعر-، والتي هي مجرد ممر الى دار الخلود والبقاء، حيث يجد الانسان السعادة الحقيقية، والفوز الاكبر: لاتخفْ موتك فيها ابداًانّه الموت الذي يغشى البدنْلاتخفْ منه وخف امّا تخفْامر دنيا مثلُها مثل النتنْوهي ليست ابداً الاّ ممرْعلى ان شيئاً من التشاؤم والسوداوية يخالط نظرة سنائي الغزنوي الى هذه الدنيا، فهو يرى في الموت منجاة من الدنيا التي هي في نظره سجن، وابناؤها أُسارى مرتهنون في هذا السجن. وهو حسب رؤيته وسيلة للخلاص من شرور بني البشر، فلماذا - اذن- لايعزم الانسان على الرحيل من هذه الدنيا، ولماذا لايستعد لمغادرتها؟ خصوصاً وانها لاتنطوي الا على الوعود الكاذبة، والاماني الخداعة. انّ في موت الاُسارى للبدنْالفَ منجاةٍ فهل يدري الاسيرْ؟آه لو يعلم من عانوا المحنْكيف يغدو عيشهم عيشَ الاميربعد هذا الموت من شرّ البشرْفلتشدّ الآن عزماً للرحيلهاجراً عيشاً به كنتَ الذليلْلم يكن غير وعودٍ خُلَّبٍولَكَمْ يحلو بأُخراكَ المقيلْ! ليس فيها من شقاءٍ وكدرْويستمر سنائي في حديقة حقيقته على عادة الزاهدين والعرفاء في ترغيب الانسان في الموت باعتباره مرحلة ينتقل من خلالها الى دار الخلاص والراحة من شرور الدنيا الى حيث عالم الارواح الطاهرة النقية والى حيث النجاة من آلام ومصائب الحياة، ومن المغترين بالدنيا، المخدوعين بها، والغارقين في شهواتها وملاذها. ودنو الانسان من الموت هو من جهة نظر الشاعر اقترابٌ من عالم السعادة والهناء، حيث السرور الدائم، والفرح الغامر الذي لاتكدّر صوفه منغصات الحياة، والعالم الطهر المبارك الذي لا يمكن ان تلوّثه نجاسات الدنيا: فاذا ساقتْك أملاكُ الردىمن اعزائك جمعاً سوف تلقىعالم الارواح هذا والنّهىكم به تلقى عن المهجور فَرْقا؟!واذا ما قادك موتٌ لديارِهْسوف تنجو من بتاريح الحياةْوستنجو من اناسٍ غَرّهُمْمن دنايا عيشهم ادنى فُتاتْعندما يدنو اليك الموتُ فاعلمْانّما انت الى دنيا السعادهْراحلٌ قلبُك عمّا كان مغرمْهاجرٌ رهطكَ في احلى وفادهْوحده الموتُ سبيلٌ موصلٌروحَك الظمأى الى دنيا الهناءْانّه عالمك الاطهرُ فاهنأْطالما جُزْتَ له درب الفناءْوالرحيل عن هذه الدنيا يعني - كما يقرر الشاعر في ابيات اخرى من منظومته- التحرر والانعتاق، وانقضاء عهد الهموم والاحزان، وبداية عهد جديد مفعهم بالمسرات واليُسْر، فمن سوى الموت ينقذ روح الانسان من سجن الجسد، ومن غيره ينتشلها من وهدة التراب، ومستنقع الشهوات؟! وهو السبيل الوحيد للخلاص من الاناس الاشرار الذي يشبههم الشاعر بالكلاب، وهو الملاذ الوحيد الذي يحتمي بواسطته الانسان الصالح المتقي من الذين اساؤوا الى المعنى الحق للحياة، وكأنّ الشاعر يشير بذلك الى ظروف عصره حيث التكالب على الدنيا، وحيث التنافس البغيض، وحيث التقاتل على زخارفها الزائلة كما توحي لنا بذلك الابيات التالية: وحده الموتُ الذي تسمو بهتاركاً مستنقعاً يدعى الحياةْانّه الموتُ اساسٌ ابداًلبقاءٍ وحياةٍ مُشتهاةْموطنُ العجز، ودنيا الضعفِ امّارحتَ منه صرتَ في الآخرِ حرّاكلّ ما عانيته عجزاً وهمّاًسوف تلقاه مسرّاتٍ ويسرامَنْ سوى الموتِ سيشري منك جسماًهاتفاً في مسمعٍ من روحك هيّا؟سوف يُعليكَ كما يُنْجيك حتماًمن مكوثٍ في ثرىْ سمّوْه دنياانّها دنيا كلابٍ هَرِمَهْليس من حامٍ غير المماتْانّها كانت وتبقى مظلمهْبأناس دنّسوا معنى الحياةْانت لن تنجو الاّ بمماتٍمن الدّاء وأُناسٍ اراذلْدارُهم دارٌ لعار التسمياتِكم بغتْ فيها وكم سادتْ اسافلْ!******* الأديب السنائي وحكم حديقة الحقيقة -2 - 69 2007-10-14 00:00:00 2007-10-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3526 http://arabic.irib.ir/programs/item/3526 من اعلام وعمالقة الادب الفارسي الآخرين الشاعر المتصوف الشهير سنائي الغزنوي الذي وُلِدَ في مدينة غزنة في اواسط القرن الخامس الهجري. كان سنائي في بداية شبابه شاعراً مدّاحاً في بلاط مسعود بن ابراهيم الغزنوي وفي بلاط بهرام شاه بن مسعود. الا ان تغييراً جذرياً اعترى حياته بعد سفره الى خراسان والتقائه عدداً من كبار مشايخ الصوفية، فجنح الى الزهد، والعزلة، والتأمل، والتفكير في الحقائق العرفانية. وكانت شخصيته الادبية والعرفانية قد اتخذت شكلها الحقيقي في هذه الفترة لاسيما بعد ان وفق الى انشاء ديوانه الخالد المشتمل على قصائده المشهورة في الزهد والوعظ والعرفان، ومنظوماته الشعرية الرائعة كحديقة الحقيقة، وطريق التحقيق، وسير العباد، وكارنامه بلخ وما شابه ذلك من روائع في الادب الفارسي، فكان سنائي من اول من تطرق الى البحث في قضايا، ومسائل حكمية، وعرفانية في قصائده ومنظوماته الشعرية. للشاعر سنائي تأثير لايمكن انكاره فيما يتعلق بتغيير اسلوب الشعر الفارسي، وخلق نوع من التجديد والتنويع فيه، صحيح انه عندما كان شاعراً مداحاً في بداية مسيرته الشعرية قلّد اسلوب شعراء العصر الغزنوي الاول خاصة اسلوب عنصري وفرّخي. الا ان اشعاره في العصر الغزنوي الثاني الذي تزامن مع فترة التغيّر والتكامل المعنوي الذي طرأ على حياته مشحونة بالمصطلحات، والحقائق العرفانية والحكمية والافكار الدينية التي تُركز على وعظ العباد، وتحثهم على الزُهد، وترك التكالب على المكاسب الدنيوية، كما كثر في اشعاره في هذه المرحلة الشعر التمثيلي الذي يمتاز بفصاحته وجزالته. اكثر سنائي في قصائده واشعاره من استعمال المفردات والتراكيب العربية، كما ازدان كلامه بالاشارات والتلميحات المختلفة للاحاديث والآيات القرآنية، وبالتمثيلات، والاستدلالات العقلية، والاستنتاجات المستوحاة منها لاثبات مقاصده واهدافه. كما كثرت في اشعاره ايضاً المصطلحات العلمية المتعلقة بمختلف علوم عصره والتي كان على المام بها، لذلك نجد ان الكثير من ابياته جاءت صعبة، وبحاجة الى شرح وتفسير. وقد كان هذا الاسلوب الذي ابتكره سنائي بداية تحوّل كبير في الشعر الفارسي، واحد الاسباب الرئيسية التي حدت بالشعراء الى ان يعزفوا عن طرح الامور والموضوعات البسيطة، والايضاحات العادية الى الاهتمام بمسائل اكثر صعوبة من خلال قصائد طويلة تتناول موضوعات كالزهد، والوعظ، والحكمة، والعرفان، والاخلاق. وهكذا فلابد من الاقرار بان كلام سنائي امتاز بالانسجام والمتانة اضافة الى الدقة في انتقاء الكلمة، والتراكيب الجديدة، والمهارة في كيفية استخدامها لصياغة معان جديدة ومبتكرة. وهذه الميزة كانت سبباً في عدم تمكن فحول الشعراء من تقليد هذا الشاعر المبدع كما سنرى ذلك في النماذج التي سنقدمها لكم مترجمة نظماً بعد الفاصل من رائعته الخالدة حديقة الحقيقة، بالاضافة الى ديوانه. في قصيدة تحمل عنوان (منزل الحوادث) يحثّ سنائي مخاطبيه على الزهد في هذه الدنيا الدنية، ويطلب منهم التسامي عليها، وان يشحذوا هممهم من اجل الانتصار على الشيطان. ذلك لان الدنيا هي دار بلاء، وهي الدار التي تسمن وتتضخم فيها الابدان، على حساب ضعف وهزال العقول والارواح، كما يقرر ذلك في قوله المترجم شعراً الى العربية علماً ان هذه الترجمة لايمكن ان تغني عن الاصل: ايّها القوم انهضوا، ولتصعدوافوق هذا الكن اطياراً قويّهْاشحذوا الهمّة، هيّا حلّقوامكمن الشيطان هذي الدنيويّهْوعلى البدر أقيموا نُزُلاًواذا شئتم فهاتوا زُحَلاماتزالون بدنيا بَدَنٍشاحبٍ اَسْرى تعانون البلاسَمِنَتْ ابدانكم انّماعقلكم والروح ظلّا هَمَلاويقرر سنائي الغزنوي كما يقرر غيره من العرفاء والمتصوفة ان الروح هي نفحة علوية على الانسان ان ينأى بها عن المادة والتراب، وان يصبّ اهتمامه على تهذيبها، وتزكيتها، ويكفّ عن الاهتمام بالجسد ومتطلباته التي من شأنها ان تحدّ من انطلاقة الروح، وتجعلنا اسيرة في المَدَيات الدنيوية. ويضرب الغزنوي لذلك مثلاً في روح عيسى عليه السلام التي تسامت نحو الملكوت الاعلى لطهرها ونقائها بعد ان تعالت على عالم المادة، وتحررت من اغلال وقيود المادة، كما يؤكد سنائي ذلك في قوله: انّما ارواحكم قد كَمُلتْفي دجىً خلف حجاب البدنآنَ للارواحِ أن تلتفتواحسبُكم شغلاً بأمر البدنِروحُ عيسى لم تزل تدعو لأعلىفلماذا همّكم دنيا الحوافر؟!همُّكم صُبَّ بأمر سوف يَبْلىأوَما الشهواتُ ربّاتُ المخاطر؟كما تُرى قادتْ خُطاكم وتقودْمن أسى شرٍّ الى شرٍّ جديدْ؟كلّ ما تعطيه من حُلْوِ الوعودْليس يبدي في غدٍ، لا لن يُعيدْويخاطب صاحب حديقة الحقيقة في موضع آخر من منظومته الارواح بانها رمز الطهارة والعفة والنقاء، ويحضّ المتلقين منه على ان ينشطوا في الصعود والارتقاء الى الدرجات والمقامات التي تليق بانسانيتهم، والتي اعدها الخالق تعالى لهم. وهو يطلب منهم ان يحكموا عقولهم في ذلك، وان يسلطوا اضواءه المنيرة الكاشفة على خفايا ودقائق الامور ليكتشفوا ان عليهم في نهاية المطاف ان يمزقوا حجب الغفلة، ويزيحوا غبار الانكباب على الزخارف الدنيوية، ويرفعوا الغشاوات عن قلوبهم وصدورهم، كما يقرر ذلك في الابيات التالية التي نختتم بها حلقتنا لهذا الاسبوع آملين ان نستكمل تجوالنا في رحاب هذه الرائعة في حلقة الاسبوع المقبل باذن الله: ايّتها الارواح يا رمز الطهارةانتِ مازلتِ بأكوام الترابْفمتى ترقين من دنيا الخسارهْومتى القاكِ قد جُزْتِ السِحابْ؟ايّها القومُ وهذا حالكمْخبّروا الغُفَّلَ من اهل الجسدْانّ في الاعلى مقاماتٍ لكمْحافلاتٍ بجلالٍ للأبدْفي سماء العقل شمسٌ ان بدتْيستحيلُ التُرْبُ درّاً وذهبْفجر يوم الحشر ما اَبْعَدَهُ! سوف يأتي بعد آلافِ الحِقَبْايّها الاحياء هيّا وانهضواوانفضوا مارانَ من هذا الترابْآن والله لكم ان تنهضواوتزيلوا عنكمو ذلّ الترابْ******* الأديب السنائي وحكم حديقة الحقيقة -1 - 68 2007-10-08 00:00:00 2007-10-08 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3525 http://arabic.irib.ir/programs/item/3525 من روائع الادب الفارسي الاخرى التي خلدها لنا التاريخ، وكانت علامة بارزة من علامات التراث الانساني والمعرفي المسطرة باسلوب ادبي بليغ. كتاب (اخلاق محتشمي) للخاجة نصير الدين الطوسي المنسوب الى مدينة طوس التي ذهب اليها لاكتساب المعرفة. وُلِدَ هذا العالم والاديب سنة 597هـ، وتتلمذ على يد السيد فضل الله الراوندي، وقطب الدين الراوندي، وروى عن الشيخ برهان الدين الهمذاني القزويني. وفي خلال اقامته في طوس التقى بجماعة من الاسماعيلية من قهستان، فتمكنوا من ضمّه الى جانبهم، فذهب معهم، وعمل في خدمة علاء الدين الاسماعيلي، ومحتشم قهستان ناصر الدين عبد الرحيم بن ابي منصور، وبتشجيع منه ترجم واُلّف العديد من الكتب. وقد ظلّ في قلاع الاسماعيلية حتى سنة 654هـ، حيث استسلم ناصر الدين لهولاكو زعيم المغول، ثم ضمّ هولاكو الخاجة نصير الدين الى بلاطه لانه كان عالماً بالفلك. ووصلت شهرة نصير الدين الى بلاد المغول نفسها، فبعث ملكها (منجوقا آن) يطلب من اخيه هولاكو ان يبعث بنصير الدين الى بلاطه، لكن هولاكو ابقاه لديه ليبني له مرصداً للنجوم، وامر بوضع اوقاف الممالك الايلخانية تحت امره حتى ينجز بناء المرصد، وبعد بضع سنوات اتمّ بناءه في مدينة مراغة بشمال غرب ايران، واعتبر من اعظم مراصد ذلك العصر. يعدّ نصير الدين الطوسي من ابرز الفلاسفة، وعلماء الفلك الايرانيين، كما انه كان من كبار علماء الرياضيات واستطاع ان يحل كثيراً من المسائل الرياضية المعقدة. ورغم انه عاش في عصرمضطرب الا انه لم ينقطع عن المطالعة، والتدريس، والتأليف، فكان شمعة مضيئة في ليل التتار المظلم، واستطاع بفضل ما احرزه من حظوة لدى المغول ان يحفظ كُتُباً وآثاراً نفيسة من الدمار، وان ينقذ العديد من المفكرين، والعلماء من الموت على يد هولاكو. وبعد خروج نصير الدين من قلاع الاسماعيلية اخذ يدعو الى مذهب الامامية الاثني عشرية بحيث اعتبر من هؤلاء الائمة هم قادة الامة، وان من عداهم خارجون عن الاسلام. وكان بالاضافة الى ذلك حُرّ الفكر، ولم يكن متعصباً لمذهبه، اذ كان يتحاور مع العلماء من شتى المذاهب، وقد ترجم كتاب (تطهير الاعراق) لابي علي مسكويه من العربية الى الفارسية وهذّبه، كما الّف كتاب (اخلاق ناصري) باسم ناصر الدين خورشاه، وفيه يظهر آراءه في الاسماعيلية. كما الّف (زيج ايلخاني) اي، الزيج السلطاني، وتحدث فيه عن بناء مرصد مراغة، وفي العروض الف رسالة باسم (ميزان الافكار في شرح معيار الاشعار). كما الّف كتاب (اخلاق محتشمي) الذي نحن بصدد استعراضه، والتعريف به في حلقة هذا الاسبوع، وفيه كثير من قواعد الاخلاق والحكمة والموعظة الدينية وغيرها. يقع هذا الكتاب في اربعين باباً يتحدث اولها في الدين، وثانيها في معرفة النبوة والامامة، وخصّص الباب التاسع والثلاثون للامثال والشواهد والآداب والمواعظ، واما الباب الاربعون فهو في الحكايات والنوادر والنكت والنصائح. ويمتاز الكتاب بان عباراته تتضمن كثيراً من الكلمات والمصطلحات العربية رغم استخدامه للصور والتشبيهات التي يستعملها الفلاسفة خاصة في بابيه الاول والثاني. كما ترد فيه افكار ومصطلحات للباطنية الاسماعيلية لان الطوسي امضى فترة من حياته في قلاع الاسماعيلية وتأثّر بتعاليمهم. ويستشهد الطوسي في كتابه بكثير من آيات القرآن الكريم، والامثال، والاشعار العربية النادرة، اما تسميته بـ (اخلاق محتشمي) فيرجع الى ان الكتاب يدور حول مكارم الاخلاق والفضائل. وقد كان خاجة ناصر الدين عبد الرحيم بين ابي منصور محتشم قهستان في ايران قد بدأ تدوينه، ولكثرة مشاغله طلب من الطوسي ان يكمله، فكان ان سمّى الكتاب بهذا الاسم. يقول نصير الدين الطوسي في الباب الاول من كتابه (اخلاق محتشمي) والذي يحمل عنوان (في الدين ومعرفة الخالق جلّ ذكره): (مَنْ عرف نفسه فقد عرف ربّه، تفكّروا في نعم الله، ولا تفكّروا في الله، الايمان عارٍ، ولباسه التقوى، وزينته الحياء، وجماله العفّة، وثمرته العلم...). وعن التوحيد، والعدل وسائر اصول الدين يقول الطوسي: (التوحيد هو ان لاتتصور الله في الوهم، والعدل ان لاتتهمه. واصل الدين صحة اليقين. والمغبون من كان في دينه خلل، والمغبوط والمحسود مَنْ تمّ يقينه. ان غاية سعي العبد ان يتحد مع ربه، ونهاية هذا السعي ان يستغني عن غيره. لقد كنتُ اشرب الماء دوماً فيزداد عطشي، وحينما عرفت الله، رُويتُ دون ان اشرب الماء!). وفي الباب الثاني الذي خصصه للحديث عن النبوة، والامامة، وخلوِّ الزمان منهما يقول الخاجة نصير الدين الطوسي في كتابه (اخلاق محتشمي) مشيراً ال منزلة النبي صلى الله عليه وآله: (لو كان الخَلْقُ شجرةً لكان ثمرتها، ولو كان الناس معادن لكان ذهب هذه المعادن، ولو كانت الدنيا بستاناً لكان نخلها ورمّانها، ولو كانت الآخرة حيواناً لكان انسانها...). وحول الكمال الانساني، وانواعه، يورد لنا الطوسي عن بعض الحكماء قولهم: (للناس نوعان من الكمال، احدهما طبيعي، والآخر نطقي، فأما الكمال الطبيعي فانه لاينفك يتحد معه من باب الطبع. واما الكمال النطقي فلا يظفر به الاّ مَنْ كان اهتمامه وعنايته بنفسه في مباشرة الاعمال التي يكون فيها مختاراً بذاته وصادقاً سواء العلمية منها ام العملية. فقد شبهوا الكمال الطبيعي بصورة حيوانية تتمثل في الدجاجة، والكمال النطقي بصورة حيوانية في البيضة، ولذلك فان الناس محتاجون في الكمال النطقي الى معونة تكميلية من الخارج، كما هو الحال في البيضة المحتاجة الى دجاجة تتولى حضانتها حتى تصل الى الكمال الخاص. فاذا ما اهتم الخَلْق دوماً بالكمال، فسوف يكون المكمل موجوداً بينهم على الدوام...). ******* الأديب الأسوري وشعر المعاناة - 67 2007-10-06 00:00:00 2007-10-06 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3524 http://arabic.irib.ir/programs/item/3524 حيث الفصاحة والبلاغة، والكلمة الطيبة المعبرة، والحكمة المغلفة بوشي البديع، وحسن الصينع. من بين شعراء الفارسية العظام الذين تركوا بصماتهم الواضحة، وآثارهم العميقة على الادب الفارسي على مر العصور بفضل ما خلفوه من روائع. الشاعر الكبير مسعود بن سعد بن سلمان الاسوري الذي يعد من شعراء النصف الثاني من القرن الخامس، واوائل القرن السادس الهجري، ويعتبر ركناً قوياً من اركان الشعر الفارسي. اصله من همدان الا انه ولد في لاهور خلال الفترة من 438 وحتى 440هـ، وكان والده من عمّال السلاطين الغزنويين وجباتهم مما مهد الطريق امامه كي يصبح من رجالات الدولة الغزنوية ايضا. الا انه ترك معترك السياسة، وزجّ بنفسه في خضم وقائع الدولة الغزنوية مما ألّب الصدور عليه فدخل السجن لمدة عشر سنوات ابان فترة حكم السلطان ابراهيم الغزنوي التي امتدّت من عام 450 وحتى 493هـ. وسجن مرة اخرى مدة ثماني سنوات في عهد السلطان مسعود بن ابراهيم الذي حكم من سنة 493 حتى 509هـ. ولقد اثرت هاتان الحادثتان في شعره تأثيراً كبيراً وعميقاً، الامر الذي حفزه على ان يرفد الادب الفارسي بعدة قصائد فريدة من نوعها في هذا الادب استحوذت على اهتمام واعجاب النقاد في مختلف العصور. عمل مسعود سعد حتى آخر سنوات عمره اي حتى عام 515هـ في ادارة وتسيير امور مكتبات سلاطين غزنة، وكان يتمتع بقدر كبير من الفصاحة. وقد اشتهر باسلوبه المحبب، وكلامه البليغ المؤثر، فلا يمكن انكار مقدرته على بيان المعاني الرقيقة، والتخيلات الدقيقة، والمضامين الجديدة من خلال كلمات فصيحة ومنتقاة. مهارته معروفة في حسن التنسيق والتناسب بين التراكيب، وابتكار التعابير الجديدة، والتركيبات البكر، والاوصاف الرائعة التي لم يسبقه اليها احد. حظيت قوة التأثير في شعره (خاصة في حبسياته الرائعة التي نظمها خلال الفترة التي ابتلي فيها لمدة ثمانية عشر عاماً بالسجن باهتمام خاص منذ العصور القريبة من عهده). وقد تم جمع ديوانه خلال حياته على يد الشاعر الكبير سنائي الغزنوي، واعتبر ديوانه من اهم مراجع اساتذة الكلام وخصوصاً قصائده التي بثّ عبرها حزنه وشكواه، وانينه بسبب فقدانه لحريته، ووشاية الاعداء والحساد به، والتي تعدّ بحق من روائع الشعر الفارسي، والتي تذكرنا الى حد كبير باشعار ابي فراس الحمداني التي انشدها خلال فترة اسره على يد الروم، وتخلي من كان يحسبهم عماده وسنده عنه. سنختار لكم فيما يلي بعض المقطعات من حبسيات الشاعر مسعود سعد سلمان مترجمة شعراً الى اللغة العربية يبدو الشاعر السجين في طائفة منها قوياً، مستهيناً بالمخاطر، والاحداث التي من شأنها ان تهد عزائم الرجال فنراه يقول تارة: ما على عزمي المتين اذا ماخرّ من قسوة الحصون الرهيبهْفأنين الفؤاد يعلو وئيداًانهكتْ عزمه، وزادت وجيبَهْالا ان الضعف البشري ما يلبث ان يتسلل الى قلب شاعرنا وهو يرى نفسه حبيساً بين اسوار (قلعه الناي) الشاهقة ذات الحجارة الصماء، بل انه يطلق العنان لدموعه، فتسيل معلنة خوارعزمه، وكاشفة عن لحظات ضعفه فيطلق عقيرته بالانين والشكوى قائلا: قلعة الناي، يا حصوناً أفاضتْدمعَ عيني، وكان قبلُ عنيدافالهواء المخزون اتعب صدريفهمى الدمع من عيوني نشيدًأوَ ما كِدتَّ ايّها الفلك الدوّارُتقضي من العذاب عَلّيا؟ّ! وأتاني الشعرُ الحبيبُ عزاءًعدتُّ من نظمه القويّ قويّاوهكذا يستمد الشاعر قوته، ويستعيد مقاومته وصموده، وهو يرى نفسه ربّ الكلام، وسيد القوافي، وفارس النظم والانشاد، والتعبير عن خلجات النفس، فيعود اليه شيء من عزمه، ويقبل نحوه قدر من عزائه، فيحاول ان يتعالى على الالم والمحنة قائلا: لن تهدّ السجونُ يوماً بنائيلا ولن يدرك العذابُ قضائيان قدْري في السجون يعلو، وجاهيوغداً يعلم الزمانُ ابائيهامتي تنطح السحاب، وانيبابائي فوق الثريّا اسيرجاريَ البدرُ والنجومُ رفاقيوكما شيئت في مداها أطيرُويفتخر الشاعر ويزهو حتى بدموعه لانها تحولت بصدقها وواقعيتها الى كلمات خالدة، وابيات رائعة سيخلدها الدهر، ويجعل منها لآلئ ودرراً يسرّ الناظرين مرآها كما يؤكد ذلك في قوله: انثر الدرّ واللآلئ حيناًوبزهو اختال حيناً، وحيناًمن كنوز الدموع اهدي اليهالؤلؤاتٍ تسرُّ منها العيوناولا ينكر شاعرنا السجين وهو يعيش بكل وجوده غمرات المحنة والمعاناة، والالآم التي لا تطاق ان الهموم والاحزان قد هدّت كيانه فجعلته يبدو خائر العزيمة في بعض الاحيان، مستسلماً منقاداً لضعفه البشري، الا ان عزاءه الوحيد في ذلك، والدرع الذي يقيه من شماتة الاعداء هو انه انما ابتلي بالذلّ بعد عزّ، وانه لم يكن قبل ذلك جديراً بهذه الحالة التي آل اليها: ان يكُ الحزنُ قد أساء لطبعيواعتراني منه الهزالُ قليلالم أكن قبل بالهموم جديراًلا ولا كنتُ للدموع خليلاالا ان هذه الحالة انقلبت الآن، فاذا بالمصائب والمحن تعصف بكيان الشاعر فتهدّ كيانه، وتتركه هزيلاً ضعيفاً امامها، وتخرس لسانه فيحير لمن يبث شكواه وهمومه، ايبثها للجدران الصماء، والحجارة القاسية الكأداء؟! فلنستمع الى شاعرنا مسعود سعد سلمان وهو يطلق قريحته في لحظات ضعفه ووهنه: وأنا الآن هدّني ما أُعانيفتراني كأنمّا لا تراني! كاد ما في جوانحي من عناءٍومن الحزن ان يكلّ لسانيلحظة لا أطيق حتى نشيداًحينما لا أرى لقولي سميعاان يكن ما سوى الجدار اماميفلمن أُرسل النشيد البديعا؟!******* الحكيم الخيام ورباعيات الزهد والعرفان-4 - 66 2007-10-01 00:00:00 2007-10-01 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3523 http://arabic.irib.ir/programs/item/3523 يستمر الحكيم عمر الخيام في رباعياته الزهدية في تأكيد كون الدنيا فانية زائلة مع فناء وزوال كل شيء فيها حتى وان كان متمثلاً في الملوك والاباطرة رغم كل مظاهر قوتهم وجبروتهم من قصور فخمة، وجيوش مجيشة، وخدم وحشم، وحُكم وتسلط على العباد والبلاد. فهذه المظاهر كلها مصيرها الزوال مهما طال امدها، وهي لابد ان تتحول الى حطام، وخرائب تسجع فيها الطيور، وتجول في ارجائها الوحوش معلنة ان الزوال هو مصير كل ما على وجه الارض، ومحذرة الانسان من الغرور والطغيان المؤدي الى الهلاك في الدنيا والآخرة، كما يقرر ذلك الخيام في قوله: (ان ذلك القصر الامبراطوري الذي يناطح الفلك علّواً وكان الملوك يضعون على بابه وجوههم ويتوجهون اليه من كلّ صوب رأيته وقد جلست على شرفاته ورقاء وهي تسجع وتقول: أين؟ أين؟). ومن جانب آخر يعلن الخيام ان الاجل، وبعبارة اخرى، الموت، هو سرّ الاسرار، ولغز الالغاز، هو المعمّى الذي لم يستطع احد حلّه، والقاهر الجبار الذي لم يكن بمقدور اي انسان مهما اوتي من اسباب القوة والعظمة ان يقهره، ويتغلب عليه كي يظل خالداً مستعصياً على الموت! ويعلن الخيام في هذا المجال انه - كعالم وحكيم- استطاع ان يفسر جميع الظواهر الكونية، والمظاهر الحياتية بحيلة العلم، ودهاء الحكمة الا انه وقف عاجزاً مفحوماً امام حقيقة الموت القهارة التي لابد لكل انسان بل وكل ما على وجه البسيطة ان يواجهها، ويذوق مرارتها شاء ام أبى ... يقول حكيمنا عمر الخيام في هذا الصدد: (لقد حللت جميع مشكلات الكون الكائنة بين حضيض التراب، وبين ذروة الزحل وتخلّصت من عقدة كل مكر وحيلة الاّ عقدة الاجل!). ويقرر الحكيم الخيامي انه كزاهد يشيع في جنبات نفسه الايمان بالخالقي تعالى، وتمتلئ روحه بالشعور بالتسليم امام قضاء الله وقدره، فانه لا يبالي الموت، وذلك باعتباره حقيقة، وباعتباره مرحلة لابد للانسان من ان يجتازها، الا ان الامر الوحيد الذي يخشاه، ويحسب له الحساب اكثر من الموت نفسه هو ان يواجه الموت والرحيل من هذه الدنيا دون ان يعدّ العدّة، ودون ان يهيئ الزاد من حسنات، ومن اعمال صالحة. وكأنه يريد ان يعلن من خلال ذلك ان الانسان الحصيف العاقل ينبغي ان يكون همّه اعداد العدّة للموت لكي يكون موته هذا سهلاً هيّناً، ولكي يجتاز هذه المرحلة العسيرة بنجاح وتفوق محولاً اياها الى خطوة نحو الاحسان والافضل. فلسنتمع الى الخيام وهو يحثنا على الاستعداد للموت: (لا تظنّ اني اخشى فراق الدنيا او اخشى الموت، وذهاب الروح فبما ان الموت حقيقة، فاني لا ابالي به ولكنني اخشى من سوء اعمالي!). ويستمر الخيام في تزهيد الانسان بالدنيا، وفي مواجهة الموت بشجاعة مادام يموت مرة واحدة، فما دام الموت واحداً بجميع انواعه واشكاله، فلماذا كل هذا الحرص والتشبّت من الانسان بالدنيا، ولماذا كل هذا الخوف والفرق من الاجل، ولماذا كل هذا الاغتمام، والتحسّر على مغادرة الدنيا، وتركها. فالانسان بموته لايترك في هذه الدنيا سوى جسدة الفاني الزائل الذي سيعمل فيه الدود، وتنخر فيه الآفات، ويتحول الى تراب ليعاد بعثه، وتتجدد صياغته يوم الحشر والنشور، فلماذا - اذن- كل هذا الفزع والرعب؟! هكذا يخاطب الخيام الانسان قائلا: (بما انك تموت مرة واحدة لا مرّتين فما هذا العجز، وما هذه المسكنة والشقاء؟! دمٌ ونجاسة وقبضة من عروق وجلد افرض كأنها لم تكن، فما هذا الاغتمام؟! ياربّ اني وان اذنبت ملء الارض فان رجائي ان يأخذ عفوك بيدي لقد قلت: اني آخذ بيدك يوم العجز فلا تردني اعجز من حالي التي انا عليها الآن). ويواصل الخيام مدّ يدّ الضراعة والتوسل في الرباعية الاخيرة من رباعياته الزهدية الاربعين، فيخاطب الخالق تعالى، بانه محيط بكل شيء، عالم بكل ما يدور في هذا الكون مهما صغر ودقّ، واقف على كل حركة وسكنة فيه. وبانه الخالق الذي سبقت رحمته غضبه، وبذّ رضاه سخطه، والذي كتب على نفسه الرحمة، واخذ على ذاته المقدسة الصفح والغفران وخصوصاً في المواقف التي يبدو فيها الانسان عاجزاً، ذليلاً، لا حول ولا قوّة لديه سوى اللجوء الى خالقه، واللوذ بتلابيب عفوه، والتمسك بشآبيب رحمته ورفقه. وفي ختام رباعياته الزهدية هذه، يرفع الخيام يديه بالدعاء والمناجاة، ويرنوا الى السماء بطرف الخضوع والتوسل الى الخالق سبحانه وتعالى، في ان يعفو عن ذنوبه وان كانت ملء الارض، ويصفح عن آثامه وخطاياه وان غمرت وجوده وكيانه. ويتضرع اليه جل وعلا، في ان لا يرده خائباً عاجزاً مخذولا، وان يرفق به ويأخذ بيده في يوم العجز والفاقة، اليوم الذي لاينفع فيه مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم، وبزاد من التقوى والاعمال الصالحة. والرجاء الذي يحدو الشاعر الى ان يطلب العفو والغفران من خالقه هو وعده تعالى للعباد بان يصفح عن ذنوبهم، ويكفّر عن سيئاتهم في مواقف العجز، وانعدام الحول والقوة، ولكن شريطة ان يحسن العبد الظن بالله عزوجل، وان تمتلئ نفسه بالثقة من الغفران وصفح الذنوب. وبذلك يمدّ الشاعر مرة اخرى يد الالتماس والخضوع والضراعة الى بارئه وخالقه طامعا في غران الذنوب، والتجاوز عن الخطايا والسيئات، والتوفيق الى التوبة، وقبول العذر، فيرفع صوته بالدعاء قائلا: (يا عالم اسرار ضمير كل عبد ويا من يأخذ بيد كل عبد في حالة عجزه ياربّ وفقني بالتوبة، واقبل عذري يا معطي التوبة، وقابل عذر كل عبد). ******* الحكيم الخيام ورباعيات الزهد والعرفان-3 - 65 2007-09-29 00:00:00 2007-09-29 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3522 http://arabic.irib.ir/programs/item/3522 وكلنا امل في ان تمضوا معنا اوقاتاً حافلة بالفائدة والمتعة عند رحاب التراث الادبي الايراني المكتوب باللغة الفارسية. فأهلاً ومرحباً، وندعوكم الى متابعة تجوالنا في جنبات ادب الحكيم عمر الخيام. في رباعية اخرى من رباعياته الزهدية، يوجه عمر الخيام خطابه الى اهل الدنيا المتعلقين بزخارفها، وادرانها، المغترين بطول الامل، وبالاسباب الظاهرية فيقول: (كم تكون اسير الكون والرائحة؟! وكم تسير وراء القبيح والحسن؟ ستغور في جوف الارض ولو كنت عين زمزم او ماء الحياة! الى متى الغمّ من اجل المال؟ وما هذه الحسرة لاجل الدنيا؟ أرأيت احداً عاش خالداً فيها؟! ان هذه الانفاس العديدة في جسدك مستعارة فينبغي ان تعيش مع المستعار كالمستعار!). والدنيا وان طال امدها، وان عاش فيها الانسان لسنوات متطاولة عديدة، وزائلة لا تقوى على الثبات والدوام، فالافضل للانسان - اذن- ان يفكر في نهايتها، ومصيرها، وان يتصرف فيها بوحي من هذا التفكير، كما يقرّ ذلك الخيام في قوله: (هَبْ ان الدنيا جرت بمرادك فيما هي النهاية؟ وهَبْ رسالة العمر مقروءة فما هي النهاية؟ افرضْ انك بقيت في الدنيا سعيداً مائة عام وافرض انك عشت فيها مائة سنة اخرى فما هي النهاية؟). ويرى الخيام ان الرزق مضمون للانسان، وان هذا الانسان يجب ان يكون على ثقة من ضمان الله عزوجل للرزق له، فلا ينحني لاحد، ولا يرشق ماء وجهه مستجدياً من الآخرين، ولا يذلّ نفسه لان في ذلك سوء ظن بالخالق تعالى، وعدم اعتماد عليه. والقناعة هي التي يجب ان تكون رائد الانسان في ذلك، فهي سرّ العزةّ، وسبب الاستغناء عن المخلوق، وعدم التورط في ذلّ الحاجة اليه، كما يؤكد الخيام ذلك في قوله: (اذا كان رغيفٌ في يومين حاصلَ الانسان وجرعةُ ماء بارد من كوز مكسور ساعةً فلماذا يُسلّم الزمام لشخص آخر او يكون خادماً لانسان آخر مثله؟! من يملك في الدنيا نصف رغيف، وعُشاً لسكناه ولم يكن خادماً لاحد ولا مخدوماً فقل له: عش فرحاً سعيداً لان له دنيا طيبة!). والدنيا من وجهة نظر الخيام وغيره من الزاهدين هي دار النَصَب والتعب، ومرتع الهموم والاحزان، ومجمع الآفات ومظاهر الظلم، ولهذا فان على الانسان ان لايتوقع الهناء والراحة فيها، كما يشير الى ذلك في رباعيته التالية: (انّ العالم كلّه محنة، والايام غمٌ وان الفلك كلّه آفة، والدنيا ظلم واجمال القول: اني لما نظرت في شؤون هذا الكون لم اجد احداً ذاق طعم الراحة، وان وُجد فقليل). وبالجملة فان هذه الدنيا هي دار الارتحال، ودار الغفلة، وكل شيء فيها مصيره الزوال، والذهاب دون أوْبةٍ: (ارى فوق الفراش اناساً نائمين وأرى تحت الارض اناساً مختفين وكلما انظر الى صحراء العدم فأني ارى اناساً ذاهبين غير آيبين). ومادام مصير كل شيء في هذا العالم الى التراب فلماذا هذا الغرور من قبل الانسان؟ ولماذا يتعالى على التراب الذي منه خُلق واليه يعود، ان هذا التراب الذي يسير عليه الانسان متعالياً، مَرِحاً ما هو الا ذرات اجساد الناس الآخرين الذين تركوا هذه الدنيا قبلنا... لقد تحولوا جميعهم غنيهم وفقيرهم، وصغيرهم وكبيرهم، وقويّهم وضيعفهم الى ذرات من التراب، واضحوا سواسية بعد ان كان الغرور يملأ نفوسهم وارواحهم، فلماذا اذن كل هذا الغرور، ولماذا كل هذه الغطرسة؟ هكذا يتساءل الخيام قائلا: (رأيت امس كوّازاً (خزّافاً) في السوق يَركُل دون هوادة قطعة من الطين فكان الطين يقول بلسان الحال: لقد كنتُ مثلك انساناً، فارفق بي، وعاملني بالحُسنى! مررتُ بمصنع كوّاز فرأيته قائماً على العجلة يصنع للدنّ والكوز عروة ورأساً من رأس الملك ويد الفقير! جئنا من العدم طاهرين فتوسّخنا ودخلنا في الدنيا مرتاحين فصرنا مغمومين كنا من ماء العين في نار القلب فأضعنا العمر، وتوارينا في التراب!). ومادام امر الدنيا كذلك، فليقتصد الانسان فيها، ولينظر اليها نظرة الاستصغار والاستهانة، فلا يركن اليها، ولا يعتمد على اسبابها الظاهرية، مادامت اشياؤها الى زوال، وما دام هو نفسه سيتحول فيها الى تراب، وسيقع تحت طائلة الآخرين، هكذا يدعو الخيام الانسان الى الزهد والاقتصاد قائلا: (طِبْ نفساً بما يسّره الله لك وقدّره فان العالم سينقضي، وتمسي الروح نّواحة دون الجسد وان هذه الجماجم التي تراها اليوم ستقع تحت رَكل اقدام الكوّازين!). ويشير الخيام الى تغير احوال الدنيا، وتردد الناس المستمر فيها، وعدم دوام ملكها لأحد، فاذا بالملوك يذهبون ويأتون، متحولة قصورهم في النهاية الى خرائب تسكنها الطير، وتجول في ارجائها الوحوش: (هذا القصر المسمّى بالعالم والمستقرّ الأبلق للصباح الوضّاء والليل المُظلم هو محفل بقي من مائة جمشيد وقصر كان مُتكأً لمائة بهرام طُورٌ رأى مائة الف موسى ودَيْرٌ رأى مائة الف عيسى وقصرٌ تركه مائة الف قيصر وايوانٌ رأى مائة الف كِسرى ان ذلك القصر الذي تناول فيه جمشيد الكأس ولدتْ فيه الغزالة، واستراح فيه الثعلب هل رأيت بهرام الذي كان يحتضن القبر طول عمره كيف احتضنه القبر؟!). ******* الحكيم الخيام ورباعيات الزهد والعرفان -2 - 64 2007-09-26 00:00:00 2007-09-26 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3521 http://arabic.irib.ir/programs/item/3521 حيث العبارات البليغة الرصينة، والاشارات المعمقة الطريقة من روائع الادب الفارسي. والتي اشرنا الى انها تختلف عن الرباعيات الشهيرة المنسوبة اليه، وانها تتناسب اكثر مع شخصية هذا العالم والحكيم الشهيرة التي اشاد بزهدها وورعها واستقامها جميع معاصريها. ففي باب ضرورة التسليم لحكم الله جل وعلا، وحكمته في خلقه، ووضعه كل شيء في موضعه دونما زيادة او نقصان يقول حكيمنا عمر الخيام: (لايوجد حَكَمٌ يستحق الحُكَم غير الله ولا يوجد حُكْمٌ افضل من حكم الله وكل شيء (من الموجودات) هو كما ينبغي ان يكون ولا يوجد شيء هو ليس كما ينبغي ان يكون...). ويقرر الخيام في رباعية اخرى ان الانسان لايمكنه بمداركه المحدودة، ومعلوماته التي توصل اليها بالحس، ان يدرك سر الحياة وحكمتها، كيف وهو لا يعلم اسرار ما بعد هذه الحياة؟! يقول الخيام في هذا الصدد: (لو كان القلب عَلِمَ سرّ الحياة كما هي لَعَلِمَ الاسرار الالهية في الموت ايضاً ما عرَفتَ شيئاً ايّها الانسان وأنت صاحٍ فماذا ستعرف اذا ذهلت غداً؟!...). ويدعو الحكيم عمر الخيام في رباعياته الارشادية والزهدية الانسان الى التفكر في خلق الله سبحانه والى تثبيت وتدعيم ايمانه من خلال هذا التفكر قائلا: (انظر الى الوردِ وقد تمزّق جلبابه من تأثير الصّبا وطربِ البلبلِ من جماله اجلسْ في ظلّ شجرته مظالما طلع من التراب وعاد الى التراب وقال الورد: لا وجه اجمل من مُحيّاي فلماذا هذا الجَوْر الذي ألاقيه مِنْ عاصِر الورد الظالم؟! فكان البلبل يجبيه بلسان الحال قائلا: من الذي ضحك يوماً، ولم يبكِ عاماً؟!). ويخلص الخيام من ذلك الى هذه النتيجة وهي ان يغتنم الانسان فرصة عمره القصيرة معتمداً في ذلك على ما يمليه عليه عقله ومنطقه، ومختزناً من زاد الاعمال الصالحة، والصفات الحميدة ما يبيّض به وجهه في يوم الحشر والجزاء، فلنستمع الى الخيام وهو يهمس في آذاننا بلسان الوعظ والارشاد: (انّ هذا العقل الذي يسير في طريق السعادة يقول لك كلّ يوم مائة مرّة: ادركْ واغتنم هذه الفرصة القصيرة لعمرك فانك لستَ عشباً يحصدونه فينبت ثانياً؟! في اليوم الذي يُجازى فيه مقابل كل عمل سيُحدّد قدرك بقدر معرفتك فاجهد في سبيل الحصول على العمل الصالح لانك ستُحْشر يوم الجزاء بصورة العمل). ويطلب الخيام من الانسان ان يكون موضوعياً وواقعياً، وان لا يُغلَّ نفسه وعقله بقيود الخرافات، والاوهام المريضة الواهنة، فلاينسب الامور التي تُعرض له في حياته الى كائنات لا وجود لها كالفَلَك، والزمان، والدهر: لاتعزوا الى الفلك الخير والشرَّاللذين هما في طبيعة البشرولا الفرح والغمّ اللذين هما في شؤون القضاء والقدر لان الفلك في سبيل العقل اعجزُ منك الفّ مرّة فهو مخلوق وفوقه الخالق عزوجل يديره كيف يشاء. وعلى فان الاولى بالانسان الذي يُحَكَمُ عقله ان لا يتبع الهوى لانه سبيل الهلاك، وان يفكر في مبدئه، ومحياه، ومماته، والمصير الذي سيؤول اليه، كما يحدثنا الخيام بذلك قائلا: (اذا اتّبعت شهوتك وهواك فستهلك لا مُحاله انظر من انت؟ ومن اين جئت؟ واعلم ماذا تعملْ، واين تذهب؟). وفي باب المؤاخاة، واتخاذ الاصدقاء يبدو الخيام سيئ الظن بالزمان واهله متشائماً بعض الشيء، فهو يوصي بالاقتصاد والاعتدال في ذلك محذراً من العدو الذي ربما يستبطنه الصديق، فيعلن محذراً: (الافضل ان لاتتخذ الخليل في هذا الزمان الا قليلاً والاحسان ان تكون الصحبة مع اهل الزمان من بعيد فالذي تتّكئ عليه بالكلّية، وتعتمد على خلّته ربما يظهر عدوّاً لك حينما تفتح عينَ العقل). ويلتفت الخيام في رباعية اخرى الى الشباب فيوصيهم بان لا ينخدعوا بالدنيا، ولا يركنوا اليها معتمدين في ذلك على شبابهم، وطراوتهم، وحيويتهم، فلطالما كان الشباب مدعاة الى الهلاك، ولربما عصفت الرياح بالورود قبل تفتحها فاقتلعتها، ونثرتها على التراب: (ربّ دماءٍ للناس سفكها الفلَكُ الذي لا يبالي وربّ وردٍ طلع من التراب، وتناثرت اوراقه تماماً لاتغترّ ايّها الشاب بحسنك وشبابك فربّ كمةٍ تناثرت على التراب غير متفتحة!). ******* الحكيم الخيام ورباعيات الزهد والعرفان -1 - 63 2007-09-23 00:00:00 2007-09-23 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3520 http://arabic.irib.ir/programs/item/3520 حيث الكلمة الطيبة، والموعظة الحسنة المتوشحة بوشاح البيان البديع، والبلاغة الرائعة، والادب الرفيع. الحكيم عمر الخيام النيسابوري هو واحد من عمالقة العلم والادب في بلاد ايران، واليه تنسب الرباعيات المعروفة باسمه، بالاضافة الى رباعيات اخرى في الحكمة، والاخلاق، والدعوة الى الزهد تبلغ اربعين رباعية. وهذه الرباعيات الاربعون هي التي ستكون موضوع حلقتنا لهذا الاسبوع من برنامج عبارات واشارات نظراً الى ما تتضمنه من معان واشارات اخلاقية وعرفانية سامية هي الاقرب الى نفسية عمر الخيام، وطبيعة توجهاته اكثر من الرباعيات الشهيرة المنسوبة اليه والتي تشتمل على آراء ووجهات نظر فلسفية تبدو مادية والحادية واباحية نستبعد ان تصدر عن مثل هذا العالم الاسلامي الجليل. وقبل ان نبدأ باستعراض تلك الرباعيات الاربعين ذات المعاني الاخلاقية، والدينية، والزهدية لابد من القاء نظرة على حياة، ومؤلفات هذه الشخصية البارزة في ميدان العلم والادب، وذلك بعد الفاصل. اسم شاعرنا عمر، وكنيته ابو الفتح، ولقبه غياث الدين، ووالده ابراهيم النيسابوري، واشتهر بالخيام او الخيامي لاشتغاله هو او والده بهذه المهنة. وقد اتفق اكثر المؤرخين على ان عمر الخيام ولد في نيسابور من اعمال خراسان في النصف الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي، وتوفي قبل انتهاء الربع الاول من القرن الثاني عشر الميلادي. نشأ الحكيم عمر الخيام في مسقط رأسه نيسابور، وتربى على يد استاذه الكبير المعروف بالامام الموفق النيسابوري الذي كان من اجلّ علماء فارس في عصره. وقد اشتهر عمر الخيام بفطنته وذكائه ابان تعلمه بين اقرانه من المتعلمين حتى تخرّج بتفوق وبراعة في كل من العلوم التي درسها ولاسيما علم الفلك، ولهذا نجد اكثر المؤرخين يصفونه فيما يصفون بالحكيم الفلكي. ولما اراد الملك السلجوقي سنة 467هـ تعديل التقويم السنوي كان عمر الخيام على رأس الفلكيين الذين انتدبوا لهذا الغرض، فاثبت في هذه المهمة من الحذاقة ما كان موضع الاعجاب والتقدير، حتى اخذ صيته ينتشر في انحاء العالم. وهكذا فقد كانت لعمر الخيام مكانة عظيمة لدى الحكماء، وعند العلماء في عصره، وملوك زمانه، فكانوا يعدونه في الحكمة ثاني ابن سينا، ويصفونه بانه اعلم اهل زمانه في علم الفلك والنجوم. وقد ابى عمر الخيام ان يقبل ما عرض عليه من امارة نيسابور على ما تفيد بعض الروايات، وقال لصاحبه الوزير نظام الملك: (لا اريد منك اكثر من ان تدعني اتفيّأ طرفاً من ظلال نعمتك الفيحاء لكي اتمكن من نشر ضياء العلم ونور المعرفة داعياً لك بدوام العزة وطول البقاء... فأجابه الوزير، واجرى له مرتباً سنوياً قدره الف ومائتا مثقال من الذهب، مثبتاً بذلك انه كان من اولئك العظماء الذين اقتنعوا من نعيم الدنيا بالكفاف وبقدر ما يتمكنون من تأدية مهمتهم نحو البشرية...). وقد روى الكتّاب الذين أرّخوا للحكيم عمر الخيام الكثير من الاشعار الحسنة بالفارسية والعربية مشيرين بذلك الى انه كان اديباً قديراً، وصاحب ذوق رفيع في نظم الشعر، فمن اشعاره قوله مفتخراً بسيره على الصراط المستقيم الحق: اصوم عن الفحشاء جهراً وخفيةعفافاً وافطاري بتقديس فاطريوكم عصبة ضلّت عن الحق فاهتدتبطرق الهدى من فيضي المتقاطرفان صراطي المستقيم بصائرنُصبن على وادي العمى كالقناطرومن اشعاره الرائعة الاخرى في ذم الدنيا، والدعوة الى الزهد والاقصار فيها قوله: اذا قنعتْ نفسي بميسور بلغةٍيحصّلها بالكدّ كفيّ وساعديأمنت تصاريف الحوادث كلّهافكن يا زماني مُوعِدي او مُواعديمتى ما دنت دنياك كانت مصيبةًفسيان حالاً كلّ ساعٍ وقاعدومن اشعاره الزهدية الاخرى المنسوبة اليه في الشكوى من الزمان واهله، وقلة وفاء الاصدقاء والخلان مارواه عنه الشهرزوري من قوله: رَجيتُ دهراً طويلاً في التماس اخٍيرعى ودادي اذا ذو خلّة خانافكم الفت وكم آخيتُ غيرَ أخٍوكم تبدّلتُ بالاخوان اخواناوقلت للنفس لما عزّ مطلبُهابالله لاتألفي ما عشتِ انساناتلك الاشعار التي اوردناها للحكيم عمر الخيام، بالاضافة الى شهادات المؤرخين والعلماء المعاصرين له بفضله، وعلو منزلته، وشخصيته المؤمنة المتدينة لتدلّ دلالة واضحة على ان الرباعيات الاباحية المنسوبة اليه لابد وان تكون من نظم شاعر آخر يشبه اسمه اسم حكيمنا عمر الخيام على ما اشار الى ذلك اكثر من مؤرخ وباحث. فكانت النتيجة ان نسبت هذه الاشعار الى عمر الخيام وهو برئ منها كل البراءة، كما تدلنا على ذلك الرباعيات الزهدية الاربعون التي رويت لهذا العالم والاديب الشهير، والتي سنستعرض طائفة منها في هذه الحلقة، وحلقات البرنامج القادمة باعتبارها من الروائع الخالدة في الادب الفارسي. حيث يبرز لنا عمر الخيام في هذه الرباعيات على شخصيته الحقيقية، مؤمناً، متديناً ميالاً الى الزهد والورع، معرضاً عن الدنيا وبهارجها، داعياً الخلق الى الايمان، والخوف من الله تعالى، ففي باب الاعتراف بالعجز والقصور امام الحضرة الالهية يقول الخيام: (اولئك الذين نظموا درّ المعنى بالتفكير تكلموا في ذات الله كثيراً ولكن لم يعرف احد مبدأ الاسرار وانما حاولوا اولاً، وناموا اخيراً لاتعرفُ انت اسرار الازل ولا انا ولا تستطيع انت ان تقرأ حروف هذا اللغز ولا أنا ان حوارنا انما هو من وراء الحجاب وعندما يسقط الحجاب، وتتمزق الاستار لاتبقى انت، ولا أنا!). نكتفي بهذا القدر من الاستعراض للرباعيات الزهدية المروية عن الحكيم والاديب عمر الخيام. ******* ملحمة "منطق الطير" ومقامات السلوك العرفاني -2 - 62 2007-09-20 00:00:00 2007-09-20 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3519 http://arabic.irib.ir/programs/item/3519 ملحمة الطير، او منطق الطير للشاعر والعارف الايراني الشهير (فريد الدين العطار النيسابوري). فنقول في هذا المجال ان الطيور لما سمعت مقالة الهدهد، ازمعت السير معه، فانطلق بها وهي تحاوره وتسأله، وهو يجيب السائل، ويردّ المعتذر حتى بلغت الوديان السبعة وهي: وادي الطلب، ووادي العشق، ووادي المعرفة، ووادي الاستغناء، ووادي التوحيد، ووادي الحيرة، ووادي الفقر والغناء الذي هو غاية الغايات. وهذه الوديان هي - كما قلنا- المقامات السبعة التي يتدرج فيها العرفاء، ويسلكون من خلالها سبيل الكمال، وصولاً الى المحبوب الازلي حيث الكمال، وحيث الفناء والذوبان في ذاته المقدسة. وبعد اجتياز هذه الوديان اخذت الطيور طريقها الى السيمرغ، فقضت في سلوك منعطفاتها، والتصعيد والهبوط في حزنها وسهلها سنوات عديدة، وعمراً طويلاً، وقاست من المحن ما يقصر عنه البيان والوصف. وهلك اكثرها، وتخلّف بعضها حتى لم يصل من آلاف الطيور الى تلك الحضرة الا ثلاثون طائراً كلها مهيضة الجناح، واهنة الجسد، كسيرة القلب، فماذا رأت يا ترى عند تلك الحضرة؟ يصف لنا العطار ما تجلى لنظر الطيور شعراً فيقول: (رأت حضرةً لا وصف لها ولا صفة اسمى من الادراك، والعقل، والمعرفة حينما كان برق الاستغناء يمض كان يحترق مائة عالم في لحظة واحدة مئات الالوف من الشموس الهائلة، ومئات الآلاف من الاقمار والانجم واكثر كانت الطيور تراها جميعا تُقبل حائرة وقد جاءت ترقص كالذرّة… فقالت كلّها: يا للعجب؟ اذا كانت الشمسُ ذرّة من العدم امام ذلك الجناب فكيف نظهر نحن في هذا المكان؟! فواأسفاه على ما قاسيناه من العنت في الطريق لقد يئسنا كل اليأس من انفسنا فالامر ليس كما كنّا نتصور فمائة عالم هنا لايساوي سوى ذرّة من تراب...). وبينما هي في تلك الحال اذ اقبل نقيب العزة الالهية، واستخبرها جلية الامر، فأخبرته بقصتها، فأجابها قائلا: (ان كنتِ او لم تكوني في العالم فانه السلطان المطلق الخالد ان مئات الآلاف من العوالم الحاشدة بالجند ليست سوى نملة على باب هذا السلطان...). ومثلت الطيور الثلاثون في حضرة السيمرغ، فهان في اعينها ازاء هذا الجلال كل ما تكبدت من مشاق، وقاست من اهوال في سبيل الوصول الى تلك الحضرة، وتجرّدت من كل غرور وكبرياء حتى صارت ارواحها من الخجل والحياء فناء محضاً بعد ان اجابت النقيب قائلة: (كيف يصرفنا هذا السلطان المعظم أذلاء ولم يكن لأحد منه ذُلّة قط؟ وان كان، فما كان الذلّ منه غير العزّ وكلّ ما كان وما لم يكن من امرنا زال، وامّحى تماماً من صدورنا...). وبذلك اشرقت منها شمس القرب، فأشرقت ارواحها بنورها، ورأت في انعكاس صورتها علهيا صورة السيمرغ الذي هو رمز استعارة العطار للكمال المطلق، فاذا نظرت الى انفسها رأته، واذا نظرت اليه رأت انفسها، واذا نظرت اليه والى انفسها معاً رأت شيئاً واحداً، فالسيمرغ هو الطيور الثلاثون، والطيور الثلاثون هي السيمرغ. فغرقت على اثر ذلك في بحار الحيرة، وظلت في تفكر من غير ان تهتدي الى سر ما شاهدت، وانبرى لسان الحال يسأل عن هذا السر بعد ان عجز لسان المقال. فأُجيب بان تلك الحضرة مرآة كالشمس، وكل من يأتي يرى نفسه فيها، جئت ثلاثين طيراً فظهرت في هذه المرآة ثلاثين، ولو جاء اربعون، او خمسون او ستون لرأت انفسها كذلك، لقد شاهدت انفسك، ولا سبيل لأعينك الكليلة الى مشاهدتنا، لقد فنيت فينا بكل اعزاز لتجدي انفسك فينا من جديد. ويأتي النداء بعد ذلك مالئاً اسماع الطيور، وواصفا العظمة الالهية، والجلال الربوبي، وحيرة الخلق في امره، فترتج ارجاء الوجود لهذا النداء وهو يدوي معلنا واصفا بداية الامر، ثم امتداداته، وآثاره: (واعجباً من بداية امر السيمرغ لقد مرّ متجلياً ذات مرّة في نصف الليل فسقطت منه ريشة في قطر من اقطار الارض فأخذ كلٌّ نقشاً من تلك الريشة وكل من رأى ذلك النقش اتخذ عملاً...). (... لو لم يُظْهِر نقش ريشته عياناً لما كانت كل هذه الجلبة في العالم كل آثار الصنع هذه من جلاله النقوش جميعها من نقش ريشه...). ويعبر الشاعر اخيراً عن فناء الطيور في حضرة السيمرغ، وذوبانها فيها، واستغراقها في الجلال والعظمة مختتماً من خلال هذا القول ملحمته الطيرية: (امّحتْ فيه اخيراً على الدوام ضاع الظلُّ في الشمس والسلام). ******* ملحمة "منطق الطير" ومقامات السلوك العرفاني -1 - 61 2007-09-17 00:00:00 2007-09-17 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3518 http://arabic.irib.ir/programs/item/3518 (منطق الطير)، ملحمة صوفية وعرفانية شهيرة هي من نوع الحكايات التمثيلية، والادب القصصي الرمزي الذي توسل به الادباء الايرانيون في الدعوة الى مبادئهم العرفانية والاخلاقية. ويمكننا تسمية هذه المنظومة المثنوية بـ (ملحمة الطيور) لانها تدور حول سفر الطيور بزعامة الهدهد، وكفاحها في اجتياز الوديان السبعة للوصول الى طائر السيمرغ بجبل قاف، وفنائها فيه، فأصبحت هي هو، وهو هي وظفرت بالبقاء عن طريق الفناء. وقد مثل العطار بهذه القصة لسيرة اهل العرفان، ورياضتهم الشاقة في طي طريق الكمال الانساني للوصول الى كنه الحقيقة بالفناء في ذات المحبوب الاسمى، وما يتطلبه هذا الطريق من جهد كبير، وجلد بالغ للتغلب على مصاعبه الجمة، واجتياز مراحله السبع التي يعبر عنها المتصوفة بالمقامات السبعة. واولها: مقام الطلب، لان المريد لايمضي فيها قدماً ما لم يطلب طريق الكمال. وثانيها: مقام العشق اذ يتحتم عليه الحبّ ليسلك طريق الوصال. وثالثها: مقام المعرفة. والسالكون للطريق مختلفون من حيث البصر والمعرفة، وكل منهم يتخير لطريق الذي يؤهله له عزيمته واستعداده، فهذا يسلك طريق القبلة، وذاك يتخذ طريق الصنم، ومن كل مائة الف سالك يهتدي، ومقام كل امرئ بقدر معرفته... ورابع: مقامات طريق الوصول الى الكمال الانساني هو مقام الاستغناء ولا يصل اليه الا عارف حكيم يئس من الدنيار واهلها في سبيل بلوغ مقصوده الاسمى، ذلك لان العارف البصير يرى الدنيا كنقش على لوح من الطين سرعان ما يتحطم فيزول معه. وخامسها: مقام التوحيد، فاذا وصل العارف الى هذا المقام رأى الوحدة كامنة في مظاهر الكثرة، وشاهد الله تعالى في كل شيء، فيصبح كل وجود ظاهري لديه عدماً الى جانب واجب الوجود الذي منه وجود كل شيء. وسادسها: مقام الحيرة، ويجب ان يبلغه كل عارف، ويطوي اليه وادي الوَلَه والدهشة، وفي هذا المقام يقف المرء على قصور معارفه وجهله فيذهل حتى عن وجوده. اما المقام السابع: والاخير فهو مقام الفناء، وفيه تزول عن المرء كل شهواته وغروره، وانانيته، او - بعبارة اخرى- يفقد ذاته، ويصبح جزء من عالم الوحدة ووتراً متناغماً مع سائر اوتاره، ويصل بهذا الفناء الى البقاء. يبدأ الشيخ فريد الدين العطار القصة بالحديث عن صفة الطيور فيرحب بالهدهد قائلا: (مرحباً ايها الهدهد الهادي، ورسول كل واد يا من سيرك الى سبأ حثيث، ومنطقك مع سليمان جميل احبس الشيطان في القيد والسجن لتصبح كسليمان صاحب سرّ). ويسترسل العطار بعد ذلك في سرد مناقب الهدهد، ويخاطب كل طير من الطيور الاخرى، ويمضي في ذلك الى آخر المقالة الاولى. وفي المقالة الثانية تجتمع الطيور في ندوة عامة للتشاور في تنصيب ملك عليها فيقول الهدهد: لقد عرفت ملكنا، ولكن كيف الذهاب اليه وحدي، وليس هذا في مقدوري؟ ثم يطلب الهدهد الى الطيور السير معه الى ذلك الملك وهو السيمرغ واصفا اياه بانه قريب للغاية منها، في حين انها بعيدة عنه، ثم يتحدث بعد ذلك عن ابتداء امر السيمرغ. على ان الطيور لم تكن كلها على استعداد للمخاطرة بالسير معه في هذه المرحلة فقام البلبل يعتذر بعبارات منها: (انني مستغرق في عشق الوردة بحيث ذُهلت عن وجودي يكفي ان تكون الوردة الجميلة معشوقي فلا طاقة لبلبل بالسيمرغ بل يكفيه ان يعشق وردة). وهنا يردّ عليه الهدهد قائلا: (انّ عشق محيّا الوردة أذلّكَ كثيراً واثّر فيك، ووضع من شأنك لئن كانت الوردة بالغة الحسن والجمال فان حسنها يزول في اسبوع انّ عشق شيء مآله الزوال يجلب السأم لأهل الكمال). وازاء طلب الهدهد تعتذر سائر الطيور ايضا ومنها الببغاء حيث يقول محاولاً التملص من تلك المسؤولية: (انا خضر الطيور، ولذلك فأنا أخضر الكساء كي استطيع ان اشرب ماء الخضر لااستطيع حولاً لدى السيمرغ تكفيني شربة من عين الخضر). فيجيبه الهدهد معنفا اياه، وواصفا له بالسطحية، وعدم الاستعداد للتضحية في سبيل الحبيب: (انت تريد ماء الحياة حبّاً للحياة فاذهب، فأنت لا لب لك، بل انت قشر بماذا ستنفعك الروح ان لم تنثرها في طريق الحبيب كالرجال؟). وبما يشبه تلك العبارات اعتذرت ايضا جملة من الطيور ومنها الطاووس، والبطّ، والحجلّ، والصقر، ومالك الحزين، والبوم، قائلة: (انه سليمان، ونحن نملٌ مستوّل فانظر اين هو، واين نحن؟! انّى للنملة المقيدة في وسط الجبّ ان تصل الى غبار السيمرغ العالي كيف يتسنى ذلك لسواعد امثالنا ومتى يكون الملك صديقاً لشحّاذ؟!). ويجبيها الهدهد اجابة مقنعة مفحمة تضطر معها الطيور الى الموافقة على اقتراحه والسير معه، وكان مما اجابها به الهدهد: (ايتها الطيور المتسوّلة حتّام هذا الهراء؟ لايستقيم العشق مع الجبن فكلّ من فُتحت له عينٌ في العشق جاء راقصاً ومخاطرا بالروح فاعلمي ايتها الجاهلة ان صور طيور العالم من اوله لآخره هي ظل السيمرغ اعرفي هذا، فان عرفيته بدءً، انتسبت الى تلك الحضرة نسباً صحيحاً). ******* الشواهد القصصية في الادب الايراني - 60 2007-09-15 00:00:00 2007-09-15 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3517 http://arabic.irib.ir/programs/item/3517 توسل الادباء الايرانيون الى اغراضهم التربوية والاخلاقية باسلوب القصة والحكاية لميل القلوب اليها، وانس النفس بها، وبُعدها عن دواعي الملل الذي يؤدي اليه طول الاستماع الى العظات المجردة التي يثقل وقعها احياناً على الاسماع، وتجفوها بعض الطباع. واذا كانت الحكاية التمثيلية تأتي اكثر ما تأتي اشتاتاً وفرادى في شتى المناسبات مفرقة في ثنايا الكتب والموضوعات كأنها حبات عقد متناثرة لايجمع شتاتها نظام، فان الحكاية التهذيبية قد افردت لها كتب خاصة الفت لهذا الغاية، وجاءت فيها مبوبة مرتبة تحت عناوين تحدد اهدافها ومراميها، وتجمع بينها وحدة الغاية والموضوع. وقد هدف مؤلفو تلك الكتب الى هدفين: اخلاقي وتعليمي، فعالجوا بها تربية النفوس، وعلموا الناس فنون البلاغة والانشاء، من خلال كتب وروائع خلدها الزمن، وذاع صيتها عبر الامصار والاعصار. والمراد بالحكاية التمثيلية تلك الحكايات التي تقوم مقام الشاهد والمثل، فالكاتب او الشاعر او المحدث يسوق قضية فيعززها او يأتي برأي فيدلل على صحته بحكاية من هذه الحكايات. وعلى سبيل المثال فان صاحب (جهار مقاله) او المقالات الاربع يتحدث في الفصل الخامس من مقدمته عن حكاية (النسناس) فيقول: انه حيوان في بادية التركستان، منتصب القامة، عريض الاظفار يضمر العداوة للآدميين، فاذا رأى انساناً واقفا على قارعة الطريق خطفه. وهو يؤيد هذه القضية بحكاية يرويها عن ابي رضا بن عبد السلام النيسابوري مؤداها انه كان سنة عشر وخمسمائة يسير في قافلة عظيمة، فرأى امرأة في غاية الحسن تنظر اليهم، فلما كلموها لم تحر جواباً، ولما هموا بالاقتراب منها فرّت تعدو بسرعة فلم تلحق بها الجياد، وقال له المكارون الاتراك انها انسان وحشيّ يسمى النسناس! ثم يتحدث النظامي العروضي في مقالاته الاربع عن شرائط الكتابة والكتّاب، والشعر والشعراء، والنجوم والمنجمين، والطب والاطباء، ويردف كل مقالة بعشر حكايات طريفة مما اتفق وقوعه لمشاهير هؤلاء تصديقاً لما ذهب اليه في هذا المقالات. وفي الباب الرابع من رائعة اخرى هي قابوسنامه يرى المؤلف يان الله اختص ذوي اليسار فقط بفريضتي الزكاة والحج، ويقول ان الله لم يأمر غير القادرين بزيارة بيته، وان قيام الفقير بهذه الفريضة القاء بنفسه في التهلكة، ويدلل على صحة رأيه هذا بحكاية الدرويش الحاج، ومناظرته في عرفات مع رئيس بخارى. ففي ختام هذه الحكاية يقول الدرويش لهذا الرئيس: (أيكون جزائي وجزاؤك كلينا سواء يوم الجزاء وانت ترفل في تلك النعمة وأنا في هذه الشدّة؟ فيجيبه الرئيس: حاشا ان يجزيني الله عزوجل مثل جزائك يوم القيامة، فلو كنت اعرف ان ستكون منزلتي ومنزلتك سواء لما اتيت قط الى البادية، فلما سأله الدرويش عن السبب، قال: انا جئت بأمر الله وقد جئت انت مخالفاً امره، لقد دُعيت فأنا ضيف وانت طفيليّّ، فأنى تكون حرمة الطفيلي كحرمة الضيف؟ لقد أمر الله الاغنياء بالحج وقال للفقراء: «وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ »، انت جئت الى البادية بغير امر الله عزوجل في ذلّ ومسغبة، والقيت بنفسك في التهلكة فكيف تستوي واهل الطاعة؟!). وتكثر هذه الشواهد القصصية في كتب التاريخ والادب، ولكنها لازمة من لوازم كتب السياسة والنصيحة مثل قابوسنامه، وسياستنامه، ونصيحة الملوك، حتى لتزدحم بها ابواب بعض هذه الكتب في تكلّف قد يفقدها رواءها كما هو ملحوظ في سياستنامه، ونصيحة الملوك. وفي الحقيقة فان قابوسنامه من بينها يعدّ خير كتاب استخدمت فيه هذه الشواهد دون اسراف، فحكاياته تأتي في وقتها، وفي مكانها من الباب كلما دعت اليها المناسبة، وقد خلا كثير من ابوابه من الحكايات لعدم الحاجة اليها. ويستعين الادباء الايرانيون بالحكاية في التمثيل لتجسيم فكرة، او شرح معنى وتقريبه للاذهان، ونحن نشهد هذه الظاهرة في الكثير من المثنويات الصوفية مثل: منطق الطير، وحديقة الحقيقة، ومثنوي المولوي. وعلى سبيل المثال، ففي منطق الطير يجمع الهدهد الطيور، ويدعوها للرحلة الى حضرة السيمرغ بجبل قاف، فيقوم بعضها معتذراً متعللاً بسبب من الاسباب للقعود، ويعنف الهدهد كلاً منها، ويأتي بحكاية يجسم بها خطل رأيه، ويسفّهه. فالببغاء مثلا يقول في اعتذاره ما معناه: (انني خضر الطيور، ولذلك فانا اخضر الكساء كي استطيع ان اشرب ماء الخضر، ولا حول لي لدى السيمرغ، تكفيني شربة من عين الخضر، فيجيبه الهدهد قائلا: انك تريد ماء الحيوان حبّاً في الحياة، اذهب فأنت لا لبّ لك، انت مجرد قشر...). ويعقب على ذلك بحكاية قصيرة خلاصتها ان الخضر عرض على مجنون بالعشق الالهي ان يصحبه، فأجابه ان حالينا جدّ مختلفين، انت شربت ماء الحيوان لتبقى على روحك سرمداً، ولكني اعمل على الخلاص من روحي اذ لا جدوى لها بغير الحبيب، لست مثلك ابقى على الروح، بل ابذلها كل يوم في سبيله، فمن الخير ان يبتعد كل منا عن الآخر ابتعاد الطير عن الشَرَك. ويمثل السنائي في الحديقة لاصحاب الغفلة والجهال بحكاية الزنجي الذي اطلع على قبحه في المرآة فرماها بالقبح وحطمها... غير ان جلال الدين الرومي بذّ جميع العرفاء بكثرة تمثيلاته في المثنوي، حيث تتميز حكايته بما تتضمنه من اشارات بعيدة وقريبة الى آيات قرآنية واحاديث وروايات مختلفة للمفسرين، واصحاب السير والاخبار مما يتطلب من قارئه احاطة شاملة بالثقافة الاسلامية وما دخلها من ثقافات الامم الاخرى. ******* من رموز ملحمة الفردوسي "الشاهنامة" - 59 2007-03-12 00:00:00 2007-03-12 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3315 http://arabic.irib.ir/programs/item/3315 ظهر رستم كبطل محارب يحمي ذمار ايران في عهد الملك كَيْقُباد اول ملوك الاسرة الكيانية - كما يقرر ذلك الفردوسي في ملحمته- وفي اول موقعة خاضها بارز افراسياب البطل التوراني، وهجم عليه، واخذ بمعاقد منطقته، واقتلعه من سرجه، ورماه ارضاً واوشك ان يقضي عليه لولا تدخل اصحابه لحمايته. ثم ولّى الطوارنيون منهزمين امام الايرانيين، وارسلوا في طلب الصلح، وقد كانت نجاة افراسياب من يد رستم في هذه الموقعة، وفراره سبباً في حروب طويلة بين الطورانيين والايرانيين. وقد كافأ الملك كيقباد رستم بان ولاه ممالك زابلستان الى بحر السند، وكانت اكثر وقائع رستم واهم حروبه في عهد الملك (كيكاوس) خليفة كيقباد واكبر ابنائه. وقد عُرف هذا الملك - على ما تذكر الشاهنامة- بالتسرع والطيش، حيث اقدم على فتح مازندران بلاد السحر والجن والسعالي والجَمال، برغم نصيحة رستم، وبقية الملوك والامراء له بالعدول عن ذلك، فوقع هو وجنوده - كما تذكر الاسطورة- في اسر الجن، كما اصيب هو بالعمى. وخفّ رستم الى نجدته، وكان امامه الى مازندران طريقاه، طريق مأنوس بعيد الشقّة، وطريق يستغرق طعه اسبوعين الا انه ملئ بالمخاطر. وتذكر الاسطورة انه اجتاز فيه سبع مراحل، مرّ فيها بسبع عقبات، وقد عُرف هذا الطريق في الشاهنامة باسم (هفتخوان رستم). ويذكر الفردوسي في ملحمته ان رستم نام في المرحلة الاولى من هذا الطريق بعد ان شوى حماراً وحشياً واتى عليه عن آخره، فخرج عليه اسد وهو نائم، فقتله حصانه المسمّى (الرخش). وفي المرحلة الثانية كاد يهلك عطشاً ولكن غزالة دلّته على عين ماء ثرّة، فشرب، وخرج عليه في المرحلة الثالثة ثعبان هائل اثناء نومه فأيقظه رخش، فقام وقاتله وكاد الثعبان يغلبه لولا ان خفّ الجواد لنجدته فقتلا الثعبان. وفي المرحلة الرابعة قتل امرأة ساحرة، وفي الخامسة اعترضه ملك اسمه (اولاذ)، فقتل رستم اصحابه وأسره وطلب منه ان يرشده الى مقرّ (سفيد ديو) ملك الجن، ومقر الملك كيكاوس، وابطال الايرانيين المأسورين بمازندران، مقابل تأمينه على حياته، وتوليته مازندران اذا تمت الغلبة للايرانيين. فأجابه اولاذ الى كل ما سأله، واخبره بان بينه وبين كيكاوس مائة فرسخ، ومن مقرّ كيكاوس الى ملك الجن مائة فرسخ اخرى، ووصف له البلاد وما فيها. وفي المرحلة السادسة قتل رستم احد قادة الجنّ، وفي المرحلة السابعة والاخرة اقتحم غار ملك الجن، وقتله واخرج كبده، وكحّل عيني كيكاوس بدمه، فارتدّ اليه بصره. وما فرغ رستم من امر الجن، وانقذ الملك واصحابه حتى تهيأ الجميع لحرب ملك مازندران، ولكنهم رأوا ان يُراسلوه اولاً يطلبون اليه الخضوع والتسليم والجزية، واوفد كيكاوس اليه رستم. وفي هذه السفارة تعرض علينا الملحمة فنوناً من بطولته بشكل اسطوري، منها انه اقتلع شجرة ضخمة، ورفعها بيده كما يُشْرَع الرمح، وانه عصر يد اكبر ابطال مازندران حتى سقطت اظفاره. ورغم ذلك ابى ملك مازندان الا الحرب، وقد ابدى رستم في هذه الحرب ما أذهل العقول، وانتهى الامر بانتصار الايرانيين، وقتل ملك مازندران الساحر، واتباعه من السحرة، وتولية اولاذ على هذه البلاد كما وعده رستم بذلك. وتتصل حياة رستم - كما تعرضها لنا الشاهنامة- بحياة بطل آخر من صلبه هو ولده (سهراب)، وينتهي هذا الاتصال بفاجعة اليمة، يقاتل فيها الاب ابنه، ويقتله، وهو لايدري انه يقتل ولده. وبيان ذلك، ان رستم خرج للصيد مرة، ونام تاركاً حصانه رخش يرعى، فمرّت جماعة من التتر، واستاقوا الرخش، ولما قام من نومه بحث عن جواده، وتتبع آثاره حتى انتهى الى مدينة (سمنجان). فاحتفى به ملكها، ووعده بردّ حصانه اليه، وضيّفه ليله، تزوج فيها من ابنة ملك سمنجان وكانت بارعة الحسن والجمال، فلما اصبح اعطاها خرزة، واوصاها اذا وضعت انثى ان تربطها في قرونها، واذا وضعت ذكراً تشدّها على عضده، وعاد برخشه الى ارض ايران. وعرف الصبيّ من امّه قصة ابيه، وظهر شأنه، والتّف حوله الاجناد، واستماله افراسياب متودداً اليه ليستظهر به، واحاطه ببطانة تحول بينه وبين معرفة شخص ابيه اذا ما التقى الطوارنيون الايرانيين في قتال. وفي احدى المعارك يتصارع رستم وسهراب، وكلاهما يجعل من امر صاحبه كل شيء، ولم يطق رستم التغلّب على سهراب الا بالحيلة، ولم يعرف انه ابنه الاّ بعد ان اجهز عليه، فوسّده التراب، واقام له تربة من حوافر الخيل، وكانت مأساة من اروع ما سجلت القصص. يعتبر اسفنديار كما يظهر لنا في الشاهنامة الفردوسي البطل الثاني بعد رستم، وقد تحدث عنه الفردوسي في قصة مشابهة لقصة ابيه، واجتيازه طريق هفتخوان -اي العقبات السبع- لفتح احدى القلاع، وقتله الذئب في المرحلة الاولى من هذا الطريق، والاسد في المرحلة الثانية، والتنين في الثالثة، والساحرة في الرابعة، والعنقاء في المرحلة الخامسة، وعبوره الجليد في المرحلة السادسة، وخوضه النهر وقتله احد الملوك في المرحلة السابعة والاخيرة. وتنتهي حياة رستم بعده بقليل بسقوطه هو ورخشه في حفيرة مغطاة حفرها في طريقه ملك كابل متآمراً مع شغاد اخي رستم، الا ان رستم وهو يعاني سكرات الموت في تلك الحفيرة يرمي اخاه الخائن بسهم يُصميه، ويسمّره في جذع شجرة ويبلغ الخبر الاب، فينتقم لابنه بقتل ملك كابل، وبقتل افراسياب، واسنفديار ينتهي عصر البطولة الحقيقية في الشاهنامة. ******* قصة ومصادر تأليف شاهنامة فردوسي - 58 2007-09-10 00:00:00 2007-09-10 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3314 http://arabic.irib.ir/programs/item/3314 في هذه الحلقة نكمل حديثنا عن قصة الشاهنامة لابي القاسم الفردوسي وكيفية تأليفه لها، والمصادر التي استند اليها، فنقول في هذا المجال.. كان ابو منصور محمد بن احمد الدقيقي شاعر بلاط السامانيين ايّام منصور بن نوح مشغولاً بنظم شاهنامة ابي منصور الذي سبقت الاشارة اليه، الا انه قتل على يد غلام تركي مخلّفاً وراءه قصة (جَشْتاسب واَرْجاسب) في الف بيت. فلما علم الفردوسي بذلك شدّ رحاله الى بخارى عاصمة بني سامان ليحصل على الكتاب الذي كان ينظمه الدقيقي ولم يوفق، وجدّ في البحث عن نسخة منه في كل مكان الى ان تحققت امنيته على يد صديق حميم من اهل بلدة فسرّ بذلك غاية السرور. ولكن موت الدقيقي، وبُعْد الشُّقة، وتقدّم الايام به، كل ذلك جعله تحت تأثير خوف دائم من ان تنقضي مدّته دون اداء الرسالة التي وقف حياته عليها. فمضى في طريقه لايلوي على شيء، وصرفه تفرّغه الكلي الى نظم كتاب الملوك عن تدبير امر معاشه، فاحتاج الى راعٍ يكفيه عوز الفاقة، وييسر له الفراغ لما كرّس وجوده له. فكان اول رعاته امير لم يصرح الشاعر باسمه وان تغنى بمدحه، وذكر مآثره عليه، فرثاه وبكاه في لوعة وحسرة عصرتا قلبه، واجرتا دمعه مزيجاً بدمه. ولكن العناية هيّأت له راعيين آخرين، احدهما ابو دلف علي الديلمي من كبراء المدينة، وحُيَيْ بن قتيبة والي طوس، فحسن حاله، وعاش في خفض من العيش مكّنه من المضي الى غايته، فكانت رائعته الخالدة (الشاهنامة)، او ملحمة الملوك التي قدّر لها ان تكون من بين الكتب المعدودة التي خلدها التاريخ على مرّ العصور. يبدأ شاعرنا الفردوسي منظومته بمقدمة يسبّح فيها للخالق تعالى، ويمجد العقل، ويتحدث عن ايجاد العالم، وخلق الناس والشمس والقمر، ويمدح النبي صلى الله عليه وآله، ثم يتطرق الى جمع الشاهنامة، ويقدّم ترجمة موجزة للدقيقي. وتستغرق هذه المقدمة 237 بيتاً يشرع بعدها في نظم كتاب الملوك، فيعرض امام اعيننا طليعة الركب الاسطوري لبناة الحضارة متمثلين في كيومرث اول ملوك الفُرس، وسيامك وهوشنك، وطهمورث، وجمشيد. ويمثل هذا الشطر من الشاهنامة عصر الملكية الموحدة، العصر الذي كان يحكم العالم فيه ملك واحد يخضع له الانس والجن والحيوان على السوية، ويسوس الناس ويعلمهم على حد رواية الفردوسي. وفي هذا العصر لبس الانسان جلود السباع، وعرف النار واقام اول الاعياد ابتهاجاً بظهورها من ضمير الصخر، واستخرج المعادن، واتخذ الآلات من الحديد، وزرع الارض، ودجّن الحيوان وما الى ذلك. ويبلغ طول هذه الحقبة على ما يقول الفردوسي ثمانمائة عام، ولعلها تمثل عهد المجتمع البشري الموحّد. ثم تأتي بعد ذلك قصة ملك اسطوري اسمه الضحاك تتلخص في ان ابليس تبدى له في صورة ناصح امين زين له قتل ابيه وكان ملكاً صالحاً متعبداً، لينفرد هو المُلك، فلما تمّ له ذلك ظهر ابليس مرة اخرى في هيئة طاهٍ ماهر اعدّ للضحّاك الواناً شهية من الطعام. وكان الناس قبل هذا يعيشون على طعام واحد، فشغف الضحاك بطاهيه، وسأله اي امنية يتمناها ليحققها له، فلم يطلب الطاهي اكثر من تقبيل منكبَيْ مليكه، فما فعل حتى نمت في منكبي الضحّاك افعيان لاتُسْتأصلان حتى تعودا من جديد. وجاء في امرهما الحكماء والاطباء، واذا بابليس يطرق باب الملك طبيباً مداوياً، ويشير عليه باطعام كل من الحيّتين مخّ آدمي كلّ يوم لتهدءا، ويستريح من اذاهما، فيقتل الضحّاك كل يوم رجلين. وفي اواخر عهد الضحّاك - على ما يروي لنا الفرودسي في الشاهنامة- نرى رجلاً حداداً ثائراً لان الضحّاك قتل احد ولديه فيمن قتل ليُطعم دماغه الحيتين، ثم جاءت القرعة على ابنه الثاني، فثار وجمع حوله الشعب الثائر، والتفّ الثائرون حول افريدون حفيد جمشيد وقضوا على ذلك الملك الغشوم. وليس هذا الثائر الاّ بطلاً شعبياً يمثل غضبة الشعب على الظلم والطغيان، ولكنا نرى فيما بعد ابطالاً محاربين خاضوا الحروب بأنفسهم وحموا ذمار امتهم، وحملوا عروش الملوك على اكتافهم. بدأ ظهور هؤلاء الابطال على مسرح الشاهنامة في عهد منوجهر حفيد افريدون، واهمّ ابطال الشاهنامة ثلاثة هم، رستم واسفنديار من الايرانيين، وافراسياب من التورانيين. الا ان بطل ابطال الشاهنامة دون شك هو رستم، وعلى يده قتل اسفنديار، وانهزم افراسياب البطل التوارني عدة مرات، وقتل آخر الامر بعد حروب طويلة. واجتمعت لرستم هذا من حيث الشجاعة، والقوة، ووثاقة التركيب، وطول العمر، وخوارق الاعمال جميع مقومات الابطال الاسطوريين. وتتلخص قصة رستم في ان سام بن نريمان بهلوان العالم في عهد منوجهر سأل الله ان يرزقه ولداً، فولدت امرأته طفلاً جميلاً غير ان شعره كان ابيض كشعر الشيوخ الطاعنين في السنّ، فظن ذلك من غضب الله عليه لذنب جناه. فكره الطفل، وأمر به، فحُمل وأُلقي في شعاب الجبال، فرأته العنقاء فأشفقت عليه، وحملته الى وكرها، وربّته حتى شبّ بين افراخها، وكانت القوافل تعجب لوجود هذا الآدمي بين الطير، وتروي حديثه. ورأى سام رؤيا عُبّرت له بان ابنه مازال حياً، فخرج للبحث عنه في شعاب الجبال ضارعاً الى الله تعالى ان يردّ اليه ولده، ولمّا رأت العنقاء حيرته، وعرفت غايته، اخبرت ربيبها بأمر ابيه، واعطته من جناحها ريشة، واوصته بأحراقها اذا ما احتاج الى معونتها فتأتيه في الحال، وحملته وهبطت به الى حيث والده، ووضعته بين يديه فشكر لها سام صنيعها. وبلغ الملك منوجهر قصة سام وولده، فاستدعاهما، واعجب بالولد، وطلب المنُجّمين، فتنبّؤوا له بسعادة الطالع، واوصى منوجهر اباه بتربيته احسن تربية ليشتد به عضد الملك. ******* الفردوسي وجذور المنظومات الملحمية في الأدب الفارسي - 57 2007-09-06 00:00:00 2007-09-06 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3313 http://arabic.irib.ir/programs/item/3313 مرّ الايرانيون - كغيرهم من الامم ذات التاريخ العريف- في مراحل تاريخهم، وطريق تكوينهم بأحداث جسام، وايام مشهودة لم يكونوا ليثبتوا لها لو لم يكونوا يحملون في جوهرهم مقومات البقاء. فقد الجأتهم ضرورات الحياة الى النزوح عن موطنهم الاول الى هضاب ايران وفلواتها الواسعة المترامية ليتخذوا منها موطناً جديداً اكثر خصباً ورخاء فاشتبكوا مع اهل البلاد في نضال طويل انتهى بغلبتهم، واستقرارهم آخر الامر. ودارت الايام دورتها فاذا بهؤلاء الفاتحين المتوطنين يدفعون بدورهم عن ارضهم الجديدة عادية المغيرين المحيطين بهم يوافيهم النصر تارة، وتدهمهم الهزيمة اخرى. وفي غمرات الصراع من اجل الحياة، وحبّ البقاء، وبسطة الملك، وقهر الاعداء، والغلبة على غيرهم من الامم والشعوب، برز من بينهم رجال صارعوا الاهوال، وأبلوا في الحرب والنزال، وقراع الخطوب بلاء جعلهم حديث الحلقات، وسمر الندوات، وتناولت قصص بطولتهم الركبان والجماعات. وبتوالي الازمان ابتعدت هذه القصص عبر الاجيال عن اصولها شيئاً فشيئاً بما زاد فيها الرواة، ونسجوا حولها من الخيال، فاصبحت اساطير تجمع اشتاتاً من الخوارق والمعتقدات، وصورا مختلفة من حياة الجماعة تدور حول هؤلاء الابطال الذين تمثلت فيهم اماني القوم واحلامهم، ومثلهم العليا، واخلاقهم، واعتزازهم بأرومتهم. ثمّ ما لبثت ان تلاشت فواصل الزمان والمكان بين هذه الاساطير التي سايرت خطى الدهر كثرة واتساعاً، فاخذت وضعاً ساعد على ترابطها، وجمع شتاتها، وبتبويبها في نسق دقيق، ثم تدوينها، فاذا هي في عقيدة القوم تاريخ الآباء والاجداد، وسجل المفاخر والامجاد. واتّفق للايرانيين ابان تاجج تلك الروح الحماسية العارمة شعراء اوتوا من دقة الحس، وقوة البيان، ونضج الشاعرية ما جعلهم لسان صدق للتعبير الدقيق عن كل ما كانت تجيش به الصدور، وتختلج النفوس، ومن ثم فقد اتخذوا من هذه الروايات موضوعاً للشعر الحماس، اي شعر البطولة في مظاهرها المختلفة. فخلعت بذلك الرواية الفارسية ثوبها النثري البسيط وخرجت على الناس في موكب الشعر، وضجيج موسيقاه ولكن دون ان تفقد شيئاً من اصالتها وطابعها، ومن غير زيف في جوهرها، فصارت اقرب الى الطباع، والصق بالقلوب. وهكذا فان الملحمة الفارسية كغيرها من ملاحم الامم الاخرى –ليست الاّ الصورة الشعرية الصادقة البارزة القسمات، القوية التعبير لروايات المجد، والبطولة، والمغامرات ايّاً كان ميدانها، وعلى اية صورة كانت، يستوي في ذلك ان يكون موضوعها حربياً، او عاطفياً، او دينياً، او فلسفياً الى غير ذلك من المواضيع التي تكون مجالاً لبطولة الافراد او الجماعات. والملحمة - بصفة عامة- تمثل مجموعة من اعمال البطولة لفرد او جماعة تتكون منها رواية مترابطة الاجزاء كاملة تبدأ من نقطة، وتنتهي عند غاية، وعمل الشاعر لحم اجزائها، ونظم وقائعها دون التدخل فيها او توجيهها، فهو يعرض احداثها عرضاً فنياً، ويصف مشاهدها وصفاً شاعرياً يستولي على النفوس، ويستهوي الافئدة، ويلذّ الاسماع من غير ان يمسّ جوهرها، او يبتعد بها عن اصلها. وقد عُرفت كتب الروايات والملاحم في الادب الفارسي ـ (الشاهنامات)، اي كتب الملوك، ولا غرابة في ذلك لان ابطالهم - كما تصورهم هذه الكتب- كانوا ملوكاً ذوي عروش وتيجان يدينون لملكهم الاكبر بالاخلاص والولاء، فيتفانون في خدمته، ويحاربون تحت رايته، ويستمدون وجودهم من التفافهم حول عرشه، والتضحية بالمهج والارواح من اجله، له الامر وعليهم الطاعة. والحديث عن هذه الشاهنامات ينصرف بالاذهان عادة الى ملحمة الايرانيين الكبرى التي استكملت كل مقومات الملاحم الحية الخالدة واستوعبت شتى مواضيع الحياة، ونقصد بهذه الملحمة طبعاً شاهنامة الفردوسي، فهي بحق ملحمة امة، وحياة شعب، وقلب شاعر.. كانت شاهنامة ابي مؤيد البلخي وابي منصور التي اشتقت مادتها من الكتب الفهلوية القديمة، وروايات الموابذة والدهاقين، كانت باتفاق الروايات المصدر الاساس الذي عوّل عليه الفردوسي في نظم شاهنامته. وقد اوجز الفردوسي قصة جمع، وتدوين شاهنامة ابي منصور في الابيات التالية التي ترجمت نثراً، فلنستمع الى ما يقوله الفردوسي بهذا الخصوص: (كان من آثار الغامرين كتاب مملوء بالقصص، تقسّمته ايدي الموابذة، وحرص كلّ عاقل على قطعة منه، وكان من نسل الدهاقين رجل عاقل ذكي جواد، يتحرى آثار الاولين، ويتبع قصص الماضين، فدعا اليه كل موبذٍ حنكته السنون، وسألهم عن انساب الملوك والابطال النابهين، وكيف صرفوا امور العالم من قبل ثم خلوه لنا صاغرين؟ وكيف مهّد لهم الجدّ فملؤوا الايام بمآثرهم؟ فقصّ عليه هؤلاء الكبراء قصص الملوك، واخبروه من غير الزمان، فلما سمع منهم شرع يؤلف من ذلك كتاباً عظيماً، فترك ذكراً ذائعاً في الآخرين، واثنى عليه الاكابر والاصاغر اجمعين...). وتتلخص قصة الشاهنامة في ان اهل خراسان وامراءها وجهوا همتهم في النصف الاول من القرن الرابع الهجري الى جمع اخبار ملوك ايران، وتاريخها، فاجتمعت لهم اسفار عُرفت فيما بعد بـ (الشاهنامة) او كتاب الملوك، وكان اكثر هذه الكتب ذيوعاً وشهرة شاهنامة ابي المؤيد الشاعر البلخي، وشاهنامة ابي منصور والي طوس واقبلَ الناس على هذه الكتب ايّما اقبال، وصارت مادة للسمر والشعر على السواء. وفي حدود عام تسعة عشر وثلاثمائة من الهجرة وفي قرية من قرى طوس أهَلَّ وليدٌ في بيت احد فلاحيها لم يبلغ اشدّه حتى ظهرت عليه امارات الشاعرية، وداعب خياله قصص الملوك والابطال ألا وهو شاعر الايرانيين الملحمي الكبير ابو القاسم الفردوسي. ولما ناهز الخامسة والثلاثين اي في عام اربعة وخمسين وثلاثمائة للهجرة اذا به شاعر ناضج طموح حدت به قريحته، وموهبته الشعرية الى ان ينظم ملحمة كبرى للملوك والابطال، فاندفع بحماس في هذا الطريق، وعمد الى نظم شاهنامة ابي مؤيد البلخي. واكبر الظنّ انه لم يكن - بادئ الامر- يقدر حق التقدير الجهد والسنين الطوال اللازمة للنهوض بمثل هذا العمل الجسيم، فما شرع في نظم هذا الكتاب وقطع فيه شوطاً حتى وجد نفسه امام سيل جارف من قصص الابطال والملوك تجري على ألسنة الناس، فكان يغترف من هذا وذاك ما يكمل به نقص المصدر الذي بين يديه. ******* الملوك في حكايات سعدي الشيرازي - 56 2007-03-04 00:00:00 2007-03-04 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3312 http://arabic.irib.ir/programs/item/3312 من بين الحكايات والقصص الطريفة الاخرى التي يرويها لنا سعدي الشيرازي في كتابه (جُلستان) او روضة الورد في مجال الطرائف والنوادر المروية عن الملوك، والحكاية المعبرة التالية التي ندعوكم للاستماع اليها: قالوا لهُرمُز صاحب التاج: ما هو الخطأ الذي رأيته من وزراء ابيك حتى امرت بحبسهم جميعاً، فقال: ما عرفتُ منهم خطأ، ولكن رأيتُ مهابتي شديدة على قلوبهم، وانّهم ليسوا معتمدين اعتماداً كلياً على عهدي، فخشيتُ ان يلحقني من خوفهم الضررُ، فيقصدوا هلاكي، فعمِلْتُ اذن بقول الحكماء حيث قالوا: من بات يخشاك فاخشَ الفتكَ منه ولوعليه بالحربِ ألفاً فُزتَ بالظفرِاما ترى الهرَّ معْ ضَعْفٍ به ربّمانالت مخالبُه من مُقْلَةِ النَّمِرِوربّما تلدغُ الافعى مُصادِفَهاكي لا يَحطم منها الرأسَ بالحجرِوكثيراً ما كان سعدي يحثّ في روضة ورده الملوك والحكام على التخلي عن الظلم، ورعاية العدل في الرعية، لكي يُرْحَموا هم بدورهم، ويحظوا بالعدل والانصاف من قبل غيرهم اذا ما تغيّرت بهم الاحوال، وانقلب الزمان عليهم، كما نرى ذلك في الحكاية الطريفة التي شاهدها سعدي بنفسه اثناء اقامته بدمشق: (اعتكفت في بعض السنين بجانب تربة يحيى عليه السلام بالمسجد الجامع بدمشق، واتّفق ان جاء للزيارة احدُ الملوكِ وكان معروفاً بالظلم والبطش، وبعد ان صلّى وتضرّع لقضاء حاجته التفت اليّ وقال: مِن هذا المقامِ الذي هو مبعث همّة الدراويشِ، وصدق معاملتهم وجّه الخاطر بمرافقتي فانني في تفكّر ووسواس من عدوّ لي صعب المراس، فقلت له: ارْحمْ ضَعْفَ رعيّتك حتى لا ترى صعوبةً من قوّة عدوّك!). ويعلّق سعدي على هذه الحكاية المفعمة بالدروس والعبر بأبيات يصف من خلالها حال الملوك الظلمة وكيف انهم لابد وان يذوقوا وبال ظلمهم هذا اذا ما استمروا فيه، ولم يرعووا عنه، ولم ينهوا النفس عن الهوى. يقول سعدي في هذه الابيات الفارسية الاصل، والمترجمة الى العربية: أبقوّةٍ في ساعدَيْكَ ولكمةٍبالجُمعِ تَخضُدُ شوكة الضعفاء؟!خَفْ ان وقعتَ ولم تجِدْ لك راحماًاو مَن يَمُدَّ اليك كفَّ ولاءِمن يزرع الفعل القبيح ويرتجيطيبَ الجِنى يحصدْه شرَّ جَناءِفاليَّ ألقِ السمعَ واعدل في الورىاوْ لا فيومُ الحشرِ يومُ جزاءِويشحن لنا مشرف الدي الشيرازيروضة ورده في الباب الثاني الذي يحمل عنوان (في اخلاق الدراويش) اي الزهاد والمنقطعين عن الدنيا، بالقصص والحكايات، والابيات الشعرية التي تقطر فصاحة وحلاوة وبلاغة، وتشيع منها الحِكَمُ والدروس والعبر، فيبدؤها بالحكاية التالية: قال رجلٌ من الكبراء لأحد العُبّاد: ماذا تقولُ بحقّ فلان العابد، فانّ اناساً ألحّوا عليه بالطعن، فقال: ما رأيتُ عيباً في ظاهره، وليس عندي علم بما في باطنه. ويقدّم لنا سعدي العبرة من هذه الحكاية في قالب شعري فيقول: عُدَّ في الصالحين من بان منهزيُّ أهل الصلاح من غير طعنِأفتدري ماذا يكنًّ؟ وظلمٌان تُجاسَ الديارُ من دونِ اذنِومن عهد طفولته يروي لنا الشيرازي موقفاً طريفاً اتفق له مع والده وقد استضاف جماعة في داره، هذا الموقف الذي ظلّ عالقاً في ذاكرة سعدي معلّمِاً ايّاه درساً كبيراً في الاخلاق، والتعامل مع الآخرين بالحسنى، وعدم الاغترار بالعبادة، يذكره لنا سعدي في سياق حديثه عن اخلاق الدراويش قائلا: لا ازال اكثر انني كنت في عهد طفولتي مولعاً باحياء الاسحار زاهداً متقياً. وفي ذات ليلة قعدتُّ لخدمة ابي والمصحفُ الشريف في حجري اقرأ منه ما شاء الله ان اقرأ، ولم ينطبق لي جفنٌ على جفنٍ، وكان الجماعة الذين اتوا للسمر عندنا قد غرقوا في نومهم فقلتُ لأبي: انّ ايّاً من هؤلاء لم يرفع رأسه، ولم يتهجّد بركعتين، ولقد استغرقوا في نومهم فكأنما هم امواتٌ. فقال لي: يا روحَ ابيك، انت ايضاً لو انك نمت لكان خيراً لك من ان تمزّق جلودَ خلق الله، وتنهش لحمهم!. ويذيّل سعدي هذه الذكرى التي سطّرها لنا منشداً: ما ان يرى المدّعي للناس موهبةًلانه من غرور النفسِ في حُجُبِولو رآهم بنور الله كان رأىلعجزه نفسه في أحقرِ الرُّتَبِوفي باب ان الموت قضاء مقدّر من الله، وانّ له اجلاً محتوماً لايستقدم ساعة ولا يستأخر وان واجه الانسان المصائب والمخاطر والاهوال وكل ما يُعرّض النفس للهلاك والتلف، وان الراحة والعافية والسلامة ليست دائماً مُمِدّة في عمر الانسان، يسوق لنا سعدي الشيرازي القصة الطريفة التالية عن احد دراويشه نختتم بها حلقتنا لهذا الاسبوع: خرجتْ قافلة من الكوفة تريد الحجاز فرافقها رجلُ عاري الرأس حافي القدمين طَروبٌ لم يفتر عن الترنّم، فقال له راكبُ جملٍ يبدو عليه الغنى: ايّها الدرويش اين تذهب، عُدْ ادراجَك لئلا يضنيك التعب فتهلك، ولم يلتفت اليه ومشى ضارباً في البادية على قدميه، حتى اذا انتهوا الى موضع ادرك الاجلُ ذلك الراكب فمات! فوقف الدرويش عند رأسه وقال: نحن مع شدّة التعب لم نمت، وانت مع الراحة مُتَّ، وانشد: بكى صحيحٌ مريضاً طولَ ليلتهوحين أصبح اودى والمريض نجا! ******* الأديب سعدي الشيرازي وإبداعات النثر والنظم القصصي - 55 2007-09-02 00:00:00 2007-09-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3311 http://arabic.irib.ir/programs/item/3311 يبدأ شاعر شيراز واديبها مشرّف الدين سعدي الشيرازي كتابه المنمق بالنثر السليس المُشرِق الديباجة، والمرصّع بآيات الشعر الفاتن البليغ المشحون بالحكم والمواعظ، بالقطعة التالية مفتخراً ببلاغته وفصاحته، وصاباً مدحه وثناءه لمن اهدى اليه هذا الكتاب سعد بن زنكي حاكم شيراز وملكها فيقول بنثر فارسي جميل، ترجمناه الى العربية: (لقد وقع جميلُ ذكرِ السعديّ بأفواهِ الاعوامِ، وتغلغلَ صيتهُ بآفاقِ البسيطةِ لما أبداه من بليغ الكلامِ، وذاقَ الناسُ من حديثهِ المقطّر حلاوةَ السكّر، ورفعوا رُقَعَ انشائه الى رتبةِ الاوراقِ الذهبيّة، ومعَ كلّ ذلك فلا يليقُ به ان يحملَ هذا على فضلهِ وبلاغته الادبيّة...). (... بيد ان ملك الاوانِ، وقطب دائرة الزمان، الناصر لأهل الايمان، الأتابكَ العظيم مظفّر الدين ابا بكر سعد ابن زنكي لما لحظه بعين عنايته، وايّده ببليغ رعايته، واظهر له صادق ارادته، كان ذلك الاحترامُ موجباً لاقبال جميع الانام من الخواص والعوام، ولا جرمَ فالناس على دين ملوكهم...). ثم ان سعدي ما يلبث وهو ما يزال يعيش اجواء مدح امير شيراز، ان يشبّه في قطعة شعرية جميلة رائعة، كلامه بالتراب، والطين الذي يبدو خسيساً لا قيمة له حتى اذا ما جاور الورد والعشب، واختلط مع الروائح العطرة الشذيّة، اكتسب القيمة، واعتزّ به الناس، يقول سعدي في هذه المقطوعة: وبينايَ في الحمّامِ اذ وصلتْ الىيدي طينةٌ فّواحةٌ من يَديْ حُبّيفقلتُ: أمسكٌ أنتِ أم انتِ عنبرٌ؟فنفحُكِ هذا قد تعشّقه قلبيفقالت: ترابٌ لستُ شيئاً وانّماجلستُ بظلّ الورد حيناً على العُشبِفصُحْبتُه اعلتْ مقامي كما ترىوان كنتُ طيناً لاأزالُ من التُّرْبِويروي لنا سعدي بعد ذلك قصة ميله الى العزوف عن الدنيا، والاقبال على الآخرة، والانشغال بالمصير بعد عمر طويل قضاه في التنقل والترحال في بلاد الله حتى استقر به المقام اخيراً في مسقط رأسه شيراز حيث حظي برعاية سعد الدين زنكي، فقضى ما تبقى من حياته من سنين في العبادة والتأليف، والزهد والموعظة والارشاد، فيطلق العنان لقريحته منشداً بعد مقدمة نثرية: تأمْلتُ باحدى الليالي أيّامي الماضية فتأسّفتُ على عمري الذي ذهبَ سُدىً، فثقبتُ حجر قلبي الصلد بماسِ دمع عيني، ونظمتُ هذه الابيات بما يناسب حالي، في كلّ آنٍ نَفَسٌ من عمرييمرُّ والباقي ضعيفُ الأثرِيا مُذهِبَ الخمسين بالنومِ سدىًايّامُك الخمسُ قريبةُ المدىلاتتخذْ غير الوفيّ صاحباوان ترَ الغدّار فاذهب جانبابالموت ماتفعل من خيرٍ وشَرْيمضي ويا طوبى لمن زانَ المَقَرْفاحملْ الى قبرك انوار الهدىفليس ما ينجيك بعد الردىفأُذُنِ القلب استمعْ نصيحتيوامض كانسان على طريقتيفي باب سيرة الملوك واخلاقهم يورد لنا سعدي الشيرازي بنثره البليغ، وريشته الشعرية الساحرة حكايا وقصصاً معبرة عن سيرة الملوك مع رعاياهم، وما يمكن ان نستنتجه من دروس وعبر من هذا الجانب الهام من جوانب التاريخ، فيبتدئ هذا الباب بذكر الحكاية التالية: (سمعتُ انّ ملكاً أمر بقتل اسير، ولمّا عرف ذلك المسكين انّه هالك لا محالة اخذ يشتم الملك بلغة غريبة، وينال منه بأقذع الالفاظ..). ثم يعلّق سعدي على هذه الحكاية قائلا: (وممّا هو معروف ان كل من يقطع امله من الحياة لايبالي ان ينطق بما ينطوي عليه فؤاده، اذا يئس الانسان طال لسانُه كسنّور مغلوبٍ يصول على الكلبِ). ومن بين الحكايات الطريفة المعبرة التي يرويها لنا سعدي عن احد الحكماء الذين كان الملوك يستعينون بحكمتهم، ومشورتهم، وسديد آرائهم، الحكاية التالية التي تؤكد ضرورة ان يفقد الانسان النعمة كي يعرف قدرها وقيمتها، ووجوب ان يواجه الاهوال والاخطار حتى يستلذّ بطعم الراحة والامان، فلنستمع معاً: (حُكي عن بعض الملوك انّه ركب سفينة وبصحبته غلامٌ لم يرَ البحر اصلاً، ولم يجرّب محنة السفينة، فاخذ يصرخ ويئنّ وقد تهافت على نفسه وهو يرتعد من الغَرَق، وبمقدار ما لاطفه الناس لم يستقرّ له قرارٌ، فتنغص عيشُ الملك حيث اعيته به الحيلةُ، وصادف ان كان في تلك السفينة حكيم، فقال للملك: اذا امرتَ فانني سأُسكته، فأجابه الملكُ: تكون بذلك قد بلغت غاية اللطف...). (... فأمر بان يُلقى الغلام في البحر، فتقاذفته الامواج حتى اذا اشفى على الهلاك أمر ان يجذب من شعره الى السفينة، فتشبّث الغلام بكلتا يديه، بسكّانها، ولمّا احسّ انه اصبح على سطحها جلس منزوياً، واستقرّ آمناً، فكَبُرَ عندئذ تدبير الحكيم بعين الملك، وسأله ان يوضح له السبب...). (فقال الحكيم موضحاً السبب، وكاشفاً عن قانون ثابت من قوانين الحياة). يجري حكمه على جميع بني البشر: (انّ الغلام يا سيدي لم يتجرّع قبلُ غصّة الغرق حتى يعرف قدر السلامة في السفينة، وكذلك لايعرف احدٌ قيمة العافية من النوائب ما لم تمرّ على رأسه المصائب، وتُحكنه التجارب). ******* الأديب العطار وشعر الغزل العرفاني - 54 2007-08-28 00:00:00 2007-08-28 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3310 http://arabic.irib.ir/programs/item/3310 في اطار استعراضنا لآثار الشاعر والعارف الايراني فريد الدين العطار النيسابوري. نحاول ان نستعرض في حلقة هذا الاسبوع ديوانه، ومقطوعاته في الغزل الصوفي. يشتمل ديوان العطار على عشرة آلاف بيت يتضمن القصائد الغزلية والرباعيات، وانواع واشكال النظم الاخرى. وفيما يتعلق بالقصائد الغزلية يعد العطار من الملتزمين بالمدرسة العراقية في النظم، هذه المدرسة التي بلغت ذروتها في النضج، فيما بعد على يد شعراء كبار مثل سعدي الشيرازي، وجلال الدين الرومي، وحافظ الشيرازي. وفي الحقيقة فان الحديث عن مسيرة شعر الغزل العرفاني في الشعر الفارسي هو حديث ذو شجون، فقد كان في بداية ظهوره عبارة عن مطلع يأتي به الشاعر في بداية القصيدة، ويمدح من خلال الحاكم او الامير، او ليبسط فيه الحديث عن الموضوعات الدنيوية، والارتباطات الارضية. وفي مثل هذا النوع من الغزل يبدو العاشق في غاية الذل والمسكنة، ولا يعني العشق لديه سوى المبالغة والتصنع. ولكن، واعتباراً من ظهور سنائي الغزنوي بدأ الغزل ينحو منحىً آخر، ففي عصر هذا الشاعر شاعت النزعة العرفانية والصوفية، واتخذت ابعاداً جديدة انتقلت بها من اثقال التراب والارض الى رحاب السماء والملكوت، فغزا الفكر العرفاني الاغراض الشعرية. وهكذا شاعت، اعتباراً من هذا العصر، اي القرن الخامس الهجري، مصطلحات والفاظ المسلك العرفاني والتصوفي في قصائد واشعار ذلك العصر، وبدأ الشعراء يتجهون اتجاهاً آخر في القالب الغزلي يقوم اساساً على مناجاة الخالق تعالى، ومحاولة مكاشفته. الى درجة ان المصطلحات والتعبيرات الخاصة بالغزل احتُكرت كلياً من قبل شعراء العرفان حتى اننا قلما نرى قصيدة، او مقطوعة شعرية تنحو منحىً غزلياً في الالفاظ والاساليب التعبيرية دون ان يكون المقصود منها ذلك النوع من الغزل العرفاني الشائع لدى شعراء المسلك الصوفي. فالعشق لديهم ما هو الا ذلك العشق الازلي والحقيقي الذي يملأ كيان العابد تجاه المعبود، والمعشوق ليس الا البارئ سبحانه وتعالى، والعاشق هو دائماً السائر في طريق الله، المحاول للوصول الى الكمال من خلال الرياضات الروحية. وهكذا اخوتنا المستمعين الافاضل، فقد نفذت الافكار العرفانية مضامين قصائد الشعراء، وسار في هذا السبيل شعراء مثل العطار، ومولوي، وحافظ وغيرهم. الا ان العطار يحتل في هذا المجال مكانة خاصة، فهو يرى ان للعشق حرمة لا يحق لكل شخص ان يلجها سوى ذلك الانسان الذي سار في هذا الطريق وهو مؤمن كل الايمان ان عليه ان يتحد معه، ويندمج فيه. وما يتحدث عنه فريد الدين العطار في قصائده، ومقطوعاته الغزلية يتمثل في المحبة التي لا يمكن ان ينالها الا من تجاوز ذاته، واستعدّ لان يفني هذه الذات في الحق، وفعل ما هو موجود هو منه تعالى، وعلى الانسان ان يتجرد بشكل كامل في هذا المجال من حالة الانانية، وعبادة الذات. وهو يحذر في هذا الصدد من ان كل شيء من الممكن ان يتحول الى عقبة تعيق وصول الانسان الى الكمال، بل ان العشق نفسه قد يتحول بالنسبة الى البعض الى ما يشبه القيد، ليحول بينهم وبين الوصول الى الهدف الحقيقي، ولذلك فان على الانسان ان يكون حذراً دوماً، كما يقرر ذلك العطار في قوله: (انّ القلبَ الذي يتألّمُ من عشقِ الارواح هو القلبُ الذي يعرِفَ قدرَ العشق فان خُيّلَ اليه انّ يسلُك سبيلَ العشقِ فان هذا العشقَ الذي يصنعهُ لنفسهِ سوف يتحوّلُ الى قيد يرسُفُ فيه...). وهكذا فان بغية العطار هي الله جل وعلا، ومن المعلوم ان الخالق يمثل ذاتاً مقدسة ازلية وسرمدية اضمر لها العطار الحبّ منذ ان اخذ الله العهد من الارواح البشرية في عالم الذرّ. ونحن نرى العطار والعرفاء الاخرين يمضون في سلوك هذا الطريق الى درجة الغوص في بحر لطف الخالق تعالى، حتى يهتف احدهم قائلا على سبيل المجاز والاستعارة: (يا معشوقي! لقد اصبحتُ مُلْكاً لك بِكُلّيتي فكُنْ انت مُلْكاً لي من خلال توفيقي لمعرفتك، وعبادتك حقّ العبادة...). ويرى العطار ان الله عزوجل يتجلى دوماً في قلب الانسان، الا ان هذا القلب غافل عن ذلك، وهو يتحدث في هذا المجال بصراحة، ويوجّه سهام نقده الى الاشخاص الذين يصدرون احكامهم استناداً الى ظاهر الامور. كما يدعو في اشعاره العرفانية الناس الى الاخلاق الحسنة، ويحاول ان يعلمهم آداب وسلوك واسلوب السير الى الله، وهو يقرر في اشعاره ان الانسان لو اراد ان يلج طريق الحق، فان عليه ان يشدّ رحال السفر حاملا معه الزاد المتمثل في تهذيب النفس، ومعرفة الذات. وهو يرى ان الانسان لايمكن ان يمزّق الحجب، وينطلق في رحاب المعرفة الالهية الا اذا تحرر من اسر ذاته، وازاح تلك الحجب، وغاص في اعماق الروح والنفس. ويركز العطار في تفكيره في مراحل السير والسلوك المختلفة على الالتقاء بالمحبوب قبل اي شيء آخر، وقد بذل هو نفسه جهوداً كبيرة من اجل تحقيق هذه البغية. واما بالنسبة الى رباعيات فريد الدين العطار، فان بالامكان ان يصنفها بانها تمثل مقطوعات غزلية قصيرة، ذلك لانه تحدث في هذا الكون من اشعاره ايضا عن وجده، وآلام اشتياقه الى المعشوق، وبسط الحديث عن منازل ودرجات الطريق. وهو يتحدث في رباعياته هذا احياناً عن حقيقة الايمان التي هي العبودية لله سبحانه، ويرى ان عبدة الذات محرومون من لذة الايمان مهما كان دينهم او مذهبهم، كما يعلن عن ذلك في قوله: (أين العاشق النقيّ، واين القلبُ الحيّ؟ وأين المتحرّقةُ روحُه، والعازفُ نفسه عن ملاذ الحياة؟ انّ الجميع يعبدون افكارهم وذواتهم فأين تجدُ العبدَ الحقيقيّ لله؟!...). ******* الأديب العطار ومنظومة هموم السالكين - 53 2007-08-25 00:00:00 2007-08-25 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3309 http://arabic.irib.ir/programs/item/3309 حيث الكلمة الطيبة، والموعظة الحسنة، وحيث الاسلوب الادبي الفاخر، والبيان البليغ المعجب، والبلاغة الواضحة الصادرة عن معين خالص، صاف هو معين الاثر الايجابي الخلاق الذي تركه الاسلام في النفوس. في رائعته الادبية العرفانية (مصيبت نامه) يسلط فريد الدين العطار النيسابوري الضوء على كيفية خلق الانسان منذ ان كان نطفة في قرارة الارحام، وحتى وصوله سن البلوغ. وهو يحاول ان يدفع الانسان، ويثير في نفسه الدافع الى التأمل والتفكير في امر النفس، وامر هذا الكون، لان هذا التفكير هو السبيل الوحيد للوصول الى الحقيقة، ثم يتناول خلال ذلك المدارج المختلفة للسير والسلوك، من مرحلة الطلب، وحتى الوصول الى المعبود، والالتقاء به. وبذلك فان همّه الاساسي في هذا الكتاب هو العثور على اجابات شافية لتساؤلاته المتمثلة في التوصل الى الكيفية المثلى للتقرب الى الحق تعالى. وكما اشرنا في حلقة البرنامج السابقة فاننا نرى العطار يولي وجهه بادئ ذي بدء صوب ملائكة الله المقربين كجبرائيل، واسرافيل، وعزرائيل علها باعتبارها كائنات مقربة الى الحضرة الالهية، عليمة باسرار هذه الحضرة، وسبل التقرب منها ان تمنحه بصيصاً من نور وهو يتخبط في ظلام البحث عن الحقيقة. الا انه سرعان ما يكتشف ان هذه الكائنات لايمكنها ان تقدم له الاجابات الشافية على تساؤلاته رغم انها من سكان الملأ الاعلى، وانها محيطة بالعرش ليل نهار، مسبحة بحمد الخالق دون انقطاع. والسبب في ذلك على ما يبين لنا العطار هو انها تمثل عقلاً محضاً مجرداً من العواطف، والمشاعر، وهمسات القلوب وخلجاتها، وقدرتها في لحظات التسامي والشفافية على اقتناص الحقيقة الخالصة دون ان تشوبها شائبة من احكام العقل الصارمة الجافة. ولذلك اخوتنا المستمعين نرى سالك طريق العرفان يزداد وضوحاً وبصيرة كلما امعن في رحلته الباحثة عن الحقيقة، وكلما ازدادت تساؤلاته، وعثر على اجابات اكثر عنها، حتى يصل الى حقيقة ان الروح المجردة عن الجسم واثقاله هي وحدها القادرة على ادراك الحقيقة، والتخلص من وطأة الشكوك، ومعاناة الظن والتساؤل، وآلام الحيرة والاضطراب. ولذلك نرى العطار يهتف بهذه الحقيقة قائلا على لسان السالك الذي اصبح الآن مقتنعاً بهذه الحقيقة بعد رحلته تلك: (انّه ماضٍ الآنَ ليستبدلَ الروحَ بالجسم وليُوصِلَ الجسم بالروحِ قبِلَ ان يحلُّ أجلُهُ...). وهكذا يمضي السالك في رحلته، قاطعاً طريقاً مليئاً بالاسرار، حتى يصل في نهاية المطاف وبعد حيرة متواصلة، واضطراب مستمر، واجتياز مراحل مختلفة الى روحه التي تمثل في الحقيقة وجوده، وكيان نفسه، فيرجع اليها، وبعد صمت طويل ينطلق لسانه قائلا: (لقد اثبتت لي التجربةُ انّكِ شُعاعُ من شمسِ الحقيقة الازليّة ان تجسُّمكِ لايمكنُ لا في العقل، ولا في الذهنِ، ولا في ايّ مكانٍ آخر..). (... لقد طرقتُ كلّ الابواب، وجُلتُ في جميع ارجاء العالم الاّ انني لم اصلْ الى مرادي ومقصودي فهل بامكانك ان تحققي لي مُراد قلبي وتقرّبيني الى الحضرة الالهية؟!) واما الروح او النفس التي تمثل حقيقة وجود الانسان وكينونته، فانها وبعد ان يلازمها صمت طويل تهمس في اذن السالك مجيبة: (لقد جُلْت كلّ هذا الجولان في العالم وضربتَ برأسك في عُرْض الابواب والجدران ومررت على كلّ الاشخاص والمواضع ولكنك لم تفكّر يوماً، ولم يطرُقْ بالك ان ترجعَ اليّ ومع ذلك فانّك سلكتَ الطريق الصحيح رغم انك قد اكتشفت الحقيقة متأخّراً فاعلم ان مفتاح مشكلتك عندي...). وهكذا فان الانسان عندما يعود الى ذاته، فانه سوف يجد هدفه في هذه الذات، بل انه سوف يجد فيها خالقه تعالى، ايضا كما يشير الى ذلك القرآن الكريم في قوله: «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ». وعلى هذا فان على الانسان ان يعرف نفسه اولاً، ذلك لان روح الانسان هي شعاع من الذات الالهية المقدسة، وفي هذه الحالة وحدها يمكن للانسان ان يعرف بارئه، ومن خلال هذه المعرفة يصبح بامكانه ان يتعرف على كل شيء من حوله في الآفاق. وعندما يكتشف السالك هذا السرّ الكبير تنتابه الحيرة الممزوجة بالدهشة، ويغمره نشاط وسرور لايمكن وصفهما يدفعانه الى ان يهبّ من موضعه ليتصل ببحر حقيقته الوجودية. ويكشف لنا فريد الدين العطار في ختام منظومته (مصيبت نامه) عن الحكمة الكامنة وراء هذه المسيرة التي لابد ان يمرّ بها الانسان الذي يريد ان يسلك طريق الحقيقة، فيقول في هذا المجال ان الكنز لايمكن ان يحصل عليه الا الانسان الذي يعرف قدره، وقيمته، والا الذي يتحمل في سبيل الحصول عليه الآلام، والمعاناة لكي يذوق حلاوة نيل هذه الضالة، ولكي يعرف قدرها فيكون ذلك دافعاً له لان يتمسك، ويتشبّث بها اكثر، كما يحدثنا بذلك العطار قائلا على لسان النفس او الروح الانسانية: (قالت الروح للانسان ان ما عانيته في رحلتك سببه لانني بمثابة كنزِ قد حصلتَ عليه فاذا ما حصل الانسان على كنزٍ بالمجّان فانه لايمكن ان يعرِفَ قدرَهُ ولو بمقدارِ ذرّة ان المطلوبَ لاتُعْرَفُ قيمتهُ الاّ اذا كان كنزاً والا اذا عانى الانسان في سبيله الآلامَ...). ******* العارف العطار ورسالة الأسرار المنظومة - 52 2007-08-22 00:00:00 2007-08-22 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3308 http://arabic.irib.ir/programs/item/3308 اعتباراً من المقالة الاولى وحتى الثالثة يخصص فريد الدين العطار النيسابوري حديثه في منظومته (اسرارنامه) أو (رسالة الاسرار) عن توحيد الباري تعالى، ووصف النبي الاعظم صلى الله عليه وآله ومدحه، والثناء عليه. وفي المقالة الرابعة وما بعدها يلج العطار الموضوع الاصلي من كتابه وهو بيان القضايا العرفانية، وارشاد طلاب الحقيقة الى الصراط المستقيم المؤدي الى المحبوب. ويبدأ العطار في هذه المقالة بوصف النفس البشرية، والروح الانسانية، وكيفية سفرها في عالم الملك والملكوت، فيكون بذلك مرشداً لسالكي طريق العرفان. وهو في هذا المجال يوصي الانسان بان يشدّ رحال السفر، ولكنه لايريد من السفر هنا الضرب في بقاع الارض، بل ان يسافر الانسان في داخل ذاته، ويسبر اغوار نفسه. ذلك لان هذا السفر من شأنه ان يزيل غبار الغفلة، ويزيح الغشاوات عن القلب وصولاً الى تحقيق المفهوم الحقيقي للحبّ، الحبّ الالهيّ، ذلك لان هذا الحبّ هو الذي يؤدي بالانسان - على ما يرى العرفاء- الى وعي الانسان بذاته، كما يشير الى هذا المعنى في قوله: (أنّى لك يا من لم تسافِرْ أن تُصبِحَ جوهرةً لقد تحوّلْتَ الى رماد فكيف يُمكنُ ان تغدوَ حجراً كريماً...). (... انظر الى البحر! اُنظُر كيف امتلأ قعرهُ بالمجوهرات! انك امعنْت النظرَ، فسوف تكتشفُ انَّ سببَ امتلائهِ بالمجوهرات اتصال قطرات المطر المُسافرة من السماء به...). وفي المقالات الاخرى من منظومة اسرارنامه نرى النيسابوري يكبّ على بحث وتحليل القضايا الفلسفية مثل، اصالة المادة، واصالة الذهن، وكذلك بيان سرّ المحبة، وكون الانسان خليفة لله عزوجل. وهو يلتزم دوماً في تحليلاته تلك بسرد الحكايات والقصص الجميلة الممتعة، والتمثيليات الطريفة من اجل سبر غوار العرفان، وازاحة الستار عن اسراره وغوامضه، داعيا خلال ذلك سالكي هذا الطريق الى الحذر من العُجْب، والطَمع المادي. كما فعل ذلك في رائعته الاخرى (مصيبت نامه) او كتاب المصائب الذي اشتمل على اربعين مقالة، وتضمن سبعة آلاف وخمسمائة وتسعة وثلاثين بيتاً. وقد التزم العطار في هذه المنظومة القالب المثنوي او المزدوج الذي سبق ان اشرنا اليه في حلقات سابقة من البرنامج. وكما نعلم فان العطار كان يحتل منزلة كبيرة في العرفان، والموهبة الشعرية، وقد اجتاز مراحل السير والسلوك، وبلغ بعض الدرجات. وقد وصلت الينا من العطار مؤلفات نفيسة استعرضنا منها حتى الآن اسرارنامه، والهي نامه، وسنحاول ان نستعرض في الدقائق المتبقية من البرنامج كتاب (مصيبت نامه). وقد يبدو عنوان هذه المنظومة غريبا، وقد يتساءل المستمع قائلا، ترى ما هو المقصود من المصائب التي يشير اليها العطار في عنوان كتابه، ولماذا اطلق هذا الاسم بالذات على اثره هذا؟ يبين لنا العطار نفسه سبب هذه التسمية مؤكداً ان الدافع الذي دفعه الى ذلك هو المعاناة الكثيرة، والآلام المتواصلة، والجهود الواسعة التي تحملها في سبيل تأليف هذه المنظومة، حيث يقول في هذا الصدد في مقدمة منظومته: (لو قُدّرَ للأقوال ان تهديَ الانسان فانّ اقواليَ تلزَمُك بانْ تقرأها، وتتأمّلها مليّاً ذلك لانني كنتُ أقيمُ مأتماً بعد ان اكتُبَ كلّ بيتٍ فوطّنتُ بذلك نفسي على المصائب ولذلك اطلقتُ عليه اسم (كتاب المصائب)!...). وهكذا فاننا نطالع في (مصيبت نامه) او (كتاب المصائب) تفصيلاً لمساعي، ومعاناة، واشتياق احد السالكين لطريق الحق، سالك يشبه الى حد كبير حمامة تقفز من شجرة الى اخرى من اجل الوصول الى المعبود، والعثور الى الضالة حتى وان اقتضى الامر التضحية بنفسه في هذا الطريق. ويوظف العطار في ذلك شخصيات، ومفاهيم مقدسة عديدة في القصص والحكايات والامثلة التي يضمنها اشعاره مثل: جبرائيل الامين، واسرافيل، وموسى، والملائكة، والسماء، والقلم وما الى ذلك. وبلغة سلسة عذبة يصور لنا فريد الدين حيرة واضطراب السالك وهو يقطع هذه المراحل، ويدرج لنا في خلال ذلك حكايات شيقة ممتعة لتأييد المدارك التي يحصل عليها سالك طريق العرفان، وتقديم الارشاد والنصح للآخرين. وقد قسّم العطار منظومته الى اربعين مقالة، حيث يصل السالك في المقالة الاربعين الى هدفه النهائي، علما ان اختياره للعدد اربعين لقطع هذه المراحل يتضمن دلالة، ورمزاً خاصاً. فهذا العدد كان منذ القدم محط اهتمام العرفاء، فقد كان الاولياء والعرفاء يختلون الى الخالق تعالى، ويعتكفون مدة اربعين يوماً عادة عندما يشعرون بالحاجة الى ذلك، وعندما كانوا يحسون ان شيئاً من علائق الدنيا، وغبار الغفلة قد علق على افئدتهم، وان هذا الغبار لايمكن ان ينزاح الا من خلال الاختلاء الى النفس، ومراجعتها، ومحاولة صقل القلب، وجَلْيه عبر الانقطاع عن الدنيا وما فيها. ******* وقفة عند ديوان العارف الخاقاني - 51 2007-08-20 00:00:00 2007-08-20 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3307 http://arabic.irib.ir/programs/item/3307 يمتلئ ديوان الشاعر العارف افضل الدين الخاقاني بذكريات حياته، فقد سلط عليها الضوء بموهبته الشعرية الفريدة من نوعها، ولذلك فان من السهولة بمكان ان نتعرف على الكثير من منعطفات حياته من خلال اشعاره. ويرى الكثير من الباحثين والناقدين ان لغة الخاقاني الشعرية صعبة، ومليئة بالتكلف، ومع ذلك فان فنّه الوصفي بلغ قمة سامقة في الجمال والابداع. وفي المقابل يرى ناقدون آخرون انه استخدم في اشعاره اسهل الالفاظ التي تتناسب مع اسلوبه في التعبير، ونحن نجد هذه السهولة متجلية في اشعاره الغزلية الامر الذي يجعلها نموذجاً للاشعار المتميزة بالعاطفة الصادقة. وقد يقع خاقاني احياناً تحت تأثير الشاعر العارف الشهير سنائي، مما اضفى على اشعاره طابعاً من الاهتمام بالقيم المعنوية والمعرفية الى درجة انه يعتبر من شعراء اهل الباطن، والمعنى، والعرفان، ويقدم لنا خاقاني في هذا النمط من الاشعار الزهدية اسلوباً قوياً ومقتدراً في التعبير. يستند خاقاني في اشعار الى خلق المعاني غير المعروفة، وابداع التعابير الجديدة، فقد استطاع من خلال اوصافه ان يبتدع تشبيهات جديدة، وبعيدة عن الذهن. وبالجملة فان الخاقاني يتمتع بقوة الخلق والابداع، وقد ابتكر تركيبات جديدة، وبديعة، وجاء بموضوعات جديدة في الشعر لم تكن معهودة من قبل، فقد صبّ الاحاسيس والافكار الجديدة في القوالب التي كان صنعها بنفسه، فاصبح مبدعاً ومبتكراً في الشعر بدل من ان يكون مقلداً كما يشير هو نفسه الى ذلك في قوله: (المنصفون لي يعلمون انني قد اتيت في الالفاظ والمعاني بأسلوب جديد، ولم اتّبع نهجَ القدامى...). (تسألني ايّها الصديقُ عن حالي فماذا عسى ان يكونَ حالي؟ كبدٌ مفهمٌ بالآلامِ، وقلبٌ مليئٌ بالدماءِ! فقال لي صديقي: سمِعْتُ انّك تُلاطِفُ العُشّاقَ فقلتُ له: وهل أنا خارجٌ من دائرتهم ايّها الصديقُ؟! قلتَ لي انّك ستأخذُ بيدي انْ أنا سقطتُّ وهل من الممكنِ ان أكونَ أكثر سقوطاً ممّا أنا عليه؟!). الابيات السابقة هي للشاعر والقاص الايراني الشهير نظامي الگنجوي الذي عاش في القرن السادس الهجري. وهو الحكيم ابو محمد الياس المعروف بالنظامي الگنجوي الذي لانمتلك معلومات دقيقة عن تاريخ ولادته رغم ان المؤرخين يقدرون هذا التاريخ بين سنتي 530 و540 للهجرة استناداً الى اشعاره وآثاره. وُلد نظامي في مدينة گنجه، ونشأ فيها، حيث كانت هذه المدينة تقع آنذاك على ضفتي نهر(كانجاشاي) او نهر كنجه في شمال ايران، وكانت تعتبر المركز الرئيسي لانتشار الشعر والادب الفارسي. حيث ازدهر فيها الشعر الى حد كبير، وتخرج منها شعراء كبار مثل: الخاقاني، والفلكي، وابي العلاء الگنجوي، وادى فيها ادباء لامعون مثل: مهستي، ونظامي من خلال آثارهم واشعارهم الى ان تتحول هذه المدينة الى احدى المراكز المهمة الكبيرة للشعر الفارسي. ورغم الدراسات الواسعة والمختلفة التي اجريت خلال السنوات الاخيرة حول نظامي الگنجوي من قبل الباحثين الايرانيين والاجانب، وتم نشرها، الا ان هناك نقاطاً كثيرة في حياته مازالت وراء ستار من الغموض والابهام. واذا ما اردنا ان نتعرف على حياة وافكار نظامي فان الشيء الوحيد الذي يسعفنا في هذا المجال هو اقوال كتّاب التذاكر اي (التراجم) بالاضافة الى الاشارات القليلة والمتفرقة التي ضمنها الگنجوي آثاره حول حياته وافكاره، وكذلك الدراسات التي نشرت حتى الآن من قبل الباحثين حوله. واستناداً الى المصادر الموجودة، فقد رأت عينا نظامي النور في احضان عائلة عرفت بالتجارة والتموّل، ولذلك فقد قضى فترة طفولته في الدرس والبحث دون ان تعكر صفوه مصاعب الحياة. ومالبث الگنجوي ان تعرف على العلوم المتداولة في عصره، واستناداً الى اقوال النظامي نفسه في اشعاره فانه كان يمتلك معلومات كافية حول علم الفلك، والكيمياء، والفلسفة، والكلام بالاضافة الى معرفته بالشعر، والنثر الفارسي والعربي، وبذلك فقد خصص القسم الاكبر من سني حداثته وشبابه لتلقي العلوم لدى اساتذة عصره، والدراسة في مدارس ذلك العصر. رغم ان نظامي الكنجوي كان من ابرز رجال عصره في فن الشعر، وانه كان يتمتع باسلوب سامٍ وبديع، الا انه وبسبب استغنائه من الناحية المالية - تجنب خلافاً لشعراء عصره- الذين كانوا يتخذون من نظم الشعر حرفة يكتسبون من ورائها، مدح الحكام والملوك، ونظم القصائد المطولة في الثناء عليهم. وبالاضافة الى ديوان اشعاره المشتمل على عشرين الف بيت والذي لم يصلنا منه سوى عدد قليل من الابيات، فقد وصلتنا منه مثنوياته الخمس الشهيرة التي تحمل عنوان (بنج كنج) او الكنوز الخمسة. وقد نظم الگنجوي هذه الآثار في قالب القصص موجداً بذلك اسلوباً جديداً في سرد القصص والحكايات. وهذه المجاميع القصصية الخمس هي عبارة عن: مخزن الاسرار، وخسرو وشيرين، وليلى والمجنون، والاقاليم السبعة، واسكندرنامه التي تشتمل بدورها على قسمين هما: اقبال نامه، وشرف نامه. يمكننا اعتبار نظامي بآثاره تلك من اركان الشعر الفارسي لسلاسة كلامه، واسلوبه الشعري، ولذلك فقد كان دوماً محطّ ثناء الشعراء، وكتّاب التراجم والباحثين الذين ظهروا بعده. وعلى سبيل المثال فان المؤرخ والاديب الشهير العوفي صاحب كتاب جوامع الحكايات ولوامع الروايات يرى انه رصّع الادب الفارسي بكنوز اشعاره، وفضائله، وفتح بين يدي الادباء الآخرين كنوزاً من اللطائف، والبدائع بكلامه الساحر، وبيانه النافذ، وتعبيره الخلاّب. ويؤكد جامي الشاعر العارف الشهير في القرن التاسع الهجري، والذي يعد من جملة مقلدي آثار النظامي، في كتابه المعروف (نفحات الانس)، ان مثنوياته الخمسة المعروفة باسم الكنوز الخمسة تبدو في الظاهر والصورة مجرد اساطير وحكايات خيالية، الا انها في الحقيقة ذريعة للشاعر من اجل بيان الحقائق والمعارف الالهية. ******* العارف العطار ومنظومة الرسالة الالهية - 50 2007-08-18 00:00:00 2007-08-18 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3306 http://arabic.irib.ir/programs/item/3306 (الهي نامه) او الرسالة الالهية هي من جملة الكتب المشهورة، والمعروفة للشيخ فريد الدين العطار النيسابوري. صيغت هذه المنظومة الشعرية في قالب المثنوي او المزدوج اي على قالب الابيات التي ينتهي كل شطر من ابياتها عند قافية واحدة مع الحرص على تنويع هذه القوافي بين مجموعة من الابيات واخرى. وتشتمل هذه المنظومة على ستة آلاف وخمسمائة واحد عشر بيتاً بدأها الشاعر بالثناء على الله عزوجل، ووصف الرسول صلى الله عليه وآله. حيث يحاول العطار ان يكشف لنا عن الاسرار الكافية في داخل الانسان الذي يمثل اكثر مخلوقات الله تعالى تعقيداً، وتشابكاً، ويروي قصة معرفة الانسان لنفسه من منظاره، ورؤيته. نظم العطار هذا الكتاب في قالب حوار يجري بين ملك وابنائه الستة حيث يطرح على كل واحد منهم سؤالاً عن امنيته في حياته، فيكشف كل واحد من الابناء عن امنيته. ويناقشه الاب حول امنيته هذه التي تبدو بعيدة عن الواقع نتيجة لنزق هؤلاء الابناء، وانعدام خبرتهم وتجربتهم في الحياة، فيدور بذلك حوار طريف بين الاب والابناء، يبوح من خلاله الشاعر بالكثير من آرائه، وافكاره، ورؤاه في الجوانب الدينية، والاخلاقية، والاجتماعية. وبذلك يعد كتاب (الهي نامه) الدفتر المفتوح لحياة الانسان من الازل وحتى الابد بحيث يمكن اعتباره حكاية تروي لنا هدى ورشد الانسان من جهة، وضلاله وضياعه من جهة اخرى. رغم ان مطالب اولئك الابناء تبدو في الظاهر متباينة، الا انها كلها تمثل رموزاً للانسان وتمنياته. فالابن الاول يتمنى الالتقاء بشخص اسطوري، والابن الثاني يتمنى ان تكون له مقدرة سحرية تمكنه من ان يحول نفسه الى الشكل والصفات التي يريدها. فيما يتمنى الابن الثالث ان يمتلك البنورة السحرية التي يستطيع من خلالها ان يرى كل ما يجري في العالم من حوله. واما الابن الرابع فيساوره التمني بان يمتلك ماء الحياة لكي يكتب له البقاء والخلود في هذه الحياة. ونرى الابن الخامس يبوح بامنيته لابيه قائلا له انه يتمنى ان يكون خاتم سليمان مُلكاً له لكي تكون له السلطة المطلقة على العالم من خلاله. واما الابن السادس والاخير فيراوده الامل في ان يتوصل الى اسرار علم الكيمياء الذي يتمكن بواسطته من ان يحول المعادن الى ذهب. وفي خلال كل ذلك نرى الاب الحكيم المجرب يناقش ويحاور كل واحد من ابنائه محاولاً ان يقنعه بعدم واقعية وموضوعية امنيته، وطالباً منه ان يعمل على تحقيق امنيات اخرى من شأنها ان تنفعه في حياته العملية. مستعيناً في ذلك بسعة الصدر، ومحاولة التفهم، ومحاولاً اقناعهم عبر الاستناد الى سرد الحكايات المختلفة، وايراد الامثلة المتنوعة، والاتيان بالصور والاستعارات البليغة. وبذلك يقدم لنا فريد الدين العطار صورة نموذجية متكاملة لما يجب ان يكون عليه الحوار الذي ينشد من خلاله المتحاورون التوصل الى الحقيقة بعيداً عن التعصب، والتطرف. وفي هذا الاطار، ينقل الاب لكل واحد من ابنائه حكاية، علّه يستطيع عبر التمثيل ان يهديه الى الحقيقة. وازاء هذه الحكايات، يطرح الابناء ادلتهم وبراهينهم لاثبات مطالبهم، محاولين بذلك اقناع والدهم بصحة آرائهم. الا اننا نرى الاب، ذلك الشيخ الكبير والخبير والضليع في الحياة، يطرح في كل مرة حكاية جديدة يكشف من خلالها لابنائه سراً آخر من الاسرار الكامنة في الانسان. ويوفق الاب في النهاية الى ان يعيد ابناءه الى حضيرة الحق، ويهديهم الى المفهوم الحقيقي لـ (الحب) و(التمني) بحيث يكون هذا المفهوم منسجماً، ومتلائماً مع سنن الحياة، وقوانينها. وبصورة عامة يمكننا القول ان العطار عبر في كتابه (الهي نامه)، او الرسالة الالهية، ان آرائه ووجهات نظره حول الوهم والظن، واكتساب المال والمنصب عن طريق العلم، والتمني، وطلب الجاه والمال. (باسم مَنْ أضاءَ النفوسَ بنورِ الدين ووَهَبَ العقلَ اليقينَ في معرفةِ الله فاكتسبَ كِلا عالَمِ الخَلْقِ الوجودَ منه فارتفع الفَلَكُ به، وانخفضت به الارضَُ وصارتْ مِهاداً). بهذه الابيات يبتدئ فريد الدين العطار منظومة عرفانية شهيرة اخرى تعرف باسم (اسرارنامه)، اي رسالة الاسرار او كتاب الاسرار. حيث تعد هذه المنظومة من اشهر آثار هذا الشاعر العارف، اضف الى ذلك انها تتمتع بمكانة خاصة بين روائع الادب الفارسي الاخرى. ونحن لانعلم بالضبط التاريخ الدقيق لنظم هذه الاشعار، الا اننا ومن خلال الاستناد الى اسم الكتاب ومفاهيمه، يمكننا ان نعتبر هذه المنظومة شرحاً، وبياناً لدقائق العرفان المبهمة، فقد حال الناظم ان يسلط الضوء على الحقائق العرفانية باسلوب يجمع بين السلاسة والبلاغة. قُسّم هذا الكتاب الى اثنتين وعشرين مقالة، حيث تختص كل مقالة باصل من اصول العرفان. وعلى طريقة العرفاء، فان العطار يستعين في كل مقالة بسرد حكايات، واساطير جذابة للغاية في سبيل شرح وبيان تلك الاصول، ويعكف على بيان المعضلات الكلامية للعرفاء. وتفيد احدى الروايات ان الشاعر العرفاني الشهير جلال الدين المولوي تلقى في شبابه هذا الكتاب من العطار كهدية، وانه استفاد، ونهل منه كثيراً في نظم ديوانه المثنوي بحيث ان الكثير من حكايات اسرارنامه نجدها في المثنوي. نظم كتاب اسرارنامه بلغة تجمع بين البساطة والسلاسة من جهة، والمضامين القوية والمتينة التي من شأنها ان توصل الى المقصود، من جهة اخرى. وقد جاءت هذه المنظمة مشتملة على ثلاثة آلاف وثلاثمائة وتسعة ابيات، تطرق فيها العطار الى مختلف الموضوعات العرفانية، والاخلاقية، باسلوب شيق جذاب، لايخلو من الحكاية الطريفة، والنادرة المستساغة، ليسهل من خلال ذلك عملية بيان الاصول والمفاهيم العرفانية، وازاحة النقاب عنها، وكشف مجاهلها، وغوامضها. ******* الشاعر الأنوري وبديع الشعر القصصي - 49 2007-08-15 00:00:00 2007-08-15 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3305 http://arabic.irib.ir/programs/item/3305 يعدّ اوحد الدين محمد بن علي الانوري من جملة الشعراء المشهورين في النصف الثاني من القرن السادس الهجري. ونحن لا نمتلك معلومات دقيقة حول تاريخ ولادته، الا اننا نعلم انه كان يعيش في عصر حكومة السلاجقة، وفي عهد السلطان سنجر، وانه رأى النور في مدينة ابيورد الواقعة في شرق ايران بين احضان اسرة من اهل الشعر والادب. امضى انوري مرحلة شبابه في دراسة العلوم في طوس، وبالاضافة الى الادب، فقد تبحر ايضاً في الفلسفة والرياضيات والموسيقى والفلك حتى تلقب بالحكيم، وقد اشار هو نفسه في اشعاره الى معرفته للعلوم الشائعة في عصره. وفي هذه الفترة من تحصيل العلم، اكتسب انوري المهارة في الادب والشعر، واستطاع في مرحلة شبابه ان يشق طريقه الى بلاط السلطان سنجر حتى انه –كما يرى الكثير من النقاد والباحثين المعنيين بدراسة آثاره- قضى معظم عمره في خدمة سنجر مادحاً اياه. وبعد هذه الفترة التي دامت - كما يقول الشاعر- ثلاثين سنة، اعتزل انوري البلاط، واختار العزلة والانزواء، واقام - على ما تفيد احدى الروايات- في بلخ، حتى توفي في اواخر القرن السادس الهجري. يعد انوري من جملة اكبر الشعراء الايرانيين، ومن بين الشعراء الذين ثبتت لهم الموهبة الشعرية، والمنهج المستقل والمتميز في نظم الشعر اثناء حياتهم، فقد اشاد به الشعراء الذين عاصروه، واثنوا على منزلته السامية في عالم الادب، بل ان البعض تجاوز ذلك فعده احد الرسل الثلاثة للشعر الفارسي. يعدّ عصر انوري عصر شيوع نظم القصائد، ويبدو ان الاشخاص الذين اشادوا بمكانته الرفيعة كانوا يستندون في ذلك الى قصائده، ففي عصر انوري كان فن نظم القصائد الطويلة يعتبر اشهر الفنون الشعرية. ومن خلال القاء نظرة على قصائد هذه الفترة يمكننا بسهولة ان نتعرف على خصائصها. وبغض النظر عن القصائد، فقد وصلتنا من انوري اشعار في قالب المقطعات، والرباعيات، والغزليات التي تستحق الدراسة، والبحث الجاد. ومن جملة وجهة نظر اهل الفن، والباحثين في مجال الادب، فقد قدم انوري ابداعات وابتكارات كثيرة في المجالات المختلفة لشعره من ناحية فنون البلاغة بحيث اننا اذا قارناه مع الشعراء الاخرين المعاصرين له فان بالامكان اعتباره شاعراً مبتكراً، وصاحب ابتكارات، وبدائع. تعد لغة انوري في الشعر لغة طبيعية وسلسة الى درجة اننا لا نرى فيها اية تعقيدات والتواءات كما هو حال الكلام العادي بحيث اننا اذا كتبناها بالنثر فسوف لاتختلف كثيراً. ومن بين الخصائص الاخرى للغة انوري الشعرية، القدرة على الوصف، والبيان الحكائي والقصصي للحديث المتبادل بين عدة اشخاص، علماً ان هذه الخصوصية لانراها لدى ناظمي القصائد الاخرين المعاصرين لانوري. (شمّ بستانيٌ ذاتَ مرّةٍ احدى ازهارِ البنفسج فقال لها: ايّتها المحدودبةُ الظهرِ، ذات اللباس الازرق ما الذي فعل بكِ الدهرُ لكي تنحني بهذه السرعةِ دون ان تصلي بَعْدُ الى مرحلةِ الشيخوخة فقالت: انّ الشيوخَ انّما حطّمُهُم الدهرُ فيجب اذن ان نتحطّمَ في مرحلةِ الشباب...). تعد اللغة الشعرية لانوري اسهل، وابسط لغة شعرية حتى عصره، ويعتبر سعدي الشيرازي الشاعر الوحيد الذي تمكن مقارنته معه، والذي كان يعيش بعده بقرن، والا فاننا لانجد بين معاصريه واسلافه من كانت لغته بهذا الحد من الطبيعية والسهولة. ويعتبر ديوان اشعار انوري من وجهة نظر الباحثين في الاعمال الادبية من جملة اهم مصادر دراسة اللغة الشعرية في القرن السادس، وافضل معيار لبحث القيم والطبقات الاجتماعية، وكيفية تحولها حتى نهاية القرن السادس الهجري، علماً انه لم يخضع الى الآن للدراسة من هذه الناحية من قبل الباحثين الايرانيين والاجانب. ومن اوحد الدين الانوري، ننتقل الآن الى شاعر شهير آخر من شعراء بلاد ايران، مهد الادب الفارسي. هذا الشاعر هو افضل الدين علي الخاقاني الشرواني الذي يعتبر - كما هو الحال بالنسبة الى انوري- من جملة اشهر ناظمي القصائد الطويلة في القرن السادس الهجري. وُلد خاقاني في سنة خمسمائة وعشرين للهجرة في شروان الواقعة في شرق ايران، وكان والده نجاراً، فيما كان عمّه طبيباً وفيلسوفاً ترعرع خاقاني في حماه حتى بلغ الخامسة والعشرين من عمره، وتعلم لديه انواع العلوم الادبية والحكمية. اتجه خاقاني منذ مقتبل شبابه الى الشعر، وبسبب طبعه السيّال، واشعاره الاصيلة فانه استطاع بسرعة بالغة النفوذ في بلاط الملوك الشروانيين، الذين كانوا يحكمون آنذاك في منطقة شروان الواقعة في جنوب شرق القوقاز. الا انه سرعان ما ملّ حياة البلاط، فاعتزله متوجهاً الى مكة، وعازماً على السفر الى العراق بعد ذلك ليلتقي كبار علماء وادباء بغداد، وليسطّر على اثر ذلك منظومته الطويلة المعروفة باسم (تحفة العراقين). على اثر سفره الى مكة، وزيارته لروضة النبي صلى الله عليه وآله، قويت في نفسه الميول نحو الزهد والورع، والتي كانت قد ظهرت لديه مذن البدء. وبسبب طبعه الابي، وكبريائه، فقد كان غير راض في قرارة نفسه عن مدح الملوك، ولذلك فقد قرر ان يقتصر على مدح النبي صلى الله عليه وآله ليصبح بذلك كحسان الشاعر العربي الشهير الذي اطلق عليه لقب شاعر الرسول صلى الله عليه وآله، وليتلقب بـ (حسان العجم). ولذلك فانه قرر بعد سفره الى مكة والعراق ان يعتزل حياة البلاط، ويبنذ جانباً الطمع الدنيوي، ويعاف الخدمة في البلاط. الا ان هذا القرار ادى الى تورط شاعرنا، فلقد اودع الخاقاني في السجن عندما كان يهمّ بالفرار من البلاط على اثر التهم التي وجهها اليه حسّاده، ونحن نجد وصف هذا السجن، والآلام الناجمة عنه في اشعاره. وعندما خرج الخاقاني من السجن، تشرّف بزيارة بيت الله للمرة الثانية في وقت ذاع فيه صيت الشاعر ليتجاوز المحيط الضيق لمسقط رأسه في شروان الى المدن الاخرى. وبعد عودته من مكة فوجئ الخاقاني بمصائب وآلام متوالية المّت به ومنها موت زوجته واولاده، ولذلك فقد قرر الذهاب الى تبريز، ليختار العزلة والانزواء. ولازم تبريز حتى آخر عمره حيث اكمل فيها نظم ديوانه مضيفا اليه اشعار الزهدية والعرفانية حتى توفي سنة 596 للهجرة. ******* خصائص اللغة الشعري للحكيم الانوري - 48 2007-08-13 00:00:00 2007-08-13 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3233 http://arabic.irib.ir/programs/item/3233 اجمل التحايا، واطيب المنى نبعثها لحضراتكم في هذا اللقاء الذي يتجدد معكم عند جولة اخرى في رحاب اعلام، وروائع الادب والمعرفة في ايران الاسلام. يعدّ اوحد الدين محمد بن علي الانوري من جملة الشعراء المشهورين في النصف الثاني من القرن السادس الهجري. ونحن لا نمتلك معلومات دقيقة حول تاريخ ولادته، الا اننا نعلم انه كان يعيش في عصر حكومة السلاجقة، وفي عهد السلطان سنجر، وانه رأى النور في مدينة ابيورد الواقعة في شرق ايران بين احضان اسرة من اهل الشعر والادب. امضى انوري مرحلة شبابه في دراسة العلوم في طوس، وبالاضافة الى الادب، فقد تبحّر ايضاً في الفلسفة والرياضيات والموسيقى والفلك حتى تلقّب بـ (الحكيم)، وقد اشار هو نفسه في اشعاره الى معرفته للعلوم الشائعة في عصره. وفي هذه الفترة من تحصيل العلم، اكتسب انوري المهارة في الادب والشعر، واستطاع في مرحلة شبابه ان يشق طريقه الى بلاط السلطان سنجر حتى انه - كما يرى الكثير من النقاد والباحثين المعنيين بدراسة آثاره- قضى معظم عمره في خدمة سنجر مادحاً ايّاه. وبعد هذه الفترة التي دامت - كما يقول الشاعر- ثلاثين سنة، اعتزل انوري البلاط، واختار العزلة والانزواء، واقام - على ما تفيد احدى الروايات- في بلخ، حتى توفي في اواخر القرن السادس الهجري. يعد انوري من جملة اكبر الشعراء الايرانيين، ومن بين الشعراء الذين ثبتت لهم الموهبة الشعرية، والمنهج المستقل والمتميز في نظم الشعر اثناء حياتهم، فقد اشاد به الشعراء الذين عاصروه، واثنوا على منزلته السامية في عالم الادب، بل ان البعض تجاوز ذلك فعدّه احد الرسل الثلاثة للشعر الفارسي. يعدّ عصر انوري عصر شيوع نظم القصائد، ويبدو ان الاشخاص الذين اشادوا بمكانته الرفيعة كانوا يستندون في ذلك قصائده، ففي عصر انوري كان فنّ نظم القصائد الطويلة يعتبر اشهر الفنون الشعرية. ومن خلال القاء نظرة على قصائد هذه الفترة يمكننا بسهولة ان نتعرف على خصائصها. وبغض النظر عن القصائد، فقد وصلتنا من انوري اشعار في قالب المقطعات، والرباعيات، والغزليات التي تستحق الدراسة، والبحث الجاد. ومن وجهة نظر اهل الفن، والباحثين في مجال الادب، فقد قدم انوري ابداعات وابتكارات كثيرة في المجالات المختلفة لشعره من ناحية فنون البلاغة بحيث اننا اذا قارناه مع الشعراء الآخرين المعاصرين له فان بالامكان اعتباره شاعراً مبتكراً، وصاحب ابتكارات، وبدائع. تعدُّ لغة انوري في الشعر لغة طبيعية وسلسة الى درجة اننا لا نرى فيها اية تعقيدات والتواءات كما هو حال الكلام العادي بحيث اننا اذا كتبناها بالنثر فسوف لاتختلف كثيراً. ومن بين الخصائص الاخرى للغة انوري الشعرية، القدرة على الوصف، والبيان الحكائي والقصصي للحديث المتبادل بين عدة اشخاص، علماً ان هذه الخصوصية لانراها لدى ناظمي القصائد الآخرين المعاصرين لانوري. (شمّ بستاني ذات مرة احدى ازهار البنفسج فقال لها: ايّتها المحدودبة الظهر، ذات اللباس الازرق ما الذي فعل بك الدهر لكي تنحني بهذه السرعة دون ان تصلي بعد الى مرحلة الشيخوخة فقالت: انّ الشيوخ انّما حطّمهم الدهر فيجب اذن ان نتحطّم في مرحلة الشباب...) تعدّ اللغة الشعرية لانوري اسهل، وابسط لغة شعرية حتى عصره، ويعتبر سعدي الشيرازي الشاعر الوحيد الذي تمكن مقارنته معه، والذي كان يعيش بعده بقرن، والا فاننا لانجد بين معاصريه واسلافه من كانت لغته بهذا الحد من الطبيعية والسهولة. ويعتبر ديوان اشعار انوري من وجهة نظر الباحثين في الاعمال الادبية من جملة اهم مصادر دراسة اللغة الشعرية في القرن السادس، وافضل معيار لبحث القيم والطبقات الاجتماعية، وكيفية تحولها حتى نهاية القرن السادس الهجري، علماً انه لم يخضع الى الآن للدراسة من هذه الناحية من قبل الباحثين الايرانيين، والاجانب. ومن اوحد الدين الانوري، ننتقل الآن الى شاعر شهير آخر من شعراء بلاد ايران، مهد الادب الفارسي. هذا الشاعر هو افضل الدين علي الخاقاني الشرواني الذي يعتبر - كما هو الحال بالنسبة الى انوري- من جملة اشهر ناظمي القصائد الطويلة في القرن السادس الهجري. وُلد خاقاني في سنة خمسمائة وعشرين للهجرة في شروان الواقعة في شرق ايران، وكان والده نجاراً، فيما كان عمّه طبيباً وفيلسوفاً، ترعرع خاقاني في حماه حتى بلغ الخامسة والعشرين من عمره، وتعلّم لديه انواع العلوم الادبية والحكمية. اتجه خاقاني منذ مقتبل شبابه الى الشعر، وبسبب طبعه السيّال، واشعاره الاصيلة فانه استطاع بسرعة بالغة النفوذ في بلاط الملوك الشروانيين، الذين كانوا يحكمون آنذاك في منطقة شروان الواقعة في جنوب شرق القوقاز. الا انه سرعان ما ملّ حياة البلاط، فاعتزله متوجهاً الى مكة، وعازماً على السفر الى العراق بعد ذلك ليلتقي كبار علماء وادباء بغداد، وليسطر على اثر ذلك منظومته الطويلة المعروفة باسم (تحفة العراقين). وعلى اثر سفره الى مكة، وزيارته لروضة النبي صلى الله عليه وآله، قويت في نفسه الميول نحو الزهد والورع، والتي كانت قد ظهرت لديه منذ البدء. وبسبب طبعه الابي، وكبريائه، فقد كان غير راض في قرارة نفسه عن مدح الملوك، ولذلك فقد قرّر في ان يقتصر على مدح النبي صلى الله عليه وآله ليصبح بذلك كحسان الشاعر العربي الشهير الذي اطلق عليه لقب شاعر الرسول صلى الله عليه وآله، وليتلقب بـ (حسّان العجم). ولذلك فانه قرر بعد سفره الى مكة والعراق ان يعتزل حياة البلاط، وينبذ جانباً الطمع الدينوي، ويعاف الخدمة في البلاط. الا ان هذا القرار ادى الى تورط شاعرنا، فلقد أودع الخاقاني في السجن عندما كان يهمّ بالفرار من البلاط على اثر التهم التي وجهها اليه حسّاده، ونحن نجد وصف هذا السجن، والآلام الناجمة عنه في اشعاره. وعندما خرج الخاقاني من السجن، تشرّف بزيارة بيت الله للمرة الثانية في وقت ذاع فيه صيت الشاعر ليتجاوز المحيط الضيق لمسقط رأسه في شروان الى المدن الاخرى. وبعد عودته من مكة فوجئ الخاقاني بمصائب وآلام متوالية المّت به ومنها موت زوجته واولاده، ولذلك فقد قرر الذهاب الى تبريز، ليختار العزلة والانزواء. ولازم تبريز حتى آخر عمره حيث اكمل فيها نظم ديوانه مضيفاً اليه اشعاره الزهدية والعرفانية حتى توفي سنة 596 للهجرة. ******* إبداعات الحكيم الغزنوي في الشعر العرفاني - 47 2007-08-08 00:00:00 2007-08-08 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3232 http://arabic.irib.ir/programs/item/3232 يمكننا اعتبار الشاعر العارف سنائي الغزنوي مبدعاً لاسلوب جديد في نظم الشعر هو الاسلوب الزهدي كما عبر عن ذلك الخاقاني الشاعر المعروف في القرن السادس الهجري. وفي مثل هذا الشعر انصرف سنائي الى بيان معاني الزهد، والتوحيد، والعرفان في قوالب التعبير الشعري، حيث يمثل التوحيد، والثناء على القرآن، ووصف النبي صلى الله عليه وآله المواضيع الاساسية لاشعاره الزهدية. وقد خلق سنائي في مثل هذه الاشعار معاني جميلة فريدة من نوعها من خلال نظرته الثاقبة، والدقيقة لاوضاع زمانه. فنحن نراه في اشعاره يطلق صرخات الغضب والاحتجاج على انهماك اهل زمانه في الملذات، وانكبابهم على ملاذ الدنيا وخصوصاً رجال وحاشية بلاطات الملوك والامراء. ومع ذلك فقد عبر عن كل تلك الشكوى، والانتقادات ببيان جميل، وبتعابير عرفانية عذبة، فنراه يذكر الناس بانصرام العمر، وقرب الرحيل الى دار القرار، من خلال تجسيم صورة هادم اللذات امامهم. وهكذا فاننا نراه يميل في اشعاره الى نقد الاوضاع السياسية والاجتماعية في عصره، فيعظ، ويسلط الضوء على جميع نقاط الذروة والحضيض في مجتمعه، حتى يمكننا اعتباره في هذا المجال شاعراً ممتازاً لانظير له لا مِنْ قبل ولا من بعد. (مُتْ ايّها الحكيم في هذه الحياةفموتك في هذه الدنيا يعني بقاءكلاتأمَلْ من هذه الحياة عيشاًفهي ذئب، والرعي لايصدر من الذئاب)بمثل هذه الابيات الزهدية شحن سنائي الغزنوي منظومته الرائعة (حديقة الحقيقة). وتعرف هذه المنظومة ايضا باسم (الهي نامه) اي: الرسالة الالهية، وتتألف من عشرة آلاف بيت تدور موضوعاتها حول التوحيد والعرفان والاخلاق. وقد وضع سنائي نصب عينيه في هذا الكتاب هدفاً معيناً وهو تعليم المقاصد العرفانية حيث عبر عن هذه الاهداف، والافكار باسلوب مفعم بالصور المثيرة للخيال، والتي تحفل من الشاعرية بالشيء الكثير. وهكذا فان بالامكان اعتبار (حديقة الحقيقة) نوعاً من الموسوعات العرفانية المدونة في قالب الشعر. (ايّها الملك لساني يلهج بذكرك دوماًأنا لااسير الاّ في الطريق الذي ارشدتني اليهالجميع يبحث عن حضرتك، ويأمل فضلكوالجميع يوحدك، فانت مستحق للتوحيدانت الحكيم، وانت العظيم، وانت الكريمانت مظهر الفضل، وان المستحق للثناء) قلنا ان سنائي هو من جملة كبار الشعراء الذين يعدون من مبدعي الاساليب الجديدة في الشعر الفارسي، بحيث ان شعراء كباراً مثل: جلال الدين المولوي، وفريد الدين العطار، قد تأثروا الى حدّ كبير باسلوبه الشعري، وافكاره ومعتقداته. ويرى المتخصصون، والباحثون في مجال الادب ان النجاح في مجال الشعر يحالف دوماً الشعراء الذين يقدمون ابتكارات وابداعات جديدة في احد عمودَيْ الشعر، المضمون، والشكل. ومن خلال نظرة الى اشعار سنائي يمكننا ان ندرك انه كان في عصره الشاعر الوحيد الذي استطاع ان يُدْخِل اجواء جديدة في التركيبة التقليدية للشعر الفارسي، وخصوصاً على صعيد القصيدة والغزل. فلقد تمكن من ادخال الكثير من تجارب الزهد، وكمّ كبير من الافكار العرفانية في مجال تركيبة، ونسيج الشعر الفارسي. فقبل سنائي كانت التجارب الروحية للعرفاء والزهاد من القرن الثاني، وحتى القرن الخامس الهجري، تصاغ على شكل نثر في كتب من مثل: (الرسالة القشيرية) و(احياء علوم الدين). وقد ادخل سنائي هذه التجارب في مجموعة من التراكيب التقليدية المجربة في الشعر الفارسي مسهماً بذلك في ايجاد تحول اساسي في هذا المجال من الادب الفارسي، ومغيراً الاجواء السائدة في الساحة الشعرية بشكل اساسي، حتى ان الكثير من الباحثين والناقدين المهتمين بدراسة اعمال سنائي انه يعد في هذا المجال نقطة انطلاق، ونقطة كمال وصعود الى الذروة في نفس الوقت. (انت معي، في حين انني ابحث عنك في كلّ مكانفأيّ وصال هذا يا شمعة حِسان الوجوه؟!في وصالك تحيّر العقل، والروح كما تحيّرتُ انافأيّ جمال هذا يا من تحيّرتْ فيك الاوهام؟!)ان الحركة العرفانية التي بدأت بشعر سنائي، ودخلت الشعر الفارسي هي نفسها التي اوجدت فيما بعد، وبعد تغييرات طفيفة في اجزاء الكلام، المقطوعات والقصائد الغزلية العرفانية لحافظ الشيرازي وغيره. وفي هذا النوع من الاشعار يتلاحم جانباً الوجود الانساني، اي الجانبان الترابي، والسماوي، فالالوهية والعبودية تخلقان اكثر لحظات الشاعر طموحاً في تاريخ الشعر الفارسي وذلك من خلال الصور التي تمتزج فيه عوالم المُلْك، والملكوت. والصور التي وجدت في شعر سنائي تجسداً ظاهرياً، هي صادرة عن التجربة الروحية للشاعر، وذهنيته الفلسفية، ومنظومته الفكرية، فمن وجهة نظر سنائي فان جميع الكائنات تتمتع بالحياة، وان تيار الحياة يسري في كل مكان. واذا ما اردنا التعرف على سنائي، ومعرفة منزلته، ومظاهر التجديد التي اوجدها في الشعر الفارسي وخصوصاً الغزل والقصيدة، فان علينا مقارنته بالشعراء الذين سبقوه، بل وحتى الذين عاصروه. فنحن نرى اجواء الغزل العرفاني قبل سنائي وحتى في عصره اجواء صامتة لا اثر فيها للحركة، والحياة، فجاء سنائي ليبعث روحاً جديدة في جسد هذا اللون من الشعر، لخلق من خلال العرفان، واللغة الموحدة والمتجانسة غزلاً جديداً أسهم في انجاب الكثير من عمالقة الشعر العرفاني في الادب الفارسي مثل حافظ، والمولويّ. نكمل جولتنا في رحاب الاشعار العرفانية للشاعر سنائي الغزنوي في حلقة المقبل باذن الله. ******* سيرة وآثار الشاعر الحكيم السنائي الغزنوي - 46 2007-08-06 00:00:00 2007-08-06 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3231 http://arabic.irib.ir/programs/item/3231 نحن نلتقيكم في دروب التراث الفكري، والادبي الخالد الذي سطره عمالقة المعرفة والادب في ايران. ابو المجد آدم سنائي الغزنوي، شاعر حكيم، وعارف كبير من القرن الخامس واوائل القرن السادس الهجري. وُلِد هذا الشاعر، والعارف الكبير سنة 467 للهجرة في مدينة غزنة وتوفي عام 529هـ، ووري جثمانه الثرى في نفس هذه المدينة التي تقع اليوم في شرق افغانستان. امضى سنائي فترة طفولته وشبابه في غزنين، وانهمك في غزنة في تلقي العلوم، والمعارف حتى بلغ الدرجات العليا في جميع علوم ومعارف عصره اعتباراً من الادب العربي، وحتى الفقه والحديث والتفسير والطلب والفلك والحكمة والكلام بحيث تشهد لنا اعماله ببلوغه هذه المنازل السامقة. كانت اسرة سنائي من الاسر الاصيلة في غزنة، وكان والده صاحب حظ من المعرفة، واستناداً الى احدى الروايات التي نجدها في اعمال سنائي ايضا فقد كان والده يتمتع بمكانة مرموقة في تربية اولاد اعيان عصره. في مثل هذه الاسرة، وفي ظل بيئة كانت آنذاك مركزاً من المراكز المهمة للفضل والادب، انشغل سنائي في تحصيل العلم والمعرفة، واستطاع بفضل تعرّفه على علوم عصره، وتمتعه بلسان فصيح وبليغ، وطبع فياض ان يشق طريقه منذ مطلع شبابه بين الادباء والفضلاء. قضى سنائي شطراً من حياته في السفر والتنقل، فسافر الى بَلْخ وسَرَخْس، وهرات، ونيسابور ومدن خراسان الاخرى، وفي خلال هذ الاسفار كان يحضر مجالس وحلقات دروس عرفاء وعلماء عصره مثل محمد بن منصور السرخسي. وتشكل مدائح الامراء والحكام قسماً من اشعار سنائي وذلك عندما كان يعيش في بلاطهم، ويتنقل بينها كما كان حال اكثر شعراء عصره. الا ان سيرته هذه لم تدم طويلاً اذ ما لبث ان عزم على زيارة بيت الله، فتوجه الى مكة من بلخ. ويرى نقّاد ومحللو اعمال سنائي ان زيارة مكة تركت آثاراً عميقة في قلبه، فتجرد من ظلمات الطمع، وجعله جمال الحق من الوالهين، حتى عزف عن العالم والعالمين، واضحى شاعراً مستغنياً. وعندما قفل سنائي عائداً من مكة الى بلخ، برزت عليه آثار التحول، والثورة الفكرية، فعزف عن انشاد المدائح في بلاطات الملوك، والعيش فيها، ومال الى الزهد، حيث ترك هذا التحول آثاره على اشعاره، حتى انه نظم الكثير من الاشعار الدينية، والزهديّة التي ادت الى تميزه عن الشعراء القدامى الاخرين، في تلك الفترة، وفي مدينة بلخ. وبعد تلك الاسفار الطويلة، والانقلاب الروحي والمعنوي عاد سنائي بعد مدة الى غزنة، ليختار العزلة، ويعكف على جمع اشعاره العرفانية والاخلاقية. حيث خلف لنا - بالاضافة الى ديوان قصائده وغزلياته ورباعياته التي تشتمل على اربعة آلاف بيت- عدداً من المؤلفات المنظومة مثل: (حديقة الحقيقة) و(سير العباد الى المعاد) و(كارنامه بلخ) و(مكاتيب سنائي). واما كتاب (حديقة الحقيقة) الذي يعدّ اشهر آثاره على الاطلاق والمعروف ايضا باسم (الهي نامه) اي، الرسالة الالهية فهو عبارة عن شعر منظوم على اسلوب المثنوي او المزدوج. وقد بدأ سنائي منظومته هذه بوصف الله تعالى، والنبي صلى الله عليه وآله، وخصص فيها ابواباً للحديث عن العقل، والعلم، والعشق، والحكمة، وقد وظف في هذا الكتاب حكايات ممتعة ومشوقة كثيرة لبيان معتقداته وانفكاره. وقد كُتبت الى الآن شروح كثيرة لهذا الكتاب، وتأثر به شعراء كبار مثل نظامي، وخاقاني في انشاد منظوماته. المؤلف المعروف الآخر لسنائي الغزنوي هو (سير العباد الى المعاد) وهو عبارة عن منظومة رمزية عرفانية وصف فيها الناظم رحلة خيالية قام بها الى عالم الروح والمُثُل بلغة متينة وجميلة. ويرى الكثير من الباحثين، والمهتمين بدراسة ادب سنائي ان هذا الكتاب هو من جملة اشهر المنظومات العرفانية باللغة الفارسية. فيما تعدّ منظومة (كارنامه بلخ) افضل كتاب لباحثي ودارسي آثار سنائي ذلك لانه ازاح الستار عن حياته الشخصية، وحياة والده، وبعض من معاصريه في قالب منظومة قصيرة تبلغ ما يقرب من خمسمائة بيت. وقد نُسبت الى سنائي ايضاً منظومات اخرى مثل (عقل نامه)، و(عشق نامه)، وطريق التحقيق. (ايّها الملك! لساني يلهج بذكرك فأنت الطاهر، وأنت الاله أنا لاأسير الاّ في الطريق الذي اَبَنْته لي أنا عاكف على البحث عن حضرتك واطلب الفضل دوماً من عندك واوحّدك ليلي ونهاري، فانت المستحق للتوحيد لايمكن لأحد ان يصفك فأنت اسمى من ان تستوعبك الافهام ولايمكن الاتيان بشبيه لك فأنت لا تدركك الاوهام) كانت مدينة غزنين في عصر سنائي تغصّ من جهة بالعرفاء والزّهاد الذين اسلموا زمام قلوبهم الى الخلوات، ومن جهة اخرى فانها كانت تعجّ ايضاً بالشعراء الذين ارتضوا لانفسهم ان يكونوا مداحاً للحكام والامراء اتباعاً لسنة شعراء البلاط. ولكن يبرز لنا سنائي كواحد من رجال البصيرة في عصره، فلم يستطع الاستمرار في حياة الترف واللذات العابرة تلك، والبقاء في نوم الغفلة طيلة حياته، واذا ما نظرنا الى الاشعار التي نظمها سنائي بعد انقلابه الفكري فان بالامكان ان نحيط علماً بمعتقداته، فقد جهد من خلال اشعاره في سبيل ان يوقظ الغافلين من نومهم. وان صرخات الاعتراض التي اطلقها سنائي احتجاجاً على غفلة الدهر، وانباء مجتمعة مفعمة بالآلام، والعويل، والامل واليأس، والنقد، واللوم اللاذع. لقد كان يتأمل حال عالم دهره، وينظر في ما انكبت قلوب الناس عليه، فتصيبه الحيرة، وتعقد لسانه الدهشة، فيطلق صرخته بغضب وسخط معلناً ان الدنيا دار غرور ويأس. وهكذا فقد حذر سنائي كا فعل الشاعر ناصر خسرو الناس من الانغماس في مستنقع الحياة الدنيوية، ووجّه سهام نقده الى مفاسد عصره، مذكراً مخاطبيه، ومستمعيه بالموت، وسرعة الرحيل عن دار الزوال والفناء، قائلا: (قبل ان تعجز هذه النفس المختلقة للمعاذير عن النطق وقبل ان تفقد بصيرتك اعتبرْ - ايّها الانسان- وخذ الدروس فالى متى تبقى في دار الغرور هذه حريصاً عيناك متطلعتان كعيون النرجس ويداك ممدودتان كأيدي الاشجار؟!) ******* مختارات من روائع بلاغات النساء لابن طيفور - 45 2007-08-04 00:00:00 2007-08-04 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3230 http://arabic.irib.ir/programs/item/3230 من النوادر الاخرى التي يرويها لنا ابن طيفور الخراساني في كتابه (بلاغات النساء) نادرة عن احدى النساء اللواتي عُرِفْنَ بفصاحتهنّ، وبلاغتهن وهي (ولاّدةُ العبديّة)، وكانت من اعقل النساء، واقدرهنّ على تصريف وجوه الكلام، والاتيان به من احسن الوجوه كما يشهد لنا بذلك الخبر التالي الذي رواه ابن طيفور عن عبد الله بن احمد بن حرب قائلا: (قلتُ لولاّدة العبديّة: اني اريد الحجّ فأوْصيني؟ قالت: أأُوجِزُ فأُبلغ أم اطيلُ فأُحْكِم؟ قالت: بما شئت. فقالت: جُدْ تسُدْ، واصبرْ تَفُزْ. قلت ايضاً: قالت: لايتعدّ غضبك حلمَك، ولا هواك علْمَك، وقِ دينك بدُنياك، وفِرْ عِرْضَك بعَرَضِك، وتفضّلْ تُخْدَمْ، واحلُمْ تُقّدم. قلت: فمَنْ استعينُ؟ قالت: الله. قلتُ: مِنَ الناس؟ قالت: الجَلِدُ النشيط، والناصحُ الامين. قلت: فمَنْ استشير؟ قالت: المجرّب الكيّس أو الاديب ولو الصغير. قلت: فمن استصحبُ؟ قالت: الصديق المُلمّ، او المُداجي المتكرّم. ثم قالت: يا ابناه، انك تَفِدْ الى مَلكِ الملوك، فانظر كيف يكون مقامُك بين يديه؟). ومن طريف وبليغ ماوُصِفَ به رسول الله صلى الله عليه وآله على لسان النساء المعروفات بالفصاحة والبلاغة، الوصف الذي نطقت به عاتكة بنت خالد المعروفة بـ (أمّ معبد الخزاعيّة) عندما سألها زوجها ان تصف له رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت وقد اصابت في وصفها، وابلغت في بيانها، واستوعبت في وصفها ذاك شمائله الجسدية والاخلاقية كليهما، فقدّمت لنا بذلك صورة دقيقة عنه صلى الله عليه وآله: (رأيت رجلاً ظاهر الوضَاءة، أبلج الوجه، حَسَنَ الخُلُق، وسيماً قسيماً، في عينيه دَعْجٌ، وفي عُنقه سطْعُ، وفي لحيته كثاثة، أحور أكحل ازجّ أقرن، ان صمت فعليه الوقار، وان تكلم سما وعلاه البَها، فهو اجمل الناس، وأبهاه من بعيد، وأحلاه واحسنه من قريب، حلو المنطق، كأنّ منطقه خرزات نظم يتحدّرن، له رفقاء يحفّون به، ان قال انصتوا لقوله، وان أمر تبادروا الى أمْره...) . ومن فصيح وبليغ ما روي عن بعض النساء من الشعر قول امّ حكيم بنت قارظ أمرأة عبيد الله بن عباس في رثاء ابنيها بعد ان قتلهما بُسْر بن ارطأة قائد جيش معاوية الى المدينة: يا من أحَسَّ (1) ابنيّ اللّذين هماكالدّرتين تشظى عنهما الصدفيا من احسّ ابنيّ اللذّين همامخّ العظام فمخّي اليوم مزدهفنبّئت بسراً وما صدقت ما زعموامن قولهم ومن الافك الذي اقترفواانحى على وَدَجْي ابنيّ مرهفةًمشحوذةً ونداك الاثم يقترفُمَنْ دلّ والهة حرّى مسلبةعلى صبيّين: هل أرداهما التلفُ؟!*******(1) احسّ: استأصل. ومن طريف ما يرويه لنا ابن طيفور الخراساني في كتابه بلاغات النساء من اشعار النساء قول امرأة من حمِيْر ترثي اخوتها علماً ان فن الرثاء هو من جملة الفنون التي ابدعت فيها النساء، واجَدْن: اخوتي من صَعْقةٍ همدواهمدوا لمّا انقضى الآمَدُما أمرَّ العيشَ بعدهمكلُّ عيشٍ بَعْدهم نَكَدُوَرَدوا والله ما كَرِهواوعلى آثارِهم نَرِدُوقالت خالدة بنت هاشم بن عبد مناف تراثي اباها هاشماً جدّ النبي صلى الله عليه وآله، وأصل الأرومة النبوية، والدوحة العلويّة، السيد البُهلول الذي عُرف بكرمه وسخائه، واشتهر بسيادته وشرفه، المنحدر من الارحام المطهرة والاصلاب الشامخة: بكتْ عيني وحقّ لها بكاهاوعاودها اذا تمسي قذاهاأبكي خير من ركب المطاياومن لبس النعال ومن حذاهاابكي هاشماً وبني أبيهفَعِيلَ الصبرُ اذ منعت كراهاوكنتُ غداة اذكرهم أراهاشديداً سقمها بادٍ جواهافلو كانت نفوسُ القومِ تفدىفديتُهم وحقَّ لها فِداهاومن طريف ماورد في الرثاء ايضا ما يرويه لنا ابن طيفور في بلاغاته عن امرأة انشدت ترثي اخاها، وزوجها، وابنها قائلة: أفْرَدَني ممّن احبُّ الدَّهْرُمِن سادةٍ بِهِمُ يتمّ الأمرُثلاثةٍ مثل النجومِ زُهْرِفان جزعتُ انّه لَعُذْرُوان صبرتُ لايخيبُ الصَّبْرُ******* بلاغات المجاهدات في كتاب ابن طيفور - 44 2007-08-01 00:00:00 2007-08-01 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3225 http://arabic.irib.ir/programs/item/3225 من بين النساء الاخريات اللاتي يورد ابن طيفور في كتابه بلاغات النساء جانباً من اخبارهنّ ونوادرهن في الفصاحة والبلاغة، والجرأة في قول الحق، والجهر بمعايب الحكام الفاسقين الظلمة. سَودَةُ بنت عمارة التي خلد لها التاريخ موقفاً شجاعاً وجريئاً في الدفاع عن الحقّ واهله متمثلاً في اهل البيت عليهم السلام وعلى رأسهم امير المؤمنين علي بن ابي طالب صلوات الله وسلامه عليه. لقد وقفت سَودَة هذا الموقف ازاء معاوية بعد ان استفزّها، وحملها على ان تقول ما قالته ظناً منه ان هيبة الحكومة ستأخذها، وان ارادتها ستخونها، ويشلّ الخوف لسانها عن النطق بالحق. الا ان الدوائر سرعان ما تدور على الباغي، فاذا بها تجهر بكلمة الحق، وتهدر بالحقيقة، وتمزق حجب الخوف، وتحطم جدران التردد لتنطق بكلام رائع يزدان بلاغة، ويتختر فصاحة. فلنستمع معاً الى مادار بينها وبين معاوية كما يروية لنا ابن طيفور: (استأذنتْ سودة بنت عمارة بن الأسك على معاوية ابن ابي سفيان فأذن لها، فلما دخلت عليه قال: هيه يا بنت الأسك ألست القائلة يوم صفّين: شمّر كفعل أبيك يا ابن عُمارةٍيوم الطّعان وملتقى الاقرانوانصر عليّاً والحسينَ ورهطهواقصد لهندٍ وابنها بهوانٍانّ الامام اخو النبيّ محمدٍعَلَمِ الهُدى، ومنارةٍ الايمانِفَقِهِ الحتوفَ وسرْ أمام لوائهقدماً بأبيض صارمٍ وسنانفقالت بنت عمارة: اي والله ما مثلي من رغب عن الحق او اعتذر بالكذب، قال لها: فما حملك على ذلك؟ قالت: حبّ علي عليه السلام، واتباع الحق، ثم ان معاوية سألها عن حاجتها فقالت له شاكية فظائع، وجرائم قوّداه: لايزال يقدم علينا من ينوء بعزّك، ويبطش بسلطانك، فيحصدنا حصد السنبل، ويدوسنا دوس البعر، هذا بسر بن ارطأة قدم علينا من قبلك، فقتل رجالي، واخذ مالي، ولولا الطاعة لكان فينا عزّ ومنعة... ويستشم معاوية رائحة التهديد، والتلويح بالثورة من لهجة سودة، فيهددها بدوره ولكن من موقع السلطان القاهر الفتّاك المالك لرقاب رعيته، الفاعل بهم ما يشاء، فتبكي المرأة المسكينة وتنشد قائلة: صلّى الالهُ على جسمٍ تضمنّهقبرٌُ فأصبح فيه العدلُ مدفوناقد حالف الحقّ لايبغي به بَدَلاًفصار بالحق والايمان مقروناويتساءل معاوية متجاهلاً عن هذا الشخص الذي امتدحته بنت عمارة ببيتيها السابقين فيجيئه الجواب صاعقاً ماحقاً: عليّ بن ابي طالب!، فتعقد الدهشة لسان معاوية، وترتسم على وجهه علامات الاستفهام حول هذا الشخص الذي ملك القلوب، وسحر الالباب، ونفذ الى اعماق الافئدة، وجلس على عرش الصدور، واحبّه المظلومون، فتسرد له سودة موقفاً من مواقف عدله ونصرته للمظلوم فتصدع قائلة: (قدمت عليه في رجل ولاّه صدقتنا قدم علينا من قبله فكان بيني وبينه ما بين الغثّ والسمين، فأتيت علياً عليه السلام لأشكو اليه ما صنع بنا فوجدته قائماً يصلي، فلما نظر اليّ انفتل من صلاته، ثم قال لي برأفة وتعطف: ألك حاجة؟ فأخبرته الخبر، فبكى، ثم قال: اللهمّ انك انت الشاهد عليّ وعليهم أني لم آمرهم بظلم خَلْقك، ولا بترك حقك... وتتحدث سودة بنت عمارة بأسلوبها البليغ الجريء كيف ان علياً عليه السلام عزل في الفور ذلك الموالي المتلاعب بأموال المسلمين قائلا له: (اذا قرأت كتاب فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك والسلام). وازاء هذه الصراحة في اللهجة، والجرأة اللامحدودة في الجهر بكلمة الحق، وعدم المبالاة بعواقب الامور مهما كانت لا يملك معاوية سوى ان ينصاع لارادة هذه المرأة الشجاعة البطلة، فيكتب لها بردّ اموالها، والعدل عليها، الا انها ترفض الا ان يكون هذا العدل عميماً، لايشملها فحسب وانما سائر قومها ايضا، فيكون لها ذلك. وشبيه بذلك ما يرويه لنا ايضا ابن طيفور في كتابه بلاغات النساء عن بكارة الهلاليّة التي كانت هي الاخرى من جملة النساء اللواتي نصرن الامام علياً عليه السلام في حروبه ضد معاوية بن ابي سفيان، وكان لهنّ مواقف بطولي مشرّفة من بينها ابيات شعر بليغة دعت من خلالها الى نصرة امير المؤمنين عليه السلام، وعبرت عن حبها وولائها له، والبراءة من اعدائه كقولها تحثّ زوجها على نصرة امامه ومولاه: يا زيدُ دونك فاستثير من دارناسيفاً حساماً في التراب دفيناقد كان مذخوراً لكلّ عظيمةفاليوم ابرزه الزمان مصوناوقولها تذمّ بني امية، وتهجوهم، وتُبدي عجبها، ودهشتها من هذه الدنيا التي تولّي زمام الامور لمن لا يستحقها: قد كنت آملُ ان اموتَ ولا أرىفوق المنابر من امية خاطبافالله أخّر مدّتي فتطاولتْحتى رأيتُ من الزمانِ عجائبافي كلّ يوم لا يزال خطيبهموسط الجموع لأل احمد عائبا******* خطبة العقيلة زينب في كتاب "بلاغات النساء" - 43 2007-07-26 00:00:00 2007-07-26 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3224 http://arabic.irib.ir/programs/item/3224 آملين ان تقضوا معنا دقائق حافلة بكل ما هو مفيد وممتع من عيون التراث المعرفي الذي سطرته اقلام علمائنا المسلمين في عصور ازدهار الحضارة الاسلامية. يروي لنا ابن طيفور الخراساني في كتابه الطريف الممتع بلاغات النساء نُتَفاً من اخبار النساء، وبلاغتهنّ، وذرابة ألسنتهنّ، وجرأتهنّ في مواجهة الحكام الظلمة، وقول كلمة الحقّ في وجوههم وان عرضتهنّ هذه الكلمة الى المخاطر والمهالك. ومن جملة النساء اللواتي اهتمّ ابن طيفور برواية اخبارهنّ العقيلة زينب بنت علي عليه السلام، والخُطب والاقوال البليغة التي خلّدها لها التاريخ بأحرف من نور وهي تواجه حكّام الجور والطغيان، وتدافع عن حق اهل البيت عليهم السلام في الخلافة والامامة، وتسلّط الضوء على المظالم والمصائب التي تعرضوا لها وفي مقدمتها مصيبة كربلاء. علماً ان النساء الهاشميات من امثال فاطمة الزهراء عليها السلام، وزينب الكبرى، وسُكينة، وامّ كلثوم كان لهنّ قصب السبق في الفصاحة، والقدح المعُلّى في البلاغة لما عُرِفَ عن بني هاشم من مواهب فطرية خصّهم بها الله جلا وعلا في مضمار البيان والبلاغة. ويورد لنا ابن طيفور في هذا المجال خطبة زينب عليها السلام والتي اطلقتها في وجه الطاغية يزيد عندما قُدّم اليه رأس الحسين عليه السلام في طست، فجعل ينكث ثناياه بقضيب في يده وهو يقول مضمناً شعره ابياتاً لاحد شعراء المشركين الذين كانوا يشمتون بالنبي صلى الله عليه وآله واصحابه بعد هزيمتهم في معركة احد: يا غراب البين اَسْمَعْت فقُلْانّما تذكرُ شيئاً قد فُعِلْليت أشياخي ببدرٍ شهدواجَزع الخزرجِ من وقع الأسَلْلأهلُّوا واستهلّوا فرحاًثم قالوا يايزيدُ لاتُسِلّفجزيناهم ببدرٍ مِثْلَهاوأقمنا مَيْلَ بدرٍ فاعتدلْوما ان يبلغ قول يزيد هذا مسامع العقيلة زينب، حتى تزأر، وتزمجر بهذه الخطبة التي تتدفق الفصاحة من جنباتها، وتنفجر من رحابها البلاغة العلويّة، والبيان النبوي الكريم: (... أظننت يايزيدُ انه حين أُخِذَ علينا بأطرف الارض، واكناف السماء، فأصبحنا نساق كما يساق الاسارى انّ بنا هواناً على الله، وبك علينا كرامة، فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفيك جذلان فرحاً حين رأيت الدنيا مستوسقة لك، والامور مستقة عليك...). ولننظر الى هذه اللبوة الناطقة بسحر البيان، وآيات البلاغة والفصاحة كيف تصوّر مأساة اهل البيت عليهم السلام في نسائهم، وضعافهم، بعبارات رشيقة تفوح منها العبرات، وتنضح من اقطارها الآهات، وتنطق باللوعة حتى تكاد تجسمها، وتفصح بالفجيعة حتى تكاد تحوّلها الى كائن حيّ: (... أمن العدل ياابن الطلقاء تخديرك نساءَك واماءك، وسوقك بنات رسول الله صلى الله عليه وآله، قد هُتكِتْ ستورُهنّ، مكتبئات تحدي بهنّ الاباعر، ويحدو بهنّ الاعادي من بلد الى بلد، كشوفهنّ القريب والبعيد...). ويخصص ابن طيفور فصلاً آخر لواحدة اخرى من سيدات البيت العلوي، والدوحة الهاشمية هي امّ كلثوم بنت علي بن ابي طالب عليه السلام التي خلّد لها التاريخ خطبة اهوت من خلالها بسياط التقريع والتعنيف على اهل الكوفة بعد ان خذلوا الحسين عليه السلام، ونكثوا عهودهم ووعودهم، وداسوا على ايمانهم المغلظة، ومواثيقهم المؤكدة بنصرته عليه السلام، فاذا بها تُرِسل الخطبة التالية كالصاعقة القاصمة، او كالريح الصرصر العاتية الماحقة، فيضج المجلس بالبكاء، وتهوي الايدي على الرؤوس، وينتثر التراب على الهامات، ويتجسد الاحساس القاتل بالندم في النفوس، فيدفعها الى الثورة، وطلب الثأر، والعزيمة على التكفير عن الذنب والخطيئة. فلنستمع معاً اخوتنا المستمعين الى جوانب من هذه الخطبة التي اوردها لنا ابن طيفور الخراساني في كتابه بلاغات النساء: (... يأهل الكوفة، يا أهل الختر والخذل، لا فلا رقأت العبرة، ولا هدأت الرنّة، انما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثاً، تتخذون ايمانكم دخلاً بينكم، ألا وهل فيكم الاّ الصّلف والشّنف، وملق الاماء، وغمز الاعداء؟... أتبكون، اي والله فأبكوا وانكم والله احرياء بالبكاء، فأبكوا كثيراً، واضحكوا قليلاً، فلقد فزتم بعارها وشنارها، ولن ترحضوها بغسل بعدها ابداً، وانّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوّة، ومعدن الرسالة... لقد خاب السعي، وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضب من الله، وضُرِبت عليكم الذّلة والمسكنة...). (... أتدرون ايّ كبد لرسول الله صلى الله عليه وآله فريتم، وايّ كريمة له ابرزتم، وايّ دم له سفكتم؟! لقد جئتم بها شوهاء خرقاء، شرّها طلاع الارض والسماء، أفعجبتم ان مطرت السماء دماً، ولعذاب الآخرة اخزى وهم لا ينظرون، فلا يستخفنّكم المهل، فانه لاتحفزه المبادرة، ولا يخاف عليه فوت الثأر، كلاّ ان ربك لنا ولهم بالمرصاد...). ويروي لنا مؤلف كتاب بلاغات النساء اخباراً، وروايات اخرى من مواقف النساء المشرّفة ازاء الحكام الظلمة، واقوالهنّ البليغة في مواجهة هؤلاء الحكام، وفصاحتهنّ وبلاغة السنتهنّ في قول كلمة الحق مهما تكن العواقب. ومن بين النساء الاخريات اللواتي يروي لهنّ ابن طيفور جانباً من الكلمات والاقوال التي خلّدها لهنّ التاريخ، أرْوى بنت الحارث بن عبد المطلب، عندما دخلت على معاوية لتهزّ عرشه، تضعضع بلاطه بكلماتها الجريئة القاصمة وهي تقول له: (... لقد كفرت بعدي بالنعمة، واسأت لابن عمّك الصحبة، تسميّت بغير اسمك، واخذت غير حقك بغير بلاء كان منك ولا من آبائك في الاسلام... فكنّا اهل البيت اعظم الناس في الدين حظاً ونصيباً وقدراً، حتى قبض الله نبيّه صلى الله عليه وآله مغفوراً ذنبه، مرفوعاً درجته، شريفاً عند الله مرضياً، فصرنا اهل البيت منكم بمنزلة قوم موسى عليه السلام من آل فرعون، وصار ابن عم سيد المرسلين فيكم بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى حيث يقول: (يا ابن امّ ان القوم استضعفوني، وكادوا يقتلوني...)، وغايتنا الجنّة، وغايتكم النار...). ******* ابن طيفور الخراساني و"بلاغات النساء" - 42 2007-07-24 00:00:00 2007-07-24 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3223 http://arabic.irib.ir/programs/item/3223 نرحب بكم اجمل ترحيب ونحن نلقتيكم مرة اخرى متفيئين دوحة اخرى من دوحات تراثنا الحضاري الذي اغنى به علماؤنا، وادباؤنا، ومفكرونا التراث الانساني للبشرية على مرّ العصور والدهور. وكلنا امل ان تقضوا معنا لحظات حافلة بالفائدة الممتعة انطلاقاً من ايماننا بضرورة التعريف بماضينا المشرق لبناء مستقبل اكثر ازدهاراً، واشراقاً. من بين الكتب المبتكرة من نوعها، الطريفة في بابها والتي اُثِرَت عن رجال العلم والمعرفة المسلمين. كتاب (بلاغات النساء) لمؤلفه ابي الفضل احمد بن ابي طاهر طيفور الخراساني الذي يعدّ احد المؤرخين المعروفين من كتّاب العصر العباسي الثاني. ينحدر اصل هذا المؤرخ والكاتب من اسرة ايرانية من منطقة (مرو الرود)، وولد ببغداد سنة اربع ومائتين. وكان اول امره مؤدباً عاميّاً، ثم اشتغل بالتأليف، واتخذ له حانوتاً بسوق الوراقية، فاشتهر امره. الا انه لمّا الّف كتاب (سرقات الشعراء) كثر اعداؤه، ورموه بقلّة بضاعته في الشعر والضعف في النحو. ومع ذلك فان المنصفين من المؤرخين اثنوا عليه من مثل المسعودي الذي ذكر بعض شعره، وكذلك الخطيب البغدادي، كما نقل عنه الذهبيّ في اكثر من موضع من السِّير، وذكر نتفاً من شعره وادبه. وقد ذكر له ابن النديم خمسين كتاباً منها، تاريخ بغداد الذي يعتبر اقدم ما وقف عليه المؤرخون من تاريخها، ويحتوي على تاريخ بغداد والدولة العباسية من سنة اربع ومائتين الى وفاة المأمون سنة ثماني عشرة ومائتين، وهو احد المصادر التي اعتمد عليها الطبري في تاريخه. ومنها ايضاً كتاب (المنثور والمنظوم) في اربعة عشر جزءاً بقي منها جزءات احدهما الحادي عشر، وكتاب (بلاغات النساء) قطعة منه. وكتاب المؤلفين، وسرقات الشعراء الذي حرض الناس على اتهامه والنيل منه. توفي ابن طيفور الخراساني ببغداد سنة ثمانين ومائتين من الهجرة. يقرر ابو الفضل الخراساني في مقدمة كتابه (بلاغات النساء) ان كتب الادب قبله حفلت بكثير من الصور والنماذج الادبية الرفيعة لعدد ليس بالقليل من النساء الاديبات بدءاً من العصر الجاهلي. ويعد الرثاء الغرض الذي برزت فيه النساء على الرجال، وتقدمن فيه بلا منازع كما نلاحظ ذلك من خلال النصوص التي اوردها ابن طيفور عن النساء الاديبات اللاتي احصاهن. ولا ريب في ان الخنساء شاعرة الجاهلية والاسلام هي سيدة هذا المقام، ومرثيتها في اخيها صخر مشهورة اشهر من نار على علم، ولاسيما قولها فيه: وانّ صخراً لمولانا وسيّدُناوانّ صخراً اذا نَشْتُوا لنَحَارُوانّ صخراً لِتأتمّ الهداةُ بهكأنّه عَلَم في رأسهِ نارُلم تره جارةٌ يمشي بساحتهالريبةٍ حين يُخلي بَيْتَهُ الجارُفاذا تركنا الخنساء الى غيرها من النساء الشاعرات اللاتي رويت لهنّ اشعار في الرثاء، فاننا نجد عدداً كبيراً من النساء قد اجدن في ذلك، منهن من خلّد التاريخ ذكراهنّ، ومنهنّ من قصر المأثور عن التعريف بهنّ، وتخليد اسمائهنّ. فمن ذلك ما يذكره لنا ابن طيفور عن سودة بنت عمارة في رثاء علي عليه السلام: صلّى الالهُ على جسمٍ تضمّنهقبرٌ فأصبحَ فيه العَدْلُ مدفوناقد حالف الحقّ لايبغي به بدلاًفصار بالحقِّ والايمانِ مقروناواذا ما تركنا الرثاء الى غيره من الاغراض كالفخر، فاننا نجد ان الفخر يلي الرثاء في انواع الاغراض التي اجادت فيها النساء شعراً ونثراً. ويروي لنا مؤلف كتاب (بلاغات النساء) الكثير من النماذج النثرية والشعرية الرفيعة لنساء اجدن في هذا اللون من الادب كقول احدى النساء في زوجها: (زوجي رفيع العماد، عظيم الرماد، طويل النّجاد، قريب البيت من الناد). وفي هذا الوصف من البلاغة مافيه، حيث كنّتْ بقولها: (رفيع العماد، طويل النجاد) عن شرفه وتقدّمه على قومه في الحسب والنسب. وكنّت بقولها: (عظيم الرماد) عن كرمه لان كثرة الرماد دال على كثرة الايقاد، وكثرة الايقاد دالة على كثرة الطبخ، وهو بدوره دال على كثرة استضافة الضيوف. ومن امثلة الفخر بالولد التي يذكرها ابن طيفور في كتابه، قول عارية بنت قزعة في ابنها رَوْس: اَشْبَهَ روسٌ نفراً كراماًكانوا الذُّرى الانفَ والسّناماكانوا لمن خالطهم اداماًكالسَّمْن لما خالط الطّعامالو ريشاً لكنتُ من قُدّامااو طائراً كنت او اغناماصقراً اذا لاقى الحمام اعتامارأى قِطّاً غدوةً او سمانافانفضّ واحتمّ لها احتماماوفي الادب الاجتماعي كالوصاياوشكوى الولد والزوج وغير ذلك، يورد ابن طيفور طائفة من الاقوال والاشعار تدل على ان للنساء كعباً عالياً في البلاغة والفصاحة، فليس مثلهنّ اذا اشتكين، وليس مثلهنّ اذا اوصيْن. فمن ذلك مارواه صاحب الكتاب عن الاصعمي قال: سمعتُ امرأة توصي ابناً لها واراد سَفَراً فقالت: (اي بنيّ! اوصيك بتقوى الله، فان قليله اجدى عليك من كثير عقلك، وايّاك والنمائم فانها تورث الضغائن، وتفرّق بين المحبيّن، ومثّل لنفسك مثال ما تستحسن لغيرك، ثمّ اتخذه اماماً...) . (... وما تستقبح من غيرك فاجتنبه، وايّاك والتعرض للعيوب فتصيّر نفسك غرضاً، وخليق ان لا يلبث الغرض على كثرة السهام، وايّاك والبخل بمالك، والجود بدينك...). ******* فوائد السفر في مقامات بديع الزمان - 41 2007-07-21 00:00:00 2007-07-21 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3222 http://arabic.irib.ir/programs/item/3222 ذكرنا في حلقة البرنامج الماضية ان عيسى بن هشام راوية بديع الزمان الهمداني قد انتهى به التطواف والتجوال ذات يوم الى ارض اذربيجان، بعد ان اتُهم في ماله، ودارت حوله الشكوك في مصدر رزقه وذلك عندما اثرى فجأة، وتكدست لديه الاموال على حين غرة، فاضطر الى مغادرة ارضه ودياره، ليتشرد في الآفاق مرة اخرى كما يحدثنا في عباراته البليغة الانيقة التالية: (لمّا نطقني الغنى بفاضل ذَيْله، اتُّهمْتُ بمالٍ سَلْبته، او كنزٍ أُصبتُه، فحفزني الليل، وسَرَتْ بي الخيلُ، وسلكتُ في هربي مسالك لم يَرُضْها السير، ولا اهتديت اليها الطير، حتى طويتُ ارض الرُعْبِ، وتجاوزتُ حدّه، وصرتُ الى حِمى الامنِ ووجدتُ بَرْدَه، وبلغتُ اذربيجانَ وقد حَفِيَتْ الرواحلُ، واكَّلَتْها المراحلُ، ولمّا بلغتُها: نزلنا على انّ المقام ثلاثةٌفطابَتْ لنا حتّى اَقمنا بها شَهْرا)ويستمرّ البديع سرد احداث رحلته المزعومة هذه بعبارات، وجمل، واساليب ان دلت على شيء فانما تدل على سعة اطلاعه، وغزارة علمه في العربية وآدابها وعلومها، وانه انما قصد ان يجعل من مقاماته دروساً لتعليم المتأدبين اساليب البيان، والمفردات والكلمات التي تليق بكل تعبير وكلام، كما نرى ذلك في هذا الدعاء الذي اجراه على لسان بطل مقاماته التقليدي ابي الفتح الاسكندري، حيث رآه في احد الاسواق يرفع عقيرته بالدعاء لمن يتصدّق عليه، ويمنّ عليه بقضاء حاجته، قائلا: (... اللهمّ يا مُبْدئ الاشياء ومعيدها، ومحيي العظام ومبيدها، وخالق المصباح ومديره، وفالق الاصباح ومنيره، ومُوصِل الآلاء سابغة الينا، وممسك السماء ان تقع علينا.. اسألك الصلاة على سيّد المرسلين محمد وآله الطاهرين، وان تعييني على الغربة أُثْني حبلها، وان تُسّهِلَ لي على يديْ مَنْ فَطَرَتْهُ الفطرةُ، واطْلَعَتْهُ الطُّهْرَة، وسَعِدَ بالدين المتين، ولم يَعْمَ عن الحق المبين راحلةً تطوي هذا الطريق، وزاداً يسعني والرفيق...). ولشدّ ما يُدْهش عيسى بن هشام بفصاحة ابن السبيل هذا، وذلاقة لسانه، وقدرته على تصريف وجوه الكلام دون ان يصيبه التعب، ويشك في لحظة من اللحظات بانه شيخه واستاذه ابو الفتح الاسكندري، فيدقق النظر ويقلب الطرف فيه، وسرعان ما يكتشف انه ابو الفتح بعينه، فيهتف به وقد اخذ منه العجب كلّ مأخذ، وذهبت به الدهشة المذاهب: (... يا ابا الفتح بلغ هذه الارض كيدُكَ، وانتهى الى هذا الشّعْبِ صيدُك؟ فما كان من ابي الفتح هذا الا ان انشد قائلاً كعادته في نهاية كلّ مقامه: أنا جوّالةُ البلادِوجوّابةُ الافقْأنا خُذْروفَةُ الزَّمانِوعمّارةُ الطُرُقْلاتَلُمني لك الرَّشادُعلى كُدْيتي وذُقْ)وفي المقامة الاصفهانية يبدو لنا بديع الزمان الهمداني كاتباً بارعاً في السخرية، وتصوير المواقف الضاحكة وهدفه من وراء ذلك نقد بعض من الظواهر الاجتماعية المدانة التي لايتقبلها الدين، ولاتسمح بها الشريعة، ولا يرتضي بها العقل والمنطق من مثل الغلو في الدين، واطالة صلاة الجماعة الى درجة تخرج بعض المصلين ممن لديهم بعض الامور الهامة التي عليهم انجازها والتي من الممكن ان تفوتهم اذا ما تأخّروا عنها، ولذلك فقد حثت الروايات والاحاديث على استحباب عدم اطالة صلاة الجماعة، وعدم التثقيل بها على المصلّين انطلاقاً من مبدأ الشريعة السمحة الثابت في عدم تحميل الانسان مالايطيقه. يقول بديع الزمان في هذه المقامة الطريفة التي تدلنا على قدرته البارعة على تصوير المواقف واقتناص المفارقات، والتناقضات: (كنتُ باصفهان اعتزم المسير الى الريّ، فحللتُها حلول الفيّ، اتوقّع القافلة كلّ لمحة، واترقّب الراحلة كلّ صَبْحة، فلمّا حُمَّ ما توقعته، نودي للصلاة نداء سمعته، وتعيّن فرض الاجابة، فانسللت من بين الصحابة، اغتنم الجماعة ادركها، واخشى فوت القافلة اتركها، لكني استعنت ببركات الصلاة على وعثاء الفلاة...). خصوصاً وان امام الجماعة قد اطال صلاته، في حين كان عيسى يخشى ان تفوته القافلة، ومما زاد الطين بلّة ان احد المصلين نهض من مكانه بعد الصلاة مباشرة طالباً من المصلين ان يلزموا اماكنهم مدعياً انه رأى النبي صلى الله عليه وآله في منامه، وانه صلى الله عليه وآله قد علمه دعاء اوصاه ان يعلّمه امّته. ولا يلبث عيشى بن هشام ان يكتشف ان هذا المدّعي هو ابو الفتح الاسكندري الذي التجأه في هذ المرة الى اسلوب المتاجرة بالدين في سبيل استجداء رزقه، واستدرار الدراهم من غيره. وشبيه بهذه المقامة في الاسلوب الهزلي الساخر، المقامة (البغدادية) التي يبدو لنا فيها عيسى بن هشام رجلاً محتالاً، لايقل احتيالاً عن ابي الفتح الاسكندري نفسه، حيث يصور لنا في هذه المقامة كيف ان الجوع داهمه وهو في بغداد، وكيف انه اضطر الى النصب والاحتيال في سبيل سدّ جوعه من خلال استغلال بعض من بسطاء الناس: (اشتهيت الازاذ (نوع من جيّد من التمر)، وانا ببغداذ، وليس معي عقد على نقد، فخرجت انتهز محالّه، حتى احلّني الكرخ، فاذا بسواديّ يسوّق بالجَهْد حِمارَه، ويُطرّف بالعقد ازاره، فقلت: ظفرنا والله بصيد، وحيّاك الله ابا زيد، من اين اقبلت، واين نزلت، ومتى وافيت، وهُلَمّ الى البيت، فقال السواديّ: لست بأبي زَيْد، ولكني ابو عُبَيْد، فقلت: نعم، لعن الله الشيطان، وابعد النسان، أنسانيك طول العهد، واتصال البُعد، فكيف حال ابيك، أشابُ كعهدي، أم شاب بعدي؟...). ويجيب هذا الرجل المسكين الذي ابتلي برجل من مثل عيشى بن هشام قائلاً: (قد نبت الربيع على دِمْنته، وارجو ان يصيّره الله الى جنّته، فقلت: اِنّا لله وانا اليه راجعون، ولا حول ولا قوّة الاّ بالله العلي العظيم، ومددت يد البدار الى الصّدار اريد تمزيقه، فقبض السواديّ على خَصْري بجُمْعه، وقال: نشدتّك الله لا مَزَّقته، فقلت: هلمّ الى البيت نُصِبْ غداءً، او الى السوق نشتر شواء، والسوق اقرب، وطعامه اطيب...). ويقع هذا الرجل المسكين في شباك حيلة عيسى بن هشام. ******* من بديع مقامات بديع الزمان الهمداني - 40 2007-07-18 00:00:00 2007-07-18 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3221 http://arabic.irib.ir/programs/item/3221 في المقامة الكوفية يحدثنا بديع الزمان الهمدانيفي كتابه (المقامات) على لسان راويته (عيسى بن هشام) ثم على لسان بطل رواياته (ابي الفتح الاسكندري) قائلا: (كنت وانا فتيّ السنّ اشدّ رَحْلي لكلّ عماية، وأركض طِرْفي الى كل غواية، حتى شربت من العمر سائغه، ولبست من الدهر سابغه، فلما انصاح النهار بجانب ليلي، وجمعت للمعاد ذيلي، وطئت ظهر المروضة لاداء المفروضة، وصحبني في الطريق رفيق لم انكره من سوء، فلما تجالينا، وخبرنا بحالينا، سفرت القصة عن اصل كوفيّ، ومذهب صوفيّ، وسرنا فلما احلّتنا الكوفة مِلْنا الى داره، ودخلناها وقد بقل وجه النهار، واخضرّ جانبه...). (... ولمّا اغتمض جفن الليل وطرّ شاربه، قُرِعَ علينا الباب، فقلنا: من القارع المنتاب؟ فقال: وفد الليل وبريده، وفَلُّ الجوع وطريده، وحُرٌّ قاده الضُرّ، والزمن المرّ، وضيف وطؤه خفيف، وضالّته رغيف، وجارٌ يستعدي على الجوع، والجيب المرقوع، وغريب اوقدت النار على سفره، ونبح العواء على اثره، ونبذت خلفه الحُصّيات، وكُنِسَت بعده العَرصَات، فنِضْوه طليح، وعيشه تبريح، ومن دون فرخَيْه مهامِه فيح...). ويستمرّ بديع الزمان بسرد قصة ذلك الطارق الغريب بعباراته، وجمله الفصيحة البليغة، وبكلماته والفاظه الداعية الى الدهشة والاعجاب بهذه القدرة الفائقة على الاتيان بضروب الكلام، وفنون التعبير الامر الذي يجعل من مقاماته تلك مدرسة لتعلّم اساليب البيان، والمفردات والمعاني الغزيرة مما لابد منه لكل من اراد ان يتبحر في الادب. يقول البديع مستأنفاً سرد مقامته الكوفية: (قال عيسى بن هشام: فقبضت من كيسي قبضة الليث، وبعثتها اليه وقلت: زدنا سؤالاً نزدك نوالاً، فقال: ما عُرِضَ عَرْفُ العود على احرّ من نار الجود، ولا لُقي وفد البِرّ بأحسن من بريد الشكر، ومن ملك الفضل فليؤاس فلن يذهب العُرْف بين الله والناس، وأمّا انت فحقّق الله آمالك، وجعل اليه العليا لك...). (...قال عيسى بن هشام: ففتحنا له الباب وقلنا: ادخل، فاذا هو والله شيخنا ابو الفتح الاسكندري، فقلت: يا أبا الفتح! شدّ ما بلغت منك الخصاصة، وهذا الزيّ خاصّة، فبتسم وانشأ يقول: لا يغرّنك الذيأنا فيه من الطلبْأنا في ثروةٍتُشَقُّ لها بُردةُ الطَربْانا لو شئت لاتّخذتسقوفاً من الذهبْانا طَوْراً من النبيطِوطوراً من العربْ)وبهذه الابيات يختتم الهمداني مقامته الكوفية بعد ان يستعرض لنا شيئا من قدراته اللغوية والتعبيرية، وبعد ان يقدم للقارئ دروساً نخالها مفيدة نافعة لطالب الادب، والباحث عن العبارات الانيقة، ومواطن الفتنة والجمال في التعبير. علماً ان من بين الاهداف التي توخّاها بديع الزمان الهمدانيمن وراء تأليفه لهذه المقامات التي يعدّها علماء اللغة، والناقدون النواة لفن القصة في الادب العربي، هو ان تكون ما يشبه الدروس لمن اراد ان يُتْقِن فنّ التعبير والكتابة. هذا بالاضافة الى انه اراد ايضاً - وهو عالم اللغة والاديب والناقد- ان يستعرض وجهات نظره، وآراءه في الادب والادباء، والشعر والشعراء، قديمهم وحديثهم، وطارفهم وتليدهم، ويبثّ رؤاه في نظرية الالفاظ والمعاني وايّهما افضل، واجدر بان يصبّ عليه الاديب اهتمامه، أم انهما متساويان في القيمة والمنزلة. ومن بديع مقامات بديع الزمان الهمداني ، وطريفها، المقامة القرديّة التي يقدم لنا فيها شخصية استاذه ابي الفتح الاسكندري في صورة اخرى هي صورة القرّاد الذي يعتاش على اضحاك الناس، والقيام بالحركات الهزلية امامهم. الافضل ان لانستبق الاحداث، وان نستمع الى احداث هذه القصة من كتاب المقامات نفسه، فتابعونا: (حدثنا عيسى بن هشام قال: بينا أنا بمدينة السلام، قافلاً من البلد الحرام، أميسُ مَيْسَ الرّجْلة على شاطئ الدّجْلة، اتأمّّل تلك الطرائف، واتقصّى تلك الزخارف، اذ انتهيت الى حلقة رجال يلوي الطرب اعناقهم، ويشق الضحك اشداقهم فساقني الحرص على ما ساقهم...). (حتى وقفت بمسمع صوت رجل دون مرأى وجهه لشدّة الهجمة، وفرط الزّحمة، فاذا هو قرّاد يرقص قرده، ويُضْحك من عنده، فسرت سير الاعرج فوق رقاب الناس يلفظني عاتق هذا لسرّة ذلك، حتى افترشت لحية رجلين، وقعدت بعد الأيْن، وقد اشرقني الخجل بريقه، وارهقني المكان بضيقه...). (.... فلما فرغ القرّاد من شغله، وانتفض المجلس عن اهله قمت وقد كساني الدّهش حُلّته، ووقفت لأرى صورته، فاذا هو والله ابو الفتح الاسكندري، فقلت: ما هذه الدناءة ويحَك؟! فأنشأ يقول: الذنبُ للأيامِ لا ليفاعتِبْ على صَرُفِ اللياليبالحُمْقِ ادركْتُ المُنىوَرَفْلتُ في حُلَلِ الجمالِ)ومن بين المقامات الطريفة الاخرى التي تطالعنا في كتاب بديع الزمان بحلاوة عباراتها، واشراقة ديباجتها، وأناقة الفاظها، وفصاحة وبلاغة كلماتها ومعانيها. المقامة الاذربيجانية حيث يلقي عيسى بن هشام عصا الترحال في ارض اذربيجان حيث الجبال والمرتفعات، واعتدال الطقس والهواء، بعد ان ازعجته نوائب الدهر وطوارقه عن ارضه ودياره، فاضطر لمغادرتها، وانتهى به الترحال الى تلك الارض. ******* قراءة في مقامات بديع الزمان الهمداني - 39 2007-07-16 00:00:00 2007-07-16 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3220 http://arabic.irib.ir/programs/item/3220 هذه الرائعة تتمثل في تحفة الادب والبلاغة. كتاب (مقامات بديع الزمان الهمداني). مؤلف الكتاب هو ابو الفضل احمد بن الحسين الهمذاني المعروف بـ (بديع الزمان). وُلِدَ بديع الزمان سنة 357هـ بمدينة همدان، ونشأ فيها وترعرع، وتلقى العلم على يد ابن فارس صاحب كتاب (المجمل)، وبرع في اللغة والادب. فارق بديع الزمان همدان سنة 380هـ وهو لا يزال في ريعان الشباب، وحلّ بالري، واتصل فيها بالصاحب بن عباد، فاستفاد من علمه وادبه، واخذ عنه صناعة الترسل. ثم انتقل الى جرجان، وخالط فيها اتباع المذهب الاسماعيلي، فاخذ عنهم كثيراً من آرائهم، وتأثر بثقافتهم. وقصد بعد ذلك نيسابور، فسطا عليه اللصوص في الطريق وابتزوا ثيابه وماله، وبلغها سنة 382هـ، حيث املى فيها اربعمائة مقامة لم تصلنا كلها. حاول البديع الاتصال بابي بكر الخوارزمي الذي كان يتربع على عرض الادب في ذلك الوقت، ولكن ما ان التقيا حتى كان بينهما جفاء اخذ يزداد حتى تحول الى مهاترات. ولم يقف الامر عند هذا الحد فقد ازداد الجفاء، وتفاقمت حتى كان العداء الذي استحكم واشتد مؤدياً الى المناظرة الشهيرة التي جرت بين الاديبين الكبيرين، والتي انتصر فيها البديع على ابي بكر. وطار صيت البديع بعد ذلك، واقبل الناس عليه، وحسنت حاله، وعاش في رغد من العيش، ثم رحل الى خراسان وسجستان وغزنة ولقي الامراء والوزراء والرؤساء، ونال عطاياهم. واخيراً استقر بديع الزمان في هرات، وتزوج بنت احد اشرافها، فغني، واقتنى كثيراً من الضياع، وعاش في رخاء حتى توفي سنة 398هـ. كان بديع الزمان ذكياً، قوي الذاكرة، قوي الشكيمة بالعربية، مطلعاً على الفارسية وآدابها، وقد لخص الثعالبي صاحب يتيمة الدهر ميزاته فقال: (لم يروا ان احداً بلغ مبلغه من لبّ الادب وسره، وجاء بمثل اعجازه وسحره، ولم يلف نظيره في ذكاء القريحة، وسرعة الخاطر، وشرف الطبع، وصفاء الذهن، وقوة النفس، فانه كان صاحب عجائب، وبدائع، وغرائب، فمنها كان ينشد القصيدة التي لم يسمعها قط وهي اكثر من خمسين بيتاً فيحفظها كلها، ويؤديها من اولها الى آخرها، وينظر في اربع او خمس اوراق من كتاب لم يعرفه، ولم يره نظرة واحدة ثم يمليها عن ظهر قلبه...) . (... وكان يقترح عليه عمل قصيدة او انشاء رسالة في معنى بديع فيفرغ منها في الوقت والساعة، وكان ربما يكتب الكتاب المقترح عليه فيبتدئ بآخر سطوره ثم هلم جرا الى الاول، ويخرجه كأحسن شيء واملحه، وكان على ذلك مقبول الصورة، خفيف الروح، حسن العشرة، عظيم الخلق، شريف النفس...). ولبديع الزمان ديوان شعر مطبوع بعض قصائده خالية من التكلف، وبعضها مغرق فيه. وله في النثر رسائل مجموعة في اغراض شتى منها الشكوى والعتاب والسؤال والاعتذار والاسترضاء والتهنئة والمديح. واهم ما اشتهر به بديع الزمان مقاماته التي تعدّ آية من آيات البلاغة في الادب العربي بما اشتملت عليه من فنون البيان، وزخارف الكلام، وبما حفلت به من اساليب ادبية، ومفردات لغوية ثرة، ومعلومات ادبية قيمة لاغنى لطالب الادب عنها. المقامة الاولى تطالعنا في كتاب المقامات لبديع الزمان الهمذاني هي المقامة القريضية نسبة الى القريض وهو الشعر، حيث يتحدث لنا فيها عن الشعر والشعراء، ويحاول ان يعقد المقارنة والمفاضلة بينهم باسلوبه الحافل بالسّجع، الزاخر بالمفردات والالفاظ حيث يحدثنا على لسان راويته عيسى بن هشام قائلا: (طرحتني النوى مطارحها، حتى اذا وطئت جرجان الاقصى، فاستظهرت على الايام بضياع اجلت فيها يد العمارة، واموال وقفتها على التجارة، وحانوت جعلته مثابة، ورفعة اتخذتها صحابة، وجعلت للدار حاشيتي النهار، وللحانوت بينهما...) . (... فجلسنا يوماً نتذاكر القريض واهله، وتلقاءنا شاب قد جلس غير بعيد، ينصت وكأنه يفهم، ويسكت وكأنه لا يعلم، حتى اذا مال الكلام بنا ميله، وجر الجدال فينا ذيله، قال: قد اصبتم عُذَيْقَهُ، ووافيتم جُذَيْلَهُ، ولو شئت للفظت وافضت، ولو قلت لاصدرت، واوردت، ولجلوت الحق في معرض بيان يسمع الصمّ، وينزل العصم، فقلت: يا فاضل اُدن فقد منيت، وهات فقد اثنيت، فدنا وقال: سلوني اجبكم، واسمعوا اعجبكم!...) . ومع ظهور هذا الشاب المجهول، وتدخله في النقاش الذي كان يجري بين البديع، وبين اصحابه، هذا الشاب الذي سنرى انه يمثل شخصية رئيسية من شخصيات مقامات بديع الزمان، يدور الحدث حول الشعر والشعراء، وحول خصائص ومزايا الشعراء الفحول في الادب العربي، فعن امرئ القيس يقول هذا الشاب الذي تبين فيما بعد انه ابو الفتح الاسكندري استاذ وشيخ بديع الزمان: (... هو اول من وقف بالديار وعرصاتها، واغتدى والطير في وكناتها، ووصف الخيل بصفاتها، ولم يقل الشعر كاسباً، ولم يجد القول راغباً، ففضل من تفتق للحيلة لسانه....) . واما النابغة فهو من وجهة نظره: (يثلب اذا حنق، ويمدح اذا رغب، ويعتذر اذا رهب، فلا يرمي الا صائباً) ، في حين ان زهير بن ابي سلمى: يذيب الشعر، والشعر يذيبه، ويدعو القول والسحر يجيبه. ويبدو ان ابا الفتح او قل بديع الزمان كان معجباً بشعر طرفة بن العبد، ففيه يقول: (هو ماء الاشعار وطينتها، وكنز القوافي ومدينتها، مات ولم تظهر اسرار دفائنه، ولم تفتح اغلاق خزائنه...) . ويرى الاسكندري وهو يقارن بين المحدثين من الشعراء والمتقدمين منهم، ان المتقدمين اشرف لفظاً، واكثر من المعاني حظاً، والمتأخرون ألطف صنعاً، وارقّ نسجاً. وفي ختام هذه الآراء القيمة التي يدلي فيها ابو الفتح الاسكندري هذا الذي يمثل في الحقيقة شخصية خيالية اخترعها ذهن بديع الزمان الهمذاني ليبين من خلالها آراءه في الادب واللغة، تطالعنا ابيات شعرية يقص من خلالها حكايته مع الدهر، وكيف حالت به الاحوال، وتنكرت له الدنيا، فيقول بعد ان طلب منه البديع واصحابه ان ينشدهم شيئاً من اشعاره، ويروي لهم من اخباره: أما تروني اتغشى طِمْراممتطياً في الضر امراً مُرّامُضْطَبناً على الليالي غِمْراملاقياً منها صروفاً حُمْرااقصى اماني طلوع الشعرىفقد عنينا بالاماني دهراوكان هذا الحرّ على قدراوماء هذا الوجه اغلى سعرافانقلب الدهر لبطن ظهراوعاد عُرْف العيش عندي نُكْرا******* مختارات من كتاب "أدب الكاتب" - 38 2007-07-14 00:00:00 2007-07-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3219 http://arabic.irib.ir/programs/item/3219 يمضي ابن قتيبة الدينوري في رائعته ادب الكاتب في استقصاء واستقراء مواطن بلاغة، وجمال، وتشعب اللغة العربية محاولاً ان يزود الكتّاب بثروة لغوية يستطيعون معها ان يحسنوا اساليبهم، ويتجنبوا الاخطاء الشائعة، والاستعمالات المغلوطة. فيقول في معرض حديثه عن الاوقات والتسميات الصحيحة لها: (يقال: مضى هزيع من الليل، وهُدْءٌ من الليل، وذلك من اوّله الى آخره، وجَوْز الليل: وسطه، والبُلْجَةُ: آخرهُ وهي مع السحور، والسُّدْفَةُ مع الفجر، والخيط الابيض: بياض النهار، والخيط الاسوط: سواد الليل، والضحى: من حين تطلع الشمس الى ارتفاع النهار وبعد ذلك الضّحاء الى وقت الزوال...). ويذكر ابن قتيبة بعد ذلك ان الهاجرة من الزوال الى قرب العصر، وما بعد ذلك فهو الاصيل، ثم الطّفْلُ والجُنُوح: اذا جنحت الشمس للمغيب، وهما شفقان: الاحمر، والابيض، فالاحمر: من لدن غروب الشمس الى وقت صلاة العشاء ثم يغيب ويبقى الابيض الى نصف الليل. وحول التقسيمات الزمنية يقول ابن قتيبة ان الحقب هي السنون، الواحدة: حِقْبة: والحُقُب: الدهر وجمعه احقاب، والقَرْنُ يقال هو ثمانون سنة، ويقال: ثلاثون. وفي باب ما يعرف واحده ويشكل جمعه يذكر صاحب كتاب ادب الكاتب امثلة ذلك منها: الدُّخان وجمعه دواخن، وامرأة نُفَساءُ وجمعها نفائس، على حين ان جمع رؤيا رؤى، ودنيا دُنىً، والكَرَوان جمعها كِرْوان، والمرآةُ جمعها مَراءٍ، والحِدَأةُ الطائر جمعها حِدَأٌ وحِدْآن. وعلى العكس من ذلك، يذكر الدينوري جموعاً تخطئ عامة الناس عادة في افرادها منها أفواه الازقة والانهار واحدها فُوَّهة، والغرانيق طير الماء واحدها: غُرْنَيْقٌ، واذا وُصِفَ بها الرجال فواحدهم غُرنوق وغِرْنوق، وفرادى جمع فرد، وآونة جمع أوانٍ، وفلان من علّية الرجال واحدهم عَليُّ مثل صبيّ وصبية، والشمائل واحدها شمال بدليل قول الشاعر: ألم تَعْلَما انّ الملامة نَفْعهاقليل، وما لومي اخي من شِمَالِياومن المواضيع الطريفة الدقيقة التي يلجها ابن قتيبة في كتابه موضوع الفروق في تسميات اولاد الحيوانات المختلفة، وكيف ان لكل ولد تسميته الخاصة في اللغة العربية الامر الذي يدلل على دقتها وتشعبها، وضرورة ان يحيط الكاتب بها لكي يرتفع بمستوى جودة كتابته. ويقرر مؤلف الكتاب في هذا المجال ان ولد كلّ سبع جَرْوٌ، وولد كل ذي ريش فَرْخ، وولد كل وحشيّة: طفل، ثم يفصّل فيقول: (ثمّ وَلَدُ الفرس مُهْرٌ وفَلُوٌّ، وولد الحمار: جَحْش، وتَوْلَبٌ، وولد البقرة: عجل، وولد الضائنة حين تضعه امّه ذكراً كان او انثى سَخْلة وجمعه سِخالٌ، فاذا بلغ اربعة اشهر وفُصِلَ عن امّه فهو حَمَلٌ، وخروف، وولد الناقة في اول النتاج: رُبَع، وفي آخر النتاج: هُبَع...). ومن جملة التسميات الاخرى التي ذكرها ابن قتيبة لصغار الحيوانات، الشِبْل: ولد الاسد، والفُرْعُلُ: ولد الضبع فان كان من الذئب فهو: سِمْعٌ، وولد الدُّبّ: الدَّيْسَمٌ، وولد الثعلب: الِجْرِس، والفيل: دَغْفل، وولد الارنب: خِرْنِق. ويزيدنا المؤلف ابوابا اخرى طريفة في باب التسميات الخاصة بالاشياء والافعال لانملك ازاءها الا الاذعان بفصاحة، وبلاغة العربية وسرّ اختيار الباري عزوجل لها لغة لوحيه الكريم، ففي باب الفروق بين الاصوات نلحظ جمهوة هائلة من المفردات والمصطلحات نختار لكم منها –اعزتنا المستمعين- الطائفة التالية: الجَرْسُ: صوت حركة الانسان، والرّكْزُ: الصوت الخفيّ، ونحو ذلك: الهمس، والخرير: صوت الماء، والوَسْواس: صوت الحُليّ، والشّخير من الفم، والنّخير من المِنْخَرين، والكرير من الصدر، قال الاعشى: فنفسي فِداؤك يوم النّزالاذا كان دعوى الرجال الكريراويقال للفرس: يَصْهِل، ويُحمحِم: اذا طلب العلف، والحمار يسحِلُ وينهق، والجمل يرغو او يَهْدِر، والثور يخور ويجأر، والثعلب يَضْبَح، والافعى تَفُحُّ بفيها، وتكِشُ بجلدها قال الشاعر: كَشِيشُ افعى اجمعت لعضّفهي تَحُكُّ بعضها ببعضومن اصوات الطيور التي يذكرها ابن قتيبة في هذا الباب صوت النّسر وهو الصفير، والحمام وهو الهدير والهديل، والصّأْي للفرخ، والنّق للفراريج، والعِرار للنعام، والزَّقْو للديك، والنّغق للغراب وكذلك النّعْب. ويفرد صاحب ادب الكاتب باباً خاصاً اطلق عليه عنوان (تسمية المتضادين باسم واحد)، وهو باب طريف من ابواب اللغة العربية اختصت به، وتميزت من خلاله عن سائر اللغات. ومن هذه المتضادات التي يذكرها ابن قتيبة (الجَوْن) ويطلق على كل من الابيض والاسود، والصّريم لليل والصّبح، والسُّدْفة للظلمة والضوء، والجَلَل للشيء الصغير والكبير، والنّاهل للعطشان والريّان، والصّارخ: اي المستغيث، والمُغيث، والهاجد: المصلّي بالليل، وهو النائم ايضاً، والتّلْعة: مجرى الماء من اعلى الوادي، وهي ايضاً ما انهبط من الارض. ومن هذه الكلمات الظنّ يطلق لليقين والشك، والاهماد: السرعة في السير، وهو الاقامة، ووراء تكون قدّاماً، وتكون خَلْفاً، قال تعالى: «وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً» (الكهف، 79)، وكذلك (فوق) تكون بمعنى دون، قال الله عزوجل: «ان الله لا يستحيي ان يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها» (البقرة، 26) اي: فما دونها، واسررت الشيء: اخفيته واعلنته، وبعت الشيء، بعته واشتريته، وشريت الشيء: اشتريته وبعته. ويورد لنا ابن قتيبة بعد ذلك طائفة من نوادر الكلام التي يخطئ في استعمالها عامة الناس عادة من باب الفرق بين (التفريط) و(التأبين) حيث ان الاول هو مدح الرجل حيّاً، والثاني مدحه ميْتاً، وتقول غضبت لفلان اذا كان حيّاً، وغضبت به اذا كان ميّتاً. وتقول: دوّم الطائر في الهواء: اذا حلّق واستدار في طيرانه، ودوّى السّبع في الارض: اذا ذهب. وكل شيء من قبل الزوج مثل الاخ والاب فهم الاحْماء واحدهم حَمَى، وحماة المرأة أمّ زوجها، وكل شيء من قبل المرأة فهم الاختان، والصّهر يجمع هذا كله. وبات فلان يفعل كذا: اذا فعله ليلاً، وظلّ يفعل كذا: اذا فعله نهاراً، ولا يقال: راكب الاّ لراكب البعير خاصة، ويقال: فارسٌ، وحمّار، وبغّال، ويقال: بَرَك البعير، وربضت الشاة، وجثم الطائر، وهذه مَبارِك الابل، ومَرابِض الغنم. نكتفي بهذا القدر من تجوالنا في رحاب تحفة الادب والبلاغة ادب الكاتب لابن قتيبة الدينوري. ******* "أدب الكاتب" لابن قتيبة - 2 - 37 2007-07-11 00:00:00 2007-07-11 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3218 http://arabic.irib.ir/programs/item/3218 كلمة (الحِشْمة) هي من بين الكلمات الاخرى التي يتناولها ابن قتيبة الدينوري في كتابه ادب الكاتب فيبين ان عامة الناس يستعملونها في غير موضعها الصحيح ذلك لانهم يضعونها موضع الاستحياء، في حين انها بمعنى الغضب بدليل قول بعض فصحاء العرب: (ان ذلك لممّا يُحْشِمُ بني فلان)، اي، يغضبهم. ومن ذلك ايضاً كلمة القافلة التي يذهب الناس الى انها الرّفقة في السفر ذاهبة كانت او راجعة في حين انها تعني الراجعة من السفر، فيقال: قفلت فهي قافلة، وقفل الجند من مبعثهم اي، رجعوا، فلا يقال لمن خرج من بلد الى آخر (قافلة) حتى يصدروا. ومن بين الاخطاء الشائعة الاخرى بين الناس استعمال كلمة (المأتم) في موضع (المصيبة)، فيقولون مثلاً: كنا في مأتم، في حين ان المعنى الصحيح للمأتم كما صرحت بذلك كتب اللغة، ورُوي عن من يوثق بفصاحتهم، وبلاغتهم من العرب هو: النساء يجتمعن في الخير والشر وجمعها مآتم. والصواب ان يقال: كنا في مناحة، وانما قيل لها مناحة من النوائح لتقابل النساء عند البكاء، ومن ذلك قولهم: الجبلان يتناوحان: اذا تقابلا، كقول الشاعر: عشية قام النائحات وشُقّقت جيوب بأيدي مأتم وخدود اي بأيدي نساء، وقال آخر: رمته اناة من ربيعة عامر نؤوم الضحى في مأتم ايّ مأتم يريد: في نساء اي نساء. ومن عجيب ما يطرحه ابن قتيبة في ادب الكاتب تقريره ان الناس يستعملون كلمة الربيع في موضع واحد فقط في حين ان لها مصاديق كثيرة منها ان بعضا من العرب يجعلون الربيع الفصل الذي تدرك فيه الثمار، وهو الخريف وفصل الشتاء بعده، ثم فصل الصيف بعد الشتاء وهو الوقت الذي تدعوه العامة الصيف. ومن العرب من يسمي الفصل الذي تدرك فيه الثمار - وهو الخريف- الربيع الاول، ويسمي الفصل الذي يتلو الشتاء، وتظهر فيه الكمأة والنور الربيع الثاني، وكلهم مجمعون على ان الخريف هو الربيع. ومما تتخبط في استعماله العامة بل وحتى الكتّاب والمثقفون عدم التفريق الصحيح بين كلمتي (الظل) و(الفيء) فيستعملونها في معنى واحد، في حين ان الظل انما يكون غداة وعشية، ومن اول النهار الى آخر، وهو يعني الستر، ومنها قول البعض: انا في ظلك اي في سترك، ومنه: ظل الليل اي ستره لانه يستر كل شيء. اما الفيء فلا يكون الا بعد الزوال، فلا يقال لما كان قبل الزوال (فيء)، وانما سمي فيئاً لانه ظل فاء من جانب الى جانب اي: رجع عن جانب المغرب الى جانب المشرق، والفيء هو الرجوع، قال الله عزوجل: «حتى تفيء الى امر الله» (الحجرات، 9) اي: ترجع الى امر الله. ومن ذلك ايضاً كلمة (العرض) التي تعني لدى عامة الناس سلف الرجل من آبائه وامهاته، وان شتم العرض يعني شتم الآباء والامهات. ويبين ابن قتيبة الخطأ في هذا الاستعمال بالقول: (انما عِرْض الرجل نفسه، ومن شتم عرض رجل فانما ذكره في نفسه بالسوء، ومنها قول ابي الدرداء (اقرض من عرضك ليوم فقرك) يريد: من شتمك فلاتشتمه، ومن ذكرك بسوء فلا تذكره، ودع ذلك قرضاً عليه ليوم القصاص والجزاء، قال حسان بن ثابت: هجوت محمداً فأجبت عنهوعند الله في ذاك الجزاءفان ابي ووالده وعرضيلعرض محمد منكم وقاءاراد: فان ابي وجدي ونفسي وقاء لنفس محمد صلى الله عليه وآله...). ومن الاخطاء الشائعة الاخرى التي كثيراً ما يقع فيها الناس عدم تفريقهم في الاستعمال بين كلمات من مثل (الاعجمي والعجمي) و(الاعرابي والعربي)، والصحيح ان الاعجمي: هو الذي لايفصح وان كان نازلاً بالبادية، والعجمي: منسوب الى العجم وان كان فصيحاً. والاعرابي: هو البدوي، والعربي: منسوب الى العرب وان لم يكن بدوياً. ويخصص ابن قتيبة الدينوري في كتابه ادب الكاتب باباً آخر لتأويل وتفسير ما جاء مثنى في كلام العرب. ومن ذلك (الاصفران) اي، الذهب والزعفران في قولهم: اهلك النساء الاصفران، و(الابيضان)، اي الشحم والشباب، و(العصران) بمعنى الغداة والعشي، و(الملوان) وهما الليل والنهار ويسميان ايضا: (الجديدين)، و(الاسودين) وهما التمر والماء. ومما استعمل ايضا مثنى في كلام العرب، الاصغران اي: القلب واللسان، والاصرمان، الذئب والغراب لانهما انصرما من الناس، والخافقان، المشرق والمغرب، لان الليل والنهار يخفقان فيهما، وقولهم: (لا يُدرى ايّ طرفيه اطول) يراد: نسب امّه، ونسب ابيه لايُدرى ايّهما اكرم. قال الشاعر: وكيف باطرافي اذا ما شتمتنيوما بعد شتم الوالدين صلوحويقال: فلان كريم الطرفين، يراد به الابوان. وتحت عنوان (باب معرفة ما في السماء والنجوم والازمان والرياح) يورد لنا ابن قتيبة طائفة من الكلمات والمصطلحات المفيدة المتعلقة بالباب السابقة والتي لا غنى لاي كاتب ومتأدب من معرفتها لكي يستعملها الاستعمال الصحيح في كلامه وكتابته، كما انها تكشف لنا في ذات الوقت عن سعة اللغة العربية، ودقتها، وتشعب الفاظها ومعانيها. فمن ذلك السّماء وهي كل ما علاك فاظلك، ومنه قيل لسقف البيت: سماء، وللسحاب: سماء، قال تعالى: «ونزلنا من السماء ماء مباركاً» (ق، 9)، يريد: من السحاب. ومنها ايضا: (الفلك) وهو مدار النجوم الذي يضمها، قال تعالى: «وكل في فلك يسبحون» (يس، 40)، سماه فلكاً لاستدارته، ومنه قيل: فلكة المغزل. وبروج السماء واحدها برج، واصل البروج الحصون والقصور، قال عز من قائل: «... ولو كنتم في بروج مشيدة» (النساء، 78). ومنازل القمر ثمانية وعشرون منزلاً، ينزل القمر كل ليلة بمنزل منها، قال سبحانه: «والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم» (يس، 39). وكثيراً ما نستعمل في كلامنا كلمة الانواء، ومفردها النوء دون ان نعرف معناها الاصلي، ولكي يوضح لنا صاحب كتاب ادب الكاتب معناها الصحيح فانه يعقد فصلاً لها يقول فيه: (ومعنى النّوْء: سقوط نجم منها في المغرب مع الفجر، وطلوع آخر يقابله من ساعته في المشرق، وانما سمي نوء لانه اذا سقط الغارب ناء الطالع ينوء نوء، وذلك النهوض هو النوء، وكل ناهض بثقل فقد ناء به...). نكتفي بهذا القدر من تجوالنا في رحاب كتاب ادب الكاتب، لابن قتيبة الدينوري. ******* وقفة عند كتاب "أدب الكاتب" لابن قتيبة -1 - 36 2007-07-09 00:00:00 2007-07-09 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3217 http://arabic.irib.ir/programs/item/3217 ادب الكاتب، او ادب الكتّاب هو من ضمن الروائع الاخرى التي تمخضت عنها الحضارة الاسلامية في جانبها الفكري والادبي. الى درجة ان هذا الكتاب عُدّ من بين الاصول والاركان الاساسية لعلم الادب والبلاغة والبيان. كما قرر ذلك ابن خلدون في مقولته الشهيرة: (وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم ان اصول هذا الفن واركانه اربعة داووين وهي: ادب الكتّاب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرّد، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر لابي علي القالي، وما سوى هذه الاربعة فتبع لها، وفروع عنها...). ومؤلف هذا الكتاب الخالد ه العالم اللغوي الاديب ابو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري. صاحب الكتب والتصانيف المعروفة التي وصفت بانها مفيدة كلها ومنها: غريب القرآن الكريم، وغريب الحديث، وعيون الاخبار، ومُشكل القرآن، ومُشكل الحديث، وطبقات الشعراء، واصلاح الغلط، وكتاب التقفية، وكتاب اعراب القراءات. وقد كانت ولادته سنة ثلاث عشرة ومائتين، وتوفي في منتصف شهر رجب سنة ست وسبعين ومائتين. وقد عُني العلماء بكتابة (ادب الكاتب) اشدّ العناية نظراً الى اهميته، واشتماله على اغلب ما يحتاج اليه من يريد ان يتلقى ادب الكتابة، فمنهم من شرح خطبته، ومنهم من شرح ابياته، ومنهم من شرحه كله. ومن بين علماء اللغة والنقاد الذين اهتموا بشرح هذا الكتاب ابن كَيْسان، والزجاجي، والفارابي، والجواليقي. يبتدئ ابن قتيبة كتابه (ادب الكاتب) ببيان الدوافع والاسباب التي دفعته الى تأليف هذا الكتاب قائلا: (اما بعد... فاني رأيت اكثر اهل زماننا هذا عن سبيل الادب ناكبين، ومن اسمه متطيرين، ولاهله كارهين، اما الناشئ منهم فراغب عن التعليم، والشادي تارك للازدياد، والمتأدب في عنفوان الشباب ناس او متناس...). ثم يتطرق ابن قتيبة بعد ذلك في خطبة كتابه الى الاسفاف الذي حدث في موضوعات الادب بجميع فروعه، واهتمام الادباء بامور تافهة هامشية دون ان يلجوا المواضيع التي تليق بهذا الفن الانساني الرفيع فيقول: (... فأبعد غايات كاتبنا في كتابته ان يكون حسن الخط، قويم الحروف، واعلى منازل اديبنا، ان يقول من الشعر ابياتاً في مدح قَيْنة او وصف كأس، وارفع درجات لطيفنا ان يطالع شيئاً من تقويم الكواكب، وينظر في شيء من القضاء وحدّ المنطق...). ويوصي الدينوري المتأدبين، ومن ارادوا ان يتخذوا من الكتابة مهنة لهم ومن الادب والبلاغة فناً يتخصصون فيه بان يتأدبوا من الناحية الخلقية قبل كلّ شيء حيث يقول في هذا الصدد: (ونحن نستحبُّ لمن قبل عنّا، وائتمّ بكتبنا ان يؤدب نفسه قبل ان يؤدب لسانه، ويهذب اخلاقه قبل ان يهذب الفاظه، ويصون مروءته عن دناءة الغيبة، وصناعته عن شَيْن الكذب، ويجلب قبل مجانبته اللحن وخطل القول شنيع الكلام، ورفث المزح...). فاذا ما تحقق هذا الشرط، واستوفى المتأدب تلك المقدمة الضرورية لمزاولة الادب فان عليه اولاً عن يدع في كلامه التقعير والتقعيب اي التشدق في الكلام متأسياً في ذلك بقول رسول الله صلى الله عليه وآله: (ان ابغضكم اليّ الثرثارون المتفيقهون المتشدّقون). كما ويستحب للمتأدب - كما يقرر ذلك ابن قتيبة- ان يعدل بكلامه عن الجهة التي تلزمه مستثقل الاعراب ليسلم من اللحن، وقباحة التقعير. ويضرب مؤلف الكتاب لذلك مثلاً بالاديب، والخطيب، والعالم اللغوي المعروف (واصل بن عطاء) الذي كان يلثغ في حرف الراء، فالزم نفسه ان يجتنب استعمال هذا الحرف في خطبه حتى استقام له ذلك، واستغنى عن هذا الحرف تحقيقاً للشرط السابق، حيث يقول الدينوري في هذا المجال: (... فقد كان واصل بن عطاء سام نفسه للثغه اخراج الراء من كلامه، ولم يزل يروّضها حتى انقادت له طباعه، واطاعه لسانه، فكان لا يتكلم في مجالس التناظر بكلمة فيها راء، وهذا اشدّ واعسر مطلباً مما اردناه...). ويوصي ابن قتيبة الكاتب بان ينزل الفاظه في كتبه فيجعلها على قدر الكاتب والمكتوب اليه، وان لا يعطي خسيس الناس رفيع الكلام، ولا رفيع الناس خسيس الكلام. ويذكر المؤلف امثلته لذلك، فيورد بعضاً من العبارات التي ينبغي ان لا يخلط الكاتب بينها في الاستعمال، وان يضعها موضعها الصحيح فيقول في هذا المضمار: (... فاني رأيت الكتّاب قد تركوا تفقد هذا من انفسهم، وخلطوا فيه، فليس يفرقون بين من يكتب اليه (فرأيك في كذا)، وبين من يكتب اليه: (فاني رأيت كذا)، و(رأيك) انما يكتب بها الى الاكفاء، والمتساوين، ولا يجوز ان يكتب بها الى الرؤساء والاستاذين لان فيها معنى الامر ولذلك نصبت...). ويستمر ابن قتيبة في ايراد الامثلة فيقول مستشهداً بآيات من الذكر الحكيم التي تمثل اعلى واسمى درجات الفصاحة والبلاغة والبيان، والمثال الذي يجب ان يحتذي به المتأدب: (... ولا يفرقون بين من يكتب اليه: (وانا فعلت ذلك)، وبين من يكتب اليه: (ونحن فعلنا ذلك)، و(نحن) لا يكتب بها عن نفسه الا آمر او ناه لانها من كلام الملوك والعلماء...). واما الآيات التي يستشهد بها مؤلف كتاب ادب الكاتب فهي قوله تعالى متحدثاً عن ذاته المقدسة: «انا نحن نزلنا الذكر» (الحجر، 9)، وقوله عزوجل: «انا كلّ شيء خلقناه بقدر» (القمر، 49)، في حين انه جلت قدرته، يستخدم صيغة المفرد بشأن مخلوقاته وصيغة الجمع بشأن ذاته، فيقول مثلاً حكاية عن من حضره الموت: «ربّ ارجعون، لعلّي اعمل صالحاً» (المؤمنون، 99، 100)، فلم يقل: «ربّ ارجعون»... ويشير الدينوري بعد ذلك الى الايجاز الذي يعتبر احدى الدعامات الاساسية، والاركان الرئيسية للبلاغة والبيان، الا انه ينبه في ذات الوقت الى ان الايجاز له مواضعه المناسبة، وحالاته الضرورية، فهو ليس مستحسناً مستساغاً في جميع الاحوال، بل ان المدار في ذلك رعاية المقام ومقتضى الحال. فالايجاز ليس بمحمود في كل موضع، ولا بمختار في كل كتاب، بل لكل مقام مقال، ولو كان الايجاز محموداً في كل الاحوال لجرده الله تعالى في القرآن، ولكنه اطال تارة للتوكيد، وحذف تارة للايجاز، وكرر تارة للافهام، ويضرب ابن قتيبة امثلة وحالات لذلك فيقول: (... فليس يجوز لمن قام مقاماً في تحضيض على حرب، او حمالة بدم، او صلح بين عشائر ان يقلل الكلام ويختصره، ولا لمن كتب الى عامة كتاباً في فتح او استصلاح ان يوجز...). بعد تلك المقدمة التي يستفتح بها المؤلف كتابه، يفرد الباب الاول منه لبيان، واستقصاء ما يضعه الناس في غير موضعه، ومنها (اشفار العين) التي يذهب الناس الى انها الشعر النابت على حروف العين في حين ان الصحيح انها حروف العين التي ينبت عليها الشعر. ثم يقول بعد ذلك مبيتاً المعاني والاستعمالات المختلفة للاشفار، وشُفْرُ كل شيء حرفه وكذلك شفيره، ومنه يقال: شفير الوادي، وشُفْرُ الرحم، فان كان احد من الفصحاء يسمي الشعر شفراً فانما سماه بمنبته، والعرب تسمي الشيء باسم غيره اذا كان مجاوراً له، او كان منه بسبب. ******* القيم الاخلاقية في الحكمة الخالدة لابن مسكوية - 35 2007-07-07 00:00:00 2007-07-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3204 http://arabic.irib.ir/programs/item/3204 اجمل التحايا واطيب المنى نبعثها اليكم احبتنا المستمعين في لقاء آخر يجمعنا معكم عند جولة جديدة في رحاب عيون التراث الذي سطره علماؤنا المسلمون. حيث نستكمل تطوافنا في هذا الاسبوع في رحاب رائعة المفكر والمؤرخ والفيلسوف الاسلامي الكبير ابي علي بن محمد مسكويه، الحكمة الخالدة. فأهلاً ومرحباً بكم، وندعوكم الى مرافقتنا. مستمعينا الاكارم! يرى مسكويه في كتابه جاويدان خرد او الحكمة الخالدة في معرض ايراده للحكم المرتبطة بالعلم ومدى علاقته بالعمل، ان العلم والعمل قرينان كمقارنة الروح للجسد، فلا ينفع احدهما الاّ بالآخر. فالعلم هو بمثابة الروح، والعمل بمنزلة البدن، فالعلم اذن هو الاصل، والعمل فرع منه، والعلم والد، والعمل مولود، وكان العمل لمكان العلم، ولم يكن العلم لمكان العمل. والغنى الاكبر يكمن كما يحدثنا بذلك مسكويه في ثلاثة اشياء، نفس عالمة تستعين بها على دينك، وبدن صابر تستعين به في طاعة ربك، وتتزود به لمعادك وليوم فقرك، وقناعة بما رزقك الله باليأس عما عند الناس. واما زمام العافية فهي بيد البلاء، ورأس السلامة تحت جناح العطب، وباب الامن مستور بالخوف، فلا تكونن في حال من هذه الثلاثة، غير متوقع لاضدادها، ولا تجعل نفسك غرضاً للسهام المهلكة، فان الزمان عدو لابن آدم، فاحترز من عدوك بغاية الاستعداد، واذا فكرت في نفسك وعدوها استغنيت عن الوعظ. ويحذر مسكويه من خلال الحكم التي يوردها الانسان العاقل من صفات وطبائع الجهال فيقول في هذا الصدد: (ثماني خصال من طباع الجهّال! الغضب في غير معنى، والاعطاء في غير حق، واتعاب البدن في الباطل، وقلة معرفة الرجل صديقه من عدوه، ووضعه السرّ في غير اهله، وثقته بمن لم يجربه، وحسن ظنه بمن لا عقل له ولا وفاء، وكثرة الكلام بغير نفع...). وفيما يتعلق بالملوك والحكام وما يجب ان يتحلوا به من خصال، ويحذروا من صفات يؤكد مسكويه ان الهزل آفة الجدّ، والكذب عدوّ الصديق، والجور مفسد العدل، فاذا استعمل الملك الهزل ذهبت هيبته، واذا استصحب الكذب استخفّ به، واذا ظهر الجور فسد سلطانه. اخوتنا المستمعين! وعلى الحاكم ايضاً ومن اجل ان يضمن تنفيذ العدالة، واجتناب اصدار الاحكام الظالمة بحق الاخرين ان يعمل بثلاث خصال. وما هي هذه الخصال يا ترى؟ تأخيرالعقوبة عند سلطان الغضب، وتعجيل مكافأة المحسن، والأناة في الذي يحدث. وهل هناك اسباب يذكرها المؤلف لوجوب توفر تلك الصفات في شخصية الحاكم؟ نعم، فهو يقول ان له في تأخير العقوبة امكان العفو، وفي تعجيل المكافأة بالاحسان المسارعة بالطاعة من الرعية والجند، وفي الاناة انفساح الرأي، وايضاح الصواب. واحكام واتقان كل ذلك انما يكون بالتدبير، والتدبير لا يكون الا بالمشورة، والمشورة انما تكون بالوزراء الناصحين المستحقين لرتبهم. ذلك لان العدل اذا لم يكن غالباً على الجور لم تزل تحدث الوان البلاء والآفات، فليس شيء اقرب لتغيير نعمة، وتعجيل نقمة من الاقامة على الظلم. وباستصلاح المعاش يصلح امر العباد، وبصدق التوكل يستحق الرزق، وبالاخلاص يستحق الجزاء، وبسلامة الصدر توضع المحبة في القلب، وبالكف عن المحارم ينال رضا الربّ، وبالحكمة يكشف غطاء العلم، ومع الرضا يطيب العيش، وبالعقول تنال ذروة الامور، وعند نزول البلاء تظهر فضائل الانسان، وعند طول الغيبة تظهر مواساة الاخوان، وعند الحيرة تنكشف عقول الرجال. وبالاسفار تختبر الاخلاق، ومع الضيق يبدو السخاء، وفي الغضب يعرف صدق الرجال، وبالايثار على النفس تملك الرقاب، وبالادب الصالح يلهم العلم، وبترك الخطأ يسلم منه، وبالزهد تقام الحكمة، وبالتوفيق تحرز الاعمال، وعند الغايات تظهر العزائم، وبصاحب الصدق يتقوّى على الامور، وبالملاقاة يكون ازدياد المودات، ومع الزهد في الدنيا تثبت المؤاخاة. وتستمر اخوتنا المستمعين حكم الحياة هذه تنهال علينا في كتاب الحكمة الخالدة حتى يقول جامع كتاب مسكويه في نهاية هذا الفصل الذي ضمنه حكم قدماء الفرس: (ومن الوفاء دوام المواصلة، ومن قبول رشد العالم ركوب مطية العلم، ومن استقامة النية اختيار صحبة الابرار، ومن مصافحة الغرور ركوب البحر، ومن عزّ النفس لزوم القناعة، ومن سلطان اليقين التجلد على من يطمع في دينك، ومن الدخول في كامن الصدق الوقوع على مالاتعرفه العوام، ومن حب الصحة الانقطاع عن الشهوات، ومن خوف المعاد الانصراف عن السيئات، ومن طلب الفضول الوقوع في البلايا...). ثم يشفع مسكويهم ذلك ببيان احسن الآداب وهي كما يرى ان لا يفخر المرء بأدبه، ولا يظهر القدرة على من لا قدرة له عليه، ولا يتوانى في العلم اذا طلبه. ويقرر بعد ذلك ان هناك ثلاثة ضروب من الناس لا يستوحشون في غربة، ولا يقدر بهم عن مكرمة. ومن هم هؤلاء الناس الذين بلغ بهم الغنى حداً جعلهم يبلغون هذا المستوى من الثقة بالنفس، وبلوغ الفضائل والمعالي؟ هم اولاً الشجاع حيثما توجه فان بالناس حاجة الى شجاعته وبأسه، وثانياً العالم، فان بالناس حاجة الى علمه وفهمه، والثالث هو الحلو اللسان، الظاهر البيان، فان الكلمة تجوز له بحلاوة لسانه، ولين كلامه. فان لم يعط الانسان رباطة الجأش، وجرأة الصدر؟! عليه في هذه الحالة كما يوصينا بذلك الحكماء، ان لا يفوته العلم، وقراءة الكتب، فانه ادب، وعلم قد قيّده لنا من مضى من قبلنا، وبه نزداد عقلاً. اعزتنا المستمعين! وفي الفصل الذي خصصه مسكويه لاستعراض حكم وامثال قدماء الهند يبادرنا بالحكمة التالية التي تحذرنا من مصاحبة بعض الطوائف من الناس فيقول: (اثنان من الناس ينبغي ان يتباعد منها، احدهما الذي يقول:لاثواب ولا عقاب ولا معاد ولا برّ ولا اثم، والآخر الذي لا يملك شهوته، ولا يستطيع ان يصرف قلبه وبصره عن شهوة ما ليس له فيرتكب الاثم، ويقوده الحرص الى الخزي والندامة في الدنيا مع المصير الى الجحيم والعذاب الاليم في الآخرة...). وبشأن الاصدقاء وآداب الصداقة يقرر الحكماء ان هناك ثلاثة لا يلبث ودّهم ان يتصرّم. وهم الصديق الذي لا يقوم بحق صديقه عند النوائب، ويطيل غيبته عنه، ويتوانى عن زيارته، ولا يكاد يصير اليه الاّ على كُره، فاذا صار اليه ماراه في كل مانطق به. والمُداخِلُ لاصدقائه في النعم والفرج حتى اذا نابتهم نائبة قطعهم، والرجل يريدك لامر حتى اذا وصل اليه استغنى عنك فزال ودّه بزواله. ومن الشروط التي يذكرها مؤلف الكتاب لصحبة السلطان، النصيحة، وحفظ السرّ، وتزيين امره، وايثار هواه، ومجانبة الغش له، وان لا يخفي عنه سرّاً. ويحذّر بعد ذلك من جملة خصال بخصوص العلاقة بين الرعية والملك فيقول في هذا المجال: (لا تتودّد على السلطان بالدالة وان كان اخاك، ولا بالحجة وان كانت لك دونه، ولا بالنصيحة وان كانت له دونك، فان السلطان يعرض له ثلاث دون ثلاث: القدرة دون الكرم، والحمية دون النصفة، واللجاج دون الحظ...). وفي ختام هذا الفصل من كتاب "جاويدان خِرَد" يقدم لنا المؤلف بعضا من الحكم، والارشادات تحقيقاً وضماناً لسعادة الانسان في الدنيا، فيقرر ان العاقل يجب ان لا يزرع العداوة اتكالاً على قوته، كما لا يجب لصاحب الترياق ان يشرب السمّ اتكالاً على ادويته. ومن جمع لك الى المودّة رأياً حازماً، فأجمع له الى المحبة طاعة لازمة، وشرُّ ما شغلت به عقلك وضيّعت به عمرك اشارة الى مُعْجَب بنفسه. نتمنى لكم اطيب الاوقات شاكرين لكم حسن الاصغاء والمتابعة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ******* ابن مسكوية المؤرخ وكتابه "الحكمة الخالدة" - 34 2007-07-03 00:00:00 2007-07-03 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3203 http://arabic.irib.ir/programs/item/3203 مستمعينا الافاضل! سلام من الله عليكم ورحمته وبركاته، واهلاً ومرحباً بكم في حلقة اخرى من حلقات برنامجكم الاسبوعي (عبارات واشارات). حيث نلتقيكم عند رائعة اخرى من روائع التراث الاسلامي التي سطرها عمالقة الفكر والمعرفة والادب في بلاد ايران. اخوتنا المستمعين! كتاب (الحكمة الخالدة) او (جاويدان خِرَد) لمؤلفه الفيلسوف والمؤرخ الاسلامي الكبير ابي علي احمد بن مِسكويه. يمثل معطى آخر من المعطيات الكثيرة الغزيرة للمسلمين في مجال الحضارة والفكر الاسلامي الاصيل. وهو كتاب توفر فيه مؤلفه على جمع واستعراض الحكم والامثال المأثورة عن شعوب وامم الارض وخصوصاً تلك التي كان لها باع طويل في هذا المضمار كالفرس والهنود، والعرب، والروم. ذلك لان الشرق يعد موطن الامثال والحكم القصيرة والكلمات العامرة بمعاني الحكمة في الحياة، فهو يقدس الكلمة لكونها تمتلك سحراً خاصاً في الروح الشرقية تستهويها وتجد فيها العزاء عن الواقع الاليم الذي تحيا فيه تاريخياً. فالاستبداد الذي كان يمثل نوع الحكم السائد في البلاد الشرقية لم يجد متنفساً له لدى المستضعفين في الارض، والمغلوبين على امورهم الاّ عن طريق هذه الكلم القصار يرسلونها كالسهام المسمومة في صدور الحكام. ومن هنا كثرت النصائح المتصلة بالحكام والولاة والملوك، تارة تكون على هيئة مواعظ توجه اليهم ليهدّؤوا من طغيانهم ويراعوا جانب الرعية البائسة، واخرى على شكل حكم صادرة من هؤلاء الملوك والحكام انفسهم يتظاهرون من خلالها بالتفكير عما تجترحه ايديهم من مآثم في حق الرعية. ونحن واجدون في هذا الكتاب كثيراً من الحكم المنسوبة الى الملوك والى بعض ملوك الفرس بخاصة مثل كسرى انوشروان، وكسرى قباذ ووزرائهم، وهي من ذلك النوع من الادب العام الشائع في هذه الاوساط، ومما اُلّف بعد زمان اصحابها بأجيال طوال. وقد كانت الدواعي الى جمعها، وتقديمها من خلال تلك المؤلفات كثيرة منها انها موجهة في حقيقتها الى الحكام المعاصرين للمؤلفين الذين كانوا يسومون رعيتهم سوء العذاب، وقد قدمها الجامعون لها اسداء للنصح، وتوجيهاً لهم وجهة الخيرة، وطمعاً في انابتهم الى الرشد والهدى. اعزتنا المستمعين! واما جامع هذا الكتاب فهو احمد بن محمد بن يعقوب الملقب بـ (مِسكويه) ويطلق عليه ايضا اسم (ابي علي الخازن)، وهو ايضا صاحب الكتاب المعروف تجارب الامم. وقد درس مسكويه التاريخ، فقرأ تاريخ الطبري على ابي بكر احمد بن كامل القاضي المتوفى سنة 350 هـ والذي كان صاحب ابي جعفر الطبري، فسمع منه شيئاً كثيراً، ولطالما اجتمع به. كما درس مسكويه علوم الاوئل خصوصاً على يد ابن الخمار الذي كان واسع الاطلاع على علوم الاوائل وخصوصاً المنطق والطب حتى سمّي (بقراط الثاني). ويروي مسكويه عن نفسه في كتابه تجارب الامم انه صحب ابن العميد سبع سنين لازمه فيها ليلاً ونهاراً، اذ اتخذه ابو الفضل ابن العميد خازناً لكتبه، فقام على هذا العمل خير قيام، حتى انه انقذ خزانة كتبه حينما هجمت الخراسانية على دار الاستاذ الرئيس ابن العميد، وقامت بنهب داره واصطبلاطته وخزائنه الى ان اتى الليل، وانصرفوا، وكانت اليه خزانة كتبه فسلمت من بين خزائنه ولم يتعرض لها. فلما انصرف ابن العميد الى منزله ليلاً لم يجد فيه ما يجلس عليه ولا كوزاً واحداً يشرب فيه ماء، واشتغل قلبه بدفاتره ولم يكن هناك شيء اعزّ عليه منها، وكانت كثيرة فيها كل علم، وكل نوع من انواع الحكم والآداب تحمل على مائة وَقْر وزيادة، فلما رأى ابن العميد مسكويه سأله عنها، فقال: هي بحالها لم تمسّها يد، فسُري عنه، وقال له: اشهد انك ميمون النقيبة. ومن هنا لقب مسكويه باسم الخازن اي، خازن الكتب، ولاشك انه افاد كثيراً من هذه الخزانة في كتابة التاريخ، ومن شخصيات فكرية عظيمة كانت تحضر مجلس ابي الفضل ابن العميد. ثم خدم مسكويه من بعده ابا الفتح علي بن محمد بن العميد الملقب بذي الكفائتين، ولعله ان يكون قد لحق بخدمة عضد الدولة ابي شجاع فناخسرو اكبر بني بويه، وقد وُلِيَ ابو شجاع هذا سلطنة فارس بعد عمه عماد الدولة، ثم استولى على العراق والجزيرة، وكان اول من خُوطب باسم ملك في الاسلام، واول من خطب له على المنابر في بغداد بعد الخليفة. واستمر مسكويه يتنقل في خدمة بني بويه، وكان على صلة وثيقة خصوصاً ببهاء الدولة ابي نصر بن عضد الدولة بن ركن الدولة صاحب العراق وفارس، وقد حكم بضعاً وعشرين سنة. ويبدو ان مسكويه عمّر طويلاً، ان توفي عام 421هـ بعد عمر ناهز المائة عام بعد ان خلف لنا تراثاً تاريخياً، وفلسفياً، واخلاقياً هائلاً نذكر منه على سبيل المثال كتابي الفوز الاكبر، والفوز الاصغر في الاخلاق، وكتاب تجارب الامم في التاريخ، وانس الفريد وهو كتاب يتضمن اخباراً واشعاراً وحكماً وامثالاً، وكتاب تهذيب الاخلاق وتطهير الاعراق الذي يعد من اشهر كتبه. احبتنا المستمعين! الامر الذي اجمع المؤرخون على مدحه لدى مسكويه هو الشعر والنثر، واما نثره فيتسم بالوضوح ورقة الالفاظ، في حين يتميز ما رُوي عنه من شعر بانه من النوع المتوسط الذي لم يستطع ان يبلغ به شأو الشعراء من الدرجة الاولى. واما كتاب جاويدان خِرَد او الحكمة الخالدة الذي نريد ان نستعرضه في بعض من حلقات هذا البرنامج نظراً الى طرافته وشمولته، فقد استهله مسكويه بترجمة الحسن بن سهل لكتاب جاويدان خرد الذي خلفه هوشنج الملك وصية على خلفه، ونقله من اللسان القديم الى اللسان الفارسي كنجور بن اسفنديار وزير ملك ايران شهر، ونقله الى العربية الحسن بن سهل اخو الفضل بن سهل، ذي الرئاستين. حيث يروي لنا احمد بن مسكويه في مقدمة كتابه هذا قائلا: (انني قرأت في الحداثة كتاباً لابي عثمان الجاحظ يعرف بـ (استطالة الفهم) يذكر فيه كتاباً يعرف بـ (جاويدان خِرَد)، ويحكي كلمات يسيرة فيه، ثم يعظمه تعظيماً يخرج فيه عن العادة في تعظيم مثله، فحرصت على طلبه في البلدان التي جُلت فيها، حتى وجدته بفارس عند موبذان موبذ (اي رئيس الكهنة)...). ثم يحدثنا مسكويه بعذ ذلك عن محتويات هذا الكتاب وموضوعاته، وكيف انه اضاف الى مادته الكثير من وصايا وحكم الامم الاخرى فيقول: (... فلما نظرت فيه وجدت له اشكالاً، ونظائر كثيرة من حكم الفرس والهند والعرب والروم، وان كان هذا الكتاب اقدمها واسبقها بالزمان، فانه وصية اوشهنج (اي هوشنج) لولده، وللملوك من بعده، وهذا الملك كان بُعَيْد الطوفان، وليس يوجد لمن كان قبله سيرة ولا أدب يستفاد...). ويستأنف مسكويه قائلا: (... فرأيت ان انسخ هذه الوصية على جهتها، ثم الحق بها جميع ما التقطته من وصايا وآداب الامم الاربع، اعني الفرس والهند والعرب والروم ليرتاض بها الاحداث، ويتذكر بها العلماء ما تقدم لهم من الحكم والعلوم، والتمست بذلك تقويم نفسي ومن يتقوّم به بعدي، وغرضي الاقصى فيه الاجر والمثوبة من الله عزوجل وهو ولي الخيرات والمثيب على الحسنات، ولا قوة الا بالله...). اخوتنا المستمعين الافاضل! ويبتدئ مسكويه الحكم والوصايا والامثال التي جمعها في كتابه بذكر تلك المنسوية الى اوشهنج الذي سبقت الاشارة اليه، وخصوصاً تلك المتعلقة ببيان اهمية الحكمة والمعرفة، فيقول في هذا الصدد: (من الله المبتدأ، واليه المنتهى، وبه التوفيق، وهو المحمود، من عرف الابتداء شكر، ومن عرف الانتهاء اخلص، ومن عرف التوفيق خضع، ومن عرف الافضال أناب بالاستسلام والموافقة...). (... اما بعد فان افضل ما أُعطي العبد في الدنيا الحكمة، وافضل ما اعطي في الاخرة المغفرة، وافضل ما اعطي في نفسه الموعظة، وافضل ما سأل العبد العافية، وافضل ما قال كلمة التوحيد. ورأس اليقين المعرفة بالله، وملاك العلم العمل، واعمال البرّ على اربع شعب: العلم، والعمل، وسلامة الصدر، والزهد...). واما بالنسبة الى العلم اخوتنا المستمعين فان مسكويه يقرر انه انما يكون بمعرفة السنن والعمل على ضوئها، واما العمل فيكون باصابة تلك السنن، وسلامة الصدر تتحقق باماتة الجسد، والزهد يكون من خلال الصبر. واما جماع امر العبادة فيكون في اربع خصال هي: العلم، والحلم، والعفاف، والعدالة، فالعلم بالخير للاكتساب، وبالشر للاجتناب، والحلم في الدين للاصلاح، وفي الدنيا للكرم، والعفاف في الشهرة للرزانة، وفي الحاجة للصيانة، والعدالة في الرضا، والغضب للقسط. اعزتنا المستمعين! كونوا في انتظارنا في حلقة الاسبوع المقبل باذن الله عند طائفة اخرى من الوصايا والحكم التي تضمنها كتاب الحكمة الخالدة لمسكويه. فحتى ذلك الحين نستودعكم العلي القدير، والى الملتقى. ******* سعدي الشيرازي مع "روضة الورد" - 33 2007-07-01 00:00:00 2007-07-01 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3202 http://arabic.irib.ir/programs/item/3202 اخوتنا المستمعين في كل مكان! من دواعي سرورنا ان نلتقيكم مجدداً عبر رياض الادب الفارسي. حيث العبارة البليغة، والكلمة الطيبة، والموعظة الحسنة ممزوجة بنفحات العرفان، واريج الكلمة. أبُلبلَ الدَوْحِ ما في الحبِّ من طَرَبٍفكيفَ تَهْتِفَ بالاسْحارِ جَذْلاناان كُنْتَ صبَّاً فأَصْلِ الرُّوْحَ مُحْتَذِياًحَذْوَ الفَراشَةِ دونَ الشَكْوِ نيْراناتَعَلَّمِ العِشْقَ مِنْ تلك التي فَنِيَتْوما سَمْعنا لها حِسّاً بِدُنياناكم مُدَّعِ محبَّ لَيْلى مالَهُ خَبَرٌبِها وَلَمْ تُولِهِ في الحُبِّ سُلْطاناشدا با وتَغنَّى في مَباذِلِهوراح يملأُ سَمْعَ الدَّهْر أَلْحاناومُذنَفٍ باتَ مِنْ لَيلاهُ في شُغُلٍقضى وما أَقْلَعتْ شَكْواهُ انسانامستمعينا الاكارم! الابيات السابقة التي ترجمت من الفارسية الى العربية شعراً هي من بين الابيات الشعرية الكثيرة ذات المضامين العرفانية والاخلاقية التي تزخر بها رائعة سعدي الشيرازي الخالدة جُلِسْتان او روضة الورد. ان الذي يتتبع آثار هذا الشاعر والناثر الكبير الذي اطبقت شهرته الآفاق يستطيع ان يستخلص تاريخ حياته بسهولة مما تركه بين ايدي الناس يتداولونه ويتدارسونه فيما بينهم معجبين ومأخوذين بهذه العبقرية الفذّة التي لايجود الزمان بمثلها الا في فترات نادرة بين حقبة واخرى من الدهر بعيدة المدى. وان الذين ارّخوا له، وعُنُوا بآثاره، استخلصوا تاريخ حياته من اشعاره، ومن نثره الساحر خصوصاً في كتابه الخالد جلستان، وديوانه الفاتن بوستان. مستمعينا الافاضل! اسمه الكامل: الشيخ مشرّف الدين بن مصلح الدين الشيرازي المعروف باسم سعدي في اشعاره، احد النجوم اللازمة في سماء الادب الفارسي، فلقد بلغ اعلى درجات الفصاحة في اللغة الفارسية، كما ان نظمه ونثره يعدّان احسن مثال في السلاسة والبلاغة. رُويَ ان الشاعر كان في رعاية الاتابك سعد بن زنكي الذي ارسله الى بغداد لاتمام علومه، واغلب الظن ان الشيخ عزم على السفر الى تلك المدينة للتحصيل لما رآه من الحروب والاضطرابات في نواحي فارس، وقد كان من نتائج هذا السفر، ومن التقائه بعلماء بغداد وعظمائها ان كان لكل هذا تأثير لاحدّ له في نفسية شاعر شاب، وفي افكاره. وقد كانت بغداد في ذلك الوقت دار العلم، حضر فيها دروس اساتذتها كالشيخ شهاب الدين السهروردي الذي كان من كبار رجال الصوفية، وابي الفرج الجوزي وغيرهما. ثم عاد سعدي بعد بضع سنوات الى موطنه في ايران وقد تعرض الى هجمات المغول، ولم تنج مدينة شيراز نفسها، وهي موطن نشأته، من الثورات والاضطرابات، فتأثرت نفسيته بذلك، ورغب فان ان يطوف العالم، ويجوب نواحيه، فقام برحلات طويلة، وزار مكة، ودمشق، وبلغ شمالي افريقيا. واقام مدة في الشام، وعاشر اهل تلك البلاد من الطبقات العليا الى الدنيا، واختلط بالعلماء والعوام، والصوفية، والملاحدة، والبراهمة، وقد تزود من كل ما تحمله افكارهم، ولم يفارق دمشق الاّ عام 643هـ حين ابتليت بالقحط، وجفاف مياه العيون والانهار، فرثاها ابلغ رثاء، وبكاها احرّ بكاء، كما فعل ذلك من قبل مع بغداد التي سقطت على ايدي المغول. اعزتنا المستمعين! وبعد ذلك السفر الطويل عاد الشيخ الى موطنه شيراز مزوداً بالخبرة، ممتلئ النفس بالافكار الناضجة، فلما بلغها وجدها تحت حكم الاتابك ابي بكر بن سعد، فوجد البسطة في الرزق، والامان في الحياة. وفي ظل هذه الاجواء وجد الشيخ مشرّف الدين الفراغ والميل الى التصنيف، فألّف ذخائر المعارف، ونفيس الاداب بعد ان امضى عمراً طويلاً في التنقل بين البلاد. ومع ان الشاعر قد اطبقت شهرته الآفاق منذ نشأته، وسُمِعَ عن فضله منذ شبابه، وجرت اشعاره على الالسنة، فان اهم ما قام به في ذلك العهد انه نهض للتأليف والتدوين، واول منظوماته المهمة والمشهورة هي ديوان البستان الذي يشتمل كله على قصص شعري غاية في الابداع يبدو فيها سعدي شاعراً انسانياً، ومعلّماً في الاخلاق. وبعد سنة من اتمام هذا الديوان الّف رائعته الاخرى الجُلِسْتان، التي تعدّ اجود ما كتب في النثر الفارسي المرصّع بالمقطوعات الشعرية الجميلة والرقيقة، حيث تنتظم فيها القصص، والامثلة، والحكم، والنصائح الاخلاقية والاجتماعية في عبارات لطيفة متينة حتى نستطيع ان نقول ان الجلستان شعر منثور، او نثر مجرد من الزوائد والحشو. اما غزليات سعدي فيمكن ان نقول انه بمتكر فيها، فقد تضمنت ابدع الاحاسيس في روح العرفان، فلم يبلغ شاعر آخر ما بلغه فيها، مع انه يتضح من حكايات سعدي وحكمه انه اندمج في زمرة رجال الصوفية، الا انه لم يكن من اولئك الذين نفضوا ايديهم من شؤون الحياة، ولا من الذين لجؤوا الى الاعتزال، بل كان له لطافة افكارهم، واشراقة نفوسهم، في حياة معتدلة، وعمل متزن. وكان تأثير سعدي الشيرازي في الناحيتين، الادبية والاخلاقية كبيراً ليس في ايران وحدها بل في كثير من بلدان العالم، حتى ان بعض الشعراء المشهورين الذين جاؤوا بعده كحافظ الشيرازي، وعبد الرحمان الجامي وضعوه موضع التقدير والاعجاب، واحلّوه بينهم محل الفضل والاجلال. بلغت شهرة سعدي اطراف العالم، ونقلت آثاره في النثر، والنظم الى جميع اللغات الحية، وكانت محل اعجاب الشعوب وتقديرها. يا مَنْ سموتَ عن الخيالِوَوَهْمِ أَقْيَسةِ العُقولِوَعنِ الذي كنّا قَرَأْناعنك من ضافي الفُصُولِقد تمّ مجلسُنا وَوَافىالُعمْرُ منزلةَ الأُفُولِوكما بدأنا لم نَزَلْبنهايةِ الوَصْفِ الجَميلِاعزتنا المستمعين! على امل ان نكمل جولتنا في رحاب الجُلْستان الزاخرة بفنون القول الرفيع، والنظم البليغ الفصيح. نستودعكم رعاية الباري عزوجل. والى الملتقى. ******* مدخل لدراسة ديوان "روضة الورد" للشاعر سعدي الشيرازي - 32 2007-06-28 00:00:00 2007-06-28 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3201 http://arabic.irib.ir/programs/item/3201 حيث يعد هذا الكتاب من حيث اسلوبه، وحسن سبكه، واشراق ديباجته، وحلاوة عباراته من بين النماذج الراقية للاسلوب الادبي الرفيع بين عيون التراث الادبي ليس في ايران فحسب وانما على مستوى العالم اجمع. كما انه يعتبر من اهم الكتب التي يعتمد عليها في تبرية النشء، وتثقيفهم بما حوى من حكم ومُُثُل اخلاقية عالية سيقت في اسلوب قصصي شيق حيث يعدّ من هذه الناحية من اقوم كتب التربية التي تعتمد اسلوب السرد القصصي. وقد انتهى المؤلف (سعدي الشيرازي) من تأليف هذا الكتاب عام 656هـ، بعد ان طوف كثيراً في بلاد الدنيا، وخالط الناس من شتى الاجناس والطبقات، وذاق من الايام حُلْوِها ومُرّها. فهو يحدثنا في كتابه عن الناس واخلاقهم حديث العارف المجرب، ويسوق حكمه وامثاله عن خبرة، ونظرة عميقة فاحصة. ونحن لا نبالغ اذا قلنا ان هذه الاسفار الطويلة في الآفاق والانفس التي استغرقت من حياته ثلاثين عاماً كما قيل، ومشاهداته في هذه الاسفار قد صيغت في هذا الكتاب قصصاً اخلاقياً رائعاً، وصوراً ناطقة حية للعالم الذي عاش فيه. فلم يكن شاعرنا واديبنا (سعدي) في هذا الكتاب اديباً وشاعراً ينحو في ادبه نحواً اخلاقياً فحسب، بل كان كذلك داعية اصلاح، فنراه في بعض المواقف يتجاوز افق الوطنية الى افق الانسانية الفسيح، فيرى الناس اخوة، ويندد بالعصبية الجنسية، والمذهبية، والرياء والنفاق، ويسخر في دعابة لاذعة من المتعصبين والمرائين والمنافقين، ويقف من الملوك والحكام، في جرأة عجيبة موقف رجل الاخلاق المومن برسالته. واما اسلوب الكتاب فهو النثر المسجوع، وسجعه رشيق، حلو الجرس، بعيد عن الابتذال، يسامي في موسيقاه الاوزان الشعرية، وتتخلله ابيات، وقطع من الشعر العربي والفارسي وكلها من نظم صاحب الكتاب، غير ان قدرة الرجل على نظم النثر العربي محدودة متواضعة لاتقاس بشاعريته عندما يتصدى لنظم القوافي في لغة قومه. اعزتنا المستمعين! وُلِدَ الشاعر سعدي عام 595هـ بين احضان اسرة اشتهرت بالعلم والدين، فنشأ نشأة علمية دينية، وهو يحدثنا في احدى حكايات (الجولستان) عن سهره، وتعبده مع ابيه في حداثته، وتأديب ابيه له بآداب العبادة الحقة. وكان والده في خدمة الاتابك سعد بن زنكي، وانحسر عنه ظل ابيه وهو يناهز الثانية عشرة من عمره، فكلفه جده لامه مسعود الكازوني، وبسط عليه الاتابك ظل رعايته. وهكذا ذاق الفتى مرارة اليتم، والحرمان من الحنان الابوي يافعاً، وترسبت هذه المرارة في اعماقه، والتصقت بشغاف قلبه، وامتزجت بروحه، لنحس بطعمها فيما بعد في ادبه وهو يحدثنا عن عطف ابيه، وحنانه، وتودد الناس اليه رعاية لابيه وقسوة الموت عليه باختطافه لاكثر الناس برّاً به، وحدباً عليه، وتنكر الناس له، وعدم احتفالهم بأمره بعد موته. واذا استعرضنا حياة الشاعر فيما بعد فاننا لانرى فيها ما يكفل له حياة عائلية ثابتة الاركان، فقد قضى اكبر شطريها، وخير ايامها في طلب العلم، والسير في مناكب الارض، وعاد الى موطنه شيخاً ليقضي شيخوخته في التأليف، وقرض الشعر، والتفرغ للعبادة، وتأملاته العرفانية لايخرجه عن كل هذا الا داعي الحج الى مكة. واذا ما اخذنا بما جاء في بعض حكايات الجولستان والبستان فسنرى ان شاعرنا سعدي دخل الى صميم دنياناً مرتين: رُزئ في الاولى بفقد ابنه في صنعاء، وبكاه مرّ البكاء، ولقي في الثانية العنت وسوء العشرة من زوجته الحلبية، ففر بنفسه من حلب الى شمال افريقيا. تلقى سعدي علومه الاولى في شيراز، ثم بعثوا به الى بغداد ليتمّ دراسته في المدرسة النظامية المشهورة، وهناك التقى بعلماء بغداد، وافاضلها، وكان ابعدهم اثراً في حياته شيخاه، شهاب الدين السهروردي المعروف، وابو الفرج الجوزي. وطالت اقامة شاعرنا في بغداد فشبّ، وترعرع، ونهل من مناهل العلم والعرفان ما شاء الله ان ينهل، ثم عاد الى شيراز شاباً يملؤه الزهو والامل والثقة بالمستقبل في ظل مولاه، وراعيه الاتابك سعد، ولكنه يرتد عنها حزناً على هزيمة مولاه، وحسرة على ما عمّها من الفتن والخراب. ويجد البرء من احزانه واشجانه في ان يجوب البلاد، ويتنقل بين العباد، فيدخل بهذه المرحلة الثانية من مراحل حياته. بدأ سعدي تجواله في العالم الاسلامي عن طريق بلخ، وغزنين، والبنجاب الى كجرات، وعلى ساحلها الغربي رأى معبد (سيوارا) في سومنات، وينقل لنا في البستان صورة عن هذا العبد، فيحدثنا عن الصنم العاجي المرصع بالجواهر، وسجود عباده امامه، وهو يرفع يديه الى السماء كل صباح، حيث زمزمة الحجيج الى المعبد، وطقوس العبادة فيه. ثم احتياله لكشف سر الصنم حتى يتمكن من رؤية الكاهن الذي يختبئ وراء ستار وهو يجذب بيده حبلاً فيحرك يدي الصنم، ويعرف الكاهن ان هذا الشاب لابد وان يذيع سر هذا المعبود في الناس فيكفروا به او يشككوا في دينهم. ويدرك الشاب المغامر ان هذا الكاهن لابد انه محتال في قتله فيلقي به في بئر المعبد بعد ان تحدث بينهما معركة دامية كاد فيها الكاهن ان يقتل شاعرنا، فيفر الى الهند، ويطيل المقام في دهلي. ويلتقي هناك بالامير خسرو الشاعر المعروف، ويتعلم الهندية والاوردية، ثم تنازعه نفسه الى الارتحال، فيبحر الى اليمن، وهناك يرزأ بوحيده في صنعاء، فيكره المقام بها، ويشد الرحال الى الحبشة، ليخرج منها حاجاً الى مكة، ويزور المدينة، ويواصل رحلته الى الشام، ويطيل المقام في دمشق. وهناك سار سعدي بين الناس سيرة الورع، وتصدى للوعظ والارشاد، يلقي عظاته على الناس في مساجد دمشق، وجامع بعلبك، حيث يحل من نفوس اهل الشام وقلوبهم محل الاجلال والتكريم، ويلقبونه بالشيخ. ولكن الشيخ ما يلبث ان يملّ المقام في دمشق، فيعرف عن مخالطة الناس، وتنزع به نفسه الى خلوة العبادة، فيخرج الى صحراء قريبة من بيت المقدس، ليشتغل بربه عما سواه. كانت اهمّ المؤثرات التي اثرت في حياة الشاعر الخاصة نشأته في بيئة علمية متدينة، وموت ابيه في طفولته، وعدم نجاحه في حياته الزوجية، وفقده لوحيده، كما تأثر من الناحية العلمية بشيخه شهاب الدين السهروردي وابي الفرج الجزي ومن التقى بهم فيما بعد من شيوخ التصوف وخصوصاً جلال الدين الرومي. اما اهم الاحداث التي تأثر بها شاعرنا واديبنا سعدي فهزيمة مولاه سعد بن زنكي وما ساد البلاد من الاضطرابات مما دفع الشاعر الى ترك موطنه، واغترابه في رحلات استغرقت ثلاثين عاماً من حياته. وقد كان لهذه الرحلات فضل كبير في تزويد الشاعر بخبراته وتجاربه ومعارفه التي تتضاءل الى جانبها معارف الكتب ودور التعليم وحلقات الشيوخ، واخيراً هذا الامن الذي عمّ البلاد ايام الاتابك ابي بكر فكفل للشاعر حياة مستقرة مثمرة. وهكذا فاننا نرى في ادبه روح التدين، وكآبة الحزن، ولوعة اليتم، وتفجع الثاكلين، وشقاء الزواج وشكايات المتزوجين، كما نرى في ذات الوقت مسحة التصوف، واخبار الدراويش ونوادرهم، وحكايات العباد، واهل الزهد، وتقلبات الايام، وصور الناس حاكمين ومحكومين، وطبقاتهم، واخلاقهم، وعاداتهم، وما رُكّب في جبلتهم من غرائز وطبائع. وفي نفس الوقت تشرق في جوانب هذا الادب روح الشاعر المرحة الراضية وهو يسوق الينا حكمه وامثاله وعظاته وحكاياته حين يفجؤنا بالنكتة اللاذعة، والدعابة البارعة، والنادرة اللطيفة. وقد تجلى لنا كل ذلك في رائعتيه الخالدتين (البستان) الذي اتمّ تأليفه سنة 655هـ، وهو عبارة عن حكايات منظومة على الطريقة المعروفة بالمثنوي، وموضوعها اخلاقين، عرفاني. والجولستان او (الروضة) الذي سيكون موضوع بعض من حلقات البرنامج اعتباراً من هذه الحلقة، وهو عبارة عن حكايات اخلاقية ذات مضامين عرفانية صيغت في اسلوب نثري مسجوع تتخلله ابيات، وقطع شعرية، وبعض ابيات عربية. والكتاب هذا بعد المقدمة، على ثمانية ابواب، الاول في سيرة الملوك، والثاني في اخلاق الدراويش، والثالث في فضيلة القناعة، والرابع في فوائد الصمت، والخامس في العشق والشباب، والسادس في الضعف والشيخوخة، والسابع في تأثير التربية، والثامن في آداب الصحبة والمعاشرة. وترك لنا سعدي سوى ذلك القصائد العربية والفارسية في شتى الاغراض، والمراثي، والملمعات، اي المنظومات الفارسية التي تتخللها اشطار او ابيات عربية من بحرها وقافيتها، والترجيعات وهي مطولات تنتظم اقساماً متساوية تتفق في البحر، وتختلف في القافية، وينتهي كل قسم منها ببيت معين متفق معها في بحرها. ******* مصادر إلهام العارف الرومي في قصص المثنوي - 31 2007-06-27 00:00:00 2007-06-27 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3200 http://arabic.irib.ir/programs/item/3200 ومن الممكن ان يستخلص من كل قصة مضمونا الفكري او الاخلاقي، واذ ذاك يتضح البناء الفكري للمثنوي، ذلك البناء الذي اراد الشاعر العارف جلال الدين الرومي ان يخفيه وراء هذه المجموعة من القصص، وبهذا عبر عنه تعبيراً رمزياً، وجعل عمله يدخل بجدارة واصالة ضمن نطاق الفن، الى جانب ما اسهم به من مضمون فكري واخلاقي نادر المثال. لقد اوتي جلال الدين مقدرة رائعة في الاداء القصصي وكذلك في صياغة الحوار، وقد استعان بهذه القصص في تصوير افكاره وتقريبها الى مستمعيه، لكنه لم يترك في ذهن المستمع او القارئ اي شك في ان هذه القصص انما سبقت من اجل مضمونها الفكري او الاخلاقي. ومن هنا لم يحرص الشاعر رغم مقدرته في الاداء القصصي على تماسك القصة ووحدتها، بل كثيراً ما كان يوقف سرد القصة ليعلق على احدى وقائعها من جديد فيستأنف رواية القصة، وربما توقف على النحو ذاته للمرة الثانية او الثالثة كلما شعر بالحاجة الى هذا التوقف للتعبير عن فكرة، او لتقرير معنى، كما لاحظنا ذلك في قصة (الارنب والاسد) التي اوردناها في الحلقة السابقة، حيث يمضي هذا الحوار بين الاسد والوحوش، ويمضي كل من المتناظرين في تأييد رأيه بالامثال والحكايات الى ان ترجح كفة السعي والجهد على التوكل والتراخي، حيث يعلن (المولوي) في ختام القصة على لسان الاسد قائلا: (... فقال الاسد نعم! ولكن رب العباد وضع سُلّماً امام اقدامنا فالواجب ان نصعد هذا السُلّم درجة درجة نحو القمة واما القول بالجبر فانه طمع ساذج، ان لك ساقين فكيف تجعل من نفسك انساناً اعرج؟ وان لك يدين فكيف تخفي اصابعك؟ فالسيد عندما يضع الفأس في يد عبده يتضح مراده دون حاجة الى القول فاذا توكلت على الله فتوكل عليه في عملك ألقِ البذور ثم توكل على الخالق الجبار...). (... انظروا الى الجهود التي بذلها الانبياء والمؤمنون لقد بارك الله جهودهم وما لاقوه فيها من حرّ وبرد فجاءت تدابيرهم في جملة الاحوال اللطيفة وكل ما جاء من لطيف فهو لطيف فاجتهد ايّها السيد ما استطعت في اتباع طريق الانبياء والاولياء...) . ان اول المصادر التي استند اليها المولوي في استلهام قصصه هو لاشك القرآن الكريم، وقصص الانبياء، علماً انه لايتخذ من احد الانبياء موضوعاً لاحدى قصصه وانما يقتبس هذا الموقف او ذاك من حياته، ثم يصوغه في صور قصصية، ويستخرج بعد ذلك من الموقف ما شاء من فلسفة اخلاقية. فاختيار الموقف يبنى قبل كل شيء على صلاحيته لا يضاح جانب من تفكير الشاعر، وقد يرد ذكر احد الانبياء في مواضع متفرقة، وفي كل مرة يقص الشاعر حكاية مختلفة عنه، فاستخدام الشاعر لقصص الانبياء يسير على النهج الذي جاء في القرآن الكريم من ورود قصص الانبياء في مواضع مختلفة من الكتاب الكريم. وبعض هذه القصص يتعلق بطرف من سير كبار الصحابة، او الصوفية او الزهاد، فقد كان هناك معين لا ينضب لمثل هذه القصص اشتملت عليه كتب التصوف والوعظ التي حفل بها العالم الاسلامي قبل جلال الدين، فنجد في مثل هذه القصص ما يتعلق بذي النون المصري، وابراهيم بن ادهم او غيرهما من رجال العرفان والتصوف. وبعض من القصص الاخرى يتعلق بسير الملوك والخلفاء، وقد يعين الشاعر اسم الملك، وقد لا يذكر شيئاً عن شخصه وانما يقتصر على تعيين مكانه، والى جانب قصص الملوك هناك قصص الوزراء وغيرهم من ذوي السلطان. ومن بين قصص المثنوي ما يتعلق بسيرة الحكماء او الفلاسفة او الاطباء، ومنها ما يتعلق بالفقهاء والمتكلمين وبخاصة في معرض المحاورات التي يناقش فيها اساليبهم في الفكر والنظر. ومن القصص ما يتعلق بالجواري والعبيد، ومنها ما هو مقتبس من كتاب كليلة ودمنة او غيره من الكتب التي سارت على نهجه، كما كان للقصص الشعبي ايضاً نصيبه في المثنوي حيث تناول الشاعر باسلوبه بعض قصص الف ليلة وليلة، وبعض النوادر الشائعة على نطاق شعبي كنوادر جحا. وبذلك فقد كان لتنوع المصادر التي اقبتس الشاعر منها قصصه، ولتعدد المواقف التي عالجها اثر كبير في ربط المثنوي بالحياة، وبالمجتمع البشري، فاصبح ملحمة خالدة، توفر لها من عناصر البقاء ما جعلها مرآة لكل عصر. فالغرائز البشرية، والفضائل والمثالب، والناس في اسمى صورهم وفي احطّها، او في اروع وارفع درجاتهم وادناها قد ظفروا بتصوير بارع جعل منهم نماذج تصدق اوصافها في كل عصر، وتتحقق سماتها في كل زمان ومكان. ولكن تناول جلال الدين لهذه القصص لم يكن مجرد رواية لها، بل انه اضفى عليها جدة، وعبر عنها باصالة، فاصبحت القصص كأنها من صنعه. ومن بين تلك القصص التي يغص بها المثنوي نذكر على سبيل المثال قصة (الخليفة والشيطان)، علماً ان الاصل الذي يمكن ان تستند اليه هذه القصة هو عبارة عن نص صغير ورد في قصص الانبياء للثعلبي هو كالتالي: (يُروى ان رجلاً كان يلعن ابليس كل يوم الف مرة، فبينما هو ذات يوم نائم اذ اتاه شخص فايقظه وقال: قم فان الجدار ها هو يسقط، فقال له: من انت الذي اشفقت عليّ هذه الشفقة! فقال له: انا ابليس. فقال: كيف هذا وانا العنك في كل يوم الف مرة. فقال: هذا لما علمت من محل الشهداء عند الله، فخشيت ان تكون منهم، فتنال معهم ما ينالون). لقد عالج شاعرنا المولوي هذه القصة في ابيات تبلغ المائتين تقريباً تكاد تكون ملحمة صغيرة، اختار لها الاشخاص، وصاغ لها حواراً رائعاً، فقد اقام عمله على حوار بين احد خلفاء المسلمين وبين الشيطان، حيث يصور الخليفة المؤمن وهو يقاوم خداع الشيطان، ويفلح في اكتشاف مكره بعد حوار طويل دافع فيه الشيطان عن نفسه، وحاول ان يقدم تبريراً خلقياً لاعماله. ونلحظ هنا المقدرة الدرامية في اختيار الشخصية التي وضعها في مواجهة الشيطان، فاختيارخليفة لهذا الدور لم يكن لمجرد انه يمثل منصباً دينياً، بل لما يتصف به الحاكم عادة من دهاء يجعله قادراً على متابعة الحوار مع الشيطان، ويتيح القدر الضروري من الصراع الذي ينبغي توفره في مثل هذا العمل الفني. وقد اتاح الشاعر للشيطان كل امكانات الدفاع عن نفسه، واورد على لسانه كل ما يمكن ان الحجج لتبرير موقفه، ولم يصل به الى موقف الهزيمة الا بعد ان اتاح له بيان اسباب سقوطه، ومواقفه الاخلاقية. وتبدأ القصة مستمعينا الافاضل، في قصر الخليفة حيث كان نائماً، والقصر موصد الابواب، فيوقظه رجل يعترف له انه ابليس، وحين يسأله الخليفة عن السبب الذي دعاه الى ان يقطع عليه سباته يجيبه ابليس بقوله: (انّ ميقات الصلاة قد اوشك على الانتهاء فيجب عليك ان تهرع مسرعاً الى المسجد...). حينئذ يردعه الخليفة قائلا: (ان الخير لا يكون من مقاصد الشيطان!). فيدافع الشيطان عن نفسه قائلا: (لقد كنت في بداية امري ملكاً، وما اكثر ما سلكت بالروح سبيل الطاعة! لقد كنت امين سرّ السالكين لهذا الطريف كما انني كنت رفيقاً لسكان العرش فكيف يخرج من قلب الانسان شغله الاول وكيف يفترق عن فؤاده اوّل حبّ؟!) وهكذا يمضي ابليس في الدفاع عن نفسه، فيواجهه الخليفة، ويعدد له افعاله القبيحة التي اقترفها خلال القرون وما ادت اليه من هلاك اصاب اجيالاً من الناس، فيقول: (فانت النار، وانك لتحرق، ولا حيلة لك في ذلك ومن ذا الذي لم تمزق يداك له ثيابه؟! ان لعنة الله هي التي جعلتك تُحرق وهي التي جعلتك استاذاً لكافة اللصوص...). ويدافع ابليس عن نفسه بقوله: (ألا فلتحل هذه العقدة، انني انا المحك للنقد الزائف والصحيح، فالحق هو الذي جعلني فيصلاً بين صحيح النقد وزائفه ومتى كنت انا الذي جعل الزائف اسود الوجه؟ انني انا الصيرفي الذي حدد قيمته وكيف اجعل من الخيّر شريراً؟ انني لست الهاً، ان انا الاّ داع ولست خالقاً لهما! وهل اجعل من الجميل قبيحاً؟ انني لست رباً وما انا الا مرآة للقبح والجمال!...). ******* القصصية التأملية في أشعار العارف الرومي - 30 2007-06-25 00:00:00 2007-06-25 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3183 http://arabic.irib.ir/programs/item/3183 اخوتنا المستمعين الكرام! سلام من الله عليكم ورحمته وبركاته، ومرحباً بكم في لقاء جديد يجمعنا معكم عند حلقة اخرى من برنامجكم الاسبوعي عبارات واشارات. مستمعينا الاحبة! يصور جلال الدين الرومي - فيما يصور- سعيه الى المحبوب اي الخالق تعالى، في غزل على طريقة السؤال والجواب وهي طريقة اشتهر بها الشعراء الذين نظموا باللغة الفارسية وقوامها الحوار الذي يستخدم لعرض الفكرة المقصودة. وبطريقة تعليمية يسرد لنا المولوي هذا الحوار وكأنه يريد ان يعلّم السالكين كيفية مناجاة الخالق سبحانه ومكاشفته، والدخول في حضرته، وما هي الدوافع التي من المفترض ان تدفعهم لسلوك هذا الطريق، والاهداف التي ينبغي ان ينشدوها. حيث يقول جلال الدين في هذا الحوار الذي يتصوره داثراً بينه، وبين المعبود المحبوب: (قال: من بالباب؟ قلتُ: عبد الوضيع قال: فما شأنُكَ؟ قلتُ: أُقرؤك السلام ايّها العظيم قال: فالى متى تلاحقُني؟ قلتُ: حتّى تدعوني قال: فالى متى تبقى مضطرباً جائشاً؟ قلتُ: حتى القيامة لقد اقمت دعوى الحبّ، واقسمت على ذلك قال: انّ القاضيَ يريدُ شاهداً على الدعوى قلتُ: انّ شاهدي دمعي، ودليلي شحوبُ وجهي قال: فعلى ايّ شيء عزمت؟ قلتُ: على الوفاء والمحبّة قال: فماذا تريدُ منّي؟ قلتُ: لُطفَك الشامل قال: فمن كان رفيقك؟ قلتُ: خيالُك ايّها الملك! قال: فأينَ الامان؟ قلتُ: انَه في الزهد والتقوى قال: فما الزهد؟ قلتُ: انَه طريقُ السلامة) ويصور المولوي في مقطوعة غزلية اخرى فكرة الوحي او الكشف والالهام التي هي السبيل الوحيد للمعرفة اليقينية عند العرفاء والمتصوفة بعيدا عن القال والقيل، وعن الاحكام الصارمة الجافة للعقل والمعرضة بين الحين والآخر للشك، والطعن في مصداقيتها نظراً الى احتمال ان يزلّ العقل ويخطأ. هذا في حين ان القلب، والاحساس الباطني الوجداني، والالهام الذي يلقى في النفس النقية المتوجهة الى الخالق جل وعلا، والتي شملها الصفاء الالهي، واحاطت بها الشفافية الروحية، كل ذلك لا يمكن ان يخطئ، ولا يمكن ان يخترق ساحته الزلل والشبهة لان الاستنتاج في هذه الحالة سيكون سليم المقدمات، نقيّ الارضية. يقول مولانا جلال الدين في هذا الصدد: (فخُذْ نورَهُ من آدمَ انْ شئتَ أو منه ان اردتَ وخذْ الخمرَ من الابريق ان شئتَ أو من الكأس ان ارَدْتَ؟ فانّ هذه الكأس وثيقة القربى بالابريق فيا ايّتها الكأس المباركة! ليس هناك من هو سعيد مثلك! فلقد قال المصطفى: طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى لمن رأى من رآني فحين يقتبس السراجُ نور الشمعة فكلّ من رآه فقد رأى الشمعة يقيناً! فلو انتقل النور على هذا النحو خلال مائة سراج فرؤية آخر سراج ملاقاةٌ للأصل...) اخوتنا المستمعين! ومن ان جلال الدين كغيره من الصوفية لا يحفل بالمباحث الكلامية، ولايراها موصلة الى معرفة يقينية، فقد تناول في شعره جوانب من المسائل الكلامية التي طال عنها الكلام والخلاف كمشكلة الجبر والاختيار وغيرها من القضايا العويصة في علم الكلام. ولقد نظم الشعر عن الجبر والاختيار في عدة مواضع من المثنوي، واكد حرية الانسان، ومسؤوليته عن اعماله، فقد اكد في حوار حول القضاء والقدر بين مسلم ومجوسي ان الانسان حرّ الارادة، وانه لولا حرية ارادته لما كانت كل هذه الاوامر والنواهي التي حفل بها القرآن. فليس من المعقول ان هذه الاوامر والنواهي وجّهت الى احجار، فلولا حرية الارادة لما كان لك ان تلوم لصّاً سطا على منزلك. وعلى هذا النحو يمضي مولانا في تأييد حرية الارادة، دون ان يعني ذلك انه ينتمي الى مسلك كلامي معين، بل يعبر في ذلك عن آرائه، ووجهات نظره مما فتحه الله تعالى عليه خلال رياضاته الروحية الطويلة. ولقد ذكرنا فيما سبق ان المثنوي يشتمل على بضع مئات من القصص طرح وعالج من خلالها الكثير من الموضوعات التعليمية والاخلاقية بالاضافة الى بعض من الموضوعات الكلامية والفلسفية. ومن بين هذه القصص المعروفة التي اطال جلال الدين عندها المقام، وتميز بعرضه الجديد لها رغم انه استمدها من الكتب الاخلاقية والتعليمية التي سبقت المثنوي، قصة الارنب والاسد التي استطاع ان يخلق منها عملاً فنياً ضخماً. وقد وردت هذه القصة في كتاب (كليلة ودمنة)، واستغرقت روايتها بضعة اسطر، حيث اخذ الرومي هذه القصة القصيرة فجعلها محوراً لالوان رائعة من الحوار، وهيكلاً ادار حوله مناقشات ممتعة عن السعي والتوكل، والقضاء والقدر وغير ذلك من المسائل. ويمكننا ان نذكر على سبيل المثال بعض جوانب هذه القصة كما صورها الرومي، ولنبدأ بذكر الحوار الذي دار بين الوحوش وبين الاسد حيث ذهبت اليه تطلب منه الامان لقاء الحصول على رزق يوميّ يُرْسَلُ اليه. يقول مولانا في هذا الحوار: (قالت جملة الوحوش: ايّها الحكيم العالم! دعْ الحذر فليس يغني عن قدر! ان في الحذر الحيرة البالغة، والشر، فاذهب وتوكّل على الله، فالتوكل خير ولا تضرب بقبضتك القضاء ايّها العنيف الحادّ حتى لا يلتحم القضاء في صراع معك فالمرءُ يجب ان يكون ميتاً امام الحق والاّ جاءته الضربة من ربّ الفلق...) ويحتج المولوي على لسان الاسد بسنة النبي صلى الله عليه وآله واحاديثه في ان التوكل المطلق، والتراخي، والتواكل لايمثل سلوكاً صحيحاً، بل على الانسان ان يأخذ في نفس الوقت الذي يتوكل فيه على الله سبحانه بالاسباب والمسببات، فيقول في هذا الصدد: (فقال الاسد: اذا كان التوكّل هو المرشد الصادق فان الافادة من الاسباب سنة النبيّ فقد نادى الرسول بأعلى صوته ان اعقِلْ بعيرك وتوكّل على الله واسمع الى مغزى قول القائل: (الكاسب حبيب الله) ولا تكن بتوكلك متراخياً عن الاسباب والوسائل...) مستمعينا الافاضل! وتجيب الوحوش على منطق الاسد في ضرورة الاخذ بالاسباب، والحذر من التراخي والتواكل، بالتأييد مرة اخرى على التوكّل متذرعة بان الانسان يجب ان يسلم امره حيال ما يقضيه له الخالق ويقدره فتقول: (اعلم ان الكسبَ من ضعف الخلق وانَه لقمةُ مزوّرةُ على قدرِ الخلق فليس هناك كسب احسنُ من التوكّل وايُّ شيء احبُّ الى الله من التسليم؟ فكم يفرُّ المرءُ من بلاءٍ ليقع في بلاء آخر وكم يهربُ المرءُ من بلاء ليقع في بلاء آخر لقد احتال الانسان فكانت حيلته شركاً وقع هو فيه وكان موته فيما حسب انه حياته! فقد اوصدَ البابَ والعدوُّ في منزله وان حيلة فرعون لم تكن الا قصّةَ من هذا النوع فهذا الحقودُ قتل الوفَ الاطفال بينما كان الطفلُ الذي يبحث عنه في منزله! انّ بصرنا يعالي الكثير من العلل فاذهبْ وافنِ بصرك في بصر الحبيب...) وتمضي الوحوش وهي تحاور ملك الغابة في الاستدلاك لمذهبها، وتأتي بالعديد من الحجج تأييداً لسلوكية التوكل، وحتمية القضاء والقدر، وكون الانسان مجبراً في الكثير من تصرفاته وافعاله، فتقول في هذا المجال: (... ان ارواح البشر كانت قبل ان تخلق الايدي والارجل تحلّق بوفائها في جوّ الصفاء وعندما قُيّدت الارواحُ بأمره تعالى: (اِهْبطوا) صارتْ اسيرة الغضب والحرص والرضى انّا عيال الله نطلُبُ منه اللبن وقد قال الرسولُ: (الخلق عيال الله) فذلك الالهُ الذي يُنزِلُ الغيثَ من السماء قدرٌ على ان يمنحنا الخبز رحمةً منه واشفاقاً...) مستمعينا الاكارم! هذا الحوار الممتع الشيق نستكمله في حلقة الاسبوع المقبل ان شاء الله. فحتى ذلك الحين نتمنى لكم اطيب الاوقات والى الملتقى. ******* الوجدانية والتعليمية في شعر جلال الدين الرومي - 29 2007-06-23 00:00:00 2007-06-23 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3182 http://arabic.irib.ir/programs/item/3182 اخوتنا المستمعين الاكارم! نرحب بكم اجمل ترحيب في حلقة جديدة من برنامجكم الاسبوعي عبارات واشارات حيث نجول معكم جولة اخرى في رحاب التراث الاسلامي الذي سطّره رجال المعرفة والادب في ايران الاسلام. فأهلا ومرحباً بكم مستمعينا الافاضل راجين ان تقضوا معنا دقائق مفعمة بالفائدة والمتعة. احبتنا المستمعين! يختلف اسلوب شاعرنا جلال الدين الرومي في شعره الوجداني عنه في شعره التعليمي، فهو في شعره الوجداني يبدو جيّاش العاطفة، عنيف الاحساس، يعبّر عن مغامراته الروحية بقوة وحرارة. ونحن نراه في هذا اللون من الشعر يعرض علينا الفلسفة العرفانية بطريقة تبدو جديدة كل الجدة، مختلفة كل الاختلاف عن كل ما عُرِفَ من شعر عرفاني السلاح، فلقد تناول في كثير من غزلياته موضوعات العرفان تناولاً مباشراً، وعالجها باصالة فنية جعلت شعره يختلف اختلافاً بعيداً عما كتبه غيره من شعراء العرفان. فبينما نجد شاعراً كابن الفارض يُغْرِقُ في معانيه في سيل لاينقطع من المحسنات اللفظية، نجد شاعرنا المولوي متحرراً في اسلوبه من تلك المحسنات، منطلقاً في عباراته الى آفاق لا تحد، فلا تكاد عباراته تحمل من شحنات معانيه الا القدر الضروري الذي يثير الخيال، ويستحثه على ملاحقة الشاعر في آفاقه العالية. وعلى سبيل المثال فانه يخاطب في احدى مقطوعاته قلبه المتعلق بالهيكل الجسمي، الخاضع لاهوائه، ويلومه في احدى غزلياته قائلا: (ايُّها القلب! لماذا انت اسير لهذا الهيكل الترابي الزائل؟ ألا فأنطلق خارج هذه الحظيرة، فانك طائر من عالم الروح انّك رفيق خلوة الدلال، والمقيم وراء ستر التراب فكيف تجعل مقامك في هذا القرار الفاني؟ انظر الى حالك، واخرج منها وارتحل من سجن عالم الصورة الى مروج المعاني انك طائر العالم القدسيّ فمن الخسارة ان تبقى في هذا المقام...) اعزتنا المستمعين! وبالطبع فان مقصود الشاعر من تلك المقطوعة دعوة القلب الى ان يتفكر ويتأمل، وينطلق محلقاً في عالم المعاني، ولا يبقى مجرد عضو محصور في هذا الجسد وطبيعته المادية المحدودة، وعلى سبيل المثال ففي الغزل العرفاني يناجي الشاعر محبوبه قائلا: (ايُّها الحبيب! انّي لم ارَ طرباً في الكونين بدونك لقد رأيت كثيراً من العجائب، ولكني لم أرَ عجباً مثلك ولَكَمْ وضعت اذُنَ الروحِ على نافذة القلب فسمعتُ كلاماً كثيراً ولكني لم أرَ شفتين!) وفي غزل آخر يناجي مولانا محبوبه في قوله: (يا مَنْ أنتَ في ساعة الالم راحةٌ لنفسي ويا مَنْ انتَ في مرارة الفقر كنزٌ لروحي انَ مالا يحمله الوَهْمُ، ولا يُبْصِرهُ الفَهْمُ يصلُ الى روحي منك لانّك قبلتي ففي ركعات الصلاةِ يكونُ خَيالُكَ لي ايُّها الملك واجباً ولازماً عليّ لزومَ السبع المثاني) وفي احدى غزلياته يتحدث جلال الدين المولوي في ديوانه المثنوي عن الاتحاد بالمحبوب، ويصور لنا تلك الافكار التي قالها غيره في العرفان ولكن بصورة شاعرية رائعة تحرّك القلب، وتجعلنا نرى ذلك المعنى من ابعاد اخرى وكأننا نسمعه من الشاعر لاوّل مرة كما نرى ذلك في مقطوعته الغزلية التالية: (ما أسعدَ تلك اللحظة حين نجلس في الايوان أنا وانت نبدو نقشين وصورتين ولكننا روح واحد أنا وانت! انّ لون البستان، وشدو الطيور يهبانا ماء الحياة في تلك اللحظة التي نذهب بها الى البستان أنا وانت وتُقبلُ نجومُ الفَلَك رانية الينا بأبصارها فنجلو القمر نفسه لتلك الافلاك أنا وانت أنا وانت نبلغ بالذوق غاية الاتحاد فنسعد ونستريح من الخرافات والاقاويل انا وانت وسيأكل الحسد قلوب طيور الفلك ذات الالوان الباهرة حينما تشاهدنا نضحك جذلين على تلك الصورة أنا وانت!...) مستمعينا الاحبة! وقد حفل المثنوي ايضا بقطع عالجت موضوع الانسان واصله الالهي، وكيف ان نفسه في حنين دائم الى ذلك الاصل الذي جاءت منه، وانها تعاني في هذا العالم المادي الذي سُجِنَتْ فيه. والمولوي يبدأ معالجته هذ بالحديث عن الناي، ويصف نغماته بأنّها حنين الى منبته الذي قُطِعَ منه قبل ان تتناوله يد البشر فتشكل منه تلك الآلة الموسيقية، علماً ان الناي هنا هو رمز للنفس البشرية، وما مَنبتُ الغاب الا رمز لاصل تلك النفس، وعالمها الاول، وما صوت الناي الا رمز لحنين تلك النفس البشرية الى اصلها. فلنستمع - اخوتنا المستمعين- الى الشاعر وهو يحدثنا في الابيات الشعرية الاولى من مثنويه عن قصة هذا الحنين: (استمع للناي كيف يقصُّ حكايته، فهو يشكو آلام الفراق قائلا: انني مُذْ قُطِعْتُ من منبتِ الغابِ والناسُ جميعاً يَبكونَ لبكائي! انني اُنْشِدُ من صدرٍ مزّقه الفراقُ حتى اشرح له ألمَ الاشتياق فكلُّ انسانٍ أقامَ بعيداً عن اصله، يظلُّ عن زمان وَصْله لقد اصبحت أنوحُ في كل مجتمعٍ ونادٍ وصرتُ قريناً للاشقياء والسُعداء وقد ظنّ كلُّ انسان انّه قد اصبح لي رفيقاً ولكنّ احداً لم يُنقّبْ عمّا كمن في باطني من الاسرار وليس سرّي ببعيد، ولكن أنّى لعينِ ذلك النور وأنّى لأُذُنٍ ذلك السمعُ الذي تُدرَكُ به الاسرار!...) مستمعينا الافاضل! واما الشعر التعليمي لهذا الشاعر فقد كان مجالا رحبا تجلت فيه عبقريته، فلقد استعان فيه بثقافته الواسعة، وفهمه العميق لمعارف اهل زمانه، فهو يكشف عن خبرته بالنفس البشرية، ومقدرته على سبر اغوارها، وتصوير نوازعها الخيرة والشريرة على السواء. لننظرمثلا الى حديثه عن التملق واثره في نفس من يتقبله من الناس: (انّ الجسمَ على شَكْلِ القَفَص وقد اصبحَ بخداعِ الداخلينَ والخارجين شوكة تَخِزُ الروح فهذا يقول له: انني سأكون صَفيّك وذاك يقول له: لا، بل انا شريكُك! وهذا يقول له: ليس لك نظيرٌ في الوجود سواء في الجمال او الفضل او الاحسان والجود وهذا يقول له: انك صاحب العالَميْن، وكلّ ارواحنا عيال على روحك فحين يرى الخَلْقَ سُكارى ذاته، يفقد من الكِبْرِ سلطانه على نفسه وهو لا يدري انّ الشيطان قد اسقط آلافاً مثله في بحر الغرور الهائج فمَلَقُ الدنيا ونفاقها لقمة حلوة المذاق، ولكنها مليئة بالنار، فأقْلِلْ من تناولها فمن كثرة المديح اصبح فرعونُ طاغياً فكنْ متواضع النفس، ليّن الجانب، ولا تتجبّرْ!...) وهكذا اخوتنا المستمعين فان جلال الدين لم يكن فيلسوفاً فحسب، وانما كان حكيماً عملياً، فلقد تقبل الحياة، وتفاعل معها، وعدّها واقعاً لاشك فيه، واوجب العمل فيها كما يقول: (انّ الدنيا تتجدّدُ في كل لحظة ونحن لا نُحِسُّ بتجدّدها وهي باقية على هيئتها الظاهرة والعُمر وان بدا مستمراً في الجسد فانه يتجدّد في كل لحظة كما يتجدد ماء النهر) وهو مؤمن بالعلم، ومكانته في هذه الحياة، متفائل في نظرته الى مستقبل البشرية رغم انه عاش في عصر هو من اظلم عصورها فحتى العشق العرفاني عند جلال الدين كان وسيلة من وسائل البعث الروحي حيث يقول في ذلل: (فيا مَنْ قلوبهم تحت جلودهم متحلّلة بالفَناء عودوا من العدم بنداء الحبيب! فالسيلُ حين وصل الى البحر صارَ بحراً والحبّةُ حينَ وصلت الى الحقل صارت حصاداً فما أسعد ذلك الانسان الذي تخلّص من ذاته واصبح متحداً مع الوجود الحيّ!...) اخي المستمع، اختي المستمعة! بهذا نأتي الى ختام حلقتنا لهذا الاسبوع من عبارات واشارات. نشكر لكم حسن المتابعة، وحتى نلتقيكم في حلقة جديدة نستودعكم الرعاية الالهية والى الملتقى. ******* نظرة على ديوان "المثنوي" للعارف الرومي - 28 2007-06-20 00:00:00 2007-06-20 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3181 http://arabic.irib.ir/programs/item/3181 احبتنا المستمعين! اجمل المنى واطيب التحايا نبعثها اليكم في لقاء جديد يجمعنا معكم مع برنامجكم التراثي الاسبوعي عبارات واشارات. دقائق مفيدة وممتعة نرجو ان تمضوها معنا اخوتنا المستمعين. ينقسم ديوان المثنوي لجلال الدين الرومي الى ستة مجلدات تضم ما يقرب من خمسة وعشرين الف بيت، علماً ان تسمية الكتاب لا تتصل بموضوعه بل بشكل قوافيه، فهي تسمية شكلية بحتة كما ذكرنا في الحلقة السابقة. ومن المعلوم ان كتاب المثنوي يعدّ اثراً من الآثار الادبية الخالدة حيث يرتفع فيه الشعر الى مستوى علامي فذّ، واذا اردنا ان نحدد موضوعاً واحداً لهذه المنظومة المطولة لعسر علينا الامر، فموضوعها الوجود كله، والانسان والحياة بصفة خاصة. والمثنوي كله مبني حول مجموعة من القصص، ولكنها في هذه المنظومة لاتُقْصَد لذاتها، وانما هي لبيان مقاصد فلسفية، ولاهداف تعليمية، فالشاعر يبدأ القصة فلايكاد يروي اولى وقائعها حتى يستطرد منها للحديث عن حكمة هذه الواقعة، فيذكر الآيات القرآنية، ويفسرها، ويذكر الاحاديث، ويظل يبني عليها الآراء والحكم. وهكذا فان المثنوي يعدُّ اثراً فنياً، ومصدراً للاطلاع على القيم الانسانية التي انبثقت من الحضارة الاسلامية، والشاعر في كل ذلك شاعر اصيل، نلمس عنده الاحساس الصادق، والعاطفة الجياشة، والعقل المعلم، والنفس الصافية التي تستطيع ان تبث الصفاء في نفوس الآخرين، وتشيع فيها البهجة، وتصحبها معها في رفق وأناة في دروب من التأمل العميق، وآفاق من الفكر الرفيع تعينها على تحقيق حياة اسمى والطموح الى غايات اعلى من تلك الغايات المادية التي يرمي اليها البشر في هذه الحياة. ولقد امتاز شعر جلال الدين بميزات فنية منها، روعة الصور البيانية التي عبر بها الشاعر عن افكاره، فهو يستطيع ان يجسد الافكار فيجعلنا نشعر بالمعنويات وكأنها محسوسات نكاد نلمسها، كما انه يستطيع في سهولة ويُسْر ان ينطلق من المحسوسات الى المعنويات، وهو يمزج بين الطبيعة والحياة، والنفس الانسانية في صور متكاملة تجمع عمق التأمل الى روعة التصوير. مستمعينا الافاضل! يتحدث الشاعر في بعض من ابيات المثنوي عن تجدد الدنيا في كل لحظة، ثم ينتقل من ذلك الى دعوة الانسان لتأمل نفسه، وما يطرأ عليها من تغيّر مستمر حيث يقول: (في كل لحظة – يا رب- قافلة وراءها قالة تسير من العدم الى الوجود، ففي الخريف تذهب آلاف الاغصان، وتتساقط الاوراق في بحار الموت بينما الغراب يرتدي السواد كالحزين، وينوح على الخضرة في البستان. وثانية يجيء الامر من سيد الارض فيقول للعدم: رُدَّ ما أكلت، ايُّها الموت الاسود! رُدَّ ما اكلتَ من زروع واعشاب وورق وحشائش فيا أخي! اجعل عقلك معك لحظة واحدة، ان بك في كل لحظة خريفاً وربيعاً، وانظر بستان قلبك تره اخضر ريّاناً نضيراً حافلاً ببراعم الورود والياسمين). وهكذا يبدأ الشاعر من فكرة عامة هي تغيّر الدنيا في كل لحظة، ويضرب لذلك مثلاً بالربيع والخريف، ثم يصورها في صور بيانية جميلة، وينتقل من ذلك الى دعوة الانسان لتأمل نفسه، والنظر في ما يطرأ عليها من ازدهار يشبه تفتح البراعم، وانتشار الخضرة في الربيع، او انكماش يشبه تساقط الاوراق في الخريف، وتهاويها في بحار الموت. وفي صورة اخرى يصور لنا مولانا الانسان وما يتعرض له من مغريات الحياة، فيقول: (ربّاه! ان امامنا الآلاف من الشباك والحبّ، ونحن كالطيور الجائعة الحريصة! ففي كل لحظة نقع في شرك جديد حتى ولو كان كلٌّ منا صقراً او عنقاء! وانت - يا من لاحاجة بك الينا- تنقذنا في كل لحظة، ولكننا نعود لنقع في حبائل اخرى. فنحن نضع القمح في هذا المخزن، بيد اننا لا نكاد نجمعه حتى تقعده وليس ينتهي بنا التفكير آخر الامر الى ان هذا النقص الذي تعرض له القمح جاء من مكر الفأر...). والقمح في هذه الصورة يرمز الى ما يجنيه الانسان من اعمال صالحة، واما الفأر فيرمز الى الشيطان الذي يجد سبيله الى تلك الاعمال فينتقص منها الى حد كبير من خلال قرضه لها، وهي صورة لطيفة يستعيرها الشاعر لعمل الشيطان، ووساوسه. مستمعينا الاحبة! وتتجلى مقدرة شاعرنا المولوي على التصوير البياني، وايراد المضامين الاخلاقية الرفيعة فيما يسوقه من الصور المتلاحقة لبيان موقف من المواقف، او حال من الاحوال، فيتحدث مثلا عن القياس الفاسد، وكيف انه يجعل الناس يقيسون الامور على ظاهرها، لا على جوهرها وحقيقتها، كما يؤكد ذلك في قوله: (... فقد ادّعى هؤلاء انهم مساوون للانبياء، وظنوا انفسهم مثل الاولياء! وقالوا: انظروا، نحن بشر وهم بشر، ونحن واياهم اسارى للنوم والطعام، ومن عماهم انهم لم يدركوا ان هناك فرقاً لا نهاية له بينهم وبين هؤلاء، فالنحل كله يأكل من مكان واحد، ولكن يجيء من بعضها اللدغ ومن بعضها الآخر يأتي العسل! ومن القصب نوعان يسقيان بماء واحد، ولكن احدهما اجوف والآخر مفعم بالسكّر فتأمّل الآلاف من امثال هذه الاشباه، وانظر كيف يفصل بينها طريق طوله سبعون عاماً! فهذا يأكل فينبعث منه البخل والحسد، وذاك يأكل فيفيض منه عشق الاحد وهذه ارض طيبة، وتلك مالحة رديئة، وهذا ملك طاهر وذاك شيطان، ووحش ضار وليس يدري الفرق بينهما سوى صاحب الذوق، فادركه، فهو الذي يميز الماء العذب، من الماء الاجاج...). اخوتنا المستمعين! واذا اردنا ان نقسم شعر مولانا جلال الدين على اساس مضمونه، وجدنا انه ينقسم الى قسمين متميزين، الاول منهما شعر وجداني فلسفي يتميز بتناول معاني الصوفية من حديث عن المحبة الالهية، والوجد، والنفس الانسانية، واصلها الالهي، وحنينها الى هذا الاصل الذي انفصلت عنه. والشاعر في هذ اللون الوجداني مُحلّق دائماً في آفاق العالم الروحي لايكاد يمسّ الحياة المادية الا ليبيّن تفاهتها ووضاعتها اذا قيست بحياة الروح، وما تنطوي عليه من المباهج، وما تضمره للانسان من سعادة ابدية قوامها الكمال والخلود. كقوله مثلا عن المحبة الالهية: (ان الروح التي ليس شعارها الحبّ الحقيقي من الخير ان لا تُوجَد، فليس وجودها سوى عار! فكن ثملاً بالحبّ، فان الوجود محبّة كلّه وبدون التعامل مع الحب، فلا سبيل الى الحبيب يقولون ما الحبّ؟ قُلْ هو تركُ الارادة! ومن لم يتخلص من ارادته، فلا ارادة له ان المحبة والحبّ باقيان الى الابد فلا تربط قلبك بسواهما لانه عرض زائل الى متى تعانق هذا المحبوب الميّت؟ عائق الروح وان كانت لا حدود لها فلا ترتعد فوق حصان الجسد، وسر مسرعاً على قدميك فان الله يهب جناحين لمن تخلّى عن حصان الجسد...) اعزتنا المستمعين! واما القسم الثاني من شعر جلال الدين الرومي في كتابه المثنوي فهو شعر انساني اخلاقي، تناول في جانب كبير منه الانسان، واوضح اهميته في هذا الكون، ورسم المثل العليا للحياة الانسانية في هذا العالم، وهو في هذا الضرب من الشعر معلم اكثر منه فيلسوف، فيترك الرمز في كثر من الاحيان، ويوظف القصص والامثال لبيان الآراء التي يدعو اليها. وفلسفة الرومي الاخلاقية قائمة على دعوة الانسان لتحقيق الكمال في هذه الحياة، وهي ترسم للانسانية الوسائل العملية التي يراها الشاعر مؤدية الى ذلك، فكانت بذلك مجالاً رحباً تجلت فيه عبقريته حيث استعان الشاعر بثقافته الواسعة، وفهمه العميق لمعارف اهل زمانه. ولذلك يكشف الشاعر في هذا النوع من الشعر عن خبرته بالنفس البشرية، ومقدرته على سبر اغوارها، وتصوير نوازعها الخيرة والشريرة على السواء، كما سنرى ذلك في الاشعار التي سنستعرضها في حلقة الاسبوع المقبل باذن الله. فحتى ذلك الحين نستودعكم الله شاكرين لكم حسن الاصغاء والمتابعة. وتقبلوا تحيات اسرة برنامج عبارات واشارات. ******* سيرة العارف الرومي وآثاره - 27 2007-06-16 00:00:00 2007-06-16 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3180 http://arabic.irib.ir/programs/item/3180 احبتنا المستمعين الاكارم! سلام من الله عليكم ورحمته وبركاته، فأهلاً ومرحباً بكم راجين ان تمضوا معنا لحظات حافلة بالفائدة والمتعة. اخوتنا المستمعين! يتربع ديوان المثنوي لجلال الدين الروميّ المعروف بـ(المولوي) على واحد من ألمع عروش البيان، والمعرفة، والبلاغة لينضم بذلك الى قائمة اسفار الفكر الانساني الخالد التي ابهرت البشرية جمعاء بحسن بيانها، وبلاغتها المشرقة، وتضمنها للتعاليم الانسانية والاخلاقية الخالدة التي اثرى اصحابها من خلالها المعرفة البشرية، واسهموا فيها في بناء صرح الحضارة الانسانية في جانبها الروحي والمعنوي. وجلال الدين محمد بن البلخي المعروف بـ (الرومي) احياناً وبـ (المولوي) او (مولانا) احياناً اخرى هو احد شعراء وعرفاء الانسانية الافذاذ، وعلم شامخ من اعلام الفكر ورواده الذين انجبتهم حضارتنا الاسلامية، فاسهمت بتراثه الفكري والفني في اغناء تراث البشرية برمتها. وُلِدَ هذا الشاعر، والعارف الكبير الذي طبقت شهرته الآفاق، ودخلت آثاره في تكوين تراث الكثير من شعوب الشرق، في مدينة بلخ عام 604 للهجرة، ولُقّبَ بـ (الرومي) نسبة الى ارض الرم حيث قضى معظم حياته. تلقى الشاعر تعليمه في اول الامر على يد ابيه محمد بن الحسين الخطيبي، ثم على يد برهان الدين محقق الترمذي المحدث الشهير، ومما روي في هذا المجال انه توجه الى الشام بناء على نصيحة استاذه برهان الدين، واقام فيها لسنوات. وكان في دمشق حينذاك الصوفي الكبير محيي الدين بن عربي، وقد تولى جلال الدين التدريس في مدينة (قونية) بعد وفاة استاذه الترمذي عام 638هـ، وهناك حظي برعاية سلطانها السلجوقي، وبقي مقيماً في هذه المدينة لا يفارقها الا ليعود اليها، حيث تجمع حوله عدد من التلاميذ والمريدين علماً ان جلال الدين ورغم انه كان قد تبحّر في الكثير من فروع المعرفة، الا ان موهبته الشعرية لم تكن قد تفتقت بعد. اخوتنا المستمعين! ظهرت عبقرية الرومي كشاعر في فترة كان قد بلغ فيها مرحلة متقدمة من النضج الفكري والنفسي، الا ان العجيب في تلك العبقرية انها جعلت انتاجه العقلي بعد ان قارب الاربعين يختلف اختلافاً كلياً عن انتاجه السابق، فبعد ان كان من الفقهاء والاحناف، اصبح عارفاً، فناناً شاعراً، وحكيماً، وفيلسوفاً انسانياً! فكيف حدث هذا يا ترى؟! المصادر التي ارّخت لحياة جلال الدين المولوي تصور لنا ان هذا الانتقال كان فجائياً حدث نتيجة التقاء الشاعر بصوفيّ من المتصوفة السيّاح كان يدعى شمس الدين التبريزي، وقد كان لهذا الرجل كما يحدثنا بذلك الرومي في اشعاره اعمق الاثر في نفسه. ومع ذلك فان ذلك الانقلاب كما نرى لا يمكن ان يحدث بتلك الصورة المفاجئة فلابد ان الرومي كان ميالاً الى التصوف، نزاعاً الى ذلك التأمل الروحي العميق، وانه بعد التقائه بذلك الصوفي المجهول وجد نفسه، وادرك حقيقته، فانطلق في الطريق الذي كان مقدراً له ان يخلد اسمه على مرور الايام، ويضعه في مصاف الخالدين من شعراء العالم ومفكريه.اعزتنا المستمعين! ذلك التحول اشار اليه المولوي في احدى رباعياته حيث قال: (عندما توقدت نيران الحبّ في قلبي احرق لهيبها كل ما كان في قلبي هذا فازدرت، وعافت نفسي العقل الصارم والمدرسة، والكتاب وانهكت في تعلّم صناعة الشعر وتعلمت النظم...) ويبدو ان تلامذة الرومي قد اضمروا في قلوبهم الحقد على ذلك الدخيل الذي صرف عنهم استاذهم، فهاجموه، فما كان منه الا ان سافر خفية الى دمشق، فاصاب جلال الدين حزن عظيم، واغتمّ لافتراقه عن هذا الصديق الروحي، حتى انه نظم كثيراً من شعره الوجداني في فترة الفراق تلك. ولم ينقذه وينتشله من احزانه وشجونه سوى ابنه الذي ذهب الى دمشق وعاد بابن تبريز شمس الدين وقد ذكر ان تلاميذ الرومي تعرضوا للتبريزي من جديد فرحل للمرة الثانية، وان الرومي عمل من جديد لاعادته، الا انه اختفى نهائياً عام 645هـ. وقد تألّم جلال الدين كثيراً لفقد صديقه، وهتف في اشعاره من اعماق قلبه قائلاً: (من ذا الذي قال ان شمس الروح الخالدة قد انكسفت؟ ومن ذا الذي تجرّأ على القول ان شمس الامل قد غارتْ؟ انّ هذا ليس الا عدوّاً للشمس وقف تحت سقف، وعصب كلتا عينيه ثم صاح مدّعياً، ها هي الشمس تموت!) ومهما يكن من امر - اخوتنا المستمعين- فقد كانت لتلك الصداقة الروحية حصيلة شعرية هائلة جادت بها عبقرية المولوي، كان ثمرتها ديواناً كاملاً سمّاه (ديوان شمس تبريز) تذكاراً لصديقه ومرشده الروحي. ولم يقف الشاعر عند حدّ نسبة هذا العمل الادبي في اجماله الى صديقه، بل انه نسب اكثر الغزليات العرفانية في هذا الديوان الى استاذه الروحي هذا من خلال التخلص باسمه في كل منها، علماً ان التخلص في الغزل الفارسي هو ان يذكر الشاعر اسمه الادبي المستعار في البيت الاخير من الغزل. احبتنا المستمعين! ولم تشتمل كتب التراجم رغم غزارة ما كتبته عن جلال الدين على حقائق اكثر من تلك، والذي يمكننا ان نذكره الى جانبها ان الشاعر عاش حياة قدّيس يُعلّم، ويُرشد، ويَنْشر تعاليمه الاخلاقية، وقد احاط به، والتفّ حوله عدد كبير من التلاميذ والمريدين. حتى توفي في الخامس من جمادى الاخر في قونية عام 672هـ، ولقي بعد وفاته من التكريم ما كان قد لقيه في حياته، فقد شيد على قبره ضريح اقيمت فوقه قبة عُرفت بالقبة الخضراء اضيف اليها بعد انتهائها مبان اخرى، وقد ذكر الرحالة الشهير ان بطوطة في رحلته ضريح الشيخ الرومي قائلا: (وبهذه المدينة قونية تربة الشيخ الامام الصالح القطب جلال الدين المعروف بمولانا، وكان كبير القدر، وبأرض الروم طائفة ينتمون اليه، ويعرفون باسمه، فيقال لهم الجلالية، وعلى تربته زاوية عظمية فيها الطعام للوارد... واهل تلك البلاد يعظمون كتابه المثنوي، ويعتبرون كلامه، ويعلمونه، ويقرؤونه بزواياهم في ليالي الجمعات...). اعزتنا المستمعين! تنقسم آثار شاعرنا المولوي الى قسمين منثور، وآخر منظوم، حيث يتكون انتاجه النثري من ثلاثة مؤلفات اولها (المجالس السبعة) وهو عبارة عن مواعظ وخطب أثرت عنه قبل ان يعتنق التصوف فكراً وعملاً، وثانيها كتاب يدعى (فيه ما فيه) يشتمل على احاديث مولانا ومحاضراته التي كان يلقيها على تلاميذه ومريديه، والثالث مجموعة من الرسائل كتبها الى اقاربه واصدقائه. الا ان الجانب المهم من نتاجات جلال الدين يتمثل في شعره وهو الجانب الذي يعنينا في الحلقات التالية التي سنخصصها لاستعراض اشعاره، وقد بلغ هذا الانتاج ما يقرب من سبعين الف بيت. فاذا كانت هذه الغزارة مقرونة بالاجادة فهذا يعني ان شاعرنا قد انطلقت شاعريته بفيض غامر من الابداع قلما اتيح لشاعر آخر في اي زمان، وبأية لغة علماً ان مولوي لم يبدأ نظم الشعر الا حين شارف الثامنة والثلاثين من عمره، وانه قد عاش حتى بلغ من العمر ثمانية وستين عاماً. فاما ديوانه فيشتمل في اغلبه على غزليات صوفية يبلغ عددها نحو 3500 مقطوعة غزلية نظمت على بحور عديدة، واما الرباعيات فتنسب الى مولانا منها 1659 رباعية تبلغ عدد ابياتها 3318 بيتاً. واما الاثر الثالث الذي سيكون موضوع عدد من حلقات برنامجنا فهو ديوان المثنوي الذي يمثل الاثر الاشهر بين نتاجات المولوي الشعرية الاخرى، علماً ان كلمة المثنوي تعني ذلك النظم الذي يعرف بـ (المزدوج) في العربية، وهو يعتمد على توحيد القافية بين شطري كل بيت من ابيات المنظومة، فكل بيت من الابيات تكون له قافيته المستقلة. ولعل هذا التعدد في القوافي هو الذي مكن الشعراء الايرانيين من نظم الملاحم المطولة على الاوزان العربية، واوزان اخرى ابتكروها، والانطلاق بها الى ابعد مدى ارادوه. مستمعينا الاحبة! الحديث عن هذا السفر الادبي والعرفاني والاخلاقي، واستعراض ما فيه من اشعار خالدة رائعة، نوكله الى الحلقة المقبلة من برنامج عبارات واشارات. فحتى ذلك الحين نستودعكم العلي القدير، والى الملتقى. ******* المبدأ والمعاد في ديوان "مخزن الاسرار" للعارف الكنجوي - 26 2007-06-11 00:00:00 2007-06-11 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3179 http://arabic.irib.ir/programs/item/3179 السلام عليكم مستمعينا الاحبة! ذكرنا في الحلقة السابقة ان الشاعر والعارف نظامي الكنجوي افتتح ديوانه مخزن الاسرار بتوحيد الله عزوجل، ومناجاته، مبتدأً كلامه بالبسملة التي يقرر انها تمثل مفتاح كنز الاله الحكيم. اما اسم الله تبارك وتعالى فهو فاتحة الافكار، وحسن الختام لكل كلام، في حين ان الخالق تعالى نفسه قد سبق وجوده كل متقدم وتالٍ، وهو الخالد الباقي حيث لا يخلد، ولا يبقى شيء بعده. وهو كاشف الحجب عن الافلاك المحجوبة الممعنة في تخفيها وغموضها عن ذهن الانسان، ومبدع الاشياء على غير مثال، وغافر الذنب، والمتقبل لعذر وتقصير الانسان. وهو الاول والاخر بالوجود والصفات، وموجد الاشياء، ومفنيها، ومن نبعَ الوجود كله كنه، واستمد التراب الضعيف القوة والاقتدار منه، واستظلت الكائنات بنور علمه وقدرته، فهي قائمة به لانه قائم بالذات، لا مثال ولا شبيه له. ولا يجري عليه التحول والتغيير ولم ولن يصدق الموت عليه، فكلنا الى الفناء والبقاء له وحده، وهو المتفرد بالملك الحقيقي، المحيط بالاشياء، فالتراب ساكن بأمره، وقبة السماء الزرقاء هو الذي رفعها من غير اعمدة. من لم ينطق باسمه، ولم يلهج لسانه به فالسكوت اولى له، ومن لم يذكره، ولم يستحضره في حياته فالنسيان والغفلة الافضل له. اخوتنا المستمعين! ويختتم نظامي الكنجوي مناجاته، واشعاره التوحيدية هذه بمديد الضراعة والاستغاثة والتوصل الى الخالق جل وعلا فيقول بلسان الشاعر العارف: من أجْلِكَ كلُّ هذا الامل والرجاءفاعفُ عنّا، واصفحْ ايُّها الكريم! وأغِثْنا فلا ناصرَ ولا مُعينَ لنافان طردتنا من رحمتك فالى مَنْ نلجأُ وبمنْ نستعيذ؟!فاعفُ عنا بفضلك، وانعامكفنحن نشعر بالحياء من كلماتنا المتسرعة هذهفان اقبلنا عليك بهذه البضاعة القليلةفقد جئنا معلقين الآمال عليكفأعنا يا مؤنس الحزانى والمهمومينواغثنا يا مغيث المستغيثين...اعزتنا المستمعين! ويخصص نظامي جانباً آخر من مقدمة مخزن اسراره لمدح النبي صلى الله عليه وآله، والثناء عليه، والتعبير عن حبّه لهذه الشخصية التي يصنعها بانها طرّة الافلاك السبعة، وخاتم الانبياء والرسل ومن تفجرت ينابيع الحكمة من لسانه بفضل الوحي الالهي. فهو الدّر المصفّى، واللؤلؤ المكنون، وهو الذي بلغ من المراتب والدرجات السامية ما جعل جسده اكثر طهراً ونقاءً من الروح نفسها، فبفضله عمّت الرحمة الالهية العالم والكون، وحفظ الله الارض من ان تميد بسكانها. ويتحدث الشاعر بعد ذلك عن كتابه الذي اطلق عليه اسم مخزن الاسرار، مشيراً الى قيمة الكلمة، وفضلها، ومنزلتها السامية، وكاشفاً النقاب عن الرسالة الخطيرة التي يحمل اعباءها الشاعر. فيصف نفسه بالبلبل الصداح الذي يكشف من خلال تغاريده الشجية عن اسرار الطبيعة والوجود والتي اودعها الخالق جل وعلا في هذا الكون، ويعلن عن انه انما يسير عبر انشادها لاشعاره في طريق العشق الالهي، ويدق على جرس الحضرة الالهية. وهو في هذا المجال لم يستعر الكلام من غيره، بل كان عصامياً، فقد نظم انشوداته على اوتار قلبه، وصدر في كلامه مما اوحى له به هذا القلب، فجاء ديوانه طريفاً بديعاً على غير مثال سبقه، بل ان الشعراء هم الذين نسجوا على منواله، وصبّوا كلماتهم في قالبه، كما يقرر ذلك في قوله مشيراً الى كتابه: (انا الذي انشدتُّ باكورة الورد هذهوانا البلبل الصداح باسرار بستان الوجودفي طريق عشقك ومحبتك تتلاحق انفاسيوعند حضرتك تنطلق انغام اجراسيلم اُحاكِ احداً في هذا الكلامبل انني انشدتُّ ما امرني به قلبيفأثرت بذلك سحراً جديداًوصببت هيكلاً من قوالبَ جديدة...) (فحوى بذلك كتابي اساس الفقر والمُلْكفكان مخزناً للاسرار الالهية...)مستمعينا الكرام! وبعد تلك المقدمات يخصص الشاعر نظامي الكنجوي المقالة الاولى من ديوانه مخزن الاسرار للحديث عن بداية الخليقة، وعن ظهور آدم عليه السلام، مستعيناً بذلك بالمعاني الواردة في الآيات القرآنية، مازجاً ايّاها بالدلالات والاشارات والمعاني العرفانية. فيقرر في هذا المجال ان الوجود كان غارقاً في العدم قبل ظهور الخليقة، وقبل ان يخلق آدم من الصلصال الذي هو كالفخار، وبينما كان الكون على هذه الحالة اذا بزائر يفد الى الارض على حين غرة ليترنم بانشودة الوجود، وليعزف من ناي (بشريته) لحن الكينونة معلناً تجسد مفهوم الخلافة في الارض. وسرعان ما يظهر هذا المخلوق الذي تعجبت الملائكة من وجوده، وأبدت دهشتها في شبه تساؤل استنكاري من هذا الكائن العجيب المزيج من الغرائز الارضية والتطلعات السماوية، والذي من شأنه ان يثير الفساد في الارض، ويسفك الدماء اذا ما تغلب جانبه الترابي على بعده الملكوتي. فيأتيها الجواب من الربّ الجليل ان حكمته اقتضت ظهور هذا المخلوق المتميز ليتحقق بذلك الهدف من خلقة الارض التي انما هيأها الخالق سبحانه لكي يحيا (الآدميون) فيها، وتكون مهاداً لهم، ثم انه جل وعلا قد وهبه العلم، العلم بالاشياء ومسمياتها، وهذا ما سيؤهله لتحقيق مفهوم الاستخلاف في الارض. وبالاضافة الى ذلك فقد جعل الخالق جل وعلا قانون الثواب والعقاب، وحقق مفهوم الابتلاء والاختبار، فجعل الجنة والنار، والجنة لمن اطاعه، والنار لمن عصاه، ولم يعمل بمقتضى مفهوم الاستخلاف، وبذلك فانه تعالى لم يخلق هذا الكائن عبثاً، ولم يهبه نعمة الوجود اعتباطاً ذلك لان هذا المخلوق قد غدا بموجب ذلك القانون كائناً متميزاً عن سائر الكائنات بل وحتى عن الملائكة نفسها! وفي مقالته الثانية يبسط الكنجوي باسلوبه الشعري العرفاني الحديث عن صفة العدل ورعاية جانب الانصاف باعتبارها من اولى مستلزمات تحقيق مفهوم خلافة البشر للخالق تعالى على الارض. ويبدأ الشاعر حديثه عن العدالة كاحدى الصفات الملازمة للذات الالهية، ثم يطلب من الانسان الذي من المفترض فيه ان يتشبه بالصفات الالهية، ان يأخذ بعين الاعتبار هذه الصفة التي هي في رأي الشاعر الصفة الاولى التي يجب ان يجسدها الانسان في ذاته، وفي سلوكه وتعامله مع الآخرين. فلا يظلم من هو دونه، ولا يمدُّ يد التطاول على الآخرين، ولا يأكل اموال الناس بالباطل، وان كان حاكماً فان عليه باعتباره يمثل الخالق تعالى في الارض، ان يجسد العدالة كأحسن ما يكون التجسيد في اسلوب تعامله مع رعيته الذين هم - كما يقول الشاعر- بمثابة امانة في يده اودعت لديه من قبل الله سبحانه. ذلك لان العدل يمثل الاساس الذي قامت عليه دعائم الوجود، وانبثق منه نظام الكون، وانتشرت على ضوئه الخليقة في ارجاء الارض، فلماذا اذن - هكذا يتساءل الشاعر- لا نجسد هذا المفهوم في ذواتنا: اولاً: وفي تعاملنا مع اخوتنا من بني البشر. ثانياً: بل مع كل ذرة من ذرات هذا الكون، ومع كل مخلوق من مخلوقات هذا العالم؟ مستمعينا الافاضل! نكتفي بهذا القدر من تطوافنا في رحاب المعاني العرفانية، والتعاليم والارشادات الاخلاقية التي تضمنتها رائعة الشاعر العرفاني نظامي الكنجوي مخزن الاسرار. آملين ان نكمل شوطاً آخر من رحلتنا في اسفار التراث الاسلامي الايراني الاخرى في حلقة الاسبوع المقبل باذن الله. فكونوا في انتظارنا، والى الملتقى. ******* نظرة على كتاب "مخزن الاسرار" للنظامي الكنجوي - 25 2007-06-09 00:00:00 2007-06-09 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3178 http://arabic.irib.ir/programs/item/3178 اخوتنا المستمعين الكرام! اجمل المنى، واطيب التحايا نبعثها اليكم ونحن نلتقيكم مجدداً عبر حلقة اخرى من حلقات برنامجكم الاسبوعي (عبارات واشارات). آملين ان تقضوا معنا دقائق مفيدة وممتعة عبر الكلمة الملتزمة والموعظة الحسنة. اعزتنا المستمعين! (مخزن الاسرار) هو رائعة اخرى من روائع التراث الادبي والاخلاقي والعرفاني الذي سطرته اقلام ارباب المعرفة والادب في بلاد ايران. وهو قمة شامخة، وذروة سامقة من قمم وذرى الادب والبلاغة، والتعاليم الاخلاقية السامية. صاغها مؤلفة شعراً سهلاً، ممتنعاً، يقطر عذوبة وحلاوة، وتتفجر منه الصور والمعاني الشاقة العميقة بحيث ارتفعت به عن جدارة واستحقاق الى مستوى الادباء العالميين الذين اسهموا بقسط وافر في اغناء التراث الادبي والانساني لشعوب العالم. مؤلف هذا الديوان الشعري هو الشاعر، والعارف الشهير ابو محمد الياس بن يوسف النظامي الكنجوي شاعر الغزل والعرفان في عصره دونما منازع، وبلبل مدينة (كنجة) الصدا التي تخلّد ذكرها في التاريخ بفضل اديبها، وعارفها الاشهر هذا. وُلِدَ هذا الشاعر بين عامي 535 و540 للهجرة فيما نظم ديوانه الشعري هذا سنة خمسمائة وسبعين للهجرة حيث كان في مرحلة شبابه، وكان يبلغ من العمر ما بين ثلاثين وخمسة وثلاثين عاماً. يُعَدُّ كتاب (مخزن الاسرار) من الكتب الاخلاقية البحتة التي تتخذ من الانسان محوراً، ومداراً لها، ففي بعض الاحيان يرتفع الشاعر بالانسان الى درجة يبُذُّ من خلالها الملائكة وسكان الملأ الاعلى، وفي احيان اخرى يهبط به من عرض العزة لينهال عليه بسياط التوبيخ والتقريع حسب الزاوية التي ينظر من خلالها الى هذا الانسان الا انه مع ذلك ينظر اليه دوماً بعين مشفقة، وقلب متحرّق. اعزتنا المستمعين! يشتمل مخزن الاسرار على مقدمة ضمنها المؤلف حَمْدَ الله سبحانه، والثناء على النبي صلى الله عليه وآله، ثم يوجه بعد ذلك خطابه الى ملك زمانه، بعدها يبسط الحديث حول قيمة ومنزلة الكلام حيث يقول في هذا الصدد: اعتبر الكلمة القيمة الاولى والاخيرة في الوجودفاعرف - اذن- قدر الكلام الذي سأقولهفنحن قلّبنا وجوه الكلام، وشددنا اعيننا اليهونحن نموت من اجله، وبه نحياثم يُركز بعد ذلك على المرتبة السامقة، والدرجة السامية للشاعر، وضرورة ان تكون له رسالة، وان يضبطه الالتزام، الى درجة انه يرى ان الموهبة الشعرية هي ظل من ظلال النبوة. تنظيد الكلام يكشف عن حجب الاسراروهو ظل من حجاب النبوةالعظمة، والكبرياء مصطفتان امام الشعراءمن امامهم، ومن خلفهمبحيث انهم ظهروا بعد ظهور الانبياء! ولذلك نرى نظامي الكنجوي يعتز باشعاره الى حد بعيد، ويمتنع من تقديمها الى من هم ليسوا بأهل لها، ولا يعرفون قدرها وقيمتها، والا فان حاله سيكون كحال من يستبدل اللآلئ، والمجوهرات المشرقة الساطعة في الليل، بالاحجار الرخيصة التي لا قيمة لها، وفي الحقيقة - كما يصرح بذلك نظامي- فان هذه الطائفة من الادباء هي التي هبطت بقيمة الشعر، ونزلت به الى مستوى متدنٍّ. ويرى نظامي الكنجوي ان من الشروط المهمة التي يجب ان تتوافر في شخصية الشاعر ان يكون ملّماً بالشريعة، محيطاً بها، وهو يومصي في هذا المجال ويشدد في الوصية على ان من لا تثبت قدمه في مجال العلم بالشرع عليه ان يحذر من المبادرة الى نظم الشعر، ذلك لان صبغة الشريعة هي التي تضفي على شعر الشاعر اللون (الفلكي) على حد تعبيره. ما لم يجعلك الشرع مشهوراً ومعروفاًفاحذر من ان ترشح نفسك لقول الشعران شعرك من شأنه ان يصل بفضل الشرعبحيث يلقي بظلاله من فمك الى الجوزاء... الا ان ذلك لا يكفي لوحده، بل ان على الشاعر بالاضافة الى ذلك ان لا يستسلم الى الامتناع بسهولة، وان لا يكون متساهلاً، ولا يتوقف ولو للحظة واحدة عن الحركة، والنشاط كما هو الحال الافلاك الدّوارة الدائمة الحركة والجريان، حتى ينظم من الكلام ما يناطح به السماء! حيث يقول في هذا المجال: عليك ان لا تهدأ كما هو حال الكواكبحتى تحصل على كلام هو سامق شامخ كالافلاكمن الافضل لك ان تتباطأ في نظم الكلاممن ان تتسرع، وتعجل في الاتيان بهاخوتنا المستمعين! وبعد هذه المقدمة يوزع الشاعر نظامي الكنجوي اشعاره على عشرين مقالة تشكل في الحقيقة اصل واساس كتابه، مخصصاً لكل مقالة موضوعاً خاصاً بها ومورداً الشواهد والامثلة لاثبات القضايا المتعلقة بهذا الموضوع. الا انه مع ذلك غالباً ما يخرج عن الموضوع الذي حدده لنفسه وهو في اواسط مقالته، لينفلت من بين يديه سياق الكلام متطرقا الى مواضيع اخرى مكتفياً ببعض الابيات التي تنطبق على الموضوع نفسه. ولعل السبب في هذه الظاهرة يعود الى ان كنجوي يُعَدُّ رجل تصوير، وتعبير، وتمثيل مجارياً في ذلك سنائي، وعطار، ومولوي، وسعدي، او هو شاعر بارع في سرد القصص الطويلة لا الحكايات القصيرة. فمن المسلم به ان كل ذلك الكم الهائل من القصص والحكايات المتناسبة مع كل موضوع والتي نراها مبثوثة في روائع مثل (منطق الطير) و(اسرارنامه) و(حديقة الحقيقة) و(المثنوي) و(جولستان) و(بوستان) انما هي حصيلة اعمار برمتها، وتجارب مختلفة، ورحلات واسفار عديدة، ومعاشرة لفئات وطوائف مختلفة من الناس، والاستماع الى اساتذة الكلام وشيوخه، ومعلمي الادب، والعرفاء. وعلى سبيل المثال فان شاعرنا نظامي الكنجوي يخصص او هكذا يبدو المقالة الثامنة لبيان خلق الانسان، فنراه يزين هذا الموضوع بكلام يبلغ الذروة من ناحية المضمون والشكلي، ويخاطب فيه كالعادة الانسان فيمدحه ويثني عليه تارة، ويعظه وينصحه تارة اخرى ويحذره من ان يخسر هذه الدرجة السامية. وبعد ذلك يذكر لنا حكاية بائع الفواكه والثعلب يقول فيها ان بائعاً للفواكه اتخذ من ثعلب حارساً على دكانه، فحدث ذات مرة ان اراد احد اللصوص ان يسرق، فجلس امام الدكان، وتظاهر بالنوم، واخذ يتثاءب امام الثعلب، فما كان من هذا الثعلب الا ان نام متأثراً بالحركات التي قام بها اللص، فيستغل اللص الفرصة ليحقق هدفه، ويولي الفرار! وكما اراد نظامي فقد اصبح كتابه هذا انموذجاً حذا حذوه الكثير من الشعراء بعده حتى بلغ عددهم اثنين وسبعين شاعراً من بينهم الشاعر المعروف الامير خسرو الدهلوي صاحب ديوان (مطلع الانوار)، والخواجوي الكرماني صاحب ديوان (روضة الانوار)، والشاعر العارف عبد الرحمان الجامي في منظومته (تحفة الاحرار). هذه الدواوين الثلاثة يشتمل كل منها كما هو الحال في مخزن الاسرار على مقدمة، تتبعها عشرون مقالة، وهي منظومات تتجلى فيها الصور البلاغية، والفنية الرائعة، رغم انها في اصلها تقليد لرائعة نظامي الكنجوي. وكما نظم الكثير من الشعراء على منوال مخزن الاسرار فقد كتبت عليه ايضاً العديد من الشروح والتعليقات من قبل القدامى والمعاصرين منهم: ابراهيم التقوي، وعبرت الدماوندي، ومحمد البلخي، ومحمد بن قوام البلخي المعروف بالبكراني، ووحيد وستجردي، وبهروز ثروتيان. وهذا الاهتمام الواسع بديوان مخزن الاسرار ان دل على شيء فانما يدل على قيمته الفائقة، ومنزلته الادبية والبلاغية الرفيعة، والمضامين الاخلاقية السامية التي اشتمل عليها. كل ذلك ادى الى ان ينظم هذا الكتاب الى سلسلة الروائع الخالدة التي كان لها اكبر الاثر في صياغة الفكر الانساني، واضفاء جوانب مشعة، ومشرقة عليه من خلال الاسلوب الادبي والبلاغي الرفيع، وعبر التعاليم والمبادئ الاخلاقية السامقة ذات البعد الانساني الشامل. وهذا ما سوف يتجلى لنا عندما نستعرض على حضراتكم اخوتنا المستمعين في حلقة الاسبوع المقبل نماذج من هذا السفر الادبي والاخلاقي الخالد. فكونوا في انتظارنا، والى الملتقى. ******* الشاعر محمد البزم وآثار الخلق المحمدي في إنتشار الاسلام - 24 2007-06-05 00:00:00 2007-06-05 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3177 http://arabic.irib.ir/programs/item/3177 مستمعينا الاكارم! نرحب بكم اجمل ترحيب في حلقة اخرى من برنامجكم الاسبوعي (شعراء الرسول). وكلنا امل في ان تقضوا معنا دقائق مفيدة وممتعة تحت ظلال قصائد المدح النبويّ. احبتنا المستمعين! من بين الشعراء المعاصرين الاخرين الذي لانعدم في دواوينهم قصائد مدحوا بها النبي المصطفى صلى الله عليه وآله. الشاعر محمد البزم حيث طالعتنا في ديوانه قصيدة عصماء، قوية الحبكة، متينة الديباجة، تذكرنا بقصائد الشعراء الكلاسيكيين من اسلافه في العصور الاسلامية. مناسبة هذه القصيدة ذكرى ولادة فخر الكائنات وسيدها محمد المصطفى صلى الله عليه وآله تطرق فيها الشاعر الى صفات النبي صلى الله عليه وآله في جانبه القيادي الرسالي، والانجازات العظيمة التي حققها في فترة قياسية مستمداً العون من الله سبحانه وتعالى، اولاً، ومن الثلة المؤمنة التي صاغها الوحي الالهي فاستطاعت ان تحقق المعجزات. هكذا يستهل الشاعر قصيدته: نبيٌّ حبا عدنان فضلاً وسُؤدُداًفعمّتْ جميع العالمين مواهبُهْاخو هممٍ لايُدركُ الدهرُ شَأْوَهاويجهلُها اعداؤُه وأقاربُهْرأى الكونَ في تيهٍ من الجهلِ اَسْفَعٍتشقُّ عُبابَ الداجياتِ مراكبهْفأطْلَعَ في آفاقهِ فرقَدَ الهدىالى ان اصابَ الحقَّ في الليلِ حاطِبُهْوقيّدَتْ له الدنيا مَقادةَ طائعٍذلولٍ فكانت في سواها مآرِبُهْويعترف الشاعر بعجزه عن مديح هذه الشخصية التي مدحها الله في محكم كتابه الكريم، فاذا ببيانه لا يُسعِفُه، وريشته الشعرية تسقط عاجزة عن رسم صورة تستحقها هذه الشخصية التي لم ينجب التاريخ مثلها. كيف لا وقد حققت هذه الشخصية تلك الانجازات الهائلة التي لم تستطع شخصية اخرى ان تحققها، فاذا بالدهر يردُّ شاباً فتياً حافلاً بالحيوية والعطاء والعنفوان بعد ان شاخ بفعل الجاهلية الجهلاء. واذا بشمس رسالته تشق على ظلمات العالم فتحيل هذه الظلمات الى نور يسطع بالايمان والهدى بفضل الوحي الالهي الذي كان يهبط على قلبه الكريم. فتجسد هذا الوحي في القرآن الكريم الذي ضمّ بين دفتيه كل هادٍ ومرشدٍ من الحكم والمواعظ والارشادات التي كانت بمثابة كواكب بددت دياجير الوجود. واوقفت الظالمين والطغاة عند حدودهم، والقت بهم في مهاوي الهلكة، والرّدى، كما يحدثنا بذلك الشاعر محمد البزم مستعرضاً جانباً من الانجازات التي حققها الرسول الكريم صلى الله عليه وآله. ومتصفحاً صفحات مشرقة، ساطعة بالنور من السيرة النبوية الكريمة حيث كل شيء نور يهدي ويرشد، ونار تحرق الظلم والظالمين لتستحيل بعد ذلك نوراً يزرع الحياة، ويضيء الدروب. محمدٌ انّي عن مَديحكَ عاجزٌوشَأُوُ بَياني دونَ ما أنا طالبُهْأتيتَ وقد شاخَ الزمانُ فَردَّهُنِداكَ فَتيّاً بَعد ما اربدَّ حالِبُهْسَطَعتَ وليلُ الغَيّ مُلْقِ جرانَهُعلى الكَونِ تَهمي بالرزايا سَحائِبُهْيُواتيكَ وَحيٌ لايُرامُ ومَنطِقٌبَوادُرُه محمودةٌ وعَواقبُهْفجئتَ بقرآنٍ حوى كلَّ حِكمةٍأنارَتْ دياجي الكائناتِ كواكبُهْيُنَصُّ فَتُصْمي الظالمين حدُودُهُويُتْلى فَتُرْدي المارقين تَواقبُهْوبهذه الرسالة السماوية الخالدة الواضحة المعالم استطاع النبي الاميّ صلى الله عليه وآله ان يواجه المستبدين والجبابرة، ويتعامل مع الضالين الغواة مرة باللّين والرفق، ومرة بالحزم والقوة، وثالثة بالمغالبة والصراع حتى يثوب الى الحق، ويرجع عن غوايته. فازاح بذلك العمى عن القلوب، فارّتدت بصيرة، ومزّق حجب الضلال عن القلوب فعادت واعية سميعة، وهو في كل ذلك كان يتخذ من التسامح، والبعد عن روح التطرف منجاً في التعامل مع اصحاب الديانات الاخرى. حتى نعمت الكنائس والصوامع، والمعابد بالامن في عهده، موصياً المسلمين بأهلها خيراً مجسداً بذلك المبدأ الاسلامي الذي ينص على عدم الاكراه في الدين بعد ان تبين الرشد من الغيّ. وبكلمة واحدة فقد نعم الدهر كله بالامن في عهده صلى الله عليه وآله فانسحبت عقارب الشرّ الى حجرها، وتقلّمت اظفار الزمان فأصبح المستضعفون والمعذّبون يتمتعون بالسلام بعد ان كان الطغاة والجبابرة يسومونهم سوء العذاب، كما يشير الى ذلك شاعرنا قائلا: ورُضْتَ جِماحَ المُسْتبدّين راكباًمن الحقّ مَتْناً يوضّحُ السَّمْتَ لاحِبُهْتلطَّفْتَ بالغاوي فُطوراً تُلينُهوحيناً تُصاديهِ، وآناً تُغالِبُهْجَلَوْتَ عِماياتِ القلوبِ فأبصرتْوزيحتْ عن اللُبّ السليمِ غياهبُهْودافَعْتَ عن ذاتِ الالهِ بعزْمَهِمتى رامتِ الجَبَّارَ صاحتْ نوادبُهْواوصَيْتَ خيراً بالكنائسِ مانعاًذَويها، وجيشُ الحقّ تمضي قَواضِبُهْصقلْتَ حواشي الدهرِ فانصاعَ طَيِّعاًواذْعَنَ لاتَسري بِشَرٍّ عَقاربُهْوقلّمتَ اظفارَ الزمان فأعرضَتْعن الضارعِ المسكين تَنْأى مصائبُهْوبهذه الاخلاق والشمائل اللينة السمحة استطاع النبي المصطفى صلى الله عليه وآله ان يكسب ودّ الجميع حتى اعدائه الذين كثيراً ما كانوا يحاربونه ويوجهون اليه الاذى. وازاء مكارم الاخلاق هذه حار الاعداء الالداء في مواجهة هذه الشخصية العظيمة، فعادوا كالجهلة المفتقرين الى الخبرات والتجارب في ساحة المواجهة. ومن جهة اخرى كانت الانتصارات العسكرية تتوالى على جند التوحيد والايمان رغم قلة عدده، وضعف عدته، ورغم انه كان يواجه الجيوش الجرارة العرمرم المدججة بانواع السلاح. وكانت المعجزة الالهية الساطعة عندما بعث الله عزوجل الرعب في قلوب جنود الكفر والشرك، وعندما وقعت هذه الجيوش في اسر قوة التوحيد والايمان، لتجرّ وراءها اذيال الفشل والخسران، دون ان يتجاوز جند الايمان حدود المروءة في الانتقام من العدو. فلقد علّمتهم الرسالة الاسلامية السمحة ان لا يجهزوا على جريح، ولايؤذوا شيخاً، ولايعذبوا اسيراً، ولا يعتدوا على اطفال ونساء، ولعل هذا هو سرّ انتشار الاسلامي في تلك الفترة القياسية القصيرة. فلقد اقبلت عليه الشعوب والامم زرافات ووحداناً بعد ان لمست الفرق الشاسع بين النظم الظالمة التي كانت تحكمها، وبين الشريعة الاسلامية بمبادئها، واحكامها الانسانية الهادفة الى نشر العدل والمساواة، والقضاء على مظاهر الظلم. ******* كتاب اسرار التوحيد لأبي سعيد ابي الخير - 23 2007-06-02 00:00:00 2007-06-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3055 http://arabic.irib.ir/programs/item/3055 احبتنا المستمعين الاكارم! سلام من الله عليكم ورحمته بركات، واسعد الله اوقاتكم بكل بركة وخير. يعدّ كتاب (اسرار التوحيد) حول حياة وحالات ابي سعيد ابي الخير بين اشهر الكتاب العرفانية والصوفية من الناحيتين، الموضوعية والمضمونية من جهة، والاسلوبية والتعبيرية من جهة اخرى. فهذا السفر النفيس والقيم يعتبر مرجعاً مهماً لدراسة مذهب التصوف والعرفان والاطلاع على اسس وفروع وتاريخ هذا المذهب الذي كان له في عصر من العصور نفوذ وانتشار واسعان يبعثان على الدهشة في العالم الاسلامي الى درجة ان الامراء، والحكام، والملوك المقتدرين كانوا يحذرون، ويحتاطون في التعامل مع مشايخ الطرق، وزعماء الفرق الصوفية. ففي نفس الوقت الذي يحيط فيه القارئ علماً بحياة واخبار العارف والمتصوف الشهير ابي سعيد ابي الخير والتي كتبت باسلوب قصصي ممتع، وبعبارات ادبية عذبة، فانه يتعرف ايضاً على الكثير من احوال العرفاء والصوفيين من قبيل عاداتهم وتقاليدهم، وجلساتهم، واجتماعاتهم، والمفهوم الحقيقي لبعض من مصطلحات هذه الفرقة. من قبيل الخلوة، والرياضة، والمراقبة، والسماع، والخرقة، والمرقّع، والزاوية، والوَجد، والحال، والقبض، والبسط، وكذلك فانه يحيط علماً ايضاً بالاحداث التاريخية، والاوضاع الاجتماعية في القرنين الخامس والسادس الهجريين، واقوال بعض من العرفاء والمشايخ، والرجال المعتبرين بشأن العرفان والتصوّف. يدور الموضوع الرئيس لهذا الكتاب حول حياة الشيخ ابي سعيد ابي الخير، وهذه الاخبار التي ذكرت حول حياة الشيخ والتي تشتمل على رياضات، ومجاهدات، وكرامات، وحالات للشيخ، لا تخلو من فائدة في كل الاحوال. ويتميز كتاب (اسرار التوحيد) بتمتعه باساس اخلاقي متين بحيث ان الملاحظات والمضامين الاخلاقية قد افرغت في قوالب تعبيرية بلغت من اللطافة، بحيث ان من شأنها ان تليّن اقسى القلوب حتى وان كانت كالحجارة، او اشدّ قسوة منها. وذلك من قبيل القصة التي يوردها صاحب الكتاب عن النبي موسى عليه السلام والتي تقيد بان الله عزوجل امره ان يطلب من بني اسرائيل ان يختاروا افضلهم على ان يختار هذا الافضل الاسوء بينهم، فاختار الافضل احد الاشخاص الفاجرين والفاسقين باعتباره الاسوء. الا انه يتردد في اللحظات الاخيرة في اطلاق حكم الاسوء عليه، فلعل ظاهره يوحي بذلك، ومن المعلوم ان ليس من الصحيح ان يصدر الانسان احكامه استناداً الى الظاهر، وبعد ان تردد طويل يعلن انه قد اختار نفسه كأسوء شخص بين بني اسرائيل، فكانت النتيجة ان اوصله هذا التواضع، والنكران للذات، والبُعْد عن الكبر والغرور الى اسمى المنازل وارفعها. ويمكننا ان ندرج تحت ذلك العنوان الحوار الذي دار بين الشيخ، مع الرجل الدلاك عندما كان في الحمام، فهذا الحوار يشتمل على ملاحظة وموعظة اخلاقية طريفة، اذ يروي لنا مؤلف الكتاب ان الدلاك كان يجمع الاوساخ على ساعد الشيخ، وفي هذه الاثناء سأله الدلاك قائلا: ما هي المروءة؟ فبادره الشيخ في الجواب قائلا: ان لا يعرض احد ادران الانسان واوساخه امام مرآه! وفي موضع آخر نرى الشيخ يهاجم الحياة الاتكالية، ويعلّم القارئ درس الاعتماد على النفس والثقة بها، وذلك عندما يرى خادمه منهمكاً بكتابة، وتسجيل قصص الدروَشة وحكاياها، فينهره الشيخ قائلا: لا تكن مملياً للحكايات، بل كن بحيث تروى الحكايات عنك. مستمعينا الافاضل! وهكذا فان كتاب (اسرار التوحيد) يعتبر من جملة روائع النثر الادبي الفارسي التي لا يمكن انكارها، فقد بلغ هذا الكتاب القمة في سلاسة الانشاء والانسجام، وقوة ومتانة العبارات، والالتزام التام بمقاييس ومعايير الفصاحة والبلاغة. وعلى الرغم من ان هذا الكتاب قد تمّ تأليفه في اواخر القرن السادس الهجري، اي في عصر غلبة التزويقات اللفظية، والاساليب والزخارف البديعية على اعمال الادباء والكتّاب، الا اننا لا نجد فيه مطلقاً اثراً من آثار التصنع، والتكلف وخصوصاً في مقدمته. فنحن نشهد في كل جزء وفصل في هذا الكتاب قصر الجمل وكمالها وفائدتها في ذات الوقت، كما نلاحظ استخدام المؤلف للكلمات، والالفاظ، والتعابير الفارسية الاصيلة، الى درجة ان القصص والحكايات رويت على درجة من التمكن والمهارة بحيث انها تجعل القارئ منشداً منجذباً اليها بجاذبيتها الخاصة حتى نهايتها. ان افضل وصف يمكن ان نقدمه لهذا الكتاب من بدايته وحتى نهايته هو ان ما جاء فيه مازال محتفظاً بطراوته، ونضارته رغم مرور ما يقرب من ثمانية قرون على تأليفه، فهو شبيه بالنثر المفهوم والمتداول في هذا العصر وقريب منه الى حدّ بحيث ان القارئ يتصور نفسه انه يقرأ اعذب واسلس نثر كتب بقلم امهر الكتاب واقدرهم في القرن الاخير! احبتنا المستمعين! مؤلف الكتاب هو محمد بن منوّر احد احفاد الشيخ ابي سعيد ابي الخير العارف المشهور المتوفى سنة 440هـ، وقد كان من الشخصيات المحترمة والمعروفة الوجيهة التي كانت تفد على بلاط ومجالس الملوك والحكام دون اذن مسبق. وقد ألّف ابن منوّر كتابه هذا باسم الحاكم الغوري غياث الدين محمد بن سام وذلك بين عامي 548 و599هـ، ولذلك يُعدّ (اسرار التوحيد) من بين نتاجات القرن السادس الهجري. ويتضمن هذا الكتاب ثلاثة ابواب، الباب الاول في بداية حياة واحوال الشيخ ابي سعيد ابي الخير، والباب الثاني يتناول المرحلة الوسيطة من حياته اي منذ بداية اضطلاعه بمهمة الارشاد وحتى وفاته، ويشتمل على ثلاثة فصول هي اكثر تفصيلاً من البابين الآخرين. اما الباب الثالث فمخصص لاستعراض ختام ونهاية حالات الشيخ، ويشتمل على وصاياه، وكيفية وفاته، والكرامات التي ظهرت بعد وفاته. واما بالنسبة الى الشيخ ابي سعيد فضل الله بن ابي الخير الذي يدور موضوع الكتاب حوله فهو من مشايخ العرفان في القرنين الرابع والخامس الهجريين، وكان قد امضى ردحاً من حياته في الرياضة والسلوك في سرخس، ونيسابور، وآمُل. وعكف في صومعته بـ(مَيهَنة)، وفي نيسابور ايضاً على ارشاد وتوجيه سالكي طريق التصوف والعرفان، ووعظ وهداية المسلمين، حتى توفي في (ميهنة) عن عمر ناهز الثالثة والثمانين بعد ان ترك اكبر الآثار واعمقها على سيرة العرفان والتصوف في بلاد ايران حتى قيل انه كان الشخص الاول الذي وضع نظام وترتيب الخانقاهات ليس في ايران فحسب بل وفي العالم الاسلامي ايضاً. مستمعينا الافاضل! من بين الحكايات التي يوردها مؤلف الكتاب محمد بن منوّر عن كرامات واحوال جدّه الشيخ ابي سعيد ابي الخير، حكاية طريفة نلقي بعهدتها على الراوي مكتفين بما تشتمل عليه من دروس وعبر، ومعلومات تقدمها الينا عن المذاهب الصوفية والعرفانية في القرن السادس الهجري. ينقل مؤلف الكتاب هذه الحكاية عن احد الاشخاص الذين تأثروا بشخصية الشيخ ابي سعيد ابي الخير، وسلك سبيل العرفان والتصوف على يده ويدعى الخواجه حسن المؤدّب حيث يقول: (عندما ذاع خبر مجيء الشيخ الى نيسابور من ميهنة، واقامته لمجالس الوعظ والارشاد فيها، واخباره بسرائر واسرار عباد الله، دفعني حبُّ الفضول الى ان احضر مجلسه وكنت اعتبر المتصوفين والعرفاء اناساً وضيعيين وذليلين، واقول لنفسي: ان التصوف ليس بعلم، فكيف يقيم هذا الشيخ مجالس الارشاد، ويدّعي انه يحيط علماً باسرار خلق الله تعالى في حين لا يعلم الغيب سواه عزوجل؟! فحضرت يوماً على سبيل الاختبار مجلس الشيخ، وجلست عند كرسيّه وانا ارتدي الثياب الفاخرة، واضع على رأسي عمّة طبريّة، واحمل بين ضلوعي قلباً مليئاً بالانكار والشكوك، وكان الشيخ منشغلاً بحديثه، وعندما بلغ النهاية، طلب من الحاضرين ثوباً لاحد الفقراء على عادة اهل التصوف. فحدثني قلبي ان اعطيه عمامتي، الا انني حدثت نفسي قائلا: لقد قُدّمتْ لي هذه العمامة كهدية من آمل، وثمنها يبلغ عشرة دنانير نيسابورية، الافضل اذن ان لا اعطيها!، فذكر الشيخ مرة اخرى العمّة، فوقع في قلبي مرة اخرى ان اقدّم عمّتي، الا انني طردت هذه الفكرة من بالي وراودتني الفكرة الاولى نفسها. ويستمر الراوي قائلا: وكان هناك شيخ عجوز جالس الى جانبي، فسأل الشيخ قائلا: (يا شيخ! هل يتكلم الحق سبحانه وتعالى مع العبد؟ فقال الشيخ: نعم يتكلم، الا انه لم يتكلم اكثر من مرتين في العمّة الطبريّة مع ذلك الرجل الجالس الى جانبك، فقد قال له مرّتين أنْ اعْطِ العمّة التي ترتديها على رأسك الى هذا الفقير، الا انه امتنع عن الاعطاء متذرعاً بان قيمتها عشرة دنانير، وانها قد جُلبت له هدية من آمل!). يقول الراوي: وعندما سمعت هذا الكلام ارتعدت فرائصي، ومثلت امام الشيخ، وقبّلت ما بين عينيه، واعطيت ثيابي كلّها لذلك الفقير، ولم يبق في نفسي ايُّ شكٍ وانكار، وشعرت انني قد اعتنقت الاسلام من جديد، وبذلت كلّ ما امتلك من اموال لخدمة الشيخ ومجالسه ومريديه، وقصرت نفسي على خدمته حتى نهاية العمر. اعزتنا المستمعين! ننهي هنا جولتنا لهذا الاسبوع في رحاب كتاب (اسرار التوحيد) للشيخ ابي سعيد ابي الخير كواحد من روائع التراث الايراني. على ان نكمل هذه الجولة في حلقة الاسبوع المقبل باذن الله. فشكراً على حسن المتابعة. والى الملتقى. ******* بسط الأمن في رؤى نظام الملك الطوسي - 22 2007-05-30 00:00:00 2007-05-30 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3054 http://arabic.irib.ir/programs/item/3054 مستمعينا الافاضل! اهلاً ومرحباً بكم في حلقة اخرى من برنامجكم الاسبوعي (عبارات واشارات). اخوتنا المستمعين! وصلنا بكم في الحلقة السابقة في معرض استعراضنا للقصة التي رواها نظام الملك في كتابه سياستنامه او سير الملوك كشاهد على ضرورة ان يكون الحاكم مطلعاً على سيرة ولاته، وكيفية تعاملهم مع الرعية. وصلنا الى هذه النقطة وهي ان المبعوث الذي ارسله النديم الذي تبرّع بان يستعلم امر اميري الحرس للملك، توجه في صبيحة اليوم التالي الى دار امير الحرس الثاني، فجلس في مجلسه، وما هي الا دقائق حتى قُدِمَ الناس، وشرطة الامير حتى امتلأت الدار، الا ان الامير لم يخرج من غرفته حتى طلعت الشمس وارتفعت فتقدم اليه الحرس وسلموا عليه ولكن الامير لم يكن يهتم برد السلام، وان ردّه فبغضب، وبعد ان مرّت مدة سأل قائلا: ألم يأتوا اليوم بأحد؟ فقيل له: جيء بشاب قبضواعليه امس وهو ثمل قد فقد عقله، فقال: آتوني به! وعندما وقع نظره على الشاب قال: أهذا هو؟! فقيل: نعم. فقال: اذا اردتّ ان استجوب هذا الشاب فان الامر سيطول لكثرة جرائره، فالفساد، والشرّ، والعربدة، والسرقة، وعدم الخوف من الله، واثارته للفتن لا نظير لها في بغداد، ان علينا ان لا ننزل عليه الحدّ فحسب بل وان نقطع عنقه! واستمرّ الامير في اطلاق التهم على ذلك الشاب، والمبالغة في تصوير جرائره حتى تمنى هذا الشاب المسكين ان تقطع عنقه في الحال لكي يتخلص من تلك الشتائم المقذعة، ثم امر الامير ان يجلد ويضرب ضرباً مبرحاً قائلا: قيدوه واضربوه اربعين جلدة حتى يعضّ الارض من شدة الالم!، وعندما انزل عليه الحدّ ارادوا ان يذهبوا به الى السجن، واذا بخمسين رجلاً من الوجهاء المعروفين يفدون في اثناء ذلك على مجلس الامير ليشهدوا بصلاح وعفة ومروءة وكرم وحسن سيرة واعتقاد ذلك الشاب، واستشفعوا له في ان لا يسجنه على ان يقدموا للامير هدية، الا ان الامير هذا لم يرع حرمة اولئك الشيوخ والوجهاء، وبعث به الى السجن رغم استشفاعهم، فعاد الوجهاء مكسوري القلب، فكان الناس يلعنون الامير الذي نهض من مجلسه، وعاد الى حجرته. ثم عاد خادم النديم، وشرح له كل ما رآه، وفي اليوم الثالث قدم النديم على الملك، وقصّ عليه سيرة وطريقة كل من الاميرين كما سمع، فدهش الملك، واصابه العجب وقال: عفا الله عن ذلك الرجل العجوز، واللعنات على الامير الآخر الذي فعل ما فعله بذلك الشاب الحرّ! فما كان من الملك بعد ان علم بحقيقة الامر الا ان امر بعزل الامير الثاني من منصبه، وان يطلق سراح الشاب، وان يبقى الامير العجوز في منصبه، وان يخلع عليه منصبه هذا مرة اخرى محاطاً بالاكرام والرعاية من جميع الجهات. مستمعينا الاكارم! ذكرنا في حلقة سابقة ان نظام الملك وُلِدَ وعاش خلال القرن الخامس الهجري، وقد عاصر خلال هذه الفترة الكثيرمن الاحداث وخصوصاً تلك التي وقعت في بلاد ايران والمتمثلة في الثورات والانتفاضات التي كانت تحدث بين الحين والآخر ضد الحكومة العباسية. ومن بين هذه الاحداث التي يتوقف عندها الخواجه نظام الملك حادثة خروج (بابك الخرّمي) في اذربيجان في عهد خلافة المأمون، وكيف ان المأمون بعث من بغداد بالجيوش لاخماد هذه الثورة، وقد استطاع بالفعل ان يقمع هذه الثورة، وان يأسر زعيمها، ويقتله صبراً. ويستند نظام الملك الى هذه الحوادث التي يسردها في ان الحاكم او الملك يجب ان يكون حازماً في التعامل مع اعدائه، وان يبادر الى القضاء على الفتن التي يثيرونها وخصوصاً اذا كانت هذه الفتن مقترنة باثارة الفساد، وهلاك الحرث والنسل، واثارة الخوف والرعب في قلوب الرعية. فعلى الحاكم - كما يرى المؤلف- ان يجعل استتباب الامن، واقرار الهدوء والاستقرار في جميع المجالات من اولويات سياسته، فمن خلال الامن وهدوء البال والخاطر يمكن للحاكم وولاته ان يقدموا خدماتهم للرعية بشكل افضل، ويصبوا اهتمامهم على هذا الجانب المهم والحيوي. وفي المقابل فان الرعايا سينشغلون في اداء وممارسة اعمالهم، ويخلصون العمل لحاكمهم، ومن المعلوم ان في ذلك ما فيه من اسهام في تقدم البلاد، ورخائها، وازدهارها، ذلك لان الجميع سوف يتفرغون بعد ان ينعموا براحة البال لاداء عملهم وخدماتهم كل في حدود مجاله واختصاصه. يقول نظام الملك في هذا الصدد: (وعلى الحاكم ان لا يتوانى ولو للحظة واحدة في التعامل بحزم وجدّ مع اولئك الذين يرمون الى اثارة الشغب والاضطرابات والفتن، وسلب الامن والاستقرار من ارجاء المملكة، فتوفير الاستقرار والامن هو من ضروريات وشروط الحاكم العادل، ومن دون هذا الاستقرار لا يمكن لامور المملكة ان تنتظم، ولعمال الحاكم وولاته ان ينهكموا في العمل من اجل خدمة الرعية، وتوفير الرفاه والرخاء لها، وعدم ارهاقها بما لاتستطيع...). (... ومع انعدام الامن والهدوء سوف لا يعود بامكان الناس ان يؤدّوا اعمالهم، ويقوموا بوظائفهم ومسؤولياتهم في اعمار البلاد، وتسيير شؤون المملكة ذلك لان الخوف والرعب يشلاّن حركة الانسان، ويمنعانه من مزاولة اعماله بشكل طبيعي لانهما سيستحوذان على قدر كبير من تفكيره، وبذلك فان انعدام الاستقرار والامن سوف يعجل في خراب البلاد، ويسهم في تعطيل الاعمال وبذلك يبتلي الناس بالفقر والمسكنة، والعوز...). وفي جانب آخر من وصاياه بشأن تعيين السياسة المثلى لادارة البلاد، يؤكد الخواجه نظام الملك ان على الحاكم ان ينظر في شؤون ولاته وعمّاله، وان يحرص على سدّ حاجاتهم، ورفع مستواهم المعيشي، في نفس الوقت الذي يجب ان يكون فيه حريصاً على مراقبتهم، وتتبع سيرتهم في الرعية. ويرى نظام الملك ان هذا الاجراء ضروري من اجل منع الفساد، وعدم الجاء عمّال الحكومة الى تلويث انفسهم باستلام الرشى، واخذ الجبايات، وممارسة القهر والظلم ضد ابناء الرعية وابتزاز الاموال منهم في سبيل سد النقص في دخولهم. ويشير مؤلف الكتاب الى مجموعة من الوظائف والمناصب الحكومية التي يجب على الحاكم الاعلى ان يهتم باصحابها اكثر من غيرها نظراً الى اهميتها، وحساسيتها، وكونها ذات صلة مباشرة بالرعية. ومن هذه الوظائف التي يذكرها المؤلف وظيفة القضاء اذ يقترح على الحاكم ان يجعل مرتب من يتولى هذا المنصب اعلى المرتبات بعد الحاكم نفسه، ذلك لان الانزلاق في مهاوي الظلم، واصدار الاحكام الجائرة بسبب الاهواء النفسية، والتعلق بالدنيا، والاستسلام للمغريات والشهوات. فما بالك اذا كان المرتب الذي يستلمه القاضي ليس كافياً بالقدر الذي يستطيع من خلاله هذا المسؤول الحكومي ان يؤمن احتياجاته، ويسدّ نفقات اسرته وعياله، ففي هذه الحالة يزداد احتمال انحراف هذا القاضي وانجرافه في حب الدنيا خصوصاً اذا لم يكن يتمتع بالقدر الكافي من التقوى والذي يؤهله لعدم الانزلاق في تلك المهاوي. والانسان - كما يؤكد نظام الملك- ضعيف بطبعه، سريع الانقياد لشهواته، واهوائه، يلحّ عليه الفقر والعوز فيلجآنه الى ارتكاب المآثم والمحارم الا من رَحِمَ ربّي. مستمعينا الاحبة! وبعد كل تلك الاغراض والمواضيع المختلفة، والمتنوعة، والاخبار، والقصص، والوصايا الثمينة التي يوردها الخواجه نظام الملك، يختتم كتابه بالاشارة الى ان كل تلك المواضيع الشتى التي ضمنها كتابه من وصاياه وارشادات، ومن اخبار وقصص وحكايات تاريخية فيما يتعلق بالطريقة المثلى بادارة شؤون البلاد، وممارسة الحكم والسياسة، والتعامل مع الرعية، انما هي خلاصة لتجاربه، وخبراته كوزير، وكرجل مارس الحكم والسياسة لسنوات عديدة. ولذلك فانه يرجو ويتمنى من الخالق عزوجل ان يكون ما سطره خالصاً لوجهه الكريم، وان ينفع به حكام المسلمين، ورعاياهم لكي لايبتلوا بآفة الظلم والجور، والغفلة عن شؤون الرعية، وصبّ اهتمامهم على مصالحهم ومنافعهم الشخصية. ولكي يكون هناك تعاون، وثقة متبادلة بين الحاكم والرعية، علماً ان نظام الملك يعتبر ذلك التعاون، وهذه الثقة الدعامة الاولى، والركن الاساسي لنظام الحكم الناجح، فمن خلالهما تزدهر البلاد، وتسير امورها وشؤونها نحو الرخاء، ويستتب العدل، وينتشر الامن والاستقرار. وبذلك يحقق الحاكم المسؤولية الالهية الملقاة على عاتقه، ويقوم بها خير قيام، ويجسد المفهوم السليم والصحيح لخلافة الله تعالى في الارض، حيث افترض سبحانه في الحكام وولاة الامر ان لا يدنسوا ساحتهم بالظلم، وان يحققوا المساواة بين ابناء رعيتهم، ويكونوا خدمة لهم، لا ان يسخروا الرعية لخدمتهم، ويتخذوا منهم سلماً لاشباع نزواتهم واهوائهم، كما يقول نظام الملك في خاتمة سفره النفيس والقيم سياستنامه او سير الملوك. في ختام حلقتنا لهذا الاسبوع نشكر لكم اعزتنا المستمعين حسن الاصغاء. والى اللقاء في حلقة قادمة باذن الله مع سفر آخر من اسفار التراث الايراني. ******* من حكايات كتاب "سير الملوك" (سياستنامه) - 21 2007-05-28 00:00:00 2007-05-28 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3053 http://arabic.irib.ir/programs/item/3053 احبتنا المستمعين الافاضل! ذكرنا في حلقة البرنامج السابقة ان كتاب (سياستنامه) و(سير الملوك) مشحون بالاضافة الى الوصايا والارشادات بشأن السياسة المثلى لتدبير شؤون البلاد بالقصص والحكايات المعبرة، وذكر اخبار وسير الملوك والحكام والامراء الذين سبقوا عصر نظام الملك او ممن كانوا يعاصرونه. وفي هذه الحلقة من البرنامج سنورد لكم اعزتنا المستمعين طائفة من تلك الاخبار والحكايات التي اراد المؤلف من خلالها ان يؤيد الآراء، ووجهات النظر التي ذكرها بخصوص الطريقة المثلى لادارة شؤون الحكومة والبلاد. ومن جملة هذه الحكايات والقصص يسردها لنا نظام الملك حكاية ذكرها تحت عنوان (يوسف وكُرْسُف) وهي من القصص المروية عن بني اسرائيل حيث يذكر لنا مؤلف الكتاب ان مما كان مرسوماً في زمان بني اسرائيل ان من استطاع ان يصون نفسه عن ارتكاب الكبائر مدة اربعين عاماً، وانشغل طيلة هذه المدة بالصيام والقيام، وعدم ايذاء اي مخلوق، كان حقاً على الله ان يقضي له ثلاث حوائج، وان ييسر له كل ما اراده. وفي ذلك الزمان كان هناك رجل من بني اسرائيل ورعٌ ومحسن اسمه يوسف، اما زوجته فقد كان اسمها (كُرْسُف)، وكانت هي ايضاً امرأة تقية وعفيفة، وقد عبد يوسف الله عزوجل اربعين سنة واستوفى الشروط السابقة، ففكر في نفسه ان يطلب من الله تعالى حاجة هي الافضل من غيرها، فلم يهتد الى شيء، فلزم البيت، ووقعت عينه على زوجته فقال في نفسه: (لو بحثت في العالم كله عن شخص يحبني لما وجدت من يحبني اكثر من زوجتي، فهي شريكتي، وامُّ اولادي، والافضل لي من بين الخلق، فالصواب اذن ان استشيرها في ذلك، فقال لها: اعلمي انني قد استكملت طاعة اربعين سنة، ولي ثلاث حاجات ان طلبتها من الله قضاها لي، فماذا تقولين، وماذا تقترحين عليّ ان أطلب من الله عزوجل؟ فأجابته زوجته قائلة: انت تعلم ان ليس لي غيرك في هذا العالم، وانك قرة عيني، وان النساء زينة للرجال وحرث لهم، فأسال الله تعالى ان يمنحني جمالاً لم يمنحه لاحد من النساء، حتى تقرّ عينك بالنظر اليّ، ويفرح قلبك دوماً اذا وقع نظرك عليّ، فنعيش في سعادة وهناء ما دمنا في هذه الحياة. فأعجب الرجل بحديث زوجته، فمدّ يديه بالدعاء وقال: (اللهمّ امنح زوجتي من الحسن والجمال ما لم تمنحه احداً من النساء، فاستجاب الله لدعاء يوسف، فاصبحت زوجته وهي على هيئة من الجمال ما لم تكن عليه في الليل، فلقد اصبحت تحظى بجمال لم تقع عليه العين من قبل). وما كان من يوسف الا ان انبهر بهذا الجمال، وعقدت لسانه الحيرة حتى ان الدنيا لم تكن لتسعه من شدة الفرح خصوصاً وان جمالها وحسنها كانا يزدادان يوماً بعد آخر. وفي ذات يوم كانت امرأته تنظر في المرآة، وتتأمل ما وهبها الله سبحانه من جمال، فدبّ الى نفسها الكبر والغرور وحدثت نفسها قائلة: ترى هل يليق بي وانا على هذا القسط الوافر من الجمال ان اعيش مع رجل طعامه خبز الشعير ولا حظّ له من الدنيا، ويجعلني احيا في ضنك من العيش، ان جمالي هذا لا يليق الا بالملوك والامراء الذين ان عثروا عليّ اغرقوني بالذهب والمجوهرات! ومنذ ذلك الحين بدأت المرأة تتمرد على ارادة زوجها، وتناصبه العناد واللجاج، وتتعامل معه بجفاء، وتعيره دوماً بالفقر والعوز، وكان لها منه ثلاثة اطفال تركت رعايتهم، وتعهد امرهم، واهملت اعمال البيت حتى بلغ امرها درجة بحيث ان يوسف ضاق بها ذرعاً، وعجز في امرها، فرفع طرفه الى السماء ودعا ربّه قائلا: اللهم اجعل هذه المرأة على هيئة دبّ!، فتحولت امرأته من فورها الى دبّ، وذاقت نكال اعمالها، فكانت تلازم البيت ولا تخرج منه، وتقضي ايامها بالبكاء. اما يوسف فقد اصبح عاجزاً عن تربية اطفاله الصغار، والتعهد برعايتهم، وقضاء حوائجهم والقيام بأمور البيت حتى ان الصلاة كانت تفوته، فدعته الضرورة الى ان يمدّ يده بالدعاء الى السماء قائلا: اللهم اَعِدْ زوجتي الى سابق عهدها، واجعلها امرأة قنوعاً تتعهد هؤلاء الاطفال الصغار بالرعاية كما كانت حتى انشغل بعبادتك، واتفرغ لخدمتك كما كنت. وعادت زوجته الى سابق عهدها في الفور دون ان تتذكر شيئاً مما حدث لها بل انها ظنت ان ما وقع لها كان مجرد حلم رأته في المنام وبذلك تحولت عبادة يوسف التي استغرقت منه اربعين عاماً الى هباء منثور، وحبطت اعماله بسبب هوى النفس، وسلوك زوجته...). اخوتنا المستمعين! ومن بين القصص والحكايات المعبرة الاخرى التي يرويها لنا الخواجه نظام الملك في كتابه سياستنامه او سير الملوك كشاهد على ان الحاكم من المفترض فيه ان يتتبع امور ولاته، وعمّاله، وان يبعث اليهم بالعيون لكي يحيط بأمرهم علماً، ويتأكد من انهم لا يظلمون الرعية، ولا يرهقونهم بما لا يستطيعون. حكاية عن احد الملوك، الذي كان جالساً ذات مرة مع ندمائه، فقال لهم: (هناك اميران للحرس يعملان في بلاطي لا عمل لهما من الصباح حتى المساء سوى قطع الرقاب، والايدي والارجل، والجلد، والسجن، الا ان الرعية تمتدح احدهما دوماً، وتشعر بالرضى منه، وتقدم له فروض الشكر، في حين تذم الاخر، وتلعنه ان ذكر اسمه، وتشكو منه دائماً، وانا لا اعلم ما هو السبب، واريد من احدكم ان يتحقق في الامر، ويكتشف لي السبب...). فقال احد الندماء: ان امهلتني ايها الملك ثلاثة ايام، فسوف اكتشف لك السبب، واوضح الامر، فقال له الملك: لك ذلك، فذهب هذا النديم الى بيته، وقال لاحد الخدم الكفوئين: (عليك ان تقوم بعمل لي، ففي بغداد اميران للحرس، احدهما شيخ كبير، والآخر كهل، وعليك ان تذهب غداً عند السحر الى بيت الامر العجوز، وتراقبه عن كثب، وترى ما يفعله، وما يقوله، وما يأمر به، وما يصدر منه من احكام عندما يحضر في مجلسه الناس، ويأتون اليه بالمجرمين، ثم تخبرني بذلك، وعند فجر الصباح اليوم التالي اريد منك ان تذهب الى بيت الامر الكهل، وتفعل ما فعلته بشأن الامير العجوز). وفي سحر اليوم التالي ذهب الخادم الى بيت الامير العجوز، وبعد مدة، جاء فرّاش، ووضع الشموع على الدكة، وبسط سجادة الصلاة، ووضع عليها مصحفاً، ومسبحة، وكتب ادعية، ثم ما لبث ان جاء الامام، وصلوا جماعة، ثم قرأ الامير العجوز شيئاً من القرآن والادعية، وانشغل بالتسبيح فيما كان الناس يفدون الى مجلسه مسلمين عليه، حتى طلعت الشمس. فسأل الامير قائلا: ألم يأتوا اليوم بمجرم؟ فقيل له: جيء لنا بشاب ارتكب جريمة قتل، فقال: هل هناك من يشهد عليه؟ فقيل: لا، فهو مقرّ بجريمته. فقال الامير: لا حول ولا قوّة الا بالله العلي العظيم، آتوني به كي انظر في امره، وعندما وقع نظر الامير عليه قال متعجباً: أهذا هو! انه لا تبدو عليه سيماء المجرمين، بل ان امارات النجابة، ونور الاسلام يشّعان من وجهه، لا اظن ان مثل هذه الجريمة قد صدرت منه، لقد كذبوا عليه، وانا لا اصدق قول احد فيه. وظلّ امير الحرس العجوز يمتدح الشاب، ويطري عليه، ويدافع عنه وينفي عنه التهمة، وكان قصده من ذلك ان يتراجع الشاب عن اقراره على نفسه، وينفي التهمة عنه، وينكرها وهنا التفت الى الشاب وسأله عما يقوله، فقال الشاب: لقد شاء القضاء ان ارتكب تلك الجريمة جهلاً وخطأ، وهناك في انتظاري عالم آخر، ولا اطيق احتمال عذاب الله عزوجل في ذلك العالم، فأجْرِ عليّ حكم الله!. فحاول الامير مرة اخرى عسى ان يرجع عن اقراره على نفسه، وطلب منه ان يتروى في ذلك، وان يفكر في الامر، وان يحدثه بصراحة فيما اذا كان هناك اعداء اجبروه على ان يقرّ على نفسه بجريمة لم يرتكبها الا ان الشاب اصرّ قائلا: ايها الامير، لم يجبرني احد على ذلك، واني اقرّ بجريمتي، واطلب منك ان تنفذ حكم الله فيّ. وحينئذ التفت الامير الى من كان حاضراً في المجلس قائلا: ايها الناس هل رأيتم الى الآن شاباً مسلماً يخشى الله تعالى ويفكر في عاقبته كهذا الشاب، ان نور السعادة، والاسلام، والتربية الصالحة ليشع من وجهه كما يشعّ الضياء من الشمس، انه يقرّ خوفاً من الله، اني لأظنّه سيحشر مع الشهداء والصديقين وسينعم في قصور الجنة مع الحور العين، ثم امر الشاب ان يغتسل، ويصلي ركعتين، وان يطلب التوبة من الله، ويستغفره، حتى يكون مستعداً لتقبل حكم الله فيه، ففعل الشاب ذلك وهو اشدّ ما يكون اشتياقاً الى الموت بعد ان سمع كلام الامير. وما هي الاّ لحظات حتى حضر السيّاف، وفصل رأس الشاب عن جسده في لحظة واحدة هي كلمح البصر، وتفرّق الناس، وعاد الخادم الى النديم، وحكى له كل ما رآه من عجائب وغرائب امر ذلك الامير. مستمعينا الاعزاء! في حلقة الاسبوع المقبل سنستكمل سرد احداث هذه القصة العجيبة التي رواها لنا نظام الملك في كتابه سياستنامه. حيث سيبظل العجب عندما نعرف السبب، وعندما نحيط علماً بمغزى هذه الحكاية المعبرة. فحتى ذلك الحين نستودعكم الله، والى الملتقى. ******* لمحة عن نظام الملك وكتابه "سير الملوك" (سياستنامه) - 20 2007-05-26 00:00:00 2007-05-26 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3052 http://arabic.irib.ir/programs/item/3052 اعزتنا المستمعين! من بين الروائع الاخرى الكثيرة التي يزخر بها التراث الاسلامي في ايران. كتاب (سياستنامه) او (سير الملوك) لمؤلفه ابي علي الحسن بن علي بن اسحاق المعروف بلقب (نظام الملك). وُلِدَ هذا العالم والوزير عام 408 هـ في قرية من قرى طوس الا ان اجداده ينحدرون من مدينة بيهق بسبزوار. وقد كان نظام الملك يعمل في الكتابة الديوانة في ايام سيطرة التركمان على خراسان والتي بدأت منذ عام 428هـ حيث كان يستلم مقاليد حكومة بلخ في تلك الفترة ابو علي بن شادان. وعندما سيطر الجَغري والد ألب ارسلان على ترمذ وبلخ اختار ابا علي بن شادان وزيراً له، وبذلك انخرط نظام الملك في خدمة السلاجقة، واوكل اليه ابو علي رئاسة ديوان ألب ارسلان ابن الجغري، وتدبير شؤونه. وبعد ان وصل ألب ارسلان الى الحكم اوكل الوزارة الى نظام الملك بدلا من ابي نصر الكندري، حيث بقي في هذا المنصب منذ عام 456هـ وحتى العاشر من شهر رمضان من عام 485هـ وهو التاريخ الذي قُتِلَ فيه. وقد مارس نظام الملك مهامه بكل استقلالية وقوة بحيث ان الفضل في الشهرة التي حققها الملكان السابقان يعود الى حكمة، ومهارة هذا الوزير. وفيما يتعلق بقصة تأليف كتاب سياستنامه او سير الملوك فقد قيل في هذا المجال ان ملكشاه طلب في اواخر سلطنته من عدد من الوزراء ان يولفوا كتاباً في باب الاسلوب الافضل لادارة البلاد، وتدبير الشؤون الدينية والدنيوية حتى يتخذ فيه منهاجاً في سياسته. فكتب كل واحد منهم كتاباً، الا ان الملك استحسن من بينها الكتاب الذي الفه الخواجه نظام الملك، ثم امره باتمامه، واضافة فصول اخرى اليه. وفي سفره الاخير مع ملكشاه الى بغداد في عام 485هـ، دفع باجزاء كتاب سير الملوك الى ناسخ الكتب السلطانية الخاصة محمد المغربي لكي ينسخها ويقدم هذه النسخة الى السلطان فيما اذا وقع حادث لنظام الملك. واستناداً الى ما ذكره المؤرخون فقد تم جمع وتنظيم النسخة النهائية لكتاب سياستنامه او سير الملوك، بعد مقتل الخواجه نظام الملك اي ما بين عامي 492 و505هـ. مستمعينا الافاضل! يشتمل هذا الكتاب السياسي والاخلاقي الخالد على خمسين فصلاً يبدؤها المؤلف بطرح بعض من التعاليم والقوانين الاخلاقية والسياسية، ثم يورد حينئذ حكايات، وقصصاً مختلفة بعضها قصير، والآخر طويل حسب ما يقتضيه المقام شافعاً اياها بآيات من القرآن الكريم، واحاديث وروايات عن النبي الاعظم صلى الله عليه وآله. ويعدُّ نثر هذا الكتاب من النوع السلس البسيط الجذاب والبعيد عن التكلف، والتعقيد، فالالفاظ والتراكيب لطيفة، وجميلة ومتواجدة بكثرة في الكتاب، ولا نرى فيه عبارات ركيكة وممجوجة الا نادراً. وكما اشرنا فيما مضى فان كتاب سياستنامه يدور موضوعه الرئيس حول اسلوب، ومنهاج ادارة البلاد، وتدبير الشؤون الدينية والدنيوية، وهو مشحون في نفس الوقت بالمواعظ الاخلاقية، والحكم، وهو كما يقول عنه المؤلف نفسه: (... يجمع بين الموعظة والحكمة، والامثال، وتفسير القرآن، واخبار النبي، وقصص الانبياء، وسير وحكايات الملوك العادلين، فمن الماضين خبر، ومن الباقين سمر، وهو مختصر رغم غزارة المواضيع، ويليق بالملك العادل...). واذا ما غضينا النظر عن القصص والحكايا المعبرة التي يتضمنها هذا الكتاب، وقصص واخبار الملوك والامراء والوجهاء الموجودة فيه، فان هذا الكتاب يحظى باهمية خاصة من ناحية دراسة التاريخ السياسي والاجتماعي، فلقد انصب الاهتمام فيه على القيمة العملية للقضايا والمسائل المختلفة اكثر من جانبها النظري. فنظام الملك لا يهتم في كتابه هذا بقضية تعيين افضل انواع الحكم، والعدالة المجردة، اما يصطلح عليه اليوم باسم (النظرية الحقوقية) بل انه يهتم بتسليط الاضواء على امور من الممكن ان تسهم في تثبيت اساس الحكم. ولعلنا نستطيع ان نعتبر كتاب سياستنامه او سير الملوك من جملة المصادر التي يستطيع الباحثون من خلال تأمل، ودراسة تفاصيلها، ومقارنتها مع الكتب الاخرى ان يسلطوا الاضواء اكثر على ذلك الموضوع المهم. احبتنا المستمعين الاكارم! يخصص الخواجه نظام الملك احد فصول كتابه سير الملوك للحديث عن عمّال او ولاة الحاكم او الخليفة وما يجب ان يتحلوا به من صفات، وما يجب على الخليفة والحاكم ان يتحراه فيه فيقول في هذا المضمار: (عندما يوكل عمل من قبل الحاكم الى العمال فان من الواجب عليه ان يوصيهم ان يحسنوا التعامل والسيرة مع خلق الله تعالى، وان لا يأخذوا سوى ما حقّ من مال وبالمداراة وحسن الخلق، وان لا يقبضوا منهم هذه الاموال حتى تنضج محاصيلهم ويحين وقت حصادها، فانهم اذا طلبوها منهم قبل ذلك حملوهم ما لاطاقة لهم به، فيضطرون الى بيع محاصيلهم بأبخس الاثمان، فيبتلون بالفقر والفاقة...). (... واذا ما اصبح احد الرعية عاجزاً، واضحى محتاجاً الى الزرع والضّرع، فان عليهم ان يقرضوه، ويخففوا عليه حتى يستطيع ان يقيم اوده، وان لايبتلى بالتغرّب والتشرّد عن داره...). ويروي نظام الملك في هذا المجال حكاية عن احد الملوك القدامى، والتدبير الذي قام به عندما ابتليت مملكته بالقحط في احدى السنين فيقول: (سمعت ان سبع سنوات من القحط حلّت على العالم في زمان الملك قباد، وانقطعت البركات من السماء، فأمرعمّاله وولاته ان يبيعوا الغلات التي كانوا يحتفظون بها، وان يتصدقوا بالبعض منها، ويساعدوا من بيت المال والخزانة الفقراء والمعدمين حتى ان احداً من رعيته لم يمت من الجوع في تلك السنوات السبع...). ويوصي الخواجه نظام الملك الحاكم ان يسأل عن احوال وزرائه ومعتمديه في السرّ حتى يرى ما اذا كانوا يسيّرون الامور والاعمال على وجهها، ذلك لان صلاح وفساد الملك والمملكة مرتبطان بسيرة الولاة، فاذا كان الوزير حسن السيرة صلح امر البلاد، وغمر الرضى والارتياح الجيش والرعايا، ونَعِمَ الملك براحة البال وصفائه. واذا ما كان الوزير سيّء السيرة متعاملاً مع الرعية بالاثم والعدوان، مفسداً للامور الى درجة بحيث لا يمكن تلافي هذا الفساد، فان الملك سيكون متحيراً دوماً، ومتألّم القلب والخاطر، وسيعمّ الاضطراب والفوضى البلاد. مستمعينا الاكارم! ويبسط مؤلف كتاب سير الملوك في فصل آخر الحديث عن مرفق مهم آخر من مرافق الدولة الا وهو جهاز الحرس وما يجب ان يكون عليه، فيؤكد في هذا الصدد ان امارة الحرس تمثل واحداً من الاعمال المهمة والخطيرة الشأن في كل زمان، فليس هناك في بلاط الملوك من هو اعظم منزلة من امير الحرس سوى امير الحجّاب ذلك لان شغله مرتبط بالسياسة بشكل مباشر، فهو عضد الملك، ويده التي يصول بها. ويوصي نظام الملك الملوك والحكام ان يتقوا الله جل وعلا في هذا الجهاز المهم والحيوي من اجهزة الدولة، وان يجعلوه اداة لخدمة الخلق، واحقاق الحق، وابطال الباطل، واغاثة المظلوم، وقطع دابر الظالم، وانزال العقوبة عليه بحيث لا يحدث نفسه بعد ذلك في ظلم الاخرين. وان لايستغلوا هذه القوة الضاربة في تثبيت دعائم حكمهم على حساب الرعية، ويحذروا كل الحذر من ان يحولوها الى وسيلة للقمع، وممارسة الظلم، وجمع الاموال، وتحميل الرعية ما لاتطيقه، وارهاقها بما لاتستطيع الصبرعليه، فان في ذلك خيانة لامانة الله تعالى فيهم، وعدم التزام بشروط خلافته في الارض. فلقد امر الخالق جلا وعلا الملوك والحكام بان يسيروا بالعدل في الرعية، وان لايسوّغوا لانفسهم ان يظلموهم ولو بمقدار ذرة، ولا يسيؤوا استغلال القوة والامكانيات التي حباهم الله في ابتزاز الاموال من العباد، وقسرهم على الطاعة والامتثال. وان يشكروه عزوجل على نعمة السلطة والاقتدار من خلال استغلالها في نشر الرفاهية بين الناس، واعمار البلاد، وتوفير الامن وضمانة، وحماية المظلوم، ودفع العدوان عن البلاد بدلا من الانشغال في القمع والارهاب، واستنزاف وهدر قوى وقدرات البلاد فيما لا طائل من ورائه، وما لايخدم الا مصالح اعداء الدين. وفي هذا المضمار يورد الخواجه نظام الملك الكثير من القصص والحكايات التي تستبطن العديد من الدروس والعبر في مضمار الطريقة الامثل لادارة شؤون البلاد، وتسيير دفة الحكم. هذه القصص والحكايا سنستعرض اخوتنا المستمعين جانباً منها في حلقة الاسبع المقبل باذن الله. فحتى ذلك الحين نستودعكم الرعاية الالهية. وكونوا في انتظارنا. ******* عن القضاء والكتابه والمزاح من كتاب "قابوس نامه" - 19 2007-05-23 00:00:00 2007-05-23 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3051 http://arabic.irib.ir/programs/item/3051 مستمعينا الافاضل! يسرّنا ان نلتقيكم مجدداً عند جولة اخرى من جولاتنا الاسبوعية في رياض التراث الذي سطره العلماء المسلمون في ايران. عبر برنامجكم الاسبوع عبارات واشارات. اخوتنا المستمعين الاكارم! يستمر عنصر المعالي في كتابه الاخلاقي الخالد قابوسنامه بالقاء مواعظه، ونصائحه، وارشاداته لولده بخصوص طلب العلم والفقه في الدين والشرائع وآدابه. فيخصص الحديث في احد فروع هذا الباب للقضاء، وما ينبغي ان يأخذ به القاضي نفسه، ويلتزم به من شروط، وآداب معتبراً القضاء من المهن، والعلوم الشريفة السامية التي تفوق سائر العلوم ي درجتها، ومنزلتها، حيث يقول في هذا الصدد مخاطباً ابنه جيلانشاه: (... واذا انت سبقت العلماء، وارتفعت عليهم درجة بان اصبحت قاضياً، فان عليك ان تكون كالقضاة حليماً، صبوراً، حادّ الذهن، متوقّد الذكاء، مدبّراً، ودقيق الملاحظة والفراسة، وعارفاً خبيراً باحوال الناس، وخفايا اخلاقهم وسرائرهم، وعالماً بالدين، مطلعاً على ما يُفتي به كل مذهب...). (... وعليك ان تحيط علماً باحتيال كل فرقة، وترتيب كل مذهب وقوم، وان تكون مطلعاً على حيل القضاة، فان حان وقت اصدار الحكم على مظلوم، ولم يكن يمتلك شاهداً، وكاد الظلم ان يقع عليه، ويُسلب منه حقه، فان عليك ان تدقق في امر هذا المظلوم، وتنظر فيه بعين التفحص والفراسة، حتى تعيد اليه حقه، وتنفي عنه الظلم والجور بحيلتك وتدبيرك. ويتطرق الامير عنصر المعالي في جانب آخر من جوانب وصاياه الاخلاقية الشاملة في كتابه قابوسنامه الى موضوع، وشأن آخر من شؤون الحياة، بل مهنة اخرى من المهن التي من الممكن ان يمتهنها الانسان في حياته الا وهي الكتابة. فيقدم في هذا المجال وهو الكاتب الاديب خلاصة خبرته، وتجاربه في هذا المضمار لولده مؤكداً في البدء ضرورة ان يكون من يريد ان يعمل في الكتابة حسن الخط، قادراً على تصريف وجوه الكلام، معتاداً على كثرة الكتابة حتى تصبح لديه مهارة وملكة. وان يراعي الاختصار والايجاز ما استطاع، ويضمن المعاني الكثيرة في جمل وعبارات قصيرة موجزة دون ان ينسى تزيينها بالاستعارات، والصناعات البديعية والبلاغية، وقبل كل ذلك يجب ان لايغيب عن باله تصدر كتابته بالبسملة، وذكر الله سبحانه، والصلاة والسلام على النبي وآله، واغناء محتواها بذكر الآيات القرآنية، والاستشهاد باحاديث النبي صلى الله عليه وآله. وباعتباره ايرانياً، ينطق باللغة الفارسية، فانه يوصي ولده في هذا الصدد ان لاتكون كتابته فارسية مطلقة بل عليه ان يمزجها، ويزينها بالكلمات والالفاظ العربية، وان يتجنب الكلمات والعبارات القديمة التي عفا عليها الدهر. وان يتجنب اذا ما كتب بالعربية التكلف والتعسف، ويزين كلامه بالسَجْع لانه من فنون النثر العربي، في حين ان ممجوج غير مستحسن في نظيره الفارسي وان احترز منه الكاتب كان له افضل، ولكلامه اجمل، وازين. والمهم في كل ذلك يقول صاحب القابوسنامه موصياً ولده ان يكون كلام الكاتب متميزاً، مزيناً بالاستعارات، آخذاً فيه بالايجاز والاختصار، وان يحيط الكاتب علماً باسرار، وفنون، وخفايا الكتابة، ويدرك مغزى الكلام الذي يبدو مستعصياً على الفهم والادراك في ظاهره. اخوتنا المستمعين! وفي باب آخر من ابواب كتابه يبسط الامير الاديب عنصر المعالي كيكاوس حديثه عن موضوع مهم آخر، وظاهرة مهمة من ظواهر الحياة على الانسان ان يأخذ نفسه فيها بالاداب المعينة لها، وان لا يطلق لها العنان. هذه الظاهرة هي ظاهرة المزاح وحدودها، وقيودها، وآدابها، حيث يقول مؤلف القابوسنامه في هذا الصدد: (اعلم بنيّ ان المزاح مقدمة الشر، فاجتنب ما استطعت المزاح في غير مقامه وموضعه، واحذر من ان تمزج مزاحك بالسبّ والشتيمة، بل عليك ان استطعت ان تتجنب المزاح في كل الاحوال رغم ان المزاح ليس بعيب ذلك لان رسول الله صلى الله وعليه وآله كان يمزح في بعض الاحيان...). (... وقد جاء في الخبر انّ امرأة عجوزاً كانت ذات مرة في بيت عائشة فسألت النبي صلى الله وعليه وآله قائلة: هل انا من اصحاب الجنة، ام من اصحاب النار؟ فابتسم النبي صلى الله عليه وآله واراد ان يمازحها قائلا: لاتدخل الجنة عجوز! وهو يريد ان الطاعنين في السن لا يدخلون الجنة بل يرجعهم الله سبحانه الى عهد شبابهم، ثم يدخلهم بعد ذلك الجنة...). وهكذا فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يمزح ولكنه لم يكن يقول الاّ حقاً، فلم يكن يلوّث مزاحه بكذب، او نَبْز، او كلام باطل، مما اعتاد المازحون مزجه بمزاحهم، فيثيرون بذلك غضب الآخرين بدلاً من ان يكون مزاحهم سبباً للترويج عن النفس، وادخال الفرح والسرور على قلوب الآخرين. احبتنا المستمعين! ويختتم الامير عنصر المعالي وصاياه، وارشاداته لولده بالحديث عن آيات الله جل وعلا في الكون، وعجائب مخلوقاته، واسرار حكمته، ثم بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وآله، فيقول في هذا المضمار: (... واعلم بنيّ ان الله تعالى لم يخلق هذا العالم احتياجاً له، بل خلقه بموجب العدل، وزينه بموجب الحكمة، ذلك لان الوجود افضل من العدم، والكون احسن من الفساد، والزيادة ارجح من النقصان، والجميل افضل من القبيح، والله جل وعلا قادر على الامرين معاً، وهو عليم صنع ما هو افضل، ولم يفعل ما يخالف علمه...). (... فما كان يقتضي العدل، فانه لايقتضي ولايوجب الجهل والعبث، فكان كل شيء مخلوقاً على اساس الحكمة، مصوراً على اساس الانسجام والجمال، في نفس الوقت الذي كان فيه الخالق تعالى قادراً على ان يمنح الضياء دون ان يخلق الشمس، وينزل المطر من غير سحاب، ويركب الطبائع دون تركيب، وهكذا فانه جل وعلا لم يخلق شيئاً دون واسطة، فجعل هذه الواسطة سبب الكون والفساد اقتضاء للحكمة...). اخوتنا المستمعين! وبعد ان يتحدث صاحب القابوسنامه عن آيات الله عزوجل في الكون، وخلقه كل شيء على اساس الحكمة والتدبير، يخلص الى تفصيل الكلام عن حكمة خلقه تعالى للناس، وحكمة ارساله وبعثه للانبياء والرسل، فيقول في هذا المجال: (... واختار جل وعلا من بين الرجال الانبياء والمرسلين، وافاض عليهم العلم والحكمة، فأمرهم ان يعلموا الناس نظام، وترتيب الاسترازق، وشكر الله على هذا الرزق حتى يكون خلق العالم قائماً على العدل، والعدل قائماً على الحكمة، والحكمة مستمدة من الانبياء، والرسل، وبالتالي من الله تبارك وتعالى...). ويوصي الامير العالم والاديب عنصر المعالي كيكاوس ولده في ختام حديثه هذا، يوصي ولده بان يكون مؤمناً بالمغيبات ومن بينها الملائكة، وان يعتقد صدق جميع الانبياء والرسل دون استثناء كما امره الله تعالى بذلك في محكم كتابه الكريم. وان يكون مطيعاً لاوامر الله سبحانه في شرائعه، وتعاليمه، ممتثلاً لها، مسارعاً الى العمل بها، وان لايقتصر في شكر المنعم، ويرعى حرمة فرائض الدين ويلتزم بأدائها حتى يكون محمود السيرة في الدنيا، حسن العاقبة في الاخرة. بهذا احبتنا المستمعين الاكارم، نأتي الى ختام تطوافنا لهذا الاسبوع في روائع التراث الادبي، والاخلاقي في ايران الاسلام. على امل ان نلتقيكم في حلقة الاسبوع القادم عند رائعة جديدة من هذه الروائع. نستودعكم الله والى الملتقى. ******* حكايات ووصايا للشباب من صاحب كتاب "قابوس نامه" - 18 2007-05-21 00:00:00 2007-05-21 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3050 http://arabic.irib.ir/programs/item/3050 مستمعينا الاكارم! اهلاً ومرحباً في هذه الجولة الجديدة من برنامجكم الاسبوعي (عبارات واشارات). حيث نقضي معاً دقائق نأمل ان تكون مفيدة وممتعة مع الكلمة الطيبة، والتعبير الادبي الهادف. في ربوع التراث الاسلامي في ايران عبر روائعه، واسفاره الخالدة. احبتنا المستمعين! في جانب آخر من وصاياه يحذر صاحب قابوسنامه ولده من طيش الشباب ونزقه دون ان ينسى حقوق مرحلة الشباب عليه، فالشباب - كما يرى المؤلف- نوع من الجنون، ومدعاة الى التهور، والوقوع في المهالك والمزالق. كما يؤكد بدلا من ذلك ان يحرص على ان يكون شيخاً في عقله، وان لاينسى الخالق تعالى، ويضع الموت نصب عينيه دوماً ذلك لان الموت لايميز بين شاب وشيخ. وفي هذا المجال - اي مجال حتمية الموت وطلبه للانسان دون تمييز- يورد الامر عنصر المعالي حكاية لطيفة معبرة، استمدّ منها احد الامثال المشهورة. يقول عنصر المعالي في هذه الحكاية: (سمعت ان رجلاً في مدينة مرو كان يعمل خياطاً، وكان دكانه يقع عند بوابة المقبرة، وقد كان من عادة هذا الخياط ان يعلّق جرّة بمسمار، وان يقذف بحصاة في داخلها كلما ادخل الناس جنازة في المقبرة، ثم يحصي عند نهاية كل شهر عدد الحصى الذي قذفه في الجرة ليعلم عدد الموتى ثم يفرغ الكوزة مرة اخرى وهكذا حتى انقضت سنوات عديدة وهو على هذه الحال، حتى شاء القدر ان يموت هذا الخياط، ثم ان رجلاً سأل عنه دون ان يعلم بموته، فرأى باب دكانه مغلقاً، فسأل عنه جيرانه فقالوا له: لقد سقط الخياط هو الآخر في الكوز!). مستمعينا الاكارم! ومن جملة الوصايا والارشادات الاخلاقية الاخرى التي يلقيها الامير عنصر المعالي لولده جيلانشاه في كتابه قابوسنامه التأكيد على ان يكون منظماً، وعارفاً بقيمة وقدر اوقاته، وان يخصص لكل عمل وقتاً، ولا يخلط بين الاعمال، ذلك لان هذا الخلط هو مضيعة للوقت، وتفويت على الانسان فرصة الاستغلال الامثل لاوقاته. ويوصي عنصر المعالي ولده بان يتشبه في ذلك بالكبار والحكماء الذي اعتادوا على ان يقسموا اوقاتهم طبق نظام معين الى درجة ان خدمهم يعرفون نظامهم هذا فلا يدخلون عليهم عندما يكونون منشغلين باعمال معينة. وفي معرض حديثه عن النظام وضرورته يبدأ صاحب القابوسنامه حديثه عن تناول الطعام، وضرورته ان ياخذ الانسان فيه نفسه بنظام محدد فيقول في هذا المجال: (... اعلم ان عادة عامة الناس وسوقتهم جرت على ان يتناولوا اكثر طعامهم في الليل في حين ان هذه العادة تسبب لهم الضرر الكبير ذلك لانهم يبتلون بالتخمة دوماً. واسع ياولدي في هذا المجال ان تتشبه بخواص الناس واعفائهم فلا تتناول من الطعام الا بقدر حاجتك، وما يقيم اودك، وما يعينك على العبادة، والعمل المفيد، وخدمة الخلق، واحرص على ان تدعو الى مائدتك من كان حاضراً لديك، وان لا تتعجل في تناول الطعام، وتتأنى فيه، وان تعوّد نفسك الحديث والكلام عند الاكل كما اوصى بذلك الاسلام، ولكن عليك ان تعلم ان من آداب تناول الطعام ان تطأطأ رأسك، ولا تتطلع على اللقمة التي يتناولها الآخرون...). احبتنا المستمعين! وتأييداً واثباتاً لوصيته السابقة بشأن ضرورة الالتزام بآداب تناول الطعام يورد صاحب القابوسنامه حكاية عن الشاعر والاديب والوزير المعروف الصاحب بن عبّاد، يقول فيها: (سمعت ان الصاحب بن عبّاد، كان يتناول الطعام ذات مرة مع ندمائه والمقربين اليه، وفي اثناء ذلك تناول رجل لقمة من احد الصحون وكانت هناك شعرة عالقة في لقمته لم يرها الرجل، فقال له الصاحب: التقط يا رجل الشعرة من لقمتك، فأعاد الرجل اللقمة الى الصحن، وترك الوليمة، فأمر الصاحب بارجاعه وسأله قائلا: يا رجل! لماذا تركت مائدتنا دون ان تكمل طعامك؟! فقال الرجل: يجب على الانسان ان لا يأكل من طعام رجل يرى الشعرة في لقمة ضيفه، فخجل الصاحب من كلامه، واعتذر اليه...). وبعد ان يبسط الامير عنصر المعالي الحديث عن جوانب ومظاهر مختلفة من النظام في الحياة كالاكل، والنوم، والضيافة، يتناول في احد ابواب كتابه احدى الفضائل الاخلاقية التي يجب على الانسان ان يتحلى بها الا وهي الحفاظ على الامانة. فيوصي ولده في البدء ان يحرص على ان لا يقبل امانة من احد في جميع الاحوال نظراً الى انها تمثل مسؤولية خطيرة وثقيلة قد لايستطيع ان يؤديها حق ادائها. ويبرر عنصر المعالي وصيته لولده بان لا يقبل الامانة، ذلك لان قبول الامانة يقتضي بل يوجب على الانسان ان يعيدها سالمة كما اوصى بذلك الله سبحانه وتعالى في قوله: «ان الله يامركم ان تؤدوا الامانات الى اهلها» وكما اكد ذلك النبي صلى الله عليه وآله في قوله: (ردوا الامانات الى اهلها). وهكذا - يقول صاحب القابوسنامه- فان الرجولة والمروءة تقتضيان ان لا يقبل الانسان امانات الناس، واذا ما حدث وان قبلها فعليه ان يبذل كل جهده، ويحرص كل الحرص على اعادتها الى صاحبها سالمة. اعزتنا المستمعين! وينتقل الاميرعنصر المعالي بعد ذلك الى جانب آخر من وصاياه الاخلاقية وهو حق الابن على الاب، وهو لا يختلف في ذلك عن الوصايا والارشادات الاسلامية في هذا المجال من قبيل وجوب ان يسمّي الاب ابنه باسم حسن، وان يوكل امره الى مُرّبٍ عارف، حسن الاخلاق، معروف بحسن السيرة. وان يعلمه القرآن الكريم حتى يحفظ هذا الكتاب، وان يعلمه مهنة يرتزق من ورائها، وباختصار فان من حق الابن على الاب ان يعلمه من كل فضل وادب حتى يكون الاب بذلك قد ادى حق الابوة وشفقتها. اخوتنا المستمعين! وفيما يتعلق بالاسلوب الصحيح لاتخاذ الاصدقاء يوصي الامير عنصر المعالي ابنه قائلا: (اعلم بنيّ ان الانسان لا غنى له عن الصديق مادام حياً فلئن يكون الرجل بدون اخ افضل له من ان يكون بدون صديق، فلقد سُئل احد الحكماء: ايّهما افضل الصديق ام الاخ؟ فقال: الصديق افضل حتى من الاخ، ففكّرْ اذن في امر الاصدقاء، فمن لم يفكر في الاصدقاء، فان الاصدقاء لايفكرون فيه ايضاً، فيكون الانسان عديم الاصدقاء دوما، وقد قيل قديماً ان الصديق يغني الرجل عن قومه واقاربه...). ويوصي مؤلف الكتاب بعد ذلك بان يتخذ الانسان الاصدقاء في كل وقت ذلك لان الاصدقاء من شأنهم ان يغطوا الكثير من عيوب الانسان، ويزيدوا، ويوسعوا من ادبه. ولكن على الانسان وهو يتخذ الاصدقاء الجدد ان لا يعرض عن اصدقائه القدامى، ففي نفس الوقت الذي يتعرف فيه على اصدقاء آخرين عليه ان يبقي على اصدقائه السابقين لكي يكون كثير الاصدقاء دائماً فقد قيل ان الصديق هو كنز نفيس على الانسان ان يحرص عليه. ويخصص مؤلف كتاب القابوسنامه احد ابواب كتابه هذا للحديث عن فضيلة طلب العلم والفقه، ومعاشرة الفقهاء، فيذكر في هذا الصدد بان طالب العلم يجب ان يكون متقياً وقانعاً، ومحباً للعلم، ومبغضاً للدنيا، وصبوراً، وخفيف الروح، وقليل النوم، وحريصاً على الكتابة والدرس. وان يكون بالاضافة الى ذلك متواضعاً، وحافظاً، ومكرراً للكلام، ومتفحصاً للسّير والتاريخ، ومحباً للعلماء، وان يكون حريصاً نابذاً للحياء في طلب العلم، وعارفاً بحق استاذه. كما يرى المؤلف ايضاً ان على طالب العلم ان لايكون قلبه حين الدرس متعلقاً بشيء آخر سوى العلم، وان يحرص على تعلم وتكرار كل ما يسمعه في حلقة الدرس. ومن الفضائل والخصائل الاخرى التي يجب ان يتحلى بها طالب العلم ان يكون قليل الكلام، بعيد التفكير، غير قانع بالتقليد، ذلك لان من يتحلى من طلاب العلم بهذه الصفات، وتكون سيرته على هذه الشاكلة لايلبث ان يصبح وحيد دهره، وفريد زمانه في العلم والفضل. احبتنا المستمعين الكرام! اسمحوا لنا الآن ان نودعكم على امل ان نلتقيكم في حلقة الاسبوع المقبل باذن الله عند جولة اخرى في سفر الاخلاق والادب القيّم قابوسنامه. فحتى ذلك الايمان نستودعكم الرعاية الالهية، شاكرين لكم حسن اصغائكم ومتابعتكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وتقبلوا تحيات اسرة برنامج عبارات واشارات. ******* معرفة الله في كتاب "قابوس نامه" - 17 2007-05-19 00:00:00 2007-05-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3049 http://arabic.irib.ir/programs/item/3049 مستمعينا الاحبة! سلام من الله عليكم ورحمته وبركاته. جولة ممتعة ومفيدة نرجوها لكم في حلقة اخرى من حلقات برنامجكم المتجدد (عبارات واشارات). حيث الكلمة الطيبة، والحكاية المعبرة، والاحاديث المفعمة بالدروس والعبر عبر اسفار وروائع التراث الاسلامي في بلاد ايران. اعزتنا المستمعين! الوصية الاولى التي يوصي بها الامير عنصر المعالي ولده في كتابه التربوي الاخلاقي قابوسنامه هي معرفة الله جل وعلا. حيث يقرر في هذا المجال ان معرفة الذات الالهية متعذرة على الانسان بقابلياته، ومداركه المحدودة، ذلك لان الذات الالهية المقدسة واجبة الوجود، والانسان ممكن الوجود، ومن المعلوم ان ما امكن وجوده لايمكنه مطلقاً ان يدرك ويحيط علماً بما وجب وجوده. وفي هذا المجال يورد صاحب قابوسنامه حديثاً عن النبي صلى الله عليه وآله ينهى فيه العبد عن التفكّر في ذات الله، ويوصيه بدلاً من ذلك في التفكّر، والتأمّل في مخلوقاته، وآياته، وآلائه ذلك لان التفكّر في ذات الخالق سبحانه لايزيد صاحبه الا حيرة، وبُعداً عن الحقيقة. يقول نبيّنا المصطفى صلى الله عليه وآله في هذا الصدد: (تفكّروا في آلاء الله ونَعْمائه، ولاتتفكّروا في الله)، فالطريق الوحيد لمعرفة الخالق سبحانه وتعالى، هو التأمّل في آثاره، والتفكّر في آياته المبثوثة في ارجاء الكون لكي يزداد الانسان من خلال هذا التفكّر والتأمّل ايماناً ببارئه، ومعرفة به من خلال معرفة صفاته المتجسدة في كل جزء من اجزاء هذه الحياة وفي مقدمتها نفس الانسان ذاته. اخوتنا المستمعين! وبعد ان يبسط عنصر المعالي الحديث عن ضرورة معرفة الخالق جل وعلا كمقدمة لجميع انواع المعارف الاخرى، ولانطلاقة الانسان في حياته، وتعامله مع نفسه، ومع الآخرين، يفرد فصلا آخر عن ضرورة ان يتحلى الانسان بالعقل والادب لكي يزداد بذلك شرفاً، ومرتبة. فيقول المؤلف في هذا الصدد موجهاً وصيته الى ولده: (اعلم نبيّ ان الاشخاص الذين يفتقرون الى الفن والادب عديمو الفائدة دوماً، وهم يشبهون بذلك شجرة (المغيلان) التي تمتلك هيكلاً الاّ انها لا تلقي ظلاً، فلا هي تنفع نفسها، ولا هي تنفع غيرها. والاناس الاصلاء وذوو النسب الرفيع موقرون ومحترمون من قبل غيرهم حتى وان لم يكونوا يمتلكون خطاً من الادب والفن، الا ان الاسوأ من ذلك الانسان الذي يفتقر الى كل من النسب الاصيل، والادب والفن...). مستمعينا الافاضل! ومن جملة الوصايا الاخرى التي يلقيها الامير عنصر المعالي للجيل الشاب والصاعد بشكل عام، ولولده بشكل خاص، ان يسعى دائماً من اجل ان يكون ممدوح الاخلاق بين الناس، وان يحرص على ان لا يكون ممدوحاً من قبل الجاهلين، ذلك لان الممدوح من قبل العامة مذموم من قبل الخاصة. وتأييداً لهذه الوصية يذكر صاحب القابوسنامه حكاية معبرة عن الفيلسوف اليوناني المعروف افلاطون يقول فيها: (قيل ان افلاطون كان ذات يوم جالساً بين وجهاء المدينة وخاصتها، فدخل عليه رجل وسلّم عليه وتحدث في موضوعات شتى وفي اثناء حديثه قال: ايّها الحكيم! رأيت اليوم الرجل الفلاني وكان يتحدث عنك، ويدعو لك، ويثني عليك بكل خير قائلا ان افلاطون رجل عظيم لم ولن يظهر رجل مثله، فأردت ان اوصل شكره اليك. وعندما سمع افلاطون هذا الكلام، طأطأ رأسه، وبكى، وبدا عليه الانقباض، فقال له الرجل: ايّها الحكيم! هل آذيتك في شيء لكي تشعر بالحزن والانقباض الى هذه الدرجة؟!...). (...فقال افلاطون: لم يلحقني اذى منك، ولكن ايّ مصيبة اعظم لي من ان يمدحني جاهل، ويعجبه عملي؟! فأنا لا اعرف اي فعل اتيته عن جهل فأصبحت بذلك قريباً من طبعه، فأعجبه، وحمله على مدحي!...). اخوتنا المستمعين! ويوصي المؤلف بعد ذلك ولده بان يكون عليماً باصول الكلام، عارفاً بمداخله ومخارجه، وان يحذر من الكذب، ويسعى من اجل ان يكون معروفاً بالصدق بين الناس حتى يقبلوا منه الكلام ان ألجأ في يوم من الايام الى الكذب مضطراً...). ويشدد الاب على ابنه في ان يكون كل ما يصدر منه من حديث صدق محذراً اياه من ان يقول الصدق الشبيه بالكذب ذلك لان الكذب الاشبه بالصدق افضل من الصدق الشبيه بالكذب، فذلك الكذب مقبول، في حين ان هذا الصدق غير مقبول. اعزتنا المستمعين! ويرى عنصر المعالي ان لكل كلام وجهين، وجهاً حسناً، وآخر قبيحاً، وهو يوصي ابنه في هذا المجال ان يحدث الناس على افضل واحسن وجه لكي يكون هذا الحديث مقبولاً، ولكي يعرف الناس قدره ودرجته ذلك لان الكبار والعقلاء انما يُعْرَفون بكلامهم في حين ان الكلام لا يُعرَف بالناس. فالانسان مخبوء تحت لسانه، والشاعر يقول في هذا الصدد: وكم من صامت لك معجبٍزيادته او نقصانه في التكلّمِكما تقول الحكمة المعروفة: «المرءُ بأصغريه، قلبه، ولسانه». وفي هذا الصدد يورد المؤلف حكاية طريفة معبرة تدل على دور الكلام، واسلوبه، وطريقة القائه حسب الحالات والمواضع المختلفة في التمخض عن نتائج وردود فعل مختلفة رغم ان الموضوع، او الخبر الذي يريد المتكلم ان يلقيه من وراء كلامه هو واحد. يقول الامير عنصر المعالي في هذا المجال: (سمعت ان هارون الرشيد رأى في المنام ان اسنانه كلها سقطت من فمه، فأرسل في الصباح في طلب مفسّر للاحلام، وسأله عن تفسير هذا المنام. فقال المفسّر: اطال الله عمر امير المؤمنين! سيموت جميع اقاربك قبلك حتى لا يبقى احد من ذويك. فقال هارون: اضربوا هذا الرجل مائة جلدة لانه تفوّه بمثل هذا الكلام المؤلم لي، فما بقائي بعد موت جميع اقاربي قبلي؟!...). (... وحينئذ اتى هارون الرشيد بمفسّر آخر للاحلام، واخبره بالمنام نفسه، فقال المعبر: ان الرؤيا التي رآها امير المؤمنين لتدلّ على ان الله منحه عمراً اطول من جميع اقاربه. فقال هارون: طريق العقل واحد، لقد كان الحلم واحداً، والتفسير واحداً، ولكن هناك فرق بين عبارة واخرى، وأمر ان يمنح هذا الرجل مائة دينار!...). وبعد ان يورد صاحب كتاب قابوسنامه الحكاية السابقة، يحذر في فصل آخر من وصيته ولده من الافراط في الامور، ذلك لان الافراط شؤم، والاعتدال مطلوب في جميع الاعمال، فصاحب الشريعة محمد صلى الله عليه وآله يقول في هذا المجال: (خير الامور اوسطها). وفي هذا الاطار يوصي ولده ان يكون متأنياً في اداء كلامه فلئن يذمّ على وقاره وبطئه في الكلام خير له من ان يذم على خفته وسرعته في هذا الكلام. ثم يحذر من محاولة الاطلاع على سر لا يتعلق به، ومن البوح بسر يخصه، وان يكون قليل الكلام، كثير العمل، حريصاً على المعرفة والعلم بدلاً من الحرص على الثرثرة والكلام ذلك لان الثرثرة تدل على الجهل، وخفة العقل وقلته. مستمعينا الاكارم! في حلقة الاسبوع المقبل سنكمل باذن الله شوطاً آخر من تجوالنا في رحاب هذا السفر الاخلاقي قابوسنامه. فكونوا في انتظارنا شاركين لكم حسن الاصغاء والمتابعة. وراجين ان تتقبلوا تحيات اسرة البرنامج. ******* نظرة على كتاب "قابوس نامه" ومؤلفه - 16 2007-05-16 00:00:00 2007-05-16 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3048 http://arabic.irib.ir/programs/item/3048 احبتنا المستمعين الافاضل! يسرّنا ان نلتقيكم مجدداً عبر حلقة جديدة من حلقات برنامجكم الاسبوعي (عبارات واشارات). آملين ان تقضوا معنا دقائق مفيدة وممتعة مع قطوف التراث الاسلامي الذي سطّره العلماء المسلمون في ايران. اخوتنا الاكارم! من جملة الروائع العرفانية والاخلاقية والادبية الاخرى التي يحفل بها التراث الاسلامي في بلاد ايران. رائعة الاخلاق والموعظة والادب (قابوسنامه) لمؤلفها الامير عنصر المعالي كيكاوس بن اسكندر بن قابوس بن وَشْمجير الزَيّاري. علماً ان اسرة المؤلف (الزَيّارية) كانت تحكم في القرنين الرابع والخامس الهجريين في جرجان، وجيلان، وطبرستان، وقسم كبير من المناطق المركزية والغربية من ايران. فمؤلف الكتاب اذن ينتمي الى عائلة جلّ افرادها من الامراء، والحكام، والملوك كما يشير الى ذلك هو نفسه في مقدمة كتابه حيث يخاطب ابنه (جيلانشاه) متحدثاً عن نسبه قائلا: (كان جدّك شمس المعالي قابوس وشمجير الذي كان ملك جيلان في زمان كيخسرو، وقد اشار ابو المؤيد البلخي الى ذكره في الشاهنامه، واما جدتك التي هي والدتي فقد كانت سليلة الملوك، فهي ابنة المرزبان بن رستم شروين الذي هو مصنف كتاب (المرزبانامه)، واما جدها الثالث عشر فهو كابوس بن قباد اخو الملك انوشيروان العادل...). وقد وُلِدَ الامير عنصر المعالي سنة 412هـ، وتزوج من ابنة السلطان محمود الغزنوي، وانجبت له ولداً اسماه (جيلانشاه)، وما كتاب (قابوسنامه) او (نصيحت نامه) الا رسالة حررها الاب عنصر المعالي، لولده جيلانشاه. وقد كان مؤلف قابوسنامه يعيش في عصر كان فيه للعلم والثقافة منزلة سامية، ودرجة رفعية في ايران، حيث انجب هذا العصر علماء كباراً كثيرين. وبدوره، وتأثراً بعصره فقد كان عنصر المعالي يمتلك معلومات واسعة في جميع العلوم والفنون والآداب، كالعرفان، واللغة، والادب، والشعر، والطب، والموسيقى، والتاريخ، والمعلومات المتعلقة بالحياة في بلاطات الملوك، والجيش. وقد جعل ابو المعالي كتابه قابوسنامه في اربعة واربعين باباً، ضمنها جميع العلوم في عصره، وحثّ ولده على الاخذ بما اشتملت عليه من نصائح ومواعظ. وفي الحقيقة فان كتاب قابوسنامه يمثل مرآة للآداب الاجتماعية، والحضارة في ايران في القرن التاسع الهجري. وبالاضافة الى ما اشتمل عليه هذا الكتاب من موضوعات مفيدة، ومعلومات غزيرة يقدمها للقراء، فانه يتميز من الناحية الادبية والبلاغية بنثر سلس وجميل. حيث كان هذا الكتاب معروفاً في ايران منذ قديم الزمان، ونظراً الى اهميته وقيمته فقد نقل منه الكتّاب والمؤرخون الايرانيون الكثير من المعلومات، والمواضيع في كتبهم. وقد تمت ترجمة كتاب قابوسنامه لحد الآن الى اللغات العربية، والتركية، والفرنسية، والانجليزية، والالمانية، كما طبعت نسخته الفارسية الاصلية عدة مرات في ايران والهند. اعزتنا المستمعين! يبتدئ المؤلف الامير عنصر المعالي كتابه مخاطباً ابنه وموضحاً الاسباب التي دعته الى تأليف هذا الكتاب من هرم، وشيخوخة، واقتراب من الموت، وايذان العمر بالانقضاء فيقول في هذا المجال بعد ان يصدّر كتابه بالبسملة، والحمد والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله: (يقول جامع هذا الكتاب من النصائح الامير عنصر المعالي كيكاوس ابن اسكندر بن قابوس بن وشمجير مولى امير المؤمنين، لابنه جيلانشاه: اعلم يا بني انني قد هرِمْتُ، وغلبني الضعف، والعجز، والوهن، وانني لارى كتاب عزلي من حياتي مسطوراً على شعري ووجهي، وقد عجز اصحاب الحيلة عن محو هذه الكتابة...). (... وبناء على ذلك ياولدي فلأنّي وجدت اسمي في عداد الموتى، فقد رأيت من الصلاح - قبل ان يصلني الامر بعزلي- ان اكتب رسالة اخرى في ذمّ الدهر، والاستفادة الامثل من مواعظه، ونذره، ومن الذكر الحسن الطيب، لافيدك منها بمقتضى محبتي لك حتى تنظر فيّ بنفسك بعين العقل، وتتزود من الذكر الحسن في الدارين قبل ان يؤدبك يد الزمان...). مستمعينا الاحبة! ويؤكد الامير عنصر المعالي بعد ذلك على ولده جيلانشاه ان المهم في كل ذلك ان يأخذ بنصائحه ووصاياه، ويطبقها في حياته، وان لاينجرف وراء طيش الشباب، وغرور الفتوة فيظن نفسه في غنى عن نصائح، ومواعظ، وتجارب الشيوخ الذين خبروا الزمان، وجربوا حوادث الايام، وتقلباتها. ثم يبيّن بعد ذلك ان حق الابوة هو الذي دفعه الى كتابة هذه الرسالة، وان حرصه على فلذة كبده هو الذي حدا به الى تسطير هذه النصائح والمواعظ، والامر في النهاية يعود اليه ان شاء اخذ بها، وان شاء نبذها وراء ظهره، والمهم في كل ذلك ان يكون الاب قد ادّى حق الابوة، وموجباتها. يقول الامير عنصر المعالي في هذا الصدد: (ولا يمنعنّك قلبك عن الاخذ بنصائحي ومواعظي، فاين انت لم تأخذ حظاً حسناً من كلامي فان هناك باحثين آخرين يغتنمون الاستماع الى النصائح، والعمل بها. ورغم ان طبيعة الدهر اقتضت عادة ان لايعمل ابن بنصائح ابيه، ذلك لان في قلوب الشباب ناراً، فهم يتصورون غفلة ان علمهم اشرف واسمى من علم الشيوخ، ورغم انني اعرف ذلك الا ان العطف والاشفاق الابوي لم يدعاني الوذ بالصمت...). (... ولذلك فقد جمعت في كلّ باب ما استوجبه عليّ طبعي من كلام، وكتبت في هذه الرسالة ما هو اكثر وجوباً وضرورة، واشدّ ايجازاً واختصاراً، فان بادرت الى الاخذ بما جاء فيها فان ذلك من شأنك، وهو انفع واصلح لك، والا فانني سأكون بذلك قد ادّيت حقّ وشرط الابوة فقد قيل: ما على القائل سوى القول فان لم يكن هناك من يشري كلامه، فلا ضير عليه...). اعزتنا المستمعين! يبدأ مؤلف قابوسنامه الامير عنصر المعالي مواعظه ونصائحه بتذكيره بالموت، وكون هذه الدنيا فانية زائلة، وكون الآخرة دار القرار والخلود، كل ما هنالك ان هذه الدنيا هي التي تقرر وتحدد مصير الانسان في الآخرة. وعلى هذا الاساس فان على الانسان العاقل ان يبادر الى العمل الصالح، وعمل الخيرات في هذه الدنيا، وان يجعل منها مزرعة لآخرته، وان يسارع الى كل ما من شأنه ان يعمر به آخرته ذلك لان هذه الحياة تمثل الفرصة الوحيدة للانسان لكي يجعل مصيره سعيداً في الآخرة. ويرى الامير عنصر المعالي ان مفتاح السعادة الحقيقية في الدارين هو معرفة الخالق سبحانه وتعالى، ولذلك فانه يوصي ولده اولاّ بان يعرف خالقه لكي يستطيع من خلال هذه المعرفة ان يدخل الدار الاخرة من مدخلها الصحيح. اخوتنا المستمعين الكرام! في الحلقة القادمة سنكمل باذن الله جولتنا في رحاب هذا السفر عبر برنامجكم الاسبوعي (عبارات واشارت). شكراً على حسن المتابعة، وحتى ذلك الحين نستودعكم الرعاية الالهية. وتقبلوا تحيات اسرة البرنامج. ******* من حكايات "منطق الطير" وإضاءات سلوكية - 15 2007-05-14 00:00:00 2007-05-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3045 http://arabic.irib.ir/programs/item/3045 احبتنا المستمعين الاكارم!سلام من الله عليكم ورحمته وبركاته واهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة التي يسرّنا ان نلتقيكم من خلالها عبر برنامجكم الاسبوعي الذي يطوف معكم عبر روائع التراث الادبي والمعرفي الايراني. نرحب بكم مرة اخرى وندعوكم الى متابعتنا في حلقة هذا الاسبوع. اخوتنا المستمعين الاكارم! نستمر معكم في هذه الحلقة من برنامج (عبارات واشارات) في التطواف عبر جنبات سفر العرفان والادب (منطق الطير). لنعيش دقائق حافلة بالدروس والعبر من حكاياته المفعمة بالحكم والمعاني الاخلاقية والعرفانية. ففي مجال كون القوة، والقدرة الحقيقية مقتصرة على الخالق جلّ وعلا، وان ماعداها من مظاهر العزة والاقتدار انما هو زائف زائل حتى وان كانت عائدة الى اقوى ملوك الارض واعظمهم. يورد الشيخ فريد الدين العطار حكاية عن السلطان محمود الغزنوي الذي كان معاصراً للشاعر والذي عاش في القرنين الرابع والخامس الهجريين، وعرف باهتمامه بالآداب والفلسفة ورعايته للادباء والفلاسفة حتى قيل ان بلاطه كان يضم حوالي اربعمائة من اهل الفضل والادب. يقول صاحب منطق الطير في هذه الحكاية المعبرة: (كان هناك رجل طاهر الرأي، يسلك طريق الصواب، وذات يوم رأى محموداً في المنام، فقال: يا سلطان الزمان المعظم، كيف حالك في دار القرار؟ فقال محمود: صَهْ، ولا تسفك دماء روحي، ولا تنطق بحرف، وايُّ مكان للسلطان هنا؟! فانهض، لقد كان سلطاني خيالا ووهما، الحق هو السلطان مالك الدنيا، وهو الجدير بهذه السلطنة، فما ان رأيت عجزي وحيرتي حتى شعرت بالعار من سلطتي...). ثم يخاطب محمود الغزنوي من رآه في المنام مدّلاً اياه على منزلته الحقيقية ازاء الخالق سبحانه، ومعبراً عن حسرته على ما فاته في الدنيا فيقول: (... وان ترغب في مناداتي فاسمي العاجز، اذ هو السلطان الاوحد، فلا تدعني سلطاناً، السلطنة لله، وانا المنتفع من ورائه حتى ولو كنت في الدنيا شحاذاً، وليت طريق اعترضته مئات المشاكل ولم يكن به هذا الجاه، وليتني كنت اجمع السنابل ولمن اكن ملكاً...). اعزتنا المستمعين! وحول الحثّ على الزهد في حطام هذه الدنيا الدنية، والاعراض عنها، وعدم التعلق بزخارفها، ومباهجها، وكيف ان الله جل وعلا يجازي الانسان في الآخرة على قدر انفكاكه عن هذه الدنيا، وزهده فيها. يسرد شيخ نيسابور وعارفها حكاية طريفة يؤكد من خلالها هذا المعنى الذي طالما اكده، وشدد عليه العرفاء والزهاد من قبله فيقول: (امتلك احد الجهّال حُقّاً مملوءً بالذهب، ثم مات وخلّف هذا الحُقَّ، وبعد عام رأى ابنه في المنام صورته على شكل فأر وعيناه تفيضان دمعاً، ثم دار حول المكان الذي اخفى فيه الذهب دوران الفأر فسأله ابنه: لِمَ اتيت هنا على هذه الحال؟ فقال: لقد وضعت الذهب في هذا المكان، ولا اعلم هل عثر عليه احد!...). (... فقال له الابن: ولِمَ اتخذت شكل الفأر آخر الامر؟ قال: كُلُّ قلب خفق بحبّ الذهب يكون يوم الحشر على صورة الفأر، وتزيده الحسرة اضطراباً في كل لحظة، وهكذا بدوت، فأمعن النظر، وخذ العبرة، وتخلّ يا بني عن الذهب، ولا تدع له سلطاناً على قلبك!..). اخوتنا المستمعين! سبقت الاشارة الى ان كتاب منطق الطير او مقامات الطيور وضعه الشيخ فريد الدين العطار في الاساس لتعليم المريدين والسالكين مبادئ واصول العرفان، والسير في طريق العبادة الحقيقية لله سبحانه وتعالى. وفي هذا الاطار نرى هذا الكتاب يكتظ بالكثير من القصص والحكايات التي اراد من خلالها العطار ان يُلقّن مريديه تلك المبادئ والاصول، هذا بالاضافة الى الاحاديث والمحاورات التي اجراها بين الطيور المختلفة. ومن جملة هذه الحكايا التي تسير على هذا النمط والمنوال والتي اراد عبرها النيسابوري ان يسلط الضوء على المنزلة الكبيرة التي من الممكن ان يحظى بها الانسان السالك لطريق العرفان عن اخلاص، وصفاء نية. حكاية عن احد مشايخ العرفان المعروفين وهو (بايزيد البسطامي) الذي توفي عام 261 للهجرة حيث يقول العطار في هذه الحكاية: (خرج بايزيد ذات ليلة خارج المدينة، فرأى كل شيء خالياً من ضوضاء البشرية، وكان ضوء القمر ينير العالم حتى اوشك ان يحيل الليل نهاراً من شدة ضيائه، كما بدت السماء مزدانة بالنجوم، وكان كلّ نجم منها في شأن مختلف، وكم تجوّل الشيخ في الصحراء فما وجد شخصاً يتجوّل فيها، فسيطر عليه الاضطراب بشدة...). (...فقال: يا ربّ! لقد سيطر الاضطراب على قلبي بقوة، ان اعتابك ذات مكانة رفيعة فكيف تبدو من المشتاقين خالية؟! فجاءه هاتف قائلا: ايّها الحائر في الطريق! ان الله لا يهب لكل شخص الطريق، فما ان يُضيء حريم عزّنا حتى يُبْعِدَ الغافلين عن بابنا، وقد ظلّ الخلق منتظرين سنوات وسنوات حتى يسمح لواحد من الف ان يحظى بالرفقة!). ايها الاحبة! ومن خلال حكاية اخرى يوردها العطار في تضاعيف كتابه منطق الطير يحذر سالكي طريق العرفان من ان تقع بينهم الخصومات، والاختلافات مقرراً ان لا مجال للاحقاد والبغضاء والعداوات في قلوب من يرفعون لواء العرفان، ويدّعون حبّ الخالق عزّوجل، والذوبان والفناء فيه. فالقلب الذي يحلّ فيه عشق الله سبحانه، ويتجرّد من الدنيا وعلائقها، ويسبح في عالم الملكوت والملأ الاعلى لا يمكن ان تجتمع فيه الكُرْه والحُبُّ معاً مهما اختلفت الطُرُق والمشارب والاذواق. لنستمع معاً - ايّها الاعزة- الى الحكاية التالية التي سنختم بها حلقتنا لهذا الاسبوع، وتطوافنا في رائعة العرفان والادب منطق الطير: (ذهب شيخان الى دار القضاء اذ كانت بينهما خصومة وجفاء، فانتحى بهما القاضي جانباً وقال: لا يُحسن من الصوفيين ان يتحاربوا، انكما ترتديان رداء التسليم، فلماذا اضرمتما هذا الخصام؟! فان كنتما أهلاً لهذا الرداء فخصومتكما دليل على ما انتما فيه من جهالة، ومع انني قاض ولست رجل معنى الا انني اخجل تماماً من ارتدائكما هذا المُرقَعْ!...). ويشفع العطار هذا الحكاية بتعليق يؤكد من خلاله عدم اهلية ذينك الشيخين لما ارتداه، وادّعاهم من السير في طريق العرفان، والعبادة الخالصة والحقيقية للخالق جل وعلا. ويدعو كل من سلك او اراد ان يسلك هذا السبيل الى ان يطرح الحرص على الدنيا جانبا، وينبذ الاحقاد والاختلافات لكي يستحق عن جدارة لقب العارف، فيقول في هذا الصدد: (... من الافضل لهما وضع قناع على مفرقيهما من ان يرتديا هذه المرقعات، فان لم تكن رجلاً او أمرأة في طريق العشق فكيف يمكنك ان تكتشف اسرار العشق؟ وان ابتليت بقطع طريق العشق فألق بأسلحتك لما انت فيه من بلاء، وان كنت تدّعي العزم على الخوض في هذا الميدان فعليك ان تُسلّم رأسك للريح، وان تتخلى عن الروح، والآن لا ترفع رأسك بالدعوى اكثر من هذا حتى لا تظلّ في عارك هكذا!...). مستمعينا الاكارم! في ختام حلقتنا لهذا الاسبوع لا نقول لكم وداعاً بل الى الملتقى في حلقة اخرى. حيث يجمعنا اللقاء معكم عند سفر آخر من اسفار التراث. ******* منهج مجاهدة النفس في ملحمة منطق الطير العرفانية - 14 2007-05-12 00:00:00 2007-05-12 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3044 http://arabic.irib.ir/programs/item/3044 احبتنا المستمعين الافاضل! مرحباً بكم عبر تطواف آخر لنا نصطحبكم من خلاله في جنبات التراث المعرفي الذي سطرته اقلام جهابذة المعرفة والادب في بلاد ايران. حيث نستكمل معكم قسماً آخر من جولتنا في رحاب سفر العرفان والادب الخالد (منطق الطير). للعارف والعالم الجليل فريد الدين العطار النيسابوري. مستمعينا الاحبة! كثيراً ما نرى العطار في منظومته يذمّ النفس البشرية بل انه يشبّهها بكائن متمرد لايطيع امراً مطلقاً، فالنفس هي بمثابة العدو الاول له، وبمثابة اللص الذي يسرق منه اسرار الطريق فيقول: (انّ نفسي لي عدو، فكيف اقطع الطريق اذا كان رفيقي لصّاً، فالنفس لم تطع لي امراً مطلقاً، ولا اعلم كيف احرّر الروح من ربقتها...). واذا كانت النفس العدو الاول فلا سبيل الى الكمال الا بافناء هذه النفس: (وان تُفْنِ نفسك ذات يوم فستُطّل الاشراقة في حياتك حتى لو كانت الليالي كلها حالكة...). كما يشبّه العطار النفس البشرية في جبروتها بفرعون، ويربط بينها وبين الشيطان في ارتكاب الآثام والمعاصي: (وما دامت لك نفس وشيطان، ففي داخلك فرعون وهامان...). وقد تكون النفس - حسب الرؤية العطارية- كالثعبان، والعقرب في الغدر وايصال الاذى الى الانسان: (فطَهر نفسك من الصفات الذتية، ولتصر بعد ذلك الى العدم، وانّى لك ان تعلم ما بجسدك من ادران واوساخ، فالثعبان والعقربان خفيان تحت حجبك، وقد ناما، واخفيا نفسيهما...). وهكذا نجد العطار يذم النفس البشرية، ويصفها بصفات الخسّة والدناءة، شأنه في ذلك شأن الزُّهاد والعرفاء الاخرين متأثراً في ذلك بالقرآن الكريم، واقوال الفقهاء والشيوخ الذين سبقوه. اعزتنا المستمعين! والدنيا - كما هو معلوم- دار فناء، والآخرة دار بقاء، ولذلك يسعى العرفاء دوماً الى الفناء حتى يحظوا بالبقاء، اي انهم يسعون الى التخلص من الدنيا وآثامها وشرورها حتى ينعم الله تعالى عليهم بالمكانة الرفيعة في الاخرة، فينعموا بالبقاء الابدي بعد ان افنوا انفسهم وقطعوا كل صلة لهم بدار الغرور. والعطار - كعامة العرفاء- يذم الدنيا، وينفر منها، ويدعو الى التحرر منها في كثير من ابياته في منطق الطير، وهو يشبهها في مواضع كثيرة بموقد مشتعل فلا يستقر فيها انسان في هدوء وسكينة. كما ان العطار يصفها كذلك بانها شبيهة ببيت العنكبوت، وما الساكن فيها الا كذبابة تتردى في هذا البيت حتى يصيبها الفناء والبلاء بعد ان يمتصها العنكبوت. كما يحذر فريد الدين السالكين من الدنيا، ويعتبرها ناراً محرقة يجب الاحتراز منها: (وما نارك الا الدنيا فابتعد عنها، وافعل كما فعل الابطال، وكن حذراً من هذه النار...). واذا كانت الدنيا على هذه الصورة في نظر العطار فلا يمكن ان تكون محببة الى قلبه بل على العكس من ذلك نجده يدعو الى التخلي عنها، ويعتبر ان الخطوة الاولى في الطريق يجب ان تقترن بالتخلي عن الدنيا، كما يشير الى ذلك في قوله: (فان تتخلّ عن الدنيا في كل لحظة، فستكون لك الخطوة الاولى عندما تمعن النظر...). اخوتنا المستمعين! ولاشك في ان العطار يتفق مع الروح الاسلامية في موقفها من الشيطان في النفور منه، وانه يلقي بمن يتبعون اوامره ووسوسته الى التهلكة، وقد اطلق عليه كما ذكر في القرآن الكريم لقب (الملعون) و(الرجيم)، فقد قصّ العطار قصة ابائه السجود كما امره الله في مقدمة (منطق الطير) قائلا: (ومن ابى السجود لآدم فقد مُسخ ولم يدرك هذا السرّ، وما ان اسوّد وجهه حتى قال: يا غنيّ لاتتركني ضائعاً، واصلح من امري، فقال الحق تعالى ايّها الملعون في الطريق! ان آدم ما هو الا خليفة وسلطان، فكن اليوم عيناً لوجهه، وفي الغد اَحرق له البخور...). كما اشار العطار الى ان ابليس قد اصيب العديد من البلايا لانه حاول التفاخر على آدم وقال: «انا خير منه خلقتني من نار، وخلقته من طين» (الاعراف، 12). والعطار يشير الى ذلك بقوله: (ولا تقل (أنا) حتى لا تبتلي بشرور ابليس، فكلمة (أنا) تجلب العديد من البلايا...). اخوتنا المستمعين! في هذه الحلقة، وفي خلال حلقة الاسبوع المقبل نورد لحضراتكم بعد ان جُلنا في حلقات البرنامج السابقة في رحاب فكر العطار العرفاني، نصوصاً مختلفة من منظومة منطق الطير. تجمع بين الحديث المفيد، والحكاية الممتعة الطريفة، والقصص ذي المرامي الاخلاقية والعرفانية. ففي مقدمة الكتاب يذكر لنا العطار امر اجتماع الطيور من جميع انواعها واصنافها كالهدهد، والببغاء، والحُجلة، والصقر، ويبدأ سرد قصة هذا الاجتماع بالترحيب بهذه الطيور قائلا: (مرحباً بك ايها الهدهد، يام من انت للطريق هادٍ، ومرشد للحقيقة في كل واد، يا من ذاع صيتك الحسن الى حدود سبأ، ويا من مع سلمان حسن منطقك، فصرت صاحب اسرار سليمان، وصرت في تفاخرك من اصحاب التيجان...). ثم يتلقى طائر الببغاء الترحيب على هه الشاكلة: (مرحباً بك ايتها الببغاء الواقفة على طوبى، وانت ترتدين حُلّة انيقة وطوقاً نارياً، اما طوق النار فمن اجل ساكني جهنم، واما الحُلّة فمن اجل ساكني الجنة، ومن يشبه ابراهيم الخليل في نجاته من النمرود، فانه يستطيع الجلوس في مسرة على النار...). ويستمر العطار في سرد حكاية هذا الاجتماع، وترحيب طائر السيمرغ بالطيور الواحد تلو الاخر حتى يكشف لنا عن الهدف الذي توخته الطيور من هذا الاجتماع وهو اختيار زعيم من بينها يدلها على الطريق الى الله جل وعلا فيقول في هذا المجال: (اجتمعت طيور الدنيا جميعها ما كان منها معروفاً، وما هو غير معروف، وقالوا جميعاً: في هذا العصر لا تخلو مدينة قط من سلطان، فكيف يخلو اقليمنا من ملك؟ وانّى لنا ان نقطع طريقنا اكثر من هذا بلا ملك؟ ربما لو ساعد بعضنا البعض لتمكنا من السعي في طلب ملك لنا...). وهنا يجيء الجواب من الهدهد مشيراً على الطيور ان تفد على طائر السيمرغ لتستشيره في هذا المجال: (ايتها الطيور! انني بلا ادنى ريب مريد الحضرة، ورسول الغيب، جئت مزوداً من الحضرة بالمعرفة، جئت وقد فُطِرْتُ على ان اكون صاحب اسرار، ومن نقش اسم الله على منقاره ليس ببعيد ان يدرك المزيد من الاسرار...). ويمضي الهدهد في الحديث عن نفسه، وتجاربه، وما خصّه الله به من دون الطيور من علم ومعرفة حتى يشير على الطيور الاخرى بالذهاب الى طائر السيمرغ قائلا: (انثروا الارواح، وسيروا في الطريق، فلنا ملك للا ريب يقيم خلف جبل يقال له جبل (قاف)، اسمه السيمرغ ملك الطيور، وهو منّا قريب، ونحن منه جدّ بعيدون، مقره يعلو شجرة عظيمة الارتفاع... ولاننا حيارى امامه فسنسلك الطريق متعثرين فان ادركنا منه علامة فهذا هو العمل، والا فبدونهم تعتبر الحياة عاراً، ومليئة بالخلل...). مستمعينا الاكارم!حتى نلتقيكم عند حلقة اخرى من برنامجكم (عبارات واشارات).. نستودعكم الرعاية الالهية.. والى الملتقى. ******* العشق الالهي في منظومة منطق الطير السلوكية - 13 2007-05-09 00:00:00 2007-05-09 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3043 http://arabic.irib.ir/programs/item/3043 احبتنا المستمعين الافاضل! على دروب التراث الاسلامي الايراني الفواحة بعطر المعرفة، وشذى الادب، وعبير العرفان. نلتقيكم مجدداً آملين ان تقضوا معنا لحظات حافلة بالمتعة، والفائدة، عند فصول اخر من السفر العرفاني والاخلاقي الخالد (منطق الطير). مستمعينا الاكارم! ومن بين الموضوعات الاخرى التي اطال العطار الحديث عنها في منطق الطير العشق الالهيّ اذ ان العشق هو القوّة الخفية التي تدفع السالك الى المضيّ قدماً في الطريق رغبة في لقاء المحبوب الازليّ. وقد اعتبر العطار وغيره من العرفاء والمتصوفة العشق اسمى مكانة من العقل، ذلك لان العقل قاصر امام العشق. وقد اشار فريد الدين العطار الى ذلك كثيراً فمن اقواله في هذا المجال: (العشق نارٌ اما العقل فدخان، وما ان اقبل العشق حتى ولّى العقل مسرعاً، والعقل ليس من شأنه العشق كما ان العشق ليس وليد العقل، واذا نظرت الى الامور بعين العقل فسترى العشق بلا بداية ولا نهاية...). والعشق - كما يقول العرفاء- نوعان، عشق دائم وهو عشق المعرفة، وعشق زائل وهو عشق الصورة الذي يزول بزوال الصورة، وعشق المعرفة هو عشق الله، ذلك الحبيب الابدي الدائم، اما عشق الصورة فهو عشق الماديات الفانية البالية. وقد تكلم العطار كثيرا في كتابه (منطق الطير) عن عشق الصورة عدم جدواه، وضرورة البحث عن حبيب لا يفنى ولا يزوال، فهو يقول في المقالة الخامسة والعشرين: (ان عشق الصورة ليس هو عشق المعرفة، بل هو اتباع الشهوات، وان الجمال الذي قاله النقصان يكون في عشقه للانسان كل الخسران، ومن يعشق عالم الغيب فقد تجسد فيه العشق الحق الذي يخلو من كل عيب...). وفي هذا الاطار نرى الهدهد يردّ في المقالة الثالثة على البلبل وهو يتباهى بعشق الوردة، فيقول له: (يا من تعلقت بالصورة، لاتتباه اكثر من ذلك بعشق الجميل، نعشق شيء مآله الزوال يصيب العاقلين بالضجر والملل...). كما ان العاشق الحق هو الذي يعشق شيئاً ثابتاً لايتلوّن ولا يتغير، وعلى سبيل المثال فان الهدهد يرد في المقالة السابعة على الحجلة وهي تتيه غروراً بتعلقها بالجواهر، ويخبرها بان تعلقها بالجواهر لا اساس له من الصحة لان الجوهر ما هو الاّ حجر اصطبغ بالعديد من الالوان). واذا زالت عنه الالوان عاد حجراً عديم القيمة، ثم يدلل على صدق قوله بقصة سيدنا سليمان عليه السلام وفصّ خاتمه، وكيف انه فضّل الحياة الآخرة على الدنيا ونعيمها في حين انه كان بامكانه اخضاع العالم لسلطانه بفص خاتمه هذا. اعزتنا المستمعين: وطريق العرفان هذا ليس طريقاً بالمعنى المفهوم لدى عامة الناس، بل هو طريقة للمجاهدة ووسيلة لضبط النفس، ولكنه يشبه الطريق الارضي في كونه يتكون من مراحل تختلف بين السهولة والوعورة، وهو شبيه بطريق بين جبلين تكثر فيه النتوءات والصعوبات لايسلكه المسافر الاّ بشق الانفس، وليس في مقدور كل مسافر ان يسلكه. فالبعض يخشى مخاطر الطريق فيكفّ عن السفر، والبعض يقطع بعض اوديته ولكن سرعان ما يهلك في الطريق، والقلة هم الذين يستطيعون الخوض في هذا الطريق، والوصول الى غايته. وغاية طريق العرفان هي ادراك الله سبحانه وتعالى، ولكن ما هي وسيلتهم الى هذا الادراك، وهل يدركونه بالعقل؟، هيهات، هيهات للعقل ان يقوى على ادراك الخالق جلّ وعلا، فالعقل عاجز عن ادراك سر المخلوقات فكيف به يجرؤ على معرفة الخالق؟! ولقد افاض الشيخ فريد الدين العطار في بيان عجز العقل عن ادراك الحقائق الكونية، وعن ادراك الله سبحانه وتعالى، بل جعله قاصراً امام العشق الالهي. ومن اقواله في قصور العقل قوله يناجي الباري جل وعلا: (وليس للعقل والروح طريق للطواف حولك، ولا يمكن لاي احد قط ادراك كُنْه صفتك... واذا قُدّرَ للعقل ان يدرك اثراً من آثار وجودك، فلن يستطيع ان يسلك الطريق الى ادراك كُنْهِكَ...). كما يوضح العطار ان الطريق الى الله نابع منه لا من العقل: (اعْرِفْ نفسك بالله ولكن لن تَعْرِفَه بنفسك، فالطريق اليه نابع منه لا من العقل...). بل ان العطار يدعو السالك الى ان يُحْرقَ العقل لانه يقف عقبة في طريق السالك: (ايّ عملٍ هذا الذي تفعله؟! تقدّم كالرجال، واَحْرِق العقل، وكالمجنون تقدّمْ!...). ويجعل العطار العقل عاجزاً امام ادراك سرّ الفناء، فهو يقول في المقالة الرابعة والاربعين في وصف وادي الفقر والفناء: (ولكن اذا ما مضى رجل طاهر في البحر فانه يفنى فناءً حقيقياً ولن يبقى له اثر. وتُصبِحُ حركته هي حركة البحر، وما ان يفنى حتى يصل الى مجال الحُسْن، ويصبح غير موجود وهو موجود وعندما يتم ذلك فانه سيخرج عن نطاق تصور العقل...). مستمعينا الاحبة! ومن جملة الموضوعات العرفانية الاخرى التي يطرحها الشيخ فريد الدين العطار في منظومته منطق الطير، موضوع الفناء العرفاني. والفناء يعني لدى سالكي طريق العرفان هو الحال التي تتوارى فيها آثار الارادة، والشخصية، والشعور بالذات وكل ما سوى الحق. فيصبح العارف وهو لا يرى في الوجود غير الحق، ولا يشعر بشيء في الوجود سوى الحق وفعله وارادته. وليس المقصود بالفناء ذلك المعنى الشائع، وهو الفناء بالموت، بل المقصود ان يفنى العارف عن الاخلاق الذميمة، ويبقى في الاخلاق الجميدة، ويفنى عن صفاته من علم وقدرة وارادة ويبقى بصفات الله الذي له وحده العلم، والقدرة، والارادة، واخيراً يفنى عن نفسه وعن العالم حوله ويبقى بالله، بمعنى انه لايشهد في الوجود الاّ الله. وحكمة الفناء تدور حول (الأنا)، لذا فمن واجب العارف ان لا يشعر بذاتيته، لان شعوره بالأنا او بالذاتية شعور بالاثْنَيْنيّة، والشعور بالاثنينية شرك، ولذلك فان النتيجة المطلوبة من الفناء هي رفع الاثنينية. والملاحظ ان العطار يصف الوصول الى الفناء غير انه لايوضح طريق البقاء، فنحن نلاحظ في منظومة منطق الطير، ان الطيور بعد ان اصابها الفناء ادركت البقاء دون ان يبين لنا العطار كيف ادركته لان توضيح ذلك خارج عن نطاق الشرح، والتفسير، كما يشير الى ذلك قائلا: (عندما انقضت اكثر من مائة الف من القرون، وكانت قروناً بلا زمان اذ لا بداية ولا نهاية، اسلمت الطير انفسها الى الفناء الكلّي بكل سرور، وما ان غاب الجميع عن رشدهم حتى ثابوا الى رشدهم، وتقدموا الى البقاء بعد الفناء، ولكن ليس لاحد قطّ سواء من المحدثين او القدماء ان يتحدث عن ذلك الفناء، وذلك البقاء اذ ان شرح ذلك بعيد عن الوصف والخبر، ففي طريق مثل طريق اصحابنا لا يمكن شرح البقاء بعد الفناء، وانّى يمكن اتمام ذلك؟!...). ويربط العطار بين الفناء والذلة، وبين البقاء والسمو والشرف، وقد قصّ في هذا المجال قصة طويلة تؤيده هذه الفكرة، وهي تدور حول ذلك الملك الذي يأمر وزيره بقتل ولده الحبيب غير ان حصافة الوزير تقنع الملك بوخامة عاقبة تلك النوبة من الغضب التي تسيطر عليه. والقصة هذه تصف في براعة حالة الشقاء الظاهري للنفس، والفناء الخلقي لدى انسان كان يحبّ شيئاً يكمن فيه جمال الحياة والشباب وقد حطّمه غير ان الحظ عاده اليه. اعزتنا المستمعين! نكتفي بهذا القدر من التجوال في رحاب منظومة منطق الطير وما تحفل به من افكار، وعِبَر، وحكايات. على امل ان نكمل جولتنا هذه في حلقة الاسبوع المقبل باذن الله. نشكر لكم حسن المتابعة، والى الملتقى. ******* منظومة العطار "منطق الطير" في مراحل السير والسلوك - 12 2007-05-07 00:00:00 2007-05-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3042 http://arabic.irib.ir/programs/item/3042 احبتنا المستمعين الافاضل: عبر حلقة جديدة من برنامجكم الاسبوعي (عبارات واشارات) نلتقيكم مجدداً، حاملين اليكم باقة عطرة اخرى من ازاهير روضة التراث الاسلامي في ايران. نأمل ان تنشر هذه الباقات اعزتنا المستمعين، شذى المعرفة والايمان في اجوائكم. مستمعينا الاكارم! يبدأ العطار كتابه منطق الطير او مقامات الطيور بالمناجاة على عادة الشعراء في زمانه، ثم ينتقل الى مدح النبي صلى الله عليه وآله. ثم يدخل في صلب موضوع الكتاب وهو اجراء الحوار بين الطيور، وسرد الحكايات والقصص، فيبدأ بعقد اجتماع للطيور لتختار ملكاً لها ذلك لانها لايمكن ان تعيش بدون ملك، اي انها جاءت مريدة. ثم يعتلي الهدهد المنبر، ويبدأ ببيان ضرورة السر والبحث عن هذا الملك. وبعد ان يبيّن لهم الهدهد الطريق، يجرون القرعة ليختاروا مرشداً لهم، فأصابت القرعة الهدهد، واصبح مرشدهم يأتمرون بأمره وهم مريدون للحضرة العلية. هكذا يسرد لنا العطار قصة اجتماع الطيور في محاولة لتنصيب ملك عليها يدلّها على اقصر الطرق للوصول الى الخالق تعالى. (وعزموا عزماً اكيداً على قطع الطريق، بل تعجلوا السير فيه وقال الجميع: يجب ان يكون لنا رائد في طريق البحث يكون له علينا العقد والحل، ويكون مرشدنا في الطريق، فلايمكن سلوك الطريق اعتماداً على الغرور، فلابد لهذا الطريق من حاكم قويّ علّنا نستطيع ان نجتاز ذلك البحر العميق). (واعتزموا، وكان اقتراعاً موفقاً، واستقر اقتراعهم على الهدهد العاشق، فجعله الجميع مرشدهم، فان امرهم بذلوا ارواحهم، وتعهد الجميع ان يكون هو رئيسهم، وان يكون مرشدهم في الطريق وهاديهم، والحكم حكمه، والامر امره، ولن يبخل عليه احد بالروح او بالجسد...). ولعل العطار اراد من خلال سوق المقدمة السابقة ان يبين لنا ان السالك لابد ان تكون لديه الرغبة في المسير وذلك من خلال بيان عزم الطيور الاكيد على قطع الطريق. وان ذلك الطريق لايمكن قطعه بلا مرشد او دليل ذلك لان المريد يكون جاهلاً بمراحل الطريق، فاذا ما سار بمفرده اخطأ المسير، فالطريق مليءٌ بالعقبات، والمنزلقات، والمرشد يؤدي دور الملاذ والملجأ للمريد وهو يسلك طريق معرفة الخالق جل وعلا. كما ان على المريدين طاعة جميع اوامر مرشدهم حتى لو امرهم ببذل الروح، وافناء النفس، وان يكون هو الحاكم بأمره وما على المريدين الاّ الامتثال لحكمه، وطاعة اوامره، فله الامر، وعليهم الطاعة. والولاية - في رأي العطار- لاتتم بالمجاهدة والرياضة بل هي هبة يهبها الله سبحانه لمن شاء. ومن صفات الشيخ ان يكون قد وصل الى مرحلة ادراك الحقيقة، وان يكون قد خبر الطريق، وطاف في كل وديانه، كما اشار الى ذلك على لسان الهدهد في قوله: (جئت وقد امدّتني الحضرة بالمعرفة، وصرت صاحب اسرار بالفطرة، ولقد قضيت السنين في البحر والبر، وكم اصابني الاضطراب من قطع الطريق، ولقد جبت الوادي، والجبل، والبيداء، كما طفت العالم في عهد الطوفان...). والعرفان كما يرى العطار، هو الصلة التي تحدد العلاقة بين الخالق والانسان حتى تصل به الى حد الفناء في الله، والبقاء بعد الفناء. ومن اجل بيان تفاصيل هذه الصلة، والقاء الضوء عليها، يبدأ العطار اولاً، ببيان كيفية خلق الانسان فيقول: (ان الله سبحانه وتعالى أحال التراب طيناً مدّة اربعين يوماً، وبعد ذلك اودع في الطين الروح، وما ان سرت الروح في الجسد، واصبح بها حياً، منحه الله العقل ليكون الانسان به مبصراً...). (وعندما هبطت الروح الى الجسد صار الجزء كلاً، والروح تتصف بالطهارة، اما الجسد فصفته الذلة والمهانة، وسرعان ما اجتمعت الروح الطاهرة بالجسد المهين، وما ان اتحد السمو بالخسّة حتى كان آدم اعجوبة الاسرار...). اما مظاهر الصلة بين الله تعالى، والانسان فتتمثل في رأي العطار في اكثر من مظهر منها ان الصلة بين الله، والعالم هي كالصلة بين البحر والقطرة، وما البحر الا الله، وما القطرة الا العالم. ومنها ان حضرة الحق هي بحر خضم عظيم، وقطرة صغيرة منه تساوي جنات النعيم، ومن يملك البحر، يملك القطرة، وكل ما عدا البحر هوس وجنون. الصلة الثانية هي صلة الظل بالشمس، فالعالم ما هو الا ظل الله جل وعلا. وقد اكثر العطار من الحديث عن هذه الصلة في مواضع كثيرة من منطق الطير، ففي المقالة الثالثة عشرة حينما سأل طائر الهدهد ان يوضح له الصلة التي تربط السيمرغ بالطير قال الهدهد: (عندما رفع السيمرغ النقاب فان وجهه بدا كالشمس المشرقة، وسقطت منه مئات الالوف من الظلال على التراب، وقد نثر ظله على العالم فأصبحت تلك الطيور، وصورة طيور العالم جميعها ما هي الا ظل للسيمرغ..). ويقول العطار مخاطباً العنقاء: (ان كلّ ثوب يكسو المروج ما هو الا ظل للسيمرغ، ونحن نعرف السيمرغ في هذا الظل لانه لاينفصل عن الظل، ولا ينبغي للانسان ان يبقى اسير الظل ويتخبط فيه، وانما يجب عليه ان ينظر في ظل السيمرغ وسيرى الشمس في وسط الظل، واذا ما فتح باب للمعرفة فسترى كيف تتلاشى الظلال في الشمس، وتشاهد كذلك ان كل شيء هو الشمس...). وبالطبع فان العطار يريد بذلك ان يقول ان لله وجوداً في خلقه، كما ان للسيمرغ وجوداً فيظله: وهو يشير بوضوح تام الى فكرة الظل والشمس في مقدمة منطق الطير في قوله مناجياً ربّه: (ولما كنا متلازمين دائماً، فأنت كالشمس ونحن كالظل...). وصلة اخرى تربط بين الله، والعالم، وهي الصلة التي تربط بين الكنز، والطلسم، حيث يقول العطار في هذا المجال: (... العرض والعالم لايزيدان عن مجرد طلسم، والله هو الموجود وحده، وليس لهذه الاشياء جميعها غير الاسم، وما اكثر من خبروا سطح ذلك البحر ولكن لم يدرك احد قط ما بقاعه، فالكنز في القاع وما الدنيا الا طلسم، وفي نهاية الطلسم سيتحطم قيد الجسد، وستجد الكنز عندما يفنى الطلسم اولاً، وستظهر الروح عندما يفنى الجسد اولاً، وبعد ذلك فما روحك الا طلسم آخر، فروحك للغيب جسد آخر، وما الغيب الا الله...). وهكذا فمن العبارات الشائعة في كلام العطار ان العالم طلسم، والكنز الذي وراءه هو الله جلّ وعلا، فقد شاع بين الناس ان كل كنز عليه طلسم اذ حُلّ هذا الطلسم فتح الكنز، فها العالم - في رأي العطار نقوش اذا قرئت وفهمت اهتدى الانسان الى الكنز المخفيّ وراءها، اي عرف الحقيقة التي تدل عليها هذه النقوش، وليس هذا الكنز سوى الله، ويقرب من هذا ما رواه العرفاء في حديث قدسي: (كنت كنزاً مخفياً فأردت ان أُعرف فخلقت الخلق ليعرفوني...). وقد اجتمعت هاتان العبارتان في بيت واحد قال فيه العطار: (انت معنىً، وما عداك مجرد اسم، انت كنز، والعالَمون طَلّسِمْ...). وهكذا نصل كم - اخوتنا المستمعين- الى نهاية حلقتنا لهذا الاسبوع من برنامج (عبارات واشارات). على امل ان نستأنف جولتنا في منظومة منطق الطير لفريد الدين العطار في حلقة الاسبوع المقبل، نستودعكم الرعاية الالهية والى الملتقى. ******* العارف فريد الدين العطار ومنظومة منطق الطير في العرفان - 11 2007-05-05 00:00:00 2007-05-05 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3041 http://arabic.irib.ir/programs/item/3041 مستمعينا الاحبة، سلام من الله عليكم ورحمته وبركاته واهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامجكم الاسبوعي، عبارات واشارات، آملين ان تقضوا معنا دقائق حافلة بالفائدة والمتعة. اعزتنا المستمعين، يُعدّ الشاعر، والعارف الايراني الكبير فريد الدين العطار احد ابرز الشعراء والعرفاء الايرانيين في القرن السادس الهجري. وقد حاز فريد الدين العطار هذه المنزلة الكبيرة بفضل ما قدمه للمكتبة الاسلامية من مؤلفات مازالت حتى اليوم تحظى بعظيم التقدير من قبل جميع المهتمين بالعرفان والتصوف الاسلامي في العالم الاسلامي، ولدى جميع المستشرقين. وقد عُرف فريد الدين العطار بمنظومته الخالدة (منطق الطير) التي تشهد له بابداعه في النظم، وتعدّ دليلاً كبيراً على توفق الايرانيين في نظم القصة الشعرية منذ قرون عديدة. كما ان هذه المنظومة فوق كل ذلك تعتبر واحدة من شوامخ الفكر العرفاني الاسلامي، فلا غنى لاي مهتم بالعرفان والتصوف الاسلامي عنها. ونتيجة لما حظيت به هذه المنظومة الفريدة في فكرها، وحبكة قصتها، فقد اقدم عدد كبير من المستشرقين على دراستها، وانقلها الى لغاتهم، فقد ترجمت الى اللغات الفرنسية، والانجليزية، والالمانية، وحظيت كذلك باهتمام مفكري الشرق فترجمت الى اللغتين، الهندية والتركية. مستمعينا الافاضل، ان الغموض يكتنف سيرة العطار، ويلقي ظلالا على كل جانب من جوانب حياته، الا ان اسمه الاول هو باتفاق اغلب المؤرخين، وكتّاب المذكرات هو محمد. واما لقبه فهو فريد الدين، وقد تخلص بهذا الاسم في اثنتين وثمانين غزلية من مجموع الغزليات التي وصلتنا من انتاجه والبالغ عددها اربعاً وخمسين وسبعمائة غزلية. وكنيته - كما يقول معاصره سديد الدين العوفي صاحب كتاب جامع الحكايات.. ابو حامد. ومع ذلك فاننا نجد فريد الدين كثيراً ما يذكر اسمه على انه العطار، فقد قال في منطق الطير في ختام المنظومة: (لقد نثرت ياعطار قارورة المسك المليئة بالاسرار على هذا العالم في كلّ آونة...). وهذا الاسم الذي تخلص به فريد الدين كثيراً قد لصق به منذ كان يعمل صيدلياً ويمتلك دكاناً للعطار. اما والده فاسمه ابراهيم، وكنيته ابو بكر، وكان يعمل عطاراً هو الآخر، وكان من مريدي الشيخ العارف قطب الدين حيدر في قرية كدكن، احدى قرى نيسابور. وعلى الارجح فان والده عمر كثيراً ربما الى ان الّف العطار منظومته (اسرار نامه)، وقد كانت والدته على قيد الحياة يوم وفاة والده، كما يستفاد من (خسرو نامه) انها توفيت اثناء تأليف (اسرار نامه)، وانها كانت من اهل المعنى والعرفان، وقد بكاها العطار في خاتمة (خسرو وكل) قائلاً: (... لم يكن لي انس الا بأمّي، وقد ذهبت، فكم شدّات ازري هذه الضعيفة التي كانت خليفة من مملكة الدين، لقد كانت ضعيفة كالعنكبوت، ولكنها كانت لي حصناً ودرعاً...). وكانت والدته - كما يقول- رابعة الثانية، بل اتقى من رابعة، بقيت تسعة وعشرين عاماً تلبس حقير الثياب وخشنها، وكانت تقوم الليل دعاءً وبكاءً. مستمعينا الاكارم، لاشك في ان منظومة (منطق الطير) هي من اروع ما نظم في الادب الفارسي عامة، وفي الادب العرفاني خاصة، فالقالب القصصي الممتع الذي ركبت فيه الى جانب المعاني الروحية والاخلاقية التي شملتها اعطتها هذه الاهمية بين كتب العرفان. فلا يكاد يذكر اسم فريد الدين حتى يذكر بجانبه اسم (منطق الطير)، فقد اصبح فريد الدين علماً على (منطق الطير)، واصبح منطق الطير علماً على فريد الدين العطار. ومنظومة (منطق الطير) تعرف احياناً باسم (مقامات الطيور)، ومن المرجح ان العطار اخذ اسم المنظومة من القرآن الكريم حيث يقول تعالى: (وورث سليمان داود وقال يا ايّها الناس عُلّمنا منطق الطير، واوتينا من كل شيء ان هذا لهو الفضل المبين) (النمل:16). وجميع الطيور التي تحدث عنها العطار هي طيور حقيقية لها وجود في عالمنا الارضي، سوى (السيمرغ) فانه طائر وهمي لا وجود له في الكون مطلقاً، وقد قص لنا العطار قصته في اول (منطق الطير) ذاكراً انه ينتسب الى بلاد الصين. ولكن كيف انطق العطار الطيور؟ لاشك في ان العطار افاد في هذا الصدد من قصة سيدنا سليمان عليه السلام وحديثه مع الطير. وبذلك وجد العطار في القرآن الكريم مادة صالحة لمنظومته (منطق الطير)، كما انه افاد كذلك من الكتب السابقة التي انطقت الحيوانات عموماً، والطير خصوصاً ككتاب كليلة ودمنة. وفي الحقيقة فان العطار انطق الطير بدلاً من الانسان، وجعلها تسعى جاهدة حتى تدرك الاتصال بالله تعالى. وهذا ليس بغريب، فالله يذكر ان الطير تسبح له كما يسبح له الانسان كما يقول عز من قائل: «ألم تر ان الله يسبح له من في السماوات والارض، والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه، والله عليم بما يفعلون» (النور، 41). ولكن ترى كيف تمكن العطار من توليد الافكار العرفانية من خصائص الطيور؟ الوسيلة الى ذلك دون شك هي الوسيلة الغنية التي هي بمثابة عصا السحر في الشعر الفارسي، والعطار مبرز في هذا الفن لايشق له غبار، وان قدرته على استخدام هذه الطريقة تثير الدهشة في نفس القارئ. فالعطار يسقط شعوره ومعتقداته على هذه الطيور على ان يخص كل طائر بما يوافقه من طباع وخصائص، وهي طريقة تعليمية ناجحة افضل بكثير من الطريقة النظرية التي يلقي فيها الشاعر او الكاتب بكل آرائه وافكاره في صورة كلمات جافة لا تنبض بالحياة. في حين ان عرض هذه الافكار في صورة حوار مسرحي من شأنه ان يجذب انتباه القارئ، ويساعده على تتبع خيوط هذه المسرحية، ومعرفة دور كل ممثل او طائر يظهر على خشبة المسرح، والحكمة من ظهوره، والموعظة التي يمكن ان يخرج بها من وراء دور كل طائر. اخوتنا المستمعين، تندرج منظومة منطق الطير تحت فن المثنوي، ويقصد به التزام القافية بين شطري البيت الواحد دون التزامها في آخر الابيات كلها. وهذا الضرب فارسي النشأة لم تعرفه الاشعار العربية، وان كان بعض الشعراء الذين كانوا من اصل فارسي قد استخدموه في نظم الاشعار العربية المتأخرة التي عرفت باسم (المزدوج) منذ القرن الرابع الهجري. وتشتمل هذه المنظومة على ما يقرب من 4650 بيتاً، وقد فرغ العطار من نظمها عام 583 هـ قائلاً في خاتمتها: (لقد خُتم عليك منطق الطير، ومقامات الطيور كما ختم على الشمس بالنور، فهذه المقامات طريق كل حائر، كما انها ملاذ لكل مضطرب..). ولك من لم يتنسّم قولاً من هذا الاسلوب، فما ادرك قيد شعرة من طريق العشاق.. واذا تيسر لك ان تقرأه مرة بعد اخرى، فمما لاشك فيه انه سيزداد حسناً في كل مرة لديك. (لقد نثرت الدّر من بحر الحقيقة، كما ختم عليّ الكلام وهذا هو الدليل.. وان تلاشت هذه الافلاك التسعة من الوجود، فلن تضيع نقطة واحدة من هذه التذكرة...). ولقد صدق العطار، فعلى الرغم من مرور اكثر من سبعمائة عام، فان (منطق الطير) له مكانته بين النفوس. ولم تؤثر فيه احداث الزمان، فظل باقياً يشهد بعبقرية صاحبه فريد الدين العطار. هذا العبقرية، وذلك النبوغ سيتجليان لنا اكثر من خلال النصوص التي سنوردها لكم احبتنا المستمعين، في حلقات البرنامج القادمة. من السفر الانساني الخالد منطق الطير او مقامات الطيور، فحتى ذلك الحين نستودعكم العلي القدير، شاكرين لكم حسن المتابعة، وتقبلوا تحيات اسرة البرنامج. ******* مشاهدات الشاعر ناصر خسرو في الشام - 10 2007-05-02 00:00:00 2007-05-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3040 http://arabic.irib.ir/programs/item/3040 اخوتنا المستمعين الكرام، نرحب بكم اجمل ترحيب في هذا اللقاء الجديد الذي يجمعنا معكم عبر حلقة اخرى من حلقات برنامجم الاسبوعي (عبارات واشارات). فأهلاً ومرحباً بكم مرة اخرى أملين ان تقضوا معنا اوقاتاً مفيدة وممتعة. احبتنا المستمعين، يفرد الاديب والشاعر ناصر خسرو فصلاً من رحلته للحديث عن مشاهداته في بلاد الشام، وبالتحديد عن مدينة معرّة النعمان مسقط رأس الشاعر ابي العلاء المعرّي. فيقول واصفاً هذه المدينة: (وهي مدينة عامرة، وقد رأيت عند بوابة المدينة اسطوانة ضخمة كتبت عليها عبارات غير مفهومة بخط من الخطوط العربية، فسألت شخصاً عنها فقال انها طلسم ضد العقارب لكي لا تظهر العقارب في هذه المدينة ولا تأتي اليها، وحتى اذا جاؤوا بها من الخارج، فانها لا تلبث ان تهرب منها!...). ويستأنف ناصر خسرو حديثه عن هذه المدينة الشاميّة، فيقول: (قِسْتُ ذلك العمود فاذا به عشرة اذرع، وقد رأيت اسواق هذه المدينة معمورة للغاية، وكان مسجدها الجامع واقعاً على مرتفع، وفي وسط المدينة اذا ما اراد الانسان ان يدخل المسجد من اي جانب فان عليه ان يرتقي ثلاث عشرة درجة، ويمثل القمح المحصول الاكثر رواجاً في هذه المدينة، بالاضافة الى اشجار التين والزيتون والفستق واللوز والعنب، ويؤمّن ماؤها من مياه الامطار والآبار...). ويفرد ناصر خسرو بعد ذلك موضوعاً خاصاً يتحدث فيه عن الشخصية الاكثر شهرة في هذه المدينة وهي شخصية الشاعر والاديب ابي العلاء المعرّي. فيقدم لنا بذلك معلومات ادبية وتاريخية قيمة تهمّ الباحثين المتخصصين في تاريخ الادب العربي وخصوصاً فيما يتعلق بأبي العلاء المعرّي الذي يعدّ من اساطين، وفطاحل الشعر، والادب، واللغة في اواخر العصر العباسي. يقول ناصر خسرو بشأن هذه الشخصية: (... وقد كان في هذه المدينة رجل يدعى ابا العلاء المعرّي، وكان اعمى، وقد أُوكلت اليه رئاسة المدينة، وكان يتمتع بنعم كثيرة، ولديه الكثير من الخدم والحشم والعمال، الا انه سلك سبيل الزهد، فكان يرتدي صوفاً خشناً، ويلازم بيته، وكان مرتّبه عبارة عن نصف مَنّ من الخبر الشعير ولا يأكل سواه...). وبعد ذلك يبدأ ناصر خسرو بالحديث عن المكانة الادبية التي كان ابو العلاء المعرّي يتمتع بها فيقرر في هذا المجال انه بلغ في الشعر والادب درجة بحيث ان افاضل الشام والمغرب والعراق اقرّوا واجمعوا على ان احداً لم يستطع ان يبلغ درجته هذه في عصره، وانه قد وضع كتاباً اسماه (الفصول والغايات) جاء فيه بكلمات وعبارات مرموزة، وامثالاً بالفاظ فصيحة وعجيبة لم يستطع عامة الناس ان يقفوا على معانيها الاّ ما ندر منها. وقد كان للمعرّي حلقة للتدريس، فيجتمع عنده اكثر من مائتي شخص يقدمون من اماكن مختلفة، ويقرؤون لديه الادب والشعر، وقد سمعت يقول ناصر خسرو انه قد انشد اكثر من مائة الف بيت. ويروى ان شخصاً سأله: لقد حباك الله تبارك وتعالى بكل هذه الاموال والنعم، فلماذا تهبها للناس، وتحرم نفسك منها: فقال: لا حاجة بي الى شيء سوى ما آكله، وأُقيم اودي به. مستمعينا الاحبة، وفي مواضع اخرى من رحلته يفصل ناصر خسرو الحديث عن مدن وامصار وحواضر اخرى مرّ بها اثناء تجواله في بلاد الشام متجهاً الى البيت الحرام. من مثل طرابلس وحلب، وبيروت، حتى يصل اخيراً الى بيت المقدس، فيمكث عندها طويلاً واصفاً اياها، وباسطاً الحديث حول طبيعتها الجغرافية والطبيعية، ومحاصيلها الزراعية، والمعالم، والآثار، والمقامات الدينية فيها. فلنتعرف معاً اخوتنا المستمعين الكرام على صفة واوضاع اولى القبلتين وثالث الحرمين بيت المقدس على لسان الشاعر والحكيم ناصرخسرو: (... في الخامس من شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين واربعمائة دخلنا بيت المقدس... ويطلق اهل الشام ومن جاورهم على بيت المقدس اسم القدس، وكان الاهالي ممن لم يستطيعوا الذهاب للحج يحضرون في القدس في موسم الحجّ، ويقفون في الموقف وينحرون القرابين كما هو متبع، وقد كانت السنة التي دخلنا يها بيت المقدس حافلة بالزوار الذي كان عددهم يبلغ اكثر من عشرين الفاً وذلك في اوائل شهر ذي الحجة...). وعن صفة مدينة بيت المقدس وطبيعتها الجغرافية، ومحاصيلها الزراعية، والآثار والمعالم المهمة يها يقول شاعرنا واديبنا ناصر خسرو: (... وهي مدينة واقعة على جبل ولا يؤمّن ماؤها الا من الامطار، وهي مدينة كبيرة يعيش فيها عشرون الف انسان، وتمتلك اسواقاً عامرة، وابنية فخمة، وقد رُصفت ارض المدينة كلها بقطع الحجر، وسوّيت المرتفعات فيها مع الارض فاذا نزل المطر غسلت الارض كلها بمائه...). (وفي هذه المدينة صنّاع كثيرون كل مجموعة منهم تزاول مهنة، ويقع مسجدها الجامع في مشرقها بحيث انه يطالع الداخل اليها من هذه الجهة، فاذا اجتزت الجامع امتدت امامك صحراء واسعة بسيطة يقال لها الساهرة، ويقال ان هذه الارض هي التي سيحشر فيها الناس يوم القيامة، ولذلك فقد قدم اناس كثيرون من اطراف العالم الى هذه المدينة، واتخذوا لانفسهم مقاماً فيها لكي يموتوا ويدفنوا فيها...). ومن بلاد الشام، وعجائبها وغرائبها، وطبيعتها الغناء، واجوائها المعتدلة، ومعالمها، وآثارها الدينية والحضارية... يخرج ناصر خسرو متجهاً صوب ارض الحضارات، والتاريخ العريق، ارض مصر وما حولها من بلاد النوبة. فيبدأ بتسجيل مشاهداته، وملاحظاته عن نهر النيل، وعن الطبيعة الجغرافية لبلاد النوبة، والمدن الواقعة على ضفاف نهر النيل، ومحاصيلها الزراعية. حتى يصل في وصفه هذا الى مدينة القاهرة حاضرة مصر، هذه المدينة التي كان لها اكبر الاثر في حياة ناصر خسرو، ففي خلال اقامته فيها توطّدت العلاقة بينه وبين احد الملوك الفاطميّين. وعلى يد هذا الملك الفاطمي المستنصر بالله اعتنق ناصر خسرو المذهب الاسماعيلي، وتحول الى واحد من الدعاة الى هذا المذهب في بلاده ايران. عن صفة مدينة القاهرة اثناء وصوله اليها يقول ناصر خسرو في رحلته مسهباً القول هذا: (عندما يتجه المسافر من جانب الشام الى مصر يصل اولاً الى مدينة القاهرة ذلك لان مصر تقع في الجنوب، ويطلق عليها اسم (القاهرة المعزّية) و(الفسطاط)...). ويحدثنا ناصر خسرو بعد ذلك في خلال حديث مسهب عن سبب تسمية هذه المدينة بالقاهرة، وعن كيفية مجيء الخلفاء الفاطميين اليها، وامساكهم بزمام الخلافة فيها، وعن اسواقها الواسعة العجيبة مما لا نجد له نظيراً في بلد آخر آنذاك. وعن قصور السلاطين فيها، وطرازها المعماري، والمناطق المحيطة بها، مما لايتسع وقت البرنامج للاشارة اليه كله على لسان ناصر خسرو. ولذلك نجد اخوتنا المستمعين انفسنا مضطرين الى ان نوكل بقية الحديث عن مدينة القاهرة الى حلقة الاسبوع المقبل باذان الله. فحتى ذلك الحين نستودعكم الله، وكونوا في انتظارنا، شاكرين لكمن حسن متابعتكم. ******* أوضاع مصر في كتاب "الرحلة" للأديب ناصر خسرو - 9 2007-04-30 00:00:00 2007-04-30 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3039 http://arabic.irib.ir/programs/item/3039 احبتنا المستمعين الاكارم، سلام من الله عليكم ورحمته وبركاته واهلاً ومرحباً بكم في لقاء جديد يجمعنا معكم عبر جولة جديدة في رياض التراث المعرفي الاسلامي، الذي سطرته لنا اقلام اعلام الفكر والادب والمعرفة في ايران الاسلام. اعزتنا المستمعين الافاضل، من بين المشاهدات والملاحظات الاخرى التي سجلها الشاعر والحكيم ناصر خسرو حول بلاد مصر والنوبة، تلك المعلومات القيمة التي يقدمها لنا حول سوق مصر. والتي تعكس لنا بوضوح الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتجارية التيكانت سائدة آنذاك في تلك المناطق حيث يقول في هذا المجال: (رأيت في الجانب الشمالي من مسجد القاهرة سوقاً يطلقون عليه اسم سوق القناديل لم ار مثله في بلد آخر، فقد كانت طرائف العالم كلها مجتمعة فيه، فرأيت فيه آلات يصنعونها من الذّبْلِ (اي تروس السلاحف) كالصناديق، والامشاط، ومقابض السكاكين وما الى ذلك، كما رأيت هناك نوعاً من البلور الصلب كان الاساتذة الماهرون ينحتون، وقد جيء به من المغرب... كما شاهدت فيه اسنان الفيل التي كانوا يجيؤون بها من زَنجْبَار...). ثم يتحدث ناصر خسرو عن الطبيعة الجغرافية لبلاد النوبة، ويعبر عن تعجبه ودهشته لاجتماع المحاصيل الزراعية في سوقها من ربيعية، وصيفية، وخريفية وشتوية، بسبب تنوع واختلاف العوامل المناخية والجوية فيها. حتى يصف اخيراً رحلة عودته من مصر متجهاً نحو بيت الله الحرام، حيث يتوفر على وصف طريف عودته، وما مرّ به من مدن صادفها في هذا الطريق مثل اسيوط واسوان. حتى يحطّ رحاله اخيراً عند الديار المقدسة حيث مكة المكرمة، وبيت الله العتيق، فيعقد لها فصلاً كاملاً يتوفر فيه على وصفها، ويستفيض في بيان موقعها الجغرافي، وبعض من الاحداث المهمة في تاريخها، حيث يقول في هذا الصدد: (... تقع مدينة مكة بين الجبال، وهي مدينة لا يمكن للقادم اليها من اي جانب ان يراها حتى يصل اليها، واعلى جبل فيها هو جبل ابي قبيس، ويشبه قبّة مدورة، ويقع في شرق المدينة، وعلى قمة هذا الجبل نتوء منحوت من الحجارة يقال ان ابراهيم عليه السلام هو الذي اتخذه، وتقع المدينة في هذه العرصة الواقعة بين الجبال، ويقع المسجد الحرام في وسطها حيث تحيط به المدينة بازقتها واسواقها...). (... ولم ار في مكة اشجاراً سوى بضعة منها عند باب المسجد الحرام المتجه نحو المغرب حيث يقال له باب ابراهيم، فحول احد الآبار رأيت اشجاراً عالية، ومن المسجد الحرام باتجاه المشرق امتدت سوق كبيرة من الجنوب الى الشمال، ويرتفع جبل ابي قبيس عند بداية السوق من جانب الجنوب، وقد نحتت المدرجات على سفح الجبل، ورصفت الصخور والاحجار بحيث يستطيع الناس الوقوف عليها لينشغلوا بالدعاء...). ومن مكة المكرمة يتجه ناصر خسرو نحو الطائف وهي - كما يصفها- قصبة تقع على الجبل، وتتمتع بجو بارد ومعتدل حتى في الصيف، حيث يصفها قائلا: (... هي ناحية تقع على رأس الجبل، وقد كان جوّها عندما وصلنا اليها في شهر ايّار بارداً الى درجة اننا كنا نضطر الى ان نجلس تحت اشعة الشمس، وهي مدينة صغيرة يحيط بها سور منيع، وتشتمل على سوق صغيرة، وجامع، ويجري فيها ماء عذب، وتكثر فيها اشجار الرمان، والتين، ويقع قبر عبد الله بن عباس(رض) بالقرب من هذه القصبة، وقد بنى فيها خلفاء بغداد مسجداً كبيراً، يقع ذلك القبر في ركن فيه، ويوجد على الجهة اليمنى محراب ومنبر، وحول هذا المسجد بنى الناس البيوت، وسكنوا فيها...). بعد ذلك يبسّط ناصرخسرو القول حول الاحداث التي واجهها اثناء طريق عودته من مكة متجهاً صوب البصرة، والتي كانت تصل في بعض الاحيان الى حد التعرض لمخاطر وخصوصاً في البادية التي تفصل بين العراق، وارض الحجار. وعندما يصل الى البصرة كان التعب والارهاق قد اخذا من شاعرنا كل مأخذ، حتى تمزقت ثيابه ولم يتبق منها سوى خرق واخلاق بالية، ناهيك عن فراغ ذات يده، حتى تحوّل منظره –كما يقول هو نفسه- الى ما يشبه منظر المجانين! وبطبيعة الحال فان اول ما فكّر فيه ناصر خسرو عندما وصل الى هذه المدينة هو ان يذهب الى حمامها، وفي هذا الحمام تحدث له قصة طريفة يرويها لنا قائلاً: (وعندما وصلنا الى البصرة كنا اشبه حالاً بالمجانين لتمزق ثيابنا، والاعياء الشديد الذي سيطر علينا، فأردنا الذهاب الى الحمام، فقد كان الجوّ بارداً ولم نكن نرتدي ثياباً تقينا منه، فكنت انا واخي نرتدي خرقاً بالية، وقد شددنا على ظهورنا قطعاً ممزقة من القماس تقينا البرد، ففكرت ان ابيع كتاباً كان معي لكي ادفع ثمنه كلفة الدخول في الحمام...). (ففعلت ذلك، ووضعت الدراهم امام صاحب الحمام، وعندما وقع نظره علينا ونحن على تلك الهيئة الرثة ظننا مجانين، فصرخ في وجهنا قائلاً: سوف يهرب الناس اذا رأوكم، فما كان منّا الا ان خرجنا مسرعين ونحن نشعر بالخزي والخجل، وكان الاطفال يلعبون عند باب الحمام، فظنوا اننا مجانين، فأخذوا يطاردوننا، ويقذفون علينا الحجارة، وهم يصرخون، فلذنا منهم الى جانب، واخذنا نتأمل في امر الدنيا وعجائبها!...). واخيراً يصل ناصر خسروا بلاده ايران، فيتجه من البصرة صوب اصفهان بعد ان يمرّ في الطريق بينهما بمدن، وقصبات، وقرى كثيرة يتحدث عنها في رحلته، ويفصل القول فيما لاقاه من احداث مهمة فيه. حتى تطأ قدماه اخيراً ارض مدينة اصفهان في الثامن من شهر صفر سنة اربع واربعين واربعمائة، بعد ان يجتاز مسافة بلغت مائة وثمانين فرسخاً، يصفها بانها مدينة تقع في سهل منبسط، وانها تتمتع بمناخ معتدل جميل، ومياه غزيرة بحيث ان الانسان اذا حفر بئراً فانه يستطيع ان يصل الى الماء بسهولة. وقد كان لهذه المدينة - كما يذكر ناصر خسرو- سور حصين، وبوابات ضخمة، وابراج للدفاع عنها، فيما كانت تجري في داخل المدينة جداول وسواق من الماء العذب تحيط بها المباني الجميلة المرتفعة. وفي وسط المدينة يقع المسجد الجامع تحيط به الاسواق الكثيرة، والمحلات العامرة، وكان كل سوق فيها يمتلك بوابة خاصة به، وهكذا الحال بالنسبة الى حاراتها، وازقتها. ويستمر ناصر خسرو في مسيره متجهاً صوب مدينته، ومسقط رأسه بلخ، ويتجاز في خلال مسيرة عودته المدن والقرى الواقعة في الطريق الصحراوي بين اصفهان، وخراسان من مثل طبس، وقائن، وتون بصحرائها الملتهبة. ويحدث في اثناء ذلك ان يفقد اخاه في الطريق، الا انه يستطيع العثور عليه اخيراً، فليتقيان مجدداً، ثم يختتم شاعرنا واديبنا ناصر خسرو رحلته بالقول: (... وهكذا وبعد ان فقدنا الامل، ووقعنا في المهالك لمرّات عديدة، ويئسنا من الحياة، التقينا مرة اخرى، وفرحنا برؤية احدنا للآخر، وشكرنا الله سبحانه وتعالى...). مستمعينا الاحبة، ونحن ايضاً نحمد الله جل وعلا ونشكره على توفيقه ايانا لان نستعرض هذا السفر القيم من اسفار التراث الايراني من خلال حلقات هذا البرنامج الذي يستعرض روائع التراث الايراني في جميع مجالات الفكر والمعرفة، على امل ان نقدم لحضراتكم كل ما هو ممتع ومفيد في حلقات برامجنا القادمة، نستودعكم اله وكونوا في انتظارنا. وتقبلوا تحيات اسرة البرنامج. ******* السيرة الذاتية للحكيم ناصر خسرو في كتابه "الرحلة" - 8 2007-04-28 00:00:00 2007-04-28 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3038 http://arabic.irib.ir/programs/item/3038 اخوتنا المستمعين الاكارم، سلام من الله عليكم ورحمته وبركاته، واهلاً ومرحباً بكم في لقاء جديد يجمعنا معكم عبر حلقة اخرى من حلقات برنامجكم الاسبوعي (عبارات واشارات)، حيث نجول معاً في جنبات حديقة الادب والفكر التي رعاها، وتعهد بسقايتها اعلام المعرفة في ايران الاسلام. اعزتنا المستمعين، في مقدمة كتاب (الرحلة) يتحدث الشاعر والحكيم ناصر خسرو القبادياني عن الدافع الذي دفعه الى ان يبدأ برحلته طائفاً الامصار، ومتجوّلاً بين البلدان والحواضر. وذلك بعد ان يشير الى عمله في مرو، والى الامير الذي كان يحكم خراسان في عصره قائلا: (يقول ابو معين حميد الدين ناصر بن خسرو القبادياني المروزي - تجاوز الله عنه-: كنت امتهن الكتابة، ومن جملة المتصرفين في الاموال والاعمال السلطانية، فكنت منهمكاً في الاعمال الديوانية، وانشغلت بها لفترة حتى اشتهرت بين الاقران...). ويفضل ناصر خسرو الحديث بعد ذلك عن الدافع الذي حدا به الى ان يترك العمل الحكومي، ويختار حياة التجوال والسفر، محدثاً بذلك انقلاباً كبيراً في حياته اخرجه من حياة الدّعة والاستقرار، الى حياة الغربة والاسفار. هذا الدافع يتمثل - كما اشرنا في الحلقة السابقة- في رؤيا رآها الشاعر في منامه يحدثنا عنها قائلا بعد ان يشير الى اليوم الذي خرج فيه من مرو وهو –كما يعبر عن ذلك- يوم قران الرأس والمشتري طبقاً للحسابات الفلكية. وقد قيل ان من طلب حاجة في ذلك اليوم فان الباري تعالى وتقدّس يقضيها له، فانتحيت جانباً، وصليت ركعتين، وطلبت من الله ان يرزقني الثروة والمال، وعندما حللت على اصحابي كان احدهم ينشد شعراً بالفارسية، فخطر على بالي شعر اردت ان اطلب منه انشاده لي، فكتبته على ورق وقدمته اليه ليقرأه، فما كدت اعطيه اليه حتى بدأ بانشاد هذا الشعر بعينه، فتفألت بذلك خيراً، وقلت لنفسي: لقد قضى الله تبارك وتعالى حاجتي، فذهبت من هناك الى جوزجانان ومكثت فيها ما يقرب من شهر قاضياً اوقاتي باللهو، واللعب، والعبث. ويبدأ ناصر خسرو بعد ذلك حديثه عن الرؤيا الغريبة التي رآها والتي كانت السبب في ان يعود الى رشده بعد ان كان طيش الشباب قد استولى عليه، فاذا به يعود الى وعيه، ويسلك سبيل الجدّ، فتنقلب بذلك حياته، ويختار حياة الاسفار والتقرب. يقول ناصر خسرو مؤرخاً لهذه الفترة من حياته، ومسلطاً الضوء على هذه الحياة الجديدة التي ارتضاها لنفسه: قال النبي صلى الله عليه وآله: قولوا الحق ولو على انفسكم. رأيت ذات ليلة في المنام شخصاً يقول لي: حتى متى تبقى متبعاً الهوى، ملازماً للهو والعبث، الافضل لك ان تنشغل بما يهمك فقلت: هذا هو السبيل الوحيد للحكماء لكي يخففوا عن عنائهم في الدنيا. فأجاب: الراحة لاتكمن في انعدام الوعي، فليس من اللائق بالانسان الحكيم ان يُرشد الناس الى اللهو، بل يجب عليه ان يطلب شيئاً يزيد من العقل والوعي، فقلت: ومن اين لي بذلك؟ فقال: مَنْ جدّ وَجَدَ ثم اشار الى القبلة، ولم ينطق بشيء بعد ذلك.... (... وعندما استيقظت من النوم، كانت الرؤيا متجسدة امامي وتمارس التأثير عليّ، فقلت لنفسي: لقد استيقظت من نوم البارحة، وعليّ ان اسيتقظ ايضاً من رقدة اربعين سنة، ففكرت وأُلقي في رَوْعي انني لااستطيع ان اجد الفرج حتى اراجع كل افعالي واعمالي، و في يوم الخميس السادس من جمادي الاخرة سنة سبع وثلاثين واربعمائة، اغتسلت ثم توجهت الى المسجد الجامع، وصليت وطلبت من الباري تبارك وتعالى ان يعينني على اداء ما هو واجب عليّ، واجتناب ارتكاب المنهيات والمحرمات كما امر الله...). وهكذا يبدأ ناصر خسرو رحلته مفتتحاً اياها بزيارة بيت الله الحرام، تعبيراً منه عن ذلك الانقلاب الكبير الذي حدث في ذاته فجعلها تحث السير باتجاه الطريق الالهي، طريق التزكية، والتطهّر، وكسب الحكمة اينما وُجِدَت، والتزود من العلم والمعرفة من خلال الترحال، والتنقل بين البلدان، والتعرف على حياة الامم والشعوب المختلفة، واكتساب المواعظ والعبر من حياتها. يقول الشاعر والحكيم ناصر خسرو عن بداية رحلته هذه، واستعداده لها، وكيف انه عاد الى مرو لكي يستقيل من وظيفته: (... فذهبت من هناك الى شبورغان، ومكثت ليلتي في قرية بارياب ثم سرت من هناك في طريق سَمَنْجان، وطالقان متوجهاً الى مَرْواْلمُرود، وعندما وصلت الى مرو طلبت من يقيلوني من العمل الديواني بسبب عزمي على زيارة القبلة، وعلى اثر ذلك تركت كل ما في الدنيا الا ما كان ضرورياً، وفي الثالث والعشرين من شهر شعبان شددت رحالي باتجاه نيسابور...). ويستمر ناصر خسرو في رحلته هذه محدثاً ايانا في كتابه عن الاحداث التي واجهها، والمشاهد التي رآها، والملوك والحكام الذي كانوا يحكمون المدن والبلدان التي كان يمرّ بها بما يشكل معلومات تاريخية قيمة تنفع الباحثين المهتمين بدراسة اوضاع العالم الاسلامي آنذاك. ومن جملة الاحداث التي يشير اليها ناصر خسرو زلزال حدث في مدينة تبريز آنذاك ادى الى مقتل الكثير من الناس، وهدم اجزاء كبيرة من المدينة. يقول ناصر خسرو مشيراً الى هذه الحادثة: (وصلت تبريز في العشرين من صفر سنة ثمان وثلاثين واربعمائة، وهي قصبة من قصبات اذربيجان، وهي مدينة عامرة جُلْتُها طولاً وعرضاً... وقد قيل لي ان زلزالاً حدث في هذه المدينة سنة اربع وثلاثين واربعمائة في الايام المسترقة بعد صلاة العشاء فتهدم على اثر ذلك قسم من المدينة، وهلك من اهلا اربعون الفاً...). ثم يحدثنا ناصرخسرو بعد ذلك عن احد الشعراء العرب الذي لقيهم في تبريز وهو قطران الشاعر، وعن احد المواقف التي جمعته معه، مقدماً بذلك لنا احدى المعلومات الادبية القيمة حول هذا الشاعر، وكيف ان الكثير من الشعراء العرب كانوا يقيمون في بلاد ايران، وكانوا يبدون رغبة في تعلّم اللغة والادب الفارسي. يقول الشاعر والاديب ناصر خسرو في هذا المجال: (وفي تبريز رأيت الشاعر قطران، وكان يُنْشِد اشعاراً حسنة الا انه لم يكن يجيد اللغة الفارسية، فكان يأتي اليّ ومعه ديوان (منجيك)، وديوان (دقيقي)، ويقرؤهما عندي، ويسألني عن المعاني التي كانت تشكل عليه، فكنت اشرحها له، فكان يدوّن هذا الشعر، ويقرأ عليّ اشعاره...). وعندما يصل ناصر خسرو في رحلته الى الشام يتوقف عندها طويلاً ليحدثنا عن عجائبها، وغرائبها، ومدنها، وامصارها، ومحاصيلها، وبعض من الشخصيات التي رآها فيه. ومن جملة ما يحدثنا عنه مدينة معرّة النعمان مسقط رأس فيلسوف الشعراء، وشاعر الفلاسفة ابي العلاء المعرّي، فيقدم لنا عنها وعن شاعرها واديبها الكبير شرحاً يكاد يكون وافياً. هذا الشرح سنستعرضه لكم اخوتنا المستمعين في حلقة الاسبوع المقبل باذن الله تعالى، فكونوا في انتظارنا آملين ان تكونوا قد قضيتم معنا في حلقة هذا الاسبوع دقائق ممتعة ومفيدة. وان نقدم لكم في حلقة الاسبوع القادم ما هو اكثر متعة وفائدة، فالى الملتقى، وتقبلوا تحيات اسرة البرنامج، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ******* الشاعر ناصر خسرو حياته وديوانه - 7 2007-04-25 00:00:00 2007-04-25 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/3037 http://arabic.irib.ir/programs/item/3037 احبتنا المستمعين الافاضل، نرحب بكم اجمل ترحيب في لقاء جديد يجمعنا معكم عبر جولة اخرى في رحاب التراث الاسلامي الذي سطرته اقلام اعلام الفكر في ايران، وكلنا امل في ان تقضوا معنا اوقاتاً حافلة بالفائدة والمتعة عبر الدقائق المخصصة لهذا البرنامج (عبارات واشارات). اخي المستمع، اختي المستمعة! ناصر بن الحارث القبادياني، المعروف بـ (ناصر خسرو) هو احد الشعراء، والكتّاب، والرحّالة، والحكماء الذين انجبتهم ارض ايران الاسلام، واغنوا الحضارة الاسلامية بل الحضارة الانسانية كلها بتراثهم الرائع في جميع مجالات المعرفة. وُلِدَ هذا الشاعر، والاديب الحكيم سنة ثلاثمائة واربعة وتسعين من الهجرة الشريفة في قرية قباديان من توابع مدينة مروشاهجان. في مطلع عمره تلقى هذا الشاعر الاديب العلوم الشائعة في زمانه، بعدها انشغل في خدمة الديوان الحكومي كاتباً. الا ان حبّه للعلم، وشوقه العارم الى تحصيل المعرفة لم يدعاه يبقى فترة اطول في الديوان رغم الدخل الوافر الذي كان يدرّه عليه عمله الحكومي والاداري. وهكذا اعتزل هذا العمل عندما بلغ الثالثة والاربعين من عمره، وكما يحدثنا هو نفسه في مقدمة رحلته التي ستكون موضوع حلقتنا لهذا الاسبوع، فانه رأى رؤياً غريبة ادت الى تغير احواله، وحدوث انقلاب كبير في حياته. وعلى اثر ذلك شدّ رحال السفر الى الديار المقدسة متوجهاً من بلدته صوب مهبط الوحي، ومهد الرسالة، مكة المكرمة. ففي الثالث والعشرين من شهر شعبان سنة سبع وثلاثين واربعمائة للهجرة انطلق من مرو حيث كان يعمل في الديوان مولّياً وجهه شطر المسجد الحرام. وفي خلال رحلته الطويلة هذه مرّ بنيسابور، وسمنان، والريّ، وقزوين، وآذربيجان، ومن مرند وخوي واصل رحلته مارّاً بمدن ارمينيا (فان، واخلاط، وبطليس). ومن هناك توجه صوب الشام، وبيت المقدس، حيث مكث في هذه البلاد شهرين وبضعة ايام. وفي النصف الاول من شهر ذي القعدة الحرام غذّ السير باتجاه ارض الحجاز لاداء فريضة الحج. ومن هناك دفعه حب الاستطلاع الى ان يجوب الافاق، ويتنقل بين البلاد، والامصار، ليستمر في رحلته، وليدوّن –وهو الكاتب الاديب- مشاهداته عن تلك البلدان. فشدّ الرحال من مكة المكرمة متوجهاً الى ارض العجائب، والغرائب والحضارات الموغلة في العراقة والقدم، ارض مصر، فوصل القاهرة في السابع من شهر صفر سنة تسع وثلاثين من القرن الخامس الهجري. فأقام في مصر قرابة ثلاث سنوات حجّ خلالها بيت الله الحرام مرّة اخرى، وفي عام اربعمائة وواحد واربعين من الهجرة غادر مصر ليزور الديار المقدسة للمرّة الرابعة حيث مكث في مكة هذه ستة اشهر مجاوراً لبيت الله العتيق. وبعد ادائه لفريضة الحج غادر ارض الحجاز وفي شهر شعبان سنة ثلاثة واربعين واربعمائة قفل عائداًالى وطنه ايران بعد ان مرّ بالطائف، وتهامة، واليمن، والبصرة حيث مكث في هذه الاخيرة شهرين. ثم انطلق من هناك الى ارجان (فارس)، وليلقي عصا الترحال اخيراً في بلخ بعد ان عرّج على اصفهان، ونائين، وقائن، وتون، وسرخس. وذلك سنة اربع واربعين واربعمائة للهجرة. وفي خلال هذه الرحلة التي استغرقت زهاء سبع سنوات، واجه ناصر خسرو الكثير من الاحداث والمصائب، ورأى بأم عينه طرائف وغرائب مختلفة. الا ان الحادثة الكبرى التي تركت ابلغ الآثار، واعمقها في حاية شاعرنا واديبنا ناصر خسرو انه تأثر كثيرا بشخصية الخليفة الفاطميّ في مصر، حيث ادى به هذا التأثر الى ان يعتنق المذهب الاسماعيلي، ويتولى الدعوة الى هذا المذهب. وعند عودته الى بلخ بدأ يدعو الى المذهب الاسماعيلي بشكل علني، ويناقش ويناظر فيه العلماء والفقهاء في عصره. وبطبيعة الحال فقد واجه ناصر خسرو احتجاجات واعتراضات المتعصبين، فعزم الامراء السلجوقيون على ايذائه، واضطهاده حتى ضاق ذرعاً بذلك، وذاق منهم الامرّين. فاضطر الى ان يتخفى، ويتنقل من مدينة الى اخرى مواجهاً خلال ذلك الكثير من المصاعب، والآلام، حتى استقر به المقام اخيراً في قلعة يمغان بالقرب من مدينة بدخشان، حيث اعتزل فيها الناس، حتى توفي سنة اربعمائة وواحد وثمانين من الهجرة. وفي خلال فترة عزلته هذه انهمك ناصر خسرو في نظم الشعر، والتأليف، والتصنيف. ويتضمن ديوان شعره قصائد غرّاء اوردها بعد ان استهل ديوانه هذا بمقدمة وصف من خلالها الطبيعة، وبسّط الحديث حول العقائد الدينية، والفلسفية، وسعى من اجل اثبات المبادئ الاخلاقية والاسس الفلسفية عبر استدلالات منطقية متينة للغاية. ومن آثاره الاخرى كتاب (زاد المسافرين) و(وجه الدين) و(خوان الاخوان)، واشعار مثنوية معروفة نظمها في رسالتين (روشنائي نامه) اي رسالة النور و(سعادت نامه) اي رسالة السعادة. ومن بين اعمال ناصرخسرو يلتمع في مجال النثر كتاب رحلته الذي دوّن، وسجّل فيه مشاهداته، وملاحظاته التي واجهها خلال سبع سنوات متصلة قضاها في الترحّل والتجوال. وتكمن اهمية هذا الكتاب في قيمته الادبية، والعلمية، والتاريخية، والجغرافية، ففيه نستمتع باسلوب ناصر خسرو النثري المرصع بالصناعات الادبية، والبلاغية. ومن خلاله نطلع على المصطلحات العلمية والفلسفية التي كانت رائجة في العصر الذي عاش فيه ناصر خسرو. وبين سطوره تتجلى لنا الاوضاع الاجتماعية، والجغرافية، والحضارية للبلدان والمدن الاسلامية آنذاك. وللاهمية التي يتمتع بها هذا الكتاب فقد طبع ثلاث مرات في ايران، ومرة في اوروبا ذلك لانه يعتبر من الآثار النفيسة للنثر الفارسي في القرن الخامس الهجري. ويبدو ان ناصرخسرو دوّن هذا الكتاب بعد عودته من رحلته، ليخرجه اثراً نفيساً حافلاً بالحلاوة والطلاوة، مفعماً بالفصاحة والبلاغة، والبيان الشامل المثقل بالملاحظات والمشاهدات الدقيقة حول اوضاع المدن، والابنية، والآثار المهمة في ارجاء العالم الاسلامي. كما يضم هذا الكتاب بين دفتيه تفصيل الحديث حول الطبيعة الجغرافية، والزراعية لكل بلد كان يمرّ به، بالاضافة الى اوضاعه الاخلاقية، وعاداته وتقاليده الاجتماعية وما الى ذلك من مشاهدات سطرها شاعرنا، واديبنا القدير خلال رحلته بفضل دقة ملاحظاته، وحبّه للاستطلاع. احبتنا المستمعين، بعد ان تحدثنا فيما مضى من دقائق عن حياة الشاعر والاديب والحكيم ناصر خسرو القبادياني، وعن عمله الادبي والتاريخي الخالد المتمثل في رحلته، نوكل استعراض بعض النماذج من هذا الكتاب النفيس باعتباره احدى روائع التراث الايراني، الى حلقة الاسبوع المقبل باذن الله. فحتى ذلك الحين، نستودعكم الرعاية الالهية، شاكرين لكم حسن الاصغاء والمتابعة، وآملين ان تكون قد جمعتكم معنا دقائق حافلة بكل ما هو ممتع ومفيد، من تراثنا الاسلامي الخالد الذي يرمي برنامجها (عبارات واشارات) الى استعراضه، وتقديم خلاصة عنه. فكونوا في انتظارنا، وتقبلوا تحيات اسرة البرنامج. ******* حكاية عن الالطاف الخفية من كتاب سديد الدين العوفي - 6 2007-04-23 00:00:00 2007-04-23 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2932 http://arabic.irib.ir/programs/item/2932 مستمعينا الافاضل، سلام من الله عليكم ورحمته وبركاته، واسعد الله اوقاتكم بكل خير وبركة. مع جولة جديدة تجمعنا بكم عند عيون وروائع التراث الايراني من خلال برنامج (عبارات واشارات)، آملين ان تمضوا معنا دقائق مفيدة وممتعة. من الحكايات والقصص الطريفة التي يرويها (سديد الدين العوفي) في كتابه (جوامع الحكايات ولوامع الروايات) حكاية اوردها المؤلف لاثبات الطاف الله تعالى الخفية في عباده، وحكمه التي قد لايستطيع الانسان ان يدركها بادئ ذي بدء. فقد يتعرض الانسان في بعض الاحيان لامر ظاهره سوء، فيضجر من هذا الامر، ويضيق ذرعاً به، ويصيبه الجزع واليأس من رَوْح الله جل وعلا، الا انه سرعان ما يكتشف فيما بعد ان الخالق دفع من خلال هذا الامر السيء في الظاهر امراً آخر اسوء منه. ومثل هذه الظاهرة كثيراً ما تحدث في حياة الانسان، كما يؤيد العوفي ذلك عبر روايته للحكاية التالية من احد الكتب القديمة: (كان فيما مضى رجل زاهد من احدى القبائل العرب، وكان اهل قبيلته يتبرّكون به، ويستأنسون ويتسلّون بمواعظه ونصائحه. وفي احدى الليالي اتفق ان ماتت جميع كلاب القبيلة، فجاء اليه اهل القبيلة في الغداة وقالوا له: لقد ماتت كلابنا البارحة دون سبب ظاهريّ. فقال لهم: لقد كان صلاحكم في هذا الامر، فقد اراد لكم الخير منه، فرجعوا، وفي الليلة التالية مات جميع ما كان عندهم من دجاج، فذهبوا في اليوم التالي الى الرجل الزاهد وقالوا له: مات دجاجنا. فأجابهم: لقد ذخر الله لكم كلّ الخير في ذلك ولكنكم لاتعلمون. فقالوا: وما الخير في ذلك وقد ماتت كلابنا التي تحرسنا، وهلكت ديكتنا التي كانت تؤذّن لنا، وتوقظنا الصباح، ان في موتها لشراً مسطيراً! وفي الليلة التالية جهد القوم من اجل ان يوقدوا ناراً، فلم يعمل مقدحهم، ولم تنطلق منه النار، فاستولى عليهم الخوف والهلع، وبعد ان نهضوا من نومهم في اليوم التالي علموا ان عدوّاً هجم الليلة الماضية على النواحي التي يسكنون فيها، واعمل فيها النهب والسلب، الا انه لم يهتد اليهم سبيلاً لانه لم ير ضياءً، ولم يسمع اصوات الكلاب والدجاج، وبذلك نجوا منه، وتحققت نبوءة الرجل الزاهد!). وعن ابن ابي سلم العسكري تستوقفنا في كتاب (جوامع الحكايات) حكاية مؤثرة معبرة يكشف من خلالها العوفي عن حكمة الله تبارك وتعالى في خلق مخلوقاته، وانه سبحانه لم يخلق شيئاً من مخلوقاته عبثاً، ومن غير حكمة، حتى بالنسبة الى المخلوقات التي تبدو في الظاهر ضارّة، عديمة الفائدة. فلقد خلق تعالى كل شيء بقدر، واقام التوازن والتعادل بين مخلوقاته، فما من حبّة في ظلمات الارض الاّ يعلمها، وما من رطبٍ ولا يابسٍ الاّ في كتاب مبين. فسبحانه وتعالى من قادر مقتدر، ومن عليم محيط بكل شيء، ومن مدبر حكيم اتقن كل شيء صنعه، وجعله بمقدار لايحيد عنه، كما يتجلى لنا ذلك في الحكاية التالية: (اصيب رجل بالفالج، وطالت به علته حتى زالت عنه قوّته، ولم يعُدْ بامكانه الكلام، فجاؤوا به الى عسكر (مكرّم)، فلم يستقبله ايّ شخص في بيته، فنبذوه في الصحراء، وكان في الصحراء عقارب كثيرة، فلسعته في تلك الليلة، فبدت علامات الصحة عليه، وانطلق قدر من لسانه بالكلام. وفي الصباح رآه اصحابه، فتعجبوا من امره، وسألوا احد الاطباء عن ذلك فقال لهم: ان سبب هذا القدر من الصحة الذي اقبل عليه هو لسعة العقارب، فنقلوه من هناك، واعتدل مزاجه بعد ذلك بعد ان تلقى قدراً قليلاً من العلاج). وهكذا يقول العوفي معلقاً على هذه الحكاية - فقد اظهر الخالق تعالى- آثار قدرته، وحكمته فجعل لسعة العقرب سبباً للشفاء، والسمّ القاتل مادّة للحياة، حتى يعلم العقلاء ان ولاية الاماتة والاحياء هي في قبضة قدرته، «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير» (الشورى، 11). ومن الحكايات والقصص الاخرى التي يسردها العوفي والتي تمتلك قيمة تاريخية لكونها تعكس لنا جانباً من الاوضاع السياسية والاجتماعية التي كان يعيشها المسلمون في اواخر العصر العباسي. حكاية وقعت احداثها في البصرة عندما كان الزِنُجْ مسيطرين عليها، وعلى ولاتها وحكامها، فكان الامر والنهي بأيديهم، ولم يكن الولاة يستطيعون فعل شيء ازاء بطشهم وقوتهم. وبذلك فقد اطلقوا ايديهم في الرعية ينهبونهم، ويسلبونهم، ويرتكبون المذابح والمجازر بحقهم، وربما اعتدوا على اعراضهم وشرفهم. فلنستمع الى هذه الحكاية كما ينقلها لنا العوفي في كتابه: (عندما خرج البُرقعي في البصرة، واحاطت به جماعة من الزنوج والاوباش، فأطلق ايدي الغوغاء، ووهب اموال الناس الى الزنوج، كان أعين بن محسن احد هؤلاء الزنوج الذين تسلطوا على البرقعي، فحدث ذات يوم ان قبضوا على فتاة علوية، وارادوا ان يهتكوا عفتها، امام البرقعي الذي لم يستطع ان يمنعهم كعادته من ارتكاب هذه الفعلة الشنعاء. فقالت الفتاة للبرقعي: انقذني من الزنج، وفي مقابل ذلك سأعلمك دعاءً يجعل السيف لا يعمل فيك، فطلب البرقعي ان تقترب منه وقال لها: علّميني اياه. فقالت الفتاة: من اين لك ان تعلم ان هذا الدعاء مستجاب؟! قرّبه اولاً عليّ بكل ما تمتلك من قوّة حتى اذا ايقنت انه لم يعمل فيّ علمت ان الدعاء هو سبب ذلك، وحينئذ ستعرف قدره، فأهوى البرقعي بالسيف عليها، فسقطت الفتاة في الحال، وماتت، فتندم البرقعي، وعلم ان قصدها من ذلك كان المحافظة على عفتها لكي لاتتعرّض للاعتداء وندم الجميع، واستحسنوا ما فعلته...). مستمعينا الاكارم، وتحت عنوان مزيج الماء والتراب يروي لنا العوفي حكاية تدور بين رجل زنديق، واحد القضاة من المرجح انها حدثت في العصر العباسي حيث انتشرت الزندقة، وشاع الالحاد، وحيث كان المسلمون وشخصياتهم الدينية المخلصة منهمكين في الدفاع عن معتقداتهم من خلال مناظرة هؤلاء الزنادقة. هلاّ حدثتنا عن خبر هذا الزنديق وكيف استطاع القاضي ان يفحمه في الجواب؟ يقول العوفي: (ان رجلاً زنديقاً حضر عند اياس القاضي، وقال له: يا قاضي المسلمين ان اكلت تمراً فهل يصيبني منه ضرر في ديني؟ فقال اياس: لا. فقال: فان تناولت معه قدراً من الحبّة السوداء؟ فقال: لا ضرر عليك. فقال: فماذا يحدث ان شربت معهما ماء. فقال القاضي: ذلك لك. فقال الزنديق: ان شراب التمر مؤلف من هذه الاخلاط الثلاثة فلماذا تحرّمونه؟ فقال القاضي: يا شيخ! ان القيت عليك شيئاً من التراب فهل سيصيبك ضرر؟ فقال: لا. فقال: فان صببت عليك قبضة من ماء فهل سيؤلمك ذلك؟ فقال الزنديق: لا. فقال: فان مزجت هذا الماء والتراب معاً، وصنعت منهما لبناً، ثم ضربت رأسك بها فماذا سيحدث لك؟ فقال: سينكسر رأسي! فقال القاضي: كما انّ رأسك ينكسر هنا، فان عهد دينك سينكسر هناك، فلم يَجدْ الزنديق جواباً!). احبتنا المستمعين الاكارم، نكتفي بهذا القدر من القصص والحكايات من كتاب (جوامع الحكايات ولوامع الروايات) لسديد الدين العوفي، آملين ان نكمل المشوار معكم في حلقة الاسبوع المقبل من برنامجكم (عبارات واشارات)، فحتى ذلك الحين نستودعكم الرعاية الالهية. شاكرين لكم حسن الاصغاء والمتابعة. ******* نماذج من الحكايات الاخلاقية في كتاب سديد الدين العوفي - 5 2007-04-21 00:00:00 2007-04-21 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2931 http://arabic.irib.ir/programs/item/2931 مستمعينا الاحبة، سلام من الله عليكم ورحمة وبركات، واهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة نطوف من خلالها معكم في رحاب التراث الايراني، عبر برنامجكم الاسبوعي (عبارات واشارات). اعزتنا المستمعين، كنا قد وعدناكم في حلقة البرنامج السابقة ان نورد لكم قصة احد الملوك العادلين وهي حكاية يذكرها لنا الاديب والمؤرخ سديد الدين العوفي ضمن الحكايات التي اوردها في كتابه (جوامع الحكايات ولوامع الروايات). والتي تشتمل على مضامين تربوية واخلاقية الغاية منها تهذيب السلوك، وحثّ الحكام والملوك على العدل بين رعاياهم. يقول العوفي في هذه الحكاية: (يُحكى ان احد الزهاد روى قائلا: اثناء تطوافي في بلاد الصين، مرض ملكها، وكان ملكاً عادلاً، ففقد بسبب هذا المرض حاسة سمعه، فأحضر وزراءه، وثقّاته وقال لهم: لقد اَلمّتْ بي حادث جل، وبطلت حاسة سمعي فلم تبق قوة للسمع في اذني، قال ذلك ثم اجهش بالبكاء، فاراد الوزراء ان يسلّوه ويعزّوه، فقالوا له: لئن فقدت سمعك ايها الملك فاننا ندعو الله ان يبدلك بطول العمر ببركة عدلك، ويمن انصافك، ورأفتك وعطفك. فقال الملك: لقد وقعتم في خطأ كبير، وانحرفت افكاركم عن جادة الصواب، فانا لا أبكي لفقداني حاسة السمع لان العاقل يعلم ان عاقبة الوجود هي فناء كل الاعضاء والجوارح، كما اني لا أبكي على بطلان بعضها، ولا يحزنني كثيراً لفوات احدها، انما بكائي لانني لااستطيع سماع تظلم المظلوم، وصراخ المستغيث، فلا يكون بمقدوري ان اسعى في قضاء حاجته، ورد ظلامته). (ومنذ ذلك الحين امر هذا الملك ان ينادي المنادون في بلاده ان لا يرتدي احد من رعيته ثياباً حمراء سوى المظلوم لكي يدرك الملك من لون ثيابه انه مظلوم فيسعى الى انصافه). مستمعينا الكرام، وفي موضع آخر من كتابه (جوامع الحكايات) يورد لنا العوفي حكاية اخرى ذات مغزىً اخلاقي، الا انها تصور لنا في هذه المرة طغيان، وتجبّر بعض الملوك الى حدّ ادعائهم الالوهية. وماذا يقول العوفي في حكايته هذه؟ يقول: (زار ابليس ذات مرة فرعون وقد حمل بيده عنقوداً من العنب، فقال ابليس: هل بامكان احد ان يحوّل عنقود العنب هذه الى عنقود من اللؤلؤ؟! فقال فرعون: لا، فما هي الاّ لحظات حتى حوّل ابليس بلطائف سحره عنقود العنب الى عنقود من اللؤلؤ، فتعجب فرعون وصاح مندهشاً: يالك من استاذ ماهر، انت الاستاذ الاوحد في هذا الوجود!، فما كان من ابليس الاّ ان صفع فرعون على رقبته قائلاً: لقد طُرِدْتُ من الرحمة الالهية مع مهارتي هذه، فكيف تدّعي انت الالوهية بحماقتك هذه!). وحول الانبياء والرسل عليهم السلام نجد في كتاب (جوامع الحكيات ولوامع الروايات) الكثير من القصص والحكايات التي جمعت بين المتعة، وبين الفائدة والعبرة، وبين التاريخ لسيرهم واحوالهم (عليهم وعلى نبينا وآله الصلاة والسلام). وهل عندك شيء من هذه القصص تمتعيننا بها، وتزوديننا بالدروس والعبر؟ مثل هذه القصص كثير في هذا الكتاب ومن جملتها حكاية يوردها المؤلف حول سيدنا سليمان عليه السلام واخباره مع الحيوانات، وكيف ان تواضعه بلغ حدّاً جعله لايستنكف ان يتلقى المشورة والنصائح حتى من الحيوانات. حديثنا عن هذه الحكاية بالله عليك! يروي العوفي باسلوبه الادبي المشوق انه قد جاء في القصص والتواريخ ان جبرائيل عليه السلام هبط على سليمان عليه السلام ذات يوم بماء الحياة وقال: (لقد خيّرك الله تعالى في ان تشرب هذ القدح لكي تبقى حيّاً الى يوم القيامة)، فاستشار سليمان في هذا الامر من كان في مملكته من انس وجنٍ وحيوان، فأشار اليه الجميع في ان يتناوله لكي يُكْتَبَ له الخلود، ففكر سليمان عسى ان يكون هناك من لم يستشره، فتذكر انه لم يستشر السلحفاة، فأرسل الحصان في طلبها، ولكن السلحفاة امتنعت عن المجيء، فأرسل سليمان عليه السلام الكلب في طلبها، فحضرت السلحفاة فقال لها سليمان: قبل ان استشيرك في امري اخبريني عن سبب عدم مجيئك عندما ارسلت اليك الحصان الذي هو اشرف الحيوانات بعد الانسان، في حين انك بادرت الى المجيء عندما بعثت في طلبك الكلب الذي هو ادنى الحيوانات، فما هي الحكمة في ذلك؟ ترى بماذا اجابت السلحفاة سيدنا سليمان عليه السلام؟ قالت: السبب في ذلك ان الحصان لاوفاء له رغم انه شريف، والكلب وفي رغم انه خسيس، فليس من العجيب ان لا اُلبي دعوة من لم يكن وفياً، واُسْرِع في اجابة دعوة الوفيّ. وماذا عن ماء الحياة، وبماذا اشارات السلحفاة على النبي سليمان عليه السلام بالشرب ام عدمه؟ قال لها سليمان: لقد بعث لي ربي بماء الحياة، وخيّرني بين ان اشربه او ان ارُدّه، فاشار اليّ الجميع بان اشربه، فماذا تقولين انت؟ فقالت له: وهل ستشرب هذا وحدك ام مع ابنائك، واهلك، واصدقائك؟ فقال عليه السلام: بل اُمرتُ ان اشربه وحدي. فقالت: الصواب في رأيي ان ترُدّه ولا تشربه. فقال: ولماذا؟ فقالت: لانك ان أُعطي العمر الطويل فان جميع اهلك، وابنائك، وخلاّنك سوف يموتون قبلك الواحد بعد الاخر فتبتلى انت بانواع الهموم والاحزان، ويشوب التنغيص والكدر حياتك، وعندما يرحل عنك اهلك واحبابك تنعدم السعادة من حياتك، بل ما نفع الحياة من دونهم؟، فاستحسن سليمان عليه السلام هذا الرأي، واختار ان لايشرب بماء الحياة...). اعزتنا المستمعين، ومن بين القصص والحكايات المعبرة الاخرى التي يذكرها سديد الدين العوفي في جوامع حكاياته والتي تُعلّمنا كيف نصبرعلى قضاء الله وقدره، ونذعن لحكمه سبحانه، قصة طريفة حول احد القضاة في احد العهود السالفة. يقول العوفي راوياً لنا هذه الحكاية: (قيل انه كان هناك قاض كان له ابن شاب، وعالم، ومُتَّقٍ، فاتفق ان توفي هذا الشاب، فالتاع الاب لموته، وجزع عليه جزعاً شديداً، فلم يكن الصبر والسكون يجدان في قلبه سبيلاً، حتى انه اهمل امور المسلمين، فلم يكن يجلس في مجلس قضائه. وفي ذات يوم جاءه رجل زاهد وقال له: سأسأل قاضي المسلمين سؤالاً فان شاء اجابني. فقال القاضي: سَلْ ما شئت. قال الرجل الزاهد: منذ متى وانت قاضٍ؟ فقال: منذ خمسين سنة. فقال الزاهد: لو انك بعثت احد رجالك في طلب احد العوام فلم يأتي ولم يذعن لامرك، فهل تُجِزْ له ذلك؟ فقال القاضي: لا. فقال: ايها القاضي! لقد منحك الخالق ابناً، وانفذ حكمه فيه، فلماذا لا ترضى بقضائه؟!، فاعتبر القاضي بهذا الكلام، وعاد ليجلس في مجلس قضائه، بعد ان سكن، ورضي بحكم الخالق تعالى). ******* ابن العوفي وكتابه "جوامع الحكايات ولوامع الروايات" - 4 2007-04-18 00:00:00 2007-04-18 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2930 http://arabic.irib.ir/programs/item/2930 احبتنا المستمعين الافاضل، اجمل المنى، واطيب التحايا نبعثها لكم ونحن نلتقيكم عند حلقة اخرى من حلقات برنامجكم الاسبوعي (عبارات واشارات)، حيث التراث الادبي، والاخلاقي، والمعرفي الاصيل الذي سطرته اقلام الادباء، والمفكرين، والعلماء، والفلاسفة المسلمين في ايران. فأهلاً ومرحباً بكم راجين ان تقضوا معنا اوقاتاً طيبة ومفيدة. مستمعينا الاكارم، (جوامع الحكايات ولوامع الروايات) للاديب والمؤرخ الايراني محمد ابن محمد العوفي الملقب بـ (سديد الدين)، يمثل احد اهم النتاجات والمؤلفات القصصية التي جادت بها قرائح الايرانيين في القرن السابع الهجري، وهو من جملة الكتب التي تعدّ من المراجع المهمة والمفيدة التي كثيراً ما يستند اليها العلماء والكتّاب والمتأخرون علماً انه قد كُتِبَ باللغة الفارسية.. فلقد ضمّ هذا الكتاب بين دفيته غالبية المعارف والعلوم الاسلامية التي كانت قد دوّنت في الكتب بالعربية او الفارسية حتى عصر المؤلف.. فهو بذلك يعتبر وثيقة مهمة لتاريخ الحضارة، والادب، والعلوم في العالم الاسلامي، والتي استقاها الكاتب من كتب السّير، والاخبار، والتواريخ، متبعاً في ذلك الى حدّ بعيد الطريقة التي حذاها المؤرخون المسلمون الاخرون مثل صاحب (الاغاني) و(العقد الفريد) و(تاريخ الامم والملوك). ولاشك في ان هذا الكتاب - بالاضافة الى قيمته التاريخية- يضم الكثير من المواعظ والارشادات الاخلاقية، والمعلومات الاجتماعية والدينية وما الى ذلك، فهو يمتلك قيمة اخلاقية وتربوية ايضاً. ففي باب الاخلاق نقرأ قصصاً معبرة تليّن القلوب، وتدعو الانسان الى الاعتبار والاتعاظ، وتحمله على التفكر والتأمّل في حياته، وعاقبته، لتدفعه الى ان يقوّم سلوكه، ويطهر نفسه من العيوب والاخطاء. وفي باب السلوك الاجتماعي، يسرد لنا العوفي - كما سنرى ذلك- باسلوبه الادبي الشيق الكثير من القصص والحكايات حول تعدي الامراء والحكام في عصره، وظلمهم للرعية، وحول احوال واخبار ارباب الشريعة والطريقة من الزهاد والعرفاء مما يعكس لنا جانباً من الطغيان الذي تبتلى طائفة من المجتمع، او الاخلاق الفاضلة التي تصدر من طائفة اخرى سواء كانت من طبقة الرعية ام الحكام. وهناك قسم آخر في الكتاب خصصه المؤلف لسرد الاحداث التاريخية البحتة، ويشمل الوقائع التاريخية اعتباراً من بداية الخليقة وحتى العصر العباسي، وبالتحديد حتى حكم المستنصر سنة (623) للهجرة، ولذلك فانه يعتبر احد المصادر التاريخية المهمة، وخصوصاً فيما يتعلق باواخر العصر العباسي حيث تمزق العالم الاسلامي ليتحول الى دويلات وامارات يحكمها ملوك، وامراء مختلفون. احبتنا المستمعين، مؤلف كتاب (جوامع الحكايات ولوامع الروايات) هو - كما قلنا- محمد بن محمد العوفي الملقب بـ (سديد الدين)، وقد ذكرته بعض الكتب التاريخية مثل: (تجارب السلف) و(نزهة القلوب) و(التاريخ المنتخب) و(كشف الظنون)، وقد اشارات الى كتابه هذا، والاهمية التي يتمتع بها. وُلِدَ العوفي او سديد الدين في بخارى بين عامي 567 و572 للهجرة، وتوفي بين عامي 630 و640 للهجرة بعد عمر ربا على الستين، وبذلك فان تاريخ ولادته ووفاته غير معلوم بالتحديد رغم شهرة هذا المؤلف. بعد ان اكمل دراسته في بخارى، كانت له جولة علمية في بعض بلدان العالم الاسلامي، فقد زار غالبية مدن ما وراء النهر، وخراسان، والهند مثل، سمرقند، وخوارزم، ومرو، ونيسابور، وهرات، وسيستان، وغزنة، ودهلي. وفي خلال اسفاره تلك كان العوفي يقيم مجالس وحلقات الوعظ والارشاد، ويغشى مجالس بعض من الملوك والامراء، ويدون ما كان يسمع من القصص والاخبار الطريفة او ما كان يرى من وقائع، ويقع له من احداث. ومن جملة اولئك الامراء الامير ناصر الدين قباجه المتوفى عام 625هـ، حيث الف العوفي كتابه (جوامع الحكايات ولوامع الروايات) بأمر من هذا الامير، واهدى كتابه اليه. اعزتنا المستمعين، والآن وبعد ان ذكرنا لحضراتكم مقدمة حول اهمية كتاب (جوامع الحكايات ولوامع الروايات) وقيمته، وخلاصة عن حياة مؤلفه، نبدأ بترجمة طائفة من القصص والحكايات التي ضمنها المؤلف كتابه مما يشتمل على الدروس والعبر، والمواعظ والارشادات، والاحداث التاريخية المهمة. من بين الحكايات التي يسردها العوفي في كتابه حكاية تحت عنوان (اختلاف بين بائع ومشترٍ) يقول فيها: (روي في احد كتب الهند ان رجلاً اشترى داراً من رجل آخر، ثم ان الرجل المشتري اراد ان يبني بناء في البيت فاذا به يعثر على كنز في احد جدرانه، فما كان منه الاّ ان اخذ هذا الكنز وحمله الى البائع وقال له: (لقد عثرت على مال في جدار البيت الذي اشتريته منك، ومن المعلوم انني اشتريت منك الدار لا الذهب). فقال له البائع: (لقد وجدت البيت على تلك الحالة ولم يكن لي علم بالذهب، ولذلك لايمكنني ان آخذ الذهب منك، فانا لا أرى لنفسي حقاً فيه، فاتفق الاثنان من اجل ان يفضّا اختلافهما ان يترافعا الى الملك، ويعطياه المال، كي ينفقه في امور المملكة...). (... فأخذا المال الى الملك، وشرحا له قضيتهما، فنهرهما قائلا: انتما لاتجيزان لانفسكما ان تتصرفا في الامانة في حين انكما من اواسط الناس، فكيف تتوقعان مني انا الملك الذي فوّضت اليه شؤون المملكة، وأُلقيت على عاتقه مسؤولية ادارة امور الرعية، ان اجرؤ على التصرف بها؟! فقال الرجلان: انت الملك، وقد حدث لنا ما قد علمت، ونحن نطلب منك ان تحلّ لنا هذه المشكلة. وفي هذه الاثناء كان ابن الملك حاضراً في المجلس يستمع، ويرى ما كان يجري بين الرجلين وابيه، فنهض من مجلسه بعد ان فكر قليلاً، وامر الرجلين ان يتصاهرا، وكان للبائع بينت، وللمشتري ابن، فزوجوا البنت من الابن، ووهباهما المال، وبذلك فضّ النزاع اخيراً، بفضل تدبير وفطنة ابن الملك....). اخوتنا المستمعين، ومن بين القصص الاخرى التي يوردها العوفي في كتابه (جوامع الحكايات ولوامع الروايات) قصة طريقة اخرى يعكس من خلالها جانباً من الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية في عصره... هذه القصة جاءت تحت عنوان (تلاعب القصّابين بالاسعار، وتدبير حاكم سمرقند)، وهو يصور لنا من خلالها جشع طائفة من التجار، ومحاولتهم رفع اسعار البضاعة التي يتاجرون بها عبر محاولة دفع الرشوة الى حاكم المدينة، وشراء ذمته، والتواطؤ معه، كما يحدث غالباً بين الاغنيار والحكام... الاّ ان هذا الحاكم وبفضل عدله، وحرصه على مصالح الرعية افشل هذه المحاولة كما يحدثنا العوفي بذلك قائلا: (روي انه كانت في سمرقند جماعة من القصّابين ترافعوا عند حاكم المدينة وقالوا له: نحن نشتري الغنم، ونذبحه، ونبيع لحمه، الاّ اننا لا نحصل على ارباح كبيرة، فان اجاز الحاكم رفعنا سعر اللحم، ودفعنا في مقابل ذلك الف دينار الى خزانة الحكومة، فقال لهم الحاكم: يجب عليكم ان تدفعوا المال للخزانة، ولكم ان تبيعوا اللحم بالسعر الذي تريدونه، وعندما دفعوا المال الى الخزانة، ورفعوا اسعار اللحوم، بعث الحاكم مناديه ان ينادي في سوق المدينة قائلا: من اشترى من القصّابين لحماً، فانه سينال العقوبة بأمر الحاكم!... فلم يشتر احد من الرعية اللحم من القصّابين، فكانوا يشتركون في شراء الاغنام ليقسموا لحومها بينهم، فتكدست اللحوم في دكاكين القصابين، وكادت ان تفسد، فاضطروا الى ان يدفعوا الى خزانة الدولة مبلغاً آخر من المال لكي يببعوا لحومهم بالسعر السابق، فلما رأى حاكم سمرقند ذلك منهم قال: ليس من العدل والانصاف ان ابيع رعيتي كلها بالف دينار). ومن جملة القصص الاخرى التي كتبها العوفي في جوامع حكاياته والتي تجمع بين القيمتين الاخلاقية والتاريخية، قصة تتعلق بالعدل الذي عُرِفَ عنه احد ملوك الصين، علماً ان هذا النوع من القصص الذي نتعرف من خلاله على احوال وسير الملوك وما عرف عنهم من عدل وانصاف، او ظلم وطغيان كثير الورود ليس في كتاب العوفي فحسب بل وفي غالبية الكتب التي تشتمل على القصص، والحكايات والاخبار التاريخية. مستمعينا الاكارم، تفاصيل هذه الحكاية سنتعرف عليها في حلقة الاسبوع المقبل باذن الله. والآن اسمحوا لنا ان نودعكم على امل اللقاء بكم مجدداً، مع حكايات اخرى نجول من خلالها في اروقة التاريخ، ورحاب المواعظ، والاخلاق، ومدرسة الحياة الحافلة بالدروس والعبر... فحتى ذلك الحين نستودعكم الله، والى الملتقى. ******* حقيقة القلب في فكر أبي حامد الغزالي - 3 2007-04-16 00:00:00 2007-04-16 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2929 http://arabic.irib.ir/programs/item/2929 مستمعينا الاحبة، سلام من الله عليكم ورحمة وبركات، واسعد الله اوقاتكم بكل خير وبركة، مع حلقة جديدة من برنامجكم الاسبوعي الذي يجول في عالم التراث، برنامج (عبارات واشارات)، آملين ان تمضوا معنا اوقاتا مفعمة بكل ما هو مفيد وممتع. اخوتنا المستمعين الكرام، بعد ان يتحدث الغزالي حول القلب، وكيفية معرفة حقيقته، وحقيقة الروح وكون ان الروح هي من امر الله تعالى، وان الانسان بحواسه القاصرة، ومعارفه المحدودة لايمكنه ان يدرك حقيقة الروح بصريح قوله سبحانه في محكم كتابه: «ويسألونك عن الروح، قل الروح من امر ربّي، وما اوتيتم من العلم الاّ قليلاً» (الاسراء، 85). بعد ان يبسط ابو حامد الغزالي القول في كل ذلك يعقد موضوعاً يبين فيه سبب احتياج الانسان الى الجسم فيقول في هذا المضمار: «اعلم ان الجسد هو مملكة القلب، فالقلب يمتلك جيوشاً مختلفة، وما يعلم جنود ربك الاّ هو» (المدّثر، 31)، وعمل القلب هو طلب السعادة، وسعادة الانسان تكمن في معرفة الله تعالى، ومعرفة الله لايمكن ان تتحصل الاّ من خلال معرفة صنعه، ومعرفة عجائب العالم انما تتأتّى عن طريق الحواس، وهذه الحواس تستمد وجودها من الجسد.... وعلى هذا يقول الغزالي فان المعرفة هي صيد الانسان، وحواسه مصيدته، وجسمه مركبه، ولهذا السبب فانه محتاج الى الجسد، والجسد مركب من الماء والتراب والحرارة والرطوبة، ولهذا فانه ضعيف، والهلاك محدق به من الداخل بسبب الجوع والعطش، ومن الخارج بسبب النار، والماء، ونوايا الاعداء، وبناء على ذلك فانه محتاج الى الطعام والشراب بسبب الجوع والعطش. ويستنتج الغزالي بعد ذلك قائلاً في كتابه (كيمياء السعادة) ان الجسد بحاجة - بناء على ذلك- الى جيشيْن، جيش ظاهر كالاطراف، والفم، والاسنان، والمعدة، وآخر باطن كشهودة الطعام والشراب، ومن اجل ان يتصدى للاعداء الظاهرييْن فانه بحاجة الى جيشين ايضاً، الاول ظاهر كالاطراف والسلاح، والثاني باطن كالغضب. وعندما يتعذر عليه طلب الطعام الذي لايراه، والتصدي للاعداء الذين لايراهم، فانه سيكون بحاجة في هذه الحالة الى الادراكات، وهذه الحاجات بعضها ظاهر وهي الحواس الخمس كالابصار، والشم، والسمع، والتذوق، واللمس، وبعضها باطن وهي خمسة ايضاً مركزها الدماغ كقوّة الخيال، وقوّة التفكير، وقوّة الحفظ والتذّكر، وقوّة التوّهم. وكل من تلك القوى له عمل خاص به، واذا ما دخل الخلل واحدة منها، فان هذا الخلل سينفذ الى حياة الانسان في الدين والدنيا، وجميع جنود ذينك الجيشين الظاهر والباطن يأتمران بالقلب، فهو اميرها وملكها كلها، فاذا امر اللسان تكلم، وان امر اليد امسكت، وان امر الرجل مشت، واذا امر قوّة الفكر فكّرت وحملت الجميع على الطاعة والامتثال طوعاً وطبعاً. ويُقرّ الغزالي ان الخالق جلّ وعلا، انما خلق الانسان على هذه الهيئة والتركيبة العجيبة الباعثة على الدهشة لدقتها لكي يتم الحفاظ على الجسد بالقدر الذي يتزود بزاده، ويحصل على صيده، فيتم بذلك تجارة الاخرة، وينثر بذور سعادته، فطاعة تلك الجيوش للقلب هي بمثابة طاعة الملائكة للحق تعالى، فهي لايمكنها ان تخالف في اي امر، بل ان من طبيعتها الامتثال طبعاً وطوعاً. اخوتنا المستمعين، وفي فصل تحت عنوان (معرفة القصد من جيوش القلب) يبسّط الغزالي الحديث عن المراد بجيوش القلب التي سبق وان اشار اليها في الفصول السابقة فيضرب مثالاً مبسّطاً على ذلك بالمدينة بما فيها من شرائح وطبقات مختلفة يكمل بعضها البعض بهدف ان تسير الامور والشؤون الحياتية المختلفة في هذه المدينة بانتظام. فالاطراف والاعضاء هي عند الغزالي بمثابة اصحاب المهن والحرف في هذه المدينة، والشهوة هي بمنزلة العامل على الخراج، والغضب يشبه حرّاس المدينة، والقلب هو ملكها وسلطانها، والعقل وزيره، ومن المعلوم ان الملك يحتاج اليهم كلهم لكي تستقيم شؤون المملكة. فالشهوة التي هي بمثابة العامل على الخراج من طبيعتها الكذب، والفضول، والخلط بين الامور، وهي تبادر الى الاعتراض على ما امره بها العقل الوزير، وهي تبغي دوماً ان تنهب كل ما في المملكة من اموال بحجة الخراج، واما الغضب الذي هو بمثابة حارس المدينة فانه شرير، فظّ، وحادٌّ، ولا يحبّ سوى القتل، والتحطيم، والهدم. ومن المفترض في هذه الحالة على الملك ان يستشير الوزير دائماً، وان يعرض للعقاب عامل الخراج الكذّاب والجشع، وان لايصغي الى كلامه فيما يخالف فيه الوزير، ويسلّط عليه الحارس لكي يمنعه من فضوله، كما ان على الملك ايضا ان يقهر ويقمع الحارس لكي لا يتعدى حدوده. فاذا ما فعل الملك - الذي هو القلب هنا- ذلك ساد النظام المملكة، كما انه اذا تصرف وفقا لمشورة الوزير، واخضع الشهوة والغضب لسيطرة وامر العقل، ولا يفعل العكس فيُخْضِعَ العقل لهما، فان شؤون مملكة الجسد سوف تستقيم وتنتظم، وسوف لاينقطع طريق السعادة، والوصول الى الحضرة الالهية، واذا ما حدث العكس فاصبح العقل اسيراً للشهوة والغضب، تهدّمت المملكة وسادها الخراب، واصبح الملك تعيساً شقياً، وكان مصيره الهلاك. احبتنا المستمعين الكرام، وفي الفصل الختامي من كتابه الاخلاقي التربوي (كيمياء السعادة) يتوصل ابو حامد الغزالي الى جملة نتائج بشأن العلاقة بين الجسد ومتطلباته وغرائزه من جهة، وبين القلب والعقل ومسؤولياتهما ووظائفهما من جهة اخرى فيقول: (علمت من جملة ما مضى ان الشهوة والغضب خُلِقا للطعام والشراب والمحافظة على الجسد، فهما خادمان له، وان الجسد خُلِقَ لحمل الحواس فهو خادمها، والحواس خُلِقَت لكي يتجسس العقل بها، ويعرف عجائب صنع الله تعالى بواسطتها، فالحواس - اذن- هي خادمة للعقل، والعقل خُلِقَ للقلب لكي يكون شمعته وسراجه، ولكي يرى به نور الحضرة الالهية، وعلى هذا فان العقل خادم القلب، والقلب خُلِقَ لرؤية جمال الربوبيّة، فاذا ما شغل بالدين، واصبح خادماً وعبداً للحضرة الالهية، وتحقق فيه قوله تعالى: «وما خلقت الجنّ والانس الاّ ليعبدون» (الذاريات، 56)، فسوف يكون بامكانه ان يسافر من عالم التراب الى اعلى علّيين...). فاذا اراد القلب الانساني ان يؤدي حق هذه النعمة، ويلتزم بشروط العبودية، فان عليه ان يتخذ مكانه في صدر مملكته الجسد كالملك، وان يتخذ من الحضرة الالهية قبلةّ ومقصداً، ويجعل من اطراف واعضاء الجسد خدمة له، ومن العقل وزيراً، والشهوة جابياً للمال، والغضب حارساً، والحواس جواسيس، ويوكل كلاً منها الىعالم آخر لكي يجمع اخبار ذلك العالم دوماً، ويتخذ من قوّة الخيال المستقرة في الدماغ صاحباً للبريد لكي يجمع له الجواسيس جميع الاخبار. وان يجعل - بالاضافة الى ذلك- من قوة الحفظ صاحباً للخرائط او ما يسمى اليوم بمسؤول الارشيف حتى يأخذ تقرير الاخبار من يد صاحب البريد ويحفظها، ويعرضها في وقتها على العقل الوزير، لكي يتسنى للوزير وفقاً للاخبار التي تصل اليه عن مملكته تدبير المملكة، وسفر الملك، فاذا ما رأى ان احد الجيشين، الشهوة والغضب قد تمرّد عليه وخرج عن طاعته، وقصد قَطْع الطريق عليه، فان عليه ان يردّه الى الطاعة. وكل ذلك بهدف ان يكون له ذلك الجيش نصيراً في سفره الذي ينتظره لا عدوّه، وصديقاً لا لصاً وقاطع طريق، فان فعل ذلك كان سعيداً، وادى حق النعمة، وتمتع بجزاء هذه النعمة في الوقت المناسب. وان تصرف خلافاً لذلك، وبادر الى تأييد مافعله قطّاع الطرق، والاعداء، فانه يكون بذلك قد كفر بالنعمة، واضحى شقياً تعيساً، ورأى نكال وعقوبة ذلك في العاجلة قبل الآخرة. بهذا - اخوتنا المستمعين الافاضل- نختتم تطوافنا في رحاب رائعة ابي حامد الغزالي (كيمياء السعادة)، على امل ان نلتقيكم في الحلقة القادمة عبر رائعة اخرى من روائع التراث الاسلامي الذي اسهم من خلاله الايرانيون في تشييد صرح الحضارة الاسلامية والانسانية. نستودعكم العليّ القدير، والى الملتقى. ******* علاج الغزالي لمرض حب التسلط - 2 2007-04-14 00:00:00 2007-04-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2928 http://arabic.irib.ir/programs/item/2928 اخوتنا المستمعين الافاضل، تحت عنوان (علاج حبّ الجاه والمقام) يتحدث ابو حامد الغزالي عن هذه الظاهرة السلوكية المتأصلة في الذات الانسانية «الاّ من رحم الله» بدافع من غريزة حب الانسان لذاته، وميله الى التملك، والاستحواذ. وعلى عادة علماء الاخلاق، والمتخصصين في التربية يسلط الغزالي الضوء على معايب، واضرار تلك الظاهرة وآثارها السلبية على الصعيدين الفردي والاجتماعي لكي يكون ذلك دافعاً للانسان الى نبذها وتركها. فيقرر الغزالي في هذا المجال ان السبب الرئيسي لهلاك الغالبية العظمى من الخلق تقاتلهم، وصراعهم، وجريهم المحموم وراء الحصول على الجاه، والمقام، والسلطة، فتكون النتيجة غلبة الجانب الشهواني والغريزي على النفس الانسانية، وابتعادها عن النهج الالهيّ. ويدعم الغزالي تقريراته هذه بآيات قرآنية، واحاديث تلفت الانظار الى خطورة هذا المرض الاخلاقي، الذي من شأنه ان يكون باباً ومدخلاً لكثير من الآثام والخطايا، وسبباً للقضاء على ايمان الانسان، وتدينه، وارتباطه بالخالق تعالى. وبعد ان يكشف ابو حامد الغزالي في كتابه (كيمياء السعادة) عن مساوئ، واضرار، ومعايب حبّ الجاه والسلطة، والسعي من اجل الحصول عليهما بشكل مبالغ فيه، يخصص موضوعاً مستقلاً لبيان طرق، واساليب معالجة هذه الآفة الخلُقية فيقول في هذا الصدد: (... اعلم ان حبّ الجاه عندما يتغلب على القلب فانه سيكون بمثابة مرض لهذا القلب، لانه سوف يجرّ الانسان الى امراض اخرى، كالرياء، والنفاق، والكذب، والتلبيس، والعداوة، والحسد، والمنافسة، وارتكاب المعاصي...). ويقرر الغزالي ان هناك سبيلين لعلاج ظاهرة حب الجاه والمقام، احدهما يتمثل في ان يفكر، ويتأمّل الانسان المبتلى بهذه الآفة الاخلاقية بعواقبها، وآثارها السيئة على نفسه، وعلى مجتمع من قبيل الذل الذي سيبتلى به هذا الانسان في طريق سعيه المحموم من اجل كسب المقام والجاه، والعداوات والصراعات التي ستحصل بينه وبين الاخرين في هذا الطريق. وفوق ذلك فان هناك اضراراً اخروية لابد ان تلحق بطالب الجاه والمقام ذلك لان التعلق بالدنيا، والغفلة عن الخالق سبحانه يؤديان بالانسان الى ارتكاب المحرّمات، وهذا ما سيؤدي بدوره الى ان يخسر الاخرة. اما الاسلوب الآخر لاستئصال ظاهرة التعلق بالجاه والسلطة فهو الاسلوب العمليّ الذي يرى الغزالي انه يتمثل في طرق عديدة منها ان يهجر الانسان الوسط الذي نما وترعرع فيه حبّ الدنيا ومظاهرها في قلبه، وان يبدأ حياة جديدة في محيط آخر، ومنها ايضا ان يحاول عبر السلوك العملي المتواضع انتزاع الرياء والنفاق اللذين هما من لوازم المرض الاكبر المتمثل في حب الجاه والمقام اعاذنا الله منه. مستمعينا الاكارم، ويعقد الغزالي في كتابه (كيمياء السعادة) الذي يعتبر كما قلنا خلاصة لكتابه الشهير (احياء علوم الدين)، ومن روائع التراث الذي كتبه العلماء الايرانيون في القرن الخامس الهجري، يعقد فصلاً آخر لبيان فضيلة (التفكّر) في مخلوقات الله سبحانه وتعالى فيقول في هذا المجال: (اعلم ان العمل الذي تعتبر ساعة من افضل من عبادة سنة بأكملها، لابد وان تكون درجته سامية، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "تفكر ساعة خير من عبادة سنة"، وقال عز من قائل: «ان في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لاولي الالباب» (آل عمران، 187)...). وحول حقيقة التفكر، وماهيته، ومفهومه يقول الغزالي: (اعلم ان التفكر يعني طلب العلم، وان كل علم لايستطيع الانسان ان يعرفه بالبديهة عليه ان يطلبه، وهذا ما لايمكن الاّ اذا جمعت بين معرفة ومعرفة اخرى، والّفت بينهما لكي يتزاوجا تماماً كما تتزاوج الكائنات لتولّد كائنات اخرى، واذا ما لم يستطع المرء ان يكتسب العلوم من خلال هذا الطريق، فالسبب في ذلك يعود الى انه لم يبدأ من اصول واسس هذه العلوم، مثله في ذلك كمثل الشخص الذي يريد ان يعمل في التجارة دون ان يكون له رأسمال...). ويخلص الغزالي من ذلك الى تقرير ان طلب العلم هو حقيقة جميع اشكال وانواع التفكر، وان طلب العلم يكون بواسطة احضار علمين في القلب، على ان يكون هذان العلمان متجانسين، ومؤديين الى النتيجة التي يبتغيها المتعلم، فكما ان العجل –على سبيل المثال- لايمكن ان يتولد من تزاوج حصان وفرس، فان العلمين الذين لاتوجد علاقة بينهما لايمكن ان يؤديا الى علم من نوعهما، فكل نوع من العلوم له اصلان، وما لم يحضر الانسان في قلبه هذين الاصلين فانه لايمكن ان يصل الى الفرع الذي يريده.... والتفكر كما يرى الغزالي هو السبيل الوحيد الذي يعرف الانسان من خلاله الطريق الذي ينبغي ان يسلكه، ومداخله في الحياة، والمصير الذي سينتهي اليه، فلقد خُلِقَ الانسان في الظلمة والجهل، وهو –والحال هذه- بحاجة الى ضياء يخرجه من هذا الظلام ليعرف طريقه، وما يجب عليه ان يفعله، والاتجاه الذي يتوجب عليه ان يسير وفقه، فهل يجب عليه ان يسير باتجاه الدنيا ام باتجاه الاخرة، وهل عليه ان ينشغل بنفسه ام بالحق؟. كلّ ذلك يقول ابو حامد الغزالي لايمكن ان يتعين الاّ بنور المعرفة، ونور المعرفة بدوره يبزغ الاّ عبر التفكر... ويضرب الغزالي مثالاً على ذلك في الانسان الذي يجد نفسه في الظلام ولا يستطيع ان يهتدي سبيلاً فما يكون منه الاّ ان يعمد الى ضرب حجر بآخر ليصنع بذلك ناراً تُجلى الظلمات من طريقه ليستطيع ان يمضي في سبيله متجهاً الى الهدف الذي يريده... وهكذا فان مثل التفكر كمثل قدح الحجر بالحديد، ومثل المعرفة كمثل النور الذي ينبثق من ذلك الحجر، لينفذ في القلب، فتتغير حالته، ويتغير تبعاً لذلك عمل الانسان، فاذا توصل من خلال تفكره الى ان الاخرة افضل من الدنيا، فان هذه النتيجة التي توصل اليها بفضل التفكر ستدفعه الى ان يعرض عن الدنيا، ويُقبل على الاخرة. حضرات المستمعين الافاضل، وفي الفصل الذي افرده الغزالي لبيان اهمية معرفة الانسان لنفسه يؤكد ان معرفة النفس هي مفتاح معرفة الله عزوجل، ولذلك قيل (من عرف نفسه فقد عرفه ربّه)، وقال تعالى: «سنريهم آياتنا في الآفاق وفي انفسهم حتى يتبين لهم انه الحق»... (فصلت، 53). يقول الغزالي مقرراً الحقيقة السابقة: (لاشيء اقرب الى الانسان من نفسه، فان انت لم تعرف نفسك فكيف ستعرف الاخرين؟ ومعرفة النفس ليست بالادعاء، فاذا ما ادّعيت ذلك فانك في الحقيقة تكون قد اقررت بعجزك عن معرفتها. ومعرفة النفس الحقة انما تكون بمعرفة جوهرها، وكنهها، ومبدئها، ومنتهاها، والمصير الذي سيؤول اليه، فان المعرفة الظاهرية للنفس تشبه الى حدّ كبير معرفة الحيوانات لنفسها ذلك لان حدود معرفتها لاتتعدى اطراف، واوصال اجسامها، وكيفية اشباع غرائزها...). وبناء على ذلك يقول الغزالي، فان على المرء ان يتحرّى معرفة حقيقة نفسه، ما هو كنهها وجوهرها، ومن اين جاءت، والى اين ستذهب، ولماذا قدمت الى هذا المنزل الدنيوي، ولماذا خُلِقَ الانسان، وما هي سعادته، واين تكمن، وما هو شقاؤه، ومن اين ينبع؟... وفي موضع آخر من كتابه الاخلاقي (كيمياء السعادة) يفصّل الغزالي القول في القلب الذي يعني لدى الفلاسفة، والعرفاء، وعلماء القلب مركز المشاعر والعواطف والاحاسيس الانسانية او الروح، وقد يراد منه العقل ايضا، او مزيج العقل والعواطف. وفي هذا المجال يرى الغزالي ان معرفة حقيقة (القلب) لايمكن ان يصل اليها الانسان الاّ حينما يعرف كينونته، وعلى هذا فان عليه اولاً ان يعرف حقيقته، وبعد ذلك يتعين عليه ان يعرف جنود قلبه، وعلاقته بهم، ثم صفاته، فان الانسان لايستطيع ان يعرف خالقه، ويحقق السعادة الاّ من خلال معرفته لحقيقة قلبه. ويبدو ان الغزالي يريد من القلب هنا روح الانسان ذلك لانه يقول بعد ذلك: (ونحن نريد بهذا القلب حقيقة الروح، فاذا لم تكن هذه الروح فانّ الجسم سوف لايكون اكثر من جثّة هامدة، واذا ما تجاوز الانسان ببصره الحدود المادية المحسوسة، ونسي قالبه الجسمي، وغفل عن الارض والسماء وكل ما يمكن رؤيته بالعين، فانه سيكون قد عرف كينونته بالضرورة، واحاط علماً بنفسه، وان لم يحط علماً بالجسم، والارض والسماء وكل ما فيهما، وعندما يتأمل الانسان في ذلك حقّ التأمّل فانه سيدرك شيئاً من حقيقة الآخرة، وسيصل الى هذه الحقيقة وهي ان الجائز ان يسلب منه الجسد، ومع ذلك فانه سيبقى دون ان يعتريه الفناء...). وبعد ان يبين الغزالي سبب احتياج الانسان الى الروح، ثم سبب احتياجه الى الجسد، وان الجسد هو بمثابة مملكة للقلب او الروح، يبسّط الحديث عن الاساليب والطرق الصحيحة التي يمكن ان خلالها للانسان ان يوظف، ويستخدم بشكل صحيح وضمن الحدود الشرعية غرائزه الجسدية من جهة والشهوة والغضب، والحواس، والعقلية والروحية من جهة اخرى كالتفكير، والادراك، والتخيل والوهم... حديث الغزالي هذا سنعرض له في حلقة الاسبوع المقبل باذن الله، فكونوا في انتظارنا متمنين لكن اطيب الاوقات واجملها، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ******* الغزالي وكتاب "كيمياء السعادة" - 1 2007-04-11 00:00:00 2007-04-11 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2927 http://arabic.irib.ir/programs/item/2927 مستمعينا الاكارم السلام عليكم، اهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة من برنامجكم الجديد.. عبارات واشارات.. حيث نتعرف معاً على روائع ما جادت به قرائح الادباء والعلماء، والفلاسفة المسلمين في ايران. من آثار واعمال خالدة ستظل مصابيح وضاءة دوماً في سماء الفكر والمعرفة والادب.. ترى بأيّ رائعة، وبأيّ شخصية نبتدئ حديثنا، وندشن جولتنا وتحليقنا بين اشارات وعبارات التراث الايراني؟ بأبي حامد محمد بن احمد الغزالي، الفقيه، والمتكلم، والفيلسوف الاسلامي الكبير ورائعته الخالدة (كيمياء السعادة) التي كتبها باللغة الفارسية اصلاً، وترجمت الى اللغة العربية. ولد هذا العالم الكبير عام اربعمائة وخمسين من الهجرة في مدينة طوس بخراسان، ويعد من جملة كبار الفقهاء والمتكلمين والفلاسفة المسلمين الذين لم يكن يوجد لهم نظير في عصرهم كما ذكر ذلك ابن خلكان في كتاب الوفيّات.. في بداية امره تلقى هذا العالم الكبير علوم عصره على يد امام الحرمين ابي المعالي الجويني حيث تعلم علوم الفقه، والكلام، والشريعة. استطاع الغزالي خلال فترة قصيرة ان يحيط باغلب العلوم التي كانت شائعة في عصره، واصبح من ابرز تلامذة استاذه الجويني الذي كان يعيش في مدينة نيسابور آنذاك. وعلى الرغم من ان الغزالي تمكن حتى سن الثامنة والعشرين من ان يتبحر في الغالبية العظمى من العلوم الشائعة في عصره، الاّ ان اياً من تلك العلوم لم يستطع ان يهديه الى الحقيقة واليقين اللذين ظل يبحث عنهما حتى فترة متأخرة من عمره. ولذلك فقد غادر نيسابور بعد وفاة استاذه الجويني، وصادف ان جمعه اللقاء مع الخواجه نظام الوزير الملك الطوسي، فأعجب الاخير بشخصية الغزالي، واصبح اثيراً لديه، بحيث ان نظام الملك كان يسمح للغزالي بان يشترك في جميع المجالس والمناظرات التي كانت تقام في مجلسه. ومن خلال هذه المجالس والمناظرات استطاع الغزالي ان يحقق شهرة واسعة في جميع اقطار العالم الاسلامي، وان يبرز فضله، وتمكنه من علوم زمانه للعلماء الآخرين. وبعد ست سنوات من وفاة الجويني اي في عام اربعمائة واربعة وثمانين للهجرة شدّ الغزالي الرحال الى بغداد للتدريس في المدرسة النظامية فيها، حيث انشغل بتدريس العلوم المختلفة التي تعلمها، واضحى استاذاً فيها. وفي خلال هذه الفترة خرّج الغزالي على يديه الكثير من التلامذة، وأُعجب اهل العراق بعلمه وفضله حتى بلغ ذروة منزلته في عالم الفقه والكلام. ولم يكد ابو حامد الغزالي يبلغ الاربعين من عمره حتى حدث انقلاب روحيٌّ وفكريٌّ في كيانه، وتوجهاته فقد توجه بكلّيته الى عالم الزهد، والتصوف، والعرفان. ولعل السبب في ذلك يعود الى اضطراب الاوضاع الاجتماعية والسياسية في عصره، فقد كان الظلم هو السائد، وكان الحكام والامراء الظلمة منهمكين في ممارسة الظلم على الضعفاء، والفقراء من الناس. فحدثت نتيجة لذلك ردّة فعل عنيفة في نفس الغزالي ادت به الى ان يعتزل عن الناس، وينشغل بالعبادة والذكر والتطواف في اقطار العالم الاسلامي وذلك على عادة العبّاد والمتصوفة آنذاك. وفي عام اربعمائة وثمانية وثمانين للهجرة النبوية الشريفة على القائم بها آلاف التحية والسلام، توجه الغزالي الى دمشق، ومكث فيها سنتين، انشغل خلالهما بالرياضات الروحية. وفي غضون هذه الفترة، اخرج الغزالي رائعته الاسلامية الخالدة (احياء علوم الدين). ومن دمشق شد (الغزالي) رحاله الى بيت المقدس حيث زار في هذه المدينة المقدسة التي تعد مهد الرسالات السماوية البقع الطاهرة والمقدسة الموجودة في مستلهماً الدروس والعبر فيها. بعدها توجه ابو حامد الغزالي الى مصر، واقام في الاسكندرية لفترة، حيث قفل راجعاً منها الى موطنه ومسقط رأسه طوس. وفي خلال هذه الفترة عكف الغزالي باذلاً كل جهوده ومساعيه على احياء العلوم الدينية القائمة على القرآن، والسنة النبوية الشريفة، والدفاع عن تعاليم الاسلام. ولذلك فقد لُقِّب بحجة الاسلام، وزين الدين، وعالم العلماء.. وما الى ذلك من القاب تدل على عظيم منزلته، وكبر قدره بين العلماء والمسلمين. خلّف ابو حامد الغزالي في عالم الفقه، والفلسفة، والكلام الكثير من المؤلفات والتصانيف الخالدة التي كان لها الاثر الاكبر على مسيرة الفكر الاسلامي عبر العصور المختلفة. ومن هذه المؤلفات نذكر على سبيل المثال (تهافت الفلاسفة) و(القسطاس المستقيم) و(المستصفى) و(مشكاة الانوار) و(المنقذ من الضلال) و(مقاصد الفلاسفة). وله ايضاً رسالة صغيرة في التربية والاخلاق تحت عنوان (ايّها الولد) ترجمها المجمع العلمي لليونسكو الى الانجليزية، والفرنسية.. وقد ذكر الغزالي في هذه الرسالة ان العلم بدون عمل جنون، وان العمل بدون علم امرٌ مستحيل. ومن بين اشهر مؤلفات الغزالي كتابه (احياء علوم الدين)، حيث الّفه بهدف الدفاع عن الدين والمحافظة عليه في ظل الاوضاع المضطربة التي كانت تسود عصره. وقد كتب الغزالي فيما بعد خلاصة لهذا الكتاب بالفارسية اطلق عليها اسم (كيمياء السعادة)، وهذا الكتاب هو الذي سيكون موضوع جولتنا في سماء الفكر في هذه الحلقة، والحلقة التالية من البرنامج. واخيراً، وبعد تلك المسيرة الحافلة بالعلم والعطاء، التحق حجة الاسلام ابو حامد الغزالي بالرفيق الاعلى سنة خمسمائة وخمسة للهجرة في طوس مسقط رأسه، ووري جثمانه الثرى فيها. ارى ان الوقت قد حان الان لاستعراض وتحليل نماذج من كتاب (كيمياء السعادة) ذي المضامين التربوية والاخلاقية. فلنبدأ من عنوان الكتاب.. ترى ما هو المقصود من الكيمياء هنا؟ الكيمياء في لغة ذلك العصر كانت تطلق على نظرية العلماء آنذاك بامكانية تحويل المعادن الخسيسة الى معدن الذهب النفيس، وهي امنية طالما سعى العلماء القدماء الى تحقيقها دون ان يوفقوا الى ذلك. وبذلك فان الغزالي اعتبر النصائح والارشادات والتوجيهات التي ضمنها كتابه بمثابة السرّ الذي يستطيع من خلاله الانسان ان يصل الى السعادة الحقيقية. فلنقم بجولة في فصول وابواب هذا الكتاب القيّم لنرى ما هي المفاتيح التي يقدمها لنا ابو حامد الغزالي والتي نستطيع من خلالها ان نفتح ابواب السعادة والهناء. في الفصل الاول من هذا الكتاب يتحدث الغزالي عن الاساليب المثلى لتربية، وتأديب الاطفال والاحداث فيقول مخاطباً الآباء والامهات: (اعلم ان الولد امانة بيد الام والاب، وان قلبه نقيٌّ طاهر كالجوهر النفيس، وانه كالشمع قابل لان ينقش عليه، وكالارض البكر التي ينبت عليها كل ما بذرته فيها، فان بذرت بذور الخير بلغ الولد سعادة الدين والدنيا، واشترك الاب والام والمعلم في الثواب، وان كان الامر خلافاً لذلك كانت التعاسة مصيره، واشترك معه في تعاسته مؤدّبوه، فالحق تعالى يقول «قوا انفسكم واهليكم ناراً» (التحريم، 6)، ومن المعلوم ان حفظ الطفل من نار الدنيا اولى من حفظه من نار جهنم..). ويرى الغزالي ان المحافظة على الطفل انما تكون في تأديبه، وتعليمه محاسن الاخلاق، وحفظه من قرين السوء، ذلك لانه مصدر جميع المفاسد، كما يجب عدم تعويد الابن على الترف، واغراقه في النعم، ومظاهر البذخ لانه في هذه الحالة سوف يكون قليل الصبر، عديم التحمّل والجَلَد. يقول الغزالي في هذا الصدد مخاطباً الاب والام: (... وعليك ان لا تعوّده على ما طاب من النعم، والملبس، فحينئذ لايكون بامكانه الصبر، وسوف يضيّع عمره في طلبه. وعندما يختار الوالدان المرضع لولدهما، فان عليهما ان يعهدا برضاعته مرضعاً معروفة بالصلاح، وحسن الخلق، واكل الحلال، فسوء الخلق انما يسري الى الطفل من المرضع، واللبن الذي يتجمع من الحرام سيكون حاصله خبيثاً، وعندما ينمو لحم الطفل وجلده من هذا اللبن الحرام، فان طبعه سيكون متناسباً مع ذلك، وهذه الآثار لابد ان تظهر عليه بعد البلوغ...). ويستمر الغزالي في القاء نصائحه، وارشاداته بشأ، تربية الطفل التربية المثلى التي تضمن له ان يكون عنصراً مفيداً لمجتمعه فيقول مشيراً الى المرحلة التي يصبح فيها الطفل قادراً على النطق: (... وعندما يفتح الطفل لسانه بالكلام فان من الواجب ان تكون كلمة "الله" هي الكلمة الاولى التي ينطقها بعد ان يلّقنه ابواه هذه الكلمة، وحينما يتربّى على ان يشعر بالحياء من بعض الاشياء، فان هذه بشارة ودليل على ان كل من استضاء بنور العقل، جعل لنفسه حارساً من الحياء يدفعه الى ان يخجل من ارتكاب كل ما هو قبيح وسيّء..). وفي فصل آخر من كتابه (كيمياء السعادة) يبسّط الغزالي الحديث عن العلم ومكانته ويصرح في هذا المجال ان الانشغال بطلب العلم، وتعليمه للآخرين هو افضل الاعمال التي من الممكن للانسان ان يزاولها. يقول الغزالي مسلطاً الاضواء على اهمية العلم، ومنزلته السامية: (... وبعد ان علمت ان الجاهل والاميّ لايمكن ان يكون في مأمن من الخطر يتبين لك ان لا عمل ينشغل به الانسان اسمى، واكثر فضلا من العلم، لان الاعمال الاخرى انما يكون الهدف منها طلب الدنيا، في حين ان الهدف من طلب العلم، وتعليمه، اصلاح اوضاع الخلق في هذه الدنيا...). احبتنا المستمعين الاكارم، ها هو الوقت المخصص للبرنامج يدركنا، ولذلك فاننا مضطرون الى ان نودعكم على امل اللقاء بكم في حلقة الاسبوع المقبل ان شاء الله. لكي نكمل جولتنا في كتاب (كيمياء السعادة) لابي حامد الغزالي، عبر برنامجكم الاسبوعي: عبارات واشارات. *******