اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | القصص الحق http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb صلح الحديبية 2 - 78 2012-02-29 09:21:37 2012-02-29 09:21:37 http://arabic.irib.ir/programs/item/8358 http://arabic.irib.ir/programs/item/8358 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله والصلاة والسلام على حامل وحيه محمد المصطفى وآله الهداة الابرار مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته واهلاً بكم الى برنامج القصص الحق. ايها الاحبة في هذه الحلقة من البرنامج نواصل الحديث حول قصة صلح الحديبية التي ذكرت في سورة الفتح الاية 27. فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية: • بداية ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الاية. • ثم نتعرف على معاني المفردات وأهمّ النقاط التي تشير اليها الاية. • نستمع الى اجابة سماحة السيد عبدالسلام زين العابدين الاستاذ في العلوم القرآنية. • لنستمع بعد ذلك الى سرد الحكاية. • نقدم لكم رواية عن الامام الصادق(عليه السلام) في آثار صلح الحديبية • ومسك الختام مع باقة من الدروس والعبر المستفادة من هذه الحكاية القرآنية. • فأهلاً ومرحبا بكم الى فقرات هذا اللقاء. المقدمة إستكمالاً للحديث في اللقاء الماضي ترسم هذه الآية جانباً آخر من جوانب قصة الحديبيّة المهمة، فبعد أن رأى النبي(صلى الله عليه وآله) في عالم الرؤيا الصادقة أنه يدخل مكة مع أصحابه لأداء مناسك العمرة، حدّث أصحابه عن رؤياه فسروّا جميعاً، غير أن جماعة من أصحابه كانوا يتصورون أن تعبير الرؤيا سيتحقق في تلك السنة ذاتها لذلك لما منعهم المشركون من الدخول الى مكة أصابهم الشك والتردد.. ترى هل من الممكن أن تكون رؤيا النبي غير صادقة؟ ألم يكن من المقرر أن نعتمر هذا العام؟ فأين هذا الوعد؟ وأين صارت هذه الرؤيا الرحمانية فكان جوانب النبي لهم هو ما مضمونه: هل قلت لكم إن هذه الرؤيا ستتحقق هذا العام؟ فنزلت الآية الآنفة في هذا الصدد والنبي عائد من الحديبية الى المدينة وأكدت أن هذه الرؤيا كانت صادقة ولابدّ أنها كائنة. نستمع معاً الى تلاوة الاية المباركة الـ 27 من سورة الفتح ونعود الى حضراتكم. التلاوة "لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً ".المفردات تقول الآية: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ) مفردة «صدق» فعل ماض قد يستوفي مفعولين كما هي الحال في الآية الآنفة. «فرسوله» مفعولٌ به أوّل «والرؤيا» مفعول ثان، وقد يستوفي هذا الفعل مفعولاً واحداً يتعدّى إلى المفعول الثاني ب حرف «في» كقولك «صدقته في حديثه» اذن جاءت الآية لتؤكد أنما رآه النبي في المنام كان حقاً وصدقاً ثمّ تضيف الآية قائلة: "لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا" وكان في هذا التأخير حكمة: "فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً". التعبير بـ "مِن دُونِ ذَلِكَ" إما بمعنى قبل ذلك، أي قبل أداء العمرة يفتح الله عليكم فتحاً قريباً في السنة المقبلة، أو بمعنى غير ذلك أي سينال المؤمنون فتحاً قريباً غير زيارة بيت الله والعمرة أيضاً. على كل في الآية الكريمة عدة ملاحظات تلفت النظر. اولاً: ينبغي الإلتفات إلى ان «اللام» في "لَتَدْخُلُنَّ" هي لام القسم، وأن «النون» في آخر الفعل هي للتوكيد، بأن هذا هو وعدٌ إلهي قطعي في المستقبل وتنبؤ معجز صريح عن أداء المناسك والعمرة في كامل الأمان ومنتهى الطمأنينة كان هذا التوقع والتنبؤ صادقاً في شهر ذي القعدة ذاته من السنة المقبلة، وهكذا أدّى المسلمون مناسك العمرة بالصورة التي ذكرتها الآية مسبقاً. ثانياً: عبارة (إِن شَاء اللَّهُ) هنا لعلها نوعٌ من تعليم العباد لكي يعوّلوا على مشيئة الله عند الإخبار عن المستقبل وأن لاينسوا إرادة الله، وأن لايجدوا أنفسهم غير محتاجين أو مستقلين عنه، وربما هي إشارة للظروف التي يهيؤها الله لهذا التوفيق اي «توفيق الله المسلمين لزيارة بيته في المستقبل القريب» والبقاء على خط التوحيد والسكينة والتقوى. كما يمكن أن تكون إشارة إلى بعض المسلمين الذين تنتهي أعمارهم في هذه الفترة ولايوفقون إلى زيارة بيت الله، والجمع بين هذه المعاني كلها لا مانع منه ثالثاً: التعبير بـ"فَتْحاً قَرِيباً" كما يعتقد كثير من المفسرين هو إشارة الى صلح الحديبية الذي عبر عنه القرآن بالفتح المبين، ونعرف أن هذا الفتح كان السبيل الى دخول المسجد الحرام في السنة التالية. في حين أنّ جماعة آخرين يعتقدون أنّ "فَتْحاً قَرِيباً" إشارة إلى فتح خيبر. وبالطبع فإن كلمة (قريب) فيها تناسب اكثر مع (فتح خيبر) لأنه كان (تحققه العيني) بعد هذه الرؤيا في فترة أقل زمناً من فتح مكة ثمّ بعد هذا فإنّ القرآن يقول في الآية 18 من هذه السورة ذاتها عند الكلام على بيعة الرضوان: "فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً". رابعاً: قوله تعالى "مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ" إشارة الى واحد من مناسك العمرة وآدابها وهو «التقصير» و به ثخرج المحرم من إحرامه وقد استدلّ بعضهم بالآية في التخيير عند الخروج من الإحرام بين التقصير في تقليم الأظفار والحلق، لأنّ الجمع بينهما ليس واجباً قطعاً. خامساً: قوله تعالى "فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا" إشارة إلى مسائل مهمّة مطوية في صلح الحديبيّة وقد انكشفت بمرور الزمن– إذ قويت قواعد الإسلام وانتشر صوته وترامت أصداؤه في كلّ مكان وطويت نزعة الحرب عند المسلمين واستطاعوا أن يفتحوا«خيبر» دون ان يخشوا من نصرة المشركين لليهود، وارسلوا المبلغين إلى أطراف الجزيرة العربية وبعث النبي(صلى الله عليه وآله) رسائله إلى أعاظم رؤوساء الدول آنذاك، فهذه مسائل كان الفرد المسلم لايعرفها لكنّ الله كان يعلمها. سادساً: نواجه في هذه الآية الكريمة موضوع الرؤيا، وهي رؤيا النبي (صلى الله عليه وآله) الصادقة التي تعدّ(غصناً من غصون) الوحي وهي مشابهة لقصّة رؤيا ابراهيم(عليه السلام) وذبح ولده اسماعيل الواردة في سورة الصافات الآية 102. سابعا: الآية محلّ البحث واحدة من المسائل الغيبية التي أخبر عنها القرآن، وهي شاهدٌ على أنّ هذا الكتاب سماوىّ وأنه من معاجز النبي الكريم حيث يخبر قاطعاً عن أداء مناسك العمرة ودخول المسجد الحرام في المستقبل القريب وعن الفتح القريب قبله أيضاً، وكما نعلم أن هذين التنبؤين قد حدثا فعلاً.******* زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً في هذه الاية المباركة في سورة الفتح الاية الثامنة عشرة "لقد رضي الله عن المؤمنين اذا يباعونك تحت الشجرة علم مافي قلوبهم فأنزل السكينة عليهم واثابهم فتحاً قريباً ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عليماً حكيماً" يبدو بحسب السياق المقصود هنا الفتح هو فتح خيبر لأن الصلح صلح الحديبية كان نصراً رائعاً للمسلمين وان يتوجهوا الى خيبر والى يهود خيبر لأنهم نقضوا العهود فجاء فتح خيبر بعد ان رجع المسلمون من صلح الحديبية، مكث رسول الله صلى الله عليه واله في المدينة عشرون ليلة يعني عشرون يوماً ثم خرج الى خيبر فهذا هو الفتح القريب هو فتح خيبر لأن صلح الحديبية كما قلنا هو الفتح المبين لأن صلح الحديبية وفر ظروف رائعة للمسلمين وظروف ملائمة حينما كسرت جبهة كبيرة من جبهات الاعداء من خلال الصلح من جبهة قريش وتفرغ النبي صلى الله عليه واله الى اليهود الذين كانوا يتآمرون على الدولة الاسلامية الفتية رغم العهود التي كانت بينهم وبين النبي صلى الله عليه واله ولهذا الفتح القريب بحسب السياق هو فتح خيبر لأنه جاء مباشرة بعد صلح الحديبية، الفتح المبين هو صلح الحديبية الذي يسر للمسلمين الطريق لفتح خيبر ثم بعد ذلك يسر الطريق لفتح مكة ولهذا اعتبر صلح الحديبية فتحاً مبيناً هو الذي جاء بالفتح القريب وهو فتح خيبر الذي قلنا بعد ان رجع النبي بعدما بقي في المدينة عشرون ليلة فتوجه الى خيبر وتحقق ذلك الفتح القريب على ايدي امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام كما نعلم بأجماع المؤرخين الذي ذهب وقال له رسول الله "سأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار لايرجع حتى يفتح الله على يديه" قبل امير المؤمنين ذهب احد الصحابة فرجع يجبن اصحابه ويجبنونه ثم ذهب في اليوم الاخر صحابي اخر، قائد جيش معين فرجع يجبن اصحابه ويجبنونه فغضب رسول الله صلى الله عليه واله وقال قولته المشهورة "سأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار لايرجع حتى يفتح الله على يديه" وقلع امير المؤمنين باب خيبر كما يقول ابن ابي الحديد: ياقالع الباب الذي عن هزه عجزت اكف اربعون واربع ماذا اقول سميدع حاشا لمثلك ان يقال سميدع فالفتح القريب بحسب السياق هو قريب من صلح الحديبية وهو فتح خيبر يعني انتصر المسلمون على اليهود بعد ان نقضوا العهود، طبعاً بعضهم قال الفتح القريب هو فتح مكة، صحيح فتح مكة من جملة التمهيدات التي هي من بركات صلح الحديبية ولكن الفتح القريب هنا بحسب السياق هو فتح خيبر وليس فتح مكة. يرى جماعة من المفسرين ان عبارة "فَتْحاً قَرِيباً" إشارة الى صلح الحديبية وآخرون يرون انه يقصد منه فتح خيبر ما هو الرأي الصائب في هذا المجال الذي يتناسب مع الأجواء والحقيقة؟ نستمع للإجابة عن هذا السؤال من خلال الاتصال الهاتفي التالي بخبير اللقاء سماحة السيد عبد السلام زين العابدين الاستاذ في العلوم القرانية من مدينة قم المقدسة.*******القصة الحديبية 2وصل بنا المقام في الحلقة الماضية الی انه تم عقد الصلح بين الطرفين وكان من موادّه أن يغض المسلمون النظر عن موضوع العمرة لذلك العام وأن يأتوا في العام القادم الى مكّة شريطة أن لايمكثوا في مكّة أكثر من ثلاثة أيّام وأن لايحملوا سلاحاً غير سلاح السفر. وكان مؤدّى هذه المعاهدة وما يتضمّنه عقد الصلح بالنحو التالي: «قال النّبي لعلي(عليه السلام) أكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: فقال سهيل بن عمرو الذي كان سفير المشركين لاأعرف هذه العبارة بل ليُكتبْ بسمِكَ اللّهمّ! فقال النّبي لعلي أكتب: بسمك اللّهمّ، ثمّ قال النّبي لعلي أكتبْ: هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله سهيل بن عمرو، فقال سهيل: لو كنّا نعرفك رسول الله لما حاربناك فاكتب اسمك واسم أبيك فحسب. فقال النبيّ: لا مانع من ذلك أكتب هذا ما صالح عليه محمّد بن عبد الله سهيل بن عمرو أن يترك القتال عشر سنين ليجد الناس مأمنهم ثانية، وإضافة إلى ذلك من يأتِ محمّداً من قريش مسلماً دون إذن ولّه فيجب إعادته الى أهله ومن جاء قريشاً من أصحاب محمّد فلايجب إعادته إلى محمّد! والجميع أحرار فمن شاء دخل في عهد محمّد ومن شاء دخل في عهد قريش! ويتعهّد الطرفان أن لايخون كلّ منهما(صاحبه) الآخرَ وأن يحترم ماله ونفسه!ثمّ بعد هذا ليس لمحمّد هذا العام أن يدخل مكّة، لكن في العام المُقبل تخرج قريش من مكّة لثلاثة أيّام ويأتي محمّد وأصحابه إلى مكّة على أن لايمكثوا فيها أكثر من ثلاثة أيّام ويؤدّوامناسك العمرة ثمّ يعودوا إلى أهلهم شريطة أن لايحملوا معهم سلاحاً سوى السيف الذي هو من عُدة السفر وأن يكون في الغمد وشهد على هذه المعاهدة جماعة من المسلمين وجماعة من المشركين وأملى المعاهدة علي بن أبي طالب(عليه السلام)». وهنا أمر النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن تنحر الإبل التي جيء بها مع المسلمين وأن يحلق المسلمون رؤوسهم وأن يتحلّلوا من احرامهم!لكن هذا الأمر كان على بعض المسلمين عسيراً للغاية وغير مستساغ أيضاً.. لأنّ التحلل من الإحرام في نظرهم دون أداء العمرة غير ممكن!! لكنّ النّبي تقدّم بنفسه ونحر«هديه» وتحلّل من إحرامه وأشعرَ المسلمين أنّ هذا«استثناءٌ» في قانون الإحرام أمر به الله سبحانه نبيّه!ولمّا رأى المسلمون ذلك من نبيّهم اذعنوا للأمر الواقع ونفذوا أمر النّبي بدقة وعزموا على التوجّه نحو المدينة من هناك، غير أنّه كان بعضهم يحسّ كأنّ جبلاً من الهم والحزن يجثم على صدره لأنّ ظاهر القضية أنّ هذا السفر كان غير موفّق بل مجموعة من الهزائم! لكنّ مثل هذا وأمثاله لم يعلموا ما ينطوي وراء صلح الحديبية من انتصارات للمسلمين ولمستقبل الإسلام. وفي ذلك الحين نزلت سورة الفتح وأعطت للنبي الكريم بشرى كبرى بالفتح المبين. من هدى الائمة _عليه السلام_ إعتبرت هذه السورة الصلح فتحاً... فقد دخل في الإسلام بعد هذا الصلح أكثر مما دخل فيه من بداية الدعوة حتى صلح الحديبية... ومهّد هذا الصلح الظروف لفتح مكة، قال الإمام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) فما انقضت تلك المدّة حتى كاد الإسلام يستولي على أهل مكة. دروس وعبر *تؤكد الاية المباركة ان رؤيا الانبياء(عليهم السلام) هي رؤيا صادقة وستتحقق لا ريب فيها.*إن إخبار القرآن الكريم المسلمين انهم سيدخلون المسجد الحرام آمنين هو إخبارٌ عن الغيب الذي قد تحقق بالفعل ما يشير الى جانب من إعجاز القران الكريم.*بالرغم من ان صاحب الرؤيا هو النبي(صل الله عليه وآله) إلا أنه يجب أن لاننسى ان ارادة الله هي فوق كل الأمور، بمعنى ان تحقق الرؤيا لا يتم إلا بإرادة الله عزوجل لذلك جاء في الآية(إِن شَاء اللَّهُ).*نجد في صلح الحديبية ان المسلمين كانوا يرغبون في دخول مكة في ذلك العام دون صلح الله يعلم النتائج التي يحققها الصلح الذي مهّد للمسلمين الظروف لتحقيق النصر والغلبة. صلح الحديبية 1 - 77 2012-02-22 08:29:59 2012-02-22 08:29:59 http://arabic.irib.ir/programs/item/8357 http://arabic.irib.ir/programs/item/8357 بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله وحبيبه محمد وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته واهلاً بكم الى برنامج القصص الحق في هذا اللقاء سنتعرف معاً على قصّة صلح الحديبية التي ذكرت في بداية سورة الفتح رافقونا مستمعينا الكرام في هذا البرنامج ضمن المحطات التالية. بعد مقدمة عن هذا الصلح المعروف بصلح الحديبية ننصت معاً الى تلاوة مرتلة للايات المشيرة اليه. ثم نقف عند معاني المفردات والعبارات القرآنية الواردة فيها. نستمع الى إجابة خبير هذا اللقاء سماحة السيد عبد السلام زين العابدين بشأن بعض الأسئلة المثارة بهذا الخصوص. لننتقل الى تفاصيل الحكاية عبر محطة القصة. ونستمر في تقديم البرنامج بفقرة من هدي الائمة (عليهم السلام) ورواية بالموضوع واخيرا مع باقة من الدروس المستفادة من قصة صلح الحديبية فتابعوا هذا البرنامج ونرجو ان يروق لكم. المقدمة تبدأ هذه السورة لتزف بشرى عظيمة للنبيّ (صلى الله عليه وآله) بشرى هي عند النبي طبقاً لبعض الرّوايات أحبّ إليه من الدنيا وما فيها إذ تقول الآية: "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً". وثمة كلام عريض وبحث طويل بين المفسّرين... حول المراد من هذا الفتح أي فتح هو؟! فأكثر المفسرين يرون أنه إشارة إلى ما كان من نصيب للمسلمين من الفتح الكبير على أثر «صلح الحديبية». وقد ظهرت آثاره في حياة المسلمين في فترة وجيزة، وفي فترة مديدة أيضاً... وذلك في انتشار الإسلام.... فتحاً يقل نظيره أو ينعدم نظيره في طول تاريخ الاسلام وعلى امتداده. بقلوب خاشعة نستمع الى تلاوة الايات التالية. التلاوة "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً(1). لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً(2). وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً(3)."المفردات قوله تعالى: "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً ". مستمعينا الكرام يرى بعض المفسرين أن المقصود من الفتح المبين هو «فتح مكة» وآخرون قالوا بأنه «فتح خيبر». وآخرون قالوا إنه إشارة الى انفتاح أسرار العلوم على النبي (صلى الله عليه وآله) إلا أن قرائن كثيرة ترجح أن هذا الفتح هو ما يتعلق بموضوع صلح الحديبية. إذ يتضح بمقايسة اجمالية بين حال المسلمين في السنة السادسة للهجرة«أي عند صلح الحديبية» وحالهم بعدها بسنتين حيث تحرّك المسلمون لفتح مكة بعشرة آلاف مقاتل ليردّوا على نقض عهد الصلح، وقد فتحوا مكة دون أية مواجهة عسكرية لأن قريشاً لم تجد في نفسها القدرة على المقاومة أبداً. يتضح بهذه المقايسة الإجمالية- سعة ردّ الفعل- التي أحدثتها معاهدة صلح الحديبية! ونستطيع القول ان صلح الحديبية كان بحق انتصاراً للإسلام وفتحاً للاسلام والمسلمين، فلا غرابة أن يعبر عنه القرآن بالفتح المبين! وثمة قرائن كثيرة تؤيد هذا التفسير. عبارة- فتحنا- التي جاءت بصيغة الفعل الماضي تدل على أن هذا الأمر قد تحقق عند نزول الآيات في حين أنه لم يكن وقتئذ أي شيء سوى صلح الحديبية! فترة نزول الآيات المشار إليها آنفاً والآيات الاخرى المذكورة في هذه السورة التي تمدح المؤمنين وتذم المنافقين والمشركين في صلح الحديبيّة كل ذلك شاهدٌ آخر على هذا المعنى. هناك روايات كثيرة تعبّر عن صلح الحديبية بأنه«الفتح المبين»! ومن ضمنها ما ورد في تفسير«جوامع الجامع» أنه حين كان النبي راجعاً من الحديبيّة ونزلت عليه سورة الفتح... قال أحد أصحابه: ما هذا الفتح؟! لقد صددنا عن البيت وصدّ هدينا! فقال النبي(صلى الله عليه وآله): "بئس الكلام هذا بل هو أعظم الفتوح قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالرواح ويسألوكم القضيّة! ورغبوا إليكم في الأمان وقد رأوا منكم ما كرهوا...". ثمّ ذكر هم النبي(صلى الله عليه وآله) ما تحمّل المشركون من مساءة يوم بدر ويوم الأحزاب فصدّق المسلمون رسولهم على أن هذا أعظم الفتوح. يقول (الزهري) وهو من التابعين: لم يكن فتح أعظم من الحديبيّة وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير كثر بهم سواد الإسلام. ففي هذه الأحاديث إشارة الى جانب من الإمتيازات التي حصل عليها المسلمون ببركة صلح الحديبية. إلا أن حديثاً واحداً ورد عن الإمام الرضا(علي بن موسى) (عليه السلام) يقول: (إنا فتحنا) نزلت بعد (فتح مكة). بيد أنه يمكن توجيه هذه الرواية ببساطة بالقول بأن صلح الحديبيّة كان مقدمة لفتح مكة بعد سنتين، فيرتفع الإشكال. او بتعبير آخر أنّ(صلح الحديبية) كان سبباً لفتح خيبر في فترة وجيزة«في السنة السابعة للهجرة» وأوسع من ذلك كان سبباً لفتح مكة(في السنة الثامنة للهجرة) وانتصارات الإسلام في مجالات شتى من حيث النفوذ في قلوب العالمين!. وبهذا يمكن الجمع بين التفاسير الأربعة مع هذا القيد وهو أن صلح الحديبيّة يشكل المحور الأصلي لهذه التفاسير!. في هاتين الآيتين بيان للنتائج المباركة من«الفتح المبين» صلح الحديبية والتي ورد ذكره في الآية السابقة فتقول الآيتان: "لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً* وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً". وبهذا فأن الله منح نبيه الكريم في ظل هذا الفتح المبين أربع مواهب عظيمة هي (المغفرة)، و(إتمام النعمة)، و(الهداية) و(النصر). زين العابدين: سؤال سياقي، ماعلاقة الفتح بالمغفرة؟ في مطلع سورة الفتح >"إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ" ما علاقة الفتح بغفران الذنب ليكون الاول تعليلاً للثاني بلحاظ ظهور اللام في التعليل "لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ" هنالك عدة اتجاهات في عالم التفسير في الربط بين او في هذه العلاقة بين فتح مكة وبين مغفرة ذنب النبي "لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ" بعض الاتجاهات تقول يعني ذنب امته لاذنبه صلى الله عليه واله يعني ذنب الامة بأعتبار ان النبي يمثل قيادة الامة التي تتحمل معنوياً مسؤولية اعمال اتباعها، بعضهم قال ذنب ابويه آدم وحواء، بعضهم قال الذنب الفرضي التقديري لاالفعلي، بعضهم قال غفران ذنوب شيعة النبي صلى الله عليه واله وهم شيعة علي عليه السلام ولكن التفسير الاقرب للسياق والاقرب لعصمة النبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم لأن لدينا العصمة هي القرينة العقلية القطعية التي ينبغي ويجب او نؤول الظهور بحسب ما تقتضيه هذه القرينة العقلية وهي قرينة العصمة فيقول الذنب هو ما كانت تعتبره قريش ذنباً يعني "وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ" كما في قصة موسى عليه السلام في سورة الشعراء الاية الرابعة عشرة "ولهم علي ذنب فأخاف ان يقتلون" فموسى عليه السلام بالنسبة الى فرعون يعتبر مذنباً مجرماً كذلك الرسول الاكرم صلى الله عليه واله بالنسبة الى قريش تعتبره من اكبر المجرمين واكبر المفسدين لأنه افسد عليهم آلهتهم، افسد عليهم ضلالاتهم، طبعاً يعتبر النبي بنظر قريش من اكبر المفسدين فحينما تتحطم هذه القوة، قوة قريش وحينما تنهار هذه القوة كأن هذا العدو ذهب وزال والذنب الذي يعتبره مذنباً كأنه زال فلهذا عندنا هنا رواية عن علي بن الجهم يسأل فيها المأمون الامام الرضا عليه السلام حول آيات في عصمة الانبياء ومما جاء فيها فأخبرني عن قول الله عزوجل "لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ" فأجابه الامام الرضا لم يكن احد عند مشركي مكة اعظم ذنباً من رسول الله صلى الله عليه واله لأنهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمئة وستون صنماً فلما جاءهم بالدعوة الى كلمة الاخلاص كبر عليهم وعظم وقالوا "أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ" فلما فتح الله على نبيه صلى الله عليه واله مكة قال يامحمد "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ" عند مشركي مكة يعني الذنب عند مشركي مكة بدعاءك الى توحيد الله فيما تقدم وما تأخر لأن مشركي مكة اسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكة ومن بقي منهم لم يقدر على انكار التوحيد اذا دعا الناس اليه فصار ذنبه عليه في ذلك مغفوراً بظهوره عليهم، هذا ما قاله الامام الرضا للمأمون فقال المأمون لله درك يا ابا الحسن اذن هنا ليس ذنب النبي صلى الله عليه واله وانما ما تعتبره قريش ذنباً وطبعا في صلح الفتح المبين هو صلح الحديبية لأن صلح الحديبية هو كان السبب في فتح مكة لأن هذه العملية السياسية الرائعة، هذا الصلح مهد لفتح مكة ولهذا بأجماع المفسرين وان كانت الرواية تشير الى فتح مكة ولكن صلح الحديبية هو الذي مهد لفتح مكة وفي فتح مكة تحول الزعماء الى طلقاء "اذهبوا فأنتم الطلقاء" فلم تعد عداوتهم ضارة للنبي الاكرم وهم يعتبرونه مذنباً مجرماً فأن بفتح مكة وبصلح الحديبية زال هذا الذنب وزالت هذه العداوة حينما زال ملك قريش وحينما تحول الزعماء الى طلقاء بفضل صلح الحديبية الذي مهد الى فتح مكة كأن الذنب زال عن النبي ما تقدم وماتأخر. تثار هنا أسئلة كثيرة دأب المفسّرون منذ زمن قديم حتى يومنا هذا بالإجابة على هذه الأسئلة! ومن هذه الأسئلة، الأسئلة الثلاثة التالية حول قوله تعالى لنبيّه: "لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ".ما المراد من العبارة الآنفة (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ) مع أن النبي معصوم من الذنب؟! وعلى فرض أن نغضّ النظر عن هذا الإشكال! فما علاقة المغفرة بالفتح وصلح الحديبية؟! وإذا كان المقصود من قوله تعالى (وما تأخر) هو الذنوب المستقبلية! فكيف يمكن أن تكون الذنوب الآتية تحت دائرة العفو والمغفرة. أليس مثل هذا التعبير ترخيصاً لارتكاب الذنب؟! القصة صلح الحديبية 1في السنة السادسة للهجرة النبوية وفي شهر ذي القعدة منها تحرّك النّبي نحو مكّة لأداء مناسك العُمرة ورغب المسلمين جميعاً في هذا الأمر.. غير أنّ قسماً منهم امتنع عن ذلك، في حين أنّ معظم المهاجرين والأنصار وجماعة من أهل البادية عزموا على الاعتمار مع النّبي فساروا نحو مكّة... فأحرم هؤلاء المسلمون الذين كانوا مع النّبي وكان عددهم في حدود «الألف والأربعمائة» ولم يحملوا من أسلحة الحرب شيئاً سوى السيوف التي كانت تعدّ أسلحةً للسفر فحسب! ولمّا وصل النّبي إلى «عسفان» التي لاتبعد عن مكّة كثيراً أُخبر أنّ قريشاً تهيّأت لصدّه وصمّمت على منعه من الدخول إلى مكّة. ولمّا بلغ النّبي الحديبيّة، وهي قرية على مسافة عشرين كيلومتراً من مكّة وسمّيت بذلك لوجود بئر فيها أو شجرة أمر أصحابه أن يحطّوا رحالهم فيها. فقالوا: يا رسول الله ليس هنا ماء ولا كلأ، فهيّأ النّبي عن طريق الاعجاز لهم ماءً من البئر الموجودة في تلك المنطقة.. وبدأ التزاور بين سفراء النّبي وممثليه وسفراء قريش وممثليها لتُحلّ المشكلة على أي نحو كان، وأخيراً جاء عروة بن مسعود الثقفي الذي كان رجلاً حازماً عند النّبي فقال له النبي: " إنّا لم نجيء لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين...". هذا وقد لاحظ عروة الثقفي، ضمناً حالة الأصحاب وهم يكتنفون نبيّهم عند وضوئه فلا يَدَعُون قطرةً تهوي إلى الأرض منه. رجع عروة إلى قريش وقال: لقد ذهبت إلى قصور كسرى وقيصر والنجاشي فلم أرَ قائداً في قومه في عظمته كعظمة محمّد بين أصحابه.. ثم قال عروة لرجال قريش أيضاً: إذا كُنتم تتصورون أنّ أصحاب محمّد يتركونه فأنتم في خطأ كبير.. فأنتم في مواجهة أمثال هؤلاء الرجال الذين يؤثرون على أنفسهم فاعرفوا كيف تواجهونهم!؟ ثمّ أنّ النّبي أمر أحد اصحابه أن يمضي إلى مكّة ليطلع أشراف قريش على الهدف من سفر النّبي فاعتذر وقال إنّ بينه وبين قريش عداوة شديدة وهو منها على حذر فالأفضل أن يرسل آخرا ليبادر إلى هذا العمل، فمضى الآخر إلى مكّة ولم تمضِ فترة حتى شاع بين المسلمين خبر مفاده أنّ الاخیر قد قُتل، فاستعد النّبي لأن يواجه قريشاً بشدّة! فطلب بتجديد البيعة من أصحابه فبايعوه تحت الشجرة بيعةَ سُمّيت «بيعة الرضوان» وتعاهدوا على مواصلة الجهاد حتى آخر نفس؛ إلاّ أنّه لم يمضِ زمن يسير حتى عاد الصحابي سالماً وأرسلت قريش على أثره سهيل بن عمرو للمصالحة مع النّبي غير أنّها أكّدت على النّبي أنّه لايدخل مكّة في عامه هذا أبداً. وبعد كلام طويل تمّ عقد الصلح بين الطرفين وكان من موادّه أن يغض المسلمون النظر عن موضوع العمرة لذلك العام وأن يأتوا في العام القابل الى مكّة شريطة أن لايمكثوا في مكّة أكثر من ثلاثة أيّام وأن لايحملوا سلاحاً غير سلاح السفر. وكان هذا العقد بمثابة عدم التعرض لكلا الجانبين ولحسم المعارك المستمرّة بين المسلمين والمشركين بصورة مؤقتة. من هدى الائمة _عليه السلام_ عن أبي عبدالله الصادق(عليه السلام) قال: كان سبب نزول هذه الآية "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً" هذا الفتح العظيم أن الله عزوجل أمر رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في النوم أن يدخل المسجد الحرام ويطوف ويحلق مع المحلقين فأخبر أصحابه وأمرهم بالخروج فخرجوا. فلما نزل ذا الحليفة أحرموا بالعمرة وساقوا البدن وساق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ستاً وستين بدنة وأحرموا من ذي الحليفة ملبين بالعمرة وقد ساق من ساق منهم الهدي معرات مجللات. فلما بلغ قريضاً بعثوا خالد بن الوليد في مائتي فارس كمينا يستقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان يعارضه على الجبال فلما كان في بعض الطريق حضرت صلاة الظهر فأذن بلال فصلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالناس فقال خالد بن الوليد: لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة لأصبناهم لأنهم لا يقطعون صلاتهم ولكن تجيء الآن لهم صلاة أخرى أحبّ إليهم من ضياء أبصارهم فإذا دخلوا في الصلاة أغرنا عليهم، فنزل جبرئيل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بصلاة الخوف في قوله عزوجل: "وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ" الآية. قال: فلما كان في اليوم الثاني نزل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الحديبية، وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يستنفر الأعراب في طريقه فلم يتبعه أحد ويقولون: أيطمع محمدٌ وأصحابه أن يدخلوا الحرم وقد غزتهم قريشٌ في عقر ديارهم فقتلوهم، إنه لايرجع محمدٌ وأصحابه إلى المدينة أبدا. دروس وعبر *لايتحقق الفتح والنصر في ظل الحرب والجهاد وحسب بل ثمة نصرٌ يأتي من الله تعالى مباشرة وهذا ما أشارت إليه الآية المباركة« إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً». *على القادة العسكريين والمجاهدين في سبيل الله ان لاينسوا انما حققوه من النصر والفتح في المعارك والحروب هو لم يكن إلا بالمدد الإلهي وتسديد منه تعالى. *ان رسول الله مسدد من قبل الباري عزوجل وتحت رعايته دوماً لمخاطبة العبارات الاتية "فَتَحْنَا لَكَ"..."لِيَغْفِرَ لَكَ...""يَهْدِيَكَ"..."يَنصُرَكَ". *هذه الايات تؤكد مرة أخرى ان لا مؤثر في الوجود الا الله تعالى. *إن النصر والغلبة على الاعداء لم يكونا أبداً الهدف الغائي بل يعدّ ذلك بداية للغفران وإتمام النعمة الالهية " فَتَحْنَا، لِيَغْفِرَ، يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ". لايريد الله ان يوصف حبيبه(صلى الله عليه وآله) بالمذنب حتى لو كان ذلك من قبل المشركين فالله تعالى يغفر لحبيبه. قصة إيذاء رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم ) في سورة التحريم - 76 2012-01-25 08:18:12 2012-01-25 08:18:12 http://arabic.irib.ir/programs/item/8356 http://arabic.irib.ir/programs/item/8356 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله وحبيبه محمد وآله الطيبين الطاهرين … السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بكم إلى برنامج القصص الحق، وفي هذا اللقاء سنتعرف على حكاية قرآنية معبرة أخرى هي الحكاية التي تشير إليها بدايات سورة التحريم. وبعد مقدمة عن الحكاية ننصت معا إلى تلاوة مرتلة لهذه الآيات ثم نقف عند معاني المفردات والعبارات القرآنية التي وردت فيها … * نستمع إلى إجابة خبير هذا اللقاء سماحة السيد عبد السلام زين العابدين أستاذ العلوم القرآنية عن سؤال بشأن الحكاية ثم ننتقل إلى محطة القصة ونتابع معا تفاصيلها * ونستمر في تقديم البرنامج بفقرة من هدي الأئمة (عليهم السلام) * وأخيرا مع باقة من الدروس المستفادة من هذه القصة القرآنية فتابعوا هذا البرنامج مع تمنياتنا أن يروق لكم المقدمة مستمعينا الكرام أهلا بكم من جديد، الموضوع الذي تبحثه الآيات التالية يرتبط بالنبي حيث يهم أمره المجتمع الإسلامي والبشرية جمعاء، ولهذا يكون التعامل مع أية دسيسة حتى لو كانت بسيطة تعاملا حازما وقاطعا لا يسمح بتكرارها، ولكي لا تتعرض حيثية الرسول واعتباره إلى أي نوع من التصدع والخدش، والآيات محل البحث تعتبر تحذيرا من ارتكاب مثل هذه الأعمال حفاظا على اعتبار الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) فلنستمع خاشعين إلى تلاوة هذه الآيات من سورة التحريم. التلاوة "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{1} قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ{2} وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ{3} إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ{4}"المفردات مستمعينا الكرام البداية كانت خطابا إلى الرسول: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ" من الواضح أن هذا التحريم ليس تحريما شرعيا، بل هو – كما يستفاد من الآيات اللاحقة – قسم من قبل الرسول الكريم، ومن المعروف ان القسم على ترك بعض المباحات ليس ذنبا. وبناءا على هذا فإن جملة (لِمَ تُحَرِّمُ) إنما هي نوع من الإشفاق والعطف. تماما كما نقول لمن يجهد نفسه كثيرا لتحصيل فائدة معينة من أجل العيش ثم لا يحصل عليها، نقول له: لماذا تتعب نفسك وتجهدها إلى هذا الحد دون أن تحصل على نتيجة توازي ذلك التعب ؟ ثم يضيف في آخر الآية "وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" وهذا العفو والرحمة إما هو لمن تاب من زوجات الرسول اللاتي رتبن ذلك العمل وأعددنه. أو أنها إشارة إلى أن الرسول ما كان ينبغي له أن يقسم مثل هذا القسم الذي سيؤدي لربما إلى جرأة وتجاسر بعض زوجاته عليه …ويضيف في الآية اللاحقة أن الله قد أوضح طريق التخلص من مثل هذا القسم بقوله تعالى: " قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ" أي اعط كفارة القسم وتحرر منه. ويذكر أن الترك إذا كان راجحا على العمل فيجب الإلتزام بالقسم والحنث فيه ذنب تترب كفارة عليه، أما في الموارد التي يكون فيها الترك شيئا مرجوحا مثل هذه الآية فإنه يجوز الحنث في القسم، ولكن من الأفضل دفع كفارة من أجل الحفاظ على حرمة القسم واحترامه. ثم يضيف "وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ". بمعنى أنه قد أنجاكم من مثل هذه الأقسام ووضع لكم طريق التخلص منها طبقا لعلمه ولحكمته . ويستفاد من بعض الروايات أن النبي أعتق رقبة بعد هذا القسم وحلل ما كان قد حرمه بالقسم …. وفي الآية اللاحقة يتعرض لهذا الحادث بشكل أوسع: "وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن". ولكن ما هذا السر الذي أسره النبي لبعض زوجاته ثم لم يحفظنه؟ طبقا لما يذكر في أسباب النزول فإن هذا السر يتكون من أمرين، الأول: تناول العسل عند زوجته (زينب بنت جحش). والثاني: تحريم العسل على نفسه في المستقبل. أما الرسول فقد اطلع على إفشاء هذا السر عن طريق الوحي، وذكر بعضه لإحدى زوجاته ومن أجل عدم إحراجها كثيرا لم يذكر لها القسم الثاني "ولعل القسم الأول يتعلق بأصل شرب العسل والثاني هو تحريم العسل على نفسه".... وعلى كل فإنه: "فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ"******* زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً اكيد من سياق الاية المباركة "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" هنا قالت ياايها النبي ولم تقل يا ايها الرسول في اشارة ان هناك قضية خاصة بين النبي وبين ازواجه وليست بين النبي وبين الناس مثلاً "ياايها الرسول بلغ ما انزل اليك" هنا جاءت للرسول لأن علاقة تبليغ اما هنا قالت "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ" هذا يدل الى ان او اشارة الى ان التحريم كان تحريماً شخصياً يعني منعاً وليس تحريماً بالمعنى التشريعي يعني الرسول الاكرم صلى الله عليه واله وسلم بسبب ما حرم على نفسه ما هو حلال، حرم بمعنى منع ان يأكل شيئاً او ان يقول شيئاً او يفعل شيئاً هو حلال في اصله ولكنه منعه على نفسه فالاية تشير "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" الاية تشير الى ان هناك عملاً محللاً كان يعمله النبي صلى الله عليه واله لاترتضيه ازواجه او بعض ازواجه ماسبب على حركتهن على شكل ضغوطات ادت الى النبي صلى الله عليه واله الى ان يحلف ويقسم على ترك هذا الامر وعدم عمله مع كونه حلالاً وهنا كما قلنا جاء بلفظ النبي "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ" وليس بالرسول يشير الى ان المسألة كانت على نفسه وليست بالمسلمين يعني ليس تشريعاً وانما كان من باب شخصي فمن هنا ان هذا التحريم لم يكن تحريماً تشريعياً عندما كان بمعنى المنع الشخصي على نفسه فالعتاب هنا موجه الى زوجات النبي من باب "اياك اعني واسمعي يا جارة" يعني الخطاب للنبي والمقصود غيره يؤيد ذلك في سياق الاية في سورة التحريم يخاطب نساء النبي او بعض نساء النبي "إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا" صغت يعني مالت من الحق الى الباطل "وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ" النبي اسر، اسر بمعنى افظى واخبر مع الوصية بالاخفاء والكتمان يعني انا حينما اخبر انسان بشيء واؤكد عليه ان يكتم هذا الشيء ولايذيع هذا الامر هذا يسمى الاسرار "وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً" يعني هناك سر قاله النبي لبعض زوجاته واوصاها ان تكتم هذا السر بيد انها لم تلتزم بذلك فأعلنته لبعض الناس وافشت هذا السر، الروايات تؤكد ان الاية نزلت في زوجتين من زوجات النبي حتى الرواية واردة عن عمر بن الخطاب بأنها نزلت في عائشة وفي حفصة، حفصة بنت عمر وعائشة بيت ابي بكر زوجات النبي صلى الله عليه واله وسلم وبعضها تقول بحفصة بنت عمر فقط هي التي افشت السر خلافاً لما اوصاها النبي الاكرم ولهذا تقول الاية "إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ" يعني الامر يبدو امراً كبيراً جداً، كان السر الذي اسره النبي الى بعض ازواجه كان امراً ربما يتعلق بالامور السياسية او اوضاع المسلمين المستقبلية وليس قصة شخصية فالقصة اكبر من ان تكون على شراب عسل او غيره من نساء النبي صلى الله عليه واله وسلم، يبدو ان هناك جيشاً، الله عزوجل هددهن بجيش، جيش مؤلف من قوات، من جبرئيل والملائكة وصالح المؤمنين، وردت روايات اهل البيت بصالح المؤمنين هو علي بن ابي طالب عليه السلام فالقصة تحتاج في حقيقة الامر الى بحث وتدبر ونأخذ الامور ببساطة جداً بحيث نجد ان النبي امتنع وهذا الامر كان سراً شخصياً وانما يبدو هذا السر الذي افشته بعض نساء النبي كان سراً خطيراً يتعلق بمستقبل الرسالة الاسلامية ومستقبل المسلمين. أساسا ما معنى التحريم المذكور في الآية هل هو المنع أو التحريم الشرعي على نفس الرسول؟ وكيف يحرم رسول الله أمرا أحله الله سؤال أجاب عنه سماحة السيد عبد السلام زين العابدين الأستاذ في العلوم القرآنية من مدينة قم المقدسة.******* القصةكان رسول الله يذهب أحيانا إلى زوجته (زينب بنت جحش) فتبقيه في بيتها حتى تأتي إليه بعسل كانت قد هيأته له ولكن لما سمعت إحدى زوجاته بذلك شق عليها الأمر، ولذا اتفقت مع ضرتها الأخرى على أن يسألا الرسول بمجرد أن يقترب من أي منهما بأنه هل تناول صمغ (المغافير) (وهو نوع من الصمغ يترشح من بعض أشجار الحجاز الذي يترك رائحة غير طيبة، علما أن الرسول كان يصر على أن تكون رائحته طيبة دائما ) وفعلا سألت إحداهن الرسول هذا السؤال يوما… ورد الرسول بأنه لم يتناول صمغ المغافير ولكنه تناول عسلا عند زوجته زينب بنت جحش ولهذا أقسم بأنه سوف لن يتناول ذلك العسل مرة أخرى خوفا من أن تكون زنابير العسل هذا قد تغذت على شجر صمغ المغافير وحذرها أن تنقل ذلك إلى أحد لكي لا يشيع بين الناس أن الرسول قد حرم على نفسه طعاما حلالا فيقتدون بالرسول ويحرمونه أو ما يشبهه على أنفسهم، أو خوفا من أن تسمع زينب وينكسر قلبها وتتألم لذلك. لكنها أفشت السر فتبين أخيرا أن القصة كانت مدروسة ومعدة ولم تكن سوى مؤامرة فتألم الرسول لذلك فنزلت عليه الآيات لتوضح الأمر وتنهي من أن يتكرر ذلك مرة أخرى في بيت رسول الله. دروس وعبر * يمكن أن نلاحظ بشكل واضح – من خلال حياة الرسول – أن بعض زوجاته لم يدركن مقام النبوة فحسب، بل كن يتعاملن معه كإنسان عادي، وأحيانا يتعرضن له بالإهانة. * وبناءا على هذا فإنه لا معنى للإصرار على أن جميع زوجات الرسول كن على قدر عال من الكمال واللياقة، خصوصا مع الأخذ بالإعتبار صىراحة الآيات السابقة. * إن حفظ السر والمحافظة عليه وعدم إفشائه، ليس فقط من صفات المؤمنين، بل هي صفة ينبغي توفرها بكل إنسان ذي شخصية قوية محترمة، وتتجلى أهمية هذه الصفة أكثر من الأصدقاء والأقرباء وبالأخص بين الزوج والزوجة. وقد لاحظنا في الآيات السابقة كيف أن القرآن لام أزواج النبي بشدة ووبخهن على إفشائهن للسر وعدم محافظتهن عليه. * يتضح من مجموع هذه الآيات أن بعض زوجات الرسول لم يكتفين بإيذاء النبي بكلامهن، بل لا يحفظن سره، وحفظ السر من أهم صفات الزوجة الصالحة الوفية لزوجها، وكان تعامل الرسول معهن على العكس من ذلك تماما إلى الحد الذي لم يذكر لها السر الذي أفشته كاملا لكي لا يحرجها أكثر، واكتفى بالإشارة إلى جزء منه. *من المؤكد أن الله لم يحلل أو يحرم شيئا إلا طبقا لحسابات ومصالح دقيقة، وبناءا على هذا فلا مجال لأن يقوم الإنسان بتحليل الحرام أو تحريم الحلال حتى مع القسم فإن الحنث جائز في مثل هذه الموارد. سورة الدهر - 75 2012-01-18 08:42:19 2012-01-18 08:42:19 http://arabic.irib.ir/programs/item/8354 http://arabic.irib.ir/programs/item/8354 الحمدلله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي منالذل وصلى الله على افضل الانبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين. مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته واهلاً بكم الى برنامج القصص الحق. أيّها الاحبة في هذه الحلقة من البرنامج نحط الرحال عند قصة معبرة أخرى تطرق إليها القرآن الكريم هي الواردة في سورة الدهر أو الإنسان. فتابعونا أيّها الكرام ضمن الفقرات التالية: • بعد مقدمة قصيرة ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الآيات المتحدثة عن هذه الحكاية ثم نتطرق الى معاني مفرداتها وعباراتها. • سماحة السيد عبد السلام زين العابدين الاستاذ في العلوم القرآنية يسلط الضوء على بعض النقاط الواردة في هذه الآيات. • ثم نتابع معاً سرد حكاية سورة الدهر. • ونواصل البرنامج بتقديم فقرة من هدي الائمة (عليهم السلام). • ومسك الختام مع باقة من الدروس والنقاط المهمة المآخوذة من هذه الحكاية. فأهلاً ومرحباً الى فقرات هذا اللقاء المقدمة اتفق العلماء على أن سورة الإنسان أي الدهر أو ثمان عشرة آية منها قد نزلت في حق علي وفاطمة(عليهما السلام)، وأوردوا هذه الرواية في كتبهم واعتبروها من مفاخر الروايات الحاكية عن فضائل أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، واشتهارها كان مدعاة لذكرها في الأشعار حتى أنها وردت في شعر (الإمام الشافعي) ولا مجال هنا لذكره قبل كل شيء ننصت الى تلاوة هذه الآيات ثم نواصل البرنامج ان شاء الله تعالى. التلاوة "إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً(5) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً(6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً(7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً(8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً(9) إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً(10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً(11)" المفردات الآيات التي اخترناها لهذه الحلقة تتحدث عن المكافات التي أنعم الله بها على الأبرار وتذكر بأمور ظريفة في هذا الباب. فيقول تعالى: "إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً". "الْأَبْرَار": جمع (بر) وأصله الإتساع، واطلق البر على الصحرا لاتساع مساحتها، وتطلق هذه المفردة على الصالحين الذين تكون نتائج أعمالهم واسعة في المجتمع، و(البر) هو الإحسان، وقيل: إنّ الفرق بين البرّ والخير هو أن البر يراد به الإحسان مع التوجه والإرادة، وأما الخير فمعناه أعمّ. امّا (كافور): فله معان متعددة في اللغة، وأحد معانيها المعروفة: الرائحة الطيبة كالنبتة ذات الرائحة الطيبة، وله معنىً آخر مشهور هو الكافور الطبيعي ذو الرائحة القوية ويستعمل في الموارد الطبية كالتعقيم.على كل حال فإنّ الآية تشير إلى أنّ هذا الشراب الطهور معطر جدّاً فيلتذ به الانسان من حيث الذوق والشم. ثمّ يشير الى العين التي يملؤون منها كؤوسهم من الشراب الطهور فيقول:" عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً". هذه العين من الشراب الطهور وضعها الله تعالى تحت تصرفهم، فهي تجري أينما شاءوا. أما مفردة (يفجّرون): من مادة تفجير، أخذت من أصل (الفجر) ويعني الشق الواسع، سواء كان شق الأرض أو غير ذلك، و(الفجر) نور الصبح الذي يشق ستار الليل، وأطلق على من يشق ستار الحياء والطهارة ويتعدّى حدود الله (فاجر) ويراد به هنا شقّ الارض. ثمّ تتناول الآيات الأخرى ذكر أعمال "الْأَبْرَار" "وَعِبَادُ اللَّهِ" مع ذكر خمس صفات توضح سبب استحقاقهم لكلّ هذه النعم الفريدة: فيقول تعالى "يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً". عبارة (يوفون) و(يخافون) والجمل التي تليها جاءت بصيغة الفعل المضارع وهذا يشير إلى استمرارية وديمومة منهجهم، فإن المصداق الأتم والأكمل لهذه الآيات هو أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء والحسنان (عليهم السلام)، لأنهم وفوا بما نذروه من الصوم ثلاثة أيّام ولم يتناولوا في إفطارهم إلا الماء في حين أن قلوبهم مشحونة بالخوف من الله والقيامة. وقوله تعالى "مُسْتَطِيراً": يراد به الإتساع والانتشار، وهو إشارة إلى أنواع العذاب واتساعه في ذلك اليوم العظيم، على كلّ حال فإنهم أوفوا بالنذور التي أوجبوها على انفسهم، وبالأحرى كانوا يحترمون الواجبات الإلهية ويسعون في أدائها، وخوفهم من شرّ ذلك اليوم، وآثار هذا الإيمان ظاهرة في أعمالهم بصورة كاملة. ثم يتناول الصفة الثالثة لهم فيقول: "وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيرا". لم يكن مجرد إطعام، بل إطعام مقرون بالإيثار العظيم عند الحاجة الماسّة للغذاء، ومن جهة أخرى فهو إطعام في دائرة واسعة حيث يشمل أصناف المحتاجين من المسكين واليتيم والأسير، ولهذا كانت رحمتهم عامّة وخدمتهم واسعة. الضمير في عبارة (عَلَى حُبِّهِ) يعود إلى (الطعام) أي أنهم أعطوا الطعام مع احتياجهم له، وهذا شبيه ما ورد في الآية من سورة آل عمران: "لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ". وقيل: ان الضمير المذكور يعود الى (الله) الوارد في ما سبق من الآيات، أي انهم يطعمون الطعام لحبّهم الشديد لله تعالى، ولكن مع الالتفات إلى ما يأتي في الآية الآتية يكون المعنى الأوّل أوجه. والخصلة الرابعة للأبرار هي الإخلاص، فيقول: "إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً". ان هذا المنهج ليس منحصراً بالإطعام، إذ إن جميع أعمالهم خالصة لوجه الله تعالى، ولايتوقعون من الناس شكراً وتقديراً. والمراد من "وَجْهِ اللَّه" هو ذاته تعالى، وإلا فليس لله صورة جسمانية، وهذا هو ما اعتمده وأكده القرآن في كثير من آياته. ويقول في الوصف الأخير للأبرار: "إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً" (أي الشديد) من المحتمل أن يكون هذا الحديث لسان حال الأبرار، أو قولهم بألسنتهم. وجاء التعبير عن يوم القيامة بالعبوس والشديد للإستعارة، إذ انها تستعمل في وصف الإنسان الذي يقبض وجهه وشكله ليؤكد على هول ذلك اليوم، أي أن حوادث ذلك اليوم تكون شديدة إلى درجة أن الإنسان لا يكون فيه عبوساً فحسب، بل حتى ذلك اليوم يكون عبوساً أيضاً. هناك أقوال للمفسرّين في مادة "قَمْطَرِيراً": قيل هو من (القمطر) وقيل: مشتق من مادة (قطر) والميم زائدة، وقيل هو الشديد، وهو الأشهر. وأشارت الآية الأخيرة في هذا البحث إلى النتيجة الإجمالية للأعمال الصالحة والنيات الطاهرة للأبرار فيقول: "فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً". مفردة "نَضْرَة": بمعنى البهجة وحسن اللون والسرور الخاص الذي يظهر عند وفور النعمة والرفاه على الانسان. أجل، إن لون وجوههم في ذلك اليوم يخبر عن الهدوء والإرتياح، وبما انهم كانوا يحسون بالمسؤولية ويخافون من ذلك اليوم الرهيب، فإن الله تعالى سوف يعوضهم بالسرور وبالبهجة. وتعبير "لَقَّاهُمْ" من التعابير اللطيفة والتي تدلّ على أن الله سوف يستقبل ضيوفه الكرام بلطف وسرور خاص وأنه سوف يجعلهم في سعة من رحمته. ليست هذه الآيات مورد البحث هي الآيات الوحيدة التي عدّت إطعام الطعام من الأعمال الصالحة للأبرار وعباد الله، بل إن كثيراً من آيات القرآن اعتمدت هذا المعنى وأكدت عليه، وأشارت إلى أن لهذا العمل محبوبية خاصّة عند الله، وإذا ألقينا نظرة على عالم اليوم والذي يموت فيه بسبب الجوع حسب الأخبار المنتشرة ملايين الأشخاص في كلّ عام، والحال أن بقية المناطق تلقي بالغذاء الكثير في القمامة تتضح أهميّة هذا الأمر الإسلامي من جهة، وإبتعاد عالم اليوم عن الموازين الأخلاقية من جهة أخرى.******* زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً هذه اشكالية في كثير من الايات المباركة المجملة يعني التي لم تذكر وتصرح بسبب النزول في نص الاية وهي طبعاً ديدن القرآن الكريم، القرآن الكريم لايصرح بالاسماء وبالحادثة وانما يشير الى الاسماء والى الحادثة هذه اشكالية في جميع الايات المباركة التي لاتكون صريحة في ذكر الاسماء والاشخاص وانما تعطي الحادثة من دون التصريح بالاسماء لأن الله عزوجل اراد للقرآن ان يجري مثل الشمس والقمر والليل والنهار وهذا معنى القاعدة الشهيرة في قواعد التفسير وعلوم القرآن "المورد لايخصص الوارد" المورد هو سبب النزول والحادثة التي على اثرها جاءت الايات المباركة والوارد هو الاية المباركة، "المورد لايخصص الوارد" وهي ذاتها القاعدة "العبرة بعموم اللفظ لابخصوص السبب" وطبعاً هذا يتعلق بعلم كبير وواسع في علوم القرآن وهو علم اسباب النزول او شأن النزول ولمعرفة اسباب النزول دور كبير في عالم التفسير وقراءة النص القرآني ولهذا قد يختلف المفسرون في سبب نزول آية مثلاً سواء كانت هذه الاية المباركة فطرة الانسان او غير هذه الاية كما في آية "ياايها الرسول بلغ ماأنزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس" هناك توتر في ان هذه الاية نزلت في علي بن ابي طالب عليه السلام، كذلك الاية "إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً" صحيح هذه الاية لم تصرح بأسماء اهل البيت عليهم السلام وصحيح ان الاهل يمكن ان تكون اعم وحتى يمكن ان تشمل الازواج ولكن اسباب النزول هي الحكم يعني في روايات ام سلمة المتواترة التي يذكرها كل المفسرين حينما ارادت ان تدخل الكساء لم يوافق النبي صلى الله عليه واله وسلم بأن تدخل ام سلمة وهي زوج النبي صلى الله عليه واله وسلم فحينما يكون اللفظ مجمل لابد ان نلجأ الى اسباب النزول هي التي تحدد الاشخاص فهنا في النذر في سورة الدهر طبعاً هناك اجماع على انها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام حينما نذروا ذلك النذر "يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً" "وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً" انظرواً مسكيناً، بدأت بالمسكين هذه اشارة الى القصة، قصة مجيء المسكين اولاً طلب منهم طعاماً وكانوا صائمين ثم جاء بعد ذلك اليتيم ثم جاء الاسير ولو كانت الاية تتحدث عن مفهوم لقدمت اليتيم، كل الايات التي تتحدث عن اليتيم والمسكين تقدم اليتيم الا في آية سورة الدهر فأنها تقدم المسكين، لماذا؟ لأنها تتحدث عن واقعة، لم تتحدث عن مفهوم فبدأت بالمسكين بعد ذلك بدأت باليتيم والاسير. بعضهم حاول ان يؤول كلمة اسير قال الاسير ليس فقط الاسير في حرب المسلمين وانما اسير الحروب بين قريش، كانت هناك حروب بين الكافرين فهناك اسرى فهذه السورة مكية وليست مدنية هكذا قال بعضهم يريد ان يبعد هذه الاية عن اهل البيت، يريد ان يقول ان هذه الاية او السورة، سورة الدهر نزلت قبل ولادة الحسين عليه السلام وقبل ولادة الحسن يعني يريد ان يكذب الروايات المتواترة التي قالت بأنها في الحسن والحسين وهذا ما اوصى به الامام علي عليه السلام ابن عباس حينما ذهب الى الخوارج اوصاه وصية رائعة قال له لاتخاصمهم بالقرآن فأنه حمال ذو وجوه يقول ويقولون ولكن حاججهم بالسنة فأنهم لم يجدوا عنها محيصاً، لابد ان نلجأ الى السنة، الى روايات النبي، اسباب النزول لأن الانسان لايستطيع ان يهرب من اسباب النزول لأنها تشخص الامور بأسماءها والحوادث بأبطالها واشخاصها. اذا نظرنا الى الفاظ الآيات نجد انها عامة في مفهومها من هذا المنطلق يطرح البعض اشكالية في إمكانية تخصيصها بأفراد معينين؟كما ان بعض المفسرين قد ذكروا أسباباً أخرى لنزول هذه السورة لاتتفق مع السبب الذي ذكرناه في نزول الآية؟******* القصة في أحد الايام مرض الحسن والحسين عليهما السلام، فلما علم رسول الله صلى الله عليه وآله عادهما وذهب لزيارتهما مع بعض أصحابه، فأشاوا على الامام علي عليه السلام قائلين: يا ابا الحسن، لو نذرت على ولديك عسى الله ان يشفيهما من مرضهما. فنذر أمير المؤمنين علي وفاطمة وجاريتهما فضة أن يصوموا ثلاثة ايام إن شفي الحسن والحسين عليهما السلام من مرضهما.وعندما منّ الله تعالى عليهما بالشفاء صاموا ليوفوا بالنذر، ولم يكن عندهم من طعام للإفطار فاستقرض علي(عليه السلام) ثلاثة أصواع من شعير، وقامت فاطمة(سلام الله عليها) بطحنها وخبزت منه خمسة اقراص على عددهم.وبينما هم متهيأين للافطار إذ طرق الباب سائل فقال: السلام عليكم يا اهل بيت محمد (ص)، انا مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة. فقدموا له أقراصهم ولم يذوقوا من الطعام شيئاً سوى الماء وفاءً بنذرهم صاموا يومهم الثاني وهم جائعون. وفي اليوم الثاني خبزت السيدة فاطمة الزهراء(سلام الله عليها) خمسة أقراص أخرى، وفي لحظة الافطار طرق الباب سائل فقال: انا يتيم من المسلمين، وقال مثل ما قال المسكين قبل ذلك. فأعطوه الاقراص وفطروا على الماء وصاموا اليوم الثالث دون أن يأكلوا شيئا. وفي اليوم الثالث وعند موعد الإفطار وضعوا أمامهم الأقراص الخمسة وهي كل ما بقي لديهم من طعام، واذا بالباب يطرق وكان السائل هذه المرة اسيراً وطلب منهم أن يطعموه، فأعطوه الأقراص وناموا ليلتهم أيضاً بدون طعام.وعند الصباح ذهب علي مع الحسن والحسين(عليهم السلام) لزيارة الرسول(صل الله عليه وآله) فلما رآهم يرتعشون من شدة الجوع قال: ما أشدّ ما يسوؤني ما أرى بكم! وقام وانطلق معهم ليرى فاطمة(سلام الله عليها) وكانت تصلي وقد نحلت جداً من الجوع. وقد قصوا عليه ما قد جرى، عند ذلك نزل جبرئيل(ع) مبشراً رسول الله بأهل بيته(ص) بالآية الكريمة:"إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً{9} إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً{10} فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً{11}". من هدى الائمة _عليه السلام_ نقل عن الإمام الباقر(عليه السلام) في وصف العين التي تتحدث عنها الآية المباركة قال(عليه السلام): هي عين في دار النبي تفجر الى دور الأنبياء والمؤمنين. ونورد هنا على سبيل المثال عدداً من الأحاديث الإسلامية التي أكدت اطعام الطعام قال النبي(صلى الله عليه وآله): (من أطعم ثلاث نفر من المسلمين أطعمه الله من ثلاث جنان في ملكوت السموات) (1). وفي حديث للإمام الصادق(عليه السلام) قال: "من أطعم مؤمناً حتى يشبعه لم يدر أحد من خلق الله ما له من الأجر في الآخرة، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا الله رب العالمين"(2). وفي حديث آخر عنه(عليه السلام): قال "لئن أطعم مؤمناً محتاجاً أحب إلى من أن أزوره، ولئن أزوره أحب إلى من أن اعتق عشر رفاب". دروس وعبر والملاحظ أن أوّل ما ذكر من نعم الجنان في هذه السورة هو الشراب الطهور المعطر الخاصّ. لكونه يزيل كلّ الهموم والحسرات والقلق والأدر ان عند تناوله بعد الفراغ من حساب المحشر، وهو أوّل ما يقدم لأهل الجنان ثمّ ينتهون إلى السرور المطلق بالإستفادة من سائر مواهب الجنان. فأنها عيون العلم والرحمة التي تتفجر من بيت النبي(صلى الله عليه وآله) وتجري إلى قلوب عباد الله الصالحين، كذلك في الآخرة حيث التجسم العظيم لهذا المعنى تتفجر عين الشراب الطهور الإلهي من بيت الوحي، وتنحدر فروعها، الى بيوت المؤمنين! والملاحظة الاولى التي لابدّ من ذكرها هنا هو قول بعض العلماء المفسّرين ومنهم المفسّر المشهور الآلوسي، وهو من أهل السنة قال: إن كثيراً من النعم الحسية قد ذكرت في السورة إلا الحور العين التي غالباً ما يذكرها القرآن في نعم الجنان، وهذا انما هو لنزول السورة بحق فاطمة وبعلها وبنيها(عليهم السلام) وإن الله لم يأت بذكر الحور العين إجلالاً واحتراماً لسيدة نساء العالمين! ان قيمة العمل في الإسلام بخلوص النية وإلا فإن العمل إذا كان بدوافع غير الهية، سواءكن رياءً أو لهوى النفس، أو توقع شكر من الناس أو لمكافات مادية، فليس لذلك ثمن معنوي وإلهي. وقد أشار النبي(صلى الله عليه وآله) إلى ذلك إذ قال: (لا عمل الا بالنية وانما الأعمال بالنيات). والجدير بالذكر أن الروايات لم تؤكد على إطعام المحتاجين والجياع فحسب، بل صرّحت بعض الروايات أن إطعام المؤمنين وإن لم يكونوا محتاجين هو كعتق رقبة العبد، وهذا يدلّ على أن الهدف لايقتصر على رفع الاحتياج بل جلب المحبّة وتحكيم وشائج المودة. قصة المباهلة - 74 2012-01-11 09:05:07 2012-01-11 09:05:07 http://arabic.irib.ir/programs/item/8353 http://arabic.irib.ir/programs/item/8353 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله والصلاة والسلام على أمين الله على وحيه وعباده محمد المصطفى وآله الهداة الابرار. مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمه الله وبركاته، وأهلا بكم في برنامج القصص الحق. أيها الاحبة في هذه الحلقة من البرنامج نتوقف عند حادثة عظيمة شهدتها صفحات تاريخ الاسلام الا وهي حادثة المباهلة التي خلّدها القرآن الكريم ووصفها بأنها القصص الحق حيث ذكرت في الآية 59 الى 61 من سورة آل عمران. فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية: بداية نتبرك بالانصات الى تلاوة هذه الآيات، ثم نتعرف على معانى مفرداتها وعباراتها. ونستمع بعدها الى اجابة ضيف هذا اللقاء عن سؤال بشأن إعتراض أورده الفخر الرازي وآخرون على نزول الآية 61 في أهل البيت (عليهم السلام)، لنستمع بعد ذلك الى الحكاية عبر محطة القصة، ونغترف من معين عالم اهل البيت (عليهم السلام) الامام الرضا سلام الله عليه ورواية بالموضوع. ومسك الختام مع باقة من الدروس التي تتضمنها الآيات، فأهلا ومرحبا بكم، الى فقرات هذا اللقاء. المقدمة تتحدث هذه الآيات عن أحد ردود القران الكريم على محاورات مسيحيي نجران الذين جاؤوا في وفد مؤلّف من 60 شخصاً وفيهم عدد من زعمائهم بقصد التحاور مع رسول الله (صلى الله عليه وآله). ومن بين المواضيع التي طرحت في ذلك الاجتماع مسألة أُلوهية المسيح التي رفضها رسول الله (صلى الله عليه وآله) واستدلّ بأنّ المسيح وُلِد وعاش كبقية الناس ولايمكن أن يكون إلهاً، لكنّهم استدلّوا على ألوهيته بولادته من غير أب، فنزلت الآية ردّاً عليهم، ولمّا رفضوا ذلك دعاهم إلى المباهلة. فلنستمع الى الآيات التاليات من سورة آل عمران المباركة.التلاوة "إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ{59} الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ{60} فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ{61}"المفردات بداية تورد الاية المباركة استدلالاً قصيراً وواضحاً في الردّ على مسيحيي نجران بشأن الوهية المسيح: إنّ ولادة المسيح من غير أب لايمكن أن تكون دليلاً على أنّه ابن الله أو أنّه الله بعينه، لأنّ هذه الولادة قد جرت لآدم بصورة أعجب فهو قد ولد من غير أب ولا أم، وعليه، فكما أنّ خلق آدم من غير والدين لايستدعي القول بألوهيته، لأنّ الله قادر على كلّ شيء، ولأن «فعله» و«إرادته» متناسقان فإذا أراد شيئاً يقول له: كن فيكون، كذلك ولادة عيسى من أمّ وبغير أب، لاتدلّ على ألوهيته لذا تقول الآية: "إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ{59} الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ{60" هذه الآية تؤكد الموضوع وتقول: إنّ ما أنزلنا على الرسول بشأن المسيح أمرٌ حقيقي من الله ولايعتريه الشك، فعليكم ان لا تتردّدوا في قبوله. اما في تفسير (الحق من ربّك) للمفسّرين رأيان: الرأي الأول يقول: إنّ الجملة مبتدأ وخبر، وبذلك يكون المعنى: الحقّ دائماً من ربّك، وذلك لأنّ الحقّ هو الحقيقة، والحقيقة هو الوجود، وكلّ وجود ناشيء من وجوده، لذلك فكلّ باطل عدم، والعدم غريب على ذاته. الرأي الثاني يقول: إنّ الجملة خبر لمبتدأ محذوف تقديره «تلك الأخبار». أي تلك الأخبار التي أنزلناها عليك حقائق من الله، وكلّ من التفسيرين ينسجم مع الآية. بعد الآيات التي استدلّ فيها على بطلان القول بألوهية عيسى بن مريم، يأمر الله نبيه بالمباهلة إذا جاءه من يجادله من بعد ما جاءه من العلم والمعرفة، وأمره أن يقول لهم "فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ". بمعنى انّي سأدعو أبنائي، وأنتم أدعوا أبناءكم، وأدعو نسائي، وأنتم أدعوا نساءكم، وأدعو نفسي، وتدعون أنتم أنفسكم، وعندئذ ندعو الله أن ينزل لعنته على الكاذب منّا. المُباهَلة في الأصل من مادة «بَهْل» بمعنى اطلاق وفك القيد عن الشيء وبذلك يقال للحيوان الطلق حيث لاتوضع محالبها في كيس كي يستطيع وليدها أن يرضع بسهولة يقال له:«باهل»، و«ابتهال» في الدعاء بمعنى التضرع وتفويض الأمر إلى الله.وإذا فسّروها بمعنى الهلاك واللّعن والبعد عن الله كذلك بسبب ترك العبد طلقاً وحراً في كلّ شيء تترتب عليه هذه النتائج، هذا معنى «المباهلة» لغةً. امّا من حيث المفهوم فهو يعنى الملاعنة بين الشخصين، ولذا يجتمع أفراد للحوار حول مسألة دينية مهمّة في مكان واحد ويتضرعون الى الله أن يفضح الكاذب ويعاقبه. إنّ المباهلة ـ وإن لم يكن في الآية ما يشير إلى تأثيرها ـ كانت بمثابة «السهم الأخير» بعد أن لم ينفع المنطق والاستدلال، فإنّ الدعاء وحده لم يكن المقصود بها، بل كان المقصود منها هو «أثرها الخارجي». اما الذين اصطحبهم النبى (صلى الله عليه وآله) معه للمباهلة بهم هم: الحسن والحسين وفاطمة وعلي أهل بيته(عليهم السلام)وقد أجمعت على ذلك الرويات، وعليه، فإنّ «أبناءنا» الواردة في الآية ينحصر مفهومها في الحسن والحسين (عليهما السلام)، ومفهوم «نساءنا» ينحصر في فاطمة (عليها السلام)، ومفهوم «أنفسنا» ينحصر في علي (عليه السلام).******* زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم سؤال جميل هذه الاية الحادية والستون من سورة آل عمران "فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ" هذه الاية المباركة اجمع المفسرون سنة وشيعة انها نزلت في نصارى نجران حينما باهلهم النبي صلى الله عليه واله وسلم وجاء النبي بعلي عليه السلام وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، يجمع المفسرون، صحيح ان الاية جاءت بصيغة الجمع ولكن التطبيق لم يأتي الرسول الاكرم صلى الله عليه واله وسلم الا بعلي والحسن والحسين فلهذا نفهم ان المقصود من نساءنا فاطمة عليها السلام ومن ابناءنا الحسن والحسين ومن انفسنا علي عليه السلام وهذه حقيقة في علم التفسير يعني حتى صحيح مسلم يذكر في صحيح مسلم عن سعد بن ابي وقاص يقول امر معاوية بن ابي سفيان سعداً فقال ما منعك ان تسب ابا تراب؟ يعني ابا تراب هو علي بن ابي طالب فقال اما ماذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله صلى الله عليه واله فلن اسبه وان تكون لي واحدة منهن احب الي من حمر النعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول وقد خلفه في بعض مغازيه فقال له يارسول الله خلفتني مع النساء والصبيان فقال له رسول الله اما ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لانبوة بعدي وسمعته يقول وهذا سعد بن ابي وقاص، هذا الحديث يذكره مسلم في صحيحه، في صحيح مسلم فقال له رسول الله اما ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لانبوة بعدي وسمعته يقول يوم خيبر لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله قال فتطاولنا لها فقال ادعو لي علياً فأتي به ارمد العين فبصق في عينه ودفع الراية اليه وفتح الله على يديه ولما نزلت هذه الاية يعني "فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ" دعا رسول الله علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً وقال اللهم هؤلاء اهل بيتي طبعاً هذا حديث في صحيح مسلم ورواه كذلك الترمذي في صحيحه ورواه ابو نعيم ورواه الحميمي في كتاب قواعد السلطين وكثير من كتب التفسير يعني هناك حقيقة من الحقائق ان الرسول الاكرم صلى الله عليه واله لم يأتي الا بعلي وفاطمة والحسن والحسين ولهذا كان تطبيق نساءنا على فاطمة عليها السلام وتطبيق انفسنا على علي عليه السلام وتطبيق ابناءنا على الحسن والحسين وهذا كثير في التفسير يعني القرآن في كثير من الايات جاءت "إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ" جاءت احياناً في آيات ليس في شخص واحد يعني بلسان الجمع ولكنها تعني في اسباب النزول شخص او اشخاص معينين وهذا كثير ما جاء في القرآن الكريم ولم يدعي احداً من المفسرين ان الرسول الاكرم صلى الله عليه واله قد جاء بغير هؤلاء وهذا يعبر عن مدى اخلاص النبي ولهذا نصارى نجران، رؤساء النصارى قالوا ان باهلنا بقومه باهلناه فأنه ليس نبياً وان باهلنا بأهل بيته خاصة لم نباهله فأنه لايقدم الى اهل بيته الا وهو صادق فلما اصبحوا جاءوا الى رسول الله صلى الله عليه واله ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فقال النصارى من هؤلاء؟ فقيل لهم هذا ابن عمه ووصيه واسمه علي بن ابي طالب وهذه ابنته فاطمة وهذان ابناه الحسن والحسين ففرقوا، فرقوا يعني خافوا وارتعبوا فقالوا يارسول الله صلى الله عليه واله نعطيك حقنا من المباهلة فصالحهم رسول الله على الجزية هذه الرواية يذكرها جميع المفسرين ان النبي لم يأتي الا بهؤلاء وهذه حقيقة من الحقائق في عالم التفسير ولكن مع الاسف بعض المفسرين حاولوا ان يطمسوا هذه الحقيقة يعني مثلاً في تفسير الجلالين يذكر هذه الرواية يقول لقد خرج الرسول ومعه الحسن والحسين وفاطمة وعلي وقال اذا دعوت فأمنوا فأبوا ان يلاعنوا يعني النصارى حينما رأوا ما جاء به النبي من اخص خاصته وهذا يدل على مدى صدق النبي انه جاء بأكثر الناس قرباً منه ولو كان كاذباً او مدعياً او ليس مطمئناً من نفسه لما جاء بهؤلاء. *هنا إعتراض مشهور أورده الفخر الرازي وآخرون على نزول هذه الآية في أهل البيت(عليهم السلام)، يقول هؤلاء: كيف يمكن أن نعتبر أنّ القصد من«أبناءنا» هو الحسن والحسين(عليهما السلام) مع أنّ «أبناء» جمع ولاتطلق على الاثنين؟ وكذلك«نساءنا» جمع، فكيف تطلق على سيدة الإسلام فاطمة(عليها السلام) وحدها؟ وإذا كان القصد من «أنفسنا» علي(عليه السلام) وحده فلماذا جاء بصيغة الجمع؟ نستمع لإجابة ضيف هذا البرنامج عن هذا السؤال فتابعوا معنا...******* القصة (قصة المباهلة) كتب النبي(صلَّى الله عليه وآله) كتابا إلى«أبي حارثة» أسقف نَجران دعا فيه أهالي نَجران إلى الإسلام، فتشاور أبو حارثة مع جماعة من قومه ، فآل الأمر إلى إرسال وفد مؤلف من ستين رجلا من كبار نجران وعلمائهم لمقابلة الرسول(صلَّى الله عليه وآله) والاحتجاج أو التفاوض معه، وما أن وصل الوفد إلى المدينة حتى جرى بين النبي وبينهم نقاش وحوار طويل لم يؤد إلى نتيجة، عندها أقترح عليهم النبي المباهلةـ بأمر من الله ـ فقبلوا ذلك وحددوا لذلك يوما، وهو اليوم الرابع والعشرون من شهر ذي الحجة السنة العاشرة للهجرة . لكن في اليوم الموعود عندما شاهد وفد نجران أن النبي(صلَّى الله عليه وآله) قد إصطحب أعز الخلق إليه وهم علي بن أبي طالب وابنته فاطمة والحسن والحسين، وقد جثا الرسول(صلَّى الله عليه وآله) على ركبتيه استعدادا للمباهلة، انبهر الوفد بمعنويات الرسول وأهل بيته وبما حباهم الله تعالى من جلاله وعظمته، فأبى التباهل . وقالوا: حتى نرجع وننظر، فلما خلا بعضهم إلى بعض قالوا للعاقِب وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح ما ترى؟ قال والله لقد عرفتم أن محمدا نبي مرسل ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما باهَل قومٌ نبيًّا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، فإن أبيتم إلا إلف دينكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، وذلك بعد أن غدا النبي آخذا بيد علي والحسن والحسين(عليهم السَّلام) بين يديه، وفاطمة(عليها السَّلام) خلفه، وخرج النصارى يقدمهم أسقفهم أبو حارثة، فقال الأسقف: إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا لأزاله بها، فلاتباهلوا، فلايبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، فقالوا: يا أبا القاسم إنا لانُباهِلَك ولكن نصالحك، فصالحهم رسول الله(صلَّى الله عليه وآله) على أن يؤدوا إليه في كل عام ألفي حُلّة، ألفا في صفر وألفا في رجب، وعلى عارية ثلاثين درعا وعارية ثلاثين فرسا وثلاثين رمحا . وقال النبي(صلَّى الله عليه وآله): والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلّى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولأضطرم عليهم الوادي نارا، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا. من هدى الائمة _عليه السلام_ روي عن الامام الرضا(عليه السلام): في حديثه مع المأمون والعلماء في الفرق بين العترة والأمة، وفضل العترة على الأمة، وفيه قال العلماء: هل فسر الله الاصطفاء في كتابه؟ فقال الرضا(عليه السلام): فسر الاصطفاء في الظاهر سوى الباطن في اثني عشر موضعا وذكر المواضع من القرآن، وقال فيها: وأما الثالثة حين ميز الله الطاهرين من خلقه، وأمر نبيه بالمباهلة بهم في آية الابتهال فقال عز وجل "فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ" قال العلماء: عنى به نفسه، قال أبو الحسن: غلطتم إنما عنى به علي بن أبي طالب، ومما يدل على ذلك قول النبي: لينتهين بنو وليعة أو لأبعثن إليهم رجلا كنفسي يعني علي بن أبي طالب، وعنى بالأبناء الحسن والحسين، وعنى بالنساء فاطمة فهذه خصوصية لايتقدمهم فيها أحد، وفضل لايلحقهم فيه بشر، وشرف لايسبقهم إليه خلق إذ جعل نفس علي كنفسه. دروس وعبر هناك دروس كثيرة تستفاد من قصة المباهلة، وأول تلك الدروس هو أحقية الاسلام وصدق نبينا الأكرم (صلى الله عليه واله) وذلك للاسباب التالية: ألف - إن النصارى هزموا على مستوى المنطق والحوار، حيث احتجوا بأن عيسى(عليه السلام) لم يكن له أب، فإذن أبوه هو الله فأجابهم النبي (صلى الله عليه وآله) بأن مثله كآدم (عليه السلام) خلقه الله من تراب حيث لا أب له ولا ام فإذا كان من لايملك أباً يكون ابن الله كما تزعمون. فإن من لايملك أبا ولا أما أحق أن يكون ابنا لله من عيسى(عليه السلام)، فسكتوا ولم يحيروا جوابا. * ثم هزموا على مستوى التحدي بنزول العذاب على الكاذب من الفريقين فلما رفضوا الكلام المنطقي والعلمي تحداهم النبي (صلى الله عليه واله) بأن دعاهم بأن يطلب كل فريق نزول العذاب على الفريق الآخر الكاذب، فخافوا نزول العذاب عليهم لأنهم كانوا يعلمون في أنفسهم بأنه(صلى الله عليه وآله) نبي صادق ولمّا رأوا تلك الوجوه النورانية مع النبي(صلى الله عليه وآله) من أبنائه وأهل بيته قال أُسقفهم اني لأرى وجوهاً لو طلبوا من الله تعالى أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله. لذلك اعتذروا من النبي(صلى الله عليه وآله) ولم يباهلوه. بل قالوا له نعطيك ألف حلة في رجب وألف حلة في صفر ولانباهلك فوافق النبي(صلى الله عليه وآله) على ذلك. والدرس الثاني هو عظمة أهل بيت النبي(صلى الله عليه واله) من وجوه كثيرة منها أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يدع للمباهلة معه غير أهل بيته عليا وفاطمة وحسنا وحسينا عليهم السلام فلم يدع أصحابه ولا زوجاته ولا أولاد المسلمين ومنها قوله (صلى الله عليه وآله) عنهم، أي علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام: "اللهم هؤلاء أهلي أو أهل بيتي وبذلك يبين النبي (صلى الله عليه وآله) أن لفظة أهل البيت (عليهم السلام) الواردة في قوله تعالى: " إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً" إنما هي في هؤلاء ولا غير". النقطة الاخرى التي تكشف عنها الآيات هي انه لو آمن الانسان بهدفه وعلم به علما كاملا وايمانا راسخا كما تنص الاية "مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ" لضحى ليس فقط بنفسه بل بالمقربين منه ايضا. من لم يقبل بالدلائل المنطقية والعقلية لا طريق معه سوى المباهلة ولو استقام اهل الحق على عقيدتهم ومبادئهم لانسحب الاعداء بسبب بطلان حججهم. معركة بدر - 2 - 73 2012-01-04 09:18:53 2012-01-04 09:18:53 http://arabic.irib.ir/programs/item/8352 http://arabic.irib.ir/programs/item/8352 الموضوع: معركة بدر - 2 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي خلق كل شئ وقدره والحمد لله الذي له الأمر جميعا ومدبره وافضل الصلاة والسلام على النبي الهادي الامين محمد واله الطيبين الطاهرين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته واهلا بكم الى برنامج القصص الحق. في هذه الحلقة يجري الحديث واستكمالا لما شرعنا به في اللقاء الماضي عن قصة معركة بدر التي ذكرت في سورة الانفال من الآية 9 الى 12 اذن رافقونا مستمعينا الكرام في هذا البرنامج واليكم استعراضاً لمحطاته..... بدايةً نقدم لكم تلاوة عطرة لايات مباركة ثم نتعرف على معاني المفردات والعبارات القرآنية التي وردت في هذا الجزء من الحكاية. * نستمع معاً الى حديث ضيف هذا اللقاء وهو يتحدث حول مشاركة الملائكة في معركة بدر. * ننتقل بعد ذلك الى محطة الحكاية ونتابع القسم الثاني من معركة بدر ثم نغترف من معين علوم اهل البيت عليهم السلام في فقرة من هدي اهل البيت (عليهم السلام) ورواية عن الامام الباقر عليه السلام. * واخيراً مع باقة من الدروس والنقاط المهمة المستقاة من هذه القصة القرآنية فاهلاً بكم الى هذا البرنامج. المقدمة إنّ آيات هذه الحلقة تتحدث عن اللحظات الحساسة من واقعة بدر، والألطاف الإلهية الكثيرة التي شملت المسلمين لتثير في نفوسهم الإحساس بالطاعة والشكر، ولتعبيد الدرب نحو إنتصارات المستقبل. التلاوة "إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ{9} وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ{10} إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ{11} إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ{12}" المفردات يُشير القرآن ابتداءً لإمداد الملائكة فيقول: "إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ". جاء في بعض الرّوايات أن النّبي (صلى الله عليه وآله) كان يستغيث ويدعو ربه مع بقية المسلمين وقد رفع يديه نحو السماء قائلاً: "اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم أن تهلك هذه العصابة لاتعبد في الأرض" وعند ذلك "فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ". وكلمة (مردفين) من (الإرداف) بمعن اتّخاذ محل خلف الشئ فيكون مفهومها أنّ الملائكة كانت تتابع بعضها بعضاً في النّزول لنصرة المسلمين. وأحتمل معنى آخر في الآية، وهو أنَّ مجموعة الألف من الملائكة كانت تتبعها مجموعات اُخرى، ليتطابق هذا المعنى والآية 124 من سورة آل عمران، والتي تقول عن لسان النبي (صلى الله عليه وآله): "إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ". إلاَّ أنّ الظاهر أنَّ عدد الملائكة في بدر الألف، و كلمة مردفين صفة هذا الألف، والآية من سورة آل عمران كانت وعداً للمسلمين في أنزال ملائكة أكثر لنصرة المسلمين إذا ما اقتضى الأمر. ولئلا يعتقد بعض بأن النصر كان بسبب نصرة الملائكة فحسب، فإن الآية تقول: "وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ". لأن الله عزيز ومقتدر لايستطيع أحد الوقوف مقابل إرادته، وحكيم لا ينزل نُصرته إلا للأفراد الصالحين والمستحقين لذلك. ثم تذكر الآية النعمة الثانية التي اكتنفت المؤمنين فتقول: "إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ".و (يغشي) من مادة (الغشيان) بمعنى تغطية الشئ وإحاطته. فكأنَّ النوم كالغطاء الذي وضع عليهم فغطاهم. و(النعاس) يطلق على بداية النوم، أو النوم القليل أو الخفيف الناعم ولعلها إشارة إلى أنّه بالرغم من هدوء المسلمين النفسي لم يأتهم نوم عميق يمكن الأعداء من استغلاله والهجوم عليهم. وهكذا استفاد المسلمون من هذه النعمة العظيمة في تلك الليلة. والرحمة الثالثة التي وصلتهم هي: "وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ". وهذا الرّجز قد يكون وساوس الشيطان، أو رجزاً بدنياً، أو الأمرين معاً، وعلى أية حال، فإن الماء ملأ الوديان من أطراف بدرٍ بعد أن استولى الأعداء على آبار بدر وكان المسلمون بحاجة ماسّة للغسل ورفع العطش، فاذا بهذا الماء قد ذهب بكل تلك الأرجاس.ثم إن الله تعالى أراد بذلك تقوية معنويات المسلمين وكذلك تثبيت الرمال المتحركة تحت أقدامهم من خلال المطر وتقول الآية "وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ"....ويمكن أن يكون المراد من تثبيت الأقدام هو رفع المعنويات وزيادة الثبات والإستقامة ببركة تلك النعمة، أو إشارةً إلى هذين الأمرين. والنعمة الاُخرى التي أنعمها الله على المجاهدين في بدر، هي الرعب الذي أصاب به الله قلوب أعدائهم، فزلزل معنوياتهم بشدّة فيقول تعالى "إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ". "سأُلقي في قلوب الذين كفروا الرُّعب".وإنّه لمن العجب والغرابة أن ينهار جيش قريش القوي أمام جيش المسلمين القليل، وأن تذهب معنوياتهم – كما ينقل التاريخ – بصورة يخاف معها الكثير منهم من منازلة المسلمين، وحتى أنّهم كانوا يُفكرون بأنّ المسلمين ليسوا أشخاصاً مألوفين، وكانوا يقولون بأنّ المسلمين قد جاؤوكم من قرب يثرب (المدينة) بهدايا يحملونها على إبلهم هي الموت. ثمّ إنّ القرآن يذكّر المسلمين بالأمر الذي أصدره النّبي (صلى الله عليه وآله) للمسلمين بأنّ عليهم اجتناب الضرب غير المؤثّر في المشركين حال القتال لئلّا تضيع قوتهم فيه، بل عليهم توجيه ضرباتٍ مؤثّرةٍ وقاطعةٍ يقول القرآن "فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ". و (البنان) جمع (البنانة) بمعنى رؤوس أصابع الأيدي و الأرجل، أوالأصابع نفسها، وفي هذه الآية يمكن أن تكون كنايةً عن الأيدي والأرجل أوبالمعنى الأصلي نفسه، فإنّ قطع الأصابع من الأيدي يمنع من حمل السلاح، وقطعها من الأرجل يمنع الحركة، ويحتمل أن يكون المعنى هو إذا كان العدو مترجّلا، فيجب أن تكون الأهداف رؤوسهم، وإذ كان راكباً فالأهداف أيديهم وأرجلهم ….وبعد كل تلك الأحاديث، ولكيلا يقول شخصٌ بأنّ هذه الأوامر الصادقة تخالف الرحمة والشفقة وأخلاق الفتوِة، فأنّ الآية تقول: "ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ". و(شاقّوا) من مادة (الشقاق) وهي في الأصل بمعنى الإنفطار والأنفصال، وبما أنّ المخالف أو العدو يبتعد عن الآخرين فقد سمّي عمله شقاقاً "وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ". ثمّ يؤكّد هذا الموضوع ويقول "ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ" اي ذوقوا العذاب الدنيوي من القتل في ميدان الحرب والأسر والهزيمة السافرة، وعلاوةً على ذلك انتظروا عذاب الآخرة أيضاً.******* زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم هناك اتجاهان في عالم التفسير لأن كلمة "فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ" هذه الاية المباركة في سورة الانفال "إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ" هنا كلمة اضربوا يعني هذا الامر هل هو خطاب للملائكة او خطاب للمؤمنين؟ اذا كان "فأضربوا" خطاب للملائكة معنى ذلك ان الملائكة اشتركت في المعركة وقتلت بعض المشركين في معركة بدر واذا كان خطاباً للمؤمنين فهو خطاب تشجيعي وتحميس للمؤمنين لكن من الثابت والقطعي ان الملائكة لم تقتل كثيراً لأن في الروايات المؤكدة ان علي بن ابي طالب عليه السلام وحده قتل نصف العدد يعني قتل نصف السبعين من المشركين واشترك المسلمون والملائكة كما جاء في بعض الروايات في النصف الاخر يعني الامام علي عليه السلام قتل الوليد بن عتبة وقتل العاص بن سعيد وطعيمة بن عدي وقتل نوفل بن خويلد وزمعة بن الاسود والحارث بن زمعة ومسعود بن ابي امية والمغيرة وحنظلة بن ابي سفيان ومعاوية بن المغيرة يعني كتب التاريخ وكتب التفسير تذكر اكثر من ثلاثين قتيلاً قتلهم امير المؤمنين عليه السلام يعني نصف القتلى قتلوا بسيف علي عليه السلام والنصف الاخر كما جاء في بعض الروايات بسيف المسلمين والملائكة يبدو يعني الملائكة قد تكون لم تشترك من اجل القتال وانما من اجل التثبيت "فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ" يعني مهمة الملائكة تثبيت "إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ" ثبتوا يعني بشروهم بالنصر والقاء الرعب كذلك "سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ" والتعليم "فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ" يعني ربما لم تكن الملائكة تشترك في الحرب وفي القتال وانما كانت مصدر تشجيع ومصدر تحميس للمؤمنين لأن الله سبحانه وتعالى اراد ان يكون النصر بيد المؤمنين ودور الملائكة هو دور تشجيعي ودور تثبيت لأقدام المؤمنين وان كان لايمنع ان الملائكة قد اشتركت فعلاً في القتال. ولكنّ السؤال الذي يطرح نفسه وقد ناقشه المفسرون، هو هل بالفعل شاركت الملائكة في المعركة، فبعضهم يرى أنّ الملائكة دخلت ساحة القتال وهاجمت الأعداء بأسلحتها الخاصّة، وقتلت بعضهم. ونقلت بعض الرّوايات في تأييد ذلك، ويذهب الآخرون الى رأيٍ آخر لمناقشة هذا الموضوع ننتقل واياكم الى حيث ضيف هذا اللقاء القصة(قصة بدر 2): وصل بنا الحديث في اللقاء الماضي الى انّ النّبي امر أن ينزل أصحابه إلى بئر بدر وفي هذه أثناء استطاع أبوسفيان أن يفرّ بقافلته من الخطر المحدق به واتّجه نحو مكّة لكّن ابا جهل كان مصرّاً على قتال المسلمين فواصل جيش قريشٍ طريقهم الى انّ ورد أرض بدر وأرسلوا غلمانهم للإستقاء من ماء بدر، فأسرهم أصحاب النّبي وأخذهم للتحقيق إلى النّبي (صلى الله عليه وآله) فسألهم النّبي: من أنتم ؟ فقالوا: يا محمّد نحن عبيد قريش، قال: كم القوم ؟! فقالوا: لا علم لنا بعددهم، قال: كم ينحرون في كل يومٍ جزوراً ؟ فقالوا: تسعةً إلى عشرة …فقال النّبي (صلى الله عليه وآله): القوم تسعمائةٍ إلى ألف (كل مئةٍ يأكلون بعيراً واحداً)….كان الجوّ مكفهرّاً بالرعب والوحشة، إذ كان جيش قريش معبّأ مدججاً بالسلاح، ولديه المؤونة والعدّد، حتى النساء اللائي ينشدن الأشعار والمغنيات اللائي يثرن الحماسة، وكان جيش أبي جهل يرى نفسه أمام طائفةٍ صغيرةٍ أو قليلةٍ من الناس، ولا يصدّق أنّهم سينزلون الميدان. فلمّا رأى النّبي (صلى الله عليه وآله) أن أصحابه قلقون وربّما لا ينامون الليل من الخوف فيواجهون العدو غداً بمعنوياتٍ مهزورةٍ قال لهم كما وعده الله: "لا تحزنوا فإن كان عددكم قليلا فإنّ الله سيمدكم بالملائكة"، فناموا ليلتهم مطمئنّين راجين النصر عليس عدوّهم. وعند الصباح اصطفّ جيش المسلمين الصغير بمعنويات عالية ليواجهوا عدوّهم، ولكنّ النّبي (صلى الله عليه وآله) – إتماماً للحجّة ولئلّا يبقى مجالٌ للتذرّع بالذرائع الواهية- أرسل إلى قريش ممثّلاً عنه يقول لهم "إنّ النّبي لا يرغب في قتالكم ولا يحبّ أن تكونوا أوّل جماعةٍ تحاربه"، فوافق بعض قادة قريش على هذا الإقتراح ورغبوا في الصلح، إلّا أنّ أبا جهلٍ امتنع وأبى بشدّة….وأخيراً اشتعلت نار الحرب، فالتقى أبطال الإسلام بجيش الشرك والكفر، ووقف حمزة عمّ النّبي وعلي ابن عمّ النّبي الذي كان أصغر المقاتلين سنّاً وجهاً لوجه مع صناديد قريش وقتلوا من بارزهم فانهار ما تبّقى من معنويات العدوّ، فأصدر أبو جهل أمراً عاماً بالحملة، وكان قد أمر بقتل أصحاب النّبي من أهل المدينة «الأنصار» وأن يؤسر المهاجرون من أهل مكّة. فقال النّبي لأصحابه: "غضّوا أبصاركم وعضّو على نواجذكم ولا تستلّوا سيفاً حتى آذن لكم" ثمّ مدّ النّبي(صلى الله عليه وآله) يديه إلى الدعاء مستغيثاً الله فهبّت ريحٌ عاصفة على العدوّ وكان المسلمون يحملون على عدوّهم والرياح تهب من خلفهم بوجه العدو، وأثبت المسلمون جدارةً فائقةً وصمدوا للقتال حتى قتلوا من المشركين سبعين ومنهم «أبوجهل» وأسروا سبعين، وانهزم الجمع وولّوا الدبر، ولم يقتل من المسلمين إلّا نفرٌ قليل وكانت هذه المعركة أوّل مواجةٍ مسلّحةٍ بين المسلمين وعدوّهم من قريش، وإنتهت بالنّصر الساحق للمسلمين على عدوّهم. من هدى الائمة _عليه السلام_ عن أبي جعفرٍ الباقر(عليه السلام) أنّه قال: "ولمّا أمسى رسول الله وجنّه الليل ألقى الله على أصحابه النعاس وكانوا قد نزلوا في موضعٍ كثير الرمل لا تثبت فيه قدم فأنزل الله عليهم المطر رذاذا حتى لبد الارض وثبت اقدامهم وكان المطر على قريش مثل العزالي، وألقى الله في قلوبهم الرعب" كما قال الله تعالى: "سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب". دروس وعبر نستنتج من قوله تعالى اذ تستغيثون ربّكم الى قوله فاستجاب انّ الانسان لو استغاث حقاً الله تعالى لاستجاب الباري تعالي دعاءه لكنّ الكثير منّا لعلّه يجهل اسلوب وشرائط استجابة الدعاء. ومنها يمكن الإشارة الى انّ الاستغاثة تستدعي العمل وبذل الجهد ايضا كما نجد هذا الامر جلياً في الآيات بمعنى انّ المسلمين لم يكتفوا بالدعاء الى الله بل جاهدوا في سبيله وقدّموا التضحيات الجسام في معركة بدر * الامرالاخر الذي يركز عليه قوله تعالى "مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ" هو انّ الملائكة يمكنها بأذن وأرادة الباري عزوجل ان تؤثّرمباشرةً في حياة الانسان * انّ تحقيق النّصر لا يقتصر في حدود دراية القائد والنظم والثبات من قبل المجاهدين بل انّ كل ذلك يعدّ من اسباب النصر وانّما النصر الحقيقي هو من عند الله تعالى " وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ". معركة بدر – 1 - 72 2011-12-28 08:28:55 2011-12-28 08:28:55 http://arabic.irib.ir/programs/item/8351 http://arabic.irib.ir/programs/item/8351 بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله خير الاسماء بسم الله رب الارض والسماء وافضل الصلاة واتم التسليم على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين، السلام عليكم اَحبَّة القرآن ورحمةُ الله وبركاته، اهلاً ومرحبا بكم ايها الافاضل الى هذه المائدة السماوية القرآن الكريم حيث نتزود من القصص المباركة التي اوردها الله عزَّوجل لهداية الانسان الى طريق الخير والفلاح. تعالوا معنا ايُها الافاضل لنستعرض لحضراتكم قصةً من حياة رحمة للعالمين رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) القصة التي تُنبئنا بها الآيات المباركة من سورة الانفال عن معركة بدر وبالتحديد الآيتان 7 و8 من السورة نفسها فتابعونا مُتفضلين عبر المحطات التالية: بعد مُقدّمة قصيرة نُنصت خاشعين الى تلاوة لهاتين الآيتين. ثم نتطرّق الى شرح بسيط لمفرداتهما وعباراتهما. نتوقفُ عند اجابة ضيف اللقاء عن تساؤل حول المقصود من قطع دابر الكافرين؟ ثم نُتابع معاً الجزء الاَّول من حكاية معركة بدر، ونواصل البرنامج بتقديم روايتين بشأن الموضوع. ومسك الختام مع شيء يسير من العبر المأخوذة من هذه المعركة فأهلاً ومرحباً بكم الى فقرات هذا اللقاء. المقدمة آيتا هذه الحلقة تُشيران إلى قصة بدر، وهي أوَّلُ غزوةٍ في الإسلام، وظاهر سياق الآيات أنَّهما نزلتا بعد انقضاء المعركة، فهماً تستعرضان جوانب مهمةً وحساسةً فيها، والهدف من ذكرها هو أن يستلهم المسلمون من هذه الآيات الحقائق التي مرَّت بهم في الماضي القريب، ويجعلوها أمام أعينهم للعبرة والإتّعاظ. نستمع معاً الى تلاوة هاتين الآيتين: التلاوة "وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ{7} لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ{8}" المفردات والآن وبعد أن استمعنا الى هذه التلاوة العطرة نتوقف عند شرح مُبسّطٍ لمعاني المفردات والعبارات. في الآية الاولى إشارةٌ إلى وعد الله بالنصر في معركة بدر إجمالاً، إذ تقول الآية: "وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ". ولكن لخوف المسلمين من الخسائر واخطار وبلايا الحرب، لم يكونوا راغبين فيها حيث تُشير الآية الى هذا المعنى قائلة "وتودّون أن غير ذات الشوكة تكون لكم" إلا أنّه كما يُلاحظ في الآية الكريمة، أنّ التعبير جاء بذات الشوكة مكان الجيش والنفير، وبغير ذات الشوكة مكان القافلة أو العير. وهذا التعبير يحمل في نفسه معنا لطيفاً لأنَّ الشوكة ترمزُ إلى القدرة وتعني الشدَّة وأصلها مأخوذ من الشوك، ثم استعملت هذه الكلمة اي «الشوكة» في نصول الرماح، ثم أُطلق هذا الاستعمالُ تَوسَّعاً على كل نوع من الأسلحة، ولما كان السلاح يُمثَّل القوّة والقدرة، والشدّة، فقد عُبَّرَ عنه بالشوكة. فبناءً على هذا فإنَّ ذات الشوكة تعني الجماعة المُسلَّحة، وغير ذات الشوكة تعني الجماعة غير المُسَلَّحة، ولو إتَّفق أن يوجد فيها رجالٌ مُسلَّحون فهم معدودون لايُكترث بهم. اذن اصبح معنى الآية هكذا: إنَّ فيكم من يرغب في مواجهة العدّوٍ مواجهة غير مُسلَّحة، وذلك بمصادرة أمواله التجارية، وذلك ابتغاء الراحة أو حُباً منه للمنافع المادّية. في حين مستمعينا الكرام أن الحرب أثبتت بعد تمامها أنّ الصلاح يكمن في تحطيم قوى العدو العسكرية، لتكون الطريق ممهدةً لإنتصاراتٍ كبيرة في المستقبل، ولهذا فإنَّ الآية تُعَقّبُ بالقول "وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ". «الدابر» بمعنى ذيل الشيء وعقبه، فبناءً على هذا يكون معنى "وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ" هو استئصال جذورهم. وفي آخر الآية يُماطُ اللثام عن الأمر بصورةٍ أجلى، إذ تقول الآية الكريمةُ: " لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ".******* زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه الاية المباركة الاية السابعة من سورة الانفال بخصوص معركة بدر الكبرى وهي اول معركة، اول انتصار "وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ" ذات الشوكة يعني القوة والجند، كان المؤمنون في بدر يودون ان يلتقون بالعير وليس بالنفير، طائفة العير يعني القافلة وطائفة النفير يعني الجيش "وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ" هنا دابر الكافرين تعبير جميل جداً، كناية عن الاستئصال والفناء بحيث لايبقى بعدهم شيء من آثارهم يعني نقطع دابر الشيء يعني نفني هذا الشيء ولايبقى شيء من آثاره وهذا ما حصل للمشركين يوم بدر لما قتل منهم سبعون واسرسبعون يعني هنا كانت المعركة حاسمة رغم قلة عدد المسلمين وعدتهم يعني كانت المعركة غير متكافئة بين الفريقين ومع ذلك انتصر المسلمون وقتلوا سبعين نفراً من المشركين واسروا سبعين نفراً كذلك، كان نصراً حاسماً هذا طبعاً يعني قطع دابر الكافرين، له مصاديق متعددة يعني مثلاً سقوط اي ظالم اي جائر كما نرى اليوم سقوط الطغاة وتعبير عن قطع دابر الكافرين تعبير جميل يعني قطع دابر الطغاة اليوم يتساقطون وكأنهم لم يحكموا خلال عقود من الزمن يعني تبرئ الناس منهم هذا يعني مصداق من مصاديق قطع دابر الكافرين وطبعاً يبقى القطع الاكبر في زمن ظهور الامام عجل الله تعالى فرجه الشريف يعني هناك محق للكفر هذا المحق، سنة المحق تدريجية الى ان ينتهي الكفر "وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ"(سورة الأنبياء105) او "وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ"(سورة القصص5) هناك من جزئي وهناك من كلي، القطع الاكبر لدابر الكافرين في الارض حينما يظهر الامام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ليقيم العدل والقسط في الارض، "يملأ الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً" فهنا في هذه الاية المباركة، الاية السابعة من سورة الانفال او سورة بدر تبين قطع دابر الكافرين يعني قريش بخيلها وخيلائها جاءت كما قال بعض الصحابة "ان هذه قريش بخيلها وخيلائها ماذلت مذ عزت" مع ذلك انتصر المسلمون وكان قطعاً لدابر الكافرين بقتل سبعين نفراً منهم من صناديهم وفقط امير المؤمنين عليه السلام قتل نصف القوم ومنهم صناديد كبار من اكبر الكافرين والجائرين والظالمين، هؤلاء قتلوا في معركة بدر رغم قلة عدد المسلمين. طبعاً ليس هناك تكرار او تأكيد الافضل ان نقول بالمغايرة الا ان لن نستطيع تفسير الاية تفسير المغايرة يعني تعطي معنى اخر نقول بالتأكيد، دائماً وابداً هذه قاعدة في عالم التفسير التأكيد نضعه في الجيب كما يقولون يعني نحن نفسر الاية ليس تأكيداً وانما تعطي معنى اخر لأن الله حكيم في كتابه ولهذا "لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ" هذا ليس تأكيداً لما قبلها "وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ" "وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ" يعني بيان لمدى تفاوت الارادتين، هناك ارادة الهية ربانية تريد اعلاء كلمة الحق واحقاق الحق وهناك ارادة من قبل الصحابة يريدون ان يأخذوا الغنائم، يريدون معركة سهلة، معركة بسيطة، يريدون طائفة غير ذات الشوكة يعني يريدون معركة سهلة بحيث يغنمون فيها الغنائم ولايتعرضون لمحن وشدة وآلام ولهذا القرآن دقيق جداً يقول "وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ" يعني العير او النفير، العير يعني القافلة والنفير يعني الجيش "وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ" يعني انتم تريدون ان تقابلوا وتوجهوا القافلة لسهولتها وسهولة الغنائم فيها "وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ" يعني الطائفة غير ذات القوة والحدة والشوكة والقوة "وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ" الله يريد شيئاً وانتم تريدون شيئاً اخر هذا بخصوص الاولى يعني انتم تريدون غنائم والله يريد احقاق الحق، هنا بيان للاختلاف بين مراد الله ومرادهم اما الاية الثامنة "لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ" بيان لداعي اختيار ذات الشوكة يعني الله عزوجل اراد للمؤمنين ان يقابلوا الجيش، ان يقابلوا النفير ولايقابلوا العير، لماذا؟ لأن في المعارك الصعبة يحق الحق، الحق لايحق بالمعارك السهلة البسيطة يعني لو فرضنا ان المسلمين انتصروا على القافلة لما استحقوا ان ينزل بهم آية واحدة من القرآن الكريم ولكن حينما كانت المعركة صعبة وكان الاختيار الرباني لهم على ذات الشوكة هذا الاختيار الالهي من اجل تأكيد الحق "لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ" الحق لايحق الا في المعارك الصعبة وفي مواجهة الجيش ومواجهة النفير اذن هناك اختلاف في احقاق الحق، الاول "وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ" يعني بيان الفرق بين ارادة الله عزوجل واحقاق الحق وبين ارادة المؤمنين، بعض المؤمنين كانوا في معركة بدر يريدون الغنائم ومواجهة القافلة اما الثاني بيان لداعي اختيار ذات الشوكة من قبل الله عزوجل، الله اختار لهم ذات الشوكة لتكون المعركة قوية والمعركة حاسمة وبالتالي في المعارك الصعبة يحق الحق اما في المعارك السهلة فلايحق الحق ولايتبين مدى قوة وانتصار المؤمنين على اعداءهم. هنا نتساءل ما المقصود من قطع دابر الكافرين حيث نجد انَّ الكُفار كانوا ومازالوا يعيشون الى يومنا هذا. اذن متى تتحقق هذه الارادةُ الربانية؟ والسؤال الآخر هو تُرى هل الآية هذه "لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ" تأكيدا لما ورد في الآية السابقة اي "وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ" كما يبدو لأوّل وهلة؟ أم هو موضوع جديد تتضمنه الآية؟ بعبارة اُخرى ما المقصود من الحق الذي ذكر في البداية وما المقصود من الحق الذي دكر بعده في الآية التالية؟ ويبدو ان للمفسرين آراء نتعرف عليها من خلال الاتصال الهاتفي بخبير هذا اللقاء. القصة بدأت معركة بدرٍ حين كان أبو سفيان زعيم طواغيت قريش، عائداً بقافلة ٍتجارية مُهمّةٍ مُؤَّلفةً من أربعين شخصاً، وتحوي على ثروة تجارية تُقدر بخمسين ألف دينار من الشام نحو المدينة. فأمر النّبي (صلى الله عليه وآله) أصحابه أن يتعبأُوا ويتهيأُوا لمواجهة هذه القافلة الكبيرة التي تحمل جُلَّ رأس مال العدوّ معها، وبمصادرة أموال القافلة يتّم إسترجاع ما نهبه المشركون من المسلمين، وكذلك توجيه ضربةٍ اقتصاديةٍ نحو العدو وتعقبها ضربةٌ عسكرية قاصمة. لكن أبا سفيان عرف بذلك عن طريق أتباعه وجواسيسه، كما أنّ القافلة حينما كانت مُتَّجهةً نحو الشام للإتيان بمال التجارة تعرضت لتحركات من هذا القبيل. لهذا فإن أبا سفيان أرسل من يمضي إلى مكة بسرعة ليُخبر رؤوساء المشركين بما سيؤول إليه أمر القافلة. فمضى رسولُ أبي سفيان بحالة مثيرة كما أوصاه أبو سفيان، إذ خرم أنف بعيره وبتر أُذنَيه والدماءُ تسيل على وجه البعير لهيجانه، وقد شقَّ ثوبه وركب بعيره على خلاف ما يركب الناس «إذ كان ظهره إلى رقبة البعير ووجههُ إلى عجزه» ليلفت الناس إليه من كل مكان. فلّما دخل مكة أخذ يصرخ قائلاً: أيّها الناس الأعزة، أدركوا قافلتكم، أدركوا قافلتكم وأسرعوا وتعَّجلوا إليها، وإن كنت لا أعتقد أنّكم ستدركونها في الوقت المناسب، فإنّ محمّداً ورجالاً مارقين من دينكم قد خرجوا من المدينة ليتعرضوا لقافلتكم. ولّما كان أكثر أهل مكة شركاء في هذه القافلة فقد تعبئوا بسرعةٍ وتحَّركوا نحو القافلة بحوالي950 مقاتلاً و700 بعير و100 فرس، وكان أبو جهل يقود هذا الجيش. ومن جهةٍ أُخرى ولكي يسلم أبو سفيان من تعرُّض النّبي وأصحابه لقافلته، فقد غير مسيره واتَّجه نحو مكة بسرعة. وكان النّبي (صلى الله عليه و آله) قد قارب بدراً في نحو من ثلائمائةٍ وثلاثة عشر رجلا كانوا يُمثلون رجال الإسلام آنئذ «وبدٌر منطقةٌ ما بين مكة والمدينة» وقد بلغه خبرُ تهيؤ أبي جهل ومن معه لمواجته. فتشاور النَّبي (صلى الله عليه وآله) مع أصحابه: هل يلحقون القافلة ويصادرون أموالها ام أنَّ عليهم أن يتهّيأوا لمواجهة جيش العدوّ؟ فقالت طائفة من أصحابه: نقاتل عدوَّنا، وكرهت طائفة أُخرى ذلك وقالت: إنَّما خرجنا لمصادرة أموال القافلة. إزداد التردّد بين الطائفتين، خاصّةً بعد أن عرف أصحاب النّبي أنّ جيش العدوّ ثلاثة أضعافهم ومعدّاته العسكرية أضعاف ما لديهم، إلا أنّ النّبي بالرغم من كل ذلك قبل بالقول الأوّل «أي قتال العدوّ» فلما التقى الجيشان لم يصدّق العدو أنّ المسلمين قد وردوا الميدان بهذه القلّة، بل ظنّ العدوّ أنّهم مختبئون وأنّهم سيحدقون به عند المواجهة، لذلك فقد أرسل شخصاً ليرصد الأمور فرجع وأخبرهم بأنّ المسلمين ليسوا أكثر ممّا رأوهم. أمر النّبي أن ينزل أصحابه إلى بئر بدر وفي هذه الأثناء استطاع أبو سفيان أن يفرّ بقافلته من الخطر المحدق به، واتّجه نحو مكّة عن طريق ساحل البحر الأحمر غير المطروق، وأرسل رسولا إلى قريش، يقول لهم: لقد نجت قافلتكم، ولا أظنّ أنّ مواجهة محمّدٍ في هذا الظرف مناسبة، لأنّ له أعداءً يكفونكم أمره، إلا أن أبا جهل لم يرض باقتراح أبي سفيان وأقسم باللات والعزّى أنّه سيواجه محمّداً، بل سيدخل المدينة لتعقيب أصحابه أو سيأسرهم جميعاً ويمضي بهم لمكّة، حتى يبلغ خبر هذا الإنتصار آذان العرب، ولكن كانت لله أرادةٌ أخرى نصرت عباده المؤمنين. من هدى الائمة _عليه السلام_ جاء في بعض الاحاديث أنَّ النَّبي (صلى الله عليه وآله) قال للمسلمين: «إحدى الطائفتين لكم، إما العير وإما النفير». وكلمة العير تعني القافلة، والنفير تعني الجيش. وفي تفسير البرهان، عن ابن شهرآشوب قال: دعا النبي (صلى الله عليه وآله) في هذه المعركة: "اللهم ان تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد بعد هذا اليوم" فنزل "إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ" فخرج يقول (صلى الله عليه وآله): سيُهزم الجمع ويولَّون الدُّبر، فأيَّده الله بخمسة آلاف من الملائكة مُسوَّمين، وكثرهم في أعين المشركين، وقلَّل المشركين في أعينهم. دروس وعبر كان للنَّبي وأصحابه الحقُّ في مثل هذه الحملة أو الهجوم اي معركة بدر، لأنَّه أولا عندما هاجر المسلمون من مكة نحو المدينة استولى أهل مكة على كثير من أموالهم ونزلت بهم خسارة كبيرة. فكان لهم الحق أن يجبروا مثل هذه الخسارة. ومضافاً الى ذلك برهن أهل مكة طيلة الثلاثة عشر عاماً التي أقام النّبي وأصحابه بمكة خلالها أنّهم لايألون جُهداً في إيذاء النّبي وأصحابه، بل أرادوا به الوقيعة والمكيدة، فإن عدوّاً كهذا لن يسكت عن النّبي ودعوته بمجرد هجرته إلى المدينة، ومن المسلم به أنّه سيُعبيء قواه في المستقبل لمواجهة النّبي والإيقاع به وهذه المبادرة كانت ولا تزال في جميع الخطط العسكرية قديمها وحديثها. كانت واقعة بدر درساً كبيراً للمسلمين للإفادة منه في الحوادث الآتية، ويؤكد لهم أن يتدَّبروا عواقب الأمور، ولايكونوا سطحيين يأخذون بالمصالح الآنية، وبالرغم من أنّ بُعد النَّظر يقترن بالمصاعب عادةً وقصر النظر على العكس من ذلك يقترن بالمنافع المادية والراحة المؤقتة، إلا أنّ النصر في الحالة الأولى يكون شاملا ومتجذراً، أما في الحالة الثانية فهو انتصار سطحي مؤقت. لم يكن هذا درساً لمسلمي ذلك اليوم فحسب، بل ينبغي لمسلمي اليوم أن يستلهموا من ذلك التعليم السماوي، فعليهم ألا يغضُّوا أبصارهم عن المبادئ الأساسية بسبب المشاكل والأتعاب ويستبدلوها بمناهج غير أساسية قليلة الأتعاب. واخيراً وليس آخراً فإنَّ ارادة الله فوق الجميع وقد وعد عزَّوجل أن يغلب الحق الباطل ولوكره المجرمون. قصة قضاء داوود عليه السلام - 71 2011-12-21 10:04:45 2011-12-21 10:04:45 http://arabic.irib.ir/programs/item/8349 http://arabic.irib.ir/programs/item/8349 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين. أحبة القرآن الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أجمل تحية مفعمة بأريج القرآن الكريم نبعثها الى حضراتكم وانتم برفقة هذا البرنامج الذي تتابعونه من إذاعة طهران. في هذه الحلقة ضمن تجوالنا في ربوع القرآن الكريم نتطرق الى قصة نبي الله داوود (عليه السلام) وبالتحديد تلك التي تتحدث عنها الآيات 21 الى 25 من سورة صاد المباركة ضمن الفقرات التالية. بدايةُ نقدم لكم تلاوة مرتلةً لهذه الآيات المباركة، ثم نتعرف على معاني المفردات والعبارات القرآنية التي وردت في هذه الحكاية، ثم نستمع معاً الى إجابة ضيف اللقاء بشأن عصمة داوود (عليه السلام) لننتقل بعد ذلك الى محطة الحكاية ونتابع تفاصيلها، ثم نغترف من نبع علوم أهل البيت عليهم السلام في فقرة من هدي أهل البيت (عليهم السلام) وروايةٍ عن الامام أبي الحسن الرضا (عليه السلام) واخيراً مع باقة من الدروس والنتائج المستقاة من القصة القرآنية هذه فاهلاً بكم الى هذا البرنامج. المقدمة أحبة القرآن الكريم تخاطب الآيات التالية رسول الله محمداً (صلى الله عليه وآله) وتحكي حادثةً جرت للنبي داوود (عليه السلام) لتطرح بحثاً بسيطاً وواضحاً عن قضاء داوود، فقد أُثيرت ضجة عظيمة في أوساط المفسرين وذلك بسبب تحريف وسوء تعبير بعض الجهلة ووجود الاسرائيليات لاسيَّما في قصة داوود (عليه السلام)، إذ كانت أمواج هذه الضجة من القوّة بحيث جرفت معها بعض المفسرين، وجعلتهم يحكمون بشئ غير مقبول، ويقولون ما لايليق بهذا النّبي الكبير، والذي ينتهك بصورة واُخرى عصمة الانبياء (عليهم السلام). اذن مستمعينا الكرام نتهّيأ لنستمع الى خير الكلام القرآن المجيد وهو يتطرَّق الى قصة داوود (عليه السلام): التلاوة " فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ" المفردات في البداية يخاطب القرآن المجيد الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): "وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسَوَّروا المحراب". (الخصم) جاءت هنا كمصدر، وأكثر الأحيان تُطلق على الطرفين المتنازعين، وتستعملُ هذه الكلمة للمفرد والجمع، وأحياناً تجمع على (خصوم). (تسوَّروا) مشتقة من (سور) وهو الحائط العالي الذي يبنى حول البيت أو المدينة، وتعني هذه الكلمة في الأصل، القفز أو الصعود إلى الأعلى. (محراب) تعني صدر المجلس أو الغرف العليا ولأنَّها أصبحت محلا للعبادة أخذت تدريجيّاً تطلق على محل العبادة. وتصطلحُ اليوم على المكان الذي يقف فيه إمام الجماعة لأداء مراسم صلاة الجماعة، وجاء في كتاب المفردات، نقلاً عن البعض أنّ سبب إطلاق كلمة «المحراب» على محراب المسجد، هو لكونه مكاناً للحرب ضدّ الشيطان وهوى النفس. على أيّة حال، فرُغم أنّ داوود (عليه السلام) كان مُحاطاً بأعداد كبيرةٍ من الجند والحرس، إلاَّ أنَّ طرفي النزاع تمكَّنا من طريق غير مألوف وهو تسوَّر جدران المحراب من الظهور أمام داوود (عليه السلام) فجأةً، "إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ"، فزع داوود عند رؤيتهما، إذ دخلا عليه بدون إستئذان ومن دون إعلام مسبق، وظنّ داوود (عليه السلام) أنّهم يكنّون له السوء. "قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ"، عمد الخصمان بسرعةٍ إلى تطييب نفس داوود وإسكان روعه، وقالا له: لاتخف نحن متخاصمان تجاوز أحدنا على الآخر "فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ". بمعنى احكم الآن بيننا ولاتتحيّز في حكمك وأرشدنا إلى الطريق الصحيح. مفردةُ "تُشْطِطْ" مشتقة من (شطط) وتعني البعيد جدّاً، ولكون الظلم والطغيان يُبعدان الإنسان كثيراً عن الحقّ، فكلمة (شطط) تعني الإبتعاد عن الحقّ، كما تُطلق على الكلام البعيد عن الحقيقة. من المُسلم به أنَّ قلق وروع داوود قلّ بعض الشئ عندما وضّح الأخوان هدف مجيئهما إليه، ولكن بقي هناك سؤال واحد هو الهدف من مجيئهما إلى داوود عن طريق غير مألوف؟ ولذلك تقدّم أحدهما وطرح المشكلة على داوود، وقال: "إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ"، بمعنى أن هذا أخي، يمتلك 99 نعجة، وأنا لا أملك إلاّ نعجة واحدة، وهو يُصِرُّ علي أن أُعطيَهُ نعجتي ليَضُمّها إلى بقيّة نعاجه، وقد شدّد عليّ في القول وأغلظ. (النعجةُ) هي الأنثى من الضأن. وقد تُطلق على أنثى البقر الوحشي والخراف الجبلية. (أَكْفِلْنِيهَا) مشتقة من الكفالة وهي هنا كناية عن التخلي (ومعنى الجملة إجعلها لي وفي ملكيَّتي وكفالتي، أي إمنحني إياها). (عزَّني) مشتقة من (العزّة) وتعني التغلّب، وبذا يكون معنى الجملة انَّهُ تغلّب علي. وهنا التفت داوود (عليه السلام) إلى المدّعي قبل أن يستمع كلام الآخر (كما يوضّحهُ ظاهر الآية) وقال: فكأنَّهُ يقولُ له إنّهُ من البديهي أنّهُ ظلمك بطلبه ضمَّ نعجتك إلى نعاجهِ "قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ"، واكَّد داوود أنَّ هذا الأمر ليس بجديد، إذ إنّ الكثير من الأصدقاء والمخالطين بعضهم لبعض يبغي على صاحبه، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهم قلّة. فالظاهرُ أنَّ طرفي الخصام إقتنعا بكلام داود (عليه السلام) وغادرا المكان. ولكن داوود غرق في التفكير بعد مغادرتهما فآداب مجلس القضاء تفرض على داوود أن يتريّث في إصدار الأحكام ولايتعجل في إصدارها، وكان عليه أن يسأل الطرف الثاني أيضاً ثم يحكم بينهما، فلذا ندم كثيراً على عمله هذا، وظنّ أنّما فتنهُ الباري عزّوجل بهذه الحادثة فتقول الآيةُ: (وظنّ داوود أنّما فتنّاه). وهنا أدركتهُ طبيعته، وهي أنّه أوّاب، إذ طلب العفو والمغفرة من ربّه وخرّ راكعاً تائباً إلى الله العزيز الحكيم "فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ". كلمة (خَرّ) مشتقة من (خرير) وتعني سقوط شئ من علو ويسمعُ منهُ الصوت مثل صوت الشلالات، كما أنّها كناية ٌ عن السجود، حيث إنَّ الأفراد الساجدين يهوون من حالة الوقوف إلى السجود ويقترن ذلك بالتسبيح. كلمة (رَاکِعاً) التي وردت في هذه الآية، إمّا أنّها تعني السجود كما جاءت في اللُّغة، أو لكون الركوع مقدمةً للسجود. على أيّةِ حال، فالله سبحانه وتعالى شمل عبده داوود بلطفه وعفا عن زلّته من حيث ترك العمل بالأولى، كما تُوضّحهُ الآية التالية (فغفرنا له ذلك). وإنّ له منزلةً رفيعةً عند الله (وإنّ له عندنا لزلفى وحسن مآب). (زلفى) تعني المنزلة (والقرب عند الله) و(حسن مآب) إشارةٌ إلى الجنّةِ ونعم الآخرة. *******زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم هذه الايات المباركة في سورة ص "وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ{21} إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ{22} إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ{23} قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ" هذان خصمان جاءا الى داوود عليه السلام، "تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ"، دخلوا بطريقة غريبة حتى يستفزوا داوود عليه السلام، كان يحكم، لم يدخلوا من الباب وانما تسوروا المحراب ففزع منهم بعد ذلك عرض احدهم المشكلة، قال "تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ" المسألة غريبة كذلك يعني الدخول غريب، لم يدخلا من الباب وانما تسورا المحراب، هذه تعطي فزعاً لداوود عليه السلام ثانياً القصة غريبة كذلك يعني هناك مظلومية كبيرة في الظاهر لصاحب النعجة "إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا" اجعلها في كفالتي "وعزني في الخطاب" يعني غلبني "قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ" هنا حكم داوود عليه السلام، هنا وقع الحديث حول هذا الحكم، كيف يحكم داوود "قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ{24} فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ" هنا في عالم التفسير عندنا اتجاهان، الاتجاه الاول يقول ان قصة الخصمين كانت في عالم التمثل الملائكي يعني الخصمان من الملائكة تمثلوا لداوود عليه السلام وكان اختباراً الهياً ربانياً لداوود وهذا طبعاً لايضر بالعصمة، لماذا؟ لأن في عالم التمثل الملائكي، في سؤال نعجتك الى نعاجه يعني الله عزوجل يعلم انبيائه ويؤدب انبياءه قبل ان يقعوا في المشكلة فأذن اذا كان على الاتجاه الاول فأن القصة في عالم التمثل الملائكي لا في عالم التكليف ولافي عالم الواقع فهنا اراد الله عزوجل ان يهئ داوود للحكم بعد ذلك الاية السادسة والعشرون تقول "يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ" اذن هذا هو الاتجاه الاول، هذا لايضر بالعصمة لأنه كما قلنا هو في عالم التمثل الملائكي فليس هناك خصومة ولاخصمان وانما الله عزوجل اختبر داوود عليه السلام فحكم قبل ان يسأل الاخر يعني كان من المفروض ان يسأل الاخر حينما قال له احدهم ان هذا اخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة قال اكفلينيها وعزني في الخطاب" رأساً داوود عليه السلام قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك الى نعاجه، ممكن ان يكون هذا الحكم لايضر بالعصمة لأنه في عالم التمثل الملائكي. هناك اتجاه اخر يقول لا هذا قضاء في عالم الواقع يعني هناك خصمان واقعاً فيكون القضاء تقديري يعني ان صح قولك "إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ" ان صح قولك فلقد ظلمك "قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ" لكن يبدو من سياق الايات المباركة وروايات اهل البيت عليهم السلام ان الخصمين كانا من الملائكة وفي عالم التمثل وليس في عالم الواقع. عندنا رواية عن الامام الرضا عليه السلام "يقول فعجل داوود عليه السلام على المدعى عليه ولم يسأل المدعي البينة على ذلك فكان هذا خطيئة رسم الحكم" فأذا كان في عالم التمثل الملائكي فهو اختبار من الله عزوجل وتدريب وتعليم واذا كان في عالم الواقع فيجب ان نحمل هذا الحكم "لَقَدْ ظَلَمَكَ" نحمله على التقدير فيكون القضاء تقديرياً لاقضاءاً فعلياً يعني ان صح قولك "قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ" ومع ذلك كان من المفروض ان صح التعبير من الاولى لأن هنا عندنا داوود عليه السلام معصوم فينبغي ان نحمل الايات على احسن المحامل فهنا من الاولى ان يسأل الخصم قبل ان يحكم حتى لو كان في عالم التقدير، لو صح قولك، كان من الاولى ان يسأل الخصم مادام الخصم هو قرب داوود عليه السلام ولهذا كان اختباراً الهياً ربانياً لداوود لكي يهئ داوود عليه السلام الى استلام الحكم بعد ذلك تقول الاية "وظن داوود انما فتناه" اختفى الملائكة بعدما قال "لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ" اختفى الملائكة فعلم داوود ان هذا اختبار الهي رباني له وقال "وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ" طبعاً هذا استغفار من باب ترك الاولى. مستمعينا الكرام نتعرف اكثر على حقيقة هذه الآيات لاسيما ما يتعلق بعصمة الانبياء (عليهم السلام) وخاصةً داوود واستغفاره (عليه السلام) وغفران الله تعالى له عبر حديث ضيف هذا اللقاء. القصة النبي داوود والخصمان كان داوود (عليه السلام) كالمعتاد محاطاً بأعداد كبيرةٍ من الجند والحرس، إلا أنّه فجأة تمكن خصمان متنازعان ومن طريق غير مألوف تمكَّنا من الظهور أمام داوود (عليه السلام) ففزع عند رؤيتهما، إذ دخلا عليه بدون إستئذانٍ ومن دون إعلام مسبق، وظنَّ داوود (عليه السلام) أنَّهم يكنّون له السوء. إلا أنّهما عمدا بسرعة إلى تطييب نفسه وإسكان روعه، وقالا له: لاتخف نحن متخاصمان تجاوز أحدنا على الآخر. فاحكم الآن بيننا ولا تتحيّز في حكمك وأرشدنا إلى الطريق الصحيح. عندما وضّح الأخوان هدف مجيئهما إليه هدأ قلق وروع «داوود» بعض الشئ، ولكن بقي هناك سؤال واحدٌ فقال: إذ كنتما لاتُكنّان السوء فما هو الهدف من مجيئكما إلى عن طريق غير مألوف؟ ولذلك تقدّم أحدهما وطرح المشكلة على داود، وقال: هذا أخي، يمتلك 99 نعجة، وأنا لا أمتلك إلاَّ نعجة واحدة، وإنّه يُصرُّ علي أن أُعطيه نعجتي ليضمّها إلى بقّية نعاجه، وقد شدّد عليّ في القول وأغلظ. هنا التفت داوود (عليه السلام) إلى المُدَّعي قبل أن يستمع كلام الآخر وقال: "لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ". ثم اضاف "وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ". على أية حال، اقتنع طرفا الخصام بكلام داوود (عليه السلام) وغادرا المكان. ولكنّ داوود غرق في التفكير بعد مغادرتهما، رغم أنه كان يعتقد أنّه قضى بالعدل بين المتخاصمين، ‌فلو كان الطرف الثاني مخالفاً لإدّعاءات الطرف الأوّل أي المدّعي، لكان قد اعترض عليه، إذن فسكوته هو خير دليلٍ على أنّ القضيّة هي كما طرحها المدّعي. ولكنّ آداب مجلس القضاء تفرض على داود أن يتريّث في إصدار الأحكام ولا يتعجّل في إصدارها، وكان عليه أن يسأل الطرف الثاني أيضاً ثمّ يحكم بينهما، فلذا ندم كثيراً على عمله هذا،‌ و ظنّ أنّما فتنه الباري عزّوجلّ بهذه الحادثة "وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ". وهنا أدركته طبيعته، وهي أنّه أوّاب، إذ طلب العفو والمغفرة من ربه وخرّ راكعاً تائباً إلى الله عزيز الحكيم "فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ". شمل الله سبحانه وتعالى عبده داوود بلطفه وعفا عن زلّته من حيث ترك العمل بالأولى، فغفر الله له ذلك واعطاه منزلةً رفيعةً عنده. من هدى الائمة _عليه السلام_ سُئل الامام الرضا (عليه السلام) عن خطيئة داوود (عليه السلام)؟ فقال (عليه السلام): "إنَّ داوود (عليه السلام) إنّما ظن أنهُ ما خلق الله خلقاً هو أعلمُ منه فبعث الله عزَّوجل إليه الملكين فتسوَّرا المحراب فقالا: (خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط إنَّ هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة ٌواحدةٌ فقال أكفِلنيها وعزَّني في الخطاب)، فعجَّل داوود على المُدَّعي عليه فقال لقد ظلمك بسوال نعجتك الى نعاجه ولم يسأل المدعي البيّنةَ على ذلك، ولم يُقبل على المُدعى عليه فيقول له: ما تقول؟ فكان هذا خطيئةُ رسم الحكم لا ما ذهبتم إليه". في اشارةٍ منه عليه السلام الى الاسرائيليات التي نسبوها الى داوود (عليه السلام)، ثم اضاف الامام الرضا (عليه السلام) "ألا تسمع الله عزَّوجلَّ يقول: "يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ"، إلى آخر الآية". دروس وعبر على الحاكم بين الناس ان لايتسرع في الحكم وإن كانت القضية ظاهرةً واضحةً عنده بل لابدَّ من الاستماع الى كلام الطرفين وهكذا كل من صار حكما بين اثنين عليه ان يُعطي فرصةً للكلام وللاستماع واحترام اطراف النزاع. يُؤكد هذا المقطع من الآية الشريفة: "وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ"، ان الأشخاص الذين يُراعون بصورة كاملة في معاشرتهم وصداقتهم الطرف المقابل، ولايعتدون عليه أدنى إعتداء ويؤَدَّون حقوق أصدقائهم ومعارفهم بصورةٍ كاملة فهم قليلون جدّاً، وهم المتزودّون بالإيمان والعمل الصالح. لا اشكال في ان تزداد اموال الانسان ولكن ليس على حساب اموال الآخرين لاَّن ذلك يُعتبر شكلاً من اشكال الظلم وهذا ما يشير اليه قول داوود للمشتكي "قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ". هذا المقطع من الآية يشير "إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ" الى صفتي الشريك الذي يمكن الوثوق به في الأعمال وهما الإيمان والعملُ الصالح. إنّ رعاية حقوق الناس بما فيه الحكم بالعدل بينهم من اهم ضروريات الدين التي لو استعجل في ذلك حتى الانبياء لوجب عليهم الاستغفار والانابة. قصة قضاء سليمان عليه السلام - 70 2011-12-14 09:13:14 2011-12-14 09:13:14 http://arabic.irib.ir/programs/item/8348 http://arabic.irib.ir/programs/item/8348 الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على سيدنا محمدٍ واله الطيبين الطاهرين. أحبة القرآن الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أجمل تحيةٍ نبعثها الى حضراتكم وانتم برفقة هذا البرنامج القرآني الذي تتابعونه من اذاعة طهران، فأهلاً بكم في هذه الحلقة ضمن تجوالنا في ربوع القرآن الكريم نتطرق الى قصة الحرث والغنم التي جرت بين نبّي الله داوود وابنه سليمان (عليهما السلام) وبالتحديد تلك التي تتحدث عنها الآيتان 78 و79 من سورة الانبياء المباركة تابعونا ضمن الفقرات التالية. بدايةً نقدّم لكم تلاوةً مرتّلةً لهذه الايات المباركة، ثم نتعرف على معاني المفردات والعبارات القرآنية التي وردت في هذه الايات، وثمة نقاشٌ حول هذه القصة بين المفسّرين نستمع الى خلاصته، ثم نستكمل البحث من خلال حديث ضيفنا. ننتقل بعد ذلك الى محطة الحكاية ونتابع تفاصيلها. ثم نغترف من نبع علوم أهل البيت عليهم السلام في فقرة من هدي اهل البيت (عليهم السلام)، ورواية عن الامام الصادق (عليه السلام). وأخيراً مع الدروس والنتائج المستقاة من هذه القصة القرآنية فأهلاً بكم الى هذا البرنامج. المقدمة تذكر هاتان الآيتان جانباً من حياة داود وسليمان (عليهما السلام)، وهو حادث قضاءٍ وحكمٍ صدر من جانبهما (عليهما السلام) وذلك عندما استفتي داوود (عليه السلام) في قضية الحرث والزرع الذي نفشت فيه الغنم أي رعت فيه ليلاً، ووفّق سليمان عليه السلام في الحكم الأقوم. لنستمع الى تلاوة هاتين الآيتين ثم نعد ونواصل الفقرات التالية. التلاوة "وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ{78} فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ{79}"المفردات فتقول الاية: "وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ". مفردة (نفشت) من مادّة (نفش) أي التفرّق والتبعثر في الليل، ولمّا كان تفرّق الأغنام في الليل، وفي المزرعة سيقترن بالتهام نباتها حتماً لذا قال البعض: إنّها الرّعي في الليل. و(نفش) تعني الأغنام التي تتفرّق في الليل. ومن المعلوم أن لا معنى لحكم حاكمين في واقعةٍ واحدةٍ شخصيةٍ مع استقلال كل واحدٍ منهما في الحكم ونفوذه، ومن هنا يظهر أنّ المراد بقوله: (إِذْ يَحْكُمَانِ) اي إذ يتناظران أو يتشاوران في الحكم لإصدار الحكم النافذ. (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ) فإنّ الظاهر أنّ ضمير (لِحُكْمِهِمْ) للأنبياء وقيل انّ الضمير راجعٌ إلى داود وسليمان والمحكوم له، والمقصود من (شَاهِدِينَ) اي حاضرين نرى ونسمع ونوقفهم على وجه الصواب فيه. (فَفَهَّمْنَاهَا) أي علّمناه الحكومة في ذلك (وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً) أي وكل واحدٍ من داود وسليمان أعطيناه حكمةً، وقيل معناه النبوة وعلم الدين والشرع. وبالرغم من أنّ القرآن قد ألمح إلى هذه المحكمة لمحةً خفيّةً، وإكتفى بإشارةٍ إجماليةٍ وإستخلاص النتيجة الأخلاقية والتربوية لها والتي سنشير إليها فيما بعد، إلاّ أنّه وردت بحوثٌ كثيرةٌ حولها في الاحاديث الدينية وأقوال المفسّرين. وعلى كلّ حالٍ، فإنّ الآية التالية تؤيّد حكم سليمان في هذه القصّة على هذه الشاكلة: (ففهّمناها سليمان) ولكنّ هذا لا يعني أنّ حكم داود كان إشتباهاً وخطأ، لأنّها تضيف مباشرةً (وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً). ثمّ تشير إلى إحدى المواهب والفضائل التى كان الله سبحانه قد وهبها لداود (عليه السلام)، فتقول: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ) قيل معناه سيّرنا الجبال مع داود حيث سار فعبّر عن ذلك بالتسبيح لما فيه من الآية العظيمة التي تدعو إلى تسبيح الله وتعظيمه وتنزيهه عن كل ما لا يليق به وكذلك تسخير الطير له تسبيحٌ يدلّ على أنّ مسخّرها قادرٌ لا يجوز عليه ممّا يجوز على العباد، وقيل إنّ الجبال كانت تجاوبه بالتسبيح وكذلك الطير يسبّح معه بالغداة والعشيّ معجزةً له (وَكُنَّا فَاعِلِينَ) أي قادرين على هذه الأشياء ففعلناها دلالةً على نبوّته. ******* زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً هذه الايات المباركة في سورة الانبياء " "وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ" انظرنا هنا لم يقل وكنا لحكمهما شاهدين "فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ" اذن هناك حكمان، داوود عليه السلام حكم حكماً وسليمان عليه السلام حكم بحكم، النفش هو دخول الاغنام في المزرعة، حينما تدخل الاغنام وتخرب الزرع في الليل هذا يسمى النفش وعلى صاحب الاغنام ان يخسر ما اتلف من الزرع من قبل اغنامه بأعتبار هو مسؤول في الليل ان لايجعل الاغنام سائبة فيتحمل صاحب الاغنام الخسارة حينما تنفش يعني حينما تدخل مزرعة وتأكل الزرع فداوود عليه السلام حكم حكماً وسليمان حكم حكماً كذلك والحكمان من عند الله عزوجل ولكن حكم داوود اشد على صاحب الاغنام من حكم سليمان لأن داوود عليه السلام حكم ان تكون الاغنام تعطى لصاحب الزرع لأنه سحب حساب رياضي ما اتلف من الزرع بقيمة الاغنام فحكم داوود عليه السلام الاب حكم بأعطاء الاغنام الى صاحب الزرع بينما سليمان عليه السلام حكم بأعطاء نتاج الاغنام من الصوف وحينما تلد هذه الاغنام لمدة سنة، نتاج الاغنام لمدة سنة من لبن وصوف ونتاج يعني اولاد جدد تعدل قيمة الزرع فبقيت الاغنام عند صاحب الاغنام واخذ يعطيه نتاج وفوائد هذه الاغنام لمدة سنة فكان حكم سليمان الابن هو اخف من حكم داوود الاب ولهذا يقول ابو بصير، عندنا رواية في الكافي (سألت ابا عبد الله يعني الامام الصادق عن قول الله "وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ" فقال علي السلام يعني الامام الصادق لايكون النفش الا بالليل، ان على صاحب الحرث ان يحفظ الحرث بالنهار وليس على صاحب الماشية حفظها بالنهار فما افسدت فليس عليها وعلى صاحب الماشية حفظ الماشية في الليل عن حرث الناس فما افسدت بالليل فقد ضمنوا وهو النفش) فداوود حكم للذي اصاب زرعه رقاب الغنم بينما حكم سليمان بأعطاء النتاج، نتاج الاغنام، فكان حكم داوود عليه السلام اشد بينما حكم سليمان اخف على صاحب الغنم وكلا الحكمين من عند الله عزوجل. في رواية اخرى كان قبل هذا في زمن داوود كان الحكم يعطى الاغنام بعد ذلك كأنما نسخ هذا الحكم او بدل لحكم اخف ان يعطى نتاج الاغنام اذن لهذا القرآن الكريم يقول "وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ" يعني لم يقل لحكمهما شاهدين، الاية المباركة "وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ{78} فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً" اذن حكم داوود عليه السلام كان نابعاً من حكمة وعلم وكذلك كلاً آتينا حكماً وعلماً ولكن كان اعطاء النتاج لصاحب زرع اخف وطأة من اعطاء الاغنام، رأس الاغنام الى صاحب الزرع وكلا الحكمين من عند الله عزوجل، ان هذا حكم واحد لأن " وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ" الظاهر هذا كان حكماً واحداً يعني كانوا في حال تشاور وليس هناك حكمان منفصلان صدرا لصاحب الاغنام وانما كان يبدو في حالة الاب والابن كانا في حالة مشورة داخلية بعد ذلك اعلنا حكماً واحداً وهذا ما ربما نستشفه من قوله تعالى "وكنا لحكمهم شاهدين" يعني يدل على ان الحكم حكمان صحيحان ويدل كذلك على ان الوضعية كانت وضعية تشاور بين داوود الاب وسليمان الابن. لكن تبقى هنا عدّة إستفهامات مهمّةٍ منها: 1) ماذا كان أساس ومعيار هذين الحكمين؟ 2) كيف إختلف حكم داود عن حكم سليمان؟ فهل كانا يحكمان على أساس الإجتهاد؟ 3) هل المسألة هذه كانت على هيئة تشاورٍ في الحكم، أم أنّهما حكما بحكمين مستقلّين يختلف كلٌّ منهما عن الآخر؟! نستمع الى الاجابة عن هذه التساؤلات عن لسان خبير هذا اللقاء. ******* القصة: (الحرث والغنم) لقد رزق الله نبيّه سليمان عليه الصلاة والسلام النبوة والملك وأعطاه ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده فكان ملكه واسعاً وسلطانه عظيماً. فكان عليه السلام أبيض جسيماً، كثير الشعر، يلبس من الثياب البياض، ورث الملك من أبيه داوود عليه السلام وكان عمره حينئذٍ اثنتي عشرة سنةً، وقد كان مع حداثة سنّه من ذوي الفطانة والذكاء وحسن التدبير والسياسة، وقد منحه الله تبارك وتعالى منذ صباه الذكاء والحكمة وحسن القضاء، فقد كان أبوه في أيام ملكه يشاوره في أموره مع حداثة سنّه لحكمته وفطانته. اما تفصيل القصة التي تشير اليها آيات هذه الحلقة، فهي: إنّ أغناماً لبعض الرعاة دخلت ليلاً إلى بستانٍ فأكلت أوراقه وعناقيد العنب منه فأتلفته، فرفع صاحب البستان شكواه إلى داوود، فكان رأي داوود أن يعوّض صاحب الاغنام صاحب البستان عن خسارته الفادحة بأعطاء الأغنام له، فقال سليمان والذي كان طفلا آنذاك، لأبيه: يا نبيّ الله العظيم، الرأي هو أن تودع الأغنام عند صاحب البستان ليستفيد من منافعها ولبنها وصوفها، وتودع البستان في يد صاحب الأغنام ليسعى في إصلاحه، فإذا عاد البستان إلى حالته الأولى يردّ إلى صاحبه، وتردّ الأغنام أيضاً إلى صاحبها. من هدى الائمة _عليه السلام_ عن أبي جعفرٍ الباقر (عليه السلام): في قول الله عزوجل: "وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ"، قال: "لم يحكما إنّما كانا يتناظران ففهّمها سليمان". عن ابي عبد الله الصادق (عليه السلام): "حكم داود بما حكمت به الأنبياء (عليهم السلام) من قبله، وأوحى الله إلى سليمان (عليه السلام): وأيّ غنمٍ نفشت في زرعٍ فليس لصاحب الزرع إلاّ ما خرج من بطونها". وكذلك جرت السنّة بعد سليمان وهو قول الله عزوجل: "وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً" فحكم كلّ واحدٍ منهما بحكم الله عزّوجل. دروس وعبر إنّ المعيار في رأي داوود (عليه السلام) كان جبران الخسارة، فنظر (عليه السلام) إلى أنّ الخسارة التي أصابت الكرم تعادل قيمة الأغنام، ولذلك رأى إعطاء الأغنام لصاحب البستان جبراً للخسارة، لأنّ التقصير من جانب صاحب الأغنام. أمّا معيار حكم سليمان (عليه السلام) فقد كان يرى أنّ خسارة صاحب البستان تعادل ما سينتفع به من الأغنام لسنةٍ كاملة! لقد كان هناك تناسبٌ بين الخسارة والجبران، لأنّ جذور النباتات لم تتلف، بل ذهبت منافعها المؤقتة، ولذلك فإنّ من الأعدل إلاّ تنقل أصول الأغنام إلى ملك صاحب البستان، بل تنقل منافعها فقط. لا شكّ أنّ حكم الأنبياء مستندٌ إلى الوحي الإلهيّ، إلاّ أنّ هذا لا يعني أنّ وحياً خاصّاً ينزل في كلّ موردٍ من موارد الحكم، بل إنّ الأنبياء يحكمون حسب القواعد الكليّة التي تلقّوها من الوحي. بناءً على هذا فإنّه لا توجد مسألة الإجتهاد النظريّ بمعناها الإصطلاحي، وهو الإجتهاد الظنّي، ولكن لا مانع من أن يكون هناك طريقان لإيجاد ضابطةٍ كليّةٍ، وأن يكون نبيّان كلٌّ منهما يرى أحد الطريقين، وكلاهما صحيحٌ في الواقع. إنّ الطريق الذي إختاره سليمانٌ (عليه السلام) كان أقرب من الناحية التنفيذيّة، وجملة "وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً" شاهدةٌ على صحّة كلا القضاءين. رفع السيد المسيح الى السماء - 69 2011-12-07 10:32:27 2011-12-07 10:32:27 http://arabic.irib.ir/programs/item/8347 http://arabic.irib.ir/programs/item/8347 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الامين وآله الهداة الابرارالميامين. مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته واهلاً بكم الى برنامج القصص الحق. ايها الأحبة في هذه الحلقة من البرنامج نحط الرحال عند الجزء الاخير من قصة نبي الله عيسى (عليه السلام) التي ذكرت في الآية 55 من سورة ال عمران المباركة. فتابعونا ايها الكرام ضمن المحطات التالية: بعد مقدمةٍ قصيرةٍ ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الايات. ثم نتطرّق الى معاني مفرداتها وعبارتها. بعدها نتابع معاً حديث ضيف هذا اللقاء الذي يسلّط الضوء على بعض الاسئلة التي تخصّ الآية. ثمّ نتابع معاً سرد الجزء الأخير من حكاية النبي عيسى عليه السلام. ونواصل البرنامج بتقديم روايةٍ عن الامام الصادق عليه السلام بشأن الموضوع. ختاماً مع عددٍ من الدروس والنتائج المأخوذة من هذه الحكاية، فأهلاً ومرحباً بكم الى فقرات هذا اللقاء. المقدمة ايها الاخوة والاخوات وصل بنا الحديث حول حياة عيسى بن مريم (عليهما السلام) الى انه اخذ البيعة من أنصاره عندما احسّ بالكفر فاستجاب لندائه نفرٌقليل، كانوا أطهاراً سمّاهم القرآن بـ (الحواريّين)، لبّوا نداء المسيح. من جانب آخر كان اليهود يخطّطون لقتل المسيح بهدف القضاء على دعوته، وصدّ انتشاردينه، فوضعوا الخطط الماكرة، إلاّ أنّ ما رسمه الله من مكرٍ فاق مكرهم وكان أشدّ تأثيراً. الآية التالية تحكي ما جرى لعيسى (عليه السلام) بعد ان قام الاعداء بتنفيد خطّتهم الماكرة فلنستمع معاً للاية: التلاوة "إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ{55}" المفردات في هذه الآية يذكر الله نعمته على المسيح قبل وقوع الحادثة، قائلاً: "إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ"، من المعروف عند المفسّرين، بالإستناد إلى الآية 157 من سورة النساء، أنّ السيّد المسيح لم يقتل، وأنّ الله رفعه إلى السماء، غير أنّ المسيحيّين يقولون إنّه قتل ودفن، ثمّ قام من بين الأموات وبقي لفترةٍ قصيرةٍ على الأرض ثمّ صعد إلى السماء. ولكنّ الذي لابدّ من قوله الآن هو أنّ هذه الآية ليس فيها دليلٌ على موت عيسى، على الرغم من أنّ بعضهم تصوّر أنّ كلمة (متوفّيك) من (الوفاة). وعلى ذلك فإنّهم يرون أنّ هذا الموضوع يتعارض مع الرأي السائد بين المسلمين، والذي تؤيّده الأحاديث، من أنّ عيسى لم يمت وأنّه حيٌ، ولكنّ الأمر ليس كذلك. (الفوت) هو بعد الشيء عن الإنسان بحيث يتعذّر إدراكه، و(الوافي) الذي بلغ التمام، ووفى بعهده إذا أتمّه ولم ينقصه، وإذا استوفى أحدٌ دينه من المدين قيل (توفّي دينه). وفي القرآن وردت (توفّي) كراراً: "وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ"، فهنا عبّر عن النوم بكلمة (يتوفّاكم). هذا المعنى نفسه يرد في الآية 42 من سورة الزمر، كما ترد كلمة (توفّى) في آياتٍ أخرى بمعنى الأخذ. صحيحٌ أنّ (توفّى) قد تأتي أحياناً بمعنى الموت، ولكنّها حتى في تلك المواضيع لا تعني الموت حقّاً، بل بمعنى قبض الروح، والواقع أنّ مادّة (فوت) ومادّة (وفي) منفصلتان تماماً. يقول الله: يا عيسى إنّني سوف استوفيك وأرفعك إليّ، وهذا يعني حياة عيسى، لا موته. (وطبعاً إذا كانت كلمة (توفّى) بمعنى قبض الروح فقط، فإنّ لازم ذلك هو الموت). ثمّ تضيف الآية "وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ". هذا جانب آخر من خطاب الله إلى المسيح، والقصد من التطهير هنا هو إنقاذه من الكفّار الخبثاء البعيدين عن الحقّ والحقيقة الذين كانوا يوجّهون إليه التّهم الباطلة، ويحوكون حوله المؤامرات ساعين إلى تلويث سمعته، فنصر الله دينه، وطهّره من تلك التّهم، بمثل ما نقرأه عن نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) في أوّل سورة الفتح: "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ"، أي أنّنا هيّأنا لك نصراً واضحاً كي يغفر لك الله ذنوبك السابقة واللاحقة، أي يطهّرك من التّهم التي ألصقوها بك على شكل ذنوب. كما يحتمل أن يعني التطهير إخراج المسيح (عليه السلام) من ذلك المحيط الملوّث، وهذا يناسب الآية السابقة. "وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"، وهذه بشارةٌ يبشّر بها المسيح وأتباعه لتشجيعهم على المضيّ في الطريق الذي اختاروه، والواقع أنّ هذه واحدةٌ من آيات الإعجاز ومن تنبّؤات القرآن الغيبية التي تقول إنّ أتباع المسيح سوف يسيطرون دائماً على اليهود الذين عادوا المسيح. وها نحن اليوم نرى هذه الحقيقة رأى العين، بديهيٌّ أنّ (الكافرين) هنا هم اليهود الذين كفروا بالمسيح. وفي ختام الآية يقول تعالى: "ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ"، ويعني أنّ ما تقدّم من الانتصارات والبشائر يتعلّق بالحياة الدنيا، أمّا المحكمة النهائية ونيل الجزاء الكامل فسيكون في الآخرة.******* زين العابدين: احسنتم كثيراً يعني السؤال الاول يعني الشق الاول من السؤال انه ماالحكمة من ان يجعل الله تعالى عيسى عليه السلام حياً الى يوم القيامة؟ طبعاً نحن لانستطيع ان نحدد نقاط لمجرد ان نذكر بعض الامور لعلها تكون حكم في ذلك لأن الاية في سورة النساء، الاية الثامنة والخمسون بعد المئة "وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً* بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً" كان الله عزيزاً حكيماً يعني من عزة الله عزوجل هذا الرفع لعيسى عليه السلام من كيد اليهود ومكرهم لأنه "وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" يعني ان الله عزوجل مكر بهم من خلال القاء الشبه على صاحبهم الذي تآمر على عيسى فأعدموه وصلبوه وقتلوه، قتلوا كما يقال هذا يهود الاصخريوطي هو الذي تآمر على عيسى عليه السلام فكان المكر الالهي هنا مكر محمود، يعني هناك عدة حكم في وجود عيسى عليه السلام حياً من خلال ظاهر القرآن الكريم والقرآن يقول هذا تعبير عن عزة الله عزوجل يعني العزيز الغالب الذي لايغلب مهما تآمر الاعداء على انسان ليقتلوه ولكن الله عزوجل، شاء الله ان يكون حياً، ان يرفعه اليه، ان يقتل الذي تآمر عليه، هذا معنى "ويمكرون مكراً ومكر الله" من القاء الشبه على صاحبهم فهذه حكمة والحكمة الاخرى يعني "عَزِيزاً حَكِيماً" يعني الله بحكمته طبعاً هناك ربما امور كثيرة كانت مثلاً اظهار القدرة الالهية الربانية، مثلاً اثبات ان الله قد يؤخر انساناً الى يوم القيامة وان يعيش العمر الطويل دلالة على مقبولية عمر الامام المهدي عليه السلام يعني عيسى عليه السلام قبل الاسلام بخمسمئة سنة، يعني الان عيسى عليه السلام حي يرزق في السماء وعمره اكثر من الفي سنة تقريباً بينما الامام المهدي عليه السلام الان عمره تقريباً الفاً ومئتي سنة فهذه تقرب لنا كما حياة الخضر عليه السلام، الخضر لو نقرأ تاريخ الطبري يبحث عن الخضر بعضهم يقول ان الكل يؤمنون ان الخضر لازال حياً يرزق وعمره ثمانية الاف سنة هذا يدل على قدرة الله عزوجل والتقريب الى الاذهان ان المهدي عليه السلام ممكن ان يكون حياً بقدرة الله عزوجل، بكرامة الله عزوجل بالنسبة للائمة عليهم السلام وبمعجزة الله عزوجل بالنسبة للانبياء هذا يعني شق، شق الحكمة من جعل عيسى عليه السلام اما كيف نفهم هذا الاستعلاء او هذه الغلبة "وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" لاضرر لأن الذين يتبعون عيسى عليه السلام المسيحيون النصارى المخلصون المؤمنون كذلك المسلمون المخلصون يتحدون بالايمان بعيسى عليه السلام ويكون عيسى ينزل اخر الزمان ليصلي خلف الامام المهدي فليس هناك تعارضاً يعني هذا التعبير الجميل "وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" يعني فوق اليهود يعني الله عزوجل يجعل النصارى ويجعل المسلمين الذين يؤمنون بعيسى وآمنوا بعيسى وبرسالته وبنبوته هؤلاء جميعاً سواء كانوا من المسلمين او من النصارى المخلصين لأن تعرفون ان القرآن الكريم يمدح النصارى يعني هناك اختلاف بين اليهود والنصارى "لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ" قبل الاية "لتجدنهم اقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى ذلك بأن منهم قسسيسين ورهباناً وانهم لايستكبرون" اذن القرآن الكريم في الوقت الذي يذم فيه اليهود الذين كفروا بالمسيح عليه السلام وتآمروا عليه من خلال الكيد والمكر وانهم يفتخرون بقتله ودفنه وبعضهم يدعي انه صلب، من اليهود يفتخرون بذلك فيما نرى الوحدة هنا بين المسيحيين والمسلمين في الايمان بعيسى، النبي والرسول والطاهر والمطهر الذي جاء بكلمة من الله عزوجل هذه بالعكس نقطة اشتراك بيننا وبين النصارى ليتحد هؤلاء المخلصون جميعاً ضد قتلة الانبياء وهم اليهود. هنا يتبادر سؤالان إلى الذهن، الاول هو ما الحكمة في ارادة الله تعالى في ان يجعل النبي عيسى (عليه السلام) حياً الى يوم القيامة؟ والآخر هو أنّ اليهود والنصارى، بموجب هذا المقطع من الآية "وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"، سيبقون في الدنيا حتى يوم القيامة، وأنّ أتباع هاتين الديانتين سيبقون أيضاً، مع أنّ الأخبار الخاصّة بظهور المهدي (عليه السلام) تبيّن أنّه (اي الاسلام) يخضع جميع الأديان ويحكم العالم كلّه فكيف يمكن الجمع بين هذا وذاك؟.******* القصة قرر اليهود بالتعاون مع بعض المسيحيّين الخونة، قرّروا قتل السيّد المسيح (عليه السلام)، فبعثوا جماعةً لكي يلقوا القبض على المسيح (عليه السلام) ويصلبوه فأحبط الله مكرهم، وشاء تعالى ان يكون الذي قبضوا عليه هو الخائن الذي تعاون معهم حيث جعله الله شبيهاً بعيسى (عليه السلام). فأخذوا شبيه عيسى (عليه السلام) باعتقادهم انّه عيسى وكان ملك الروم هو الذي امر بقتله وذلك بمساعدة اليهود من بني اسرائيل. وهكذا ادّعى اتباعه انّه صلب ودفن وزعموا أن الله سبحانه رفعه بعد قتله من قبره إلى السماء لكنّ الله عزّوجل نجّى نبيّه وكلمته فنزل الوحي الالهي قائلا: "يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ"، يا عيسى إنّني سوف استوفيك وأرفعك إلي، وهذا يعنى انك ستبقى حياً لا تموت الى ما شاء ربك. ثم بشّره الله عزّوجلّ بأنّه سيخلّصه من اذى اليهود والكفّار الخبثاء البعيدين عن الحقّ والحقيقة الذين كانوا يوجّهون إليه التّهم الباطلة، ويحوكون ضده المؤامرات ساعين إلى تلويث سمعته، فنصر الله نبيّه، وطهّره من تلك التّهم قائلا: "وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ". ولم يكتف الباري عزّوجلّ بالنصر لنبيه عيسى (عليه السلام) بل بشّره بالنّصر والغلبة المستمرة: "وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". من هدى الائمة _عليه السلام_ روي عن الامام الصادق (عليه السلام) انّه قال: "بعث الله عيسى بن مريم، واستودعه النور والعلم والحكم وجميع علوم الأنبياء قبله، وزاده الإنجيل، وبعثه إلى بيت المقدس إلى بني إسرائيل يدعوهم إلى كتابه وحكمته، وإلى الإيمان بالله ورسوله فأبى أكثرهم إلاّ طغيانا وكفرا، فلمّا لم يؤمنوا دعا ربّه وعزم عليه فمسخ منهم شياطين ليريهم آيةً فيعتبروا فلم يزدهم ذلك إلاّ طغياناً وكفرا فأتى بيت المقدس فمكث يدعوهم ويرغّبهم فيما عند الله ثلاثً وثلاثين سنةً حتى طلبته اليهود وادّعت أنها عذّبته ودفنته في الأرض حياً، وادّعى بعضهم أنّهم قتلوه وصلبوه، وما كان الله ليجعل لهم سلطاناً عليه، وإنّما شبّه لهم، وما قدروا على عذابه وقتله ولا على قتله وصلبه لأنّهم لو قدروا على ذلك لكان تكذيباً لقوله ولكن رفعه الله بعد أن توفّاه". دروس وعبر نستنتج من قوله تعالى "رَافِعُكَ إِلَيَّ" انّ لبعض الانبياء ايضا كان لهم معراجاً كما للنبي محمدٍ (صلى الله عليه وآله). ان الحياة في مجتمعٍ كافرٍ من اسباب التلوّث بالمعاصي والابتعاد عنهم سببٌ للطهارة وعدم المعصية. وهذا الامر يشير اليه قوله تعالى: "مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ". ممّا يؤكّد مسألة خلود القرآن هو تنبؤه بغلبة المسيح دوما على اليهود اي "جَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ" الامر الذي يبدوا جليّاً لكل ناظرٍ لاوضاع اليهود الصهاينة، الذين اصبحوا غير قادرين على إدامة حياتهم السياسية والاجتماعية يوماً واحداً بغير الاستناد إلى المسيحيّين. كما تشير الآية ضمناً الى انّ سرّ الغلبة والنصر هو في الاتّباع لتعاليم الانبياء (عليهم السلام). واخيراً وليس آخراً فانّ عودة الجميع الى الله عزّوجل وهو الذي سيحكم بين العباد. فالأجدر بالعبد ان يخضع لأمر مولاه ويصبر على طاعته ومعصيته ولا يخرج عن مسير الطاعة بسبب ما يبثّه الأعداء من سمومٍ وآفاتٍ فالله هو الناصر والمعين. مكائد اليهود لقتل المسيح - 68 2011-11-30 09:28:08 2011-11-30 09:28:08 http://arabic.irib.ir/programs/item/8309 http://arabic.irib.ir/programs/item/8309 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله وحبيبه رحمةً للعالمين محمدٍ واله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته واهلاً بكم الى برنامج القصص الحق. نحمد الله تعالى ان رزقنا اللقاء بكم وهو يجمعنا واياكم حول نوره المبين وحبله الممدود من السماء الى الارض لنستنير معاً بهدي القصص القرآنية. اما في هذه الحلقة فسنستمر في الحديث عن حياة نبي الله عيسى (عليه السلام) ومشاهدها التي تحدّثت عنها الايات 52 حتى 54 من سورة ال عمران وهي تتناول حكايته (عليه السلام) عندما طلب الحواريون منه إنزال المائدة من السماء. رافقونا مستمعينا الكرام في هذا البرنامج واليكم استعراضاً لمحطاته. بداية نقدم لكم تلاوةً مرّتلةً لهذه الايات المباركة، ثم نتعرّف على معاني المفردات والعبارات القرآنية التي وردت في هذا القسم من الحكاية. نستمع معاً الى اجابة ضيف هذا اللقاء عن سؤالٍ بشأن هذه الحكاية لننتقل بعد ذلك الى محطة القصة ونتابع تفاصيلها، ثم نغترف من معين علوم اهل البيت عليهم السلام في فقرة من هدي اهل البيت (عليهم السلام) وروايةٍ عن الامام أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، واخيراً مع باقةٍ من الدروس والعبر المستقاة من القصة القرآنية، فاهلاً بكم الى هذا البرنامج. المقدمة مستمعينا الكرام كان اليهود ينتظرون مجيء المسيح (عليه السلام) بموجب ما بشّرهم به موسى (عليه السلام) وذلك قبل أن يولد، ولكنّه عندما ظهر، وتعرّضت مصالح جمعٍ من الظالمين والمنحرفين من بني إسرائيل للخطر، لم يبق معه إلاّ نفرٌ قليل، بينما تركه الذين احتملوا أن يؤدي قبولهم دعوة المسيح والتقيّد بالقوانين الإلهية إلى ضياع مصالحهم. تعالوا معنا ننصت خاشعين الى تلاوة الايات التالية من سورة آل عمران: التلاوة "فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ{52} رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أََََََََََََََََنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ{53} وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ{54} إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ{55}" المفردات ايها الاخوة والاخوات بعد أن أعلن عيسى (عليه السلام) دعوته وأثبتها بالأدلّة الكافية، أدرك أنّ جمعاً من بني إسرائيل يصرّون على المعارضة والعصيان ولا يتركون المعاندة والانحراف فبشأنهم يقول القرآن الكريم: "فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ" التعبير بـ (أحسّ) مع أن الكفر أمرٌ باطنيٌ لا يدرك بالحواس قد يكون معناه أنّ إصرارهم على الكفر بلغ مرتبةً من الشدّة وكأنّه أصبح محسوساً. اذن تشير الاية الى انه استجاب لنداء السيد المسيح (عليه السلام) نفرٌ قليل، سمّاهم القرآن بـ (الحواريّين)، الذين لبّوا نداء المسيح (عليه السلام) ولم يبخلوا بشيءٍ في سبيل نشر أهدافه المقدّسة. اما مفردة الـ (حواريّون) فهي جمع حوري من مادة (حور) بمعنى الغسل والتبييض، وقد تطلق على الشيء الأبيض، لذلك يطلق العرب على الطعام الأبيض (الحواري). و(حور) جمع حوراء وهي بيضاء البشرة. اذن أعلن الحواريون استعدادهم لتقديم كلّ عون للمسيح (عليه السلام) فيحكي القرآن عن حالهم هكذا: "قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ". لعلّهم قد شمّوا منذ ذلك اليوم رائحة الإنحراف في المستقبل وأنّ هناك من سيدّعي الوهيّة عيسى من بعده، فسعوا ألا يكون في كلامهم ما يمكن أن يتذرّعوا به، هذا ونلاحظ أنّ الحواريين عبّروا في كلامهم عن كونهم مسلمين، وهذا يدلّ على أن الإسلام هو دين جميع الأنبياء (عليهم السلام). وهنا ميّز المسيح (عليه السلام) أتباعه المخلصين من الأعداء والمنافقين كيما يضع لدعوته برنامجاً دقيقاً وخطةً مدروسةً كما صنع نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) ذلك في بيعة العقبة. وبعد أن قبل الحواريّون دعوة المسيح (عليه السلام) إلى التعاون معه وأتخاذه شاهداً عليهم في إيمانهم، أتّجهوا إلى الله يعرضون عليه إيمانهم قائلين: "رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أََََََََََََََََنزَلْتَ". ولكن لمّا كانت دعوى الإيمان لا تكفي وحدها، فقد اتبعوا ذلك بقيامهم بتنفيذ أوامر الله واتّباع رسوله المسيح (عليه السلام)، وقالوا مؤكدين: "وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ". بعد ذلك طلبوا من الله قائلين: "فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ" والشاهدون هم اولئك الذين لهم صفة قيادة الأمم، ويوم القيامة يشهدون على أعمال الناس الحسنة والسيّئة. وبعد أن إنتهى الحواريّون من شرح إيمانهم، أشاروا إلى خطط اليهود الشيطانية، وقالوا: إنّ هؤلاء لكي يقضوا على المسيح (عليه السلام)، وعلى دعوته، وصدّوا انتشار دينه، وضعوا الخطط الماكرة، إلاّ أنّ ما رسمه الله من مكر فاق مكرهم وكان أشدّ تأثيراً "وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ". في القرآن آياتٌ مشابهةٌ لهذه ينسب فيها المكر إلى الله، كلمة (المكر) بالمصطلح المعاصر تختلف كثيراً عن معناها اللغوي، فالمكر بالمعنى المعاصر هو وضع الخطط الشيطانية الضارّة، ولكنّ معناها بلغة العرب هو البحث عن العلاج لأمر ما، وقد يكون حسناً أو سيّئاً. في كتاب (المفردات) للراغب نقرأ: المكر: صرف الغير عمّا يقصد خيراً كان أم شرّاً، وعليه يكون المقصود من الآية هو أنّ أعداء المسيح وضعوا الخطط الشيطانية للوقوف بوجه هذه الدعوة الإلهية، ولكن الله لكي يحفظ حياة نبيّه ويصون الدعوة مكر أيضاً فأحبط كلّ ما مكروه.******* زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً الاية المباركة، الاية الثانية والخمسون من سورة آل عمران "فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ" بحسب السياق الذين احس منهم عيسى المسيح عليه السلام هم بنو اسرائيل لأن الايات تتحدث عن البشارة "وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ" الى قوله تعالى بعد ذلك "فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ" التعبير طبعاً عن بني اسرائيل وتعرفون هؤلاء القوم الذين وقفوا ضد عيسى عليه السلام وتآمروا عليه ووصل الامر الى ان يقتلوه، ان يقتلوا عيسى عليه السلام ولهذا مكر هو مكرالقتل يعني مؤامرة القتل ولهذا يعني العهد الجديد يعني الاناجيل تطلق تعابير عجيبة على اليهود بأنهم الافاعي والحيات، مختلف الاسماء على اليهود لأنهم يؤمنون، المسيح والنصارى يؤمنون بأن الذي قتل عيسى عليه السلام هم اليهود وان كان القرآن الكريم يقول يعني "وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ" اذن "أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ" يعني كانت الامور واضحة جداً من خلال التآمر والكفر والكيد والمكر، تيقن عيسى، احس يعني توضح الامر الى درجة الرؤية او الاحساس "أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ" الكفر يعني الذي يعرف ويحرف الاشياء، يعني هم يعرفون ان هذا الرجل هو على حق، عيسى عليه السلام وهو نبي وجاءهم بمختلف الايات لأثبات نبوته ولكن كما طبيعة اليهود الاصرار على العناد، عاندوا وحينما ظهرت وبانت بوضوح بوادر ومظاهر او امارات الكفر قال عليه السلام "مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ" فأذن يعني هناك امور كثيرة ظهرت من اشاعات ودعايات ومواقف ضد المسيح عليه السلام، ضد مريم كذلك، القرآن يعبر في سورة النساء "َبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً{155} وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً{156} وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ" يعني اليهود يفتخرون بأنهم قتلوا عيسى بن مريم، يفتخرون، "وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ" رسول الله من الاستهزاء يعني هذه الكلمة "وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ" اذن هذا الاحساس من عيسى عليه السلام جراء التآمر المستمر عليه من قبل اليهود حتى وصل الامر الى المكر بقتله وسفك دمه عليه السلام، فتعبير جميل جداً ورائع "فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ" يعني تيقن وظهر هذا الكفر ظهوراً بائناً واضحاً لالبس فيه ولاشبهة عليه هنا "قال عيسى عليه السلام من انصار الى الله قال الحواريون" هؤلاء الخاصة الصفوة "نحن انصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون" فتعبير جميل يعني تعبير الاحساس بالكفر لأن الكفر ظهر من هؤلاء القوم جراء مكرهم وكيدهم وتآمرهم واشاعتهم اراجيفهم على عيسى عليه السلام وعلى امه من قبل ظهر لعيسى ظهوراً يعني اعطاهم الفرصة كأنه الاخيرة، كان عيسى يعاملهم معاملة حسنة عسى ولعل يعودوا عن غيهم ويؤمنوا به ويقتنعوا برسالته ولكن وصل الامر الى الطريق المسدود، هذا تعبير جميل "فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ". اما بخصوص "وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" هذا التعبير بالمكر بخصوص بني اسرائيل وقلنا ارادوا قتل عيسى عليه السلام غيلة واجمعوا على هذا القتل، هناك تفسيران لتفسير المكر "وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" التفسير الاول هو التفسير الشائع بأن هذا من باب المشاكلة اللغوية البلاغية يعني الله لايمكر ولكن "وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ" يعني كأنه من باب المشاكلة كما "فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ" وهذا وجه الاعتداء ليس اعتداءاً او "اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ" كذلك بخصوص الكيد "إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً* وَأَكِيدُ كَيْداً" التفسير الشائع انه الله لايكيد وانما هو من باب المشاكلة البلاغية اللغوية لكن التفسير الاخر وهو ما يتبناه العلامة الطباطبائي ومن قبل الراغب الاصفهاني يقول المكر مكران، مكر محمود ومكر مذموم لأن المكر بحد ذاته ليس سيئاً لأن تعريف المكر هو صرف الغير عن قصده بحيلة، الكيد والمكر ممكن ان يكون الكيد مذموم وكيد ممدوح يعني عندما يكيد الاعداء بالحق طبعاً هذا كيد مذموم او مكر مذموم ولكن حينمت يمكر المؤمنون اصحاب الحق، يمكر بالطغاة والظالمين كما نرى اليوم هذا المكر الالهي الرباني يعني هذا مكر محمود لأن المكر هو صرف الغير عن قصده بحيلة وهذا يؤيده "وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" يعني غير معقول هنا من باب المشاكلة "وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" يبدو التفسير الثاني وهو ان المكر هو مكر محمود ومكر مذموم كذلك "إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً* وَأَكِيدُ كَيْداً" هذا التعبير ليس من باب المشاكلة وانما الكيد نوعان، المكر نوعان، مكر للحق ومكر على الحق، المكر للحق هو مكر محمود وغير مذموم اما مكر الطغاة والظالمين والجائرين هو مكر مذموم. *******نجد في بعض النصوص الدينية انّ الله يصف نفسه بالمتكبّر والجبّار وغيرها من الصفات التي لا يحبّذ لبني البشر ان يتّصفوا بها. وعلى سبيل المثال نجد في آيات هذه الحلقة انّ الله يمكر كما انّ اعداء النبي عيسى عليه السلام يمكرون، فالسؤال هو عن اطلاق هذه الصفة على الباري عزوجل؟. كان بنو إسرائيل لكثرة لجاجهم وانحرافهم، أوجبوا شدة بعض الأحكام عليهم حتى إذا جاء عيسى المسيح (عليه السلام)، خفّفت الأحكام، وأنزلت الشرائع السّمحة، وكان ذلك لطبيعة البشر التي تتكامل مع مرور الزمن، وقد أنزلت على عيسى (عليه السلام) في (الإنجيل) المواعظ والأمثال والحدود ليس فيها قصاصٌ ولا أحكام حدود، ولا فرض مواريث. فأعلن المسيح (عليه السلام) للقوم انه قد جاء ليحلّ لهم بعض الذي حرّم عليهم. وقد أمر المسيح اتباعه باتّباع (التوراة) وما أنزل على النبيين من قبله كما أخبرهم بمجيء محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخذ منهم الميثاق بأن يؤمنوا به. بدأ المسيح (عليه السلام)، بأرسال رسله إلى مختلف البلاد وهم الذين سمّوا (بالحوارييّن) وكانوا في مرتبةٍ رفيعةٍ من السموّ الروحي، والرفعة النفسية وكانوا نخبةً من الأطهار، أرسلهم لهداية الناس إلى الدين، وتبشيرهم بالنبي المبعوث. انتشر خبر المسيح (عليه السلام) لاسيما وانه كان قد جاء بالمعاجز كشفاء المرضى واحياء الموتى وغير ذلك، فكان يتوجّه إليه من أطراف البلاد عددٌ كثيرٌ من المرضى الذين كانوا مصابين بأمراضٍ مزمنةٍ، أو نواقص خلقية. وهكذا أخذ المسيح (عليه السلام)، يغزو العقول والأفكار، بما يريهم من المعجزات والكرامات. وما يبديه من الأخلاق والفضائل، وما يخفّفه من الشرائع الموسوية المشدّدة، وما يعيشه من البساطة في المأكل والملبس وسائر الشؤون الشخصية. لكنّ هذا الامر ما كان ليروق للكفار والمشركين وعلى رأسهم احبار اليهود الذين وقفوا بشدةٍ امام السيد المسيح (عليه السلام). عند ذاك شعر النبي عيسى بضرورة اخذ البيعة من الناس فنادى بالناس قائلا: من أنصاري إلى الله. عند ذلك استجاب لنداء السيد المسيح انصاره فقاموا وقالوا بصوتٍ واحد: نحن أنصارالله آمنّا بالله. ثم طلبوا من نبيهم المسيح (عليه السلام) ان يشهد على شهادتهم بالايمان فقالوا: اشهد بأنّا مسلمون. واخيراً وبعد ان بايعوا نبيهم المسيح (عليهم السلام) توجّهوا الى الله تعالى ودعوا قائلين: "رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أََََََََََََََََنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ". اثر ذلك اشتد النشاط المعادي لاحبار اليهود ضدّ النبي عيسى (عليه السلام) وانصاره فقاموا بممارسة المكر والحيل للتخلص من عيسى (عليه السلام). وبالتالي قتله الاّ ان الله تعالى اراد شيئاً آخر، اجل اراد الحياة لعيسى (عليه السلام) ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين. من هدى الائمة _عليه السلام_ عن الرضا (عليه السلام): أنه سئل لم سمّي الحواريون بالحواريين؟ قال: "أمّا عند الناس فإنهم سمّوا حواريين لأنّهم كانوا قصّارين يخلصون الثياب من الوسخ بالغسل، وأما عندنا فسمّي الحواريين لأنّهم كانوا مخلصين في أنفسهم ومخلّصين غيرهم من أوساخ الذنوب بالوعظ والتذكير". دروس وعبر يشير قوله تعالى: "فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ" الى انّ معرفة افكار وعقائد الناس هي الشرط اللازم لقيادة موفقة وحكيمة.لم يقل الحواريون لعيسى (عليه السلام) نحن أنصارك، بل لكي يعربوا عن منتهى إيمانهم بالتوحيد وليؤكّدوا إخلاصهم، ولكي لا يشمّ من كلامهم أيّ رائحة للشرك، قالوا: نحن أنصارالله، ننصر دينه، ونريدك شاهداً على هذه الحقيقة. عندما يتغلغل الإيمان في روح الإنسان لابدّ أن ينعكس ذلك على عمله، فبدون العمل يكون إدّعاؤه الإيمان تقوّلاً، لا إيماناً حقيقاً وهذا يشير اليه قول الحواريين آمنّا بما أنزلت واتّبعنا الرّسول. وفي الختام نسأله تعالى ان يثبتنا على نهج القران الكريم والائمة عليهم السلام وان يجعلنا من المدافعين عن القيم الاسلامية فنقول اللهم "فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ" حواريو عيسى وانزال المائدة السماوية - 67 2011-11-23 09:06:42 2011-11-23 09:06:42 http://arabic.irib.ir/programs/item/8308 http://arabic.irib.ir/programs/item/8308 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله الهداة الابرار. مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته واهلاً بكم الى برنامج القصص الحق، ايها الأحبة في هذه الحلقة من البرنامج نواصل الحديث عن قصّة نبي الله عيسى (عليه السلام) ونتناول المشهد الذي صوَّرته الآيات الحادية عشرة بعد المئة حتى الآية الخامسة عشرة بعد المئة من سورة المائدة المباركة فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية. بدايةً ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الآيات، ثم نتعرف على بعض مفرداتها وعباراتها. ونستمع الى حديث ضيف هذا اللقاء سماحة السيد عبد السلام زين العابدين الاستاذ في العلوم القرآنية حول المراد من قول الحواريين (هل يستطيع ربك)، وعن معنى الكفر الذي يحذّر منه الله عزوجل في هذه الآيات. ثم نتابع معاً سَردَ هذه الحكاية. ونواصل البرنامج بتقديم روايتين أُولاهما عن النبي (صلى الله عليه وآله) والاُخرى عن الامام الرضا (عليه السلام) بشأن الموضوع،. ومسك الختام مع باقةٍ من الدروس والعبر المأخوذة من هذه الحكاية، فأهلاً ومرحبا بكم الى فقرات هذا اللقاء. المقدمة تعقيباً على ما جاء في الآيات السابقة من بحث حول ما أنعم الله به على المسيح (عليه السلام) وأُمه، يدور الحديث هنا حول النعم التي أنعم الله بها على الحواريين، أي أصحاب المسيح (عليه السلام) فلنستمع متدبرين لتلاوة هذه الآيات المباركات من سورة المائدة: التلاوة "وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ{111} إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{112} قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ{113} قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ{114} قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ{115}" المفردات في البداية تشير الآية الحادية عشرة بعد المئة إلى ما أُوحي إلى الحواريين أن يؤمنوا بالله وبرسوله المسيح (عليه السلام) فاستجابوا، يقول الله عزَّ من قائل: "وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ". إن للوحي في القرآن معنى واسعاً لا ينحصر في الوحي الذي ينزل على الأنبياء، بل أن الإلهام الذي ينزل على قلوب الناس يعتبر من مصاديقه أيضاً، لذلك جاء هذا المعنى في الآية السابعة من سورة القصص بشأن أم موسى التي أوحي إليها. بل إنّ الكلمة تطلق في القرآن حتى على الغرائز التكوينية عند الحيوان، كالنحل، وهناك احتمال أن يكون المقصود هو الإيحاء الذي كان يُلقيه المسيح (عليه السلام) بواسطة المعاجز في نفوسهم. ثم تذكر الآية نزول المائدة من السماء: "إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ". «المائدة» تعني في اللغة السفرة والطبق، كما تعني الطعام الذي يوضع عليها، وأصلها من «ميد» بمعنى التحرك والإهتزاز، ولعلّ سبب إطلاق لفظة المائدة بمعنى السفرة والطعام هو ما يلازمها من تحريك وانتقال. عند طلب الحواريين هذا شعر المسيح (عليه السلام) بالقلق لأن طلبهم هذا يدل على الشك والتردد، على الرغم من كل تلك الأدلة والآيات، فخاطبهم "قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ"، ولكنهم سرعان ما أكَّدوا للمسيح (عليه السلام) أنّ هدفهم بريء وأنهم لايقصدون العناد واللجاج، بل يريدون الأكل منها لتعزيز الحالة النّورانية في قلوبهم ببركة تناول الغذاء السماوي. وهكذا يُعبر القرآن: "قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ". فبيّنوا قصدهم أنّهم طلبوا المائدة للطعام، ولتطمئن قلوبهم به لما سيكون لهذا الطعام الإلهي من أثر في الروح ومن زيادة في الثقة واليقين. ولمّا أدرك عيسى (عليه السلام) حسن نيّتهم في طلبهم ذاك، عرض الأمر على الله: "قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ". فأستجاب الله لهذا الطلب الصادر عن حسن نيّة وإخلاص "قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ". لاشك أن الحواريين لم يكونوا مدفوعين بقصدٍ سيء في طلبهم هذا، ولا هم كانوا يريدون المشاكسة والمعاندة، بل كانوا يرغبون في بلوغ مرحلة الإطمئنان الأقوى وإبعاد ما بقي من رواسب الشك والوسوسة من أعماقهم. «العيد» في اللغة من «العود» أي الرجوع، لذلك فذكرى الأيام التي تنزاح فيها المشاكل عن قوم أو مجتمعٍ وتعود أيام الفوز والهناء الأوّل تكون عيداً، كذلك هي الأعياد الإسلامية، فبعد شهر من طاعة الله في صوم شهر رمضان، أو بعد أداء فريضة الحج العظيمة، يعود إلى النفس طهرها وصفاؤها، ويزول التلوث عن الفطرة، فيكون العيد، ولمّا كان يوم نزول المائدة يوم العودة إلى الفوز والطهارة والإيمان بالله، فقد سمّاه المسيح (عليه السلام) عيدا. ******* زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم، طبعاً هنا وقع في عالم التفسير، هناك آراء متعددة في تفسير هذا الطلب "هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" وخصوصاً نعلم ان هؤلاء هم الحواريون يعني هؤلاء الذين يختصون بعيسى او يختص بهم عيسى عليه السلام فكيف يسأل هؤلاء هذا السؤال؟ "هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ"؟ كأنه هناك شك بقدرة الله عزوجل على تنزيل المائدة من السماء مع انهم رأوا معاجز عيسى عليه السلام بل ان عيسى عليه السلام نفسه هو معجزة، عيسى هو ولد من غير اب، هو جاء من مريم العذراء عليها السلام فكيف يسأل هؤلاء فقطعاً هم ليسوا في شك في الله على انزال المائدة ولهذا تعددت التفاسير والتوجيهات والتأويلات في معنى هذا السؤال "هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ"؟ يرى بعض المفسرين ان افضل توجيه لهذا السؤال هو ان يكون السؤال عن الاستطاعة بمعنى السؤال عن وجوه الحكمة او المصلحة او وجود هذه الحكمة يعني هل توجد هناك حكمة لأن تسأل الله عزوجل بنزول المائدة؟ ليكون المعنى هل هناك مصلحة في ان تسأل الله او ان تسأل الله عزوجل بنزول المائدة؟ هل هناك مصلحة تقتضي نزول المائدة؟ فالسؤال عن الاستطاعة سؤال عن الحكمة والمصلحة وليس سؤال عن اصل القدرة. طبعاً هذا المعنى جاء في رواية ينقلها العلامة الطبرسي في مجمع البيان عن الامام الصادق عليه السلام "هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ"؟ يقول عن الامام ابي عبد الله الصادق عليه السلام معنى الاية هل تستطيع ان تدعو ربك هكذا يعني هل يستطيع ربك يعني هل تستطيع ان تدعو ربك يعني هل هناك وجه حكمة في دعوة كهذه، طبعاً بعضهم قال هذا من باب ليطمئن قلبي كما في ابراهيم عليه السلام "رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي" فهناك وجوه متعددة في عالم التفسير في سؤال الحواريين، هذا السؤال الذي يبدو غريباً ويبدو عجيباً ولهذا هم قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ" فسأل عيسى عليه السلام هذا السؤال "اللهم ربنا انزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا" هنا انظر عيسى عليه السلام وجه السؤال توجيهاً مؤدباً توجيهاً يليق بمقام الله عزوجل وانما جعل الهدف والغاية يعني اعطاه الهدف والعنوان عنوان العيد او العيدية وليس فقط مقام الاكل "اللهم ربنا انزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا واخرنا" وطبعاً هذا السؤال سؤال مرضي ومقبول لأن العيد ضروري لكل امة والعيد يكون يوماً تتحابب فيه النفوس وتتآخى فيه القلوب ولهذا حينما قال لهم الله عزوجل "إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ" هذا طبعاً السنة الالهية الربانية حينما يكون هناك صراحة بالطلب فجاء هذا مشروطاً يعني انزل هذه المائدة ولكن الذي يكفر بعدها فله عقوبة استثنائية، لماذا؟ لأنه طلب هذا بنفسه وهذا طبيعة الاقتراحات القرآنية حينما يقترح الكافرون اموراً الله عزوجل يعني لايستجيب لها ولايحقق هذه الامور ولكن هنا شرطها بشرط الايمان وعدم الكفر والكفر يعني العاقبة السيئة لهؤلاء لأنهم طلبوا امراً، اقترحوا نزول مائدة من السماء وهذا يعني كأن طلب لاداعي له بنفسه ولهذا جاء الجواب "اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" يعني هنا توبيخ "اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ"، "قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ" هذا توجيه الاقتراح بنزول المائدة فهم لايريدون ان يأكلوا منها فحسب بل لهذا النزول فؤائد اخرى واغراض اخرى منها اطمئنان القلوب وغير ذلك فلهذا العذاب امر الهي لأنهم سألوا آية معجزة مع كون هؤلاء الحواريين يعني يغطون في المعجزات وفي الايات يعني آيات عيسى كثيرة، هو نفسه عيسى معجزة، عيسى عليه السلام كان آية من آيات الله عزوجل ولد من غير اب، ولدته مريم العذراء، السيدة العذراء ولذلك لم يكن اقتراحهم اقتراحاً وجيهاً الا بعد ان وجهه عيسى عليه السلام توجيهاً بعنوان العيد والعيدية "تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا". *******ثمة نقاطٌ نوكل الحديث عنها لضيف البرنامج، ومنها هو أنّ ظاهر طلب الحواريين يوحي بأنّهم كانوا لا يعرفون حدود قدرة الله على إنزال مائدةٍ لكن للمفسّرين آراءً في تفسيرهم لهذه الاية هذه نقطةٌ والاخرى المقصود من الكفر الذي تحدثت الآية عنه قائلةً "فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ"، نتعرف على هاتين النقطتين من خلال الاتصال الهاتفي التالي مع ضيف اللقاء السيد عبد السلام زين العابدين. القصة اشتهر إحياء المسيح (عليه السلام) للأموات وشفاؤه للأمراض، ولذا ازدلف إليه الناس من كل مكانٍ، يطلبون الشفاء منه، وفي ذات مرةٍ (قال الحواريون) وكان بصحبتهم جمعٌ كثيرٌ: "يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ"؟ وكان هذا السؤال من المؤمنين ليرى ضعفاء الإيمان قدرة الله تعالى، بالإضافة إلى أنهم أرادوا (عين اليقين) فقال لهم عيسى (عليه السلام): "قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" ولا تسألوه سؤال اقتراحٍ وإن كان لا بأس بالسؤال لأجل قوة اليقين، كما سأل إبراهيم (عليه السلام) ربّه أن يريه كيف يحيي الموتى. أجاب الحواريون على كلام عيسى (عليه السلام): "نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا " بالإيمان، لأنّ الأكل معاينةٌ وهي فوق العلم (ونعلم) علماً يقينياً "أَن قَدْ صَدَقْتَنَا" ‌في قدرته تعالى على كل شيءٍ وأنها ليست كقدرة المخلوقات "وَنَكُونَ عَلَيْهَا" أي على المائدة المنزلة من السماء "مِنَ الشَّاهِدِينَ" الذين يشهدون إنّها نزلت من السماء بقدرته سبحانه، فإذا سئلنا في المستقبل: ‌هل رأيتم آثار قدرة الله الخارقة؟ نجيب بالإثبات، ويكون ذلك أدعى إلى إيمان الناس. هنالك دعا المسيح ربّه تعالى لإجابة طلب هؤلاء رافعاً يديه نحو السماء داعياً: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ"، فكان الناس يتّخذون الأيام العظيمة التي تجدّد فيها نعمةٌ عظيمةٌ من الله عيداً، فيعيدون ذكرى ذلك اليوم كل عام كاتخاذ يوم ميلادٍ، أو نصرٍ، أو ما أشبه،‌ عيداً يعاد السرور والفرح في كل عام. وهنا أجاب الله دعاء المسيح (عليه السلام)، فـ "قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ". هدّد الله عزوجل الذي يكفر بهذه الآية العظيمة عذاباً لا مثيل له لأنه كفر بعد المعاينة،‌ وذلك عنادٌ ولجاجة. رأى الناس سفرةً حمراء،‌ بين غمامتين،‌ تهوي من ناحية السماء إلى الأرض حتى وصلت ووقفت أمامهم، وكان عليها أرغفةٌ،‌ وسبع أسماك. فلما رآها عيسى (عليه السلام) ‌بكى وقال: اللهمّ اجعلني من الشاكرين، اللهمّ اجعلها رحمةً‌. فوجدوا منها رائحةً طيبةً، ‌لم يجدوا مثل ذلك طيب قبله. فقام المسيح (عليه السلام) وتوّضأ وصلّى، ‌ثم قال للحاضرين وهم جمعٌ غفيرٌ: ‌بسم الله! فأكل الجميع من ذلك الطعام حتى شبعوا. وكان هذا إعجازاً آخر. وقيل انه أكل من تلك المائدة المنزلة على المسيح (عليه السلام)‌، أكثر من ألفٍ وثلاثمائة فقيرٍ ومريضٍ وما أشبه من أهل الفاقة‌ والعاهة‌ فقط، أمّا غيرهم فكثيرون. ولمّا أتمّوا الأكل، رجع الطعام كما كان،‌ كأن لم يأكل منه أحد. ثم ارتفعت المائدة إلى السماء. وهكذا كان، تنزل المائدة أربعين صباحاً،‌ يوماً دون يومٍ يراها الناس وقت نزولها، ووقت صعودها، ويأكلون منها، ثم ترجع كما كانت بدون نقص. وقد تكبّر الملأ وأنفوا عن أن يشتركوا مع الفقراء في الأكل فقرّروا ذات مرة، أن يستأثروا هم وحدهم بهذه المائدة،‌ وأن يمنعوا الفقراء منها فلم تنزل المائدة،‌ وارتفعت إلى الأبد. ومسخ جمع كثيرٌ منهم جزاءً لكفرانهم وعتوّهم قردةً وخنازير،‌ فأصبحوا يسعون في الطرقات، ويأكلون القاذورات، ثم لم يبقوا إلاّ ثلاثة أيامٍ حتى هلكوا. من هدى الائمة _عليه السلام_ روي في كتاب مجمع البيان عن عمار بن ياسر عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: نزلت المائدة خبزاً ولحماً،‌ وذلك لأنهم سألوا عيسى طعاماً لا ينفد يأكلون منها، قال: فقيل لهم: فإنها مقيمةٌ لكم ما لم تخونوا وتخبّئوا وترفعوا فإن فعلتم ذلك عذّبتم، ‌قال: فما مضى يومهم حتى خّبئوا ورفعوا وخانوا. وفي تفسير العياشي، عن الفضيل بن يسارٍ عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: إنّ الخنازير من قوم عيسى سألوا نزول المائدة فلم يؤمنوا بها فمسخهم الله خنازير. دروس وعبر كثيراً ما يحدث أنّ انساناً يتأكّد من أمرٍ بالمنطق وحتى بالتجربة، ولكن إذا كان الأمر مهماً جداً فإنّ ‌بقايا من الشك والتردّد تظلّ في ثنايا قلبه، ‌لذلك فهو شديد الرغبة في أن تتكرّر تجاربه واختباراته، أو أن تتبدل استدلالاته المنطقية والعلمية إلى مشاهداتٍ عينيةٍ تقتلع من أعماق قلبه جذور تلك الشكوك والوساوس، ولهذا نرى إبراهيم (عليه السلام)، على ما كان عليه من مقامٍ ويقينٍ يسأل الله أن يرى المعاد رأي العين لكي يتبدل إيمانه العلميّ إلى «عين اليقين» وإلى «شهود» وهكذا الحال بالنسبة الى الحواريين. من الواضح هنا أنّ الأسلوب الذي عرض به عيسى بن مريم (عليه السلام) قضية طلب الحواريين على الله كان أليق وأنسب، ويحكى عن روح البحث عن الحقيقة ورعاية الشؤون العامّة للمجتمع حيث يغيّر (عليه السلام) أسلوب الحديث مع الله تعالى فبدل ان يقول: (نريد أن نأكل منها) اي المائدة يقول: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ". نستنتج من هذه الآيات جواز التوسل بالأنبياء (عليهم السلام) كما توسل الحواريون بعيسى (عليه السلام). وأخيراً عندما يبلغ الإيمان مرحلة الشهود وعين اليقين، فإنّ مسؤولية المرء تزداد وتثقل، لأنّ هذا المرء لم يعد ذلك الذي كانت تنتابه الوساوس والشكوك من قبل، بل هو امرؤ ورد مرحلةً جديدةً من الإيمان وتحمّل المسؤولية، فأقلّ تقصيرٍ أو غفلةٍ من جانبه يستدعي العقاب الشديد. المعاجز في سيرة المسيح عليه السلام - 66 2011-11-16 08:29:03 2011-11-16 08:29:03 http://arabic.irib.ir/programs/item/8307 http://arabic.irib.ir/programs/item/8307 بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله خير الاسماء بسم الله رب الارض والسماء وافضل الصلاة واتمّ التسليم على خير خلقه محمّدٍ وآله الطيبين الطاهرين، والسلام عليكم أحبة القرآن ورحمة الله وبركاته. اهلاً ومرحباً بكم أيها الأفاضل ندعوكم الى هذه المائدة السماوية القرآن الكريم حيث نتزوّد من القصص المباركة التي أوردها الله عزوجل لهداية الانسان الى طريق الخير والفلاح. تعالوا معنا أيها الأفاضل لنواصل حديثنا الذي شرعنا في اللقاء الماضي حول حياة نبي الله عيسى عليه السلام، فنتناول هنا المشهد الذي حكتة الاية مئةٌ وعشرةٌ من سورة المائدة المباركة. فتابعونا متفضّلين وعبر المحطات التالية: بعد مقدمةٍ قصيرةٍ ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الآية المباركة. ثم نتطرق الى شرحٍ بسيطٍ لمفرداتها وعباراتها. نتوقّف عند إجابة خبير البرنامج عن تساؤل حول سبب اقتران اسم السيدة مريم (سلام الله عليها) امّ السيد المسيح (عليه السلام) عندما يذكر الله تعالى إسباغه النعم التي منّ بها على المسيح لوحده؟ ثم نتابع معاً هذا الجزء من حكاية السيد المسيح (عليه السلام). ونواصل البرنامج بتقديم روايةٍ عن الإمام الرضا(عليه السلام) بشأن الموضوع. ومسك ختام مع باقةٍ من الدروس والعبر المأخوذة من هذه الحكاية لقرآنية. وإلى فقرات هذا اللقاء. المقدمة مستمعينا الكرام جرى الحديث في اللقاءات الماضية عن ولادة سيدنا المسيح (سلام الله عليه) وما واجهته أمه مريم البتول عليها السلام من الكلمات والتهم اللاذعة من قبل أحبار اليهود. ثم تابعنا كيف أن الله تعالى أنطق المسيح (عليه السلام) وهوفي المهد. الآية التالية تستعرض النعم التي أنعم الله بها على سيدنا المسيح (عليه السلام) فلنستمع الى خير الكلام القرآن الكريم وهو يشير الي هذا المعنى: التلاوة "إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ{110}" المفردات هذه الآية والآيات التالية لها حتى آخر سورة المائدة تختص بسيرة السيد المسيح (عليه السلام) والنعم التي أسبغها الله تعالى عليه وعلى اُمه، يبيّنها الله هنا تذكرةً للمسلمين فتقول الآية: "إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ". ومعنى "إِذْ قَالَ": هو وإذكر يا ايها النبي إذ قال، ثم تشرعُ الآية بذكر النعم: "إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُس". روح القدس قيل إنه جبرائيل (عليه السلام)، وقيل هو تلك القوة الغيبية التي كانت تعين عيسى (عليه السلام) على إظهار المعجزات وعلى تحقيق رسالته المهمّة، وهذه القوة التأييدية المعنية موجودة في غير الأنبياء أيضاً بدرجة أضعف، كما ورد في الأحاديث الشريفة المتحدثة عن تأييد روح القدس للشعراء ماداموا يدافعون عن أهل بيت النبوة عليهم السلام. ومن نعم الله الاُخرى: "تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً " أي إنّ كلامك في المهد مثل كلامك وأنت كهل، كلام ناضج ومحسوب، لا كلام طفل. "وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ" إن ذكر التوراة والإنجيل بعد ذكر كلمة كتاب مع أنّهما من الكتب السماوية، إنّما هو من باب التفضيل بعد الإجمال. ومن النعم الاُخرى: "وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي" ، ومع ذلك فإنّك تشفي بإذن الله الأعمى بالولادة والمصاب بالمرض الجلدي اي (البرص) وذلك حسب قوله تعالى: "وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي"، ثم "وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي" ، وأخيراً كان من نعم الله على المسيح (عليه السلام) بأن منع عنه أذى بني إسرائيل يوم قام الكافرون منهم بوجهه ووسموا ما يفعل بأنّه السحر، فدفع الله عزوجل أذى اُولئك المعاندين عنه وحفظه حتى يسير بدعوته. فيقول الباري عزوجل: "وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ". ومما يُلفت النظر في هذه الآية أنّها تُكرر «بإذني» أربع مرات لكيلا يبقى مكان للغلو في المسيح (عليه السلام) وادعاء الأُلوهية له، أي أنّ ما كان يُحققهُ المسيح (عليه السلام) بالرغم من إعجازه وإثارته الدهشة ومشابهته للأفعال الإلهيّة، لم يكن ناشئاً منه، بل كان من الله وبإذنه، فما كان عيسى (عليه السلام) سوى عبد من عبيد الله مطيع لأوامره، وما كان له إلا ما يستمدّه من قوة الله الخالدة. القصة أخذ المسيح (عليه السلام) ينمو، لا كنمو الأطفال بل نمواً سريعاً مستغرباً، وقد أخذت الألباب الدهشة، لما رأوه في الوليد. فقد كان عيسى (عليه السلام) يخبر الأطفال حينما يجتمع بهم، بما أكلوا في غذائهم، وما ادّخروه في بيوتهم، وكان ذلك مما يثير عجب الأولاد، والآباء. وقد كان الكل يعلم أن له مستقبلا زاهراً، وكان يضاف إلى ذلك، الغرائب التي يشاهدونها حوله. بعدما كبُر المسيح (عليه السلام)، أخذ يدعو الناس لله ويخبرهم أنه المبعوث من قبل الله تعالى لهداية البشر من الضلالة، وإنقاذهم من براثن الجهالة، وتعليمهم ما حرفته اليهود من أحكام الشريعة. وقد ايَّده الله تعالى بروح القدس الذي كان دوماً يلازمه ويسدّده، ويريه الغيب، وينزل عليه من الله بالشريعة، حيث كان يكلم الناس في المهد حينما كان طفلاً رضيعاً وكهلاً. اي حينما كان كبيراً يكلّمهم بالوحي والشريعة الملهمة إليه، كما علَّمه الله عزوجل التوراة والإنجيل، أعطاه الحكمة في معرفة الأشياء ومواضعها، فما كان يقول ولا يفعل شيئاً إلا بالصَّواب. كان المسيح (عليه السلام)، في زمانٍ كثر فيه الطبُّ، وحذق الأطباء، إلى حدٍ مدهش، فجاء عيسى بما يعجز عنه الطب، من إبراء الأعمى وشفاء الأبرص، وإحياء الموتى. فقد ذكر أنه كان له (عليه السلام) صديق مؤاخ له في الله تبارك وتعالى، وكان عيسى (عليه السلام) يمُر به وينزل عليه، وإن عيسى غاب عنه حيناً ثم مرَّ به ليُسلَّم عليه، فخرجت عليه أُمه فسألها عنه، فقالت له: مات يارسول الله، فقال: أتحبين أن تريه؟ قالت: نعم، فقال: إذا كان غداً أتيتك حتى أحييهُ لك بإذن الله تعالى. فلما كان من الغد أتاها فقال لها: انطلقي معي إلى قبره، فانطلقا حتى أتيا قبره فوقف عليه عيسى (عليه السلام)، ثم دعا الله عز وجل فانفرج القبر فخرج ابنها حياً، فلما رأته أُمه ورءاها بكيا فرحمهما عيسى (عليه السلام)، فقال له عيسى: أتُحُّب أن تبقى مع أُمّك في الدنيا؟ فقال: يارسول الله بأكل ورزق ومدةٍ أم بغير أكل ورزق ومدَّة؟ فقال له عيسى (عليه السلام): بأكل ورزق ومدَّةٍ تُعمرُ عشرين سنة وتزوج ويولد لك، قال: نعم، إذاً. قال: فدفعه عيسى (عليه السلام) إلى أمه فعاش عشرين سنة وولد له. ولذا آمن أهل فن الطب والحذّاق منهم بالمسيح (عليه السلام)، وقالوا: إن ما يفعله خارج عن نطاق الطب، وهو خاص بالله سبحانه، وبمن أرسله. كان (عليه السلام) يبرئ الأكمه اي الأعمى الذي ولد أعمى والأبرص اي الذي صارت على جسمه بقعٌ بيضاء تخالف لون جسمه. ويخرج الموتى من قبورهم أحياء كان كل ذلك بإذن الله عزوجل. وكان من معاجزه انه يخلق من الطين كهيئة الطير ولكن بإذن الله تعالى كمجسّمة الطير فينفخ فيها فتكون طيراً يطير كسائر الطيور بإذنه. ولكنّ بني إسرائيل اتّهموه بالسحر والشعوذة قائلين له: ما هذا الذي تعمله من الغرائب إلا سحرٌمبين. فقد أبى مردة اليهود، الإيمان بالمسيح (عليه السلام)، وإن رأوا منه الآيات الباهرات، والحجج القاطعات، وذلك حسداً منهم وكبراً. فكانوا يكذّبون المسيح (عليه السلام)، ويغرون السفهاء به، ويقولون إن الذي يأتي به ليس معجزةً، وإنما هو سحرٌ، تعلّمه المسيح من بعض الساحرين، فيأتي به لدعم ادّعائه بأنه نبيٌّ من عند الله تعالى، وهكذا كانوا يصدّون عن سبيل الله. من هدى الائمة _عليه السلام_ في كتاب معاني الأخبار روى الشيخ الصدوق، بإسناده عن أبي يعقوب البغدادي قال: قال ابن السكّيت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): لماذا بعث الله موسى بن عمران بيده البيضاء والعصا وآلة السحر، وبعث عيسى بآلة الطب، وبعث محمداً (صلى الله عليه وآله) بالكلام والخطب؟. فقال أبو الحسن (عليه السلام): "إن الله تعالى لمّا بعث موسى (عليه السلام) كان الأغلب على أهل عصره السحر، فأتاهم من عند الله تعالى بما لم يكن عند القوم وفي وسعهم مثله، وبما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجة عليهم. وان الله تعالى بعث عيسى في وقت ظهرت فيه الزمانات واحتاج الناس الى الطب فأتاهم من عند الله تعالى بما لم يكن عندهم مثله، وبما احيا لهم الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله، وأثبت به الحجة عليهم. وإن الله تعالى بعث محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) في وقتٍ كان الأغلب على أهل عصره الخطب والكلام والشعر فأتاهم من كتاب الله والموعظة والحكمة بما أبطل به قولهم، وأثبت به الحجة عليهم؟ ". قال ابن السكيت ما رأيت مثلك اليوم قط فما الحجة على الخلق اليوم؟ فقال: "العقل يعرف به الصادق على الله فيصدقه والكاذب على الله فيكذبه"، قال ابن السكّيت: هذا والله هو الجواب. دروس وعبر إن إرادة الله تعالى فوق جميع القوانين الطبيعية فهي تتجاوز القدرة والتجربة كما حصل هذا الأمر لسيدنا المسيح (عليه السلام) حيث كان يكلّم الناس في المهد وكهلاً وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: "إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ". نستنتج من هذه الآية أنّ الانبياء والاولياء (عليهم السلام) يمكن ان يحصلوا على الولاية التكوينية لكن بإذن وإرادة الله تعالى. عند وجود حالة الخوف من غلبة الشرك يعلّمنا القرآن اسلوب تكرار التوحيد والتركيز عليه كما نجد هذا الأمر جليّاً في الآية: "وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي". ان قوله تعالى «تخرج الموتى» يشير الى امكانية تحقيق عقيدة الرجعة في هذه الدنيا. يؤكد قوله تعالى "وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ" أن الله تعالى لم ولن يتخلّى عن انبياءه بل إنه دائماً يحميهم ويدعمهم لأنهم لا يخطون خطوةً الا لله وله فيها الرضا. عودة مريم(ع) وتكلم عيسى(ع) وهو وليد - 65 2011-11-09 08:42:42 2011-11-09 08:42:42 http://arabic.irib.ir/programs/item/8306 http://arabic.irib.ir/programs/item/8306 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله الهداة الابرار. مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته واهلاً بكم في برنامج القصص الحق، وفي هذه الحلقة التي نواصل فيها الحديث عن قصة سيدنا المسيح (عليه السلام) فنتناول المشهد الذي ذكرتهُ الآيات السابعة والعشرون حتى الثالثة والثلاثين من سورة مريم المباركة. فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية. بدايةً نُنصتُ خاشعين الى تلاوة مُرتَّلة لهذه الآيات. ثم نتعرف على معاني مفرداتها وعباراتها. ونستمع الى حديث سماحة السيد عبد السلام زين العابدين الاُستاذ في العلوم القرآنية حول بعض الاسئلة التي تدور حول الآيات. ثم نُتابع معاً سَرد هذا القسم من الحكاية التي تشير اليها الآيات. ونقدم لحضرتكم رواية عن الامام الباقر (عليه السلام) بشأن حُجَية نبوّة السيد المسيح (عليه السلام). ومسك الختام مع باقة من النقاط والدروس المستفادة من هذه الآيات، فأهلاً ومرحباً بكم الى فقرات هذا اللقاء. المقدمة مستمعينا الكرام جرى الحديث في اللقاء الماضي عن ولاة سيدنا المسيح (سلام الله عليه) ونتحدث اليوم عن عودة اُمه مريم (عليها السلام) إلى المدينة، وقد احتضت طفلها فلمّا رأوا طفلاً حديث الولادة بين يديها فغروا أفواههم تعجباً، فقد كانوا يعرفون ماضي مريم الطاهر، وكانوا قد سمعوا بتقواها وكرامتها. شَكَّ بعضهم وتعجّل آخرون في القضاء والحكم وأُطلقوا ألسنتهم في توبيخها وملامتها. فلنستمع الى خير الكلام القرآن الكريم وهو يُشيرُ الى هذا الحدث العظيم. التلاوة "فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً{27} يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً{28} فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً{29} قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً{30} وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً{31} وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً{32} وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً{33}" المفردات قوله تعالى: "فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً"، يعود ضمير (الهاء) في به وتحمله لعيسى، والفري هو العظيم البديع وقيل: هو من الافتراء بمعنى الكذب، كنايةً عن القبيح المنكر والآية التاليةُ تُؤيد المعنى الأول. والبعض الآخر واجهها، بالقول: "يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً"، فمع وجود مثل هذا الأب والاُم الطاهرين، استنكروا الوضع الذي شاهدوها عليه. أما قولهم لمريم "يَا أُخْتَ هَارُونَ" فقد وقع مثار اختلاف بين المفسّرين، لكن يبدو أن الأصح هو أن هارون رجل طاهر صالح إلى الدرجة التي يضرب به المثل بين بني إسرائيل، فإذا أرادوا أن يصفوا شخصاً بالطهارة والنزاهة، كانوا يقولون: إنّه أخو أو أُخت هارون. قال الله العزيز: (فأشارت إليه) في هذه الساعة، سكتت مريم بأمر الله، والعمل الوحيد الذي قامت به هو أنّها أشارت إلى وليدها إلا أن هذا العمل جعل هؤلاء يتعجبون أكثر، وربما حمل بعضهم على السِخرية، ثم غَضبوا فقالوا: مع قيامك بهذا العمل تسخَرين من قومك أيضاً؟ "قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً". قلق الناس واضطربوا من سماع كلام مريم هذا، بل وربما غضبوا وقالوا لبعضهم البعض حسب بعض الرّوايات: إنّ استهزاءها وسخريتها أشد علينا من انحرافها عن جادّة العفة! إلا أنّ هذه الحالة لم تدم طويلا، لأنّ ذلك الطفل الذي ولد حديثاً قد فتح فاهُ وتكلّم: "قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً{30} وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً"، أي وكذلك جعلني مطيعاً ووفياً لاُمي "وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً" البر يعني الشخص المحسن، في حين إن البر يعني صفة الإنسان، وينبغي الإلتفات إلى أنّ هذه الكلمة في الآية عطف على مباركاً لا على الصلاة والزكاة، والمعنى في الواقع: (جعلني بَّراً بوالدتي). اما كلمة جبار فتطلق على الشخص الذي يعتقد بأنّ له كل الحق على الناس ولايعتقد بأنّ لأحد عليه حقاً. وكذلك يُطلقونها على الذي يضرب الناس ويقتلهم إذا غضب، ولايتبع ما يأمر به العقل، أو أنّه يريد أن يَسُدّ نقصهُ ويغطيه بادعاء العظمة والتكبّر، وهذه كلّها صفات بارزة للطواغيت المستكبرين في كل زمان. والشقي تقال للشخص الذي يُهئ أسباب البلاء والعقاب لنفسه، وبعضهم فَسّرَ ذلك بالذي لايقبل النصيحة. ومن المعلوم أنّ هذين المعنيين لا ينفصلان عن بعضهما. وفي النهاية يقول هذا المولود أي المسيح (عليه السلام): "وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً"، فإنّ هذه الأيّام الثلاثة في حياة الإنسان أيّام مصيرية خطرة، لاتتيسّر السلامة فيها إلا بلطف الله، ولذلك جائت هذه الاية بحق يحيى عليه السلام كما وردت في شأن المسيح عليه السلام، مع الاختلاف بأن الله هو الذي قالها في المورد الأول، أما في المورد الثاني فإن المسيح قد طلب ذلك. ******* زين العابدين: هنالك كذلك آراء متعددة في معنى "قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً". في سورة مريم في الاية التاسعة والعشرين وقبلها " يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً{28} فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً{29} قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً{30}" هنا وقع الحديث كثيراً في عالم التفسير بموضع كان، كيف نكلم من كان في المهد، كان هنا بعضهم قال هنا كان زائدة للتأكيد من غير دلالة على الزمان يعني تأكيد المظروفية كمظروفية المهد وذلك مبالغة منهم في الانكار والتعجب من استخفافهم، يعني كيف نكلم من كان يعني هو ممعن في الصغر، ممعن في الصبا، ممعن في المهد وهذا تاكيد، بعضهم هكذا قالوا ولكن ذهب بعض المفسرين كالعلامة الطباطبائي الى ان هنا كان منعزلة عن الدلالة عن الزمان لما في الكلام من معنى الشرط والجزاء وانه بمعنى من كان صبياً لايمكن تكليمه او بمعنى اخر يسمى كان ولايزال، هنا تأكيد للدلالة على ثبوت الوصف لموصوفه، ثبوتاً يقتضي مضيه عليه وتحقق هذا الوصف فيه لزوم لقوله تعالى يعني في القرآن نجد الكثير من الايات بهذا المعنى "قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً" في سورة الاسراء حينما يقول للنبي ان ينزل اموراً او معاجز يأتي بآيات، جاء الجواب "قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً" كنت يعني تحقق البشرية والرسالة كذلك في قصة بلقيس ملكة سبأ "مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ" ماكنت قاطعة يعني طبيعتي، ديدني هذا، ما كنت قاطعة، لم تقل ما اقطع كذلك في آية سورة الاسراء "وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً"انه كان منصوراً يعني النصرة لازمة، طبعاً اما المهد بعضهم قال المهد ليس فقط السرير الذي يهيأ للصبي لينام عليه وانما حجر الام هو ايضاً مهد "كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ" يعني في حجر امه وبعضهم يقول على ان لادليل على ان القصة حدثت اول رجوعها يعني ربما بعد ان رجعت مريم ووضعت عيسى عليه السلام في المهد فقالوا "كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً" يعني ليس هناك دلالة في الايات على انها اول ما جاءت استقبلوها بهذا الامر او بهذا الاستنكار ربما حينما وضعته في المهد فقالوا "كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً". على كل هذه (كان) لتأكيد انه صبي، كان ولايزال، كان الله غفوراً رحيماً يعني هذا ديدن ولزوم هذا الشيء وكون هذا الشيء من طبيعة هذا الامر. وبخصوص النقطة التي اشرنا اليها قبل هذا الفاصل وهي ان عيسى عليه السلام سلم على نفسه نتعرف على حقيقة هذا الامر من خلال حديث ضيف هذا اللقاء فلنتسمع. ******* قصة سيدنا المسيح ولدت مريم سلام الله عليها المسيح عليه السلام في تلك الظروف الصعبة فعزمت على العودة الى المدينة وكان الوقت عصراً. وكان السوق الكبير يقع في طريقها إلى المسجد وهو يمتلئ بالناس الذين فرغوا من البيع والشراء وجلسوا يتحادثون. لم تكد مريم تتوسط السوق حتى لاحظ الناس أنها تحمل طفلاً، وتضمّه لصدرها وتمشي به في جلالٍ وبُطء. تسائل أحد الفضوليين: أليست هذه مريم العذراء؟ طفل من هذا الذي تحمله على صدرها؟ ثم قال أحدهم: هو طفلها. تُرى أية قصة ستخرج بها علينا؟ وجاء كهنة اليهود يسألونها، إبن من هذا يا مريم؟ لماذا لاتردين؟ هو ابنك قطعا! كيف جاءك ولد وأنت عذراء؟ يا أخت هارون م اكان أَبوك امرأ سوء وما كانت أُمَّك بغيّاً. راحت الاتهامات تسقط عليها وترميها بالبغاء، هكذا مباشرة دون استماع أو تحقيق أو تثبيت، ترميها بالبغاء وتعيرها بأنها من بيت طيب وليست أُمّها بَغيا، فكيف صارت هي كذلك؟ لكنَّها كانت مرفوعة الرأس تومض عيناها بالكبرياء والأُمومة، ويشعُّ من وجهها نورٌ يفيض بالثقة. فلّما زادت الأسئلة وضاق الحال، وانحصر المجال، وامتنع المقال، اشتد توكلها على ذي الجلال وأشارت إليه، أشارت بيدها لعيسى، واندهش الناس، فهموا أنها صائمة عن الكلام وتطلب منهم أن يسألوه هو كيف جاء. تساءل الكهنة ورؤساء اليهود كيف يوجَّهون السؤال لطفل ولد قبل أيام؟ هل يتكلم طفل في لفافته؟. قالوا لمريم: كيف نُكلم من كان في المهد صبياً؟ وفجأةً تَكلّم الطفل بقدرة الله عزوجل فقال عيسى عليه السلام: "قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً{30} وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً{31} وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً{32} وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً{33}". لم يكد عيسي ينتهي من كلامه حتى صارت وجوه الكهنة والأحبار شاحبة، كانوا يشهدون معجزةً تقع أمامهم مباشرة، هذا طفل يتكلم في مهده، طفل جاء بغير أب، طفل يقول أن الله قد آتاه الكتاب وجعله نبياً. هذا يعني أن سلُطتهم في طريقها إلى الانهيار، سيصبح كل واحد فيهم بلا قيمة عندما يكبر هذا الطفل، لن يستطيع أن يبيع صكوك الغفران للناس، أو يحكمهم عن طريق أدعائه أنه ظلُّ السماء على الأرض، أو باعتباره الوحيد العارف في الشريعة. شعر كهنة اليهود بالمأساة الشخصية التي جاءتهم بميلاد هذا الطفل، إن مُجرد مجئ المسيح يعني إعادة الناس إلى عبادة الله وحده. وهذا معناه اعدام الديانة اليهودية الحالية، فالفرق بين تعاليم موسى وتصرفات اليهود كان يشبه الفرق بين نجوم السماء ووحل الطرقات، وتكتَّم رهبان اليهود قصة ميلاد عيسى وكلامه في المهد، واتَّهموا مريم العذراء ببهتان عظيم، اتّهموها بالبغاء، رغم أنهم عاينوا بأنفسهم مُعجزة كلام ابنها في المهد. من هدى الائمة _عليه السلام_ في كتاب الكافي، بإسناده عن بريد الكناسي قال: سألت أبا جعفر الباقر (عليه السلام) أكان عيسى بن مريم حين تكلم في المهد حجة الله على أهل زمانه؟ فقال: كان يومئذ نبياً حجة لله غير مرسل، أما تسمع لقوله حين قال: "قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً{30} وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً{31}". ثم سأله: فكان يومئذ حجة لله على زكريا في تلك الحال وهو في المهد؟ فقال الامام (عليه السلام): كان عيسى في تلك الحال آية لله ورحمة من الله لمريم حين تكلم فعبّر عنها وكان نبياً حجة على من سمع كلامه في تلك الحال. ثم صمت فلم يتكلم حتى مضت له سنتان، وكان زكريا الحجة لله عزوجل بعد صمت عيسى بسنتين. ثم مات زكريا فورثه ابنه يحيى الكتاب والحكمة وهو صبي صغير، أما تسمع لقوله عزوجل: "يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً"، فلماّ بلغ سبع سنين تكلم بالنبوة والرسالة حين أوحى الله إليه، فكان عيسى الحجة على يحيى وعلى الناس أجمعين. ولا تبقى الأرض يا أبا خالد يوماً واحداً بغير حجة لله على الناس منذ يوم خلق الله آدم (عليه السلام) وأسكنه الأرض. دروس وعبر يمكن إدراك فصاحة وبلاغة القرآن الكريم، وخاصة في مثل هذه الموارد، وذلك عند ملاحظة طريقة طرحه لمسألة مهمّة اختلطت بكل تلك الخرافات، في عبارات قصيرة وعميقة، وحيّة، وغنية المحتوى، وناطقة تماماً، بحيث تطرح جانباً كل أنواع الخرافات. بالرغم من إنّ المسيح (عليه السلام) قد ولد بأمر الله النافذ من امرأة بدون زوج، ‌إلا أنّ ما نقرأه في الآيات محلّ البحث عن لسانه، والذي يعدّ فيه «ضمن تعداده لميزاته وأوسمته»‌ برّه باُمه، دليلٌ واضحٌ على أهمّية مقام الاُم، وهي توضّح بصورةٍ ضمنيةٍ أنّ هذا الطفل الصغير الذي نطق بالإعجاز، كان عالماً ومطّلعاً على أنّه ولدٌ نموذجيٌ بين البشر، وأنّه ولد من أمّه فقط دون أن يكون للأب دخل في تكوّنه وولادته. إنّ انجاب البكر مسألة في مقابل قوانين الخلقة وقدرة الله، فهي كما يصوّرها القرآن حيث يقول: "إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ"‌ أي إنّ خرق العادة هذا ليس بأهم من خرق العادة الأوّل، وكذلك الامر بالنسبة لقدرة الحديث لدى عيسى (عليه السلام) وهو في المهد. ‌ ولادة السيد المسيح عليه السلام - 2 - 64 2011-11-02 08:52:25 2011-11-02 08:52:25 http://arabic.irib.ir/programs/item/8305 http://arabic.irib.ir/programs/item/8305 الحمد لله الذي لم يتّخذ ولداً ولم يكن له شريكٌ في الملك ولم يكن له وليٌّ من الذلّ، وصلّى الله على أفضل الانبياء والمرسلين محمدٍ وآله الطاهرين. مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم الى برنامج القصص الحق. ايها الاحبة في هذه الحلقة من البرنامج نحطّ الرحال عند تكملة قصة ولادة السيد المسيح عليه السلام التي ذكرت في الايات 22 حتى 26 من سورة مريم المباركة فتابعونا أيها الكرام ضمن الفقرات التالية: * بعد مقدمّة قصيرة ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الايات ثم نتطرّق الى معانى مفرداتها وعباراتها. *سماحة السيد عبد السلام زين العابدين الاستاذ في العلوم القرآنية يسلّط الضوء على بعض النقاط الواردة في هذه الآيات ثم نتابع معاً سرد حكاية ولادة السيد المسيح عليه السلام. * ونواصل البرنامج بتقديم روايتين عن الامام السجاد والامام الصادق عليهما السلام بشأن الموضوع. * ومسك الختام مع باقةٍ من الدروس والنقاط المهمة المأخوذة من هذه الحكاية… فأهلاً ومرحباً بكم الى فقرات هذا اللقاء. المقدمة جرى الحديث في اللقاء الماضي كيف انّ الروح الأمين نزل على السيدة مريم ليبشّرها بعيسى عليه السلام وكيف أنها استسلمت لأمر ربّها عزوجل وأخيراً حملت بطفلها لكنها كانت قلقةً من مواجهة قومها عندما يرون أنها تحمل طفلاً بيدها وهي لم تتزوج، و ما إلى ذلك من الهواجس والقلق، ندعوكم لمتابعة هذه الحلقة حتى نتعرف عليها أكثر فأكثر، اذن لنستمع الى تلاوة هذه الآيات بداية.... التلاوة "فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً{22} فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً{23} فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً{24} وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً{25} فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً{26}" المفردات وأخيراً حملت السيدة مريم، واستقرّ ذلك الولد الموعود في رحمها: "فَحَمَلَتْهُ" ولم يتحدّث القرآن عن كيفية نشوء وتكوّن هذا المولود، الأمرالذي تسبّب في أن تبتعد عن بيت المقدس "فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً". لقد كانت تعيش في حالة بين الخوف والأمل، حالةٍ من القلق والإضطراب المشوب بالسرور، فهي تفكّر أحياناً بأنّ هذا الحمل سيفتضح أمره في النهاية، فالأفضل أن تبقى بعيدة عن أولئك الذين يعرفونها عدّة أيّامٍ أو أشهر، وأن تعيش في هذا المكان بصورةٍ مجهولة …لكنّ أسئلةً كانت تراودها مثل من الذي سيقتنع بأنّ إمرأةً لا زوج لها تحمل دون أن تكون قد تلوّثت بالرذيلة؟ فماذا سأفعل تجاه هذا الإتّهام؟ والحقّ أنّ من المؤلم جدّاً بالنسبة لفتاةٍ كانت لسنين طويلةٍ نموذجاً وقدوةً للطهارة والعفّة والتقوى والورع، ومثالاً في العبادة والعبودية لله، وكان زهّاد بني إسرائيل يفتخرون بكفالتها منذ الطفولة، وقد تربّت وترعرعت في ظلّ نبيٍّ كبير، وقد شاع أمر سجاياها وقداستها في كلّ مكان، أن تحسّ في يومٍ ما أنّ كلّ هذا الرصيد المعنويّ مهدّدٌ بالخطر، وستكون غرضاً ومرمىً لاتّهام يعتبر أسوء وأقبح أتّهام، وكانت هذه هي المصيبة الثالثة التي وقعت لها. إلاّ أنّها من جهةٍ أخرى كانت تحسّ أنّ هذا المولود، نبىّ الله الموعود، تحفةٌ سماويةٌ نفيسةٌ، فإنّ الله الذي بشّرها بمثل هذا الغلام، وخلقه بهذه الصورة الإعجازية كيف سيذرها وحيدةً؟ فهل من المعقول أن لايدافع عنها في المقابل مثل هذا الإتّهام؟ فهي التي رأت وجرّبت لطفه على الدوام، ومهما كان فقد انتهت مدّة الحمل، وبدأت لحظات تلاطم أمواج حياة مريم، وقد دفعها ألم الولادة الشديد الذي هاج فيها إلى ترك الأماكن المعمورة والتوجّه إلى الصحارى الخالية من البشر، والقاحلة التي لا عشب فيها ولا ماء ولا مأوى. ومع أنّ النساء يلجأن عادةً في مثل هذه الحالة إلى المعارف والأصدقاء ليساعدوهنّ على الولادة، إلاّ أنّ وضع مريم لما كان استثنائياً، ولم تكن تريد أن يرى أحدٌ وضع حملها مطلقاً، فإنّها اتّخذت طريق الصحراء بمجرّد أن بدأ ألم الولادة ويقول القرآن في ذلك: "فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ". إنّ التعبير بـ(جذع النخلة)، وبملاحظة أنّ الجذع يعني بدن الشجرة، يوحي بأنّه لم يبق من تلك الشجرة إلاّ جذعها وبدنها، أي إنّ الشجرة كانت يابسة... في هذا الحال غمر كلّ وجود مريم الطاهر سيل من الغمّ والحزن، وأحسّت بأنّ اللحظة التي كانت تخشاها قد حانت، اللحظة التي مهما أخفيت فإنّها ستتّضح هناك، وسيتّجه نحوها سيلٌ من سهام الإتّهام التي سيرشقها بها الناس… لقد كان هذا الإضطراب والصراع صعباً جدّاً، وقد أثقل كاهلها إلى الحدّ الذي تكلّمت فيه بلا إرادةٍ و "قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً". إلاّ أنّ هذه الحالة لم تدم طويلاً، فقد سطعت ومضة الأمل التي كانت موجودةً دائماً في أعماق قلبها، وطرق سمعها صوتٌ "فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً" وانظري إلى الأعلى كيف أنّ هذا الجذع اليابس قد تحوّل إلى نخلةٍ مثمرةٍ "وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً" اي بالمولود الجديد "فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً". وهذا الصوم هو المعروف بصوم السكوت… وخلاصة الأمر، إنّ مريم لاتحتاج إلى الدفاع عن نفسها، فإنّ الذي وهبها هذا الوليد قد تعهّد بمهمّة الدفاع عنها أيضاً، وعلى هذا خاطبها بما مؤدّاه: فليهدأ روعك يا مريم من كلّ الجهات، ولاتدعي للهمّ طريقاً إلى نفسك… إنّ هذه الحوادث المتلاحقة التي سطعت كالشرر المضيء الوهّاج في الظلام الدامس، قد أضاءت كلّ أرجاء قلبها، وألقت عليها الهدوء والإطمئنان. لا شكّ أنّ طلب الموت من الله عملٌ غير صحيح، إلاّ أنّه قد تقع حوادث في حياة الإنسان يصبح فيها طعم الحياة مرّاً، وخاصّةً إذا رأى الإنسان أهدافه المقدّسة أو شرفه وشخصيّته مهدّدةً بالخطر، ولايملك قدرة الدفاع عن نفسه أمامها، وفي مثل هذه ظروف يتمنّى الإنسان الموت للخلاص من العذاب الروحي. لقد خطرت في ذهن مريم في اللحظات الأولى هذه الأفكار، وتصوّرت بأنّ كلّ وجودها وكيانها وماء وجهها مهدّدٌ بالخطر أمام هؤلاء الناس الجهلاء نتيجة ولادة هذا المولود، وفي هذه اللحظات تمنّت الموت، وهذا بحدّ ذاته دليلٌ على أنّها كانت تحبّ عفّتها وطهارتها وتهتمّ بهما أكثر من روحها، وتعتبرحفظ ماء وجهها أغلى من حياتها. إلّا إنّ مثل هذه الأفكار ربما لم تدم إلاّ لحظاتٍ قصيرةً جدّاً، ولمّا رأت تلك المعجزتين الإلهيتين-إنبعاث عين الماء، وحمل النخلة اليابسة- زالت كلّ تلك الأفكار عن روحها، وغمر قلبها نور الإطمئنان والهدوء.******* زين العابدين: طبعاً المعجزة اذا كان تعريفها انها برهان على صحة الرسالة فيمكن ان نعتبر ماحصل لمريم من باب الكرامات، الكرامة ممكن ان تكون لغير الانبياء اما المعجزة، اذا عرفنا المعجزة بالمعنى الاخص يعني انها برهان على حجة الرسالة وصدق النبوة ممكن ان نعتبر ماحصل لمريم من باب الكرامات والكرامات عامة او نقول انها معجزة اذا كانت لأثبات نبوة عيسى عليه السلام ولاشك ان ولادته عليه السلام غير الطبيعية هي من اكبر الايات على كونه ليس طبيعياً، كونه نبياً وانه نبي من الانبياء ربما لو اعتبرنا هذه خاص لمريم فتعتبر كرامة اما اذا اعتبرنا هذه الولادة غير الطبيعية تساهم في تصديق الناس لنبوة عيسى عليه السلام فيمكن ان تعتبر معجزة وان حصلت لمريم ولكن عيسى يساهم في هذه المعجزة لأنه هو الذي ولد فيمكن ان تنسب هذه المعجزة الى عيسى عليه السلام. إنّ المعجزة إذاً كانت مختصةً بالأنبياء والأئمة(عليهم السلام)، فكيف ظهرت مثل هذه المعجزات لمريم المقدسة سلام الله عليها؟ ******* القصة ولادة المسيح بعد ان نزل الروح من عند الله تعالى على مريم سلام الله عليها ليهبها ولداً زكياً خرجت سلام الله عليها إلى مكانٍ بعيدٍ حيث قادتها قدماها إلى مكانٍ يمتلئ بالشجر والنخل، مكانٍ لايقصده أحدٌ لبعده...مكانٍ لايعرفه غيرها...لم يكن الناس يعرفون أنّ مريم حاملٌ... وأنها ستلد.. كان المحراب مغلقاً عليها، والناس يعرفون أنها تتعبد فلايقترب منها أحد. جلست مريم تستريح تحت جذع نخلةٍ، لم تكن نخلةً كاملةً، إنّما جذعٌ فقط، لتظهر معجزات الله سبحانه وتعالى لمريم عند ولادة عيسى فيطمئنّ قلبها... وراحت تفكّر في نفسها...كانت تشعر بألم... وراح الألم يتزايد ويجيء في مراحل متقاربةٍ... وبدأت مريم تلد وهي تفكّر بالاضافة الى صعوبة المخاض الذي يتمّ من دون مساعدة القابلة تفكّر ما سيوجّه إليها من اتّهاماتٍ بخصوص هذا الوليد...كيف يستقبل الناس طفلها هذا؟ وماذا يقولون عنها؟ إنهم يعرفون أنها عذراء... فكيف تلد العذراء؟ هل يصدّق الناس أنها ولدته بغير أن يمسسها بشرٌ؟ وتصوّرت نظرات الشكّ.. وكلمات الفضول… وتعليقات الناس... وامتلأ قلبها بالحزن... قالت يا ليتني متُّ قبل هذا وكنت نسياً منسيّاً وولّدت في نفس اللحظة… من قدّر أن يحمل في قلبه أحزان البشرية... لم تكد مريم تنتهي من تمنّيها الموت والنسيان، حتى سمعت نداء طفلها يقول لها: "أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً{24} وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً{25} فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً{26}" نظرت مريم إلى المسيح... سمعته يطلب منها أن تكفّ عن حزنها... ويطلب منها أن تهزّ جذع النخلةٍ لتسقط عليها بعض ثمارها الشهية... فلتاكل، ولتشرب، ولتمتلئ بالسلام والفرح ولا تفكّر في شيءٍ... فإذا رأت من البشر أحداً فلتقل لهم إنّها نذرت للرحمن صوماً فلن تكلّم اليوم إنسانا... ولتدع له الباقي... لم تكد تلمس جذعها حتى تساقط عليها رطبٌ شهيّ... فأكلت وشربت ولفّت الطفل في ملابسها... وألصقته بقلبها واستسلمت لعذوبة النوم… كان تفكير مريم العذراء كلّه يدور حول مركزٍ واحدٍ...هو عيسى، وهي تتساءل بينها وبين نفسها: كيف يستقبله اليهود؟ ماذا يقولون فيه؟ هل يصدّق أحدٌ من كهنة اليهود الذين يعيشون على الغشّ والخديعة والسرقة؟ هل يصدّق أحدهم وهو بعيدٌ عن السماء أنّ السماء هي التي رزقتها بطفلٍ؟ إنّ موعد خلوتها ينتهي، ولابدّ أن تعود إلى قومها... فماذا يقول الناس؟ من هدى الائمة _عليه السلام_ ورد عن علي بن الحسين(عليه السلام) في حديث: "صوم السكوت حرام" وذلك لإختلاف الظروف في ذلك الزمان عن ظروف زمن ظهور الإسلام. إلّا أنّ أحد آداب الصوم الكامل في الإسلام أن يحفظ الإنسان لسانه من التلوّث بالمعاصي والمكروهات خلال صيامه، وكذلك يصون عينه من الزلل والذنب، كما نقرأ ذلك في حديثٍ عن الإمام الصادق(عليه السلام):"إنّ الصوم ليس من الطعام والشراب وحده، إنّ مريم قالت: إنّي نذرت للرحمن صوماً، أي صمتاً، فاحفظوا ألسنتكم، وغضّوا أبصاركم، ولا تحاسدوا ولا تنازعوا". دروس وعبر * إنّ من البديهيّ أنّ الخوف من التهم في المستقبل لم يكن الشيء الوحيد الذي كان يعصر قلب مريم ويقلقها، وإن كان هذا الموضوع يشغل فكر مريم أكثر من أيّة مسألةٍ أخرى، إلاّ أنّ مشاكل ومصائب أخرى كوضع الحمل لوحدها بدون قابلةٍ وصديقٍ ومعينٍ في الصحارى الخالية، وعدم وجود مكانٍ للإستراحة، وعدم وجود الماء للشرب، والطعام للأكل، وعدم وجود وسيلةٍ لحفظ المولود الجديد، وغير هذه الأمور كانت تهزّها من الأعماق بشدّة. * إنّ الحوادث التي مرّت على مريم في هذه المدّة القصيرة، والمشاهد والمواقف التي تثير الإعجاب، والتي حدثت لها بلطف الله، كانت تهيّئها وتعدّها من أجل تربية نبيٍ من أولي العزم، ولتستطيع أن تؤدّي وظيفة الأمومة من خلال هذا الأمر الخطير على أحسن وجه. * جملة "وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ" التي تأمر مريم بتحريك النخلة لتستفيد من ثمرها، أعطت درساً لها ولكلّ البشر، بأن لايكفّوا عن الجدّ والسعي حتى في أشدّ لحظات الحياة وأصعبها وأنّه لا بركة بدون حركة. فإنّ على كلّ إنسانٍ أن يبذل قصارى جهده عند ظهور المشاكل، وما وراء ذلك فعلى الله. * يدلّ ظاهر الآيات المذكورة على أنّ مريم كانت مأمورةً بالسكوت لمصلحةٍ، وأنّ تمتنع عن الكلام بأمر الله في هذه المدّة المعيّنة، حيث تتحرك شفتاً وليدها عيسى بالكلام ويدافع عن عفّتها، وهذا أكثر تأثيراً من كلّ الجهات. ويظهر من تعبير الآية أنّ نذر صوم السكوت كان أمراً معروفاً في ذلك المجتمع، ولهذا لم يعترضوا على هذا العمل. غير أنّ هذا النوع من الصوم غير جائزٍ في شريعتنا. ولادة السيد المسيح عليه السلام - 1 - 63 2011-10-26 09:23:39 2011-10-26 09:23:39 http://arabic.irib.ir/programs/item/8304 http://arabic.irib.ir/programs/item/8304 الحمد لله الذي خلق كل شئ وقدره والحمد لله الذي له الأمر جميعا ومدبره وافضل الصلاة والسلام على النبي الهادي الامين محمد واله الطيبين الطاهرين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته واهلا بكم الى برنامج القصص الحق. في هذه الحلقة يجري الحديث عن قصة ولادة سيدنا المسيح سلام الله تعالى عليه التي ذكرت في سورة مريم من الاية 16 الى الآية 21. اذن رافقونا مستمعينا الكرام في هذا البرنامج واليكم أولاً استعراضا لمحطاته. بدايةً نقدم لكم تلاوة عطرة لهذه الايات المباركة ثم نتعرف على معاني المفردات والعبارات القرآنية الواردة فيها. نستمع بعدها الى حديث ضيف هذا اللقاء عن سبب اعتزال السيدة مريم الناس وايضا عن تمثل احد الملائكة بشراً سوياً لمريم، لننتقل بعد ذلك الى محطة الحكاية ونتابع تفاصيلها، ثم نتعرف من معين علوم اهل البيت عليهم السلام في فقرة من هدي اهل البيت. ورواية عن الامام الباقر عليه السلام. واخيراً مع باقة من الدروس والنقاط المهمة المستقاة من هذه القصة القرآنية، فاهلاً بكم الى هذا البرنامج. المقدمة كانت السيدة مريم مثالاً للعبادة والتقوى، وأسبغ الله تعالى عليها فضله ونعمه وأظهرها للناس، كما إنّ الملائكة قد تنزلت عليها وأخبرتها أن الله اختارها، وطهرها واختارها وجعلها سيدة لنساء عالمها ثم قالت لها: "يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ". كل ذلك إنما كان تمهيدا للمعجزة العظمى التي خلدها القرآن الكريم، حيث ولد عيسى عليه السلام من هذه المرأة الطاهرة النقية، دون أن يكون له أب كسائر الخلق، قال الله تعالى: التلاوة "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً{16} فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً{17} قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً{18} قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً{19} قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً{20} قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً{21}" المفردات تقول الآية الأولى: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً" فقد كانت تبحث عن مكان خال من كلّ نوع من التشويش والضوضاء حتى لايشغلها شئ عن مناجاتها ويصرفها ولو لفترة وجيزة عن ذكر الله، ولذلك اختارت شرقي بيت المقدس، ذلك المعبد الكبير، لعله يكون مكاناً أكثر هدوءاً، أو أنّه كان أنظف وأنسب من جهة أشعة الشمس ونورها. كلمة «انتبذت» أُخذت من مادة (نبذ) وهي تعني إلقاء وإبعاد الأشياء التي لاتسترعي الإنتباه، وربّما كان هذا التعبير في الآية إشارة إلى أن مريم قد اعتزلت بصورة متواضعة ومجهولة وخالية من كل ما يجلب الإنتباه، واختارت ذلك المكان من بيت الله للعبادة. في هذه الأثناء ومن أجل أن تكمل مريم مكان خلوتها واعتكافها من كل جهة قامت بما حكاه قوله تعالى: "فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً"، ولم تصرّح الآية بالهدف من اتخاذ هذا الحجاب، فهل أنّه كان من أجل أن تناجي ربها بحرية أكبر، وتستطيع عند خلوّ هذا المكان من كل ما يشغل القلب والحواس أن تتوجه إلى العبادة والدعاء؟ أو اي شئ آخر. على كل حال تقول الآية: "فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً"، والروح أحد الملائكة العظام حيث تجسد لمريم على شكل انسان جميل لاعيب فيه ولانقص. مفردة « التمثل» التي وردت في الآية هي في الأصل من «المثول»، أي الوقوف مقابل شخص أو شئ، ويقولون للشئ الذي يظهر بصورة اخرى ممثلا، وعلى هذا فأن قوله: "فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً" تعني أنّ ذلك الملك قد ظهر بصورة إنسان. اما الحالة التي اعترت مريم في تلك اللحظة واضحة جداً، فمريم التي عاشت دائماً نقيّة الجيب، وتربت في أحضان الطاهرين، وكان يضرب بها المثل بين الناس في العفة والتقوى، كم داخلها من الرعب والإضطراب عند مشاهدة هذا المنظر، وهو دخول رجلٍ أجنبي جميل في محل خلوتها! ولذلك فإنها مباشرة "قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً"، وكانت هذه أوّل هزّةٍ عمّت كل وجود مريم. لقد كانت مريم تنتظر رد فعل ذلك الشخص المجهول بعد أن تفوّهت بهذه الكلمات إنتظاراً مشوباً بالإضطراب والقلق الشديد، إلا أن هذه الحالة لم تطل فقد كلّمها ذلك الشخص، ووضح مهمّته ورسالتهُ العظيمة "قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ". لقد كانت هذه الجملة كالماء الذي يلقى على النار، فقد طمأنت قلب مريم الطاهر، إلاّ أنّ هذا الإطمئنان لم يدم طويلا، لأنّه أضاف مباشرة "لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً". لقد اهتز كيان ووجود مريم لدى سماع هذا الكلام، وغاصت مرة أُخرى في قلق شديد "قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً". لقد كانت تفكر في تلك الحالة في الأسباب الطبيعية فقط، وكانت تظن أن المرأة يمكنها أن تكون ذات ولد عن طريقين لاثالث لهما، أمّا الزواج أو التلوث بالرذيلة والانحراف، وإني أعرف نفسي أكثر من أي شخص آخر، فإني لم أختر زوجاً لحد الآن، ولم أكن امرأة منحرفة قط، ولم يسمع لحّد الآن أن شخصاً يولد له ولد من غير هذين الطريقين!. لكن أمواج هذا القلق المتلاطمة لدى مريم عليها السلام هدأت بسرعة عند سماع كلام آخر من رسول الله إليها، فقد خاطب مريم بصراحة: "قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ"، فقد احتوت كلمة كذلك تذكيرها باُمورٍ عجيبة رأتها مريم سلام الله عليها مثل ثمار الجنّة التي جاءتها في فصل لايوجد شبيه لتلك الفاكهة في الدنيا الى جنب محراب عبادتها، سماعها نداء الملائكة حين شهدت بعفّتها وطهارتها، علمها ان آدم قد خُلق من التراب، فلماذا هذا التعجب من سماع هذا الخبر؟ ثم أضاف الرسول: "وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا"، فهو للناس رحمة من عند الله، ومعجزته، وعلى كل حال "وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً"، فلا مجال بعد ذلك للمناقشة. إن كل المفسرين المعروفين تقريباً فسّروا الروح هنا بأنه جبرئيل ملك الله العظيم، والتعبير عنه بالروح لأنه روحاني، ووجود مفيض للحياة، لأنه حامل الرسالة الإلهية إلى الأنبياء وفيها حياة جميع البشر اللائقين، وإضافة الروح هنا إلى الله دليل على عظمة وشرف هذا الروح، حيث إنّ من أقسام الإضافة هي (الإضافة التشريفية). ******* زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً هنا الحجاب لم يكن من اجل اعتزال الناس لأن مريم عليها السلام كانت منذورة كما نذرتها امها "إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي" اذن هي كانت منذورة وكانت في خدمة المعبد، في خدمة بيت المقدس، كانت هناك تعمل الاعمال المتعددة والمتنوعة، هذا الاعتزال حينما ادركت وبلغت مريم عليها السلام مبلغ النساء ضرب لها زكريا كافلها حجاباً فكانت تعبد الله سبحانه وتعالى فيه ولايدخل عليها فيه الا هو فهنا الاعتزال كان ايجابياً وليس الاعتزال السلبي فهي لن تترك الناس وتبتعد عن الناس يأساً وقنوطاً ورهبانية وانما كانت في خدمة المعبد، في خدمة بيت المقدس والاعتكاف في المسجد والتفرغ الى العبادة "كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً" هنا يعني هذه العبادة الخالصة "قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ" يرزق من يشاء يعني يرزق، الله حكيم من يشاء يعني يستحق الرزق، الانسان المخلص المتهجد والمتعبد لله عزوجل فهذا الحجاب للعبادة والتهجد وليس للرهبانية ولهذا بعضهم قال الحجاب للغسل، في بعض الموارد المرأة تحتاج الى غسل وهناك ربما التفسير الاول يعني اتخذت من دونه "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً" يعني شرق المسجد الاقصى، بيت المقدس بعيداً عن الناس للمناجات والاعتكاف "إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا" كلمة جداً رائعة "إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً" هنا يعني بعيداً عن الاضواء اخلاصاً لله وتهجداً لله عزوجل وانقطاعاً وهذا طبعاً لايعني ان مريم كانت بعيدة عن الناس بالعكس كانت مريم تداري الفقراء والمساكين والمرضى وكانت تقوم بأعمال واعباء بيت المقدس التي انيطت بها ولهذا كرمها الله عزوجل "كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً" اذن الاعتكاف هنا ليس الاعتكاف السلبي وانما كانت منذورة وكانت في خدمة المعبد ولهذا "فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً" حينما ادركت وبلغت طبعاً حتى لايراها من يدخل المسجد وهذا يعني قمة العفاف والعفة لمريم عليها السلام. زين العابدين: طبعاً هذه حكمة الله عزوجل ان تكون اجابة عيسى عن هذا الطريق "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" هذه الحكمة الربانية طبعاً "فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا" وهو جبرئيل عليه السلام "فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً{17} قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً{18} قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً{19} قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً{20} قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً{21}" كما نقرأ في سورة مريم، هذه طبعاً لها دروس وعبر كبيرة اولاً ليبين مدى عظمة هذه المرأة الطاهرة التي يتمثل لها ملك كجبرئيل عليه السلام ليكلمها، ثانياً درس اخر يعبر عن مدى طهارتها وعفافها وعفتها، ضربت على الوتر الحساس يعني التقوى يعني هذا الذي جاء اليها وحسبته انه سيمسها بسوء فقالت "إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً" بينما يوسف عليه السلام جائت امرأة العزيز "قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي" انظري معاذ الله مفعول مطلق بالنسبة ليوسف بينما مريم كانت امرأة ضعيفة وجاءها رجل فقالت "إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن" دعت بكلمة الرحمن وليس كلمة الله، ثالثاً "ولَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى " هنا الله عزوجل اراد لمريم ان تكون هي معجزة وابنها كذلك معجزة، ان تلد عن طريق المعجزة، اذن هناك معجزتان لمريم، وهذا القول "لَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى" هذا يذكر انه كان لله عزوجل وليس لأم مريم "لَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى" يعني هنا الانثى افضل من الذكر "ولَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى" يعني ستكون في هذا الامر معاجز متعددة، اربعة ولادة عيسى بطريقة غير طبيعية فيه درس كبير على قدرة الله عزوجل، يهب ولداً من دون زوج. "كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ" في قصة مريم بينما في قصة زكرياً "كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ" فرق بين يفعل مايشاء لأن المقتضي موجود في قضية زكريا وزوج زكريا عليه السلام بينما في قضية مريم المقتضي غير موجود فجاء الفعل "كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ" بينما في قصة زكريا "كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ" لأن رفع الموانع هو فعل فهنا هذه القدرة الالهية المطلقة التي تجعل الانسان لاييأس من ان يرزق بولد مهما كانت الاسباب ومهما كانت المعوقات ومهما كانت الموانع، رفع المانع فعل بينما في قصة مريم لن يكن هناك مقتضي، لم يكن هناك زوج وهذا درس كبير لأهمية المرأة واهمية التوكل على الله عزوجل وعلى القدرة المطلقة. *******لم تذكر الآيات سبب اعتزال السيدة مريم من الناس وانها اتخذت من دونهم حجاباً الا يدل هذا الامر على التحريض على مسألة الاعتزال؟. ما هي الغاية من ان يتمثل احد الملائكة بشراً سوياً لمريم سلام الله عليها حتى يبشرها بعيسى عليه السلام، وما الضير في ان يولد عليه السلام من اب وام؟. القصة كانت السيدة مريم سلام الله عليها تقضي معظم اوقاتها بالعبادة والتضرع الى الله وقد ملأ قلبها إحساس مفاجئ بأن شيئاً عظيما يوشك أن يقع. جاءها جبريل عليه السلام وهي في المحراب على صورة بشر في غاية الجمال. فخافت مريم وقالت: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً، أرادت أن تحتمي بالله، سألته هل هو إنسان طيب يعرف الله ويتقيه. فجاء جوابه ليطمئنها بأنه يخاف الله ويتقيه: قال إنّما أنا رسول ربّك لأهب لك غلاماً زكياً. اطمئنت مريم للغريب، لكن سرعان ما تذكرت ما قاله: "لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً". استغربت مريم العذراء من ذلك، فلم يمسسها بشر من قبل ولم تتزوج، ولم يخطبها أحد، كيف تنجب بغير زواج!! فقالت لرسول ربها أنّى يكون لي غلامٌ ولم يمسسني بشر ولم أك بغياً، قال الروح الأمين: كذلك قال ربك هو عليَّ هيَّن ولنجعله آية للناس ورحمة منا "وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً". استقبل عقل مريم كلمات الروح الأمين، ألم يقل لها إن هذا هو أمر الله؟ وكل شئ ينفذ إذا أمر الله. ثم أي غرابة في أن تلد من غير أن يمسسها بشر؟ لقد خلق الله سبحانه وتعالى آدم من غير أب وأم، لم يكن هناك ذَكَر وأنثى قبل خلق آدم. وخلقت حواء من آدم فهي قد خُلقت من ذكر بغير أنثى. ويخلق ابنها من غير أب، يُخلق من أنثى بغير ذكر. والعادة أن يُخلق الإنسان من ذكر وأنثى، والعادة أن يكون له أب وأم، لكن المعجزة تقع عندما يريد الله تعالى أن تقع. عاد جبريل عليه السلام يتحدث: إن الله يُبشرَّك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويُكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين، زادت دهشة مريم قبل أن تحمله في بطنها تعرف اسمه، وتعرف أنه سيكون وجيها عند الله وعند الناس، وتعرف أنه سيكلم الناس وهو طفل وهو كبير، وقبل أن يتحرك فم مريم بسؤال آخر، نفخ جبريل عليه السلام في جيب مريم، الجيب هو شق الثوب الذي يكون في الصدر، فحملت فورا. ومرّت الأيام..كان حملها يختلف عن حمل النساء، لم تمرض ولم تشعر بثقل ولا أحسَّت أن شيئاً زاد عليها ولا ارتفع بطنها كعادة النساء، كان حملها به نعمة طيبة. وجاء الشهر التاسع، وفي العلماء من يقول إن الفاء تفيد التعقيب السريع، بمعنى أن مريم لم تحمل بعيسى تسعة أشهر، و إنما ولدته مباشرةً كمعجزة. من هدى الائمة _عليه السلام_ روي عن الامام الباقر (عليه السلام): أنه يعني جبريل تناول جيب مدرعتها فنفخ فيه نفخة فكمل الولد في الرحم من ساعته كما يكمل الولد في أرحام النساء تسعة أشهر فخرجت من المستحم وهي حامل محج مثقل، فنظرت إليها خالتها فأنكرتها ومضت مريم على وجهها مستحية من خالتها ومن زكريا، وقيل: كانت مدة حملها تسع ساعات، وهذا مروي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام). دروس وعبر إن ذكر اسم الرحمان في الآية: قالت إنّي أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً، ووصفه برحمته العامّة من جهة، وترغيب الرجل في التقوى والإمتناع عن المعصية من جهة اُخرى كان من أجل أن يرتدع هذا الشخص المجهول إن كانت له نيّةٌ سيّئة في إرتكاب المعصية، والأهم من ذلك كلّه هو الإلتجاء إلى الله، فألله الذي يلتجئ إليه الإنسان في أحلك الظروف، ولاتقف أيّة قدرة أمام قدرته، هو الذي سيحل المعضلات. كما أن اللجوء الى الله تعالى لاسيما في الظروف الصعبة هو من تعاليم الانبياء عليهم السلام. لاتنحصر مهمة الملائكة في ابلاغ الوحي بل إنهم اسباب ووسطاء لتنفيذ اوامر الله تعالى، ويؤكد هذا الامر قوله تعالى: "أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً". ويستفاد من الآية "فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا"، بصورة ضمنية أن نزول جبريل لم يكن مختصاً بالأنبياء، وإن كان نزوله بالوحي والشريعة والكتب السماوية منحصراً فيهم، إلا أنه لا مانع من أن يواجه غير الأنبياء من أجل تبليغ رسائل وأوامر اُخرى، كرسالته المذكورة إلى مريم. يشير قول مريم سلام الله عليها: "وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً" أنّ الزنا كان عملاً مرفوضاً منذُ قديم الزمان بل وفي جميع الشرائع السماوية. زكريا (ع) - 62 2011-10-18 08:40:23 2011-10-18 08:40:23 http://arabic.irib.ir/programs/item/8303 http://arabic.irib.ir/programs/item/8303 بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله رب العالمين والصلاه والسلام على رسوله الامين وآله الهداه الابرار الميامين. مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمه الله وبركاته وأهلاً بكم الى برنامج القصص الحق. • ايها الأحبه في هذه الحلقة من البرنامج نحطّ الرحال عند قصة نبي الله زكريا(ع) التي ذكرت في الآيات 38 حتى 41 من سورة آل عمران المباركة. فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية: • بعد مقدمة قصيرة ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الآيات ثم نتطرق الى معاني مفرداتها وعباراتها. • سماحة السيد عبدالسلام زين العابدين الاستاذ في العلوم القرآنية يسلط الضوء على بعض النقاط الواردة في هذه الآيات. • ثم نتابع معاً سرد حكاية زكريا النبي(ع). • ونواصل البرنامج بتقديم رواية عن الامام الصادق(ع) بشأن الموضوع. • ومسك الختام مع باقة من الدروس والعبر المأخوذة من هذه الحكاية. فأهلاً ومرحبا بكم الى فقرات هذا اللقاء المقدمة في الحلقة الماضية جرى الحديث حول السيدة مريم (ع) كيف ولدت وان زكريا النبي الذي كان زوجاً لخالتها تكفل برعايتها حيث رأى(ع) زهدها وعبادتها وانقطاعها الى الله تعالى وكيف انه عزوجل رزقها من طعام الجنة وعند ذلك تمنى أن يرزق هو أيضاً ذرية صالحة وطاهرة وتقيّة مثل مريم، بحيث تكون آية على عظمة الله وتوحيده، وعلى الرغم من كبر سن زكريّا وزوجته، وبعدهما من الناحية الطبيعيّة عن أن يرزقا طفلاً، فإن حبّ الله ومشاهدة الفواكه الطرية في غير وقتها في محراب عبادة مريم، ملأ قلبه أملاً بإمكان حصوله في فصل شيخوخته على ثمرة الأبوّة، لذلك راح يتضرّع إلى الله طالباً منه ان يرزقه ذرية طيبة. اجل، مستمعينا الكرام هذه الحكاية نقلت في الآيات التالية وهي 38 حتى 41 من سورة آل عمران فلننصت خاشعين الى تلاوتها. التلاوة "هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء(38) فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ(39). قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ(40). قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ(41)." المفردات يذكر القرآن الكريم "هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء" مفردة الـ "ذُرِّيَّةً " في الأصل بمعنى الأولاد الصغار وقد يطلق على الكبار أيضاً، وإن كان هذا المصطلح في الأصل صفة للجمع، ولكن يطلق على المفرد أيضاً كما قال الراغب في مفرداته، وقد جاءت كلمة «طيبة» بصورة مؤنثة مع أن النبيّ زكريا(عليه السلام) كان قد طلب الابن، فيظهر أنّ ذلك مراعاة لظاهر لفظ"ذُرِّيَّةً ". ولم يمض وقت طويل حتى أجاب الله دعاء زكريّا:"فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى". وفيما كان يعبد الله في محرابه، نادته ملائكة الله وقالت له: إن الله يبشرك بمولود اسمه يحيى، بل إنهم لم يكتفوا بهذه البشارة حتى ذكروا للمولود خمس صفات: أولاً: سوف يؤمن بالمسيح ويشدّ أزره بهذا الإيمان: "مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ ". و«كلمة الله» هنا وفي مواضع أخرى من القرآن تعنى المسيح(عليه السلام)- وقد جاء في التاريخ أنّ يحيى كان يكبر عيسى ستة أشهر، وكان أول من آمن به، وإذا كان قد اشتهر بين الناس بالطهر والزهد، فقد كان لإيمانه هذا بالمسيح تأثير كبيرٌ على الناس، في توجيههم وحثهم على الإيمان به. وثانياً: سيكون من حيث العلم والعمل قائداً للناس (وسيّداً)، كما أنه سيحفظ نفسه عن الشهوات الجامحة وعن التلوث بحبّ الدنيا. وثالثاً: «الحصور» من الحصر، أي الذي يضع نفسه موضع المحاصرة، أو الذي يمتنع عن الزواج، وإلى هذا ذهب بعض المفسرين، كما اشير إليه في بعض الأحاديث. ورابعاً وخامساً: من مميزاته أيضاً أنه سيكون «نبياً» (وجاءت هذه الكلمة بصيغة النكرة للدلالة على العظمة) وأنه من الصالحين. "وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ". أما اسم «يحيى» فهو مأخوذ من الحياة وتعنى البقاء حياً، وقد اختيرت هذه الكلمة اسماً لهذا النبيّ العظيم، والمقصود بالحياة هنا هي الحياة المادّية والحياة المعنوية في نور الإيمان ومقام النبوّة والإرتباط بالله، هذا الاسم قد إختاره الله له قبل أن يولد أجل مستمعينا الكرام لما سمع زكريا بهذه البشارة الالهية غرق فرحاً وسروراً، ولم يتملك نفسه في إخفاء تعجبه من ذلك، فـ "قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ". (الغلام) الفتى الذي طرّ شاربه، و«عاقر» من «عقر» بمعنى الأصل والأساس، أو بمعنى الحبس، ووصف المرأة التي لاتلد بأنها عاقر يعنى أنها وصلت إلى عقرها وانتهت، أو أنها حبست عن الولادة. فأجابه الله تعالى:" قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ" فلما سمع زكريا هذا الجواب الموجز الذي يشير إلى نفوذ إرادته تعالى ومشيئته، قنع بذلك. "قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً" «الرمز» إشارة بالشفة، والصوت الخفي، ثمّ اتسع المعنى في الحوار العادي، فأطلق على كلّ كلام وإشارة غير صريحة إلى أمر من الأمور. في هذه الآية استجاب الله طلب زكريا هذا أيضاً، وعين له آية اي علامة، وهي أن لسانه كفّ عن الكلام مدّة ثلاثة أيّام بغير أيّ نقص طبيعي، فلم يكن قادراً على المحادثة العادية، ولكن لسانه كان ينطلق إذا ما شرع يسبّح الله ويذكره، هذه الحالة العجيبة كانت علامة على قدرة الله على كلّ شيء، فالله القادر على فكّ لجام اللسان عند المباشرة بذكره، قادر على أن يفكّ عقم رحم امرأة فيخرج منه ولدا مؤمنا هو مظهر ذكر الله، وهكذا تتضح العلاقة بين هذه العلامة وما كان يريده زكريّا. "وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ". «العشي» تطلق عادة على أوائل ساعات الليل، كما يقال «الإبكار» للساعات الأولى من النهار. وقيل إن «العشي» هو من زوال الشمس حتى غروبها، و«الابكار» من طلوع الفجر حتى الظهر. والراغب الإصفهاني يقول في «المفردات»: إنّ «العشي» من زوال الشمس حتى الصباح، و«الإبكار» أوائل النهار. وفي الآية يأمر الله زكريّا بالتسبيح، إن هذا التسبيح والذكر على لسان لاينطق موقتاً دليل على قدرة الله على فتح المغلق، وكذلك هو أداء لفريضة الشكر لله الذي أنعم عليه بهذه النعمة الكبرى. من الآيات الأولى لسورة مريم يستفاد أن زكريّا لم ينفذ هذا البرنامج وحده، بل طلب من الناس إيماءاً أن يسبحوا الله صباح مساء شكراً على ما أنعم عليهم من موهبة ترتبط بمصير مجتمعهم ومن قائد كفوء مثل يحيى، وأضحت هذه الأيام شكر وتسبيح عام. ******* زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً هذا سؤال رائع وجميل ودائماً يطرح في عالم التفسير يعني هل ان الاية المباركة في سورة آل عمران في الاية التاسعة الثلاثين "فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ" بالنسبة لزكريا عليه السلام "وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ" هنا الحصور كما ذكرتم، ذكر الكثير من المفسرين ان الحصور الذي لايأتي النساء كذلك جاءت الرواية عن الامام الصادق عليه السلام وعن ابن عباس وعن ابن مسعود قالوا الحصور يعني خصصوها تقريباً بالنساء وان كان بعضهم عمم يعني الحصور معناها الممتنع، الممتنع يمنع نفسه من الشهوات فبعضهم خصص الشهوات بالزواج وبالجنس وليس معنى ذلك تشجيعاً الى عدم الزواج وانما يحيى عليه السلام الله اعطاه هذه القابلية، الحصور الذي لايشتهي ليس كما ذكر بعض المفسرين خطأً طبعاً العنين الذي ليست له شهوة للنساء، هذا ليس صحيحاً وليس كمالاً، القرآن هنا في مقام مدح يحيى عليه السلام الذي لايملك شهوة النساء هذا ليس انساناً متكاملاً، المتكامل الذي يملك هذه الغريزة الجنسية كما يملك الغرائز الطبيعية اما قد يكون الانسان مريض لايملك مثلاً شهوة الاكل او لايملك شهوة الجنس هذا مريض، هنا يحيى عليه السلام اذا فسرنا الحصور بخصوص النساء اما قد تكون الحصور عامة لكل شهوة يعني يحصر نفسه ويمتنع عن الشهوات الدنيوية ولايكون هناك افراط في الشهوات الدنيوية كما كان رسول الله صلى الله عليه واله يمتنع حتى عن اكل الحلوى، قدم اليه حلوى، الخبيص نوع من الحلوى فأمتنع رسول الله صلى الله عليه واله من ان يأكل هذا النوع من الحلوى من باب عدم التمتع بالحياة الدنيا لأنه هو القائد وهو الرائد ولهذا هذا لايدل على محبوبية او استحباب عدم الزواج لأن الروايات تؤكد كما جاء عن علي بن ابي طالب عليه السلام ان جماعة من الصحابة كانوا حرموا على انفسهم النساء والافطار في النهار والنوم في الليل فأخبرت ام سلمة رسول الله صلى الله عليه واله فخرج الى اصحابه وقال أترغبون عن النساء؟ اني آتي النساء وآكل في النهار وانام في الليل فمن رغب عن سنتي فليس مني فأنزل الله عزوجل "لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ" لاتحرموا طيبات، هذه الطيبات لايجوز للانسان ان يحرم على نفسه هذه الطيبات ولكن الانسان القائد، الانسان الرائد، الانسان الاسوة يحرم عليه بعض الامور التي تعتبر طيبات في الحياة الدنيا ولكن لمقامه الكبير ولأسوته كونه اسوة وقدوة هو يحرم على نفسه بعض الملذات الطيبة لأنه ربما يخيف نفسه ببعض الناس كما يقول امير المؤمنين "ان الله فرض على ائمة العدل ان يقدروا انفسهم بضعافة الناس حتى لايتبيغ بالفقير فقره" يتبيغ يعني يبيج. نعم المحاور: وقد يسأل السائل لماذا استولى العجب على زكريا عندما بشرته بيحيى مع انه عالم بقدرة الله التي لاتنتهي ولماذا طلب عليه السلام آية من الله تعالى على ذلك؟ زين العابدين: احسنتم هذا سؤال مهم جداً "يازكريا انا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سمياً قال ربي أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقراً وقد بلغت من الكبر عتياً قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً "قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَة" هنا ربي اجعل لي آية "قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً" يعني عدم التكلم التكويني يعني لايستطيع لسانه ان ينطلق بالكلام الطبيعي، فقط بالتسبيح وبالصلاة وبالدعاء، كذلك نقرأ هذه في سورة مريم، في سورة آل عمران كذلك نقرأ "قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ" هنا اتجاهان في عالم التفسير، في ربي اجعل لي آية يعني في طلب الاية من قبل زكريا عليه السلام، الاتجاه الاول يرى الاستدلال على حمل امرأته فتكون الاية علامة لوقت الحمل وقد يستنفذ منه الشكر هذا اتجاه، الاتجاه الاخر هو الذي يؤيده العلامة الطباطبائي ولايرى اشكال في طلب النبي وهو الاستدلال على ان البشارة انما هي من قبل الله تعالى لتكون الاية العلامة التكوينية دليلاً قاطعاً على ان البشرى جاءته من قبل ملائكة الله عزوجل، بعضهم يعترض انه كيف، اراد ان يتأكد ان هذه البشارة بشارة رحمانية وليست مثلاً بشارة شيطانية، العلامة الطباطبائي يناقش في تفسير الميزان، يناقش هذا الامر يقول عدم منافات هذا الامر للعصمة بحيث يرى العلامة ان هذا الاتجاه في التفسير يعني السؤال للتمييز والاطمئنان لاينافي العصمة والذي اوجب تحاشي القوم عن ذهاب المفسرين الى اول الوجهين او الوجه الثاني انه يسأل الاية ليطمئن من ان هذا الوحي وحي الهي رباني يقول الذي ابعد او تحاشى المفسرون عن هذا القول هو ما ذكروه ان الانبياء لعصمتهم لابد ان يعرفوا الفرق بين كلام الملك ووشل الشيطان ولايجوز ان يتلاعب الشيطان بهم، طبعاً حتى نفس الطباطبائي حتى يختلط عليهم طريق الافهام، الطباطبائي يقول وهو كلام حق لكن يجب ان يعلن ان تعرفهم انماهو بتعريف الله لهم لامن قبل انفسهم واستقلال ذواتهم بتعبير اخر يعني ان الله هو الذي يعلمهم، هو الذي يعطيهم بعض العلامات والدلائل والامارات ليعرفوا ان هذا هو الوحي الالهي وليس وحي شيطاني او وحي بشري عادي. القصة زكريا كان «زكريا» عليه السلام يتمنى أن يرزقه الله ولداً صالحاً من صلبه يرثه، ويرث ميراث آبائه وأجداده من العلم والفضل والنبوة، ولكنه كان شيخاً كبيراً، وكانت زوجته عجوزاً وعاقراً لاتلد. كان نبي الله«زكريا» الذي تكفل برعاية مريم(س) يدخل عليها في مكان عبادتها، ليتفقد شؤونها ويطمئن على أحوالها، فهو يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، وحينما سألها عن مصدرها، كانت(س) تجيبه"هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ". عند ذلك توجه زكريا(ع) بكل وجوده الى الله القادر على كل شيء الذي يرزق من يشاء بغير حساب سائلاً إياه ذرية طيبة. وبينما كان«زكريا» يصلي في محراب المسجد، جاءته البشرى من الملائكة بان الله تعالى استجاب لدعائه، وسوف يهبه ولداً سماه الله«يحيى»، وهو اسم لم يسمّ به أحد قبله، كما بشرته الملائكة بأنه سيكون سيداً كريماً عظيماً في قومه، ونبيا صالحاً يوحي إليه من رب العالمين تعجب«زكريا» وأخذته الدهشة من تلك البشرى، وراح يتساءل في نفسه وهو مأخوذ بالمفاجأة، كيف يمكن لشيخ كبير مثله أن ينجب؟! أو كيف تلد زوجته العاقر في مثل هذه السن؟! ولكنها مشيئة الله تعالى- وقدرته، ولا راد لمشيئته، ولا معجز لقدرته!! وكانت لهفة«زكريا» عليه السلام كبيرة في تحقيق تلك البشرى العظيمة، فسأل الله تعالى أن يجعل له آية تدله على موعد تحقيق البشرى ليطمئن قلبه، فأستجاب الله تعالى له، وأوحى إليه أنه سيأتي عليه ثلاثة أيام لايستطيع أن يكلم الناس فيها؛ فإذا حدث ذلك عرف أن معجزة الله قد تحققت، وأن زوجته قد حملت بمولودها«يحيي»، وأمره الله أن يكثر من العبادة والدعاء، وشكر الله على نعمته. ومرت الأيام و«زكريا» عليه السلام على عهده من الذكر والعبادة لله، وفي أحد الأيام، بينما «زكريا» يصلي في محرابه، أحسّ أنّ لسانه غير قادر على الكلام، فخرج على قومه مسروراً، وراح يشير إليهم محاولاً إخبارهم بتحقق البشارة، وحدوث المعجزة. وسرعان ما وضعت زوجة نبي الله«زكريا» مولودها«يحيى»، الذي جاء ميلاده معجزة، وكانت طفولته مختلفة عن غيره من الأطفال. فقد ظهرت دلائل النبوغ والحكمة على «يحيى» منذ صغره، فنشأ محبّا للعلم والعلماء، وأقبل بشغف على تعلم «التوراة» كتاب الله الذي أنزله على«موسى» عليه السلام حتى حفظها وفهم أحكامها وشرائعها، وهو لايزال صبيا صغيراً. واشتهر«يحيى» بالتقوى والإخلاص، وعرف بالصدق والأمانة، وكان بارا بوالديه، لطيفاً بهما، طائعاً لهما، محسنا إليهما، كما كان متواضعاً للناس، لايأخذه الكبر، ولايعرف الغرور طريقه إلى قلبه. وكان «يحيى» عليه السلام يدعو«بني اسرائيل» إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والتمسك بدينه وشريعته التي أنزلها على«موسى» عليه السلام. من هدى الائمة _عليه السلام_ وفي تفسير العياشي، عن الصادق(عليه السلام) قال: إن زكريا لما دعا ربه أن يهب له ولداً فنادته الملائكة بما نادته به أحبّ أن يعلم أن ذلك الصوت من الله فأوحى إليه أن آية ذلك أن يمسك لسانه عن الكلام ثلاثة أيام فلما أمسك لسانه ولم يتكلم علم أنه لايقدر على ذلك إلا الله وذلك قول الله رب اجعل لي آية. دروس وعبر من أهم الدروس المستفادة من هذه الآيات هو ان الإيمان بقدرة الله غير«الشهود والمشاهدة» فزكريا كان يريد أن يبلغ إيمانه مبلغ الشهود، مثل إبراهيم الذي كان مؤمناً بالمعاد، ولكنه طلب المشاهدة. كان يريد أن يصل إلى هذه المرحلة من الايمان، وأنه لأمر طبيعي أن يفكر الإنسان، إذا ما صادفه أمر خارق للقوانين الطبيعية في كيفيّة حصول ذلك، ويودّ لو أنه رأى دليلاً حسياً على ذلك. • يشير قوله تعالى "هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا" الى ضرورة استثمار الاجواء والظروف المباركة بهدف الدعاء والتضرع الى الله تعالى لاسيما عند مشاهدة كرامة الهية او نعمة ربانية. • إن مشاهدة الفضل والتكريم الالهي لدى الآخرين ينبغي أن يستثمرها الانسان كتمهيد للتوجه الى الله طالباً منه عزوجل تلك الكمالات، كما فعل زكريا(ع) عندما رأى مريم(س) وهي ترزق من طعام الجنة. • فلنجعل نصب أعيننا قدرة الله القاهرة وان لا مؤثر في الوجود كله إلا بإذن وارادة رب العالمين فهو القادر على ان يمسك لسان نبيه زكريا عن الكلام إلا إذا أراد ان يذكر الله تعالى وهو القادر على ان يهب المرأة طفلاً حتى وإن كانت عاقرا وقس على هذا... ولادة السيدة مريم سلام الله عليها - 61 2011-10-12 08:40:04 2011-10-12 08:40:04 http://arabic.irib.ir/programs/item/8301 http://arabic.irib.ir/programs/item/8301 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله وحبيبه المبعوث رحمة للعالمين محمد وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بكم إلى برنامج القصص الحق. نحمد الله تعالى أن رزقنا اللقاء بكم الذي يجمعنا وإياكم حول نوره المبين وحبله الممدود من السماء إلى الأرض ونستنير معا بهدى القصص القرآنية، في هذه الحلقة سنطرق أبواب الحديث عن حكاية ولادة السيدة مريم العذراء عليها السلام، والتي تحدثت عنها الآيات 35 حتى 37 من سورة آل عمران، رافقونا مستمعينا الكرام في هذا البرنامج، وإليكم أولا استعراضا لمحطات البرنامج: بداية نقدم لكم تلاوة مرتلة لهذه الآيات المباركة ثم نتعرف على معاني المفردات والعبارات القرآنية المذكورة فيها. ثم نستمع معا إلى حديث ضيف هذه الحلقة السيد عبد السلام زين العابدين وهو يجيب مشكورا على بعض الأسئلة التي تدور حول الآيات. لننتقل بعد ذلك إلى محطة الحكاية ونتابع تفاصيلها. ثم نغترف غرفة طيبة من معين علوم أهل البيت عليهم السلام في فقرة من هدي أهل البيت عليهم السلام، ورواية عن الإمام الباقر عليه السلام. وأخيرا مع باقة من الدروس والعبر المستقاة من هذه القصة القرآنية فأهلا بكم إلى هذا البرنامج. المقدمة تتحدث الآيات التالية حول مريم بنت عمران وكيفية ولادتها وتربيتها وكفالة زكريا النبي لها وما جرى لهذه السيدة العظيمة. والآن دعونا أيها الكرام نستمع إلى القرآن الكريم خير الكلام وهو يسرد لنا الحكاية بأعذب البيان. التلاوة "إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{35} فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ{36} فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ{37}" المفردات تبدأ الآية بالحديث عن نذر امرأة عمران وتقول: "إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً"، هذه إشارة إلى النذر الذي نذرته امرأة عمران وهي حامل بأنها تهب ابنها خادما في بيت المقدس، لأنها كانت تظنه ذكرا بموجب البشارة التي أتاها بها زوجها، ولذلك قالت (محررا) ولم تقل (محررة)، ويقصد من ذلك أنه محرر من خدمة الأبوين، وكان ذلك مدعاة لافتخارهم. ودعت الله أن يتقبل نذرها: "فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"، قال الراغب في المفردات: (تقبل) يعني طلب قبول الشيء مع الثواب والجزاء وهذا خاص بالمصطلح القرآني، "فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى"، هذه الآية تشرح حال أم مريم بعد ولادتها، فقد أزعجها أن تلد أنثى، وراحت تخاطب الله قائلة: إنها أنثى، وأنت تعلم أن الذكر ليس كالأنثى في تحقيق النذر، فالأنثى لا تستطيع أن تؤدي واجبها في الخدمة كما يفعل الذكر، فالبنت بعد البلوغ لها ظروفها الخاصة، مضافا إلى أن قواها البدنية ضعيفة، وكذلك المسائل المربوطة بالحجاب والحمل وغير ذلك. "أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى". ويظهر من القرائن في الآية والأحاديث الواردة في التفاسير أن هذا القول "وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى" قول أم مريم، لا قول الله كما ذهب إلى ذلك بعض المفسرين، ولكن كان ينبغي أن تقول (وليست الأنثى كالذكر) باعتبارها قد ولدت أنثى لا ذكرا، لذلك يمكن أن يكون في الجملة تقديم وتأخير، كما نلاحظه في كلام العرب وغير العرب، ولعل ما انتابها من الكدر والحزن لوضعها أنثى جعلها تنطق بهذا الشكل، إذ كانت شديدة الإعتقاد بأن ما ستلده ذكرا وأنها ستفي بنذرها في جعله خادما في بيت المقدس، وهذا الإعتقاد والتوقع جعلاها تقدم الذكر على الأنثى على الرغم من أن أصول تركيب الجمل وجنس المولود يقتضيان تقديم الأنثى. والجملة المعترضة "وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ" من قول الله، أي لم يكن يلزم أن تقول إنها ولدت أنثى، لأن الله كان أعلم منها بمولودها منذ انعقاد نطفته وتعاقب مراحل تصوره في الرحم. "وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ" ، يتضح من هذه الجملة أن أم مريم هي التي سمتها بهذا الإسم عند ولادتها، و(مريم) بلغتها تعني (العابدة)، وفي هذا يظهر منتهى اشتياق هذه الأم الطاهرة لوقف وليدها على خدمة الله، لذلك طلبت من الله بعد أن سمتها، أن يحفظها ونسلها من وسوسة الشيطان، وأن يرعاهم بحمايته ولطفه "وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ". وكلمة (أنبتها) إشارة إلى تكامل مريم أخلاقيا وروحيا، "فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا". (الكفالة) ضم الشيء إلى آخر، لذلك يطلق على من يلتزم رعاية شؤون أحد الأطفال إسم (الكافل) أو (الكفيل) أي إنه يضم الطفل إليه، إذا استعملت الكلمة ثلاثية مجردة كانت فعلا لازما، وتتعدى بنقلها إلى باب الثلاثي المزيد (كفّل) أي إنتخاب الكفيل لشخص آخر. في هذه الآية يصرح القرآن بأن الله هو الذي اختار زكريا كي يتكفل مريم، إذ أن أباها عمران قد ودع الحياة قبل ولادتها، فجاءت بها أمها إلى بيت المقدس وقدمتها لعلماء اليهود وقالت: هذه البنت هدية لبيت المقدس، فليتعهدها أحدكم، فكثر الكلام بين علماء اليهود، وكان كل منهم يريد أن يحظى بهذا الفخر، وفي احتفال خاص اختير زكريا ليكفلها. وكلما شبت وتقدم بها العمر ظهرت آثار العظمة والجلال عليها أكثر إلى حد يقول القرآن عنها: "كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً". (المحراب) هو الموضع الذي يخصص في المعبد لإمام المعبد أو لأفراد من النخبة، وذكروا في سبب تسميته بهذا الإسم أوجهاً كثيرة، أحدها: إن المحراب من (الحرب) سمي بذلك لأنه موضع محاربة الشيطان والأهواء. كبرت مريم تحت رعاية زكريا، وكانت غارقة في العبادة والتعبد. بحيث إنها كما يقول ابن عباس: عندما بلغت التاسعة من عمرها كانت تصوم النهار وتقوم الليل بالعبادة، وكانت على درجة كبيرة من التقوى ومعرفة الله، حتى أنها فاقت الأحبار والعلماء في زمانها، وعندما كان زكريا يزورها في المحراب يجد عندها طعاما خاصا، فيأخذه العجب من ذلك، سألها يوما: "قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ" *******زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم، سؤال جميل ولطيف لأن النذر انه لايجوز للمرأة ان تنذر من دون اذن زوجها ولاسيما في امر ليس خاصاً بها او في امر ينافي حق الزوج في الاشتراك مع الولد هنا فلايصح نذر الزوجة فيما ينافي هذا الحق وهنا يتبين ان ام مريم عليها السلام كانت ارملة ولم يكن الزوج موجوداً وهذا ما يتبين من طبيعة سياق الايات المباركة وهذا ما تؤكده الروايات التي تقول بأن عمران مات وهي حامل يعني زوجة عمران كانت حاملاً فوضعت بعد ذلك وولدت مريم العذراء عليها السلام وكانت ترجو ان يكون هذا غلاماً لأن الله عزوجل وعد عمران ان يهب له ولداً طاهراً ذكياً نبياً فهي نذرت مافي بطنها ظناً منها انه ذلك الولد ولكن بعد ذلك عرفت ان الولد سيأتي من طريق اخر يعني البنت ولهذا قالت "إِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ" "إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" النذر الى المسجد او الى المعبد لاينسجم مع المرأة لأمور كثيرة واسباب كثيرة وانما ينسجم مع الولد، ينسجم مع الرجل ولهذا هي لم تعترض على ما جاءها من بنت بالعكس هي لم تكن تعيش الاعراف الجاهلية فقالت "رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى" هذا يبدو من كلام الله عزوجل وليس الذكر كالانثى او والله اعلم بما وضعت يعني من كلام الله عزوجل وليس الذكر كالانثى يعني هنا الانثى افضل من الذكر، لو كان كلام ام مريم لقالت وليس الانثى كالذكر ولكن قال وليس الذكر كالانثى يعني هنا الله يقول الذكر كالانثى والانثى هنا افضل من الذكر في هذه الحالة لأنه ستكون هناك معجزتان المعجزة الاولى مريم العذراء والمعجزة الثانية ولادتها للمسيح عليه السلام ولهذا هي قالت اني سميتها مريم يعني هي عرفت ان هذا الوليد الموعود لم يكن مباشرة من جنينها وانما من مريم العذراء فقالت "وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " لهذا لم يكن بخصوص النذر السؤال، النذر هو ليس جائز ان لم يوافق الزوج ولكن عمران كان متوفى ومن حق الزوجة ان تنذر في هذه الحالة. المحاور: ومن ثم ألم يكن عمران الذي كان نبياً وذا شخصية عظيمة لدى بني اسرائيل قادراً على ان يتكفل مريم ابنته بدل زكريا النبي عليه السلام؟ زين العابدين: احسنتم هذا اجبنا عليه تقريباً في الجواب الاول يعني عمران لم يكن موجوداً في الحياة، عمران عليه السلام توفي وكانت زوجته يعني ام مريم كانت حاملاً بمريم عليها السلام وهذا قد يظهر من سياق الايات المباركة " ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ" كما نقرأ في سورة آل عمران الاية 44 "ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ" يخاطب النبي الاكرم صلى الله عليه واله وبعد ذلك يقول له "وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ" هنا ايهم يكفل مريم يعني مريم هنا كانت يتيمة فليس لها اب واضح جداً والا كان لها اب طبعاً الاب هو الكافل، هو الحامي، هو الراعي للبنت، من هذه الايات يبدو ان عمران لم يكن موجوداً في الحياة ولهذا "إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ" هنا الاقلام بمعنى الاقداح للقرعة، الاقلام يعني يضربون بسهامهم لتعيين الكافل لمريم عليها السلام وكان جماعة من العلماء والاحبار وهذا يدل على حرصهم على كفالة مريم "وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ" يعني كانوا يختصمون يعني كل شخص يريد ان يكفل هذه البنت ليكون كافلاً لها معنى ذلك انهم يعرفون مدى قيمة هذه البنت وماذا سيؤول اليه امرها. *******نجد في هذه الآيات أن امرأة عمران تنذر أن تجعل وليدها محررا، أي يكون الوليد محررا من خدمة الوالدين. في حين لم نجد أي استشارة مع عمران الذي يكون أبا للوليد. السؤال هل يجوز للزوجة أن تنذر نذرا كهذا دون إذن من زوجها؟ ومن ثم ألم يكن عمران الذي كان نبياً وذا شخصية عظيمة لدى بني إسرائيل قادرا على أن يتكفل مريم ابنته بدل زكريا النبي عليه السلام؟. القصة قيل إن (حنة) و(أشياع) كانتا أختين، تزوجت الأولى (عمران) أحد زعماء بني إسرائيل، وتزوجت الأخرى (زكريا) النبي. مضت سنوات على زواج (حنة) بغير أن ترزق مولودا، وفي أحد الأيام بينما هي جالسة تحت شجرة، رأت طائرا يطعم فراخه، فأشعل هذا المشهد نار حب الأمومة في قلبها، فتوجهت إلى الله بمجامع قلبها طالبة منه أن يرزقها مولودا، فاستجاب الله دعاءها الخالص، ولم تمض مدة طويلة حتى حملت. وقد ورد في الأحاديث أن الله قد أوحى إلى عمران قبل ذلك أنه سيهبه ولدا مباركاً يشفي المرضى الميؤوس من شفائهم، ويحيي الموتى بإذن الله، وسوف يرسله نبيا إلى بني إسرائيل، فأخبر عمران زوجته حنة بالأمر، لذلك عندما حملت ظنت أن ما تحمله في بطنها هو الإبن الموعود، دون إن تعلم أن ما في بطنها أم الإبن الموعود (مريم)، فنذرت ما في بطنها للخدمة في بيت الله (بيت المقدس)، ولكنها إذ رأتها أنثى ارتبكت ولم تدر ما تعمل، إذ إن الخدمة في بيت الله كانت مقصورة على الذكور، ولم يسبق أن خدمت فيه أنثى، وبعد أن كبرت مريم قليلا، توجهت بها أمها إلى بيت المقدس لتفي بنذرها. وكان لابد أن يتولى كفالة (مريم) الصغيرة أحد الأحبار من رجال الدين الأتقياء المقيمين بالمسجد، ليرعاها ويحسن تربيتها ويقوم على شؤونها. وتنافس الأحبار على كفالة (مريم) ابنة العالم الجليل (عمران) وكان على رأس المتنافسين نبي الله زكريا عليه السلام فهو زوج خالتها، وأحق من غيره برعايتها وتعليمها. فاتفقوا على إجراء قرعة فيما بينهم لاختيار من يكفل (مريم) فلما جاءت من نصيب نبي الله (زكريا) عليه االسلام سعد النبي الكريم بذلك سعادة عظيمة، وخصص لها مكانا في المسجد لا يدخله أحد سواها، وأحسن تربيتها والعناية بها، فكانت تعبد الله تعالى وتسبحه ليلا ونهارا، حتى صار يضرب بها المثل في التقوى والصلاح، والإيمان الصادق العميق، وأكرمها الله تعالى بالكرامات التي تدل على تشريفه لها، وعلو منزلتها، فكان نبي الله (زكريا) كلما دخل عليها مكان عبادتها ليتفقد شؤونها ويطمئن على أحوالها، يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، وحينما يسألها عن مصدرها، كانت تجيبه بإيمان وتواضع "مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ". من هدى الائمة _عليه السلام_ ورد في تفسير العياشي عن الإمام الباقر (عليه السلام) ما ملخصه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) دخل يوما على ابنته فاطمة (عليها السلام) وهو يعلم أنه لم تكن تملك طعاما يذكر منذ أيام، فوجد عندها طعاما وافرا خاصا، فسألها عنه، فقالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): "ألا أحدثك بمثلك ومثلها؟" قال بلى، قال: "مثل زكريا إذ دخل على مريم المحراب فوجد عندها رزقا، قال يامريم أنى لك هذا؟ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ". دروس وعبر تشير العبارة القرآنية "فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" إلى أن قبول الأعمال من أهم الأمور التي تجول في خاطر الإنسان الذي يعمل لوجه الله تعالى. كما نجد هذا الأمر لدى إبراهيم النبي عندما يرفع القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا، أو مثل امرأة عمران التي تسأل الله أن يتقبل منها. تؤكد الآية "وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ" أنه على الإنسان أن يهتم بمستقبل أحفاده أي الذرية وتربيتهم وأن لا يكتفي بالتربية فحسب بل يعيذهم بالله الواحد الأحد من الشيطان الرجيم. يتضمن قوله تعالى "وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً" نكتة لطيفة هي أن عمل الله هو (الإنبات) والإنماء. أي كما أن «بذور النباتات تنطوي على استعدادات كامنة تظهر وتنمو عندما يتعهدها المزارع، كذلك توجد في الإنسان كل أنواع الإستعدادات السامية الإنسانية التي تنمو وتتكامل بسرعة إن خضعت لمنهج المربين الإلهيين ولمزارعي بستان الإنسانية الكبير، ويتحقق الإنبات بمعناه الحقيقي. إن اعتبار (الرزق) طعاما من الجنة، يتبين من القرائن التي نراها في ثنايا الآية، فأولاً، كلمة (رزقا) النكرة دليل على أن زكريا لم يعرف نوع هذا الرزق، وثانياً، جواب مريم التي قالت (من عند الله) دليل آخر. وثالثاً، انفعال زكريا وطلبه ولدا من الله (هنالك دعا زكريا ربه) دليل ثالث على ذلك. قصة نبي الله ابراهيم الخليل _عليه السَّلام_ 9 - 60 2011-10-04 09:35:04 2011-10-04 09:35:04 http://arabic.irib.ir/programs/item/7700 http://arabic.irib.ir/programs/item/7700 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله الهداة الابرار. مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته واهلا بكم الى برنامج (القصص الحق)، ايها الاحبة في هذه الحلقة من البرنامج نواصل الحديث عن قصة نبي الله ابراهيم التي ذكرت في الايات الواحدة والمئة حتى العاشرة والمئة من سورة الصافات المباركة، والتي تتحدث عن ذبح اسماعيل عليه السلام، فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية: بداية ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الايات ثم نتعرف على معاني مفرداتها وعباراتها ونستمع الى حديث سماحة السيد عبد السلام زين العابدين الاستاذ في العلوم القرآنية حول المراد من الذبح العظيم الذي فدى الله به نبيّه اسماعيل ثم نتابع سرد هذا الجزء من الحكاية نقدم لحضراتكم رواية الائمة _عليه السَّلام_ بشأن الموضوع ومسك الختام مع باقة من الدروس والعبر المآخوذة من هذه الحكاية فاهلا ومرحبا بكم الى فقرات هذا اللقاء. المقدمة تحدثنا في الحلقة السابقة حول هجرة إبراهيم عليه السلام من بابل بعد أن أدّى رسالته هناك، وايضا حول طلبه من الله أن يرزقه ولداً صالحاً، فرزقه الله إسماعيل من جاريته «هاجر»، اما اليوم فنتوقف عند جانب مهم آخر من حياة ابراهيم_عليه السَّلام_ الا وهو الابتلاء الالهي العظيم بشأن ذبح ولده اسماعيل_عليه السَّلام_ فلنستمع الى الايات التالية بتدبر وامعان: التلاوة "فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ{101} فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ{102} فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ{103} وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ{104} قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ{105} إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ{106} وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ{107} وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ{108} سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ{109} كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ{110} " المفردات استجابة لطلب ابراهيم ان يرزقه الله ولدا يقول تعالى: "فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ" ، في الواقع إنّ ثلاثة بشائر جمعت في هذه الآية، الاُولى أنّه سيرزق طفلا ذكراً، والثانية أنّ هذا الطفل يبلغ سنّ الفتوّة، أمّا الثالثة فهي أنّ صفته حليم. وكلمة (حليم) تعني الذي لا يعجّل في الأمر قبل وقته مع القدرة عليه. أخيراً، ولد الطفل الموعود لإبراهيم وفق البشارة الإلهية وإجتاز الطفل مرحلة الطفولة وأضحى غلاماً، وهنا يقول القرآن: " فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ" ، يعني أنّه وصل إلى مرحلة من العمر يستطيع فيها السعي وبذل الجهد مع والده في مختلف اُمور الحياة وإعانته على اُموره. عند ذاك رأى إبراهيم ذلك المنام العجيب المحير، والذي يدلّ على بدء امتحان الهي عسير آخر لهذا النّبي ذي الشأن العظيم، رأى في المنام أنّ الله يأمره بذبح إبنه الوحيد. فنهض من نومه مرعوباً، لأنّه يعلم أنّ ما يراه الأنبياء في نومهم هو حقيقة وليس من وساوس الشياطين، وقد تكرّرت رؤيته هذه ليلتين اُخريين، فكان هذا بمثابة تأكيد على ضرورة تنفيذ هذا الأمر فوراً. ولكن قبل كلّ شيء، فكر إبراهيم عليه السلام في إعداد ابنه لهذا الأمر، حيث "قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى ". الولد الذي كان نسخة طبق الأصل من والده، والذي تعلّم خلال فترة عمره القصيرة الصبر والثبات والإيمان في مدرسة والده، رحّب بالأمر الإلهي بصدر واسع وطيبة نفس، وبصراحة واضحة قال لوالده: " قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ". وبهذا الشكل يجتاز الأب وإبنه هذه المرحلة وما بعدها من هذا الامتحان الصعب بإنتصار كامل. القرآن الكريم يوضّح هذا الأمر في جملة قصيرة ولكنّها مليئة بالمعاني، فيقول تعالى: "فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ" ، إنّ المراد من عبارة (تلّه للجبين) هو أنّه وضع جبين ولده على الأرض، حتى لا تقع عيناه على وجه ابنه فتهيج عنده عاطفة الاُبوّة وتمنعه من تنفيذ الأمر الإلهي. وهنا ينهي القرآن كلّ حالات الإنتظار فيقول: " وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ{104} قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ" ، فالله تعالى يمنحهم توفيق النجاح في الإمتحان، ويحفظ لهم ولدهم العزيز، ثمّ يضيف القرآن الكريم " إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ". عملية ذبح الإبن البارّ المطيع على يد أبيه، لا تعدّ عملية سهلة وبسيطة بالنسبة لأب إنتظر فترة طويلة كي يرزقه الله بهذا الابن، فكيف يمكن إماتة قلبه تجاه ولده؟ والأكثر من ذلك إستسلامه ورضاه المطلق من دون أي إنزعاج لتنفيذ هذا الأمر، وتنفيذه كافّة مراحل العملية من بدايتها إلى نهايتها، بصورة لا يغفل فيها عن أي شيء من الإستعداد لعملية الذبح نفسياً وعملياً. والذي يثير العجب أكثر هو التسليم المطلق لهذا الغلام أمام أمر الله، إذ استقبل أمر الذبح بصدر مفتوح وإطمئنان يحفّه اللطف الإلهي، وإستسلام في مقابل هذا الأمر. ولكي لا يبقى برنامج إبراهيم ناقصاً، وتتحقّق اُمنية إبراهيم في تقديم القربان لله، بعث الله كبشاً كبيراً إلى إبراهيم ليذبحه بدلا عن ابنه إسماعيل، ولتشرع بذلك سنّة للأجيال القادمة التي تشارك في مراسم الحجّ، وتأتي إلى أرض منى. "وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ" فديناه مشتقّة من الفداء، وتعني جعل الشيء مكان شيء آخر لدفع الضرر عنه، لذا يطلق على المال الذي يدفع لإطلاق سراح الأسير (الفدية) كما تطلق (الفدية) على الكفّارة التي يخرجها بعض المرضى بدلا عن صيامهم. وإحدى دلائل عظمة هذا الذبح، هو إتّساع نطاق هذه العملية سنة بعد سنة بمرور الزمن، وحالياً يذبح في كلّ عام أكثر من مليوني اُضحية تيمّناً بذلك الذبح العظيم وإحياءاً لذلك العمل العظيم. النجاح الذي حقّقه إبراهيم عليه السلام في الإمتحان الصعب، لم يمدحه الله فقط ذلك اليوم، وإنّما جعله خالداً على مدى الأجيال وهذا ما يشير اليه قوله تعالى: "وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ". ولما إمتاز به إبراهيم عليه السلام من صفات حميدة، خصّه الباري عزّوجلّ بالسلام "سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ". نعم، إنّا كذلك نجزي ونثيب المحسنين "كذلك نجزي المحسنين"، جزاء يعادل عظمة الدنيا، جزاء خالد على مدى الزمان، جزاء يجعل من إبراهيم أهلا لسلام الله عزّوجلّ عليه. زين العابدين: سؤال جميل يعني "فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ" الى ان يقول الله عزوجل في سورة الصافات "وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ" طبعاً هذه العظمة، عظيم من حيث مرسله اولاً ومن حيث المرسل اليه ثانياً وهو ابراهيم الخليل عليه السلام ومن حيث الواسطة، واسطة الارسال ثالثاً وهو جبرئيل عليه السلام والحيثية الرابعة هدف الارسال، هدف الارسال هو ان يكون فداءاً لأسماعيل عليه السلام جد خاتم الانبياء والمرسلين صلى الله عليه واله وسلم، اسماعيل عليه السلام الذي اسلم امره لله عزوجل "فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ" كما نقرأ في سورة الصافات "فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ" انظري هذا الوعي الرائع "يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ" هذا لما بلغ معه السعي يعني صار في مرحلة الشباب، الفتوة بحيث اخذ يسعى وينفع اباه "فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ" يعني هو يدرك، هذا الشاب الصغير الفتى يدرك ان هذه الرؤيا رؤيا نبوية صادقة " افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ{102}فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ{103}وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ{104}قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ{105}إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ{106}وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ{107}وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ{108}سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ{109}كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ{110}" اذن ابراهيم عليه السلام، هذا الكبش عظيم من حيث المهمة التي اداها وهي انه كان فداءاً لأسماعيل عليه السلام وكان نازلاً من عند الله عزوجل والروايات تؤكد ان هذا الكبش كان من كباش الجنة، القصص رائعة في الروايات كيف جاء ابراهيم واستسلم اسماعيل وابراهيم الى ان يكون فداءاً حتى قال في بعض الروايات، يقول يا ابت اشدد رباطي حتى لااضطرب، اسماعيل يخاطب اباه، واكفف عني ثيابك حتى لايتضح من دمي شيئاً فتراه امي واشحذ شفرتك واسرع مر السكين على حلقي ليكون اهون علي فأن الموت شديد فقال له ابراهيم عليه السلام "نعم العون انت يابني على امر الله" ثم انحنى عليه بالمدية يعني بالسكين وقلب جبرئيل عليه السلام المدية على قفاها واجتر الكبش من قبل ثبير، يعني من الجبل، واجتر الغلام من تحته ووضع الكبش مكان الغلام ونودي من ميسرة مسجد الخيف "قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا" اذن هنا تتجلى عظمة هذا الكبش لأنه كان فداءاً وطبعاً هذا الامر كان اختباراً، هذه القصة كانت اختباراً لأبراهيم واختباراً لأسماعيل معاً ولهذا عظمة هذا الكبش تكمن من انه كان فداءاً لأسماعيل عليه السلام ولهذا اصبحت سنة الى يوم القيامة في الاضحى يذبح ملايين الحجيج الاتين من كل فج عميق يتأسون بأبراهيم واسماعيل ليضحوا بأعز ما يملكون، هذه التضحية هي رمز للانسان ان يضحي بأعز مايملك ويتذكر هذا الفداء ويتذكر تلك الواقعة والقصة التي حصلت بين ابراهيم واسماعيل. ايها الافاضل يصف القرآن الكريم الكبش الذي ارسله الله تعالى فداء لاسماعيل بالذبح العظيم الذي جاء في قوله تعالى، "وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ" نتعرف على المعنى والمقصود من هذا الوصف عبر ايضاحات تفضل بها سماحة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من مدينة قم المقدسة؟… القصة (ذبح اسماعيل) ذات يوم طلب نبي الله ابراهيم _عليه السَّلام_ من ربه أن يرزقه أولادا صالحين قائلا : "ربّ هب لي من الصالحين"، فرزقه الله تعالى اسماعيل واسحاق. ولما كبر اسماعيل وصار يرافق أباه ويمشي معه رأى ذات ليلة ابراهيم عليه السلام في المنام أنه يذبح ولده اسماعيل، فكان ذلك المنام عبارة عن امر الهي يامره بذبح ابنه البكر، فتوجه الى ابنه قائلا له: "يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى". لم يقصد ابراهيم أن يشاور ولده في تنفيذ أمر الله وما كان مترددا انما أراد أن يعرف ما في نفسية ولده تجاه امر الله. فجاء جواب اسماعيل جواب الولد المحب لله أكثر من حبه للحياة، فقال: "يأبت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين". أخذ ابراهيم النبي ابنه اسماعيل وابتعد به نحو صعيد منى، فعندما أخذه والده للذبح وسط الجبال الجرداء والحارقة في أرض (منى) قال إسماعيل لوالده: ياأبت، أحكم شدّ الحبل كي لا تتحرّك يدي ورجلي أثناء تنفيذك الأمر الإلهي، أخاف أن يقلّل ذلك من مقدار الجزاء الذي سأناله. والدي العزيز اشحذ السكين جيداً، وامرره بسرعة على رقبتي كي يكون تحمّل ألم الذبح سهلا بالنسبة لي ولك. والدي قبل ذبحي اخلع ثوبي من على جسدي كي لا يتلوّث بالدم، لأنّي أخاف أن تراه والدتي وتفقد عنان صبرها. ثمّ أضاف: أوصل سلامي إلى والدتي، وإن لم يكن هناك مانع أوصل ثوبي إليها كي يسلّي خواطرها ويهدّىء من آلامها، لأنّها ستشمّ رائحة إبنها منه، وكلّما أحسّت بضيق القلب، تضعه على صدرها ليخفّف الحرقة الموجودة في أعماقها. قربت اللحظات الحسّاسة، فالأمر الإلهي يجب أن ينفّذ، فعندما رأى إبراهيم عليه السلام درجة إستسلام ولده للأمر الإلهي إحتضنه وقبّل وجهه، وفي هذه اللحظة بكى الإثنان، البكاء الذي يبرز العواطف الإنسانية ومقدّمة الشوق للقاء الله. ويقول لابنه اسماعيل نعم العون أنت يا بني على أمر الله. على أية حال كبّ إبراهيم عليه السلام إبنه على جبينه، ومرّر السكين بسرعة وقوّة على رقبة ابنه، وروحه تعيش حالة الهيجان، وحبّ الله كان الشيء الوحيد الذي يدفعه إلى تنفيذ الأمر ومن دون أي تردّد، إلاّ أنّ السكين الحادّة لم تترك أدنى أثر على رقبة إسماعيل اللطيفة. فقال له اسماعيل ما لك؟ قال انقلبت، فقال له اطعن بها طعنا، فلما طعن بها نبت ولم تقطع شيئا، وذلك لأن الله الذي هو خالق كل شئ وهو الذي يخلق القطع بالسكين متى شاء، وقد علم الله تعالى بعلمه الأزلي الذي لا يزيد ولا ينقص ولا يتجدد الصدق في تسليمهما، ونودي يا ابراهيم قد صدقت الرؤيا هذا فداء ابنك، فنظر ابراهيم فاذا جبريل معه كبش من الجنة قال تعالى: "وفديناه بذبح عظيم"، أي أن الله تعالى خلّص اسماعيل من الذبح بأن جعل فداء له كبشا أقرن، عظيم الحجم والبركة . من هدى الائمة _عليه السلام_ عن أمالي الشيخ الصدوق، بإسناده إلى سليمان بن يزيد قال: حدثنا علي بن موسى قال: حدثني أبي عن أبيه عن أبي جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: الذبيح إسماعيل عليه السلام. وعن الفقيه، سئل الصادق عليه السلام عن الذبيح من كان؟ فقال إسماعيل، لأن الله تعالى ذكر قصته في كتابه ثم قال: "وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ". دروس وعبر نستنتج من قول ابراهيم_عليه السَّلام_: "قالَ يا بُنَي إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُك فَانْظُرْ ما ذا تَرى" ان إبراهيم لم يقصد أبداً خداع ولده، ودعوته إلى ساحة الامتحان العسير بصورة عمياء، بل رغب بإشراكه في هذا الجهاد الكبير ضدّ النفس، وجعله يستشعر حلاوة لذّة التسليم لأمر الله والرضى به، كما إستشعر حلاوتها هو. ومن جانب اخر عمد الإبن إلى ترسيخ عزم وتصميم والده في تنفيذ ما أمر به، إذ لم يقل له: إذبحني، وإنّما: "قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللّهُ مِنَ الصّابِرِينَ"، وخاصّة أنّه خاطب أباه بكلمة (ياأبت) كي يوضّح أنّ هذه القضية لا تقلّل من عاطفة الابن تجاه أبيه ولو بمقدار ذرّة، وأنّ أمر الله هو فوق كلّ شيء. ومن جهة ثالثة، أظهر أدباً رفيعاً تجاه الله سبحانه وتعالى، وأن لا يعتمد أحد على إيمانه وإرادته وتصميمه فقط، وإنّما يعتمد على إرادة ومشيئة الله، وبعبارة اُخرى أن يطلب توفيق الإستعانة والإستقامة من الله. في بعض الاحيان تأخذ الاوامر الالهية صبغة الاختبار فرغم عدم حصول الذبح لاسماعيل يقول الباري عزوجل: "قد صدقت الرؤيا"، اذن نية المرء خير من عمله كما ورد ذلك في الحديث الشريف. قصة نبي الله ابراهيم الخليل _عليه السَّلام_ 8 - 59 2011-09-20 09:32:25 2011-09-20 09:32:25 http://arabic.irib.ir/programs/item/7699 http://arabic.irib.ir/programs/item/7699 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله والصلاة والسلام على حامل وحيه محمد المصطفى وآله الهداة الابرار. مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته واهلا بكم في لقاء آخر من برنامج (القصص الحق). ايها الاحبة في هذه الحلقة من البرنامج نواصل الحديث عن قصة نبي الله ابراهيم _عليه السَّلام_ في مشهدها المذكور في سورة ابراهيم من 35 الى41، فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية: بداية ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الايات ثم نتعرف على معاني مفرداتها وعباراتها نستمع بعد ذلك الى الحوار القرآني الذي اجري مع خبير البرنامج بشأن احدى الاسئلة المثارة بشأن الآيات لنستمع بعد ذلك الى حكاية هذا المشهد بتفاصيلها ثم نغترف من معين اهل البيت _عليه السَّلام_ لنرتوي منه في تفسير هذه الايات ومسك الختام باقة من الدروس والعبر المستقاة من هذه الحكاية القرانية فاهلا ومرحبا بكم والى فقرات هذه اللقاء. المقدمة كان الحديث في الآيات التي سبقت آيات هذه الحلقة حول المؤمنين الصادقين والشاكرين لأنعم الله، وجاءت هذه الآيات في بحث بعض أدعية وطلبات العبد المجاهد والشاكر لله إبراهيم عليه السلام ليكون هذا البحث تكملة للبحث السابق ونموذجاً حياً للذين يريدون أن يستفيدوا من النعم الإلهية أفضل إستفادة، فلنتوجه بقلوبنا الى الله عزوجل وننصت الى تلاوة هذه الايات المباركات. التلاوة "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ{35} رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{36} رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ{37} رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء{38} الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء{39} رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء{40} رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ{41} " المفردات يقول تعالى: "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ" ، المراد بالأمن الذي سأله عليه السلام هو الأمن التشريعي دون التكويني فهو يسأل ربه أن يشرع لأرض مكة حكم الحرمة والأمن، وهو من أعظم النعم التي أنعم الله بها على عباده، فإنا لو تأملنا هذا الحكم الإلهي الذي شرعه إبراهيم عليه السلام بإذن ربه أي حكم الحرمة والأمن، وأمعنا فيما يعتقده الناس من تقديس هذا البيت العتيق. وقد ركز ذلك في نفوسهم منذ أربعة آلاف سنة حتى اليوم، وجدنا ما لا يحصى من الخيرات والبركات الدينية والدنيوية عائدة إلى أهلها وإلى سائر أهل الحق ممن يحن اليهم ويتعلق قلبه بهم، وقد ضبط التاريخ من ذلك شيئا كثيرا وما لم يضبط أكثر فجعله تعالى مكة بلداً آمنا من النعم العظيمة التي أنعم الله بها على عباده. يقول ابراهيم _عليه السَّلام_ عن الاصنام "رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ" فأي ضلال أكبر من هذا الضلال الذي يفقد الإنسان فيه حتى عقله وحكمته فيعبد اصناما صنعتها ايدي الناس وهي لا تنفع ولا تضر، "فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" . في الحقيقة إنّ إبراهيم عليه السلام أراد بهذه العبارة أن يقول لله تعالى: إنّه حتى لو انحرف أبنائي عن مسيرة التوحيد، واتّجهوا إلى عبادة الأصنام فإنّهم ليسوا منّي، ولو كان غيرهم في مسيرة التوحيد فهم أبنائي وإخواني. ثمّ يستمر بدعائه ومناجاته "رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ" . وفي ذيل الآية اشارة بليغة الى ان الهدف من اسكان ذرية ابراهيم عند البيت الحرام هو جعله منطلقاً لاقامة الصلاة. ثمّ يتابع إبراهيم عليه السلام دعاءه: إلهي، إنّ أهلي قد سكنوا في هذه الصحراء المحرقة إحتراماً لبيتك المحرّم: "فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ" . ومن هنا لمّا كان الإنسان الموحّد والعارف يعلم بمحدودية علمه في مقابل علم الله، وأنّه لا يعلم مصلحته إلاّ الله تعالى، فما أكثر ما يطلب شيئاً من الله وليس فيه صلاحه، أو لا يطلبه وفيه صلاحه، وأحياناً لا يستطيع أن يقوله بلسانه فيضمره في أعماق قلبه، ولذلك يعقّب على ما مضى من دعائه ويقول: "رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء" . ثمّ يشير القرآن إلى شكر إبراهيم عليه السلام لنعمه تعالى والتي هي من أهمّ ما إمتاز به عليه السلام شكره على منحه ولدين بارّين إسماعيل وإسحاق، وذلك في سنّ الشيخوخة "الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ" ، ثمّ يستمرّ بدعاءه ومناجاته أيضاً فيقول: "رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء" . ثمّ يختم دعاءه هنا فيقول: "رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ" . زين العابدين: طبعا هناك حكم الهية واسباب ربانية جعلت هذا المكان ومكة في هذا الموضع وفي هذا المكان غير ذي زرع، لعل سؤالكم يعني لماذا غير ذي زرع؟ "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ{35} رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{36} رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ... " هناك خطبة رائعة للامام علي عليه السلام تسمى خطبة القاصعة في نهج البلاغة توضح السر او بعض اسرار وجود هذا البيت المحرم، بيت الله عزوجل في تلك البقعة كما يعبر القرآن الكريم بواد غير ذي زرع لتكون البلوى اشد يعني لم يجعل الله عزوجل الكعبة في مكان خضر وفسيح، فيه جنات وانهار، نقرأ بعض فقرات خطبة القاصعة ليتضح الجواب من خلال هذه الخطبة، امير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة يقول كلما كانت البلوى والاختبار تعظم كانت المثوبة والجزاء اجزل "ألا ترون ان الله سبحانه وتعالى اختبر الاولين من لدن آدم الى الاخرين من هذا العالم بأحجار لاتضر ولاتنفع ولاتبصر ولاتسمع فجعلها بيته الحرام الذي جعله الله للناس قياماً ثم وضعه" هنا الجواب "ثم وضعه بأوعر بقاع العالم حجراً واقل نتائق الدنيا مدراً واضيق بطون الاودية قطراً بين جبال خشنة ورمال دمثة وعيون وشلة وقرى منقطعة لايزكو بها خف ولا حافر ولا ضلف ثم امر آدم عليه السلام وولده ان يثنوا اعطافهم نحوه فصار مثابة لمنتجع اسفارهم وغاية لملقى رحالهم تهوي اليه ثمار الافئدة من مفاز قفار سحيقة ومهاوي فجاج عميقة وجزائر بحار منقطعة حتى يهزوا مناكبهم ذللاً يهللون لله حوله ويرملون على اقدامه شعثاً غبراً له قد نبذوا السرابيل وراء ظهورهم وشوهواً بأعفاء الشعور محاسن خلقهم ابتلاءاً عظيماً وامتحاناً شديداً واختباراً مبيناً وتمحيصاً بليغاً جعله الله سبباً لرحمته ووصلاً الى جنته" بعد ذلك يؤكد الامام علي على "بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ" لماذا؟ يعني ماهو السر؟ او ماهي الحكمة ان يكون هذا البيت الحرام الذي تهوي اليه الافئدة ان يكون في تلك البقعة التي ليس فيها جنات او قرار ولو اراد الله كما يقول امير المؤمنين علي عليه السلام يقول "ولو اراد الله سبحانه ان يضع بيته الحرام ومشاعره العظام بين جنات وانهار وسهل وقرار، جم الاشجار، دان الثمار، ملتف البنى، متصل القرى، بين برة سمراء وروضة خضراء وارياف محدقة وعراص مغدقة وزروع رياض ناضرة وطرق عامرة لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء" هنا يتبين هذا السر يعني اراد الله عزوجل للحجاج الآتين من كل فج عميق ان يذهبوا خالصين لله عزوجل، لايذهبون للسياحة ولايذهبون ليروا المناظر اللطيفة ويرون الاشجار والثمار وانما اراد الله عزوجل ان يوضع هذا البيت، ان يكون هذا البيت في تلك البقعة التي لاتحوي شيئاً من الحياة الطبيعية والجمال الطبيعي حتى تكون زيارتهم الى ذلك البيت خالصة لله. وهنا مستمعينا الكرام، قد يرد هذا السؤال في أذهان الكثيرين وهو لماذا جعل الله الكعبة المشرفة هذا المركز العبادي المهمّ في مثل هذه الأرض التي يصفها ابراهيم _عليه السَّلام_ "بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ"؟، نستمع للاجابة عن هذا السؤال من خلال اللقاء الذي اجري مع سماحة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من مدينة قم المقدسة؟، نتقدم بالشكر الجزيل والثناء الجميل لسماحة السيد عبد السلام زين العابدين لمشاركته وتواصله في هذا البرنامج (القصص الحق)، والذي نتاول فيه حياة ابراهيم _عليه السَّلام_ فيما يخص هجرته الى بيت الله الحرام الذي وصفه _عليه السَّلام_ بواد غير ذي زرع، وهذه الايات وردت في سورة ابراهيم _عليه السَّلام_ من الاية 35 حتى 41، تابعونا مشكورين وفقرة القصة. القصة كانت سارة زوجة ابراهيم امرأة عقيماً، وقد تقدّمت بها السنّ، وأصبحت في وضع لا يُرجى معه أن ترزق بولد، وكانت نفس إبراهيم ترغب بولد، فدعا اللّه أن يهبه ولداً صالحاً، وأحسّت زوجته سارة بما يجول في خاطره، فبادرت إلى الطلب منه أن يتزوج جاريتها هاجر لعلّ اللّه يرزقه بولد منها، فتزوج إبراهيم _عليه السَّلام_ هاجر ورزق منها مولود أسماه إسماعيل، ثم استجاب إبراهيم_عليه السَّلام_ للحكمة الإلهية التي أوحت اليه أن يحمل هاجر وإسماعيل ويذهب بهما إلى مكة، فسار بهما إلى أن أمره اللّه بالتوقف في أرض بعيدة عن العمران في المكان الذي سيبنى عليه البيت الحرام. ثُمَّ قفل راجعاً إذ لا ماء ولا طعام، فتبعته هاجر وحاولت أن تستدر عطفه مراراً، وهو يمضي في سبيله إلى أن أدركت أنَّ اللّه يأمره بذلك، فاستكانت واتكلت على اللّه، ورجعت إلى المكان الذي وضعها فيه مع ولدها. وعاد إبراهيم_عليه السَّلام_ وقلبه منفطر على زوجته وولده، ولكن إرادة اللّه غلبت إرادته فاستسلم لربِّه مبتهلاً له يدعوه بهذه الكلمات: "رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ{37} رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء" (سورة إبراهيم:37ـ38) ومكثت هاجر تأكل من الزاد وتشرب من الماء الذي تركه لهما إبراهيم_عليه السَّلام_ إلى أن نفذ، ودبّ العطش بهما فجعلت تنظر من حولها، وإسماعيل_عليه السَّلام_ يتلوى من الظمأ فهبت تبحث له عن ماء يروي ظمأه. صعدت هاجر إلى مكان مرتفع يُعرف بـ «الصفا»، ولكنَّها لم تجد له أثراً، فهبطت منه وهي مرهقة، حتّى أتت مكاناً مرتفعاً آخر عرف بـ «المروة»، فلم ترَ للماء أي أثر أيضاً، ثُمَّ رجعت إلى الصفا ثُمَّ إلى المروة، إلى أن بلغ سعيها بين الصفا والمروة سبع مرات، وبينما هي تواصل سعيها، وحيث أشرفت على «المروة» شاهدت الطير تحوم حول ابنها، فلمّا رأت هذا المشهد المثير عادت لتستطلع الخبر، فرأت الماء يتدفق فجعلت تغرف منه وتسقي ولدها وتروي نفسها. وكان قوم من قبيلة جرهم يسيرون قرب هذا المكان، فلمّا شاهدوا الطير تحوم حوله تساءلوا عن سرّ هذا التحليق، لأنَّ ذلك لا يتحقّق إلاَّ بوجود الماء وهم على علم أنَّه غير متوفر في تلك المنطقة، فأرسلوا أحدهم يستطلع الخبر فرجع اليهم يزف بشرى وجود الماء، فأتوا هاجر وسألوها أن تقبل بوجودهم بالقرب منها، على أن يبقى الماء لها، فرحبت بهم، واستوطنوا بجوارها حتّى شبّ إسماعيل وتزوج امرأة جرهمية، وتعلّم العربية منها. من هدى الائمة _عليه السلام_ عن الإمام علي عليه السلام قال: «نحن آل إبراهيم، أفترغبون عن ملّة إبراهيم! وقد قال الله تعالى: "فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي" . وعن الباقر عليه السلام قال: «من أحبّنا فهو منّا أهل البيت. قال الراوي، جعلت فداك: منكم؟ قال منّا والله، أما سمعت قول إبراهيم "فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي" . دروس وعبر يشير قوله تعالى "وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ" ، الى ان الدعاء من اجل حفظ العقيدة وسلامة الفكر للمرء ومن يلوذ به من الاهل والاولاد هو من افضل الادعية. الامن والاستقرار هما من اهم الامور التي يجب ان تحظ بهما المجتمعات ولا سيما دور العبادة وهذا ما يوكده قوله تعالى: "رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً" ، كما لا يخفى ان هاتين الصفتين هما تشغلان بال القادة الملتزمين ومنهم الانبياء _عليه السَّلام_. مستمعي الكريم انظر الى رأفة ورحمة الانبياء ومنهم ابراهيم_عليه السَّلام_ اذ يدعو الله تعالى حتى لمن عصاه "مَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" ، كما يشير هذا الكلام الى ان عصيان الانبياء هو عصيان الله تعالى. ان الالتزام بالدين والحفاظ على المبادئ يقتضي احيانا ان يتحمل الانسان الصعاب، منها الهجرة والتشريد والابتعاد عن الاوطان. قصة نبي الله ابراهيم الخليل _عليه السَّلام_ 7 - 58 2011-09-13 10:01:03 2011-09-13 10:01:03 http://arabic.irib.ir/programs/item/7678 http://arabic.irib.ir/programs/item/7678 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله والصلاة والسلام علي امين وحيه محمد المصطفى واله الهداة الابرار. مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمه الله وبركاته واهلا بكم الى برنامج القصص الحق. ايهاالاحبه في هذه الحلقة من البرنامج نواصل حديثنا عن حكاية نبي الله ابراهيم _عليه السَّلام_ و نذكر القضية التي ذكرت في سورة البقرة في الاية 260 وهي تذكر قصة طلب ابراهيم _عليه السَّلام_ من اللهم ان يريه كيفية احيائه عزو جل للاموات. فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية: بداية ننصت خاشعين الى تلاوة الاية المباركة. ثم نتعرف على معاني مفرداتها والعبارات التي وردت فيها. نستمع الى اجابة سماحة السيد عبد السلام زين العابدين وهو يجيب عن اشكالية تطرح في هذا المجال. نستمع بعد ذلك الى محطة سرد الحكاية. ونهتدي بهدي الائمة _عليه السَّلام_ في فقرة من هدي الائمة _عليه السَّلام_. ومسك الختام مع باقة من الدروس والعبر التي نساتنتجها من الاية. فاهلا ومرحبا بكم الى فقرات هذه اللقاء. المقدمة يتطرق القرآن الكريم الى مسألة المعاد من خلال قصة إبراهيم _عليه السَّلام_ التالية ويبين له كيفية احياء الموتى باذن وارادة رب العالمين. فلننصت خاشعين الى تلاوة الاية: التلاوة "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (البقرة الاية مئتان والستون) المفردات يقول الباري عزوجل: "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى". يفيد تعبير "أَرِنِي كَيْفَ..." أنّه _عليه السَّلام_ طلب الرؤية والشهود عياناً لكيفية حصول البعث لا البعث نفسه. "قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي". من الممكن أن يتصور البعض أنّ طلب إبراهيم _عليه السَّلام_ هذا إنّما يدلّ علي تزلزل إيمان إبراهيم _عليه السَّلام_، ولإزالة هذا التوهّم أوحى إليه السؤال: "أَوَلَمْ تُؤْمِن"؟ لكي يأتي جوابه موضحاً الأمر، ومزيلاً كلّ التباس قد يقع فيه البعض في تلك الحادثة، لذلك أجاب إبراهيم _عليه السَّلام_ قال بلى ولكن لِيطمئنَّ قلبي. "قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً". «صرهنّ» من «الصَوْر» أي التقطيع، أو الميل، أو النداء، ومعني التقطيع أنسب. أي خذ أربعة من الطير واذبحهنّ وقطّعهنّ واخلطهنّ. لقد كان المقصود أن يشاهد إبراهيم _عليه السَّلام_ نموذجاً من البعث وعودة الأموات إلى الحياة بعد أن تلاشت أجسادها، وهذا لا يتناسب مع أملهنّ ولا مع نادِهنّ وعلى الأخصّ ما يأتي بعد ذلك "ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً" وهذا دليل على أنّ الطيور قد قطّعت أوّلاً وصارت أجزاء، ولعلّ الذين قالوا إنّ "صُرْهُنَّ إِلَيْكَ" تعني استمالتهنّ وايناسهنّ قد غفلوا عن لفظة «جزءاً» هذه، وكذلك الهدف من هذا العمل. وبذلك قام إبراهيم بهذا العمل وعندما دعاهنّ تجمّعت أجزائهنّ المتناثرة وتركبّت من جديد وعادت إلي الحياة، وهذا الأمر أوضح لإبراهيم _عليه السَّلام_ أنّ المعاد يوم القيامة سيكون كذلك على شكل واسع وبمقياس كبير جدّاً. ويرى بعضهم أنّ كلمة "سَعْياً" تعني أنّ الطيور بعد أن عادت إليهنّ الحياة لم يطرن، بل مشين مشياً إلى إبراهيم _عليه السَّلام_ لأنّ السعي هو المشي السريع، وينقل عن الخليل ابن أحمد الأديب المعروف أنّ إبراهيم _عليه السَّلام_ كان يمشي عندما جاءت إليه الطيور، أي أنّ "سَعْياً" حال من إبراهيم _عليه السَّلام_ لا من الطيور. ******* زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم، احسنتم سؤال جميل ولطيف ودائماً هذا السؤال يتكرر لأنه ربما حين ندقق في الاية المباركة وبسؤال ابراهيم عليه السلام ونحن نعرف ان ابراهيم من انبياء اولي العزم لابد انه حينما نفسر اقوال الانبياء نستحضر عظمة النبوة ويقين الانبياء بالله عزوجل وبالحشر وبالنشر "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى" هنا السؤال عن كيفية الاحياء يعني هناك يقين عند ابراهيم عليه السلام بالبعث واحياء الموتى في عقله، على صعيد العقل كان يؤمن بالدليل، كان يؤمن بالحجة والبرهان والاستدلال والاحتجاج بأن هناك احياء موتى ولكن السؤال كان يعني الاطمئنان على صعيد القلب "وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي" فرق كبير بين اليقين العقلي والاطمئنان القلبي ولهذا سأل عن كيفية الاحياء يعني ينبغي ان نفرق بين مشاهدة كيفية الاحياء وبين اصل الاحياء، ايراهيم عليه السلام لم يسأل عن اصل الاحياء وانما سأل عن مشاهدة كيفية الاحياء ولهذا قال "أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى"، لم يسأل كيف تتجمع هذه الاجزاء المتفرقة للميت لتكون انساناً من جديد وانما كيف يفيض الله عزوجل الحياة يعني افاضة الحياة على الموتى وبتعبير اخر كما يعبر العلامة الطباطبائي سؤال عن الملكوت وليس عن الملك يعني هذه الاسرار ومشاهدة الاحياء واسرار الاحياء ليريد ابراهيم عليه السلام ان يرى هذا الامر رؤية مشاهدة ولهذا المسألة ليست على صعيد العقل واليقين العقلي وانما كانت على صعيد القلب ولهذا العلامة الطباطبائي رضوان الله تعالى عليه عنده كلمة جميلة بهذا الخصوص يقول وجود الخطورات المنافية للعقائد اليقينية لاينافي الايمان والتصديق غير انها تؤذي النفس وتسلب السكون والقرار منها ولايزول وجود هذه الخواطر الا بالحس والمشاهدة ولذلك قيل ان للمعاينة اثراً لايوجد مع العلم، من هذا المنطلق سأل ابراهيم عليه السلام "رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَىقَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن" يعني هنا اليقين على صعيد العقل والبرهان والاستدلال "قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي" يعني هناك ايمان على صعيد البرهان والدليل والاستدلال ولكن كان يريد ابراهيم الاطمئنان عن طريق الحس والارائة والاشهاد وليس عن طريق البرهان والاستدلال والاحتجاج ولهذا جاء الامر اللهي الجواب "قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ" صرهن يعني الامالة اليك "ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " يعني هنا لم يكن ابراهيم يشك بقدرة الله عزوجل لذلك لم يقل قدير مثلاً عزيز وانما جاء بعزيز حكيم فهناك العزة والحكمة ولهذا لايمكن ان نقارن مثلاً ابراهيم عليه السلام بموسى عليه السلام "أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ" لأن بعضهم قال أرني انظر اليك يعني شبيه بأرني كيف تحيي الموتى لأن احياء الموتى احياء امر ممكن بل حتمي الوقوع فالسؤال عن الكيفية لحصول الاطمئنان القلبي عن طريق المشاهدة والحس وليس عن طريق الاستدلال والبرهان ولهذا "قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي" انا عندي ايمان، يقين قاطع ولكن على صعيد العقل، فرق كبير بين صعيد العقل والاطمئنان على صعيد القلب، صعيد القلب يحتاج الى مشاهدة والى رؤية الملكوت "وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ"(الأنعام75) يعني اسرار الافاضة الالهية للموتى حينما الميت يتفرغ جسده في الارض فأسرار وملكوت تجميع هذه الذرات المتفرقة للميت لتكون انساناً من جديد، لم يسأل عن الملك وعن القدرة الالهية وانما سأل عن الملكوت يعني عن اسرار هذه الافاضة الالهية الربانية، الاجزاء المتفرقة من الانسان لتصبح بعد ذلك انساناً من جديد. ******* ماالفرق بين الايمان والاطمئنان القلبي الذي يتحدث عنه ابراهيم _عليه السَّلام_ في قوله لله تعالى "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي" لا سيما عندما نقارن هذا الموقف مع الاية المباركة "قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ"(الحجرات14) فاذا دخل الايمان في القلب الا يعني ذالك الاطمئنان؟ القصةذات يوم مر إبراهيم على ساحل البحر، فرأى جثةً ميت على الساحل: بعضها في الماء، وقد اجتمع عليها بعض الأسماك تأكل منها.. وبعضها في البر، وقد اجتمع عليه بعض السباع تأكل منها. عند ذاك تفكّر إبراهيم في كيفية إعادة الأموات، يوم القيامة. فطلب من الله، أن يريه إحياء الأموات، حتي يصير علمه عياناً. فقال: "رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى"؟ قال الله تعالى: "أَوَلَمْ تُؤْمِن"؟ قال إبراهيم: "بلى" إني مؤمن "وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي" قال الله تعالى: "فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" فأخذ إبراهيم الديك.. والحمامة.. والطاووس.. والغراب.. فذبحهن، وقطّعهن، وخلطهنّ، ثم جعل على كلّ جبل من الجبال التي حوله ـ وكانت الجبال عشرة ـ جزءاً من تلك الأجزاء المخلوطة، وجعل مناقير هذه الطيور الأربعة بين أصابعه. ثم دعا الطيور بأسمائهن ـ ووضع عنده ماءاً وحبّاً ـ فتطايرت تلك الأجزاء، وانضمّت بعضها إلى بعض، حتي كملت الأبدان وجاء كل بدنٍ حتى لحق برأسه ومنقاره، فخلّى إبراهيم _عليه السَّلام_ سبيلهنّ، فطرن، ثم وقعن، فشربن من ذلك الماء والتقطن من ذلك الحب، وشكَرن إبراهيم - عليه السلام -. من هدى الائمة _عليه السلام_في حديث قال الامام الصادق _عليه السَّلام_: في قوله تعالى، وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى الآية: هذه آية متشابهة، ومعناها أنه سأل عن الكيفية والكيفية من فعل الله عز وجل، متى لم يعلمها العالم لم يلحقه عيب، ولا عرض في توحيده نقص. وسئل الامام ابو الحسن الرضا _عليه السَّلام_ عن قول ابراهيم _عليه السَّلام_ عندما "قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي" أ كان في قلبه شك؟ قال لا ولكن أراد من الله الزيادة. دروس وعبرفي الاية المباركة يفهم من قول ابراهيم "بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي". أنّ الإستدلالات العملية والمنطقية قد تؤدّي إلى اليقين ولكنها لا تؤدّي إلى اطمئنان القلب، إنّها ترضي العقل لا القلب ولا العواطف. ان حالات الكشف والشهود العرفانية لا تتحقق الا لمن سلك طريق الله ووصل الى مقامات عليا وهي لا تتوفر لغيره. المسلمون متفاوتون في ايمانهم منهم من اسلم لله امره فهو مسلم ومنهم من آمن بقدرة الباري عزوجل فهو مومن ومنهم من ايقين بها فهو موقن ولليقين ايضا درجات علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين. هذه الاية المباركة لدلالة واضحة على ان المعاد في يوم القيامة هو في الواقع معاد جسماني وليس معادا روحانيا وحسب. ******* قصة نبي الله ابراهيم الخليل _عليه السَّلام_ 6 - 57 2011-06-14 03:56:40 2011-06-14 03:56:40 http://arabic.irib.ir/programs/item/7652 http://arabic.irib.ir/programs/item/7652 الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه والصلاه على رسوله واله الهداة الابرار. مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمه الله وبركاته واهلا بكم الى برنامج (القصص الحق). ايها الاحبه في هذه الحلقة من البرنامج نواصل الحديث عن قصة نبي الله ابراهيم _عليه السَّلام_ التى ذكرت في سورة البقرة في الاية مئتان والثامنة والخمسون وهي تحكي قصة نقاشه مع نمرود وذلك بعد ان نجاه الله من النار التي اوقدها له. فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية: بداية ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الاية، ثم نتعرف على معاني مفرداتها وعباراتها. سماحة السيد عبد السلام زين العابدين الاستاذ في علم تفسير القران الكريم يسلط الضوء على الاشكالية التي تطرح حول النقاش الذي دار بين ابراهيم ونمرود. ثم نتابع معا سرد الحكاية بتفاصيلها. ننتقل الى فقرة من هدي الائمة _عليه السَّلام_ ورواية عن الامام علي _عليه السَّلام_ وأبي عبد الله الصادق _عليه السَّلام_. ومسك الختام مع باقة من الدروس المآخوذة من هذه الحكاية القرانية. فاهلا ومرحبا بكم الى فقرات هذا اللقاء. ******* المقدمة تحكي الاية مناظرة إبراهيم الخليل مع من أراد أن ينازع الله العظيم الجليل في العظمة ورداء الكبرياء فادّعى الربوبية، وهوَ أحدُ العبيد الضعفاء الملك المتجبر المتمرد، نمرود فأبطل الخليل عليه دليله، وبين كثرة جهله، وقلة عقله، والجمه الحجة، وأوضح له طريق المحجة. فالى الاستماع لهذه الاية وهي من سورة البقرة – الآية مئتان والثامنة والخمسون-. ******* التلاوة قال الله تعالى: " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" ******* المفردات الآية التي سبقت هذه التي نتحدث عنها تناولت هداية المؤمنين بواسطة نور الولاية والهداية الإلهية، وضلال الكافرين لإتّباعهم الطاغوت، فيذكر الله تعالى في هذه الآية: عدّة شواهد لذلك، وأحدها ما ورد في الآية أعلاه وهي تتحدّث عن الحوار الذي دار بين إبراهيم _عليه السَّلام_ وأحد الجبّارين في زمانه ويدعى (نمرود) فتقول: ("أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ". المحاجة إلقاء الحجة قبال الحجة لإثبات المدعى أو لإبطال ما يقابله، وأصل الحجة هو القصد، وغلب استعماله فيما يقصد به إثبات دعوى من الدعاوي. تعقِّب الآية بجمله اُخرى تشير فيها إلى الدافع الأساس لها وتقول: إنّ ذلك المتجبر تملّكه الغرور والكبر وأسكره الملك " أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ". وتضيف الآية أنّ ذلك الطاغية سأل إبراهيم عن ربّه: من هو الإله الذي تدعوني إليه؟ " إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ". الواقع أنّ أعظم قضية في العالم هي قضية الخلقة، يعني قانون الحياة والموت الذي هو أوضح آية على علم الله وقدرته. ولكن نمرود الطاغية إتّخذ طريق المجادلة والسفسطة وتزييف الحقائق لإغفال الناس والملأ من حوله فقال: إنّ قانون الحياة والموت بيدى " قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ". ومن أجل إثبات هذه الدعوى الكاذبة استخدم حيلة كما ورد في الرواية المعروفة حيث أمر بإحضار سجينين أطلق سراح أحدهما وأمر بقتل الآخر، ثمّ قال لإبراهيم والحضّار: أرأيتم كيف أحيى واُميت. ******* ولكنّ إبراهيم قدّم دليلاً آخر لإحباط هذه الحيلة وكشف زيف المدّعى بحيث لايمكنه بعد ذلك من إغفال النّاس فقال: "قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ " إنّ هذا الاستدلال وهو الثاني يبدأ «بالفاء» وقد يكون إشارة إلى أنّ الاستدلال الثاني لا يعني صرف النظر عن الاستدلال الأوّل بل تضاف إليه. اجل عند ذلك الجم ابراهيم _عليه السَّلام_ فم هذا المعاند بلجام المنطق "فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" . وبهذا عجز عن الكلام أمام منطق إبراهيم _عليه السَّلام_ الحي ويتّضح ضمناً من عبارة "وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" أنّ الهداية والضلالة بالرغم من أنّهما من أفعال الله تعالى، إلاّ أنّ مقدّماتهما بيد العباد، فارتكاب الآثام من قبيل الظلم والجور والمعاصى المختلفة تشكل على القلب والبصيرة حجبا مظلمة تمنع من أدراك الحقائق على حقيقتها. ******* احبة القران ما يثار من النقاش في هذه الاية هو حول موقف ابراهيم _عليه السَّلام_ مما قاله نمرود في انه ايضا قادر على احياء الموتى واماتة الاحياء اذ نجده _عليه السَّلام_ يترك هذا الامر وينقل الى طرح موضوع اخر هو"فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ " والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا لم يستمر ابراهيم _عليه السَّلام_ في نقاشه ذاك ويثبت ان نمرود على خطاء، ما الحكمة في ذلك؟ نستمع معا الى اجابة سماحة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرانية من مدينة قم المقدسه للإجابة عن هذا السؤال..... ******* زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً ابراهيم عليه السلام يواجه طاغية جبار متكبر يدق على طبل انا ربكم الاعلى ما علمت لكم من اله غيري ومع ذلك فأن نمرود كان يؤمن بآلهة ولهذا كان يقول انا ربكم الاعلى ما علمت لكم من اله غيري فهو يؤمن بألهة وهو اله الآله، هو الرب الاعلى فهنا ابراهيم عليه السلام حاجه اولاً بأمر بسيط يعني "إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ" طبعاً هذه الاية الثامنة والخمسون بعد المئتين "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ" أن آتاه تعليلية يعني لأن آتاه الله الملك يعني "إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى{6} أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى{7}"، "إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ" فجاء نمرود برجلين كان حكم عليهما بالاعدام فأعدم احدهما وابقى واطلق سراح الاخر فقال انا احيي واميت، هذا اعدمته يعني امته وذاك اطلق سراحه يعني احييته فتلبس الامر على الناس ولهذا ابراهيم عليه السلام لم يكن يوضح هذا اللبس لأنه قد لايفهم الناس هذا المعنى ولهذا تحول الى حجة اخرى، هذه المحاجة يعني "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ" يعني اعطاء حجة اخرى، المحاجة يعني حجة قبال حجة اخرى، المحاور عندما يرى ان الحجة الاولى قد تنطلي على الاخرين ولن يؤمن بها الاخرون هنا ينبغي ان يتحول الى حجة اخرى اقوى واوضح وابين، ابراهيم الحكيم عليه السلام، ابراهيم تحول الى حجة اخرى اوضح وابين فقال له ابراهيم، قال انا احيي واميت ابراهيم قال "فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ" هذه الحجة اوضح من الحجة الاولى يعني الحجة الاولى استطاع نمرود ان يلبس على الناس بحيث قتل احداً واطلق سراح واحداً اذن هو يحيي يميت بينما هذه الحجة الثانية انه "فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ" هنا لم يستطع نمرود ان يتحدث او ان يقول شيئاً، مثلاً لم يستطيع ان يقول انا افعل كذا، لم يقل هي لوحدها تنتقل وتتحرك وليس هناك رب او انه هناك اله لأنه يؤمن ان هناك رب وهناك خالق يعني كما كان المشركون في مكة، المشركون في مكة كانوا يؤمنون بالله عزوجل ولكن الله الخالق وليس الرب وليس الاله ولهذا القرآن يقول "وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ" يعني اذا احداً يسأل المشرك من خلق السماوات والارض يقول الله، هم يؤمنون بالله الخالق وهكذا كان نمرود يؤمن بالله الخالق ولكن لايؤمن بالله الرب والاله ولهذا كان يقول " أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى " "مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي" كما كان فرعون فهنا كان ابراهيم اعطى حجة اوضح وابرز فهي "فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ" فلهذا القرآن يقول "فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ" يعني تحير، لن يعطي جواباً، لن يستطع ان يلبس على الناس كما كان يلبس في الحجة السابقة وهي احياء الموتى "إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ" وهذا درس عظيم نستفيد منه انه حينما نعطي حجة والاخر يستطيع ان يلبس على الناس في الجواب عن هذه الحجة وهذا البرهان ينبغي ان ننتقل الى برهان اخر اوضح ظهوراً وابين حتى نجعل الاخر يبهت يعني يعيش البهتان والحيرة ولايستطيع ان يجيب او ان يلبس على الناس كما كان يلبس في الحجة السابقة. ******* القصة مستمعينا الكرام وصل الحديث بنا حيث اصبحت النار التي اوقدها نمرود والقوم العابد للاوثان اصبحت بمشيئة الباري عزوجل بردا وسلاما على ابراهيم حسب التعبير القراني وعند ذاك نظر نمرود إلى آزر، عم إبراهيم.. وقال: يا آزر، ما أكرم ابنك على ربه؟ ثم خرج إبراهيم من النار، وجاء إلى نمرود، ليدعوه إلى الله من جديد. قال نمرود: يا إبراهيم، من ربك؟ قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت. قال: أنا أحيي وأميت. قال إبراهيم: كيف تُحيي وتُميت؟ قال نمرود: اطلب رجلين ممن وجب عليهم القتل، فأطلق واحداً، وأقتل واحداً، فأكون قد أمتّ وأحييت. وكان هذا الكلام من (نمرود) خطأً، إذ معنى كلام إبراهيم _عليه السَّلام_ أن الله يعطي الحياة، ويقبض الأرواح. أما كلام نمرود أنه يطلق سراح الجاني، فليس هذا إحياءً.. فقال له إبراهيم: إن كنت صادقاً، فأحْي الذي قتلته.. لكن نمرود لم يجد جواباً. أعرض إبراهيم عن مقالة نمرود وأراد أن يلزمه بحجةٍ أخرى.. فقال: دع عن هذا "فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ".. فإن كلّ يوم صباحاً، تطلع الشمس من المشرق، وذلك من صنع الله تعالى.. فإن كنت أنت إلهاً، فاعكس الأمر، وائتِ بالشمس من طرف المغرب. "فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ" وانقطع نمرود عن الحجة، فلم يتمكن أن يجيب إبراهيم. وظهر على الكل أن نمرود كاذبٌ في دعواه الالوهية. ******* من هدى الائمة _عليه السلام_ في الدر المنثور، في قوله تعالى: أ لم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه، عن الامام علي بن أبي طالب قال: الذي حاج إبراهيم في ربه هو نمرود بن كنعان. و في تفسير البرهان ورد في رواية عن الامام الصادق _عليه السَّلام_ تتحدث بشان موعد هذه المحاجة التي تتحدث عنه الاية قيل بعد إلقائه في النار وجعلها عليه بردا وسلاما. ******* دروس وعبر استنادا الى قوله تعالى: "أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ" نستنتج ان كل ما حصل عليه الانسان هو من عند الله تعالى حتى الكفار ايضا يستفيدون من نعمه في الدنيا الا انهم يسيئون استخدامها. الامر الثاني الذي تشير اليه الاية هو ان القدرة والسيطرة تسبب احيانا الاستكبار والغرور كما حدث لنمرود عندما قال أنا اُحي واميت. على الداعية ان يناقش الاخرين على قدر عقولهم فلو اراد النبي ابراهيم_عليه السَّلام_ ان يناقش نمرود على خطاء منطقه في قوله: أنا اُحي واميت لاستطاع، الا ان نمرود ما كان يفقه ذلك ولذا طرح_عليه السَّلام_ موضوعا اخر فأدى الى بهتان الكافر"فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ" من الضروري ان يتم التطرق الى الدلائل الفطرية والعقلية وما شابه ذلك حتى يقنع الطرف المقابل. ان الانسان الكافر لهو حقا ظالم لنفسه لانه ظلم مكانته كإنسان لذلك فهو لا يهتدي ابدا ما دام على كفره بالله تعالى. و اخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين. ******* قصة نبي الله ابراهيم الخليل _عليه السَّلام_ 5 - 56 2011-05-30 08:29:52 2011-05-30 08:29:52 http://arabic.irib.ir/programs/item/7554 http://arabic.irib.ir/programs/item/7554 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله والصلاه والسلام على حامل وحيه محمد المصطفى واله الهداة الابرار. مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمه الله وبركاته واهلا بكم في برنامج القصص الحق. ايها الاحبه فى هذه الحلقة من البرنامج نواصل الحديث عن قصة نبي الله ابراهيم الخليل وما جرى له بعد ان قام بتحطيم الاصنام وذكرت هذه القصة في سورة الانبياء من الاية الثامنة والستين الى الاية السبعين. فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية: بداية ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الايات، ثم نتعرف على معاني المفردات ونقدم شرحا للعبارات القرانية، بعدها نستمع الى الحوار القراني الذي اجري بشان الايات مع خبير هذا اللقاء سماحة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرانية من مدينة قم المقدسة حول حقيقة المعجزة التي تحولت من خلالها نار نمرود بردا وسلاما. ثم نستمع الى الحكاية بتفاصيلها التي ذكرت في التاريخ. ثم ننتقل لكم بعضا من الاحاديث الشريفة في فقرة من هدي الائمة –عليهم السلام- المروية بشان هذه القصة. ومسك الختام مع باقة من الدروس والعبر المستقاة من هذه الحكاية القرانية فاهلا ومرحبا بكم والى فقرات هذا اللقاء. ******* المقدمة احبة القران، تحدثنا في الحلقات الماضية كيف أنّ عبدة الأوثان اُسقط ما في أيديهم من الدلائل في اثبات عقيدتهم بالنسبة لعبادتهم الاصنام، وذلك نتيجة إستدلالات إبراهيم العلمية والمنطقية، واعترفوا فى أنفسهم بهذه الهزيمة، إلاّ أنّ عنادهم وتعصّبهم الشديد منعهم من قبول الحقّ، ولذلك اتخذوا قراراً صارماً وخطيراً فى شأن إبراهيم، وهو قتله عليه السلام بأبشع صورة، أى حرقه وجعله رماداً. ايات هذه الحلقة تتحدث عن هذا الجانب، نستمع معا الى تلاوة هذه الايات ثم نعود الى حضراتكم وفقرة المفردات... ******* التلاوة "قالُوا حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكمْ إِنْ كنْتُمْ فاعِلِينَ (68) قُلْنا يا نارُ كونِى بَرْداً وسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ(69) وأَرادُوا بِهِ كيداً فَجَعَلْناهُمُ الاْخْسَرِينَ (70) " ******* المفردات يقول القرآن الكريم: "قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ"، فقالوا واشاعوا بين الناس وهم يحاولون تحريك عواطفهم: إنّ آلهتكم ومقدّساتكم مهدّدة بالخطر، وقد سُحقت سنّة آبائكم وأجدادكم، فأين غيرتكم وحميتكم؟! لماذا أنتم ضعفاء أذلاّء؟ لماذا لا تنصرون آلهتكم؟ احرقوا إبراهيم وانصروا آلهتكم. والخلاصة، فقد قالوا الكثير من أمثال هذه العبارات وأثاروا الناس ضدّ إبراهيم بحيث إنّهم لم يكتفوا بعدّة حزم من الحطب تكفى لإحراق عدّة أشخاص، بل أتوا بآلاف الحزم وألقوها حتى صارت جبلا من الحطب ثمّ أشعلوه فاتّقدت منه نار مهولة كأنّها البحر المتلاطم والدخان يتصاعد إلى عنان السّماء لينتقموا من إبراهيم أوّلا، وليحفظوا مهابة أصنامهم المزعومة التي حطّمتها خِطّته وأسقطت اُبهّتها. لقد كتب المؤرّخون هنا مطالب كثيرة، لا يبدو أيّ منها بعيداً، ومن جملتها قولهم: إنّ الناس سعوا أربعين يوماً لجمع الحطب، فجمعوا منه الكثير من كلّ مكان، وقد وصل الأمر إلى أنّ النساء اللاتى كان عملهنّ الحياكة فى البيوت، خرجن وأضفن تلاًّ من الحطب إلى ذلك الحطب، ووصّى المرضى المشرفين على الموت بمبلغ من أموالهم لشراء الحطب، وكان المحتاجون ينذرون بأنّهم يضيفون مقداراً من الحطب إذا قضيت حوائجهم، ولذلك عندما أشعلوا النّار في الحطب من كلّ جانب إشتعلت نار عظيمة بحيث لا تستطيع الطيور أن تمرّ فوقها. من البديهى أنّ ناراً بهذه العظمة لا يمكن الإقتراب منها، فكيف يريدون أن يلقوا إبراهيم فيها، ومن هنا اضطروا إلى الإستعانة بالمنجنيق، فوضعوا إبراهيم عليه وألقوه فى تلك النّار المترامية الأطراف بحركة سريعة. وعلى كلّ حال، فقد اُلقي إبراهيم فى النّار وسط زغاريد الناس وسرورهم وصراخهم، وقد أطلقوا أصوات الفرح ظانّين أنّ محطّم الأصنام قد فني إلى الأبد وأصبح تراباً ورماداً. لكنّ الله الذي بيده كلّ شيء حتى النّار لا تحرق إلاّ بإذنه، شاء أن يبقى هذا العبد المؤمن المخلص سالماً من لهب تلك النّار الموقدة ليضيف وثيقة فخر جديدة إلى سجل إفتخاراته، وكما يقول القرآن الكريم: "قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ". والمعروف أنّ النّار قد بردت برداً شديداً إصطكت أسنان إبراهيم منه، وحسب قول بعض المفسّرين: إنّ الله سبحانه لو لم يقل: سلاماً، لمات إبراهيم من شدّة البرد، وكذلك نقرأ في رواية مشهورة أنّ نار نمرود قد تحوّلت إلى حديقة غناء. حتى قال بعض المفسّرين إنّ تلك اللحظات التي كان فيها إبراهيم في النّار، كانت أهدأ وأفضل وأجمل أيام عمره. ويقول الله سبحانه في آخر آية من الآيات محلّ البحث على سبيل الاستنتاج بإقتضاب: أنّهم تآمروا عليه ليقتلوه ولكن النتيجة لم تكن فى صالحهم "وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ". لا يخفى أنّ الوضع قد إختلف تماماً ببقاء إبراهيم سالماً، وخمدت أصوات الفرح، وبقيت الأفواه فاغرة من العجب، وكان جماعة يتهامسون علناً فيما بينهم حول هذه الظاهرة العجيبة، وأصبحت الألسن تلهج بعظمة إبراهيم وربّه، وأحدق الخطر بوجود نمرود وحكومته، غير أنّ العناد ظلّ مانعاً من قبول الحقّ، وإن كان أصحاب القلوب الواعية قد استفادوا من هذه الواقعة، وزاد إيمانهم مع قلّتهم. ******* زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم، سؤال جميل ولطيف يعني هذا يفسر فيه المعاجز والكرامات الاهية والربانية خصوصاً للانبياء عليهم السلام "قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ" بالنسبة لأبراهيم عليه السلام في سورة الانبياء "قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ" هنا كوني برداً وسلاماً على ابراهيم هذا خطاب تكويني للنار، يتبدل طبعها الذي يحرق الى برد وسلام بالنسبة لأبراهيم يعني يانار كوني برداً وسلاماً على ابراهيم يعني على الاخرين لم تكن النار برداً وسلاماً ولهذا نمرود وجماعة نمرود كانوا بعيدين ومع ذلك كانت حرارة النار تصل اليهم فأذن النار لم تكن باردة الا على ابراهيم عليه السلام، هذا الخطاب الالهي الرباني التكويني على ابراهيم عليه السلام اما عن طريق خرق العادة او عن طريق خرق القانون يعني المعجزة فسرت بتفسيرين، هل المعجزة خرق عادة او خرق قانون؟ لأن بعضهم يرى ان المعجزة هي قانون، تأتي بقانون جديد ولكنه غير مألوف "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" يعني حتى هذا الامر هو بأسباب ومسببات يعني هناك اتجاه يقول بأن تغيرت خاصية النار فتحولت الى برد وهي خاصية الحرارة والاحراق، هناك اتجاه ربما تؤيده بعض روايات اهل البيت ان الله البس من خلال جبرئيل عليه السلام، البس ابراهيم قميصاً بحيث هذا القميص لاتؤثر عليه النار بل يحول النار الى برد، نقرأ عن المفضل بن عمر عن الامام الصادق عليه السلام يقول المفضل بن عمر (سمعته يعني سمعت الامام الصادق يقول "أتدري ما كان قميص يوسف عليه السلام قلت لا، قال ان ابراهيم عليه السلام لما اوقدت له النار نزل اليه جبرئيل عليه السلام بالقميص وألبسه اياه فلم يضره معه حر ولابرد") كذلك هذه الرواية عن الواحدي ينقلها مجمع البيان عن انس بن مالك عن النبي صلى الله عليه واله وسلم بأن نزل اليه جبرئيل بقميص من الجنة فألبسه القميص. اذن هناك اتجاهان في عالم التفسير الاتجاه الاول يقول ان الله عزوجل احدث البرد في النار بدلاً من الحر والاتجاه الثاني احداث حاجز ومانع يمنع النار من ان تحرق ابراهيم عليه السلام ولعل السياق يؤيد الثاني يعني "قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ" هنا كلمة على ابراهيم ربما فيها اشارة الى ان هذه النار لاتحرق ابراهيم "وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ" دائماً المعجزة لاتأتي في اول الطريق، تأتي بعد ان تستنفد كل الوسائل ولهذا عندنا في الرواية في علل الشرائع للصدوق عليه السلام عن الامام الصادق لما القي ايراهيم عليه السلام في النار تلقاه جبرئيل في الهواء وهو يهوي فقال يا ابراهيم ألك حاجة؟ فقال أما اليك فلا، كذلك في الدر المنثور عن الامام علي عليه السلام رداً للسيوطي يقول في قوله قلنا يانار كوني برداً قال بردت عليه حتى كادت تؤذيه، حتى قيل وسلاماً، قال لا تؤذيه، اذن هناك اتجاهان في عالم التفسير بالنسبة لله عزوجل يختلف عن البشر إ"ِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ". ******* القصة استشار (نمرود) قومه، في أمر إبراهيم "قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ". فحبس إبراهيم، وأمر بجمع الحطب، لقد كان في قليل من الحطب كفاية لحرق إنسان ـ لكن القوم من كثرة غضبهم على محطّم آلهتهم. أخذوا يجمعون الحطب من كل مكان، حتى صار الحطب كجبل عظيم.. ثم أشعلوا الحطب ناراً.. فانتشرت حرارتها في الفضاء بحيث لم يكن يحلّق طائر في تلك الأجواء، إلا سقط محترقاً.. ولم يتمكن ذو روح من الدنو. حينذاك صعب عليهم الأمر، يا ترى كيف يلقون إبراهيم في تلك النار التي لا يتمكن من الاقتراب منها بشر؟ وإذ هم في حيرة من أمرهم. أشار شخص أن يصنعوا المنجنيق، وهي آلةٌ حربية، تقذف بما يوضع فيها من إنسان أو حجر أو غيرهما. فاستصوبوا رأيه، وأمر الملك الطاغي، بصنع الآلة...... فصنعت ثم وضعوا فيها إبراهيم. وهناك جاء (آزر) عمّه، فلطم إبراهيم، وقال له: ارجع عما أنت عليه.. إشفاقاً على إبراهيم من الحرق. لكن (إبراهيم) كان أربط جأشاً، فلزم جانب الحق، ولم يرجع، بل أصرّ على مبدئه، وإن حرق بالنار. وحينذاك أمر (نمرود) الرّماة، أن يقذفوا إبراهيم في النار! فحركوا عجلة (المنجنيق) فرمت بإبراهيم في الفضاء نحو النار.. وعند إطلاق إبراهيم، أمر الله تعالى النار: "قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ"، فانقلبت النيران بإذن الله تعالى روضةً غناءً، يغلب عليها البرد، فاصطكت أسنان إبراهيم من البرد (وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين). فنظر نمرود وأصحابه، من بعيد إلى هذه المعجزة متحيرين!! وفلتت من لسان نمرود كلمةٌ، ما أراد أن يقولها.. ولكنها في غمرة التعجب، أخذت مكانها في الفضاء، قال: من اتخّذ إلهاً، فليتخذ مثل إله إبراهيم! لكن أحد المتملقين أراد تدارك الأمر، ليقربه إلى نمرود زلفى.. فقال: إني عزمت على النار أن لا تحرقه. فتطاير شررٌ من النار إلى ذلك المتزلّف.. حتى أبان كذبه: فإن من لا يقدر على أن يرد الشرر عن نفسه، كيف يتمكن أن يعزم على النار أن لا تحرق أحداً؟ ونظر نمرود إلى آزر، عم إبراهيم.. وقال: يا آزر، ما أكرم ابنك على ربه؟ ثم خرج إبراهيم من النار، وجاء إلى نمرود، ليدعوه إلى الله من جديد. ******* من هدى الائمة _عليه السلام_ قال أبو عبد الله _عليه السَّلام_: لما ألقي إبراهيم _عليه السَّلام_ في النار تلقاه جبرئيل في الهواء وهو يهوي فقال: يا إبراهيم أ لك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. وهنا إقترح عليه جبرئيل فقال: فاسأل ربّك، فأجابه: "حسبى مِن سؤالي علمه بحالي". وفى حديث عن الإمام الباقر _عليه السَّلام_: إنّ إبراهيم ناجى ربّه في تلك الساعة: "ياأحد ياأحد، ياصمد ياصمد، يامن لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، توكلت على الله". ******* دروس وعبر هناك علاقة عكسية بين القوّة والمنطق عادةً، فكلّ من إشتدّت قوّته ضعف منطقه، إلاّ رجال الحقّ فإنّهم كلّما زادت قوّتهم يصبحون أكثر تواضعاً ومنطقا وهذا ما لاحظناه في موقف القوم المعاندين عندما اقروا في انفسهم انهم هم الظالمون ً. عندما لا يحقّق المتعصّبون شيئاً عن طريق المنطق، فسوف يتوسّلون بالقوّة فوراً، وقد طبّقت هذه الخطّة فى حقّ إبراهيم تماماً كما يقول القرآن الكريم: "قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ". نستنتج من كلمة (قالوا) في الاية الشريفة "قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ" أنّ المتسلّطين المتعنّتين يستغلّون نقاط الضعف النفسية لدى الناس لتحريكهم واثارتهم ـ عادةً ـ لمعرفتهم بالنفسيات ومهارتهم فى عملهم! وكذلك فعلوا فى هذه الحادثة، وأطلقوا شعارات تثير حفيظتهم. الدرس الاخر هو القول المأثور لا مؤثر في الوجود الا الله، فيقول عزوجل "وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ " وهذا تجسيد حقيقي لارادة الله تعالى فهو يقول يوماً للسكين التي في يد إبراهيم: لا تقطعي، ويقول يوماً آخر للنار: لا تحرقي، ويوماً آخر يقول للماء الذي هو أساس الحياة أن يغرق فرعون والفراعنة وهكذا....و لم يكن قوله الا التنفيذ، فإذا أراد الله أمراً فإنه يقول له كن فيكون. ******* قصة نبي الله ابراهيم الخليل _عليه السَّلام_ 4 - 55 2011-05-23 09:25:18 2011-05-23 09:25:18 http://arabic.irib.ir/programs/item/7553 http://arabic.irib.ir/programs/item/7553 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا ان هدانا الله والصلاه والسلام على حامل وحيه محمد المصطفى واله الهداه الابرار مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمه الله وبركاته واهلا بكم في برنامج القصص الحق. • ايها الاحبة في هذه الحلقة من البرنامج نحط الرحال عند تكملة قصة نبى الله ابراهيم _عليه السَّلام_ وقصة تحطيمه للاصنام التي ذكرت في سورة الانبياء من الاية 57 حتى 67 . • فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية. • بداية ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الايات. • ثم نتعرف على معاني المفردات والعبارات التي وردت في هذه الايات. • ونستمع الى الحوار القراني الذي يتناول مناقشة بعض الأسئلة التي تدور حول عصمة ابراهيم الخليل في قوله"بَلْ فَعَلَهُ كبِيرُهُمْ". • لنستمع بعد ذلك الى سرد هذا الجزء من حكاية ابراهيم_عليه السَّلام_. • في فقرة من هدي الائمة _عليه السَّلام_ نقدم لكم رواية عن الامام الصادق_عليه السَّلام_ ومسك الختام مع شيء من الدروس والعبر المستقاة من هذه الحكاية القرآنية. • فأهلا ومرحبا بكم الى فقرات هذا اللقاء. المقدمة أيها الاحبة تتحدث آيات هذه الحلقة عن موقف ابراهيم الخليل_عليه السَّلام_ تجاه الاصنام حيث قام بتكسيرها وتحطيمها والناس كانوا يحتفلون بالعيد خارج المدينة ثم تتحدث عن ما جرى بعد ذلك لابراهيم_عليه السَّلام_ اي عندما عاد الناس الى معبد الأوثان ووجدوا ماذا حل باصنامهم حيث استطاع إبراهيم أن يجتاز بنجاح مرحلة حسّاسة جدّاً في طريق تبليغه للرسالة، وهي إيقاظ الضمائر عن طريق إيجاد موجة نفسية هائجة. لننصت الى القران الكريم افضل الكلام واحسن الحديث وهو يحكي لنا مجريات الاحداث..... التلاوة "وتَاللّهِ لاََكيدَنَّ أَصْنامَكمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاّ كبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيهِ يرْجِعُونَ (58) قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ(59) قالُوا سَمِعْنا فَتىً يذْكرُهُمْ يقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (60) قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْينِ النّاسِ لَعَلَّهُمْ يشْهَدُونَ (61) قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (62) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا ينْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكمْ أَنْتُمُ الظّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ ينْطِقُونَ(65) قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لاينْفَعُكمْ شَيئاً ولايضُرُّكمْ (67) أُفّ لَكمْ ولِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (67)" المفردات تبدأ الاية بقول ابراهيم "وتالله لأكيدنّ أصنامكم بعد أن تولّوا مدبرين" مفردة «أكيدنّ» مأخوذة من الكيد، وهو التخطيط السرّي، والتفكير المخفي وكان مراده أن يفهمهم بصراحة بأنّنى سأستغلّ في النهاية فرصة مناسبة واُحطّم هذه الأصنام! ثم وصف القرآن ما قام به النبي ابراهيم _عليه السَّلام_ فقال: "فجعلهم جذاذاً إلاّ كبيراً لهم". قال الراغب الجذ كسر الشيء وتفتيته ويقال لحجارة الذهب المكسورة ولفتات الذهب جذاذا ومنه قوله تعالى: "فجعلهم جذاذا"، اذن المعنى فجعل الأصنام قطعا مكسورة إلا صنما كبيرا من بينهم. عندما عاد الناس الى المعبد "قالوا من فعل هذا بآلهتنا"؟! ولا ريب أنّ من فعل ذلك فهو (لمن الظالمين) بحسب ظنهم. إلاّ أنّ جماعة منهم تذكروا ما سمعوه من إبراهيم _عليه السَّلام_ وإزدرائه بالأصنام وتهديده لها وطريقة تعامله السلبي تجاه هذه الآلهة المزعومة! "قالوا سمعنا فتىً يذكرهم يقال له إبراهيم". إنّ المألوف ـ عادةً ـ عندما تقع جريمة في مكان ما، ومن أجل كشف الشخص الذي قام بهذا العمل، تبحث علاقات الخصومة والعداء، لم يكن هناك شخص في تلك البيئة من يعادي الأصنام غير إبراهيم، ولذلك توجّهت إليه أفكار الجميع، و"قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلّهم يشهدون" ويقصد بيشهدون اي يشهدون عليه بالجريمة. وأخيراً تشكلت المحكمة، وكان زعماء القوم قد اجتمعوا هناك، ويقول بعض المفسّرين: أنّ نمرود نفسه كان مشرفاً على هذه المحاكمة، وأوّل سؤال وجّهوه إلى إبراهيم_عليه السَّلام_ هو أن: "قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا ياإبراهيم"؟ هؤلاء لم يكونوا مستعدّين حتى للقول: أأنت حطّمت آلهتنا وجعلتها قطعاً متناثرة؟ بل قالوا فقط: أأنت فعلت هذا بآلهتنا؟ فأجابهم إبراهيم جواباً أفحمهم، وجعلهم في حيرة لم يجدوا منها مخرجاً "قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون". في لحظة سريعة إستيقظوا من غفلتهم ومن هذا النوم العميق ورجعوا إلى فطرتهم ووجدانهم، كما يقول القرآن: "فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنّكم أنتم الظالمون". ******* ولكن لم تستمر هذه اليقظة الروحية المقدّسة، وثارت في ضمائرهم الملوّثة المظلمة قوى الشيطان والجهل ضدّ نور التوحيد هذا، ورجع كلّ شيء إلى حالته الاُولى، وكم هو لطيف تعبير القرآن حيث يقول: "ثمّ نكسوا على رؤوسهم" قال الراغب: النكس قلب الشيء على رأسه فالعبارة كناية عن قلبهم الباطل على مكان الحق الذي ظهر لهم والحق على مكان الباطل كأن الحق غلب في قلوبهم على الباطل فنكسوا على رؤوسهم فرفعوا الباطل. ومن أجل أن يأتوا بعذر نيابة عن الآلهة البُكم قالوا: "لقد علمت ما هؤلاء ينطقون" فإنّهم دائماً صامتون، ولا يحطّمون حاجز الصمت. وأرادوا بهذا العذر الواهي أن يخفوا ضعف وذلّة الأصنام. وهنا فُتح أمام إبراهيم الميدان والمجال للاستدلال المنطقي ليوجّه لهم أشدّ هجماته، وليرمى عقولهم بوابل من التوبيخ واللوم المنطقي الواعي: "قال أفتعبدون من دون الله ما لاينفعكم شيئاً ولا يضرّكم"؟ ثم قال: "اُف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون"؟ ******* ايها الافاضل ثمة حديث بين المفسرين فيما يخص رد نبي الله ابراهيم _عليه السَّلام_ على قومه عندما سألوه من فعل هذا بآلهتنا ليجيب _عليه السَّلام_ بَلْ فَعَلَهُ كبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا ينْطِقُونَ فهل هو كذب او تورية او شيئ آخر، للاجابة عن كل هذه الامور ننتقل الى خبير هذا اللقاء ويجيب عن هذه الأسئلة مشكورا... زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً ابراهيم عليه السلام كان في مقام الجدال والمناظرة واظهار الحقيقة وكان في مقام الجام الخصم في المناظرة وليس في مقام الحكاية عن الواقع حتى يأتي هذا الاشكال، هذا اسلوب رائع من اساليب الجدال عن طريق الزام الاخر الخصم بما يؤمن به، هؤلاء يؤمنون ان هذه الاصنام هي الالهة وان هذا الكبير هو كبير الالهة فهذا الايمان بألوهيتها كانوا يعبدونها ولهذا لما سألوه قال بلى قد فعله كبيرهم هذا يعني ألستم تعتقدون ان هذا الصنم الكبير هو اكبر الالهة فلابد ان يكون قادراً على الفعل، على تحطيم هذه الالهة الصغيرة التي هي اقل منه واصغر منه، هذا واقع الحال فلابد ان يكون قادراً هذا الاله الصنم الكبير على دفع الضر وجلب النفع فلهذا قال بل فعله كبيرهم هذا ألا ترون ان جميع الاصنام التي كانت حوله تحطمت واصبحت قطعاً متناثرة، جذاذ يعني قطع متكسرة وبقي هذا الصنم الكبير وحده، أليس هذا المنظر يشهد ان الذي فعل ذلك هو هذا الصنم الكبير يعني كانه جعلهم امام الامر الواقع حتى يصل الى نتيجة ان هذا الصنم عاجز عن ان يفعل شيئاً فكيف يكون الهاً " فَعَلَهُ كبِيرُهُمْ هذا" بعد ذلك قال لهم "فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا ينْطِقُونَ" يعني امرهم بأن يسألوا الاصنام المحطمة المفتتة من الذي فعل بهم ذلك، الذي اشاع اليهم كل هذه الاشاعة حتى جعلهم جذاذاً فأسألوهم ان كانوا ينطقون اي ان كانوا ينطقون فأسألوهم ليخبروكم عن الفاعل، هو امر مشروط بنطق الاصنام "فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا ينْطِقُونَ" فهنا الاسلوب الرائع في المناظرة يجعل الخصم يرجع الى نفسه حينما يدرك ان هذه الاصنام لاتستطيع النطق والكلام وينتهي بهم الامر الى ان هذه الاصنام لايمكن ان تكون الهة فلاهي تستطيع الفعل ولاتستطيع النطق فكيف تكون الهة، لأنها عاجزة حتى عن النطق يعني لاالكبير يستطيع الفعل ولا الاصنام الصغار تستطيع النطق ولهذا القرآن يقول "فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكمْ أَنْتُمُ الظّالِمُونَ" رجعوا الى انفسهم، تعبير جميل لأن كل واحد اقر بأن هذه الاصنام لايمكن ان تكون الهة ونحن قد ظلمنا انفسنا بعبادتنا لهذه الاصنام التي لاتستطيع ان تنطق ولاتتكلم ولا تدافع عن نفسها، الالهة الكبير لا يستطيع ان يفعل شيئاً "فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكمْ أَنْتُمُ الظّالِمُونَ" يعني كل واحد التفت الى هذه الحقيقة وعرف انه ظالم لنفسه لأنه يعبد هذه الاصنام التي لايمكن ان تكون الهة فكل واحد خاطب نفسه انك انت الظالم او خاطب بعضهم بعضاً، بعض التفاسير تقول "إِنَّكمْ أَنْتُمُ الظّالِمُونَ" يعني كل مجموعة او كل جماعة رجعت الى الاخرى وكل واحد يقول انكم انتم الظالمون وربما التعبير الاول او التفسير الاول اقرب يعني للسياق ثم "نُكسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ" يعني كناية عن انهم ركبوا رؤوسهم كما نقول وانقلبوا مع معرفتهم للحق "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً" ولهذا في روايات اهل البيت عندنا روايتان الرواية الاولى تقول ان ابراهيم "بَلْ فَعَلَهُ كبِيرُهُمْ" ارادة الاصلاح ودلالة على انهم لايفعلون يعني اراد هنا الاصلاح وفي الاصلاح لايوجد كذب في طور الاصلاح وفي طور المجادلة، اصلاح هؤلاء القوم وهناك رواية عن الامام الصادق يقول انما قال ابراهيم ان كانوا ينطقون فكبيرهم فعل يعني وان لم ينطقوا فلن يفعل كبيرهم شيئاً فما نطقوا وماكذب ابراهيم، كأنه فأسألوهم بل فعله كبيرهم ان كانوا ينطقون كأن هنا ان كانوا ينطقون راجعة الى فعله كبيرهم وهذا التفسير طبعاً يضعفه العلامة الطباطبائي رضوان الله تعالى عليه وكأنه يأخذ بالرواية الثانية، رواية الكافي ان ابراهيم كان في طور الاصلاح وفي مقام الاستدلال ومقام الخصومة والمناظرة وليس في مقام الحكاية عن الواقع حتى يكون خاطئاً او كاذباً، حاشاه. ******* القصة حل عيدٌ للقوم.. وخرج الملك الجبّار (نمرود) وأهل المدينة إلى الصحراء، لأداء مراسيم العيد هناك ولم يخرج معهم إبراهيم. فلما ذهبوا، أخذ إبراهيم شيئاً من الطعام، وذهب إلى بيت الأصنام. "فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون"؟ "ما لكم لا تنطقون"؟‍ فكان يدنو من كل صنم فيقول له: كل.. تكلم. فإذا لم يجبه، أخذ القدّوم، فكسر يده ورجله. ثم علّق القدوم في عنق الصنم الكبير، الذي كان في صدر البيت. وخرج لشأنه.. ورجع الملك والقوم من العيد.. ولما دخلوا معبد الأصنام، رأوا الأصنام محطّمة. فكثر فيهم اللغو والصياح. من فعل هذا بآلهتهم؟ ومن تجرّأ على مسّ كرامة مقدساتهم. وأخذوا يستفسرون الناس: "قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنّه لمن الضالمين"؟ قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم. فهو كان يذكر الأصنام بسوء "قالوا فأتوا به على أعين الناس" وإذا بالقوم يطلبون إبراهيم.. هنا.. وهنا حتى وجدوه وجاءوا به إلى مجمع الناس. وهناك نظر القوم إليه في غضب واستنكار، "وقالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم"؟ ورأى إبراهيم الموقع مهيئاً، لنشر الدعوة فأشار إلى كبير الأصنام، الذي كان القدوم في عنقه، وقال: كسّر الأصنام هذا الصنم الكبير إن نطق.. ومعناه: وإن لم ينطق فلم يفعل كبير الأصنام ذلك. وأراد بهذا الكلام أن يرشدهم إلى أنّ الصنم لا يتكلم فكيف تتخذونه رباً؟ ووقع كلام إبراهيم في قلوبهم: كيف يُعبد صنم لا يكلم؟ "فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنّكم أنتم الظالمون" وليس إبراهيم ظالماً.. إنه أراد هدايتكم، وأنتم الذين تزيدون عناداً وإصراراً. "ثم نكسوا على رؤوسهم" فلم يرفعوها خجلاً. وأخذوا يتمتمون في أنفسهم: "لقد علمت ما هؤلاء ينطقون" فكيف نتخذهم رباً؟ واغتنم إبراهيم هذه الفرصة، فأخذ يعاتبهم على عبادة الأصنام و"قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضرّكم أفٍ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون" ******* من هدى الائمة _عليه السلام_ وفى رواية عن الإمام الصادق _عليه السَّلام_ في كتاب الكافي: "إنّما قال: بل فعله كبيرهم، إرادة الإصلاح، ودلالة على أنّهم لا يفعلون" ثمّ قال: "والله ما فعلوه وما كذب". ******* دروس وعبر في الحقيقة، كان إبراهيم يتابع خطّته بدقّة متناهية، فأوّل شيء قام به عند دعوتهم إلى التوحيد هو أن ناداهم قائلا: ما هذه التماثيل التي تعبدونها؟ وهي لا تحسّ ولا تتكلّم وإذا كنتم تقولون: إنّها سنّة آبائكم، فقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين. وفي المرحلة الثّانية أقدم على خطّة عملية ليبين أنّ هذه الأصنام ليست لها تلك القدرة على إهلاك كلّ من ينظر إليها نظرة إحتقار، خاصّة وأنّه ذهب إليها مع سابق إنذار وحطّمها تماماً، وليوضّح أنّ تلك الأوهام التي حاكوها مجتمعين لا فائدة ولا ثمر فيها. في المرحلة الثّالثة أوصلهم في تلك المحكمة التاريخية إلى طريق مسدود، فمرّة دخل إليهم عن طريق فطرتهم، وتارةً خاطب عقولهم، واُخرى وعّظهم، وأحياناً وبّخهم ولامهم. والخلاصة، إنّ هذا المعلّم الكبير قد دخل من كلّ الأبواب، واستخدم كلّ طاقته، إلاّ أنّ من المسلّم أنّ القابلية شرط في التأثير، وكان هذا قليل الوجود بين اُولئك القوم للأسف. والطريف في الأمر أنّنا قرأنا في آيات هذه الحلقة أنّ القوم اتهموا إبراهيم بكونه ظالماً، وهنا قبلوا وإعترفوا في أنفسهم بأنّ الظالم الأصلي والحقيقي هو أنفسهم، وفي الواقع فإنّ مراد إبراهيم من تحطيم الأصنام تحطيم فكر الوثنية وروح الصنمية، لا تحطيم الأصنام ذاتها، إذ لا جدوى من تحطيمها وقد صنع الوثنيون العنودون أصناماً أكبر منها وجعلوها مكانها، وتوجد أمثلة كثيرة لهذه المسألة في تأريخ الجاهلية. واخيرا نقول انه لا شك أنّ كلمات إبراهيم_عليه السَّلام_ وأفعالهِ بقيت كأرضية للتوحيد، أو على الأقل بقيت كعلامات استفهام في أذهان اُولئك، وأصبحت مقدّمة ليقظة ووعي أوسع في المستقبل. ويستفاد من التواريخ أنّ جماعة آمنوا به، وهم وإن قلّوا عدداً، إلاّ أنّهم كانوا من الأهمية بمكان، إذ هيأوا الاستعداد النسبي لفئة اُخرى. ******* قصة نبي الله ابراهيم الخليل _عليه السَّلام_ 3 - 54 2011-05-16 09:40:31 2011-05-16 09:40:31 http://arabic.irib.ir/programs/item/7498 http://arabic.irib.ir/programs/item/7498 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله والصلاه والسلام على امين وحيه محمد المصطفى واله الهداه الابرار. مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمه الله وبركاته واهلا بكم الى برنامج القصص الحق. * ايها الاحبه في هذه الحلقة من البرنامج نواصل حديثنا عن حكاية نبى الله ابراهيم _عليه السَّلام_ التي ذكرت في سورة الانعام من الاية الثمانون الى الثالثة والثمانين وهي تذكر قصة احتجاج قوم ابراهيم. • * فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية: • * بداية ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الايات. • ثم نتعرف على معاني مفرداتها والعبارات التي وردت في الايات. • نستمع الى فضيلة السيد عبد السلام زين العابدين وهو يشرح قوله تعالى، "وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ". • نستمع بعد ذلك الى سرد الجزء الثالث من حكاية ابراهيم _عليه السَّلام_. • و نغترف من معين رسول الرحمة (صلى الله عليه وآله وسلم) في ظل قوله تعالي"الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ" • ومسك الختام مع باقة من الدروس والعبر المستقاة من هذه الحكاية القرانية. فاهلا ومرحبا بكم الى فقرات هذا اللقاء. ******* المقدمة تعقيباً على ما جرى بحثه فى الحلقات السابقة بشأن استدلالات إبراهيم _عليه السلام_ التوحيدية، ودعوته لابيه آزر تشير هذه الآيات إلى ما دار بين إبراهيم والأقوام المشركة من عبدة الأصنام، ومنهم عمه آزر. فتابعونا ايها الاحبة وهذه التلاوة العطرة لاي الذكر المجيد.... ******* التلاوة "وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)" ******* المفردات "وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ" بمعنى ان قوم إبراهيم _عليه السلام_ اختاروا في محاجتهم إياه سبيل الخوف من الالهة فأرهبوه من قهرها وسخطها، فردّ عليهم إبراهيم _عليه السلام_ قائلا:"قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ" اي لماذا تجادلونني في الله الواحد الأحد وتخالفونني فيه، وهو الذي وهبني من الدلائل المنطقية الساطعة ما هداني به إلى طريق التوحيد. ثم اضاف قائلا: "وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ..." اي انه لايخشى أصنامهم التي لا حول لها ولا قوّة في إيصال أي أذى إليه فما من أحد ولا من شيء بقادر على أن يلحق به ضرراً إلاّ إذا شاء الله: "إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا" . ثم يبين أنّ ربّه على درجة من سعة العلم بحيث يسع علمه كلّ شيء: "وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا" وبعد ذلك يحرّك فيهم روح البحث والتفكير فيخاطبهم قائلا: "أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ" . فى الآية التّالية "وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا" . «السلطان» بمعنى التفوّق والإنتصار، ولمّا كان الدليل والبرهان من أسباب الفوز والإنتصار، فقد يوصفان بالسلطان أيضاً، كما هو الحال هنا، أي لا وجود لأي دليل على السماح بعبادتها وهذا ما لم يستطع إنكاره عابد صنم، لأنّ أمراً كهذا ينبغي أن يصدر عن طريق العقل والمنطق، أو عن طريق الوحي والنبوة، وعبادة الأصنام مفتقرة إلى كليهما اذن نجد إبراهيم يستخدم منطقاً استدلالياً آخر، فيقول لعبدة الأصنام: كيف يمكنني أن أخشى الأصنام ويستولي علي الخوف من تهديدكم، مع إنّي لا أرى فى أصنامكم أثراً للعقل والإدراك والشعور والقوة والعلم، أمّا أنتم فعلى الرغم من إيمانكم بوجود الله وإقراركم له بالعلم والقدرة، ومعرفتكم بأنّه لم يأمركم بعبادة هذه الأصنام، فانّكم لا تخافون غضبه. ويتساءل منهم "فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ" . فى الآية التّالية جواب يدلى به إبراهيم على سؤال كان هو قد ألقاه فى الآية السابقة يقول: إنّ المؤمنين الذين لم يمزجوا إيمانهم بظلم، هم الآمنون وهم المهتدون "الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ" . ******* زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً هنا "وَتِلْكَ حُجَّتُنَا" هذه اشارة الى ما تقدم من استجوابه عليه السلام على وحدانيته تعالى بأفول القمر والكوكب والشمس واحتجاجه بذلك على قومه "وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى" على قومه هنا يعني آتيناها ابراهيم حجة على قومه، دليلاً على قومه او على قومه متعلق بحجتنا يعني وتلك حجتنا على قومه آتيناها ابراهيم، على كل حال الاشارة بتلك وتلك حجتنا الى ما وقع به الاحتجاج من قوله "فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً" بعضهم قال اشارة الى جميع ما تكلم به ابراهيم في محاجة قومه، اذن هناك اتجاهان في عالم التفسير، اتجاه يخصص الحجة هنا بما حصل من مناظرته مع قومه بخصوص الكوكب والقمر والشمس واتجاه اخر يعمم ليشمل الحجج الاخرى، حجة عدم الضر والنفع التي ذكرت في السياق "وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا" ولكن في رواية اهل البيت، رواية الامام الرضا عليه السلام يبدو ان الاتجاه الاول هو الاقرب يعني ان "وَتِلْكَ حُجَّتُنَا" مناظرة ابراهيم عليه السلام قومه في قضية الكوكب والنجم والشمس والقمر "وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ" هذه الاية الخامسة والسبعون من سورة الانعام المباركة "فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ{76} فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ{77} فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ{78} إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ... " بعد ذلك تأتي هذه الاية " وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ" هنا رواية الامام الرضا في مجلس المأمون تؤكد هذا المعنى"وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ" اشارة الى استدلال ابراهيم على بطلان الوهية الكوكب والقمر والشمس هذه المناظرة الرائعة التي يقول فيها لااحب الافلين، لقد تحدثنا من باب النظر ومن باب المناظرة قلنا السياق يؤيد انها من باب المناظرة، من باب المحاكاة يعني هو يعرف ان الله هو الاله وهو الرب ولكنه اراد ان يهدي قومه بأسلوب الموافقة ثم المخالفة، هذا اسلوب جميل واسلوب رائع، الانسان حينما يوافق اولاً وبعد ذلك يخالف حتى يستطيع ان يغير الاخر "وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ" اشارة الى هذه المناظرة الرائعة مع قومه في قضية الكوكب والقمر والشمس. اما قوله تعالى "وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ" ما المقصود من حجتنا وكيف ان الله يسدد انبياءه _عليه السَّلام_ نستمع الى حديث سماحة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ تفسير القران الكريم من مدينة قم المقدسة.... ******* القصة القصة ابراهيم شرع إبراهيم يدعو إلى الله تعالى، ويأمر قومه بنبذ الأصنام، ولكن.. القوم لم يستجيبوا لإبراهيم دعوته وأصرّوا على الشرك "وَحَاجَّهُ" في ألوهيّة الأصنام.. قالوا: إن الأصنام هي الآلهة، واللازم علينا أن نعبدها. "قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ" وتدعوني إلى أن اترك الله "وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ" فإني لا أخاف من آلهتكم، وأي ضرر يمكن أن يضرّني به الصنم أو الكوكب والقمر والشمس؟ كلاّ! إنها لا تضر ولا تنفع "إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا" فانّ ربي هو الذي يضر وينفع، وأن أصنامكم لا تعلم شيئاً "وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً" يعلم كل شيء "أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ" ؟ ثم خوفهم إبراهيم من عذاب الله، قال: "وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ" وجعلتم له شريكاً كذباً، لكنّ القوم أصرّوا في العناد.. ولم ينفعهم كلام إبراهيم. ثم أخذ ينصحهم مرّة ثانيةً. "إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ {70}" "قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ{71}" "قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ{72}" قالوا: لا.. إنها أصنام من جماد لا تسمع دعوتنا. قال: هل "أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ" ؟ قالوا: لا.. إنها لا تتمكّن من جلب نفع أو دفع ضرر. قال: فكيف تعبدون ما لا يسمع.. ولا ينفع.. ولا يدفع؟ "قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ{74}" وإنا نتبع آباءنا تقليداً لهم. "قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ{75} أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ{76} فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ{77}" إن الأصنام أعداء الإنسان، إنها توجب للإنسان شرّ الدنيا وشرّ الآخرة. أمّا الله تعالى فهو الذي يدبّر أمور الإنسان: "الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ{78} وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ{79} وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ{80} وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ{81}" . ولكنّ القوم لم يقبلوا كلام إبراهيم، وركبوا رؤوسهم، ولم يؤثر فيهم نصحه ومنطقه. ******* من هدى الائمة _عليه السلام_ في الدر المنثور، في قوله تعالى: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: "الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ" شق ذلك على الناس فقالوا: يا رسول الله وأينا لا يظلم نفسه؟ قال: إنه ليس الذي تعنون أ لم تسمعوا ما قال العبد الصالح: "إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" ؟ إنما هو الشرك. ******* دروس وعبر *يظهر من الآية "وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً" أنّ إبراهيم _عليه السلام_ سعى لإتخاذ إجراء وقائي تجاه حوادث محتملة، فيؤكد أنّه إذا أصابه في هذا الصراع شيء ـ فرضاً ـ فلن يكون لذلك أي علاقة بالأصنام، بل يعود إلى إرادة الله، لأنّ الصنم الذي لا روح فيه ولا قدرة له على أن ينفع نفسه أو يضرّها، لا يتأتى له أن ينفع أو يضرّ غيره. *تؤكد الاية المباركة كيف "أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ" ان الانسان لا يحصل على الامن والاستقرار الا من خلال الاعتقاد بالوحدانية وعقيدة التوحيد. * واما قوله تعالى "مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً" فهو دلالة على ان العقائد الدينية يجب ان تبنى على اساس المنطق والبرهان ليحقق الانسان التفوّق والإنتصار على الباطل. * ان ابراهيم _عليه السَّلام_ يعلمنا من خلال هذا الحوار مع قومه انه يجب ان لا نسيئ الى معتقدات الاخرين حتى لو كانوا على باطل بل نناقشهم بالمنطق والبرهان وان نثير عواطفهم. وادراكاتهم كقوله _عليه السَّلام_ "فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {81}" ******* قصة نبي الله ابراهيم الخليل _عليه السَّلام_ 2 - 53 2011-04-04 09:14:14 2011-04-04 09:14:14 http://arabic.irib.ir/programs/item/7369 http://arabic.irib.ir/programs/item/7369 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاه والسَّلام على رسوله وآله الهداه الابرار ايها الكرام السَّلام عليكم ورحمه الله وبركاته، واهلا بكم الى برنامج القصص الحق * ايها الأحبة في هذه الحلقة من البرنامج نواصل الحديث عن قصة نبى الله ابراهيم (عليه السَّلام) التى ذكرت في سورة مريم من الآية 41 الى الآية 45 وهى تحكي قصة دعوته (عليه السَّلام) لأبيه آزر الى التوحيد. • * فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية • * بداية ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الآيات • ثم نتعرف على معاني مفرداتها وعباراتها • سماحة السيد عبدالسَّلام زين العابدين، الاستاذ في علم تفسير القرآن الكريم، يسلط الضوء على الاشكالية التى تطرح حول معنى الأب المذكور في قوله "إِذْ قالَ لأَِبِيهِ يا أَبَتِ" • ثم نتابع معا سرد الحكاية بتفاصيلها • نغترف من معين عدل القرآن الكريم ورواية عن أبي عبدالله الصادق (عليه السَّلام) • ومسك الختام مع باقة من الدروس والعبر المأخوذة من هذه الحكاية. فأهلا ومرحبا بكم الى فقرات هذا اللقاء... ******* المقدمة تزيح آيات هذه الحلقة الستار عن جانب من حياة بطل التوحيد ومحطم الاصنام إبراهيم الخليل(عليه السَّلام)، وتؤكد أنّ دعوة هذا النّبى الكبير ـ كسائر المرشدين الإلهيين ـ تبدأ من نقطة التوحيد، فهو (عليه السَّلام) يبدأ بالدعوة الى الله تعالى من ابيه آزر ويحذره من عبادة الشيطان. لنستمع الى تلاوة هذه الآيات ثم نواصل.... ******* التلاوة "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً{41} إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً{42} يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً{43} يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً{44} يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً{45}" (سورة مريم من الآية 41 الى الآية 45) ******* المفردات فتقول أولا: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً" كلمة (الصدّيق) صيغة مبالغة من الصدق، وتعني الشخص الصادق جدّاً، وذهب البعض الى أنّه الشخص الذي لا يكذب مطلقاً، بل وأسمى من ذلك، وهو أنّه لا يملك القدرة على الكذب، لأنّه اعتاد طيلة حياته على الصدق. ويرى آخرون أنّ معناها الشخص الذي يصدّق عمله كلامه واعتقاده. الصدق هي الصفة التي مهَّدت في الانبياء لبلوغ مقام الرسالة والنبوة. ثمّ تتطرق الآية التى بعدها إلى شرح محاورته مع أبيه آزر ـ والأب هنا إشارة إلى العم، إنّ كلمة الأب، ترد أحياناً في لغة العرب بمعنى الأب، وأحياناً بمعنى العم ـ فهو (عليه السَّلام) يبدأ في دعوته العامّة بأبيه، وذلك لأنّ النفوذ في الأقربين أهم وأولى، فتقول: "إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً". ثم قال (عليه السَّلام): "يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً" فقد طمئنه انه قد وعى اُموراً كثيرة عن طريق الوحي، وهو سوف لا يسلك طريق الضلال والخطأ. ثمّ يعطف نظره إلى الجانب السلبي من القضية بعدما ذكر بُعدها الايجابي ويشير إلى الآثار التي تترتب على مخالفة هذه الدعوة، فيقول: "يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً". من الواضح أنّ العبادة هنا لا تعنى السجود والصلاة والصوم للشيطان، بل بمعنى الطاعة واتباع الأوامر، وهذا بنفسه يعتبر نوعاً من العبادة. ثمّ يذكره وينبّهه مرّة اُخرى بعواقب الشرك وعبادة الأصنام المشؤومة، ويقول: "يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً". ******* زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً بحسب سياق الايات المباركة، السياق العام لأن القرآن كله سياق واحد، هناك سياق خاص وهناك سياق عام، اذا قرأنا السياق العام القرآني القرآن يفسر بعضه بعضاً، هذه من اهم قواعد تفسير القرآن الكريم "القرآن يفسر بعضه بعضاً" اذا قرأنا قصة ابراهيم عليه السلام واستقرأنا الايات في القصة بخصوص علاقته مع ابيه ازر ومع والده نجد هناك فرق في التعبير، كلمة الاب تطلق على الوالد وتطلق على العم وتطلق على المربي وعلى الجد يعي الاب اعم من الوالد، الوالد هو الاب الصلبي بينما الاب يطلق على العم وعلى الجد "ابيه ازر" ومعروف في التاريخ ان ازر هو عم ابراهيم، ابو ابراهيم اسمه تارخ، تارخ بالخاء او بالحاء تارح كما هو معروف ولكن حينما نستقرأ القرآن الكريم نجد ابراهيم عليه السلام مع ابيه ومع والده مر بست مراحل، المرحلة الاولى الوعد بالاستغفار " وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً{41} إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً{42}" ...الى قوله "قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً{46} قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي...47" انظروا هذه المرحلة الاولى الوعد بالاستغفار، المرحلة الثانية انجاز الوعد " رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ{83} وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ{84} وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ{85} وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ{86}" (سورة الشعراء) هذا انجاز الوعد، مرحلة انجاز الوعد، المرحلة الثالثة التبرئ من ابيه وهو في الدنيا "وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ" (سورة التوبة 114) " يعني اواه اما ان يكون كثير الدعاء او الكثير التأوه حسرة والماً على الناس من كثرة مشاكلهم لأبتعادهم عن الحق فلما تبين له انه عدو لله تبرئ منه يعني من ابيه " ان ابراهيم لأواه حليم"، المرحلة الرابعة العزم على المهاجرة يعني "فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ{98} وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ{99} رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ{100} فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ{101}" (سورة الصافات) بعد الهجرة ابراهيم صار عنده الغلام الحليم، المرحلة الخامسة في الارض المقدسة والذرية الصالحة "فأرادوا به كيداً فجعلناهم الاسفلين ونجيناه ولوطاً الى الارض التي باركنا فيها للعالمين ووهبنا له اسحق ويعقوب نافلة وكلاً جعلنا صالحين" هنا المرحلة السادسة "الحمد لله الذي وهب لي على الكبر اسماعيل واسحق ان ربي لسميع الدعاء" الى ان يقول في الاية الحادية والاربعين من سورة ابراهيم "رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ" (الآية 41) هنا ابراهيم قال "ولوالدي" هنا نعرف يقيناً يعني ان هذا الوالد ليس ذلك الاب الذي تبرئ منه، هذا الوالد هو الاب الصلبي لأبراهيم، هذا طبعاً بحسب السياق وهنا طبعاً التفاتة رائعة ينبغي ان يلتفت لها قارئ القرآن الكريم آخر الامر ابراهيم يقول "رَبَّنَا اغْفِرْ لِي..." (الآية 41) ولم يقل لأبي "رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ" (الآية 41) هنا كأنما شبه يقين بأن الوالد ليس هو الاب الذي استغفر له ثم تبرئ منه، لايمكن ان نجمع بين "رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ" (الآية 41)"وماكان استغفار ابراهيم لأبيه الا عن موعدة وعدها اياه فلما تبين له انه عدو لله تبرئ منه" كيف تبرئ منه؟ بعد ذلك في اخر حياته، في اخر عمره يقول "رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ" (الآية 41)هنا عندنا اضافة الى ذلك اجماع في عقيدتنا اهل البيت بأن والد الانبياء لايمكن ان يكون مشركاً لأن الانبياء سلالة مطهرة ونعرف ان الرسول "ان دعوة ابي ابراهيم" اذا قلنا ان والد ابراهيم كان مشركاً وهو تارح او تارخ يعني واحد من اجداد النبي الاكرم صلوات الله عليه واله كان مشركاً لهذا عندنا اجماع ان الاباء الصلبيين للانبياء لايمكن ان يكونوا مشركين. ******* ايها الكرام ثمة جدلية بين المفسرين بشأن آزر الذي يخاطبه ابراهيم (عليه السَّلام) بقوله يا أبه، هل هو ابوه الحقيقي ام عمه وما الاشكال في ان يكون اب النبي رجلا مشركا؟ لتسليط الضوء على هذا الموضوع ندعوكم للإستماع لما تفضل به سماحة السيد عبدالسَّلام زين العابدين، استاذ العلوم القرآنية، من مدينة قم المقدسة لبرنامج القصص الحق.... ******* القصة كان (آزر) منجّم الملك (نمرود) عم إبراهيم، وكان عارفاً بنحت الأصنام، فكان ينحتها ويعطيها لأولاده، حتى يبيعوها للناس. وكان إبراهيم يحترم عمّه (آزر)، حتى أنه كان يناديه: (يا أبه)! وقد أحبّ آزرُ ولد أخيه حباً شديداً. ولما كبر إبراهيم ورشد، دفع إليه (آزر) بعض الأصنام التي كان قد نحتها، وأمره أن يبيعها، كما يبيع أُخوته. لكن إبراهيم، كان يعلم إنّ هذه الأصنام ليست بآلهة، وإنما هي أشياء منحوتة. فكان يعلّق في أعناقها الخيوط.. ويجرّها على الأرض ويقول: من يشتري ما لا يضرُّه ولا ينفعُه؟ وكان يستهزئ بالأصنام.. فيُغرّقها في الماء والوحل.. ويقول لها: اشربي.. وتكلمي. في ذات يوم، وشى أُخوتُه خبر ما يفعلُ إبراهيمُ بالأصنام إلى (آزر) فنهاهُ آزرُ عن هذا العمل.. فلم ينته إبراهيم، عند ذلك، اغتاظ آزر فحبس إبراهيمَ في منزله ولم يدَعْهُ يخرج. ولما انكشف أمرُ إبراهيمَ عند (آزر) وأنه يعبد الله تعالى ولا يعبد الأصنام، التي كان (آزر) يعبدها، ذهب إبراهيم إليه، ليدعُوه إلى الله، وأخذ يدعوه بكلّ أدبٍ ولطفٍ، قال: "يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً" (سورة مريم الآية 42)؟ "يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ..." (سورة مريم الآية 43)؟ وقد علمت أن هذه الأصنام ليست بآلهة، وإنما الإلهُ هو الله الذي خلق السماوات والأرض وما فيهما "...فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً 43 يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ...44" فانك إذا عبدتَ الأصنامَ، كنت عبدتَ الشيطان لأنك قبلت قوله، وخالفت أوامر الله "إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً". " يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن". وهكذا أخذ إبراهيم، ينصح عمّه (آزر) بكلّ أدب ولطف، لكن عمّه اغتاظ من مقالة إبراهيم، و" قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ ... "" (سورة مريم الآية 46)؟؟! وتعبدُ إلهاً آخر؟! "لَئِن لَّمْ تَنتَهِ" عن مقالك هذا، "لَأَرْجُمَنَّكَ" بالحجارة، حتى تموتَ. ثم طرد إبراهيم من عنده، (و) قال له: "وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً": تغيّب عني مدة مديدة، حتى لا أراك. ولما رأى إبراهيم هذه الخشونة والتهديد من آزر، ودّعه وداع متأدب، (قال سلام عليك) سلامُ وداع. "سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً" وأطلب منه أن يغفر لك "وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيّاً" وانصرف إبراهيم من عنده كئيبا. ******* من هدى الائمة _عليه السلام_ عن أبي عبدالله الصادق (عليه السَّلام) قال: "كان آزر عم إبراهيم منجما لنمرود وكان لا يصدر إلا عن رأيه قال: لقد رأيت في ليلتي عجبا قال: ما هو؟ قال: إن مولودا يولد في أرضنا هذه يكون هلاكنا على يديه فحجب الرجال عن النساء، وكان تارخ وقع على أم إبراهيم فحملت ثم ساق الحديث إلى آخره". ******* دروس وعبر *ان ابراهيم (عليه السَّلام) بقوله "يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يأْتِك فَاتَّبِعْنِي أَهْدِك صِراطاً سَوياً" يريد أن يعلّم أباه حقيقة، أنّ الإنسان لا يمكن أن يكون فاقداً لخط ومنهج في حياته، فإمّا سبيل الله والصراط المستقيم، وإمّا طريق الشيطان العاصي الضال، فيجب عليه أن يفكر بصورة صحيحة ويصمم، وأن يختار ما فيه خيره وصلاحه بعيداً عن العصبية والتقاليد العمياء. *إنّ تعبير إبراهيم هذا رائع جدّاً، فهو من جانب يخاطب عمّه دائماً بـ (يا أبتِ) وهذا يدل على الأدب واحترام المخاطب. ومن جانب آخر فإنّ قوله (أن يمسك) توحي بأنّ إبراهيم كان قلقاً ومتأثّراً من وصول أدنى أذى إلى آزر. ومن جهة ثالثة فإنّ التعبير بـ (عذاب من الرحمن) يشير إلى أنّ أمرك نتيجة هذا الشرك وعبادة الأصنام قد بلغ حدّاً بحيث إنّ الله ـ الذي عمّت رحمته الأرجاء ـ سيغضب عليك ويعاقبك، فانظر إلى عملك الذي تقوم به كم هو خطير وكبير! ومن جهة رابعة، فإنّ عملك سيؤدّي بك في النهاية أن تستظل بولاية الشيطان. إنّ طريقة محاورة إبراهيم لآزر ـ الذي كان ـ طبقاً للرّوايات ـ من عبدة الأصنام، حيث كان يصنعها ويبيعها، وكان يعتبر عاملا مهمّاً في ترويج الشرك ـ تبين لنا بأنّه يجب استخدم المنطق الممتزج بالإحترام والمحبة والحرص على الهداية، مقترناً بالحزم قبل التوسل بالقوة، للنفوذ إلى نفوس الأفراد المنحرفين، لأنّ الكثير سيذعنون للحق عن هذا الطريق، وهناك جماعة سيظهرون مقاومتهم لهذا الأسلوب، ومن الطبيعي أنّ حساب هؤلاء يختلف، ويجب أن يعاملوا باُسلوب آخر. واخيرا ايها الاحبة نورد في ظل الآية المباركة "يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ" حديثا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: "من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله، وإن كان الناطق عن إبليس فقد عبد إبليس" ******* قصة نبي الله ابراهيم الخليل _عليه السَّلام_ 1 - 52 2011-03-29 09:47:59 2011-03-29 09:47:59 http://arabic.irib.ir/programs/item/7368 http://arabic.irib.ir/programs/item/7368 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا محمد وآله الطاهرين اهلاً بكم ومرحباً الى حلقة اخرى من برنامج القصص الحق حيث نفتح باب الحديث فيها عن حياة نبي آخر من أنبياء الله تعالى، وهو ابراهيم الخليل ـ عليه السَّلام ـ فنتابع معاً ما جاء في سورة الانعام من الآية 75 حتى 79، يتضمن لقاؤنا المحطات التالية: بداية نستمع الى تلاوة هذه الآيات المباركات ثم نعود اليكم مع فقرة المفردات ونتعرف على معاني مفردات وعبارات هذه الآيات، ثم نتوقف عند اجابة خبير هذا اللقاء عن سؤال بشأن ايمان ابراهيم بالله تعالى وما يرتبط بهذا الموضوع من الشبهات الموجودة ثم نقدم لكم هذه القصة بتفاصيلها، ونواصل تقديم اللقاء القرآني هذا بالمرور على احاديث اهل البيت ـ عليه السَّلام ـ وننهي اللقاء بأهم الدروس والعبَّر المستقاة من الآيات ان شاء الله تعالى. فاهلاً بكم الى فقرات هذه البرنامج (القصص الحق). ******* المقدمة تشير هذه الآيات إلى نضال إبراهيم المنطقي مع مختلف عبدة الأصنام، وتبين كيفية توصله إلى أصل التوحيد عن طريق الاستدلال العقلي الواضح. "وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ{75} فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ{76} فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ{77} فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ{78} إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ{79}" (سورة انعام ) ******* المفردات "وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" كلمة «كذلك...» تلفت النظر، وهى تعني: إنّنا مثلما أوضحنا أضرار عبادة الأصنام لإبراهيم، كذلك نريه مالكية الله للسماوات والأرض وحكمه عليها، يقول بعض المفسّرين: ذلك يعني: إنّنا كما أريناك قدرة الله وحكمه على السموات، أريناها لإبراهيم أيضاً لكي يزداد معرفة بالله. «الملكوت» من «ملك» بمعنى المالكية والحكم و«الواو» و«التاء» اُضيفتا للتوكيد والمبالغة، فالمقصود من الكلمة هنا حكومة الله المطلقة على عالم الوجود برمّته. الآيات التّالية تشرح وتبين استدلال إبراهيم من اُفول الكواكب والشمس على عدم الوهيتها، فعندما غطّى ستار الليل المظلم العالم كلّه، ظهر أمام بصره كوكب لامع، فنادى إبراهيم: هذا ربّي! ولكنّه إذ رآه يغرب، قال: لا أحبّ الذين يغربون: "َلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ" . أصل مفردة «الجن» ستر الشيء عن الحاسة، فمعنى الآية هو: عندما ستر الليل ملامح الكائنات عن إبراهيم. ومرّة اُخرى رفع عينيه إلى السماء فلاح له قرص القمر على أديم السماء، فصاح ثانية: هذا ربّي: ولكنّ مصير القمر لم يكن بأفضل من مصير الكوكب قبله، فقد أخفى وجهه خلف طيات الاُفق. هنا قال إبراهيم: إذا لم يرشدنى ربّى إلى الطريق الموصل إليه فسأكون فى عداد التائهين "فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ" . «بازغ» من «بزغ» وبزغه: شقه وأسال دمه، ولذلك تطلق على عمل البيطار فى الجراحة، وإطلاق هذه الكلمة على طلوع الشمس أو القمر تعبير بليغ يحمل أجمل صور التشبيه، فالشمس والقمر عند الطلوع يشقّان الظلام، ويسكبان عند الاُفق إحمرار الشفق الذي ليس ببعيد الشبه عن الدم المسفوح. عند ذاك كان الليل قد انقضى، وراحت الشمس تطل من المشرق وتلقي بأشعتها الجميلة وما أن وقعت عين إبراهيم الباحثة عن الحقيقة على قرص الشمس الساطع صاح: هذا ربّى فإنّه أكبر وأقوى ضوءاً، ولكنّه إذ رآها كذلك تغرب "قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ" . الآن بعد أن عرف أنّ وراء هذه المخلوقات المتغيرة المحدودة الخاضعة لقوانين الطبيعة إلهاً قادراً وحاكماً على نظام الكائنات، فقال ابراهيم: "إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" . ******* المحاور: من بين آراء المفسرين الكثيرة نقف عند حديث ضيف هذا اللقاء القرآني سماحة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من من مدينة قم المقدسة، اذن نستمع معاً زين العابدين:بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً هذا السؤال "وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ {75} فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ" كما نقرأ في سورة الانعام ابتداءاً من الاية الخامسة والسبعين يعني الكوكب والشمس والقمر التي مرحلة من المراحل التي مر بها ابراهيم وقال لكل واحد من هذه الامور هذا ربي كذلك حينما رأى القمر اولاً قال هذا ربي بعد ذلك رأى الشمس قال هذا ربي هذا اكبر قبل ذلك رأى الكوكب قال هذا ربي فلما افل قال لااحب الافلين طبعاً هناك اتجاهان معروفان في عالم التفسير، الاتجاه الذي يرى مايسمى بأتجاه المناظرة والمجاراة يعني ابراهيم كان على يقين بأن القمر والشمس والموكب ليسوا بآلهة وليسوا بأرباب ولكن اراد ان يغير القوم بأسلوب حوار رائع بمجاراة القوم وتسليم ما سلموه اولاً ثم بطلان هذا القول في بلوغية الكواكب والقمر والشمس وذلك من موقع ابتعاده عنها بعد اقترابه منها، هذا اسلوب رائع في طريق الاحتجاج "وافق ثم خالف" حتى الاخر يراك موقفاً موضوعياً اذا جاء ورفض من اول لحظة اذا رفض هذه الامور والقوم كلهم كانوا يعبدون هذه الامور ويقدسونها فلايمكن ان يجذب انظار هؤلاء ولايمكن ان يقنعهم ولكن حينما يوافقهم اولاً ويظهر هذه الموافقة كأنه هذا يسمى اتجاه المجاراة والمناظرة وهذا يدل طبعاً على السياق، سياق الايات المباركة "وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ{75} فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ" واضح جداً من خلال السياق " ...وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ{75} فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ..." يعني قوله هذا ربي جاء بعد ايقانه وجاء بعد ان اراه الله عزوجل ملكوت السموات والارض اذن السياق، سياق الايات المباركة وايماننا بأبراهيم عليه السلام وعصمة ابراهيم قد توجب علينا ان نؤيد او ان نختار هذا الاتجاه، اتجاه المجاراة والمناظرة، اسلوب رائع ينتقل من الاخر من ان يوافق اولاً وبعد ذلك يخالفه، هناك اتجاه اخر في هذا التفسير يسمى اتجاه النظر يعني التأمل والنظر يقول هذا الاتجاه ان ابراهيم عليه السلام كان في دور المهلة والنظر والطلب والبحث عن الرب المدبر للامر طبعاً هناك روايات عديدة من اهل البيت عليهم السلام تؤيد هذا الاتجاه، اتجاه النظر والمناظرة والطلب والبحث اذن هناك اتجاهان في قول ابراهيم "هَـذَا رَبِّي" ،"هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ" اتجاه المناظرة والاحتجاج، اسلوب رائع هو يوقن بهذه انها ليست بأرباب ولكنه من باب الاحتجاج ومن باب المناظرة طريقة رائعة في تغيير الاخرين وتغيير عقائد الاخرين من خلال الموافقة اولاً ثم المخالفة وهناك اتجاه اخر، اتجاه النظر يعني ابراهيم كان يوقن ويعرف ان الله هو الاله ولكن كان يبحث في طور البحث عن الرب، هل هناك ارباب؟ وطبعاً العلامة الطباطبائي يوافق على هذا الاتجاه ويؤيد هذا الاتجاه ويقول يمكن ان يكون هذا الاتجاه وارداً في ابراهيم عليه السلام لأنه جرى طريق استدلالي عقلي فيكون استدلال ابراهيم وليس قومه ولكن سياق الايات المباركة يدل بوضوح ان ابراهيم كان في طور الاحتجاج والمناظرة وليس في طور النظر وان كان طور النظر يوافق عليه كثير من العلماء وهناك العديد من الروايات ظاهرها تؤيد اتجاه النظر وليس اتجاه المناظرة. ******* للمفسّرين كلام كثير فى تفسير الآيات المذكورة بشأن ماذا دفع بإبراهيم الموحّد العابد لله الواحد، أن يشير إلى الشمس والقمر والكواكب فى السماء ويقول: هذا ربّي؟ وكيف استطاع -عليه السَّلام- أن يستدل من غروب الشمس والقمر والكواكب على عدم ربوبيتها؟ ومن بين آراء المفسّرين الكثيرة نقف عند حديث ضيف هذا اللقاء القرآني سماحة السيد عبدالسَّلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من مدينة قم المقدسة... ******* القصة قصة إبراهيم (عليه السَّلام) كان رجلٌ اسمُهُ آزر، منجماً لملك جبَّارٍ يُسمَّى (نمرود) وكان (نمرود) كافراً باللهِ تعالى. فقال آزر للملك يوماً: إني أرى في حسابٍ للنجوم: أنّهُ سينشأُ رجلٌ ينسخُ دينَكَ أيُّها الملكُ، ويدعو إلى دينٍ جديد.‍ فسأل الملك آزر: وهل وُلِدَ هذا المولود؟ قالَ آزر: لا.. قالَ الملك: ينبغي أن يفرّق بين الرجالِ والنساءِ، حتى لا يحصلَ تزاوج، ليكونَ بينهما نسلٌ. ثمّ أمَرَ الملكُ بمفارقة الرجالِ للنساء، ولكن شاء اللهُ أن تحمل أمُّ (إبراهيم) بهذا المولود. فلمّا أخذ أمّ (إبراهيم) الطلق، ذهبتْ إلى مكانٍ مستترٍ ووضعتْ بإبراهيم، خوفاً على ولدها، ثم قمطته، ورجعت إلى دارها. وكانت الأمّ تختلف إلى ولدها وكان ينمو إبراهيم نمواً سريعاً حتى بلغَ مبلغَ الفتيان. واشتدّ حكمُ نمرود على الأولاد، فكان يقتل كلَّ ولد ذَكر. ولكن شاءَ الله أن يبقى إبراهيم في أمنٍ من الملك السفَّاك خرج ذات يوم إبراهيمُ من مخبئهِ، وعمرُه إذ ذاك ثلاثَ عشرة سنةً. فنظر إلى آثار قدرة الله تعالى في السماوات والأرض، وشاء الله أن يلفت نظر إبراهيم إلى آيات الكون، كان ينظرُ إلى آياتِ الله تعالى، حتى قربت الشمس للأفول. "فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً" في السماء، ورأى إنّ جماعة من الناس يعبدونه، ويخضعون له فتعجّب من فعلهم هذا. و(قال) مستنكراً عبادتهم للكوكب: (هذا ربي)؟ ونظر إليهم في صمت! لكن كان يتحيّن الفرصةَ، للردّ عليهم... فلمّا (أفل) غربَ الكوكبُ.. واختفى عن الأبصار توجّهَ إلى أولئك النفر الذين كانوا يعبدون الكوكب و(قال) لهم: "قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ" . ثم مرّ بجماعة أخرى، فرآهم يخضعون للقمر ويعبدونه. "فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً" طالعاً من الأفق.. ورأى أن أولئك النفر يعبدونه "قَالَ هَـذَا رَبِّي" ؟! مستنكراً فعلهم، متعجباً من عبادتهم!! لكنّه صبر، وانتظر، حتى يرد عليهم، وتحيّن الفرصة! "فَلَمَّا أَفَلَ" اختفى تحت الأفق! توجّه إلى القوم، و(قال): "قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ" . وبعد ذلك.. بقي إبراهيم، إلى أن طلعَ الصبحُ، وخرجت الشمس وإذا به يمرّ بجماعة، يسجدون للشمس، ويعبدونها! (فلما رأى الشمس بازغةً) ورأى أنّ القوم يخضعون أمامها "قال هذا ربّي هذا أكبر" ؟! مستنكراً فعلهم، متعجّباً منهم، كيف يتخذون الشمس إلهاً؟! لكنه صبر، حتى يردّ عليهم.. وإذا بالشمس تميل نحو الغروب. (فلما أفلت) وغابت عن الأبصار.. توجه إلى أولئك النفر الذين كانوا يعبدونها و(قال يا قوم إني بريء مما تُشركون) وكيف تجعلون لله شريكاً؟ إن (الزهرة) و(القمر) و(الشمس) ليست بإله. "إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ" خلقها، وأبدع صُنعها.. (حنيفاً) مائلاً عن الشرك إلى الإيمان بالله "وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" . ******* من هدى الائمة _عليه السلام_ قيل ان المأمون سأل الامام الرضا ـ عليه السَّلام ـ قائلا: يا بن رسول الله أليس من قولك إن الأنبياء معصومون؟ قال الامام: بلى، فقال له المأمون فأخبرني عن قول الله عزَّ وجلَّ في إبراهيم: "فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي" . فقال الرضا ـ عليه السَّلام: "إن إبراهيم وقع إلى ثلاثة أصناف: صنف يعبد الزهرة، وصنف يعبد القمر، وصنف يعبد الشمس" ، وذلك حين خرج من السرب الذي أخفي فيه الى ان قال الامام الرضا ـ عليه السَّلام: "وإنما أراد إبراهيم بما قال أن يبين لهم بطلان دينهم، ويثبت عندهم أن العبادة لا يحق لما كان بصفة الزهرة والقمر والشمس، وإنما يحق العبادة لخالقها وخالق السماوات والأرض، وكان ما احتج به على قومه مما ألهمه الله عزَّ وجلَّ وآتاه كما قال عزَّ وجلَّ: "وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ" " . فقال المأمون: لله درك يا بن رسول الله. ******* دروس وعبر *يشير قوله تعالى وكذلك في الآية "وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ" ان الانبياء -عليه السَّلام- يتمتعون بهداية خاصة من قبل الباري تعالى، وغايتها هي الوصول الى درجة اليقين الذي لا يتحقق للمرء إلا من خلال المد الإلهي. * من احدى الطرق الاحتجاجية على المعاندين هي اظهار المرافقة معهم بهدف اثبات بطلان افكارهم ومعتقداتهم كما فعل نبى الله ابراهيم ـ عليه السَّلام ـ عندما رافق قومه بحسب الظاهر اثناء عبادتهم لغير الله تعالى. *تؤكد عبارة "لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي" الى ان الانبياء ـ عليهم السَّلام ـ جميعا هم بحاجة الى الهداية الإلهية وان الهداية هى من لوازم الربوبية فهو يهدي من شاء الهداية ويضل من لم يشــأها. ان ابراهيم ـ عليه السَّلام ـ بعد ان بين لقومه بالبرهان المنطقي والبراهين الساطعات انهم اخطئوا الطريق نحو الله لا يتبرء منهم بل انه يتبرء مما يعبدونه او مما يشركون. ******* قصة نبي الله لوط (علیه السلام)- 2 - 51 2011-03-14 09:30:20 2011-03-14 09:30:20 http://arabic.irib.ir/programs/item/7365 http://arabic.irib.ir/programs/item/7365 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي انزل القرآن لنا ضياءً ونوراً وصلى الله على مبلغ وحيه وحامل رسالاته محمد وآله الطيبين الطاهرين، السَّلام عليكم ايها الاخوة والاخوات ورحمة الله وبركاته، واهلاً بكم الى لقاء القصص الحق، ووقفتنا فيه عند القسم الثاني في حكاية نبي الله لوط (عليه السَّلام) حيث وردت هذه الحكاية في سورة هود من الآية 81 حتى 83 لقاءنا هذا يأتيكم ضمن الفقرات التالية. بداية نستمع الى تلاوة هذه الآيات، ثم نتعرف على معاني مفرداتها والمراد من عباراتها، ثم نستمع الى اجابة خبير هذا اللقاء عن سؤال حول تفسير قوله تعالى " ولايلْتَفِتْ مِنْكمْ أَحَدٌ" (سورة هود81) بعد ذلك نقدم لكم القصة لنعود بعدها وفقرة من هدي الائمة (عليهم السَّلام) واخيراً مع أهم الدروس والعبر الموجودة في هذه الايات المباركات فاهلاً بكم. ******* المقدمة احبة القران فى اللقاء الماضي من هذا البرنامج تحدثنا كيف ان الملائكة دخلت على نبي الله لوط (عليه السَّلام) وهم على هيئة شباب في غاية الجمال حيث جاءوا لينزلوا العذاب عليهم لإرتكابهم الفواحش والسيئات وقد شعر النبي ضيقا وقالَ هذا يَوْمٌ عَصيبٌ لعلمه برغبة قومه في ضيوفه. في هذا اللقاء سنكمل بعونه تعالى ما تبقى من قصة لوط (عليه السَّلام) مع قومه. فلننصت في البداية خاشعين الى تلاوة هذه الايات ******* التلاوة "قالُوا يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّك لَنْ يصِلُوا إِلَيك فَأَسْرِ بِأَهْلِك بِقِطْع مِنَ اللَّيلِ ولايلْتَفِتْ مِنْكمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَك إِنَّهُ مُصيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيسَ الصُّبْحُ بِقَريب81 فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيها سافِلَها وأَمْطَرْنا عَلَيها حِجارَةً مِنْ سِجِّيل مَنْضُود82 مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّك وما هِى مِنَ الظّالِمينَ بِبَعيد83" ******* المفردات تقول الآية "قالُوا يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّك لَنْ يصِلُوا إِلَيك" هذا التعبير إمّا لأنّهم كانوا يحسبون أنّهم غير منفصلين عن لوط لأنّهم أضيافه على كل حال، وهتك حرمتهم هتك لحرمة لوط. أولأنّهم أرادوا أن يفهموا لوطاً بأنّهم رسل الله، وأنّ عدم وصول قومه إليهم بالإساءة أمر مسلّم به، بل حتى لوط نفسه الذى هو رجل من جنس اُولئك لن يصلوا إليه بسوء، وذلك بلطف الله وفضله. نقرأ فى الآية 37 من سورة القمر "وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ" وهذه الآية تدل على أنّ هؤلاء الجماعة الذين أرادوا السوء بأضياف لوط، فقدوا بصرهم بإذن الله، فلم يستطيعوا الهجوم عليهم. ثمّ أمر الأضيافُ لوطاً ـ مباشرة ـ أن يرحل هو وأهله من هذه البلدة وقالوا: "فَأَسْرِ بِأَهْلِك بِقِطْع مِنَ اللَّيلِ" ، ولكن حذروه، بالقول: "ولايلْتَفِتْ مِنْكمْ أَحَدٌ" اي إلى الوراء ثم اضافوا "ِلاَّ امْرَأَتَك إِنَّهُ مُصيبُها ما أَصابَهُمْ" وذلك لتخلّفها عن أمر الله وعصيانها مع العُصَاة الظَلَمَة. وخلاصة الأمر فإنّ آخر ما قاله رسل الله ـ أى الملائكة ـ للوط (عليه السَّلام): إنّ العذاب سينزل قومه صباحاً. ومع أوّل شعاع للشمس سيحين غروب حياة هؤلاء: (إنّ موعدهم الصبح). وأخيراً دنت لحظة العذاب وتصرّمت ساعات انتظار لوط النّبي (عليه السَّلام)، وكما يقول القرآن الكريم "فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيها سافِلَها وأَمْطَرْنا عَلَيها حِجارَةً مِنْ سِجِّيل مَنْضُود" . وكلمة «سجّيل» تعني الشيء الذي لا يكون صلباً كالحجارة ولا رخواً كالزهرة، وإنّما هى بينهما. و«المنضود» من مادة «نضد» ومعناه كون الشيء مصفوفاً وموضوعاً بشكل متتابع ومتراكم، أى إنّ هذا المطر كان متتابعاً سريعاً إلى درجة حتى كأنّ هذه الأحجار تتراكب بعضها فوق بعض فتكون «منضودة» ولكن هذه الأحجار ليست أحجاراً عادية، بل هى أحجار فيها علامات عند الله "مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّك" . ثم تذكر الاية أنّ هذه الأحجار لا تخص فقط قوم لوط، بل تؤكد "وما هِى مِنَ الظّالِمينَ بِبَعيد" . ******* المحاور: ايها الاخوة والاخوات اختلف المفسرون في قوله تعالى "لايلتفت منكم احد" وكل ذهب الى رأي ولكن ماهو الرأي الصحيح تفسير هذه العبارة؟ المحاورة: نستمع مستمعينا الكرام الى اجابة هذا التساؤل من قبل ضيف هذا اللقاء سماحة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من مدينة قم المقدسة زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم، احسنتم سؤال لطيف وجميل يعني "لايلتفت منكم احد" المقصود من هذه العبارة يعني كررت كذلك في سورة اخرى هي سورة الحجر في الاية الخامسة والستين يعني مذكورة مرتين في القرآن الكريم، في سورة هود الاية الحادية والثمانين وفي سورة الحجر الاية الخامسة والستين "فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع ادبارهم ولايلتفت منكم احد وامضوا حيث تؤمرون" في سورة الحجر، وفي سورة هود "قالُوا يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّك لَنْ يصِلُوا إِلَيك فَأَسْرِ بِأَهْلِك بِقِطْع مِنَ اللَّيلِ ولايلْتَفِتْ مِنْكمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَك إِنَّهُ مُصيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيسَ الصُّبْحُ بِقَريب" فلهذا اختلف كما ذكرتم المفسرون في معنى هذه العبارة "ولايلْتَفِتْ مِنْكمْ أَحَدٌ" اكثر المفسرين قالوا لايلتفت يعني لاينظر الى وراءه ويعني امر بالعجلة والسير الحثيث والاستعجال في الخروج وعدم التلكؤ في المسير وعدم التواني في السير والخروج خارج المدينة حتى لايصيب المتخلفين العذاب الذي سينزل على قوم لوط، عذاب الاستئصال طبعاً في الصباح الباكر "ان موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب" ولهذا لايلتفت منكم احد يعني تعبير عن السير الحثيث والاستعجال في الخروج وعدم التلكؤ في المسير لأن الاسراع هو السير في الليل، بقطع من الليل، جزء من الليل يعني لايلتفت يعني لايتأخر وعليه ان يسير سيراً حثيثاً سريعاً في الخروج، بعضهم قال "ولايلْتَفِتْ مِنْكمْ أَحَدٌ " ليس لاينظر الى الوراء وعليه ان يستعجل وانما "ولايلْتَفِتْ مِنْكمْ أَحَدٌ" يعني الالتفات من اجل المال الذي تركه يعني البيت والعقار يعني كل واحد منهم خرج من بيته، خرج من اهله، خرج من ماله مثلاً عنده مال، عنده ثروة في المدينة فلايلتفت منكم احد يعني لايأخذ شيئاً من امواله ومتاعه يعني لايهتم لما ترك من متاع، من اموال في بيته في المدينة، بعضهم قال "ولايلْتَفِتْ مِنْكمْ أَحَدٌ"هذا تعبير عن التخلف يعني لايتخلف منكم احد يعني عدم الخروج " ولايلْتَفِتْ"يعني عليكم الخروج، عليكم ان تخرجوا جميعاً ايها المؤمنون فهناك آراء متعددة لعل الرأي الاقرب للسياق "ولايلْتَفِتْ مِنْكمْ أَحَدٌ" هو كناية او امر بالاستعجال والسير الحثيث والانفصال عن الذين تركهم وربما فيها امر نسبي يعني لايلتفت الى الذين تركهم من قومه لعلهم كانوا اصدقاء او كانوا اخوان ربما او كانوا زوجات كما مثلاً في قضية نوح عليه السلام ترك زوجته يعني هذا "إِلاَّ امْرَأَتَك" "ولايلْتَفِتْ مِنْكمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَك" طبعاً الا امرأتك استثناء في الاسراع يعني لاتسر بها ولاتأخذها معك ليكن المعنى "فأسر بأهلك إِلاَّ امْرَأَتَك" يعني امرأتك لايسير بها ولايأخذها معه في خروجه في السير الحثيث فهنا آراء متعددة في "ولايلْتَفِتْ مِنْكمْ أَحَدٌ"لعل في السياق هو عدم التخلف والسرعة في الخروج خارج المدينة وربما فيه كناية عن عدم الالتفات الى ما ترك من اموال وما ترك من اصدقاء ربما وما ترك من امور ومتعلقات في المدينة. ******* ايها الافاضل اختلف المفسرون فى تفسير قوله تعالى: "ولايلْتَفِتْ مِنْكمْ أَحَدٌ" وكل ذهب الى رأي، ولكن ما هو الرأي الصحيح فى تفسير هذه العبارة نستمع الى اجابة هذا التساؤل من قبل ضيف هذا اللقاء سماحة السيد عبدالسَّلام زين العابدين استاذ العلوم الدينية من مدينة قم المقدسة. ******* القصة هلاك قوم لوط عندما بلغ الضيق ذروته.. وقال النبي كلمته.. تحرك ضيوفه ونهضوا أفهموه أنه يأوي إلى ركن شديد.. فقالوا له لا تجزع يا لوط ولا تخف نحن ملائكة.. ولن يصل إليك هؤلاء القوم.. ثم نهض جبريل، عليه السَّلام، وأشار بيده إشارة سريعة، ففقد القوم أبصارهم التفتت الملائكة إلى لوط وأصدروا إليه أمرهم أن يصحب أهله أثناء الليل ويخرج. سيسمعون أصواتا مروعة تزلزل الجبال.. "لايلْتَفِتْ مِنْكمْ أَحَدٌ" .. كي لا يصيبه ما يصيب القوم.. أي عذاب هذا؟؟؟؟!!!!! أفهموه أن امرأته كانت من الغابرين.. امرأته كافرة مثلهم وستلتفت خلفها فيصيبها ما أصابهم سأل لوط الملائكة: أينزل الله العذاب بهم الآن.. أنبئوه أن موعدهم مع العذاب هو الصبح.. "أَلَيسَ الصُّبْحُ بِقَريب" ؟ خرج لوط مع بناته وزوجته.. ساروا في الليل.. واقترب الصبح.. كان لوط قد ابتعد مع أهله.. ثم جاء أمر الله تعالى....... اقتلع جبريل ـ عليه السَّلام ـ بطرف جناحه مدنهم السبع من قرارها البعيد.. رفعها جميعا إلى عنان السماء حتى سمعت الملائكة أصوات ديكتهم ونباح كلابهم ، قلب المدن السبع وهوى بها في الأرض.. أثناء السقوط كانت السماء تمطرهم بحجارة من الجحيم.. حجارة صلبة قوية يتبع بعضها بعضا، ومعلمة بأسمائهم، ومقدرة عليهم.. استمر الجحيم يمطرهم.. وانتهى قوم لوط تماما.. لم يعد هناك أحد، نكست المدن على رؤوسها، وغارت في الأرض، حتى انفجر الماء من الأرض، هلك قوم لوط ومحيت مدنهم. كان لوط يسمع أصوات مروعة.. وكان يحاذر أن يلتفت خلفه.. نظرت زوجته نحو مصدر الصوت فانتهت.. تهرأ جسدها وتفتت مثل عمود ساقط من الملح. انطوت صفحة قوم لوط.. انمحت مدنهم وأسمائهم من الأرض.. سقطوا من ذاكرة الحياة والأحياء.. وطويت صفحة من صفحات الفساد.. وتوجه لوط إلى إبراهيم.. زار إبراهيم وقص عليه نبأ قومه.. وأدهشه أن إبراهيم كان يعلم.. ومضى لوط في دعوته إلى الله.. مثلما مضى الحليم الأواه المنيب إبراهيم في دعوته إلى الله.. مضى الاثنان ينشران الإسلام في الأرض . ******* من هدى الائمة _عليه السلام_ * وفي تفسير القمي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السَّلام): في قوله: "وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود" قال: ما من عبد يخرج من الدنيا يستحل عمل قوم لوط إلا رماه الله جندلة من تلك الحجارة تكون منيته فيه ولكن الخلق لا يرونه. * وروي في الكافي، بإسناده عن ميمون البان عن أبي عبدالله الصادق (عليه السَّلام) مثله، وفيه: من بات مصرا على اللواط لم يمت حتى يرميه الله بحجارة تكون فيه منيته ولا يراه أحد، وفي الحديثين إشعار بكون قوله: "وما هي من الظالمين ببعيد" غير خاص بقريش، وإشعار بكون العذاب المذكور روحانيا غير مادي. ******* دروس وعبر "فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيها سافِلَها وأَمْطَرْنا عَلَيها حِجارَةً مِنْ سِجِّيل مَنْضُود" ايها الافاضل هؤلاء القوم المنحرفون ظلموا أنفسهم وظلموا مجتمعهم، لعبوا بمصير اُمتهم كما استهزؤوا بالإيمان والأخلاق الإنسانية، وكلّما نصحهم نبيهم باخلاص وحرقة قلب لم يسمعوا له وسخروا منه، وبلغت صلافتهم وعدم حيائهم حدّاً أنّهم أرادوا الاعتداء على ضيوف زعيمهم وهتك حرمتهم. هؤلاء الذين كانوا قد قلبوا كل شيء يجب أن تنقلب مدينتهم عليهم، ولا يكفي أن يغدو عاليها سافلها، بل لُيمطروا بوابل من الأحجار تدمّر كل شيء من «معالم الحياة» هناك ولا يبقى منهم سوى صحراء موحشة وقبور مظلمة تحت ركام الأحجار الصغيرة. *يقول الباري "وما هى من الظالمين ببعيد" حقا هل أنّ الذين ينبغى معاقبتهم هم قوم لوط فحسب؟ قطعاً لا. فكل جماعة منحرفة واُمّة ظالمة ينتظرها مثل هذا المصير، فتارة تكون تحت وابل الأحجار، واُخرى تحت ضربات القنابل المحرقة، وحيناً تحت ضغط الاختلافات الاجتماعية القاتلة، وأخيراً فإنّ لكلٍّ شكلا من العذاب وصورة معينة. ******* قصة نبي الله لوط (علیه السلام)- 1 - 50 2011-02-21 08:05:29 2011-02-21 08:05:29 http://arabic.irib.ir/programs/item/7215 http://arabic.irib.ir/programs/item/7215 بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد والمجد رب العالمين وازكى الصلاة على محمد وآله الطاهرين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته نحييكم خلال حلقة جديدة من برنامج القصص الحق ونتناول فيها قصة نبي الله لوط _عليه السَّلام_ مع قومه فابقوا معنا متفضلين. ايها الاحبة لازلنا في ايات سورة هود _عليه السَّلام_ ونتابع قصة لوط _عليه السَّلام_ التي ذكرت في الآية 77 حتى الأية 80 منها. فنرجوا متابعتكم الكريمة للفقرات التالية. بعد المقدمة نستمع واياكم الى تلاوة مرتلة لهذه الايات، ثم نتعرف على معاني مفرداتها وعباراتها، نستمع لإجابة خبير هذا اللقاء عن سؤال بشأن نبي الله لوط _عليه السَّلام_، نتابع معاً محطة القصة، لننتقل بعدها الى فقرة من هدي الائمة _عليه السَّلام_ وروايتين للامام علي _عليه السَّلام_ والاخرى للامام الباقر _عليه السَّلام_، وكالمعتاء ننهي اللقاء بباقة من النقاط والدروس المهمة التي نجنيها في الايات. ونذكر الإخوة والاخوات بأن كتب التفاسير التي نعتمد عليها هي عبارة عن تفسير الميزان للعلاقه الطباطبائي والتفسير الامثل للشيخ. مكارم شيرازي وتفسير الفوز للشيخ قرائتي. اذن تابعوا محطات هذا اللقاء. ******* المقدمة لقد ذکرت قصة قوم لوط في آيات من سورة الأعراف إشارة إلى شيء من مصير قومه _عليه السَّلام_، وهنا يتناول القرآن الكريم ـ وبمناسبة ما ذكره من قصص الأنبياء وأقوامهم وبما ورد في الآيات المتقدمة عن قصّة لوط وقومه ـ قسماً آخر من حياة هؤلاء القوم المنحرفين الضالين ليتابع بيان الهدف الأصلي ألا وهو سعادة المجتمع الإنساني ونجاته بأسره. ******* التلاوة "وَ لَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سيءَ بِهِمْ وَ ضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَ قالَ هذا يَوْمٌ عَصيبٌ77 وَ جائَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَ مِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللّهَ وَ لا تُخْزُونِ في ضَيْفي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشيدٌ78 قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِنْ حَقّ وَ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُريدُ 79 قالَ لَوْ أَنَّ لي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إِلى رُكْن شَديد80 ******* المفردات يبيّن القرآن الكريم في هذا الصدد أوّلا "لَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سيءَ بِهِمْ وَ ضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً" بمعنى أنّه لما جاءت رسلنا لوطاً طار هلعاً وضاق بهم ذرعاً وأحاط به الهمّ من كل جانب. كلمة (سيىء) مشتقّة من ساء، ومعناها عدم الإرتياح وسوء الحال، و "الذَرْع" تعني (القلب) على قول، وقال آخرون: معناها «الخُلق» فعلى هذا يكون معنى "ضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً" أنّ قلبه أصيب بتأثر شديد لهؤلاء الأضياف غير المدعوين في مثل هذه الظروف الصعبة. ويستفاد من بعض كتب اللغة أنّ هذا التعبير إنّما يستعمل في شدة الحادثة بحيث يجد الإنسان جميع الطرق بوجهه موصدة. وكلمة «عصيب» مشتقّة من «العصب» معناه ربط الشيء بالآخر وشده شدّاً محكماً، وبما إنّ الحوادث الصعبة تشدُّ الإنسان وكأنّها تسلبه راحته فيظل مبلبل الأفكار سُمّيت «عصيبة» وتطلق العرب على الأيّام شديدة الحر أنّها عصيبة أيضا.ً وعلى كل حال، فإنّ لوطاً لم يجد بداً من أن يأتي بضيوفه إلى البيت ويقوم بواجب الضيافة ولكنّه حدّثهم في الطريق ـ عدة مرّات ـ أنّ أهل هذه المدينة منحرفون وأشرار ليكونوا على حذر منهم. يقول القرآن الكريم "وَ جائَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ" وكانت حياة هؤلاء القوم ملطخة بالعار اذ تصفهم الآية "وَ مِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ" فكان من حق لوط أن يضيق ذرعاً ويصرخ ممّا يرى من شدّة استيائه و"قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ" بمعنى أنا مستعد أن أزوجهن إيّاكم ثم قال "فَاتَّقُوا اللّهَ وَ لا تُخْزُونِ في ضَيْفي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشيدٌ" بمعنى ألم يکن فيکم رجلا يحظى بالرشد يصدكم عن هذه الأعمال المخزية وينصحكم بالإقلاع عنها ولكن هؤلاء القوم المفسدين أجابوا لوطاً بكل وقاحة وعدم حياء "لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِنْ حَقّ وَ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُريدُ" اما المراد بالبنات في كلامه إنما هي نساؤهم لا بناته من صلبه فإنهم ما كانوا مؤمنين به حتى يعترفوا بكون نسائهم بناته فليس للنبى عندئذ إلا بنتان. وقد قيل في معنى نفيهم الحق: إن معناه ما لنا في بناتك من حاجة وما ليس للإنسان فيه حاجة فكأنه لا حق له فيه ففي الكلام نوع استعارة. وهنا وجد لوط - هذا النّبي العظيم - نفسه محاصراً في هذه الحادثة المريرة فنادى و"قالَ لَوْ أَنَّ لي بِكُمْ قُوَّةً" اى سند من العشيرة والأتباع والمعاهدين الأقوياء حتى اتغلّب عليكم (أو آوي إلى ركن شديد). "رُكْنٍ شَدِيدٍ": يقصد منه الناصر الذي يعصمه من قومه فوقف لوط موقف الحائر الذي لا يملك أيّة وسيلة للدفاع. ******* المحاور: " مستمعينا الافاضل لماذا لم يكن نبي الله لوط _عليه السَّلام_ يعرف في بداية الامر ان ضيوفه هم من الملائكة وهم مأمورون من قبل الله لتعذيب قومه والسؤال الاخر عندما يأس لوط من قومه قال "قالَ لَوْ أَنَّ لي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إِلى رُكْن شَديد" لماذا لم يستعن بالله او يدعو على قومه بالعذاب؟ للاجابة عن هذين السؤالين نتتقل بكم الى المحطة التالية حيث يتفضل سماحة السيد عبد السلام زين العابدين الاستاذ في الحوزة العلمية بالاجابة عن هذين السؤالين فلنسامع معاً زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً هذا اختبار لعله اختبار الهي، رباني ليبين ماذا سيعمل لوط _عليه السَّلام_ هذا يتعلق بالحكمة الالهية الربانية، هل الله عزوجل يعلم احياناً يعلم النبي بأن هؤلاء ملائكة واحياناً لايعلم بهم، لوط _عليه السَّلام_ حينما ذهبوا الى لوط لم يكن يعرف بأن هؤلاء من الملائكة وان هذا حاول ان يرد هؤلاء القوم "وَ جائَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَ مِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللّهَ وَ لا تُخْزُونِ في ضَيْفي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشيدٌ78 قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِنْ حَقّ وَ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُريدُ 79 قالَ لَوْ أَنَّ لي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إِلى رُكْن شَديد" هنا يظهر كما قلتم ان لوطاً _عليه السَّلام_ لم يكن يعرف ان الذي معه هو الملائكة يعني هم الملائكة الذين جاءوا ليجعلوا عاليها سافلها لأنهم بلغوا من الشناعة ومن ايتاء الفاحشة، اتيان الفاحشة مبلغاً كما تذكر الروايات حتى اكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء ولهذا القرآن يقول "يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ" يهرعون يعني هذا الفعل ليس فيه مبني للمعلوم وانما مبني للمجهول لأن هناك قوة، يعني هذه الفطرة التي طمست تدفعهم الى هذه الفاحشة فهنا يتعلق الامر بالحكمة الالهية، الله عزوجل اراد ان يختبر لوط _عليه السَّلام_ ماذا يفعل في هذه الواقعة، يعلم الله عزوجل ابراهيم _عليه السَّلام_ ولم يعلم لوط ان هؤلاء من الملائكة حينما جاءه قومه يهرعون اليه هنا لوط _عليه السَّلام_ قال لو ان لي بكم قوة طبعاً هنا لو اداة شرط، "لَوْ أَنَّ لي بِكُمْ قُوَّةً" يعني لو ان لي بكم قوة طبعاً لدفعتكم يعني هنا جواب الشرط محذوف لدفعتكم، لمنعتكم، "لَوْ أَنَّ لي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إِلى رُكْن شَديد" يعني هنا تمنى طبعاً هذا شيء مفجوع، كان مفجوعاً، كأن فيه بث حزن والم ومعاناة وفجيعة، قال لو ان لي بكم قوة او آوي الى ركن شديد هنا يعني لم يلتجأ الى الله عزوجل لأنه الانسان متى يلتجأ الى الله؟ يلتجأ الى الله حينما يستنفذ كل الوسائل يعني استنفاذ الوسائل فهو كان يتمنى ان لو تكون الوسائل طبيعية قال لو ان لي بكم قوة او آوي الى ركن شديد، اختلف المفسرون هنا في معنى لو ان لكم بي قوة او آوي الى ركن شديد هنا تمنى امرين الامر الاول ان به قوة ذاتية بحيث يستطيع ان يمنع هؤلاء من الملائكة يعني من الضيوف لأن الضيوف جاءوا على شكل رجال او آوي الى ركن شديد، الركن الشديد هو العشيرة او الانصار الذين ينصرونه وينتصرون له وبعضهم قال، العلامة الطباطبائي قال لو ان بي لكم قوة يعني منكم قوة يعني رجل رشيد "أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشيدٌ" فهنا الله عزوجل اراد ان يختبر لوط _عليه السَّلام_ ان يوفر كل ما لديه من امكانات، دائماً المعجزة لاتأتي مباشرة وانما تأتي بعد استنفاذ الوسائل وبعد ان يصل النبي الى درجة من الحيرة ومن استنفاذ كل ما لديه من وسائل هنا يأتي التسديد الالهي هذا قال "لَوْ أَنَّ لي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إِلى رُكْن شَديد" يعني حالات المعجزة والتدخل الرباني والتسديد الالهي لايأتي من اول لحظة وانما يأتي بعد استنفاذ كل الوسائل ولهذا نرى هذا التدخل الرباني جاء، الامام الباقر _عليه السَّلام_ يقول كما جاء في الكافي "رحم الله لوطاً لو علم من معه في الحجرة لعلم انه منصور حيث يقول لو ان لي بكم قوة او آوي الى ركم شديد" اي ركن اشد من جبرئيل معه في الحجرة؟ اي ركن اشد من جبرئيل؟ يعني لو كان يعلم، يعني الله لم يعلمه بذلك لأنه اراد ان تستنفذ كل الوسائل التي لدى لوط _عليه السَّلام_ بعد ذلك جاء التسديد الالهي الرباني، "قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ" هنا تدخل التسديد الالهي الرباني بعد ان استنفذت كل الوسائل. ******* القصة لوط _عليه السَّلام_ دعى لوط قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن كسب السيئات والفواحش. واصطدمت دعوته بقلوب قاسية وأهواء مريضة ورفض متكبر وحكموا على لوط وأهله بالطرد من القرية. فقد كان القوم الذين بعث إليهم لوط يرتكبون عددا كبيرا من الجرائم البشعة. كانوا يقطعون الطريق، ويخونون الرفيق، ويتواصون بالإثم، ولا يتناهون عن منكر، وقد زادوا في سجل جرائمهم جريمة لم يسبقهم بها أحد من العالمين. كانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء. لقد اختلت المقاييس عند قوم لوط.. فصار الرجال أهدافا مرغوبة بدلا من النساء ، وصار النقاء والطهر جريمة تستوجب الطرد.. كانوا مرضى يرفضون الشفاء ويقاومونه.. ولقد كانت تصرفات قوم لوط تحزن قلب لوط كانوا يرتكبون جريمتهم علانية في ناديهم.. وكانوا إذا دخل المدينة غريب أو مسافر أو ضيف لم ينقذه من أيديهم أحد.. وكانوا يقولون للوط: استضف أنت النساء ودع لنا الرجال.. واستطارت شهرتهم الوبيلة ، وجاهدهم لوط جهادا عظيما ، وأقام عليهم حجته ، ومرت الأيام والشهور والسنوات ، وهو ماض في دعوته بغير أن يؤمن له أحد.. لم يؤمن به غير أهل بيته.. حتى أهل بيته لم يؤمنوا به جميعا. كانت زوجته كافرة. وزاد الأمر بأن قام الكفرة بالاستهزاء برسالة لوط _عليه السَّلام_ فكانوا يقولون: "ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ". فيئس لوط منهم،ودعا الله أن ينصره ويهلك المفسدين. فى يوم من الايام بينما کان لوط في مزرعَته فوجىء بعدد من الشباب الوسيمين الصِباح الوجوه قادمين نحوه وراغبين في النّزول عنده ولرغبته باستضافتهم من جهة ، ولعلمه بالواقع المرير الذي سيشهده في مدينته الملوّثة بالانحراف الجنسي من جهة اُخرى ، كل ذلك أوجب له الهم. مرّت هذه المسائل على شكل أفكار وصور مرهقة في فكره ، وتحدث مع نفسه (وقال هذا يوم عصيب)، لإحتمال الفضيحة والتورط في مشاكل عويصة. أخّر لوط ضيوفه كثيراً حتى حلول الليل ، فلعله يستطيع أن يحفظ ماء وجهه من شرور قومه ، ويقوم بواجب الضيافة دون أن يُساء إلى أضيافه ، ولكن ما عسى أن يفعل الإنسان إذا كان عدوه داخل بيته، وكانت امرأة لوط امرأة كافرة وتساعد قومه الظالمين ، وقد اطلعت على ورود هؤلاء الأضياف إلى بيتها ، فصعدت إلى أعلى السطح وصفقت بيديها أوّلا ، ثمّ بإشعال النّار وتصاعد الدخان أعلمت جماعة من هؤلاء القوم بأنّ طعمة دسمة قد وقعت في «الشِباك» فهرع القوم نحو دار لوط. سنقدم لکم تتمة القصة فى الحلقات القادمة ان شاء الله .... ******* من هدي الائمة في الدر المنثور ، أخرج أبو الشيخ عن علي _عليه السَّلام_ أنه خطب فقال: عشيرة الرجل للرجل خير من الرجل لعشيرته إنه إن كف يده عنهم كف يدا واحدة ، وكفوا عنه أيدي كثيرة مع مودتهم وحفاظتهم ونصرتهم حتى لربما غضب الرجل للرجل وما يعرفه إلا بحسبه وسأتلو عليكم بذلك آيات من كتاب الله تعالى فتلا هذه الآية: "لَوْ أَنَّ لي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إِلى رُكْن شَديد". قال علي _عليه السَّلام_: "و الركن الشديد العشيرة فلم يكن للوط عشيرة فو الذي لا إله غيره ما بعث الله نبيا بعد لوط إلا في ثروة من قومه. " قال أبو جعفر الباقر _عليه السَّلام_: "رحم الله لوطا لو علم من معه في الحجرة لعلم أنه منصور حيث يقول: "لَوْ أَنَّ لي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إِلى رُكْن شَديد"." ******* دروس وعبر *نعرف من خلال قوله تعالى: "وَ لَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سيءَ بِهِمْ" ان علم الانبياء بما يدور حولهم هو علم محدود ولا يعلم الغيب إلا باذن الله تعالى. * عندما يسقط المجتمع فى مهلکة الذنوب والمعاصى تجد الناس يهرعون اليها کما هرع الناس عندما استقبل لوط ضيوفه "وَجائَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ". *ان ارتکاب السيئات فى المجتمع يمهد الارضية لظهور آثام ومعاصى اخرى . "وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ". *لا تتم عملية النهى عن المنکر بمجرد الردع والنهى بل بتقديم البدائل المشروعة "قَالَ يَقَوْمِ هَؤُلَا ءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ". ******* قصة نبي الله صالح (علیه السلام) 2 - 49 2011-02-14 08:13:31 2011-02-14 08:13:31 http://arabic.irib.ir/programs/item/7180 http://arabic.irib.ir/programs/item/7180 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة على رسول الله محمد المصطفى وعترته الابرار. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نحييكم ونرحب بكم الى حلقة متجددة من برنامج القصص الحق ******* المقدمة ايها الاحبة في هذا اللقاء نواصل الحديث حول حكاية نبيّ الله صالح (عليه السَّلام) المذكورة في سورة هود في الآيتين 64و65 ضمن المحطات التالية. بداية نستمع الى تلاوة عطرة لهاتين الآيتين ثم نشرح أهم المفردات والعبارات القرآنية ثم نستمع الى اجابة خبير هذا اللقاء بشبأن معجزة صالح (عليه السَّلام)، بعد ذلك ننتقل الى سرد الحكاية. ثم نحط الرحال عند هدي الائمة (عليه السَّلام)، ومسك الختام بعد عدد من الدروس والعبر ننهي بها هذا البرنامج فابقوا معنا. ******* التلاوة " وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أَرْضِ اللّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوء فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَريبٌ 64 فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّام ذالِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوب 65 ******* المفردات وبعد كلّ ما بذله نبى الله صالح لهداية قومه الى التوحيد وعبادة الله تعالى واظهار البرهان على صدق دعوته، جاءهم بالناقة التي هي آية من آيات الله وقال: "وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً.." فاتركوها وذروها تأكل في أرض الله "وَلا تَمَسُّوها بِسُوء فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَريبٌ". «النّاقة» في اللغة هي اُنثى الجمل، وقد اُضيفت إلى لفظ الجلالة «الله» مثل هذه الإضافة يقال لها في المصطلح الأدبي إضافة تشريفية. بمعنى أنّها إضافة تدل على شرف الشيء وأهميّته، وفي الآية المتقدمة يلاحظ نموذجان من هذا النوع: 1 ـ ناقة الله. 2 ـ أرض الله. وقد ورد في موارد اُخرى غير هذه الكلمات. هذه الإضافة تدل على أنّ هذه الناقة لها خصائص معينة، ومع الإلتفات إلى ما عبّر عنها في الآية المتقدمة بأنّها «آية» وعلامة إلهيّة ودليل على الحقانيّة، يتّضح أنّها لم تكن ناقة عادية، بل كانت خارقة للعادة من جهة أو جهات متعددة. وعلى كل حال فإنّ القرآن ذكر قصّة ناقة صالح بشكل مجمل غير أنّنا نقرأ في روايات كثيرة عن مصادر الشيعة وأهل السنّة أيضاً، أنّ هذه الناقة خرجت من قلب الجبل، ولها خصائص اُخرى ليس هنا مجال سردها. وعلى كل حال، فمع جميع ما أكّده نبيّهم العظيم «صالح» في شأن الناقة، فقد صمّموا أخيراً على القضاء عليها، لأنّ وجودها مع ما فيها من خوارق مدعاة لتيقظ الناس والتفافهم حول النّبي صالح، لذلك فإنّ جماعة من المعاندين لصالح من قومه الذين كانوا يجدون في دعوة صالح خطراً على مصالحهم، فتآمروا للقضاء على الناقة وهيأوا جماعة لهذا الغرض، وأخيراً أقدم أحدهم على مهاجمتها وضربها بالسكين فهوت إلى الأرض "فَعَقَرُوهَا". «عقروها» مشتقة من مادة «العُقر» ومعناه: أصل الشيء وأساسه وجذره، و«عقرت البعير» معناه نحرته واحتززت رأسه، لأنّ نحر البعير يستلزم زوال وجوده من الأصل، وأحياناً تستعمل هذه الكلمة لطعن الناقة في بطنها. أو لتقطيع أطراف الناقة بدل النحر وكل ذلك في الواقع يرجع إلى معنى واحد. وفي الواقع فإنّ التآمر على هذا العمل لم يكن له جانب فردي، وحتى ذلك الذي أقدم على عمله لم يكن معتمداً على قوته الشخصيّة فجميعهم كانوا مرتاحين لعمله وكانوا يسندونه، ومن المسلّم أنّه لا يمكن أن يعدّ هذا العمل عملاً فردياً. بل يعد عملاً جماعياً. وفي نهاية الآية نقرأ أنّ النّبي «صالحاً» بعد أن رأى تمرّد قومه وعقرهم الناقة أنذرهم "فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ"(هود65) فهو وعد الله الذي لا يتغير وما أنا من الكاذبين. ******* المحاور: للوقوف الى الاجابة عن هذا التساؤل ننتقل بكم الى المحطة التالية مع سماحة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من مدينة قم المقدسة زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً سؤال لطيف، القرآن مجمل خصوصاً حينما يستعرض القصص القرآني يعطي امور قد تكون مجملة ولايعطي تفاصيل فيستطيع الانسان من خلال السياق ان يستفيد من بعض الامور وبعض الاشارات القرآنية ليعرف قطعاً اولاً ان هذه الناقة كانت هي معجزة صالح عليه السلام، قوم ثمود من العرب يعني جاؤوا بعد قوم عاد وكانت لهم حضارة عظيمة ومدنية كبيرة "وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ" كما تحدثنا سورة النمل فكانت الناقة هذه معجزة صالح آية معجزة اخرجت من صخر الجبل بأذن الله تعالى طبعاً هم طلبوها منه ولهذا اضيفت الناقة الى الله، هم طلبوها بقولهم كما جاءت الروايات "لن نؤمن لك حتى تخرج الينا من هذه الصخرة ناقة عشراء" عشراء يعني الحامل في الشهر العاشر "وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ التكوير4 يعني الناقة الثمينة التي تكون هي ناقة وتكون حامل في الشهر العاشر فهذه تعطل في يوم القيامة او قبيل يوم القيامة حينما ينشغل كل انسان بنفسه "واذا العشار عطلت" فطلبوا منه ناقة عشراء وكانت الصخرة يعظمونها يعني كانت صخرة مقدسة فتحدوه يعني قالوا اذا كنت صادقاً في نبوتك، بأدعاءك فأخرج لنا من هذه الصخرة التي كانوا يذبحون عندها وكانوا يعظمونها، اخرج لنا ناقة فبعد ذلك اخرج لهم من هذه الصخرة ناقة ولهذا القرآن الكريم يضيفها الى الله عزوجل يقول، يعبر "نَاقَةُ اللّهِ" ، "وَيَا قَوْمِ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ" هود64 كما نقرأ في سورة هود، في سورة الشعراء قال "هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ" سورة الشعراء الاية 155 ، طبعاً شرب هنا بمعنى نصيب من الماء او النوبة كما نقول يعني للناقة يوم تشرب فيه ولايزاحمونها فيه بأنعامهم ولابأنفسهم واهذا كانت الناقة اذا كان يومها شربت الماء فلايبقى صغير ولاكبير الا شرب من لبنها يومهم ذلك يعني حينما تكون الناقة تشرب اليوم فتعطي لهم لبناً يعني حليب يشرب منه كل الناس من قوم ثمود فأذا كان الليل واصبحوا غدوا الى ماءهم فشربوا منه ذلك اليوم ولم تشرب الناقة "فمكثوا بذلك ماشاء الله" هذه الرواية طبعاً تنسجم مع الظهور القرآني بيد انهم لم يصبروا على هذه النعمة وتآمروا على قتل الناقة بحجة عدم رضاهم بهذا التقسيم وهذا التقسيم كان لصالحهم فرفعوا شعار عقر الناقة فتقدم اشقى ثمود وقال انا لها فأنتظرها حتى رجعت ذلك اليوم من شربها، من ماءها فضربها بالسيف فبعض الروايات تقول ضربها بسهم فعقرها فخرت على الارض على جنبها وهرب فصيلها حتى صعد الى الجبل فرغى ثلاث مرات الى السماء طبعاً هنا واضح الاية القرآنية ان الناقة لها شرب يعني لها يوم وهذه طبعاً كانت معجزة واكيد ان القضية ليست قضية طبيعية حينما ندرك ان هذه الناقة هي ناقة الله وليست ناقة بشر عادية، ناقة الله فيمكن ان تكون هذه الرواية رواية صحيحة وهي تنسجم مع الظهور القرآني، كانت اذا شربت الناقة يعني لايشرب احد ذلك اليوم ولكن يشربون لبنها، هذا كان التقسيم بحسب الظهور القرآني وبحسب الروايات التي تقول بذلك يعني منسجمة مع الظهور حينما رضي هؤلاء بعقرها وان كان عقرها واحد، الذي عقر ناقة ثمود رجل واحد كما يقول امير المؤمنين "ايها الناس انما يجمع الناس الرضى والسخط وانما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمهم الله بالعذاب لما عموه بالرضى فقال سبحانه فعقروها فأصبحوا نادمين" . ******* كما ذكرنا ان صالحاً أخبر قومه أن يتقاسموا ماءهم سهمين: سهم لهم وسهم للناقة، فلهم شرب يوم منه ولها شرب يوم آخر "قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ" (الشعراء155) لكنه لم يتّضح فى ايات القران الكريم كيف ان تقسيم الماء كان امرا خارقاً للعادة ؟ للوقوف على اجابة هذا التساؤل لننتقل بكم الى المحطة التالية مع سماحة السيد عبدالسلام زين العابدين استاذ العلوم القرانية من قم المقدسة. ******* القصة معجزة صالح (عليه السَّلام) رغم نصاعة دعوة صالح عليه الصلاة والسَّلام، فقد بدا واضحا أن قومه لن يصدقونه. كانوا يشكون في دعوته، واعتقدوا أنه مسحور، وطالبوه بمعجزة تثبت أنه رسول من الله إليهم. وشاءت إرادة الله أن تستجيب لطلبهم. وكان قوم ثمود ينحتون من الجبال بيوتا عظيمة. كانوا يستخدمون الصخر في البناء، وكانوا أقوياء قد فتح الله عليهم رزقهم من كل شيء. جاءوا بعد قوم عاد فسكنوا الأرض التي استعمروها. قال صالح لقومه حين طالبوه بمعجزة ليصدقوه: "وَيَا قَوْمِ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ" والآية هي المعجزة، ويقال إن الناقة كانت معجزة لأن صخرة بالجبل انشقت يوما وخرجت منها الناقة.. ولدت من غير الطريق المعروف للولادة. ويقال إنها كانت معجزة لأنها كانت تشرب المياه الموجودة في الآبار في يوم فلا تقترب بقية الحيوانات من المياه في هذا اليوم، وقيل إنها كانت معجزة لأنها كانت تدر لبنا يكفي لشرب الناس جميعا في هذا اليوم الذي تشرب فيه الماء فلا يبقى شيء للناس. كانت هذه الناقة معجزة. أصدر الله أمره إلى صالح أن يأمر قومه بعدم المساس بالناقة أو إيذائها أو قتلها، أمرهم أن يتركوها تأكل في أرض الله، وألا يمسوها بسوء، وحذرهم أنهم إذا مدُّوا أيديهم بالأذى للناقة فسوف يأخذهم عذاب قريب في البداية تعاظمت دهشة ثمود حين ولدت الناقة من صخور الجبل.. كانت ناقة مباركة. كان واضحا إنها ليست مجرد ناقة عادية، وإنما هي آية من الله. وعاشت الناقة بين قوم صالح، آمن منهم من آمن وبقي أغلبهم على العناد والكفر. كان صالح عليه الصلاة والسَّلام يحدث قومه برفق وحب، وهو يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وينبههم إلى أن الله قد أخرج لهم معجزة هي الناقة، دليلا على صدقه وبينة على دعوته. وهو يرجو منهم أن يتركوا الناقة تأكل في أرض الله، وكل الأرض أرض الله. وهو يحذرهم أن يمسوها بسوء خشية وقوع عذاب الله عليهم. كما ذكرهم بإنعام الله عليهم: بأنه جعلهم خلفاء من بعد قوم عاد.. وأنعم عليهم بالقصور والجبال المنحوتة والنعيم والرزق والقوة. لكن قومه تجاوزوا كلماته وتركوه، واتجهوا إلى الذين آمنوا بصالح، يسألونهم سؤال استخفاف وزراية: " أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ"؟! قالت الفئة الضعيفة التي آمنت بصالح: " إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ " فأخذت الذين كفروا العزة بالإثم و قالوا لهم: "إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ. فتآمروا على الناقة...... " ******* من هدي الائمة (عليه السلام) *يقول الإمام علي (عليه السَّلام): "وإنّما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمّهم الله بالعذاب لمّا عمّوه بالرضا" *قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "من شهد أمراً فَكرِهه كمن غاب عنه ومن غاب عن أمر فرضيه كمن شهده" *ويقول الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام): "لو أنّ رجلاً قُتل في المشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند الله عزَّ وجلَّ شريك القاتل" ******* دروس و عبر *جاء في الرّوايات الإسلامية أنّ الذي عقر الناقة هو جميع المخالفين من قوم صالح «ثمود» ويقول بصيغة الجمع: (فعقروه) وذلك لأنّ الإسلام يعدّ الرضا الباطني في أمر ما والإرتباط معه إرتباطاً عاطفياً بمنزلة الاشتراك فيه. *والإسلام منذ الخطوة الاُولى يهتم بايجاد اصلاحات في روح الإنسان ونفسه لإصلاح عمله تلقائياً، وعلى ضوء الرّوايات فإنّ أي مسلم يبلغه أنّ فلاناً عمل عملاً صالحاً ـ أو سيئاً ـ ينبغي أن يتخذ الموقف الصحيح من ذلك العمل فوراً ويجعل قلبه وروحه منسجمين مع «الصالحات» وأن ينفر من «السيئات» فهذا السعي و«الجد» الداخلي لا شك سيكون له أثر في أعماله، وسيعمّق الترابط بين الفكر والعمل. *نستفيد من الايات ان المعجزة الالهية يجب ان تكون واضحة وقابلة للفهم وهذه الحقيقة يشير اليها قوله تعالى (هذه) فى عبارة "وَ يا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً". * ان انتهاك حرمات الله تعالى يتبع العذاب الذى يقع قريبا كما يوكد هذا الامر قوله تعالى "وَ لا تَمَسُّوها بِسُوء فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَريبٌ". وهذا الوعد بالعذاب يجب ان لا يستهزء به لان الله يصفه بالوعد غير المكذوب "وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوب". ******* قصة نبي الله صالح (علیه السلام) 1 - 48 2011-01-17 13:54:33 2011-01-17 13:54:33 http://arabic.irib.ir/programs/item/7174 http://arabic.irib.ir/programs/item/7174 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة على خير خلقه محمد وآله الطاهرين، اهلاً ومرحبا بكم الى برنامج (القصص الحق) أيها الاحبة في هذه الحلقة من البرنامج نحط رحلنا عند قصة نبي الله صالح التي وردت في القرآن الكريم ضمن سورة هود _عليه السلام_ وبالتحديد من الآية الحادية والستين الى الثالثة والستين فأهلاً بكم الى هذا البرنامج القرآني الذي يتضمن الفقرات التالية: بداية ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الآيات، ثم نمر على شرح مفردات هذه الآيات ونتعرف على معاني عباراتها. نستمع الى اجابة سماحة السيد عبدالسلام زين العابدين عن تساؤل بخصوص مفهوم الاستعمار، نعود اليكم وفقرة القصة لنستمع الى الحكاية ذاتها تقدم لكم فقرة من هدي الائمة _عليه السلام_ ورواية عن رسول الله _صلى الله عليه وآله وسلم_ بالموضوع واخيراً مع دروس وعبر مستفادة في الآيات فأهلاً بكم. ******* المقدمة انتهت قصّة «عاد قوم هود» بجميع دروسها بشكل مضغوط ، وجاء الدور الآن لثمود «قوم صالح» وهم الذين عاشوا في وادي القرى بين المدينة والشام ، حسب ما تنقله التواريخ عنهم، أرسل الله صالحا _عليه السلام_ إلى قوم ثمود وكانوا قوما جاحدين آتاهم الله رزقا كثيرا ولكنهم عصوا ربهم وعبدوا الأصنام وتفاخروا بينهم بقوتهم فبعث الله إليهم صالحا مبشرا ومنذرا ولكنهم كذبوه وعصوه وطالبوه بأن يأتي بآية ليصدقوه فأتاهم بالناقة وأمرهم أن لا يؤذوها ولكنهم أصروا على كبرهم فعقروا الناقة وعاقبهم الله بالصاعقة فصعقوا جزاء لفعلتهم ونجى الله صالحا والمؤمنين...... سنتعرف علی تفاصيل الحکاية خلال هذا البرنامج. فتابعونا مشکورين حتی نستمع الی تلاوة الايات 61 الی 63 من سورة هود المبارکة .... ******* التلاوة "وإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِله غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ واسْتَعْمَرَكُمْ فيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَريبٌ مُجيبٌ 61 قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فينا مَرْجُوّاً قَبْلَ هذا أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإِنَّنا لَفي شَكّ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُريب62 قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي وآتاني مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُني مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزيدُونَني غَيْرَ تَخْسير 63" ******* المفردات أيها الکرام القرآن الکريم حين يتحدث عن نبيّ قوم ثمود «صالح» يذكره على أنّه أخوهم ، وأي تعبير أروع وأجمل منه حيث بيّنا قسماً من محتواه في الحلقات الماضية حيث تحدثنا عن نبی الله هود _عليه السلام_، فالنبی يمثل أخا حنونا ودودا مشفقا ليس له هدف إلاّ الخير لجماعته. ونجد أيضاً أنّ منهج الأنبياء جميعاً يبدأ بمنهج التوحيد ونفي أي نوع من أنواع الشرك وعبادة الأوثان التي هي أساس جميع المتاعب فيقول صالح _عليه السلام_ لقومه "وإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِله غَيْرُهُ". ولكي يحرك إحساسهم بمعرفة الحق أشار إلى عدد من نعم الله المهمّة التي استوعبت جميع وجودهم فقال : "هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ". فما قيمة هذه الأرض والتراب، امام هذا الوجود العظيم والخلقة البديعة؟ ترى هل يجيز العقل أن يترك الإنسان خالقه العظيم الذي لديه هذه القدرة العظيمة وهو واهب هذه النعم، ثمّ يمضي إلى عبادة الأوثان التي تثير السخرية. ثمّ يُذكّر هؤلاء المعاندين بعد أن أشار إلى نعمة الخلقة بنعم اُخرى موجودة في الأرض حيث قال : "واسْتَعْمَرَكُمْ فيها". أصل «الاستعمار» و«الإعمار» في اللغة يعني تفويض عمارة الأرض لأي كان، وطبيعي أنّ ذلك يلزم جعل الوسائل والأسباب في اختيار من يفوّض إليه ذلك تحت تصرفه. و قد كان قوم ثمود يملکون أراضي خصبة وخضراء ومزارع كثيرة الخيرات والبركات، وكانوا يبذلون في الزراعة ابتكارات وقدرات واسعة، وإلى ذلك كله كانت أعمارهم مديدة وأجسامهم قويّة وكانوا متطورين في بناء المساكن والبيوت، كما يقول القرآن الكريم: "وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ".الحجر82 فلانّ الامر کذلک يقول لهم صالح "واسْتَعْمَرَكُمْ فيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَريبٌ مُجيبٌ". والآن لنلاحظ ما الذي كان جواب المخالفين لنبيّ الله «صالح (عليه السلام)» إزاء منطقه الحي الداعي إلى الحق: "قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فينا مَرْجُوّاً قَبْلَ هذا". بمعنی وكنّا نتوجه إليك لحل مشاكلنا ونستشيرك في اُمورنا، لكن رجاءنا فيك ذهب ادراج الرياح، حيث خالفت ما كان يعبد آباؤنا من الأوثان وهو منهج اسلافنا ومفخرة قومنا، فأبديت عدم احترامك للأوثان وللكبار وسخرت من عقولنا " أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا"والحقيقة أننا نشكُّ في دعوتك للواحد الأحد"وإِنَّنا لَفي شَكّ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُريب". لكن هذا النّبي الكبير لم ييأس من هدايتهم ولم تؤثر كلماتهم المخادعة في روحه الكبيرة فأجابهم قائلاً: " يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً" أفأسكت عن دعوتي ولا أبلغ رسالة الله ولا أواجه المنحرفين "فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ" ولكن اعلموا أن كلامكم هذا واحتجاجكم بمنهج السلف والآباء لا يزيدني إلاّ إيماناً بضلالتكم وخسرانكم: "فما تزيدونني غير تخسير ". ******* المحاور: مستمعينا الافاضل يبدو في قوله تعالى "هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ واسْتَعْمَرَكُمْ فيها" نجد ان الله تعالى يشير الى استعمار الانسان في الارض لكن ان لمفردة الاستعمار استخداماً اخر في زمننا المعاصر اذ تطلق على الدول المستكبرة التي تتطاول على حقوق الدول الضعيفة وهي بعيدة بالطبع عن مقصودة الاية فلنسامع الى ما تفضل به سماحة السيد عبد السلام زين العابدين الاستاذ في الحوزة العلمية من مدينة قم المقدسة وهو يسلط الضوء على هذا المفهوم زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم، طبعاً احسنتم يعني الاستعمار الان يدعي طلب العمارة او الاعمار بأن يطلب من الانسان ان يجعل الارض عامرة تصلح لأن ينتفع بها "هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ واسْتَعْمَرَكُمْ فيها" كما كان يقول صالح عليه السلام لقومه الذين كاوا يعبدون ارباباً من دون الله عزوجل لظنهم ان هذه الارباب هي التي تدبر الامور وان الله عزوجل بعيد، يؤمنون بالله ولكن هذه ارباب في الارض فصالح عليه السلام يقدم لهم دليلاً دامغاً ان الله هو الذي انشأكم من الارض واستعمركم فيها يعني خلق الانسان بمواصفات راقية واعطاه القابلية على العلم والتعلم المستمر ليستثمر الارض ويستعمرها ويسخرها لصالحه كما نقرأ في سورة ابراهيم _عليه السلام_ "وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ{32} وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ{33}" وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا..." اين المشكلة؟ المشكلة "إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ{34}" الانسان ظلوم يعني سوء توزيع وكفار قلة انتاج، لايستثمر هذه الموارد، موارد الارض بصورة صحيحة فأذن حينما يطلق الله عزوجل كلمة استعمركم تختلف عما يراد منها في كلمة الاستعمار الحالية طبعاً الاستعمار حينما جاءت الدول الغربية واستعمرت وغزت الدول الشرقية او العربية والاسلامية هذا الاستعمار طبعاً سموا انفسهم استعمار لأنه دائماً المفسد يحاول ان يأتي بثوب المصلح دائماً وابداً في كل عصر وجيل المفسد لايقول انا مفسد وانما يؤطر افساده بشعارات اصلاحية والقرآن الكريم في سورة البقرة في الاية الحادية عشرة يكلمنا والثانية عشرة كذلك عن هؤلاء "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ" البقرة11 يعني هؤلاء المفسدون يدعون الاصلاح دائماً وابداً "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ{11} أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ{12}" فأذن استعمركم يعني الاستعمار الغربي حينما اطلق على نفسه استعمار من اجل ان يؤطر افساده واستغلاله لموارد وثروات ونهب الثروات النفطية وغير النفطية فأطلق على نفسه استعمار من اجل ان يحسن صورته في العالم الاسلامي والا الاستعمار الموجود في القرآن الكريم "هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا" معناها طلب العمارة وان يطلب من الانسان كما قلنا ان يستثمر الارض بعقله الفذ لأن الانسان يمتاز بالعلم والقابلية الكبيرة على استثمار البحار والانهار والجو كذلك يعني هذا التسخير العظيم للجو، هذه الامواج، هذه النقالات، الطائرات هذا كله الانسان عقله يستثمر ويستعمر الارض ومافيها وما عليها. ******* في قوله "هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا" نجد ان الله تعالی يشير الی استعمار الانسان للارض لکن يبدو ان لمفردة الاستعمار استخداما اخر في زماننا المعاصر اذ تطلق علی الدول المستکبرة التي تتطاول علی حقوق الدول الضعيفة وهي بالطبع بعيدة عن مقصود الاية فلنستمع الی ما تفضل به زين العابدين وهو يسلط الضوء علی هذا المفهوم ؟ ******* القصة صالح _عليه السلام_ جاء قوم ثمود بعد قوم عاد، وتكررت قصة العذاب بشكل مختلف مع ثمود. كانت ثمود قبيلة تعبد الأصنام هي الأخرى، فأرسل الله سيدنا "صالحا" إليهم.. وقال صالح لقومه: "يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ " نفس الكلمة التي يقولها كل نبي.. لا تتبدل ولا تتغير، كما أن الحق لا يتبدل ولا يتغير.. فوجئ الكبار من قوم صالح بما يقوله.. إنه يتهم آلهتهم بأنها بلا قيمة، وهو ينهاهم عن عبادتها ويأمرهم بعبادة الله وحده. وأحدثت دعوته هزة كبيرة في المجتمع.. وكان صالح معروفا بالحكمة والنقاء والخير. كان قومه يحترمونه قبل أن يوحي الله إليه، ويرسله بالدعوة إليهم.. وقال قوم صالح له: "قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ". تأمل وجهة نظر الكافرين من قوم صالح. إنهم يدلفون إليه من باب شخصي بحت. لقد كان لنا رجاء فيك. كنت مرجوا فينا لعلمك وعقلك وصدقك وحسن تدبيرك، ثم خاب رجاؤنا فيك.. أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟! يا للكارثة.. كل شيء يا صالح إلا هذا. ما كنا نتوقع منك أن تعيب آلهتنا التي وجدنا آبائنا عاكفين عليها.. وهكذا يعجب القوم مما يدعوهم إليه. ويستنكرون ما هو واجب وحق، ويدهشون أن يدعوهم أخوهم صالح إلى عبادة الله وحده. لماذا؟ ما كان ذلك كله إلا لأن آبائهم كانوا يعبدون هذه الآلهة. ******* من هدي الائمة جاء فی احدی الروايات انه: لما مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحجر ((و المقصود هنا المکان الذی کان يعيش فيه قوم ثمود)) قال _صلى الله عليه وآله وسلم_ لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي. و نورد في ذيل الاية "هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ واسْتَعْمَرَكُمْ فيها " رواية عن الامام الحسن _عليه السلام_ يوصی فيها احد اصحابه وهو جنادة فيقول له: واعلم أنَّ الدنيا في حلالها حساب، وفي حَرامها عقاب، وفي الشُّبُهات عِتاب. فَأَنزِلِ الدنيا بمنزلة الميتة، خُذْ منها ما يكفيك ، فإن كان حلالاً كنتَ قد زهدْتَ فيه، وإن كان حراماً لم يكن فيه وِزْر، فأخذت منه كما أخذت من الميتة، وإن كان العقاب فالعقاب يسير. واعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ً . ******* دروس وعبر الطريف أنّ القرآن يقول "هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فيها بمعنی فوّض إليكم إعمار الأرض ولم يقل: إنّ الله عمر الأرض وجعلها تحت تصرفكم". *اذ تشير عبارة "اسْتَعْمَرَكُمْ فيها " إلى أنّ الوسائل والامکانيات معدّة فيها لكل شيء وعليكم إعمارها بالعمل والسعي المتواصل والسيطرة على مصادر الخيرات فيها. وبدون ذلك لا حظّ لكم في الحياة الكريمة. * الامر الاخر الذی يستفاد من الاية هو ان الاسلام يجمع بين الدنيا والاخرة اذ يدعو الی اعمار الارض والاستغفار في ان واحد "اسْتَعْمَرَكُمْ فيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ". *ان الله تعالی قريب من العباد وانه اقرب الينا من حبل الوريد فهو حسب قوله تعالی قريب مجيب الا ان الاعمال والافکار هي التي تحجب الانسان عن رؤية جمال الخالق بعين القلب. * فی قوله تعالی "قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فينا مَرْجُوّاً قَبْلَ هذا اَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإِنَّنا لَفي شَكّ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُريب " نجد أن القوم الضّالين يلتجؤون تحت غطاء الاسلاف والآباء الذين تحيط بهم هالة من القدسية لتوجيه أخطائهم وأعمالهم وأفكارهم غير الصحيحة، وهو ذلك المنطق القديم الذي كان يتذرع به المنحرفون وما زالوا يتذرعون به في عصر الذّرة والفضاء أيضا. *يشير قوله تعالی "فَمَنْ يَنْصُرُني مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ" الی ان العذاب الإلهیّ يرصد الانبياء ان لم يطيعوا اوامر الله تعالی. *علی الداعي الی الله ان لا يميل الی مطاليب المنحرفين من الناس لان ذلک يؤدی الی الخسارة کما قال ذلک صالح _عليه السلام_:"فَما تَزيدُونَني غَيْرَ تَخْسير ". ******* قصة نبي الله هود (علیه السلام) 3 - 47 2011-01-04 10:40:11 2011-01-04 10:40:11 http://arabic.irib.ir/programs/item/6932 http://arabic.irib.ir/programs/item/6932 بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله رب العالمين والصلاة على محمد وآل الطيبين الطاهرين. السلام عليكم أحبة الايمان ورحمة الله وبركاته. يشرفنا ويسعدنا أن نلقاكم عبر هذه المائدة السماوية التي من الله بها علينا، برنامج القصص الحق حيث نكمل الحديث عن حياة نبي الله هود (ع) التي ذكرها القرآن الكريم في سورة هود من الآية 58 حتى 60 فاهلاً بكم الى المحطات التالية. ايها الاحبة بعد المقدمة نستمع الى تلاوة لهذه الايات ثم نتعرف واياكم على اهم مفرداتها ومداليل عباراتها ثم نستمع الى اجابة خبير هذا اللقاء عن سؤال حول اسم "الجبار" – بعد ذلك ندعوتم لمتابعة محطة القصة ثم نستفير بهدي الائمة (ع) عن طبيعة قوم عاد واخيراً مع باقة من الدروس المستقاة من هذه الحكاية القرانية. فأهلاً بكم ومرحباً. ******* المقدمة هذه الآيات هي التي تتحدث عن قصّة قوم عاد ونبيّهم هود_عليه السلام_ وهي تشير إلى ان الله تعالى نجى نبيه ومن امن معه من العقاب الأليم الذي لحق بالمعاندين لعدم اخضاعهم لله تعالى وطاعة رسولهم هود _عليه السلام_، ثم تتحدث عن اللعنة الدنيوية والاخروية. تعالوا معا نشنف الاسماع بتلاوة هذه الايات لنعود ونتحدث عن شرح مبسط للمفردات والمعانى التى تحملها الايات. ******* التلاوة "ولَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً والَّذينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنّا ونَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذاب غَليظ 58 وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّار عَنيد 59 وأُتْبِعُوا في هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعاد قَوْمِ هُود 60" ******* المفردات تقول الآية 58 من سورة هود: "وَ لَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً والَّذينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنّا ونَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذاب غَليظ" لتكرار كلمة "نَجَّيْنا" في الآية مرّتين، أقوال مختلفة للمفسّرين، ف" نَجَّيْنا" الأولى تعني خلاصهم من عذاب الدنيا و"نَجَّيْنا" الثّانية تعني نجاتهم في المرحلة المقبلة من عذاب الآخرة، وينسجم هذا التعبير مع وصف العذاب بالغلظة أيضاً. ويشير بعض المفسرين إلى مسألة لطيفة هنا، وهي أنّ الكلام لما كان على رحمة الله فمن غير المناسب أن تتكرر كلمة العذاب مباشرة، فأين الرحمة من العذاب؟ لذلك تكررت كلمة "نَجَّيْنا" لتفصل بين الرحمة والعذاب دون أن ينقص شيء من التأكيد على العذاب. وهناك تناسب ينبغي ملاحظته أيضاً، وهو أنّ قوم عاد كما سيأتي بيان حالهم إن شاء الله ورد ذكرهم في سورة القمر، والحاقة، وكانوا قوماً ذوي اجسام طوال، فشبّهت أجسامهم بالنخل، ولهذا السبب كانت لديهم عمارات عالية عظيمة، بحيث نقرأ في تاريخ ما قبل الإسلام أن العرب كانوا يَنسبون البناءات الضخمة والعالية إلى عاد ويقولون مثلا: " هذا البناء عاديٌ " لذلك كان عذابهم مناسباً لهم لا في العالم الآخر بل في هذه الدنيا كان عذابهم خشناً وعقابهم صارماً. ثمّ تلخّص الآيات ذنوب قوم عاد في ثلاثة مواضيع: الأوّل: بسبب إنكارهم لآيات الله وعنادهم لم يتركوا دليلا واضحاً وسنداً بيّناً على صدق نبوة نبيّهم إلاّ جحدوه "وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ". والثّاني: إنّهم من الناحية العملية لم يتّبعوا أنبياء الله "وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ" وإنّما جاءت الرسل بصيغة الجمع، إمّا لأن جميع دعوات الأنبياء هي نحو حقيقة واحدة وهي "التوحيد وفروعه" فإنكار دعوة نبي واحد يُعدّ إنكاراً لجميع الأنبياء، أو أن هوداً دعاهم للإيمان بنبوة الأنبياء السابقين أيضاً، وكانوا ينكرون ذلك. والثّالث من الذنوب: إنهم تركوا طاعة الله ومالوا لكل جَبّار عنيد "واتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّار عَنيد". فأيّ ذنب أعظم من هذه الذنوب: ترك الإيمان، ومخالفة الأنبياء، والخضوع لطاعة كل جَبّار عنيد. و"الجَبّار" يطلق على من يضرب ويقتل ويدمر من منطلق الغضب ولا يتبع أمر العقل، وبتعبير آخر هو من يُجبر سواه على إتباعه ويريد أن يغطي نقصه بادعاء العظمة والتكبر الظاهري. و "العَنِيدٍ" هو من يخالف الحق والحقيقة أكثر ممّا ينبغي، ولا يرضخ للحق أبداً. هاتان الصفتان تتجلّيان في الطواغيت والمستكبرين في كل عصر وزمان، الذين لا يستمعون لكلام الحق أبداً ويعمدون إلى من يخالفهم بانزال أشد انواع العقاب به بلا رحمة وفي الآية الأخيرة التي تنتهي بها قصّة "هود" وقومه "عاد" بيان لنتيجة أعمالهم السيئة والباطلة حيث تقول الآية: "وأُتْبِعُوا في هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً" وبعد الموت لايبقى إلاّ خزيهم والصيت السيء "ويَوْمَ الْقِيامَةِ" يقال لهم "أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعاد قَوْمِ هُود". وكان يكفي تعريف هذه الجماعة بلفظ "عَاد" ولكن بعد ذكر عاد جاء لفظ "قَوْمِ هُود" أيضاً لتؤكّد عليهم أوّلا، ولتشير الى أنّهم القوم الذين آذوا نبيّهم الناصح لهم ثانياً، ولذلك فقد أبعدهم الله عن رحمته. يرد سؤال اذا كان الجَبّار يعكي المعنى الذي ذكرناه وهو الذي يضرب ويدمر من منطلق الغضب ويتبع امر العقل فلماذا ذكرت هذه الصفة لله عزوجل كما في سورة الحشر في الاية الثالثة والعشرين وفي سائر المصادر الاسلامية، مستمعينا مستمعاتنا للاجابة عن هذا التساؤل يتفضل سماحة السيد عبد السلام زين العابدين الاستاذ في العلوم القرآنية في المحطة التالية بالاجابة عنه، اذن نتابع معاً ******* زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم، طبعاً هذه الكلمات كلمات "الجَبّار" قد تطلق على الله عزوجل وتطلق على غيره من الطغاة والظالمين، هنا اختلف علماء اللغة والمفسرون حول اصل كلمة جَبّار ، هناك رأي يقول الجَبّار من الاجبار والقهر يعني لامن الجبر لأن جبر بينما اجبر يعني قهر وحينما يجبر خلقه الله عزوجل يجبر خلقه على ما اراد من امر ونهي يعني مشتقة من اجبر لامن جبر فالله قاهر على ما اراد بخلقه طبعاً الله عزوجل لايقهر الا بحكمة ومصلحة على مستوى التكوين وعلى مستوى التشريع لأنه رب العالمين "الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" الله رب العالمين هناك ربوبية تكوينية خلقنا بهذه الصورة، الله الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هداه هذا جبر تكويني وطبعاً جبر تكويني يكون بأعلى درجات الحكمة وهناك جبر تشريعي يعني اعطى الله عزوجل لنا الشرائع والاوامر والنواهي وعلينا ان نطبق هذه الاوامر وان كان الانسان يملك حريته ولكن سيعاقب اذا عصى وسيثاب اذا اطاع اذن هو من هذه الناحية الجَبّار يعني من الاجبار القهر سوى على مستوى التكوين او على مستوى التشريع وقلنا هذا يختلف عن الانسان، الانسان يجبر بمصلحة ذاتيه، بحماقة لأن الطاغية جَبّار كذلك فيريد ان يستعلي " إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ" فأن فرق بين ان نقول الله جَبّار يعني يجبر الخلق ويقهرهم على مستوى التكوين ومستوى التشريع وهو اجبار بحكمة ومصلحة للانسان نفسه هذا الرأي الاول، الرأي الثاني يقول الجَبّار الذي لاينال ومنه الجَبّار النخل يعني الطويل الذي لاينال بأهتضام فالله جَبّار لاينال وهناك رأي اخر ربما هو الاقرب الجَبّار يعني المصلح الغني، الجَبّار من جبر الكسير وجبر العظم وجبر المصيبة يعني نقول جبره يعني اغناه بعد فقر، جيرت فاقته يعني اذا اغنيته "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ" ولهذا قال بعض اللغويين وجائز ان يكون الجَبّار في صفة الله تعالى من جبره الفقر بالغنى وهو تبارك وتعالى جابر كل كسير وفقير وهو جابر دينه الذي ارتضاه ولهذا العلامة الطباطبائي يحتمل الرأي الاول واالرأي الثالث، يقول هكذا نص العلامة الطباطبائي " الجَبّار مبالغة من جبر الكسر" هذا المعنى الثالث طبعاً "او الذي تنفذ ارادته ويجبر على ما يشاء" " وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ" هذا هو المعنى الاول يعني المعنى الاول هو من الاجبار والقهر ولكن بحكمة ومصلحة والمعنى الثالث هو الجَبّار بمعنى المصلح الغني من جبر العظم، نحن نسميه الجبيرة المكسور حينما يسد له خشب ليصلح الكسر ولهذا الله جابر العظم الكسير اما الطاغية حينما يكون جَبّار اً طبعاً حتى بمعنى الجبر لايمكن ان يكون جَبّار اً هو يدعي انه جَبّار الطاغية ولهذا حينما نستمعل جَبّار للطغاة "وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ" بينما تستعمل لله عزوجل، ذكرتم في سورة الحشر الاية الثالثة والعشرون "هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ" يعني الذي يأخذ هذه الصفات من دون الله عزوجل ولايستمدها من الله هذا مشرك، المؤمن عزيز لأن الله عزيز، المؤمن متكبر لأن الله متكبر فيما يستوجب التكبر، التكبر على المتكبر عبادة ولهذا هذه الصفات تستمد من الله عزوجل وتكوت صفات خير لكن حينما تكون من دون الله عزوجل فتكون صفات شر عند الانسان. ******* عند تلاوة الاية المباركة "وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّار عَنيد" يَرِدُ سؤال: إذا كان الجَبّار يعطي المعنى الذى ذكرناه وهو الذي يضرب ويقتل ويدمر من منطلق الغضب ولا يتبع أمر العقل، فلماذا ذُكرت هذه الصفة لله، كما في سورة الحشر الآية 23 وسائر المصادر الإسلامية؟ ******* القصة "هلاك عاد" وهكذا أعلن هود لهم براءته منهم ومن آلهتهم. وتوكل على الله الذي خلقه، وأدرك أن العذاب واقع بمن كفر من قومه. هذا قانون من قوانين الحياة. يعذب الله الذين كفروا، مهما كانوا أقوياء أو أغنياء أو جبابرة أو عمالقة. انتظر هود وانتظر قومه وعد الله. وبدأ الجفاف في الأرض. لم تعد السماء تمطر. وهرع قوم هود إليه. ما هذا الجفاف يا هود؟ قال هود: إن الله غاضب عليكم، ولو آمنتم فسوف يرضى الله عنكم ويرسل المطر فيزيدكم قوة إلى قوتكم. وسخر قوم هود منه وزادوا في العناد والسخرية والكفر. وزاد الجفاف، واصفرت الأشجار الخضراء ومات الزرع. وجاء يوم فإذا سحاب عظيم يملأ السماء. وفرح قوم هود وخرجوا من بيوتهم يقولون: "هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا". تغير الجو فجأة. من الجفاف الشديد والحر إلى البرد الشديد القارس. بدأت الرياح تهب. ارتعش كل شيء، ارتعشت الأشجار والنباتات والرجال والنساء والخيام. واستمرت الريح. ليلة بعد ليلة، ويوما بعد يوم. كل ساعة كانت برودتها تزداد. وبدأ قوم هود يفرون، أسرعوا إلى الخيام واختبئوا داخلها، اشتد هبوب الرياح واقتلعت الخيام، واختبئوا تحت الأغطية، فاشتد هبوب الرياح وتطايرت الأغطية. كانت الرياح تمزق الملابس وتمزق الجلد وتنفذ من فتحات الجسم وتدمره. لا تكاد الريح تمس شيئا إلا قتلته ودمرته، وجعلته كالرميم. استمرت الرياح مسلطة عليهم سبع ليال وثمانية أيام لم تر الدنيا مثلها قط. ثم توقفت الريح بإذن ربها. لم يعد باقيا ممن كفر من قوم هود إلا ما يبقى من النخل الميت. مجرد غلاف خارجي لا تكاد تضع يدك عليه حتى يتطاير ذرات في الهواء. نجا هود ومن آمن معه.. وهلك الجبابرة.. وهذه نهاية عادلة لمن يتحدى الله ويستكبر عن عبادته. ******* من هدى الائمة _عليه السلام_ ورد العلامة الطباطبائى فى الميزان رواية عن اهل البيت _عليهم السلام_: أن عادا كانت بلادهم في البادية، وكان لهم زرع ونخيل كثيرة، ولهم أعمار طويلة وأجساد طويلة فعبدوا الأصنام، وبعث الله إليهم هودا يدعوهم إلى الإسلام وخلع الأنداد فأبوا ولم يؤمنوا بهود وآذوه فكفت عنهم السماء سبع سنين حتى قحطوا. ******* دروس وعبر * كما راينا فى الايات انها قبل أن تذكر عقاب الظلمة والكافرين ومجازاتهم، تبين نجاة المؤمنين وخلاصهم، لئلا يُتصور أنّ العذاب الإلهي إذا نزل يحرق الأخضر واليابس معاً لأنّ الله عادل وحكيم وحاشاه أن يعذب ولو رجلاً مؤمناً بين جماعة كفرة يستحقون العذاب والعقاب. * النقطة الاخرى هى رحمة الله التى تنقل هؤلاء الأشخاص قبل نزول العذاب إلى محل آمن كما رأينا من قبل في قصّة نوح أنّه قبل شروع الطوفان كانت سفينة النجاة قد اُعدّت للمؤمنين، وقبل أن ينزل العذاب على قوم لوط ويدمّر مدنهم خرج لوط وعدد معدود من أصحابه من المدينة ليلا بأمر الله. *يشير قوله تعالى "وَ الَّذينَ آمَنُوا مَعَهُ" الى ان الايمان بالانبياء لوحده لايكفي بل المطلوب التبعية والمعية معهم. * من اللطيف ذكره ان الله عند ما يجرى الحديث عن الرحمة فيقول " رحمة منا" ولكن عند الحديث عن العذاب فيقول " عذاب غليظ" ولم يقل عذاب منا. ******* قصة نبي الله هود (علیه السلام) 2 - 46 2010-12-20 10:55:09 2010-12-20 10:55:09 http://arabic.irib.ir/programs/item/6931 http://arabic.irib.ir/programs/item/6931 المقدمة مستمعينا الافاضل فى هذه الحلقة نتوقف عند العرض القراني لموقف قوم هود المعاندين والمغرورين مقابل نصائح أخيهم هود وتوجيهاته إليهم _عليه السلام_من الدعوة الى عبادة الله وترك عبادة الاصنام. اذن تعالوا ننصت الى القران الكريم وهو يستعرض ما جرى. ******* التلاوة "قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَة وما نَحْنُ بِتارِكي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنينَ 53 إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوء قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهَ واشْهَدُوا أَنِّي بَريءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ 54 مِنْ دُونِهِ فَكيدُوني جَميعاً ثُمَّ لاتُنْظِرُونِ 55 إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي ورَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّة إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراط مُسْتَقيم 56 فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ ولاتَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْء حَفيظٌ57" ******* المفردات قال قوم هود مخاطبين نبيهم "يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ" أي لم تأتِنا بدليل مقنع لنا ثم اضافوا "وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ" وأضافوا إلى هذه الجمل الثّلاث غير المنطقية، أنّك يا هودُ مجنون و"إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوء"فإنّهم يتهمونه بالجنون على أثر غضب آلهتهم! فإنّ هذا الكلام منهم دليل على خرافة منطقهم، وخرافة عبادة الأصنام.فالحجارة والأخشاب التي ليس فيها روح ولا شعور والتي تحتاج إلى حماية من الإنسان نفسه، كيف تستطيع أن تسلب العقل والشعور من الإنسان العاقل؟ أضف إلى ذلك، ما دليلهم على جنون هود هل هو إلاّ كونه كسر طوق «السنة المتبعة عندهم» وكان معارضاً للسنن والآداب الخرافية في محيطه على كل حال، فإنّ على هود أن يردّ على هؤلاء الضالّين اللجوجين رداً مقروناً بالمنطق، من منطلق القوّة أيضاً... يقول القرآن في جواب هود لهم "قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهَ واشْهَدُوا أَنِّي بَريءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ" يشير بذلك إلى أنّ الأصنام إذا كانت لها القدرة فاطلبوا منها هلاكي وموتي لمحاربتي لها علناً فعلام تسكت هذه الأصنام؟ وماذا تنتظر ربي؟ ثمّ يضيف أنّه ليست الأصنام وحدها لا تقدر على شيء، فأنتم مع هذا العدد الهائل لا تقدرون على شيء، فإذا كنتم قادرين "فَكيدُوني جَميعاً ثُمَّ لاتُنْظِرُونِ" فأنا لا تردعني كثرتكم ولا أعدها شيئاً، ولا أكترث بقوتكم وقدرتكم أبداً، وأنتم المتعطشون لدمي ولديكم مختلف القدرات، إلاّ أنني واثق بقدرة فوق كل القدرات،" إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي ورَبِّكُمْ" وهذا دليل على أنّني لا أقول إلاّ الحق والصدق، وأن قلبي مرتبط بعالم آخر، فإنّه "ما مِنْ دَابَّة إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها"، فما لم يأذن به الله، لا يستطيع أحد أن يفعل شيئاً. ولكن اعلموا أيضاً أنّ ربّي القدير ليس كالاشخاص المقتدرين الذين يستخدمون قدرتهم للهو واللعب والأنانية وفي غير طريق الحق، بل هو الله الذي لا يفعل إلاّ الحكمة والعدل "إِنَّ رَبِّي عَلى صِراط مُسْتَقيم" قوله تعالى: «و يستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ» هذا وعيد وإخبار بالتبعة التي يستتبعها إجرامهم، فإنه كان وعدهم إن يستغفروا الله ويتوبوا إليه أن يرسل السماء عليهم مدرارا ويزيدهم قوة إلى قوتهم، ونهاهم أن يتولوا مجرمين ففيه العذاب الشديد. و قوله: "ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ" أي يجعل قوما غيركم خلفاء في الأرض مكانكم وقد كان هود _عليه السلام_ بين لقومه أنهم خلفاء في الأرض من بعد قوم نوح كما جاء ذلك فى سورة الأعراف: "وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً" و قوله: "وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً" أي لا تقدرون على إضراره بشيء من الفوت وغيره إن أراد أن يهلككم ولا أن تعذيبكم وإهلاككم يفوت منه شيئا مما يريده فإن ربي على كل شيء حفيظ لا يعزب عن علمه عازب ولا يفوت من قدرته فائت. يقول الباري تعالى عن لسان قوم هود "قالوا ياهود ما جئتنا ببينة" السؤال الذي يطرح نفسه هو هل صحيح ان هوداً عليه السلام لم يأتي بالبينة اي المعجزة لقومه في حين ان الله تعالى ارسل الانبياء بالبينات، نستمع معاً الى الاجابة التي تفضل بها سماحة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرانية من مدينة قم المقدسة يجيب عن هذا التساؤل مشكوراً ******* زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم قالوا "قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَة وما نَحْنُ بِتارِكي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنينَ" قطعاً هذا ادعاء كاذب لأن لابد لكل نبي ببينة، هنا البينة بمعنى المعجزة، كل نبي يأتي بمعجزة تدل على صدق نبوته وصدق رسالته، طبعاً الاقوام ولاسيما قوم هود كما عرفنا من الحلقة السابقة قوم هود كانوا طغاة يعني بنوا مدن ضخمة وكبيرة وطبعاً "إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى{6} أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى{7}" بحيث ان القرآن يقول في سورة الفجر "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ{6} إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ{7} الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ{8}" يعني طبعاً هذه المدنية الكبيرة، هذه الحضارة الكبيرة عادة تؤدي الى الطغيان والى عدم الاعتراف بأي بينة وبأي معجزة وذهب بعض المفسرين يعني اختلف العلماء في ماهي معجزة هود عليه السلام؟ يظهر من السياق ان معجزة هود عليه السلام كانت تلك السلطة التي تمنع القوم من ان يمسوه بسوء مع انه تحداهم جميعاً واستفزهم بقوله "إِنِّي أُشْهِدُ اللّهَ واشْهَدُوا أَنِّي بَريءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكيدُوني جَميعاً ثُمَّ لاتُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي ورَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّة إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها" هذا التحدي العظيم يعني هود كان لوحده امام طغاة، امام دولة كبرى "إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ" هذا التحدي الكبير "فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ" يعني لاتتأخروا بي، بقتلي بسجني، بمسي بسوء مع ذلك لم يستطع القوم ان يمسوه بسوء، بعض العلماء في التفاسير قالوا ان معجزة هود هي نفس هذه السلطة التي تمنع هؤلاء الطغاة من ان يمسوه بسوء وقد ذهب الى هذا الرأي العلامة الطباطبائي رضوان الله تعالى عليه في تفسير الميزان اذ يرى ان هوداً عليه السلام مع كل هذا التحدي بقوله "فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ" بقي بينهم في عافية وسلامة، لايمسوه بسوء ولايستطيعون ان ينالوه بشر يقول هذا نفسه آية معجزة وحجة سماوية على انه رسول الله اليهم. طبعاً هذا رأي لطيف استفاده العلامة الطباطبائي من السياق ان عدم استطاعة هؤلاء القوم رغم مايملكون من قوة ومايملكون من سلطة ومايملكون من جبروت، هؤلاء ارم ذات العماد رغم كل ذلك وتحداهم لوحده مع ذلك لم يستطيعوا ان يمسوه بسوء، هناك سلطان من الله عزوجل كان لهود عليه السلام، سلطان تكويني ربما تكون هي هذه المعجزة وربما تكون هناك معجزة له اخرى لم يتحدث عنها القرآن الكريم. ******* يقول البارى تعالى عن لسان قوم هود "قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَة"هل صحيح ان هودا _عليه السلام_لم يات بالبينة اى المعجزة لقومه فى حين ان الله تعالى ارسل الانبياء بالبينات ؟ قصة نبي الله هود (علیه السلام) 2 مستمعينا الكرام بلغ بنا الحديث ان قوم هود _عليه السلام_اتهموا نبيهم بانه يبحث عن الاجر المادى لما يقوم به من انذارهم ودعوتهم الى التوحيد وترك عبادة الاصنام الا ان هودا افهمهم أن أجره على الله، إنه لا يريد منهم شيئا غير أن يغسلوا عقولهم في نور الحقيقة. فحدثهم عن نعم الله العديدة عليهم، لكن القوم الذين وجدوا انفسهم اقوى الامم استكبروا وعتوا عن امر ربهم فجادلواهودا الذى كان يحقر الاصنام التى كانوا يعبدونها من دون الله . فقالوا لهود: كيف تتهم آلهتنا التي وجدنا آباءنا يعبدونها؟ قال هود: كان آباؤكم مخطئين. قال قوم هود: هل تقول يا هود إننا بعد أن نموت ونصبح ترابا يتطاير في الهواء، سنعود إلى الحياة؟ قال هود: ستعودون يوم القيامة، ويسأل الله كل واحد فيكم عما فعل. هنا انفجرت الضحكات بعد هذه الجملة الأخيرة. ما أغرب ادعاء هود. هكذا تهامس الكافرون من قومه. إن الإنسان يموت، فإذا مات تحلل جسده، فإذا تحلل جسده تحول إلى تراب، ثم يهب الهواء ويتطاير التراب. كيف يعود هذا كله إلى أصله؟! ثم ما معنى وجود يوم للقيامة؟ لماذا يقوم الأموات من موتهم؟ استقبل هود كل هذه الأسئلة بصبر كريم.. ثم بدأ يحدث قومه عن يوم القيامة.. أفهمهم أن إيمان الناس بالآخرة ضرورة تتصل بعدل الله، مثلما هي ضرورة تتصل بحياة الناس. قال لهم ما يقوله كل نبي عن يوم القيامة. حدثهم هود بكل ذلك فاستمعوا إليه ولكن كذبوه. قالوا له هيهات هيهات.. ثم قال رؤساء قوم هود: أليس غريبا أن يختار الله من بيننا بشرا ويوحي إليه؟ تسائل هو: ما هو الغريب في ذلك؟ إن الله الرحيم بكم قد أرسلني إليكم لأحذركم. إن سفينة نوح، وقصة نوح ليست ببعيدة عنكم، لا تنسوا ما حدث، لقد هلك الذين كفروا بالله، وسيهلك الذين يكفرون بالله دائما، مهما يكونوا أقوياء. قال رؤساء قوم هود: من الذي سيهلكنا يا هود؟ قال هود: الله. قال الكافرون من قوم هود: ستنجينا آلهتنا. وأفهمهم هود أن هذه الآلهة التي يعبدونها لتقربهم من الله، هي نفسها التي تبعدهم عن الله. أفهمهم أن الله هو وحده الذي ينجي الناس، وأن أي قوة أخرى في الأرض لا تستطيع أن تضر أو تنفع. واستمر الصراع بين هود وقومه. وكلما استمر الصراع ومرت الأيام، زاد قوم هود استكبارا وعنادا وطغيانا وتكذيبا لنبيهم. وبدءوا يتهمون "هودا" عليه السلام بأنه سفيه مجنون. قالوا له يوما: لقد فهمنا الآن سر جنونك. إنك تسب آلهتنا وقد غضبت آلهتنا عليك، وبسبب غضبها صرت مجنونا. عندئذ لم يبق لهود إلا التوجه إلى الله وحده فقال هود: "إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ" ******* من هدى الائمة _عليه السلام_ في تفسير العياشي، عن أبي عمرو السعدي قال: قال علي بن أبي طالب _عليه السلام_: في قوله: "إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" يعني أنه على حق يجزي بالإحسان إحسانا، وبالسيىء سيئا، ويعفو عمن يشاء ويغفر، سبحانه وتعالى عمن يشاء. ******* دروس وعبر * النقطة المهمة التى تشير اليها عبارة "وما نَحْنُ بِتارِكي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ" هى ان سبب رفض الكفار للايمان بالله لم يكن عدم اتيان النبى هود بالبينة حسب زعمهم بل انهم لم يؤمنوا به بسبب قول هود _عليه السلام_كما تقول الاية "وما نَحْنُ بِتارِكي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ" *لا شكّ أنّ هوداً ـ كأي نبي من الأنبياء ـ أدّى دوره ووظيفته وأظهر المعجزة أو المعجزات لقومه للتدليل على حقانيته، ولكنّهم لغرورهم ـ مثل سائر الأقوام ـ أنكروا معاجزه وعدوّها سحراً وعبارة عن سلسلة من المصادفات والحوادث التي لايمكن أن تكون دليلا على المطلوب *ليس جديداً وصف الكفار الانبياء بانهم مجانين، فالتاريخ السالف والمعاصر مليءٌ بنسبة الجنون إلى الأشخاص الثائرين على الخرافات والعادات السيئة والمواجهين للاستعمار، فعلى الذى يسير فى سيرة الانبياء عليه ان لا يكترث بهذه الامور بل يستعد لمواجهتها. * ان حياة الامم او سقوطها يخضعان للسنن والقوانين الكونية الإلهية ويمكن الاشارة الى ان الشرك وارتكاب الاثام وعداء الانبياء والظلم وغيره تدخل في اسباب انهيار وسقوط المجتمعات والامم و هذا ما يشير اليه قوله تعالى: " فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غيركم". ******* قصة نبي الله هود (عليه السلام) 1 - 45 2010-12-13 11:10:42 2010-12-13 11:10:42 http://arabic.irib.ir/programs/item/6927 http://arabic.irib.ir/programs/item/6927 بسم الله الرحمن الرحيم اله الهداة الابرار- مستمعينا الافاضل السلام عليكم ورحمة الله وبركاته –اجمل ترحيب بكم وانتم برفقة هذا اللقاء القراني عبر برنامج القصص الحق –ايها الاحبة في هذه الحلقة نعرج على ذكر نبي الله هود (عليه السلام) وقصته (عليه السلام) مع قومه وقد ذكرت في سورة سميت باسمه (عليه السلام) هي سورة هود المباركة. من الاية 50 وحتى 52 على أن نكمل القصة في الحلقات القادمة. فتابعونا ضمن الفقرات التالية. بدأ نشنف الأسماع بتلاوة قريلة لهذه الايات – ثم نشرح لكم معاني عباراتها ومفرداتها *نستمع معاً الى اجابة خبير هذا اللقاء عن سؤال حول قضية التعقل المذكور في الاية 51 من سورة هود. * ثم نتابع معاً سرد القسم الاول من حكاية نبي الله هود (عليه السلام) *على أن نحط رحلنا عند الثقل الأصغر وهم أهل البيت (عليه السلام) ورواية بالموضوع *ومسك الختام مع شيء من الدروس المستقاة من آيات هذه الحلقة. فتابعونا مشكورين.... ******* المقدمة ذكرت في سورة هود(عليه السلام) قصص خمسة انبياء عظام وما واجههوه من شدائد وصعاب في دعواتهم والنتائج امترتبة عليها واليوم نشرع بالحديث عن قصة نبي الله هود (عليه السلام) في حلقات حسبما ذكرت في القرآن الكريم في سورة هود. ******* التلاوة وَ إِلى عاد أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِله غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُفْتَرُونَ 50 يا قَوْمِ لاأَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى الَّذي فَطَرَني أَ فَلا تَعْقِلُونَ 51 وَ يا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَ يَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَ لاتَتَوَلَّوْا مُجْرِمينَ 52 " ******* المفردات يقول سبحانه في الآية الاُولى من هذه القصّة.. " وَ إِلى عاد أَخاهُمْ هُوداً " ونلاحظ في الآية أنّها وصفت هوداً بكونه " أَخاهُمْ " وهذا التعبير جار في لغة العرب. حيث يطلقون كلمة أخ على جميع أفراد القبيلة لانتسابهم إلى أصل واحد.. فمثلا يقولون في الأسدي " أخو أسد " وفي الرجل من قبيلة مذحج " أخو مذحج " أو أنّ هذا التعبير يشير إلى أنّ معاملة هود لهم كانت أخوية. كان أوّل دعوة هود ـ كما هو الحال في دعوة الأنبياء جميعاً ـ توحيد الله ونفي الشرك عنه " قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِله غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُفْتَرُونَ ". فيخاطبهم هود ان هذه الأصنام ليست شركاءالله، ولا منشأ الخير أو الشرّ، ولا يصدر منها أي عمل، وأي افتراء أعظم وأكبر من نسبة كل هذا المقام والتقدير لهذه الموجودات "الأصنام" التي لا قيمة لها إطلاقاً. ثمّ يضيف هود قائلا لقومه: " يا قَوْمِ لاأَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً " بمعنى لا تتصوروا أن دعوتي لكم من أجل المال، فأنا لا اُريد منكم أي أجر فأجري وحده على من فطرني ووهبني الروح وأنا مدين له بكل شيء، فهو الخالق والرازق " إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى الَّذي فَطَرَني " إنّما أفعل ذلك طاعةً لأمره، ولذلك ينبغي طلب الأجر منه وحده لا منكم، وإضافة إلى ذلك فهل لديكم شيء من عندكم، فكل ما هو لديكم منه سبحانه"أَفَلا تَعْقِلُونَ ". ******* ثمّ شرع هود ببيان الأجر المادي للإيمان لغرض التشويق والاستفادة من جميع الوسائل الممكنة لإيقاظ روح الحق في قومه الظالّين، فبيّن أن هذا الأجر المادي مشروط بالايمان فيقول:"وَ يا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ " فإذا فعلتم ذلك فإنّه " يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً " « مِدْراراً » مشتق من «درّ» وهو انصباب حليب الأثداء، ثمّ استعمل في انصباب المطر، والطريف في الآية أنّها لا تعبر بـ «ينزل المطر من السماء» بل قالت: " يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً " بمعنى أنّ المطر يهطل بشكل غزيره حتى كأنّ السماء تهطل، وملاحظة أنّ مدراراً صيغة مبالغة أيضاً فيستفاد غاية التوكيد من هذه الجملة و معنى ذلک لئلا تصاب مزارعكم بقلة الماء أو القحط، بل تظل خضراء مثمرة دائماً، وزيادة على ذلك فإنّ الله بسبب تقواكم وابتعادكم عن الذنوب والتوجه إليه يرعاكم"وَ يَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ " . فلا تتصوروا أنّ الإيمان والتقوى يضعفان من قوتكم أبداً، بل إنّ قواكم الجسميّة ستزداد بالاستفادة من القوّة المعنوية... وبهذا الدعم المهم ستقدرون على عمارة المجتمع وبناء حضارة كبيرة واُمّة مقتدرة تتمتع باقتصاد قوي وشعب حر مستقل، فعلى هذا إيّاكم والإبتعاد عن طريق الحق " وَ لاتَتَوَلَّوْا مُجْرِمينَ ". ******* نستمع الى الاجابة التالية التي تفضل بها سماحة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من مدينة قم المقدسة، تفضل بالاجابة عن هذا السؤال زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً هذا سؤال مهم وممتاز في قضية هود عليه السلام " يا قَوْمِ لاأَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى الَّذي فَطَرَني أَفَلا تَعْقِلُونَ " هذه الكلمة قالها كل الانبياء الى اقوامهم، هذا يثبت مدى صحة رسالتهم لأن هناك قد يكون اتهام، اولاً انه اتهام قد يكون هذا الشخص جاء من اجل منافع مالية، من اجل منافع ذاتية، مصلحية هو بنفسه يريد ان يكون سلطة او يريد ان يكون دولة ثانياً هذا الامر لم يكن فقط عبثاً وانما لابد ان يكون هناك من اجر على الله عزوجل فالامر الاول هو انه لافائدة للنبي مالية ولاسياسية ولاوجاهة اجتماعية، هذا اكده كل الانبياء يعني نقرأ في سورة الشعراء نوح عليه السلام قال " وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ "، هود كذلك " وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ " يبدو هذه الكلمة"وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ " تثبت مدى صحة دعوى هذا النبي الذي جاء وتبطل اتهام الاخر بأنه جاء لمصالح ذاتية كأن تكون مثلاً وجاهة اجتماعية او ان تكون مصالح سياسية او حزبية ضيقة او مصالح مالية ربما فهذا يثبت انه لي مالية في دعوتي حتى تتهمونني وتشككون بنبوتي وبدعوتي، لو كان لي مصالح مالية، ثروات ربما اريد منكم اشياء لأستغني انا بذاتي فمن حقكم الا تصدقوني ولكن تروني اني لم اطلب منكم شيئاً مالياً، لم اطلب منكم شيئاً كثروة ينفعني، كمال، كعقار ولهذا هذا اكبر دليل على صدق النبوة وصدق الدعوة ثانياً هذه الدعوة ليست عبثية ولالغو وانما هناك اجر " إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي " يعني لااقول لكم اتعابي ليس لها اجر ولهو وعبث وانما هناك اجر عظيم وهو اجر تبليغ الرسالة واجر دعوتكم الى الحق لتؤمنوا ولتسلموا لهذه الحقيقة " أَفَلاَ تَعْقِلُونَ " طبعاً هذا هو دعاهم الى التوحيد ودعاهم الى طاعته، طبعاً التوحيد اذا كان افلا تعقلون يعني يخص مضمون الدعوة طبعاً التوحيد يؤمن به العقل، التوحيد لايوجد تقليد في اصول الدين، في التوحيد وفي النبوة فأذا كان" أَفَلاَ تَعْقِلُونَ "يعني الايمان بالله عزوجل وترك الاصنام لأن القرآن الكريم حينما يتحدث عن قوم هود، قوم هود كانوا اسسوا اكبر حضارة واكبر مدنية بحيث القرآن في سورة الفجر يقول"أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ{6} إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ{7} الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ{8} " كذلك نقرأ في سورة الشعراء يقول القرآن الكريم بخصوص قوم هود " أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ{128} وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ{129} وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ{130} " هؤلاء حينما يدعوهم الى التوحيد اولاً والى النبوة ثانياً طبعاً التوحيد لايجوز التقليد في التوحيد، العقل يؤمن بتوحيد الله ولهذا يركز على الفطرة " الَّذِي فَطَرَنِي " فطرني يعني الذي ابدعني اذا ابدع الكون، كانوا يعبدون على مايبدو الاصنام ولهذا جاء " أَفَلاَ تَعْقِلُونَ " اما عائد الى ما يدعوهم اليه التوحيد ودين الفطرة، طبعاً التوحيد دين الفطرة " فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ " او يدعون للتي قدمها على صدقه وهو انهم " يا قَوْمِ لاأَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى الَّذي فَطَرَني أَ فَلا تَعْقِلُونَ " ******* فى قوله تعالى " يا قَوْمِ لاأَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى الَّذي فَطَرَني أَ فَلا تَعْقِلُونَ " ما علاقة التعقل المذکور مع درک حقيقة ان الله هو الذى يعطى اجر الانبياء و بعبارة اخرى هل العقل البشرى يستطيع ان يدرک هذه الحقيقة بمفرده ؟ ******* القصة«هود عليه السلام» بعد أن ابتلعت الأرض مياه الطوفان الذي أغرق من كفر بنوح عليه السلام، قام من آمن معه ونجى بعمارة الأرض. فكان كل من على الأرض في ذلك الوقت من المؤمنين. لم يكن بينهم كافر واحد. ومرت سنوات وسنوات. مات الآباء والأبناء وجاء أبناء الأبناء. نسى الناس وصية نوح، وعادت عبادة الأصنام. انحرف الناس عن عبادة الله وحده، وتم الأمر بنفس الخدعة القديمة. قال أحفاد قوم نوح: لا نريد أن ننسى آبائنا الذين نجاهم الله من الطوفان. وصنعوا للناجين تماثيل ليذكروهم بها، وتطور هذا التعظيم جيلا بعد جيل، فإذا الأمر ينقلب إلى العبادة، وإذا بالتماثيل تتحول بمكر من الشيطان إلى آلهة مع الله. وعادت الأرض تشكو من الظلام مرة ثانية. وأرسل الله سيدنا هودا إلى قومه. ******* كان "هود" من قبيلة اسمها "عاد" وكانت هذه القبيلة تسكن مكانا يسمى الأحقاف.. وهو صحراء تمتلئ بالرمال، وتطل على البحر. أما مساكنهم فكانت خياما كبيرة لها أعمدة شديدة الضخامة والارتفاع، وكان قوم عاد أعظم أهل زمانهم في قوة الأجسام، والطول والشدة.. كانوا عمالقة وأقوياء، فكانوا يتفاخرون بقوتهم. فلم يكن في زمانهم أحد في قوتهم. ورغم ضخامة أجسامهم، كانت لهم عقول مظلمة. كانوا يعبدون الأصنام، ويدافعون عنها، ويحاربون من أجلها، ويتهمون نبيهم ويسخرون منه. وكان المفروض، ما داموا قد اعترفوا أنهم أشد الناس قوة، أن يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة. قال لهم هود نفس الكلمة التي يقولها كل رسول لقومه : " يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ". وسأله قومه: هل تريد أن تكون سيدا علينا بدعوتك؟ وأي أجر تريد؟ أفهمهم هود أن أجره على الله، إنه لا يريد منهم شيئا غير أن يغسلوا عقولهم في نور الحقيقة. حدثهم عن نعمة الله عليهم، كيف جعلهم خلفاء لقوم نوح، كيف أعطاهم بسطة في الجسم، وشدة في البأس، كيف أسكنهم الأرض التي تمنح الخير والزرع. كيف أرسل عليهم المطر الذي يحيى به الأرض. لکن قوم هود التفتوا حولهم فوجدوا أنهم أقوى من على الأرض، فأصابتهم الكبرياء وزادوا في العناد. ******* من هدى الائمة (عليه السلام) وينقل العلامة الطباطبائى صاحب تفسير الميزان رواية عن اهل البيت (عليهم السلام) مفادها: أن عادا كانت بلادهم في البادية، و كان لهم زرع و نخيل كثيرة، و لهم أعمار طويلة و أجساد طويلة فعبدوا الأصنام، و بعث الله إليهم هودا يدعوهم إلى الإسلام و خلع الأنداد فأبوا و لم يؤمنوا بهود و آذوه فكفت عنهم السماء سبع سنين حتى قحطوا. ******* دروس وعبر "وَ إِلى عاد أَخاهُمْ هُوداً " ان يکون نبى الله اخا لقومه فهذه الاخوة هي صفة الأنبياء جميعاً، فهم لا يعاملون الناس من منطق الزعامة والقيادة، بل من منطلق أنّهم إخوة لهم معاملة خالية من أية شائبة واي امتياز أو استعلاء *يدل قوله تعالى " أفَلا تَعْقِلُونَ " ان العقل لوحده قادر على ان يثبت ضرورة الاتباع لتعاليم الانبياء (عليه السلام) و بعبارة اخرى ان العقل لا يتعارض مع الوحى بل انه وسيلة لقبول الوحى. * ان تاب المجتمع الى الله تعالى و عاد اليه و عمل صالحا فهو يستعد بذلك لتقبل الرحمة الالهية و هذا ما يشير اليه قوله تعالى " وَيَقَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى‏ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ ******* قصة نبي الله نوح (عليه السلام) 4 - 44 2010-12-06 09:16:09 2010-12-06 09:16:09 http://arabic.irib.ir/programs/item/6926 http://arabic.irib.ir/programs/item/6926 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على حامل وحيه ومبلغ رسالاته محمد وآله الطاهرين، السَّلام عليكم ايها الكرام ورحمة الله وبركاته واهلاً بكم الى لقاءنا القراني هذا (القصص الحق) اليوم نحط رحلنا ضمن هذا التجوال القراني عند تكملة قصة نبي الله نوح (عليه السلام) التي ذكرت في سورة هود من الاية الاربعين حتى الثالثة والاربعين فتابعوا معنا الفقرات التالية. بداية نتصت الى تلاوة هذه الايات من سورة هود. ثم نتعرف واياكم على مفرداتها ومعاني العبارات. نقف عند اجابة سماحة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرانية عن سؤال بشأن الحكاية. ثم نتابع معاً سرد تفاصيل الحكاية. في فقرة من هدي الائمة (عليه السلام) نقدم لكم رواية عن الامام الصادق (عليه السلام) حول الايات. واخيراً مع شيء من الدروس والعبر المأخوذة من الحكاية ننهي هذا اللقاء الطيب والمبارك ببركة القرآن الكريم... ******* المقدمة تحدثنا في الحلقة الماضية حول صنع نوح (عليه السلام) للسفينة و ذلك تحت الرعاية الالهية وكيف انه واجه جميع المشاكل واستهزاء الأكثرية من غير المؤمنين، وكان هو و المؤمنون قد هيأوا أنفسهم للطوفان، ذلك الطوفان الذي طهّر سطح الأرض من دنس المستكبرين الكفرة. والآيات ـ التي نتناولها في هذا اللقاء تتعرض لموضوع ثالث، وهو كيف كانت النهاية؟ وكيف تحقق نزول العذاب على القوم المستكبرين. ******* التلاوة " حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَ فارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فيها مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَ مَنْ آمَنَ وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَليلٌ 40 وَ قالَ ارْكَبُوا فيها بِسْمِ اللّهِ مَجْراها وَ مُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحيمٌ 41 وَ هِيَ تَجْري بِهِمْ في مَوْج كَالْجِبالِ وَ نادى نُوحٌ ابْنَهُ وَ كانَ في مَعْزِل يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَ لاتَكُنْ مَعَ الْكافِرينَ 42 قالَ سَآوي إِلى جَبَل يَعْصِمُني مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاّ مَنْ رَحِمَ وَ حالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقينَ 43" ******* المفردات قال الله تعالى " حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَ فارَ التَّنُّورُ " " التَّنُّورُ" بتشديد النون، هو المكان الذي ينضج الخبز فيه بعد أن كان عجينا ًلكن ما مناسبة ُفوران ِالماء في التنور واقترابِ الطوفان؟ اختلف المفسّرون فكانت لهم أقوال كثيرة في ذلك ولكن يبدو أنّ احتمال أن يكون التنور قد استعمل بمعناه الحقيقي المعروف أقوى، والمراد بيان هذه المسألة الدقيقة، وهي أنّه حين فار التنّور بالماء ـ وهو محل النّار عادةً ـ التفت نوح (عليه السلام) وأصحابه إلى أنّ الأوضاع بدأت تتبدل بسرعة وأنّه حدثت المفاجأة! في هذه الحالة بلغ الأمر الإلهي نوحاً: " قُلْنَا احْمِلْ فيها مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَ مَنْ آمَنَ ". لكنْ كم هم الذين آمنوا معه؟ سؤال يجيب عنه قوله تعالى " وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَليلٌ ". هذه الآية تشير إلى أنّ ثمرة جهاد نوح (عليه السلام) بعد هذه السنين الطوال والسعي الحثيث المتواصل في التبليغ لدعوته، لم يكن سوى هذا النفر المؤمن القليل! فبعض الرّوايات تقول أنّه استجاب لنوح خلال هذه الفترة الطويلة ثمانون شخصاً فقط، وتشير بعض الرّوايات الاُخرى إلى عدد أقل من ذلك. جمع نوح (عليه السلام) ذويه وأصحابه المؤمنين بسرعة، وحين أزف الوعد واقترب الطوفان وأوشك أن يحل عذاب الله أمرهم أن يركبوا في السفينة " وَ قالَ ارْكَبُوا فيها بِسْمِ اللّهِ مَجْراها وَ مُرْساها ". "المجرى" و"المرسى": اسما زمان، ويعني الأوّل وقت التحرك، والثّاني وقت التوقف و لکن لماذا بسم الله ؟! لكي يعلمهم أنّه ينبغي أن تكونوا في جميع الحالات في ذكر الله تعالى وتستمدوا العون من اسمه وذكره " إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحيمٌ " فبمقتضى رحمته جعل هذه السفينة تحت تصرف واختيار المؤمنين لتنجيهم من الغرق وبمقتضى عفوه وغفرانه يتجاوز عن أخطائهم. فاصل وأخيراً حانت اللحظة الحاسمة، إذ صدر الأمر الإلهي فتلبّدت السماء بالغيوم كأنّها قطع الليل المظلم، وتراكم بعضها على بعض بشكل لم يسبق له مثيل، وتتابعت أصوات الرعد وومضات البرق في السماء كلها تخبر عن حادثة "مهولة ومرعبة جدّاً شرعَ المطر وتوالى مسرعاً منهمراً أكثر فأكثر، وكما يصفه القرآن في سورة القمر، الآيتان الحادية عشرة والثانية عشرة: " فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ{11} وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ{12}" ومن جهة اُخرى إرتفعت المياه الجوفية بصورة رهيبة بحيث تفجرت عيون الماء من كل مكان. وهكذا إتصلت مياه الأرض بمياه السماء، فلم يبق جبل ولا واد إلاّ استوعبه الماء وصار بحراً محيطاً خضمّاً... أمّا الأمواج فكانت على أثر الرياح الشديدة تتلاطم وتغدو كالجبال. وسفينة نوح ومن معه تمضي في هذا البحريقول الباري تعالى بشان حركة السفينة " وَ هِيَ تَجْري بِهِمْ في مَوْج كَالْجِبالِ " " وَ نادى نُوحٌ ابْنَهُ وَ كانَ في مَعْزِل يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَ لاتَكُنْ مَعَ الْكافِرينَ " . لم يكن نوح هذا النّبي العظيم أباً فحسب، بل كان مربيّاً لا يعرف التعب والنصب، ومتفائلا بالأمل الكبير بحيث لم ييأس من ابنه القاسي القلب، فناداه عسى أن يستجيب له، ولكن ـ للأسف ـ كان أثر المحيط السيء عليه أكبر من تأثير قلب أبيه المتحرّق عليه. لذلك فإنّ هذا الولد اللجوج، وظنّاً منه أن ينجو من غضب الله أجاب والده نوحاً و" قالَ سَآوي إِلى جَبَل يَعْصِمُني مِنَ الْماءِ " ولكنّ نوحاً لم ييأس مرّة اُخرى فنصحه أن يترك غروره ويركب معه و" قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ " ولاينجو من هذا الغرق إلاّ من شمله لطف الله " إِلاّ مَنْ رَحِمَ ". وفي هذه الحالة التي كان ينادي نوح إبنه ولا يستجيب الابن له ارتفعت موجة عظيمة والتهمت كنعان بن نوح وفصل الموج بين نوح وولده " وَ حالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقينَ ". ******* مستمعينا الافاضل لماذا ينادي نوح ابنه ليصعد في السفينة دون غيره، هو لم يكن مؤمناً برسالته كما يقول الباري عزوجل " إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ " للاجابة عن هذا السؤال يتفضل سماحة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من مدينة قم المقدسة بالاجابة على هذا السؤال، نستمع معاً ... ******* زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم، طبعاً نوح عليه السلام لم يكن يتيقن بأن ابنه من الذين لم يأمرهم الله ان يحملهم في السفينة لأنه قال له تعالى " احْمِلْ فيها مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَ مَنْ آمَنَ وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَليلٌ " نوح عليه السلام كان متيقناً من ان امرأته من سبق عليه القول يعني لاتركب في السفينة لأنها كانت خائنة وكانت كافرة ولهذا كان مطمئناً من ان زوجته ليست من اهله الناجين ولكنه كان غير مطمئن من كفر ابنه، كان يأمل ان يكون ابنه من الذين تشملهم النجاة ولهذا حينما قال "احمل فيها من كل زوجين اثنين ومن اهلك الا من سبق عليه القول، من سبق عليه القول يعني بالكفر والهلاك ولهذا يقول العلامة الطباطبائي رضوان الله عليه كان نوح عليه السلام يشك هل مراد الذين ظلموا، الذين سبق عليهم القول الظالمون بالدعوة او هو مبهم يحتاج الى تفسير من لدن قائله فكأنه هذه الامور رابته عليه السلام، أرابت نوح عليه السلام في امر ابنه ولذلك لم يجترأ عليه السلام على مسألة قاطعة بل القى مسألته كالعارض يعني نوح عليه السلام لم يصرح بنجاة ابنه عليه السلام وانما هو كان مستفسراً لعدم احاطته كما يقول العلامة الطباطبائي بالعوامل المجتمعة واقعاً على امر ابنه بل بدأ بالنداء بأسم الرب لأنه مفتاح دعاء المربوب المحتار السائل ثم قال " إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ " يعني كأن يقول وهذا يقتضي بنجاة ابني " وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ "، لاخطأ في امرك ولا مغمض في كلمتك فما ادري الى ما انجر امره ولهذا نوح عليه السلام ادركته العصمة الالهية وقطعت عليه الكلام وفسر الله سبحانه وتعالى معنى قوله في الوعد " أَهْلِكَ " لأن الله عزوجل وعده، ماذا قال؟ بأن ينجي اهله " حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَ فارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فيها مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ " يعني كان مطمئناً نوح عليه السلام بأن زوجته ليست من الاهل الناجين ولكن لم يكن يعلم ان ابنه ليس من اهله الناجين " إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَ مَنْ آمَنَ " يعني من سبق عليه القول " وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَليلٌ " فنوح عليه السلام ادركته العصمة الالهية وقطعت عليه القول وفسر الله سبحانه معنى القول في الوعد واهلك ان المراد فيه الاهل الصالحون وليس الابن الغير صالح وقد قال تعالى من قبل " وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ " وقد اخذ نوح عليه السلام بظاهر الاهل وان المستثنى منهم هو امرأته الكافرة فقط. ******* القصة انهى نبى الله نوح صنع السفينة، وجلس (ع) ينتظر أمر الله. أوحى الله إلى نوح أنه إذا فار التنور هذا علامة على بدء الطوفان، وجاء اليوم الرهيب، فار التنور. وأسرع نوح يفتح سفينته ويدعو المؤمنين به، وهبط جبريل عليه السلام إلى الأرض. حمل نوح إلى السفينة من كل حيوان وطير ووحش زوجين اثنين. صعدت الحيوانات والوحوش والطيور، وصعد من آمن بنوح، وكان عدد المؤمنين قليلا ارتفعت المياه من فتحات الأرض. انهمرت من السماء أمطارا غزيرة بكميات لم تر مثلها الأرض. فالتقت أمطار السماء بمياه الأرض، وصارت ترتفع ساعة بعد ساعة. فقدت البحار هدوئها، وانفجرت أمواجها تجور على اليابسة، وتكتسح الأرض. وغرقت الكرة الأرضية للمرة الأولى في المياه. ارتفعت المياه أعلى من الناس. تجاوزت قمم الأشجار، وقمم الجبال، وغطت سطح الأرض كله. وفي بداية الطوفان نادى نوح ابنه. كان ابنه يقف بمعزل منه. نادى نوح ابنه قائلا: "يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ " ورد الابن عليه: " قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء " عاد نوح يخاطبه: " قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ " وانتهى الحوار بين نوح وابنه: "وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ " أنهى الموج حوارهما فجأة. نظر نوح فلم يجد ابنه: " فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ " واستمر الطوفان. استمر يحمل سفينة نوح. بعد ساعات من بدايته، كانت كل عين تطرف على الأرض قد هلكت غرقا. لم يعد باقيا من الحياة والأحياء غير هذا الجزء الخشبي من سفينة نوح، وهو ينطوي على الخلاصة المؤمنة من أهل الأرض. وأنواع الحيوانات والطيور التي اختيرت بعناية. ثم صدر الأمر الإلهي إلى السماء أن تكف عن الإمطار، وإلى الأرض أن تستقر وتبتلع الماء، وإلى أخشاب السفينة أن ترسو على الجودي، وهو اسم مكان قديم يقال أنه جبل في العراق. لم يكن نوح يعرف حتى هذه اللحظة أن ابنه كافر. كان يتصور أنه مؤمن عنيد، آثر النجاة باللجوء إلى جبل. وكان الموج قد أنهى حوارهما قبل أن يتم.. فلم يعرف نوح حظ ابنه من الإيمان. تحركت في قلب الأب عواطف الأبوة. " فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ " أراد نوح أن يقول لله أن ابنه من أهله المؤمنين. وقد وعده الله بنجاة أهله المؤمنين. فقال الله سبحانه وتعالى، مطلعا نوحا على حقيقة ابنه للمرة الأولى " يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ " استغفر نوح ربه وتاب إليه وأمره أن يهبط من السفينة محاطا ببركة الله ورعايته. وهبط نوح من سفينته. أطلق سراح الطيور والوحش فتفرقت في الأرض، نزل المؤمنون بعد ذلك. ******* من هدي الائمة (عليه السلام) في الكافي، بإسناده عن المفضل قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا مفضل كان منزل نوح و قومه في قرية على منزل من الفرات مما يلي غربي الكوفة. قال: و كان نوح رجلا نجارا فجعله الله عز و جل نبيا و انتجبه، و نوح أول من عمل سفينة تجري على ظهر الماء. قال: و لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله عز و جل فيهزءون به و يسخرون منه فلما رأى ذلك منهم دعا عليهم فقال: رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا - إنك إن تذرهم يضلوا عبادك و لا يلدوا - إلا فاجرا كفارا، فأوحى الله عز و جل إلى نوح أن اصنع سفينة و أوسعها و عجل عملها فعمل نوح سفينة في مسجد الكوفة بيده، فأتى بالخشب من بعد حتى فرغ منها. ******* دروس و عبر *ثمة درس مهم تنطوي عليه الآيات الكريمة التي تحكي قصة نوح وابنه. أراد الله سبحانه وتعالى أن يقول لنبيه الكريم أن ابنه ليس من أهله، لأنه لم يؤمن بالله، وليس الدم هو الصلة الحقيقية بين الناس. ابن النبي هو ابنه في العقيدة. هو من يتبع الله والنبي، وليس ابنه من يكفر به ولو كان من صلبه. هنا ينبغي أن يتبرأ المؤمن من غير المؤمن. وهنا أيضا ينبغي أن تتصل بين المؤمنين صلات العقيدة فحسب. لا اعتبارات الدم أو الجنس أو اللون أو الأرض. *يدل قوله تعالى " وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَليلٌ " على ما كان عليه هذا النّبي العظيم نوح (عليه السلام) من الصبر والإستقامة في درجة قصوى بحيث كان معدل مايبذله من جهد لهداية شخص واحد عشر سنوات تقريباً، هذا التعب الذي لا يبذله الناس حتى لأولادهم . *صحيح أنّ الله رحيم ودود، ولكن لا ينبغي أن ننسى أنّه حكيم أيضاً، فبمقتضى حكمته أنّه عندما لا تؤثر دعوة الناصحين والمربيّن الإلهيين في قوم فاسدين، فلا حقّ لهم بعد ذلك في الحياة وسينتهون نتيجة للثورات الاجتماعية أو الطبيعية وتحت وطأة التنظيم الحياتي. وهذا الأمر غير منحصر في قوم نوح ولا بزمان معين، إنّما هو سنة الله في خلقه وعباده في جميع العصور والأزمان حتى في عصرنا الحاضر. ******* قصة نبي الله نوح (عليه السلام) 3 - 43 2010-11-29 10:21:36 2010-11-29 10:21:36 http://arabic.irib.ir/programs/item/6917 http://arabic.irib.ir/programs/item/6917 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله والصلاه والسلام على امين وحيه محمد المصطفى واله الهداه الابرار مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمه الله وبركاته واهلا بكم الى برنامج القصص الحق * ايها الاحبه في هذه الحلقة من البرنامج نواصل حديثنا عن حكاية نبى الله نوح (عليه السلام) التي ذكرت في الاية 36 (السادسة والثلاثين) الى 39 من سورة هود وهي تستعرض جانبا اخر من مواجهة نوح مع قومه. • * فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية • * بداية نتبرك بالانصات الى تلاوة هذه الايات • ثم نتعرف على معانى مفرداتها وعباراتها • نستمع الى اجابة الاستاذ عبد السلام زين العابدين بخصوص سؤال حول الشفاعة وعلم النبي بهذا الشان. • نستمع بعد ذلك الى هذا الجزء من الحكاية • نقدم لكم رواية عن الامام الباقر (عليه السلام) بشان الايات • ومسك الختام مع باقة من الدروس والعبر المستفادة من هذه الحكاية القرانية فاهلا ومرحبا بكم الى فقرات هذا اللقاء ******* المقدمة إنّ قصّة نوح عليه السلام الواردة في آيات سورة هود تمثل سلسلة من احداث مواجهة نوح (عليه السلام) في قبال المستكبرين، ففي الآيات التي تناولناها في الحلقة السابقة من البرنامج جرى الحديث عن دعوة نوح (عليه السلام) المستمرة والتي كانت في غاية الجدية، وبالاستعانة بجميع الوسائل المتاحة حيث استمرت سنوات طوالا آمنت به جماعة قليلة من حيث العدد وكثيرة من حيث الكيفية والاستقامة. وفي الآيات محل البحث إشارة إلى المرحلة الثّالثة من هذه المواجهة، وهي مرحلة انتهاء دورة التبليغ والتهيؤ للتصفية الإلهيّة...... ******* التلاوة " وأُوحِيَ إِلى نُوح أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ 36 واصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْني فِي الَّذينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ 37 ويَصْنَعُ الْفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلاَ ٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ 38 فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتيهِ عَذابٌ يُخْزيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقيمٌ 39 ******* المفردات يقول القران الكريم: " وأُوحِيَ إِلى نُوح أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ"في الآية الاُولى نقرأ ما معناه: يا نوح، إنّك لن تجد من يستجيب لدعوتك ويؤمن بالله غير هؤلاء وهي إشارة إلى أنّ الصفوف قد أمتازت بشكل تام، والدعوة للإيمان والإصلاح غير مجدية، فلابدّ إذاً من الإستعداد للتصفية والتحول النهائي. وفي نهاية الآية تسلية لقلب نوح (عليه السلام) أن لا تحزن على قومك حين تجدهم يصنعون مثل هذه الأعمال "فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ" وجاء الأمر لنوح أن "واصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا ووَحْيِنا" إنّ المقصود من كلمة " أَعْيُنِنا" إشارة إلى أن جميع ما كنت تعمله يا نوح وتسعى بجد من أجله في هذا المجال هو في مرآى ومسمع منّا، فواصل عملك مطمئن البال. كما يستفاد من كلمة " وَحْيِنا" أيضاً أن صنع السفينة كان بتعليم الله، وينبغي أن يكون كذلك، لأنّ نوحا (عليه السلام) لم يكن بذاته يعرف مدى الطوفان الذي سيحدث في المستقبل ليصنع السفينة بما يتناسب معه، وإنّما هو وحي الله الذي يعينه في انتخاب أحسن الكيفيات. وفي نهاية الآية ينذر الله نوحاً أن لا يشفع في قومه الظالمين، لأنّهم محكوم عليهم بالعذاب وإن الغرق قد كتب عليهم حتماً "ولا تُخاطِبْني فِي الَّذينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ". هذه الجملة تبيّن بوضوح أنّ الشفاعة لا تتيسر لكل شخص، بل للشفاعة شروطها، فإذا لم تتوفر في أحد الاشخاص فلا يحق للنّبي أن يشفع له وان يطلب من الله العفو لأجله. أمّا عن قوم نوح فكان عليهم أن يفكروا بجد في دعوة النّبي نوح (عليه السلام) ويحتملوا على الأقل أن هذا الإصرار وهذه الدعوات المكررة كلها من " وحي الله" فتكون مسألة العذاب والطوفان حتمية!! إلاّ أنّهم واصلوا استهزاءهم وسخريتهم مرّة اُخرى وهي عادة الأفراد المستكبرين والمغرورين يقول الله تعالي: "وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ". " المَلأٌ " والأشراف المتكبرون يسخرون من المستضعفين في كل مكان، ويعدونهم أذلاء وحقراء لأنّهم لا قوّة لهم ولا ثروة!! بل حتى أفكارهم وإن كانت سامية، ومذهبهم وإن كان ثابتاً وراسخاً، وأعمالهم وإن كانت عظيمة وجليلة... كل ذلك في حساب " المَلأٌ " حقير تافه..! ولذلك لم ينفعهم الإنذار والنصيحة. فلابدّ أن تنهال أسواط العذاب الأليم على ظهورهم. يقال أنّ الملأ من قوم نوح والأشراف كانوا جماعات، وكل جماعة تختار نوعاً من السخرية والاستهزاء بنوح ليضحكوا ويفرحوا بذلك الاستهزاء. "فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ" إشارة إلى أنّه بالرغم من أنّ مضايقاتكم لنا مؤلمة، ولكننا نتحمل هذه الشدائد ونفتخر بذلك أوّلا، كما أنّ ذلك مهما يكن فهو زائل، أمّا عذابكم المخزي فهو باق ودائم ثانياً، وهذان الأمران معاً لا يقبلان القياس. ******* زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم، سؤال جميل دائماً يتطرق هذا السؤال ويطرح يعني لماذا نوح عليه السلام قال " رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ " طبعاً تأدباً لن يسأل النجاة يعني حينما نجمع " رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي " مع جملة " وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ " تستلزم النتيجة ماذا؟ النجاة، لكنه لن يطلب النجاة مباشرة لأبنه تأدباً مع الله عزوجل لأن الله عزوجل قال له " قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ " ، نوح عليه السلام كان يظن ان الاهل هنا يعني فقط الزوجة، الزوجة كانت كافرة، كانت ظالمة، جائرة، لم تدخل في دائرة اهلك، الناجين يعني " إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي " ، " قال إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي " يعني من اهلي الناجين الذين وعدت بنجاتهم وكان يظن ان ابنه لم يكن من اهله غير الناجين وانما من اهله الناجين لهذا هو لن يسأل عن زوجته، لماذا لم يسأل نوح عن نجاة زوجته؟ لأنه يعتقد وكان يتيقن من عدم نجاتها، كان يتيقن من عدم استحقاقها للشفاعة ولهذا لن يسأل عن زوجته وانما سأل عن ابنه لأن كلمة اهلك كانت غامضة يعني اهلك اي دائرة للاهل؟ طبعاً الابن من الاهل، الزوجة من الاهل، هو كان يؤمن بأن الاهل يعني الزوجة لم تكن تستحق الشفاعة فلم يسأل ولكن هو كان يشك او كان لايعرف بأن ابنه من الاهل غير الناجين ولهذا قال " إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ " يعني وعده بنجاة اهله يعني اهله من الناجين ولهذا نوج عليه السلام لم يكن متيقناً من ان ابنه لم يكن يستحق الشفاعة ولهذا " لَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى " هؤلاء الاولياء والانبياء والاوصياء لايشفعون الا لمن ارتضى كما في سورة الانبياء في الاية 28 يعني "الا لمن ارتضى لله دينه" وليس عمله لأن الانسان عمله قد يكون خاطئاً، يكون ظالماً، جائراً "ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من امتي" طبعاً الذين يتطلعون الى الشفاعة يوم القيامة هم اهل الكبائر ولهذا يسأل الامام ابن ابي عمير، يسأل الامام الكاظم عليه السلام " فقلت له يابن رسول الله كيف تكون الشفاعة لأهل الكبائر والله تعالى يقول ولايشفعون الا لمن ارتضى؟ " هل اهل الكبائر من الذين ارتضى الله عنه بحيث يستحقون الشفاعة كما كان ابن نوح، كان يظن ابنه وان كان مع الكافرين ولكن لم يظن انه من الكافرين وانما كان معهم ولهذا "ومن يرتكب الكبائر لايكون مرتضى به" هذا ابن ابي عمير يسأل الامام الكاظم فقال الامام عليه السلام " يا ابا احمد ما من مؤمن يرتكب ذنباً الا ساءه ذلك وندم عليه وقد قال النبي صلى الله عليه واله وسلم كفى بالندم توبة وقال عليه السلام من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن ومن لم يندم على ذنب ارتكبه فليس بمؤمن ولم تجب له الشفاعة وكان ظالماً والله تعالى ذكره يقول ما للظالمين من حميم ولاشفيع يطاع فقلت( يعني ابن ابي عمير) يابن رسول الله وكيف لايكون مؤمناً من لم يندم على ذنب يرتكبه؟ فقال يا ابا احمد ما من احد يرتكب كبيرة من المعاصي وهو يعلم انه سيعاقب عليها الا ندم على ما ارتكب ومتى ندم كان تائباً مستحقاً للشفاعة، " لَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى " " فالمشكلة في نوح عليه السلام لم يكن يعلم او يتيقن ان ابنه من الاهل غير الناجين وانما كان يظن ان ابنه من الاهل الناجين " أَهْلِكَ " يعني اهلك الناجين ولهذا سأل " إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ " ولهذا ذهب كل المفسرين الى ان نوح عليه السلام لم يكن يتيقن بأن ابنه من الذين لايستحقون الشفاعة ولهذا سأل وان كان لم يسأل مباشرة، سأل تأدباً " إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي " هذه المقدمة الاولى والمقدمة الثانية " وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ " النتيجة ماذا؟ يعني يكون من الناجين ويكون من الذين لم يشملهم الغرق فعلمه الله عزوجل انه " لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ " " إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ " يعني ليس من اهلك الناجين الذين وعدك بنجاتهم وانما من اهلك غير الناجين الذين لايستحقون الشفاعة، انه ليس من اهلك، لماذا؟ " إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ " يعني هذا عمل غير صالح يعني مبالغة بفساد ابنه ولهذا نوح عليه السلام من الله عزوجل عرف ان ابنه ليس من الناجين وانما من المغرقين ولهذا وقف تأدباً امام الله عزوجل فأذن نوح عليه السلام، خلاصة الكلام نوح عليه السلام من الذين " لَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى " يعني لمن ارتضى الله دينه، يشفعون لأهل الكبائر ولهذا بالرواية الدقيقة جداً " الا لمن ارتضى الله دينه" يعني وليس عمله لأنه قد يكون الانسان دينه صحيح، اعتقاده صحيح ولكن عنده اهواء فيرتكب المحرمات، يرتكب الصغائر بل حتى يرتكب الكبائر، مادامت عقيدته سليمة وصحيحة، مادام يؤمن بالله عزوجل ويؤمن برسول الله ويؤمن بأهل بيته الخلفاء، انهم عدل القرآن الكريم، هذا مادام عقيدته سليمة فهذا حتى لو ارتكب اخطاء وحتى لو ارتكب كبائر قد تشمله الشفاعة ويدخل في الشفاعة ******* كما اشرنا في الفقرة المتقدمة ان للشفاعة شروطها التي اذا ما توفرت لا يمكن للنبى ان يشفع للمذنبين في ظل قوله تعالى "وَ لا تُخاطِبْني فِي الَّذينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ" هناك امر مسبق بان لا يشفع نوح (عليه السلام) "فِي الَّذينَ ظَلَمُوا" حسب الاية هل من المنطقي ان النبي لا يعرف شروط الشفاعة وقد طلب فيما بعد النجاة لابنه في قوله "إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي"؟ للاجابة عن هذا التساؤل نستمع الى ما تفضل به سماحة السيد عبدالسلام زين العابدين الاستاذفي العلوم القرانية..... ******* القصة أصدر الله تعالى حكمه على الكافرين بالطوفان فأمر الله تعالى عبده نوحا أن يصنع سفينة بعلم الله وتعليمه، وعلى مرأى منه وطبقا لتوجيهاته ومساعدة الملائكة.و هكذا جاء الوحى: "وَ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْني فِي الَّذينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ" اجل أصدر الله تعالى أمره إلى نوح بان الله يُغرق الذين ظلموا مهما كانت أهميتهم أو قرابتهم للنبي، وينهى الله نبيه أن يخاطبه أو يتوسط لهم. بدأ نوح يغرس الشجر ويزرعه ليصنع منه السفينة. انتظر سنوات، ثم قطع ما زرعه، ثم بدأ (عليه السلام) يبني السفينة، ويمر عليه الكفار فيرونه منهمكا في صنع السفينة، والجفاف سائد، وليست هناك أنهار قريبة أو بحار. فكانوا يستهزؤن منه ويقولون له: كيف ستجري هذه السفينة إذن يا نوح؟ هل ستجري على الأرض؟ أين الماء الذي يمكن أن تسبح فيه سفينتك؟ لقد جن نوح، وترتفع ضحكات الكافرين وتزداد سخريتهم من نوح. وكانوا يسخرون منه قائلين: صرت نجارا بعد أن كنت نبيا الا ان نوحا (عليه السلام) كان يواصل عمله في صنع السفينة تحت الرعاية الالهية فكان الكفارمن جانبهم يواصلون الاستهزاء لنوح فمنهم من يقول: يا نوح، يبدو أن دعوى النبوة لم تنفع فصرت نجاراً آخر الأمر.... ومنهم من يقول: واهاً لهذه السفينة العظيمة، كان بإمكانك أن تصنع أصغر منها ليمكنك سحبها إلى البحر. كانوا يقولون مثل ذلك ويقهقهون عالياً، وكان هذا الموضوع مثار حديثهم وبحثهم في البيوت وأماكن عملهم، حيث يتحدثون عن نوح واصحابه فكانوا يقولون: تأملوا هذا الرجل العجوز كيف انتهى به الأمر، الآن ندرك أنّ الحق معنا حيث لم نؤمن بِكلامه، فهو لا يملك عقلا صحيحاً. ولكن نوحاً كان يواصل عمله بجدية فائقة وأناة واستقامة منقطعة النظير لأنّها وليدة الإيمان، وما كان يكترث بكلمات هؤلاء الذين رضوا عن أنفسهم وعميت قلوبهم، وإنّما يواصل عمله ليكمله بسرعة. ويوماً بعد يوم كان هيكل السفينة يتكامل ويتهيأ لذلك اليوم العظيم، وكان نوح (عليه السلام) أحياناً يرفع رأسه ويقول لقومه الذين يسخرون منه هذه الجملة القصيرة: " قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ". انتهى نوح (عليه السلام) من صنع السفينة فأوحى الله إليه، " أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ ". أوحى الله إليه ألا يحزن عليهم. ساعتها دعا نوح على الكافرين بالهلاك: "وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا" ثم برر نوح دعوته بقوله: "إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا" ******* من هدي الائمة عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: كان شريعة نوح أن يعبد الله بالتوحيد والإخلاص وخلع الأنداد وهي الفطرة التي فطر الناس عليها وأخذ الله ميثاقه على نوح والنبيين أن يعبدوا الله تبارك وتعالى ولا يشركوا به شيئا وأمر بالصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحلال والحرام، ولم يفرض عليه أحكام حدود ولا فرائض مواريث فهذه شريعته. فلبث فيهم نوح ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم سرا وعلانية فلما أبوا وعتوا قال: " رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ" فأوحى الله عز وجل إليه: "لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ". ******* دروس وعبر * نستفيد من الآية "وَ أُوحِيَ إِلى نُوح أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ" نستفيد ضمناً أنّ الله يطلع نبيّه نوحاً على قسم من أسرار الغيب بمقدار ما ينبغي، كما نجد أنّ الله تعالى يخبره بأنّه لَنْ يؤمن بدعوته في المستقبل غير اُولئك الذين آمنوا به من قبل، وعلى كل حال لابدّ من انزال العقاب بهؤلاء العصاة اللجوجين ليطهر العالم من التلوّث بوجودهم، وليكون المؤمنون في منأى عن مخالبهم. * يقول الله تعالى "وَ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا ووَحْيِنا" طبيعي أنّ هذا الإحساس بأنّ الله حاضر وناظر ومراقب ومحافظ يعطي الإنسان قوّة وطاقة، كما أنّه يحسّ بتحمل المسؤولية أكثر. * عندما يفتقد الاعداء للبرهان في مواجهة الانبياء يتشبثون بحربة الاستهزاء والسخرية "وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلاَ ٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ". * نستفيد من الاية "ويَصْنَعُ الْفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلاَ ٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ" ان الانسان المؤمن بالله تعالى وبالمباديء والقيم السماوية لا تصده العواصف والتيارات المنحرفة من مواصلة مسيرته وتطبيق اوامر الله تعالى حتى لو استهزيء من قبل الاخرين. ******* قصة نبي الله نوح (عليه السلام) 2 - 42 2010-11-22 10:09:45 2010-11-22 10:09:45 http://arabic.irib.ir/programs/item/6865 http://arabic.irib.ir/programs/item/6865 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة على رسوله واله الهداة الابرار، مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته واهلا بكم الى برنامج القصص الحق • * ايها الاحبة في هذه الحلقة من البرنامج نواصل الحديث عن قصة نبي الله نوح التي ذكرت في الايات ٣٢ حتى ٣٤ من سورة هود فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية • بداية ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الايات • ثم نتعرف على معاني مفرداتها وعباراتها • ونستمع الى اجابة ............... حول ارادة الله تعالى في هداية او اغواء الانسان . • ثم نتابع سرد هذا الجزء من الحكاية • ونقرأ لحضراتكم رواية عن الامام امير المؤمنين بشان اسم نبي الله نوح (عليه السلام) • ومسك الختام مع شيء من الدروس والعبر المآخوذة من هذه الحكاية فاهلا و مرحبا بكم الى فقرات هذا اللقاء. ******* المقدمة ايها الاحبة نواصل الحديث عن قصة نبي الله نوح (عليه السلام) استكمالا لما شرعناه في اللقاء الماضي من هذا البرنامج القصص الحق وفي هذه الحلقة نجد اصرار قوم نوح على كفرهم وكيف انهم اعتبروا تأكيد نبيهم نوح (عليه السلام) على دعوته الى الله تعالى جدالا طالبين نزول العذاب . اذن ايها الكرام فلنستمع سوية الى تلاوة هذه الايات ونتابع معا فقرات هذا اللقاء القراني كنا مع تلاوة الايات ٣٢ حتى ٣٤ من سورة هود المباركة ضمن برنامج القصص الحق فالى الفقرة التالية ******* التلاوة " قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ{32} قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ{33} وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ{34} " ******* المفردات مستمعينا الافاضل الآية الاُولى من الآيات اعلاه تتحدث عن قوم نوح (عليه السلام) أنّهم: " قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ "في الآية وردت جملة «جادلتنا» من مادة «المجادلة» وأصلها مشتق من «الجَدَل» التي تعني فتل الحبل وإبرامه، ولذلك يطلق على طير الباز «أجدل» لأنّه أشد فتلاً من جميع الطيور، ثمّ توسعوا في اللغة فصارت تطلق على الإلتواء في الكلام وما أشبه.ايها الكرام مع أنّ «الجدال» و«المراء» و«الحجاج» على وزن «اللجاج» متقاربة المعاني ومتشابهة فيما بينها، لكن بعض المحققين يرى أنّ «المراء» فيه نوع من المذمّة، لأنّه يستعمل أحياناً في الإستدلال في المسائل الباطلة، ولكن ذلك المفهوم لا يدخل في كلمتي «الجدال والمجادلة»، والفرق بين الجدال والحجاج، أن الجدال يستعمل ليلفت الطرف المقابل ويبعده عن عقيدته، أمّا الحجاج فعلى العكس من ذلك بأن يُدعى الشخص إلى العقيدة الفلانية بالاستدلال والبرهان.قال الله تعالى عن لسان نوح (عليه السلام): " قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ".لقد أجاب نوح (عليه السلام) بجملة قصيرة على هذه اللجاجة والحماقة وعدم الإعتناء بقوله: " إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ " وبعبارة اخرى يقول لهم نوح ان الامر خارج من ارادتي وليس باختياري، إنّما أنا رسوله ومطيع لأمره، فلا تطلبوا منّي العذاب والعقاب!... ولكن حين يحل عذابه فاعلموا أنّكم لا تقدرون أن تفرّوا من يد قدرته أو تلجأوا إلى مأمن آخر " وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ".و«المعجز» مشتق من مادة «الإعجاز» وهي بمعنى سلب القدرة من الغير، وتستعمل هذه الكلمة أحياناً في موارد يكون الإنسان مانعاً لعمل الآخر أو لصده عن سبيله فيُعجزه عن القيام بأي عمل، وأحياناً تستعمل في فرار الإنسان من يد الآخر وخروجه من هيمنته فلا يقدر عليه، وأحياناً تستعمل في تكبيل الآخر بالوثاق، أو بجعله مصوناً...فكل هذه المعاني من أوجه الإعجاز وسلب القدرة من الطرف الآخرالآية الآنفة الذكر تحتمل جميع هذه المعاني، لأنّه لا منافاة بين جميع هذه المعاني، فكلّها تعني أنّ لا حيلة تخلّصكم وتجعلكم في أمان من عذابه.ثمّ يضيف: وإذا كان الله يريد أن يضلّكم ويغويكم لما أنتم عليه من الذنوب والتلوّث الفكري والجسدي فلا فائدة من نصحي لكم إذاً " وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ " فهو وليكم وأنتم في قبضته " هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ". ******* زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم، طبعاً سؤال جميل وقد يتبادر الى الذهن حينما نقرأ " إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ " او" يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ " هناك عشرات الايات المباركة بهذا المعنى " وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ " نوح عليه السلام في الاية الرابعة والثلاثين من سورة هود " وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ " هذا شرط اخر " إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ " يعني لماذا لاينفعهم النصح، نصح نوح لاينفعهم؟ لأن الله اراد ان يغويهم، قد يتبادر الى الذهن هذا الاشكال، اشكال الجبر واشكال ان الله عزوجل يريد ان يغويهم رغم انهم يريدون الهداية. هذه الاية وغيرها يمكن ان تفسر بأمرين او بأتجاهين، الاتجاه الاول ذهب اليه العلامة الطباطبائي وهو الاتجاه الجزائي والابتدائي، هنا الغواية ليست غواية ابتدائية وانما غواية جزائية يعني على طريقة " فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ " هذا اسلوب فلما زاغوا كما نقرأ في سورة الصف الاية الخامسة " وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ " كذلك " اللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ " هناك آيات تقول " إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ " " إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ " " إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ " اذن الغواية هنا الغواية جزائية وليست ابتدائية، هم لايريدون الاصلاح، لايريدون الاستماع الى النصيحة، هم استكبروا وظلموا انفسهم وبغوا وطغوا ولهذا الله عزوجل " كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ " الارادة الالهية ارادة جزائية وليست ارادة ابتدائية، هذا تفسير، تفسير اخر او اتجاه اخر، الاتجاه التكويني والتشريعي هنا الارادة الالهية ليست ارادة تشريعية، الله يريد الطهارة ويريد الاصلاح ويريد الهداية تشريعاً لكل الناس ولكن هذه ارادة تكوينية، ماهي تكوينية؟ يعني بحسب الاسباب يعني هم وفروا اسباب الضلال واسباب الغواية فطبعاً النتائج تكون طبيعية كما نقرأ في سورة الاسراء في الاية السادسة عشرة " وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً " امرنا مترفيها هذا امر تكويني هي ليست امر تشريعياً، امرنا مترفيها يعني بالفسق، ففسقوا فيها، كيف الله يأمر بالفسق؟ هذا معنى التكوين، معنى السنن يعني " رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ " يعني ربنا ليضلوا يعني الله اعطاهم الاستدراج كما في سنة الاستدراج، هناك امور تشريعية وهناك امور تكوينية " كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ " يعني بحسب الاسباب والمسببات، بحسب طبيعة عنادكم وظلمكم وجوركم هذا " و اللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ " حينما يكون الانسان ظالماً الله، كما نقرأ في سورة النحل الاية السابعة بعد المئة " ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ " يعني هم استحبوا الحياة الدنيا على الاخرة وان الله لايهدي القوم الكافرين اذن هنا هذه الاية، هذا الشرط " انَ كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ " هذه الارادة ارادة تكوينية سننية وليست ارادة تشريعية لأن الله يريد الهداية تشريعاً لكل الناس حتى للظالمين والجائرين ولهذا قال نوح " وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ " يعني اذا كنتم انتم معاندين وظالمين وجائرين وتستكبرون طبعاً جزاء الاستكبار، الله لايهدي الظالمين، الله لايهدي القوم الفاسقين، هذا معنى هذه الارادة الالهية والربانية. ******* مستمعينا الكرام مع مطالعة هذه الآية " وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " يثور هذا السؤال فوراً كما أن كثيراً من المفسّرين أشاروا إليه أيضاً وهو: هل يمكن أن يريد الله الغواية والضلال لعباده؟ثمّ أليس هذا دليلا على الجبر؟ وهل يتوافق هذا المعنى مع أصل حرية الإرادة والاختيار للانسان؟ للاجابة عن هذا السؤال ندعوكم الى متابعة اجابة سماحة السيد عبد السلام زين العابدين..........• ايها الاحبة استمعنا الى اجابة فضيلة السيد .......عن سؤال حول ارادة الله تعالى في هداية او اغواء الانسان ودور الانسان في هذا المجال . والان ندعوكم لمتابعة سرد هذا الجزء من حكاية نبي الله نوح (عليه السلام) ******* القصة وعاد نوح يقول لهم أنه لا يدعي لنفسه أكثر مما له من حق، وأخبرهم بتذلله وتواضعه لله عز وجل، فهو لا يدعي لنفسه ما ليس له من خزائن الله، وهي إنعامه على من يشاء من عباده، وهو لا يعلم الغيب، لأن الغيب علم اختص الله تعالى وحده به. أخبرهم أيضا أنه ليس ملكا. قال لهم نوح: إن الذين تزدري أعينهم .. إن هؤلاء المؤمنين الذي تحتقرونهم لن تبطل أجورهم وتضيع لاحتقاركم لهم، الله أعلم بما في أنفسهم. هو الذي يجازيهم عليه ويؤاخذهم به.. أظلم نفسي لو قلت إن الله لن يؤتيهم خيرا. سئم الملأ يومها من هذا الجدل الذي يجادله نوح..أضاف نوح إغواءهم إلى الله تعالى. تسليما بأن الله هو الفاعل في كل حال. غير أنهم استحقوا الضلال بموقفهم الاختياري وملء حريتهم وكامل إرادتهم... اختار كفار قوم نوح طريق الغواية فيسره الله لهم. وتستمر المعركة، وتطول المناقشة بين الكافرين من قوم نوح وبينه إذ انهارت كل حجج الكافرين ولم يعد لديهم ما يقال، بدءوا يخرجون عن حدود الأدب ويشتمون نبي الله:" قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ "ورد عليهم نوح بأدب الأنبياء العظيم: " قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ "استمر نوح في دعوة قومه إلى الله. ساعة بعد ساعة. ويوما بعد يوم. وعاما بعد عام. ومرت الأعوام ونوح يدعو قومه. كان يدعوهم ليلا ونهارا، وسرا وجهرا، يضرب لهم الأمثال. ويشرح لهم الآيات ويبين لهم قدرة الله في الكائنات، وكلما دعاهم إلى الله فروا منه، وكلما دعاهم ليغفر الله لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستكبروا عن سماع الحق. واستمر نوح يدعو قومه إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاما.وكان يلاحظ أن عدد المؤمنين لا يزيد، بينما يزيد عدد الكافرين. وحزن نوح غير أنه لم يفقد الأمل وظل يدعو قومه ويجادلهم، وظل قومه على الكبرياء والكفر والتبجح. وحزن نوح على قومه. لكنه لم يبلغ درجة اليأس. ظل محتفظا بالأمل طوال ٩٥٠ سنة. ويبدو أن أعمار الناس قبل الطوفان كانت طويلة، وربما يكون هذا العمر الطويل لنوح معجزة خاصة له. ******* من هدي الائمة ورد في كتاب عيون الرضا (عليه السلام) انه : سأل الشامي امير المؤمنين (عليه السلام) عن اسم نوح ما كان فقال (عليه السلام) : اسمه السكن وانما سمي نوحا لانه ناح على قومه الف سنة إلا خمسين عاما وفي ذلك مستمعينا الاكارم اشارة الى شدة رأفة الانبياء والاوصياء عليهم السلام بأممهم وحصرهم على انقاذهم من الهلكات ******* دروس وعبر * " قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ "مستمعينا الكرام هذا هو منطق الكفار دائما فهم يعتبرون دعوة الانبياء (عليه السلام) الى التوحيد جدالا.*يشعرنا كلام نوح (عليه السلام) بأنّه سعى مدّة طويلة لهداية قومه، ولم يترك فرصةً للوصول إلى الهدف إلاّ انتهزها لإرشادهم، ولكن قومه الضالين أظهروا جزعهم من أقواله وإرشاداته،فاختيار هذه الطريقة إزاء كل ذلك اللطف وتلك المحبّة من قبل أنبياء الله ونصائحهم التي تجري كالماء الزلال على القلوب، إنّما تحكي عن مدى اللجاجة والتعصب الأعمى لدى تلك الأقوام.* ان مفردة تعدنا في قوله تعالى " فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا " دلالة على ان نوحا (عليه السلام) كان يذكر قومه دائما بنزول العذاب ان لم يؤمنوا. * لم يؤمن الكفار بصدق الانبياء (عليه السلام) فكانوا يشكون فيهم لذلك قالوا لنوح (عليه السلام) " إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ". ******* قصة نبي الله نوح (عليه السلام) 1 - 41 2010-11-15 15:32:09 2010-11-15 15:32:09 http://arabic.irib.ir/programs/item/6864 http://arabic.irib.ir/programs/item/6864 بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين والصلاة على خير خلقه محمد وآله الطاهرين، اهلا بكم احبتنا المستمعين في حلقة اخرى من برنامج القصص الحق حيث نكون مع قصة نبي الله نوح (عليه السلام) وقد ذُكرت هذه القصة في سورة هود من الآية ٢٥ حتى الآية ٢٨نرحب بكم ضمن الفقرات التالية:• نبدأ البرنامج بمقدمة عن حكاية نوع (عليه السلام) مع قومه• ثم نستمع الى تلاوة هذه الآيات• نتوقف عند أهم المفردات ومعانيها• ثم نعرج على اجابة خبير اللقاء حول تساؤل بشأن الآيات وعلاقة رد نوح (عليه السلام) بالنسبة لشبهات الكفار• ومع سرد الحكاية نواصل البرنامج، لنحط رحلنا عند الثقل الاصغر للقرآن ورواية عند الإمام الرضا (عليه السلام)• واخيرا مع دروس وعبر من حكاية نوع (عليه السلام) المستقاة من الآيات فاهلاً بكم. ******* المقدمة ايها الاحبة تذكر هذه السورة المباركة قصّة نوح (عليه السلام)، وهو أحد الأنبياء أولي العزم، وترسم النقاط الأساسية لتاريخه المثير. ولا شك أنّ قصّة جهاد نوح (عليه السلام) المتواصل للمستكبرين في عصره، وعاقبتهم الوخيمة، واحدة من العبر العظيمة في تأريخ البشرية، والتي تتضمن دروساً هامّة في كل واقعة منها...هيّا معنا مستمعينا الكرام لننصت خاشعين الى تلاوة هذه الايات ******* التلاوة " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ{25} أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ{26} فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ{27} قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ{28}" ******* المفردات الآيات المتقدمة تبيّن بدايات دعوة نوح العظيمة فتقول: " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ "التأكيد على مسألة الإنذار، مع أنّ الأنبياء كانوا منذرين ومبشرين في الوقت ذاته لأنّ الثورة ينبغي أن تبدأ ضرباتها بالإنذار وإعلام الخطر، لأنّه أشدّ تأثيراً في إيقاظ النائمين والغافلين من البشارة." فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا "إنّ الأشراف والمترفين من قوم نوح (عليه السلام) قالوا له أنت مثلنا ولا فرق بيننا وبينك: زعماً منهم أنّ الرسالة الإلهيّة ينبغي أن تحملها الملائكة إلى البشر لا أنّ البشر يحملها إلى البشر!.نلاحظ هنا كلمة «الملأ» التي تشير إلى أصحاب الثروة والقوة الذين يملأ العين ظاهرهم، في حين أنّ الواقع أجوف. ويشكلون أصل الفساد والانحراف في كل مجتمع، ويرفعون راية العناد والمواجهة أمام دعوة الأنبياء (عليهم السلام)." وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ "إنّ الكفار قالوا: يانوح; لا نرى متبعيك ومن حولك إلاّ حفنةً من الأراذل وغير الناضجين الذين لم يسبروا مسائل الحياة.ومفردة «الأراذل» مستمعينا الكرام جمع لـ «أرذل» وتأتي أيضاً جمعا لـ «رذل» التي تعني الموجود الحقير، سواء كان إنساناً أم شيئاً آخر غيره.وبالطبع فإنّ الملتفين حول نوح (عليه السلام) والمؤمنين به لم يكونوا أراذل ولا حقراء، ولكن بما أنّ الأنبياء ينهضون للدفاع عن المستضعفين قبل كل شيء، فأوّل جماعة يستجيبون لهم ويلبّون دعوتهم هم الجماعة المحرومة والفقيرة، ولكن هؤلاء في نظر المستكبرين الذين يعدّون معيار الشخصيّة، القوة والثروة فحسب يحسبونهم أراذل وحقراء وإنّما سمّوهم بـ «بادي الرأي» أي الذين يعتمدون على الظواهر من دون مطالعة ويعشقون الشيء بنظرة واحدة، ففي الحقيقة كان ذلك بسبب أنّ اللجاجة والتعصب لم يكن لها طريق إلى قلوب هؤلاء الذين التفوا حول نوح (عليه السلام) لأنّ معظمهم من الشباب المطهرة قلوبهم الذين يحسّون بضياء الحقيقة في قلوبهم، ويدركون بعقولهم الباحثة عن الحق دلائل الصدق في أقوال الأنبياء (عليهم السلام) وأعمالهم." وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ "الذي أوردوه على نوح (عليه السلام) أنّهم قالوا: بالاضافة إلى أنّك إنسان ولست ملكاً، وأنّ الذين آمنوا بك والتفوا حولك هم من الأراذل، فإنّنا لا نرى لكم علينا فضلاوالآيات التي تعقبها تبيّن ردّ نوح (عليه السلام) وإجاباته المنطقية على هؤلاء حيث تقول: " قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ "وفي ختام الآية يقول النّبي نوح (عليه السلام) لهم: هل أستطيع أن ألزمكم الإستجابة لدعوتي وأنتم غير مستعدّين لها وكارهون لها: " أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ " ******* زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم، طبعاً هنا تدبر السياق في هذه الايات المباركة من سورة هود نجد هناك علاقة كبيرة جداً بين جواب نوح عليه السلام والاشكالات التي طرحها هؤلاء، هؤلاء طرحوا عدة اشكالات، اول اشكال " فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ " اذن الاشكال الاول كان اشكال ان التكذيب " مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا "هذا الاشكال الاول ولهذا جاء جواب نوح عليه السلام قال " يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ " هذا الجواب عن الاشكال الاول لأنهم كذبوه قالوا " مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا "، البشرية مانعة من النبوة فجاء الجواب ان عندي معجزة وبينة هنا يبدو حسب السياق ان البينة هنا بمعنى المعجزة " يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ " يعني هناك معجزة الهية ربانية تثبت نبوتي فأذن الجواب الاول اجابة عن الاشكال الاول الذي كان هو ان البشرية مانعة من النبوة ولهذا قال لهم " وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ " امليت يعني اخفيت هذه الرحمة مثلاً استكباركم واستنكافكم " أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ " يعني هنا الاجبار بأنكار الله عزوجل ان يجبر الناس على الايمان " وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً " انظر هنا " أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ " هذا الجواب الاول اما الجواب الثاني " يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ " انظر " لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً " هنا صدق النبوة لأن النبي جاء ليهدي الناس من دون ان يسألهم الاجر " وَ يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ " جواب على اتهامهم له بالكذب، ماذا قالوا له " بل نظنكم كاذبين " فأذن هذا جواب " لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ "، الاشكال الثالث هو " مَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ " هنا وصفوا جماعة نوح عليه السلام من المؤمنين وصفوهم بالاراذل، بالحقراء في المجتمع، بالطبقة الغير متعلمة " مَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ "، بادي الرأي، يعني اصحاب الاراء الخفيفة السطحية، لايمتلكون عمقاً في الثقافة طبعاً هذا جواب على قولهم، نوح عليه السلام ماذا اجابهم؟ قال " وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ " " وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ* وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْراً اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ " انظر هذا جواب على سؤالهم " َمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ " هذا جواب نوح عليه السلام، هؤلاء مؤمنون متقون، هؤلاء فيهم كل الخير ولايمكن ان اطرد هؤلاء واستبدلهم بالاغنياء، بالمترفين اذن جواب نوح عليه السلام، هذه الاجابات في الحقيقة عن الاشكالات التي اشكلوها عليه من تكذيبهم " فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ". ******* " قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ " بالنسبة للاشكالات التي طرحها الكفار مثل ان نوحا لم يكن ملكا والثاني أنّ أتباع نوح مخدوعون بالظواهر والاخر أنّهم قالوا: " وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ " نجد ان نوح يتحدث حول البينة من الله والرحمة نتعرف على العلاقة التي تربط بين تلك الاشكاليات مع رد نوح (عليه السلام) عبر المحطة التالية التي يتفضل من خلالها سماحة السيد عبد السلام زين العابدين بالجواب عن هذا السؤال ؟ ******* القصة كان نوح (عليه السلام) مؤمنا بالله تعالى قبل بعثته إلى الناس. وكان كثير الشكر لله عزّ وجلّ. فاختاره الله لحمل الرسالة. فخرج نوح على قومه وبدأ دعوته: " يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ "بهذه الجملة الموجزة وضع نوح قومه أمام حقيقة الألوهية.. وحقيقة البعث. تحرك قوم نوح في اتجاهين بعد دعوته. لمست الدعوة قلوب الضعفاء والفقراء والبؤساء، وانحنت على جراحهم وآلامهم بالرحمة.. أما الأغنياء والأقوياء والكبراء، فقد تأملوا الدعوة بعين الشك؛ ولما كانوا يستفيدون من بقاء الأوضاع على ما هي عليه لانها تؤمّن مطامعهم غير المشروعة فقد بدءوا حربهم ضد نوح....في البداية قالوا له بأنه بشر مثلهم : " مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا "رغم أن نوحا لم يقل غير ذلك، وأكد أنه مجرد بشر اوضح لهم قائلا:ان الله يرسل إلى الأرض رسولا من البشر، لأن الأرض يسكنها البشر، ولو كانت الأرض تسكنها الملائكة لأرسل الله رسولا من الملائكة.....لكن الحرب استمرت بين الكافرين ونوح....لما وجد الكفار اجتذاب الفقراء والضعفاء وأهل الصناعات البسيطة الى دعوة نوح بدءوا بالهجوم عليه من هذه الناحية. هاجموه في أتباعه، وقالوا له: لم يتبعك غير الفقراء والضعفاء والأراذل.ثم قالوا لنوح: اسمع يا نوح، إذا أردت أن نؤمن لك فاطرد الذين آمنوا بك، إنهم ضعفاء وفقراء، ونحن سادة القوم وأغنياؤهم.أفهمهم نوح أنه لا يستطيع أن يطرد الذين آمنوا بالله قائلا: أنهم سيلقون الله مؤمنين به فكيف اطرد مؤمنا بالله؟ ثم أنه لو طردهم لخاصموه عند الله الذي سيجازي من طردهم، فمن الذي ينصر نوحا من الله لو طردهم؟وهكذا انتهى نوح إلى أن مطالبة قومه له بطرد المؤمنين جهل منهمثم قال لهم: إن الله قد آتاني الرسالة والنبوة والرحمة....لكنهم لم يروا ما آتاه الله، وهو بالتالي لا يجبرهم على الإيمان برسالته وهم كارهون.إن هؤلاء المؤمنين الذي تحتقرونهم لن تبطل أجورهم وتضيع لاحتقاركم لهم، الله أعلم بما في أنفسهم. هو الذي يجازيهم عليه ويؤاخذهم به. وكأن نوحا (عليه السلام) كان يقول أظلم نفسي لو قلت إن الله لن يؤتيهم خيرا. ******* من هدي الائمة في تفسير العياشي، عن ابن أبي نصر البزنطي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: قال الله في نوح (عليه السلام) و لا ينفعكم نصحي - إن أردت أن أنصح لكم - إن كان الله يريد أن يغويكم» قال: الأمر إلى الله يهدي ويضل. ******* دروس وعبر *الإنسان عادةً إذا لم يشعر بالخطر المحدق به فإنّه يفضل السكون على الحركة وتغيير المواقع. ولذلك فقد كان إنذار الأنبياء وتحذيرهم بمثابة السياط على افكار الضاليّن ونفوسهم، فتؤثر فيمن له القابلية والإستعداد للهداية على التحرك والاتجاه الى الحق.*يشير قوله تعالى " أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ " الى ان هدف الانبياء جميعا هو تبيين قضية التوحيد؛ و ان تاريخ الشرك يعود الى زمن نوح (عليه السلام) " َمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا "هذه العبارة القرانية تشير الى ان الفقراء ولانهم لم يتعلقوا بالدنيا كالمترفين فان طريقهم للايمان بالله تعالى اكثر تعبيدا من غيرهم. *اهل الدنيا ينظرون الى الفضل على انه يتجسد في المال و الثروة وليس الحق والحقيقة " مَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ ".* " بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ " تؤكد هذه العبارة ان اعداء الانبياء لا يمتلكون اي برهان او بينة بل كل ما في جعبتهم هو الظن والريب .* كذلك قوله تعالى " وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ " يؤكد ان جهل الكفار الفضل الذي يحظى به المؤمنون يعود الى انهم ينظرون الى الامور بعينهم وليس بعقلهم " وَمَا نَرَى " . ******* قارون - 40 2010-10-09 00:00:00 2010-10-09 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6863 http://arabic.irib.ir/programs/item/6863 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله والصلاة والسلام على حامل وحيه محمد المصطفى واله الهداة الابرار، مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته واهلا بكم الى برنامج القصص الحق • * ايها الاحبة في هذه الحلقة من البرنامج نقف عند قصة قارون الذي كان من قوم موسى وذكرت في سورة القصص الآيات ٧٦-٨٢ • * فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية • * بداية ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الايات • ثم نتعرف على معاني المفردات والعبارات التي وردت في الايات • نستمع الى الحوار القراني الذي اجري بشان الايات مع سماحة السيد عبد السلام زين العابدين الاستاذ في العلوم القرآنية من مدينة قم • لنستمع بعد ذلك الى سرد الحكاية • نقدم لكم بعضا من احاديث الامام علي (عليه السلام) في فقرة من هدي الائمة (عليه السلام) • ومسك الختام مع باقة من الدروس والعبر المستقاة من هذه الحكاية القرانية • فاهلا ومرحبا بكم الى فقرات هذه اللقاء المقدمة هذه الايات تتحدث عن مواجهة بني إسرائيل مع رجل ثري منهم يدعى «قارون»، الذي كان مظهراً للثراء المقرون بالكبر والغرور والطغيان والمعروف أنّ «قارون» كان من أرحام موسى وأقاربه وكان عارفاً بالتوراة، وكان في بداية أمره مع المؤمنين، إلاّ أنّ غرور الثروة جرّه إلى الكفر ودعاه إلى أن يقف بوجه موسى (عليه السلام) وأماته ميتة ذات عبرة للجميع، حيث نقرأ شرح ذلك في الآيات التالية فلنستمع الى تلاوتها: التلاوة " إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ{76} وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ{77} قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ{78} فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ{79} وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ{80} فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ{81} وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ{82} " ******* المفردات يقول القرآن في شأن قارون أوّلا: "إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ" وسبب بغيه وظلمه إنّه كان ذا ثروة عظيمة، ولأنّه لم يكن يتمتع بإيمان قوي وشخصية متينة فقد غرّته هذه الثروة الكبيرة وجرّته إلى الانحراف والاستكبار يصف القرآن ما عنده من ثروة فيقول: "وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ". «المفاتح» جمع «مَفتَح» معناه المكان الذي يدخّر فيه الشيء كالصندوق الذي يحفظ فيه المال، وهو ما يسميه بعض التجار بـ (القاصة) فيكون المعنى: إنّ قارون كان ذا مال كثير ووفير من الذهب والفضّة، بحيث كان يصعب حمل صناديقها على الرجال الأشداء بالتعبير القرآني (أولي القوّة) ومع ملاحظة كلمة «عصبة» التي تعني الجماعة المُتآزرة يداً بيد على الأمر المهم، يتّضح حجم الذهب والفضة والمعادن الثمينة التي كانت عند قارون، قال بعضهم: العصبة هي من عشرة رجال إلى أربعين رجلا. وكلمة «تنوء» مشتقّة من «النوء» ومعناه القيام بمشقّة وثقل، وتستعمل في حمل الأثقال التي لها ثقل ووزن كبير، بحيث لو حملها الإنسان لمال إلى أحد جانبيه. فلنتجاوز هذا البحث لنرى ما قال بنوا إسرائيل لقارون، يقول القرآن في هذا الصدد: "إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ" ثمّ يقدمون له أربع نصائح قيّمة اُخرى ذات تأثير مهم على مصير الإنسان، بحيث تتكامل لديه حلقة خماسية من النصائح مع ما تقدم من قولهم له: "لَا تَفْرَحْ" فالنصيحة الاُولى قولهم له: "وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ" وكان قارون رجلا ذا قدرة على الأعمال الاجتماعية الكبيرة بسبب أمواله الطائلة، ولكن ما الفائدة منها وقد أعماه غروره عن النظر إلى الحقائق والنصيحة الثّانية قولهم له: "وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا" والآية تشير إلى مسألة واقعيّة، وهي أنّ لكل فرد منّا نصيباً من الدنيا، فالأموال التي يصرفها على بدنه وثيابه ليظهر بمظهر لائق هي أموال محدودة، وما زاد عليها لا تزيد مظهره شيئاً، والنصيحة الثّالثة هي: "وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ" اي كما أنّ الله تفضل عليك وأحسن، فأحسن أنت إلى الناس وشبيه هذا الكلام نجده في الآية ٢٢ من سورة النور في شأن العفو والصفح، إذ تقول الآية: "وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ" والنصيحة الرابعة والأخيرة أن لا تغرنّك هذه الأموال والإمكانات المادية فتجرّك إلى الفساد: "وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ" إنّهم يجرون المجتمع إلى الفساد والانحراف والآن لنلاحظ ما كان جواب هذا الإنسان الباغي والظالم الإسرائيلي لجماعته الواعظين له فأجابهم قارون بتلك الحالة من الغرور والتكبر الناشئة من ثروته الكبيرة، "قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي" وهنا يجيب القرآن على قول قارون وأمثاله من المتكبرين الضالين، فيقول: "أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا" فكأنما الله سبحانه يخاطبه: هل نسيت من كان أكثر منك علماً وأشدّ قوّة وأثرى مالا، فهل استطاعوا أن يفروا من قبضة العذاب الإلهي؟! لقد عبّر اولو الالباب والضمائر الحيّة عن المال بقولهم لقارون: "مَا آَتَاكَ اللَّهُ"، ولكن هذا الغافل غير المؤدّب ردّ على قولهم بأنّ ما عنده من مال فهو بواسطة علمه وفي ختام الآية إنذار ذو معنى كبير آخر لقارون، جاء في غاية الإيجاز: "وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ" فلا مجال للسؤال والجواب، فالعذاب واقع لا محالة بصورة قطعيّة ومؤلمة، وهو عذاب فجائي مُدمّر فيقول القرآن: "فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ". امام قومه من بني اسرائيل. والتعبير بـ «في زينته» ناطق عن هذه الحقيقة، وهي أنّه أظهر جميع قدرته وقوته ليبدي ما لديه من زينة وثروة. هنا أصبح الناس طائفتين "قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ" لكن أمام هذه الطائفة كانت طائفة اُخرى من العلماء والمتقين الورعين، سمت آفاقهم عن مثل هذه المسائل، وكانوا حاضرين حينئذ و«المشهد» يمرّ من أمامهم وكما يعبر عنهم القرآن "وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا" ثمّ أردفوا مؤكّدين "وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ" ثم يقول القرآن الكريم "فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ" «الخسف» هنا يعني انشقاق الأرض وابتلاع ما عليها، حدثت على مدى التاريخ عدّة مرات.. إذ تتزلزل الأرض ثمّ تنشقّ وتبتلع مدينة كاملة أو عمارات سكنية داخلها، لكن هذا الخسف الذي حدث لقارون يختلف عن تلك الموارد.. هذا الخسف كان طعمته قارون وخزائنه فحسب "فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ" فلم يخلصه أصدقاؤه، ولا الذين كانوا يحملون أمتعته ولا أمواله ولا أي أحد من عذاب الله، ومضى قارون وأمواله ومن معه في قعر الأرض "وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ" لقد ثبت عندهم اليوم أن ليس لأحد شيء من عنده! فكلّ ما هو موجود فمن الله، فلا عطاؤه دليل على رضاه عن العبد، ولا منعه دليل على تفاهة عبده عنده فالله تعالى يمتحن بهذه الأموال والثروة عباده أفراداً وأقواماً، ويكشف سريرتهم ونيّاتهم. لذلك شكروا الله على هذه النعمة وقالوا: "لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ" فاصبحوا يقولون. فالآن نرى الحقيقة بأعيننا، وعاقبة الغرور والغفلة ونهاية الكفر والشهوة!. ونعرف أنّ أمثال هذه الحياة المثيرة للقلوب بمظاهرها الخداعة، ما أوحشها! وما أسوأ عاقبتها!. ******* كارشناس *ما هو العلم الذي كان عند قارون وسكت عنه القران ؟ ******* * "وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ" أي سؤال هذا الذي نفاه الله أهو في الدنيا أم في الآخرة وكيف ينسجم هذا التعبير في القرآن مع قوله تعالى: "فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ". ******* القصة يحدثنا الله عن كنوز قارون فيقول سبحانه وتعالى إن الصناديق التي تضم الكنوز، كان يصعب حملها على مجموعة من الرجال الأشداء. ولو عرفنا عن صناديق الكنوز هذه الحال، فكيف كانت الكنوز ذاتها؟! لكن قارون بغى على قومه بعد أن آتاه الله الثراء. بغى عليهم بظلمهم وغصبهم أرضهم وأشياءهم. بغى عليهم بحرمانهم حقهم في ذلك المال. حق الفقراء في أموال الأغنياء. جاء العقلاء من قومه لينصحوه بالقصد والاعتدال، وهو المنهج السليم. فحذروه من الفرح الذي يؤدي بصاحبه إلى نسيان من هو المنعم بهذا المال، وينصحونه بالتمتع بالمال في الدنيا، من غير أن ينسى الآخرة، فعليه أن يعمل لآخرته بهذا المال. وذكروه بأن هذا المال هبة من الله وإحسان، فعليه أن يحسن ويتصدق من هذا المال، حتى يرد الإحسان بالإحسان. وحذروه من الفساد في الأرض، بالبغي، والظلم، والحسد، والبغضاء، وإنفاق المال في غير وجهه، أو إمساكه عما يجب أن يكون فيه. فالله لا يحب المفسدين. فكان رد قارون جملة واحد تحمل شتى معاني الفساد "قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي". لقد أنساه غروره مصدر هذه النعمة وحكمتها، وفتنه المال وأعماه الثراء. فلم يستمع قارون لنداء قومه، ولم يشعر بنعمة ربه. وخرج قارون ذات يوم على قومه، بكامل زينته، فطارت قلوب بعض القوم، وتمنوا أن لديهم مثل ما أوتي قارون، وأحسوا أنه في نعمة كبيرة. فرد عليهم من سمعهم من أهل العلم والإيمان: ويلكم أيها المخدوعون، احذروا الفتنة، واتقوا الله، واعلموا أن ثواب الله خير من هذه الزينة، وما عند الله خير مما عند قارون. وعندما تبلغ فتنة الزينة ذروتها، وتتهافت أمامها النفوس وتتهاوى، تدخل القدرة الإلهية لتضع حدا للفتنة، وترحم الناس الضعاف من إغراءها، وتحطم الغرور والكبرياء، فيجيء العقاب حاسما "فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ" هكذا في لمحة خاطفة ابتلعته الأرض وابتلعت داره. وذهب ضعيفا عاجزا، لا ينصره أحد، ولا ينتصر بجاه أو مال. وبدأ الناس يتحدثون إلى بعضهم البعض في دهشة وعجب واعتبار. فقال الذين كانوا يتمنون أن عندهم مال قارون وسلطانه وزينته وحظه في الدنيا: حقا إن الله تعالى يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويوسع عليهم، أو يقبض ذلك، فالحمد لله أن منّ علينا فحفظنا من الخسف والعذاب الأليم. إنا تبنا إليك سبحانك، فلك الحمد في الأولى والآخرة. ******* من هدي الائمة بخصوص الاية "وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا" ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «من أبصر بها بصَّرته ومن أبصر إليها أعمته» وما أجمل قول الإمام علي (عليه السلام) : «يابن آدم ما كسبت فوق قوتك فأنت فيه خازن لغيرك» كما ورد في تفسير "وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا" عن الإمام علي ابن أبي طالب (عليه السلام) أنّه قال: «لا تنس صحتك وقدرتك وفراغك وشبابك ونشاطك أن تطلب بها الآخرة» ******* دروس وعبر * " وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا" هذه إشارة إلى أنّ المال والثروة ليس أمراً سيئاً كما يتصوره بعض المتوهّمين، المهم أن تعرف فيم يستعمل المال، وفي أي طريق ينفق، فإذا ابتغي به الدار الآخرة فما أحسنه! أو كان وسيلة للعب والهوى والظلم والتجاوز، فلا شيء أسوأ منه * " وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ"، وهو أنّ الله قد يهب الإنسان مواهب عظيمة لايحتاج إليها جميعاً في حياته الشخصيّة بل الانسان وكيل مخوّل من قبل الله لنقلها إلى الآخرين، أعطاه الله هذه المواهب لادارة شؤون العباد. * "وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ" وهذه حقيقة اُخرى، اذ إنّ كثيراً من الأثرياء وعلى أثر جنون زيادة المال أحياناً أو طلباً للاستعلاء، يفسدون في المجتمع، فيجرّون إلى الفقر والحرمان، ويحتكرون جميع الأشياء في أيديهم، ويتصورون أنّ الناس عبيدهم ومماليكهم، ومن يعترض عليهم فمصيره الموت، وإذا لم يستطيعوا إتهامه أو الإساءة إليه بشكل صريح، فإنّهم يجعلونه معزولا عن المجتمع بأساليبهم وطرائقهم الخاصة * أنّ الطريف في الأمر أنّ القرآن عبّر عن الطائفة التي تمنت الدنيا بـ "الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا" لكنّه لم يعبر عن الطائفة الثّانية بأنّهم «الذين يريدون الحياة الاخرة» بل عبر عنهم بـ "الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ" فحسب، لأنّ العلم هو أساس كل شيء وجذر الإيمان والاستقامة والعشق للثواب الإلهي والدار الآخرة *ويتّضح من عبارة "وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ". أنّ قارون المغرور مات كافراً غير مؤمن، بالرغم من أنّه كان يعدّ عارفاً بالتوراة قارئاً لها، وعالماً من بني إسرائيل ومن أقارب موسى. ******* السير باتجاه بيت المقدس - 39 2010-10-04 00:00:00 2010-10-04 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6860 http://arabic.irib.ir/programs/item/6860 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله والصلاة والسلام على امين وحيه محمد المصطفى واله الهداة الابرار. مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته واهلا بكم الى برنامج القصص الحق * ايها الاحبة في هذه الحلقة من البرنامج نواصل حديثنا عن حكاية نبي الله موسى (عليه السلام) التي ذكرت في الايات ٢٠ الى ٢٦ من سورة المائدة وهي تستعرض جوانب من قصة موسى مع قومه . • فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية: • بداية نتبرك بالانصات الى تلاوة شيء من هذه الايات • ثم نتعرف على معاني مفرداتها وعباراتها • نستمع الى الحوار القراني الذي اجري بشان الايات مع الاستاذ عبد السلام زين العابدين • لنستمع بعد ذلك الى الحكاية عبر محطة القصة • ونغترف من معين رسول الرحمة (صلى الله عليه واله) واخيه الامام علي (عليه السلام) بشان الايات • ومسك الختام مع باقة من الدروس والعبر المستقاة من هذه الحكاية القرانية فاهلا ومرحبا بكم الى فقرات هذا اللقاء والآن الى مجريات الاحداث عبر المحطة التالية ******* المقدمة جاءت هذه الآيات لتثير لدى اليهود دافع التوجه إلى الحق والسعي لمعرفته أوّلا، وإيقاظ ضمائرهم حيال الأخطاء والآثام التي إرتكبوها ثانياً، ولكي تحفزهم إلى السعي لتلافي اخطائهم والتعويض عنها، لنوكل الحديث عن الايات الى ما بعد ان نستمع الى تلاوة شيء من هذه الايات ******* التلاوة " وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن الْعَالَمِينَ{20} يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ{21} قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ{22} قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{23} قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ{24} قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ{25} قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ{26} ******* المفردات يذكر القرآن اليهود في الآية الاُولى بما قاله النّبي موسى (عليه السلام) لأصحابه حيث تقول: " وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ " ولا يخفى أنّ عبارة " نِعْمَةَ اللّهِ " تشمل جميع الأنعم الإلهيّة، لكن الآية استطردت فبيّنت ثلاثاً من أهم هذه النعم، أوّلها نعمة ظهور أنبياء وقادة كثيرين بين اليهود، والتي تعتبر أكبر نعمة وهبها الله لهم، فتقول الآية: " إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ " وقد نقل أنّ في زمن موسى بن عمران وحده كان يوجد بين اليهود سبعون نبيّا. بعد هذا تشير الآية إلى أكبر نعمة مادية وهبها الله لليهود فتقول: " وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا " وتعتبر هذه النعمة أيضاً مقدمة للنعم المعنوية، فقد عانى بنو إسرائيل لسنين طويلة من ذل العبودية في ظل الحكم الفرعوني، فلم يكونوا ليمتلكوا في تلك الفترة أي نوع من حرية الإرادة، بل كانوا يعاملون معاملة البهائم المكبلة في القيود، وقد أنقذهم الله من كل تلك القيود ببركة النّبي موسى بن عمران (عليه السلام) وملكهم مصائرهم ومقدراتهم. وتشير هذه الآية في اخرها إلى أنّ الله قد وهب بني إسرائيل في ذلك الزمان نعماً لم ينعم بها على أحد من أفراد البشر في ذلك الحين فتقول: " وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ " وكانت هذه النعم الوافرة كثيرة الأنواع، فمنها نجاة بني إسرائيل من مخالب الفراعنة الطغاة، وانفلاق البحر لهم، ونزول غذاء خاص عليهم مثل «المن والسلوى». والآية التالية تبيّن واقعة دخول بني إسرائيل إلى الأرض المقدّسة نقلا عن لسان نبيّهم موسى (عليه السلام) فتقول: " يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ " وقد اختلف المفسّرون حول المراد بعبارة " الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ " الواردة في الآية، وحول موقعها الجغرافي من العالم لكن لا يستبعد أن يكون المراد من العبارة المذكورة كل أرض الشام التي تشمل جميع الاحتمالات الواردة في ذيل الاية، لأنّ هذه الأرض كما يشهد التاريخ تعتبر مهداً للأنبياء، ومهبطاً للوحي، ومحلا لظهور الأديان السماوية الكبرى، ويستدل من جملة " كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ... " على إنّ الله قد قرر أن يعيش بنو إسرائيل في الأرض المقدّسة بالرغد والرخاء والرفاه (شريطة أن يحموا هذا الأرض من دنس الشرك والوثنية) وأن لا ينحرفوا (عن تعاليم الأنبياء) وإن لم يلتزموا بهذا الأمر فسيحيط بهم من قبل الله عذاب أليم شديد. تقول الآية: " قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ " انّ كلمة " جَبَّارِ " مأخوذةٌ أو مشتقة من الأصل (جبر) أي إصلاح الشيء بالقسر والإرغام، ولذلك سمّي إصلاح العظم المكسور (تجبيراً) فهذه الكلمة تطلق من جهة على كل نوع من التجبير والإصلاح، ومن جهة اُخرى تطلق على كل أنواع التسلط القسري، وحين تطلق كلمة " جَبَّارِ " على الله سبحانه وتعالى فذلك إمّا لتسلطه على كل شيء، أو لأنّه هو المصلح لكل موجود محتاج إلى الإصلاح. اما الجبارون في الاية فهم قوم من العنصر السامي كانوا يعيشون في شمال شبه جزيرة العرب بالقرب من صحراء سيناء، وقد هاجموا مصر واستولوا عليها وكانوا يمتلكون أجساماً ضخمة، وكانت لهم أطوال خارقة، اذ كان على بني إسرائيل أن يحرروا تلك الأرض بكفاحهم وتضحياتهم، بعد هذا الحديث يشير القرآن الكريم إلى رجلين أنعم الله عليهما بالإيمان والتقوى والورع وشملهما بنعمه الكبيرة واجها بني إسرائيل بقولهما: ادخلوا عليهم من باب المدينة، وحين تدخلون عليهم سيواجهون الأمر الواقع فتكونوا أنتم المنتصرين، تقول الآية الكريمة في هذا المجال: " قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ " . وتؤكّد الآية بعد ذلك ضرورة الإعتماد على الله في كل خطوة من الخطوات، والاستمداد من روح الإيمان بقوله تعالى: " وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " . مع كل الاحتمالات العديدة الواردة في تفسير جملة " مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ " إلاّ أنّ الواضح من ظاهر هذه الجملة، هو أنّ الرجلين المذكورين في الآية هما من جماعة تخاف الله وتخشاه وحده دون غيره، تقول الآية الكريمة: " قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ " وتبيّن هذه الآية مدى الوقاحة التي وصل إليها بنو إسرائيل في مخاطبة نبيّهم موسى (عليه السلام)، فهم بقولهم «لن» و«أبداً» أكدوا رفضهم القاطع للدخول إلى الأرض المقدّسة، كما أنّهم استخفّوا بموسى (عليه السلام) ودعوته واستهزؤوا بهما، بقولهم: " اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ... " كما أنّهم أيضاً لم يعيروا التفاتاً لإقتراح الرجلين المؤمنين المذكورين في الآية، ولم يبدوا حيال ذلك أي جواب. تقول الآية الكريمة في هذا المجال: " قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ " وبديهي إنّ رفض بني إسرائيل القاطع لأمر نبيّهم كان بمثابة الكفر، وما استخدام القرآن لعبارة «الفاسق» بحقّ هؤلاء إلا لأنّ كلمة «الفسق» لها معان واسعة، وتشمل كل خروج وانحراف عن سنة العبودية لله، وكانت نتيجة صلف وعناد بني إسرائيل أنّهم لاقوا عقابهم، إذ استجاب الله دعاء نبيّه موسى (عليه السلام)، فحرم عليهم دخول الأرض المقدّسة، المليئة بالخيرات مدّة أربعين عاماً، وفي هذا المجال تقول الآية القرآنية الكريمة: " قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً " وزادهم عذاباً إذ كتب عليهم التيه والضياع في البراري والقفار طيلة تلك الفترة، حيث تقول الآية في ذلك: " يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ " . بعد ذلك تذكر الآية أنّ ما نال بني إسرائيل من عذاب في تلك المدّة، كان مناسباً لما فعلوه، وتطلب من موسى (عليه السلام) أن لا يحزن على المصير الذي لا قوه حيث تقول الآية الكريمة: " فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ " . حياكم الله مستمعينا الكرم وانتم برفقة برنامج القصص الحق من اذاعة طهران .... ننتقل الان الى الحوار التالي الذي اجري بشان الايات محل البحث ******* المحاورة: مستمعينا الاعزاء اهلاً ومرحباً بكم في هذه المحطة من برنامج القصص الحق ونستضيف خبير البرنامج سماحة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من مدينة قم المقدسة، اهلاً بكم سماحة السيد عبد السلام زين العابدين زين العابدين: الله يبارك فيكم ان شاء الله المحاورة: سماحة السيد وقد يسأل سائل في هذا المجال عن مصدر علم هذين الرجلين وكيف علما ان بني اسرائيل ستكون لهم الغلبة ان هم دخلوا المدينة او الارض المقدسة في هجوم مباغت؟ زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً هناك ربما عدة احتمالات لمعرفة هذين الرجلين اللذين يعبر عنهم القرآن الكريم " أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا " طبعاً هذا التعبير تعبير جميل وربما يساهم في معرفة اولاً قد يكونوا هم عرفوا ذلك من قول موسى عليه السلام " الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ " فهذه المقولة قالها موسى عليه السلام " يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ " قد يكون هذان الرجلان قد عرفا انهم سينتصرون " قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ " ربما لثقتهم بموسى عليه السلام وكان هؤلاء من الاولياء، احدهم كما جاء في الروايات هو يوشع بن نون من نقباء بني اسرائيل فلثقتهم بموسى وبوعد موسى عليه السلام ربما، ربما لمعرفتهم بطبيعة العدو لأن العدو اذا كان ظالماً وجائراً وبعيداً عن الله عزوجل لابد ان يكون عدواً ضعيفاً وهم بما يمتلكون من ايمان ومن مباغتة، انظروا يعني " قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ " يعني هنا الثقة بالله عزوجل وتوفير الاسباب اللازمة واستثمار عنصر المباغتة في الحرب ربما فهموا ذلك من خلال هذا الامر، يعني هناك ربما عدة امور جعلتهم يطمئنون بأنهم سينتصرون يعني ربما من هذا المعنى اما من قول موسى عليه السلام " كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ " او من معرفة العدو ومعرفة انفسهم والتأييد الرباني والتسديد الرباني لهم في معركتهم " كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ " ربما يعني احد هذين السببين او ربما السبب الاول والسبب الثاني ساهما في اطمئنان هؤلاء على ان ينتصروا على اعداءهم. ******* القصة السير باتجاه بيت المقدس سار موسى بقومه في اتجاه البيت المقدس، وأمرهم بدخولها وقتال من فيها والاستيلاء عليها. وها قد جاء امتحانهم الأخير. بعد كل ما وقع لهم من المعجزات والآيات والخوارق. جاء دورهم ليحاربوا -بوصفهم مؤمنين- قوما من عبدة الأصنام. لكنهم رفضوا دخول الأراضي المقدسة. وحدثهم موسى (عليه السلام) عن نعمة الله عليهم. كيف جعل فيهم أنبياء، وجعلهم ملوكا يرثون ملك فرعون، وآتاهم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ. وكان رد قومه عليه أنهم يخافون من القتال. قالوا: " إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ " ، واعلنوا بحزم انهم لن يدخلوا الأرض المقدسة حتى يخرج منها هؤلاء. وانضم لموسى وهارون اثنان من القوم.لم يجد موسى من بينهم غير رجلين على استعداد للقتال. وراح هذان الرجلان يحاولان إقناع القوم بدخول الأرض والقتال. قالا: إن مجرد دخولهم من الباب سيجعل لهم النصر. ولكن بني إسرائيل جميعا كانوا يتدثرون بالجبن ويرتعشون في أعماقهم. مرة أخرى تعاودهم طبيعتهم التي عاودتهم قبل ذلك حين رأوا قوما يعكفون على أصنامهم. فسدت فطرتهم، وانهزموا من الداخل، واعتادوا الذل، فلم يعد في استطاعتهم أن يحاربوا. وإن بقي في استطاعتهم أن يتوقحوا على نبي الله موسى وربه. فقد قالوا له كلمتهم الشهيرة: " فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ " هكذا بصراحة وبلا التواء. وعلم موسى أن قومه ما عادوا يصلحون لشيء. مات الفرعون ولكن آثاره في النفوس باقية يحتاج شفاؤها لفترة طويلة. فعاد عليه السلام إلى ربه يحدثه أنه لا يملك إلا نفسه وأخاه. ودعا على قومه أن يفرق الله بينه وبينهم. وأصدر الله تعالى حكمه على هذا الجيل الذي فسدت فطرته من بني إسرائيل. كان الحكم هو التيه أربعين عاما. حتى يموت هذا الجيل أو يصل إلى الشيخوخة. ويولد بدلا منه جيل آخر، جيل لم يهزمه أحد من الداخل، ويستطيع ساعتها أن يقاتل وأن ينتصر ******* من هدي الائمة (عليه السلام) في ذيل الاية المباركة " وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ " نقل في تفسير «الدر المنثور» عن النّبي (صلى الله عليه وآله) حديث جاء فيه: «كانت بنوإسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكاً». وهذا يعني ان المقصود بالملوك في الآية هم اصحاب الرفاه المادي. وقد أشار الإمام علي بن أبي طالب في إحدى خطبه الواردة في كتاب نهج البلاغة إلى الحقيقة التي تشير اليها الاية المباركة " قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " بقوله (عليه السلام): " فوالله ما غُزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا " ******* دروس وعبر *في قوله تعالى " يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ " لا يوجد أيّ تناقض بين فشل جيل من بني إسرائيل الذين خوطبوا بهذه الآية في دخول الأرض المقدّسة، وإبتلائهم بالتيه والضياع لمدّة أربعين عاماً في الصحارى والقفار، حتى نجح الجيل التالي من بعدهم بدخول تلك الأرض، لا يوجد أيّ تناقض بين ما ذكر وبين جملة " كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ... " لأنّ هذا التقدير الإلهي والقرار الرباني إنّما قيد بشروط لم ينفذها ذلك الجيل الأوّل من بني إسرائيل. * " قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ " يدل جواب بني إسرائيل هذا على الأثر المشؤوم الذي خلّفه الحكم الفرعوني على نفوس هؤلاء فإنّ في كلمة «لن» التي تفيد التأبيد دلالة على الخوف والرعب العميقين اللذين استوليا على هذه الطائفة ممّا أرغمهم على الإمتناع عن الدخول في أي صراع من أجل تحرير الأرض المقدّسة وتطهيرها * " قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " لعل علم هذين الرجلين بتلك الغلبة كان نابعاً من ثقتهما بأقوال النّبي موسى (عليه السلام) أو أنّهما اعتمدا على قاعدة كلية في الحروب، مفادها أنّ الجماعة المهاجمة إن استطاعت الوصول إلى مقر ومركز العدو أي تمكنت من محاربة العدو في داره فإنّها ستنتصر عليه * تصف الاية الرجلين بـ " أنعم الله عليهما... " و المقصود من النعمة هو الخوف والخشية من الله فأي نعمة أكبر وأرفع من أن يخاف الإنسان من الله وحده ولا يخشى أحداً سواه *يجب الإنتباه إلى أنّ حرمان بني إسرائيل من الدخول إلى الأرض المقدسة، لم يكن له طابع للإنتقام كما أن جميع العقوبات الإلهيّة ليس فيها طابع انتقامي، بل هي إما أن تكون لأجل تقويم شخصية الفرد، أو تكون نتيجة لأخطائه ومعاصيه. ******* اختيار سبعين رجلا لميقات الله - 38 2010-10-26 00:00:00 2010-10-26 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6862 http://arabic.irib.ir/programs/item/6862 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة على رسوله واله الهداة الابرار. مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته و اهلا بكم الى برنامج القصص الحق. • ايها الاحبة في هذه الحلقة من البرنامج نواصل الحديث عن قصة نبي الله موسى التي ذكرت في سورة الاعراف من الاية ١٥٥حتى ١٥٧ فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية: • بداية ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الايات • ثم نتعرف على معاني مفرداتها وعباراتها • ونستمع الى الحوار القراني الذي اجري بشأن الايات ثم نتابع معا سرد حكاية اختيار سبعين رجلا لميقات الله: • نغترف من معين حديث رسول الرحمة لنرتوي منه في معرفة وفهم الآيات الكريمة • ومسك الختام مع باقة من الدروس و العبر المآخوذة من هذه الحكاية • فاهلا و مرحبا بكم الى فقرات هذا اللقاء ******* المقدمة في الآيات التالية يعرض القرآن الكريم قصة ذهاب موسى إلى الميقات اي «الطور» في صحبة جماعة، ويقص قسماً آخر من تلك الحادثة. هذا وقد وقع بين المفسّرين كلام في أنّه هل كان لموسى (عليه السلام) ميقات واحد مع ربّه، أو أكثر من ميقات واحد؟ و لكن يظهر من مجموع القرائن في القرآن الكريم والرّوايات أنّ موسى (عليه السلام) كان له ميقات واحد، وذلك برفقة جماعة من بني إسرائيل. وفي هذا الميقات بالذات أنزل الله الألواح على موسى وكلمه (عليه السلام)، وفي نفس هذا الميقات اقترح بنو إسرائيل على موسى (عليه السلام) أن يطلب من الله أن يريهم نفسه جهرة، في هذا الوقت نفسه نزلت الصاعقة أو حدث الزلزال وغُشي على موسى (عليه السلام) وسقط بنو إسرائيل على الأرض مغشياً عليهم. ******* التلاوة " وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) " ******* المفردات قال الله تعالى: " وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا " عندما سمع بنو إسرائيل موسى وهو يكلم الله طلبوا منه (عليه السلام) أن يطلب من الله تعالى أن يريهم نفسه لبني إسرائيل جهرة، وفي هذا الوقت بالذات أخذهم زلزال عظيم وهلك الجماعة، ووقع موسى (عليه السلام) على الأرض مغشياً عليه، وعندما أفاق قال: ربّاه لو شئتَ لأهلكتَنا جميعاً، يعني بماذا أجيبُ قومي لو هلك هؤلاء: " فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ " ثمّ قال: ربّاه إنّ هذا المطلب إنّما هو فعل جماعة من السفهاء، فلا تؤاخذنا بفعلهم: وبالتعبير القراني " أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا " ؟ ثمّ إنّ موسى (عليه السلام) قال في عقب هذا التضرع والطلب من الله: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ " اي إختبارك ثم يقول (عليه السلام): " تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ " من مجموع الآيات والرّوايات يستفاد أنّ الهالكين قد استعادوا حياتهم في المآل وعادوا برفقة موسى (عليه السلام) إلى بني إسرائيل، وقصُّوا عليهم كلّ ما سمعوه وشاهدوه، وأخذوا في إرشاد الغافلين الجاهلين وهدايتهم. وفي الآية اللاحقة يشير إلى طلب موسى (عليه السلام) من ربّه جل جلاله تكميل مسألة التوبة التي ذكرت في الآيات السابقة، يقول موسى: " وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ " و«الحسنة» تعني كلَ خير وجمال، وعلى هذا الأساس تشمل جميع النعم، وكذا التوفيق للعمل الصالح، والمغفرة، والجنّة، وكل نوع من أنواع السعادة.. ثمّ يبيّن القرآن الكريم دليل هذا الطلب هكذا: " إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ " أي عدنا إليك واعتذرنا عمّا فعله سفهاؤنا، حيث طلبوا ما لا يليق بمقام الله. و«هدنا» مشتقة من مادة «هَوْد» بمعنى العودة المقترنة بالرفق والهدوء، اي التوبة والعودة إلى طاعة الله. ولقد أجاب الله دعاء موسى (عليه السلام) وقَبِلَ توبته، ولكن لا بصورة مطلقة، بل جاء ذلك في ختام الآية مشروطاً بشروط، أذ يقول: " قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ " . و«المشيئة» في هذه الموارد، بل في جميع الموارد، ليس بمعنى الإرادة المطلقة ومن غير قيد أو شرط، بل هي إرادة مقترنة بالحكمة والصلاحيات واللياقات، وبهذا يتّضح الجواب على كل إشكال في هذا الصعيد. ثمّ يضيف تعالى قائلا "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ " إنّ هذه الرحمة الواسعة يمكن أن تكون إشارة إلى النعم والمواهب الدنيوية التي تشمل الجميع ويستفيد منها الكل، براً وفاجراً، صالحاً وطالحاً. كما يمكن أن تكون إشارة إلى أنواع الرحمة المادية والمعنوية، لأنّ النعم المعنوية لا تختَص بقوم دون قوم، وإن كان لها شرائط تتوفر لدى الجميع. ولكن حتى لا يظن أحد أنّ قبول التوبة، أو سعة الرحمة الإلهيّة وشموليتها، غير مقيدة وغير مشروطة، ومن دون حساب أو كتاب، يضيف في ختام الآية: سرعان ما أكتب رحمتي للّذين تتوفر فيهم ثلاثة أمور: اتقوا، وآتوا الزكاة، وآمنوا بآياتي "فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ " . و«التقوى» إشارة إلى إجتناب كل معصية وإثم. و«الزكاة» مراده هنا بمعناها الواسع، وحسب الحديث المعروف «لكل شيء زكاة» يشمل جميع الأعمال الصالحة والطيبة. وجملة "وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ " تشمل الإيمان بالمقدسات. وبهذه الطريقة تتضمّن الآية برنامجاً كاملا وجامعاً. حيا الله مستمعينا الكرم اذ نتمنى مرافقة طيبة مع برنامج القصص الحق من اذاعة طهران . ننتقل الان الى اللقاء القراني التالي الذي اجري حول سرد حكاية موسى (عليه السلام) في القران الكريم. ******* المحاورة: مستمعينا الاعزاء اهلاً ومرحباً بكم في هذه المحطة من برنامج القصص الحق ونستضيف خبير البرنامج عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من مدينة قم المقدسة، اهلاً بكم سماحة السيد عبد السلام زين العابدين زين العابدين: الله يبارك فيكم ان شاء الله، اهلاً وسهلاً المحاورة: سماحة السيد ان القرآن الكريم لايراعي التسلسل في سرد حكاية موسى لاسيما في سورة الاعراف في وضع آياتها مثلاً يتحدث عن ميقات موسى عليه السلام ثم يذكر قصة عبادة العجل ثم يعود مرة اخرى الى مسألة الميقات، هل هذا النظم وهذا الطراز من الكلام يناسب الفصاحة والبلاغة التي يتسم بها القرآن الكريم؟ زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً ليس من الضروري انه حينما القرآن يذكر قصة يذكر بالسرد التاريخي يعني الترتيب التاريخي انما القرآن يأخذ بالقصة وما ينسجم مع السياق لخدمة الفكرة، اهم ملاحظة للعرض القرآني هو ان القصة في خدمة الفكرة يعني القرآن الكريم يختار المقطع من القصة الذي يلائم السياق او الفكرة التي يطرحها السياق لهذا نجد في سورة القصص يبدأ القرآن الكريم من طفولة موسى، من اول يوم من حياة موسى عليه السلام بينما في سورة طه يبدأ من رجوعه من مدين لأن سورة طه تتكلم عن معاناة الرسالة "طه ما انزلنا عليك القرآن لتشقى" اما سورة القصص تتحدث عن "ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين" فالسياق يلائم ان يكون يبدأ من طفولة موسى، طفل لاحول له ولاطول ولاقوة، بعذ ذلك ينمو في احضان فرعون وفي قصر فرعون. في سورة الاعراف طبعاً هناك انسجام في المقاطع يعني قصة ميقات موسى عليه السلام في الاية الثالثة والاربعين بعد المئة، بعد ذلك قصة ميقات السبعين يعني "واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا فلما اخذتهم الرجفة قال ربي لو شئت اهلكتهم من قبل واياي" الاية 155 يعني قصة الميقات، ميقات موسى عليه السلام كان قبل اختيار السبعين ولهذا السبعون الذين قالوا "أرنا الله جهرة" اذن قضية التسلسل سورة الاعراف تسلسل طبيعي لأن ذكر القرآن الكريم قصة ميقات موسى عليه السلام وبعد ذلك ذكر قصة ميقات السبعين لأن قضية السبعين نفراً حينما ذهبوا للميقات جاءت بعد قضية العجل وبعد ان عبدوا العجل وذهبوا للتوبة واختار موسى من قومه سبعين نفراً فيبدو ان القصة منسجمة حتى مع الاحداث التاريخية والتسلسل وان كان القرآن الكريم قد يكون لايذكر بالتسلسل بعض الاحيان لأن العبرة في القصة هي انها في خدمة الفكرة يعني يأتي بالمقطع الذي يخدم فيه الفكرة التي يطرحها السياق ولهذا نجد في سورة الاعراف هذه السورة المباركة بحيث ذكرت ان التسلسل على ما يبدو بذات التسلسل التاريخي يعني قصة ميقات موسى عليه السلام وبعد ذلك قصة ميقات السبعين "واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا فلما اخذتهم الرجفة قال ربي لو شئت لأهلكتهم من قبل واياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا" الاية 155 وطبعاً "بما فعل السفهاء منا" قول السبعين نفراً "أرنا الله جهرة" هؤلاء قالوا ارنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة اذن يبدو هناك تسلسل تاريخي زمني في سورة الاعراف وان كان القرآن الكريم قد لايلتزم بهذا التسلسل الزمني لأنه كما يقول العلامة الطباطبائي ليس القرآن الكريم كتاب قصة حتى يقال لابد من السرد التاريخي على الترتيب التاريخي وانما القرآن يأخذ من القصة ما ينسجم مع السياق لخدمة الفكرة. ******* القصة اختيار سبعين رجلا لميقات الله أمر موسى (عليه السلام) بني إسرائيل أن يستغفروا الله ويتوبوا إليه فاختار منهم سبعين رجلا، الخيّر فالخيّر، وقال :انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم. صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم. خرج موسى (عليه السلام) بهؤلاء السبعين المختارين لميقات حدده له الله تعالى. دنا موسى من الجبل. وكلم الله تعالى موسى، وسمع السبعون موسى وهو يكلم ربه ومعجزة كهذه المعجزة كان ينبغي ان تكون كافية لحمل الإيمان إلى القلوب مدى الحياة. غير أن عددا من بني اسرائيل لم يكتفوا بها إنما طلبوا رؤية الله تعالى. قالوا سمعنا ونريد أن نرى. فقالوا لموسى ببساطة: "يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً " انها مأساة تثير أشد الدهشة. وهي مأساة تشير إلى صلابة القلوب واستمساكها بالحسيات والماديات. كوفئ الطلب المتعنت بعقوبة صاعقة. أخذتهم رجفة مدمرة صعقتهم على الفور. فماتوا. أدرك موسى ما أحدثه السبعون المختارون فملأه الأسى وقام يدعو ربه ويناشده أن يعفو عنهم ويرحمهم، وألا يؤاخذهم بما فعل السفهاء منهم، وليس طلبهم رؤية الله تبارك وتعالى وهم على ما هم فيه من البشرية الناقصة وقسوة القلب غير سفاهة كبرى خاصة بعدما شاهدوا تلك الآيات السابقة ولذلك فهي سفاهة لا يكفِّر عنها إلا الموت. وهكذا صعق من طلب الرؤية.. ووقف موسى يدعو ربه ويستعطفه ويترضاه " قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ " كانت تلك كلمات موسى لربه وهو يدعوه ويترضاه. ورضي الله تعالى عنه وغفر لقومه فأحياهم بعد موتهم. فنزل الوحي الالهي: "قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ " وهكذا اصاب الصعق الالهي من طلب رؤية الله جهرة منهم وهم السفهاء ومن لم يطلبها أيضاً لانهم لم يردعوهم عن هذه السفاهة، وبعض الفتن والبلاء لا يصيب الذين ظلموا خاصة كما تصرح آيات اخرى ورغم ذلك فقد شملت الرحمة الالهية السابقة للغضب الرباني اولئك وعفى الله عنهم. ******* من هدي الائمة (عليه السلام) حول الرحمة الالهية التي ذكرت في قوله تعالى "أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ " روي حديث عن النّبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قام في الصلاة فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللّهم ارحمني ومحمّداً ولا ترحم معنا أحداً، فلمّا سلّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال للأَعرابي: لقد تَحَجّرْتَ واسعاً، أي جعلت شيئاً واسعاً، أمراً ضيقاً محدوداً فالرحمة الإلهيّة لا تنحصر في أحد ٍمن الناس ******* دروس وعبر * بالنسبة لطلب النبي رؤية ربه، كما فعل موسى، ورغم انطلاق الطلب من واقع الحب العظيم والهوى المسيطر، الذي يبرر بما له من منطق خاص هذا الطلب، رغم هذا كله يعتبر طلب الرؤية تجاوزا للحدود، يجازى عليه النبي بالصعق، فما بالنا بصدور هذا الطلب من بشر خاطئين، بشر يحددون للرؤية مكانا وزمانا، وذلك بعد كل ما لقوه من معجزاتٍ وآيات..؟ * في قوله "أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا " نجد أنّ الكلام اعتبر فعلا من أفعال الإنسان ، فإطلاق «الفعل» على «الكلام» ليس أمراً جديداً وغير متعارف، مثلا عندما نقول: إنّ الله يثيبنا يوم القيامة على أعمالنا، فإنّ من المسلّم أنَّ لفظة أعمالنا تشمل كلماتنا أيضاً * "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ " إنّ أبواب الرحمة الإلهيّة مفتوحة للجميع، وإنّ الناس هم الذين عليهم أن يقرروا دخول هذه الأبواب فلو لم تتوفر شرائط الورود في بعض الناس فإنّ ذلك دليل على تقصيرهم انفسهم، ولا حدود للرحمة الإلهيّة. ******* المن والسلوى - 37 2010-10-18 00:00:00 2010-10-18 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6823 http://arabic.irib.ir/programs/item/6823 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله واله الهداة الابرار. مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته واهلا بكم الى برنامج: القصص الحق * ايها الاحبة في هذه الحلقة من البرنامج نواصل الحديث عن قصة نبي الله موسى التي ذكرت في سورة البقرة من الآية ٥٧ الى ٦٠ فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية: • * بداية ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الايات • ثم نتعرف على معاني مفرداتها وعباراتها • ونستمع الى الحوار الذي اجري حول طلب بني اسرائيل انواع الاطعمة من موسى (ع) مع الاستاذ عبد السلام زين العابدين استاذ الحوزة العلمية من قم المقدسة • ثم نتابع سرد هذا الجزء من الحكاية • نغترف من معين حامل الوحي الالهي رسول الرحمة (ص) • ومسك الختام مع باقة من الدروس والعبر المأخوذة من هذه الحكاية * فأهلا و مرحبا بكم الى فقرات هذا اللقاء ******* المقدمة كما قلنا في الحلقات الماضية انّ الله أمرَ بني إسرائيل بأن يتجهوا إلى أرض فلسطين المقدسة، لكن هؤلاء عصوا هذا الأمر، وأصروا على عدم الذهاب مادام فيها قوم جبارون وأكثر من ذلك، تركوا أمر مواجهة هؤلاء الظالمين لموسى وحده قائلين له: " فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ " الى ان كتب عليهم التيه أربعين عاماً في صحراء سيناء.. فمجموعة من التائهين ندمت على ما فعلته أشد الندم، وتضرعت إلى الله، فشمل الله سبحانه بني إسرائيل ثانية برحمته، وأنزل عليهم نعمه التي نتحدث عنها في هذا اللقاء فلنستمع سوية الى تلاوة الايات: ******* التلاوة " وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩) وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)" ******* المفردات تقول الآية المباركة " وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ " الظّل له أهمّية كبرى لمن يطوي الصحراء طيلة النهار وتحت حرارة الشمس اللافحة، خاصّة أنّ مثل هذا الظّل لا يضيّق الفضاء على الإنسان ولا يمنع عنه هبوب النسيم ويبدو أنّ الغمام الذي تشير إليه الآية الكريمة، ليس من النوع العابر الذي يظهر عادة في سماء الصحراء، ولا يلبث أن يتفرق ويزول، بل هو من نوع خاص تفضل به الله على بني إسرائيل ليستظلوا به بالقدر الكافي. وإضافة إلى الظل فانّ الله سبحانه وفّر لبني إسرائيل بعد تيههم الطعام الذي كانوا في أمسّ الحاجة إليه خلال أربعين عاماً خلت من ضياعهم: " وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ " " ( الْمَنَّ ) " وهو العسل أو مادة سكرية مقوّية و السلوى اي: اللحوم لكن هؤلاء عادوا إلى الكُفران: " وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ". حين طلب بنو إسرائيل أطعمة متنوعة جاءهم التقريع بالقول: " أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ "؟! أي أتختارون الأدنى وتتركون الأفضل؟ ويبدو أنّ المقصود بالأفضل هنا هو ما لديهم من طعام متمثل بالمن والسلوى، غير أنّ التفضيل الذي يطرحه القرآن هنا يعود إلى الحياة بكل أبعادها، والتقريع يتجه إلى بني إسرائيل لرغبتهم في التنويع مع ما قد يكشف هذا التنويع من ذلّ وهوان. تقول الآية: " وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ ". وهنا نصل إلى مقطع جديد من حياة بني إسرائيل، يرتبط بورودهم الأرض المقدسة. والقرية كل مكان يعيش فيه جمع من النّاس، ويشمل ذلك المدن الكبيرة والصغيرة، خلافاً لمعناها الرائج المعاصر. والمقصود بالقرية هنا بيت المقدس. ثم تقول الآية: " فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ " أي حطّ عنا خطايانا، " نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ". كلمة " حِطَّةٌ " في اللغة، تأتي بمعنى التناثر والمراد منها في هذه الآية الشريفة، إلهنا نطلب منك أن تحطّ ذنوبنا وأوزارنا. أمرهم الله سبحانه أن يردّدوا من أعماق قلوبهم عبارة الاستغفار المذكورة، ويدخلوا الباب، ويبدو أنّه من أبواب بيت المقدس، وقد يكون هذا سبب تسمية أحد أبواب بيت المقدس «باب الحطة». والآية تنتهي بعبارة " وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ " أي إنّ المحسنين سينالون المزيد من الأجر آضافة إلى غفران الخطايا. والقرآن يحدثنا عن عناد مجموعة من بني إسرائيل حتى في ترتيل عبارة الاستغفار، فهؤلاء لم يرددوا العبارة بل بدّلوها بعبارة اُخرى فيها معنى السخرية والاستهزاء، والقرآن يقول عن هؤلاء المعاندين: " فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ " وكانت نتيجة هذا العناد ما يحدثنا عنه كتاب الله حيث يقول: " فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ". و«الرجز» أصله الاضطراب كما يقول الراغب في مفرداته ومنه قيل رجز البعير إذا اضطرب مشيه لضعفه. تذكير آخر بنعمة اُخرى من نعم الله على بني إسرائيل: وهذا التذكير تشير إليه كلمة «إذ» المقصود منها " وَاذكُرُوا إذ "، وهذه النعمة أغدقها الله عليهم، حين كان بنو إسرائيل في أمسّ الحاجة إلى الماء وهم في وسط صحراء قاحلة، فطلب موسى (عليه السلام) من الله عزّ وجلّ الماء: " وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ "، فتقبل الله طلبه، وأمر نبيّه أن يضرب الحجر بعصاه: " فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا " بعدد قبائل بني إسرائيل. وكل عين جرت نحو قبيلة بحيث أنّ كل قبيلة كانت تعرف العين التي تخصّها " قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ". كثرت الأقوال في طبيعة الحجر الذي انفجرت منه العيون، وكيفية ضربه بالعصا، والقرآن لا يزيد على ذكر ما سبق. لقد مَنّ الله على بني إسرائيل بإنزال المنّ والسلوى، وفي هذه المرّة يمنّ عليهم بالماء الذي يعزّ في تلك الصحراء القاحلة، ثم يقول سبحانه لهم: " كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ". وفي هذه العبارة حثّ لهم على ترك العناد وإيذاء الأنبياء، وأن يكون هذا أقل شكرهم لله على هذه النعم. حيا الله مستمعينا الكرم ونشكر مرافقتكم لبرنامج القصص الحق من اذاعة طهران ........ ننتقل الان الى اللقاء القراني التالي الذي اجري حول طلب بني اسرائيل انواع الاطعمة من موسى (ع) و ذلك مع السيد عبد السلام زين العابدين الاستاذ في تفسير القران الكريم. ******* المحاورة: مستمعينا الاعزاء اهلاً ومرحباً بكم في هذه المحطة من برنامج القصص الحق ونستضيف خبير البرنامج سماحة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من مدينة قم المقدسة، اهلاً بكم سماحة السيد عبد السلام زين العابدين زين العابدين:الله يبارك فيكم المحاورة: سماحة السيد تتحدث الايات عن مطالبة بني اسرائيل نبيهم بأطعمة متنوعة بدل الطعام الواحد المن السلوى في قوله تعالى " وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا " ماهو الاشكال في مطالبة القوم حتى يضرب الله عليهم الذلة والمسكنة وبتعبير القرآن " وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ "؟ زين العابدين:بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً يعني ضرب الذلة والمسكنة ليس فقط من السؤال الذي سألوه وانما من تمرد القوم ومن طبيعة هؤلاء ومن قتلهم الانبياء لأنه " وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ " يعني القرآن الكريم يعلل ضرب الذلة والمسكنة بأنهم كانوا يقتلون الانبياء بغير حق فضرب الذلة والمسكنة ليس من هذا السؤال وان كان هذا السؤال يدل على التمرد يعني " لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ " كأنهم في نقمة مع انهم في نعمة، مع ان المن والسلوى من النعم الالهية الكبيرة لهؤلاء لما كانوا في الصحراء لهذا فهم يتمردون لطبيعة بني اسرائيل، طبيعة متمردة بحيث لاتحرتم نبي ولاتحترم رسول ولهذا جاء هذا جاء قضية ضرب الذلة وضرب المسكنة والتعبير جداً رائع، التعبير بالضرب يدل على الثبات يعني كضرب المسمار في الحائط او ضرب السكة ولهذا المسكنة والذلة مستمرة على بني اسرائيل الى يوم القيامة، هؤلاء الذين يتمردون على اوامر الرسالة دائماً تجدهم في تمرد لهذا " قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ " هذه خاصية بني اسرائيل يستبدلون الذي هو ادنى بالذي هو خير " اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ " لم تكن الذلة والمسكنة ضربت لهذا السؤال وان كان السؤال يعبر عن التمرد، يعبر عن طبيعة هؤلاء المتمردة على النبوة ولكن القرآن يقول " ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ " يعني ضرب الذلة والمسكنة على اليهود، هذا الضرب ضرب دائم وضرب ابدي لأنهم يكفرون بآيات الله والكفرهنا تعبير جداً جميل، الكفر هو الستر مع العلم يعني بنو اسرائيل دائماً يكفرون يعني يسترون الحقائق وهم يعلمون بها، دائماً وابداً ويكفرون بأيات الله " وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ " هذا الاعتداء، دائماً القتلة على مدى التاريخ من بني اسرائيل هذا تاريخ الدماء يعني يشهد التاريخ لسفك الدماء لبني اسرائيل قتلوا يحيى عليه السلام وقتلوا زكريا عليه السلام وذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، هذا الاعتداء، هذه النفسية التي ترى انها شعب الله المختار " قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ " يعني يعتبرون كل الشعوب الاخرى همج اميين " لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ " مهما نقتل، مهما نجرم، مهما نهجر، مهما نفعل، هؤلاء جويين، جويين يعبر بكتبهم المقدسة جويين يعني همج، ناس همج رعاع وفقط هم البشر هذه النفسية الله عزوجل ضرب عليهم الذلة والمسكنة وليس الامر يتعلق فقط بقضية استبدال " قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ". ******* تتحدث الآية عن مطالبة بني إسرائيل نبيّهم بأطمعة متنوعة بدل الطعام الواحد " المَنّ وَالسَّلْوى ": في قوله تعالى " وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ". ما هو الاشكال في مطالبة القوم حتى يضرب الله عليهم الذِّلَّة والمسكنة وبتعبير القرآن: " وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ "؟ ******* القصة نزول المن والسلوى سار موسى بقومه في سيناء. وهي صحراء ليس فيها شجر يقي من الشمس، وليس فيها طعام ولا ماء. أدركتهم رحمة الله فساق إليهم المن والسلوى وظللهم الغمام. والمن مادة يميل طعمها إلى الحلاوة وتفرزها بعض أشجار الفاكهة. وساق الله إليهم السلوى، وهو نوع من أنواع الطيور يقال إنه (السمان). اجل بعد كل ما عملوه من الظلم والعدوان والتشكيك برب موسى (ع) الا ان الرحمة الالهية قد شملتهم مرة اخرى فقال الله لنبيه موسى (ع): " ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا " ومن اجل ان يكفِّر الله عنهم سيئاتهم ويغفر الذنوب التي ارتكبوها امرهم ان يدخلوا تلك المدينة وهم في حالة السجود وان يذكروا الله كما امرهم فيقولوا " حطة " اي قولوا: نسألك يا رب ان تحط عنا ذنوبنا واوزارنانزل الوحي على قلب موسى " وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ " لكن لم يلتزم البعض من بني اسرائيل ما امرهم الله بل سخروا بامر الله تعالى " فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ " اجل نزل العذاب بحق اولئك الذين ظلموا و قد تمثل في شكل نوع من الطاعون فشا بسرعة بين بني إسرائيل وأهلك جمعاً منهم. وحين اشتد ببني اسرائيل الظمأ إلى الماء، ضرب لهم موسى بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا من المياه. وكان بنو إسرائيل ينقسمون إلى ١٢ سبطا. فأرسل الله المياه لكل مجموعة. ورغم هذا الإكرام والحفاوة، تحركت في النفوس التواءاتها المريضة. واحتج قوم موسى بأنهم سئموا من هذا الطعام، واشتاقت نفوسهم إلى البصل والثوم والفوم والعدس، وكانت هذه الأطعمة أطعمة مصرية تقليدية. وهكذا سأل بنو إسرائيل نبيهم موسى أن يدعو الله ليخرج لهم من الأرض هذه الأطعمة. وعاد موسى يستلفتهم إلى ظلمهم لأنفسهم، وحنينهم لأيام هوانهم في مصر، وكيف أنهم يتبطرون على خير الطعام وأكرمه، ويريدون بدله أدنى الطعام وأسوأه ******* من هدي الأئمة (ع) ويقول «الطبرسي» في «مجمع البيان»: إنّ الرجز يعني العذاب عند أهل الحجاز، ويروي عن الرّسول (صلى الله عليه وآله) قوله بشأن مرض الطاعون: " إنَّهُ رِجْزٌ عُذّبَ بِهِ بَعضُ الاُْمَمِ قَبْلَكُمْ " ******* دروس وعبر في قوله تعالى: " فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ " *من الملفت للنظر أنّ القرآن يؤكّد أنّ هذا العذاب نزل " عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا " فقط، ولم يشمل جميع بني إسرائيل. ثم تذكر الآية تأكيداً آخر على سبب نزول العذاب على هذه المجموعة من بني إسرائيل بعبارة: " بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ " *والآية الكريمة بعد ذلك تبين بشكل غير مباشر سنّة من سنن الله تعالى، هي أنّ الذنب حينما يتعمق في المجتمع ويصبح عادة اجتماعية، عند ذاك يقترب احتمال نزول العذاب الإلهي *يشير قوله تعالى" وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى " الى ان الله اذا اراد ان يرزق عباده فيرزقهم حتى لو كانوا في الصحراء و من الطيبات حسب قوله " كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ " * ان العصيان عن اوامر الله تعالى هو في الواقع الظلم على النفس كما يؤكد ذلك قوله تعالى " وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ " * النقطة المهمة الاخرى المستفادة من الايات هي اننا يجب ان نأخذ اسلوب وطريقة الدعاء فقط من الباري عز وجل" وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ". * ان التوزيع الصحيح والعادل للثروات ومنها الماء يحول دون بروز خلافات ونزاعات بين الناس كما يقول الله تعالى " قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ " ******* قصّة بني إسرائيل التي بدأت في أعقاب الإنتصار على الفرعونيين - 36 2010-10-11 00:00:00 2010-10-11 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6806 http://arabic.irib.ir/programs/item/6806 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي أنزل القرآن الكريم والفرقان الحكيم على النبي الحليم الذي هو على خلق عظيم والصلاه على عترته الميامين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، اهلاً بكم الى برنامج القصص الحق يتجدّد لقاؤنا بكم عبر هذه الحلقة الجديدة حيث نكون معاً في رحاب سورة الاعراف المباركة في الآيات (الثامنة والثلاثين بعد المئة الى الحادية والاربعين بعد المئة) والتي تحكي لنا قصة قوم بني اسرائيل بعد أن نجّاهم الله من سطوة فرعون وأغرقه في اليَم. احبتنا المستمعين في هذا البرنامج سنمرّ على المحطات التالية: بعد تقديم موجز ننصت الى تلاوة هذه الآيات ثم نتعرّف على اهم المفردات والعبارات الواردة فيها، لننتقل بعد ذلك الى الحوار القرآني الذي اجري مع فضيلة السيد عبدالسلام زين العابدين الاستاذ في التفسير والعلوم القرآنية من مدينة قم المقدسة. ثم نحكى لكم القصة من وحي القرآن الكريم ونستنير معاً بأنوار هداية الثقل الاصغر وهديهم (عليهم السَّلام) في فقرة من هدي الائمة (عليهم السَّلام) واخيراً ننهي البرنامج بالدروس العملية التي نستفيدها من هذه الحكايه القرآنية ******* المقدمة في هذه الآيات إشارة إلى جانب آخر من قصّة بني إسرائيل التي بدأت في أعقاب الإنتصار على الفرعونيين، وهو مسألة توجه بني إسرائيل إلى الوثنية وقبل ان ننصت الی الايات لابد من الاشارةالی ان بني إسرائيل كانوا على شريعة جدهم إبراهيم (عليه السلام)، وهم على دين التوحيد الذي لا يعبد فيه إلا الله سبحانه وحده لا شريك له المتعالي عن أن يكون جسما يعرض له شكل أو قدر غير أن بني إسرائيل كما يستفاد من قصصهم كانوا قوما ماديين يجرون في حياتهم على أصالة الحس ولا يعتنون بما وراء الحس إلا اعتناء ظاهريا، وقد مكثوا تحت إسارة القبط سنين متطاولة، وهم يعبدون الأوثان فتأثرت من ذلك أرواحهم وإن كانت العصبية القومية تحفظ لهم دين آبائهم بوجه. لهذا السبب لما شاهدوا في مسيرهم قوما يعكفون على أصنام لهم استحسنوا مثل ذلك لأنفسهم فسألوا موسى (عليه السلام) أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة يعكفون عليها ******* التلاوة وجاوَزْنا بِبَني إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْم يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنام لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (139) قالَ أَ غَيْرَ اللّهِ أَبْغيكُمْ إِلهاً وهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمينَ (140) وإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنائَكُمْ ويَسْتَحْيُونَ نِسائَكُمْ وفي ذالِكُم بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظيمٌ (141) ******* المفردات في الآية الاُولى نقراء: (وجاوَزْنا بِبَني إِسْرائيلَ الْبَحْرَ) أي النيل العظيم ولكن في مسيرهم مرّوا على قوم يعبدون الأصنام وبالتعبير القراني: (فَأَتَوْا عَلى قَوْم يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنام لَهُمْ) و«عاكف» مشتقّة من مادة «العكوف» بمعنى التوجه إلى شيء وملازمته لإحترامه وتبجيله. تأَثَّر الجهلة الغافلون بهذا المشهد بشدّة إلى درجة قالوا لموسى من دون إبطاء: يا موسى اتّخذ لنا معبوداً على غرار معبودات هؤلاء: (قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ). فانزعج موسى (عليه السلام) من هذا الإقتراح الجاهلي بشدّة، وقال لهم: (قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) والجدير بالذكر أنّنا نقرأ في كلام موسى (عليه السلام) في الآية الحاضرة كيف يقول لهم: أنتم غارقون في الجهل دائماً [لأنّ (تَجْهَلُونَ) فعل مضارع ويدل غالباً على الإستمرارية] وبخاصّة أن متعلق الجهل لم يبيّن في الآية، وهذا يدل على عمومية المجهول وشموليته. والاغرب من كل ذلك أنّ بني إسرائيل بقولهم (اجْعَلْ لَنا إِلهاً) أظهروا أن من الممكن أن يصير الشيء التافه ثميناً ـ بمجرّد اختيارهم له وجعلهم اسم والمعبود عليه ـ وتوجب عبادته التقرب إلى الله، وعدم عبادته البعد عنه تعالى، وتكون عبادته منشأ للخير والبركة، واستحانته منشأ للضرر والخسارة، بحسب زعمهم وهذه هي نهاية الجهل والغفلة قوله تعالى إن هؤلاء متبر ما هم فيه أي مهلك، والتبار يعني الهلاك. وكل إناء مكسر متبر فمفهوم الاية يصبح ان العابد والمعبود مهلكان (وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) باطل أي ذاهب مضمحل ما كانوا يعملون (قالَ أَ غَيْرَ اللّهِ أَبْغيكُمْ إِلهاً وهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمينَ) قال أغير الله أبغيكم إلها أي أطلب لكم إلها غير الله تعالى. فيقال: بغيته وبغيت له. (وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) أي فضلكم على عالم زمانكم. وقيل: فضلهم بإهلاك عدوهم، وبما خصهم به من الآيات. ******* المحاورة: مستمعينا الاعزاء اهلاً ومرحباً بكم في هذه المحطة من برنامج القصص الحق ونستضيف خبيرنا الدائم سماحة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من مدينة قم المقدسة، اهلاً بكم سماحة السيد عبد السلام زين العابدين زين العابدين: الله يبارك فيكم ان شاء الله، موفقين ان شاء الله المحاورة: سماحة السيد بعد ان مر بنو اسرائيل على قوم يعكفون على اصنام لهم طلبوا من موسى ان يجعل لهم الهاً، هنا قام موسى عليه السلام بتذكيرهم بحقيقة امر عبدة الاصنام، الى هذه النقطة يسكت القرآن عن عرض ما جرى فيما بعد، هل عاد بنو اسرائيل الى رشدهم يعني ها تابوا ام ماذا؟ زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً الحادثة صارت بعد عبورهم من البحر وبعد انقاذ بني اسرائيل يعني المفروض ان هؤلاء يلتزمون بالدين ويلتزمون بقيادة موسى الكليم عليه السلام اكثر فأكثر ولكن طبيعة بني اسرائيل هذه الطبيعة المتمردة، دائماً الطبيعة التي يعني تستهزأ بالانبياء والمرسلين وتستخف بالانبياء والمرسلين وتقتل النبيين بدون حق، هؤلاء طبعاً كلما موسى عليه السلام عمل لهم عملاً عظيماً كانوا يجازون هذا العمل بأمور خاطئة ولهذا بعد ان تجاوزوا البحر ( وَ جاوَزْنا بِبَني إِسْرائيلَ الْبَحْرَ ) يعني مباشرة يعني اقدامهم لم تجف من البحر وفرعون غرق امامهم ورأوه وهذا النصر الكبير المفروض هؤلاء يتمسكون بقيادة موسى الكليم عليه السلام والمفروض يؤمنون بأن موسى على حق، هؤلاء منتصرون بنو اسرائيل، هؤلاء خرجوا تواً من البحر، رأوا فرعون بأم اعينهم ومع ذلك حينما مروا يعني يبدو ساعات او ربما لم يمر عليهم ايام معدودة ( وَ جاوَزْنا بِبَني إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْم يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنام لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ) يعني دائماً بنو اسرائيل يحبون المادة، حتى الله عزوجل يتصورون كأنه مادة، هذه الطبيعة المادية، النزعة المادية عنداليهود، عند بني اسرائيل تجعلهم حتى الله عزوجل يتصورون بأنه شيء مادي بحيث يمكن ان يكون ( اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) طبعاً بعد ذلك (هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فيهِ وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) يعني بعد ذلك كذلك ارتدوا يعني حينما ذهب موسى للميقات عبدوا العجل يعني بعد هذه الحادثة كذلك بقي بنو اسرائيل على تمردهم، دائماً القرآن الكريم يقول ( وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ) هذه الثنائية الرائعة، ثنائية ( وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ) يعني وان عدتم للفساد عدنا للهلاك، هؤلاء دائماً حينما يستقيمون فترة لكن سرعان ما يرجعوا الى اصلهم، الى معدنهم، الى قلوبهم المتكبرة المتعجرفة ولهذا القرآن في سورة الاسراء ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً ) بعد ذلك، بعد المرتين يقول ( َإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً ) ( َإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا )، يعني وان عدتم للافساد، عدتم للتمرد، عدتم لقتل الابرياء ولقتل الانبياء ولسفك الدماء عدنا كذلك لتدميركم ولتتبيركم ( وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً * عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً) معنى ذلك هذه المعادلة السننية، هذه سنة الهية لبني اسرائيل دائماً يعودون الى الافساد فالله عزوجل يسلط عليهم ( أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) ( ويدمرهم تدميراً) هؤلاء لايتغيروا على الاطلاق وهؤلاء من اشد الناس عداوة للذين آمنوا كما يقول القرآن الكريم ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ ) هذه حقيقة بني اسرائيل وليس امراً ماضياً فقط يعني في الماضي والحاضر والمستقبل ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ) هذه حقيقة فهؤلاء دائماً في تمرد مستمر ولهذا دائماً بنو اسرائيل على مدى التاريخ يعيشون التمرد والعنجهية والكبرياء، نحن ابناء الله واحباءه. المحاورة: طيب استاذ عبد السلام قوله تعالى (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ) ما السبب في استخدام الفعل صيغة الجمع في حين ان الله هو الذي نجاهم بأرادته عبر فلق البحر؟ زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم يعني هذا سؤال لطيف نجده في العديد من الايات المباركة، الله عزوجل يتكلم بصيغة الجمع، فقط في الموارد التي في توحيد يعني قضايا الافعال الالهية الرباني الفعل دائماً في القرآن الفعل يأتي بصيغة الجمع ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) ( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) وكذلك هنا ( وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ ) لأن الفعل الالهي الرباني هناك اسباب كثيرة تعمل مع هذا الفعل، هناك الملائكة المدبرة، هناك الجنود، السموات والارض تطبق، تجسد هذه الافعال الالهية ولهذا نجد ان دائماً الفعل الالهي ياتي بصيغة الجمع بينما قضايا التوحيد ( أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ) دائماً في موارد التوحيد يأتي بصيغة المفرد ( أَنَا رَبُّكَ ) فكأن كل الكون يستجيب لله عزوجل ويتحرك بأمره ولهذا يأتي الفعل الالهي بصيغة الجمع. ******* القصة لقد مات فرعون مصر وغرق أمام عيون المصريين وبني إسرائيل. ورغم موته، فقد ظل أثره باقيا في نفوس المصريين وبني إسرائيل. من الصعب على سنوات القهر الطويلة والذل المكثف أن تمر على نفوس الناس مر الكرام. لقد عوّد فرعون بني إسرائيل الذل لغير الله. هزم أرواحهم وأفسد فطرتهم فعذبوا موسى عذابا شديدا بالعناد والجهل. كانت معجزة شق البحر لم تزل طرية في أذهانهم، حين مروا على قوم يعبدون الأصنام. وبدلا من أن يظهروا استيائهم لهذا الظلم للعقل، ويحمدوا الله أن هداهم للإيمان. بدلا من ذلك التفتوا إلى موسى وطلبوا منه أن يجعل لهم إلها يعبدونه مثل هؤلاء الناس. فبعثوا احدهم ليتكلم عن لسانهم فقال لموسی: (يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ) انزعج موسی من كلامه وقالَ: (إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) فقد أدركتهم الغيرة لمرأى الأصنام، ورغبوا في مثلها، وعاودهم الحنين لأيام الشرك القديمة التي عاشوها في ظل فرعون. واستلفتهم موسى إلى جهلهم هذا، وبيّن لهم أن عمل هؤلاء باطل، فقال (إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) ثم قال لهم ان الله فضل بني إسرائيل على العالمين فكيف يجحد هذا التفضيل ويجعل لهم صنما يعبدونه من دون الله. (قالَ أَ غَيْرَ اللّهِ أَبْغيكُمْ إِلهاً وهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمينَ) ثم ذكّرهم بفرعون وعذابه لهم، وكيف أن الله نجاهم منه، فكيف بعد ذلك يشركون بالله مالا يضر ولا ينفع (وَ إِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنائَكُمْ ويَسْتَحْيُونَ نِسائَكُمْ وفي ذالِكُم بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظيمٌ) ******* من هدي الائمة (عليه السلام) في الدر المنثورـ عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل حنين فمررنا بسدرة فقلت: يا رسول الله اجعل لنا هذه ذات أنواط كما كان للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): الله أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ) إنكم تركبون سنن الذين قبلكم. وفي تفسير البرهان،: في قوله تعالى: (وجاوَزْنا بِبَني إِسْرائيلَ الْبَحْرَ) الآية: عن محمد بن شهرآشوب: أن رأس الجالوت قال لعلي (عليه السلام): لم تلبثوا بعد نبيكم إلا ثلاثين سنة حتى ضرب بعضكم وجه بعض بالسيف! فقال علي (عليه السلام): وأنتم لم تجف أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم: (اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ) ******* دروس وعبر يستفاد من الآيات بوضوح أنّ منشأ الوثنية هو جهل البشر بالله تعالى من جانب. ومن جانب آخر جهل الإنسان بالعلل الأصلية لحوادث العالم الذي يتسبب أحياناً في أن ينسب الحوادث إلى سلسلة من العلل الخرافية والخيالية ومنها الأصنام ومن جانب ثالث جهل الإنسان بما وراء الطبيعة، وقصور فكره إلى درجة أنّه لا يرى ولا يؤمن إلاّ بالقضايا الحسية. الامر الاخرهو صحيح أنّ مقصود بني إسرائيل لم يكن إيجاد معبود يكون خالق العالم، بل كان مقصودهم هو: إجعل لنا معبوداً نتقرب بعبادته إلى الله، ويكون مصدراً للخير والبركة، ولكن هل يمكن أن يصير شيء فاقداً للروح والتأثير مصدراً للخيرات والتأثيرات بمجرّد تسمّيته معبوداً وإلهاً؟ هل الدافع لذلك العمل شيء سوى الجهل والخرافة، والخيال الواهي والتصور الخاوي؟! الدرس الاخر الذي نستقيه من الايات وبالتحديد قوله تعالی (فَأَتَوْا عَلى قَوْم يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنام لَهُمْ) قالوا ان المحيط الجغرافي ان لم يجبر الانسان علی الاعتقاد ببعض الامور لكنه يوثر عليه. ******* ايمان السحرة برب موسى وهارون - 35 2010-10-04 00:00:00 2010-10-04 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6653 http://arabic.irib.ir/programs/item/6653 بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله والصلاه والسلام على رسوله وآله الهداه الابرار مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمه الله تعالى وبركاته وأهلاً بكم الى برنامج (القصص الحق) • ايها الاحبه في هذه الحلقة من البرنامج نواصل الحديث عن قصة نبى الله موسى على محمد وآله وعليه السلام التي ذكرت في سورة الشعراء من الآية 46 السادسة والخمسين الى الحادية الخميس • فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية • بداية ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الآيات • ثم نتعرّف على معاني مفرداتها وعباراتها • ونستمع الى الحوار القرآني الذي اجرى بشأن الآيات • ثم نتابع سرد هذا الجزء من الحكاية • ونغترف من معين عدل القرآن الكريم لنرتوي منهم في معرفة وفهم هذه الآيات • ومسك الختام مع باقة من الدروس والعبر المأخوذة من هذه الحكاية • فأهلاً ومرحباً بكم والى فقرات هذا اللقاء ******* المقدمة مستمعينا الكرام موضوع حديثنا في هذه الحلقة هو استمرار لما سبق من قصة النبي موسى (عليه السَّلام) بعدما تحدى السحرة في يوم الزينة وشهدوا ما شهدوا من المعجزة التي جاء بها النبي موسى (عليه السَّلام) عندما امره الله بأن يلقي عصاه لتلقف ما يأفكون فألقي عصاه وبالفعل تحولت العصا الى ثعبان مبين ولقفت كلما جاءوا به من السحر الذي عبر عنه القرآن بالعظيم. والان تعالوا لنستمع الى القرآن الكريم وهو يحكي لنا ما حدث بعد ذلك فلنستمع سوية. ******* التلاوة " فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ(45) فَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سَـجِدِينَ(46) قَالُواْ ءامَنَّا بِرَبِّ الْعَـلَمِينَ(47) رَبِّ مُوسَى وَهَـرونَ(48) قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لاَُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُم وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خَلَـف وَلاَُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ(49) قَالوُاْ لاَضَيْرَ إِنَّآ إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ(50) إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا ربُّنَا خَطَـيَنآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ(51) " ******* المفردات ايها الاحبة أنّ القرآن يعبر في هذه الآيات عن خضوع السحرة بـ «أُلقي» وهو إشارة إلى منتهى التأثير وجاذبية معجزة موسى لهم، حتى كأنّهم سقطوا على الأرض وسجدوا دون اختيارهم واقترن هذا العمل العبادي ـ وهو السجود ـ بالقول بلسانهم إذ " قَالُواْ ءامَنَّا بِرَبِّ الْعَـلَمِينَ ". ولئلا يبقى مجالُ للإبهام والغموض والتردد، ولئلا يفسر فرعون ذلك تفسيرا آخر فإنّهم قالوا ايضاً: " رَبِّ مُوسَى وَهَـرونَ ". وهذا التعبير يدّل على أنّه وإن كان موسى (عليه السلام) متكفلاً لأمر المبارزة وإلقاء العصا ومحاججة السحرة، إلاّ أنّ أخاه هارون كان يعاضده في الأمر. أمّا فرعون، عندما وجد نفسه مهزوماً معنوياً وكان يرى من جانب آخر أن وجوده وسلطانه في خطر، وخاصّة أنه كان يعرف أيّ تأثير عميق لإيمان السحرة في قلوب سائر الناس، ومن الممكن أن يسجد جماعة آخرون كما سجد السحرة، لذلك فقد تذرع بوسيلة جديدة وابتكار ماكر، فالتفت إلى السحرة و" قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ". كما يقول أصحاب اللغة: إن الإيمان إذا تعدى باللام فإنه يعني الخضوع، وإذا تعدى بالباء فإنه يعني التصديق. فرعون لم يكن مستعدّاً لأن يذكر اسم الله ولا اسم موسى، بل اكتفى بالقول " آمنتم له"! والمراد من هذا التعبير هو الاستهانة والاستخفاف. إلاّ أن فرعون لم يقتنع بهذا المقدار، بل أضاف جملتين أُخريين ليُثّبت موقعه كما يتصوّر أوّلا، وثانيا لكي يستغفل الناس الذين أيقظتهم معجزة موسى (عليه السَّلام) وايمان السحرة –رضوان الله عليهم-. فاتهم السحرة أوّلا بأنّهم تواطؤوا مع موسى(عليه السلام) وتآمروا على أهل مصر جميعاً، فقال: " إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ". اذن اتهمهم فرعون بأنكم قد اتفقتم مع موسى من قبل أن تردوا هذه الساحة، فتضلوا أهل مصر وتجرّوهم إلى الخضوع تحت سيطرة حكومتكم; وتعزلوهم عن مناصبهم وتخرجوهم من ديارهم وتُحلّوا العبيد محلهم. إلاّ ان فرعون لم يدعهم ،بل اراد حسب زعمه ان يخنق المؤامرة في مهدها فقال: " فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لاَُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُم وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خَلَـف وَلاَُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ". أي: لا أكتفي بإعدامكم فحسب، بل أقتلكم قتلاً بالتعذيب والزجر بين الملأ العام، وعلى جذوع النخل، لأن قطع الأيدي والأرجل من خلاف يؤدي إلى الموت البطيء، فيذوق معه الإنسان التعذيب أكثر. إلاّ أن فرعون لم يحقق هدفه هنا، لأن السحرة قد غمر قلوبهم الإيمان، بحيث لم يهزّهم تهديد فرعون، فأجابوه بضرس قاطع واحبطوا خطته. " قَالوُاْ لاَضَيْرَ إِنَّآ إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ "، الضير هو الضرر، وقولهم: " إِنَّآ إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ " تعليل لقولهم: لا ضير أي إنا لا نستضر بهذا العذاب الذي توعدنا به لأنا نصبر ونرجع بذلك إلى ربنا وما أكرمه من رجوع. ثمّ أضافوا بأنّهم واجهوا النّبي موسى (عليه السلام) من قبل بالتكذيب وأذنبوا كثيراً، ولكن مع ذلك فـ " إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا ربُّنَا خَطَـيَنآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ " اي انهم لا يخافون الموت والقتل بل يشتاقون إلى لقاء ربهم فكانهم يقولون: لا نخاف من عذابك شيئاً لأنا نرجع به إلى ربنا ولا نخاف الرجوع لأنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا بسبب كوننا أول المؤمنين بموسى وهارون رسولي ربنا. وهنا ينقدح هذا السؤال، وهو: هل كان مرادهم أنّهم أوّل المؤمنين في ذلك المشهد؟! وهذا ما سنبحثه مع ضيف البرنامج بعد هذا الفاصل القصير. ******* المحاورة: مستمعينا الاعزاء نستضيف في هذه الحلقة من برنامج القصص الحق سماحة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من مدينة قم المقدسة، اهلاً بكم سماحة السيد عبد السلام زين العابدين زين العابدين:الله يبارك فيكم المحاورة: سماحة السيد في قصة السحرة نجد انهم آمنوا برب موسى وهرون بعد ان كانوا يرجون التقرب من بلاط فرعون بفضل ماشاهدوه من عظيم اعجاز الله على يد موسى عليه السلام، ما السر في ذلك؟ زين العابدين:طبعاً السر في ذلك هو انقلاب النظرة للعزة وللكرامة، كانوا يعتقدون هؤلاء السحرة بأن العزة عند هذا الطاغية، هم يكونون اعزاء يستمدون عزتهم من عزة الطاغية فرعون ولهذا نجد في سياق الاية المباركة حينما بدأوا بالسحر اقسموا بعزة فرعون " بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ " فهم كانوا يتصورون ان العزة بيد فرعون والعزة عند هذا الطاغية، مصدر العزة تحول حينما آمنوا بما قام به موسى، آمنوا بالله عزوجل تحول مركز العزة من الطاغية فرعون الى الله عزوجل فأصبحوا ينظرون الى هذا الطاغية نظرة استصغار مهما كان يهددهم ويتوعدهم مع العلم انهم كانوا يطلبون الاجر والاجرة على فعلهم، لو نقرأ سياق الايات المباركة في سورة الشعراء يقول القرآن الكريم " فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ* وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ* لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ " يعني هنا السحرة كأن عندهم حالة من الطمع الدنيوي، هم يرجون العزة عند فرعون، يرجون الاجرة والاموال، " قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ " ، ليس فقط هناك اموال وثروة وانما من المقربين يعني تكونون من القريبين لي في الحكم تكونون وزراء في السلطة، " قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ* فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ " هنا السر بعزة فرعون، هم كانوا يظنون، يحسبون خطأً ان مصدر العز والعزة والكرامة عند هذا الطاغية ولهذا اقسموا بعزته " ... بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ* فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ* فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ " لأن هؤلاء علماء يميزون بين السحر وبين غيره فعلموا ان ما فعله موسى ليس سحراً وانما معجزة الهية ربانية ولهذا هم اول من كان يميز بين السحر وغيره باعتبار انهم كانوا خبراء في هذا الامر " فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ* فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ* قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ* رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ " يعني تحول مركز العز من هذا الطاغية فرعون الى الله عزوجل ولهذا كل التهديدات لم تنفع ولم تجعلهم يرهبون هذا الطاغية ولهذا " قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ " هذا التهديد الفرعوني بالقتل ماذا اجابوا هؤلاء السحرة الذين كانوا قبل لحظات كانوا اذلاء، كانوا يتطلعون الى عزة فرعون، كانوا يقسمون بعزة فرعون حينما اصبحوا مؤمنين وتحول مركز العز من فرعون الطاغية الى الله عزوجل ماذا كان موقفهم في هذا التهديد الفرعوني بالقتل؟ " قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ " لاضير، الضير يعني ادنى الضرر، لم يقولوا لاضرر، الضير يعني ادنى الضرر اقل الضرر يسمى ضيراً، هؤلاء رغم هذا التهديد لكنهم يرون ان مركز العزة والكرامة عند الله عزوجل. المحاور: طيب استاذ عبد السلام زين العابدين كيف عبر السحرة التائبون المؤمنون عن انفسهم بأنهم اول المؤمنين في حين نجد مثل هذا التعبير عن لسان بعض الانبياء؟ زين العابدين: احسنتم هذا سؤال رائع وجميل يعني " أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ " يعني لأن كنا بنزع الخافض يعني لأن كنا اول المؤمنين، هم قالوا " إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا " بأعتبارهم كانوا حاشية فرعون كانوا يساندون الطاغية وكانوا حاشية لهذا الطاغية ويساعدوه في ظلمه ولهذا هم شعروا بأن هذا الموقف هو موقف خاطئ فطلبوا الاستغفار من الله عزوجل " إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ " طبعاً هنا اول المؤمنين بالنسبة لمن؟ بعض المفسرين قال اول المؤمنين من قوم فرعون يعني من الاقباط، من قوم فرعون، اول من آمن بموسى عليه السلام واعلن هذا الايمان من حاشية فرعون او من دولة فرعون هم هؤلاء السحرة ففتحوا فتحاً مبيناً، فتح الرفض لهذا الطاغية من قصره، من داخل جيشه واعوانه، ربما هذا التعبير " أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ " بالنسبة لجماعة فرعون وحكومة فرعون السحرة كانوا اوائل المؤمنين في رفض هذا الطاغية او " أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ " في تلك الوقعة هم كانوا اول المؤمنين لأنهم كما قلنا اصحاب خبرة فهم عرفوا ان مافعله موسى ليس سحراً وانما كان معجزة الهية ربانية فهم اول من ايقنوا بموسى عليه السلام وبما فعله موسى عليه السلام في تلك اللحظات يعني حينما موسى عليه السلام جعل من العصا حية فأخذت تلقف ما يأفكون، اللقف يعني الاكل بسرعة والالتقام بسرعة فهؤلاء كانوا من اول من آمن بموسى في تلك اللحظات العصيبة وذلك التحدي الكبير في يوم الزينة " قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى " يعني يوم العيد والضحى يعني الامور واضحة وليس ليلاً يعني آلاف الناس كانوا مجتمعين فالسحرة اعلنوا ايمانهم بكل قوة وبكل صلابة وكانوا اول المؤمنين في ذلك الحشد وفي ذلك الجمع. ******* ايها الاحبة استمعنا الى الحوار القرآني الذي سلط الضوء على حقيقة الايمان بالله عزَّ وجلَّ الذي تجسد في موقف السحرة والآن ندعوكم لمتابعة سرد هذا الجزء من حكاية نبي الله موسى (عليه السَّلام). ******* القصة تبدّل كل شيء، وأنقلبت الموازين لدى السحرة بعد ان رأوا المعجزة الكبيرة التي جاء بها موسى (عليه السَّلام). وثاب السحرة إلى رشدهم بعد أن كانوا يرجون التقرب الى فرعون وهم غارقون في الشيطنة، ولأنّهم كانوا عارفين بقضايا السحر ودقائقه، فإنّهم تيقنوا أن عصا موسى لم تكن سحراً، بل هي معجزة إلهية كبرى تحولت مشاعرهم بحيث لم يسعفهم الكلام للتعبير: " فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ". إنه فعل الحق في الضمائر. ونور الحق في المشاعر، ولمسة الحق في القلوب المهيأة لتلقي الحق والنور واليقين. إن السحرة هم أعلم الناس بحقيقة فنهم، ومدى ما يمكن أن يبلغ إليه. وهم أعرف الناس بالذي جاء به موسى. ومن هنا تحول السحرة من التحدي السافر إلى التسليم المطلق، الذي يجدون برهانه في أنفسهم عن يقين. هزَّت هذه المفاجأة العرش من تحت فرعون. مفاجأة استسلام السحرة - وهم من كهنة المعابد - لرب العالمين، رب موسى وهارون. بعد أن تم جمعهم لإبطال دعوة موسى وهارون لرب العالمين! ولأن العرش والسلطان أهم شيء في حياة الطواغيت، فهم مستعدون لإرتكاب أي جريمة في سبيل المحافظة عليهما. تسائل فرعون مستغربا: " آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ ". كأنما كان عليهم أن يستأذنوه في أن يعودوا للحق. لكنه طاغية متكبر متجبر أعمى السلطانُ عينيه عن الحق. ويزيد في طغيانه فيقول: " إِنَّ هَـذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا " إن غلبته لكم في يومكم هذا إنما كان عن تشاور منكم ورضا منكم لذلك، وهو يعلم وكل من له عقل أن هذا الذي قاله من أبطل الباطل. ويظل الطاغية يتهدد " فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ". ويتوعد " لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ " لكن النفس البشرية حين تستيقن حقيقة الإيمان، تستعلي على قوة الأرض، وتستهين ببأس الطغاة، وتنتصر فيها العقيدة على الحياة, وتختار الخلود الدائم على الحياة الفانية. اما السحرة المؤمنون :" قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ " إنه الإيمان الذي لا يتزعزع ولا يخضع. ويعلن السحرة حقيقة المعركة: " وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا " فلا يطلبون الصفح والعفو من عدوّهم، إنما يطلبون الثبات والصبر من ربهم: " رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِين". فيقف الطغيان عاجزا أمام هذا الوعي وهذا الاطمئنان. عاجزا عن رد هؤلاء المؤمنين لطريق الباطل من جديد. فينفذ تهديده، ويصلبهم على جذوع النخل... ******* من هدي الائمة (عليه السَّلام) روي عن الامام جعفر الصادق (عليه السَّلام) قال: ان اشد الناس عذابا يوم القيامة لسبعة نفي: أوّلهم ابن آدم الذي قتل أخاه، ونمرود الذي حاجّ أبراهيم في ربّه، واثنان في بني اسرائيل هوّدا قومهم ونصّراهم، وفرعون الذي قال أناربّكم الأعلى واثنانفي هذه الأمة. وفي نهج البلاغة جاء: فأوجس موسى خيفة على نفسه، اشفق من غلبة الجهال ودول الضلال. ******* دروس وعبر التبدل والتغيّر المفاجيء العجيب في نفوس سحرة فرعون بحيث تحولوا من الظلمة المطلقة إلى النور المبين. ولم يكتفوا بذلك حتى أقحموا انفسهم في خطر القتل، وأعرضوا عن مغريات فرعون ومصالحهم المادية يدل على ان الاشخاص المستعدين لا يتملصوا عن قبول الحق بل يومنون به. ان فرعون كان قد تربع على عرش الإستبداد سنين طوالا، ولم يكن يترقب من الناس أن لا يسجدوا أو يقوموا بعمل دون إذنه فحسب، بل كان ترقُّبه أن تكون قلوب الناس وأفكارهم مرهونةً به وبأمره، فليس لهم أن يفكّروا دون اذنه وهكذا هي سنة الجبابرة والمستكبرين. طريقة الجبابرة والحكّام الظلمة في كل عصر وزمان، هي انهم في البدء يتهمون الرجال المصلحين بالتآمر ضد الناس، وبعد الإستفادة من حربة التهمة يعملون السيف في الرقاب ليضعف موقع المطالبين بالحق ولا يجدوا معاضداً لهم، فيزيحوهم من طريقهم. قوّة الإيمان هي الطاقة والقوّة التي إن وُجدت في الإنسان صغرت عندها أعظم القوى، وهانت عنده أشد الأُمور، وكرمت نفسه بسخاء في موقف التضحية والإيثار إنّها شعلة العشق النيرة، التي تجعل الشهادة في سبيل الله أحلى من الشهد والعسل، وتصيّر الوصال إلى المحبوب أسمى الأهداف. وهي نفس القوّة التي استعان بها النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وربّى المسلمين الأوائل عليها، وأوصل أمة جهلاءَ متأخرة إلى أوج الفخر بسرعة مذهلة، فكانت الأُمة المسلمة التي اذهلت الدنيا. ******* عبادة العجل وقضية السامري 2 - 34 2010-09-27 00:00:00 2010-09-27 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6652 http://arabic.irib.ir/programs/item/6652 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله والصلاه والسلام علی حامل وحيه محمد المصطفی واله الهداه الابرار مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمه الله وبركاته واهلا بكم الی برنامج القصص الحق • * ايها الاحبه في هذه الحلقة من البرنامج نحط الرحال عند قصة نبي الله موسی ونكمل الحديث عن قصة عبادة العجل وقضية السامري التي ذكرت في سورة طه من الاية 92 حتی 98 • * فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية • * بداية ننصت خاشعين الی تلاوة هذه الايات المذكوره • ثم نتعرف علی معاني المفردات والعبارات التي وردت في هذه الايات • نستمع الی الحوار القراني الذي يتناول مناقشة بعض الاسألة التي تدور حول عصمة موسی (ع) • لنستمع بعد ذلك الی سرد الجزء الثاني من حكاية قوم بني اسرائيل وعبادة العجل • في فقرة من هدی الائمة (ع) نقدم لكم رواية عن الامام امير المومنين -عليه السلام- لها ارتباط بهذه الحكاية • ومسك الختام مع شيء من الدروس والعبر المستقاة من هذه الحكاية القرانية • فاهلا ومرحبا بكم الی فقرات هذا اللقاء ******* المقدمة تعقيباً على البحث الذي تناولناه في الحلقة الماضية حول تقريع موسى وملامته لبني إسرائيل الشديدة على عبادتهم العجل، تعكس هذه الآيات التي نبحثها اليوم محاورة موسى (عليه السلام) مع أخيه هارون (عليه السلام)، ثمّ مع السامري. فلننصت الی تلاوة الايات لنعود بعدها ومتابعة المحطات التالية من البرنامج ******* التلاوة قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا 92 أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي 93 قالَ يَا بْنَ أُمَّ لاتَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولابِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي 94 قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِي 95 قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذالِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي 96 فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً 97 اِنَّما إِلهُكُمُ اللّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَسِعَكلَّ شَيْء عِلْماً 98 كنتم ايها الافاضل مع تلاوة الاية 92 حتی 98 من سورة طه ضمن برنامج القصص الحق فابقوا معنا وفقرة التعرف علی معاني المفردات ******* المفردات يخاطب موسی أوّلا أخاه هارون قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا*أَلاّ تَتَّبِعَنِ اي وكان موسی يذكر اخاه قائلا: أفلم أقل لك أن اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ فلماذا لم تهب لمحاربة عبادة العجل هذه؟ بناءً على هذا، فإنّ المراد من جملة أَلاّ تَتَّبِعَنِ هو: لماذا لم تتّبع طريقة عملي في شدّة مواجهة عبادة الأصنام؟ ، فلمّا رأى هارون غضب أخيه الشديد قال له ـ من أجل تهدئته وليقلّل من فورته، وكذلك ليبيّن عذره وحجّته في هذه الحادثة ضمناً... قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي. كان هارون في الحقيقة يُشير إلى كلام موسى (عليه السلام) الذي وجّهه إليه عند توجّهه إلى الميقات، وكان محتواه الدعوة إلى الإصلاح اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ فهو يريد أن يقول: إنّي إذاكنت قد أقدمت على الإشتباك معهم كان ذلك خلاف أمرك، وكان من حقّك أن تؤاخذني. وبهذا أثبت هارون براءته، وخاصّةً مع ملاحظة العبارة الاُخرى التي وردت في الآية 150 من سورة الأعراف: إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي وبعد الانتهاء من محادثة أخيه هارون وتبرئة ساحته، بدأ بمحاكمة السامري: لماذا فعلت ما فعلت، وما هدفك من ذلك؟: قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ؟ فأجابه وقَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي للمفسّرين اراء عدة في تفسير الاية منها ان مراد السامري هو ان يقول: إنّني آمنت ـ بداية الأمر ـ بقسم من آثار الرّسول اي نبي الله (موسى)، ثمّ شككت فيها فألقيتها بعيداً وملت إلى عبادة الأصنام، وكان هذاعندي أجمل وأحلى. ان كلمة «الرسول» تعني «موسى» (عليه السلام). «والأثر» يعني بعض تعليمات موسى(عليه السلام)، و«نبذتها» ترك تعليمات موسى(عليه السلام). وأخيراً فإنّ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا تشير ـ إلى ماكان لديه من معلومات خاصّة عن دين موسى(عليه السلام) من الواضح أنّ جواب السامري عن سؤال موسى(عليه السلام) لم يكن مقبولاً بأىّ وجه، ولذلك فإنّ موسى(عليه السلام) أصدر قرار الحكم في هذه المحكمة، وحكم بثلاثة أحكام عليه وعلى عجله، فأوّلا: قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ أي يجب عليك الإبتعاد عن الناس وعدم الإتّصال بهم إلى آخر العمر، فكلّما أراد شخص الإقتراب منك، فعليك أن تقول له: لا تتّصل بي ولا تقربني، وبهذا الحكم الحازم طرد السامري من المجتمع وجعله في عزلة تامّة. منزوياً بعيداً عنهم والعقاب الثّاني: إنّ موسى (عليه السلام) قد أسمعه وأعلمه بجزائه في القيامة فقال: وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّنْ تُخْلَفَهُ. والثالث: وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً. وشخّص موسى في آخر جملة، ومع التأكيد الشديد على مسألة التوحيد، وحاكمية نهج الله، فقال: إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَكلَّ شَيْءٍ عِلْماً فليس هوكالأوثان المصنوعة التي لا تسمعكلاماً، ولا تجيب سائلا، ولا تحلّ مشكلة، ولا تدفع ضرّاً. في الواقع، إنّ جملة وَسِعَكلَّ شَيْءٍ عِلْماً جاءت في مقابل وصف العجل وجهله وعجزه الذي ذكر قبل عدّة آيات. حياكم الله مستمعينا الكرم وانتم برفقة برنامج القصص الحق من اذاعة طهران ننتقل الان الی الحوار التالي الذي اجري بشان الايات محل البحث مع ******* المحاورة: مستمعينا الاعزاء اهلاً ومرحباً بكم في هذه المحطة من برنامج القصص الحق ونستضيف خبير البرنامج سماحة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من مدينة قم المقدسة، اهلاً بكم سماحة السيد عبد السلام زين العابدين زين العابدين: الله يبارك فيكم ان شاء الله المحاورة: سماحة السيد لاشك انكلاً من موسى وهرون نبياً فكيف يوجه موسى عليه السلام عتاباً لهجة شديدة الى اخيه في الاية قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي كيف نفسر دفاع هرون عن نفسه عندما قال "ياابن ام لاتأخذ بلحيتي ولابرأسي اني خشيت ان تقول فرقت بين بني اسرائيل ولم ترقب قولي" ؟ زين العابدين: احسنتم، بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً هذا الاختلاف لايمنع من العصمة لأن موسى عليه السلام له سليقة معينة وهرون له سليقة كما يقول العلامة الطباطبائي واختلاف السلائق لاينافي العصمة يعني " قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي " لاتتبعني يعني لاتتبع اسلوبي، لماذا لاتتبع اسلوبي، اسلوب القوة واسلوب الصرامة والحسم وليس معناه الا تتبعني يعني لم تجيء ورائي الى الميقات لا طبعاً وانما لأنه موسى جعل هرون خليفة له " اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ " ولهذا موسى عليه السلام حينما علم انهم ضلوا واتبعوا العجل فقال لهرون " قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاّ تَتَّبِعَنِ " يعني لماذا لم تتبع اسلوبي، لماذا لم تتخذ موقفاً صارماً، موقفاً حاسماً؟ قال "يابن ام لاتأخذ بلحيتي ولابرأسي اني خشيت ان تقول فرقت بين بني اسرائيل ولم ترقب قولي" يعني هناكأن هرون عليه السلام يقول انا اختلف عنك، انا لوكنت اتبع اسلوب القوة واسلوب الحسم لتفرق القوم اكثر واصبح الحزب مئات الاحزاب ولتشتت الناس ولهذا رأيت من المناسب ومن الحكمة ان لااستعمل اسلوب القوة واسلوب العنف من اجل الاصلاح حتى حينما تأتي تجد الساحة بسيطة هناك من يعبدون العجل وهناك من رفضوا عبادة العجل ولهذا فعلاً حسناً فعل هرون حينما لم يستعمل اسلوب القوة، حينما عرف موسى ان اسلوب هرون كان هو الاسلوب الانسب بالنسبة للقوم ولهذا لم تكن هناك مشكلة فقط موسى عليه السلام كان سريع الغضب في ذات الله فغضب من هذا الامر لكن سرعان ما عرف الحقيقة رأى بأن مافعله هرون هو الانسب والاكثر حكمة. المحاورة: طيب استاذ عبد السلام هناك من يقول ان العجل لم يكن ذهبياً بل تبدل الى موجود حي بسبب تراب قدم جبرئيل استناداً الى رأي بعض المفسرين في ان يكون المعني بالرسول هو جبرئيل،كيف تردون؟ زين العابدين: طبعاً لااعتقد ان ظاهر القرآن على عكس ذلك يعني " عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ " الجسد هو حينما تذهب النفس يعني حينما تفرق النفس عن الجسد يسمى جسد، الجسد " عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ " كلمة جسد لاتعني الجسم، الفرق بين الجسم والجسد الجسم هو الروح زائد البدن يسمى الجسم اما الجسد فيطلق على الميت يعني جسد الميت اما الحي فيسمى الجسم فلهذا " عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ " هذا ظاهره ان العجل لم يتحول الى عجل حقيقي وانما هناك عجل من ذهب وله خوار في طريقة معينة بحيث يخرج صوتاً وليس خوار بمعنى الخوار الحقيقي وانما ترك ثقباً من الاعلى ومن الاسفل بحيث حينما يمر الهواء يكون هناك صوتاً، اراد السامري يعني ان يضل القوم اكثر فأكثر اولاً صنع لهم عجلاً من ذهب واليهود يحبون الذهب اثنين جعل له صوتاً بحيث يبدوكأنه حقيقي ولهذا " لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً " النسف دائماً لايطلق على الجسد الحقيقي وانما هو مجرد جسد وليس جسماً وظاهر القرآن اعتقد على هذا المعنى اما بعض الروايات تقول انه اصبح عجلاً حقيقياً طبعاً هذا يخالف ظاهر القرآن الكريم. المحاورة: السؤال الاخر هل يجوز القاء كل هذا الذهب في البحر، الا يعد اسرافاً ؟ زين العابدين: طبعاً اراد موسى عليه السلام ان يعلم هؤلاء درساًكبيراً لأنهم ارتكبوا معصيةكبيرة والسامري ارتكب هذه المعصية بحيث صنع لهم عجلاً جسداً له خوار، موسى اراد ان يحطم هذه النظرة ولهذا " لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً " هذا النسف يعني لايدل على الاسراف ربما بعد ذلك جمعوا الذهب يعني هم نسفوه في اليم وربما لم يجمعوه يعني حتى لوكان هذا الذهب ولكن هناك درسكبير عقائدي لهؤلاء يعني موسى عليه السلام عاقب السامري " َإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ " وعاقب كذلك الذين عبدوا العجل، "ان يقتل بعضهم بعضاً" وهذه عقوبة جداً قاسية لأن الذنبكبير والعقوبة تتناسب مع الذنب كلما كان الذنب كبيراً كانت العقوبة كبيرة يعني معصية الشرك، الشرك من اكبر المعاصي ومن اعظم المعاصي ومن اعظم الظلم فموسى عليه السلام اراد ان يتخذ هذه الاساليب "ان يقتل بعضهم بعضاً" وان ينسف العجل في البحر، كل ذلك حتى لو كان فيه خسائر مادية او خسائر في الارواح ولكنه درسكبير لبني اسرائيل وبالتالي درس كبير لنا جميعاً من ان نتجنب ظاهرة السامري. *لا شكّ أنّكلاًّ من موسى وهارون نبي، فكيف يوجّه موسى (عليه السلام) عتابا ولهجة شديدة إلى أخيه فی الاية" قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي" وكيف نفسّر دفاع هارون عن نفسه عندما قالَ " يَا بْنَ أُمَّ لاتَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لابِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي" ؟ *هناک من يقول: إنّ العجل لم يكن ذهبيّاً، بل تبدّل إلى موجود حي بسبب تراب قدم جبرئيل استنادا الی رای بعض المفسرين فی ان يکون المعنی بالرسول هو جبرئيل کيف تردون؟ والسؤال الآخر هو: هل يجوز إلقاءكلّ هذا الذهب في البحر، ألا يُعدّ إسرافاً؟ *لا شكّ أنّكلاًّ من موسى وهارون نبي، فكيف يوجّه موسى (عليه السلام) عتابا ولهجة شديدة إلى أخيه في الاية "قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي وكيف نفسّر دفاع هارون عن نفسه عندما قالَ " يَا بْنَ أُمَّ لاتَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولابِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ؟ *هناك من يقول: إنّ العجل لم يكن ذهبيّاً، بل تبدّل إلى موجود حي بسبب تراب قدم جبرئيل استنادا الی راي بعض المفسرين في ان يكون المعني بالرسول هو جبرئيل كيف تردون؟ والسؤال الآخر هو: هل يجوز إلقاء كلّ هذا الذهب في البحر، ألا يُعدّ إسرافاً؟ ******* القصة بعد ان عاد موسی(ع) غضبان أسفا إلى قومه سمع صياح القوم وهم يطوفون حول العجل. توقف القوم حين ظهر موسى وساد صمت. صرخ موسى يقول: " بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ " ثم اتجه عليه السلام نحو اخيه هارون وألقى ألواح التوراة من يده على الأرض. مد موسى يديه وأمسك هارون من شعر رأسه وشعر لحيته وشده نحوه وهو يرتعش. قال موسى: " يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ". زاد الصمت عمقا بعد جملة موسى الغاضبة. وتحدث هارون إلى موسى: قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي رجا منه أن يترك رأسه ولحيته. بحق انتمائهما لأم واحدة. أفهمه أن الأمر ليس فيه عصيان له. وليس فيه رضا بموقف عبدة العجل. إنما خشي أن يتركهم ويمضي، فيسأله موسى كيف لم يبق فيهم وقد تركه موسى مسؤولا عنهم، وخشي لو قاومهم بعنف أن يثير بينهم قتالا فيسأله موسى كيف فرق بينهم ولم ينتظر عودته. أفهم هارون أخاه موسى برفق ولين أن القوم استضعفوه، وكادوا يقتلونه حين قاومهم. رجا هارون من موسی أن يترك رأسه ولحيته حتى لا يشمت به الأعداء. ترك موسی رأس اخيه ولحيته واستغفر الله له ولأخيه. ثم التفت لقومه وتساءل بصوت لم يزل يضطرب غضبا: " يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي". عاد موسى يقول غاضبا أشد الغضب: " إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ". لم تكد الجبال تبتلع أصداء الصوت الغاضب حتى نكس القوم رءوسهم وأدركوا خطأهم.كان افتراؤهم واضحا على الحق الذي جاء به موسى. التفت موسى إلى السامري بعد حديثه مع هارون.. تحدث موسى إلى السامري وغضبه لم يهدأ بعد: " قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ قال السامري: بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ " رأيت نبي الله وهو يركب فرسه فلا تضع قدمها على شيء إلا دبت فيه الحياة. " فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ " لقد أخذت حفنة من التراب الذي سار عليه الرسول وألقيتها على الذهب. " فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي هذا ما ساقتني نفسي إليه , لم يناقش موسى، عليه السلام السامري في ادعائه. إنما قذف في وجهه حكم الحق. قال موسى عليه السلام: " قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا. فقد عاش السامري منبوذا محتقرا لا يلمس شيئا ولا يمس أحدا ولا يقترب منه مخلوق. هذه هي عقوبته في الدنيا، ويوم القيامة له عقوبة ثانية، اذ قال له موسی وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ. نهض موسى بعد فراغه من السامري إلى العجل الذهبي وألقاه في النار. لم يكتف بصهره أمام عيون القوم المبهوتين، وإنما نسفه في البحر نسفا. تحول الإله المعبود أمام عيون المفتونين به إلى رماد يتطاير في البحر. ارتفع صوت موسى: " إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَكلَّ شَيْءٍ عِلْمًا" هذا هو إلهكم، وليس ذلك الصنم الذي لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا.. ******* من هدي الائمة (عليه السلام) ورد في كتاب (الإحتجاج) إنّ أمير المؤمنين علي(عليه السلام) لمّا فتح البصرة أحاط الناس به ـ وكان من بينهم «الحسن البصري» وقد جلبوا معهم ألواحاً يكتبون فيها ما يقوله أمير المؤمنين علي(عليه السلام)، فقال له أمير المؤمنين بأعلى صوته: «ما تصنع؟» قال: أكتب آثاركم لنحدّث بها بعدكم، فقال أمير المؤمنين: «أما إنّ لكلّ قوم سامرياً، وهذاسامري هذه الاُمّة! إلاّ أنّه لا يقول: لا مساس، ولكنّه يقول: لا قتال» ******* دروس وعبر إنّ موسى (عليه السلام)كان متيقّناً من براءة أخيه، إلاّ أنّه أراد أن يثبت أمرين من خلال محاكمة هارون. الأوّل: أراد أن يُفهم بني إسرائيل أنّهم قد ارتكبوا ذنباً عظيماً جدّاً، وأي ذنب؟! الذنب الذي ساق هارون الذيكان نبيّاً عظيماً إلى المحكمة، وبتلك الشدّة من المعاملة، أي إنّ المسألة لم تكن بتلك البساطة التيكان يتصوّرها بنو إسرائيل، فإنّ الانحراف عن التوحيد والرجوع إلى الشرك، وذلك بعدكلّ هذه التعليمات، وبعد رؤيةكلّ تلك المعجزات وآثار عظمة الحق، أمر لا يمكن تصديقه، ويجب الوقوف أمامه بكلّ حزم وشدّة. الثّاني: هو أن تثبت للجميع براءة هارون من خلال التوضيحات التي يبديها، حتى لا يتّهموه فيما بعد بالتهاون في أداء رسالته. وبعبارة أوضح: فإنّ موسى(عليه السلام) لو أبقى الذهب الذي استُعمل في صناعة العجل، أو قسّمه بين الناس بالسويّة، فربّما نظر إليه الجاهلون يوماً ما نظرة تقديس، وتحيا فيهم من جديد فكرة عبادة العجل، فيجب أن تتلف هذه المادّة الغالية الثمن فداءً لحفظ عقيدة الناس، وليس هناك اُسلوب آخر لذلك وبهذا فإنّ موسى بطريقته الحازمة وتعامله الجازم الذي إتّخذه مع السامري وعجله إستطاع أن يقطع مادّة عبادة العجل، وأن يمحو آثارها من العقول. ******* عبادة العجل وقضية السامري 1 - 33 2010-08-02 00:00:00 2010-08-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6630 http://arabic.irib.ir/programs/item/6630 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاه على رسوله واله الهداه الابرار مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمه الله وبركاته و اهلا بكم الى برنامج القصص الحق * ايها الاحبه في هذه الحلقة من البرنامج نواصل الحديث عن قصة نبي الله موسى التي ذكرت في سورة طه من الاية 83 الى الاية 91 و هي تحكي قصة السامري و عبادة العجل • فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية • بداية ننصت خاشعين الى تلاوة شيء من هذه الايات • ثم نتعرف على معاني مفرداتها و عباراتها • يجيب سماحة السيد عبد السلام زين العابدين الاستاذ في علم تفسير القران الكريم عن سوال حول قوله تعالى "وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا موسى" • ثم نتابع معا سرد الحكاية. • نعترف من معين عدل القران الكريم اهل البيت (ع) مع روايتين لهما ارتباط بالموضوع. • ومسك الختام مع باقة من الدروس و العبر المآخوذة من هذه الحكاية. فاهلا و مرحبا بكم الى فقرات هذا اللقاء. المقدمة آيات هذه الحلقة تتحدث عن فصل آخر من حياة موسى (عليه السلام) اذ كان من المقرّر أن يذهب موسى(عليه السلام) الى «الطور» لتلقّي أحكام التوراة، ويصطحب معه جماعة من بني إسرائيل لتتّضح لهم خلال هذه الرحلة حقائق جديدة حول معرفة الله والوحي. غير أنّ شوق موسى (عليه السلام) الى المناجاة مع الله وسماع ترتيل الوحي كان قد بلغ حدّاً بحيث نسي في هذا الطريق كلّ شيء، فطوي هذا الطريق بسرعة، ووصل لوحده قبل الآخرين الى ميقات الله وميعاده. هنا نزل عليه الوحي: لنشنف الاسماع بتلاوة شيء الايات التالية وهي من سورة طه من الاية 83 وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا موسى 83 قَالَ هُمْ أُولَاء على أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَي84 قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ 85 فَرَجَعَ موسى الى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي 86 قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَي السَّامِرِيُّ 87 فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ موسى فَنَسِي 88 أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا89 وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي90 قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حتى يَرْجِعَ إِلَيْنَا موسى91 ******* كنا مع تلاوة ايات من سورة طه التي تشير الى حكاية السامري لنتعرف على معاني المفردات التي جاءت في الايات فالى الفقرة التالية ******* المفردات تقول الاية "وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا موسى" ؟ بمعني ان يا موسى ما سبب تعجيلك في المجيء الينا ؟ فأجاب موسى على الفور: قَالَ هُمْ أُولَاء على أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَي اي انه ليس شوق المناجاة وسماع كلامك لوحده قد سلب قراري، بل كنت مشتاقاً الى أن آخذ منك أحكام التوراة بأسرع ما يمكن لاُؤدّيها الى عبادك، ولأنال رضاك عنّي بذلك... أجل إنّ موسى عاشق لرضي الباري و مشتاق لسماع أمره. و لكن الشرك و في أسوأ صورة كان قد أحاط ببني إسرائيل، وأخذ بأطرافهم، خاصّةً وأنّ كبار القوم كانوا مع موسى في الجبل، وكان زعيم الاُمّة هارون وحيداً دون أن يكون له مساعدون أكفّاء مؤثّرون. فأخبر الله موسى في الميعاد بما جري لقومه والسامري إذ تحكي الآية التالية ذلك فتقول: قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ. غضب موسى عند سماعه هذه الكلمات غضباً إلتهب معه كلّ وجوده، فَرَجَعَ موسى الى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا وما أن وقعت عيناه على ذلك المنظر القبيح اي منظر عبادة العجل قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا. هذا الوعد الحسن المذكور في الاية إمّا أن يكون وعد بني إسرائيل بنزول التوراة وبيان الأحكام السماوية فيها، أو الوعد بالنجاة والإنتصار على الفراعنة ووراثة حكومة الأرض، أو الوعد بالمغفرة والعفو للذين يتوبون ويؤمنون ويعملون الصالحات، أو أنّه كلّ هذه الاُمور. ثمّ أضاف: أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ ومعنى هذا الخطاب هو: هبوا أنّ مدّة غيبتي عنكم قد طالت من ثلاثين الى أربعين يوماً، فإنّ هذا الزمن ليس طويلا، ألا يجب عليكم أن تحفظوا أنفسكم في هذه المدّة القصيرة؟ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي من البديهي أن لا أحد يصمّم على أن يحلّ عليه غضب الله، بل المراد من العبارة أنّكم في وضع كأنّكم قد صمّمتم مثل هذا التصميم في حقّ أنفسكم ******* فلمّا رأي بنو إسرائيل أنّ موسى (عليه السلام) قد عنّفهم بشدّة ولامهم على فعلهم وتنبّهوا الى قبح ما قاموا به من عمل، هبوا للإعتذار، قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا «مَلْك» و«مِلك» كلاهما تعني تملّك الشيء، وكأنّ مراد بني إسرائيل أنّنا لم نتملّك هذا العمل، بل وقعنا تحت تأثيره حتى إختطف قلوبنا وديننا من أيدينا، وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَي السَّامِرِيُّ إنّ «قذفناها» تعني أنّنا ألقينا أدوات الزينة التي كنّا قد أخذناها من الفراعنة قبل الحركة من مصر في النّار، وكذلك ألقي السامري ما كان معه أيضاً في النّار حتى ذاب وصنع منه عجلا. فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ " الخوار" صوت البقرة والعجل، ويطلق أحياناً على صوت البعير / فلمّا رأي بنو إسرائيل هذا المشهد، نسوا فجأةً كلّ تعليمات موسى التوحيديّة فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ موسى فَنَسِي ويحتمل أيضاً أن يكون قائل هذا الكلام هو السامري وأنصاره والمؤمنون به وبهذا فإنّ السامري قد نسي عهده وميثاقه مع موسى، بل مع إله موسى، وجرّ الناس الى طريق الضلال فنسي. وهنا قال الله سبحانه توبيخاً وملامة لعبدة الأوثان هؤلاء: أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا فإنّ المعبود الواقعي يستطيع على الأقل أن يُلبّي طلبات عباده ويجيب على أسئلتهم، فهل يمكن أن يكون سماع خوار العجل من هذا الجسد الذهبي لوحده، ذلك الصوت الذي لا يُشعر بأيّة إرادة، دليلا على جواز عبادة العجل، وصحّة تلك العبادة؟ و اما هارون، خليفة نبي موسى الله، فأنه لم يرفع يده عن رسالته في هذا الصخب والغوغاء، وأدّي واجبه في محاربة الانحراف والفساد قدر ما يستطيع، كما يقول القرآن: وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ ثمّ أضاف: وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي. إلاّ أنّ بني إسرائيل تمسكّوا بهذا العجل عناداً، ولم يؤثّر فيهم المنطق السليم القوي لهذا الرجل، ولا أدلّة هذا القائد الحريص، وأعلنوا مخالفتهم بصراحة: قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حتى يَرْجِعَ إِلَيْنَا موسى « لَن نَّبْرَحَ » من مادّة «برح» بمعني الزوال، ولمّا كانت لن تدلّ على النفي، فإنّ معني جملة لن نبرح هو أنّنا سنستمر في هذا العمل. ******* تحية لكم طيبة من برنامج القصص الحق الذي تتابعونه من اذاعة طهران تعابعونا والفقرة التالية من البرنامج اذ نستضيف الاستاذ عبد السلام زين العابدين ******* المحاور: اعزائي المستمعين اهلاً ومرحباً بكم في هذه المحطة من برنامج القصص الحق ونحن نستضيف فضيلة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من مدينة قم المقدسة ونحن في قصة النبي موسى عليه السلام وعبادة العجل من قبل بني اسرائيل، فضيلة السيد ما المقصود من العجلة التي ذكرت في الاية المباركة "وعجلت اليك ربي لترضى" ؟ زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم، طبعاً العجلة نوعان العجلة المذمومة والعجلة المحمودة، عادة كلمة عجلة اغلب ما تأتي العجلة بالشر بينما المسارعة تأتي بالخير يعني " وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ " ولهذا الروايات العجلة توجب الاثار، العجلة من الشيطان، التأني من الرحمن، مثلاً في آيات اخرى " وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً " انظر عادة في القرآن الكريم تأتي العجلة مذمومة ولكن هنا العجلة في الخير، موسى كان استعجل في ميقات الله عزوجل يريد ان يلتقي بالله، طبعاً هذا موعد الهي رباني لهذا تكون العجلة في الخير ممدوحة يعني ليس دائماً كما يظن البعض ان العجلة دائماً مذمومة، لا العجلة في الخير كما في بعض الروايات يعني بهذا المعنى، يعني العجلة تكون في فرص الخير، انظر هنا يقول التأودة في كل شيء، الرسول الاكرم صلى الله عليه واله، "التأودة في كل شيء خير الا في عمل الاخرة" وفي رواية اخرى عن الرسول الاكرم صلى الله عليه واله "الاناة في كل شيء خير الا في ثلاث، اذا صيح في خيل الله فلا تكونوا اول من يشخص يعني في الجهاد واذا نودي للصلاة فكونوا اول من يخرج واذا كانت الجنازة فعجلوا بها ثم الاناة بعد خير" لهذا العجلة قد يتبادر الى الذهن بأن العجلة مذمومة دائماً لا، طبعاً العجلة قد تكون ممدوحة كما عن امير المؤمنين عليه السلام يقول "التثبت خير من العجلة الا في فرص البر" "العجلة مذمومة في كل امر الا فيما يدفع الشر" اذن الروايات تؤكد عن الرسول الاكرم صلى الله عليه واله وعن امير المؤمنين ان العجلة في البر ممدوحة و العجلة في امور الدنيا مذمومة ولهذا " وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً "يعني لماذا الانسان يدعو بالشر ولكن يرى الشر خيراً، يحسبه خيراً لأنه لايحسب حسابات متأنية فيرى الخير شراً والشر خيراً اما موسى الكليم عليه السلام فقد تعجل في الخير. المحاور: فضيلة السيد نحن نعتقد بعصمة الانبياء عليهم السلام والاية تقول "وعجلت اليك ربي لترضى" كيف يمكن لنبي الله ان يعجل في امر يطلب فيه رضى الرحمن وان العجلة كما في الروايات من الشيطان؟ زين العابدين: طبعاً كما قلنا العجلة في الخير وليس العجلة من الشيطان، هنا موسى الكليم كان قد وعده الله عزوجل، المفسرون يختلفون يعني " وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى " يعني يبدو القوم كما يقول العلامة الطباطبائي ليس كل القوم لأن هو جعل هرون خليفة، يبدو القوم هم السبعون نفراً يعني كان من المقرر ان يأتي معهم لكن موسى تعجل الموعد فسبق هؤلاء السبعين هكذا السياق يؤدي الى ذلك والا ما معنى ان كل القوم يأتون الى الطور، الى الميعاد يعني نحن نعرف ان الذين وعدوا بالطور مع موسى سبعين نفراً ولهذا وكأنه " وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى " لماذا جئت قبلهم؟ لماذا جئت قبل السبعين نفراً؟ فقال " عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى " هذه العجلة مصداق من اكبر مصاديق العجلة بالخير وهي طبعاً ممدوحة، "التثبت خير من العجلة الا في فرص البر والعجلة مذمومة في كل امر الا فيما يدفع الشر" كما يقول امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام. ******* كنتم مع الحوار القراني الذي اجري مع فضيلة السيد عبد السلام زين العابدين، الاستاذ في تفسير القران الكريم ضمن برنامج القصص الحق الذي يمكنكم متابعته ايضا عبر موقع الاذاعة الالكتروني هو arabic.irib.ir و الان الى سرد حكاية السامري: ******* القصة انتهى ميقات موسى مع ربه تعالى. وعاد غضبان أسفا الى قومه. فلقد أخبره الله أن قموه قد ضلّوا من بعده. وأن رجلا من بني إسرائيل يدعي السّامري هو من أضلّهم. انحدر موسى من قمة الجبل وهو يحمل ألواح التوراة، قلبه يغلي بالغضب والأسف. لم يكد موسى يغادر قومه الى ميقات ربه. حتى وقعت فتنة السامري. وتفصيل هذه الفتنة أن بني إسرائيل حين خرجوا من مصر، صحبوا معهم كثيرا من حلي المصريين وذهبهم، حيث كانت نساء بني إسرائيل قد استعرنه للتزين به، وعندما أمروا بالخروج حملوه معهم. ثم قذفوها لأنها حرام. فأخذها السامري، وصنع منها تمثالا لعجل. وكان السامري نحاتا محترفا، فصنع العجل مجوفا من الداخل، ووضعه في اتجاه الريح، بحيث يدخل الهواء من فتحته الخلفية ويخرج من أنفه فيحدث صوتا يشبه خوار العجول الحقيقية. فقام السامري في القوم مخاطبا يا قوم لقد أخذت قبضة من تراب سار عليه الرسول - حين نزل الى الأرض في معجزة شق البحرفقد بصرت بما لم يبصروا به، فقبضت قبضة من أثر الرسول فوضعتها مع الذهب. وكان جبريل لا يسير على شيء إلا دبت فيه الحياة. فلما أضاف السامري التراب الى الذهب، صنع منه العجل، وخار العجل كالعجول الحقيقية. وهذه هي القصة التي قالها السامري لموسى عليه السلام. بعد ذلك، خرج السامري على بني إسرائيل بما صنعه.. سألوه: ما هذا يا سامري؟ قال: هذا إلهكم وإله موسى! قالوا: لكن موسى ذهب لميقات إلهه. قال السامري: لقد نسي موسى. ذهب للقاء ربه هناك، بينما ربه هنا. وهبت موجة من الرياح فدخلت من دبر العجل الذهب وخرجت من فمه فخار العجل. وعبد بنو إسرائيل هذا العجل. وفوجئ هارون عليه الصلاة والسلام يوما بأن بني إسرائيل يعبدون عجلا من الذهب. انقسموا الى قسمين: الأقلية المؤمنة أدركت أن هذا هراء. والأغلبية الكافرة طاوعت حنينها لعبادة الأوثان. ووقف هارون وسط قومه وراح يعظهم. قال لهم: إنكم فتنتم به، هذه فتنة، استغل السامري جهلكم وفتنكم بعجله. ليس هذا ربكم ولا رب موسى وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي. ورفض عبدة العجل موعظة هارون. لكن هارون -عليه السلام- عاد يعظهم ويذكرهم بمعجزات الله التي أنقذهم بها، وتكريمه ورعايته لهم، فأصموا آذانهم ورفضوا كلماته، واستضعفوه وكادوا يقتلونه، وأنهوا مناقشة الموضوع بتأجيله حتى عودة موسى. ******* كنتم مع الجزء الاول من حكاية السامري التي ذكرت في القران الكريم في سور طه من الاية 83 حتى الاية 91 من هدي الائمة يقول الإمام الصادق (عليه السلام) «المشتاق لا يشتهي طعاماً، ولا يلتذ ّ شراباً، ولا يستطيب رقاداً، ولا يأنس حميماً، ولا يأوي داراً... ويعبد الله ليلا ونهاراً، راجياً بأن يصل الى ما يشتاق إليه... كما أخبر الله عن موسى بن عمران في ميعاد ربّه بقوله: وعجلت إليك ربّ لترضي» ‏قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏لعلي:‏ ‏أنت مني بمنزلة ‏هارون ‏من ‏موسى ‏إلا أنه لا نبي بعدي. ******* دروس وعبر *إنّ كبير القوم إذا لام مَن تحت إمرته على إرتكابهم ذنباً ما، فإنّهم يسعون الى نفي ذلك الذنب عنهم، ويلقونه على عاتق غيرهم، وكذلك عبّاد العجل من بني إسرائيل، فإنّهم كانوا قد انحرفوا بإرادتهم ورغبتهم عن التوحيد الى الشرك، إلاّ أنّهم أرادوا أن يلقوا كلّ التبعة على السامري. *من الطبيعي أن توجد في مقابل كلّ ثورة حركة مضادّة تسعي الى تحطيم نتائج الثورة، وإلي إرجاع المجتمع الى مرحلة ما قبل الثورة، وليس سبب ذلك معقّداً ولا غامضاً، لأنّ إنتصار ثورة ما لا يعني فناء كلّ العناصر الفاسدة من الفترة السابقة دفعة واحدة، بل تبقي حثالات منهم تبدأ نشاطها من أجل الحفاظ على وجودها وكيانها، ومع اختلاف ظروف ومقدار وكيفيّة هؤلاء، فإنّهم يقومون بأعمال تناهض الثورة سرّاً أم علانية. *وفي حركة موسى بن عمران الثورية نحو توحيد واستقلال وحرية بني إسرائيل، كان السامري زعيم هذه الحركة الرجعيّة المضادّة التي اشرنا اليها انفا، فقد كان عالماً ـ كبقيّة قادة الحركات الرجعيّة ـ بنقاط ضعف قومه جيّداً، وكان يعلم أنّه قادر على أن يستغلّ هذه النقاط فيثير الفتنة فيهم، وذلك بإنتهاز فرصة مناسبة ـ وهي غيبة موسى لعدّة أيّام ـ ونظراً الى أنّ بني إسرائيل بعد النجاة من الغرق، ومرورهم على قوم يعبدون الأصنام، طلبوا من موسى صنماً; والخلاصة أنّه استغلّ كلّ نقاط الضعف النفسي، والفرص المكانية والزمانية المناسبة، وبدأ خطّته المضادّة للتوحيد، وقد نظّم هذه المواد بمهارة فائقة بحيث حرف في مدّة قصيرة أغلبية الجهلة من بني إسرائيل عن خطّ التوحيد الى طريق الشرك. أجل... إنّ كلّ ثورة تحارب في البداية بهذه الصورة، فيجب الحذر دائماً، ومراقبة تحرّكات الشرك الرجعيّة، والقضاء على المؤامرات وهي في وكرها ومهدها.. *******/div>> غرق فرعون - 32 2010-07-26 00:00:00 2010-07-26 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6575 http://arabic.irib.ir/programs/item/6575 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاه ورسوله واله الهداه الابرار مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمه الله وبركاته واهلا بكم الى برنامج القصص الحق * ايها الاحبه في هذه الحلقة من البرنامج نواصل الحديث عن قصة نبي الله موسى التي ذكرت في الايات التسعين حتى الثانية والتسعين من سورة يونس المباركة * فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية * بداية ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الايات * ثم نتعرف على معاني مفرداتها وعباراتها *ونستمع الى الحوار القراني الذي اجرى بشان الايات * ثم نتابع سرد هذا الجزء من الحكاية نقدم لحضراتكم رواية عن الامام الرضا (ع) بشان الموضوع ومسك الختام مع باقة من الدروس والعبر المآخوذة من هذه الحكاية فاهلا ومرحبا بكم الى فقرات هذا اللقاء ******* المقدمة آيات هذه الحلقة من البرنامج تجسّد آخر مرحلة من المواجهة بين بني إسرائيل والفراعنة وبيّنت مصير هؤلاء في عبارات قصيرة، لكنّها دقيقة وواضحة دون الخوض في التفصيلات - كما هو دأب القرآن الكريم ـ فلنفتح المصحف الشريف ونتابع تلاوة الايات التسعين حتى الثانية والتسعين من سورة يونس المباركة وجَاوزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَونُ وجُنُودُهُ بَغْيًا وعَدْوا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوإِسْرَائِيلَ وأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَومَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ* كنا مع تلاوة الايات التسعين حتى الثانية والتسعين من سورة يونس المباركة ضمن برنامج القصص الحق والى الفقرة التالية ******* المفردات تقول الاية المباركة وجَاوزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَـ والمقصود من البحر هونهر النيل العظيم أطلق عليه اسم البحر لعظمته ـ وكان ذلك أثناء مواجهتهم للفراعنة، وعندما كانوا تحت ضغط ومطاردة فرعون و جنوده الذين طاردوهم من أجل القضاء عليهم، تقول الاية: فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَونُ وجُنُودُهُ بَغْيًا وعَدْواً "البغي" يعني الظلم، مفهوم الاية هو ان هؤلاء الفراعنة إنّما طاردوا وتعقبوا بني اسرائيل لغرض الظلم والتعدي عليهم، أمّا كيفية عبور بني إسرائيل للبحر، وأي إعجاز وقع في ذلك الحين، فإنّ شرح ذلك جاء في الآية 63 من سورة الشعراء. فَأَوحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّودِ الْعَظِيمِ إنّ هذه الأحداث قد استمرت حتى أوشك فرعون على الغرق، وأصبح كالقشة تتقاذفه الأمواج وتلهوبه، فعنذاك زالت حجب الغرور والجهل من أمام عينه، وسطع نور التوحيد الفطري وصدع بالإيمان ويصف الباري تعالى حال فرعون: حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوإِسْرَائِيلَ وأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فكانما يقول: لست مؤمناً بقلبي فقط، بل إنّي من المسلمين عملياً:وأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. ولما تحققت تنبؤات موسى(عليه السلام) الواحدة تلو الاُخرى وأدرك فرعون صدق هذا النّبي الكبير أكثر فأكثر وشاهد قدرته وقوته، اضطر الى إظهار الإيمان على أمل أن ينقذه ربّ بني إسرائيل كما أنجاهم من هذه الأمواج المتلاطمة ولذلك يقول: آمنت أنّه لا إله إلاّ الذي آمنت به بنوإسرائيل! إلاّ أنّ من البديهي أنّ مثل هذا الإيمان الذي يتجلّى عند نشوب أظفار الموت، إيمان اضطراري يتشبث به كل جان ومجرم ومذنب وليست له أيّة قيمة، أويكون دليلا على حسن نيّته أوصدق قوله، ولهذا فإنّ الله سبحانه خاطبه فقال: آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. وقد جاء في الآية 18 من سورة النساء: ولَيْسَتِ التَّوبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ ولهذا فإنّ كثيرا من الناس ما أن تستقر بهم الحال وينجوا من الموت يعودوا الى أوضاعهم وأعمالهم السابقة. لكن يقول الله تعالى: فَالْيَومَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً اجل ليكون فرعون آية للحكام المستكبرين ولكل الظالمين والمفسدين، وآية للفئات المستضعفة. هناك بحث بين المفسّرين فيما هوالمراد من البدن هنا، فأكثرهم يرى بأنّ المراد هو جسد فرعون الذي فارقته الروح، لأنّ عظمة فرعون في أفكار الناس في ذلك المحيط بلغت حدّاً بحيث إنّ الكثير لولا ذلك لم يكن يصدق أن فرعون يمكن أن يغرق، وكان من الممكن أن تنسج الأساطير والخرافات الكاذبة حول نجاة وحياة فرعون بعد هذه الحادثة، لذلك ألقى الله سبحانه جسده خارج الماء. اللطيف هنا، أنّ البدن في اللغة ـ كما قال الراغب في مفرداته ـ يعني الجسد العظيم ـ وهذا يدلنا على أنّ فرعون كان عظيم الهيكل ممتليء الجسم كما هو الحال في الكثير من أهل الترف والرفاه الدنيوي! البعض الاخر استفادوا من جملة «ننجيك» أنّ الله سبحانه قد أمر الأمواج أن تلقي بدنه على مكان مرتفع عن الساحل لأنّ مادة «النجوة» تعني المكان المرتفع والأرض العالية. والنقطة الاُخرى التي تلاحظ في الآية أنّ جملة: فَالْيَومَ نُنَجِّيكَ قد بدأت بفاء التفريع، ومن الممكن أن يكون ذلك إشارة الى أنّ إيمان فرعون الباهت في هذه اللحظة اليائسة وفي ساعة الاحتضار كان كالجسد بدون روح ولذلك أثر بالمقدار الذي أنجى الله جسد فرعون من الماء بعد أن فارقته الروح، حتى لايكون طعمة للأسماك وليكون عبرة للأجيال القادمة! يقول في نهاية الآية: إنّه وبالرغم من كل هذه الآيات والدلالات على قدرة الله، ومع كل الدروس والعبر التي ملأت تاريخ البشر فإنّ الكثير معرضون عنها وإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ******* ننتقل الان الى اللقاء القراني التالى الذي اجرى بشان الايات مع سماحة السيد عبدالسلام زين العابدين الاستاذ في تفسير القرآن الكريم في مدينة قم المقدسة المحاورة: مستمعينا الاعزاء نستضيف في هذه الحلقة من برنامج قصص الحق الاستاذ عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من قم المقدسة، اهلاً بكم استاذ عبد السلام زين العابدين زين العابدين: الله يبارك فيكم ان شاء الله المحاورة: سماحة السيد هل ان قول "ننجيك ببدنك" هو استجابة لدعاء فرعون ام ان نجاته من الغرق كانت ارادة الهية ليكون آية للاجيال اللاحقة؟ زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم احسنتم طبعاً لا ليس دعاء لفرعون ربما دعاء لقوم موسى يعني بعض الروايات تقول او بعض الاقوال في عالم التفسير تقول ان بني اسرائيل لم يصدقوا ان فرعون الطاغية قد غرق وقد مات يعني هذه طبيعة الناس يعتبرون ان الطاغية ولاسيما ان فرعون كان يدق على طبل انا ربكم الاعلى، ماعلمت لكم من اهل غيري ولهذا تضرعوا الى الله عزوجل بأن يروا بأم اعينهم جثة هذا الطاغية الذي عذبهم والذي سباهم والذي استضعفهم، بالحقيقة هي ارادة الهية ربانية والاية واضحة جداً في الاية التسعون من سورة يونس او حتى الاية الثانية والتسعون وجَاوزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَونُ وجُنُودُهُ بَغْيًا وعَدْوا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوإِسْرَائِيلَ وأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَومَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً هنا ننجيك ببدنك يعني هنا ارادة الهية ربانية ليرى الناس ليس فقط بنو اسرائيل يرى كل الاجيال الاتية الى يوم القيامة لتكون لمن خلفك آية يعني لمن بعدك ما يأتي من اجيال، ملايين البشر يشهدون هذا الطاغية الجبار المتكبر الذي كان يدعي الالهية والربوبية والذي كان يقمع الناس والذي كان يتصور بأنه الرب الاعلى وهو يتبجح في ملكه أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ يشير الى موسى عليه السلام، هذا الطاغية واذا به جثة هامدة لاروح فيها ولاحراك، لاحول لها ولاطول، لاتستطيع ان تحرك يداً ولااصبعاً طبعاً هذا درس كبير وهذه آية كبيرة لكل الناس ولاسيما الطغاة، مع الاسف الطغاة في كل عصر وجيل لايستفيدون من هذه الاية ومن غرق هذا الطاغية ونجاة الجثة فَالْيَومَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ هذه النجاة يعني بدن دون روح لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً هذا هو السبب، سبب هذه النجاة ليكون هذا الطاغية آية لكل الطغاة والمستكبرين، آية لكل الناس ليروا مصير الطغاة ومصير الذين يستضعفون الناس. المحاورة: طيب استاذ عبد السلام اعتماداً على قوله لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً هل من الممكن القول ان الجثة او الجثتان من جثث الفراعنة التي بقيت محنطة بالمومياء الموجودة الان في متاحف مصر وبريطانيا، هل ان بدن فرعون المعاصر لموسى من بينهم؟ زين العابدين: احسنتم طبعاً الان اثبت العلم بأن هذا الطاغية يعني رمسيس الثاني هذا الجثة المومياء الموجودة الان في المتحف الوطني في القاهرة، هذه الجثة الان ثبت العلم بأنها ماتت غرقاً لأن فيها بعض الاملاح، وجدوا ان الاملاح فيها والاطباء والعلماء، علماء الاثار وحكاية فرعون مع فرنسا تحت هذا العنوان، مومياء فرعون ورمسيس الثاني يقال ان فرانسو ميتران رئيس فرنسا كأنه اقترح او كان يريد ان يعرف هل هذا هو رمسيس الثاني، هل هو فرعون الذي كات غرقاً فعام 1981 طلبت فرنسا من مصر اضاقة مومياء فرعون لأجراء اختبارات وفحوصات آثارية فتم نقل جثمان فرعون رمسيس الثاني وكان مسؤول الفريق الطبي او فريق الجراحين المسؤول الاول كان هو موريس بوكاي الذي تعجب حينما عرف بأن هذا هو فرعون وبأن احد الاطباء العلماء قال له بأن القرآن الكريم يذكر هذه القصة فأثبت ان مافي القرآن الكريم، كل الايات القرآنية لاتنافي العلم بل هي مع العلم ومع التطورات العلمية وهذه الحادثة التي حصلت في نهاية الثمانينات جعلت موريس بوكاي يكتب هذا الكتاب الرائع حينما تفحص وحينما علم بأن هذه الجثة تعود الى الطاغية فرعون الذي مات غرقاً وهذه الحادثة، حادثة رمسيس الثاني وحينما ذهبت الى فرنسا ارجعوها الفرنسيون الى مصر بعد ان ثبت لهم بأن هذا الفرعون قد مات قبل ثلاثة آلاف سنة، اكثر من ثلاثة آلاف سنة طبعاً قبل مئتي سنة اكتشفت هذه الجثة في مصر، جثة رمسيس الثاني والان موجودة في المتحف الوطني في القاهرة. *هل ان قول ننجيك ببدنك هواستجابة لدعاء فرعون ام ان نجاته من الغرق كانت ارادة الهية ليكون اية للاجيال اللاحقة ؟ *اعتمادا على قوله ِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً هل من الممكن القول ان الجثة أوالجثتين من جثث الفراعنة التي بقيت محنّطة بالمومياء الموجودة الان في متاحف مصر وبريطانيا، هل أنّ بدن فرعون المعاصر لموسى من بينها؟ ايها الاحبة استمعنا الى الحوار القراني الذي تناول الحديث عن غرق فرعون ونجاته اخيرا والان ندعوكم لمتابعة سرد هذا الجزء من حكاية نبي الله موسى (ع) ******* القصة وأوحي الى موسى أن يخرج من مصر مع بني إسرائيل. وأن يكور رحيلهم ليلا، بعد تدبير وتنظيم لأمر الرحيل.ونبأه أن فرعون سيتبعهم بجنده؛ وأمره أن يقود قومه الى ساحل البحر وبلغت الأخبار فرعون أن موسى قد صحب قومه وخرج. فأرسل أوامره في مدن المملكة لحشد جيش عظيم. ليدرك موسى وقومه، ويفسد عليهم تدبيرهم. أعلن فرعون التعبئة العامة. وهذا من شأنه أن يشكل صورة في الأذهان، أن موسى وقومه يشكلون خطرا حقيقيا على فرعون وملكه، فيكف يكون إلها من يخشى فئة صغيرا يعبدون إله آخر؟! لذلك كان لا بد من تهوين الأمر وذلك بتقليل شأن قوم موسى وحجمهم فقال فرعون إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ لكننا نطاردهم لأنهم أغاظونا، وعلى أي حال، فنحن حذرون مستعدون ممسكون بزمام الأمور. وقف موسى أمام البحر.وبدا جيش الفرعون يقترب، وظهرت أعلامه. وامتلأ قومموسى بالرعب. كان الموقف حرجا وخطيرا. إن البحر أمامهم والعدو ورائهم وليس معهم سفن أو أدوات لعبور البحر، كما ليست أمامهم فرصة واحدة للقتال. إنهم مجموعة من النساء والأطفال والرجال غير المسلحين. سيذبحهم فرعون عن آخرهم. صرخت بعض الأصوات من قوم موسى : سيدركنا فرعون. وقال موسى : )كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ لم يكن يدري موسى كيف ستكون النجاة، لكن قلبه كان ممتلئا بالثقة بربه، واليقين بعونه، والتأكد من النجاة، فالله هوالذي يوجهه ويرعاه. وفي اللحظة الأخيرة، يجيء الوحي من الله) فَأَوحَيْنَا موسى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فضربه، فوقعت المعجزة فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّودِ الْعَظِيمِ وتحقق المستحيل في منطق الناس، لكن الله إذا أراد شيئا ان يقول له كن فيكون.. وصل فرعون الى البحر. شاهد هذه المعجزة. شاهد في البحر طريقا يابسا يشقه نصفين. فأمر جيشه بالتقدم. وحين انتهى موسى من عبور البحر. وأوحى الله الى موسى أن يترك البحر على حاله. وكان الله تعالى قد شاء إغراق الفرعون. فما أن صار فرعون وجنوده في منتصف البحر، حتى أصدر الله أمره، فانطبقت الأمواج على فرعون وجيشه. وغرق فرعون وجيشه. غرق العناد ونجا الإيمان بالله. ولما اوشك فرعون على الغرق، ولم يعد يملك النجاة قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوإِسْرَائِيلَ وأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سقطت عنه كل الأقنعة الزائفة، وتضائل، فلم يكتفي بأن يعلن إيمانه، بل وأعلن الاستسلام أيضا وقال وأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لكن بلا فائدة، فليس الآن وقت اختيار، بعد أن سبق العصيان والاستكبار، فجاءه جواب الوحي آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ انتهى وقت التوبة المحدد لك. انتهى الأمر ولا نجاة لك. سينجو جسدك وحده. لن تأكله الأسماك،ولن يحمله التيار بعيدا عن الناس، بل سينجو جسدك لتكون آية لمن خلفك. أسدل الستار على طغيان الفرعون. ولفظت الأمواج جثته الى الشاطئ. بعد ذلك وهزم جنوده. لقد خرجوا يتبعون خطى موسىوقومه ويقفون أثرهم. فكان خروجهم هذا هو الأخير. وكان إخراجا لهم من كل ما هم فيه من جنات وعيون وكنوز؛ فلم يعودوا بعدها لهذا النعيم. ******* من هدي الائمة (ع) يروي الشيخ الصدوق(ره) انه سئل الامام الرضا (ع): لأي علّة أغرق الله عزّوجلّ فرعون وقد آمن به، وأقرّ بتوحيده؟ قال(ع): إنّه آمن عند رؤية البأس، وهوغير مقبول، وذلك حكم الله تعالى ذكره في السلف والخلف قال الله تعالى فَلَمَّا رَأَوا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوا بَأْسَنَا .وقال عزّوجلّ يَومَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوكَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا وهكذا فرعون لمّا أدركه الغرق قال آمنت أنّه لا إله إلّا الّذي آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين فقيل له: آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُوكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَومَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً . ******* دروس عبر نستخلص اهم الدروس المستقاة من الايات على النحو التالى اولا: ان باب التوبة مفتوح امام الانسان قبل ان ياتي الباس كما تقول الاية المباركة فَلَمَّا رَأَوا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوا بَأْسَنَا فالعاقل يبادر للتوبة مادام في متسع من الوقت وتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ثانيا: ان من المعاجز التي جاء بها القران الكريم هو الاخبار عن الغيب والمقصود هنا بقاء جسد فرعون حتى هذا اليوم فَالْيَومَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ثالثا: يجب الاعتبار من موت وانهيار الجبابرة والطواغيت فكل ذلك يعد اية للاجيال. رابعا: والحقيقة المرة التي يشير اليها القران الكريم هي عدم اتعاظ كثير من الناس من الايات الالهية والاحداث التي خلدتها صفحات التاريخ. ******* موسى يستعد للثورة - 31 2010-07-19 00:00:00 2010-07-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6554 http://arabic.irib.ir/programs/item/6554 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله والصلاه والسلام على حامل وحيه محمد المصطفي واله الهداه الابرار مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمه الله وبركاته واهلا بكم الى برنامج القصص الحق * ايها الاحبه في هذه الحلقة من البرنامج نواصل الحديث حول قصة نبي الله موسى التي ذكرت في سورة يونس 83 الى 89 فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية بداية ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الايات ثم نتعرف على معاني المفردات والعبارات التي وردت في الايات نستمع الى الحوار القراني الذي اجري بشان الايات لنستمع بعد ذلك الى سرد الحكاية نغترف من معين اهل البيت (ع) لنرتوي منه في تفسير هذه الايات ومسك الختام مع باقة من الدروس والعبر المستقاة من هذه الحكاية القرانية فاهلا ومرحبا بكم الى فقرات هذه اللقاء المقدمة تعكس هذه الآيات مرحلة اُخرى من المواجهة الثورية بين موسى وفرعون، ففي البداية تبيّن وضع المؤمنين بعد اعلان دعوته وموقف الناس منها ثم يجري الحديث فيها عن دعاء موسى (ع) على القوم الكافرين واستجابة دعائه من قبل الباري تعالى وبالتالي خروج موسى وبني اسرائيل من مصر وقصة فلق البحر. الان ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الايات من سورة يونس 83 الى 89 ******* فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83) وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ (84) فَقَالُواْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87) وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ (89) ******* المفردات تقول الاية المباركة (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ) انّ هذه المجموعة الصغيرة القليلة، والتي كان الشباب والأشبال يشكّلون أكثريتها بمقتضى ظاهر كلمة ذريّة، كانت تواجه ضغوطا شديدة من فرعون وأتباعه إلى درجة أنّهم خافوا أن يصل بهم الأمر إلى ترك دين موسى نتيجة هذه الضغوط الشديدة وكما تعبر الاية الشريفة: (عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ). لقد حدّث موسى هؤلاء بلسان المحبّة والمودة من أجل تهدئة خواطرهم وتسكين قلوبهم: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ). إنّ حقيقة التوكل هي إلقاء العمل والتصرف في الاُمور على كاهل الوكيل، هذا هومفهوم التوكّل الذي لا ينفك عن الإيمان والإسلام، لأنّ الفرد المؤمن والمذعن لأوامر الله يعتقد أنّه قادر على كل شيء، وكل عسير مقابل إرادته سهل يسير، ويعتقد بوعد الله تعالى للمؤمنين بالنصر. إنّ هؤلاء المؤمنين المخلصين أجابوا دعوة موسى بالتوكل: (فَقَالُواْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا). ثمّ رجوا من الله سبحانه أن ينجيهم من شر الأعداء ووساوسهم وضغوطهم ويؤمّنهم: (رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) ثم تشرح الآيات التالية مرحلة اُخرى من نهضة موسى وثورة بني إسرائيل ضد الفراعنة. فتقول: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) فالأمر الإلهي يقرر اختيار البيوت لبني اسرائيل بمصر وأن تكون هذه البيوت متقاربة ومتقابلة لأنّ القبلة في الأصل بمعنى حالة التقابل، وإطلاق كلمة القبلة على ما هومعروف اليوم اي الكعبة المشرفة إنّما هومعنىً ثانوي لهذه الكلمة. ثمّ تتطرق إلى مسألة تربية النفس معنوياً وروحياً، فقالت: (وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ) ومن أجل أن تطرد آثار الخوف والرعب من قلوب هؤلاء وتعيد وتزيد من قدرتهم المعنوية والثّورية قالت: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) ثمّ تشير الى احد عوامل طغيان فرعون وأزلامه، فتقول على لسان موسى: (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ). إنّ اللام في «ليضلوا» لام العاقبة، أي إنّ جماعة الأشراف الأثرياء المترفين سيسعون من أجل إضلال الناس شاؤوا أم أبوا، وسوف لا تكون عاقبة أمرهم شيئاً غير هذا، لأنّ دعوة الأنبياء والأطروحات الإلهيّة توقظ الناس وتوحدّهم وبذلك لايبقى مجال لتسلط الظالمين وكيد المعتدين وستضيق الدنيا عليهم، فلا يجدوا بدّاً من معارضة الانبياء. ثمّ طلب موسى (عليه السلام) من الله طلباً فيقول: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ). «الطمس» في اللغة بمعنى المحووسلب خواص الشيء ، واللطيف في الأمر أنّ ماورد في بعض الرّوايات من أنّ أموال الفراعنة قد أصبحت خزفاً وحجراً بعد هذه اللعنة ، ربّما كان كناية عن أنّ التدهور الاقتصادي قد بلغ بهم أن سقطت فيه قيمة ثرواتهم تماماً وأصبحت كالخزف لا قيمة لها ثمّ تضيف الاية (وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ) أي: أسلبهم قدرة التفكير والتدبّر أيضاً لأنّهم بفقدانهم هاتين الدعامتين (المال والفكر) سيكونون على حافة الزوال والفناء، وسينفتح أمامنا طريق الثورة، وتوجيه الضربه النهائية لهؤلاء. (فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ) ومن الطبيعي أنّ الإيمان بعد مشاهدة العذاب لا ينفع هؤلاء أيضاً. ثمّ خاطب الله سبحانه وتعالى موسى وأخاه بأنّه: الآن وقد أصبحتما مستعدين لتربية وبناء قوم بني إسرائيل (قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا) في سبيل الله ولا تخافا سيل المشاكل، وكونا حازمين في أعمالكما ولا تستسلما أمام اقتراحات الجاهلين، بل استمرّا في برنامجكما الثوري (وَلاَ تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ). ******* المحاورة: مستمعينا الاعزاء نستضيف في هذه الحلقة من برنامج قصص الحق السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من قم المقدسة، اهلاً بكم سماحة السيد عبد السلام زين العابدين زين العابدين: الله يبارك فيكم ان شاء الله المحاورة: سماحة السيد هناك بحث بين المفسرين بأنه من كانت هذه الذرية آمنت بموسى والى من يعود ضمير من قومه، الى موسى ام فرعون؟ زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم احسنتم كثيراً هذه الاية الثالثة والثمانون من سورة يونس عليه السلام ( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ ) هناك اتجاهان في عالم التفسير الاتجاه الاول يقول الضمير ( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ) من قومه يعني راجعة الى فرعون لأن الاية تتحدث عن فرعون، الايات التي قبلها (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ) اذن فرعون مذكور في السياق وممكن من قومه يعني عائدة الى فرعون يعني بعضهم آمن كزوجة فرعون مثلاً، بعض الاقباط آمنوا لموسى عليه السلام، الاتجاه الاخر وهوالاتجاه الاكثر انسجاماً مع السياق هذه الهاء يعني الضمير ( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ) يعني من قوم موسى يعني من بني اسرائيل فجماعة من بني اسرائيل هؤلاء هم الذين آمنوا من قوم موسى عليه السلام، هذه الذرية المؤمنة ولكن هؤلاء آمنوا في ظرف رعب وخوف وكانوا مستضعفين ( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ) يعني من بني اسرائيل، المستضعفون من بني اسرائيل، المؤمنون الذين قبلوا الحق هم آمنوا بموسى عليه السلام ولكن هذا الايمان كان على خوف، كانت الاجواء اجواء طاغية، يدق على طبل انا ربكم الاعلى وما علمت لكم من اله غيري وما اريكم الا ما ارى فهناك من ذرية بني اسرائيل آمنوا بموسى عليه السلام على خوف من فرعون وملأهم فلهذا هذه الهاء يعني ( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ) يعني ذرية من قومه عائدة الى موسى افضل في السياق يعني من بني اسرائيل اذن الافضل ان نقول ( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ) يعني من قوم موسى (عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ) يعني على خوف من الطاغية فرعون ومن ابناء جلدتهم من بني اسرائيل الذين كانوا يوالون الطاغية، الذين ركنوا الى فرعون. المحاورة: طيب استاذ عبد السلام، (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) ما المقصود من الامر الالهي الذي يقرر اختيار البيوت لبني اسرائيل بمصر وان تكون هذه البيوت قبلة، ما معنى ذلك؟ زين العابدين: احسنتم كثيراً هذا سؤال يعني جميل ورائع بارك الله فيكم، هذه الاية السابعة والثمانون من سورة يونس، هذا الايحاء الرباني الاول لموسى وهرون اولاً ان يتخذ بنواسرائيل بيوتاً، الايحاء الثاني الرباني الالهي ان يجعلوا بيوتهم قبلة، ما معنى ان يتخذوا بيوتاً؟ هناك اتجاهان في عالم التفسير، بعضهم قال اتخذوا بيوتاً يعني بيوت عبادة، بعضهم قال بيوت سكن طبعاً الافضل بيوت عبادة تحتاج الى تأويل يعني اختيار البيوت من اجل السكن وليس من اجل العبادة، لماذا؟ هذا يبدوان بني اسرائيل كانوا يعيشون حالة البداوة، حالة عدم التحضر، كانوا على شكل فساطيط اوعلى شكل خيام يعني متنقلون لايأويهم مأوى بحيث لم يكونوا مجتمعاً متحضراً قوياً متماسكاً ثابتاً في ارض له وطن ثابت فالقرآن الكريم يقول ان الله عزوجل اوحى لموسى وهرون ان يتخذ بنواسرائيل بيوتاً، يكفي حياة التنقل يعني يبدوان بني اسرائيل كانوا لايعيشون في بيوت مستقلة كمجتمع، بعضهم هكذا ذهب يعني ليست حالة البداوة وانما كانوا خدم يعني لم يكن لبني اسرائيل بيوت خاصة بهم وانما اكثر بني اسرائيل كانوا يعيشون خدم في بيوت الفراعنة وفي بيوت الاقباط فلم يكونوا يستقلون في بيوت فجاء الامر الالهي الرباني من خلال موسى وهرون ان يتخذوا بيوتاً، ان يبنوا لأنفسهم، ان يكونوا مجتمعاً مستقلاً يعني له عاداته وتقاليده، الامر الثاني (وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) ما معنى قبلة؟ يعني هناك اتجاهان في عالم التفسير ايضاً بعضهم قال قبلة يعني متقابلة يعني البيوت تكون متقابلة، بيت مقابل لبيت حتى يكون هناك تماسك وتآزر ومجتمع متكامل وهناك قرب وعدم افتراق ليكون مجتمعاً متآلفاً متماسكاً متعاضداً ليتمكنوا من النصيحة المتبادلة والتواصي بالحق والتواصي بالصبر وليكون مجتمعاً متحاباً وليسهل كذلك التبليغ واقامة الشعائر بقوة وبصورة جماعية وان كان بعض المفسرين رأى بأن القبلة يعني مصلى يعني (وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) يعني مصلى يعني ان منعتم في دور العبادة فعليكم ان تتخذوا من بيوتكم قبلة ولكن التفسير الاول يبدواقرب الى السياق (وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) ليكونوا متقابلين بيتاً مقابل بيت ولايوجد تفرق في البيوت حتى يكون هناك مجتمع متوحد متماسك متقارب له اعرافه، له تقاليده وطبعاً هذا كله يؤدي الى استقلالية المجتمع وعدم سيطرة الطاغية فرعون على هذا المجتمع. ******* القصة وتبدأ جولة جديدة بين الحق والباطل. فهاهم علية القوم من المصريين، يتآمرون ويحرضون فرعون ويهيجونه على موسى ومن آمن معه، ويخوّفونه من عاقبة التهاون معهم. وقد كان فرعون يستمد قوته من ديانتهم الباطلة، فقال احد حاشية فرعون مخاطبا اياه: يا فرعون انك ابن الآلهة ، فإن عبد موسى ومن معه ربهم ، لن تكون لك أي سطوة عليهم. فاستثارت هذه الكلمات فرعون، وأشعرته بال