اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | شرح أدعيه النبي الاكرم (ص) http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb شرح فقرة "اللهم اني قرأت ما قضيت لي من كتابك" - 158 2014-09-20 09:28:55 2014-09-20 09:28:55 http://arabic.irib.ir/programs/item/11706 http://arabic.irib.ir/programs/item/11706 بسم الله وله کامل الحمد والثناء اذ هدانا للتقرب اليه بعروته الوثقى وحبله المتين، قرآنه الكريم وعترة نبيه المبعوث رحمة للعالمين حبيبنا وسيدنا الهادي المختار محمد صلوات الله عليه وآله الأطهار. السلام عليكم أيها الاحبة ورحمة الله وبركاته، أطيب تحية نهديها لكم في مطلع لقاء اليوم من هذا البرنامج، نخصصها لنظرة اجمالية لدعاء مولانا الامام الصادق –صلوات الله عليه- عند الفراغ من تلاوة ما تيسر من القرآن الكريم، وهدفنا التعرف الى ما يتضمنه من آداب التلاوة لكي نستعين بها على القيام بعبادة تلاوة القرآن الكريم بالصورة التي يرتضيها الله عزوجل ونحصل بها على أفضل بركات الكتاب الالهي العزيز؛ كما فصلنا الحديث عن ذلك في الحلقات السابقة. جاء في رواية هذا الدعاء المروي في كتاب الاقبال للسيد ابن طاووس –رحمه الله- ان الامام كان يقول (عند الفراغ من قراءة بعض القرآن العظيم) ونفهم من هذه العبارة استحباب التوجه الى الله بهذا الدعاء بعد كل تلاوة مهما كانت قصيرة. وجاء في المقطع الأول من هذا الدعاء قوله –صلوات الله عليه-: "اللهم اني قرأت ما قضيت لي من كتابك الذي أنزلته على نبيك محمد صلواتك عليه ورحمتك فلك الحمد ربنا ولك الشكر والمنة على ما قدرت ووفقت". ايها الافاضل، الأدب المحوري الذي نتعلمه من هذا المقطع هو أن علينا ان نستشعر قلبيا ووجدانياً ان توجهنا لتلاوة القرآن الكريم في كل مرة هو توفيق من الله ونعمة جليلة ينبغي لنا أن نحمده عزوجل ونشكره عليها استزادة منها. واضافة الى الشكر القولي ينبغي لنا ان نشكر عملياً لهذه النعمة بحسن الاستفادة منها وذلك بالعمل الدقيق بما تدعونا اليه الآيات المباركة التي نتلوها مستعينين بالله من أجل ذلك، وهذا هو الآدب المحوري الثاني الذي نستلهمه من المقطع التالي من الدعاء وهو: "اللهم اجعلني ممن يحل حلالك ويحرم حرامك ويجتنب معاصيك ويؤمن بمحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه واجعله لي شفاءً ورحمة وحرزاً وذخرا". ايها الاطائب، الأدب المحوري الثالث الذي نتعلمه من المقطع المتقدم من دعاء الفراغ من تلاوة القرآن الكريم هو أن نستعين بالله عزوجل للالتزام بالاوامر القرآنية ولكن مع اخذها من العارفين بها اي العالمين بالمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ وهم اهل بيت النبوة المحمدية وحدهم كما صرحت بذلك كثيرٌ من النصوص الشريفة عرضنا لبعض نماذجها في حلقات سابقة. أما الأدب المحوري الرابع –أيها الاحبة- فهو أن نستعين بالله تبارك وتعالى للاستشفاء بما نتلوه من الآيات الكريمة، اي ان نبحث فيها مستعينين بالاحاديث الشريفة عن شفاء مختلف الأمراض المادية والمعنوية والفكرية وغيرها كما فصلنا الحديث عن ذلك في الحلقات الخاصة بهذا المقطع. والادب المحوري الخامس احباءنا هو الاستعانة بالله لاتخاذ ما نتلوه من آيات كابه الحكيم حرزاً نتحصن به من مختلف أشكال الانحرافات والاخطار التي تهدد دين المؤمن ودنياه. كما أن الأدب المحوري السادس أو نأخذ ما نتلوه من الآيات الكريمة ذخراً اي نحفظها لكي نستفيد من كل منها عند الحاجة اليها في الحوادث الواقعة التي يمر بها الانسان. ايها الاخوات والاخوة، ونقرأ في المقطع اللاحق من هذا الدعاء الشريف قول مولانا الامام الصادق –صلوات الله عليه-: "اللهم اجعله لي أنساً في قبري، وأنساً في حشري، وأنساً في نشري، وأجعل لي بركة بكل ىية قرأتها، وأرفع لي بكل حرف درجة في أعلى عليين، آمين يا رب العالمين". أيها الاطائب، الأدب المحوري السابع من آداب التلاوة الذي نستفيده من هذا المقطع هو ان علينا ان نستعين بالله عزوجل لكي نتخذ من القرآن أنساً لنا يدفع عنا أهوال عوالم الآخرة، وقد هدتنا كثير من الأحاديث الشريفة الى الآيات والسور التي يؤدي الالتزام بمضامينها لكي يصبح القرآن أنساً من تلك الأهوال. اما الأدب المحوري الثامن فهو الاستعانة بالله جل جلاله للاستهداء بجميع آيات كتابه العزيز للرقي المعنوي والتحلي بالفضائل التي نفوز معها بمرافقة بمحمد وآله الطاهرين – صلوات الله عليهم أجمعين- في أعلى عليين وهي مراتبهم السامية التي جعلها الله لهم وللمقتدين بهم –عليهم السلام-، وهذا المعنى يؤكده المقطع الاخير من الدعاء حيث يكمل به المؤمن حمده لله عزوجل بشكر محمد وآله الطاهرين على تحملهم جميع أشكال الأذى بهدف ايصال معارف القرآن النقية للمؤمنين، وأسمى صور هذا الشكر الصلاة عليهم ولذلك كان مسك ختام الدعاء هو: "اللهم صل على محمد نبيك وصفيك ونجيك ودليلك والداعي الى سبيلك، وعلى أميرالمؤمنين وليك وخليفتك بعد رسولك، وعلى أوصيائهما المستحفظين دينك، المستودعين حقك، والمسترعين خلقك، وعليهم أجمعين السلام ورحمة الله وبركاته". والى هنا ننهي مستمعينا الافاضل هذه الحلقة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم لها من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، شكراً لكم وفي أمان الله. شرح فقرة "وعليهم أجمعين السلام ورحمة الله وبركاته" - 157 2014-09-17 09:08:33 2014-09-17 09:08:33 http://arabic.irib.ir/programs/item/11702 http://arabic.irib.ir/programs/item/11702 بسم الله وله خالص الحمد والثناء إذ هدانا لإبتغاء مرضاته بالتمسك بعروته الوثقى وحبله المتين قرآنه الكتاب المبين وأهل بيت حبيبه المبعوث رحمة للعالمين المصطفى الأمين -صلى الله عليه وآله الطاهرين-. السلام عليكم احبتنا ورحمة الله وبركاته، معكم في حلقة جديدة من هذا البرنامج، ووقفة أخرى عند المقطع الختامي من دعاء مولانا الامام جعفر الصادق –عليه السلام- عند الفراغ من تلاوة ما تيسر من الذكر الحكيم وفيه بقول: "اللهم صل على محمد نبيك وصفيك ونجيك ودليلك والداعي الى سبيلك، وعلى أميرالمؤمنين وليك وخليفتك بعد رسولك، وعلى أوصيائهما المستحفظين دينك، المستودعين حقك، والمسترعين خلقك، وعليهم أجمعين السلام ورحمة الله وبركاته". بلغ بنا الحديث أعزاءنا الى عبارة "وعليهم أجمعين السلام ورحمة الله وبركاته". وضمير (عليهم) كما هو واضحٌ يرجع الى النبي المصطفى وخليفته الولي المرتضى وأوصيائهما الأحد عشر عليهم جميعاً صلوات الله. وفي هذه العبارة يعلمنا مولانا الصادق –عليه السلام- ان نختم دعاء الفراغ من تلاوة القرآن بالسلام عليهم مع طلب نزول الرحمة والبركات عليهم من الله جل جلاله؛ فما الذي نستفيده من ذلك؟ وما معنى أولاً السلام عليهم؟ لا يخفى عليكم أيها الافاضل، ان هذه الصيغة هي صيغة التحية الالهية الطيبة المباركة التي حبا الله عزوجل بها الأمة المحمدية، فقال في الآية 61 من سورة النور: "فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً". والسلام هو تحية اهل الجنة كما يصرح بذلك قوله جل جلاله في الآية العاشرة من سورة يونس "دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ". كما أنها تحية الملائكة المقربين والأنبياء –عليهم السلام- كما اشار لذلك القرآن الكريم في مواضع عدة وهو يحكي قصة دخول الملائكة الذين أرسلوا الى قوم لوط على ابراهيم الخليل –عليه السلام-؛ قال العلامة الطباطبائي في الجزء العاشر من تفسير الميزان: "والأصل في معنى السلام على ما ذكره الراغب في المفردات هو التعري عن الآفات الظاهرة والباطنة، واليه يرجع معناه في جميع مشتقاته... والظاهر أن السلام والأمن متقاربان معنىً... والسلام من أسمائه تعالى لأن ذاته المتعالية نفس الخير الذي لاشرفيه وتسمى الجنة دار السلام حيث لاشر فيها ولاضر". أيها الاخوة والاخوات، لقد ذكر العلماء ان معنى السلام كتحية يتضمن الدعاء لمن نسلم عليه بأن يحفه الله عزوجل بالسلامة من جميع الآفات وكل مكروه وأن تكون هذه السلامة ملازمة له ببركة اسم السلام من اسمائه عزوجل وينزل عليه مع السلام الرحمة والبركات. هذا اولاً وثانياً فان السلام على شخص يتضمن تقديم عهد له بأن لا يصله اي مكروه او اذىً ممن يسلم عليه. وعندما نطبق هذين المعنيين على أهل بيت النبوة –عليهم السلام- يكون في معنى السلام عليهم أولاً معنى الدعاء بان يحفهم الله عزوجل برحمته وبركاته وبالأمان من كل ما يكرهون وما لا يحبون لانفسهم ولشيعتهم وهو بالطبع ما يكرهه الله عزوجل ولا يحبه لهم ولشيعتهم. كما يتضمن السلام عليهم ثانياً تقديم العهود منا ان لا يصلهم ما يكرهون منا، أي ان في السلام عليهم عهداً بان تكون لهم شيعة صادقون لهم نلتزم بطاعتهم والتقرب الى الله عزوجل بولايتهم وبالعمل بكل ما يحبونه ويرتضونه للمؤمنين الصادقين. مستمعينا الأفاضل، ونجد في الاحاديث الشريفة معنىً اسمى هو خاصٌ بالسلام على أهل بيت النبوة –عليهم السلام- وهذا المعنى يتضمن معنى الدعاء بتعجيل فرجهم وتحقق اهداف رسالتهم الالهيه كاملة؛ لنتأمل معاً في الحديث التالي المروي في كتابي الكافي والبصائر مسنداً عن داود الرقي أنه قال للامام الصادق –عليه السلام-: ما معنى السلام على رسول الله –صلى الله عليه وآله-؟ فأجاب –صلوات الله عليه- قائلاً: "ان الله تبارك وتعالى لما خلق نبيه ووصيه وابنته وابنيه وجميع الائمة، وخلق شيعتهم اخذ عليهم الميثاق- أي في عالم الذر قبل عالم الدنيا-، وان يصبروا ويصابروا ويرابطوا وان يتقوا الله ووعدهم ان يسلم لهم الارض المباركة والحرم الآمن وان ينزل لهم البيت المعمور، ويطهر لهم السقف المرفوع ويريحهم من عدوهم... وان يكون لهم فيها ما يحبون، واخذ رسول الله –صلى الله عليه وآله- على جميع الائمة وشيعتهم الميثاق بذلك، وانما السلام عليه –صلى الله عليه وآله- تذكرة نفس الميثاق وتجديد له على الله لعله ان لعجله عزوجل ويعجل السلام لكم بجميع ما فيه". ولذلك ورد في الأحاديث الشريفة ان زيارتهم –عليهم السلام- والسلام عليهم تجديد للميثاق والعهد كما ورد عن الامام الصادق والامام الرضا –عليهما السلام- في المروي عنهما في ابواب المزار من كتاب الوسائل. وعليه يكون معنى الرحمة والبركات التي نطلب من الله عزوجل ان يحفهم بها هي مظاهر تحقق الوعد الالهي بأقامة دولتهم العادلة التي يملأ بها الارض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً. وعلى ضوء ما تقدم نفهم أيها الاطائب ان من آداب تلاوة القرآن الكريم ان نختم كل تلاوة بالدعاء بتعجيل الفرج المحمدي لكي تتحقق في ظل الدولة الالهية أهداف كتاب الله كاملة. وبهذه النتيجة ننهي حلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) شاكرين لكم طيب المتابعة، ولكم دوماً أصدق الدعوات من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، دمتم في أمان الله. شرح فقرة "المستودعين حق الله" - 156 2014-09-16 09:42:51 2014-09-16 09:42:51 http://arabic.irib.ir/programs/item/11699 http://arabic.irib.ir/programs/item/11699 بسم الله ولله الحمد على جميل صنعه وترادف نعمائه اذ وفقنا للتمسك بعروته الوثقى وحبله المتين قرآنه الحكيم وأهل بيت نبيه المبعوث رحمة للعالمين ابي القاسم محمد -صلى الله عليه وآله الطاهرين-. السلام عليكم اخوتنا المستمعين، معكم على بركة الله في حلقة اليوم من هذا البرنامج نتابع فيها بعون الله الاستنارة بالمقطع الاخير من دعاء مولانا الامام الصادق عند الفراغ من تلاوة ما تيسر من القرآن الكريم وفيه يقول –صلوات الله عليه- : "اللهم صل على محمد نبيك وصفيك ونجيك ودليلك والداعي الى سبيلك، وعلى أميرالمؤمنين وليك وخليفتك بعد رسولك، وعلى أوصيائهما المستحفظين دينك، المستودعين حقك، والمسترعين خلقك، وعليهم أجمعين السلام ورحمة الله وبركاته". أيها الاطائب، بلغ بنا الحديث الى الصفة الثالثة من صفات الأوصياء المحمديين –عليهم السلام- وهي كونهم (المستودعين حق الله) فما المراد بها وما الذي نستفيده منها فيما يرتبط بآداب تلاوة القرآن الكريم؟ في الاجابة عن هذا السؤال نقول: ان المستودعين على بناء المفعول هم الذين استودعهم الله حقه اي استحفظهم اياه وقد وصف الاوصياء المحمديين في نصوص الزيارات الشريفة بذلك نظير ما ورد في كتاب (كامل الزيارات) وغيره عن الامام الصادوق والامام ابي الحسن الرضا –عليهما السلام- أنه كان يقول عند زيارة المشهد العلوي عند ذكر الأئمة من ولد أمير المؤمنين –صلوات الله عليه-: "اللهم صل على الأئمة من ولده القوامين بأمرك من بعده المطهرين الذين ارتضيتهم انصاراً لدينك واوعية لعلمك وحفظة لسرك وشهداء على خلقك واعلاماً لعبادك ونجوماً في أرضك، السلام على الائمة المستودعين السلام على خالصة الله من خلقه المباركين، السلام على خاصة الله..." قال العلامة المجلسي بعد نقله لهذه الزيارة في الجزء (97) من البحار: "قوله: المستودعين على بناء المفعول أي الذين استودعهم الله حكمته وأسراره، وقوله (خالصة الله) أي الذين خلصوا عن محبة غيره تعالى او خلصوا الى الله ووصلوا الى قربه وحجته، او استخلصهم الله واستخصهم لنفسه". وعلى ضوء ما تقدم يتضح –مستمعينا الافاضل- ان المراد بـ (حق الله) الذي استودعه عزوجل الأوصياء المحمديين وراثة عن سيدهم المصطفى –صلى الله عليه وآله- هو عنوان عام يشمل العلم الالهي واسراره وما يرتبط بتنفيذ المشيئة الالهية في تدبير شؤون الخلق بما فيه صلاحهم وهدايتهم الى الغاية من خلقهم؛ فالله تبارك وتعالى استودعهم هذه الحق الالهي لكي يكونوا اعلاماً لعباده وشهداءً على خلقه ينصرون دينه ويعينون عباده على طاعته ويقيمون عدالته وعدله، فهم خالصته عزوجل الذين طهرت نفوهم عما سواه فلا يبتغون الا مرضاته في اجراء ارادته ومشيئته في تحقيق مصالح عباده. وهذا المعنى تؤكده صفتهم الرابعة والأخيرة التي وردت في هذا الدعاء وهي كونهم –عليهم السلام- "المسترعين لخلق الله"، أي أنهم الذي اصطفاهم الله واختارهم لكي يكون وسيلة رعايته الكريمة لخلقه تبارك وتعالى؛ جاء في زيارتهم الجامعة المروية في كتاب من لا يحضره الفقيه وغيره عن امامنا الهادي –عليه السلام-: "فبحق من أئتمنكم على سره واسترعاكم أمر خلقه وقرن طاعتكم بطاعته لما استوهبتم ذنوبي وكنتم شفعائي فإني لكم مطيع، من أطاعكم فقد أطاع الله ومن عصاكم فقد عصى الله ومن أحبكم فقد أحب الله". مستمعينا الأطائب وجاء في احدى زيارات الامام موسى الكاظم –عليه السلام-: "وأشهد أنكم أصفياء الله وخيرته من خلقه وحجته البالغة، انتجبكم لعلمه وخزنة لسره وأركاناً لتوحيده وتراجمة لوحيه ومعادن لكلماته وشهوداً له على عباده واسترعاكم امر خلقه وخصكم بكرائم التنزيل وأعطاكم التأويل وجعلكم أبواباً لحكمته ومناراً في بلاده وأعلاماً لعباده". ومن هذا النص يتضح –أيها الأحبة- أن مما أعطاه الله عزوجل للأوصياء المحمديين لكي يقوموا بمهمه رعاية خلقه هي كرائم التنزيل القرآني وتأويله الصادق الذي لا يعلمه الا هو تبارك وتعالى. ومن هنا نعلم أن من آداب تلاوة القرآن الكريم هو أن يتوجه قارئ القرآن الى الأوصياء المحمديين لكي يأخذ منهم حقائق كتاب الله لأنهم –عليهم السلام- هم الذين خصهم الله بكرائمه اي حقائقه المكنونة وبتأويله الصادق، وبذلك يفوز المؤمن برعاية الله الخاصة التي جعلهم الله وسائل للفوز بها صلوات الله على سيدهم المصطفى وعليهم أجمعين. وبهذا نصل مستمعينا الاكارم الى ختام حلقة أخرى من برنامج (ينابيع الرحمة) استمعتم لها مشكورين من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران تقبل الله اعمالكم ودمتم في رعاية سالمين والحمدلله رب العالمين. شرح فقرة "وعلى أميرالمؤمنين وليك وخليفتك بعد رسولك" - 3 - 155 2014-09-15 10:21:27 2014-09-15 10:21:27 http://arabic.irib.ir/programs/item/11697 http://arabic.irib.ir/programs/item/11697 بسم الله والحمدلله الذي هدانا للتعبد اليه بالتمسك بعروة هداه الوثقى وحبل نجاته المتين قرآنه الكتاب المبين وأهل بيت نبيه وحبيبه المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه وآله الطاهرين-. السلام عليكم أخواتنا واخوتنا المستمعين ورحمة الله وبركاته، معكم بفضل الله في حلقة أخرى من هذا البرنامج، ووقفة جديدة مع الحقائق المعرفية التي يتضمنا المقطع الاخير من دعاء مولانا الامام الصادق –صلوات الله عليه- عند الفراغ من تلاوة ما تيسر من كتاب الله المجيد، حيث يقول: "اللهم صل على محمد نبيك وصفيك ونجيك ودليلك والداعي الى سبيلك، وعلى أميرالمؤمنين وليك وخليفتك بعد رسولك، وعلى أوصيائهما المستحفظين دينك، المستودعين حقك، والمسترعين خلقك، وعليهم أجمعين السلام ورحمة الله وبركاته". أيها الاحبة، حديثنا في الفقرة الختامية من هذا المقطع وفيها ندعو الله جل جلاله بالصلاة على الأوصياء المحمديين عرفاناً منا بحسن بلائهم في إنتهاج نهج جدهم المصطفى –صلى الله عليه وآله- في تحمل أشكال الأذى في سبيل هداية الخلق الى حقائق كتاب خالقهم وأسراره ومنارات هدايته؛ ولذلك فقد اشتملت هذه الفقرة على ذكر أربع صفات لهم –عليهم السلام- تذكرنا بدورهم الالهي هذا. الصفة الأولى كونهم أوصياء رسول الله –صلى الله عليه وآله- الذين جعلهم الله تبارك وتعالى قواماً بتنفيذ عهدالله ورسوله وتنفيذ اهداف الرسالة المحمدية الالهية وهي الوصية العظمى التي بها صلاح البشرية وانقاذها من جميع أشكال الضلالة والجهالة والظلم والجور؛ وقد فصلنا الحديث عنها في الحلقة السابقة. اما الصفة الثانية فهي كونهم –عليهم السلام- المستحفظين دين الله عزوجل فما هو المقصود بها؟ قال العلامة الطريحي –رضوان الله عليه- في كتاب (مجمع البحرين): (ورد في الدعاء: اللهم صل على المستحفظين من آل محمد –صلى الله عليه وآله-، قرئت بوجهين: الأول؛ (المستحفظين) بالبناء للفاعل، والمعنى استحفظوا الامانة اي حفظوها [بجهد بليغ وحرص شديد من الاستفعال]. والوجه الثاني بالبناء للمفعول (المستحفظين)، والمعنى استحفظهم الله أياها- أي أمانة الدين الالهي.. واضاف العلامة الطريحي: "والمراد بهم الأئمة من أهل البيت عليهم السلام لأنهم حفظوا الدين والشريعة، وروي أنهم سموا مستحفظين لانهم استحفظوا الاسم الاكبر، وهو الكتاب الذي يعلم به علم كل شيء، الذي كان من الأنبياء". وتهدينا كثيرٌ من الأحاديث الشريفة مستمعينا الافاضل الى أن هذه الصفة تعني أن الله عزوجل استحفظ أئمة العترة المحمدية –عليهم السلام- دينه بأن اعطاهم علمه لكي يظهروه لعباده بأقوالهم وأفعالهم فيكونون لهم عوناً على طاعته وعبادته، لنتأمل معاً في الفقرات التالية من خطبة لأمير المؤمنين في الجزء الثاني من كتاب نهج البلاغة جاء فيها قوله –عليه السلام-: "أشهد أنه تبارك تبارك وتعالى عدلٌ عدل وحكم فصل وأشهد أن محمداً –صلى الله عليه وآله- عبده ورسوله وسيد عباده... ألا وان الله جعل للخير أهلاً وللحق دعائم، وللطاعة عصماً.. وان لكم عند كل طاعة عوناً من الله يقول على الألسنة ويثبت الافئدة، فيه كفاء لمكتف وشفاء لمشتف، واعلموا ان عبادالله المستحفظين علمه يصونون مصونه ويفجرون عيونه، يتواصلون بالولاية ويتلاقون بالمحبة ويتساقون بكأس رويه ويصدرون بريه، لاتشوبهم الريبة ولا تسرع فيهم الغيبة على ذلك عقد خلقهم وأخلاقهم فعليه يتحابون وبه يتواصلون". مستمعينا الافاضل، وتحت عنوان (صفة المستحفظين لدين الله) نقرأ في الجزء الثاني من كتاب ميزان الحكمة قول رسول الله –صلى الله عليه وآله-: "لا يقوم بدين الله الا من حاطه بجميع جوانبه... ان دين الله تعالى لن ينصره الا من حاطه من جميع جوانبه". ونقرأ فيه أيضاً قول الامام علي –عليه السلام-: "انما المستحفظون لدين الله هم الذين اقاموا الدين ونصروه، وحاطوه من جميع جوانبه وحفظوه على عباد الله ورعوه". ونقرأ في كتاب (البصائر) ضمن حديث عن الإمام الصادق قوله –عليه السلام- بشأن الأوصياء: "وإنما سماهم الله المستحفظين لأنهم أستحفظوا الاسم الاكبر وهو الكتاب الذي يعلم به كل شيء الذي كان مع الأنبياء –صلوات الله عليهم- يقول الله تعالى {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان}، فالكتاب الاسم الأكبر... فلم تزل الوصية يوصيها عالمٌ بعد عالم حتى دفعوها الى محمد –صلى الله عليه وآله- ثم اتاه جبرئيل فقال له: انك قضيت نبوتك واستكملت ايامك فاجعل الاسم الاكبر وميراث العلم وآثار النبوة عند علي، فأني لا أترك الأرض الا وفيها عالم تعرف به طاعتي وولايتي ..". وعلى ضوء ما تقدم نفهم أن من آداب تلاوة القرآن الكريم شكر الذين استحفظم الله علم كتابه لكي يهدوا عباده اليه ويعينوهم على عبادته وطاعته ويدخلوهم في ولايته عزوجل، وبالتالي أخذ علم القرآن منهم –عليهم السلام-. وبهذا ننهي احباءنا حلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم لها من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران شكراً لكم وفي امان الله. شرح فقرة "وعلى أوصيائهما المستحفظين دينك" - 2 - 154 2014-09-14 09:53:41 2014-09-14 09:53:41 http://arabic.irib.ir/programs/item/11693 http://arabic.irib.ir/programs/item/11693 بسم الله وله الحمد خالصاً اذ هدانا للتمسك بعروته الوثقى وحبله المتين كتابه القرآن المبين وأهل بيت نبيه المبعوث رحمة للعالمين –صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين-. سلامٌ من الله عليكم اخوتنا المستمعين ورحمة منه وبركات، بتوفيق الله نلتقيكم في حلقة اليوم من برنامجكم هذا ولنا فيها وقفة اخرى عنه الفقرة الختامية من دعاء مولانا ناشر السنة المحمدية النقية الامام جعفر الصادق صلوات الله عليه عند الفراغ من تلاوة القرآن الكريم حيث يقول عليه السلام: "اللهم صل على محمد نبيك وصفيك ونجيك ودليلك والداعي الى سبيلك، وعلى أميرالمؤمنين وليك وخليفتك بعد رسولك، وعلى أوصيائهما المستحفظين دينك، المستودعين حقك، والمسترعين خلقك، وعليهم أجمعين السلام ورحمة الله وبركاته". اعزاءنا، في الفقرة الاخيرة من هذا الدعاء الشريف يعلمنا الامام الصادق –صلوات الله عليه- ان نصلي في ختام التلاوة وبعد الصلاة على نبيه المصطفى وخليفته المرتضى على أوصيائهما الأئمة الأحد عشر –صلوات الله عليهم أجمعين-، ذاكراً لهم اربع صفات اولها كونهم أوصياء سيديهم المصطفى والمرتضى –عليهما السلام-، وذلك شكراً لهم على قيامهم بتنفيذ ما عهدالله ورسوله اليهم من تنفيذ اهداف الرسالة المحمدية حتى اظهار الدين الحق على الدين كله بأمر الله وبواسطة هداية الخلق الى أسرار القرآن الكريم التي اطلع الله عليها نجيه المصطفى –صلى الله عليه وآله-، ولذلك فقد صرحت النصوص الشريفة الكثيرة بأن رسول الله وبأمر من ريه تبارك وتعالى أورث تلكم الاسرار السامية اوصيائه فهم أبواب مدينة علومه القرآنية، روى ثقة الإسلام الكليني في كتاب الكافي ضمن حديث تفسيري قرآني طويل عن مولانا الامام محمد الباقر قال –صلوات الله عليه- في جانب منه: "ثم إن رسول الله –صلى الله عليه وآله- وضع العلم الذي كان عنده عند الوصي وهو قول الله عزوجل "اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ"، يقول تبارك وتعالى: [ما معناه]: أنا هادي السموات والأرض مثل العلم الذي أعطيته وهو نور الذي يهتدى به مثل المشكاة فيها المصباح. فالمشكاة قلب محمد –صلى الله عليه وآله-، والمصباح النور الذي فيه العلم، وقوله "المصباح في زجاجة"، يقول تبارك وتعالى [لنبيه ما معناه: يا محمد] اني أريد أن اقبضك فاجعل الذي عندك عند الوصي كما يجعل المصباح في الزجاجه، "كأنها كوكب دري"، فأعلمهم فضل الوصي." من هنا –مستمعينا الافاضل- كانت التمسك بولاية الأوصياء المحمديين تمسكاً بالولاية المحمدية القرآنية والإنضواء تحت اللواء المحمدي في الدنيا والآخرة، كما يصرح بذلك الحديث النبوي المروي في كتاب الخصال وغيره عن النبي المصطفى انه قال لوصيه المرتضى –عليهما وآلهما أفضل الصلاة ولسلام: "يا علي، أنت الوصي وأنت الوزير وأنت الخليفه... ووليك وليي وعدوك عدوي، وأنت سيد المسلمين من بعدي وأنت أخي وأنت أقرب الخلائق مني في الموقف، وأنت صاحب لوائي في الدنيا والآخرة". والتمسك بولاية الأوصياء المحمديين هي تجعل الانسان يفوز بالحسنة القرآنية التي تأتي ثمرة مضاعفة للتمسك بهذه الولاية لكونها امتداد الولاية النبوية، روي في الكافي عن مولانا الامام الباقر انه سئل عن مصداق قوله عزوجل "وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً" فأجاب صلوات الله عليه بقوله: "من تولى الأوصياء من آل محمد –صلى الله عليه وآله- واتبع آثارهم فذلك يزيده ولاية من مضى من النبيين والمؤمنين الأولين حتى تصل ولايتهم الى آدم عليه السلام وهو قول الله عزوجل "مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا"." أيها الاخوة والاخوات، إن ولاية الأوصياء المحمديين انما النور المنعكس من شمس ولاية سيدهم المصطفى –صلى الله عليه وآله- بحكمكونهم –عليهم السلام- ورثة علومه القرآنية وخلفاءه وأوصياءه، قال مولانا الامام الباقر –عليه السلام- في جانب آخر من حديثه القرآني المتقدم: "أضاءت الأرض بنور محمد –صلى الله عليه وآله- كما تضيء الشمس، فضرب الله مثل محمد –صلى الله عليه وآله- الشمس ومثل الوصي القمر وهو قول الله عزوجل "جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً"." ولذلك ايها الاحبة، فان الاستضاءة بنور الأوصياء المحمديين هومصداق التمسك بالعروة القرآنية المحمدية الالهية الوثقى، روي في كتاب قرب الاستاد أن الامام موسى الكاظم –سلام الله عليه- كتب لصاحبه علي بن سويد السائي قبيل وفاته بوصيه بالتمسك بهذه العروة الوثقى قائلاً: "ان أول ما أنعى اليك نفسي في ليالي هذه، غير جازع ولا نادم ولا شاك فيما هو كائن مما قضى الله وحتم، فاستمسك بعروة الدين، آل محمد –صلوات الله عليه وعليهم، والعروة الوثقى الوصي بعد الوصي والمسالمة والرضا بما قالوا". والى هنا نصل مستمعينا الاطائب الى ختام حلقة اخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمة) شاكرين لكم طيب المتابعة ولكم دوماً خالص التحيات والدعوات من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، دمتم في رعاية الله. شرح فقرة "وعلى أوصيائهما المستحفظين دينك" - 153 2014-09-13 11:39:02 2014-09-13 11:39:02 http://arabic.irib.ir/programs/item/11689 http://arabic.irib.ir/programs/item/11689 بسم الله والحمدلله الذي تفضل علينا بمعرفة مناري هداه وحبلي النجاة من كل فتنة وضلالة وجهالة، بمعرفة قرآنه الكتاب المبين وأهل بيت نبيه المبعوث رحمة للعالمين أبي القاسم محمد –صلى الله عليه وآله الطاهرين-. السلام عليكم اخوتنا واخواتنا ورحمة الله وبركاته أطيب تحية نهديها لكم في مستهل لقاء اليوم من هذا البرنامج ونحن نتابع فيه معاً التعرف الى آداب الكيفية الفضلى لتلاوة كتاب الله المجيد من خلال التأمل في فقرات الدعاء الشريف الذي أمرنا اهل البيت المحمدي –عليهم السلام- بالتوجه به الى الله عزوجل قبل التلاوة وبعدها، وقد بلغ بنا الحديث الى المقطع الختامي من الدعاء بعد الفراغ من التلاوة وفيه يقول مولانا الامام الصادق –صلوات الله عليه-: "اللهم صل على محمد نبيك وصفيك ونجيك ودليلك والداعي الى سبيلك، وعلى أميرالمؤمنين وليك وخليفتك بعد رسولك، وعلى أوصيائهما المستحفظين دينك، المستودعين حقك، والمسترعين خلقك، وعليهم أجمعين السلام ورحمة الله وبركاته". مستمعينا الاطائب، في الحلقتين السابقتين تحدثنا عن الفقرتين الأولى والثانية من هذا المقطع ونتأمل معاً اليوم في الفقرة الثالثة والأخيرة، وفيها نصلي على أوصياء محمد وعلي عليهما وآلهما افضل الصلاة والسلام، أي نطلب من الله عزوجل ان يغدق عليهم وعلى أشياعهم المزيد من الرحمة والبركات وان يبلغهم ما يأملون من صلاح عباده ورفع كلمته واظهاره دينه ويعلي شأنهم –عليهم السلام- في قلوب خلقه ويرسخ محبته، وهذه اهم المضامين السامية التي يتضمنها ذكر الصلاة عليهم صلوات الله عليهم اجمعين. والأمر بالصلاة عليهم هنا هو فرع الصلاة على أبويهم محمد وعلي عليهما السلام المتقدم في الفقرتين السابقتين، وهو –من جهة- أسمى مصاديق الشكر لهم على ما تحملوه ويتحمله خاتمهم المهدي –عجل الله فرجه- من أذى التقتيل والتشريد والارهاب الطاغوتي في سبيل نشر حقائق القرآن الكريم وهداية الخلق اليه والى ربهم الكريم تبارك وتعالى وحفظ الكتاب العزيز من تحريفات الائمة المضلين. كما أن في الصلاة –عليهم السلام- هنا تذكير –من جهة ثانية- لقارئ القرآن الكريم بان عليه ان يأخذ معارف القرآن الكريم واسراره منهم –عليهم السلام- لأنهم ورثة علم النبي الاكرم –صلى الله عليه وآله- وأبواب مدينة العلم المحمدية القرآنية؛ ولذلك فقد ذكرت هذه الفقرة بأربعة من أوصافهم الرئيسة التي تؤهلهم لهذه الوراثة، وهذا ما نشرع ببيانه بعد قليل فابقوا معنا مشكورين. أيها الاخوة والاخوات، الصفة الاولى التي تذكرها هذه الفقرة من الدعاء المبارك هي كون الأئمة الأحد عشر من ذرية محمد وعلي اوصياء محمد وعلي –عليهم السلام- جميعاً، فما هو معنى (الوصي)؟ جاء في معجم لغة الفقهاء وغيره، أن الوصي هو من عهد اليه بأمر فهو القيم والولي ومنفذ الوصية العهدية التي يعهدبها اليه الموصي، وتصرح الكثير من النصوص الشريفة بأن الله عزوجل قد جرت سنته مع أنبيائه بأن يعهد اليهم بأعلان وصاية اشخاص محددين ينتخبهم هو تبارك وتعالى لتنفيذ وتحقيق أهداف الرسالات التي بعثوا بها –عليهم السلام- وهذه السنة الالهية قد جرت مع النبي الاكرم –صلى الله عليه وآله-، فأعلن في كثير من النصوص التي روتها المصادر المعتبرة عند مختلف الفرق الاسلامية ان الائمة الاثني عشر من عترته اهل بيته هم –عليهم السلام- الأوصياء الذين انتخبهم الله عزوجل للقيمومة على رسالته والولاية على تنفيذ أهداف رسالته حتى يظهر الله دينه على الدين كله روي في كتاب البصائر والكافي وغيرهما عن الامام الصادق –عليه السلام- قال: -أظننت- أن الوصي منا يوصي الى من يريد؟ لاوالله ولكنه عهدٌ من رسول الله –صلى الله عليه وآله-، فرجلٌ الى رجل حتى ينتهي الامر الى صاحبه. مستمعينا الأكارم، ونقرأ في كتاب الكافي مسنداً عن الامام الكاظم –عليه السلام- أنه سئل عن قوله عزوجل "يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ" فقال: يريدون ليطفئوا ولاية أمير المؤمنين عليه السلام بأفواههم، فسأله الراوي: عن قوله عزوجل "وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ"؟ فقال: والله متم الامامة لقوله عزوجل "فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا" فالنور هو الامام. فسأل الراوي عن مصداق قوله عزوجل في سياق الآية السابقة: "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقّ" فأجاب عليه السلام: هو الذي امر رسوله بالولاية لوصيه، والولاية هي الدين الحق فسأل الراوي عن قوله تبارك وتعالى "ليظهره على الدين كله" فقال الكاظم –عليه السلام-: يظهره على جميع الأديان عند قيام القائم. مستمعينا الاطائب، وفي النصوص الشريفة تصريحات واشارات كثيرة بأن الاوصياء المحمديين –عليهم السلام- قد اورثهم رسول الله بأمر من ربه جل جلاله علومه –وهي حقائق التنزيل القرآني- لكي ينفذوا بها اهداف رسالته الخاتمة –صلى الله عليه وآله-، وهذا ما نتناوله باذن الله في حلقة مقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) شاكرين لكم جميل المتابعة ولكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، خالص التحيات والدعوات دمتم بألف خير. شرح فقرة "وعلى أميرالمؤمنين وليك وخليفتك بعد رسولك" - 152 2014-09-10 08:19:42 2014-09-10 08:19:42 http://arabic.irib.ir/programs/item/11687 http://arabic.irib.ir/programs/item/11687 بسم الله وله الحمد والثناء اذ هدانا لابتغاء رضوانه بالتمسك بعروته الوثقى وحبله المتين قرآنه الكتاب المبين وأهل بيت حبيبنا وسيدنا المبعوث رحمة للعالمين –صلى الله عليه وآله الطاهرين-. السلام عليكم اخوتنا المستمعين ورحمة الله وبركاته، أطيب تحية نحييكم بها ونحن نلتقيكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج نتابع فيها بعون الله تبارك وتعالى استلهام آداب الطريقة الفضلى لتلاوة الكتاب الالهي العزيز من خلال التأمل بدعاء التلاوة المروي عن مولانا الامام جعفر الصادق، يقول –عليه السلام-، في المقطع الأخير من دعائه بعد الفراغ من التلاوة: "اللهم صل على محمد نبيك وصفيك ونجيك ودليلك والداعي الى سبيلك، وعلى أميرالمؤمنين وليك وخليفتك بعد رسولك، وعلى أوصيائهما المستحفظين دينك، المستودعين حقك، والمسترعين خلقك، وعليهم أجمعين السلام ورحمة الله وبركاته". مستمعينا الافاضل، في المقطع يعلمنا مولانا الامام الصادق –عليه السلام- ان نختم تلاوتنا لكتاب الله المجيد بشكر النبي الأكرم –صلى الله عليه وآله- على ما تحمله من أجل تبليغ كتاب الله عزوجل وإيصاله الينا كاملاً لكي نتنعم بهذه النعمة الالهية العظمى ونستنير بأنوار هدايتها ونستشفي ببلسم شفائها العظيم من كل داء مادي أو معنوي. وأجلى وأسمى مصاديق شكر رسول الله على ذلك هو الصلاة عليه –صلى الله عليه وآله-، لأن الصلاة عليه احب ذكر لله تبارك وتعالى وأفضل دعاء يستجلب الخير ويرسخ محبة الحبيب المختار في القلوب. كما أن في ختم تلاوة القرآن بالصلاة على محمد وآله –صلوات الله وتحياته وبركاته عليهم أجمعين- تذكرة لقارئ القرآن بأن عليه أن يأخذ علم القرآن منهم –عليهم السلام- لأن بيانهم لآياته هو وحده البيان المعصوم المستقى من ينابيع الوحي الالهي، وبذلك يعصم قارئ القرآن نفسه من الوقوع في مستنقع التفسير بالرأي وسائر التأويلات الباطلة التي يروجها مبتغو الفتنة للآيات الكريمة. أيها الاخوة والاخوات، في الحلقة السابقة تحدثنا عن الفقرة الاولى من المقطع المتقدم، ونضيف هنا انها تذكر قارئ القرآن الكريم بصفات النبي الاكرم –صلى الله عليه وآله-، وأنه الذي اصطفاه الله عزوجل ليكون مخزناً لأسرار كتابه العزيز وبها يدعو عباده اليه ويدلهم عليه، وهذا المقام هو من بعده لخليفته اميرالمؤمنين الامام علي –عليه السلام- والأوصياء المحمديين من بعده –صلى الله عليه وآله-، ولذلك جاء في الفقرة الثانية من هذا المقطع "وعلى أميرالمؤمنين وليك وخليفتك بعد رسولك". اذن فالصلاة على أميرالمؤمنين –عليه السلام- هي مصداق الشكر له على قيامه بعد رسول الله –صلى الله عليه وآله- بمهمة الهداية الى معارف القرآن الكريم وايصال نعمه الالهية لعباده ضمن قيامه بمهام كونه ولياً لله وخليفة لرسوله –صلى الله عليه وآله-. من هنا نفهم سر وصفه –عليه السلام- هنا بثلاث صفات أساسية هي كونه أمير المؤمنين أي مغذيهم بالمعارف القرآنية الالهيه، وولياً لله ينصر دينه بتلكم المعارف السامية، وخليفة لرسول الله يتابع مهمته –صلى الله عليه وآله- في تبليغ دين الله ومعارف قرآنه الكريم. مستمعينا الأكارم، وقد هدتنا الى المعنى المتقدم عدة من الاحاديث الشريفة المبينة لمعنى اختصاص الامام علي –عليه السلام- بلقب أميرالمؤمنين، فقد روى الشيخ الكليني في كتاب الكافي مسنداً عند أحمد بن عمر قال: سألت أبا الحسن الرضا –عليه السلام-: لم سمي علياً أمير المؤمنين؟ قال: لأنه يميرهم العلم، أما سمعت في كتاب الله "وَنَمِيرُ أَهْلَنَا"... لأن ميرة المؤمنين من عنده، يميرهم العلم. وروى الشيخ الصدوق في كتاب علل الشرائع ضمن حديث طويل قال فيه رسول الله –صلى الله عليه وآله- لمولاتنا ام المؤمنين ام سلمه –رضوان الله عليها-: "يا ام سلمه، اسمعي واشهدي، هذا علي بن ابي طالب أميرالمؤمنين وسيد المسلمين وهو عيبة علمي، وبابي الذي أوتى منه، وهو الوصي بعدي... والخليفة على الأحياء من أمتي وأخي في الدنيا والآخرة وهو معي في السنام الأعلى، اشهدي يا أم سلمه واحفظي، انه يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين". مستمعينا الأفاضل، وفي آخر هذا الحديث اشارة بليغة من النبي الاكرم –صلى الله عليه وآله- الى ان قتال الناكثين والقاسطين والمارقين هو مما تحمل أعباءه امير المؤمنين –عليه السلام- لحفظ القرآن الكريم من تأويلاتهم الباطلة مثلما تحمل أخوه المصطفى –صلى الله عليه وآله- اشكال الاذى من المشركين والمنافقين في سبيل ابلاغ التنزيل القرآني وهو رحمة الله الكبرى للعالمين. شكراً لكم ايها الاطائب على طيب لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) قدمناه لكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، دمتم بكل خير وفي أمان الله. شرح فقرة: "اللهم صل على محمد نبيك وصفيك ونجيك" - 151 2014-09-09 11:08:21 2014-09-09 11:08:21 http://arabic.irib.ir/programs/item/11682 http://arabic.irib.ir/programs/item/11682 بسم الله وله الحمد أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين والصلاة والسلام على حفظة قرآنه العظيم ومبيني حقائقه للطالبين نبيه المبعوث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم اخوة الايمان ورحمة الله وبركاته، اطيب تحية نهديها لكم في مستهل لقاء اليوم من هذا البرنامج ونحن نتابع استجلاء معالم الصورة الفضلى لتلاوة القرآن الكريم من خلال التأمل في فقرات الدعاء المبارك الذي يستحب التوجه به الىالله عزوجل بعد الفراغ من تلاوة ما يتيسر من آياته الكريمة في كل تلاوة، وقد انتهى بنا الحديث الى آخر مقاطعه وفيه يقول مولانا ناشر السنة المحمدية النقية الامام جعفر الصادق –عليه السلام-: "اللهم صل على محمد نبيك وصفيك ونجيك ودليلك والداعي الى سبيلك، وعلى أميرالمؤمنين وليك وخليفتك بعد رسولك، وعلى أوصيائهما المستحفظين دينك، المستودعين حقك، والمسترعين خلقك، وعليهم أجمعين السلام ورحمة الله وبركاته". أعزاءنا المستمعين، بهذه العبارات يختم مولانا الامام الصادق –عليه السلام- دعاءه بعد الفراغ من تلاوة القرآن، وفي ذلك أولاً ضمان لاستجابة الدعاء المتقدم بالفوز بشمولية الانتفاع من البركات القرآنية، وذلك لما ورد في الاحاديث الشريفة أن اختنام الدعاء بالصلاة على محمد وآله- صلى الله عليه وآله- من أهم وسائل استجابة الدعاء. وثانياً فان في هذه العبارات تنبيه الى أن الأخذ من محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين هو الذي يمكن قارئ القرآن من فهم آياته بالصورة الصحيحة والغور في حقائق المكنونة؛ وهذا ما تحدثنا عنه مفصلاً في حلقات سابقه ضمن شرح فقرات الدعاء السابقة للبدء بتلاوة ما تيسر من القرآن الكريم؛ ويأتي ختم الدعاء بتجديد الاشارة اليه تأكيداً لأهميته وحفظاً لقارئ القرآن في دائرة فهم القرآن الكريم عن طريق البيان النبوي المعصوع؛ وهذا ما تؤكد الاوصاف التي ذكر بها النبي الاكرم وآله –صلى الله عليه وآله-، في هذه العبارات، وكلها تشير الى اختصاصهم –عليه السلام- بالعلم الالهي والقرآني الكامل ومسؤوليتهم في تغذية الخلق وتربيتهم على أساسه وهدايتهم اليه، وهذا ما نبدأ بتفصله بعد قليل فأبقوا معنا مشكورين: أيها الافاضل، يصف النص المتقدم النبي الاكرم –صلى الله عليه وآله- بخمس صفات هي: نبي الله وصفيه ونجيه ودليله والداعي الى سبيله عزوجل. ومعنى النبي معروف، أما الصفي فهو كما ورد في كتب اللغة والتفسير الخليل الخاص المخلص الذي يختاره المصطفي لنفسه لصفائه ونقائه وقد ورد في نهج البلاغة قول الوصي المرتضى –عليه السلام-: "وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الصفي وأمينه الرضي صلى الله عليه وآله". وفي هذا النص اشارة الى النبي الأكرم –صلى الله عليه وآله- هو صفي الله ومختاره تبارك وتعالى من جميع خلقه وبضمنهم الانبياء والمرسلين –عليهم السلام- ولذلك فهو أمين الله المرضي. وهذا المعنى ينسجم بالكامل ويتكامل مضمونه ينسجم مع الصفة الثالثة التي يذكرها النص لرسول الله، فهو –صلى الله عليه وآله- (نجي الله) فالنجي هو المقرب الذي يحادثه الانسان بأسراره كما ورد في كتب اللغة والى هذا المعنى وردت الاشارة في القرآن الكريم في قوله عزوجل في الآية الثانية والخمسين من سورة مريم ضمن ذكر موسى –عليه السلام-: " وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً". مستمعينا الافاضل، أما صفة الدليل فمعناها واضح والداعي الى سبيل الله هو الذي يدعو الناس الى ما فيه عبودية الله وطاعته الموصلة الى قربة فهو –صلى الله عليه وآله- هو داع الى الله في الحقيقة كما وصفه الله بذلك في الأيتين 45و46 من سورة الاحزاب حيث قال: {يا ايها النبي انا ارسلناك شاهداً ومبشراً ونذيرا وداعيا الى الله باذنه وسراجاً منير" فدعوه النبي الاكرم الى الله وسبيله هي بأذنه عزوجل فهي توحيدية بالكامل تنقل العباد الى نور العبودية الخالصة، قال مولانا أميرالمؤمنين في احدى خطبه المروية في كتاب الكافي: "وأشهد أن محمداً –صلى الله عليه وآله- أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله دليلاً عليه وداعياً اليه فهدم اركان الكفر وانار مصبايح الايمان" وقال –عليه لاسلام- في خطبة ثانية: "ان الله بعث محمداً –صلى الله عليه وآله بالحق ليخرج عباده من عبادة عباده الى عبادته ... ومن ولاية عباده الى ولايته.." اذن مستمعينا الافاضل، فان النبي الاكرم هو صفي الله وأمينه الرضي الذي اختاره الله لأسراره واطلعه عليها لكي يكون دليلاً عليه وداعيا اليه وبالتالي فهو –صلى الله عليه وآله- القادر عن نقل العباد الى ولاية الله وطاعته النقية لانه العارف بالأسرار الالهية التي اشتمل عليها القرآن الكريم فلا سبيل اليها الا هو وورثة علمه اهل بيته الطاهرون –صلوات الله عليهم أجمعين. وبهذا نصل مستمعينا الاكارم الى ختام حلقة أخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم لها من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، شكراً لكم وفي أمان الله. شرح فقرة: "ارفع لي بكل حرف درجة في اعلى عليين" - 150 2014-09-08 08:07:23 2014-09-08 08:07:23 http://arabic.irib.ir/programs/item/11673 http://arabic.irib.ir/programs/item/11673 بسم الله والحمدلله الذي هدانا برحمته الى الاستضاءة بمناري هدايته وكنزي رحمته كتابه القرآن معدن حكمته وأهل بيت نبي رحمته ورأفته المصطفى الامين ابي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم أعزاءنا ورحمة من الله وبركات، بتوفيق الله نلتقيكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج نتابع فيها استلهام الصورة الفضلى لتلاوة القرآن الكريم والاستنارة به من خلال التأمل في فقرات الدعاء المستحب التوجه به الى الله عزوجل قبل التلاوة وبعدها، وتأملاتنا هي في المقطع الثالث من الدعاء بعد الفراغ من التلاوة، وفيه يقول مولانا الامام الصادق –عليه السلام- بعد أن طلب من الله ان يجعل القرآن شفاء ورحمة وحرزاً وذخراً: "اللهم اجعله لي أنساً في قبري، وأنسا في حشري، وانساً في نشري، واجلعه لي بركة بكل آية قرأتها، وارفع لي بكل حرف درجة في اعلى عليين، آمين يا رب العالمين". ايها الأكارم بلغ الحديث بنا الى الفقرة الثالثة من المقطع المتقدم وكما لا حظتم ففيها يعلمنا مولانا ناشر السنة المحمدية الامام الصادق –عليه السلام- أن من آداب التلاوة ان نطلب بعد الفراغ منها من الله تبارك وتعالى ان يعيننا على صدق التفاعل مع كتابه العزيز وحفظه بالصورة التي تكون تلاوتنا لكل حرف منه سبباً للترقي في درجات القرب منه جل جلاله وبلوغ درجات أعلى عليين. وهذا يعني ان نستعين بالله في حركة استنارة واستهداء شمولية بقرآنه المبين المبارك باكمل صور البركة لان من اعجاز القرآن أنه وفي كل حرف منه يشتمل على فائدة، تهدي الانسان الى الرقي في درجات التكامل والسمو. ونلاحظ مستمعينا الافاضل، ان الدعاء يحصر درجات الرقي والتكامل هذه في دائرة (أعلى عليين)، وفي ذلك اشارة الى التمسك بالقرآن الكريم يوصل الانسان الى مرافقة اهل البيت المحمدي –عليهم السلام- لانهم هم اصحاب مراتب أعلى عليين في الدنيا والآخرة. وهذا ما صرحت به كثيرٌ من الاحاديث الشريفة وهي تبين معنى المصطلح القرآني (أعلى عليين)، نستنير ببعضها بعد قليل فأبقوا معنا مشكورين: روي في كتاب بصائر الدرجات وكتاب الكافي وغيرهما مسنداً عن رسول الله –صلى الله عليه وآله- قال ضمن حديث: "انا اهل بيت خلقنا من عليين" وفي كتاب المحاسن عن الامام زين العابدين –عليه السلام- قال: "ان الله خلق النبيين من طينة عليين قلوبهم وأبدانهم وخلق قلوب المؤمنين من تلك الطينة" وفي الكافي وبصائر الدرجات عن الامام الباقر –عليه السلام- قال: "خلقنا نحن ومحبينا من طينة واحدة بيضاء نقية من اعلى عليين، فخلقنا نحن من أعلاها وخلق محبونا من دونها" وفي كتاب المحاسن عن مولانا الامام الصادق –عليه السلام- انه كان يقول: "ان الله تبارك وتعالى خلقنا من أعلا عليين وخلق قلوب شيعتنا مما خلقنا منه... فقلوبهم تهوى الينا لأنها خلقت مما خلقنا منه، ثم تلا هذه الآيه "كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ{18} وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ{19} كِتَابٌ مَّرْقُومٌ{20} يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ{21}"."(سورة المطففين) وعلى ضوء الأحاديث الكريمة المتقدمة يتضح مستمعينا الكرام ان شمولية استنارة المؤمن بكل حرف من القرآن الكريم يجعل طينته اي روحه وحقيقته الوجودية من طينة أهل البيت النبوي –عليهم السالم- فتزكو اعماله ويكتب الله في قلبه روح الايمان فيفوز بمرافقهم –عليهم السلام- في أعلى مراتب التكامل والرقي في الدنيا وأعلى درجات الجنان في الآخرة. وفي ذلك اشارة لطيفة الى قوة الترابط الوثيق بين القرآن الكريم وأهل بيت النبوة –عليهم السلام- فالتمسك بهما معاً أمرٌ واحدٌ لا يتجزأ ولا يكتمل التمسك بأي منهما دون التمسك بالأخر، وهذا هو في الواقع جوهر حديث الثقلين المبارك المروي في المصادر المعتبرة عند مختلف المذاهب الإسلامية. أيها الأخوة والأخوات، أما بالنسبة لعبارة "آمين رب العالمين" التي يختم بها امامنا الصادق –عليه السلام- هذا المقطع، فهي توسل الى الله تبارك وتعالى بأثنين من أركان اسمائه الحسنى هما (آمين) و(رب العالمين) و(آمين) هو من أسماء الله كما ذكر الخليل الفراهيدي في كتاب العين وغيره، وهو يعني مضمون أسمي المعين والمجيب. ورب العالمين هو المدبر لشؤونهم بما فيه صلاحهم، وعليه يكون المعنى هو: اللهم فأستجب لي ما طلبته من كمال الاستهداء بالقرآن الكريم والفوز ببركاته تربية لي لما فيه الصلاح الذي تحبه لي وترضاه. مستمعينا الأطائب وبهذا نصل أيها ختام حلقة أخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم لها من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، شكراً لكم وفي أمان الله. شرح فقرة "وأجعله لي بركة بكل آية قرأتها" - 149 2014-09-07 08:42:38 2014-09-07 08:42:38 http://arabic.irib.ir/programs/item/11672 http://arabic.irib.ir/programs/item/11672 بسم الله الرحمن الرحیم والحمدلله ذي الفضل والأنعام الذي أنعم علينا بعروته الوثقى وحبله المتين، كتابه القرآن الكريم وأهل بيت نبيه المبعوث رحمة للعالمين صلوات الله عليهم أجمعين. السلام عليكم أعزاءنا المستمعين ورحمة الله وبركاته معكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج ووقفة جديدة عند فقرات دعاء مولانا الإمام جعفر الصادق –عليه السلام- بعد الفراغ من تلاوة القرآن الكريم، نتابع معاً استلهام آداب هذه التلاوة المباركة من خلال التأمل في المقطع الثالث من هذا الدعاء فبعد ان يطلب من الله عزوجل ان يجعل القرآن له ذخراً يقول –صلوات الله عليه-: "اللهم اجعله لي أنساً في قبري، وأنسا في حشري، وانساً في نشري، واجلعه لي بركة بكل آية قرأتها، وارفع لي بكل حرف درجة في اعلى عليين، آمين يا رب العالمين". ايها الاخوة والاخوات انتهى بنا الحديث الى قول الامام –صلوات الله عليه-: "وأجعله لي بركة بكل آية قرأتها"؛ فما الذي نستفيده منها؟ واضحٌ أن مولانا الصادق –عليه السلام- يعلمنا أولاً ان نطلب من الله عزوجل بعد الفراغ من كل مرة نتلو فيها ما تيسر من القرآن أن يجعل لنا بركة بكل آية تلوناها؛ وفي ذلك تنبيه لنا الى لزوم الاجتهاد في حفظ الثمرات التي نحصل عليها من تلاوة القرآن الكريم كما يدلنا على ذلك معنى البركة، قال العلامة الأديب الشريف الرضي في كتابة القيم حقائق التأويل: "مباركاً اي ثابت النفع للناس، لأن اصل البركة مأخوذ من الاستقرار والثبوت، وهو قولهم: برك بركاً وبروكاً اذا ثبت على حاله، والبركة: ثبوت الخير واستقراره وزيادته ونماؤه". وهذا المعنى كامن في القرآن الكريم نفسه فهو مبارك لأن الخير مستقر ثابت فيه ومتناحي، لاحظوا اعزاءنا ما قاله الراغب في كتاب مفردات غريب القرآن حيث قال: "البركة ثبوت الخير الالهي في الشيء، قال تعالى "لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ"، سمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة، والمبارك ما فيه ذلك الخير، وعلى ذلك قوله تعالى "هَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ" تنبيهاً على ما يفيض عليه من الخيرات الإلهية، وقال "كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ"... أي موضع الخيرات الالهية، وقوله تعالى "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ"، أي حيث يجعل الخير الالهي". إذن، يتضح مما تقدم ان الآيات الكريمة نفسها تصرح بأن القرآن الكريم هو كتاب مبارك أي مشتمل على الخير الالهي المستقر فيه والذي يزيد وينمو بأنتقاله الى قلب قارئه؛ وعلى ضوء ذلك يتضح أن ما نطلبه من الله عزوجل في فقرة: "وأجعله لي بركة بكل آية قرأتها" هو أن يظهر تبارك وتعالى لنا البركات المكنونة التي يشتمل عليها القرآن. فتكون لنا خيراً الهياً ثابتاً لازوال له. ونلاحظ ان الدعاء لم يقل "وأجعله لي بركات بما تلوته في الآيات"، بل استخدم تعبير: اجعله لي بركة بكل آية، وفي ذلك اشارة الى أن لكل آية بركة خاصة بها ينبغي لقارئ القرآن ان يطلبها اضافة الى طلب الخير العام المشترك بين جميع آيات الكتاب المبارك. اذن فمن آداب تلاوة القرآن الكريم –مستمعينا الاعزاء- هو ان يستعين القارئ بالله جل جلاله في الحصول على ثمرة عملية باقية من كل آية يتلوها من كتاب الله العزيز، اضافة الى بركة الثواب الجزيل الذي أعده الله لتلاوة القرآن. أيها الأخوة والأخوات، والبركة التي ينبغي ان نستعين بالله لحصول عليها من قراءة كل آية جاءت بصيغة النكرة، وهذا يعني شمولها لجميع انواع الخير الالهي التي تكمن في آي الذكر الحكيم، فنسعى للحصول على ما في كل آية من بركات الهداية والاستشفاء وغيرها. ولذلك وردت في الأحاديث الشريفة تحذيرات من سيان ما يحفظه من القرآن الكريم منها ما روي في كتاب المحاسن عن الامام الصادق –عليه السلام- قال: "من نسي سورة من القرآن مثلث له في صورة حسنة ودرجة رفيعة، فاذا رآها قال: من أنت ما أحسنك؟ ليتك لي، فتقول: أنا سورة كذا وكذا، لو لم تنسني لرفعتك الى هذا المكان". وبهذا نصل أيها الاكارم الى ختام حلقة أخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم لها من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، شكراً لكم وفي أمان الله. شرح فقرة "ارفع لي بكل حرف درجة في اعلى عليين" - 148 2014-09-06 08:58:05 2014-09-06 08:58:05 http://arabic.irib.ir/programs/item/11671 http://arabic.irib.ir/programs/item/11671 بسم الله والحمدلله الذي هدانا للتقرب اليه بثقلي النجاة والفلاح قرآنه المبين وعترة حبيبه المصطفى ابي القاسم محمد صلوات الله عليه وآله الطاهرين. السلام عليكم مستمعينا الاكارم ورحمة الله وبركاته، تحية الإيمان والهدى والأمن والسلام، نحييكم بها ونحن نلتقيكم في لقاء جديد على مائدة أدعية أهل بيت الحكمة فهي من ينابيع الرحمة، ومنها الدعاء المروي عن مولانا الامام جعفر الصادق الذي كان –عليه السلام- يتوجه به الى الله عزوجل بعد الفراغ من تلاوة ما تيسرمن كتابه العزيز؛ وقد جاء في المقطع الثالث منه وبعد أن طلب من الله أن يجعل القرآن الكريم شفاءً ورحمة وحرزاً وذخراً قوله –عليه السلام-: "اللهم اجعله لي أنساً في قبري، وأنسا في حشري، وانساً في نشري، واجلعه لي بركة بكل آية قرأتها، وارفع لي بكل حرف درجة في اعلى عليين، آمين يا رب العالمين". مستمعينا الأفاضل، انتهى بنا الحديث الى الشطر الثاني من المقطع المتقدم وفيه يعلمنا مولانا ناشر السنة المحمدية امامنا الصادق –عليه السلام- ان نطلب من الله عزوجل بعد كل تلاوة لما تيسر من كتابه المجيد ان يجعل لنا بكل آية تلوناها بركة ويرفع لنا بكل حرف قرآني قرأناه درجة في أعلا عليين من منازل القرب الالهي، وهذه من بركات تلاوة القرآن الكريم صرحت بها كثيرٌ من الاحاديث الشريفة وبشرتنا بها منها ما روي عن حبيبنا وسيدنا المصطفى الامين كما في بحار الأنوار انه –صلى الله عليه وآله- قال: "قراءة القرآن أفضل من الذكر والذكر أفضل من الصدقة والصدقة أفضل من الصيام والصيام جنة من النار، لقارئ القرآن بكل حرف يقرؤه في الصلاة قائماً مئة حسنة وقاعداً خمسون حسنة، ومتطهراً في غير الصلاة خمسٌ وعشرون حسنة وغير متطهر عشر حسنات" وعن الحسين السبط –عليه السلام- قال: "من قرأ آية من كتاب الله في صلاته قائماً يكتب له بكل حرف مئة حسنة، فان قرأها في غير صلاة كتب الله بكل حرف عشراً". ايها الاخوة والاخوات، والمراد بالحسنات في هذه الأحاديث الشريفة هي البركات ورفع الدرجات كثمرات لتلاوة القرآن وهذا ما يبينه لنا الامام الصادق في حديث روي في الكافي عنه –عليه السلام- انه قال ضمن حديث: "ان الدواوين يوم القيامة ثلاثة: ديوان فيه النعم، وديوان فيه الحسنات وديوان فيه السيئات... فيدعى بأبن آدم المؤمن للحساب فيتقدم القرآن أمامه في أحسن صورة فيقول: يارب انا القرآن وهذا عبدك المؤمن كان يتعب نفسه بتلاوتي ويطيل ليله بترتيلي وتفيض عيناه اذا تهجد، فأرضه كما أرضاني؛ فيقول العزيز الجبار: عبدي أبسط يمينك، فيملأها من رضوان الله العزيز الجبار ويملأ شماله من رحمة الله، ثم يقال: هذه الجنة مباحة لك، فأقرأ واصعد فأذا قرأ آية صعد درجه" وهکذا مستمعينا الأحبة تكون هذه البركات ودرجات النعيم من أوضح مصاديق الاستغناء بالقرآن الكريم في الدنيا والآخرة وهو أسمى مصاديق الغنى، روي في كتاب (ثواب الاعمال) عن الامام الصادق –صلوات الله عليه- قال: "من قرأ القرآن فهو غنيٌ ولا فقر بعده". كما يستفاد من النصوص الشريفة ان كمال الاستغناء بالقرآن الكريم يتحقق بترسيخ الولاء للثقل الثاني وعدل كتاب الله، أي أهل بيت النبوة –عليهم السلام-، فمن تحلى بذلك تفضل الله عليه بعد وفاته بأن يجعل له من ملائكته وجنود الغيب لكي يعلمه ما لم يستطع تعلمه من القرآن الكريم لترتفع بذلك درجته بعدد آيات القرآن الكريم. روي في كتاب مسنداً عن حفص قال: سمعت موسى بن جعفر عليهما السلام يقول لرجل: أتحب البقاء في الدنيا؟ فقال: نعم، قال –عليه السلام-: ولم؟ قال : لقراءة قول هو الله أحد، فسكت عنه... ثم قال بعد ساعة: من مات من أوليائنا وشيعتنا ولم يحسن القرآن علم في قبره ليرفع الله به من درجته، فان درجات الجنة على قدر آيات القرآن، يقال له: إقرأ وأرق، فيقرأ ثم يرقى. إذن فمن آداب تلاوة القرآن الكريم –مستمعينا الافاضل- هو ان نستعين بالله عزوجل للحصول على البركة ورفع الدرجات من كل آية كريمة نقرأها؛ بركات تحوطنا ثمارها في الدنيا والآخرة؛ وبهذه النتيجة نختم أيها الأطائب حلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم لها من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، تقبل الله منكم طيب المتابعة ودمتم بكل خير. شرح فقرة "اللهم واجعله لي أنسا في قبري، وأنساً في حشري، وأنساً في حشري" - 3 - 147 2014-09-03 11:05:28 2014-09-03 11:05:28 http://arabic.irib.ir/programs/item/11670 http://arabic.irib.ir/programs/item/11670 بسم الله وله الحمد والفضل إذ هدانا للتمسك بعروته الوثقى وعصمته الكبرى وحبله المتين القرآن الكريم كتابه المبين وأهل بيت نبيه المبعوث رحمة للعالمين صلوات الله عليه وآله الطاهرين. السلام عليكم ايها الاخوة والاخوات ورحمة من الله وبركات، معكم في حلقة جديدة من برنامجكم هذا نتابع فيها الاستنارة بدعاء تلاوة القرآن لمعرفة المزيد من آداب الصورة الفضلى للتلاوة، وحديثنا أيها الأحبة هو فيما نستلهمه من المقطع الثالث من دعاء مولانا الامام الصادق –صلوات الله عليه- الذي كان يتوجه به الى الله جل جلاله بعد الفراغ من تلاوة ما تيسر من الذكر الحكيم، يقول –عليه السلام- في هذا المقطع طالباً من الله جميع مراتب الأنس بالقرآن: "اللهم اجعله لي أنساً في قبري، وأنسا في حشري، وانساً في نشري، واجلعه لي بركة بكل آية قرأتها، وارفع لي بكل حرف درجة في اعلى عليين، آمين يا رب العالمين". أيها الأفاضل، عرفنا في حلقة سابقة من هذا البرنامج أن الفقرة الأولى من المقطع المتقدم تعلمنا أن يتفضل علينا برحمته بأن يجعل القرآن الكريم أنساً لنا يدفع عنا جميع أهوال ووحشة مراحل عالم البرزخ والقبر والقيامة والبعث والنشر. وهذا من أبواب رحمته عزوجل التي فتحها لعباده وجعل الالتصاق بكتابه الكريم والاهتمام بالاستمرار على تلاوة ماتيسر منه، وسيلة الفوز بهذه الرحمة وجعل القرآن الكريم أنساً لقارئه في جميع مراحل الحياة الدنيا وكذلك الآخرة. وقد نقلنا لكم عدة من الروايات الشريفة المؤكدة للحقيقة المتقدمة، ونضيف اليها هنا أحاديث تؤكد على قراءة بعض سوره القرآن بالخصوص لقوي أثرها في دفع الوحشة والخوف وسائر أهوال يوم القيامة ونبدأ بما روي في كتاب الكافي عن حبيبنا المصطفى –صلى الله عليه وآله- أنه قال: "من قرأ [سورة]: ألهاكم التكاثر، وقي فتنة القبر". وروي في كتاب (ثواب الأعمال) عن مولانا الامام محمد الباقر –عليه السلام- قال: "من أدمن قراءة حم الزخرف آمنه الله في قبره من هوام الأرض وضغطة القبر حتى يقف بين يدي الله عزوجل ثم جاءت حتى تدخله الجنة بأمر الله تبارك وتعالى". مستمعينا الأفاضل، وتهدينا الأحاديث الشريفة الى أن المواظبة على تلاوة بعض السور القرآنية والتدبر فيها تثمر الأنس بالأنوار القرآنية في مختلف مراحل الآخرة فتدفع عن الملتزم بها تللكم الأهوال والصعوبات، فمثلاً روي في كتاب ثواب الأعمال وغيره عن إمامنا الباقر –عليه السلام- قال: "من قرأ سورة الدخان في فرائضه ونوافله بعثه الله مع الآمنين يوم القيامة وظلله تحت عرشه وحاسبه حساباً يسيراً وأعطاه كتابه بيمينه" وجاء في الكتاب نفسه ضمن حديث عن ثواب الالتزام بتلاوة سورة محمد –صلى الله عليه وآله- قول مولانا الامام جعفر الصادق –عليه السلام-: "من قرأ سورة " الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا" لم يرتب أبداً ولم يدخله شك في دينه أبداً، ولم يبله الله بفقر ابداً ولا خوف من سلطان أبداً ولم يزل محفوظاً من الشك والكفر أبداً حتى يموت فاذا مات وكل الله به في قبره الف ملك يصلون في قبره ويكون ثواب صلاتهم له ويشيعونه حتى يوقفونه موقف الامن عندالله عزوجل ويكون في أمان الله وأمان محمد صلى الله عليه وآله". وعن ثواب المواظبة على تلاوة سورة والذاريات قال –عليه السلام- في حديث آخر: "من قرأ سورة والذاريات في يومه أو في ليلته أصلح الله له معيشته وأتي برزق واسع ونورٌ له في قبره بسراج يزهر الى يوم القيامة". وتؤكد الأحاديث الشريفة على الحصول على هذه الثمار المباركة من الأنس بالأنوار القرآنية وغيره يرتهن بالعمل بمضامين تلك السور والآيات القرآنية اضافة الى الاستمرار على تلاوتها، لا حظوا ما روي في كتاب ثواب الاعمال وغيره عن مولانا الباقر –عليه السلام- قال: "من أدمن قراءة "لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ" وكان يعمل بها بعثه الله عزوجل مع رسول الله –صلى الله عليه وآله- من قبره في أحسن صورة ويبشره ويضحك في وجهه حتى يجوز على الصراط والميزان". وعن مولانا جعفر الصادق –عليه السلام- قال: "من قرأ "إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ" في نافلة أو فريضة نصره الله جميع أعدائه وجاء يوم القيامة ومعه كتاب ينطق قد أخرجه الله من جوف قبره فيه أمان من جسر جهنم ومن النار ومن زفير جهنم فلا يمر على شيء يوم القيامة الا بشره وأخبره بكل خير حتى يدخل الجنة ويفتح له في الدنيا من أسباب الخير ما لم يتمن ولم يخطر على قلبه" إذن مستمعينا الافاضل ينبغي للمؤمن ان يختار حسب حاله بعض السوره المذكورة في الاحاديث الشريفة المتقدمة ويلتزم بقرائتها ويقرن ذلك بالاستعانة بالله عزوجل حيث يطلب منه أن يجعل القرآن أنساً له في دنياه وآخرته. وبهذه النتجية ننهي حلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) قدمناه من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، شكراً لكم وفي أمان الله. شرح فقرة "اللهم واجعله لي أنسا في قبري، وأنساً في حشري، وأنساً في حشري" - 2 - 146 2014-09-02 08:18:45 2014-09-02 08:18:45 http://arabic.irib.ir/programs/item/11666 http://arabic.irib.ir/programs/item/11666 بسم الله والحمدله خالصاً اذ جعلنا من المتقربين اليه بالاستنارة بمناري هدايته للعالمين قرآنه الكتاب الحكيم وأهل بيت نبيه الكريم سيدنا الهادي المختار صلوات ربي عليه وآله الاطهار الأبرار. السلام عليكم ايها الاخوة والاخوات ورحمة من الله وبركات، اطيب التحيات نهديها لكم ونحن نلتقيكم بفضل الله في حلقة اليوم من هذا البرنامج نتابع فيها معاً استلهام آداب الكيفية الفضلى لتلاوة كتاب الله من خلال التامل في فقرات الدعاء الذي ستحب التوجه به الى الله تبارك وتعالى بعد الفراغ من تلاوة ما تيسر من كتابه العزيز، جاء في المقطع الثالث من هذا الدعاء الشريف المروي عن مولانا ناشر السنة المحمدية الامام الصادق قوله –صلوات الله عليه-: "اللهم اجعله لي –أي القرآن الكريم- أنساً في قبري، وأنسا في حشري، وانساً في نشري، واجلعه لي بركة بكل آية قرأتها، وارفع لي بكل حرف درجة في اعلى عليين، آمين يا رب العالمين". عرفنا في الحلقة السابقة –مستمعينا الأعزاء- ان في الفقرة الاولى من هذا المقطع من الدعاء يعلمنا مولانا الامام الصادق –عليه السلام- ان نطلب من الله عزوجل العون لكي نتلو كتابه الكريم بالكيفية التي نفوز معها برحمة الله الخاصة التي تجعل ما نتلوه من الآيات الكريمة أنساً لنا في جميع مراحل الحياة الأخروية يدفع عنا أهوالها، وهذا ما بشرتنا بتحققه كثيرٌ من الاحاديث الشريفة استنرنا ببعضها في الحلقة السابقة ونقوي أثرها في قلوبنا من خلال التأمل في نماذج اخرى بادئين بما رواه ثقة الاسلام الكليني في كتاب الكافي مسنداً عن رسول الله –صلى الله عليه وآله- انه قال: "تعلموا القرآن، فانه يأتي يوم القيامة صاحبه في صورة شاب جميل.. فيقول له القرآن: أنا الذي كنت أسهرت ليلك وأظمأت هواجرك وأجففت ريقك وأسلت دمعتك، أؤول معك حيثما إلت، وكل تاجر من وراء تجارته وأنا اليوم لك من وراء تجارة كل تاجر، وسيأتيك كرامة من الله عزوجل، فأبشر. ثم قال –صلى الله عليه وآله-، فيؤتى –تالي القرآن- بتاج فيوضع على رأسه ويعطى الامان بيمينه والخلد في الجنان بيساره ويكسى حلتين، ثم يقال له: اقرأ وإرق، فكلما قرأ آية صعد درجة، ويكسى أبواه حلتين إن كانا مؤمنين ثم يقال لهما: هذا لما علمتماه القرآن". وكما تلاحظون –مستمعينا الافاضل- فان هذا الحديث النبوي الشريف يصرع بأن القرآن الكريم يكون في أهوال القيامة انساً ومدافعاً وشاهداً لقارئه الذي تكون تلاوته له في الحياة الدنيا مقرونة بالتأثر القلبي والاهتمام والتوجه؛ أي يتفاعل مع ما يتلوه من آيات الذكر الحكيم بكل وجوده، وهذا ما يجعله بمزيد من الاعانة والكرامة الالهية، وهذا ما يبشرنا به ناشر سنة سراج الله المنير وبشيره النذير –صلى الله عليه وآله-، مولانا الامام الصادق –عليه السلام- في المروي عنه في كتاب ثواب الاعمال انه قال في بعض فقرات حديثه: "من قرء القرآن وهو شاب مؤمن حتى اختلط القرآن بلحمه ودمه؛ جعله الله مع السفرة الكرام البررة، وكان القرآن حجيجاً –أي مدافعاً- عنه يوم القيامة، ويقول: يارب .. بلغ به كريم عطاياك، فيكسوه الله عزوجل حلتين من حلل الجنة ويوضع على رأسه تاج الكرامة، ثم يقال له –أي للصورة الملكوتية للقرآن-: هل أرضيناك فيه؟ فيقول القرآن: يارب قد كنت ارغب فيما هو أفضل من هذا، قال الصادق –عليه السلام-: فيعطي –تالي القرآن- الأمن بيمينه والخلد بيساره ثم يدخل الجنة، فيقال له: إقرأ آية واصعد درجة. ثم يقال للقرآن: هل بلغنا به وأرضيناك فيه؟ فيقول: اللهم نعم. ثم قال الصادق –عليه السلام-: ومن قرأ كثيراً –من القرآن- وتعاهده من شدة حفظه أعطاه الله اجر هذا مرتين". مستمعينا الافاضل، وثمة قضية مهمة ينبغي الاشارة اليها هنا وهي مستفاده من هذه الأحاديث الشريفة وهي أن جعل الله قرآنه الكريم أنساً لقارئه يدفع عنه وحشة وأهوال عالم البرزخ والقيامة والبعث والنشر هو ثمرة أنس المؤمن بالقرآن وتعاهده بالتلاوة بالصورة المطلوبة في الحياة الدنيا، مقتدياً بذلك بأهل بيت النبوة المحمدية –عليهم السلام- اذ ان انسهم هو بكتاب الله العزيز، روي في كتاب الكافي عن مولانا الامام علي بن الحسين زين العابدين انه –صلوات الله عليه- قال: "لو مات من بين المشرق والمغرب لما استوحشت بعد ان يكون القرآن معي". جزيل الشكر نقدمه لكم مستمعينا الاطائب من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، على طيب المتابعة لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) دمتم في أمان الله. شرح فقرة "اللهم واجعله لي أنسا في قبري، وأنساً في حشري، وأنساً في حشري" - 1 - 145 2014-09-01 08:10:08 2014-09-01 08:10:08 http://arabic.irib.ir/programs/item/11664 http://arabic.irib.ir/programs/item/11664 بسم الله والحمدلله الذي هدانا بفضله وكرمه الى التمسك بعروته الوثقى وحبله المتين قرآنه الكتاب المبين وأهل بيت نبيه المبعوث رحمة للعالمين ابي القاسم محمد –صلى الله عليه وآله الطاهرين-. السلام عليكم أعزاءنا المستمعين ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج نتابع فيه استلهام آداب الطريقة الفضلى لتلاوة القرآن الكريم وذلك من خلال التامل في عبارات الدعاء المستحب لهذه التلاوة قبلها وبعدها والمروي عن مولانا الامام الصادق –عليه السلام-، وقد انتهى بنا الحديث الى المقطع الثالث من دعائه –عليه السلام- بعد الفراغ من التلاوة وجاء فيه: "اللهم واجعله –أي القرآن الكريم- لي أنساً في قبري، وأنسافي حشري، وانساً في نشري، واجلعه لي بركة بكل آية قرأتها، وارفع لي بكل حرف درجة في اعلا عليين آمين رب العالمين". ايها الافاضل، يعلمنا الامام الصادق –عليه السلام- في المقطع المتقدم من دعائه ان من آداب تلاوة القرآن الكريم هو أن نطلب من الله عزوجل بعد الفراغ من كل تلاوة أن يجعل كتابه المقدس أنساً وبركة ورفعة لنا في جميع مراحل حياتنا في الدنيا والآخرة؛ فيقول –عليه السلام- في الفقرة الاولى من هذا المقطع "اللهم واجعله لي أنسا في قبري، وأنساً في حشري، وأنساً في حشري" في هذه الفقرة من الدعاء نطلب من الله عزوجل أن يجعل القرآن الكريم انساً لنا يدفع عنا مخاوف وأهوال الحياة الأخروية في مراحلها الثلاث الرئيسة وهي حياة البرزخ في القبر البرزخي وهي تشمل حياة عالم البرزخ الذي يقع بين عالمي الدنيا والقيامة، ثم مرحلة يوم الحشر والبعث والقيامة، ثم مرحلة النشر للحياة الأخروية الخالدة. وجميع هذه المراحل تشتمل على كثير من الصعوبات والاهوال والوحشة التي تجعل الانسان في أمس الحاجة لما يدفعها عنه، وقد جعل الله تبارك وتعالى برحمته الاهتمام بالقرآن وتلاوته والتحقق بحقائقه والاستنارة بانواره من أهم وسائل دفع هذه الأهوال، وقد بشرتنا بذلك كثيرٌ من الاحاديث الشريفة ننعش قلوبنا ببعض نماذجها فأبقونا معنا مشكورين: نبدأ –إخوة الايمان- بما روي في كتاب (جامع الاخبار) عن حبيبنا الهادي المختار-صلوات الله عليه وآله الاطهار- انه قال ضمن حديث: "من علم ولده القرآن... يكتب له بكل حرف عشرة حسنات ويمحى عنه عشر سيئآت ويكون –يعني القرآن- معه في قبره حتى يبعث، ويثقل ميزانه ويتجاوز به على الصراط كالبرق الخاطف ولم يفارقه القرآن حتى ينزل به من الكرامة ما يتمنى". ويفهم من هذا الحديث النبوي –مستمعينا الافاضل- ان الله عزوجل يخلق صورة ملكوتية للقرآن تكون أنساً لقارئه في جميع هذه المراحل يعينه ويدفع عنه الأخطار، وهذا ما صرحت به احاديث أخرى منها ما روي في كتاب الكافي عن الامام الباقر –صلوات الله عليه- قال: "يجيء القرآن يوم القيامه في أحسن منظور اليه صورة، فيمر بالمسلمين فيقولون: هذا الرجل منا فيجاوزهم الى النبيين فيقولون: هو منا، فيجاوزهم الى الملائكة المقربين فيقولون: هو منا، حتى ينتهي الى رب العزة عزوجل فيقول –أي القرآن-: يارب، فلان بن فلان أظمأت هو اجره وأسهرت ليله في دار الدنيا، وفلان بن فلان لم أظمأ هو اجره ولم أشهر ليله –أي لم يكن ممن يحرص على تلاوة القرآن-، فيقول الله تبارك وتعالى: أدخلهم الجنة على منازلهم، فيقوم قوم فيتبعونه، فيقول للمؤمن: اقرأ وإرق، قال الباقر –عليه السلام-: فيقرأ المؤمن ويرقى حتى يبلغ كل رجل منهم المنزلة التي هي له فينزلها". أيها الأخوة والأخوات، ويستفاد من النصوص الشريفة المتقدمة ونظائرها أن الله تبارك وتعالى يجعل القرآن أنسا ومدافعاً عمن اهتم بتلاوته والتفاعل القلبي مع آياته، فيكرمه الله سبحانه وتعالى في جميع مراحل الحياة الأخروية بأن يخلق لعبده صورة مبهجة لقرآنه الكريم تكون الشاهد الصدق لقارئه فتدفع عنه كل خوف ووحشة وتبلغ به منازل الكرامة والسعادة الدائمة. هذا أولاً وثانياً فإن مقدار وحجم هذه الثمار الطيبة يتناسب مع درجة التصاق واستنارة قارئ القرآن الكريم بآياته الكريمة، فالمطلوب هو أن يستعين قارئ القرآن بالله عزوجل لكي يوفقه الى أعلى ما يمكنه من درجات التفاعل الوجداني مع التلاوة وصدق الاستنارة بها واستمطار سحائب الرحمة الالهية بما يتلوه من الآيات الكريمة. والى هنا ننهي مستمعينا الاطائب حلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم لها من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، شكراً لكم وفي أمان الله. شرح فقرة: "اللهم اجعلني ممن يحل حلالك" - 144 2014-08-31 08:16:08 2014-08-31 08:16:08 http://arabic.irib.ir/programs/item/11605 http://arabic.irib.ir/programs/item/11605 بسم الله وله الحمد والثناء والشكر اذ من علينا متفضلاً بالتعبد له باتباع مناري هداه ونبعي رحمته كتابه القرآن المبين واهل بيت نبيه المبعوث رحمة للعالمين المصطفى محمد –صلى الله عليه وآله الطاهرين-. السلام عليكم مستمعينا الاكارم ورحمة الله وبركاته، اهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج لنا فيه وقفة اخيرة عنه المقطع الثاني من الدعاء المبارك الذي أمرنا مولانا الامام جعفر الصادق –عليه السلام- بأن نتوجه به الى الله عزوجل بعد الفراغ من تلاوة ما تيسر من كتابه العزيز، جاء في هذا المقطع قوله –صلوات الله عليه-: "اللهم اجعلني ممن يحل حلالك، ويحرم حرامك، ويجتنب معاصيك، ويؤمن بمحكمه- أي القرآن- ومتشابهه و ناسخه ومنسوخه، واجعله لي شفاءً ورحمة، وحرزاً وذخرا". ايها الافاضل، حديثنا في هذا اللقاء عن معنى الطلب من الله تبارك وتعالى ان يجعل القرآن ذخراً لمن تلا ما وفقه الله له من آياته الكريمة: في نهاية الحلقة الماضية من هذا البرنامج اشرنا الى احد معاني ان يكون القرآن ذخراً للمؤمن، فقلنا بان المراد هو أن يدخر الله تبارك وتعالى للمؤمن ثواب تلاوته لكتابه العزيز لكي ينتفع بهذا الثواب عند حاجته اليه في حياته الأخروية. وهذا المعنى هو أحد مصاديق معنى الذخر، فقد جاء في كتاب اللغة، ان معنى الذخر هو ما أدخر لوقت الحاجة وهو المؤونة المخزونة كما جاء في كتاب (معجم الفاظ الفقه الجعفري) وغيره، وادخار المال جعله ذخيرة ليوم الحاجة كما في شرح اصول الكافي، وقال العلامة المجلسي في كتاب البحار في بيان معنى دعاء قنوت صلاة العيد حيث يقول المصلي: "اللهم بحق هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيدا ولمحمد –صلى الله عليه وآله- ذخراً وشرفاً وكرامة ومزيدا"، قال: الذخر بالضم ما يدخره الانسان ويختاره لنفسه ومزيداً اي محلاً لزياده الرحمات والبركات عليه وعلى أمته –صلى الله عليه وآله-. اعزاءنا المستمعين، من التعريفات المتقدمة نفهم أن معنى (الذخر) يشمل جميع الامور التي تنفع الانسان فيدخرها لكي يستفيد منها في وقت حاجته اليها، وأمسى مصاديقه اجر الاعمال الصالحة الذي يحتاجه الانسان في الآخرة قال السيد علي خان المدني الحسيني الشيرازي في شرحه للصحيفة السجادية: "الذخر بالضم، هو ما ينفع اذا اعددته لوقت الحاجة اليه... كالذخيره وهو المراد هنا وعنى به الاعمال الصالحة التي تعد ليوم الفاقة اليها، واستعار لها لفظ الذخر باعتبار ان تحصيلها في الدنيا لغاية الانتفاع بها في العقبى كالذخيرة". واضافة لذلك فان المستفاد من الاحاديث الشريفة مصداق اخر ينبغي ان يطلبه تالي القرآن من تلاوته ليكون ذخراً له عند الحاجة، هذا المصداق هو الذي يشير اليه مولانا امير المؤمنين الامام علي –صلوات الله عليه- في المروي عنه في كتاب (عيون الحكم والمواعظ) انه قال: "احسن اللباس الورع وخير الذخر التقوى" وعلى ضوء هذا الحديث نفهم ان مولانا الامام الصادق –عليه السلام- يعلمنا في هذا الدعاء ان نطلب من الله عزوجل ان يجعل ما نتلوه من كتابه ذخراً لنا بمعنى ان نستزيد به من التقوى التي هي خير الزاد، ويتحقق ذلك بأن نستعين بالآيات الكريمة للتحلي بالتقوى في كل موقف نمر به ونحتاج فيه اليها كذخيرة مقدسة نفوز بها بمحل الكرامة عندالله عزوجل. ايها الاخوة والاخوات، ونقرأ في كتاب (عيون الحكم والمواعظ) حكمة علوية ثانية تهدينا الى مصداق ثالث لجعل القرآن ذخراً لقارئه، فقد جاء في هذا الكتاب عن الوصي المرتضى –صلوات الله عليه- أنه قال: "أفضل الذخر الهدى ". ومن هذه الحكمة العلوية نفهم أن على تالي القرآن ان يدخر ما يستفيده من الآيات الكريمة التي يتلوها لكي يستهدي به في مختلف شؤون حياته عندما تظهر حاجته الى الهداية القرآنية، وهذا المعنى مستفادٌ ايضاً من نظائر قوله عزوجل في الآية السادسة من سورة الأعلى "سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى". اي ان على تالي القرآن أن يجتهد في حفظ مضامين الآيات الكريمة وما تشتمل عليه من هدايات للحق ويدخرها لكي يستفيد منها عند الحاجة اليها في مختلف شؤونه الحياتية، وبذلك يتضاعف الأجر الذي يطلب من الله ان يدخره له لكي ينتفع منه في حياته الأخروية أيضاً، فيكون القرآن بذلك ذخراً ومزيداً له في الدنيا والآخرة. وبهذا نصل احباءنا بفضل الله وعونه الى ختام حلقة أخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم له مشكورين من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، تقبل الله اعمالكم ودمتم في أمان الله. شرح فقرة: "وأجعله لي شفاءً ورحمة وحرزاً وذخرا" - 2 - 143 2014-08-30 09:09:49 2014-08-30 09:09:49 http://arabic.irib.ir/programs/item/11604 http://arabic.irib.ir/programs/item/11604 بسم الله والحمدلله خالصاً اذ هدانا لمناري هداه الى الحياة الطيبة ونبعي رحمته الكبرى للعالمين قرآنه الكتاب المبين واهل بيت صفوته حبيبنا الهادي المختار صلوات الله عليه وآله آناء الليل واطراف النهار السلام عليكم مستمعينا الاطياب، طابت اوقاتكم بكل خير و رحمة وبركات، بتوفيق الله نلتقيكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج نستضيء فيها بفقرات الدعاء الذي علمنا مولانا الامام جعفر الصادق –عليه السلام- أن نتوجه به الى الله عزوجل بعد الفراغ من تلاوة ما تيسر من القرآن الكريم طلباً لاستكمال ثمارها وبركاتها من الله عزوجل، جاء في المقطع الثاني من هذا الدعاء المبارك قوله –صلوات الله عليه-: "اللهم اجعلني ممن يحل حلالك، ويحرم حرامك، ويجتنب معاصيك، ويؤمن بمحكمه- أي القرآن- ومتشابهه و ناسخه ومنسوخه، واجعله لي شفاءً ورحمة، وحرزاً وذخرا". ايها الاخوة والاخوات، نتابع معاً تاملنا في قول الامام الصادق –عليه السلام-: "وأجعله لي شفاءً ورحمة وحرزاً وذخرا"؛ وقد عرفنا في الحلقة السابقة، ان القسم الاول من هذه العبارة مقتبس من كلام الله تبارك وتعالى حيث اخبرنا بانه تبارك اسمه قد انزل في القرآن الكريم ما فيه شفاءٌ ورحمة للمؤمنين، شفاء لما في الصدور من الأمراض النفسية والروحية بل وشفاءٌ لمطلق الأمراض حتى البدنية لمن اخلص النية في الاستشفاء منها بالآيات الكريمة وهو مؤمن بذلك كما صرحت بذلك كثيرٌ من الاحاديث الشريفة المروية في المصادر المعتبرة عند مختلف فرق المسلمين. وقد نقلنا بعض نماذجها في الحلقة السابقة. وهذا الشفاء الالهي المنزل في القرآن الكريم هو احد مصاديق الرحمة الالهية التي جعلها الله عزوجل في كتابه المنزل على نبيه المبعوث رحمة للعالمين –صلى الله عليه وآله الطاهرين-. من هنا فان ذكر الدعاء الشريف للشفاء قبل الرحمة تبعاً للآيات الكريمة هو من باب ذكر أهم مصاديق الرحمة الخاصة قبل ذكر الرحمة العامة، وهذه الرحمة المنزلة في القرآن الكريم جاءت بصيغة التنكير حيث قال –عليه السلام- "اجعله لي شفاءً ورحمة" للاشارة الى شمولها لجميع مصاديق الرحمة الالهية، مثلما ان ذكر الشفاء بصيغة التنكير يشير الى أن الاستشفاء بالقرآن يشمل المعافاة من جميع الأمراض المادية والمعنوية اي البدنية والنفسية والروحية؛ فالشفاء منها جميعاً ترحم الله به على المؤمنين بلطفه وكرمه وهو أرحم الراحمين. مستمعينا الافاضل، أما بالنسبة لمعنى طلب الامام –عليه السلام- من الله سبحانه وتعالى أن يجعل القرآن حرزاً وذخراً له، فان معنى الحرز كما جاء في كتب اللغة هو (الموضع الحصين) الذي لا يمكن لاحد أن يصله، وعليه يكون معني جعل القرآن حرزاً للمؤمن هو أن يدفع به عنه كل شر بمختلف مصاديقه. وقد امرتنا كثيرٌ من الاحاديث الشريفة بأتخاذ الاحراز التي تدفع انواع الشرور وكان النبي الاكرم –صلى الله عليه وآله- يعلم اصحابه اتخاذ الاحراز نظير ما علمه لابي دجانة الانصاري وأمر وصيه الامام علي –عليه السلام- ان يكتبه له كما جاء في الرواية المشهورة، وجاء في كتاب قرب الاسناد عن امير المؤمنين الامام علي –عليه السلام- انه سئل عن التعويذ فقال: "علقوا ما شئتم اذا كان فيه ذكر الله" كما كانت لرسول الله –صلى الله عليه وآله- أحراز نزل بها اليه جبرئيل –عليه السلام- وكانت لاهل بيته –عليهم السلام- احراز مماثلة مروية نصوصها في المجاميع المعتبرة. وتصرح النصوص الشريفة ان افضل الاحراز ما كانت من القرآن الكريم فقد روي في كتاب طب الائمة عن ابن سنان انه سئل الامام الصادق عن رقية العقرب والحية والنشرة، ورقية المجنون والمسحور الذي يعذب فقال –صلوات الله عليه-: (يا ابن سنان لا بأس بالرقية والعوذة والنشر، اذا كانت من القرآن، ومن لم يشفه القرآن فلا شفاه الله، وهل شئ ابلغ في هذه الأشياء من القرآن، أليس الله تعالى يقول: "وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ" أليس الله يقول تعالى ذكره وجل ثناؤه: "لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ" سلونا نعلمكم ونوقفكم على قوارع القرآن لكل داء. اعزاءنا المستمعين وعلى ضوء ما تقدم يتضح أن من آداب الطريقة الفضلى لتلاوة القرآن الكريم هو ان نطلب من الله عزوجل بعد كل تلاوة لكتابه المجيد ان يجعل ما تلوناه شفاءً لنا ورحمة وحرزاً وذخراً –أي ذخيرة لأخرانا في ثوابه- أي أن نستعين به جل جلاله لكي نستشفي بالآيات الكريمة ونسعى للفوز بالرحمات العامة والخاصة التي تشتمل عليها وندفع بها كل شر يمكن ان يتهددنا ويتقبل هذه التلاوة منا ليكون ثوابها ذخيرة لنا في حياتنا الاخروية الخالدة تفيض علينا بكل رحمة وبركة. وبهذه النتيجة والخلاصة نختم أيها الاحبة حلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم لها من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، شكراً لكم وفي أمان الله. شرح فقرة: "وأجعله لي شفاءً ورحمة وحرزاً وذخرا" - 1 - 142 2014-08-23 08:56:08 2014-08-23 08:56:08 http://arabic.irib.ir/programs/item/11603 http://arabic.irib.ir/programs/item/11603 بسم الله وله الحمد خالصاً والشكر متصلاً اذ وفقنا للتقرب اليه بمناري هداه ونداه، قرآنه الكتاب المبين وعترة نبيه المبعوث رحمة للعالمين محمد الصادق الامين صلوات الله عليه وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم أعزاءنا المستمعين ورحمة الله وبركاته، بتوفيق الله وفضله نلتقيكم في حلقة جديدة من هذا البرنامج نتوقف فيها عند فقرة اخرى من فقرات دعاء مولانا الامام الصادق –عليه السلام- عند الفراغ من تلاوة القرآن الكريم، لنتعرف منها على درس آخر من دروس الصورة الفضلى لتلاوة كتاب الله المجيد. نتبرك اولاً بقراءة المقطع الثاني من هذا الدعاء المبارك حيث يقول فيه –صلوات الله عليه-: "اللهم اجعلني ممن يحل حلالك، ويحرم حرامك، ويجتنب معاصيك، ويؤمن بمحكمه- أي القرآن- ومتشابهه و ناسخه ومنسوخه، واجعله لي شفاءً ورحمة، وحرزاً وذخرا". ايها الاخوة والاخوات، انتهى بنا الحديث الى قوله –عليه السلام-: "وأجعله لي شفاءً ورحمة وحرزاً وذخرا"؛ وفيها –كما تلاحظون- يعلمنا الامام الصادق –عليه السلام- ان نطلب من الله عزوجل ان يجعل القرآن لنا شفاءً ورحمة وحرزاً وذخراً، فما هو المقصود بذلك؟ في الإجابة عن هذا السؤال نشير أولاً الى أن تعبير "شفاءً ورحمة" مقتبس من القرآن الكريم نفسه، فقد أخبرنا الله تبارك وتعالى أنه انزل في كتابه الشفاء والرحمة، فقال اصدق القائلين في الآية السابعة والخمسين من سورة يونس: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ". وقال جل جلاله في الآية الثانية والثمانين من سورة الإسراء: "وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً". وقال تبارك اسمه في الآية الرابعة والاربعين من سورة فصلت: "وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء" وكما تلاحظون مستمعينا الافاضل، فان هذه الآيات الكريمة تصرح بان في القرآن الكريم الشفاء والرحمة بصورة مطلقة، أي الشفاء من الأمراض البدنية والنفسية والروحية المعنوية كما ان فيه الرحمة المادية والمعنوية، ولذلك امرت الاحاديث الشريفة بالاستشفاء بالقرآن الكريم تاتيكم بعض نصوصها بعد قليل فابقوا معنا: جاء في كتاب مكارم الاخلاق عن النبي الاكرم –صلى الله عليه وآله- قال: "من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله" وجاء في تفسير الدر المنثور عنه –صلى الله عليه وآله- قال: "استشفوا بما حمدالله به نفسه قبل ان يحمده خلقه، وبما مدح الله به نفسه، فسئل: وماذاك يا نبي الله؟ قال: الحمدلله –يعني سورة الفاتحة- وقل هو الله احد- يعني سورة التوحيد-، ثم قال –صلى الله عليه وآله-: فمن لم يشفه القرآن فلا شفاه الله". وفي كتاب عيون الحكم والمواعظ للواسطي عن امير المؤمنين الوصي المرتضى –عليه السلام- قال: "تعلموا القرآن فانه ربيع القلوب واستشفوا بنوره فانه شفاء الصدور". وجاء في تفسير مجمع البيان عن الامام جعفر الصادق –عليه السلام- ضمن حديث عن الاستشفاء بالقرآن قال: "تضع يدك على موضع الوجع وتقول: اللهم اني اسالك بحق القرآن العظيم الذي نزل به الروح الامين، وهو عندك في ام الكتاب لدينا لعلي حكيم ان تشفيني بشفائك وتداويني بدوائك وتعافيني من بلائك". ثم قال –عليه السلام- تقولها ثلاث مرات وتصلي على محمد وآهل بيته صلوات الله عليه وعليهم اجمعين. ايها الاطائب، وقد رويت في مصادرنا الحديثية المعتبرة كثيراً من الاحاديث الشريفة عن النبي الاكرم واهل بيته الطاهرين –صلى الله عليه وعليهم- تحدد للمؤمنين سوراً وآيات من القرآن الكريم للاستشفاء من مختلف الامراض البدنية والنفسية والروحية، وفيها تأكيد على أن اثرها في المعافاة مشروط بالايمان لان القرآن نفسه يصرح بانه شفاء ورحمة للمؤمنين هذا اولاً وثانياً ان يتلوها المؤمن باخلاص نية، قال مولانا الامام جعفر الصادق –عليه السلام- في المروي عنه في كتاب (طب الائمة) للزيات رحمه الله: "ما اشتكى احدٌ من المؤمنين شكاية –اي مرضاً- قط فقال بأخلاص نية ومسح موضع الحلة- وهو يقول "وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً"، الا عوفي من تلك العلة، أي علة كانت، ومصداق ذلك في الآية حيث يقول "شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ"" مستمعينا الافاضل، أما معنى ان يكون القرآن حرزاً وذخراً لمن يتلوه فهذا ما سنتناوله بعون الله في حلقة مقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) تأتيكم ان شاء الله من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، شكراً لكم ودمتم في رعاية الله سالمين غانمين والحمدلله رب العالمين. شرح فقرة: "ويجتنب معاصيك" - 141 2014-08-16 09:01:52 2014-08-16 09:01:52 http://arabic.irib.ir/programs/item/11602 http://arabic.irib.ir/programs/item/11602 بسم الله والحمدلله الذي من عليها متفضلاً بتوفيق التمسك بعروته الوثقى وحبله المتين، كتابه القرآن الكريم وعترة حبيبه وسيدنا المبعوث رحمة للعالمين المصطفى محمد –صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم مستمعينا الاطائب ورحمة الله وبركاته، طابت اوقاتكم بكل خير واهلاً بكم في حلقة جديدة من هذا البرنامج نتابع فيها –بعون الله تبارك وتعالى- استلهام آداب الطريقة الفضلى لتلاوة القرآن الكريم وذلك من خلال التأمل في فقرات الدعاء المستحب التوجه به الى الله عزوجل بعد الفراغ من التلاوة، جاء في المقطع الثاني من هذا الدعاء المروي عن مولانا الامام الصادق –صلوات الله عليه-: "اللهم اجعلني ممن يحل حلالك ويحرم حرامك ويجتنب معاصيك، ويؤمن بمحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه واجعله لي شفاءً ورحمة وحرزاً وذخراً". ايها الاخوة والاخوات، عرفنا في الحلقة السابقة ان الايمان بمحكم آيات القرآن الكريم ومتشابهه وناسخه ومنسوخه والاقرار بأنها جميعاً من الله عزوجل انزلها بهذه الصور والكيفيات لحكمة بالغة في تدبير شؤون خلقه، هذا الايمان هو من مصاديق الحمد والشكر لله عزوجل على توفيق تلاوة كتابه العزيز. وقد جاء التاكيد على هذا الايمان بعد فقرة "ويجتنب معاصيك" في اشارة الى انه من مصاديق اجتناب المعاصي وما نهى عنه القرآن الكريم، ومن مصاديق تحليل حلال الله وتحريم حرامه، اذ ان معرفة الحلال والحرام الالهي ومعرفة المعاصي كمقدمة لاجتنابها، كل ذلك لا يتم الا بالايمان بمحكم الآيات القرآنيه ومتشابهها وناسخها ومنسوخها. فبدون هذا الايمان قد نأخذ بظاهر آية لا نعرف انها متشابهه تحمل اكثر من وجه فنأخذ بالوجه الذي لا يريده الله فيها والمصداق والتأويل الذي ليس فيه مرضاة الله، او ان نأخذ حكماً من آية منسوخة ونحن لا نعلم بانها منسوخه وهكذا... من هنا ندرك ان المقصود بالايمان بالمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ هنا هو الايمان الناتج عن معرفة مصاديق ذلك والعمل بما امرنا الله تجاه كلّ منها، وهذا ما نشير اليه بعد قليل فأبقوا معنا مشكورين: قال الله تبارك وتعالى في الآيتين السابعة والثامنة من سورة آل عمران: "هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ{7} رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ" وكما تلاحظون مستمعينا الافاضل، فان هذا النص القرآني ينهى عن اتباع الايات المتشابهة بمعنى اتباع ما يراه الذين في قلوبهم زيغ من تأويل لها اي مصداق لا ينطبق عن الواقع وانما تدعوهم لاختياره الاهواء وابتغاء الفتن. وفي المقابل يذكر النص ان من صفات اولي الالباب الايمان بان كل هذه الآيات هي من عندالله عزوجل يتبعونها معاً بهداية من الله الوهاب الذي لا يزيغ قلب من آمن عن الحق وعن معرفة المصداق الحقيقي للآيات المتشابهة بحيث تصبح عنده كالآيات المحكمة التي لا تحتمل الا وجهاً واحداً، بمعنى ان يعرف الله عبده بالتأويل الحقيقي والمصداق الواقعي لجميع الآيات التي انزلها محكمة كانت او متشابهة. والأمر نفسه يجري مع الناسخ والمنسوخ، فنحن نؤمن بانها جميعاً من آيات الله عزوجل، لا نترك آية منسوخة لمجرد كونها منسوخة، بل نتدبر فيها مثلما نتدبر في الآية الناسخة لها، لأنهما معاً من الله تبارك وتعالى نحصل منهما على أنوار هدايته وهداه، في بلاغتها وجمال الحقائق التي تهدي اليها وان عملنا في الجانب العملي بالحكم الذي تثبته الآية الناسخة دون الحكم الذي ورد في الآية المنسوخة. وعليه يتضح أن المقصود هنا هو ان يحرص تالي القرآن الكريم على اشعار قلبه بقدسية جميع الآيات القرآنية التي تلاها مهما كان نوعها من المحكم او المتشابه او الناسخ او المنسوخ، فهي جميعاً من عندالله عزوجل ينبغي ان نستنير ونستهدي بها وان كان عملنا بالمحكم دون المتشابه وبالناسخ دون المنسوخ. وقد بينا في حلقات سابقة الى ان معرفة المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ لاتتم الا بالرجوع الى محمد وآله الطاهرين لان عندهم –صلوات الله عليهم اجمعين- علم القرآن بجميع اسراره ومراتبه وحقائقة، وعليه يكون كمال الايمان بذلك هو بالرجوع اليهم –عليهم السلام- في جميع هذه الموارد. نشكركم مستمعينا الافاضل، على كرم الاستماع لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) قدمناها لكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، تقبل الله اعمالكم ودمتم في رعايته سالمين غانمين. شرح فقرة: "فلك الحمد ربنا، ولك الشكر" - 140 2014-08-09 10:08:06 2014-08-09 10:08:06 http://arabic.irib.ir/programs/item/11593 http://arabic.irib.ir/programs/item/11593 بسم الله وله الحمد خالصاً والشكر متصلاً اذ وفقنا للتمسك بعروته الوثقى وحبله المتين، قرآنه الكتاب المبين وأهل بيت حبيبه المبعوث رحمة للعالمين –صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم أيها الإخوة والأخوات ورحمة من الله وبركات، معكم بفضل الله وتوفيقه في حلقة جديدة من هذا البرنامج نواصل فيها التعرف الى آداب الطريقة الفضلى لتلاوة القرآن الكريم عبر التامل في فقرات دعاء التلاوة المروي عن مولانا الامام جعفر الصادق –صلوات الله عليه-، وقد انتهى بنا الكلام في الحلقة السابقة الى التامل فيما كان يدعوبه –عليه السلام- بعد الفراغ من التلاوة، نتبرك بالتوجه الى الله بالمقطعين الاول والثاني من هذا الدعاء وهما: "اللهم اني قرأت ما قضيت لي من كتابك الذي انزلته على نبيك محمد صلواتك عليه ورحمتك، فلك الحمد ربنا، ولك الشكر والمنة على ما قدرت ووفقت، اللهم اجعلني ممن يحل حلالك ويحرم حرامك ويجتنب معاصيك ويؤمن بمحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه، واجعله لي شفاءً ورحمة وحرزاً وذخرا". أعزاءنا المستمعين؛ يعلمنا مولانا الامام الصادق –عليه السلام- أن من آداب الطريقة الفضلى لتلاوة القرآن الكريم ان نبدأها بالدعاء والتوجه الى الله عزوجل ونختمها بالدعاء أيضاً لتكتمل اولاً معالم كون هذه التلاوة هي عبادة مقدسة نخلص لله فيها بكمال التوجه اليه جل جلاله قبلها وبعدها وفيها، فتكون بذلك من مصاديق ما قاله مولانا مولى الموحدين وأمير المؤمنين الامام علي –صلوات الله عليه-: "ما رأيت شيئاً الا رأيت الله قبله وبعده وفيه". هذا أولاً وثانياً، فمثلما علمنا مولانا الامام الصادق –عليه السلام-في الدعاء الذي يسبق التلاوة ان نطلب من الله عزوجل العون لان تكون تلاوتنا ما تيسر من كتابه العزيز بالصورة التي يحبها ويرضاها، يعلمنا –عليه السلام- في الدعاء الذي نختم به التلاوة ان نستعين بالله عزوجل لحفظ شعورنا الوجداني والقلبي بقدسية القرآن الكريم، وكذلك يهدينا –عليه السلام- الى سبل حفظ البركات التي تشتمل عليها هذه التلاوة؛ وأولى تلك السبل هو ترسخ معرفتنا واقرارنا بأن هذه التلاوة هي من النعم الجليلة التي يوفق الله تبارك وتعالى لها من شاء من عباده، وهذا ما يبينه المقطع الاول من دعاء ختم التلاوة كما فصلنا الحديث عنه في الحلقة السابقة. ومعلومٌ -مستمعينا الافاضل- ان الشكر على النعمة وسيلة لزيادتها كما صرحت بذلك كثيرٌ من النصوص الشريفة منها قوله عزوجل في الآية الكريمة السابعة من سورة ابراهيم "وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ". من هنا نفهم أن المقطع الاول من دعاء ختم التلاوة يتضمن الطلب من الله عزوجل ان يزيدنا من نعمة تلاوة القرآن الكريم عندما نقول "فلك الحمد ربنا ولك الشكر والمنة على ما قدرت ووفقت". هذا اولاً وثانياً فان في هذه العبارة تذكيرٌ بلزوم اهتمام تالي القرآن بتجسيد المصداق العملي لشكر النعمة فيستزيد منها بالانتفاع العملي بما حصل منها، وهذا هو ما يدعونا له مولانا الامام الصادق –عليه السلام- في المقطع الثاني من دعاء ختم تلاوة القرآن الكريم، فهو يعلم المؤمن ان يدعو الله عزوجل قائلاً: "اللهم اجعلني ممن يحل حلالك ويحرم حرامك ويجتنب معاصيك، ويؤمن بمحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه واجعله لي شفاءً ورحمة وحرزاً وذخراً" وكما تلاحظون –مستمعينا الاكارم- فان العبارات المتقدمة تبين مصاديق الشكر العملي لنعمة تلاوة القرآن الكريم، فأولها الالتزام بما تهدينا اليه الآيات الكريمة من احكام الحلال والحرام، فنحل ما احله الله في كتابه العزيز ونعمل به ونحرم ما حرمه فيه فنجتنب معصيته جل جلاله. اما المصداق الثاني –مستمعينا الاحبة- فهو الايمان بالمحكم من الآيات الكريمة والمتشابه، والناسخ منها والمنسوخ، نؤمن بانها جميعاً من عندالله انزلها بتلك الصور والكيفيات عن حكمة ترتبط بتدبير شؤون عباده. وكمال الايمان بذلك هو الرجوع الى من عندهم علم القرآن بمحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه وهم أبواب مدينة العلم المحمدي اهل بيت من انزل عليه القرآن الكريم النبي الاعظم –صلى الله عليه وآله- وهذا ما صرحت به كثيرٌ من النصوص الشريفة تناولنا شطراً منها في حلقات سابقه من البرنامج. كما أن من كمال الايمان بالمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ هو اجتناب اتباع المتشابه من الآيات الكريمة ابتغاء تاويله وابتغاء الفتنة كما حذرت من ذلك الآيات الكريمة الاولى من سورة آل عمران، وكذلك الحال مع الناسخ والمنسوخ وهذا ما سنفصل الحديث عنه بأذن الله وتوفيقه في حلقة مقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) نشكر لكم مستمعينا الاطائب طيب المتابعة ولكم دوماً من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران اصدق الدعوات، دمتم في امان الله. شرح فقرة: "اللهم اني قرأت ما قضيت لي من كتابك" - 139 2014-08-02 09:03:30 2014-08-02 09:03:30 http://arabic.irib.ir/programs/item/11575 http://arabic.irib.ir/programs/item/11575 بسم الله وله الحمد والثناء اذ هدانا للتمسك بعروته الوثقى وحبله المتين كتابه القرآن المبين وأهل بيت حبيبه سيد المرسلين محمد –صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم اخوتنا وأخواتنا ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكم في لقاء جديد من هذا البرنامج نتابع فيه بعون الله تبارك وتعالى استلهام آداب تلاوة القرآن الكريم من الدعاء المروي عن مولانا الامام جعفر الصادق –عليه السلام- والذي يستحب التوجه به الى الله عزوجل قبل البدء بالتلاوة وبعد الانتهاء منها. وقد أنهينا بتوفيق الله الحديث عن الدعاء الذي يسبق التلاوة، ونبدأ في هذا اللقاء بالدعاء الذي كان مولانا الصادق –عليه السلام- يدعو به بعد الفراغ منها، حيث يقول –عليه السلام- في المقطع الاول منه: "اللهم اني قرأت ما قضيت لي من كتابك الذي انزلته على نبيك محمد صلواتك عليه ورحمتك، فلك الحمد ربنا، ولك الشكر والمنة على ما قدرت ووفقت". ايها الافاضل، الادب المحوري من آداب التلاوة الذي نستلهمه من المقطع المتقدم من الدعاء هو: أن علينا أن نرسخ في قلوبنا صدق الاعتقاد بان تلاوة ما تيسر من القرآن الكريم هي نعمة الهية جليلة يوفق الله لها من شاء من عباده، ولذا فهي توفيق لا يناله كل انسان فينبغي للمؤمن ان يحمدالله ويشكره بعد كل تلاوة يوفقه لها. ونلمح –أيها الأحبة- في الفقرة الاولى من هذا المقطع جميل اشارة مولانا الامام الصادق –عليه السلام- الى أن التوفيق لقرآءة كتاب الله هو من القضاء الالهي ورزق ينزله الله على كل مؤمن بما يناسبه، وهذا ما نستفيده اولاً من قول الامام –عليه السلام-: "اللهم اني قرأت ما قضيت لي من كتابك" فما تلوته انا هو ما قضاه الله لي وقدره من المأدبة القرآنية العامرة، وعليه نستلهم أن في هذه العبارة اشارة لطيفة الى ان المؤمن كلما ضاعف رغبته في القرآن وكلما صعد من درجة استعداده لتلقي فيضه الكريم ازداد معه التوفيق الالهي له للحصول على قدر اكبر من بركات المائدة القرآنية الكريمة. ايها الاخوة والاخوات، كما نلمح في العبارة المتقدمة اشارة اخرى الى لزوم اهتمام المؤمن التالي للقرآن قلبه بان ما يتلوه هو من كتاب الله وهذا ما يفيده تاكيد الامام الصادق –عليه السلام- على نسبة الكتاب الى الله عزوجل حيث يقول: "ما قضيت لي من كتابك"، وباستشعار القلب لهذه الحقيقة تشتد معرفته بعظمة نعمة هذا التوفيق لتلاوة كتاب صادر من الله ارحم الراحمين، فتلاوته تكون اذن من ينابيع الرحمة التي ينبغي شكرالله وحمده عليها. ونلمح ثالثاً في تتمة هذه العبارة تعليم من الامام الصادق –عليه السلام- للمؤمن بان يشكر الذي اوصل هذه النعمة –اي القرآن الكريم- وابلغها للناس حيث يقول –عليه السلام-: "من كتابك الذي انزلته على نبيك محمد صلواتك عليه ورحمتك". وعليه يكون مصداق الشكر لرسول الله –صلى الله عليه وآله- على تبليغه وايصاله وبيانه لكتاب الله عزوجل لنا هو أن نصلي عليه ونطلب من الله المزيد من رحماته عليه- صلوات الله عليه وآله الطاهرين-. وفي ذلك عملٌ بالامر النبوي الوارد في الحديث الشريف المشهور: "من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق". مستمعينا الاطائب، ثم يعلمنا مولانا الامام الصادق –عليه السلام- ان نحمدالله ونشكره على ما قدره لنا من تلاوة كتابه ووفقنا له، فنقول: "فلك الحمد ربنا ولك الشكر والمنة على ما قدرت ووفقت". وهذه العبارة اكمل اشعار لقلب تالي القرآن بعظمة نعمة التلاوة لهذا الكتاب الالهي العزيز، فهي تنبهنا لذلك من خلال جمعها بين الحمدلله وشكره والاقرار له تبارك وتعالى المنة علينا لانه قدر لنا التلاوة ووفقنا لها. فعبارة "لك الحمد ربنا" تتضمن الثناء على الله جل جلاله بانه محمود الفعال في جميع شؤون ربوبيته فهو يدبر شؤون عباده بما يهديهم الى ما فيه صلاحهم وفوزهم بالنعم الجليلة ومنها نعمة تلاوة القرآن. وعبارة "ولك الشكر" تفيد وجوب ان يشكر الانسان ربه الجليل على هذه النعمة بحسن الانتفاع عملياً مما تلاه من القرآن الكريم. اما معنى (ولك المنة)، فان (المنة) كما في كتب اللغة هي (النعمة الثقيلة الجليلة) ولذلك فهي تختص بالله تبارك وتعالى لان منعم سواه لا تكون نعمته كاملة ولا مستقلة لان الله هو المصدر الاساس لكل نعمة. وفي استخدام تعبير (لك المنة) هنا اشارة الى عظمة نعمة التوفيق لتلاوة القرآن الكريم لعظمة البركات التي يشتمل عليها، ومعلوم ان شكر النعمة سبب لزيارتها من الله عزوجل، وعليه تكون العبارة المتقدمة ومتضمنة لطلب تالي القرآن المزيد من التوفيق لتلاوة كتاب الله والفوز بالمزيد من بركاته غير المتناهية. وبهذا نصل مستمعينا الافاضل الى ختام حلقة أخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمة) قدمناها لكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، شكراً لكم وفي امان الله. شرح فقرة: "اجعلني اتدبر آياته واحكامه" - 138 2014-07-12 10:11:52 2014-07-12 10:11:52 http://arabic.irib.ir/programs/item/11527 http://arabic.irib.ir/programs/item/11527 بسم الله والحمدلله الذي هدانا للاستنارة بمناري هدايته المعصومين، كتابه القرآن الكريم وأعلام صراطه المستقيم محمد وآله الطاهرين صلوات الله وتحياته وبركاته عليهم أجمعين. السلام عليكم اعزاءنا المستمعين، بتوفيق الله نلتقيكم في حلقة جديدة من هذا البرنامج على ضفاف ينابيع الرحمة الالهية التي تزخر بها ادعية اهل بيت النبوة –عليهم السلام-، ومنها الدعاء الشريف الذي يستحب التوجه به الى الله جل جلاله قبل البدء بتلاوة ما تيسر من كتابه المجيد؛ والمروي عن امامنا جعفر الصادق –عليه السلام-. ايها الافاضل، على مدى خمس وثلاثين حلقة من هذا البرنامج استلهمنا من هذا الدعاء الشريف كثيراً من آداب الصورة الشرعية التي يحبها الله تبارك وتعالى لتلاوة كتابه العزيز؛ ونختم في هذا اللقاء عن هذا الدعاء المبارك بنظرة اجمالية نلخص فيها أهم الدروس المستفادة من نص هذا الدعاء الشريف فتابعونا على بركة الله: ايها الاطائب، نلاحظ في نص رواية هذا الدعاء المروية في كتاب الاختصاص للشيخ المفيد والاقبال للسيد ابن طاووس، ان الامام الصادق –عليه السلام- كان قبل البدء بالتلاوة يأخذ بيده اليمنى مصحف القرآن الجامع وينشره امامه، ونستفيد من ذلك أولاً لزوم اشعار القلب بلزوم احترام هذا الكتاب الالهي بأخذه باليد اليمنى، وثانياً استحباب ان تكون التلاوة في المصحف الجامع وليس في قطع او اجزاء مستقلة منه، وذلك ترسيخاً للايمان بأن القرآن كله من عندالله، وكذلك ترسيخاً لروح العمل بكل ما فيه وان كنا نتلو في كل مرة بعضاً منه. وقد لاحظنا ايها الاحبة ان هذا الدعاء الشريف يشتمل عى شطرين، في الشطر الاول تجديد واستذكار للعقيدة الحقة بشأن منزلة هذا الكتاب الالهي المقدس، وفي الشطر الثاني طلب واستعانة من الله عزوجل لتلاوة ما تيسر من آياته بالصورة التي نحصل فيها على بركاتها والاستعاذة به تبارك وتعالى مما يحرمنا من بركات التلاوة. مستمعينا الافاضل في الشطر الاول من هذا الدعاء الشريف يعلمنا مولانا الامام الصادق –عليه السلام- ان نستذكر وفي محضر الله عزوجل منزلة كتابه العزيز بقوله: "بسم الله، اللهم اني أشهد أن هذا كتابك المنزل من عندك على رسولك محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله، وكتابك الناطق على لسان رسولك وفيه حكمك وشرائع دينك أنزلته على نبيك وجعلته عهداً منك الى خلقك وحبلاً متصلاً فيما بينك وبين عبادك". وكما تلاحظون –أيها الأكارم- فأن الشطر الاول من هذا الدعاء الشريف يتضمن شهادة بمنزلة الكتاب الالهي ترسخ في قلب قارئه قدسيته لكل يتوجه عقلياً وقلبياً لتلاوته لأنه أولاً كتاب الله المنزل على احب الخلق اليه وسيد رسله المصطفى –صلى الله عليه وآله-، فهو بذلك سيد كتب الله وأعظمها قدسية الأمر الذي يجب أن يتوجه اليه المحمديون بكل وجودهم اجلالاً وتعظيما لمنزله تبارك وتعالى. هذا اولاً وثانياً، فان هذا الكتاب الالهي هو الحاوي لاحكام الله في جميع شؤون الحياة وشرائع دينه عزوجل ولذلك يجب التوجه اليه بكامل الدقة للأخذ باحكام الله وشرائعه. وثالثاً فان هذا الكتاب المقدس هو (العهد) الذي امر الله عزوجل عباده بتعاهده وحفظه لانه وسيلة ارتباطهم به تبارك وتعالى وحصولهم على مرضاته ولذلك يجب ان يتعاهدوه بتلاوته وحفظه بالعمل بما فيه. ايها الاخوة والاخوات، وبعد هذا الاقرار التوحيدي بمنزلة القرآن الكريم يعلمنا امامنا الصادق –عليه السلام- للاستعانة بالله عزوجل لحفظ قدسيته بالالتزام بالآداب الشرعية لتلاوته، فيقول –صلوات الله عليه- في الشطر الثاني من دعائه المبارك: "اللهم نشرت عهدك وكتابك، اللهم فاجعل نظري فيه عبادة، وقراءتي فيه تفكراً وفكري فيه اعتباراً، واجعلني ممن اتعظ ببيان مواعظك فيه، واجتنب معاصيك، ولا تطبع عند قرائتي كتابك على قلبي ولا على سمعي ولا تجعل على بصري غشاوة، ولا تجعل قراءتي قراءةً لا تدبر فيها، بل اجعلني اتدبر آياته واحكامه آخذاً بشرايع دينك، ولا تجعل نظري فيه غفلة ولا قراءتي هذراً، انك أنت الرؤوف الرحيم". اذن مستمعينا الافاضل، فان من اهم الآداب الشرعية لتلاوة القرآن الكريم استشعار القارئ ان يقوم بعبادة مقدسة تبدأ من اصل النظر الى القرآن الكريم وتستمر في التفكر فيه والاعتبار، لذلك ينبغي ان يرسخ في قلبه اخلاص النية بالتقرب الى الله بالتلاوة لان الاخلاص هو شرط صحة العبادة. وثانياً التفاعل العقلي والقلبي مع مضامين الآيات القرآنية من خلال التفكر فيها والتدبر في دلالاتها والاتعاظ بمواعظها والعمل بأحكامها وشرايعها الموصلة الى السعادة والفلاح. وثالثاً: الاستغفار قبل التلاوة لازالة كل الغشاوات والغفلة التي تمنع القارئ من التوجه العقلي والقلبي للحقائق السامية التي تتضمنها الآيات الكريمة واجتناب ما يعيق التفكر والتدبر فيها كسرعة القراءة وعدم استشعار قدسية الكلام الالهي المقدس؛ وفقنا الله واياكم لتلاوته كما يحب ويرضى ببركة الاقتداء بصفوته المنتجبين محمد وآله الطاهرين –صلوات الله عليهم أجمعين-. وها نحن نصل واياكم مستمعينا الاطائب الى ختام حلقة أخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم لها من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، شكراً لكم وفي امان الله. شرح فقرة "لا تجعل نظري فيه غفلة ولا قراءتي هذراً" - 137 2014-07-08 09:08:26 2014-07-08 09:08:26 http://arabic.irib.ir/programs/item/11484 http://arabic.irib.ir/programs/item/11484 بسم الله والحمدلله أكرم الاكرمين الذي تكرم علينا بالاستهداء بثقلي هدايته للعالمين قرآنه الكتاب المبين وأهل بيت حبيبه المبعوث رحمة للعالمين سيدنا الهادي المختار صلوات الله عليه وآله الأطهار. السلام عليكم ايها الاحبة ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج نخصصه للفقرة الاخيرة من الدعاء الشريف المستحب التوجه به الى الله تبارك وتعالى قبل تلاوة ما تيسر من كتابه العزيز، قال مولانا الامام الصادق –عليه السلام- في الشطر الثاني من هذا الدعاء المبارك: "اللهم نشرت عهدك وكتابك، اللهم فاجعل نظري فيه عبادة، وقراءتي فيه تفكراً وفكري فيه اعتباراً، واجعلني ممن اتعظ ببيان مواعظك فيه، واجتنب معاصيك، ولا تطبع عند قرائتي كتابك على قلبي ولا على سمعي ولا تجعل على بصري غشاوة، ولا تجعل قراءتي قراءةً لا تدبر فيها، بل اجعلني اتدبر آياته واحكامه آخذاً بشرايع دينك، ولا تجعل نظري فيه غفلة ولا قراءتي هذراً، انك أنت الرؤوف الرحيم". ايها الاخوة والاخوات، في الفقرة الاخيرة من دعاء تلاوة القرآن الكريم يعلمنا مولانا الامام الصادق –عليه السلام- ان نطلب من الله عزوجل ان لا يجعل قراءتنا لكتابه العزيز "هذراً"، فما هو الادب الشرعي المستفاد من ذلك؟ في البداية نشير الى أن هذا الطلب يمثل في الواقع استعاذة بالله عزوجل من أن نقرأ القرآن الكريم على طريقة الهذر، ومعنى الهذر كما نص على ذلك العلامة الخليل الفراهيدي –رضوان الله عليه- في كتاب العين هو الكلام الذي لا يعبأ به، وأهذر الرجل في كلامه اي اكثر، فيما اعتبر بعض علماء اللغة "الهذر" مرادفاً للهذيان والخطل في القول؛ وصرح اخرون بان "الهذر" يعني النطق بكلام لا يعبا به. وقال العلامة الطريحي في كتاب (مجمع البحرين): "الهذرمة السرعة في القراءة وجاء في الحديث: لا تقرأ القرآن هذرمة ليس فيه ترتيل". ومما لاشك فيه –مستمعينا الافاضل- ان القرآن العزيز منزه عن ان يكون من نوع الكلام الذي لا يعبا به او الكلام الزائد أو الهذيان والخطل في القول، من هنا يكون معنى عبارة "قراءته هذراً" هو: قراءته بطريقة من يقرأ كلاماً غير مهم لا يعبأ به. من هنا نفهم أن من آداب تلاوة القرآن الكريم هو الشعور بقدسيته وإجتناب تلاوته بطريقة قراءة الكلام غير المهم والذي لا يعبأ به، بل واجتناب النطق به بما يشبه كلام الذي يهذي أعاذنا الله واياكم من ذلك. مستمعينا الاحبة، ومن ابرز مصاديق قراءة القرآن هذرا قراءته هذرمة اي بسرعة واستعجال يفوت على القارئ التفاعل العقلي والقلبي مع مضامينه السامية، وقد وردت في نص دعاء الإمام الصادق –عليه السلام- قبل التلاوة في بعض الروايات كما في رواية السيد ابن طاووس في الاقبال بتعبير "ولا تجعل... قراءتي هذرمة" بدل "قراءتي هذرا" وقد صرحت عدة من أحاديث أهل البيت –عليهم السلام- بأن قراءة القرآن هذرمة تقابل ترتيله، فمثلاً روي في كتاب الكافي ان ابا بصير –رضي الله عنه- قال للامام الصادق: جعلت فداك اقرأ القرآن في شهر رمضان في ليلة؟ اجاب –عليه السلام-: لا، فقال ابوبصير: ففي ليلتين؟ قال: لا، قال: ففي ثلاث؟ قال –عليه السلام-: ها –وأشار بيده- يعني: ليس فيه كثير بأس في شهر رمضان بالخصوص، ثم قال –عليه السلام- لابي بصير: "يا أبا محمد، ان لرمضان حقاً وحرمة لا يشبهه شيء من الشهور، وكان أصحاب محمد –صلى الله عليه وآله- يقرأ أحدهم القرآن في شهر أو أقل، ان القرآن لا يقرأ هذرمة ولكن يرتل ترتيلا، فإذا مررت بآية، فيها ذكر الجنة فقف عندها وسل الله عزوجل الجنة، واذا مررت بآية فيها ذكر النار فقف عندها وتعوذ بالله من النار" مستمعينا الافاضل، ويختم الامام الصادق –عليه السلام- دعاءه قبل تلاوة القرآن بمخاطبة ربنا الكريم بأسمي (الرؤوف الرحيم)، وفي ذلك استمطار لبركات رحمته ورأفته في اعانة قارئ القرآن على تلاوته بالصورة المطلوبة، هذا من جهة ومن جهة ثانية فان هذا الختام يتضمن اشارة بليغة الى ان التزام قارئ القرآن بآداب التلاوة المستفادة من هذا الدعاء الشريف وسيلة للفوز بالرحمات الالهية الخاصة والبركات الكامنة في تلاوة الذكر الحكيم بالصورة التي يرتضيها الله عزوجل لعباده الصالحين، وفقنا الله واياكم لذلك ببركة الاخذ بوصايا المبعوث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين. اللهم أمين، وبهذا نصل ايها الاحبة الى ختام حلقة أخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمة) شاكرين لكم طيب المتابعة، لكم دوماً من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران اصدق الدعوات ودمتم بكل خير ورحمة في امان الله. شرح فقرة "ولا تجعل نظري فيه غفلة" - 136 2014-07-07 10:02:18 2014-07-07 10:02:18 http://arabic.irib.ir/programs/item/11482 http://arabic.irib.ir/programs/item/11482 بسم الله والحمدلله أرحم الراحمين الذي هدانا برحمته الى التمسك بعروته الوثقى وحبله المتين، كتابه القرآن المبين وأهل بيت حبيبه المبعوث رحمة للعالمين سيدنا المصطفى الامين صلى الله عليه وآله الطيبين. السلام عليكم ايها الاخوة والاخوات ورحمة الله وبركاته، اطيب التحيات نهديها لكم في مطلع لقاء اليوم من هذا البرنامج ونحن نتابع معاً استلهام آداب تلاوة القرآن الكريم من الدعاء الشريف المندوب للتوجه به الى الله جل جلاله قبل البدء بتلاوة ما تيسر من آيات ذكره الحكيم. جاء في الشطر الثاني من هذا الدعاء المبارك قول مولانا الامام جعفر الصادق –عليه السلام-: "اللهم نشرت عهدك وكتابك، اللهم فاجعل نظري فيه عبادة، وقراءتي فيه تفكراً وفكري فيه اعتباراً، واجعلني ممن اتعظ ببيان مواعظك فيه، واجتنب معاصيك، ولا تطبع عند قرائتي كتابك على قلبي ولا على سمعي ولا تجعل على بصري غشاوة، ولا تجعل قراءتي قراءةً لا تدبر فيها، بل اجعلني اتدبر آياته واحكامه آخذاً بشرايع دينك، ولا تجعل نظري فيه غفلة ولا قراءتي هذراً، انك أنت الرؤوف الرحيم". ايها الاحبة، انتهى بنا الحديث الى استلهام الادب الشرعي لتلاوة القرآن الكريم الذي تتضمنه فقرة "ولا تجعل نظري فيه غفلة". وهذه العبارة هي في الواقع استعاذة بالله المجير عزوجل من أن تصيب الغفلة قارئ القرآن وهو يتلو آياته، وعليه فالأدب الذي تهدينا اليه يقابل الأدب الذي تتضمنه الفقرة الثانية من المقطع المتقدم من الدعاء اي قول الداعي "اللهم فأجعل نظري فيه عبادة". ومن هذه المقابلة نفهم ان علينا ان نستعيذ بالله عزوجل عند تلاوة كتابه من أن يكون نظرنا فيه غفلة، فما معنى ذلك؟ جاء في كتب اللغة والتفسير مثل مفردات اللغة والفروق اللغوية وغيرهما ان الغفلة هي سهو يعتري الانسان من قلة التحفظ والتيقظ، وهذه الحالة تؤدي الى عدم رؤية العلامات والآيات وعدم التفطن له، الامر الذي يؤدي الى نسيان مامرّ عليه؛ وبالنسبة للقرآن الكريم تؤدي الغفلة عند التلاوة الى نسيان القارئ مضامين ما يتلوه من الآيات الكريمة. وعلى ضوء هذا التعريف نتبين معنى النظر في القرآن بغفلة وسبب وقوع الانسان فيها وسبيل معالجتها وهذا ما يأتيكم تفصيله احباءنا بعد قليل فأبقوا معنا مشكورين. ايها الافاضل، عندما نتأمل في كون الغفلة هي حالة من السهو تنتج من قلة التحفظ والتيقظ كما تقدم نفهم أن قلة التحفظ والتيقظ هي سبب الغفلة، والتحفظ تجاه القرآن الكريم، بما يعنيه من توقيره واحترامه ينتج من الشعور بأهميته وكونه كلام الله تبارك وتعالى، لذلك فان ترسيخ القارئ لقدسية الكلام الذي يتلوه في قلبه يعالج الغفلة ويطردها عنه، كذلك الحال بالنسبة للتيقظ، فالتيقظ يعني التوجه العقلي والقلبي لما يتلوه القارئ من آيات الذكر الحكيم، وهذا التوجه هو ثمرة الشعور بأهمية الكلام الالهي وهدايته النقية الى ما فيه خير الانسان وصلاحه وابعاد جميع أشكال الشر والاذى عنه. كما أنّ من الامور التي تعين قارئ القرآن على اجتناب الغفلة عند تلاوة القرآن الكريم استذكار كون النظر في كتاب الله عبادة مقدسة يرتبط قبولها بالتوجه القلبي الى ما يتلوه، وهذا التوجه القلبي لا يتحقق مع غفلة القارئ عما يتلوه من الآيات الكريمة، ولذلك يندفع الى اجتنابها والسعي لان يكون نظره في الآيات الكريمة مقروناً بالتوجه القلبي والتأثر بما يتلوه؛ وهذه الحقيقة تقودنا الى معرفة مرتبة اخرى من الغفلة ينبغي لقارئ القرآن اجتنابها وهي الغفلة القلبية. فقارئ القرآن ينجو من الغفلة العقلية بالتوجه العقلي لمضامين الآيات الكريمة التي يتلوها، فيفهم ما يقرأ، لكنه قد يصاب بالغفلة القلبية اذا لم يتأثر عاطفياً وقلبياً بالمضامين والحقائق التي يفهمها من الذكر الحكيم. أيها الاخوة والاخوات، والنتيجة التي نصل اليها مما تقدم هي: ان من آداب تلاوة القرآن الكريم الاستعاذة قبلها بالله عزوجل من أن يغفل الانسان عما يتلوه بلسانه من الآيات الكريمة، ويستعين بالله جل جلاله للتوجه العقلي الى الآيات الكريمة وفهم مضامينها اولاً وثانياً ان يتأثر بها قلبياً أيضاً من خلال تطبيق المضامين القرآنية على نفسه وكأنه هو المخاطب بالكلام الالهي الذي يتلوه. ومما لا شك فيه أن اجتناب الغفلة في كلاهاتين المرتبتين من العوامل المهمة في اعانة قارئ القرآن على حفظ الآيات الكريمة بالفاظها ومضامينها النورانية وفقنا الله واياكم لذلك ببركة العمل بوصايا عدل القرآن الكريم محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. نشكركم مستمعينا الاطائب على طيب المتابعة لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم لها من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، تقبل الله اعمالك ودمتم سالمين. شرح فقرة "آخذاً بشرايع دينك" - 135 2014-07-06 09:39:38 2014-07-06 09:39:38 http://arabic.irib.ir/programs/item/11479 http://arabic.irib.ir/programs/item/11479 بسم الله وله الحمد خالصاً اذ من علينا متفضلاً بنبعي فيضه وهداه ورحمته للعالمين كتابه القرآن المبين وأهل بيت حبيبه سيد الخلائق اجمعين محمد –صلى الله عليه وآله الأكرمين-. السلام عليكم مستمعينا الاطائب، طابت اوقاتكم بكل خير ورحمة وانتم تتابعون حلقة جديدة من هذا البرنامج نتابع فيها الاستهداء بالدعاء المتسحب قراءته قبل تلاوة القرآن الكريم، سعياً لمعرفة آداب هذه التلاوة المباركة. نتبرك أولاً احباءنا بالنصف الثاني من هذا الدعاء المبارك المروي عن مولانا الامام الصادق في كتاب الاختصاص وغيره حيث يقول فيه –عليه السلام-: "اللهم نشرت عهدك وكتابك، اللهم فاجعل نظري فيه عبادة، وقراءتي فيه تفكراً وفكري فيه اعتباراً، واجعلني ممن اتعظ ببيان مواعظك فيه، واجتنب معاصيك، ولا تطبع عند قرائتي كتابك على قلبي ولا على سمعي ولا تجعل على بصري غشاوة، ولا تجعل قراءتي قراءةً لا تدبر فيها، بل اجعلني اتدبر آياته واحكامه آخذاً بشرايع دينك، ولا تجعل نظري فيه غفلة ولا قراءتي هذراً، انك أنت الرؤوف الرحيم". اعزاءنا، انتهى بنا الحديث الى فقرة "آخذاً بشرايع دينك"، فما هو الادب الذي تهدينا اليه من آداب تلاوة القرآن المجيد؟ في الإجابة عن هذا السؤال نعود اولاً الى الفقرة السابقة لهذه الفقرة وفيها يطلب من يعزم على تلاوة القرآن من ربه الكريم ان يعينه على التدبر في آيات كتابه عزوجل واحكامه قائلاً (بل اجعلني اتدبر آياته واحكامه". فمن هذه الفقرة نفهم ان الاخذ بشرايع الدين الالهي هي الثمرة التي ينبغي ان يبتغيها قارئ القرآن الكريم من التدبر في آيات القرآن واحكامه. ومعرفة هذه الحقيقة تهدينا أولاً الى الأدب التالي من آداب تلاوة الذكر الحكيم وهو: ان يستذكر قارئ القرآن قبل تلاوة ان عليه ان يتلوه بنية معرفة واستذكار شرائع الدين الالهي للأخذ والتمسك بها. وهذا يعني ان يكون هدفه من التدبر في آيات القرآن واحكامه هو التوسل بها ليس للحصول على العلم القرآني فقط، بل العمل به وهو الثمرة الطيبة التي تتجلى فيها قيمة العلوم القرآنية. مستمعينا الافاضل وثمة آدب ثان من آداب تلاوة القرآن الكريم نستفيده من فقرة "آخذاً بشرايع دينك"، وهو الذي يشتمل عليه استخدام تعبير (الأخذ) وليس مجرد العمل بالشرائع، اذ أن مفهوم تعبير العمل يتحقق بالعمل ولو لمرة واحدة، في حين ان الأخذ يعني (حوز الشيء وتحصيله) كا ورد كتاب مفردات الفاظ القرآن، فهو اذن يفيد معنى الثبات والاستمرار في العمل بشرائع الدين الالهي ولذلك قرن القرآن الكريم نفسه اخذ الكتاب الالهي بالقوة اللازمة للاستمرار والاستقامة في العمل به، فقال عزوجل مثلاً في الآية 12 من سورة مريم: "يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً" وقال عزوجل في الآية الثالثة والستين من سورة البقرة: "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" إذن، فالأدب الثاني الذي نستلهمه من هذه الفقرة هو أن يستعين قارئ القرآن قبل البدء بالتلاوة بالله عزوجل لكي يجعل نيته خالصة في ان يكون هدفه من التلاوة والتدبر فيما يتلوه هو الأخذ بشرائع الدين الالهي بقوة والعمل بها باستمرار وثبات واستقامة. ايها الاخوة والاخوات، لقد عرفنا في الحلقة السابقة ان المقصود من آيات كتاب الله في تعبير الدعاء "اجعلني اتدبر آياته وأحكامه"، ليس معنى الآية المصطلح عليه كجزء من السورة، بل المراد هو العلامات التي يتضمنها القرآن الكريم والدالة على معرفة الله الصحيحة النقية من جميع أشكال الشرك، أما معنى (أحكامه) فهو ما يحكم به القرآن الكريم في مختلف شؤون حياة الانسان. وعلى ضوء هذه الملاحظة نستفيد أدباً ثالثاً من آداب تلاوة الكتاب الالهي العزيز من فقرة "آخذاً بجميع شرايع دينك"، وهو أن تكون نية قارئ القرآن من التلاوة توحيدية خالصة يسعى فيها الى الحصول وأخذ معرفة أكمل بالله عزوجل وصفاته العليا من كل ما يقرأه ويلتزم بمقتضيات هذه المعرفة مثلما يلتزم بما يحكم به الله عزوجل في أي شأن من الشؤون التي تتناولها الآيات التي يتلوها القارئ. وبهذا نصل مستمعينا الاكارم الى ختام حلقة اخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمة) شاكرين لكم كرم المتابعة ولكم دوماً من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران اطيب الدعوات، دمتم بكل خير وفي امان الله. شرح فقرة "بل اجعلني أتدبر آياته واحكامه" 2 - 134 2014-07-05 10:21:50 2014-07-05 10:21:50 http://arabic.irib.ir/programs/item/11478 http://arabic.irib.ir/programs/item/11478 بسم الله والحمدلله الذي حبب لنا التقرب اليه بعروته الوثقى وحبله المتين قرآنه المبين وعترة نبيه المبعوث رحمة للعالمين حبيبنا المصطفى -صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم اعزاءنا المستمعين واهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج نتعرف فيه الى أدب أخر من آداب تلاوة القرآن الكريم من خلال التأمل في فقرة اخرى من فقرات دعاء التلاوة المروي عن مولانا الامام جعفر الصادق –عليه السلام- نتبرك معاً بقراءة الشطر الثاني من هذا الدعاء المبارك حيث جاء فيه: اللهم نشرت عهدك وكتابك، اللهم فاجعل نظري فيه عبادة، وقراءتي فيه تفكراً وفكري فيه اعتباراً، واجعلني ممن اتعظ ببيان مواعظك فيه، واجتنب معاصيك، ولا تطبع عند قرائتي كتابك على قلبي ولا على سمعي ولا تجعل على بصري غشاوة، ولا تجعل قراءتي قراءةً لا تدبر فيها، بل اجعلني اتدبر آياته واحكامه آخذاً بشرايع دينك، ولا تجعل نظري فيه غفلة ولا قراءتي هذراً، انك أنت الرؤوف الرحيم. مستمعينا الافاضل، في الحلقة السابقة عرفنا ان من أهم آداب تلاوة القرآن ادب التدبر في آياته، وعرفنا ان معنى التدبر هو التفكر العقلي ممزوجاً بالتوجه والتأثر القلبي بالنتائج المستفادة من الآيات الكريمة والتي ينبغي لقارئ القرآن أن يطبقها على نفسه لكي يتخذ المواقف المناسبة لها. وقد هدتنا كثيرٌ من أحاديث اهل بيت الرحمة المحمدية –عليهم السلام- الى التأني في التلاوة كمقدمة تعين القارئ على التدبر؛ فمثلاً روي في تفسير مجمع البيان عن مولاتنا ام سلمة أم المؤمنين –سلام الله عليها- أنها قالت: "كان النبي –صلى الله عليه وآله- يقطع قراءته آية آيه". وروي في الكتاب نفسه عن امامنا جعفر الصادق –عليه السلام- في قوله تعالى "وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً"، قال: "هو أن تتمكث فيه وتحسن به صوتك" وروي في كتاب الكافي عنه –عليه السلام- قال: "يكره ان يقرأ "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" في نفس واحد". اي انه ينبغي لتالي القرآن ان يقطع هذه السورة لكي يتمكن من التدبر فيها. ايها الاخوة والاخوات، كما أن مما يعين على العمل بأدب التدبر من آداب تلاوة القرآن الكريم هو تحسين التلفظ بالفاظه وتبينها كمقدمة للتدبر العقلي ثم القلبي بها، والى هذا المعنى يهدينا مولى الموحدين الوصي المرتضى –عليه السلام-، فقد روي في كتاب الكافي عن عبدالله بن سليمان قال: "سألت أبا عبدالله الصادق –عليه السلام- عن قوله الله عزوجل "وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً"، فقال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: [يعني] بينه تبياناً ولا تهذه هذ الشعر ولا تنثره نثر الرمل، ولكن اقرعوا به قلوبكم القاسية ولا يكن هم أحدكم آخر السورة". كما أن مما يعين على التدبر في القرآن الكريم اعرابه، اي قراءته بالصورة الصحيحة كمقدمة لفهم معانيه. قال امامنا الصادق –عليه السلام- كما في كتاب الكافي: "اعرب القرآن فانه عربي". أيها الأحبة، نعود مرة اخرى الى فقرة بل اجعلني أتدبر آياته وأحكامه"، فنتساءل عن الفرق بين الآيات والأحكام هنا؟ اذ أن الواضح من الفقرة انها تدعونا الى التدبر في آيات القرآن وفي أحكامه فما هو الفرق بينهما؟ في الاجابة عن هذا السؤال نقول ان المستفاد من كتب اللغة كما في كتاب (العين) للخليل الفراهيدي –رضوان الله عليه- والاستخدام القرآني والحديثي ان (الآية) هي العلامة الظاهرة الواضحة التي تدل على حقائق باطنة وخفية. والآيات التي يذكرها القرآن الكريم وينبه لها الناس هي العلامات الظاهرة في الآفاق والانفس اي في ذات الانسان وفي ما حوله لكي يتوصل من خلالها الى معرفة حقيقة محورية هي معرفة الله عزوجل هو الحق المبين الذي يجب التسليم لامره وهذا من مصاديق قوله تبارك وتعالى في الآية الثالثة والخمسين من سورة فصلت: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد"(سورة فصلت 53). اذن -مستمعينا الافاضل- يتضح ان من اهم آداب تلاوة القرآن الكريم هو التدبر فيما يشتمل عليه كل نص من نصوصه من الآيات والعلامات التي تهدينا الى معرفة صفات الله العليا وأسمائه الحسنى لكي تترسخ في قلوبنا معرفه انه تبارك وتعالى هو الحق المبين فنسلم امورنا اليه ونلتزم بما يحكم به جل جلاله في كل شأن من شؤوننا، أي نأخذ بشرايع دينه الحق المبين أصوله في القرآن الكريم؛ لنفوز بذلك برحماته الخاصة عزوجل. والى هنا نصل مستمعينا الاطائب الى ختام حلقة اخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم لها من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، شكراً لكم على طيب المتابعة ودمتم بكل خير وبركة ورحمة، في امان الله. شرح فقرة "بل اجعلني أتدبر آياته واحكامه" - 133 2014-07-01 10:54:54 2014-07-01 10:54:54 http://arabic.irib.ir/programs/item/11473 http://arabic.irib.ir/programs/item/11473 بسم الله والحمدلله الذي أنار قلوبنا بمناري هداه ورحمته للعالمين، كتابه القرآن المبين وأهل بيت حبيبه وحبيبنا سيد المرسلين -صلى الله عليه وآله الطاهرين. سلامٌ من الله عليكم أيها الاخوة والاخوات ورحمة منه وبركات، مع تقديم اطيب التحيات ندعوكم –أحباءنا- الى مرافقتنا في حلقة اليوم من هذا البرنامج لكي نتأمل معاً في فقرة اخرى من فقرات دعاء تلاوة القرآن الكريم المروي عن مولانا ناشر السنة المحمدية النقية الامام جعفر الصادق –عليه السلام-، جاء في الشطر الثاني من هذا الدعاء المبارك: "اللهم نشرت عهدك وكتابك، اللهم فاجعل نظري فيه عبادة، وقراءتي فيه تفكراً وفكري فيه اعتباراً، واجعلني ممن اتعظ ببيان مواعظك فيه، واجتنب معاصيك، ولا تطبع عند قرائتي كتابك على قلبي ولا على سمعي ولا تجعل على بصري غشاوة، ولا تجعل قراءتي قراءةً لا تدبر فيها، بل اجعلني اتدبر آياته واحكامه آخذاً بشرايع دينك، ولا تجعل نظري فيه غفلة ولا قراءتي هذراً، انك أنت الرؤوف الرحيم". انتهى بنا الحديث ايها الاطائب الى فقرة "بل اجعلني أتدبر آياته واحكامه" فما هو الادب الذي نستفيده منها من آداب تلاوة القرآن المجيد؟ في الأجابة عن هذا السؤال نقول: واضحٌ أن هذه الفقرة تعلمنا ان نطلب من الله عزوجل قبل تلاوة ما تيسر من كتابه او يوفقنا للتدبر فيما نتلوه؛ وهنا ينثار السؤال الثاني وهو: ما معنى التدبر في القرآن الكريم؟ نرجع الى كتب اللغة والتفسير فنجدها تذكر في معنى التدبر كما في تفسير التبيان ومجمع البيان وغيرهما- ان التدبر مأخوذ في الاصل من النظر في عواقب الامور والنظر في موجبات- اي علل كل أمر- وعواقبه، أي تبعاته وما ينتج عنه، وميز علماء اللغة والتفسير بين التدبر والتفكر، بأن التدبر يعني تصريف القلب بالنظر في عواقب الامر ونتائجه، أما التفكر فهو يعني تصريف القلب بالنظر في الدلائل المستفادة من الأمر. وللعلامة الفقيه والأديب السيد الشريف الرضي –رضوان الله عليه- كلمة قيمة في هذا المجال اوردها في كتابه (المجازات النبوية) ضمن شرحه لأحد أحاديث النبي الاكرم –صلى الله عليه وآله- والواردة في ذم قراء القرآن الذين لا يتدبرون فيه، قال الشريف رحمه الله "والمراد أنهم يعنون بأصلاح الفاظ القرآن ... ولا يتدبرون ماوراء تلك الالفاظ من حكم واجب وأمر لازم وفرض متعين". مستمعينا الافاضل، من التأمل في التعريفات المتقدمة وملاحظة النصوص الشريفة الواردة بشأن التدبر في كتاب الله العزيز، يمكننا ان نتوصل الى النتيجة التالية وهي: ان التدبر في الآيات الكريمة يعني مفهوماً اوسع من التفكر فيها، فهو يشمل اولاً القلب والعقل معاً، بمعنى ان التدبر هو تفكرٌ ممزوج بالتفاعل القلبي المشاعري مع نتاج النظر العقلي. وثانياً فان التدبر يتوجه بالدرجة الاولى صوب الحصول على المواقف العملية التي ينبغي لقارئ القرآن ان يتخذها على ضوء على الدلائل التي يوصله اليها تفكره العقلي في الدلائل المستفادة من منطوق الآيات الكريمة التي عليها. والى هذا المعنى تشير عدة من الاحاديث الشريفة، منها ما روي عن رسول الله –صلى الله عليه وآله- أنه وضمن وصيته لابن مسعود المروية في كتاب مكارم الاخلاق، وصف الذين لا يتدبرون القرآن بانهم "كلامهم الحكمة واعمالهم داء لا تقبل الدواء" وروي في تفسير مجمع البيان عن الامامين الصادق والكاظم –عليهما السلام- في معنى قوله عزوجل " أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا" (سورة محمد24 )، قالا (يعني: "أفلا يتدبرون القرآن فيقضوا ما عليهم من الحق". ايها الاخوة والاخوات، وعلى ضوء ما تقدم يتضح ان التدبر في القرآن الكريم وسيلة من وسائل الالتزام بالدين الالهي الحق والنجاة من الضلالة، لنلاحظ معاً هذا المعنى في المقطع التالي من زيارة يوم الغدير المروية في كتاب المزار للعلامة محمد بن المشهدي –رضوان الله عليه-، فقد جاء في مقطع منها قول مولانا الامام علي الهادي –عليه السلام- وهو يخاطب جده امير المؤمنين –عليه السلام-، فضمن ذكره للناكثين والقاسطين قال: "ثم تلاهما اهل الشام فسرت اليهم بعد الإعذار وهم لا يدينون دين الحق ولا يتدبرون القرآن، همج رعاعٌ وبالذي انزل على محمد –صلى الله عليه وآله- فيك كافرون ولأهل الخلاف عليك ناصرون". من هنا –مستمعينا الاطائب- يتضح ان من آداب تلاوة القرآن الكريم اجتهاد القارئ في تطبيق ما يتعلمه من الآيات الكريمة على نفسه لكي يعرف في الواقع ما ينبغي له أن يعمله وما ينبغي له اجتنابه. وبهذا ينتهي ايها الاكارم لقاء اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم له مشكورين من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران تقبل الله اعمالكم ودمتم بخير و بركة، في امان الله. شرح فقرة "ولا تجعل قراءتي قراءة لا تدبر فيها" - 132 2014-06-30 11:57:50 2014-06-30 11:57:50 http://arabic.irib.ir/programs/item/11467 http://arabic.irib.ir/programs/item/11467 بسم الله وله الحمدلله خالصاً اذ هدانا للتمسك بعروته الوثقى وركني صراطه المستقيم قرآنه الذكر الحكيم وأهل بيت حبيبه المبعوث رحمة للعالمين أبي القاسم محمد صلوات الله عليه وآله الطاهرين. السلام عليكم ايها الاطائب ورحمة الله، طابت أوقاتكم بكل خير واهلاً بكم في حلقة جديدة من هذا البرنامج نسعى فيها معاً للتعرف الى أدب آخر من آداب الطريقة الفضلى للتعبدلله بتلاوة قرآنه الكريم وذلك من خلال التأمل في فقرة أخرى من فقرات الدعاء المستحب التوجه به الى الله جل جلاله قبل البدء بالتلاوة، وهو الدعاء المحمدي المروي عن امامنا جعفر الصادق –عليه السلام- نتبرك أولاً بنقل الشطر الثاني منه حيث يعلمنا –صلوات الله عليه- أن ندعو الله قائلين: "اللهم نشرت عهدك وكتابك، اللهم فاجعل نظري فيه عبادة، وقراءتي فيه تفكراً وفكري فيه اعتباراً، واجعلني ممن اتعظ ببيان مواعظك فيه، واجتنب معاصيك، ولا تطبع عند قرائتي كتابك على قلبي ولا على سمعي ولا تجعل على بصري غشاوة، ولا تجعل قراءتي قراءةً لا تدبر فيها، بل اجعلني اتدبر آياته واحكامه آخذاً بشرايع دينك، ولا تجعل نظري فيه غفلة ولا قراءتي هذراً، انك أنت الرؤوف الرحيم". ايها الأحبة، بلغ بنا التأمل في هذا الدعاء الشريف الى فقرة "ولا تجعل قراءتي قراءة لا تدبر فيها"؛ فما هو الأدب الذي نتعلمه منها من آداب تلاوة الذكر الحكيم؟ في الاجابة عن هذا السؤال نقول: ان الادب المشار اليه مقتبس من القرآن الكريم نفسه وهو يعني اجتناب تالي القرآن ان تكون تلاوته للكتاب العزيز بقلب ساه عما يتلوه وعقل معرض عن التفكر في الآيات التي يقرأها. قال الله تبارك وتعالى في الآية الكريمة 82 من سورة البقرة: "أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيرا". وقال عز من قائل في الآية الكريمة 24 من سورة محمد –صلى الله عليه وآله-: "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا". وكما تلاحظون مستمعينا الافاضل، فقد وردت في هاتين الآيتين الكريمتين الاشارة الى التدبر العقلي والتدبر القلبي، وبذلك نعلم أن القرآن الكريم يأمرنا بأن ننزه تلاوتنا له عن كلا هذين النوعين من التدبر، وهذا ما تدلنا عليه أيضاً الفقرات التالية من هذا الدعاء الشريف، فهي تشير الى التدبر العقلي في فقرة "بل اجعلني اتدبر آياته واحكامه آخذاً بشرايع دينك". كما تشير الى التدبر القلبي في فقرة "ولا تجعل نظري فيه غفلة"، أي لا تجعل تدبري العقلي غير نافع لي لا يزيل عني الغفلة عما تدعونني اليه مضامين الآيات الكريمة التي أتلوها من هذا الكتاب المجيد. ايها الاخوة والاخوات، ونتأمل مرة اخرى في قوله عزوجل في الآية الكريمة الرابعة والعشرين من سورة محمد –صلى الله عليه وآله- حيث يقول تبارك وتعالى: "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا" فمن قوله "أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا" نفهم أن العلة الاساس لعدم التدبر في القرآن الكريم تكمن في اغلاق القارئ قلبه عن التدبر وذلك بسبب الغفلة او المعاصي. وعليه يتضح أن السبيل العملي للأخذ بأدب اجتناب التلاوة بدون تدبر هو الاستغفار من الذنوب –بمختلف مراتبها- وكذلك الحال مع الفغلة، وبهذا الاستغفار ينفتح قلب قارئ القرآن على ما يتلوه من آيات الذكر الحكيم ويتحقق له التدبر القلبي. وبتحقق هذا التدبر القلبي تنفتح له مراتب أعلى من التدبر العقلي أيضاً، فيحصل بتأييد الله عزوجل على مستويات أعمق وأدق من فهم الآيات القرآنية الكريمة، وبالتالي يفوز بمرتبة أعلى من العمل بالقرآن الكريم والتمسك بولايته أعزاءنا المستمعين، والحقيقة المتقدمة يهدينا اليها حبيبنا وسيدنا خاتم النبيين –صلى الله عليه وآله- في عدة من أحاديثه الشريفة، منها ما روي في كتاب (مكارم الاخلاق) وذلك ضمن وصيته للصحابي عبدالله بن مسعود- رضوان الله عليه-، فقد ذم في احدى فقراتها الذين يقرأون القرآن دون تدبر ثم قال –صلى الله عليه وآله-: "مثلهم مثل الدفلي –وهو نوع من الورد- زهرتها حسنة وطعمها مرّ، كلامهم الحكمة وأعمالهم داء لا تقبل الدواء ثم تلا قوله تعالى "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا"". وواضحٌ مستمعينا الاكارم من هذا التشبيه النبوي البليغ ان التلاوة الخالية من التدبر تعني في الواقع عدم التأثر بالقرآن وعدم الاستنارة بنوره هذا أولاً وثانياً فان مثل هذه التلاوة مهما حسن شكلها تبقى مرة لا تنفع القارئ بشيء. شكراً لكم أيها الاطائب على طيب المتابعة لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم لها من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران تقبل الله اعمالكم ودمتم بالف خير. شرح فقرة "ولا تطبع عند قرائتي كتابك على قلبي ولا على سمعي ولا تجعل على بصري غشاوة" - 131 2014-06-29 09:03:56 2014-06-29 09:03:56 http://arabic.irib.ir/programs/item/11466 http://arabic.irib.ir/programs/item/11466 بسم الله وله الحمدلله خالصاً اذ انعم علينا تفضلاً بمعرفة واتباع ثقلي هدايته ونبعي رحمته قرآنه الكتاب المبين وأهل بيت مصطفاه سيد المرسلين صلوات الله عليه وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم ايها الاخوة والاخوات ورحمة من الله وبركات، اطيب التحيات نهديها لكم ونحن نلتقيكم في حلقة جديدة من هذا البرنامج نتابع فيها التعرف الى أمهات آداب تلاوة القرآن الكريم والتي جمعها لنا مولانا الامام جعفر الصادق –عليه السلام- في الدعاء الشريف قوله –صلوات الله عليه-: "اللهم نشرت عهدك وكتابك، اللهم فاجعل نظري فيه عبادة، وقراءتي فيه تفكراً وفكري فيه اعتباراً، واجعلني ممن اتعظ ببيان مواعظك فيه، واجتنب معاصيك، ولا تطبع عند قرائتي كتابك على قلبي ولا على سمعي ولا تجعل على بصري غشاوة، ولا تجعل قراءتي قراءةً لا تدبر فيها، بل اجعلني اتدبر آياته واحكامه آخذاً بشرايع دينك، ولا تجعل نظري فيه غفلة ولا قراءتي هذراً، انك أنت الرؤوف الرحيم". ايها الأحبة، انتهى بنا الحديث في الحلقة السابقة الى فقرة "ولا تطبع عند قرائتي كتابك على قلبي ولا على سمعي ولا تجعل على بصري غشاوة" لمعرفة الأدب الذي تهدينا اليه هذه الفقرة من الدعاء الشريف ينبغي ان نعرف أولاً معنى مفرداتها أي معنى الطبع على قلب الانسان وسمعه وجعل غشاوة على بصره. وواضحٌ ان هذه المفردات مقتبسة من القرآن الكريم نفسه، فقد صرحت عدة من الآيات الكريمة بأن الذين يكفرون بآيات الله ويعرضون عنها والذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة وكذلك الذين يعبدون أهواءهم ويتبعون الشهوات، هؤلاء يعاقبهم الله عزوجل بأن يطبع على قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم. نقرأ في الآيتين السادسة والسابعة من سورة البقرة قوله عزوجل: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ" ويقول تبارك وتعالى في الآية 155 من سورة النساء بعد ذكر انحرافات اليهود وكفرهم بآيات الله "وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً" ونقرأ في الآيتين 107و108 من سورة النحل قول الله اصدق القائلين: "ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ أُولَـئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ" وقال تبارك وتعالى في الآية 23 من سورة الجاثية: "أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ" ايها الاحبة التدبر في هذه الآيات الكريمة ونظائرها يبين لنا ان الكفر بآيات الله بأي مرتبة من مراتبه حتى مرتبة الغفلة المشار اليها في الآية المتقدمة من سورة النحل، يستتبع مرتبة تناسبها من الحرمان من الهداية الالهية وهذا هو معنى الطبع على القلوب والاسماع والابصار فقد جاء في كتاب (الصحاح): "الطبع الختم... ومنه طبع الله على قلبه اذا ختمه فلا يعي وعظاً ولا يوفق لخير ولا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً". وروي في كتاب عيون اخبار الرضا –عليه السلام- انه قال: (الختم هو الطبع على قلوب الكفار عقوبة على كفرهم)، وهذه عقوبة تكوينية ناتجة عن حقيقة الكفر واتباع الهوى فقد جاء في نهج البلاغة قول الامام علي أميرالمؤمنين –عليه السلام-: من عشق شيئاً أعشى بصره، وأمرض قلبه فهو ينظر بعين غير صحيحة، ويسمع بأذن غير سميعة، قد خرقت الشهوات عقله واماتت الدنيا قلبه وولهت عليها نفسه، فهو عبدلها ولمن في يده شيء منها... لا يزدجر من الله بزاجر ولا يتعظ منه بواعظ) مستمعينا الافاضل، وعلى ضوء التوضيحات المتقدمة نرجع الى فقرة لقاء اليوم من دعاء تلاوة القرآن، وهي قول الداعي "ولا تطبع عند قرائتي كتابك على قلبي ولا على سمعي ولا تجعل على بصري غشاوة" فمما تقدم يتضح ان الادب الذي نستلهمه منها فيما يرتبط بآداب تلاوة القرآن الكريم هو أن نتوجه الى الله عزوجل بالاستغفار القلبي من جميع مراتب الكفر والغفلة والذنوب والانشغال عن الآيات الالهية، لكي لا يطبع على قلوبنا ونحن نتلو كتابه فلا تتأثر بمواعظه ولا يجعل على أسماعنا وأبصارنا ما يشغلها عن التفكر والاعتبار بالآيات الكريمة التي نتلوها. وهذا يعني ان آداب تلاوة القرآن الكريم الاستعانة بالله عزوجل لإزالة جميع الموانع التي تصد القارئ عن التنور العقلي والتأثر القلبي بما يتلوه من آيات الذكر الحكيم والاستغفار والتطهر منها؛ لكي يتوجه بكل وجوده الى ما يتلوه من الذكر الحكيم ويتعظ بمواعظه بالصورة المطلوبة التي ترفع درجاته وتعظم أجره وتقربه من الله عزوجل. وبهذا نصل مستمعينا الاطائب الى ختام حلقة اخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم لها مشكورين من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، تقبل الله اعمالكم ودمتم في رعاية سالمين. شرح فقرة "واجتنب معاصيك" - 130 2014-06-28 09:12:20 2014-06-28 09:12:20 http://arabic.irib.ir/programs/item/11465 http://arabic.irib.ir/programs/item/11465 بسم الله وله الحمدلله والثناء اذ وفقنا للتعبد اليه بالتمسك بثقلي الهداية وكنزي الرحمة قرآنه الكتاب المبين وأهل بيت نبيه سيد الكائنات اجمعين صلواته وتحياته وبركاته عليه وآله الطاهرين. السلام عليكم احبتنا المستمعين ورحمة الله وبركاته، لكم منا اطيب تحية نهديها لكم في مطلع لقاء اليوم من هذا البرنامج، ننقل لكم فيه طائفة من الاحاديث الشريفة التي تعيننا على العمل بأحد أهم آداب تلاوة القرآن الكريم، وهو أدب (الاتعاظ بمواعظه البالغة)؛ ويهدينا الى أهمية هذا الادب الشريف مولانا الامام الصادق –عليه السلام- في الشطر الثاني من الدعاء المستحب التوجه به الى الله قبل تلاوة ما تيسر من ذكره الحكيم، حيث يقول –عليه السلام-: "اللهم نشرت عهدك وكتابك، اللهم فاجعل نظري فيه عبادة، وقراءتي فيه تفكراً وفكري فيه اعتباراً، واجعلني ممن اتعظ ببيان مواعظك فيه، واجتنب معاصيك، ولا تطبع عند قرائتي كتابك على قلبي ولا على سمعي ولا تجعل على بصري غشاوة، ولا تجعل قراءتي قراءةً لا تدبر فيها، بل اجعلني اتدبر آياته واحكامه آخذاً بشرايع دينك، ولا تجعل نظري فيه غفلة ولا قراءتي هذراً، انك أنت الرؤوف الرحيم". مستمعينا الاطائب، لنتأمل معاً أولاً في الرواية التالية التي رواها الشيخ الصدوق رضوان الله عليه في كتابي ثواب الاعمال والامالي بسنده عن الامام جعفر الصادق –عليه السلام- قال: "ان رسول الله –صلى الله عليه وآله- أتى شباباً من الانصار، فقال: ان اريد ان اقرأ عليكم –يعني من القرآن- فمن بكى فله الجنة. قال الصادق –عليه السلام-: فقرأ –صلى الله عليه وآله- آخر سورة الزمر [من قوله سبحانه] "وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً" الى آخر السورة، فبكى القوم جميعاً الا شاباً فقال: يا رسول الله، قد تباكيت فما قطرت عيني، قال –صلى الله عليه وآله-: اني معيد عليكم فمن تباكى فله الجنة، قال الصادق –عليه السلام-: فاعاد –صلى الله عليه وآله- فبكى القوم وتباكى الفتى [وقطرت عينه] فدخلوا الجنة جميعاً". ايها الاخوات والأخوة، نستفيد من الرواية الشريفة المتقدمة ان من الوسائل التي تعين تالي القرآن الكريم على الاتعاظ بمواعظه هو السعي للتأثر القلبي بما يتلوه عبر التباكي مثلاً أو تلاوة الآيات بحزن، وقد استفاضت الوصايا النبوية القائلة بأن القرآن نزل بحزن فأقرأوه بحزن) وهكذا كانت سنة اهل البيت المحمدي –عليهم السلام- فمثلاً روي في سيرة الامام موسى الكاظم كما جاء في الجزء السادس من موسوعة وسائل الشيعة انه –عليه السلام-: "كان قراءته للقرآن حزناً، فاذا قرأ فكانه يخاطب انساناً". ومن هذا النص نستفيد ايها الاطائب وسيلة أخرى للتأثر بالمواعظ القرآنية وهي استشعار تالي الذكر الحكيم بأن الله عزوجل يخاطبه هو بالآيات الكريمة التي يتلوها، وواضحٌ ان هذا الاستشعار يجعل قارئ القرآن يفتح قلبه وعقله معاً لما يتلوه اجلالاً لله جل جلاله الذي يخاطبه بكلامه المجيد. أعزاءنا، ونلتقي في الأحاديث الشريفة بهداية الى وسيلة اخرى تعيننا على الاتعاظ بالمواعظ القرآنية عند التلاوة، هذه الوسيلة يبينها لنا مولانا الامام جعفر الصادق كما في كتاب (وسائل الشيعة) أنه قال: "ينبغي لمن قرأ القرآن اذا مر بآية من القرآن فيها مسألة او تخويف أن يسأل الله عند ذلك خير ما يرجو، ويسأله العافية من النار ومن العذاب". وروي عنه في تفسير مجمع البيان عليه السلام انه قال: "اذا مررت بآية، فيها ذكر الجنة، فأسأل الله الجنة واذا مررت بآية فيها ذكر النار فتعوذ بالله من النار". اذن فان مما يعيننا على الأخذ بأدب الاتعاظ بمواعظ الله عند تلاوة ما تيسر من آياته هو ان نتوجه اليه عزوجل بطلب التوفيق لما تدعونا اليه هذه الآيات الكريمة مما يقودنا الى الجنة، ونستعيذ به تبارك وتعالى مما تحذرنا منه مما يسوقنا الى النار اعاذنا الله واياكم منه، فهذا الطلب والدعاء بحد ذاته يعبر عن تأثر القارئ بما يتلوه من جهة ويرسخ من جهة ثانية تلكم المواعظ القرآنية في قلبه، وهذا ما تشير اليه الفقرة اللاحقة في الدعاء حيث تصف من اتعظ بالمواعظ القرآنية بأنه "واجتنب معاصيك". فاجتناب المعاصي هو أوضح مصاديق صدق الاتعاظ بمواعظ القرآن هو اجتناب المعاصي لأن المعاصي هي اخطر ما يؤدي الى سقوط الانسان فيما تحذره منه المواعظ الالهية وحرمانه بالتالي من الرحمة الالهية. والى هنا ننهي ايها الاكارم حلقة اخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم لها من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، شكراً لكم ودمتم في أمان الله. شرح فقرة "واجعلني ممن اتعظ ببيان مواعظك فيه" - 129 2014-06-26 08:26:14 2014-06-26 08:26:14 http://arabic.irib.ir/programs/item/11458 http://arabic.irib.ir/programs/item/11458 بسم الله والحمدلله خالصاً اذ هدانا للتقرب اليه بمناري هدايته ونبعي رحمته للعالمين قرآنه الكتاب المبين وأهل بيت حبيبه سيد المرسلين محمد الصادق الأمين صلوات الله وتحياته وبركاته عليه وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم ايها الاخوة والاخوات ورحمة من الله وبركات، معكم بفضل الله في حلقة جديدة من هذا البرنامج نسعى فيها معاً لاستلهام درس آخر من دروس الطريقة الشرعية المطلوبة لتلاوة القرآن الكريم... وذلك من خلال التأمل في فقرة اخرى من الدعاء المستحب التوجه به الى الله عزوجل قبل التلاوة، وقد جاء في شطره الثاني قول مولانا الامام جعفر الصادق –عليه السلام-: "اللهم نشرت عهدك وكتابك، اللهم فاجعل نظري فيه عبادة، وقراءتي فيه تفكراً وفكري فيه اعتباراً، واجعلني ممن اتعظ ببيان مواعظك فيه، واجتنب معاصيك، ولا تطبع عند قرائتي كتابك على قلبي ولا على سمعي ولا تجعل على بصري غشاوة، ولا تجعل قراءتي قراءةً لا تدبر فيها، بل اجعلني اتدبر آياته واحكامه آخذاً بشرايع دينك، ولا تجعل نظري فيه غفلة ولا قراءتي هذراً، انك أنت الرؤوف الرحيم". مستمعينا الاحبة، انتهى بنا الحديث الى فقرة "واجعلني ممن اتعظ ببيان مواعظك فيه" فما هو الدرس الذي نستفيده منها؟ في الاجابة عن هذا السؤال نقول: ان الدرس الاول الذي نستفيده هو ان نطلب من الله عزوجل قبل ان نتلو ما تيسر من كتابه العزيز ان يعيننا ويوفقنا للاتعاظ بالمواعظ التي تشتمل عليها الآيات التي نتلوها. ومعنى الاتعاظ هو قبول الموعظة اي الاستجابة لها، ومعنى الموعظة هو الكلام المذكر بالخير ونحوه والذي يصدر بصورة مؤثرة يرق لها القلب كما جاء في كتاب العين للعلامة الفراهيدي –رضوان الله عليه-، كما أن الموعظه تشمل النصح والتذكير بالعواقب كما جاء في كتاب مختار الصحاح؛ كما تصدق على التحذير من سوء العاقبة كما ورد في كتاب مجمع البحرين. ومما لا شك فيه ان الاتعاظ بالمواعظ الصادقة من أهم سبل النجاة، ولذلك قال رسول الله –صلى الله عليه وآله- "الموعظة كهف لمن وعى"؛ كما نقل العلامة الطريحي في كتاب مجمع البحرين. مستمعينا الافاضل، ولا يخفى عليكم أن المواعظ الالهية –بالمعنى المتقدم- هي أسمى واكمل وابلغ المواعظ، فهي صادرة من رب العالمين تبارك وتعالى وهو العالم المحيط بشؤون خلقه وبما يصلحهم وينفعهم وبما يضرهم، كما ان كلامه –عزوجل- هو أبلغ الكلام المؤثر في القلوب بل وان من أهم أهداف انزاله جل جلاله لقرآنه الكريم هو موعظة العباد، وهذا ما يصرح به مولانا الامام الرضا في المروي عنه في كتاب الكافي انه –عليه السلام- قال: "ان الله لما بعث موسى عليه السلام كان الغالب على أهل عصره السحر فأتاهم من عندالله بما لم يكن في وسعهم مثله وأثبت به الحجة عليهم، وان الله بعث عيسى –عليهم السلام- في وقت قد ظهرت فيه الزمانات واحتاج الناس الى الطب، فأتاهم من عندالله بما لم يكن عندهم مثله وبما أحيا لهم الموتى وأبرء الأكمه والأبرص بأذن الله وأثبت به الحجة عليهم. وان الله بعث محمد –صلى الله عليه وآله- في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام.. والشعر، فأتاهم من عندالله من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم واثبت به الحجة عليهم". اعزاءنا المستمعين، ان النص الرضوي المتقدم يهدينا الى أن المواعظ القرآنية هي من مصاديق اعجاز القرآن الكريم فلا يمكن ان تضاهيها مواعظ في تأثيرها وكمالها، ولذلك يشير اميرالمؤمنين في خطبة في فضائل القرآن كما في كتاب (أعلام الدين في صفات المؤمنين، حيث قال –عليه السلام-: "انتفعوا ببيان الله واتعظوا بمواعظ الله واقبلوا نصيحة الله، فان الله قد أعذر اليكم بالجليلة –أي من العظات- واتخذ عليكم الحجة، وبين لكم محابه من الأعمال- أي ما يحبها- ومكارهه منها، لتبتغوا هذه وتتجنبوا هذه". من هنا مستمعينا الافاضل كان الاتعاظ بالمواعظ الالهية أفضل سبل النجاة، شريطة أن يتفهم هذه المواعظ أولاً من خلال حسن التدبر بالمواعظ القرآنية، جاء في كتاب ميزان الحكمة عن مولانا الامام علي –عليه السلام- انه قال: "لقد سبق الى جنات عدن اقوام ما كانوا اكثر الناس لا صوماً ولا صلاة ولا حجاً ولا اعتماراً ولكنهم عقلوا عن الله مواعظه". اذن ايها الاحبة، نخلص مما تقدم الى ان الدرس الذي نستفيده من فقرة حلقة اليوم من دعاء تلاوة القرآن هو أن علينا ان نطلب من الله باخلاص ان يعيننا ويوفقنا للاتعاظ بمواعظه القرآنية اي التأثر القلبي بها والعمل بمقتضياتها، وهذا يستلزم ان نبحث فيما نتلوه من القرآن الكريم عن مواعظ الله هذا اولاً وثانياً ان نتفهمها اي ان نتعقل مضامينها ونعرف ما تحذر منه من مهاوي الشقاء وما ترغب فيه من سبل النجاة وفعل الخير. وقد هدتنا الاحاديث الشريفة الى وسائل ومصاديق الاتعاظ بالمواعظ القرآنية ننقل لكم بعض نماذجها بأذن الله في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) يأتيكم دوماً من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، شكراً لكم ودمتم في أمان الله. شرح فقرة "وفكري فيه اعتباراً" - 128 2014-06-22 08:30:30 2014-06-22 08:30:30 http://arabic.irib.ir/programs/item/11438 http://arabic.irib.ir/programs/item/11438 بسم الله وله اكمل الحمد والثناء اذ هدانا للتقرب اليه بعروته الوثقى وحبله المتين قرآنه الحكيم وأهل بيت نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وآله الطاهرين. السلام عليكم أعزاءنا المستمعين، أطيب تحية نحييكم بها ونحن نلتقيكم بتوفيق الله في حلقة جديدة من هذا البرنامج نتعرف فيها الى آداب أخرى من آداب الطريقة الفضلى للإنتفاع من مادبة القرآن الكريم عند تلاوته وذلك من خلال التامل في فقرة اخرى من فقرات الدعاء المستحب قراءته قبل التلاوة ... جاء في الشطر الثاني من هذا الدعاء الشريف المروي عن امامنا جعفر الصادق قوله عليه السلام: "اللهم نشرت عهدك وكتابك، اللهم فاجعل نظري فيه عبادة، وقراءتي فيه تفكراً وفكري فيه اعتباراً، واجعلني ممن اتعظ ببيان مواعظك فيه، واجتنب معاصيك، ولا تطبع عند قرائتي كتابك على قلبي ولا على سمعي ولا تجعل على بصري غشاوة، ولا تجعل قراءتي قراءةً لا تدبر فيها، بل اجعلني اتدبر آياته واحكامه آخذاً بشرايع دينك، ولا تجعل نظري فيه غفلة ولا قراءتي هذراً، انك أنت الرؤوف الرحيم". انتهى بنا الحديث –احباءنا- الى فقرة (وفكري فيه اعتباراً) وفيها نطلب من الله عزوجل ان يجعل فكرنا –اي تاملنا العقلي- فيما نتلوه من آيات كتابه الكريم اعتباراً، فما هو المراد من ذلك وكيف يتحقق عملياً لقارئ القرآن؟ للإجابة عن هذا السؤال ينبغي ان نعرف أولاً معنى (الاعتبار)، فهو يعني في اصل مادته اللغوية العبور من شيء الى آخر، وقد استخدم بمعنى الاستدلال بشيء على شيء آخر ولذلك جعلوه من مرادفات التدبر والنظر ووصفوه بانه حالة يتوصل بها المعتبر من معرفة ما يشاهده الى معرفة ما لا يشاهده: وقد دعانا الله عزوجل في قرآن الكريم وفي موارد عدة، وكرر في ذيل عدة من الآيات الكريمه وبعد شرح بعض الوقائع قوله تبارك وتعالى "إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ" كما في الآيتين 13 من سورة آل عمران والرابعة والاربعين من سورة النور، وقال في الآية (26) من سورة النازعات "إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى"، بل وامر بالاعتبار صراحة في الآية الثانية من سورة الحشر فقال بعد ذكر انكسار اليهود "فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ". والذي نستفيده –مستمعينا الافاضل- من هذه الخطابات القرآنية ان امرها بالاعتبار هو في الحقيقة دعوة لأن يستدل قارئ القرآن بما يقرأ من الآيات الكريمة على سبل النجاة مما تحذر منه هذه الآيات، بمعنى انه ينقل مضامينها من المصاديق التاريخية او العامة التي تذكرها فيتمثل حاله لو كان هو من صدق عليه تحذيراتها مثلاً، أو هو من فاز ببشاراتها وعندئذ تتولد فيه الرغبة القلبية لاجتناب مصير الخاسرين الذين تشير اليهم تلك الآيات الكريمة وتتحدث عنهم، وكذلك الرغبة القلبية بالاقتداء بالذين فازوا بالحياة الطيبة كما اخبر عن حالهم ربهم الكريم في كتابه الحكيم. وهذا المعنى تؤكده كثير من الاحاديث الشريفة المتحدثة عن الاعتبار والداعية لها، نختار بعض نصوصها مما ورد في الجزء الثالث من كتاب (ميزان الحكمة) فمنها قول رسول الله –صلى الله عليه وآله-: " اعتبروا فقد خلت المثلات فيمن كان قبلكم". ومنها قول أميرالمؤمنين الامام علي –عليه السلام-: " اتعظوا عباد الله بالعبر النوافع واعتبروا بالآي السواطع وازدجروا بالنذر البوالغ". وقوله –عليه السلام-: " الاعتبار منذ ناصحٌ من تفكر اعتبر... ومن اعتبر أبصر، والاعتبار يثمر العصمة". ومنها ايضاً قول مولانا رسول الله –صلى الله عليه وآله-: " المعتبر في الدنيا عيشه كعيش النائم يراها ولا يمسها، [والاعتبار] يزيل عن قلبه ونفسه باستقباحه معاملة المغرورين بها –أي بالدنيا- ما يورثه الحساب والعقاب". ايها الاكارم وعلى ضوء ما تقدم نفهم سر مجيء طلب ان يكون فكرنا في القرآن اعتباراً بعد طلب التفكر فيه كما ورد في الدعاء الصادقي، اذ ان الاعتبار هو ثمر التفكر السليم في مضامين الآيات الكريمة، قال أمير المؤمنين –عليه السلام- كما في كتاب غرر الحكم: "رحم الله عبداً تفكر فاعتبر، واعتبر فابصر ادبار ما قد ادبر وحضور ما قد حضر". من هنا يتضح أن التفكر المطلوب في الآيات الكريمة التي نتلوها هو أولاً الذي يتوجه باتجاه ما نحتاجه نحن من الذكر الحكيم في سيرنا على الصراط المستقيم كما عرفنا في الحلقة السابقة، وثانياً ان يكون تفكراً مقترنا بالاعتبار الذي يؤدي الى ثمرة العصمة كما تقدم في حديث الامام علي –عليه السلام- بمعنى ان يؤدي الى تقوية روح الورع فينا عما وقع فيه المغرورون بالدنيا والخاسرون، ومن جهة ثانية تقوية روح الاقتداء بالصالحين الذين فازوا بكرامة الدنيا والآخرة، ولا يخفى عليكم احباءنا ان محور الآيات القرآنية الكريمة هو بيان احوال هاتين الطائفتين اي الخاسرين اعاذنا الله واياكم من عواقبهم، والصالحين المفلحين جعلنا الله واياكم منهم ببركة الاعتبار بآيات ذكره الحكيم والتمسك بولاية نبيه الكريم وآله الطاهرين –صلوات الله عليهم أجمعين-. وبهذا نصل احباءنا الى ختام حلقة اخرى من برنامج (ينابيع الرحمة) استمعتم لها مشكورين من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، تقبل الله اعمالكم ودمتم في رعاية سالمين. شرح فقرة "وقراءتي فيه تفكراً" - 127 2014-06-21 09:14:41 2014-06-21 09:14:41 http://arabic.irib.ir/programs/item/11437 http://arabic.irib.ir/programs/item/11437 بسم الله والحمدلله الذي هدانا للتعبد اليه بالاعتصام بعروته الوثقى وحبله المتين، كتابه القرآن المبين وأهل بيته سيدنا الاعظم ابي القاسم محمد صلوات الله وتحياته وبركاته عليه وآله الطاهرين. السلام عليكم أعزاءنا المستمعين، على بركة الله نلتقيكم في حلقة أخرى من هذا البرنامج لكي نستلهم درساً اخر من دروس الطريقة الفضلى لتلاوة القرآن الكريم من الدعاء المستحب التوجه به الى الله قبل البدء بتلاوة كتابه العزيز. جاء في النصف الثاني من هذا الدعاء المبارك قول مولانا الامام جعفر الصادق –عليه السلام-: "اللهم نشرت عهدك وكتابك، اللهم فاجعل نظري فيه عبادة، وقراءتي فيه تفكراً وفكري فيه اعتباراً، واجعلني ممن اتعظ ببيان مواعظك فيه، واجتنب معاصيك، ولا تطبع عند قرائتي كتابك على قلبي ولا على سمعي ولا تجعل على بصري غشاوة، ولا تجعل قراءتي قراءةً لا تدبر فيها، بل اجعلني اتدبر آياته واحكامه آخذاً بشرايع دينك، ولا تجعل نظري فيه غفلة ولا قراءتي هذراً، انك أنت الرؤوف الرحيم". ايها الاطائب، انتهى بنا الحديث الى فقرة (وقراءتي فيه تفكراً)، وواضحٌ اننا فيها نطلب من الله عزوجل ان يجعل قراءتنا كتابه العزيز تفكراً، اي ان يكون ابرز ملامحها تفكرنا فيها نتلوه من الآيات الكريمة، فما معنى ذلك وكيف نحققه؟ للإجابة عن هذا السؤال ينبغي ان نعرف أولاً معنى (التفكر)، فالمستفاد من كتب اللغة انه يعني التأمل العقلي في الشيء مع الشعور بالحاجة للوصول معرفة غائبة من معلوم حاضر. وعلى ضوء هذا التعريف يتضح أن معنى جعل قراءة القرآن تفكراً هو أن يتوجه تالي القرآن بعقله الى ما يتلوه من الآيات القرآنية فيتأمل فيها بعقله لكي يحصل من المعلومات والحقائق التي تبينها على ما يحتاجه هو مما غاب عنه من علم يحتاجه في حياته الايمانية. وهذا المعنى للتفكر هو الذي تهدينا اليه الاحاديث الشريفة عندما تصف التفكر بأنه حياة قلب البصير، أي أن به يحيا قلب الانسان اي وجوده الحقيقي فيحيا الحياة الحقيقية، فمثلاً روي في كتاب الكافي مسنداً عن مولانا الامام جعفر الصادق –عليه السلام- انه قال: " ان هذا القرآن فيه منار الهدى ومصابيح الدجى، فليجل جال بصره ويفتح للضياء نظره، فان التفكر حياة قلب البصير كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور" اخوتنا الأعزاء، وعلى ضوء ما تقدم يتضح أن تفكر تالي القرآن فيما يتلوه من آياته يستلزم تفهمها والتفقه في معانيها لكي يصل ما يحتاجه من معلوماتها، والى هذا المعنى يهدينا مولانا اميرالمؤمنين الامام علي –عليه السلام- في المروي عنه في كتاب معاني الأخبار للشيخ الصدوق انه قال: " ألا اخبركم بالفقيه حقاً؟ [انه] من لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يؤمنهم من عذاب الله ولم يرخص في معاصي الله ولم يترك القرآن رغبة عنه الى غيره، ألا لاخير في علم ليس فيه تفهم الا لاخير في قراءة ليس فيها تدبر الا لاخير في عبادة ليس فيها تفقه". مستمعينا الافاضل، وهذا الفهم لمعنى التفكر مستنبط في الواقع من القرآن الكريم نفسه، فنلاحظ انه يصرح أن المعلومات البينة الواضحة من آياته وسيلة فهم المخاطب ما يحتاجه من حقائقه، لنلاحظ مثلاً قول الله تبارك وتعالى في الآية 219 وأول الآية 220 من سورة البقرة: "كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ" وقال تبارك وتعالى في الآية 176 من سورة الأعراف بعد الاشارة الى قصة الى عاقبة بلعم بن باعوراء الذي آتاه الله الآيات فإنحرف عنها "ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" وقال اصدق القائلين في الآية 24 من سورة يونس "كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون" ونلاحظ أيضاً قوله عزوجل في الآية 44 من سورة النحل: "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ"، وقال في الآية 21 من سورة الحشر "وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ". مستمعينا الافاضل، وكما تلاحظون من الآيات الكريمة المتقدمة ونظائرها فان الله عزوجل يبين لنا أن الهدف من انزال الآيات الكريمة وتبيينها عبر رسول الاكرم –صلى الله عليه وآله- وتفصيلها وضرب الأمثال ونقل القصص وبالتالي كل ما جاء في كتاب المجيد، انما الهدف منه ان يتفكر فيه الناس فيحصلون منه على ما يحتاجونه لحياة قلوبهم وعيش الحياة الطيبة؛ أي أن الآيات القرآنية البينات هي وسيلة حصول قارئها على ما يحتاجه هو منها للفوز بالحياة الطيبة. من هنا جاءت الفقرة اللاحقة من هذا الدعاء الشريف لتؤكد احدى الثمار الرئيسة لهذا التفكر وهو الاعتبار الذي يعني الاستدلال بشيء للوصول الى شيء آخر، وهذا ما سنفصل عنه الحديث ان شاء الله في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) نشكركم على طيب المتابعة ولكم دوماً من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران خالص الدعوات، دمتم في الف خير وألف بركة. شرح فقرة "اللهم فاجعل نظري فيه عبادة" (2) - 126 2014-06-18 09:11:49 2014-06-18 09:11:49 http://arabic.irib.ir/programs/item/11418 http://arabic.irib.ir/programs/item/11418 بسم الله وله الحمد دائماً إذ هدانا للتقرب اليه بمناري هداه وعروته الوثقى وحبله المتين قرآنه المبين وأهل بيت حبيبه سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله الطاهرين. السلام عليكم اخوتنا المستمعين ورحمة الله وبركاته أطيب تحية نحييكم بها ونحن نلتقيكم بفضل الله في لقاء اليوم على ضفاف ينابيع الرحمة الالهية المتدفقة من أدعية أهل بيت النبوة المحمدية، ومنها الدعاء المبارك الذي يستحب التوجه به الى الله عزوجل قبل تلاوة ما تيسر من كتابه العزيز، جاء في المقطع الثاني من هذا الدعاء قول مولانا الامام الصادق –عليه السلام-: "اللهم نشرت عهدك وكتابك، اللهم فاجعل نظري فيه عبادة، وقراءتي فيه تفكراً وفكري فيه اعتباراً، واجعلني ممن اتعظ ببيان مواعظك فيه، واجتنب معاصيك، ولا تطبع عند قرائتي كتابك على قلبي ولا على سمعي ولا تجعل على بصري غشاوة، ولا تجعل قراءتي قراءةً لا تدبر فيها، بل اجعلني اتدبر آياته واحكامه آخذاً بشرايع دينك، ولا تجعل نظري فيه غفلة ولا قراءتي هذراً، انك أنت الرؤوف الرحيم". مستمعينا الافاضل، كانت لنا في الحلقة السابقة وقفة عند عبارة "اللهم فاجعل نظري فيه عبادة"، وقد لاحظنا ان الاحاديث الشريفة تصرح بان النظر الى كلمات المصحف الشريف بحد ذاته عبادة وان تلاوة القرآن حتى لحافظ آياته عن ظهر قلب تكون أفضل مع النظر الى رسم كلمات المصحف. ولعل من حكم هذا الاستحباب ترسيخ محبة القرآن الكريم في قلب القارئ بأشعاره بقدسية هذا الكتاب العزيز حتى في رسم كلماته. وهذا المعنى مستفاد أيضاً من حكم حرمة مس حتى كلمات القرآن الكريم الا على وضوء وطهارة. وهذا الامر من شأنه ايضاً ان يقوي في قلب تالي القرآن روح التوجه للآيات الكريمة بحكم شعوره بقدسيتها. ايها الاخوة والاخوات، وما تقدم يصدق على المعنى المادي للنظر في عباره "اللهم فاجعل نظري فيه عبادة"، فيكون معناها في هذه الحالة اننا نطلب من الله تبارك وتعالى أن يتفضل علينا بخصوصيات العبادة وثوابها ونحن ننظر الى كلمات كتابه العزيز؛ كما وعدنا على لسان نبيه الاكرم (صلى الله عليه وآله)، كما أن هذا المعنى يتضمن طلب أن يبعد الله عزوجل عنا كل ما يتنافى مع حالة العبادة ونحن ننظر الى كلامه المقدس من الغفلة وعدم الاهتمام به وعدم التوجه اليه. مستمعينا الاعزة، ولكن لمفردة (النظر) معنىً أخر هو غير الرؤية الحسية المألوفة فقط، وهو المعنى الذي يفيد التأمل والتفكر والاعتبار واستنتاج النتائج الفكرية والمعنوية مما يراه الانسان أو يسمعه أو يقرأه؛ وقد استخدمت كثيرٌ من النصوص الشريفة (قرآناً وسنة) مفردة (النظر) بهذا المعنى وصرح به علماء اللغة في تناولهم لهذه المفردة؛ فمثلاً جاء في الجزء الخامس من كتاب لسان العرب في مادة (نظر) ما نصه: "وفي حديث عمران بن حصين قال: قال رسول الله: النظر الى وجه علي عبادة، قال ابن الأثير: قيل معناه ان علياً كرم الله وجهه كان اذا برز قال الناس: لا اله الا الله ما أشرف هذا الفتى، لا اله الا الله ما اعلم هذا الفتى، لا اله الا الله ما اكرم هذا الفتى اي ما اتقى، لا اله الا الله ما اشجع هذا الفتى، فكانت رؤيته –عليهم السلام- تحملهم على كلمة التوحيد". اذن –ايها الاحبة- يتضح لنا من المعنى الثاني لمفردة (النظر) هو أن طلبنا من الله عزوجل ان يكون نظرنا في كتابه العزيز عبادة؛ يتضمن طلب العون منه لاستنتاج المعاني التوحيدية الحقة مما نتلوه من الآيات الكريمة، قال الراغب الاصفهاني في معجم مفردات القرآن: "النظر تقليب البصر والبصيرة لادراك الشيء ورؤيته، وقد يراد به التأمل والفحص، وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص... يقال: نظرت فلم تنظر، أي لم تتأمل وقوله (قل انظروا ماذا في السموات) أي تأملوا...". وعلى ضوء ما تقدم نفهم ايضاً ان ما نطلبه من الله في قولنا في هذا الدعاء الشريف: "اللهم فاجعل نظري فيه عبادة" هو أن يجعل حتى تأملنا وتدبرنا في كتابه الكريم عبادة خالصة لوجهه الكريم توصلنا الى معرفته عزوجل وبذلك تكون هذه التلاوة أفضل العبادة، قال رسول الله –صلى الله عليه وآله- كما في تفسير مجمع البيان: "افضل العبادة قراءة القرآن". وهذه القراءة تكون أفضل العبادة عندما تجعل الانسان يرى الجمال الالهي التام في هذا الكتاب المقدس والى هذا المعنى يشير امامنا محمد الباقر –عليه السلام- في المروي عنه في كتاب الكافي وغيره أنه قال ضمن حديث: "تعلموا القرآن فان القرآن يأتي يوم القيامة في أحسن صورة نظر اليها الخلق". وهذه المعرفة للجمال الالهي المتجلي في القرآن الكريم هي التي تجعل الانسان يتزين عملياً بالقرآن وتظهر آثار ذلك في يوم القيامة كما يشير لذلك الحديث النبوي المروي في تفسير مجمع البيان عنه –صلى الله عليه وآله- قال: "ما من رجل علم ولده القرآن الا توج الله أبويه يوم القيامة بتاج الملك وكسيا حلتين لم يرّ الناس مثلهما"؛ وقال أيضاً: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته". وبهذا نصل مستمعينا الاطائب الى ختام حلقة اخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم لها من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، شكراً لكم وفي أمان الله. شرح فقرة "اللهم فاجعل نظري فيه عبادة" - 125 2014-06-17 09:01:37 2014-06-17 09:01:37 http://arabic.irib.ir/programs/item/11417 http://arabic.irib.ir/programs/item/11417 بسم الله والحمدلله الذي جعلنا من أهل ابتغاء مرضاته بالتمسك بعروته الوثقى وحبله المتين، قرآنه المبين واهل بيت حبيبه سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله الطاهرين. سلام من الله عليكم ايها الاخوة والاخوة ورحمة منه وبركات. اطيب تحية نهديها لكم ونحن نلتقيكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج، نتابع فيها –بعون الله- التعرف الى آداب الصورة الفضلى لتلاوة القرآن الكريم من خلال التأمل في فقرات الدعاء الذي يستحب تلاوته قبل قراءة ما تيسر من الذكر الحكيم والمروي عن مولانا الامام الصادق –عليه السلام-. جاء في المقطع الثاني من هذا الدعاءالشريف قوله –صلوات الله عليه-: "اللهم نشرت عهدك وكتابك، اللهم فاجعل نظري فيه عبادة، وقراءتي فيه تفكراً وفكري فيه اعتباراً، واجعلني ممن اتعظ ببيان مواعظك فيه، واجتنب معاصيك، ولا تطبع عند قرائتي كتابك على قلبي ولا على سمعي ولا تجعل على بصري غشاوة، ولا تجعل قراءتي قراءةً لا تدبر فيها، بل اجعلني اتدبر آياته واحكامه آخذاً بشرايع دينك، ولا تجعل نظري فيه غفلة ولا قراءتي هذراً، انك أنت الرؤوف الرحيم". مستمعينا الاطائب، انتهى بنا الحديث الى فقرة "اللهم فاجعل نظري فيه عبادة"؛ فما الذي نستفيده منها؟ في الاجابة عن هذا السؤال نقول اولاً: ان الاحاديث الشريفة صرحت باستحباب النظر الى القرآن الكريم والى صحائفه وكلماته، فمثلاً روى الشيخ الطوسي في كتاب الامالي مسنداً عن الصحابي الجليل ابي ذر الغفاري –رضوان الله عليه- قال: "سمعت رسول الله –صلى الله عليه وآله- يقول: النظر الى علي بن ابي طالب عبادة، والنظر الى الوالدين برأفة ورحمة عبادة والنظر في الصحيفة –يعني صحيفة القرآن- عبادة، والنظر الى الكعبة عبادة". كما صرحت الاحاديث الشريفة بان النظر الى القرآن عبادة حتى من غير قراءة، كما صرحت بان تلاوته بالنظر الى كلماته أفضل حتى للحافظ له فمثلاً روي في كتاب الكافي مسنداً عن اسحاق بن عمار انه قال للامام جعفر الصادق –عليه السلام-: جعلت فداك، اني احفظ القرآن على ظهر قلبي فاقرؤه على ظهر قلبي أفضل او انظر في المصحف؟ فاجاب الامام –عليه السلام-: "بل اقراه وانظر في المصحف فهو أفضل، اما علمت ان النظر في المصحف عبادة". ايها الاخوة والاخوات، وقد هدتنا الاحاديث الشريفة الى عدة من آثار التعبد لله عزوجل بالنظر في المصحف الشريف، منها دحر الشيطان الرجيم اي ابعاد وساوسه عن قارئ القرآن ومنها تقوية نعمة البصر والشعور بالراحة النفسية، بل ومنها آثارٌ مباركة تعود على والدي قارئ القرآن، فمثلاً روى الشيخ الصدوق في كتاب (ثواب الاعمال) عن رسول الله- صلى الله عليه وآله- أنه قال: "ليس أشد على الشيطان من القراءة من المصحف نظراً" كما روى الشيخ الصدوق في الكتاب نفسه بسنده عن الامام جعفر الصادق صلوات الله عليه أنه قال: "من قرأ القرآن في المصحف نظراً متع ببصره وخفف عن والديه وان كانا كافرين"مستمعينا الافاضل، ولعل في قول الامام الصادق –عليه السلام-: "من قرأ القرآن في المصحف نظراً متع ببصره" اشارة الى ان للنظر الى كلمات المصحف الشريف أثناء التلاوة يذيق القارئ لذة خاصة من رشحات انوار الكلام الالهي المبارك. وعلى أي حال فان عبارة "اللهم فاجعل نظري فيه عبادة" تعلمنا فيما يرتبط بآداب الصورة الفضلى لتلاوة القرآن الكريم، ان نطلب اولاً من الله عزوجل أن يرزقنا النية الخالصة في تلاوة كتابه، ان نتلوه قربة اليه عزوجل بل وأن ننظر لكلمات القرآن قربة اليه تبارك وتعالى لكي يكون نظرنا وقراءتنا اليه عبادة خالصة. وثانياً تتضمن هذه العبارة اشارة الى لزوم ان نلتفت الى لزوم ان نحقق في انفسنا سائر الآداب المطلوبة في العبادة الخالصة ونحن نتلو الآيات القرآنية الكريمة مثل الخشوع والتعظيم وحفظ حرمة ما نقرأ. ايها الاخوة والاخوات، ما تقدم هو ما نستفيده من العبارة المتقدمة اذا اخذنا مفردة (النظر) بمعنى الرؤية البصرية، وثمة درس آخر نستفيده من هذه العبارة اذا اخذنا بالمعنى الثاني لمفردة (النظر) وهو المعنى المعنوي الدال على التأمل والتفكر، وهذا ما نتناوله باذن الله وتوفيقه في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة)، نشكركم على طيب المتابعة ولكم دوماً من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران خالص الدعوات دمتم في رعاية الله آمنين والحمدلله رب العالمين. شرح فقرة "اللهم نشرت عهدك وكتابك" - 124 2014-06-15 08:10:57 2014-06-15 08:10:57 http://arabic.irib.ir/programs/item/11416 http://arabic.irib.ir/programs/item/11416 بسم الله وله الحمد خالصاً اذ هدانا للتقرب اليه بعروته الوثقى وحبله المتين قرآنه المبين وأهل بيت حبيبه سيد المرسلين صلوات الله عليه وآله الطيبين . السلام عليكم اخوتنا واخواتنا ورحمة الله وبركاته، طبتم وطابت اوقاتكم بكل خير وبركة واهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج. أيها الاحبة، نتابع معاً استلهام اصول الطريقة الفضلى في تلاوة كتاب الله العزيز من خلال التأمل في فقرات الدعاء المبارك المروي عن مولانا ناشر السنة المحمدية النقية الامام جعفر الصادق –عليه السلام- والمستحب التوجه الى به الى الله عزوجل قبل التلاوة. وهذا الدعاء يشتمل على مقطعين أساسين انهينا في الحلقة السابقة الحديث عن المقطع الاول ونبدأ في لقاء اليوم بالمقطع الثاني وهو: "اللهم نشرت عهدك وكتابك، اللهم فاجعل نظري فيه عبادة، وقراءتي فيه تفكراً وفكري فيه اعتباراً، واجعلني ممن اتعظ ببيان مواعظك فيه، واجتنب معاصيك، ولا تطبع عند قرائتي كتابك على قلبي ولا علي سمعي ولا تجعل على بصري غشاوة، ولا تجعل قراءتي قراءةً لا تدبر فيها، بل اجعلني اتدبر آياته واحكامه آخذاً بشرايع دينك، ولا تجعل نظري فيه غفلة ولا قراءتي هذراً، انك أنت الرؤوف الرحيم". مستمعينا الافاضل، كما لا حظتم، بدأ هذا المقطع بعبارة "اللهم نشرت عهدك وكتابك"، وهذه العبارة هي خلاصة المقطع الاول من هذا الدعاء الشريف وفيه يعلمنا الامام الصادق –عليه السلام- درساً محورياً هو أن نشهد –في المحضر الالهي- وقبل تلاوة القرآن الكريم بأن ما نتلوه هو الذي انزله جل جلاله على رسول الاكرم –صلى الله عليه وآله- وجعله عهداً منه لخلقه ينبغي ان يتعاهدوه بحفظه العملي من خلال العمل بما فيه من الحكم الالهي العادل في كل اختلاف بين الناس، وبما فيه من شرائع الدين الرباني الحق، ويتحقق حفظ العباد له من خلال التعرف الى حقائقه من المنزل عليه اي الرسول الاعظم لانه –صلى الله عليه وآله- هو الذي ينطق القرآن الكريم على لسانه وبيانه المعصوم بالاصالة وبالتبعية ببيان اوصيائه المعصومين من أهل بيته –صلى الله عليه وعليهم- لانه ابواب مدينة علمه الالهي. وبأخذ القرآن الكريم وفهمه على اساس هذا البيان النبوي المحمدي المعصوم يصبح الكتاب الالهي هو الحبل المتصل الذي يرتبط به العباد بخالقهم وربهم الاعلى تبارك وتعالى؛ فيكون لهم عصمة وحصناً من السقوط في فتن الضلالة والجهالة ويسير بهم على الصراط المستقيم الموصل الى رضوان الله الاكبر ودار السلام والسعادة السرمدية. وهذه المضامين هي التي نستلهمها بوضوح من المقطع الاول من الدعاء نتامل معاً مرة اخرى فيه حيث يقول الصادق –عليه السلام-: "بسم الله، اللهم اني أشهد أن هذا كتابك المنزل من عندك على رسولك محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله، وكتابك الناطق على لسان رسولك وفيه حكمك وشرائع دينك أنزلته على نبيك وجعلته عهداً منك الى خلقك وحبلاً متصلاً فيما بينك وبين عبادك". وعلى ضوء ما تقدم نفهم –مستمعينا الاكارم- ان عبارة "اللهم نشرت عهدك وكتابك" تتضمن في الواقع تذكيراً لقارئ القرآن الكريم بحقيقتين محوريتين: الاولى هي ان عليه ان ينوي بتلاوته القرآن الكريم العمل بما يتلوه من آياته لان هذا العمل هو المصداق العملي لتعاهد هذا العهد الالهي وحفظه. اما الحقيقة الثانية فهي استذكار ان ما يتلوه هو (كتاب الله) خالياً من التحريف، وهذه الحقيقة مستفادة من تعبير (كتابك) حيث ينسب المؤمن ما يتلوه الى الله عزوجل، وبأستذكار هذه الحقيقة يستذكر قارئ القرآن كل ما تختزنه ذاكرته الايمانية من صفات (كتاب الله)، مثل كونه كلمة الفصل والكتاب الذي لا يأتيه الباطل أبداً، وكونه الهادي الى دار السلام، وكونه منار الهداية والانتقال من الظلمات الى النور بمختلف مراتبهما وغير ذلك من صفات الذكر الحكيم الواردة في آياته الكريمة وفي الأحاديث الشريفة. ولا يخفى عليكم مستمعينا الافاضل أن استذكار تالي القرآن الكريم لهاتين الحقيقتن يجعله يقبل بكل وجوده على التفكر والتدبر فيما يتلوه من الآيات الكريمة والاعتبار بمواعظها القرآنية والبحث عما تدعوه اليه من الشرائع والسنن والعمل بها واجتناب ما تحذر منه من المعاصي وسائر ما يبعد عن الله وعن صراطه المستقيم. والفقرات التالية من هذا الدعاء الشريف تعلمنا أن نطلب من الله جل جلاله توفيق الفوز بهذه الامور التي يجب مراعاتها عند تلاوة ما تيسر من كتاب الله عزوجل، وهذا ما نتناوله بأذن الله وتوفيق عزوجل في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة)... لكم دوماً من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران خالص الدعوات، ودمتم بألف خير. شرح فقرة "وحبلاً متصلاً فيما بينك وبين عبادك" (2) - 123 2014-06-14 08:29:14 2014-06-14 08:29:14 http://arabic.irib.ir/programs/item/11415 http://arabic.irib.ir/programs/item/11415 بسم الله وله خالص الحمد والثناء اذ هدانا للتقرب اليه بالاعتصام بعروته الوثقى وحبله المتين، قرآنه المبين واهل بيت حبيبه سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم احباءنا ورحمة الله، على بركة الله نلتقيكم في حلقة جديدة من هذا البرنامج نتابع فيها استلهام آداب تلاوة القرآن الكريم من خلال الدعاء المندوب الى التوجه به الى الله عزوجل قبل تلاوة ما تيسر من آيات كتابه العزيز، نتبرك اولاً بقراءة المقطع الاول من هذا الدعاء المبارك المروي عن امامنا جعفر الصادق وفيه يقول –عليه السلام-: "بسم الله، اللهم اني أشهد أن هذا كتابك المنزل من عندك على رسولك محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله، وكتابك الناطق على لسان رسولك وفيه حكمك وشرائع دينك أنزلته على نبيك وجعلته عهداً منك الى خلقك وحبلاً متصلاً فيما بينك وبين عبادك". أيها الاكارم، في الحلقة السابقة كانت لنا وقفة عند الفقرة الاخيرة من المقطع الاول من هذا الدعاء المبارك، وفيها يعلمنا امامنا الصادق –عليه السلام- أن نستذكر قبل تلاوة الذكر الحكيم حقيقة ان ما نتلوه هو من كتاب الله الذي جعله حبلاً متصلاً بينه تبارك وتعالى وبين عباده، اي ان الارتباط بالله عزوجل والانضمام الى عباده الصالحين والنجاة من الفتن والضلالات، كل ذلك يتحقق من خلال الاعتصام بالقرآن الكريم، ومن خلال العمل بأوامره ونواهيه. وهذا ما دلت عليه طائفة كبيرة من الاحاديث الشريفة نستنير ببعض نماذجها، كالمروي عن رسول الله –صلى الله عليه وآله- كما في تفسير مجمع البيان انه قال: "ستكون فتن، يعني بعده –صلى الله عليه وآله- فقيل له: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، هو الذي لا تزيع به الأهواء... وهو الذي من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره اضله الله، هو حبل الله المتين وهو الصراط المستقيم، وهو الذي من عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا اليه دعا الى صراط مستقيم". وقال –صلى الله عليه وآله-: "ان هذا القرآن حبل الله وهو النور المبين والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن تبعه... فاتلوه فان الله ياجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات" وجاء في نهج البلاغة قول امير المؤمنين –عليه السلام-: "وان الله سبحانه لم يعظ احداً بمثل هذا القرآن، فانه حبل الله المتين وسببه الامين وفيه ربيع القلب وينابيع العلم" وروي الشيخ الصدوق في كتاب عيون الاخبار ان الامام الرضا –عليه السلام- ذكر القرآن فقال: "هو حبل الله المتين وعروته الوثقى وطريقته المثلى المؤدي الى الجنة والمنجي من النار لا يخلق على الازمنة –اي لا يبلى ويصبح قديماً-... لانه لم يجعل لزمان دون زمان بل جعل دليل البرهان والحجة على كل انسان". مستمعينا الاطائب، والى جانب وصف الاحاديث الشريفة المتقدمة للقرآن الكريم بانه حبل الله المتين، فقد رويت احاديث اخرى تصف اهل بيت النبوة –عليهم السلام- بانهم ايضاً حبل الله الذي يجب الاعتصام به، والاحاديث بهذا المعنى كثيرة جمعتها الموسوعات الحديثية المتخصصة منها ما في كتاب (خصائص الائمة) عن رسول الله –صلى الله عليه وآله- انه قال في بعض خطبه: "يا معشر المهاجرين والأنصار.. ليبلغ شاهدكم غائبكم الا اني قد خلفت فيكم كتاب الله فيه النور والهدى والبيان لما فرض الله تبارك وتعالى من شيء، حجة الله عليكم وحجتي وحجة وليي [من بعدي]، وخلفت فيكم العلم الاكبر علم الدين ونور الهدى وضياؤه وهو علي بن ابي طالب، الا وهو حبل الله فاعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا..." وقال –صلى الله عليه وآله- كما في (امالي الصدوق) ضمن حديث اخبر فيه صاحبه حذيفة بن اليمان –رضوان الله عليه- عن الفتن التي ستعصف بالمسلمين؛ قال: "يا حذيفة ان حجة الله عليكم بعدي علي بن ابي طالب... وهو حبل الله المتين وعروته الوثقى التي لا انفصام لها... يا حذيفة لا تفارقن علياً فتفارقني، ولا تخالفن علياً فتخالفني، ان علياً مني وانا منه..." وجاء في بعض روايات حديث الثقلين –كما في كتاب المجازات النبوية– ان رسول الله –صلى الله عليه وآله- وصف القرآن والعترة معاً بأنهما "حبلان ممدودان من السماء الى الارض". أيها الاخوة والاخوات، ويستفاد من جميع هذه الاحاديث الشريفة ونظائرها الكثيرة، ان الارتباط بالله عزوجل من خلال حبله المتصل بينه وبين عباده انما يتحقق بالتمسك بالقرآن الكريم وائمة العترة النبوية العارفين بحقائق القرآن، فيكون الاعتصام بكتاب الله بواسطتهم –عليهم السلام- والى هذا المعنى يشير مولانا الامام زين العابدين –عليه السلام- في المروي عنه في كتاب معاني الاخبار أنه قال: "الامام منا لا يكون الا معصوماً، وليست العصمة في ظاهر الخلقة فيعرف بها ولذلك لا يكون الا منصوصاً عليه [يعني من الله ورسوله]، فقيل له: يا ابن رسول الله، فما معنى المعصوم؟ قال: هو المعتصم بحبل الله، وحبل الله هو القرآن لا يفترقان الى يوم القيامة، والامام يهدي الى القرآن والقرآن يهدي الى الامام"، وذلك قول الله عزوجل "إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ" (سورة الاسراء:9) والى هنا نصل احباءنا الى ختام حلقة اخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمه)، استمعتم له من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، شكراً لكم وفي امان الله. شرح فقرة: "وحبلاً متصلاً فيما بينك وبين عبادك" - 122 2014-06-12 19:01:50 2014-06-12 19:01:50 http://arabic.irib.ir/programs/item/11414 http://arabic.irib.ir/programs/item/11414 بسم الله والحمد لله الذي جعلنا من المتقربين اليه بالتمسك بعروته الوثقى وحبله المتين وعهده المعهود للعالمين قرآنه الكريم وأهل بيت حبيبه سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم أيها الاحبة ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكم في لقاء جديد من هذا البرنامج يجمعنا في رحاب الدعاء المبارك الذي كان مولانا الامام جعفر الصادق عليه السلام يدعو به قبل تلاوة القرآن الكريم، وقد انتهى بنا الحديث الى الفقرة الاخيرة من مقطعه الاول، نتبرك أولاً بتلاوة هذا المقطع وهو: "بسم الله، اللهم اني أشهد أن هذا كتابك المنزل من عندك على رسولك محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله، وكتابك الناطق على لسان رسولك وفيه حكمك وشرائع دينك أنزلته على نبيك وجعلته عهداً منك الى خلقك وحبلاً متصلاً فيما بينك وبين عبادك". مستمعينا الافاضل، في الفقرة الاخيرة من هذا المقطع من دعاء التلاوة يعلمنا امامنا ناشر السنة المحمدية النقية –عليه السلام- ان نشهد في محضر السميع العليم منزل القرآن الحكيم بان كتابه المقدس هذا هو ما جعله حبلاً يرتبط بواسطته عباده به؛ فما الذي نستفيده من ذلك؟ للإجابة عن هذا التساؤل نستذكر اولاً ما استفدناه من الفقرة السابقة لهذه الفقرة، اي التي تصف القرآن الكريم بانه العهد الذي جعله الله منه الى خلقه تبارك وتعالى، وقد عرفنا في حلقة سابقة ان العهد الالهي مقدس ينبغي حفظه، وعليه يكون وصف القرآن الكريم بالعهد تذكير لمن يريد تلاوته بلزوم حفظه وتعاهده بالتعظيم والتقديس والعمل بما فيه من أوامر ونواهي والالتزام بقيمه. فاذا فعل ذلك تتحقق فيه خصال (عباد الله) اي شروط العبودية الصادقة لله تبارك وتعالى، فيكون هذا العهد الالهي المقدس وسيلة الارتباط بينه وبين بارئه الجليل جل جلاله اي يكون حبلاً متصلاً بين المعبود والعابد. وعلى ضوء هذا التوضيح نفهم سر استخدام الدعاء تعبير (خلقك) عند وصف القرآن بالعهد ثم استخدامه تعبير (عبادك) عند وصف الذكر الحكيم بانه الحبل المتصل بين الله وعباده. فالقرآن الكريم هو العهد الذي جعله الله الى خلقه عموماً فالذين يحفظونه منهم ويعملون بما فيه يصيرون (عباد الله) ويصير القرآن بالنسبة لهم –وليس بالنسبة لعموم الخلق- الحبل المتين الذي يربطهم بخالقهم وربهم الكريم سبحانه وتعالى. ايها الاخوة والاخوات، وعندما نرجع الى القرآن الكريم نجده يأمر بالاعتصام "بِحَبْلِ اللّهِ" دون تحديد مصداقه صراحة فيقول عز من قائل في الآية الكريمة (103) من سورة آل عمران: "وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" وواضح من هذه الاية الكريمة ان الاعتصام بحبل الله تبارك وتعالى سبب لنجاة المعتصمين به من التفرق والنار وفوزهم بالحياة الطيبة الكريمة في ظل الإخوة الاسلامية. كما تهدينا الآيات الكريمة الى ان الاعتصام بحبل من الله وحبل من الناس هو وسيلة النجاة من الذلة والمسكنة والشقاء وغضب الله، كما يستفاد ذلك من الآية الكريمة (112) من سورة آل عمران المباركه وهي تتحدث عن انحرافات اليهود قائلة: "ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ" أيها الاطائب وقد استفاضت الاحاديث الشريفة في تحديد المصداق الاكمل لحبل الله عزوجل الذي يكون الاعتصام به سبب للنجاة والارتباط بالله تبارك وتعالى، فذكرت لحبل الله مصداقين هما الثقلان المقدسان أي القرآن الكريم واهل بيت سيد المرسلين –صلى الله عليه وآله-، وقد بين العلامة الشريف الرضي وجه تشبيهما بحبل الله فقال في كتابه القيم (المجازات النبوية): "وهذه استعارة، لانه عليه وآله الصلاة والسلام شبه كتاب الله بالحبل الممدود بين الله وخلقه، يعصم منهم من اعتصم به، ويستنقذ من المهاوي والمعاطب من اعتلق بطرفه، وليس هناك يد على الحقيقة تعصم المتعلق بها... وانما ذلك على التمثيل والتشبيه... ومن روى (حبلان ممدو دان) وأراد بأحد الحبلين العترة، فالمعنى انه –عليه وآله الصلاة والسلام- اقام عترته مقام الحبل الممدود الذي يكون عصمة المستعصم ونجاة المستسلم كما قلنا في القرآن". مستمعينا الاطائب، في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) سننقل لكم بعض الاحاديث الشريفة التي أشرنا اليها ونخلص هنا الى تثبيت الدرس التالي الذي استفدناه من فقرة هذه الحلقة من دعاء تلاوة القرآن وهو: ان على قارئ القرآن ان يتذكر دائماً وخاصة عند التلاوة بان الكتاب المقدس الذي يقراه هو الحبل المتين الذي يتحقق بواسطته الارتباط بالله عزوجل وبالتالي النجاة من كل ضلالة والفوز بكل رحمة. وبهذه النتيجة نودعكم ايها الاحبة شاكرين لكم حسن المتابعة والاصغاء ولكم من اذاعة طهران أصدق الدعوات دمتم بكل خير. شرح فقرة: "وجعلته عهداً منك الى خلقك" - 121 2014-06-02 08:18:42 2014-06-02 08:18:42 http://arabic.irib.ir/programs/item/11349 http://arabic.irib.ir/programs/item/11349 بسم الله والحمد لله الذي هدانا لمعرفة عروته الوثقى وعهده لخلقه والحبل المتين المتصل فيما بينه وبين عباده قرآنه الذكر الحكيم وعترة صفوته سيد المرسلين مولانا الصادق الأمين محمد صلى الله عليه وآله الطاهرين. السلام عليكم أحبتنا المستمعين، أهلاً بكم في حلقة جديدة من هذا البرنامج نتابع فيها التعرف الى معالم الطريقة الفضلى لتلاوة القرآن الكريم وذلك من خلال التأمل في فقرات الدعاء الشريف المندوب للإستعداد به قبل التلاوة، جاء في المقطع الاول من هذا الدعاء المبارك قول مولانا الامام جعفر الصادق –سلام الله عليه-: "بسم الله، اللهم اني أشهد أن هذا كتابك المنزل من عندك على رسولك محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله، وكتابك الناطق على لسان رسولك وفيه حكمك وشرائع دينك أنزلته على نبيك وجعلته عهداً منك الى خلقك وحبلاً متصلاً فيما بينك وبين عبادك". أيها الاخوة والأخوات، انتهى بنا الحديث الى عبارة "وجعلته عهداً منك الى خلقك" فما الذي تهدينا اليه من دروس الصورة الفضلى لتلاوة الذكر الحكيم؟ مستمعينا الافاضل، هذه العبارة تصف القرآن الكريم بأنه عهدٌ من الله عزوجل الى خلقه، فما معنى هذا الوصف؟ للإجابة عن هذا السؤال نقول: اننا عندما نرجع الى كتب اللغة مثل كتاب العين للعلامة الخليل الفراهيدي وكتاب لسان العرب وكتاب مجمع البحرين وغيرها، نستفيد منها أن العهد هو الوصية النصوح التي ينبغي حفظها والوفاء بها والمواثيق التي ينبغي الالتزام بما فيها. وعليه يتضح أن وصف القرآن الكريم بأنه عهدٌ من الله لخلقه، يعني الكتاب الذي يشتمل على ما أوصى الله خلقه بالالتزام بما فيه من أوامر ونواهي وارشادات فيها نصيحة الله عزوجل لخلقه بما يأخذ بأيديهم الى ما فيه نجاتهم من كل شر يتهددهم وبلوغهم كل خير يأملونه وقد قدره الله عزوجل لهم. وقد حثت الآيات الكريمة على رعاية العهد الالهي كما في قوله عزوجل في الآيتين (60و61) من سورة (يس): "أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ". وفي هاتين الآيتين اشارة الى الركنين الاساسين اللتين يدور حولهما الذكر الحكيم فكل ما في هذا العهد الالهي هو هداية الخلق الى ما فيه نجاتهم من عبادة الشيطان وهو عدوهم المبين واعانتهم على عبادة الله الرحمان بهم والرحيم وفيها الفوز والفلاح بالسير على الصراط المستقيم الموصل الى كل خير ونعمة ورحمة. اعزاءنا المستمعين، وانطلاقاً مما تقدم أكدت الاحاديث الشريفة بلزوم تعاهد القرآن الكريم بالتلاوة والتدبر لأنه عهد الله الذي يشتمل على وصاياه التي يجب حفظها بالالتزام بها. روي في كتاب الكافي عن ناشر السنة المحمدية النقية مولانا الامام جعفر الصادق –عليه السلام- انه قال: "القرآن عهد الله الى خلقه فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده عزوجل وان يقرأ منه كل يوم خمسين آية" وفي الكافي أيضاً عن مولانا الامام علي السجاد –عليه السلام- قال: "آيات القرآن خزائن، فكلما فتحت خزائنه ينبغي لك ان تنظر ما فيها" وواضح عن التأمل في هذه النصوص الشريفة ان كون القرآن الكريم عهدالله الى خلقه يستلزم أن تكون تلاوته بتدبر مقرونة بالاجتهاد في البحث عما فيه من وصايا الله تبارك وتعالى لحفظها والالتزام بها، ولكن كيف يتحقق لتالي القرآن الكريم ذلك؟ ايها الاخوة والاخوات، في الاجابة عن السؤال المتقدم نلاحظ ان الاحاديث الشريفة مثلما وصفت القرآن الكريم بأنه عهد الله الى خلقه، وصفت –الى جانب القرآن الكريم- أهل بيت النبوة المحمدية بأنهم أيضاً (عهد الله) جل جلاله. نشكر لكم أيها الاطائب طيب الاستماع لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمه)، قدمناه لكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران... دمتم بكل خير وفي امان الله. شرح فقرة: "انزلته على نبيك" - 120 2014-05-31 09:04:21 2014-05-31 09:04:21 http://arabic.irib.ir/programs/item/11348 http://arabic.irib.ir/programs/item/11348 بسم الله والحمد لله الذي هدانا للتقرب اليه بالتمسك بعروته الوثقى وحبله المتين كتابه القرآن المبين وعترة نبيه الاكرم سيد المرسلين –صلواته وتحياته عليه وآله الطاهرين-. السلام عليكم أيها الاطائب ورحمة الله، على بركة الله نلتقيكم في حلقة اليوم من برنامجكم نتابع فيها التعرف الى ما ينبغي لقارئ القارئ أن يسعى له وهو يتلو آي الذكر الحكيم، نسعى لذلك من خلال التأمل في فقرات دعاء الاستعداد لتلاوة القرآن الكريم، ولازلنا في مقطعه الأول حيث يقول فيه مولانا ناشر السنة المحمدية النقية الامام جعفر الصادق –عليه السلام-: "بسم الله، اللهم اني أشهد أن هذا كتابك المنزل من عندك على رسولك محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله، وكتابك الناطق على لسان رسولك وفيه حكمك وشرائع دينك أنزلته على نبيك وجعلته عهداً منك الى خلقك وحبلاً متصلاً فيما بينك وبين عبادك". مستمعينا الأفاضل، من خلال تأملنا في وصف الدعاء للقرآن بان فيه حكم الله وشرائع دينه عزوجل، عرفنا في الحلقة السابقة أن مما ينبغي لقارئ كتاب الله أن يعرفه حقيقة ان عليه الاخذ بحكم الله من النبي الاكرم واوصيانه، لكي يتحقق له الاخذ الحقيقي لشرائع دينه عزوجل من كتابه الكريم، وهذا المعنى تؤكده كثيرٌ من النصوص الشريفة منها قوله عزوجل في الآية (48) من سورة المائدة: "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً" وكما تلاحظون –أيها الافاضل- الآية تشير بوضوح الى أن الاخذ بالحكم النبوي المعصوم المستنبط من الكتاب الالهي هو مقدمة الاخذ بالشرائع الالهية الواضحة التي تضمن سير الانسان على الصراط الالهي المستقيم. هذا أولاً وثانياً فان النصوص الشريفة تصرح بأن اخذ الشرائع القرآنية ايضاً ينبغي ان يكون بالاصالة عن النبي الاكرم –صلى الله عليه وآله- وبالتبع عن ابواب مدينة العلم المحمدي وهم أهل بيته المطهرين –عليهم السلام-. ولذلك ورد في الحديث النبوي الشهير قوله –صلى الله عليه وآله-: "الشريعة أقوالي" وقال وصيه المرتضى الامام علي –عليه السلام- كما في نهج البلاغة: "انما الناس رجلان: متبعٌ شرعة، ومبتدع سنة، ليس معه من الله سبحانه برهان سنة ولا ضياء حجة، وان الله سبحانه لم يعظ أحداً بمثل هذا القرآن، فانه حبل الله المتين وسببه الامين وفيه ربيع القلوب وينابيع العلم وما للقلب جلاءٌ غيره" وهكذا –أيها الاخوة والاخوات يتضح ان الانتفاع من ينابيع العلم القرآني والنجاة من البدعة يكون بأخذ حكم الله وشرائع دينه بواسطة براهين السنة النبوية النقية. وهنا نلاحظ –أيها الافاضل- بلاغة نص الدعاء الشريف في نسبة الحكم والشرائع اليه جل جلاله في فقرة "وفيه –أي في القرآن الكريم- حكمك وشرائع دينك"، ثم تكرار مفهوم أن هذا القرآن هو منزل على نبيه الاكرم –صلى الله عليه وآله- حيث جاء في الفقرة اللاحقة من الدعاء: "انزلته على نبيك". فعندما نتامل في نص الدعاء نلاحظ بوضوح انه ينبه قارئ القرآن باستمرار على أن القرآن منزل على رسول الله والناطق بلسانه ثم يذكر بان فيه حكم الله وشرائع دينه ويعقب عليها بالتذكير مرة اخرى على أن هذا الكتاب المقدس انزله الله على نبيه –صلى الله عليه وآله-، وكل هذا التأكيد على ارتباط الكتاب الالهي بالرسول الاعظم يهدف الى ما اشرنا اليه من تنبيه قارئ القرآن الى لزوم ان يفهم ما يتلوه من آيات الذكر الحيكم على ضوء ما حكم به النبي الاكرم في موارد الاختلاف في فهم المقاصد القرآنية؛ لكي ينجو بذلك من تفسير القرآن بالراي والاهواء. اعزاءنا المستمعين، ونلاحظ من جهة ثانية الدعاء الشريف يكرر مفهوم ان الله جلت حكمته قد انزل كتابه على نبيه لكي يبينه للناس، قبل ان يقول: "وجعلته عهداً منك الى خلقك وحبلاً متصلاً فيما بينك وبين عبادك" فما الذي نستلهمه من هذه الملاحظة؟ في الاجابة عن هذا السؤال نقول: اننا نلمح في هذه الملاحظة أن فيها اشارة الى أن القرآن الكريم انما يكون عهد الله لخلقه والحبل الذي يرتبط به العبد بمولاه الجليل تبارك وتعالى اذا كان فهمه له على أساس البيان النبوي المعصوم وليس على اساس الفهم الناتج من الآراء والقناعات المسبقة والاهواء ففي هذه الحالة لا يكون ما يفهمه الانسان كتاب الله ولا عهده وبالتالي لا يكون في الحقيقة عهدالله الذي يتقرب به الانسان الى الله تبارك وتعالى ولا يكون وسيلة للارتباط الحقيقي به سبحانه. وهذا في الواقع المضمون الاساس لحديث الثقلين المبارك وغيره من النصوص الشريفة الكثيرة. والى هنا نصل احباءنا الى ختام حلقة اخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمه)، استمعتم له مشكورين من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران... شكراً لكم وفي امان الله. شرح فقرة: "وشرائع دينك" (2) - 119 2014-05-28 09:40:06 2014-05-28 09:40:06 http://arabic.irib.ir/programs/item/11347 http://arabic.irib.ir/programs/item/11347 بسم الله والحمد لله الذي هدانا للتمسك بعروته الوثقى وحبله المتين قرآنه المبين وعترة حبيبه وسيدنا الصادق الأمين صلى الله عليه وآله الطاهرين. السلام عليكم إخوتنا المستمعين، أطيب تحية نهديها لكم في مطلع لقاء اليوم من هذا البرنامج نتابع فيه استجلاء آداب الطريقة الفضلى لتلاوة الذكر الحكيم من خلال التأمل في الدعاء المستحب التوجه الى الله به قبل بدء التلاوة وهو المروي عن مولانا الامام جعفر الصادق –سلام الله عليه-.. نتبرك بمقطعه الأول حيث يقول: "بسم الله، اللهم اني أشهد أن هذا كتابك المنزل من عندك على رسولك محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله، وكتابك الناطق على لسان رسولك وفيه حكمك وشرائع دينك أنزلته على نبيك وجعلته عهداً منك الى خلقك وحبلاً متصلاً فيما بينك وبين عبادك". أيها الأفاضل، لازلنا نستلهم آداب تلاوة القرآن الكريم من فقرة "وفيه حكمك وشرائع دينك"، وقد عرفنا في حلقات سابقة أن هذه الفقرة تعلمنا أن نبحث فيما نتلوه من آيات الذكر الحكيم عن حكم الله وعن شرائع دينه عزوجل لكي نقوي في قلوبنا روح العمل الصادق بها. وقد عرضنا في الحلقة السابقة سؤالاً عن الفرق بين (حكم الله) و(شرائع دينه)، وهذا ما نسعى لمعرفة اجابته هنا لكي تعيننا على الحصول على ما ينبغي أن نبحث عنه في الآيات الكريمة. أيها الأفاضل عرفنا في الحلقة السابقة أن المستفاد من كتب اللغة والنصوص الشريفة هو أن مفهوم (شرائع دين الله) في المصطلح القرآني يشمل كل ما هدانا الله اليه مما يجعل الانسان يسير على الصراط المستقيم ويزوده بما يحتاجه من مقومات الحياة المعنوية السليمة. ولذلك فهذا المفهوم أعم من الاحكام الشرعية الفقهية المعروفة فاضافة الى هذه الأحكام الفقهية تدخل في مصاديقه أيضاً العقائد السليمة والقيم الحقة والاخلاق الفاضلة كقول الحق والحكم بالعدل والوفاء بالعهد ومخالفة الهوى ونظائر ذلك مما صرحت بذلك النصوص الشريفة التي نقلنا بعض وعلى ضوء معرفة هذا المفهوم الشمولي لشرائع دين الله يتضح أن من مصاديقه أيضاً هو (حكم الله) فهو أسمى مصاديقه الحكم بالعدل، من هنا يتضح أن ذكر شرائع دين الله بعد ذكر حكم الله هو من باب ذكر المفهوم الشمولي العام بعد ذكر أحد مصاديقه المهمة وفي ذلك إبراز لأهمية معرفة حكم الله في مختلف شؤون حياة الانسان، فما هي علة أهمية معرفة حكم الله؟ مستمعينا الاطائب، للإجابة عن السؤال المتقدم نتأمل معاً في النصوص الشريفة التالية نختارهما جميعاً من كتاب الكافي وكتاب بصائر الدرجات وهي مروية ايضاً في المصادر المعتبرة الأخرى: روي عن الامام محمد الباقر وكذلك عن الامام الصادق سلام الله عليهما قال: "الأئمة في كتاب الله امامان، قال الله تبارك وتعالى "وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا" "(سورة الأنبياء الآية 73) يعني لا بأمر الناس، -فهم- يقدمون أمر الله قبل أمرهم وحكم الله قبل حكمهم، وقال –سبحانه- "وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ" (سورة القصص الآية 41) –يعني- يقدمون أمرهم قبل أمر الله، وحكمهم قبل حكم الله ويأخذون بأهوائهم خلاف ما في كتاب الله عزوجل". والحديث الثاني عن سيد الوصيين الامام علي –عليه السلام- قال في إحدى خطبه: "يا ايتها الأمة المتحيرة بعد نبيها لو كنتم قدمتم من قدم الله وأخرتم من أخر الله وجعلتم الولاية حيث جعلها الله.. ما اختلف اثنان في حكم الله ولا تنازعت الأمة في شيء من أمر الله، الا عندنا علمه –اي علم حكم الله- من كتاب الله" والحديث الثالث مروي عن الامام الباقر –عليه السلام- قال: "الحكم حكمان: حكم الله وحكم الجاهلية وقد قال الله عزوجل "وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ "". (سورة المائدة الآية 50) اما الحديث الرابع فهو المروي عن الامام جعفر الصادق –عليه السلام- قال: "الحكم حكمان: حكم الله وحكم الجاهلية فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم الجاهلية". ايها الاكارم، من التأمل في النصوص الشريفة تتضح لنا أهمية معرفة تالي القرآن لحكم الله عزوجل وأخذ هذه المعرفة من العارفين بحكم الله وهم الائمة المعصومين الذين يهدون الى الله بأمره عزوجل، فهذه المعرفة هي التي تنجي الانسان من الأخذ بحكم الجاهلية والاهواء وهو الحكم المقابل لحكم الله تبارك وتعالى؛ هذا اولاً وثانياً فان معرفة حكم في كل امر يختلف فيه الناس هو الذي يضمن للمؤمن الخروج من الحيرة الناشئة من الاختلاف في حكم الله جل جلاله وبذلك تتحقق له سلامة السير على الصراط الالهي المستقيم؛ وهذا الأمر –مستمعينا الافاضل- هو الهدف المحوري من الأخذ بشرائع دين الله عموماً، وبدون الأخذ بحكم الله من الائمة الالهيين لا يتحقق الأخذ بشرائع الدين الحقيقية. من هنا نصل الى الننتيجة التالية وهي أن استذكار قارئ القرآن الكريم للحقيقه المتقدمه يجعله يجمع بين الأخذ بحكم الله والأخذ بشرائع دينه عزوجل من الآيات الكريمة التي يتلوها لكي يتحصن بذلك من جميع اشكال الانحراف عن الصراط المستقيم؛ وهذا المعنى تؤكده بوضوع الآية 48 من سورة المائدة وهذا ما سنتناوله في الحلقة المقبلة بأذن الله. نشكر لكم ايها الاطائب طيب الاستماع لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمه)، قدمناها لكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران... تقبل الله اعمالكم ودمتم بكل خير. شرح فقرة: "وشرائع دينك" (1) - 118 2014-05-26 09:03:41 2014-05-26 09:03:41 http://arabic.irib.ir/programs/item/11346 http://arabic.irib.ir/programs/item/11346 بسم الله والحمد لله الذي اكرمنا بالتمسك بعروته الوثقى وحبله المتين كتابه القرآن المبين وأهل بيت حبيبه المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وآله الطاهرين. السلام عليكم إخوتنا المستمعين، على بركة الله نلتقيكم في حلقة أخرى من هذا البرنامج نتابع فيها استلهام معالم الطريقة الفضلى لتلاوة القرآن الكريم من خلال التدبر في فقرات الدعاء المستحب التوجه به الى الله عزوجل قبل التلاوة، وقد جاء في روايته أن مولانا الامام جعفر الصادق –عليه السلام- كان يقرأه وقد أخذ المصحف الجامع في يده اليمنى قائلاً قبل أن يفتح المصحف في أول مقطع من الدعاء: "بسم الله، اللهم اني أشهد أن هذا كتابك المنزل من عندك على رسولك محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله، وكتابك الناطق على لسان رسولك وفيه حكمك وشرائع دينك أنزلته على نبيك وجعلته عهداً منك الى خلقك وحبلاً متصلاً فيما بينك وبين عبادك". مستمعينا الأحبة، إنتهى بنا الحديث الى فقرة "وشرائع دينك" وبها يعلمنا الدعاء ان نستذكر قبل تلاوة ما تيسر من الكتاب العزيز أن في آياته شرائع دين الله عزوجل. والهدف من هذا الاستذكار هو أن نبحث أثناء التلاوة عن هذه الشرائع الالهيه فيما نتلوه من آيات الذكر الحكيم، ونحفظها لكي نقوي في قلوبنا روح العمل بها. وهنا ينبغي أن نحصل على الاجابة عن الاسئلة التالية: ما هو معنى الشرائع أولاً؟ وثانياً: ما الفرق بينها وبين (حكم الله) المشار اليه في الفقرة السابقه التي تذكر أن في القرآن حكم الله؟ وثالثاً لماذا نسب الدعاء في هذه الفقرة بالخصوص الدين الى الله تبارك وتعالى ونسب الشرائع اليه فقال: "وشرائع دينك"؟ نبدأ بالسؤال الأول فتابعونا مشكورين: أيها الاحبة، عندما نرجع الى كتب اللغة نجدها تذكر أن الشرائع جمع شريعة، وهي تعني المورد الذي يشرب منه الماء او يستقى منه الماء بدون دلو، فالشريعة تصدق على الماء الجاري الذي يسهل تناول الماء منه بلا مشقة الحاجة الى الدلو كما هو الحال في أخذ الماء من البئر. وعليه يكون معنى الشريعة الطريقه الواضح الظاهر المؤدي الى الماء ومنه سمي الطريقه الاعظم بالشارع لوضوحه. وقد أستعير هذا المعنى على ما يقرره الدين الالهي من قيم وأحكام واخلاقيات لكونها واضحة الصواب لأنها منسجمة مع الفطرة السليمة يحتاجها الانسان مثلما يحتاج الى الماء ولا غنى له عنها لكي يحيا الحياة المعنوية السليمة كما لا غنى له عن الماء لكي يحيا الحياة المادية السليمة؛ قال الفيض الكاشاني في تفسيريه (الأصفى والصافي): "الشريعة: هي الطريق الى الماء شبه بها الدين لأنه طريق الى ما هو سبب الحياة الأبدية ومنهاجاً وطريقاً واضحا". أيها الاخوة والاخوات، وعندما نرجع الى النصوص الشريفة نستفيد منها ان (شرائع دين الله) تشمل كل ما يوصل الانسان الى الحياة المعنوية السليمة ويجعله يسير على الصراط المستقيم دون ان ينحصر معناها في الاحكام الفقهية المعروفة بل يشمل ايضاً كل القيم الحقة والأخلاق الفاضلة والعقائد السليمة التي تنجي الانسان من اتباع الاهواء المضلة سواء كانت أهواءه أو اهواء الآخرين، هذا اولاً وثانياً فبأنقاذه من هذه الأهواء فان شرائع الدين الحق توصل الانسان الى الفلاح والفوز. قال الله تبارك وتعالى في الآية (18) من سورة الجاثية مخاطباً نبيه الاكرم –صلى الله عليه وآله-: "ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ". وجاء في نهج البلاغة قول الوصي المرتضى وأمير المؤمنين –عليه السلام-: "ألا وإن شرائع الدين واحدة وسبله قاصدة فمن أخذ بها لحق وغنم ومن وقف عنها ضل وندم". وعن مولانا الامام السجاد علي زين العابدين –عليه السلام- قال –كما في ميزان الحكمه- مجيباً عن سؤال في تفسير شرائع الدين: "جميع شرائع الدين قول الحق والحكم بالعدل والوفاء بالعهد". أي ان جميع الشرائع الموصلة الى الحياة الطيبة ترجع الى هذه الأصول الثلاثة. مستمعينا الافاضل، وعلى ضوء ما تقدم من معنى (شرائع دين الله) نخلص الى النتيجة المحورية التالية وهي: أن على قارئ القرآن ان يبحث فيما يتلو من آيات الذكر الحكيم عن كل ما يعينه على سلوك الصراط المستقيم وما يروي ظمأه المعنوي للقيم الحقة والعقائد السليمة والاخلاق الفاضلة والاحكام العمليه فجميعها من مصاديق مصطلح (شرائع دين الله). وبهذه النتيجة نختم أيها الاكارم حلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمه)، استمعتم له من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران... شكراً لكم على كرم المتابعة وفي امان الله. شرح فقرة: "وفيه حكمك وشرائع دينك" (2) - 117 2014-05-25 08:45:41 2014-05-25 08:45:41 http://arabic.irib.ir/programs/item/11345 http://arabic.irib.ir/programs/item/11345 بسم الله وله الحمد خالصاً اذ هدانا للتقرب اليه بالتمسك بعروته الوثقى وحبله المتين كتابه الفرقان العظيم وأهل بيت حبيبه سيد المرسلين سيدنا ابي القاسم محمد صلى الله وعليه وآله الطاهرين. السلام عليكم اخوتنا وأخواتنا ورحمة الله وبركاته... طابت أوقاتكم بكل خير وأهلاً بكم في وقفة تأملية جديدة في رحاب الدعاء المروي في كتابي (الاختصاص) و(الإقبال) وغيرهما عن مولانا الامام الصادق –عليه السلام- والمستحب التوجه به الى عزوجل قبل تلاوة ما تيسر من كتابه العزيز، يقول –عليه السلام- في المقطع الاول من هذا الدعاء المبارك: "بسم الله، اللهم اني أشهد أن هذا كتابك المنزل من عندك على رسولك محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله، وكتابك الناطق على لسان رسولك وفيه حكمك وشرائع دينك أنزلته على نبيك وجعلته عهداً منك الى خلقك وحبلاً متصلاً فيما بينك وبين عبادك". مستمعينا الافاضل، تعرفنا –في الحلقة السابقة- الى أن من آداب تلاوة الذكر الحكيم البحث عن حكم الله عزوجل من مختلف شؤون الحياة إذ أن في القرآن حكم الله عزوجل كما نصت على ذلك النصوص الشريفة التي عرضناها في الحلقة السابقة. وهنا نسأل: وكيف يأخذ قارئ القرآن حكم الله عزوجل من كتابه الحكيم؟ الأجابة العامة عن هذا السؤال حدوتها الآيات الكريمة نفسها فهي تصرح بأن سنة الله جل جلاله في عباده جرت على أساس انزال كتبه السماوية وفيها حكمه ولكن لكي يحكم به بين الناس النبيون –عليهم السلام- وبالتالي من يقوم مقامهم من العلماء الربانيون والأخبار الصادقين، فمثلاً نقرأ من سورة المائدة الآية 44 قوله تبارك وتعالى: "إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء" كما تصرح الآيات الكريمة جارية مع سيد النبيين –صلى الله عليه وآله-، فنقرأ في الآية 105 من سورة النساء قوله سبحانه وتعالى: "إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ" وهذا المقام يجري لاولي الأمر –عليه السلام- من الاوصياء المعصومين لرسول الله –صلى الله عليه وآله- كما تصرح بذلك الآية الكريمة 83 من سورة النساء نفسها التي تأمر بالتحاكم الى رسول الله وأولي الامر بعد أن اوجبت الآية 59 من هذه السورة المباركة طاعة الرسول وأولي الامر وأمرت بالتحاكم الى الله ورسوله –صلى الله عليه وآله- فيما أمرت الآية 83 بالتحاكم الى رسول الله واولي الامر في اشارة بليغة الى ان عندهم حكم الله وحكم رسوله –صلى الله عليه وآله-، نتأمل معاً في هذه الآية بعد قليل فابقوا معنا مشكورين. قال الله تبارك وتعالى في الآية 83 من سورة النساء: "وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً" اذن فمعرفة حكم الله يحتاج الى الرجوع لأولي الامر المعصومين القادرين على استنباطه من القرآن الكريم بمعونة ما أراه الله لرسوله الاعظم _صلى الله عليه وآله_، وهذا يعني أن معرفة حكم الله تكون عبر الرد الى ثقلي الهداية معاً، جاء في نهج البلاغة عن باب علوم المدينة النبوية الوصي المرتضى _عليه السلام_: "وهذا القرآن انما هو خط مسطورٌ بين الدفتين، لا ينطق بلسان ولا بدله من ترجمان وانما ينطق عنه الرجال وقد قال الله سبحانه "فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ"(سورة النساء59)، فرده الى الله ان نحكم كتابه ورده الى الرسول ان نأخذ بسنته" مستمعينا الافاضل، والحقيقة القرآنية المتقدمة بينتها كثيرٌ من الاحاديث الشريفة نختار منها ما روي في كتابي الكافي وبصائر الدرجات مسنداً عن الامام محمد الباقر –عليه السلام- قال: "الائمة في كتاب الله امامان"، قال الله تبارك وتعالى : "وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا" (سورة الأنبياء73)–أي بأمر الله- لا بأمر الناس، يقدمون امر الله قبل أمرهم وحكم الله قبل حكمهم، وقال سبحانه "وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ" (سورة القصص41) [فهم] يقدمون أمرهم قبل أمر الله وحكمهم قبل حكم الله ويأخذون بأهوائهم خلافاً لما في كتاب الله". ونقرأ ايضاً في كتاب الكافي قول سيد الوصيين الامام علي –عليه السلام- ضمن خطبة طويلة: "لو كنتم قدمتم من قدم الله وأخرتم من أخر الله وجعلتم الولاية حيث جعلها الله ما عال ولي الله... ولا اختلف اثنان في حكم الله، ولا تنازعت الامة في شيء من امر الله الا عندنا علمه من كتاب الله". وفي الكافي ايضاً عن الامام الصادق –عليه السلام- قال: "الحكم حكمان: حكم الله وحكم الجاهلية فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم الجاهلية". اعزاءنا المستمعين، والنتيجة التي نحصل عليها من كل ما تقدم أن من الآداب الاساسية لتلاوة القرآن الكريم هو أن لا يعجل المؤمن في تفسير حكم الله فيما يقرأه من الآيات الكريمة بل عليه أن يرجع الى احاديث وبيانات المستحفظين على الكتاب الحكيم الذين أراهم الله حكمه بصورة مباشرة او عبر النبي الاكرم –صلى الله عليه وآله-، وهم أهل بيت النبوة وابواب مدينة العلوم المحمدية –عليهم صلوات الله-. وبهذه النتيجة ننهي احبتنا حلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمه)، استمعتم له مشكورين من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران... تقبل الله اعمالكم وفي امان الله. شرح فقرة: "وفيه حكمك وشرائع دينك" (1) - 116 2014-05-24 12:28:37 2014-05-24 12:28:37 http://arabic.irib.ir/programs/item/11344 http://arabic.irib.ir/programs/item/11344 بسم الله والحمدلله ذي الفضل والانعام الذي هدانا للتمسك بعروة النجاة الوثقى وحبل رحمته المتين، كتابه الفرقان المبين وأهل بيت رسوله سيد المرسلين صلوات الله عليه وآله الطاهرين. السلام عليكم اخوتنا المستمعين ورحمة من الله وبركات.... أطيب التحيات نحييكم بها في مطلع حلقة جديدة من هذا البرنامج نتأمل فيها معاً في فقرة اخرى من فقرات المقطع الاول من الدعاء المستحب التوجه به الى الله عزوجل قبل البدء بتلاوة ما تيسر من كتابه العزيز، وهدفنا التعرف الى الامور التي ينبغي رعايتها للفوز بالبركات المرجوة من المائدة القرآنية المعطاء، نتبرك أولاً بقراءة المقطع الاول من هذا الدعاء الشريف المروي عن امامنا جعفر الصادق حيث يقول –صلوات الله عليه-: "بسم الله، اللهم اني أشهد أن هذا كتابك المنزل من عندك على رسولك محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله، وكتابك الناطق على لسان رسولك وفيه حكمك وشرائع دينك أنزلته على نبيك وجعلته عهداً منك الى خلقك وحبلاً متصلاً فيما بينك وبين عبادك". تأملاتنا أيها الاحبة في هذا اللقاء هي في فقرة "وفيه حكمك وشرائع دينك"، فما هي الفائدة المرجوة من أن نشهد في محضر الله بهذه العبارة قبل تلاوة كتابه العزيز؟ في الاجابة عن السؤال نقول: ان من أهداف تذكير من يريد تلاوة القرآن الكريم لحقيقة ان فيه حكم الله وشرائع دينه، حثه على أن يبحث وهو يتلو الآيات الكريمة عما فيها من حكم الله وشرائع دينه، تحصيلاً للمعرفة بذلك او ترسيخاً لهذه المعرفة. وواضحٌ ان لهذه المعرفة تحصيلاً او ترسيخاً اثرها المهم في تقوية تعبد المؤمن لربه الجليل في جميع شؤونه، لان التسليم لحكم الله والعمل بشرائع دينه هو المظهر العملي لتوحيده وعبوديته جل جلاله: وتهدينا النصوص الشريفة الى أن جعل الله عزوجل حكمه في كتبه السماوية هو سنة ثابتة في جميع رسالاته لا تختص بالرسالة المحمدية الخاتمة ومعجزتها سيد الكتب السماوية والميهمن عليها جميعاً القرآن الكريم، لذلك ينبغي ان تكون مصاديق تضمنه لحكم الله أوسع وأشمل. وهذه حقيقة مشهودة في كثير من الآيات الكريمة نتدبر في نموذج منها فيه احتجاج الهي بليغ على منحرفي اليهود، ابقوا معنا: مستمعينا الافاضل، النموذج القرآني الذي أشرنا اليه يبدأ بالآية الحادية والاربعين من سورة المائدة وهي تشير الى انحراف بعض اليهود عن حكم الله بتحريف حقائق التوراة، قال عزوجل: "وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ" ويقول عزوجل في جزء من الآية الثانية والاربعين وبعد ذلك الآية الثالثة والاربعين من السورة نفسها "فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ- وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ" وواضحٌ من هذا النص القرآني أن اعراض منحرفي اليهود عن التحاكم الى رسول الله –صلى الله عليه وآله- هو فرع اعراضهم عن القبول والتسليم بحكم الله الموجود في التوراة، وبعد بيان هذه الحقيقة تثبت الآية اللاحقة حقيقة ان علامة صدق التسليم لله هو القبول بحكمه عزوجل والذي تضمنته كتبه المقدسة وبه يحكم انبياؤه عليهم السلام، قال تبارك وتعالى في الآية اللاحقة وهي الرابعة والاربعين: "إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" ثم تذكر الآية اللاحقة اي الخامسة والاربعين من سورة المائدة نموذجاً في حكم الله بشأن القصاص المذكور في التوراة لتصرح في نهايتها ان من لم يحكم بما انزل الله فهو من الظالمين فضلاً عن كونه من الكافرين. ايها الاخوة والاخوات، وبعد تثبيت حقيقة ان من يحكم بما انزل الله في كتبه السماوية هو من الكافرين والظالمين يسجل النص القرآني المتقدم صفة ثالثة لمن لا يحكم بما أنزل الله عزوجل هي الفسق مؤكداً ان القرآن الكريم هو المهيمن على جميع الكتب السماوية في بيان حكم الله، قال تبارك وتعالى في الآيات الثلاث اللاحقة اي السادسة والاربعين الى الثامنة والاربعين من سورة المائدة: "وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ-وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ- وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ"، الى قوله تعالى "بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ" (سورة المائده48). وعلى ضوء هذه البيانات القرآنية، نرجع الى سؤال حلقة اليوم لنلخص الاجابة عنه بأن تذكير هذا الدعاء الشريف من يريد تلاوة ما تيسر من الآيات الكريمة بان فيما يتلوه حكم الله وهو تحفيز له لكل ما يبحث فيه عن هذا الحكم المقدس في الموضوع الذي يتحدث عنه النص الذي يتلوه لكي يقوي عمله به في مختلف شؤون حياته وفي ذلك النجاة من مختلف مراتب الكفر والظلم والفسوق. نشكر لكم ايها الاكارم كرم الاصغاء لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة)، ولكم دوماً خالص الدعوات من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، دمتم في امان الله ورعايته. شرح فقرة: "وكتابك الناطق على لسان رسولك" 2 - 115 2014-05-19 10:46:47 2014-05-19 10:46:47 http://arabic.irib.ir/programs/item/11343 http://arabic.irib.ir/programs/item/11343 بسم الله والحمدلله الذي هدانا للتمسك بعروته الوثقى وحبله المتين، كتابه القرآن المبين وأبواب رحمته للعالمين محمد وآله الطاهرين –صلوات الله عليهم أجمعين-. السلام عليكم أعزاءنا المستمعين ورحمة الله وبركاته أطيب تحية نهديها لكم ونحن نلتقيكم بتوفيق الله في حلقة جديدة من هذا البرنامج. أيها الاكارم، كما وعدناكم في الحلقة السابقة نسعى معاً في هذا اللقاء للحصول على اجابة السؤال التالي: ما هي أهمية معرفة من يريد أن يتلو القرآن لحقيقة ان هذاالكتاب الالهي انما ينطق على لسان رسول الله –صلى الله عليه وآله-؟ هذه الحقيقة من الحقائق التي نبه اليها الدعاء المستحب التوجه به الى الله عزوجل قبل تلاوة ما تيسر من كتاب الله العزيز، نتبرك أولاً بقراءة المقطع الاول من هذا الدعاء المروي عنه ناشر السنة المحمدية النقية مولانا الامام الصادق حيث يقول –عليه السلام-: "بسم الله، اللهم اني أشهد أن هذا كتابك المنزل من عندك على رسولك محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله، وكتابك الناطق على لسان رسولك وفيه حكمك وشرائع دينك أنزلته على نبيك وجعلته عهداً منك الى خلقك وحبلاً متصلاً فيما بينك وبين عبادك". ايها الاخوة والاخوات، عرفنا في الحلقة السابقة ان النصوص الشريفة تصرح بان الذي ينطق بالحقائق المكنونة التي لا يمسها الا المطهرون من كتاب الله، وكذلك الذي ينطق ببيان المصداق الصحيح لما يختلف فيه الناس في فهم حتى ظواهر الآيات القرآنية الكريمة هو النبي الاكرم –صلى الله عليه وآله- بالاصالة، واهل بيته الطاهرين –عليهم السلام- بالتبع لكونه ورثة مدينة علمه الالهي كما صرحت بذلك كثيرٌ من الاحاديث الشريفة. وعندما نتأمل في هذه الحقيقة من زاوية البحث عن اجابة السؤال المتقدم أي: ما هي أهمية استذكار من يتلو القرآن لها وهو يتلو كتاب الله، يمكننا ان نتوصل الى مايلي: أولاً: ان استذكار المؤمن لهذه الحقيقة عند تلاوته القرآن الكريم يحصنه من ان يفسر خاصة متشابهات الآيات الكريمة برأيه وقناعاته الشخصية المسبقة وما ينسجم مع هواه وما تميل اليه نفسه، انطلاقاً من معرفة ان رسول الله واهل بيته وهم –عليه وعليهم السلام- ابواب مدينة العلم هم الذين ينطقون بحقائق القرآن ويعرفون مقاصده وتأويله ومصاديقه. وبذلك ينجو من فتنة تفسير القرآن بالآراء التي حذر منها نبي الرحمة لأن تسوق الانسان الى النار فقال –صلى الله عليه وآله- وكما روى عنه الفريقان: "من فسر القرآن برأيه فليتبؤ مقعده من النار" والسر في ذلك أن تفسير القرآن بالآراء غير المعصومة يوقع المفسر برأيه ومن يتبعه في عباده الأنا والآراء والأهواء الشخصية حتى وإن أصاب في تفسيره فرضاً، وفي ذلك خروج من دائرة عبادة الله عزوجل، اما اذا لم يصب في تفسيره فالأمر اشد اذ أنه يقع في مصاديق خاطئة تبعده عن مقاصد كتاب الله الحقيقية. هذا أولاً وثانياً فان استذكار حقيقة ان القرآن ينطق بلسان رسول الله –صلى الله عليه وآله- بالاصالة وبلسان اهل بيته الطاهرين وهم –عليهم السلام- عدل القرآن كما في حديث الثقلين، نقول استذكار هذه الحقيقة يدفع قارئ القرآن للرجوع الى الاحاديث الشريفة للتعرف على مصاديق ما يقرأه، وبذلك تزداد معرفته بالقرآن عمقاً ويتعلم سبل التفكر الصحيح في آياته وحسن الانتفاع منه، وهذا ما هدتنا اليه كثيرٌ من احاديث اهل البيت –عليهم السلام- نقرأ لكم نموذجا منها بعد قليل فابقوا معنا مشكورين روى المحدث الجليل الشيخ احمد البرقي في كتاب المحاسن بسنده مولانا الامام محمد الباقر –عليه السلام- انه قال اذا حدثتكم بشيء فسئلوني عنه من كتاب الله. قال الراوي: ثم قال –عليه السلام- في بعض حديثه: ان رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن القيل والقال وفساد المال وفساد الارض وكثرة السؤال. فقالوا – أي بعض أصحابه-: يا ابن رسول الله واين هذا من كتاب الله؟ فقال –عليه السلام-: ان الله يقول في كتابه: "لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ" (سورة النساء 114) وقال تبارك وتعالى "وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً" (سورة النساء 5)، وقال: "لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ". (سورة المائده 101) مستمعينا الافاضل، وكما تلاحظون فان الامام الباقر –عليه السلام- بان الآية الاولى تنطق على لسان رسول الله –صلى الله عليه وآله- بالنهي عن القيل والقال من خلال التاكيد على ان الكلام في غير الموارد التي تذكرها لاخير فيه فينبغي للمؤمن اجتنابه، وهكذا الحال بالنسبة للآيتين الاخريين حيث ينطق الحديث النبوي المتقدم في الواقع بمغزها ومقصدها العملي. والى هنا نصل أيها الاحبة الى ختام حلقة اخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمه) استمعتم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، شكراً لكم وفي امان الله. شرح فقرة: "وكتابك الناطق على لسان رسولك" - 114 2014-05-18 09:22:26 2014-05-18 09:22:26 http://arabic.irib.ir/programs/item/11342 http://arabic.irib.ir/programs/item/11342 بسم الله والحمدلله الذي أنعم علينا بمعرفة والتمسك بعروته الوثقى وحبله المتين، قرآنه الكريم وأهل بيت سيد الكائنات الصادق الامين –صلوات الله عليه وآله الطيبين الطاهرين. سلام من الله اعزاءنا ورحمة منه وبركات، لكم منا أطيب تحية نحييكم بها ونحن نلتقيكم بتوفيق الله في حلقة جديدة من برنامجكم هذا نستنير فيه بفقرة اخرى من الدعاء المستحب التوجه به الى الله عزوجل قبل تلاوة ما تيسر من كتابه العزيز، يقول مولانا الامام الصادق –عليه السلام- في المقطع الاول من هذا الدعاء المبارك: "بسم الله، اللهم اني أشهد أن هذا كتابك المنزل من عندك على رسولك محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله، وكتابك الناطق على لسان رسولك وفيه حكمك وشرائع دينك أنزلته على نبيك وجعلته عهداً منك الى خلقك وحبلاً متصلاً فيما بينك وبين عبادك". مستمعينا الافاضل، انتهى بنا الحديث الى فقرة "وكتابك الناطق على لسان رسولك"، فما الذي نستفيده منها؟ للإجابة عن هذا السؤال نقول أولاً، ان هذه الفقرة هي جزء من الشهادة التي يعلمنا مولانا ناشر السنة المحمدية النقية الامام الصادق –عليه السلام- ان نشهد بها في محضر الله تبارك وتعالى قبل أن نشرع في تلاوة ما تيسر من كتابه المجيد. والشهادة بذلك تذكير لقارئ القرآن بالحقائق المحورية التي يجب أن يستحضرها ويرسخها في قلبه لكي تعينه على ان تكون تلاوته بالصورة الحسنى التي يحصل بها على بركات المأدبة القرآنية الكريمة؛ من هنا فإن معرفة معنى وصف القرآن بانه كتاب الله الناطق على لسان رسوله –صلى الله عليه وآله- من اهم ما يوصل قارئ القرآن للفوز ببركاته. والى جانب هذه الاشارة نلاحظ أن هذه العبارة تشتمل على تعريف القرآن بوصف ثان بعد وصفه بانه المنزل على رسول الله هذا الوصف يقول بأن هذا الكتاب (ينطق) على لسانه –صلى الله عليه وآله-، فكيف يكون ذلك؟ وما معناه؟ أيها الاخوة والاخوات، للإجابة عن السؤال المتقدم نرجع الى باب مدينة العلم النبوية الوصي علي المرتضى –عليه السلام- فنجده يصف القرآن نفسه بالناطق فيقول مثلاً كما في الجزء الثاني من نهج البلاغة: "ان الله بعث رسولاً هادياً بكتاب ناطق وامر قائم لا يهلك عنه الاهالك" وقال –عليه السلام- أيضاً في خطبة اخرى: "وكتاب الله بين اظهركم ناطقٌ لا يعيى لسانه" بل ويأمر –عليه السلام- في خطبة رواها الشيخ الكليني في كتاب الكافي بأستنطاق القرآن مع تاكيده بأن القرآن "لن ينطلق لكم"، قال –عليه السلام- متحدثاً عن سيد المرسلين- صلى الله عليه وآله-: "فجاءهم بنسخة ما في الصحف الاولى وتصديق الذي بين يديه وتفصيل الحلال من ريب الحرام، ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق لكم، اخبركم عنه ان فيه علم ما مضى وعلم ما يأتي الى يوم القيامة، وحكم ما بينكم وبيان ما أصبحتم فيه تختلفون، فلو سألتموني عنه لعلمتكم". ونقرأ في نهج البلاغة قوله من خطبة في فتنة التحكيم في واقعة صفين: (انا لم نحكم الرجال وانما حكمنا القرآن، وهذا القرآن انما هو خطٌ مسطورٌ بين الدفتين لا ينطق بلسان ولابد له من ترجمان، وانما ينطق عنه الرجال، ولما دعانا القوم الى نحكم بيننا القرآن، لم نكن الفريق المتولي عن القرآن كتاب الله تعالى وقد قال الله سبحانه "فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ" فرده الى الله ان نحكم بكتابه، ورده الى الرسول أن ناخذ بسنته، فاذا حكم بالصدق في كتاب الله فنحن احق الناس به، وان حكم بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله فنحن اولاهم به) هذه ايها الاحبة النصوص التي تشتمل على اجابة سؤالنا المتقدم، فما الذي نستفيده منها؟ فاصل مستمعينا الافاضل النصوص الشريفة التي قرأناها لكم تؤكد الحقائق التالية: أولاً: ان القرآن الكريم كتاب ناطقٌ وينبغي للمؤمن الساعي للانتفاع من مائدته الكريمة أن يستنطقه، أي ان يسعى لمعرفة مغزى آياته الكريمة وما تريد دعوة الانسان اليه. ثانياً: ان القرآن الكريم لا ينطق لاي قارئ له، أي لن يحدثه بكل ما تختزنه ظواهر آياته الكريمة من حقائق مكنونة ثالثاً: لذلك لابد من الرجوع الى ترجمان له ولكن ليس لكي يبين المعاني اللغوية لالفاظه، فهذا ما يعرفه كل عارف بالعربية فالقرآن نزل بلسان عربي مبين. إذن فما يقوله الذي ينطق به هو حقائق القرآن المكنونة التي لا يمسها الا المطهرون اولاً وثانيا بيان المصداق الحقيقي حتى لظواهر آياته التي يختلف في فهمها الناس. والناطق بذلك هو بالدرجة الاولى النبي الأكرم فهو –صلى الله عليه وآله- الذي نزل عليه القرآن فكتاب الله ينطق بهذا المعنى على لسانه بالاصالة وعلى لسان ورثة علوم مدينته المعصومين وهو أهل بيته الطاهرين –صلوات الله عليهم أجمعين-. ولكن ما هي اهمية معرفة هذه الحقيقة لمن يريد ان يتلو القرآن الكريم؟ الاجابة عن هذا السؤال ستكون محور حديثنا باذن الله في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمه) تستمعون له من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، شكراً لكم وفي امان الله. شرح فقرة: "على رسولك محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله" - 113 2014-05-17 09:04:52 2014-05-17 09:04:52 http://arabic.irib.ir/programs/item/11341 http://arabic.irib.ir/programs/item/11341 بسم الله وله الحمد الخالص إذ هدانا للتمسك بعروته الوثقى وحبله المتين، قرآنه المبين وأهل بيت حبيبه المبعوث رحمة للعالمين مولانا أبي القاسم محمد الأحمد صلوات الله عليه وآله الطيبين الطاهرين. سلام من الله عليكم أيها الإخوة والأخوات ورحمة منه وبركات، أطيب التحيات نهديها لكم ونحن نلتقيكم في حلقة أخرى من هذا البرنامج، نستلهم فيها آداب الصورة الفضلى لتلاوة القرآن الكريم من خلال التدبر في الدعاء الذي يستحب التوجه به إلى الله تبارك وتعالى قبل تلاوة كتابه العزيز، نتبرك أولاً بقراءة المقطع الأول من هذا الدعاء الشريف وفيه يقول مولانا الإمام جعفر الصادق – صلوات الله عليه -: "بسم الله، اللهم إني أشهد أن هذا كتابك المنزل من عندك على رسولك محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وكتابك الناطق على لسان رسولك وفيه حكمك وشرائع دينك، أنزلته على نبيك، وجعلته عهداً منك الى خلقك، وحبلاً متصلاً فيما بينك وبين عبادك". مستمعينا الأفاضل، نتوقف في هذا اللقاء عند عبارة (على رسولك محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله) فنتساءل أولاً: ما الذي يحمله تعليم الإمام الصادق – عليه السلام – لنا نشهد قبل تلاوة القرآن بأنه كتاب الله المنزل على رسوله – صلى الله عليه وآله -؟ وما الحكمة من ذكر إسم النبي الأكرم – صلى الله عليه وآله – كاملاً؟ في الإجابة عن هذا السؤال نقول: إن هذه العبارة تحمل أولاً ثمرة تقوية اليقين بنسبة القرآن الى الله عزوجل من خلال التأكيد أنه هو الذي بلغه رسوله الصادق الأمين – صلى الله عليه وآله – وفي ذلك تقوية لتأثر القارئ له به كما فصلنا الحديث عن ذلك في حلقة سابقة. وهذا المعنى يؤكده الدعاء الشريف أكثر من خلال إستخدام وصف (الرسول) للنبي الأكرم – صلى الله عليه وآله – فالرسول هو الذي يوصل الرسالة الى المرسل إليه وهم العباد، وعليه يكون إنزال القرآن إليه لكي يوصله – صلى الله عليه وآله – للعباد. وهذا المعنى تؤكده الآيات الكريمة نفسه، فعندما نرجع إليها نجدها تذكر أن الله عزوجل أنزل القرآن لعباده، فمثلاً نقرأ في الآية 99 من سورة البقرة: "وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ". ونقرأ تعبيراً يقرب من هذا في آية أخرى مع توجيه الإنزال للناس، ووصف الآيات بأنها مبينات حيث قال أصدق السائلين في الآية 34 من سورة النور: "وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ". فما الذي نستفيده من ذلك؟ أيها الإخوة والأخوات، الإجابة نحصل عليها أولاً من نص الآيتين الكريمتين أولاً، فعندما تذكر آية سورة البقرة إنزال الآيات على رسول الله – صلى الله عليه وآله – تصفها بأنها بينات فهي بينه واضحة له، لكن آية سورة النور عندما تذكر إنزال الآيات القرآنية للناس تصفها بأنها (مبينات) وليس بينات، والفرق واضح، فهي عندما تصل للناس تكون مبينة بواسطة تعرفنا الآيات القرآنية الأخرى بأنها الرسول الأكرم – صلى الله عليه وآله – وأهل بيته وهم أهل الذكر القرآني، فإليه وإليهم ينبغي للناس – وهم لا يعلمون بالآيات البينات عندهم – عليهم السلام – أن يرجعوا إليهم لكي يصبح ما أنزل إليهم (آيات مبينات)، نتدبر معاً أيها الأحبة في الآيتين 43و44 من سورة النحل حيث يقول الله أصدق القائلين: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ{43} بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ{44}" وتلاحظون، مستمعينا الأفاضل، جمال البلاغة القرآنية في هذه الآية عندما تستخدم تعبير "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ" الذي يفيد الإنزال الكامل الدفعي عندما يتعلق بإنزال الكتاب على رسول الله – صلى الله عليه وآله – لكنها تستخدم تعبير "مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ". عندما يتعلق بإنزال الذكر الحكيم للناس، فهذا الإنزال هنا يكون تنزيلاً تدريجياً لأنه مقروناً بالبيان النبوي. كما نلاحظ أن الأمر بالتفكر يوجه للناس بعد الأمر لرسول الله – صلى الله عليه وآله – بأن يبين لهم ما نزل إليهم وفي ذلك إشارة الى التفكر في آيات القرآن الكريم ينبغي أن يكون على ضوء ما ترشدنا إليه الأحاديث الشريفة. أعزاءنا المستعمين، أما بالنسبة للسؤال الثاني، فنلاحظ في ذكر إسم النبي الأكرم بالكامل أي إسم (محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله) إثارة لكوامن محبته – صلى الله عليه وآله – في قلب المؤمن وهو يتوجه لتلاوة الكتاب الذي جاء به له حبيبه المصطفى – صلى الله عليه وآله – وفي إثارة هذه المحبة عامل آخر يضاعف من التوجه العقلي والقلبي للمؤمن عند تلاوة القرآن الكريم ولذلك عظيم الأثر في الإستفادة من بركاته. إذن فخلاصة ما تقدم هي أن نتعلم من عبارة (المنزل على رسولك محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله) أن علينا أن نتلو القرآن الكريم على ضوء ما هدتنا إليه الأحاديث الشريفة وما بينه النبي الأكرم – صلى الله عليه وآله – مباشرة أو عبر أهل بيته وحافظي سنته وأبواب مدينة علمه – صلوات الله عليهم أجمعين -. مستمعينا الأطائب، نشكركم على طيب الإستماع لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، لكم منا دوماً خالص الدعوات ودمتم بكل خير. شرح فقرة: "هذا كتابك المنزل" - 112 2014-05-14 08:53:50 2014-05-14 08:53:50 http://arabic.irib.ir/programs/item/11340 http://arabic.irib.ir/programs/item/11340 بسم الله والحمد لله الذي جعلنا من المتمسكين بثقلي ولايته ومناري هدايته، كتابه المبين وأهل بيت حبيبه سيد المرسلين – صلواته وبركاته وتحياته عليه وآله الطيبين الطاهرين -. السلام عليكم أعزتنا المستمعين ورحمة من الله وبركات، أهلاً بكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج حيث نتدبر في فقرة أخرى من فقرات الدعاء المروي عن مولانا الإمام الصادق – عليه السلام – والذي يستحب التوجه به إلى الله تبارك وتعالى قبل تلاوة كتابه العزيز، ولا زلنا في مقطعه الأول حيث يقول – صلوات الله عليه -: "بسم الله، اللهم إني أشهد أن هذا كتابك المنزل من عندك على رسولك محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وآله – وكتابك الناطق على لسان رسولك، وفيه حكمك وشرائعك، أنزلته على نبيك وجعلته عهداً منك إلى خلقك وحبلاً متصلاً فيما بينك وبين عبادك". مستمعينا الأفاضل، نثير أولاً السؤال عن الحكمة في استخدام هذا الدعاء الشريف لإسم الإشارة (هذا) في الإشارة الى المصحف الذي يأخذه المؤمن بيمينه وهو يريد البدء بتلاوته، فما الحكمة من ذلك؟ في الإجابة عن هذا السؤال نقول، إن إرادة (هذا) يشير كما هو معروف الى الشيء القريب، ولعل في استخدامه هنا إشعار لقلب المؤمن بالإلتصاق والقرب من الكلام الإلهي العزيز، فالقرآن الكريم رغم كونه كتاب الله العلي العظيم وكلامه الذي لا يعلوه شيء، إلا أنه في الوقت نفسه جعله جل جلاله في متناول أيدي خلقه، وهذه من أعظم النعم الإلهية التي ينبغي للإنسان أن يحمد الله عليها أولاً ويشكره بحسن الإستفادة منها ثانياً، وثالثاً يتجنب بكل جهده أن يغفل عن كتاب الله وهو قريب منه وفي متناول يديه. والى جانب هذه الحكمة ثمة حكمة أخرى يهدينا إليها التدبر في استخدام إسم الإشارة (هذا) في بدايات الدعاء الشريف نتناولها بعد قليل فابقوا معنا مشكورين. أيها الأفاضل، للتعرف على الحكمة الثانية من إستخدام إسم الإشارة (هذا) للإشارة إلى كتاب الله العزيز ينبغي أن نرجع الى مقدمة هذا الدعاء الشريف، فقد جاء في مقدمة روايته أن الإمام الصادق – صلوات الله عليه – أخذ بيده اليمنى مصحف القرآن الجامع – أي الكامل وليس جزء منه – وشرع بهذا الدعاء قبل أن يبدأ التلاوة. ومن ملاحظة ذلك نفهم أن الإشارة باسم الإشارة للقريب (هذا) هي لهذا المصحف الجامع، وفي ذلك تذكير لتالي القرآن أن ما بين دفتي هذا المصحف هو كلام الله المنزل عن نبيه الأكرم – صلى الله عليه وآله -. وعندما نتدبر في ذلك، نتوصل الى الحقيقة التالية وهي: أن التذكير يكون ما في دفتي المصحف الجامع هو كتاب الله النازل من عنده، تنقية للقلب من آثار الشبهات المثارة والتي تزعم بوقوع التحريف في القرآن؛ ولا يخفى عليكم أن تأثر التالي لآيات الذكر الحكيم بهذه الآيات النورانية يقل إذا غشي قلبه غبار التشكيك بصدورها عن الله تبارك وتعالى ولو على نحو إحتمال على أن يكون قد طرأ على هذه الآيات الكريمة التحريف والتغيير والتبديل ولو على مستوى الألفاظ وحتى لو كان المضمون – فرضاً – هو المضمون نفسه. مستمعينا الأفاضل، وعلى ضوء ما تقدم يتضح أن الدعاء الشريف باستخدام إسم الإشارة للقريب في ذكر القرآن الكريم إنما ينطلق من الوعد الإلهي الصادق يحفظ القرآن الكريم الوارد في قوله عزوجل في الآية التاسعة من سورة الحجر "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ". ومن هنا فإن إستذكار المؤمن لهذه الحقيقة يفتح أمامه آفاق التدبر السليم في ألفاظ ما يتلوه من كتاب الله المجيد وهو على يقين بأنها ألفاظ كلام الله خالية من كل تغيير فيسعى لإكتشاف أسرارها والتعمق فيها لعلمه بأن الله عزوجل هو الحكيم المطلق لا يستخدم أي لفظ إلا في محله المناسب بحيث يكون هذا اللفظ هو خير ما يعبر عن الحقيقة التي يريد عزوجل لعباده أن يتوصلوا إليها من خلال تلاوتهم لكلامه وبالتالي يهتدوا بها الهداية الصحيحة الى ما فيه خيرهم وصلاحهم. وهذا يعني تأهل تالي القرآن للإنتفاع من المائدة القرآنية المباركة بأفضل صورة، وفقنا الله وإياكم لذلك باتباع سنة سيد المرسلين وآله الطيبين الطاهرين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين. وبهذا نصل أيها الأحبة الى ختام أخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمة) إستمعتم له من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، تقبل الله منكم جميل المتابعة ودمتم في رعاية سالمين. شرح فقرة: "كتابك المنزل من عندك على رسولك" - 111 2014-05-12 09:12:37 2014-05-12 09:12:37 http://arabic.irib.ir/programs/item/11339 http://arabic.irib.ir/programs/item/11339 بسم الله والحمد لله الذي هدانا بلطفه للتمسك بثقلي هدايته للعالمين قرآنه الكريم وأهل بيت سيد المرسلين الحبيب المصطفى – صلى الله عليه وآله الطاهرين -. السلام عليكم أحبتنا ورحمة الله وبركاته.. أطيب تحية نهديها لكم في مطلع لقاء آخر من هذا البرنامج لنا فيه وقفة جديدة في رحاب المقطع الأول من الدعاء المستحب التوجه به إلى الله عزوجل قبل تلاوة القرآن الكريم طلباً لحسن الإنتفاع من مأدبته الكريمة هذه، يقول مولانا ناشر السنة المحمدية النقية الإمام جعفر الصادق – عليه السلام – في المقطع من هذا الدعاء الشريف: "بسم الله، اللهم إني أشهد أن هذا كتابك المنزل من عندك على رسولك محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وآله، وكتابك الناطق على لسان رسولك، وفيه حكمك وشرائع دينك، أنزلته على نبيك، وجعلته عهداً منك الى خلقك، وحبلاً متصلاً فيما بينك وبين عبادك". أيها الإخوة والأخوات، نتوقف عند وصف هذا الدعاء الشريف للقرآن الكريم بأنه "كتابك المنزل من عندك على رسولك"؛ ففي الحلقة السابقة عرفنا أن تأكيد الدعاء على نسبة القرآن الى الله عزوجل في عدة من فقرات هذا المقطع يهدف – فيما يهدف – الى تذكير المؤمن بقدسية القرآن الذي أخذه بيمينه لكي يتلوه، وفي ذلك تحفيز له أن يتوجه بعقله وقلبه الى ما يتلوه من هذا الكتاب المقدس لكي يحسن الإستفادة من بركاته الفكرية التعليمية والقلبية المعنوية. وهنا نعرض السؤال التالي: ما هي الحكمة من تذكر الدعاء الشريف لمن يريد أن يتلو القرآن الكريم هو كتاب منزل من الله عزوجل أولاً وعلى رسوله ثانياً؟ نبدأ أولاً بالشطر الأول من السؤال وهو ما هي الحكمة من وصف القرآن بأنه كتاب منزل من عند الله، ولا يخفى عليكم مستمعينا الأفاضل أن هذا الوصف مقتبس من القرآن الكريم نفسه فقد وردت فيه آيات عدة تصفه بالمنزل وبعبارات متعددة تفيد معنى الإنزال والتنزيل. وقد ذكر علماء اللغة أن الفرق بين الإنزال والتنزيل هو أن الأول يدل على النزول الدفعي الجمعي للشيء في حين أن الثاني يشير الى النزول المتفرق وليس دفعة واحدة. ولكن الذي يهمنا هنا هو التدبر في أصل التأكيد على أن القرآن كتاب منزل، إذ أن معنى نزول القرآن سواءً كان إنزالاً أو تنزيلاً هو الإنحدار من العلو الى ما هو أسفل منه، في حين أننا نعلم أن الله عزوجل لا يحده مكان وهو إله في السماء وإله في الأرض وهو مع خلقه حيثما كانوا وأقرب للإنسان من حبل الوريد كما نهبت كثير من الآيات الكريمة؛ فما معنى نزول القرآن من علو في هذه الحالة؟ مستمعينا الأفاضل، في الإجابة عن السؤال المتقدم نقول: إن مما لا شك فيه أن العلو المقصود هنا هو العلو المعنوي، وهو المشار إليه في كثير من النصوص الشريفة منها دعاء الإمام الحسين – عليه السلام – حيث خاطب ربه الجليل قبيل إستشهاده يوم عاشوراء وهو آخر أدعيته بعبارات من قبيل: "اللهم يا من هو بالأفق الأعلى.. يا متعالي المكان عظيم الجبروت.. قريب الرحمة.. قريب إذا دعيت محيط بما خلقت.." إذن فالمقصود هنا هو العلو المعنوي لله تبارك وتعالى، والتذكير هو بأن القرآن الكريم نازل من هذا العلو المعنوي الإلهي، فما الحكمة من ذلك؟ للإجابة عن هذا السؤال نرجع الى القرآن الكريم نفسه، فنلاحظ في الآية 196 من سورة الأعراف جميل الربط بين إنزال كتاب الله وبين الفوز بولاية الله أي نصرته عزوجل، جاء في هذه الآية حاكياً قول النبي الأكرم – صلى الله عليه وآله -: "إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين". إذن فهذا الكتاب الإلهي المبين نزل من علو الله وأفقه الأعلى لكي يأخذ بيد الإنسان وينقله الى رحاب السمو المعنوي والقرب من الله تبارك وتعالى، وهذا المعنى تؤكده آيات أخرى نشير الى نموذج لها بعد قليل. قال الله جل جلاله في الآيتين 15و16 من سورة المائدة: "قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ." فالكتاب الإلهي المبين – أيها الأحبة – هو مع نور الله – أي نبيه الأكرم ووليه المعصوم – هما وسيلة العروج بالإنسان الى أعلى مراتب العلو والكمال. وعليه تتضح الحكمة من تذكير دعاء ما قبل تلاوة القرآن الإنسان بأن هذا الكتاب هو منزل من الأفق الإلهي الأعلى، فتذكيره بذلك يجعله يسعى أولاً لأن يفوز بوسيلة النصرة الإلهية هذه للإعتداء والتسامي والقرب من الله عزوجل وثانياً لكي يسعى وهو يتلو آياته لكي يستنير بهذه الكنوز المعرفية الإلهية للإنتقال في جميع شؤونه من الظلمات الى النور الإلهي والسير على الصراط المستقيم؛ وفقنا الله وإياكم لذلك ببركة إتباع محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. شكراً لكم أيها الأطائب على طيب متابعتكم لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) إستمعتم لها من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران.. لكم منا دوماً خالص الدعوات ودمتم بألف خير. شرح فقرة: ""اللهم اني اشهد ان هذا كتابك المنزل من عندك" - 110 2014-05-11 08:49:28 2014-05-11 08:49:28 http://arabic.irib.ir/programs/item/11338 http://arabic.irib.ir/programs/item/11338 بسم الله والحمدلله الذي هدانا للتمسك بثقلي هدايته للعالمين قرآنه المبين وعترة حبيبه سيد النبيين –صلوات الله عليه وعليهم أجمعين-. السلام عليكم مستمعينا الاحبة ورحمة الله وبركاته، بتوفيق الله نلتقيكم في حلقة جديدة من هذا البرنامج نتابع فيها استلهام الصورة الفضلى لتلاوة كتاب الله العزيز من خلال التامل في الدعاء الشريف المستحب التوجه به الى الله عزوجل قبل تلاوة ما تيسر من القرآن الكريم، نبدأ اولاً بقراءة فقرات المقطع الاول منه حيث يقول فيه حافظ السنة المحمدية النقية مولانا الامام جعفر الصادق –سلام الله عليه-: "بسم الله، اللهم اني أشهد أن هذا كتابك المنزل من عندك على رسولك محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله، وكتابك الناطق على لسان رسولك وفيه حكمك وشرائع دينك أنزلته على نبيك وجعلته عهداً منك الى خلقك وحبلاً متصلاً فيما بينك وبين عبادك". أيها الاكارم، ايها الاحبة، كانت لنا في الحلقة السابقة وقفة اولى عند فقرة "اللهم اني اشهد ان هذا كتابك المنزل من عندك"، نتابعها بالقول: ان هذه العبارة مستلهمة من الآية 166 حيث يقول الله اصدق الشاهدين: " لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً" (سورة النساء) من هنا نفهم –مستمعينا الافاضل- أن مولانا الامام الصادق –عليه السلام- يعلمنا هنا أن نقتدي بالله وبملائكته تبارك وتعالى في الشهادة بان هذا الكتاب الذي نفتحه لنتلو ما تيسر منه هو كتاب الله جل جلاله. ومما لا ريب فيه أن مثل هذه الشهادة تثير في قلب الانسان الشعور بقدسية هذا الكتاب الامر الذي يدفعه الى ان يفتح عقله وقلبه عليه بتوجه أشد لان الانسان بفطرته مجبول على الاهتمام باي شيء يشعر بقدسيته، فكيف الحال اذا كان الكتاب الذي فتحه هو كتاب الله الذي شهد الله تبارك وتعالى وكفى به شهيداً بقدسيته وأنه من عنده جل جلاله وشهدت بذلك ملائكته المنزهين عن جميع اشكال ومراتب الكذب لخلوهم من الأهواء التي هي العلة الاساس للشهادة بغير الحق. أيها الاخوة والاخوات، ونلاحظ في نص هذا الدعاء الشريف تاكيد عبارته على نسبة القرآن الى الله عزوجل، فنقول "هذا كتابك المنزل من عندك" وتستمر في استخدام ضمير (الكاف) في نسبة القرآن الى الله عزوجل في جميع فقرات هذا المقطع. وفي ذلك ترسيخ لشعور تالي القرآن بان ما يتلوه هو كلام الله عزوجل وذلك لكي يتلوه وهو يشعر بأن الله عزوجل يتكلم به معه، خاصة وأن النصوص الشريفة تؤكد ان الله تبارك وتعالى انما انزل قرآنه العزيز الى الناس عبر انزاله الى رسوله –صلى الله عليه وآله- لكون الرسول هو المبين للناس ما نزل اليهم، وهذا ما تبينه كثيرٌ من النصوص الشريفة نختار منها كنموذج ما رواه الشيخ الجليل محمد بن معسود العياشي في تفسير مسنداً عن أمير المؤمنين الامام علي –عليه السلام- قال في بعض فقرات إحدى خطبه: "نشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله ارسله بكتاب فصله واحكمه واعزه وحفظه بعلمه واحكمه بنوره وايده بسلطانه... لا يخلقه طول الرد –اي ان القارئ له يشعر بانه جديدٌ كلما تلاه- ولا تفنى عجائبه، من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن خاصم به فلح ومن قاتل به نصر، ومن قام به هدي الى صراط مستقيم... فيه نبأ من كان قبلكم والحكم فيما بينكم وخيرة معادكم". أعزاءنا المستمعين، ونبقى مع مولانا الوصي المرتضى وهو يفسر لنا معنى نسبة القرآن الى الله عزوجل فيقول: (أنزله بعلمه وأشهد الملائكة بتصديقه، قال الله جل وجهه "لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً"، فجعله الله نوراً يهدي للتي هي أقوم وقال "فاذا قرأناه فاتبع قرآنه"، وقال: "اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ"... ففي اتباع ما جاءكم من الله الفوز العظيم وفي تركه الخطأ المبين... فجعل في اتباعه كل خير يرجى في الدنيا والآخرة، فالقرآن آمرٌ –يعني بكل خير- زاجرٌ- يعني عن كل شر-، حد فيه الحدود وسن فيه السنن وضرب فيه الامثال.... وهكذا مستمعينا الاحبة نفهم أن تنبيه القارئ للقرآن وقبل ان يتلوه الى اشعار عقله وقلبه بان هذا هو كتاب الله يخاطبه به يؤهله للتفاعل الوجداني الكامل مع آياته فيتلقى اوامره كاوامر مقدسة فيها صلاحهه فينبغي العمل ويتفكر في امثاله لكي يستفيد من دروسها ويبحث عن حدوده ليلتزم بها وعن سننه لكي يعمل بها، فان ما يتلوه هو كتاب الله الذي يريد خير عباده وصلاحهم في الدنيا والآخرة. نشكركم مستمعينا الاطائب على طيب الاستماع لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) قدمناها لكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، تقبل الله اعمالكم ودمتم بكل خير. شرح فقرة: "إني أشهد أن هذا كتابك" - 109 2014-05-10 08:51:51 2014-05-10 08:51:51 http://arabic.irib.ir/programs/item/11337 http://arabic.irib.ir/programs/item/11337 بسم الله والحمدلله الذي جعلنا نتقرب اليه بالتمسك بثقلي هدايته ونبعي رحمته للعالمين قرآنه الكريم وأهل بيت حبيبه سيد المرسلين صلواته وبركاته وتحياته عليه وآله الطيبين الطاهرين. سلامٌ من الله عليكم أيها الاخوة والاخوات ورحمة منه وبركات. أطيب تحية نهديها لكم ونحن نلتقيكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج نتوقف فيها عند فقرة أخرى من فقرات الدعاء المستحب التوجه به الى الله عزوجل قبل تلاوة ما تيسر من كتابه المجيد... وهو الدعاء الذي رواه الشيخ المفيد والسيد ابن طاووس في كتابي الاختصاص والاقبال عن ناشر السنة المحمدية النقية مولانا الامام جعفر الصادق وقد جاء في مقطعه الأول قوله –صلوات الله عليه-: "بسم الله، اللهم اني أشهد أن هذا كتابك المنزل من عندك على رسولك محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله، وكتابك الناطق على لسان رسولك وفيه حكمك وشرائع دينك أنزلته على نبيك وجعلته عهداً منك الى خلقك وحبلاً متصلاً فيما بينك وبين عبادك". أيها الاحبة، وصلنا في تأملاتنا في هذا المقطع الى فقرة "اني أشهد أن هذا كتابك" فما الذي نتعلمه منها فيما يرتبط بالصورة الفضلى لتلاوة كتاب الله العزيز؟ للإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن نعرف معنى الشهادة وما هي الفائدة المرجوة منها، وهنا نلاحظ أن للشهادة حضوراً محورياً مهماً في حياة المسلم فقد نصت النصوص الشريفة أن مجرد التلفظ بشهادة لا اله الا الله محمدٌ رسول الله يكفي في دخول الانسان في الاسلام فيحقن دمه ويكون له ما للمسلمين من حقوق وعليه ما عليهم من واجبات. كما نجد ان الشهادة باصول العقيدة الايمانية ممارسة يومية تتكرر يومياً ست مرات للمسافر وتسع مرات للمقيم على الاقل اذ أن التشهد هو جزء أصلي وثابت في كل صلاة فريضة كانت أو نافلة. من هنا ندرك أن لتكرار شهادة المسلم بالعقائد الحقة أهمية كبرى تجعلنا نندفع لمعرفة الحكمة من هذه الممارسة الشرعية وبركاتها سعياً للحصول عليها وهذا ما نتناوله بعون الله في هذا اللقاء فابقوا معنا مشكورين: مستمعينا الافاضل، عندما نرجع الى النصوص الشريفة نجد أن المسلم يقتدي بربه الجليل تبارك وتعالى عندما يشهد بالعقائد الحقة، فمثلاً نقرأ في الآية الكريمة الثامنة عشر من سورة آل عمران قول الله أصدق القائلين: "شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"(سورة آل عمران18). مستمعينا الافاضل، لقد بين العلماء معنى شهادة الله عزوجل بالعقائد الحقة وذكروا عدة أقوال جمعها العلامة الفقيه الشريف الرضي –رضوان الله عليه- في كتابه القيم (حقائق التاويل)، وخلص فيها الى ان شهادة الله بحقائق الايمان تعود فائدتها للعباد أنفسهم لانه تبارك وتعالى هو الغني المطلق، وتكون شهادته بالعقائد الحقة بأقامة الدلائل البينة على توحيده وصفاته ونبوة انبيائه وامامة أوليائه –عليهم جميعاً الصلاة والسلام-؛ كما ان من مصاديق شهادة الله بحقائق الايمان شهادته القولية كما ورد عديد من آيات الذكر الحكيم ومنها شهادته تبارك وتعالى هو القرآن الكريم هو كتابه المنزل على نبي الرحمة –صلى الله عليه وآله-. وهذه الشهادة الالهية الاخيرة سنتناولها بأذن الله في حلقة مقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة)؛ اما هنا فنتناول الاثر الاساسي والعام لشهادة الله عزوجل بالعقائد الحقة، وذلك من خلال حديثين شريفين الأول رواه العالم الجليل محمد بن مسعود العياشي في تفسيره القيم عن مولانا الامام الباقر –عليه السلام- انه قال في تفسير الآية الكريمة المتقدمة: "شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ"، فان الله تبارك وتعالى يشهد بها لنفسه وهو كما قال، فأما قوله "والملائكة" فانه تعالى اكرم الملائكة بالتسليم لربهم وصدقوا وشهدوا كما شهد لنفسه. ثم قال الباقر –صلوات الله عليه-: "وأما قوله "وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ" فان اولي العلم هم الانبياء وهم قوام بالقسط". اما الحديث الثاني فهو مروي عن مولانا الامام زين العابدين علي السجاد وتناول الآية نفسها بقوله: "... فابتدا الله بنفسه وثنى بملائكته وثلث بأولي العلم واولهم وسيدهم محمد –صلى الله عليه وآله- وثانيهم علي –عليه السلام- وثالثهم أقرب أهله اليه واحقهم بمرتبته بعده، ثم انتم معاشر الشيعة العلماء بعلمنا تالون لنا مقرنون بنا وبملائكة الله المقربين شهداء لله بتوحيده وعدله وكرمه وجوده" مستمعينا الافاضل ومن خلال التامل في هذين النصين الشريفين أن الاثر الاساس لشهادة الله بحقائق الايمان هو اشعار المؤمنين الذين يقومون بممارسة الشهادة الشرعية بأنهم انما يقومون بهذه الشهداء تخلقاً بخلق الله ولذلك ينبغي ان يكون اولاً صادقين فيها اقتداءً بالله اصدق الشاهدين وملائكته واولي العلم من صفوته وثانياً ان يستشعروا بقدسية شهادتهم لان بها يشهد الله واوليائه وثالثاً ان يتحققوا بحقائق هذه الشهادة المقدسة فيكون قواماً بالقسط ودعاة للتوحيد والعدل بسلوكياتهم العملية. وبهذا ننهي ايها الاكارم حلقة اخرى من برنامج (ينابيع الرحمة) استمعتم لها من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، شكراً لكم وفي أمان الله. شرح فقرة: "اللهم اني أشهد" - 108 2014-05-07 08:00:53 2014-05-07 08:00:53 http://arabic.irib.ir/programs/item/11336 http://arabic.irib.ir/programs/item/11336 بسم الله والحمدلله الذي هدانا للتمسك بثقلي الفوز والفلاح والنجاة قرآنه المبين وعترة نبيه سيد المرسلين صلى الله عليه وآله الطاهرين. السلام عليكم إخوتنا المستمعين ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم في حلقة جديدة من هذا البرنامج نتابع فيها التعرف الى معالم الصورة الفضلى لتلاوة القرآن الكريم من خلال التدبر في فقرات الدعاء المستحب التوجه بها الى الله عزوجل قبلها والمروي عن مولانا الامام جعفر الصادق –صلوات الله عليه-، جاء في المقطع الأول منه: "بسم الله، اللهم اني أشهد أن هذا كتابك المنزل من عندك على رسولك محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله، وكتابك الناطق على لسان رسولك وفيه حكمك وشرائع دينك أنزلته على نبيك وجعلته عهداً منك الى خلقك وحبلاً متصلاً فيما بينك وبين عبادك". مستمعينا الافاضل، بعد أن تعرفنا في حلقات سابقة الى الدروس المستفادة من افتتاح الامام الصادق –عليه السلام- دعاءه ببسم الله تبارك وتعالى نصل الآن الى أولى مفردات الدعاء نفسه وهو مفردة "اللهم"، فما هو معناها؟ وما هي الحالة التي ينبغي أن يعيشها الداعي وهو يتلفظ بها؟ نبدأ أحباءنا بالسؤال فنرجع الى كتب اللغة بحثاً عن اجابته، فنقرأ في كتاب (لسان العرب) لابن منظور ما نقله عن العالم اللغوي الجليل ومؤسس علم العروض الخليل بن أحمد الفراهيدي، حيث ذكر تصريحه والموثوق بعلمهم من علماء اللغة أن مفردة "اللهم" هي بمعنى "يا الله" وأن الميم المشددة في آخرها هي بدل عن ياء النداء في أولها، وأن الضمة على الهاء قبل الميم هي ضمة الاسم المنادى المفرد؛ وهذا هو الرأي الذي تبناه البصريون من علماء العربية. وهناك رأي آخر قد يكون مكملاً للرأي السابق نقله ابن عطية الأندلسي في الجزء الرابع من كتاب (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز)، وهذا هو الرأي الذي تبناه علماء اللغة من الكوفيين، ويقول ان الميم في آخر كلمة "اللهم" أي المتصلة بلفظ الجلالة "الله" هي مخفف فعل (أم) اي أقصد، فيكون المعنى هو: يا الله أم بفضلك ورحمتك كما نقل ابن عطية الاندلسي في تفسيره أو أن يكون معنى "اللهم": يا الله أمنا بخير أي أقصدنا بالخير كما نقل الشيخ أبو الفتوح الرازي في تفسيره (روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن). فما المستفاد من كل ما تقدم؟ أيها الاخوة والاخوات، الذي يمكن أن نستفيده من كلا القولين هو أن مفردة "اللهم" تشتمل خطابا لله عزوجل على نحو النداء المباشر، لكنه ليس نداءً عادياً انما هو نداء طلب للفضل والخير والرحمة منه عزوجل. ومن هنا تتضح أيضاً مستمعينا الاكارم اجابة السؤال الثاني الذي عرضناه آنفاً وهو: ما هي الحالة التي ينبغي أن يعيشها الداعي وهو يتوجه الى ربه الكريم بلفظة "اللهم"؟ فعلى ضوء معرفة معنى هذه المفردة نفهم أن الداعي ينبغي أن يستشعر يخاطب الله عزوجل بها- حالة الامل والطلب لفضل ربه الكريم وأن يشمله بلطفه وفضله ورحمته. وحيث أن هذه المفردة يخاطب بها الداعي ربه الكريم في الدعاء الذي يستعد به لتلاوة ما تيسر من كتابه المجيد؛ من هنا يتضح ان ما يطلبه من الالطاف والفضل والرحمات الالهية ينبغي ان يرتبط بالدرجة الأولى بالعمل الذي يقوم اي دعاء التلاوة ثم التلاوة نفسها. فتكون نتيجة ذلك أن الداعي هنا ينبغي ان يثير في قلبه وهو يخاطب ربه الكريم بلفظة "اللهم" مشاعر الأمل والرجال بأن يبارك في دعائه وتلاوته القرآنية ويعينه على أداء هذا العمل العبادي بالصورة المطلوبة التي يرتضيها الله عزوجل لعباده. مستمعينا الأكارم، ان من العوامل المهمة التي تؤدي الى تحقيق الاعمال العبادية والاذكار الشرعية المطلوبة لآثارها التي ذكرتها النصوص الشريفة هو أن يفهم الذاكر معاني مفردات هذه الاذكار اولاً ويستذكرها باستمرار ثانياً ويعيش وجدانياً وقلبياً الحالات التي تحملها هذه المفردات ثالثاً. ويتأكد هذا الامر في المفردات التي تتكرر كثيراً في الادعية والاذكار مثل مفردة "اللهم" اذ ان تكرارها يجعلها عادية بالنسبة للداعي الأمر الذي قد يغفله عن معانيها والدلالات التي تحملها. وهذه الغفلة هي من أهم العوامل التي تحرم الداعي والذاكر من الحصول على الثمار والبركات الكامنة في الاذكار الشرعية وتحول هذه الاذكار الى لقلقة لسان قليلة الخير والبركة بالنسبة له. نشكر لكم ايها الاطائب طيب الاستماع لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) قدمناه لكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، دمتم بكل خير وفي أمان الله. شرح فقرة: "بسم الله، اللهم اني أشهد أن هذا كتابك..." (2) - 107 2014-05-06 15:41:21 2014-05-06 15:41:21 http://arabic.irib.ir/programs/item/11335 http://arabic.irib.ir/programs/item/11335 بسم الله والحمدلله الذي هدانا لمعرفة ثقلي النجاة من كل ضلالة والفوز بكل رحمة والتمسك بهما، كتابه المجيد وعترة حبيبه سيد المرسلين صلوات الله وبركاته عليه وآله الطاهرين. السلام عليكم أيها الأحبة ورحمة الله وبركاته. لكم منا أطيب تحية نهديكم لكم في مطلع لقاء اليوم من هذا البرنامج. نستلهم فيها دروساً أخرى في حسن تلاوة القرآن الكريم من الدعاء المندوب لتلاوته قبل قراءة ما تيسر من آيات الذكر الحكيم. والدعاء كما يعلم متابعو البرنامج مروي في مصادرنا المعتبرة عن ناشر السنة المحمدية النقية مولانا الامام جعفر الصادق –عليه السلام-، نتبرك أولاً بقراءة المقطع الأول منه وهو: "بسم الله، اللهم اني أشهد أن هذا كتابك المنزل من عندك على رسولك محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله، وكتابك الناطق على لسان رسولك وفيه حكمك وشرائع دينك أنزلته على نبيك وجعلته عهداً منك الى خلقك وحبلاً متصلاً فيما بينك وبين عبادك". مستمعينا الاكارم، كانت لنا في الحلقتين السابقتين من هذا البرنامج تأملات في الفقرة الاولى من هذا المقطع وفيها يفتتح الإمام دعاء تلاوة القرآن بعبارة "بِسْمِ الله" وقد تعلمنا من ذلك أن علينا الافتتاح بأسم الله عزوجل في هذا العمل العبادي عملاً بما أمرتنا به النصوص الشريفة فقد اكدت ان كل عمل لا يبدأ ببسم الله فهو أبتر لاتتم فائدته وبركته؛ كما أن البدء ببسم الله يحصن الانسان من ان يفسد الشيطان عليه عمله العبادي وغيره. واتضح معنى البدء باسم الله تبارك وتعالى هو الاستعانة بالله عزوجل للحصول على الغاية المرجوة من العمل؛ وهذا ما يتضح أكثر عندما نعرف معنى فقرة "اسم الله"، ويتيسر ذلك من خلال معرفة معنى لفظي "الإسم"، ولفظ الجلالة "الله". ونبدأ "بالأسم"، ومعناه الوصف الدال على المسمى، ولذلك روي في كتاب معاني الاخبار للشيخ الصدوق مسنداً عن ابن سنان قال: سألت الرضا عن الاسم ماهو؟ فقال –عليه السلام-: هو صفة لموصوف. وعليه فاننا عندما نبدأ اي عمل باسم الله تبارك وتعالى فان ذلك يعني اننا نلجأ اليه عزوجل الذي يدلنا اسمه عليه؛ قال مولانا الامام الرضا –عليه السلام- ضمن حديث آخر مروي في كتاب معاني الاخبار أيضاً يبين فيه حاجة الخلق لمعرفة الله باسمائه: "هو –عزوجل- نفسه ونفسه هو، قدرته نافذه فليس يحتاج ان يسمي نفسه –لنفسه-، ولكنه اختار لنفسه أسماءً لغيره يدعوه بها، لانه اذا لم يدع باسمه لم يعرف، فأول ما اختار لنفسه "العلي العظيم" لأنه أعلى الاشياء كلها، فمعناه "الله" واسمه العلي العظيم وهو أول أسمائه لانه عليٌ علا كل شيء". أيها الاخوة والاخوات، أما عن معنى لفظ الجلالة "الله" الذي نفتتح تلاوتنا لكتابه المجيد باسمه، فيهدينا اليه الامام علي أمير المؤمنين –عليه السلام- في المروي عنه في كتاب التوحيد للشيخ الصدوق رضوان الله عليه أن رجلاً سأله عن معنى البسملة فاجاب -عليه السلام-: (الله أعظم اسم من أسماء الله عزوجل وهو الاسم الذي لا ينبغي ان يسمى به غيره ولم يتسمّ به مخلوق" فسأله الرجل عن تفسير لفظ "الله" فاجاب صلوات الله عليه بقوله: (-هو- الذي يتأله اليه عند الحوائج كل مخلوق عند انقطاع الرجاء من جميع من دونه وتقطع الاسباب من كل من سواه، وذلك ان كل مترئس ف يالدنيا ومتعظم فيها وان عظم غناؤه وطغيانه وكثرت حوائج من دونه اليه، فأنهم سيحتاجون حوائج لا يقدر عليها هذا المتعاظم، وكذلك هذا المتعاظم يحتاج حوائج لا يقدر عليها، فينقطع الى الله عند ضرورته وفاقته" وروي في كتاب (معاني الاخبار) مسنداً عن الامام الحسن العسكري –عليه السلام- أنه قال في تفسير معنى البسملة: "الله هو الذي يتأله عند الحوائج والشدائد كل مخلوق وعند انقطاع الرجاء من كل من دونه وتقطع الاسباب من جميع من سواه تقول: بسم الله، أي استعين على أموري كلها بالله الذي لا تحق العبادة الا له، المغيث اذا استغيث والمجيب اذا دعي". وروي في كتاب (البرهان في تفسير القرآن) عن الامام محمد الباقر –عليه السلام- انه قال: "الله، معناه: المعبود الذي اله الخلق –أي حاروا وعجزوا- عن درك ماهيته والاحاطة بكيفيته وتقول العرب: اله الرجل اذا تحير في الشيء فلم يحط به علماً، ووله الرجل اذا فزع الى شيء مما يحذره ويخافه". ونستفيد من هذه الاحاديث الشريفة وغيرها، ان افتتاحنا دعاء تلاوة القرآن الكريم ببسم الله يعني أولاً اللجوء الى المعبود الذي لا تحق ولا تجوز العبادة لغيره، والاستعانة ثانياً بالخالق القادر على كل شيء والذي خلقه اعانة المستعين به واجابة دعاء من يدعوه. وعليه يكون افتتاح دعاء التلاوة باسم الله عملاً عبادياً بحد ذاته نطلب فيه من الله العون على ان نتلو القرآن بالصورة التي نحصل فيها على أكمل بركاتها ورحماتها. وبهذه النتيجة نختم أيها الاحبة حلقة أخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم له من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، شكراً لكم وفي أمان الله. شرح فقرة: "بسم الله، اللهم اني أشهد أن هذا كتابك..." (1) - 106 2014-05-05 08:48:42 2014-05-05 08:48:42 http://arabic.irib.ir/programs/item/11285 http://arabic.irib.ir/programs/item/11285 بسم الله والحمدلله الذي جعلنا من المتمسكين بعروته الوثقى وحبله المتين ثقلي هدايته للعالمين كتابه المبين وعترة حبيبه سيد المرسلين –صلى الله عليه وآله الطاهرين السلام عليكم اخوتنا المستمعين ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج حيث نقضي دقائق مباركة في رحاب الدعاء المروي عن مولانا الامام الصادق –عليه السلام- والمستحب التوجه به الى الله عزوجل قبل الشروع بتلاوة ما تيسر من كتابه المجيد ونحن في مقطعه الأول حيث يقول –عليه السلام-: "بسم الله، اللهم اني أشهد أن هذا كتابك المنزل من عندك على رسولك محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله، وكتابك الناطق على لسان رسولك وفيه حكمك وشرائع دينك أنزلته على نبيك وجعلته عهداً منك الى خلقك وحبلاً متصلاً فيما بينك وبين عبادك". أيها الأطائب، في الحلقة السابقة كانت لنا وقفة أولى عنه الفقرة التي يفتتح بها الامام الصادق –عليه السلام- وهي قوله "بسم الله"، وقد عرفنا من الأحاديث القدسية والاحاديث النبوية أنها تأمر بافتتاح كل عمل باسم الله عزوجل لأن ذلك هو مفتاح حصول المؤمن على البركات التي يرجوها من العمل وبدون ذلك يكون العمل أبتراً اي منقطع الخير والفائدة وبالتالي لا تكمل فائدته، والإفتتاح باسم الله يعني الاستعانة به عزوجل في أداء العمل ومن مصاديقه الدعاء قبل تلاوة القرآن سعياً للحصول على البركات المرجوة من هذا الدعاء ومن تلاوة ما تيسر من كتاب الله. وتهدينا الاحاديث الشريفة الى أن افتتاح أي عمل حتى العبادي مثل الدعاء وتلاوة القرآن بأسم الله عزوجل وسيلة لدفع الشيطان والنجاة من وساوسه ومساعيه لصد الانسان عن سبيل الله والانتفاع من البركات التي يرجوها من العمل، فمثلاً روي في كتاب المحاسن للشيخ الجليل احمد البرقي مسنداً عن ناشر السنة المحمدية مولانا الامام جعفر الصادق –عليه السلام- انه قال: "اذا توضأ احدكم ولم يسمّ –يعني باسم الله- كان للشيطان في وضوئه وصلاته شرك، وان اكل او شرب أو لبس وكل شيء صنعه ينبغي له ان يسمي عليه –يعني باسم الله-، فان لم يفعل كان للشيطان فيه شرك". مستمعينا الافاضل كما تهدينا النصوص الشريفة الى أن ترك التسمية باسم الله عزوجل عند البدء بالعمل قد يؤدي الى اصابة الانسان بمكروه ينبهه الى ان هذه التسمية هي مظهر العبودية والافتقار لله عزوجل في كل شيء كما أنها في الوقت نفسه وسيلة بلوغ العامل لغايته من العمل، وهذا ما يشير اليه ما روي في كتاب التوحيد عن مولانا الامام الصادق –عليه السلام- انه قال ضمن حديث طويل: "الله القادر على الانجاء حيث لا منجي والإغاثة حيث لا مغيث، .. ولربما ترك بعض شيعتنا في افتتاح أمره –اي عمله- بسم الله الرحمن الرحيم، فيمتحنه الله بمكروه لينبهه على شكر الله تبارك وتعالى والثناء عليه ويمحق عنه وصمة تقصيره عند تركه قوله: "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" ". وجاء في كتاب التوحيد للشيخ الصدوق ايضاً الحديث القدسي التالي ضمن حديث عن الامام علي زين العابدين –صلوات الله عليه-: "فقال الله عزوجل لعباده: أيها الفقراء الى رحمتي، اني قد الزمتكم الحاجة اليّ في كل حال ... فاليّ فافزعوا في كل أمر تأخذون فيه وترجون تمامه وبلوغ غايته، فاني ان اردت ان اعطيكم لم يقدر غيري على منعكم، وان اردت أن امنعكم لم يقدر غيري على اعطائكم... فقولوا عند افتتاح كل أمر صغير او عظيم: بسم الله الرحمن الرحيم.... اي استعين على هذا الامر بالله الذي لا يحق العبادة لغيره، المغيث اذا استغيث، المجيب اذا دعي، الرحمان الذي يرحم ببسط الرزق علينا، الرحيم بنا في أدياننا ودنيانا وآخرتنا، خفف علينا الدين واجعله سهلاً خفيفا". ايها الاخوة والاخوات وتصرح الاحاديث الشريفة بان الافتتاح باسم الله جل جلاله هو وسيلة التحصين من كل سوء يمكن ان يطرأ على العمل من جهة ومن جهة ثانية الفوز بسعادة الحصول على بركاته المرجوة، فقد روي في التفسير المنسوب للامام الحسن العسكري –عليه السلام- ضمن حديث طويل عرّف فيه الامام علي –عليه السلام- احد شيعته اسمه عبدالله بن يحيى اهمية الافتتاح باسم الله، فقال ابن يحيى عنئذ: (بأبي انت وأمي –يا امير المؤمنين- لا اتركها- يعني التسمية-، فقال –عليه السلام-:"اذن تحصّن بذلك وتسعد"). وبناءً على ما تقدم نخلص الى القول الى أن من أهم آداب ما قبل البدء بالدعاء لتلاوة القرآن الكريم ان يبدأ المؤمن ذلك بالتسمية باسم الله وهو يرجو من الله في قلبه ان يحصنه من وساوس الشيطان ويسعده ببلوغ غايته وأمله من تلاوة كتابه المجيد بأكمل صورة وأعظم البركة. والى هنا ننهي أيها الاكارم حلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) شاكرين لكم كرم المتابعة الى لقائنا المقبل بأذن الله لكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، خالص الدعوات ودمتم بكل خير. ما الذي تحمله لنا من دروس الفوز بالبركات المرجوة من تلاوة كتاب الله تبارك وتعالى؟ - 105 2014-05-04 09:00:14 2014-05-04 09:00:14 http://arabic.irib.ir/programs/item/11284 http://arabic.irib.ir/programs/item/11284 بسم الله والحمدلله الذي تفضل علينا بمعرفة ثقلي الهداية والفلاح والنجاح والصلاح والتمسك بهما قرآنه المبين وعترة حبيبه سيد المرسلين مولانا نبي الرحمة محمد –صلوات الله عليه وآله الطاهرين-. سلامٌ من الله عليكم أيها الاطياب ورحمة منه وبركاته. بتوفيق الله نلتقيكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج، نبدأ فيها بالتأمل في المقطع الأول من الدعاء عن مولانا الامام جعفر الصادق –عليه السلام- والذي يستحب التوجه به الى الله عزوجل قبل البدء بتلاوة القرآن الكريم: قال –عليه السلام- في هذا المقطع: "بسم الله اللهم إني أشهد أن هذا كتابك المنزل من عندك على رسولك محمد بن عبدالله –صلى الله عليه وآله- وكتابك الناطق على لسان رسولك وفيه حكمك وشرائع دينك، أنزلته على نبيك وجعلته عهداً منك الى خلقك، وحبلاً متصلاً فيما بينك وبين عبادك ". أيها الاحبة، نتوقف أولاً عند الفقرة التي يبتدأ بها الامام الصادق دعاءه في الاستعداد لتلاوة القرآن وهي قوله –عليه السلام-: (بسم الله)، فما الذي نتعلمه من هذه الفقرة؟ وما الذي تحمله لنا من دروس الفوز بالبركات المرجوة من تلاوة كتاب الله تبارك وتعالى؟ في الاجابة عن السؤال الاول نقول: ان أول ما نتعلمه من افتتاح الامام –عليه السلام- دعاءه باسم الله، هو ضرورة أن نبدأ كل عمل بأسم الله، ففي ذلك كمال الحصول على فائدته وبركته. وهذه من القواعد الاساسية في عمل المؤمن اكدتها كثيرٌ من النصوص الشريفة، أشهرها الحديث النبوي الشهير المروي من طرق الفريقين عن النبي الأكرم حبيبنا المصطفى –صلى الله عليه وآله- أنه قال: "كل امر لا يبدوا بسم الله فهو أبتر" ويستفاد من الاحاديث الشريفة المروية من طرق أهل البيت –عليهم السلام-أن مضمون هذا الحديث النبوي مروي في الاحاديث القدسية عن الله تبارك وتعالى، فمثلاً روي في كتاب وسائل الشيعة للحر العاملي ضمن حديث عن الامام الحسن العسكري –سلام الله عليه-، أن رجلاً أصابه ما يكره وهو في مجلس فقال لأمير المؤمنين الامام علي –عليه السلام-: ان رأيت أن تعرفني ذنبي الذي أمتحنت به في هذا المجلس؟ فقال أمير المؤمنين –عليه السلام-: [ذنبك] تركك أن تقول بسم الله الرحمن الرحيم، ان رسول الله –صلى الله عليه وآله- حدثني عن الله عزوجل أنه قال: "كل أمر ذي بال لا يذكر (بأسم الله) فيه فهو أبتر " ايها الاخوة والأخوات، وقد ذكر العلماء أن معنى (الأبتر) هو المقطوع أي ان ثمرة العمل الذي لا يفتتح باسم الله لا يؤدي الى ثمرته المطلوبة أو انه يكون ناقصاً غير كامل. ولذلك جاءت المقابلة القرآنية البليغة في سورة (الكوثر) المباركة بين اعطاء الكوثر –وهو الذي يعني اعطاء الخير الكثير- وبين الابتر الذي يعني الذي تنقطع فائدته وبركته أو المنقطع عن الخير كما جاء في تفسير الميزان؛ وعلى أي حال فمن هذه المقابلة القرآنية بين الكوثر والخير الكثير وبين الأبتر نستفيد ان العمل الابتر هو ضد العمل الكوثر، فالأول منقطعٌ خيره والثاني مستمرٌ متواصل الخير والبركات. والسر في ذلك واضحٌ اعزاءنا فالله تبارك وتعالى هو مبدأ كل خير ورحمة وبركة وافتتاح كل عمل باسمه يعني الاستعانة به عزوجل لبلوغ الخير المنشود في العمل، وهذا ما يشير اليه الحديث القدسي الذي رواه الشيخ الصدوق في كتاب التوحيد بسنده عن علي –عليه السلام- انه قال ضمن حديث: "ان الله يقول: أنا احق من سئل واولى من تضرع اليه، فقولوا عند افتتاح كل أمر صغير وعظيم: بسم الله الرحمن الرحيم، أي: استعين على هذا الأمر بالله الذي لا تحق العبادة لغيره المغيث اذا استغيث، والمجيب اذا دعي". ايها الاكارم، وجاء في جانب أخر من الحديث الشريف المتقدم الذي رواه الشيخ الصدوق في كتاب التوحيد عن أمير المؤمنين الامام علي –عليه السلام- اشارة نبوية بليغة الى استمرار بركة العمل الذي يفتتح باسم الله حتى اذا كان العمل بذاته لا يحمل فائدة او كثير الصعوبات، فقد أعقب الامام علي نقله الحديث القدسي المتقدم بقوله: وقال رسول الله –صلى الله عليه وآله-: "من حزنه أمر يتعطاه فقال: بسم الله الرحمان الرحيم وهو مخلص لله ويقبل بقلبه اليه لم ينفك من احدى اثنتين، اما بلوغ حاجته في الدنيا واما يعد له عند ربه ويدخر له لديه وما عندالله خيرٌ وأبقى للمؤمنين". ومن هذا الحديث النبوي نستفيد ايضاً مستمعينا الافاضل أن الانسان اذا لم يبتدأ باسم الله في عمل معين ثم ناله الحزن لعدم تيسره فليتدارك ذلك بالاستعانة باسم الله الرحمان الرحيم مخلصاً له تبارك وتعالى وبذلك يحصل على احدى الحسنيين اما تحقق ما يأمله في الدنيا او ادخار الله الخير الكثير في الآخرة وما عندالله خيرٌ وأبقى. مستمعينا الافاضل، وافتتاح دعاء تلاوة القرآن باسم الله يعين المؤمن على دفع وساوس الشيطان او الغفلة عما يتلو من كتاب الله عزوجل وهذا ماهدتنا له احاديث شريفة نتناولها بعون الله في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) نشكر لكم طيب المتابعة ولكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، خالص الدعوات في امان الله. شرح فقرة: "اللهم اني اشهد ان هذا كتابك..." - 104 2014-05-03 09:34:47 2014-05-03 09:34:47 http://arabic.irib.ir/programs/item/11283 http://arabic.irib.ir/programs/item/11283 بسم الله وله الحمد اذ هدانا للتمسك بعروته الوثقى وحبله المتين، كتابه المجيد وعترة حبيبه سيد المرسلين سيدنا محمد –صلى الله عليه وآله الأطيبين-. السلام عليكم أيها الاخوة والاخوات ورحمة منه وبركات، اطيب تحية نهديها لكم في حلقة جديدة من هذا البرنامج. نبدأ من هذا اللقاء ايها الاحبة بوقفات تأملية بالدعاء الشريف الذي أمرنا اهل بيت النبوة المحمدية –عليهم السلام- بالتوجه الى الله عزوجل به قبل تلاوة القرآن الكريم سعياً للفوز بالمزيد من بركات المائدة القرآنية. وهذا الدعاء مرويٌ عن ناشر السنة المحمدية مولانا الامام الصادق –عليه السلام- في كتابي الاختصاص للشيخ المفيد والاقبال للسيد ابن طاووس- رضوان الله عليه-. وهو دعاء على قصره يشمل على تنبيهات لأهم الامور التي ينبغي لتالي القرآن مراعاتها لكي تكون تلاوته لكتاب الله بالصورة الفضلى التي تعود عليه بأفضل الفوائد. وقد اشتملت رواية هذا الدعاء الشريف، على دعاء ثان هو الدعاء المأمور بالتوجه الى الله عزوجل بعد انهاء تلاوة ما يتيسر من قرآنه الكريم، ولهذا الدعاء أيضاً آثاره في حفظ الثمرات التي يحصل عليها تالي القرآن من تلاوته. نبدأ أولاً بقراءة نص الرواية والدعاء المأثور قبل الشروع بالتلاوة فأبقوا معنا مشكورين: جاء في رواية كتابي الاختصاص مسنداً عن علي بن ميمون الصائع ان الامام الصادق –عليه السلام- كان من دعائه اذا اخذ مصحف القرآن الجامع وقبل ان ينشره ان يقول حين يأخذه بيمينه: "بسم الله، اللهم اني اشهد ان هذا كتابك المنزل من عندك على رسولك محمد بن عبدالله –صلى الله عليه وآله- وكتابك الناطق على لسان رسولك، وفيه حكمك وشرائع دينك، أنزلته على نبيك وجعلته عهداً منك الى خلقك وحبلاً متصلاً فيما بينك وبين عبادك. اللهم [اني] نشرت عهدك وكتابك، اللهم فأجعل نظري فيه عبادة، وقرائتي فيه تفكراً، وفكري فيه اعتباراً، واجعلني ممن اتعظ ببيان مواعظك فيه واجتنب معاصيك، ولا تطبع عند قرائتي كتابك على قلبي ولا على سمعي، ولا تجعل على بصري غشاوة، ولا تجعل قرائتي قراءة لا تدبر فيها، بل اجعلني اتدبر آياته واحكامه، آخذاً بشرايع دينك، ولا تجعل نظري فيه غفلة ولا قرائتي هذرا، انك أنت الرؤوف الرحيم". مستمعينا الافاضل، قلنا في بداية اللقاء ان هذا الدعاء هو الذي امرنا اهل البيت المحمدي –عليهم السلام- بالتوجه الى الله عزوجل به قبل تلاوة القرآن الكريم. ولكنكم لا حظتم ان الرواية خلت من الامر المباشر بذلك، وحقيقة الامر هي ان اوامر اهل البيت النبوي تارة تاتي بصيغة الامر المباشر وتاتي بصيغة الامر غير المباشر اي عبر القيام بالعمل الذي يدعون الآخرين له. وهذا الامر ثابت في المباحث العقائدية فسيرتهم كسيرة جدهم مرجعهم الهادي المختار –صلى الله عليه وآله- حجة ومصدر للتشريع كما هو حال أقوالهم التي هي في الواقع احاديث رسول الله –صلى الله عليه وآله-. وبعد هذه الملاحظة، نتوقف قليلاً عند العبارة التالية الواردة في مقدمة الدعاء حيث يقول الراوي "كان من دعائه اذا اخذ مصحف القرآن الجامع". وفي هذه العبارة اشارة لطيفة الى استحباب ان تكون تلاوة القرآن –قدر الامكان- بالمصحف الجامع لجميع اجزاء القرآن، وليس بأجزاء منفصلة منه. ولذلك آثار مشهودة في تقوية ارتباط التالي بالقرآن الكريم كله. ايها الاخوة والأخوات في مقدمة الدعاء قول الراوي كان –عليه السلام- يقول... "قبل ان يقرا القرآن وقبل ان ينشره حين يأخذه بيمينه". ومن هذه العبارة نستفيد الاستحبابات التالية: أولاً: إستحباب المداومة على التوجه الى الله عزوجل قبل كل مرة يتوجه فيه المؤمن لتلاوة كتاب الله تبارك وتعالى وهذا هو المستفاد من عبارة (كان يقول) فهي تفيد الاستمرار والتكرار. ثانياً: استحباب الاقبال على الله عزوجل بهذا الدعاء قبل أن ينشر المصحف أي قبل فتحه، ولعل من أسرار ذلك هو أن لا يشغله النظر الى الكلمات القرآنية عن التوجه القلبي الى الله تبارك وتعالى اثناء الدعاء وهذا التوجه من أهم شروط استجابة الدعاء كما ورد في الأحاديث الشريفة. ثالثاً: استحباب أن يأخذ تالي كتاب الله المصحف بيمينه اي يده اليمنى وفي ذلك اشعار للقلب بالمزيد من القدسية والتوقير والاحترام لكتاب الله المجيد، ومعلوم أن تقوية هذا التقديس من العوامل المؤثرة في تقوية التفاعل الوجداني مع ما يتلو المؤمن من كتاب ربه جل جلاله وبالتالي الفوز بثمرات هذه التلاوة المباركة وما فيها من مظاهر الرحمة الالهية. والى هنا ينتهي ايها الاحبة الوقت المخصص لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم له من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، شكراً لكم ودمتم في رعاية الله. شرح فقرة: "اللهم أسألك بعزة ذلك الاسم..." - 103 2014-04-30 09:44:24 2014-04-30 09:44:24 http://arabic.irib.ir/programs/item/11279 http://arabic.irib.ir/programs/item/11279 بسم الله وله الحمد اذ رزقنا موالاة مظاهر اسمائه الحسنى وكنوز رحمته العظمى حبيبه المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ابي القاسم الاحمد محمد وآله الطاهرين صلواته وتحياته وبركاته عليهم أجمعين. السلام عليكم مستمعينا الأفاضل ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكم في حلقة جديدة من هذا البرنامج هي الخامسة من حلقات خمس خصصناها لنظرة اجمالية نسجل فيها أهم ما استفدناه من التامل في فقرات دعاء الحجب الشريف. وهذا الدعاء –احباءنا- هو كما عرف المتابعون للبرنامج من اهم ادعية اهل بيت النبوة –عليهم السلام- وقد هدانا النبي الاكرم –صلى الله عليه وآله- في مقدمة الى عظيم آثاره في الغلبة على الشدائد والصعاب وقضاء الحاجات مهما كانت صعبة. والسر في ذلك هو أنه يقدم للمؤمن معرفة توحيدية عالية بالله عزوجل تؤهله للتوجد اليه والارتباط باسمه الاعظم وهو اعز الاسماء الذي به قضاء الحاجات والفوز بالنصرة الالهية التامة. وهذا المعنى هو الركيزة المحورية في المقاطع الاربعة الأولى من الدعاء كما المحنا لذلك في الحلقات السابقة. هذا من جهة ومن جهة ثانية فان المقطع الختامي من هذا الدعاء يهدينا الى طريقه ازالة جميع العوامل التي تسلبنا الاهلية واللياقة اللازمة لتلقي الفيض الالهي والفوز بالنصرة او الولاية الالهية والارتباط بالاسم الاعظم، وهذا ما نتناوله ببعض التفصيل في لقاء اليوم فابقوا معنا مشكورين. ايها الاكارم نتلو معاً المقطع الختامي من دعاء الحجب الشريف مقتدين بالنبي الاعظم –صلى الله عليه وآله- وهو يناجي ربه الكريم قائلاً: "اللهم... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد وان تصرف عني وعن اهل حزانتي وجميع المؤمنين والمؤمنات، جميع الآفات والعاهات والاعراض والامراض والخطايا والذنوب والشك والشرك والكفر والشقاق والنفاق والضلالة والجهل والمقت والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة وشماتة الاعداء، وغلبة الرجال، انك سميع الدعاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم". أعزاءنا المستمعين هذا المقطع هو في الواقع المقطع المحوري في دعاء الحجب الشريف، فهو الذي يشتمل على عرض الداعي لحاجاته على الله عزوجل، ولكن هذه الحاجات قد تكون غير الحاجة الاساسية التي التجأ من اجلها بدعاء الحجب الى الله عزوجل لكي يقضيها له. فقد عرفنا من مقدمة الدعاء ان حبيبنا نبي الرحمة –صلى الله عليه وآله- الى الالتجاء الى الله عزوجل بهذا الدعاء لدفع اي شدة نمر بها أو لاستجلاب اي خير نستشعر الحاجة اليه، سواءً كان معنوياً او مادياً، فمثلاً نحن مأمورون بأن نلتجا الى الله عزوجل بهذا الدعاء لتيسير أداء دين باهض اثقل كواهلنا وليس لنا قدرة على تسديده، او لطلب زيادة علم او دفع هم او انقاذ عزيز او شفاء مريض وغير ذلك من الحاجات المشروعة دنيوية كانت او اخروية. ولكن الملاحظ ان نص هذا الدعاء يخلو من الامر بذكر الحاجة الخاصة التي التجئنا بسببها الى الله عزوجل بهذا الدعاء كما هو مألوف في معظم ادعية قضاء الحاجات؛ فما الذي يعنيه ذلك؟ في الاجابة عن هذا السؤال نقول: ان من الواضح بالتأمل في مقدمة الدعاء ونصه ان النبي الاكرم والصادق الامين –صلى الله عليه وآله-، قد ضمن لمن يدعو بهذا الدعاء الشريف قضاء الله عزوجل لحاجته الخاصة وان لم يفصح عنها. وهذا الضمان المحمدي الصادق يتحقق بان يتفاعل الداعي بصدق مع جميع فقرات هذا الدعاء الشريف ويطلب بصدق ما يعلمه –صلى الله عليه وآله- ان يطلبه من الله عزوجل في المقطع الختامي من هذا الدعاء المبارك، فما الذي يعنيه ذلك؟ ايها الاخوة والأخوات، الذي نستفيده من التامل في الطلبات الواردة في المقطع الختامي من دعاء الحجب هو ان تحقق هذه الطلبات للداعي يجعله جديراً بان يستجيب الله عزوجل له في كل ما يرغب به من خير مادي ومعنوي، لانه يصبح ببركة ذلك لا يطلب الا ما فيه صلاحه وخيره، أي تصبح نفسه الهية لا تطلب شيئاً بدافع الهوى ولا تطلب شيئا فيه ضررها وهي تتصور -بسبب الجهل- أن فيما تطلبه نفعاً له. وهذه الحالة تتحقق من خلال كمال التجاء الانسان لله عزوجل في جميع شؤونه وتسليمه له تبارك وتعالى وطلبه منه ان يطهرّه عن كل ما يمنعه من تلقي الفيض والخير الالهي وحسن الاستفادة منه. من هنا نلاحظ ان المقطع الختامي اشتمل في الواقع على مطلب محوري واحد هو أن يصرف الله عزوجل عن الداعي ومن يهمه امره وجميع المؤمنين والمؤمنات العوامل التي تمنعه من الاستفادة من اي شكل او نوع من العطاء والاحسان الالهي. وهذه العوامل هي واحد وعشرون عاملاً فصلنا الحديث عنها في الحلقات السابقة وعلمنا من النصوص الشريفة انها هي التي تحرم الانسان من الحياة السعيدة الطيبة في الدنيا والآخرة، ولذلك فان طلب الانسان ان يصرفها الله عند اهم من طلبه لاي حاجة اخرى، بل ان في ظل تطهره من تلك العوامل يتأهل بالكامل لحسن الاستفادة من نعمة يطلبها من الله عزوجل بل وبذلك ينجو من كل شدة وشر يحذر منه. وفقنا الله واياكم لذلك ببركة الالتجاء اليه بأدعية صفوته الهداة محمد وآله الاطهار صلوات الله عليهم اجمعين. نشكر لكم مستمعينا الاطائب طيب الاستماع لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) ولكم دوماً من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، خالص الدعوات دمتم في رعاية الله. شرح فقرة: "اللهم أسالك بمعاقد العز من عرشك..." - 102 2014-04-29 09:41:25 2014-04-29 09:41:25 http://arabic.irib.ir/programs/item/11277 http://arabic.irib.ir/programs/item/11277 بسم الله والحمدلله أرحم الراحمين واكرم الاكرمين والصلاة والسلام على نبيه المبعوث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم مستمعينا الاطائب ورحمة الله وبركاته، أطيب تحية نحييكم بها في مطلع حلقة جديدة من هذا البرنامج هي الرابعة من خمس حلقات خصصناها لنظرة اجمالية لدعاء الحجب الشريف نثبت من خلالها اهم النتائج المحورية والفوائد الاساسية التي استفدناها من تاملاتنا في هذا الدعاء المبارك.. فنبدأ في هذه الحلقة بالمقطع الثالث من هذا الدعاء مقتدين بحبيبنا الهادي المختار –صلى الله عليه وآله- وهو يخاطب ربه الجليل قائلاً: "اللهم ... أسالك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك وبكل اسم هو لك سميت به نفسك او استاثرت به في علم الغيب عندك، وبكل اسم هو لك انزلته في كتابك، او اثبته في قلوب الصافين الحافين حول عرشك فتراجعت القلوب الى الصدور عن البيان بأخلاص الوحدانية وتحقيق الفردانية مقرة لك بالعبودية، وانك انت الله، أنت الله ، أنت الله، لا اله الا أنت". ايها الافاضل، في المقطعين الأول والثاني من هذا الدعاء النبوي لاحظنا أنهما يثيران في قلب الداعي معرفة الله عزوجل بالعظمة المطلقة التي تجعل كل الاسباب منقادة لمشيئته وارادته الامر الذي يجعل الداعي على يقين من استجابة الله لدعائه مهما كان ما يطلبه صعباً في النظرة الاولى، كما أن المقطع الثاني يرسخ المعرفة الفطرية بأن الله هو المنعم المجمل الذي تشمل نعمه توفير جميع احتياجات خلقه، وهذه المعرفة تقوي توجد الداعي اليه طلباً لما يدعوه من اجل تحققه. أما المقطع الثالث الذي تلوناه قبل قليل فهو يوجد الداعي الى اسماء الله الحسنى التي جعلها عزوجل وسائل الحصول على الفيض والرحمات الخاصة التي نطلبها منه تبارك وتعالى. وهذه الأسماء جميعاً تعود الى صفتين من أمهات الصفات الالهية هما العزة والرحمة، فبالعزة والرحمة يدبر الله شؤون خلقه الى ما فيهم صلاحهم وكمالهم فهو الذي خلق فسوى وقدر فهدى كما ورد في سورة الاعلى المباركة. والاسماء الحسنى هي الاسباب التي جعلها الله لتحقيق ذلك، فهي معاقد العز من العرش الالهي الذي يشير الى سلطنة الربوبية الالهية، اي انها اسباب التدبير الالهي لشؤون الخلق وايصالهم الى منتهى وغاية ما هم مستعدون من الرحمة الالهية. ايها الاخوة والأخوات، وقد عرفنا من النصوص الشريفة التي أشرنا اليها في الحلقات الخاصة بهذا المقطع أن الاسماء الالهية الحسنى على نوعين: اللفظية والتكوينية فالأولى هي الدالة على الله عزوجل والمعرفة له بالمعنى اللفظي مثل اسم الرحيم والحي والقيوم والرؤوف ونظائرها مما ورد ذكره في القرآن الكريم. اما الثانية فهي الدالة على المسمى اي الله تبارك وتعالى بوجودها التكويني، أي المعرفة برحمتها لرحمة الله وباخلاقها لاخلاق الله، ومصداقها هم النبي الاكرم واهل بيته المعصومين المطهرين –عليه وعليهم السلام- وهم مصاديق الانسان الكامل حسب التعبير الفلسفي وخليفة الله حسب التعبير القرآني، ومعرفتهم –عليهم السلام- هي طريق معرفة الله عزوجل وهم الممثلون لارادته العاملون بها والحافون بعرش الله اي الاسباب التي بها يدير شؤون عباده. من هنا كان اتباعهم سبب الفوز بحب الله عزوجل لان طاعتهم طاعته وهم معلموا البشر توحيد الله بجميع مراتبه النظرية العقلية والوجدانية القلبية والسلوكية الجوارحية والهداة الى الاخلاص الكامل له عزوجل بنفي كل ما لا يليق بعزته ورحمته تبارك وتعالى. إذن –مستمعينا الاعزاء- فالمطقع الثالث من دعاء الحجب الشريف يعلمنا في الواقع ان نسأل الله عزوجل قضاء حوائجنا باسمائه الحسني اللفظية والتكوينية معاً لانه جلت حكمته جعلها وسائل تنفيذ ارادته وتدبير شؤون عباده، وهذه هي الحقيقة التي يتمحور حولها المقطع الرابع من هذا الدعاء المبارك من خلال بيان بعض مظاهر تجلي الله عزوجل بتلك الاسماء المقدسة وآثار سؤاله والتوسل اليه بها ففي هذا المقطع يعلمنا نبي الرحمة –صلى الله عليه وآله- أن نخاطب الله عزوجل بهذه الفقرات: "وأسأل بالاسماء التي تجليت بها للكليم على الجبل العظيم فلما بدا شعاع نور الحجب من بهاء العظمة خرت الجبال متدكدكة لعظمتك وجلالك وهيبتك وخوفاً من سطوتك، راهبة منك، فلا اله الا انت، فلا اله الا انت، فلا اله الا انت، واسالك بالاسم الذي فتقت به رتق عظيم جفون عيون الناظرين، الذي به تدبير حكمتك وشواهد حجج أنبيائك، يعرفونك بفطن القلوب وأنت في غوامض مسرات سريرات الغيوب". وكما تلاحظون –أحباءنا- فان في هذا المقطع اشارات لطيفة ودقيقة جديرة بالمزيد من التأمل العميق الذي يفضي الى معرفة حقيقة ان التوجه الى الله عزوجل بأسمائه الحسنى وعبر موالاة واتباع أسمائه التكوينية اي اهل بيت العصمة المحمدية –عليهم السلام- يزيح عن الانسان بالكامل ثقل الخضوع لاسر النفس مهما كان جبل عبوديتها عظيماً فتصل الى التوحيد الخالص بجميع مراتبه المذكورة وبالتالي الى الارتباط بالاسم الاعظم وهو أعز الاسماء الالهية وبالارتباط به تستجاب كل الدعوات كما صرحت بذلك الاحاديث الشريفة؛ وتفتح بذلك على الانسان جميع ابواب الخير والعزة والرحمة. والى هنا نصل ايها الاكارم الى ختام حلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم له من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، تقبل الله منكم كرم المتابعة ودمتم في رعاية سالمين. شرح فقرة: "يا من زين السماء" - 101 2014-04-28 09:25:38 2014-04-28 09:25:38 http://arabic.irib.ir/programs/item/11270 http://arabic.irib.ir/programs/item/11270 بسم الله والحمدلله اللطيف الخبير والصلاة والسلام على سراجه المنير وحبيبه البشير النذير وآله الأصفياء أهل آية التطهير سلامٌ من الله عليكم أيها الاطائب ورحمة منه وبركات... أطيب تحية نهديها لكم ونحن نلتقيكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج وهي ثالثة حلقات خمس خصصناها لتثبيت أبرز وأهم الفوائد والنتائج المستلهمة من شرح دعاء الحجب الشريف المروي عن سيد المرسلين –صلى الله عليه وآله-، في هذا اللقاء نتوقف عند المقطع الثاني من هذا الدعاء المبارك فنقتدي بالحبيب المصطفى –صلى الله عليه وآله- وهو يخاطب ربه الجليل قائلاً: "اللهم ... يا من زين السماء بالنجوم الطالعة وجعلها هادية لخلقه، يا من أنار القمر المنير في سواد الليل المظلم بلطفه، يا من أنار الشمس المنيرة وجعلها معاشاً لخلقه وجعلها مفرقة بين الليل والنهار بعظمته، يا من استوجب الشكر بنشر سحائب نعمه”. ايها الافاضل، المحور الأساس في هذا المقطع هو فتح قلب الداعي على معرفة من يدعوه بصفات الاحسان والانعام واللطف والعظمة. وهذه المعرفة تقوي بلاشك الرجاء في قلب الداعي بحتمية استجابة دعائه لانه يدعو الاها يجب الاحسان والانعام واللطف بعباده، وقد بدأهم بنشر سحائب نعمه عليهم قبل أن يسألوه، فكيف به اذا سألوه؟ ونلاحظ في المقطع أعزاءنا انه يشير أولاً الى اصالة الجمالية في الاحسان الالهي، فهو يقول في فقرته الأولى "يا من زين السماء" فالانعام الرباني مقرون بالزينة والجمال، ومعلومٌ ان الانسان مفطورٌ على الانجذاب للجمال، ولذلك فان تذكيره بجمالية النعم الالهية من شأنه ان يشده اليها وبالتالي الى المنعم المجمل تبارك وتعالى. كما أن الانعام والاحسان الرباني مقترن باللطف المشار اليه في الفقرة الثانية "يا من انار القمر المنير في سواد الليل المظلم بلطفه" ، وهذا يعني انه انعام لطيف يصل بلطافته الى كل شيء والى أصغر الاشياء وأدق النواحي. والمقصود هنا ان الانعام الالهي لا يغفل شيء مما يحتاجه الخلق مهما كان دقيقاً او خفياً او صغيراً، لان لطفه يصل بلطافته الى كل شيء.. كما أن من خواص اللطف انه يوصل النعمة بحالة تأنس بها النفس وتبتهج بها لانها مجبولة على الانجذاب للطافة كما هي مجبولة على الانجذاب للجمالية وهذا الامر يجعل النفس تنجذب بكل قوة للإنعام الالهي، وتشتد رغبتها ويقوى طلبها للنعم التي يدعو الداعي ربه أن يتفضل عليه بها. ايها الاخوة والأخوات، وفي الفقرة الثالثة من هذا المقطع نلمح اشارة بليغة الى اقتران الانعام الالهي والاحسان الرباني واللطف الرحماني بالعظمة فيقول الداعي "يا من أنار الشمس المنيرة وجعلها معاشاً لخلقه وجعلها مفرقة بين الليل والنهار بعظمته”. فالمنعم المجمل اللطيف هو عظيمٌ أيضاً وهذا يعني أن نعمه جميلة ولطيفة وعظيمة أيضاً تتناسب مع عظمته، ولا يخفى عليكم مستمعينا ان الانسان بفطرته يحب الافضل من كل شيء، ولذلك فان رغبته تشتد في النعمة الاعظم، والنعمة الاعظم لا يمكن ان تاتي الا من الرب العظيم تبارك وتعالى، وهذا مما يزيد توجه الداعي الى الله جل جلاله. اعزاءنا المستمعين، ونلاحظ في هذا المقطع أن يعرفنا بالله الذي تتصف نعمه أيضاً بالشمولية لكل ما يحتاجه الانسان، فمنها ما هي "هادية لخلقه" ، ومنها التي "جعلها معاشاً لخلقه”. أي أنه الرب العظيم الذي هيأ ويهيأ لخلقه بلطفه وعظمته كل المستلزمات المادية والمعنوية لكي يعيشوا الحياة الطيبة. وقد هدتنا النصوص الشريفة الى النجوم والقمر والشمس التي يرد ذكرها فيها تشمل المصاديق المادية –وهي الاجرام السماوية المعروفة وفيها قوام المعيشة المادية والهداية في الاسفار المادية، كما تشمل المصاديق المعنوية اي حجج الله على خلقه من الائمة المعصومين وسيدهم سيد الخلائق المصطفى –صلى الله عليه وآله-، فبهم تكون الهداية للحياة المعنوية وبهم يرزق العباد وهم قوام النظام الكوني والهداة في الاسفار المعنوية الى الله عزوجل، وهذا ما صرحت به المئات من الاحاديث الشريفة. أيها الاكارم، وختام هذا المقطع جاء بفقرة "يا من استوجب الشكر بنشر سحائب نعمه". ومعلوم أن الشكر هو أولاً من اعظم اركان عبودية الاحرار لله عزوجل، وثانياً فهو أهم وسائل استزادة النعم وبقائها ودوامها. وعليه فان استذكار الداعي في هذا المقطع لجمالية ولطف وعظمة النعم الالهية وشموليتها لكل ما يحتاجه يقوي روح الشكر عليها في قلبه فيضفي عليه أولاً نور عبادة الاحرار ويفتح له ثانيا ابواب المزيد من الفوز بهذه النعم ومنها ما يطلبه فيما يأتي من فقرات دعاء الحجب المبارك. نشكركم مستمعينا الاطائب على طيب الاصغاء لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) قدمناه من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، تقبل الله اعمالكم ودمتم في رعاية سالمين. شرح فقرة: "اللهم اني أسالك" - 100 2014-04-27 09:16:29 2014-04-27 09:16:29 http://arabic.irib.ir/programs/item/11268 http://arabic.irib.ir/programs/item/11268 بسم الله والحمدلله الواحد القهار الذي سخر للانسان ما في السموات والارض والصلاة والسلام على صفوته الابرار الهادي المختار محمد وآله الأطهار السلام عليكم ايها الاخوة والاخوات ورحمة من الله وبركات، أطيب تحية نهديها لكم ونحن نلتقيكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج هي الثانية من خمس حلقات منه نخصصها لعرض خلاصة واستنتاجات لأهم الفوائد المعرفية التي حصلنا عليها من تاملاتنا في فقرات ومقاطع دعاء الحجب أحد أهم الادعية الشريفة فقد بمزيد الاهتمام من المؤمنين لعظمة خواصه وآثاره كما هدانا لذلك حبيبنا المصطفى –صلى الله عليه وآله- في مقدمته وهو يرغبنا في المواظبة على تلاوته. في هذا اللقاء نلخص أهم ما استفدناه عبر حلقات عدة من التأمل في المقطع الأول من هذا اللقاء وفيه يقول نبي الرحمة مناجياً ربه الكريم مبتدأ بالثناء عليه: "اللهم أني اسالك يا من احتجب بشعاع نوره عن نواظر خلقه، يا من تسربل بالجلالة والعظمة واشتهر بالتجبر في قدسه، يا من تعالى بالجلال والكبرياء في تفرد مجده، يا من انقادت الامور بازمتها طوعاً لامره، يامن قامت السموات والارضون مجيبات دعوته" ايها الافاضل، الفائدة الاولى نستلهمها من فقرة "اللهم اني أسالك"، فالانسان لا يمكن أن يستغني بحال من الأحوال عن السؤال والدعاء والطلب من الله، لان بيده جل جلاله الخير كله، وهذا ما حثت عليه كثيرٌ من النصوص الشريفة نذكر منها قوله عزوجل في آخر سورة الفرقان: " قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً{77}". فهذه الآية الكريمة تشير الى أن الدعاء هو وسيلة الفوز بالتوجه الرباني الخاص وليس العام للعبد واحاطته بألطافه الرحيمية الخاصة، لان سؤال العبد من ربه الكريم يعبر عن شعوره الوجداني بالحاجة والافتقار اليه لبلوغ الكمال وتحقيق المراد، وهذا الشعور هو مؤشر استعداد الانسان لتلقي الفيض والالطاف الالهية وحسن الاستفادة منها. أيها الاحبة، اما الفائدة الثانية فهي التي نستفيدها من عبارة "يا من احتجب بشعاع نوره عن نواظر خلقه"؛ هذه العبارة تفتح أمام الانسان آفاق المعرفة التوحيدية التي يتضمنها ذكر "الله اكبر"، اي ان الله اكبر في كل كمال وفي كل شيء مما يمكن ان يتصوره الانسان، وكل مظاهر الكمال هي اشعه نوره، وقد عرفنا ان هذه الاشعة التي احتجب بها الله عزوجل عبارة عن النبي الاكرم –صلى الله عليه وآله- وأهل بيته الطاهرين، او ان اهل البيت هم اشعه نور الله في حين أن نور الله هو النبي الخاتم –صلى الله عليه وآله-. ومعرفة هذه الحقيقة تحصن الانسان أولاً من ان تدفعه رؤية كمالات اهل بيت النبوة –عليهم السلام- الى المغالاة فيهم ورفعهم من مرتبة العبودية الى مرتبة الربوبية والعياذ بالله، هذا أولاً وثانياً تجعله يتوجه الى الله وهو يعلم بأنه اكبر من كمال ما يتصوره من كمال فتطمئن نفسه للقدرة الالهية بالكامل. مستمعينا الاطائب والعبارات الثلاث اللاحقة لعبارة "يا من احتجب بشعاع نوره عن نواظر خلقه" تفصل المضمون المحوري الذي تنطق به هذه العبارة والذي أشرنا اليه آنفاً؛ كما انها تمهد لمضمون الفقرتين اللاحقتين من هذا المقطع. وبعبارة أوضح نقول: ان هذه العبارات الثلاث تؤكد أولاً ان الله جل جلاله تسربل بالجلال والعظمة، أي أنه أظهر لخلقه رداء جلاله وعظمته ليعرفوا ان تبارك وتعالى الواحد القهار الذي لا يمكن ان يخرج عن ارادته شيء فهو الغالب على أمره. وثانياً تؤكد هذه العبارات الثلاث ان جلال الله وعظمته مقرون بالقدسية، فهو يجبّر –بمعنى العظمة والقهارية- ولكن بصورة المقدسة المنزهة عن كل نقص، أي انه غالبٌ على امره بما يكون فيه خير الخلائق وقهرهم بالعدل والحكمة والرحمة لا بالظلم وهذا يعني أنه تجبر مبارك تعود بركاته على الخلق. وثالثاً، تبين هذه العبارات ان الجلال والكبرياء الالهيين وسيلتا معرفة الخلائق لمجده المتعالي، أي أن عطاياه وبركاته لا يمكن ان تعلوها بركات خيرٌ منها على فرض وجود بركات من غيره تبارك وتعالى. اعزاءنا المستمعين، وعلى ضوء التوضيحات المتقدمة نصل الى الفائدة المستلهمة من الفقرتين الأخيرتين من المقطع الاول من دعاء الحجب المبارك وهما: "يا من انقادت الأمور بازمتها طوعاً لامره، يا من قامت السموات والارضون مجيبات لدعوته" هاتات الفقرتان –أيها الافاضل- تشيران الى ان الجلال والعظمة والتجبر والكبرياء الالهية تجعل كل ما في الكون منقاد لامره ومستجيب لدعوته، وضم هذه الحقيقة الى قدسية المجد والتجبر في ساحته تبارك وتعالى، يوصلنا الى النتيجة المحورية التالية وهي أن الله عزوجل يسير كل شؤون بالاتجاه الذي يخدم مصالحهم وبمقتضى رحمته وعدله وحكمته وعطائه وكرمه وسائر صفاته الحسنى دون أن يمنع تحقيق ما يشاء اي سبب من الاسباب، فاي حقيقة معرفية تبعث في قلب الداعي أقوى الامل باستجابة دعائه اكثر من هذه الحقيقة؟ نترك الاجابة عن هذا السؤال لكم مستمعينا الافاضل ونختم لقاء اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة) بجزيل الشكر على طيب المتابعة ولكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، خالص الدعوات... في امان الله. شرح دعاء الحجب الشريف - 99 2014-04-26 08:55:59 2014-04-26 08:55:59 http://arabic.irib.ir/programs/item/11258 http://arabic.irib.ir/programs/item/11258 بسم الله وله الحمد والمجد المبتدأ بالفضل والانعام والصلاة والسلام على معادن رحمته وهدايته وألطافه بالانام حبيبه المبعوث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم اخوتنا المستمعين ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكم في حلقة جديدة من هذا البرنامج. أيها الاطائب، على مدى ما يربو على مئة حلقة من هذا البرنامج كانت لنا وقفات تأملية تفصيلية عند واحد من اهم ذخائر ادعية أهل بيت الرحمة –عليه السلام- هو الدعاء الموسوم بدعاء الحجب الشريف. وخصص خمساً من حلقات البرنامج بدءً من هذه الحلقة لعرض خلاصة اجمالية تشتمل على أهم وأبرز الفوائد التوحيدية والتربوية التي فصلنا الحديث عنها في الحلقات السابقة ترسيخاً للفائدة وتذكرة للعمل، تابعونا على بركة الله: ايها الافاضل، دعاء الحجب الشريف رواه السيد الجليل ابن طاووس –رضوان الله عليه- في كتابه العبادي القيم (مهج الدعوات) مسنداً عن الرسول الاكرم –صلى الله عليه وآله-. وقد اشتمل على مقدمة بيّن فيها الصادق الأمين –صلى الله عليه وآله- خواص هذا الدعاء وآثار والموارد التي يلتجئ الى الله عزوجل به، وقد اتضح لنا من التأمل في هذه المقدمة، ان هذا الدعاء هو من اقوى الوسائل الدعائية للنجاة من الشدائد والتغلب عليها مهما كانت صعوباتها، بل ان مقدمة الدعاء صريحة في أن الله عزوجل يحقق للمتوجه اليه به صادقاً ما تحكم الاسباب الطبيعية بأستحالة تحققه. كما ان من خواصه ترسيخ حقائق التوحيد الخالص في قلب وسلوك الذي يلتزم بمناجاة الله جل جلاله به. ولذلك اهتم عرفاء مدرسة الثقلين بالمواظبة عليه وكان السيد الجليل والعارف التقي آية الله عبدالكريم الكشميري –رضوان الله عليه- يوصي المؤمنين بالاكثار من تلاوته مشيراً الى قوة آثاره في تقوية البصيرة التوحيدية للمؤمن. كما ان السيد الجليل ابن طاووس نقل بعد روايته لهذا الدعاء القدسي حادثة جرت له أشار اليها ترغيباً للمؤمنين بتلاوته فقال –رضوان الله عليه-: "هذا الدعاء مما ألهمت تلاوته طلباً للسلامة يوم البلايا عند شدة، فظفرنا بأجابة الدعاء وبلوغ الرجاء، وكفينا شر الحساد ببلوغ المراد". مستمعينا الاحبة، وبنظرة اجمالية نرى أن دعاء الحجب الشريف يشتمل على خمسة مقاطع رئيسة يختص الاخير منها بعرض الداعي لطلباته وهي طلبات تتمحور حول الالتجاء الى الله تبارك وتعالى للنجاة من واحد وعشرين عاملاً تشكل أهم عوامل حرمان الانسان من الحياة الطيبة والسعادة الحقيقية وايقاعها في العذاب والشقاء في الدنيا والآخرة. من هنا نعلم أن هذا الدعاء هو في الواقع من أدعية الاحتجاب بالله والاستعاذة والالتجاء الى حصنه الحصين للنجاة مما يحذره الانسان، هذا من جهة ومن جهة ثانية فان من الادعية التي تشمل بركاتها الحياتين الدنيوية والاخروية للانسان المؤمن. هذا بالنسبة للمقطع الختامي والاخير من الدعاء، اما المقاطع الاربعة السابقة له فهي تمهيدية يهدينا بواسطتها النبي الاكرم –صلى الله عليه وآله- الى الحقائق المعرفية التي ينبغي أن نرسخها في قلوبنا لكي يتحقق عملياً التجائنا الى الحصن الالهي الحصين وبالتالي النجاة من العوامل المدمرة لسعادة الانسان وطيب حياته في الدنيا والآخرة. وهذه المقاطع تتمحور حول معرفة الله عزوجل –كما ورد في المقطعين الأول والثاني ومظاهر الوهيته وحسن تدبيره لشؤون خلقه، هذا أولاً وثانياً معرفة أسمائه الحسنى ومراتبها التي يكون التوسل بها اليه ودعوته بها شرط الدخول في حصنه الحصين وهذا ما يهدينا اليه المقطعان الثالث والرابع من دعاء الحجب الشريف. أيها الاكارم، في المقطع الأول من الدعاء يهدينا النبي الخاتم –صلى الله عليه وآله- الى معرفة الله جل جلاله بالقهارية المطلقة على كل الأشياء والأسباب، وهذا يبعث في قلب الداعي السكينة والطمأنينة المعنوية بقدرة الله عزوجل على تحقيق ما يطلبه منه مهما كان صعباً. أما المقطع الثاني من الدعاء الشريف ففيه اشارات الى عظيم الانعام الالهي على الانسان بجميع وأشمل مراتب الاحسان المستوجبة للشكر وفي ذلك ترسيخ لحسن الظن به تبارك وتعالى وقوة الأمل بتفضله على الداعي بما يطلبه وهذا الرجاء الصادق من أهم شروط استجابة الدعاء كما نصت على ذلك كثيرٌ من النصوص الشريفة. وفي المقطعين الثالث والرابع إشارات الى أسمائه الحسنى التي أوصلت المتوسلين بها اليها من الانبياء والصالحين الى غاياتهم فظهرت فيهم الولاية الالهية وانجزت لهم ما يطلبون باكمل صورة، وفي ذلك تقديم لمصاديق عملية لنجاح التوسل الى الله بهذه الاسماء وبالتالي الدعاء الذي يحتويها، وهذا ما يعزز في قلب الداعي الامل الراسخ والقوي بتحقق ما يطلبه من الله جلت قدرته. مستمعينا الاطائب وبهذا ننهي حلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) شكراً لكم عن طيب المتابعة ولكم دوماً خالص الدعوات من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، دمتم في رعاية الله. شرح فقرة: "لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم" (9) - 98 2014-04-23 09:20:42 2014-04-23 09:20:42 http://arabic.irib.ir/programs/item/11257 http://arabic.irib.ir/programs/item/11257 بسم الله والحمدلله الذي استوجب الشكر بنشر سحائب نعمه والصلاة والسلام على معاقد العز من عرشه ومنتهى الرحمة من كتاب تكوينه المصطفى الامين وآله الطيبين الطاهرين سلامٌ من الله عليكم ايها الاخوة والاخوات وأهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج وفيه نتناول –بعون الله- الاجابة عن السؤال الذي عرضناه في ختام الحلقة السابقة وهو: ما الحكمة في ان يختتم النبي الاكرم –صلى الله عليه وآله- دعاءه المبارك الموسوم بدعاء الحجب الشريف، بذكر الحوقلة اي قول "لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم"؟ وكمقدمة للإجابة نتدبر اولاً في المقطع الختامي من هذا الدعاء الشريف حيث يدعو سيد المرسلين –صلى الله عليه وآله- ربه الكريم القدير قائلاً: "اللهم.. اسالك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد وأن تصرف عني وعن اهل حزانتي وجميع المؤمنين والمؤمنات، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، انك سميع الدعاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم". تلاحظون مستمعينا الأفاضل أن المقطع الختامي من دعاء الحجب الشريف يمثل في الواقع استعاذة بالله عزوجل للنجاة من واحد وعشرين عاملاً تشكل العوامل الأساسية التي تنغص على الانسان الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة وتسلبه السعادة الحقيقية فيهما وتوقعه في الشقاء الماحق لدنيا الانسان واخراه. وقد فصلنا الحديث عن ذلك في الحلقات الخاصة بشرح فقرات هذا المقطع. ونلاحظ هنا أولاً أن الاستعاذة من هذه العوامل تمثل المطلب الوحيد في دعاء الحجب الشريف، والمقاطع المتقدمة للمقطع الختامي الذي تلوناه قبل قليل هي تمجيد لله عزوجل وتعريف للداعي بأسمائه الحسنى الذي ينبغي ان يتوسل بها للفوز بتحقق مطلبه المحوري وهو ان يصرف الله عنه كل ما يحرمه من الحياة الطيبة في الدارين. وبملاحظة ذلك نفهم سر اختتام الدعاء كله بعبارة "لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم"؛ وذلك عندما نستذكر ما تعرفنا اليه مفصلاً في الحلقات السابقة من خصوصيات هذه العبارة وآثار الاكثار منها. فقد هدتنا النصوص الشريفة –قرآناً وسنة- الى ان هذه العبارة والذكر المقدس تثير في قلب الداعي أعلى مراتب التوحيد الخالص والتسليم للتقدير الالهي مقروناً بالاستقواء بالله عزوجل في السعي للتأهل لحصول ما يطلبه منه عزوجل اي التطهر والنجاة من العوامل التي تحرمه من الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة. أيها الاخوة والاخوات، وعلى ضوء ما تقدم نصل الى النتيجة التالية وهي: ان ترسيخ الداعي في قلبه مضمون ذكر "لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم"، يعينه في الواقع على مجاهدة العوامل المدمرة للحياة الطيبة من جهتين؛ الجهة الأولى هي جهة الثقة بالقدرة الالهية وفيما يطمئن المؤمن الى أن الله تبارك وتعالى هو وحده القادر على انقاذه من تلك العوامل المدمرة، فيتوجه اليه ويرتبط به ويتوكل على حوله عزوجل وقوته وهو العلي العظيم، وبذلك يتحقق مفهوم الاستعانة الروحانية بالقدرة المطلقة لله جل جلاله، فيقوى بها على مجاهدة تلك العوامل مهما كانت قوية فالله اكبر منها وأقوى. هذه هي الجهة الاولى. اما الجهة الثانية فهي جهة التسليم للتقدير الالهي وفيها يثق المؤمن بجميل التدبير الالهي لشؤونه بحيث يعينه على مجاهدة العوامل السالية للحياة الطيبة بالصورة الافضل التي تحقق له ما يطلبه بافضل صورة وفي الوقت المناسب، وبذلك يتحصن الداعي من ان يتطرق اليه الياس او الاحباط ان تاخر التحقق العملي لبعض مصاديق ما يطلبه فثقته بالحول والقوة الالهيين تحصنه من ذلك بأيمانه ان الله هو القادر المقدر لمصالح العباد بافضل ما ياملون وخيراً مما يرجون. اعزاءنا المستمعين، ما تقدم مستفادٌ من معنى ذكر الحوقلة اي قول "لا حول ولا قوة الا بالله العظيم" اما بالنسبة لما هدتنا اليه النصوص الشريفة من خصوصات وآثار المواظبة على هذا الذكر المقدس فهي تفصل الاثر العام المستفاد من معرفة مضمونه، فقد لا حظناه في الحلقات السابقة ان المواظبة والاكثار من ذكر "لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم" يثمران ان يصرف الله تعالى انواع البلاء المادي والمعنوي ويشفيه من تسعة وتسعين نوعاً من الامراض والأعراض الروحية والبدنية، ويقويه بالقوة التي يستقوي بها حملة عرشه، ويزيد عليه رزقه ويدفع عنه شرور الشيطان والسلطان والحزن والهم ونظائر ذلك من سائر البلايا الدنيوية والأخروية. وعندما نتدبر جيداً في هذه الآثار نجدها في الواقع مصاديق للعوامل المدمرة للحياة الطيبة واو عناوين عامة تندرج ضمنها تلك العوامل. وبذلك تتضح في الواقع وثاقة العلاقة بين الاكثار من ذكر "لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم" وبين ما يطلبه الداعي في دعاء الحجب الشريفه اي التطهر والنجاة من كل ما يحرمه من السعادة الحقيقية والحياة الطيبة في الدنيا والآخرة. نشكر لكم ايها الاكارم كرم المتابعة لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) قدمناه لكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، دمتم بكل خير. شرح فقرة: "لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم" (8) - 97 2014-04-22 09:02:27 2014-04-22 09:02:27 http://arabic.irib.ir/programs/item/11256 http://arabic.irib.ir/programs/item/11256 بسم الله والحمدلله قديم الاحسان ذي الفضل والانعام... والصلاة والسلام على رحمته العظمى للأنام حبيبنا الهادي المختار وآله الأطهار السلام عليكم مستمعينا الاكارم ورحمة الله وبركاته، على بركة الله نلتقيكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج نستكمل فيها بعون الله الاستنارة بالأحاديث الشريفة المبينة لبركات الالتزام بذكر "لا حول ولا قوة الا بالله العظيم" وبه ختم رسول الله –صلى الله عليه وآله- دعاء الحجب الشريف وهو من أعظم أدعية أهل بيت النبوة –عليهم السلام- كما عرفنا مفصلاً من خلال التدبر في فقراتها في الحلقات السابقة. نتوجه الى الله أولاً بمتابعة حبيبنا المصطفى –صلى الله عليه وآله- وهو يناجي ربه الجليل في المقطع الختامي من هذا الدعاء الشريف قائلاً: "اللهم... أسألك بعزة ذلك الاسم أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع المؤمنين والمؤمنات، جميع الآفات والعاهات، والأعراض والأمراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والكفر والشقاق، والنفاق والضلالة، والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة وشماتة الأعداء وغلبة الرجال، انك سميع الدعاء، لطيف لما تشاء "ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم" ". ايها الافاضل، مما يهدينا الى عظمة ذكر الحوقلة هو كونه مما خص الله عزوجل به نبيه الأكرم –صلى الله عليه وآله- وبالتالي أمته في اشارة بليغة الى عظمة آثاره وبركاته، فقد روي في تفسير علي بن ابراهيم ضمن حديث المعراج، وجاء فيه أن رسول الله –صلى الله عليه وآله- ناجى الله عزوجل في معراجه قائلاً: "يا رب اعطيت انبياءك فضائل فأعطني، فقال الله: قد اعطيتك فيما اعطيتك كلمتين من تحت عرشي: لا حول ولا قوة الا بالله، ولا منجا منك الى اليك". كما تشير الاحاديث الشريفة الى ان الالتزام بهذا الذكر المبارك من وسائل رفع مقام المؤمن في الجنة، فقد روي في كتاب (تنبيه الخواطر) ضمن حديث المعراج ايضاً عن أبي ايوب الانصاري عن الرسول الاعظم –صلى الله عليه وآله- انه قال: "ليلة اسري بي، مرّ بي ابراهيم [الخليل] فقال: مر امتك ان يكثروا من غرس الجنة فان ارضها واسعة وتربتها طيبة، قلت: وما غرس الجنة؟ قال: [قول]: لا حول ولا قوة الا بالله." أيها الاحبة كما ان الالتزام بهذا الذكر التوحيدي المقدس من وسائل الفوز وجدانياً باسم الله الاعظم وما يرمز اليه من الاستفاضة من بركات الارادة التكوينية لله تبارك وتعالى، فقد روى السيد ابن طاووس كتابه القيم في (مهج الدعوات) مسنداً عن الامام الرضا –عليه السلام- قال: "من قال بعد صلاة الفجر: بسم الله الرحمن الرحيم، لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. [قالها] مئة مرة كان اقرب الى اسم الله الاعظم من سواد العين الى بياضها وانه دخل فيه اسم الله الاعظم". كما ان الالتزام بهذا الذكر المبارك خاصة في تعقيب صلاتي الفجر والمغرب من الوسائل التي تفضل الله بها على عباده لكي يدفعوا بها مختلف اشكال البلاء، فقد روي عن امير المؤمنين –كما في مستدرك الوسائل- انه –عليه السلام- قال: "من قال: بسم الله الرحمان الرحيم ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، [قالها] سبع مرات وهو ثاني رجله بعد المغرب قبل ان يتكلم وبعد الصبح قبل ان يتكلم صرف الله تعالى عنه سبعين نوعاً من انواع العذاب ادناها الجذام والبرص والسلطان والشيطان" والمراد بقوله –عليه السلام- (وهو ثاني رجله) هو ان يقول هذا الذكر بعد حالة التسليم مباشرة وقبل ان يتحرك. ايها الاخوة والاخوات، كما نستفيد من الاحاديث الشريفة ان الالتزام بهذا الذكر المقدس من وسائل الشفاء من الامراض المادية والمعنوية كما يشير لذلك ما روي في كتاب (قرب الاسناد) عن امامنا جعفر الصادق –عليه السلام- انه قال: " قول: "لا حول ولا قوة الا بالله" ، فيه شفاء من تسعة وتسعين داءً أدناه الهم" كما انه وسيلة للنجاة من الابتلاءات الدنيوية كما يبشرنا ذلك مولانا الامام الباقر –عليه السلام- في الحديث المروي عنه في كتاب ثواب الاعمال ومثله في الكافي قال: "من قال –ثلاث مرات-: " لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم" ، صرف الله عنه تسعة وتسعين نوعاً من بلايا الدنيا أيسرها الخنق." كما روي عنه –عليه السلام- حديثاً اخر يشير الى انه من اسمى صفات الابرار، فقد جاء في كتاب المحاسن مسنداً عن الحسن البصري قال: "كنت مع أبي جعفر [الباقر] عليه السلام بمنى وقد مات رجلٌ من قريش فقال: يا ابا سعيد قم بنا الى جنازته، فلما دخلنا المقابر قال: الا اخبركم بخمس خصال هي من البر والبر يدعو الى الجنة؟ قلت: بلى، قال: اخفاء المصيبة وكتمانها، والصدقة تعطيها بيمينك لا تعلم بها شمالك، وبر الوالدين فان برهما لله رضىً، والاكثار من قول: لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، فانه من كنوز الجنة، والحب لمحمد وآل محمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين". مستمعينا الافاضل، ومن خلال معرفة آثار وبركات ذكر الحوقلة يتيسر لنا معرفة سر ختم النبي الاعظم –صلى الله عليه وآله- دعاء الحجب الشريف به وهذا ما نتناوله مفصلاً بعون الله وإذنه في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) نشكر لكم طيب المتابعة ولكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران خالص الدعوات، دمتم بكل خير. شرح فقرة: "لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم" (7) - 96 2014-04-21 12:03:06 2014-04-21 12:03:06 http://arabic.irib.ir/programs/item/11255 http://arabic.irib.ir/programs/item/11255 بسم الله والحمدلله قديم الاحسان ذي الفضل والانعام... والصلاة والسلام على رحمته العظمى للأنام حبيبنا الهادي المختار وآله الأطهار السلام عليكم مستمعينا الاكارم ورحمة الله وبركاته، على بركة الله نلتقيكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج نستكمل فيها بعون الله الاستنارة بالأحاديث الشريفة المبينة لبركات الالتزام بذكر "لا حول ولا قوة الا بالله العظيم" وبه ختم رسول الله –صلى الله عليه وآله- دعاء الحجب الشريف وهو من أعظم أدعية أهل بيت النبوة –عليهم السلام- كما عرفنا مفصلاً من خلال التدبر في فقراتها في الحلقات السابقة. نتوجه الى الله أولاً بمتابعة حبيبنا المصطفى –صلى الله عليه وآله- وهو يناجي ربه الجليل في المقطع الختامي من هذا الدعاء الشريف قائلاً: "اللهم... أسألك بعزة ذلك الاسم أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع المؤمنين والمؤمنات، جميع الآفات والعاهات، والأعراض والأمراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والكفر والشقاق، والنفاق والضلالة، والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة وشماتة الأعداء وغلبة الرجال، انك سميع الدعاء، لطيف لما تشاء "ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم" ". ايها الافاضل، مما يهدينا الى عظمة ذكر الحوقلة هو كونه مما خص الله عزوجل به نبيه الأكرم –صلى الله عليه وآله- وبالتالي أمته في اشارة بليغة الى عظمة آثاره وبركاته، فقد روي في تفسير علي بن ابراهيم ضمن حديث المعراج، وجاء فيه أن رسول الله –صلى الله عليه وآله- ناجى الله عزوجل في معراجه قائلاً: "يا رب اعطيت انبياءك فضائل فأعطني، فقال الله: قد اعطيتك فيما اعطيتك كلمتين من تحت عرشي: لا حول ولا قوة الا بالله، ولا منجا منك الى اليك". كما تشير الاحاديث الشريفة الى ان الالتزام بهذا الذكر المبارك من وسائل رفع مقام المؤمن في الجنة، فقد روي في كتاب (تنبيه الخواطر) ضمن حديث المعراج ايضاً عن أبي ايوب الانصاري عن الرسول الاعظم –صلى الله عليه وآله- انه قال: "ليلة اسري بي، مرّ بي ابراهيم [الخليل] فقال: مر امتك ان يكثروا من غرس الجنة فان ارضها واسعة وتربتها طيبة، قلت: وما غرس الجنة؟ قال: [قول]: لا حول ولا قوة الا بالله." أيها الاحبة كما ان الالتزام بهذا الذكر التوحيدي المقدس من وسائل الفوز وجدانياً باسم الله الاعظم وما يرمز اليه من الاستفاضة من بركات الارادة التكوينية لله تبارك وتعالى، فقد روى السيد ابن طاووس كتابه القيم في (مهج الدعوات) مسنداً عن الامام الرضا –عليه السلام- قال: "من قال بعد صلاة الفجر: بسم الله الرحمن الرحيم، لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. [قالها] مئة مرة كان اقرب الى اسم الله الاعظم من سواد العين الى بياضها وانه دخل فيه اسم الله الاعظم". كما ان الالتزام بهذا الذكر المبارك خاصة في تعقيب صلاتي الفجر والمغرب من الوسائل التي تفضل الله بها على عباده لكي يدفعوا بها مختلف اشكال البلاء، فقد روي عن امير المؤمنين –كما في مستدرك الوسائل- انه –عليه السلام- قال: "من قال: بسم الله الرحمان الرحيم ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، [قالها] سبع مرات وهو ثاني رجله بعد المغرب قبل ان يتكلم وبعد الصبح قبل ان يتكلم صرف الله تعالى عنه سبعين نوعاً من انواع العذاب ادناها الجذام والبرص والسلطان والشيطان" والمراد بقوله –عليه السلام- (وهو ثاني رجله) هو ان يقول هذا الذكر بعد حالة التسليم مباشرة وقبل ان يتحرك. ايها الاخوة والاخوات، كما نستفيد من الاحاديث الشريفة ان الالتزام بهذا الذكر المقدس من وسائل الشفاء من الامراض المادية والمعنوية كما يشير لذلك ما روي في كتاب (قرب الاسناد) عن امامنا جعفر الصادق –عليه السلام- انه قال: " قول: "لا حول ولا قوة الا بالله" ، فيه شفاء من تسعة وتسعين داءً أدناه الهم" كما انه وسيلة للنجاة من الابتلاءات الدنيوية كما يبشرنا ذلك مولانا الامام الباقر –عليه السلام- في الحديث المروي عنه في كتاب ثواب الاعمال ومثله في الكافي قال: "من قال –ثلاث مرات-: " لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم" ، صرف الله عنه تسعة وتسعين نوعاً من بلايا الدنيا أيسرها الخنق." كما روي عنه –عليه السلام- حديثاً اخر يشير الى انه من اسمى صفات الابرار، فقد جاء في كتاب المحاسن مسنداً عن الحسن البصري قال: "كنت مع أبي جعفر [الباقر] عليه السلام بمنى وقد مات رجلٌ من قريش فقال: يا ابا سعيد قم بنا الى جنازته، فلما دخلنا المقابر قال: الا اخبركم بخمس خصال هي من البر والبر يدعو الى الجنة؟ قلت: بلى، قال: اخفاء المصيبة وكتمانها، والصدقة تعطيها بيمينك لا تعلم بها شمالك، وبر الوالدين فان برهما لله رضىً، والاكثار من قول: لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، فانه من كنوز الجنة، والحب لمحمد وآل محمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين". مستمعينا الافاضل، ومن خلال معرفة آثار وبركات ذكر الحوقلة يتيسر لنا معرفة سر ختم النبي الاعظم –صلى الله عليه وآله- دعاء الحجب الشريف به وهذا ما نتناوله مفصلاً بعون الله وإذنه في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) نشكر لكم طيب المتابعة ولكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران خالص الدعوات، دمتم بكل خير. شرح فقرة: "لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم" (6) - 95 2014-04-19 09:04:35 2014-04-19 09:04:35 http://arabic.irib.ir/programs/item/11249 http://arabic.irib.ir/programs/item/11249 بسم الله والحمدلله مبتدأ كل خير ومنتهاه والصلاة والسلام على كنوز رحمته ومعادن هداه صفوته سيد الأنبياء محمد وآله الأصفياء. السلام عليكم مستمعينا الافاضل ورحمة الله، على بركة الله نلتقيكم في حلقة جديدة من هذا البرنامج نتابع فيها التعرف الى ما تهدينا اليه النصوص الشريفة بشأن بركات التوجه الى الله بالاكثار من ذكر لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. وبهذا الذكر المبارك يعلمنا حبيبنا المصطفى –صلى الله عليه وآله- ان نختم كل دعاء ومنها دعاء الحجب الشريف حيث أقسم على الله عزوجل بأعز اسمائه وقال في مقطعه الختامي: "اللهم.. أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد وأن تصرف عني وعن اهل حزانتي وجميع المؤمنين والمؤمنات جميع الآفات والعاهات والاعراض والامراض والخطايا والذنوب والشك والشرك، والكفر والشقاق، والنفاق والضلالة، والجهل والمقت، والغضب والعسر والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، انك سميع الدعاء، لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم". نبدأ أيها الاحبة بما روي في كتاب المحاسن مسنداً عن سلمان المحمدي –رضوان الله عليه- قال: "اوصاني خليلي [رسول الله –صلى الله عليه وآله-] بسبع خصال لا أدعن على كل حال: أوصاني ان انظر الى من هو دوني ولا انظر الى من هو فوقي –يعني من جهة الغنى الظاهري-، وان احب الفقراء وأدنو منهم، وان اقول الحق وان كان مراً، وان اصل رحمي وان كانت مدبرة، ولا أسال الناس شيئاً، واوصاني ان اكثر من قول: "لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم"، فانها كنز من كنوز الجنة" ويستفاد من هذه الوصايا النبوية ان الاكثار من هذا الذكر المبارك يقوي روحانية الانسان ويحرره من عبودية الماديات والدنيا ويرفعهم الى منازل الملائكة وحملة العرش، فقد روي في كتاب (جامع الأخبار) عن ابن عباس قال: رأيت النبي –صلى الله عليه وآله- وهو يقول: لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، فقلت:يا نبي الله ما ثوابه؟ قال –صلى الله عليه وآله-: [انه] تسبيح حملة العرش، فمن قال مرة –أي بأخلاص-: لا حول ولا قوة الا بالله غفر الله ذنوب مئة سنة... فان زاد على مرة واحده، فله بكل حرف كنز ونور للصراط) وعن الامام الحسن العسكري –عليه السلام- قال: كما في مستدرك الوسائل-: "انما قدر حملة العرش على حمله بقول: بسم الله الرحمان الرحيم، لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد وآله الطيبين". مستمعينا الاطائب، كما ان من بركات الاكثار من هذا الذكر المبارك مغفرة الذنوب كما اشار اليه الحديث النبوي المتقدم ومعلوم ان الذنوب هي من اهم عوامل ضعف الانسان، قال رسول الله –صلى الله عليه وآله-: "ما على الارض أحدٌ يقول: لا اله الا الله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم الا كفرت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر –يعني في كثرتها". وقد اكدت كثيرٌ من الاحاديث النبوية ان الاكثار من هذا الذكر من اقوى وسائل دفع الفقر المادي المعنوي والمادي، فهو يقوي روح التوكل على الله والسعي في طلب رزقه، روي في كتاب الامالي للشيخ الصدوق عن رسول الله –صلى الله عليه وآله- قال: "من تظاهرت عليه النعم فليقل الحمد لله رب العالمين، ومن الح عليه الفقر فليكثر من قول لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم فانه كنز من كنوز الجنة وفيه شفاء من اثنين وسبعين داء ادناها الهم". كما روي في كتاب المحاسن عن الامام جعفر الصادق عن آبائه عليه السلام عن رسول الله –صلى الله عليه وآله- قال: من ظهرت عليه النعمة فليكثر ذكر الحمدلله ومن كثرت همومه فعليه بالاستغفار ومن الح عليه الفقر فليكثر من قول: لا حول ولا قوة الا بالله، ينفي الله عنه الفقر، ثم قال الصادق –عليه السلام-: فقد النبي صلى الله عليه وآله رجلاً من الانصار فقال: ما غيبك عنا؟ فقال: الفقر يا رسول الله وطول السقم –أي المرض-، فقال له رسول الله –صلى الله عليه وآله-: الا اعلمك كلاماً اذا قلته ذهب عنك الفقر والسقم، قال: بلى، فقال –صلى الله عليه وآله-: اذا اصبحت وامسيت فقل: لا حول ولا قوة الا بالله، توكلت علىالحي الذي لا يموت والحمدلله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً. قال الامام الصادق –عليه السلام-: قال الرجل –يعني الانصاري-: فوالله ما قلته الا ثلاثة ايام حتى ذهب عني الفقر والسقم. وتلاحظون مستمعينا الافاضل ان الذكر الذي علمه الصادق الأمين –صلى الله عليه وآله- للانصاري اشتمل على ذكر "توكلت على الحي الذي لا يموت" مباشرة بعد ذكر "لا حول ولا قوة الا بالله" وفي ذلك اشارة الى أثر الاكثار من هذا الذكر في ترسيح روح التوكل على الله في قلب الانسان وبالتالي تقوية روحانيته وسعيه للحصول على الرزق الالهي المعنوي والمادي. نشكر لكم ايها الاطائب طيب الاستماع لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم له مشكورين من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران تقبل الله اعمالكم ودمتم في رعاية سالمين. شرح فقرة: "لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم" (5) - 94 2014-04-15 08:54:18 2014-04-15 08:54:18 http://arabic.irib.ir/programs/item/11248 http://arabic.irib.ir/programs/item/11248 بسم الله والحمدلله مبدا كل رحمة ومنتهاها، والصلاة والسلام على كنوز رحماته للعالمين المصطفى الامين وآله الطيبين الطاهرين السلام عليكم اعزاءنا المستمعين ورحمة الله وبركاته، اطيب تحية نحييكم بها ونحن نلتقيكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج نخصصها للتدبر في طائفة من النصوص الشريفة المبينة لآثار وبركات ذكر "لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم" وهو الذكر الذي ختم به النبي الاكرم –صلى الله عليه وآله- دعاءه الشريف حيث قال في مقطعه الختامي: "اللهم ... اسالك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع المؤمنين والمؤمنات جميع الآفات والعاهات، والأعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والكفر والشقاق، والنفاق والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، انك سميع الدعاء، لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم". ايها الاخوة والاخوات، المستفاد من النصوص الشريفة أن ذكر "لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم " من اعظم الاذكار بركة وتاثيراً في توفير الحياة الطيبة السعيدة للانسان في الدنيا والآخرة، ولذلك وصفها النبي الاعظم –صلى الله عليه وآله- بانها من كنوز الجنة، فقد روي في كتاب النوادر للقطب الراوندي وغيره مسنداً عن الامام موسى الكاظم عن آبائه –عليهم السلام- عن رسول الله –صلى الله عليه وآله- قال: "صنيع المعروف يدفع ميتة السوء، والصدقة في السر تطفىء غضب الرب وصلة الرحم تزيد في العمر وتنفي الفقر "ولا حول ولا قوة الا بالله "، من كنوز الجنة وهو شفاء من تسعة وتسعين داءً ادناها الهم " وبهذا الاسناد عن رسول الله –صلى الله عليه وآله- قال: "من ألحّ عليه الفقر فليكثر من قول لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم". اي ان الاكثار من هذا الذكر المبارك من وسائل ترسيخ التقوى وبالتالي استدرار الفضل الالهي، وهذا ما يهدينا اليه الهادي المختار في الرواية التي تأتيكم بعد قليل عنه –صلى الله عليه وآله الاخيار-، ابقوا معنا مشكورين: روي في كتاب النوادر وغيره عن ابن عباس قال: جاء عون بن مالك الاشجعي الى النبي –صلى الله عليه وآله- فقال: يا رسول الله، ان ابني أسره العدو، وقد اشتد غمي وعيل صبري فما تأمرني؟ فقال –صلى الله عليه وآله-: آمرك ان تكثر من قول لا حول ولا قوة الا بالله في كل حال. قال ابن عباس: فأنصرف [الاشجعي] وهو يقول: لا حول ولا قوة الا بالله على كل حال، فبينا هو كذلك اذا اتاه ابنه معه مئة من الابل غفل عنها المشركون فاستقاها [وقد اغفلهم الله عنه ايضاً]، فأتى الاشجعي رسول الله –صلى الله عليه وآله- فذكر له ذلك، فنزلت هذه الآية "وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً- وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْر" (سورة الطلاق الآية 2-3). كما أن الاكثار من هذا الذكر المبارك من وسائل دفع اشكال البلاء، فقد روي عن الامام علي الرضا –عليه السلام- كما في المصدر السابق انه قال: "قول "لا حول ولا قوة الا بالله" يدفع انواع البلاء"، وعن الامام الصادق –عليه السلام- قال: "اذا توالت عليك الهموم فقل "لا حول ولا قوة الا بالله"." اعزاءنا المستمعين، ومن عظيم بركات المواظبة على ذكر "لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم" ترسيخ التوحيد الخالص في القلب، وهذا ما يشير اليه معنى هذه العبارة المباركة كما اسلفنا في حلقة سابقة، والى ذلك يهدينا مولانا الامام الباقر –عليه السلام- في المروي عنه في كتاب التوحيد للشيخ الصدوق ان رجلاً سأله عن معنى "لا حول ولا قوة الا بالله" فقال –عليه السلام-: "معناه لا حول لنا عن معصية الله الا بعون الله، ولا قوة لنا على طاعة الله الا بتوفيق الله عزوجل". والى هذا الاثر يشير الامام الخميني –رحمه الله- في كتاب مصباح الهداية حيث قال: "ليس في الوجود جميلٌ ولا فاعل جميل حتى يحمد على جماله أو فعله سوى الجميل المطلق ويؤكده ذكر الحوقلة التي هي مقام نفي الحول والقوة عن غيره سبحانه واثبات كونهما بالله الجميل". وهذا المعنى التوحيدي هو الذي يرسخه الالتزام بما روي في كتاب (فقه الرضا) في باب (الفزع والهم) انه – عليه السلام- قال: "اذا فزعت من سلطان او غيره فقل؛ حسبي الله لا اله الا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم امتنع بحول الله وقوته من حولهم وقوتهم، امتنع برب الفلق من شر ما خلق، واقول: ما شاء الله ولا حول ولا قوة الا بالله، واذا حزنك امرٌ فقل سبع مرات: بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، فان كفيت والا أتممت سبعين مرة". مستمعينا الاكارم ولهذا الذكر المبارك بركات اخرى تشتد حاجة المؤمنين لها نتابعها بأذن الله في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) قدمناها لكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران شكراً لكم وفي أمان الله. شرح فقرة: "لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم" (4) - 93 2014-04-14 09:14:30 2014-04-14 09:14:30 http://arabic.irib.ir/programs/item/11245 http://arabic.irib.ir/programs/item/11245 بسم الله والحمدلله خالصاً مجيب الدعوات ومنزل البركات وأزكى صلواته على كنوز رحمته للعالمين حبيبه المصطفى الأمين وآله الطيبين الطاهرين السلام عليكم أعزاءنا المستمعين ورحمة الله وبركاته... معكم في لقاء جديد على مائدة أدعية أهل بيت الرحمة الالهية –عليهم السلام- ومنها دعاء الحجب الشريف. وقد بلغت تأملاتنا في الحلقة المقبلة الى آخر فقراته وهي الحوقلة، فنقف في هذا اللقاء عندها وعن سبب ختم هذا الدعاء الشريف بها، وقبل ذلك نتبرك بتلاوة المقطع الختامي من هذا الدعاء المبارك، فنقتدي بالنبي الاكرم –صلى الله عليه وآله- وهو يقسم على الله باعز اسمائه قائلاً: "اللهم اسالك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد وان تصرف عني وعن اهل حزانتي وجميع المؤمنين والمؤمنات، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب والشك والشرك والكفر والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، انك سميع الدعاء، لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم". ايها الاخوة والاخوات جاء في كتاب (النهاية) وغيره ان المراد من الحوقلة وهي مختصر عبارة "لا حول ولا قوة الا بالله" اظهار العبد الفقر الى الله بطلب المعونة منه على ما يحاول من الامور وهو حقيقة العبودية. وهذا يعني مستمعينا الافاضل ان ختم الدعاء الشريف بهذه العبارة يعني في الواقع طلب المعونة من الله عزوجل للداعي في سعيه للتاهل والاستعداد لتلقي فيضه عزوجل في اجابته لما طلبه في المقطع الختامي المتقدم من دعاء الحجب الشريف. والمعنى المتقدم لعبارة "ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم" مستفادٌ من الاحاديث الشريفة، فقد قال المولى الشيخ محمد صالح المازندراني في شرحه القيم لكتاب (اصول الكافي) في بيان معنى هذه العبارة ما ملخصه: ".. الحول هنا الحركة يعني لا حركة ولا قوة الا بمشيئة الله، وقيل الحيلة وقيل القدرة، أي لا قدرة على شيء ولا قوة الا بمعونة الله وتوفيقه، وقيل التحول والانتقال يعني لا تحول لنا عن المعاصي ولا قوة لنا على الطاعات الا بعون الله وتوفيقه، وهذا المعنى رواه المصنف –يعني الكليني- في كتاب التوحيد عن الباقر –عليه السلام- ومثله مروي عن الصادق –عليه السلام- فهو الاولى بالارادة –اي اولى ان يكون هو المراد من الحوقلة-" ايها الاكارم، وعلى ضوء تفسير الاحاديث الشريفة للحول بالقدرة على الحركة والانتقال من المعاصي الى الطاعات واستحالة ذلك بغير العون والتوفيق الالهي، نفهم جميل التناسب في المقطع الختامي بين ما يطلبه الداعي فيه واختتامه بعبارة "ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم"، ولتوضيح ذلك نقول: ان النبي الاكرم –صلى الله عليه وآله- يعلمنا في دعاء الحجب الشريف ان نطلب من الله عزوجل ان يصرف عنا جميع العوامل التي تسلب الانسان الحياة الطيبة السعيدة وتوقعه في شقاء الدنيا والآخرة. والقاسم المشترك بين هذه العوامل هو كونها امور لا يرتضيها الله لعباده فهي من مصاديق (الذنوب) بالمعنى الشمولي، ولذلك يختم هذا الدعاء بعبارة "ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم" لكي يثير فينا التوجه الى الله طلباً للمعونة والتوفيق للتحرر من تلك الامور التي لا يرتضيها لعباده الصالحين. ايهاالاحبة، وثمة معنى آخر لعبارة الحوقلة ذكرته الاحاديث الشريفة أيضاً يمثل المعنى الاشمل لها، فقد جاء في شرح اصول الكافي في تتمة الكلام المتقدم: "سئل امير المؤمنين –عليه السلام- عن معنى هذه الكلمة- اي لا حول ولا قوة الا بالله- فقال: [معناها]: انا لانملك مع الله شيئاً ولا نملك الا ما ملكنا... وفي هذه الكلمة الشريفة تسليم للقضاء والقدر واظهار للفقر الى الله بطلب المعونة منه له في جميع الامور ... ودلالة على التوحيد الخفي" وهذا المعنى مستمعينا الافاضل، تؤكده الاحاديث الشريفة التي تحث على ختم كل دعاء بالحوقلة، فمثلاً روي في كتاب الكافي مسنداً عن الامام الصادق –عليه السلام- قال: "اذا دعا الرجل فقال بعدما دعا: ما شاء الله ولا حول ولا قوة الا بالله، قال الله عزوزجل: استبسل عبدي واستسلم لامري اقضوا حاجته". فمعنى (استبسل عبدي) هو وكل أمره الي، وهذا الى جانب التسليم لامر الله عزوجل هو المعنى التوحيدي الخالص الذي تثمره عبارة "لا حول ولا قوة الا بالله" اذا رسخت في قلب المؤمن كما وردت الاشارة في كلام أمير المؤمنين –عليه السلام-... وعلى ضوء هذا المعنى يكون ختم الدعاء بهذه العبارة اشارة الى أن يفوض الداعي امره الى الله عزوجل ويوكل الى حكمته ورحمته امر الوقت او الصورة والكيفية التي يحقق له بها ما يطلبه منه؛ ثقة بجميل تدبيره وحسن صنعه بعباده؛ تبارك وتعالى أرحم الراحمين. مستمعينا الاطائب، وقد حثت كثيرٌ من الاحاديث الشريفة على الاكثار من ذكر "لا حول ولا قوة الا بالله العظيم" مبينة عظيم آثارها وبركاتها، وهذا ما نتناوله باذن الله في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) نشكركم على طيب المتابعة ولكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران خالص التحيات، دمتم بكل خير وفي أمان الله. شرح فقرة: "لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم" (3) - 92 2014-04-13 09:05:56 2014-04-13 09:05:56 http://arabic.irib.ir/programs/item/11242 http://arabic.irib.ir/programs/item/11242 بسم الله وله جميل الحمد اللطيف الخبير، وأزكى صلواته على سراجه المنير وآله أهل آية التطهير، السلام عليكم مستمعينا الافاضل ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج نخصصه للتعرف الى المعنى الثالث المستفاد من كتب اللغة والتفسير لفقرة (لطيف لما تشاء) وهي الثانية من الفقرات الثلاث التي يختم بها دعاء الحجب الشريف. ننور قلوبنا أولاً بالتوجه الى عزوجل بالمقطع الختامي من هذا الدعاء مقتدين برسول الرحمة –صلى الله عليه وآله- وهو يناجي أكرم الأكرمين مقسماً عليه بأعز أسمائه بقوله: "اللهم أسألك بعزة ذلك الاسم أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع المؤمنين والمؤمنات جميع الآفات والعاهات، والإعراض والأمراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والكفر والشقاق، والنفاق والضلالة، والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، انك سميع الدعاء، لطيفٌ لما تشاء ولا حول ولا وقوة الا بالله العلي العظيم". ايها الأحبة، المعنى الاول لاسم اللطيف هو الذي يتلطف بعباده بأسباغ النعم عليهم وهدايتهم الى ما فيه صلاحهم ودفع الأذى عنهم. أما المعنى الثاني فهو اللطيف بمعني دقيق التدبير وجميل الصنع الذي يوصل الانسان الى ما يطلبه برفق ودقة، جاء في كتاب (لسان العرب): (اللطيف اسم من أسماء الله، قال أبو عمرو: اللطيف الذي يوصل اليك اربك –اي مطلبك- في رفق، واللطف من الله التوفيق والعصمة) والمعنى الثالث هو المشار اليه في قوله تبارك وتعالى في الآية 103 من سورة الأنعام "لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ". وكذلك المستفاد من قوله عزوجل في الآية المئة من سورة يوسف: "وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ". وكذلك قوله عزوجل في الآية 16 من سورة لقمان "يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ". وقوله جل جلاله في الآيتين 13 و14 من سورة الملك "وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ{13} أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ". هذه الآيات وغيرها مستمعينا الافاضل وان كانت تشير الى المعنيين المتقدمين ايضاً الا أنها تؤكد على معنىً ثالث ذكرته كتب اللغة والتفسير منتزع من اللطف بمعنى الدقة واللطف المؤدي الى النفوذ في الأشياء بحكم اللطافة المضادة للضخامة في مصداقها المادي، جاء في كتاب (التحقيق في كلمات القرآن الكريم) وبعد استعراض اقوال كتب اللغة بشأن مفردة اللطف، قول العلامة المحقق السيد حسن المصطفوي –رضوان الله عليه-: "والتحقيق هو أن الأصل الواحد في الماده: هو دقة مع رفق ويقابله الغلظة والخشونة ومن لوازم الاصل وآثاره البر والتكرمة والمودة والرأفة والاهداء والتوجه الى الجزئيات... وكمال اللطافة انما يتحقق في الله عزوجل، فهو تعالى لطيف لا يتصور فيه غلظة ولا خشونة بوجه.. وهو نورٌ منبسط ولا يحجبه شيءٌ ولا نهاية في دقته ورفقه وهو اللطيف المطلق الحق، وهذه الحقيقة يلازمها التوجه والمعرفة الى الجزئيات والاحاطة بالدقائق والعطوفة والبر والإحسان". أيها الاخوة والاخوات، من هنا قال العلماء أن اللطيف هو: النافذ في الأشياء الذي يصل علمه الى ما بطن وصغر ولطف ولا يعزب عنه شيء كما ورد في تفسير الأصفى للفيض الكاشاني. وعليه يكون المعنى الثالث لعبارة "لطيف لما تشاء" هو أن الله عزوجل نافذ في كل الأشياء يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار يهيأ جميع الأسباب الظاهرة والخفية لتحقيق مشيئته وارادته كما جرى مع نبيه يوسف عليه السلام اذ اخرجه من السجن وجعله بعد الرق عزيز مصر؛ فهو –تبارك وتعالى- اللطيف المطلق الذي يعلم بكل شؤون خلقه لأنه خالقهم فيعلم بادق شؤونهم مثل ما يخفونه في صدورهم. وعلى ضوء معرفة هذه الحقيقة ندرك أيضاً سر تأكيد دعاء الحجب الشريف على اختيار هذه العبارة كأحدى العبارات الرئيسة لكي يختم بها الداعي دعاءه، فهذه العبارة تثير في قلبه المعرفة الفطرية بأن الله عزوجل هو النافذ في كل الأشياء ولذلك بأمكانه ان يسخر لعبده كل ما يحتاجه للوصول الى ما يطلبه منه في هذا الدعاء المبارك وغيره من الادعية الشريفة. واثارة هذه المعرفة الفطرية من شأنها ان يقوي يقين الداعي بتحقق مراده ومطلوبه من ربه الكريم وان كانت الاسباب الظاهرية قد تجعل تحققه محالاً، ثقة بان ربه هو اللطيف النافذ بالاشياء وهو أرحم الراحمين وأكرم الاكرمين. وبهذا ننهي ايها الاحبه لقاء اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم له من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، تقبل الله منكم حسن الاصغاء ودمتم في رعاية آمنين. شرح فقرة: "لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم" (2) - 91 2014-04-09 09:05:55 2014-04-09 09:05:55 http://arabic.irib.ir/programs/item/11202 http://arabic.irib.ir/programs/item/11202 بسم الله وله الحمد خالصاً اللطيف بعباده أكرم الاكرمين، والصلاة والسلام على وسائل لطفه العميم نبيه المبعوث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم اخوتنا واخواتنا وأهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج نعيش فيها دقائق مستلهمين المعارف الحقة من عبارة (لطيف لما تشاء) وهي ثانية العبارات الثلاث التي يختم بها دعاء الحجاب الشريف، نتبرك أولاً بتلاوة المقطع الختامي من هذا الدعاء الشريف حيث نقتدي بحبيبنا الهادي المختار وهو –صلى الله عليه وآله الأطهار- يتوجه الى الله تبارك وتعالى مقسماً بأعز اسمائه وقائلاً: "اللهم... أسألك بعزة ذلك الاسم أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع المؤمنين والمؤمنات، جميع الآفات والعاهات، والأعراض والأمراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والكفر والشقاق، والنفاق والضلالة، والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة وشماتة الأعداء وغلبة الرجال، انك سميع الدعاء، لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم". عرفنا –أحباءنا- في الحلقة السابقة، ان المستفاد من النصوص الشريفة ان لاسم "اللطيف" من أسماء الله الحسنى ثلاثة معان، الأول منها هو من اللطف بمعنى البر بالعباد ودوام الانعام عليهم برأفة وشفقة ورحمة. وعليه يكون معنى اللطيف هو اللاطف بعباده بسبوغ الانعام والاحسان ودوامه. ومعرفة الله بهذا المعنى لاسم "اللطيف" يبعث بلاشك في قلب الداعي أملاً قوياً باستجابة الله عزوجل لدعائه استمراراً لإنعامه عليه: خاصة وإن من مصاديق هذا المعنى هو ما ذكره الفيض الكاشاني في كتاب علم اليقين حيث قال: "وانما سمّي فعل ما يقرب العباد الى الله تعالى ويبعدهم عن المعاصي لطفاً بهم لأن ذلك تلطيف لهم عن كثافة الجسم –أي تقوية الحالة الروحانية فيهم-، وعلى هذا فاطلاق اللطيف على الله تعالى بمعنى فاعل اللطف وحظ العبد منه ارشاد العباد الى ما يقربهم الى تعالى ويبعدهم عن النشأة الفانية". أيها الاخوة والاخوات، أما المعنى الثاني المستفاد من النصوص الشريفة وكتب اللغة والتفسير فهو المنتزع من اللطف بمعنى "حسن التدبير وجميل الصنع"، قال الشيخ الصدوق في كتاب (التوحيد) ضمن ذكره لمعاني الأسماء الحسنى: "والمعنى الثاني لاسم اللطيف: انه لطيفٌ في تدبيره وفعله". وقال الشيخ الطوسي في تفسير (التبيان): "معناه هو اللطيف بعباده من حيث يدبرهم بلطف التدبير، فلطيف التدبير هو الذي يدبر تدبيراً نافذاً لا يخفو عن شيء يدبره به" ومن مصاديق لطف التدبير، الانعام من وجوه خفية قد لا يدركها الانسان كان يرزق المتقي من حيث لا يحتسب، والى هذا المعنى اشار الشريف المرتضى –رضوان الله عليه- من الجزء الثاني من رسائله حيث قال: "اللطيف: المنعم بالنعم من وجوه خفية لا يوقف على كنهها والذي يوصل نعمه الى المواضع الخفية والعالم بالأمور الخفية التي بعد الوقوف عليها". كما أن من مصاديق هذا المعنى هو اللطف في ايصال النعم الى العباد من خلال الرفق بهم، كما يشير لذلك الفيض الكاشاني في شرحه لأصول الكافي الموسوم بالوافي حيث قال: "معنى اللطيف فاعل اللطف وهو ما يقرب العبد الى الطاعة ويبعده عن المعصية ويمكن الجمع بين المعنيين بان يقال ان اللطيف هو من يعلم دقائق الامور وغوامضها ومادق منها ولطف ثم يسلك في ايصالها... سبيل الرفق دون العنف، فاذا اجتمع الرفق في الفعل واللطف في الادراك تم معنى اللطف". كما أن من مصاديق هذا المعنى هو لطف التعبير اي دقته كما يشير لذلك قول العلامة فخر الدين الطريحي في كتاب (تفسير غريب القرآن): "اللطيف هو المختص بدقيق التدبير والله تعالى لطيف واصلٌ علمه وفضله الى عباده". مستمعينا الافاضل، وعلى ضوء المعنى الثاني لاسم "اللطيف" من اسماء الله الحسنى فتوصل الى معنى عبارة "لطيف لما تشاء" هو الطلب من الله تبارك وتعالى أن يستجيب دعوات المتوجه اليه بدعاء الحجب الشريف، ويحقق له مراده بما هو أهله حسن التدبير وجميل الصنع والرفق في ايصال خير ما يطلبه منه من الطرق الواضحة أو الطرق الخفية أي ان يرزقه ما يرجو من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب. وهنا نسأل ما هو ثمرة ادراك هذا المعنى؟ والجواب هو: لعل من اهم ثماره نفي الاستعجال عن الداعي لتحقق ما يريد ليقينه وثقته بالله عزوجل بان تدبير الله هو الالطف والاحسن ولذلك يأتيه تحقق مراده في افضل صورة ومن طرق خفية تبعد عنه مكائد الشيطان وغيرها من العوامل التي تسعى لمنع وصول العطايا والمواهب الالهية للعباد. اعزاءنا، ويبقى المعنى الثالث لاسم اللطيف الذي على ضوئه نحصل على المعنى الثالث لفقرة "لطيفٌ لما تشاء" الواردة في دعاء الحجب الشريف، والحديث عن ذلك هو محور الحلقة المقبلة بإذن الله من برنامجكم (ينابيع الرحمة)، نشكر لكم طيب المتابعة ولكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران خالص الدعوات دمتم بكل خير وفي امان الله. شرح فقرة: "لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم" (1) - 90 2014-04-08 09:00:59 2014-04-08 09:00:59 http://arabic.irib.ir/programs/item/11121 http://arabic.irib.ir/programs/item/11121 بِسْمِ اللَّهِ وله الحمد والمجد سميع الدعاء اللطيف الكريم تبارك وتعالى أرحم الراحمين وازكى صلواته وتحياته وبركاته على فاتح الخير وسيد الكائنات حبيبه المصطفى وآله الهداة. السلام عليكم أيها الاخوة والاخوات، ورحمة من الله وبركات. لكم منا أطيب التحيات، وأهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج، نقضي فيه دقائق مع أحد غرر ادعية أهل بيت الرحمة، هو دعاء الحجب الشريف، فنواصل استلهامتنا منه متبركين أولاً بمقطعه الختامي، فنقتدي برسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقسم على الله بأعز أسمائه الحسنى قائلاً: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). انتهى بنا الحديث أيها الاحبة الى الفقرة الثانية من الفقرات الثلاث الاخيرة في دعاء الشريف وهي التي يعلمنا الهادي المختار (صلى الله عليه وآله) ان نخاطب الله عزوجل باسم (لطيف لما تشاء)؛ فما معنى هذا الاسم؟ ولماذا يعلمنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن نخاطب الله عزوجل به؟ وبالتالي ما هي آثار معرفة الله بهذا الاسم؟ مستمعينا الافاضل، من خلال مراجعة النصوص الشريفة وكتب اللغة والتفسير نجد ثلاث معان لهذا الاسم المبارك من أسماء الله الحسنى. ولمعرفة الله بكل معنىً منها وترسيخ هذه المعرفة في قلب الداعي آثار تربوية مهمة في استجابة دعائه أولاً وثانياً لتأهيله للاستفادة الصحيحة من هذه الاستجابة. نبدأ بالمعنى الأول فأبقوا معنا مشكورين: المعنى الأول - ايها الاحبة- هو المنتزع من اللطف بمعنى الانعام والبر، قال الشيخ الصدوق في كتاب التوحيد: (اللطيف معناه، انه تبارك وتعالى لطيف بعباده فهو لطيف بهم، بار بهم، منعمٌ عليهم، واللطف: البر والتكرمة، يقال: فلان لطيف بالناس بارٌ بهم، يبرهم ويلطفهم الطافاً). ومن مصاديقه ما ذكره الفيض الكاشاني في كتاب (الوافي في شرح اصول الكافي) حيث قال: (معنى اللطيف: فاعل اللطف وهو ما يقرب العبد الى الطاعة ويبعده عن المعصية). ومن مصاديقه ايضاً زيادة النعمة واليها اشار الشيخ الطوسي في تفسير (التبيان) حيث قال في الجزء الرابع: (قيل في معنى اللطيف قولان: أحدهما اللاطف لعباده بسبوغ الانعام غير انه عدّل من وزن (فاعل) الى فعيل للمبالغة). اي ان اللطيف هو المكثر من الانعام على عباده، وهذا هو المشار اليه في الآية 47 من سورة مريم حيث تحكي جواب ابراهيم الخليل (عليه السلام) لعمه آزر كما في قول الله عزوجل: «قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا»، اي كثير اللطف بحيث يرجو ابراهيم (عليه السلام) منه تعالى ان يغفر لعمه آزر رغم انه كان في جبهة المشركين. قال الشيخ الطوسي في تفسير (التبيان) الجزء السابع: (ومعنى قوله: «إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا» ، ان الله كان عالماً بي لطيفاً والحفي هو اللطيف بعموم النعمة، يقال: تحفني فلان، اذا اكرمني وألطفني، وحفي فلان بفلان حفاوة اذا ابره والطفه). ايها الاخوة والأخوات، وعلى ضوء ما تقدم يتضح أن المعنى الاول لاسم (اللطيف) هو المسبغ بالانعام على العباد بأستمرار والبربهم وابعادهم عما يضرهم وايصالهم الى ما يصلحهم. وعلى ضوء هذا المعنى يكون معنى عبارة (لطيف لما يشاء) هو أن تحقيق الله عزوجل لمشيئته يكون مقروناً بالبر واللطف بالعباد. بأجمل مصاديق الانعام وأسمى صورها وأعظمها بركة. ومما لا شك فيه مستمعينا الافاضل، ان اثارة هذه المعرفة الفطرية في قلب الداعي من شأنه ينعش فيه الرجاء الجميل بأن يستجيب الله لدعائه بحكم لطفه عزوجل، هذا أولاً وثانياً ان تكون هذه الاستجابة مقرونة بالبر والانعام المستمر وبما يدفع عن الداعي الضر ويوصله الى ما يأمل بأفضل صورة. ايها الاحبة، المعنى الثاني لاسم اللطيف سيكون بأذن الله محور حديثنا في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة). تقبلوا منا خالص الشكر على طيب المتابعة ولكم دوماً من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران خالص الدعوات، تقبل الله أعمالكم ودعاءكم ودمتم بكل خير. شرح فقرة: "إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء، ..." - 89 2014-04-06 08:34:17 2014-04-06 08:34:17 http://arabic.irib.ir/programs/item/11120 http://arabic.irib.ir/programs/item/11120 بِسْمِ اللَّهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ تبارك وتعالى أرحم الراحمين، والصلاة والسلام على حبيبه المبعوث رحمة للعالمين ابي القاسم محمد الصادق الأمين وآله الطيبين الطاهرين. سلامٌ من الله عليكم أيها الاخوة والاخوات، تحية طيبة مباركة نهديها لكم ونحن نلتقيكم بتوفيق الله في لقاء اليوم من هذا البرنامج، نتابع فيه استلهام دروس الحياة الطيبة من دعاء الحجب الشريف، نتبرك أولاً بتلاوة مقطعه الختامي فنقتدي بحبيبنا الهادي المختار (صلى الله عليه وآله الاطهار) وهو يقسم على ربه الكريم بأعز أسمائه قائلاً: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). مستمعينا الافاضل، أنهينا في الحلقة السابقة الحديث عن العوامل التي يعلمنا سيد الكائنات (صلى الله عليه وآله الهداة) أن نستعيذ بالله عزوجل منها لأنها تسلب الانسان من الحياة الطيبة وتوقعه في شقاء الدنيا والآخرة. ومعنى ان نطلب من الله صرف هذه العوامل - وهي واحد وعشرون عاملاً- هو في الواقع الاستعانة به عزوجل في سعينا للتطهر منها؛ كما أفادتنا كثيرٌ من النصوص الشريفة أشرنا اليها في حلقات سابقة. وقد انتهى بنا الحديث الى أولى الفقرات الثلاث التي ينهي بها الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله)، دعاءه العظيم، والأولى خطابه لله تبارك وتعالى بقوله: (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء) وهي فقرة قرآنية. فما معنى اسم (السميع) من الاسماء الحسنى، ولماذا نخاطب الله عزوجل به هنا؟ نتلمس الاجابة معاً فأبقوا معنا مشكورين: أيها الاكارم، نشير أولاً الى أن ما ورد في دعاء الحجب النبوي من التاكيد على صفة السمع الالهي للدعاء أمرٌ شائع في كثير من أدعية اهل بيت النبوة (عليهم السلام) وهو مقتبس أيضاً من التعليم القرآني بأن نخاطب الله باسم السميع عندما ندعوه، فمثلاً نقرأ في الآية 35 من سورة آل عمران: «إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ». ونقرأ في الآيتين 37 و38 من السورة نفسها قوله تبارك وتعالى في تتمه قصة مريم (عليها السلام): « فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء». ايها الاكارم وعند التدبر في هذه الآيات يتضح أن معنى كون الله عزوجل سَمِيعُ الدُّعَاء هو مجيب الدعاء كما أشار لذلك الشيخ الصدوق في كتاب التوحيد وغيره من العلماء والمفسرين وهذا المعنى يؤكده أن الآية 38 ذكرت وصف (سَمِيعُ الدُّعَاء) بعد أن ذكرت مشاهدة زكريا (عليه السلام) لمظاهر استجابة الله دعاء أم مريم (عليهما السلام) وخرقه عزوجل لحاكمية الاسباب الطبيعية، ولذلك طلب زكريا أن يرزقه ذرية طيبة رغم شيخوخته وعقم زوجته. وعلى ضوء ما تقدم تتضح أيضاً مستمعينا الاطائب الاجابة عن السؤال الثاني وهو سر تأكيد دعاء الحجب الشريف وسائر أدعية اهل البيت (عليهم السلام) على ان يخاطب الداعي ربه الكريم باسم (سَمِيعُ الدُّعَاء)، فالمراد هنا تذكير الداعي بحقيقة ان الله عزوجل سَمِيعُ الدُّعَاء أي مجيبه حتى لو كانت الاسباب الطبيعية لا تسمح بذلك، لان قانون الدعاء هو فوق قانون حاكمية القضاء، فالدعاء يرد القضاء وقد أبرم ابراماً كما تعبر عن ذلك عدة من الاحاديث الشريفة المروية عن الرسول الاعظم وائمة عترته (عليه وعليهم الصلاة والسلام). ولا يخفى عليكم - مستمعينا الافاضل- ان استذكار الداعي للحقيقة المتقدمة يرسخ اليقين في قلبه بأن الله عزوجل مجيب دعائه حتى لو كانت الاسباب الطبيعية لا تسمح بذلك فهو عزوجل بقدرته الغالبة يطوع الاسباب لكي يحقق ما يطلبه منه عبده المخلص في توجهه اليه ودعائه منه. وقد صرحت كثيرٌ من النصوص الشريفة ان يقين الداعي باستجابة دعائه من اهم شروط استجابة الدعاء لأن هذا اليقين من عوامل تأهل العبد لتلقي الفيض الالهي ببركة صدق ايمانه بقدرة الله ورحمته تبارك وتعالى. والى هنا ننهي أيها الاحبه حلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم له مشكورين من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران تقبل الله دعاءكم واعمالكم ودمتم في رعاية سالمين. شرح فقرة: "غلبة الرجال، ..." (2) - 88 2014-04-05 09:10:02 2014-04-05 09:10:02 http://arabic.irib.ir/programs/item/11119 http://arabic.irib.ir/programs/item/11119 بِسْمِ اللَّهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ والصلاة والسلام على شروط الدخول في حصن توحيده الحصين؛ نبيه الصادق الأمين وآله الطيبين الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. سلامٌ من الله عليكم أعزاءنا المستمعين، أطيب تحية نحييكم بها مرحبين بكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج، فأهلاً بكم في هذه الحلقة نستكمل الحديث عن معنى ومصاديق (غلبة الرجال) التي يعلمنا حبيبنا نبي الرحمة (صلى الله عليه وآله) الإستعاذة بالله عزوجل منها في المقطع الختامي من دعائه المبارك الموسوم بدعاء الحجب الشريف. وقد اشتمل المقطع الختامي على هداية نبوية جليلة الى العوامل التي تحرم الانسان من الحياة الطيبة فعدّ منها واحداً وعشرين عاملاً الأخير منها عامل (غلبة الرجال)، نستذكر هذه العوامل طالبين من الله الوقاية منها ونحن نقتدي بحبيبنا الهادي المختار وهو يخاطبه عزوجل مقسماً عليه بأعز اسمائه الحسنى وهو يقول: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). ايها الاخوة والاخوات، روى الشيخ الصدوق في كتاب (من لا يحضره الفقيه) عن مولانا الامام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال: (تعوذوا بالله من غلبة الدين وغلبة الرجال ...) . وفي هذا الحديث اشارة لطيفة الى أثر غلبة الرجال في ارهاق الانسان بالضغوط المادية والمعنوية مثلما ترهقه وتقلقه غلبة الدين أي كثرة ما بذمته للآخرين من قروض أو طلبات أو حقوق. وقد عرفنا في الحلقة السابقة أقوال العلماء في معنى (غلبة الرجال) حيث ذكروا من مصاديقه انتشار الفوضى والاضطرابات التي يثيرها الأشرار والغوغاء، كما ذكروا من مصاديق غلبة الرجال حكم الجبارين والظلمة الذين يعيثون في الأرض فساداً ويؤذون الناس بظلمهم. وثمة مصداق آخر ل غلبة الرجال أهم وأكثر تدميراً للحياة المعنوية للإنسان نستفيده من عدة من الأحاديث الشريفة تأتيكم بعد قليل قأبقوا معنا. مستمعينا الأكارم، روى الشيخ الصدوق في كتاب (معاني الأخبار) بسنده عن سفيان بن خالد، قال: قال ابوعبدالله الصادق (عليه السلام): اياك والرئاسة فما طلبها أحدٌ الا هلك. فقلت له: جعلت فداك، قد هلكنا إذاً، ليس أحدٌ منا إلا وهو يحب أن يذكر ويقصد ويؤخذ عنه. فقال (عليه السلام): ليس حيث تذهب، إنما ذلك أن تنصب رجلاً دون الحجة فتصدقه في كل ما قال وتدعو الناس الى قوله. وكما تلاحظون ايها الأفاضل، فإن في هذا الحديث الشريف إشارة مهمة الى أخطر مصاديق (غلبة الرجال) يبين الإمام (عليه السلام) عمق خطورته بالتصريح بأنه يؤدي الى هلاك الانسان. هذا المصداق يتمثل في أن يتأثر الإنسان بشخصية قوية حتى لو كانت من المؤمنين والصالحين لكنها (دون الحجة) أي ليست من المعصومين فيتعامل معها وكأنها معصومة فيأخذ منها كل شيء ويصدقها في كل ما تقول ويدعو الناس الى إتباعها رغم احتمال أن تكون بعض أقوالها وآرائها من عندها وليس من مصادر الوحي الالهي المعصوم، وبذلك يقع في إتباع غير الهدى الالهي فيكون هلاكه. وعلى ضوء ما تقدم نفهم مستمعينا الأفاضل أن من وسائل النجاة من (غلبة الرجال) الاستعانة بالله عزوجل في اجتناب التسليم المطلق لغير الحجة المعصوم، نعم نؤخذ من الصالحين ونقتدي بهم في الموارد التي نتيقن من كونها مما أمر به الله عزوجل وأولياؤه المعصومون (عليهم السلام) أما ان يؤدي التأثر بهم وحبهم الى التسليم المطلق والأخذ بكل ما يقولونه دون تمحيص وتيقن انه من عندالله فهو من مصاديق الوقوع في أسر (غلبة الرجال) التي يأمرنا النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) بالاستعاذة بالله عزوجل منها. أيها الاخوة واالاخوات، ونجد في الأحاديث الشريفة تحذيراً شديداً من الاصغاء لأئمة الضلال والتأثر بأقوالهم كأحد مصاديق (غلبة الرجال)، ويبلغ التحذير درجة اعتباره التأثر بهم من مصاديق عبادة الشيطان، فمثلاً روي في كتاب الكافي مسنداً عن امامنا محمد التقي الجواد (صلوات الله عليه) أنه قال: (من أصغى الى ناطق فقد عبده، فان كان الناطق يؤدي عن الله عزوجل فقد عبدالله وان كان الناطق يؤدي عن الشيطان فقد عبد الشيطان). وتعبير الإصغاء يشير الى شدة التأثر بالناطق والخضوع لقوله وهو من مظاهر العبودية كما هو واضح. وعليه يتضح أن الوسيلة المحورية للنجاة من (غلبة الرجال) هو أن يلتزم الانسان المؤمن بتمحيص كل قول يسمعه فلا يسمح للمشاعر الشخصية بالتأثير عليه ويحرص على أن لا يؤخذ الا ما يتيقن بكونه من عندالله تبارك وتعالى ومما بلغه أولياؤه المعصومون صلوات الله عليهم أجمعين. وبهذا نكمل الحديث عن معنى ومصاديق (غلبة الرجال) وسبل النجاة منها، فنختم حلقه اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) شاكرين لكم أيها الأطائب طيب المتابعة، تقبلوا من إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران خالص الدعوات ودمتم بكل خير. شرح فقرة: "غلبة الرجال، ..." (1) - 87 2014-04-03 16:48:33 2014-04-03 16:48:33 http://arabic.irib.ir/programs/item/11118 http://arabic.irib.ir/programs/item/11118 بِسْمِ اللَّهِ وله الحمد أرحم الراحمين تبارك وتعالى رب العالمين وأزكى صلواته وتحياته وبركاته على كنوز رحمته للعالمين حبيبه المصطفى الأمين وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم أحبتنا المستمعين، أطيب تحية نهديها لكم ونحن نلتقيكم بتوفيق الله في حلقة اليوم من هذا البرنامج ... موضوع هذه الحلقة هو العامل الحادي والعشرون والأخير من العوامل التي تسلب الانسان الحياة الطيبة، وهو عامل (غلبة الرجال) حسب ما ورد في المقطع الختامي من دعاء الحجب الشريف، ففيه يذكرنا حبيبنا الهادي المختار صلوات ربي عليه وآله الاطهار بها ويعلمنا الاستعاذة بالله عزوجل منه حيث يقسم عليه بأعز اسمائه الحسنى قائلاً: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). ايها الاخوة والاخوات لكي نستعين بالله جلت قدرته في السعي للتطهر من هذا العامل من عوامل سلب طيب الحياة ينبغي ان نعرف معناه أولاً ولفظه يتكون من مفردتين هما (الغلبة) و (الرجال)، فما المقصود بهما؟ بالنسبة لمعنى (الغلبة) فقد قال آية الله السيد حسن المصطفوي رحمه الله في كتاب (التحقيق في كلمات القرآن الكريم) بعد أن نقل ما ذكرته كتب اللغة قال: (ان الاصل الواحد في المادة هو التفوق مع القدرة او تفوق في قدرة، وأما القهر والاستيلاء والشدة والغلظة فهي من لوازم الأصل ... والأغلب من المقام ما يكون متفوقاً ومتعالياً وفيه قدرة وقوة في ذاته يعلو على سائر المقامات ويتظاهر عليها: [فقوله تعالى]: «وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ»، يراد [به] تفوقه ذاتاً على جميع الموجودات وعلى ما يأمره ويريده مع وجود القدرة وهذا أعلى مرتبة التفوق واسنى مقام القدرة الروحانية). وعلى ضوء هذا التعريف يتضح أن الخضوع والتسليم للغلبة الالهية من مراتب التوحيد والعبودية لله جل جلاله، بل لا ينبغي الخضوع والتسليم - القلبي كأحد أدنى- لغيره عزوجل ولغير أوليائه المعصومين (عليهم السلام) فهم خلفاؤه المعبرون عن مشيئته وارادته وغلبته تبارك وتعالى. ومن هذه الملاحظة نفهم ان المقصود في الدعاء الشريف ليس الاستعاذة بالله من غلبة اولياء الله عزوجل وخلفائه (عليهم السلام)، فالتسليم لهذه الغلبة المقدسة هو سبيل بلوغ الكمالات التي قدرها الله للانسان ومظهر الالتزام بالهداية الالهية الالهية اليها؟ اذن فمن هم (الرجال) الذين يعلمنا النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) ان نستعيذ بالله للنجاة من غلبتهم علينا؟ وما هي مصاديق هذه الغلبة؟ مستمعينا الاطائب، للاجابة عن السؤال المتقدم نرجع أولاً الى كتاب العلامة الجليل الشيخ فخرالدين الطريحي فنقرأ قوله في كتابه القيم (مجمع البحرين): (ورد في الدعاء: (واعوذ بك من غلبة الرجال) والمراد بها تسلطهم هرجاً ومرجاً وذلك كغلبة العوام). وفي الجزء الثالث والثمانين من موسوعته (بحار الانوار) اشار العلامة المجلسي الى معنى (غلبة الرجال) التي نستعيذ بالله عزوجل منها فقال: (وغلبة الرجال اي تسلطهم واستيلاءهم هرجاً ومرجاً او غلبة السلاطين والجبارين). وقريب من ذلك ورد في كتاب النهاية في غريب الحديث وغيره من كتب شراح الحديث النبوي. ومن هذا التفسير نتعرف الى مصداقين من مصاديق (غلبة الرجال) التي يعلمنا دعاء الحجب ان نستعيذ بالله عزوجل منها: المصداق الاول: هو الفتن التي يستولي فيها على أوضاع المجتمع الأشرار والجهلة فيشيعون فيها الهرج والمرج اي الاقتتال الداخلي والنزاعات والسرقات وسائر مظاهر انعدام الامن الاجتماعي. وواضح أن هذا المصداق من العوامل الشديدة التأثير في تنغيص حياة الفرد والمجتمع اذ أن الامان هو من أجل النعم الالهية وفي ظله يتمكن بيسر من القيام بالنشاطات النافعة. أما المصداق الثاني: فهو استيلاء الجبابرة والظالمين والجائرين على الحكم أو على الانسان وسيعهم في إيذائه، وهذا المصداق أوضح في تنغيض طيب الحياة على الفرد والمجتمع بسبب الويلات التي تجرها عليهما السياسات الظالمة. أيها الاخوة واالاخوات، هذه هي أهم المصاديق التي ذكرتها كتب اللغة لمعنى (غلبة الرجال) ولكن هناك مصداق أهم وأشد تأثيراً وخطراً تهدينا اليه طائفة من النصوص الشريفة وهو تغلب من لا ينطق عن الله على قلب الانسان وعقله وهذا ما سنفصل الحديث عنه باذن الله في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابع الرحمة) نشكر لكم طيب المتابعة ولكم أيضاً من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران خالص التحيات دمتم في امان الله. شرح فقرة: "شماتة الأعداء، ..." (4) - 86 2014-03-31 09:12:05 2014-03-31 09:12:05 http://arabic.irib.ir/programs/item/11117 http://arabic.irib.ir/programs/item/11117 بِسْمِ اللَّهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ الذي هدانا لموالاة واتباع صفوته المنتجبين حبيبه المصطفى وأهل بيته الطاهرين صلوات الله وتحياته وبركاته عليهم اجمعين. سلامٌ من الله عليكم أحبتنا المستمعين، أطيب تحية مفعمة برحمة الله وبركاته نهديها لكم في مطلع لقاء اليوم من هذا البرنامج، نستكمل فيه بتأييد الله الحديث عن وسائل النجاة من (شماتة الأعداء) وهو العامل العشرون من العوامل التي تنغص الحياة الطيبة أو تحرم الانسان منها حسبما ورد في المقطع الختامي لدعاء الحجب الشريف، نستذكر هذه العوامل ونحن نقتدي بحبيبنا الهادي المختار (صلى الله عليه وآله الأطهار) وهو يقسم على الله بأسمه المستأثر قائلاً: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء، وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). ايها الأحبة، فيما يرتبط (ب شماتة الاعداء) فإنها ولا شك من العوامل التي تحرم الانسان من الحياة الطيبة وتنغصها عليه سواءٌ كانت بمعنى ان نشمت نحن ونظهر الفرح والسرور اذا نزلت مصيبة باحد من الناس حتى لو كان عدواً، لأن هذه الشماتة تنمي في النفس مشاعر الحقد والمؤمن منزه عنها لانها من خلق الشيطان الذي كان أول من اظهر الشماتة اذ اظهر الفرح والسرور عندما اخرج آدم من الجنة وعند وفاته (عليه السلام). ان النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) يعلمنا في هذا الدعاء الشريف ان نستعيذ بالله من هذا المعنى للشماتة، وكذلك من المعنى الثاني وهو أن يشمت بنا الأعداء وعلى رأسهم الشيطان اذا وقعنا في المعاصي، ولذلك فان من أهم وسائل النجاة من شماتة الأعداء هو الورع واجتناب المعاصي، خاصة التي تستتبع نزول البلاء فيشمت بنا الأعداء. وقد عرفنا في حلقات سابقة عدة من الوسائل التي هدتنا اليها النصوص الشريفة للنجاة من شماتة الأعداء، ونضيف اليها هنا وسيلة أخرى هي اجتناب الشكوى خاصة لغير المؤمنين عند نزول المصيبة أو البلاء؛ اذ ان هذه الشكوى تستتبع عادة الشماتة المؤذية، قال مولانا الامام جعفر الصادق في المروي عنه في كتاب التمحيص: (أيما مؤمن شكا حاجته وضره الى كافر او الى من يخافه على دينه فانما شكا الله الى عدو من أعداء الله، وأيما مؤمن شكا حاجته وضره وحاله الى مؤمن مثله كانت شكواه الى الله عزوجل). مستمعينا الأفاضل، ان اجتناب الشكوى للناس مما ينزل بالانسان من ابتلاءات ومصائب مثلما يدفع عنه شماتة الأعداء فانه في الوقت نفسه سبب لحفظ الثواب الالهي الذي أعده الله عزوجل للصابرين على البلاء، ولذلك صار من كنوز الجنة حسبما ورد في الحديث النبوي المروي في كتاب الأمالي للشيخ المفيد عن نبي الرحمة (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (أربعة من كنوز الجنة: كتمان الحاجة وكتمان الصدقة وكتمان المرض وكتمان المصيبة). كما أن الصبر الجميل هو المنزه عن الشكوى، ففي بحار الأنوار أن رجلاً سئل الامام محمد الباقر (عليه السلام) عن معنى (الصبر الجميل) فقال: (شيء لا شكوى فيه، ثم قال: وما في الشكوى من الفرج؟ فانما هو يحزن صديقك ويفرح عدوك). يضاف الى ذلك أن اجتناب الشكوى من البلاء سبب لتخفيفه ودفع الله عزوجل له، ففي جامع الأخبار روي عن الامام الباقر (عليه السلام) أنه قال: (من كتم بلاءً به من الناس وشكا ذلك الى الله عزوجل كان حقاً على الله أن يعافيه من ذلك البلاء). أيها الاخوة والاخوات، ونستفيد من الاحاديث الشريفة ان من وسائل النجاة من شماتة الاعداء هو التوجه الى الله عزوجل لدفع المصاب الذي يسبب هذه الشماتة ومن المصاديق العبادية لذلك ما رواه ثقة الاسلام الكليني في كتاب الكافي بسنده عن ابن ابي حمزة قال: سمعت علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول لابنه: يا بني من أصابه منكم مصيبة أو نزلت به نازلة فليتوضأ وليسبغ الوضوء ثم يصلي ركعتين أو أربع ركعات ثم يقول في آخرهن: يا موضع كل شكوى ويا سامع كل نجوى وشاهد كل ملأ وعالم كل خفية ويا دافع ما يشاء بلية ويا خليل ابراهيم ويا نجي موسى ويا مصطفي محمد (صلى الله عليه وآله)، أدعوك دعاء من اشتدت فاقته وقلت حيلته وضعفت قوته دعاء الغريق الغريب المضطر الذي لايجد لكشف ما هو فيه الا أنت يا أرحم الراحمين. ثم قال السجاد (عليه السلام): فانه لا يدعو به أحدٌ الا كشف الله عنه إن شاء الله. مستمعينا الأطائب، في الحلقة المقبلة بأذن الله من برنامجكم (ينابيع الرحمة) سنتناول بعون الله العامل الحادي والعشرين والاخير من العوامل السالبة لسعادة الانسان حسبما ورد في المقطع الختامي لدعاء الحجب الشريف وهو عامل (غلبة الرجال) تقبلوا من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران اصدق الشكر على جميل المتابعة ودمتم بألف خير. شرح فقرة: "شماتة الأعداء، ..." (3) - 85 2014-03-30 08:18:06 2014-03-30 08:18:06 http://arabic.irib.ir/programs/item/11116 http://arabic.irib.ir/programs/item/11116 وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وأزكى صلواته على كنوز رحمته للخلائق أجمعين حبيبنا الصادق الأمين محمد وآله الطاهرين. سلام من الله عليكم أيها الأخوة والاخوات، أهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج نتابع فيه - بعون الله- الحديث عن العامل العشرين من العوامل التي تسلب الحياة الطيبة طبق ما هدانا اليها مولانا المصطفى (صلى الله عليه وآله) في خاتمة دعائه المبارك الموسوم بدعاء الحجب الشريف حيث قال: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). ايها الأطائب، عرفنا في الحلقتين السابقتين أن معنى الشماتة هو أظهار الفرح والسرور عند نزول مصيبة بأحد من الناس وخاصة العدو، ولا حظنا أن الأحاديث الشريفة نهت عن ذلك لكونه من أخلاق الشيطان إذ كان أول من شمت وأظهر السرور عندما أخرج أدم من الجنة. ولذلك فإن المؤمن المتخلق بأخلاق الله يجتنب الشماتة لأن رحمة الله عزوجل سبقت غضبه، وهذكا كان حال أولياء الله الصادقين (عليهم السلام) وهم أهل بيت الرحمة المحمدية. من هنا فإن المعنى الأول لطلبنا من الله عزوجل أن يصرف عنا (شماتة الأعداء) هو أن يعيننا على أن نتطهر من هذا الخلق حتى اذا كانت المصيبة او البلاء او الكوارث قد نزلت ب الأعداء، وتصرح الأحاديث الشريفة بأن الشماتة هي من مظاهر الحسد أهم الأمراض الشيطانية، ففي البحار عن مولانا الصادق (عليه السلام) قال ضمن حديث: (أما علامة الحاسد فأربعة: الغيبة والتملق والشماتة بالمصيبة). أعزاءنا المستمعين، وبمراجعة الأحاديث الشريفة نجد أن المعنى الثاني (ل شماتة الأعداء) هو أن يشمت بنا الأعداء، لا أن نشمت نحن بالآخرين عند نزول المصاب بهم شماتة الأعداء كما هو حال المعنى الأول. وأول مصاديق هذه الشماتة هو شماتة عدو الانسان المبين أي الشيطان عندما يرى وقوع الانسان في المعصية، مثلما شمت بآدم (عليه السلام) عندما أخرج من الجنة والى هذا المصداق يشير مولانا الإمام زين العابدين حيث يقول (عليه السلام) في أحد أدعية صحيفته المباركة: (اللهم ان الشيطان شمت بنا اذ شايعناه على معصيتك، فصل على محمد وآله ولا تشمته بنا بعد تركنا اياه لك ورغبتنا عنه اليك). وواضحٌ ان هذا هو أهم مصاديق المعنى الثاني لشماتة الأعداء وطريق النجاة منه هو الاستعانة لمجاهدة الشيطان واجتناب مشايعته ودحره بالورع عن المعاصي. أيها الأخوة والأخوات اما المصداق الثاني لشماتة الأعداء بنا والذي نطلب من الله عزوجل أن يصرفه عنا هو ظهور الضعف والوهن بين المؤمنين بحيث يشمت بهم الأعداء، وأهم عوامله الحسد في حين أن التواصل والعزة هما من اهم عوامل دفع ذلك كما يشير لذلك مولانا الامام الصادق (عليه السلام) حيث قال كما في كتاب (تحف العقول): (اذا لم تجتمع القراابة - على ثلاثة أشياء تعرضوا لدخول الوهن عليهم و شماتة الأعداء بهم وهي: ترك الحسد فيما بينهم لئلا يتحزبوا فيتشتت أمرهم، والتواصل بينهم ليكون ذلك حاديثاً لهم على الألفة والتعاون لتشملهم العزة). وهذه القاعدة مستمعينا الافاضل يشمل القرابة النسبية أو الايمانية والاجتماعية. أعزاسنا المستمعين، أما المصداق الثالث للإبتلاء بشماتة الأعداء فهو نزول المصائب نتيجة للذنوب التي تنزل البلاء كما صرحت بذلك كثيرٌ من النصوص الشريفة مثل قطع الأرحام والظلم والتجاوز على حقوق الآخرين وغير ذلك، وطريق النجاة منها هو بالاستعانة بالله عزوجل للتورع عن هذه الذنوب. أما المصداق الرابع فهو المصائب والبليات التي تخرج عن اختيار الانسان المؤمن وتؤدي الى شماتة الأعداء به وإن كانت فيها ثمار التمحيص ورفعة المقام ولكن على أي حال فان شماتة الأعداء امر مؤذ للغاية ولذلك يشير حديث الامام الصادق (عليه السلام) المروي بسند معتبر في كتاب (قصص الأنبياء) للسيد قطب الدين الراوندي (رضوان الله عليه)، حيث قال (عليه السلام): (قيل لأيوب (عليه السلام) بعدما عافاه الله تعالى: أي شيء أشد مامر عليك؟ قال: شماتة الأعداء). وقال (عليه السلام) في حديث آخر كما في كتاب (ميزان الحكمة): (ان الله تبارك وتعالى ابتلى أيوب (عليه السلام) بلا ذنب، فصبر حتى عير وان الأنبياء لا يصبرون على التعيير). من هنا أوصت الأحاديث والأدعية الشريفة المؤمنين بان يدعو الله جلت رحمته طلباً للعافية من البلاء الذي يستتبع شماتة الأعداء، وهذا أحد مصاديق ما يعلمنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن نطلبه من الله عزوجل في دعاء الحجب الشريف. مستمعينا الاكارم ومن وسائل اجتناب شماتة الأعداء هو اجتناب الشكوى لغير الله والمؤمنين وهذا ما نتناول نصوصه بأذن الله في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) شكراً لكم وفي أمان الله. شرح فقرة: "شماتة الأعداء، ..." (2) - 84 2014-03-29 09:38:37 2014-03-29 09:38:37 http://arabic.irib.ir/programs/item/11115 http://arabic.irib.ir/programs/item/11115 بِسْمِ اللَّهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ الذي هدانا للتوسل اليه بأكرم الخلق عليه وأحبهم اليه وانفعهم للخلائق اجمعين حبيبه المبعوث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين). سلامٌ من الله عليكم اعزاءنا المستمعين، أهلاً بكم في حلقة اليوم على مائدة أدعية أهل بيت الرحمة (عليهم السلام) ومن غررها دعاء الحجب الشريف الذي يهدينا في مقطعه الختامي الهادي المختار (صلى الله عليه وآله الأطهار) الى العوامل التي تسلب الحياة الطيبة، ضمن واحد وعشرين عاملاً إنتهى بنا الحديث الى العشرين منها وهو عامل (شماتة الأعداء) نتبرك معاً بالتوجه الى الله بقوله (صلى الله عليه وآله) في هذا المقطع: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). ايها الاحبة في الحلقة السابقة عرفنا من كتب اللغة أن الشماتة تعني فرح الانسان وسروره وإظهاره ذلك بسبب البلاء أو الأذى الذي ينزل بمن يعاديه. وهدتنا النصوص الشريفة ان الشماتة بصورة عامة حتى بالأعداء ليست من أخلاق المؤمنين، وعلى ضوء ذلك نقول إن المعنى الاول لطلبنا من الله عزوجل أن يصرف عنا شماتة الأعداء هو أن يعيننا على التطهر من أن نشمت بأحد من خلقه شماتة العدو بعدوه إذا نزل به البلاء. وتصرح الأحاديث الشريفة بأن اصل الشماتة هو من الأخلاق الشيطانية وأن اول من شمت إبليس اللعين عندما أخرج آدم وحواء من الجنة ثم شمت بوفاة آدم وشاركه في الشماتة قابيل، فقد روي في كتاب الكافي مسنداً عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قال: (لما مات آدم وشمت به إبليس وقابيل، فاجتمعا في الأرض فجعل ابليس وقابيل المعازف والملاهي شماتة بآدم، فكل ما كان في الأرض من هذا الضرب الذي يتلذذ به الناس فإنما هو من ذاك). وجاء في كتاب (جامع أحاديث الشيعه) عن مولانا الصادق (عليه السلام) قال: (مرّ بي أبي -يعني الإمام الباقر (عليه السلام) وأنا غلام صغير وقد وقفت على زمارين وطبالين ولعابين ... فأخذ بيدي وقال: ... هذا الذي تراه كله من اللهو واللعب والغناء إنما صنعه إبليس شماتة بآدم حين أخرج من الجنة). مستمعينا الأطائب، وهكذا ورث الشيطان خلق (الشماتة) تابعه قابيل الذي قتل أخيه هابيل رحمه الله وإضطهد ابن أخيه شيت هبة الله، وصارت الشماتة خلق الكفار والمنافقين، فمثلاً ذكر المؤرخون في ترجمة عبدالله بن أبي سلول الذي أظهر الاسلام نفاقاً كما هو مشهور انه كان كلما حلت بالمسلمين نازلة شمت بهم وكلما سمع بسيئة نشرها، ونقل المؤرخون نماذج عدة من مصاديق شماتته بالمسلمين. كما ذكر المفسرون في سبب نزول سورة الكوثر المباركة أن الله عزوجل أنزلها تطييباً لقلب النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) عندما شمت به العاص بن وائل وإبنه عمرو بن العاص عندما توفى الله ولده القاسم ووصفوه بالأبتر؛ فأنزل الله عزوجل هذه السورة فذم فعلهم. كما نقل المؤرخون من الفريقين عدة روايات في إظهار معاوية الشماتة بالأقوال والأفعال عند استشهاد أمير المؤمنين الوصي المرتضى (صلوات الله عليه)، وقد عاتبه على ذلك ابن عباس وغيره وأنشدت الأشعار في ذم فعله، وكتب اليه الامام الحسن المجتبى (عليه السلام) وعنفه على هذا الفعل الذي يأباه العقل السليم حيث قال (عليه السلام) في كتابه: (وبلغني أنك شمت بما لا يشمت به ذو الحجى). وذكر المؤرخون أيضاً في ذم معاوية شماتته برفيقه عمرو بن العاص عندما كشف سوءته للنجاة من القتل، بعدما إنهزم أمام الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام). وقد ذم الناس محمد بن الزبير عندما مات منافسه الحسن بن علي المصري من مستشاري الملك الصالح والمتوفى سنة 561 للهجرة فقد خرج في جنازته بثياب مذهبة، فأستقبح الناس فعله وإعتزلوه فلم يعش بعد ذلك إلا شهراً واحداً. يبقى مستمعينا الافاضل ان نشير الى أن الاحاديث الشريفة قد أكدت النهي عن إظهار السرور والبشاشة والضحك عند نزول مصيبة بأحد، كمقدمة لتنقية القلب من جميع أشكال السرور وملؤه بروح الرحمة بالخلق ونتذكر هنا ان الامام الحسين (عليه السلام) قد بكى ليلة عاشوراء حزناً على سوء عاقبة الذين سيقتلونه غداً في حين أن طواغيت بني أمية وأشياع يزيد إستعملوا جميع أشكال الفرح والسرور من المعازف وأعلام الزينة عند قتلهم سيد الشهداء وصحبه (عليه وعليهم السلام) وسوقهم عيالات رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى الطاغية يزيد. أيها الاخوة والاخوات في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) سنتناول بأذن الله المعنى الثاني الذي نطلب من الله أن يصرفه عنا كما علمنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في دعاء الحجب الشريف، شكراً لكم على طيب المتابعة ودمتم في أمان الله. شرح فقرة: "شماتة الأعداء، ..." (1) - 83 2014-03-29 09:12:11 2014-03-29 09:12:11 http://arabic.irib.ir/programs/item/11114 http://arabic.irib.ir/programs/item/11114 بِسْمِ اللَّهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ الذي هدانا لاتباع كنوز رحمته للعالمين الحبيب الهادي المختار وآله الأطهار صلوات عليهم آناء الليل وأطراف النهار. السلام عليكم أيها الأخوة والأخوات، تحية ملؤها من الله الرحمة والبركات نهديها لكم في مطلع لقاء اليوم من هذا البرنامج. موضوعنا في هذا اللقاء هو - أيها الأحبة- العامل العشرون من العوامل التي تسلب الأنسان الحياة الطيبة وهو عامل (شماتة الأعداء) وذلك طبقاً لما ورد في المقطع الختامي عن دعاء الحجب الشريف؛ نستذكر معاً هذه العوامل ونحن نستعيذ بالله منها مقتدين بمولانا النبي الأكرم حيث يناجي (صلى الله عليه وآله) ربه الجليل في ختام هذا الدعاء المبارك مقسماً عليه بالإسم المستأثر وهو أعز أسمائه قائلاً: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء، وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). أيها الافاضل، لكي نعرف كيف نتجنب (شماتة الاعداء) ينبغي أولاً أن نعرف معناه ومعرفة هوية الأعداء الذين نطلب من الله أن يصرف عنا شماتتهم. للحصول على إجابة السؤال الاول نرجع الى كتب اللغة، فنقرأ في كتاب (العين) للخليل الفراهيدي قوله (رضوان الله عليه): (الشماتة فرح العدو ببلية تنزل بمعاديه). وقال العلامة الطريحي في كتابه (مجمع البحرين): (قوله تعالى: «فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء» (الأعراف 150) أي لا تسرهم بي وتفرحهم، والشماتة: السرور بمكاره الأعداء، يقال شمت بالكسر يشمت: إذا فرح بمصيبته ومنه [في الدعاء]: أعوذ بك من شماتة الأعداء). والآية المذكورة هي المائة والخمسون من سورة الأعراف وقد حكت قول هارون النبي لأخيه موسى (عليهما السلام) عندما أخذ موسى النبي بلحية أخيه بعد عودته من ميقات ربه ورأى قومه بني اسرائيل يعبدون العجل بعد أن أضلهم السامري. ومن هذه الملاحظة نفهم أن هارون (سلام الله عليه) طلب من أخيه موسى (عليه السلام) أن لا يشمت أعداء الأنبياء ولا يسرهم بتعنيفه له. أيها الاخوة والأخوات ويستفاد مما ذكره العلامة الجليل آية الله السيد حسن المصطفوي في كتابه (التحقيق في كلمات القرآن الكريم) أن الشماتة تجاه تصدر من العدو وغير العدو، فقد قال (رحمه الله) بعد أن نقل أقوال علماء اللغة بشأن معنى مفردة (الشماتة) قال: (والتحقيق أن الأصل الواحد في المادة هو إظهار فرح بما ينزل لأحد رفيقاً كان أو عدواً من إبتلاء أو حادثة سوء، سواءً كان الإظهار باللسان أو بالعمل). وعلى أي حال فإن مما لا شك فيه أن الأكثر رواجاً هو شماتة الأعداء وهي أشد ايذاءً ولا يمكن أن تصدر الا عن سوء نية خير، والفرح أبعد ما يكون عن شماتة الصديق أو القريب لأن الصديق حتى وإن اختلف مع صديقه فلا يمكن أن يفرح بما يصيبه من سوء الا اذا كان معادياً له في باطنه، ولذلك فان شماتة الصديق يندر أن تخرج عن دائرة العتاب مثلاً على عدم رعاية المبتلى لما كان ينبغي له ان يراعيه لكي لا ينزل به البلاء. من هنا تصرح الأحاديث الشريفة - مستمعينا الافاضل- ان الشماتة هي من علامات معرفة العدو، فقد جاء في الحديث المأثور المروي في كتاب (معدن الجواهر): (تعرف عدوك بشيئين اذا رأى بك نعمة بهت واذا ظهر منك على عثرة شمت). كما نهت الاحاديث الشريفة عن الشماتة بالآخرين من الأصدقاء والأعداء، فمثلاً روى الشيخ الطوسي في كتاب الأمالي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (لا تظهر الشماتة بأخيك فيرحمه الله ويبتليك). وروي في الكافي عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: (من شمت بمصيبة نزلت بأخيه لم يخرج من الدنيا حتى يفتتن) يعني أن يصاب بفتنة فيعقله أو ماله. بل تصرح الاحاديث الشريفة أن أخلاق المؤمنين تتنزه عن الشماتة حتى ب الأعداء فقد جاء في خطبة الامام علي في وصف المتقين قوله (عليه السلام): (ولا يشمت بالمصائب ولا يدخل في الباطل). وقال (عليه السلام) كما في كتاب (عيون الحكم): (من شمت بزلة غيره شمت غيره بزلته). ويستفاد من النصوص الشريفة أن أول من شمت هو إبليس اللعين فصار هذا الخلق من أخلاق الكفار والمنافقين تأباه الفطرة الانسانية السليمة، وهذا ما سنتناوله بأذن الله في حلقة مقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) شكر لكم على حسن المتابعة وتقبلوا من إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران خالص الدعوات، دمتم بكل خير. شرح فقرة: "وحلول النقمة، ..." (8) - 82 2014-03-26 11:57:57 2014-03-26 11:57:57 http://arabic.irib.ir/programs/item/11113 http://arabic.irib.ir/programs/item/11113 بِسْمِ اللَّهِ وله الحمد والمجد والثناء أرحم الراحمين وأكرم الاكرمين وأطيب صلواته وتحياته وبركاته على رحمته الكبرى للعالمين المصطفى الأمين وآله الطيبين الطاهرين. سلامٌ من الله عليكم أيها الأحبة ورحمة الله وبركاته، أزكى تحية نستهل بها حلقة اليوم من هذا البرنامج ومحورها الأساس هو الإجابة عن السؤال التالي: ما هي الوسائل العملية للنجاة من حلول النقمة الالهية؟ وقبل أن نتطرق الى اجابة النصوص الشريفة عن هذا السؤال نتبرك بتلاوة المقطع الختامي من دعاء الحجب الشريف الذي جمع العوامل المنغصة للحياة الطيبة وجعل (حلول النقمة) العامل التاسع عشر منها، ففي هذا المقطع يقسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الله عزوجل بأعظم أسمائه قائلاً: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). مستمعينا الافاضل الوسيلة العملية الاولى للنجاة من حلول النقمة بمختلف مراتبها هو اجتناب الاسباب المؤدية لها وهي التي تحدثنا عنها في الحلقات السابقة وأهمها: كفران النعم الالهية وانكار نسبتها الى الله عزوجل، والبغي والظلم والركون للظالمين وسفك الدم الحرام وانتهاك الحرمات الالهية، والاصرار على الذنوب والاعراض عن نصرة اهل الحق والمظلومين. هذا أولاً وثانياً السعي لإكتساب الحكمة بما تعنيه من معرفة مواطن الخير والشر وما ينبغي وما لا ينبغي وعواقب الامور ونظائر ذلك، وهذا هو الذي يعرف الانسان بالاسباب المؤدية الى حلول النقمة وبالتالي اجتنابها والتورع عنها. قال الشيخ ابن فهد الحلي في كتابه الفقهي القيم (المهذب البارع): (وقد روي أنه كان لقمان يؤازر داوود (عليهما السلام) بحكمته فقال له داوود: طوبى لك يا لقمان أعطيت الحكمة وصرفت عنك النقم). كما أن من وسائل النجاة من (حلول النقمة) الحذر من أن يوقع طول الامل الانسان في (الإستدراج) أثناء النعمة فيغفل عن ذكر الله وشكره، أي أن ذكر الله هو وسيلة النجاة من حلول النقمة. روي في الكافي عن الامام علي أمير المؤمنين أنه (عليه السلام) قال في إحدى خطبه: (لا يلهينكم الأمل ... فإنما أهلك من كان قبلكم أمد أملهم ... حتى نزل بهم الموعود الذي ترد عنه المعذرة وترفع عنه التوبه وتحل معه القارعة والنقمة ... فإن جار الله آمن محفوظ ... فأحترسوا من الله بكثرة الذكر واخشوا منه بالتقى وتقربوا اليه بالطاعة فانه قريب مجيب). وفي نهج البلاغة عنه (عليه السلام) قال: (ايها الناس ليركم الله من النعمة وجلين كما يراكم من النقمة فرقين، انه من وسع عليه في ذات يده فلم ير ذلك استدراجاً فقد أمن مخوفاً، ومن ضيق عليه في ذات يده فلم ير ذلك اختباراً فقد ضيع مأمولاً). أعزاءنا المستمعين، ومن وسائل النجاة من حلول العاقبة الالتصاق بالقرآن الكريم وتلاوته والاعتبار بما فيه من حكم وقصص الغابرين، قال مولانا أمير المؤمنين في إحدى خطبه المروية في الكافي: (فتجلى لهم سبحانه في كتابه من غير أن يكونوا رأوه، فأراهم حلمه كيف حلم، وأراهم عفوه كيف عفا، وأراهم قدرته كيف قدر ... وكيف محق من محق من العصاة بالمثلات واحتصد من احتصد بالنقمات). كما أن من وسائل النجاة من حلول النقمة المبادرة للتوبة عند وقوع أسبابها من الذنوب، جاء في تفسير الميزان نقلاً عن الكافي عن مولانا الصادق (عليه السلام) قال: (ان الله بعث نبيا من أنبيائه الى قومه وأوحى اليه أن قل لقومك، انه ليس من أهل قرية ولا ناس كانوا على طاعتي فأصابتهم فيها سراء فتحولوا عما أحب الى ما أكره إلا تحولت لهم عما يحبون الى ما يكرهون وانه ليس من أهل قرية ولا اهل بيت كانوا على معصيتي فأصابهم فيها ضراء فتحولوا عما أكره الى ما احب الا تحولت لهم عما يكرهون الى ما يحبون). وفي الكافي ايضاً عن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) قال: (لو أن أهل المعاصي ... اذا هم حذروا زوال نعم الله وحلول نقمته ... أيقنوا ان ذلك من الله جل ذكره بما كسبت ايديهم فأقلعوا وتابوا وفزعوا الى الله جل ذكره بصدق من نياتهم واقرار منهم بذنوبهم واسائتهم لصفح لهم عن كل ذنب ... ولرد عليهم كل كرامة نعمة ثم أعاد لهم من صلاح أمرهم ومما كان انعم به عليهم كل ما زال عنهم وأفسد عليهم). أيها الاحبة في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) نتناول بعون الله العامل العشرين من عوامل سلب الحياة الطيبة حسبما ورد في دعاء الحجب المبارك وهو عامل (شماتة الأعداء). نشكر لكم طيب المتابعة. ودمتم بألف خيرٍ. شرح فقرة: "وحلول النقمة، ..." (7) - 81 2014-03-18 08:21:11 2014-03-18 08:21:11 http://arabic.irib.ir/programs/item/11112 http://arabic.irib.ir/programs/item/11112 بِسْمِ اللَّهِ وله الحمد أرحم الراحمين، والصلاة والسلام على أحب خلقه اليه وانفعهم لعباده نبيه المبعوث رحمة للعالمين الحبيب المصطفى محمد وآله الطيبين الطاهرين. سلام من الله عليكم أيها الاطياب، طابت أوقاتكم بكل خير وأهلاً بكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج نتابع فيها العيش في رحاب دعاء الحجب الشريف وهو سيد الأدعية النبوية الهادية الى سبل النجاة من العوامل المنغصة لطيب الحياة في الدنيا والآخرة. في لقاء اليوم نتناول أحد الاسباب المهمة المؤدية الى حلول النقمة وهو العامل التاسع عشر من تلك العوامل حسبما جاء في هذا الدعاء المبارك، ننور قلوبنا أولاً بأستذكار عموم تلك العوامل الاحد والعشرين فنطلب من الله صرفها عنا مقتدين بنبي الرحمة حيث يقول (صلى الله عليه وآله): (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). أيها الاخوة والاخوات، عرفنا في الحلقات السابقة أن البغي والظلم وانتهاك حرمات الله والأصرار على الذنوب الى جانب كفران النعمة الالهية من العوامل التي تؤدي الى حلول النقمة. واضافة لذلك تهدينا النصوص الشريفة الى ان خذلان ائمة الهدى والركون الى الظالمين من أهم هذه العوامل، فمثلاً قال الله تبارك وتعالى في الآية 113 من سورة هود: «وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ». وقد حذرت كثيرٌ من الأحاديث الشريفة من العمل في إجهزة الظالمين والحكومات الظالمة فمثلاً روي في الكافي عن مولانا الامام موسى الكاظم (صلوات الله عليه) أنه قال ضمن موعظة لأحد أصحابه يحذره من العمل في مؤسسات السلطان الظالم، قال: (يا زياد لأن أسقط من على حالق - يعني المكان المرتفع الشاهق- فأنقطع قطعة قطعة أحب الي من أن اتولى لأحد منهم عملاً أو أطأ بساط رجل منهم إلا لتفريج كربة عن مؤمن أو فك أسره أو قضاء دينه). ثم قال (عليه السلام): (يا زياد ان أهون ما يصنع الله بمن تولى لهم عملاً أن يضرب عليه سرادقا من نار الى أن يفرغ من حساب الخلائق يا زياد فان وليت شيئاً من أعمالهم فأحسن الى إخوانك فواحدة بواحدة والله من وراء ذلك ... إذا ذكرت مقدرتك على الناس فإذكر مقدرة الله عليك غداً ...). أيها الاكارم وقد نقلنا في حلقة سابقة عدة نصوص تنهى حتى عن مجالسة أهل المعاصي حذراً من التعرض لحلول النقمة عليهم بسبب معاصيهم، والظلم كما عرفنا سابقاً هو من أهم عوامل حلول النقمة، الأمر الذي يؤكد ضرورة إجتناب الركون بل والقرب من الظالمين حذراً من أن يصاب الإنسان بعوارض نزول النقمة عليهم وان لم يكن مشاركاً لهم في ظلمهم. اما نصرتهم فهي تعني التعرض الكامل للنقمة الالهية، روي في كتاب (الغارات) لابراهيم بن محمد الثقفي الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام) انه قال من خطبة له ذكر فيها بني أمية وحكمها: (يظهر أهل باطلها على أهل حقها حتى تملأ الأرض ظلماً وعدواناً وبدعاً الى أن يضع الله عزوجل جبروتها ويكسر عمدها وينزع أوتادها، ألا وانكم مدركوها فانصروا قوماً كانوا أصحاب رايات بدر وحنين تؤجروا، ولا تما لؤوا - أي لا تنصروا- عليهم عدوهم فتصرعكم البلية وتحل بكم النقمة). أعزاءنا المستمعين، وقد روي في كتاب الكافي عن مولانا الامام الصادق (عليه السلام) انه قال: (ان الله عزوجل أذن في هلاك بني أمية بعد احراقهم زيداً (عليه السلام) بسبعة أيام). وفي هذا الحديث الشريف اشارة الى أن استشهاد العلوي الغيور زيد بن الامام زين العابدين (عليهما السلام) بتلك الصورة المفجعة مثل اكتمال واقعة الطف الدامية إذ أن ارتكاب بني أمية لهذه الواقعة كان بداية نزول النقمة الالهية عليهم وانهاء ملكهم الذي سعوا بكل جهدهم لان يكون خالداً فكان من أقصر ملك لأسرة عرفه التأريخ الاسلامي. مستمعينا الاطائب ويبقى السؤال المحوري عن سبل النجاة من حلول النقمة وما الذي تقوله النصوص الشريفة اضافة الى اجتناب أسبابه؟ هذا ما نتناوله بمشيئة الله في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) لكم من إذاعة طهران أطيب الشكر ودمتم سالمين في رعاية الله ارحم الراحمين. شرح فقرة: "وحلول النقمة، ..." (6) - 80 2014-03-16 09:59:57 2014-03-16 09:59:57 http://arabic.irib.ir/programs/item/11111 http://arabic.irib.ir/programs/item/11111 بِسْمِ اللَّهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ ارحم الراحمين واكرم الاكرمين وازكى صلواته على معادن حكمته وهداه وكنوز رحمته وعطاه، حبيبه المبعوث رحمة للعالمين محمد المصطفى وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم أيها الاخوة والاخوات ورحمة من الله وبركات، اطيب تحية نهديها لكم ونحن نلتقيكم على بركة الله في حلقة اليوم من هذا البرنامج، حيث نستنير بطائفة من النصوص الشريفة التي تعرفنا بالذنوب التي تسبب حلول النقمة، ولا ريب أن معرفتها هي مقدمة إجتنابها وأصحابها للنجاة من النقم الالهية. و (حلول النقمة) كما يعلم المتابعون للبرنامج هو التاسع عشر من العوامل السالبة لطيب الحياة في الدنيا والآخرة، وهي التي يعلمنا سيد الرسل ان نستعيذ بالله منها حيث قال في خاتمة سيد الأدعية المحمدية المعروف بدعاء الحجب حيث قال (صلى الله عليه وآله): (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). أيها الأعزاء، عرفنا في حلقات سابقة، أن النصوص الشريفة تصرح بان كفران النعم وانكار نسبتها الى الله عزوجل وعدم استخدامها فيها أمر الله وكذلك البغي والظلم هي أهم الذنوب التي تؤدي الى تغيير النعم و حلول النقمة. كما أن انتهاك حرمة الاماكن المقدسة من أهم اسباب نزول النقمة والعذاب الالهي، قال الله تبارك وتعالى في الآية الخامسة والعشرين من سورة الحج: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ». ونلاحظ في الآية الكريمة تأكيدها على فورية اذاقة العذاب الاليم لمن ينتهك حرمة المسجد الحرام في اشارة الى قرب النقمة الالهية ممن يفعل ذلك، وهذا الامر يصدق على جميع أشكال الانتهاك مثل عدم رعاية المحرم لحج بيت الله لحرمة الصيد، فمثلاً روي في كتاب تهذيب الاحكام عن مولانا الامام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال: (إذا أصاب المحرم الصيد فقولوا له: هل أصبت صيداً قبل هذا وأنت محرم؟ فان قال: نعم. فقولوا له: ان الله منتقم منك فأحذر النقمة. فان قال: لا - اي لم انتهك حرمة الصيد من قبل - فاحكموا عليه جزاء ذلك الصيد). مستمعينا الافاضل، ونلاحظ في جواب الامام الصادق (عليه السلام) جميل الاشارة الى النقمة الالهية تنزل على منتهك الحرمات الالهية بمختلف اشكال الانتهاك ولو تعمد الصيد وهو أمرٌ محرمٌ على من أحرم لحج بيت الله الحرام. وهذه الاشكال من الانتهاكات تشمل انتهاك حرمة المقدسات التي تنسب الى الله عزوجل مثل المشاهد المشرفة لاهل بيت النبوة (عليهم السلام) فهي من أسمى مصاديق البيوت التي أذن الله ان ترفع لكي يذكر فيها اسمه عزوجل. وقد دلت على ذلك أحاديث عدة مروية من طريق الفريقين منها تصريح النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بأن بيت علي وفاطمة صلوات الله عليهما من أفاضل البيوت التي أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَع كما ورد في الحديث المشهور المروي في تفسير آيات سورة النور المشار اليها. أحبتنا المستمعين وتهدينا النصوص الشريفة الى أن الإصرار على الذنوب بأي نوع منها هو من الكبائر التي تستتبع حلول النقمة الالهية بشدة تتناسب مع درجة تلك الذنوب. جاء في كتاب (غرر الحكم) عن مولانا الامام علي أمير المؤمنين قوله (عليه السلام): (الاصرار يجلب النقمة والمعاودة للذنب اصرار، عجبت لمن علم شدة انتقام الله وهو مقيمٌ على الإصرار). وتلاحظون أحباءنا ان الأحاديث الشريفة مطلقة في ذكر (الاصرار على الذنب) لم تحدد بذنب خاص الأمر الذي يعني أن النقمة الالهية تهدد المصر على اي ذنب، لأن الأصرار على ذنب يمثل في جوهره مرتبة من مراتب التحدي لله عزوجل. أيها الاطائب وتهدينا النصوص الشريفة الى أن الركون للظالمين والرضا بظلمهم من اهم الاسباب التي تؤدي الى حلول النقمة أجارنا الله واياكم منها، وهذا ما نتناوله بأذن الله في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) ختاماً تقبلوا أصدق الشكر من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران ودمتم بكل خير. شرح فقرة: "وحلول النقمة، ..." (5) - 79 2014-03-15 08:06:06 2014-03-15 08:06:06 http://arabic.irib.ir/programs/item/11110 http://arabic.irib.ir/programs/item/11110 بِسْمِ اللَّهِ وله الحمد ارحم الراحمين واكرم الاكرمين والصلاة والسلام على أبواب رحمته للعالمين حبيبه المصطفى محمد الأمين وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم اخوتنا المستمعين، أطيب تحية مفعمة بالرحمة من الله والبركات نحييكم بها ونحن نلتقيكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج نخصصها لاستنطاق النصوص الشريفة المبينة لأهم الذنوب التي تستتبع (حلول النقمة) وحلول النقمة - أجارنا الله واياكم منها- هو العامل التاسع عشر من العوامل التي هدانا الى معرفتها حبيبنا الهادي المختار (صلى الله عليه وآله) في دعائه الجامع المعروف بدعاء الحجب، ودعانا للاستعاذة بالله منها لكونها تحرم الانسان من الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة. نقتدي أولاً بالنبي الأكرم وهو يدعو الله بصرفها عن جميع المؤمنين حيث يقول في خاتمة هذا الدعاء المبارك: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). مستمعينا الأحبة، تصرح الأحاديث الشريفة أن البغي والظلم بجميع مراتبهما هي من أسرع الذنوب التي تستتبع النقمة الالهية، والمقصود منهما هو التجاوز على حقوق الآخرين ظلماً وعدوانا، ولكل مرتبة من ذلك مرتبة من النقمة تتناسب معها. روي عن أمير المؤمنين الامام علي (عليه السلام) كما في مستدرك الوسائل وعيون المواعظ وغرر الحكم وغير أنه قال: (البغي يسلب النعمة والظلم يجلب النقمة). وقال أيضاً: (اتقوا البغي فانه يجلب النقم ويسلب النعم). وقال (عليه السلام) أيضاً: (البغي يصرع الرجال، اياك والبغي فانه يعجل الصرعة). وقال (عليه السلام) في بعض وصاياه: (ان اعجل العقوبة عقوبة البغي، اياك والبغي فان الباغي يعجل الله له النقمة ويحل به المثلاث ... ومن بغي عجلت هلكته). أيها الاخوة والاخوات، ونؤكد التنبيه هنا الى أن الظلم والبغي لا ينحصران بالمصاديق الواضحة التي يرتكبها الطواغيت والحكام الجبابرة، بل يشملان حتى المصاديق البسيطة من التجاوز على حقوق الآخرين داخل الأسرة وخارجها على مختلف مستويات العلاقات الأجتماعية. فهذا القانون المستفاد من النصوص الشريفة عام يشمل جميع مصاديق البغي والظلم وغاية الأمر أن النقمات التي تنتج عنها تتناسب مع شدة البغي والظلم؛ وهذا ما تنبه اليه الأحاديث الشريفة التي تشير الى قرب النقمة من أهل البغي والظلم جاء في كتاب (عيون الحكم والمواعظ) عن الوصي المرتضى (عليه السلام) قال: (ما أقرب النقمة من الظلوم وما أقرب النصرة -يعني الالهية- من المظلوم). وقال (عليه السلام) في وصية لولده الحسن (سلام الله عليه): (ما أقرب النقمة من أهل البغي). اجل فقد أخذ الله العدل الحكيم على نفسه نصرة كل مظلوم بانزال النقمة بالظالم بأي شكل من الاشكال. مستمعينا الاكارم، ومن أهم مصاديق الظلم والبغي التي تستتبع حلول النقمة سفك الدم الحرام، فقد روي في كتاب (جامع الأخبار) عن حبيبنا نبي الرحمة (صلى الله عليه وآله) انه قال: (ما عجت الأرض الى ربها كعجتها من دم حرام يسفك عليها). ولذلك فان سفك الدم الحرام يستتبع زوال النعم وحلول النقم بالمجتمع الذي رضي به، جاء في كتاب (غرر الحكم) عن مولانا أمير المؤمنين علي المرتضى (عليه السلام) قال: (سفك الدماء بغير حقها يدعو الى حلول النقمة وزوال النعمة). وهكذا الحال مع الاقامة على الظلم وعدم انكاره، جاء في نهج البلاغة عن مولى الموحدين (عليه السلام) أنه قال: (وليس شيء دعى الى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من اقامة على ظلم فان الله سميع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد). ومن الذنوب التي لها تأثير خاص في حلول النقمة انتهاك الحرمات الالهية والاصرار على الذنوب عامة وهذا ما نتناوله بأذن الله في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة)، تقبلوا من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران اطيب الشكر ودمتم بألف خير. شرح فقرة: "وحلول النقمة، ..." (4) - 78 2014-03-12 07:56:05 2014-03-12 07:56:05 http://arabic.irib.ir/programs/item/11109 http://arabic.irib.ir/programs/item/11109 بِسْمِ اللَّهِ العدل الحكيم والحمدلله أرحم الراحمين، والصلاة والسلام على أبواب رحمته للعالمين حبيبه الصادق الامين محمد وآله الطيبين الطاهرين. سلامٌ من الله عليكم أيها الاخوة والاخوات ورحمة منه وبركات، لكم منا اطيب تحية نستهل بها حلقة اليوم من هذا البرنامج، وفيها نتعرف على ماهدتنا النصوص الشريفة من أنواع الذنوب التي تسبب أخطر مصاديق (حلول النقمة). و حلول النقمة أجارنا الله واياكم منها هو أعزاءنا العامل التاسع عشر من العوامل السالبة لصفوه الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة طبق ما ورد في دعاء الحجب الشريف حيث قال نبينا الأكرم (صلى الله عليه وآله) في مقطعه الختامي: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). مستمعينا الأحبة، تصرح كثيرٌ من النصوص الشريفة بان كفران النعمة وعدم استخدام النعم الالهية فيما أعطيت من اجله هو من أهم أسباب حلول النقمة، والى هذا يشير الله عزوجل في الآية السابعة من سورة ابراهيم حيث يقول: «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ». ولعل من أوضح المصاديق القرآنية لهذه السنة الالهية عاقبة قارون من قوم موسى الكليم (عليه السلام)، المذكورة في أواخر سورة القصص. فقد آتاه الله من الكنوز والنعم ما إن مفاتحه لتنؤ بالعصبة أولي القوة لكثرتها، لكنه أنكر أن يكون المنعم هو الله عزوجل وتوهم أنه حصل عليها بعلم كان عنده وبخل عن الانفاق في سبيل الله فجحد النعمة الالهية واستعلى واستكبر وأفسد في الارض كفراً وعلواً، فكان مصيره أن حلت به النقمة وخسف به وبداره وصار عبره لمن اعتبر. ايها الاكارم، والاحاديث الشريفة كثيرة في بيان الحقيقة القرآنية المتقدمة تحذر من التمهيد ل حلول النقمة بكفران النعمة، فمثلاً جاء في خطبة طويلة مروية في كتاب الكافي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال في بعضها: (وبالله انه ما عاش قومٌ قط في غضارة من كرامة نعم الله، في معاش دنيا ولا دائم تقوى في طاعة الله والشكر لنعمه فازال ذلك عنهم الا من بعد تغيير من أنفسهم، وتحويل عن طاعة ولله والحادث من ذنوبهم وقلة محافظة وترك مراقبة الله جل وعز وتهاون بشكر نعمة الله ...). من هنا يتضح مستمعينا الافاضل أن من وسائل حفظ النعمة ودفع النقمة هو الحرص على شكر الله عزوجل والإقرار بأن كل ما يتمتع به الانسان هو من نعم هو من الله جلت نعماؤه وآلاؤه. وهذا ما دعتنا له كثيرٌ من النصوص الشريفة نستنير ببعضها بعد قليل فأبقوا معنا مشكورين. قال مولى الموحدين علي المرتضى (عليه السلام) كما جاء في كتاب (غرر الحكم): (الشكر زينة الغنى وعصمة من الفتنة، وشكر النعمة أمان من حلول النقمة). وفي امالي الشيخ الطوسي عن امامنا زين العابدين علي السجاد (عليه السلام) أنه أوصى احد اولاده فقال: (يا بني اشكر من أنعم عليك وانعم على من شكرك، فانه لا زوال للنعمة اذا شكرت ولا بقاء لها اذا كفرت، والشاكر بشكره أسعد منه بالنعمة التي وجب عليه الشكر لها). ومسك الختام هو أن نذكر أحد المصاديق العملية للعمل بهذه الوصية وهي صلاة الشكر المستحبة المذكورة في الكتب الفقهية، فقد جاء في كتاب (منهاج الهداية): (يستجب عند تجدد النعمة أو دفع النقمة ان يصلي ركعتين يقرأ في الاولى الحمد [اي الفاتحة] والتوحيد، وفي الثانية الحمد والجحد [أي قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ]، ويقول في ركوع الركعة الاولى وسجودها: الْحَمْدُ لِلَّهِ شكراً شكراً وحمداً، ويقول في ركوع الركعة الثانية: الْحَمْدُ لِلَّهِ الذي استجاب دعائي واعطائي مسئلتي). ايها الاطائب ومن اهم الذنوب التي تستتبع حلول النقمة هما الظلم والبغي وسفك الدم الحرام وهذا ما سنتناوله بعون الله في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) تقبلوا من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران خالص الشكر ودمتم بكل خير. شرح فقرة: "وحلول النقمة، ..." (3) - 77 2014-03-11 08:29:06 2014-03-11 08:29:06 http://arabic.irib.ir/programs/item/11108 http://arabic.irib.ir/programs/item/11108 والْحَمْدُ لِلَّهِ الذي هدانا لمعرفة وموالاة معادن رحمته للعالمين سيدنا المصطفى محمد الأمين وآله الطاهرين صلوات الله عليهم في كل حين. سلامٌ من الله عليكم اخوتنا المستمعين، بتوفيق الله نلتقيكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج، نتابع فيها استنطاق النصوص الشريفة الهادية الى سبل النجاة من (حلول النقمة)، وهو - أعزاءنا- العامل التاسع عشر من العوامل السالبة لطيب الحياة في الدنيا والآخرة. حسبما ورد في دعاء الحجب الشريف وهو سيد الأدعية النبوية الجامعة حيث قال النبي الاكرم )صلى الله عليه وآله( في مقطعه الختامي: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء، وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). أيها الافاضل، واضحٌ أن من أهم الوسائل العملية للنجاة من حلول النقمة اجتناب الاسباب المؤدية له: ولذلك اهتمت احاديث أهل بيت الرحمة (عليهم السلام)، بالتحذير من هذه الاسباب انطلاقاً من المنطوق القرآني، وأهم هذه الاسباب هي الذنوب كما ألمحنا في حلقة سابقة من هذا البرنامج، وقد صرحت كثير من النصوص الشريفة بخطورة دور الذنوب في حلول النقمة، نشير الى بعضها، ونبدأ بقوله - عزوجل- في الآية الثلاثين من سورة الشورى: «وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ». وقد صرحت الأحاديث الشريفة بأن هذا القانون القرآني عام يشمل حتى المؤمن، فقد روي في تفسير كنز الدقائق عن الصادق الأمين محمد (صلى الله عليه وآله) قال: (ما اختلج عرق- أي بمرض- ولا عثرت قدمٌ إلا بما قدمت أيديكم وما يعفو الله عنه أكثر). وروي عن سيد الوصيين علي المرتضى (عليه السلام) كما في تفسير نور الثقلين أنه قال: (قد يبتلي الله المؤمن بالبلية في بدنه أو ماله أو ولده أو أهله، ثم ثلا (عليه السلام) الآثة المتقدمة وضم يده ثلاث مرات هو يقول: «وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ»). مشيراً بذلك الى أن ما يعفو الله عنه أضعاف ما يؤاخذ به من الذنوب التي تستوجب (حلول النقمة). أيها الأحبة، ويستفاد من النصوص الشريفة أن الذنوب تستتبع نزول أشكال النقمة والعذاب بما يتناسب مع أنواع الذنوب، جاء في تفسير البرهان عن مولانا الامام جعفر الصادق (عليه السلام) قال: (أما انه ليس من عرق يضرب ولا نكبة ولا صداع ولا مرض الا بذنب وذلك قول الله عزوجل: «وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ»، ثم قال (عليه السلام): وما يعفو الله أكثر مما يؤاخذ به). وروي عن أمير المؤمنين الامام علي بن أبي طالب (عليها السلام) قوله في إحدى وصاياه: (توقوا الذنوب، فما من بلية ولا نقص رزق الا بذنب، حتى الخدش والكبوة والمصيبة). وقال الامام الباقر (عليه السلام):(ان العبد ليذنب الذنب فيزوي - أي يبعد- عنه الرزق). مستمعينا الاكارم وتهدينا الاحاديث الشريفة الى حقيقة مهمة تمثل السبب الرئيس لحلول أشكال من النقم لم تكن معروفة من قبل، وهي أن ارتكاب الناس لذنوب لم تكن رائجة من قبل، بمعنى ارتكابهم لها بصور وأشكال لم تكن مألوفة، يستتبع اشكالاً جديدة من النقم لم يألفوها من قبل والى هذه الحقيقة يشير مولانا امام الرأفة علي بن موسى الرضا في الحديث المروي عنه كما في موسوعة (ميزان الحكمة) أنه قال: (كلما أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعملون أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون). وهذه من الحقائق الوجدانية التي يشهد عالمنا المعاصر الكثير من مصاديقها اجارنا الله واياكم منها ببركة العمل بوصايا محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. أيها الاخوة والأخوات وقد هدتنا الاحاديث الشريفة الى طائفة من الذنوب التي تستتبع حلول اخطر اشكال النقم لكي نتجنبها بمزيد من الاحتياط وهذا ما ستناوله - بعون الله- في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) تستمعون له دائماً من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران شكراً لكم وفي أمان الله. شرح فقرة: "وحلول النقمة، ..." (2) - 76 2014-03-10 08:52:22 2014-03-10 08:52:22 http://arabic.irib.ir/programs/item/11079 http://arabic.irib.ir/programs/item/11079 بِسْمِ اللَّهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ الذي هدانا الى كنوز رحمته للعالمين، صفوته من الخلائق اجمعين الحبيب محمد وآله الطاهرين صلوات الله وتحياته وبركاته عليهم في كل حين. سلام من الله اخوتنا المستمعين، على بركة الله نلتقيكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج، نتابع فيها استنطاق النصوص الشريفة لمعرفة سبل النجاة من (حلول النقمة) وهو العامل التاسع عشر من العوامل السالبة لطيب الحياة حسبما ورد في المقطع الختامي من دعاء (الحجب المبارك)، نتوجه الى الله معا في الاستعاذة من هذه العوامل مقتدين برسول الله الهادي المختار حيث يقول مقسماً على الله بأعز أسمائه: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). نأمل أن تكونوا - مستمعينا الافاضل- قد حفظتم نص المقطع الختامي من دعاء الحجب الشريف لعظيم بركة التوجه الى الله به في النجاة من العوامل المنغصة للحياة الطيبة، وهذا هو أحد أهدافنا من تكراره في كثير من حلقات البرنامج. أيها الاحبة، في الحلقة السابقة عرفنا أن أولى مراتب حلول النقمة هو زوال النعم نتيجة لعدم شكرها. اما المرتبة الثانية فهي أن يقترن زوال النعمة ببليات طبيعية غير ماحقة بالكامل وان كانت مدمرة مثل السيول ونظائرها. روي في كتاب (الكافي) مسنداً عن الامام الصادق (عليه السلام) أن رجلاً سأله عما جاء في الآية (19) من سورة سبأ وهي: «قَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ». فقال )عليه السلام( مبينا مصداق هذه الآية: (هؤلاء قوم كانت لهم قرى متصلة ينظر بعضهم الى بعض وأنهار جارية وأموال ظاهرة فكفروا نعم الله عزوجل وغيروا ما بأنفسهم من عافية الله فغير الله ما بهم من نعمة). ثم قال (عليه السلام) مشيراً الى هذه السنة القرآنية: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ، فأرسل الله عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ فأغرق قراهم وخرب ديارهم وأذهب أموالهم، ثم قال سبحانه: «ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ» (سبأ 17)). أيها الاخوة والاخوات، أما المرتبة الثالثة وهي الأشد لحلول النقمة فهي التي تتضمن نزول العذاب الماحق نظير ما جرى لآل فرعون وأهل الكبائر من الذنوب خاصة التي تشتمل على الالحاد والظلم، لنتأمل معا - أيها الافاضل- بالرواية التالية التي رواها ثقة الاسلام الكليني في كتاب الكافي بسنده عن الجعفري، قال: سمعت أبا الحسن [الهادي] (عليه السلام) يقول: ما لي رأيتك عند عبد الرحمان بن يعقوب؟ فقلت: انه خالي. فقال (عليه السلام): انه يقول في الله قولاً عظيماً، يصف الله [الذي] لا يوصف، فإما جلست معه وتركتنا، واما جلست معنا وتركته. فقلت: هو يقول ما شاء، اي شيء علي منه اذا لم أقل ما يقول؟ فقال ابوالحسن (عليه السلام): أما تخاف ان تنزل به نقمة فتصيبكم جميعاً؟ اما علمت بالذي كان من أصحاب موسى (عليه السلام) وكان أبوه من أصحاب فرعون فلما لحقت خيل فرعون موسى تخلف عنه ليعظ أبا فيلحقه بموسى، فمضى أبوه وهو يراغمه حتى بلغا طرفاً من البحر، فغرقا جميعاً، فأتى موسى (عليه السلام) الخبر فقال: هو [يعني الأبن] في رحمة الله ولكن النقمة اذا نزلت لم يكن لها عمن قارب المذنب دفاع). أعزاءنا المستمعين، ومن مراتب حلول النقمة هي (النقمة في الدين) وهي أشكال البلاء التي تصيب المنتسبين الى التدين نتيجة لإرتكابهم بعض الذنوب أو سوء عملهم بالتعاليم الدينية، وهذه هي تسبب ألماً نفسياً شديداً بسبب شماتة الكافرين بهم. وهذه المرتبة هي المشار اليها في دعاء الحجب نفسه حيث وردت الاستعاذة من شماتة الأعداء بعد الاستعاذة في حلول النقمة مباشرة، واليها يشير مولانا امير المؤمنين (عليه السلام) في دعائه في الاستسقاء المروي في كتاب (فقه الرضا) وقد جاء فيه: (وعافنا يا رب من النقمة في الدين وشماتة الكافرين). مستمعينا الاطائب، في الحلقة المقبلة نستنير معاً بالنصوص الشريفة التي تعرنفا بأهم الذنوب التي تستتبع نزول النقمة وسبل النجاة منها، نشكر لكم طيب الاستماع لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم له من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران. دمتم بكل خير. شرح فقرة: "وحلول النقمة، ..." (1) - 75 2014-03-09 09:44:47 2014-03-09 09:44:47 http://arabic.irib.ir/programs/item/11078 http://arabic.irib.ir/programs/item/11078 بِسْمِ اللَّهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ الذي أتم نعمته علينا بموالاة ومحبة أوليائه الصادقين حبيبه المصطفى واهل بيته الطيبين الطاهرين صلوات الله وتحياته وبركاته عليهم أجمعين. سلام من الله عليكم أيها الاخوة والاخوات ورحمة منه وبركات، طبتم وطابت أوقاتكم بكل خير وأهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج ايها الاطائب، نبدأ في هذا اللقاء بالحديث عن العامل التاسع عشر من العوامل التي أمرنا الهادي المختار (صلى الله عليه وآله الاطهار) بالاستعاذة بالله منها لعظيم خطرها في حرمان الانسان من طيب الحياة وصفائها ونعيمها في الدنيا والآخرة. وقد جاءت هذه الهداية النبوية في المقطع الختامي من دعاء الحجب الشريف فلننور قلوبنا معاً بالاقتداء برسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقسم على الله بأعز أسمائه طالباً صرف تلك العوامل المدمره بقوله: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). مستمعينا الافاضل، كما لاحظتم في نص المقطع الختامي من دعاء الحجب الشريف فان العامل التاسع عشر من العوامل التي أمرنا النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) بأن نطلب من الله عزوجل أن يصرفها عنها هو (حلول النقمة)، فما هو المقصود بهذا العامل، وما هي الاسباب التي تؤدي الى حلول النقمة؟ وما هي السبل العملية للنجاة منه؟ هذه هي الاسئلة المحورية التي نتناولها في الحديث عن هذا العامل، ونبدأ بالسؤال الاول منها، فاصل النقمة كما في صحاح الجوهري من (نقم) أي كره، واذا نسبت النقمة الى الله عزوجل كان المعنى هو مجازاته - جل جلاله- بالعقوبات على ما يكرهه من الخلق، ولذلك فان من أسمائه عزوجل اسم (المنتقم) جاء في كتاب الفروق اللغوية لابي هلال العسكري: (الفرق بين الاساءة والنقمة، قد فرق بينهما بان النقمة قد تكون بحق جزاءً على كفران النعمة والاساءة لا تكون الا قبيحة، ولذا لا يصح وصفه تعالى بالمسيء وصح وصفه بالمنتقم، قال سبحانه: «وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ» (المائدة 95)). وجاء في موسوعة لسان العرب: (النقمة المكافاة بالعقوبة، والنقمة الانكار ... وفي الحديث أنه - يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما انتقم لنفسه قط الا ان تنتهك محارم الله ...). أيها الاخوة والاخوات، الواضح من المراجعة المتقدمة للكتب اللغوية أن حلول النقمة هو مقابل دوام النعمة، وهو عقاب الهي يجري على أساس العدل الالهي الكامل ردعاً للناس عن ذنوب فيها انتهاك لمحارم الله او كفران للنعمة. وعليه يتضح أن في باطن النقمة مرتبة من الرحمة الالهية مظهرها تطويق الفساد في الأرض؛ والا فان الله عزوجل غنيٌ حتى عن معاقبة العباد. أما معنى حلول النقمة فهو: نزول هذا العقاب الالهي بالناس كما هو واضحٌ. ومن ملاحظة المقابلة بين حلول النقمة ودوام النعمة يتضح ان اولى مراتب حلول النقمة هو زوال النعمة، ونزوال النعمة أسباب عدة تتمحور حول ارتكاب ذنوب مخصوصة، روي في كتاب الكافي عن امامنا جعفر الصادق (عليه السلام) قال: (ان الله قضى حتماً الا ينعم على العبد نعمة فيسلبها اياه حتى يحدث ذنباً يستحق بذلك النقمة). اخوة الايمان، وتعرفنا الاحاديث الشريفة بتلك الذنوب المخصوصة والاكثر تأثيراً في سلب النعمة أي أولى مراتب حلول النقمة، فقد روي في كتاب معاني الاخبار للشيخ الصدوق مسنداً عن مولانا الامام السجاد زين العابدين (صلوات الله عليه) انه قال ضمن حديث عن آثار الذنوب: (الذنوب التي تغير النعم: البغي على الناس، والزوال عن العادة في الخير واصطناع المعروف، وكفران النعم وترك الشكر، قال الله عزوجل: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ». والذنوب التي تورث الندم: قتل النفس التي حرم الله ... وترك صلة القرابة حتى يستغنوا وترك الصلاة حتى يخرج وقتها، وترك الوصية ورد المظالم ومنع الزكاة حتى يحضر الموت وينغلق اللسان؟). مستمعينا الافاضل، ولحلول النقمة مرتبة أخرى أشد من مجرد زوال النعم وهي نزول العذاب، وهذا ما سنتناوله بأذن الله في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) تستمعون له دوماً من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران. شكر لكم على طيب المتابعة ودمتم بكل خير. شرح فقرة: "والضيق وفساد الضمير، ..." (8) - 74 2014-03-08 07:39:59 2014-03-08 07:39:59 http://arabic.irib.ir/programs/item/11077 http://arabic.irib.ir/programs/item/11077 بِسْمِ اللَّهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ الذي انعم علينا بولاية صفوته الطاهرين، حبيبه المبعوث رحمة للعالمين محمد وآله الطيبين صلوات الله عليهم أجمعين. السلام عليكم احبتنا المستمعين ورحمة الله وبركاته، بتوفيق الله نلتقيكم في حلقة أخرى من هذا البرنامج نستكمل فيها التعرف الى سبل النجاة والتطهر الكامل من العامل الثامن عشر من العوامل السالبة لطيب الحياة في الدنيا والآخرة حسبما هدانا لمعرفتها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في دعائه المبارك الموسوم بدعاء (الحجب) وهذا العامل هو (فساد الضمير)، وقبل استكمال الحديث عنه نتبرك بقراءة المقطع الختامي من هذا الدعاء الشريف فنقتدي بحبيبنا المصطفى وهو يدعو ربه الجليل تبارك وتعالى لصرف هذه العوامل عن جميع اهل الايمان قائلاً: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). مستميعنا الاكارم، عرفنا في الحلقات السابقة ان معنى فساد الضمير هو تلوث قلب الانسان وباطنه بالأمراض النفسية كالحسد وطول الأمل والحقد والكبر ومن مصاديق فساد الضمير اضمار الشر والسوء للناس. وقد استهدينا بالنصوص الشريفة لمعرفة سبل التطهر من هذا العامل المدمر لصفو حياة الانسان وطيبها في الدنيا والآخرة؛ ومن هذه السبل التفكر في النصوص الشريفة المبينة لبركات التطهر من فساد الضمير وخبث السريرة وكذلك في النصوص المحذرة من آثار تلوث قلب الانسان وباطنه. فمثلاً من الآثار الخطيرة لفساد الضمير واضمار الانسان السوء للآخرين حجب دعائه عندما تحيق به الشدائد أو يقع في البليات، وهذا ما يصرح به مثلاً ما روي في كتاب معاني الأخبار للشيخ الصدوق بأسناده عن الامام زين العابدين السجاد )عليه السلام(، حيث قال ضمن حديث طويل عن آثار الذنوب: (والذنوب التي ترد الدعاء: سوء النية وخبث السريرة والنفاق مع الأخوان وترك التصديق بالاجابة وتأخير الصلوات المفروضات حتى تذهب أوقاتها، وترك التقرب الى الله عزوجل بالبر والصدقة واستعمال البذاء والفحش في القول). أيها الاخوات والاخوة، ويستفاد من النص المتقدم أن عدم التطهر من فساد الضمير وسوء النية يعني حرمان الانسان نفسه من العون الالهي في الشدائد، ولذلك نقرأ في كتاب (مكارم الاخلاق) ضمن وصية النبي الاكرم للصحابي عبدالله بن مسعود قوله (صلى الله عليه وآله): (يا ابن مسعود عليك بأصلاح السريرة فان الله تعالى يقول: «يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ، فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ»). كما أن من أخطر الآثار السيئة لسوء النية وفساد الضمير الحرمان من المغفرة الالهية والخروج من ولاية أهل البيت (عليهم السلام) خاصة اذا حمل الانسان حقداً على المؤمنين وأضمر لهم سوءً، فقد روى الشيخ المفيد في كتاب الاختصاص ضمن حديث لمولانا الامام علي الرضا (عليه السلام) قال: (من آذى ولياً من أوليائي أو أضمر له سوءً فان الله لا يغفر له حتى يرجع عنه، فان رجع عنه [غفرله] والا نزع روح الايمان عن قلبه وخرج عن ولايتي ولم يكن له نصيب في ولايتنا وأعوذ بالله من ذلك). أيها الاحبة، كما أن من الآثار السيئة لسوء النية وفساد ضمير الانسان تأثيره على سلوكياته الظاهرية شاء أم أبى وفي ذلك تدمير لحياته إذ أن تلوث باطن الانسان بالحسد والكبر والحقد وسائر الامراض القلبية يحرمه من توفيق العمل الصالح والصلاح. والعكس صحيح أيضاً، وهذا ما دلت عليه كثيرٌ من النصوص الشريفة نستضيء ببعض من كتاب (ميزان الحكمة)، فمثلاً روي عن الصادق الأمين حبيبنا المصطفى (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (ما أسر عبدٌ سريرة الا ألبسه الله رداءها- أي اظهرها على سلوكه-، إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً). وقال مولانا أمير المؤمنين علي المرتضى (عليه السلام): (لكل ظاهر باطنٌ على مثاله، فمن طاب ظاهره طاب باطنه، وما خبث ظاهره خبث باطنه ... ومن حسنت سريرته حسنت علانيته وحسن السيرة عنوان حسن السريرة وصلاح الظواهر عنوان صحة الضمائر). وعن إمامنا جعفر الصادق )عليه السلام( قال: (فساد الظاهر من فساد الباطن ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته). مستمعينا الافاضل، وبهذا ينتهي حديثنا عن العامل الثامن عشر من العوامل المنغصة للحياة الطيبة حسبما هدانا اليها حبيبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله( في دعائه الموسوم بدعاء الحجب، في الحلقة المقبلة من برنامج (ينابيع الرحمة) نبدا الحديث عن العامل التاسع عشر منها وهو (حلول النقمة) أعاذنا الله واياكم منها، فالى حينها دمتم بكل خير ولكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران خالص الدعوات. شرح فقرة: "والضيق وفساد الضمير، ..." (7) - 73 2014-03-05 08:48:35 2014-03-05 08:48:35 http://arabic.irib.ir/programs/item/11076 http://arabic.irib.ir/programs/item/11076 بِسْمِ اللَّهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ الذي جعلنا من أمة حبيبه المبعوث رحمة للعالمين الهادي المختار صلوات الله عليه وآله الأطهار آنَاء اللَّيْلِ وأَطْرَافَ النَّهَارِ. السلام عليكم مستمعينا الأحبة ورحمة الله، على بركة الله نلتقيكم في حلقة جديدة من هذا البرنامج، نعيش فيها دقائق مباركة في رحاب دعاء الحجب الشريف؛ وهذا الدعاء هو من غرر أدعية أهل بيت الرحمة (عليهم السلام)، ففي مقطعه الختامي يعرفنا نبي الرحمة الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وآله) بالعوامل الأساسية التي تحرم الإنسان من طيب الحياة الكريمة في الدنيا والآخرة. وقد بلغ بنا الحديث الى العامل الثامن عشر من هذه العوامل وهو (فساد الضمير) وفي حلقة اليوم نتعرف الى طائفة أخرى من بركات التطهر من هذا العامل، ولكن لنتبرك أولاً بقراءة المقطع الختامي طالبين من الله إعانتنا على النجاة منها فنقتدي برسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقسم على الله بأعظم اسمائه قائلاً: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). أيها الاخوة والأخوات، هدتنا النصوص الشريفة التي تناولناها في الحلقة السابقة الى أن من بركات التطهر من فساد الضمير وخبث السريرة الفوز بمكارم الهية متنوعة تشمل اتحاف المتطهر من ذلك بكل ما يحبه وما يسره نظائر توفيق الاقبال على الطاعات، ومثل الخطوة بقربه عزوجل وجميل السمعه عند الناس وغير ذلك. كما أن من بركات ذلك الفوز بالجنة ورضا الله تبارك وتعالى وهو الرضوان الأكبر. واضافة لذلك فان من بركات النجاة من فساد الضمير هو الحصول على أفضل ما يدخره الانسان لكي يكون به عمران حياته الاخروية الخالدة، جاء في كتاب (غرر الحكم) عن مولانا الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) قال: (صحة الضمائر من أفضل الذخائر). كما أن من بركات التطهر من رذيلة (فساد الضمير) والتحلي بحسن السريرة قوة القلب وعدم الخشية من أحد غير الله عزوجل؛ وهذه البركة يشير اليها مولى الموحدين الوصي المرتضى (عليه السلام) في المنقول عنه في غرر الحكم أيضاً أنه قال: (من حسنت سريرته لم يخف احداً)؛ وروي في الكافي عن مولانا الامام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (ان السريرة اذا صحت قويت العلانية). مستمعينا الأفاضل، ومن بركات التطهر من خبث السريرة وفساد الضمير النجاة من الفضيحة والخزي بين الناس، اذا أن من القوانين الطبيعية أن فساد الضمير تظهر علاماته على الانسان شاء أم أبى ومهما اجتهد في التستر عليه، والى هذا القانون الطبيعي تشير الحكمة التالية من حكم نهج البلاغة حيث قال سيد الوصيين (عليه السلام): (ما أضمر أحدٌ شيئاً الا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه). واضافة الى هذا القانون الطبيعي فان سنن الله جلت حكمته اقتضت اظهار ما يضمره الانسان شراً كان أو خيراً. روي في الجزء 72 من موسوعة البحار عن مولانا الامام الصادق )عليه السلام( قال: (ما من عبد أسر خيراً فذهبت الايام أبداً حتى يظهر الله له خيراً وما من عبد يسر شراً فذهبت الايام حتى يظهر الله له شراً). أعزاءنا المستمعين، ومن بركات التطهر من فساد الضمير أنه وسيلة النجاة من النفاق وهو أخطر الأمراض القلبية المدمرة التي تستتبع غضب الله عزوجل، روي في كتاب (قرب الإسناد) عن حبيبنا ومولانا الهادي المختار (صلوات الله ربي عليه وآله الاطهار) أنه قال: (من تزين للناس بما يحب الله وبارز الله في السر بما يكره الله لقي الله وهو عليه غضبان وله ماقت). وروى الشيخ المفيد في كتاب الأمالي بسنده عن امامنا جعفر الصادق (عليه السلام) قال: (ما ينفع العبد يظهر حسناً ويسر سيئاً، أليس اذا رجع الى نفسه علم أنه ليس كذلك، والله تعالى يقول: «بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ» (القيامة 14) ان السريرة اذا صلحت قويت العلانية). ومما لا شك فيه مستمعينا الاكارم ان تفكر الانسان في نظائر هذه الاحاديث الشريفة المبينة لبركات التطهر من فساد الضمير يعينه على التطهر من ذلك اندفاعاً بفطرة حب الخير، كما ان تفكره في النصوص الشريفة التي تبين مخاطر فساد الضمير يعينه على التطهر منه اندفاعاً بفطرة دفع الشر، ولذلك سنخصص الحلقة المقبلة باذن الله من برنامجكم (ينابيع الرحمة) لنماذج من الطائفة الثانية من هذه النصوص، نشكر لكم كرم الاستماع لحلقة اليوم استمعتم لها من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران تقبل الله اعمالكم ودمتم بكل خير. شرح فقرة: "والضيق وفساد الضمير، ..." (6) - 72 2014-03-04 09:52:57 2014-03-04 09:52:57 http://arabic.irib.ir/programs/item/11075 http://arabic.irib.ir/programs/item/11075 بِسْمِ اللَّهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ الذي هدانا لموالاة أبواب هداه ورحمته للعالمين حبيبه المصطفى الامين وآله الطيبين الطاهرين صلوات الله وبركاته وتحياته عليهم أجمعين. سلام من الله عليكم ايها الاخوة والاخوات، تحية طيبة ملؤها من الله الرحمة والبركات نهديها لكم في مستهل لقاء اليوم من برنامجكم هذا. ايها الاكارم، موضوع هذا اللقاء هو بركات النجاة من (فساد الضمير) وهو العامل الثامن عشر من العوامل التي تسلب الانسان صفو الحياة وطيبها في الدنيا والآخرة، ولذلك يعلمنا الاستعانة بالله للنجاة منها نبي الرحمة حبيبنا الهادي المختار حيث يقسم (صلوات ربي عليه وآله الاطهار) في المقطع الختامي من دعاء الحجب الشريف على ربه الجليل باعظم اسمائه قائلاً: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). مستمعينا الافاضل، ان الانسان مجبولٌ بفطرته على حب الخير كما تصرح بذلك الآيات الكريمة، ولكن المشكلة هي أنه يخطأ في تشخيص مصاديق الخير الحقيقي وأحياناً يحصرها في المصاديق المادية. من هنا فإن تعريفه بمصاديق الخير الحقيقية يعينه على النجاة من تلك المشكلة، هذا أولاً وثانياً فان تعريف بعظمة الخير الذي يحصل عليه من التحرر من فساد الضمير وخبث السريرة يفتح فيه ينابيع التوجه الفطري للحصول على الخير. ولذلك كانت معرفة بركات النجاة من فساد الضمير من السبل العملية لاعانته في السير على هذا الطريق والاجتهاد في التطهر من ذلك. وهذا ما اهتمت به النصوص الشريفة نستنير ببعضها ونبدأ بما روي عن مولانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كتاب المحاسن أنه قال: (من أسر ما يرضي الله عزوجل أظهر الله له ما يسره، ومن أسر ما يسخط الله تعالى أظهر الله ما يخزيه). إذن أعزاءنا المستمعين، فان من أعظم بركات اصلاح السريرة والتطهر من فساد الضمير هو فوز المتطهر من ذلك بمعونة الهية كريمة تتمثل في اظهار الله تبارك وتعالى له ما يسره، مثل اظهار فضله للناس او يرزقه محبة الناس واحترامهم، أو يسدده بالتوفيق لعمل الصالحات واجتناب المحرمات، أو يدفع عنه ما يكره ويتفضل عليه بكل ما يسره من آلائه ونعمائه. ايها الاخوة والاخوات، ومن بركات التطهر من فساد الضمير وخبث السريرة هو صلاح ظاهر الانسان وبالتالي اصلاح الله عزوجل لعلاقته مع الناس، فقد روى الشيخ الصدوق في اماليه عن مولانا الوصي المرتضى امير المؤمنين (عليه السلام) انه قال: (من كانت الآخرة همه كفاه الله همه من الدنيا، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن اصلح فيما بينه وبين الله عزوجل اصلح الله له فيما بينه وبين الناس). كما ان النصوص الشريفة تبشرنا بأن الفوز بالجنة هو من أهم ثمار الاجتهاد في اصلاح السريرة والباطن والنجاة من فساد الضمير، فمثلاً جاء في كتاب غرر الحكم عن الامام علي (عليه السلام) انه قال: (طوبى لمن صلحت سريرته، وحسنت علانيته، وعزل من الناس شره). وروى الشيخ الطوسى في كتاب الامالي بسنده عن الامام التقي الجواد )عليه السلام( عن آبائه عن أمير المؤمنين علي المرتضى )عليه السلام( قال: (المرض لا اجر فيه ولكنه لا يدع على العبد ذنباً الا حطه، وانما الاجر في القول باللسان والعمل بالجوارح يعني الطاعات القولية والفعلية لله عزوجل- وان الله بكرمه وفضله يدخل العبد بصدق النية والسريرة الصالحة الجنة). كما ان من بركات التطهر من فساد الضمير والباطن تقوية الانسان على عمل الخير والتقرب الى الله عزوجل بالطاعات وتزيين ظاهره وجوارحه بها، كما يبشرنا بذلك مولانا الامام الصادق (عليه السلام) في المروي عنه في كتاب الكافي أنه قال: (ان السريرة اذا صحت قويت العلانية). ايها الاخوة والاخوات، وللتطهر من فساد الضمير بركات اخرى تتمثل في انقاذه من النفاق والسخط الالهي وغيرهما، وهذا ماهدتنا اليه عدة من النصوص الشريفة نستنير بطائفة منها في الحلقة المقبلة باذن الله من برنامجكم (ينابيع الرحمة) نشكر لكم على طيب المتابعة ولكم دوماً من اذاعة طهران اطيب التحيات وخالص الدعوات، في أمان الله. شرح فقرة: "والضيق وفساد الضمير، ..." (5) - 71 2014-03-03 09:42:13 2014-03-03 09:42:13 http://arabic.irib.ir/programs/item/11074 http://arabic.irib.ir/programs/item/11074 بِسْمِ اللَّهِ وله خالص الحمد والثناء اذ هدانا للتمسك بعروته الوثقى وحبله المتين نبيه المبعوث رحمة للعالمين محمد الأمين وآله الطيبين الطاهرين صلوات الله وتحياته وبركاته عليهم اجمعين. السلام عليكم أيها الاحبة ورحمة الله وبركاته طبتم وطابت أوقاتكم بكل خير وأهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج. لازلنا نعيش في رحاب سيد الأدعية المحمدية الموسوم بدعاء الحجب الشريف، وقد انتهى بنا الحديث الى العامل الثامن عشر من العوامل التي تنغص طيب حياة الانسان في الدنيا والآخرة وهو عامل فساد الضمير، ولخطير آثار هذه العوامل يعلمنا نبينا الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وآله) ان نطلب من الله عزوجل ان يصرفها عنا حيث يقول في المقطع الختامي من ذلك الدعاء المبارك: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). مستمعيناالافاضل في الحلقة السابقة عرفنا ان معنى (فساد الضمير) هو تحول قلب الانسان او باطنه وسريرته الى وجود مضر له وللآخرين بدلاً من أن يكون معيناً له على سلوك الصراط المستقيم ونافعاً له وللآخرين، فيكون حال من فسد ضميره وباطنه كحال الطعام الطيب اذا فسد اذ يصبح مضراً. وسبب فساد الضمير هو استشراء الامراض الروحية والقلبية في باطن الانسان كالحسد والحقد وسوء الظن بالله وبعباده والبخل والحرص ونظائر ذلك. ويستفاد من النصوص الشريفة ان الغفلة عن الله عزوجل وعدم استشعار اطلاعه على باطن الإنسان وما يضمره هي العلة الاساسية للاصابة بفساد الضمير، والى هذه الحقيقة يشير الله اصدق القائلين في الآية 108 من سورة النساء حيث يقول تبارك وتعالى في وصف المنافقين: «يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً». وعلى ضوء ذلك يتضح أن السبيل المحوري العملي للنجاة من فساد الضمير والباطن يكمن في اجتناب الغفلة عن الله عزوجل والاستشعار الوجداني المستمر لحضوره واطلاعه جل جلاله على ما يضمره الانسان فهو الذي لا تخفى عليه خافية ويعلم ما تكن الصدور. ايها الاخوة والاخوات، وتهدينا النصوص الشريفة الى ان العلة المحورية الثانية لفساد الضمير تكمن في حب الدنيا، إذ ان من المعلوم ان حب الدنيا المحرمة والحرص على متعها الزائلة هو منشأ الامراض الروحية والقلبية وهذه الامراض هي التي تفسد باطن الانسان وسريرته مثلما تفسد الامراض المادية المعروفة باطنه. والى هذه العلة يشير مولانا الامام الصادق (عليه السلام) الى جانب العلة الاولى وهي الغفلة عن الله حيث قال كما في الجزء الثالث والسبعين من كتاب البحار: (فساد الظاهر من فساد الباطن، ومن أصلح سريرته اصلح الله علانيته، واعظم الفساد أن يرضى العبد بالغفلة عن الله، وهذا الفساد يتولد من طول الامل والحرص والكبر، كما أخبر الله عزوجل في قصة قارون في قوله سبحانه: «وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ»، وكانت هذه الخصال -يعني (عليه السلام) طول الامل والحرص والكبر- من صنع قارون واعتقاده وأصلها من حب الدنيا). ومن هنا يتضح أن السبيل العملي الثاني للتطهر من فساد الضمير هو الاستعانة بالله عزوجل والاجتهاد في التحرر من حب الدنيا والسعي للتعافي والشفاء من الامراض القلبية المذكورة فهي التي تفسد باطن الانسان وضميره. احبتنا المستمعين وتهدينا النصوص الشريفة الى العلة المحورية الثالثة لفساد الضمير وهي فقدان البصيرة اي الرؤية الاعتقادية الصحيحة للحياة والكون وحقائق الاشياء. والى هذه العلة يشير مولانا الامام أمير المؤمنين ومولى الموحدين كما ورد في كتاب غرر الحكم أنه (عليه السلام) قال: (صلاح السرائر برهان صحة البصائر). وعلى ضوء هذه الحكمة العلوية يتضح أن السبيل العملي الثالث للنجاة من فساد الضمير هو السعي الجاد بالاستعانة بالله جل جلاله من أجل الحصول على الرؤية العقائدية الصحيحة تجاه مختلف شؤون الحياة وعواقب الأمور، وهذا الأمر يتحقق من خلال التنور بأنوار هداية النصوص الشريفة. مستمعينا الاكارم، في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) نستنير باذن الله عزوجل بالنصوص الشريفة المبينة لبركات النجاة من فساد الضمير. فالى حينها نستودعكم الله وتقبلوا من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران جزيل الشكر على كرم المتابعة، دمتم في رعاية الله. شرح فقرة: "والضيق وفساد الضمير، ..." (4) - 70 2014-03-02 09:47:40 2014-03-02 09:47:40 http://arabic.irib.ir/programs/item/11073 http://arabic.irib.ir/programs/item/11073 بِسْمِ اللَّهِ وله الحمد خالصاً اذ هدانا الى التمسك بحبله المتين نبيه المبعوث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين السلام عليكم اخوتنا المستمعين ورحمة الله وبركاته. معكم في حلقة اخرى من هذا البرنامج ووقفة جديدة في رحاب المقطع الختامي من دعاء الحجب الشريف، لنتحدث عن العامل الثامن عشر من العوامل التي تسلب الانسان طيب الحياة في الدنيا والآخرة، انه عامل (فساد الضمير)، نتبرك اولاً بقراءة هذا المقطع استذكاراً لجميع تلك العوامل طلباً لصرفها عنا وتطهيرنا منها كما علمنا نبينا الاكرم حيث دعا (صلى الله عليه وآله) ربه الجليل في خاتمة دعاء الحجب المبارك قائلاً: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). أيها الاخوة والاخوات، نبدأ اولاً بالتعرف الى معنى (فساد الضمير) الذي نطلب من الله عزوجل أن يصرفه عنا. فنرجع الى كتب اللغة، لنجدها تذكر ان معنى الضمير هو ما أضمره الانسان في قلبه كما في كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي (رضوان الله عليه)، وقد استخدم للتعبير عن باطن الانسان مقابل ظاهره، بأعتبار ان الاضمار هو ضد الإظهار. أما فساد الشيء فهو خروجه عن حالة الصلاح، وتحوله من حالة النفع الى حالة الضر، أي يصبح الشيء مضراً غير نافعاً، فالطعام الفاسد مثلاً يضر الآكل بدل أن ينفعه. وعلى ضوء هذه التوضيحات، نسأل: ما معنى فساد ضمير الانسان او باطنه في هذه الحالة؟ في الاجابة عن هذا السؤال نقول: ان فساد ضمير الانسان او باطنه او سريرته كما ورد في النصوص الشريفة، يعني تحوله الى وجود مضر للانسان نفسه ولغيره، ولذلك ورد في النصوص الشريفة التعبير عن فساد الضمير بألفاظ من قبيل (خبث السريرة)، أو (سوء السريرة). وهنا يأتي دور السؤال الثالث وهو: ما هي مصاديق خبث السريرة أو فساد الضمير؟ الاجابة تأتيكم بعد قليل فأبقوا معنا مشكورين. أيها الافاضل، من المعروف وجدانياً ان فساد ظاهر الانسان وبدنه يكون بأبتلائه بالامراض المادية المعروفة والاعراض التي تقدم ذكرها في المقطع الختامي من دعاء الحجب الشريف نفسه، وهما العاملان الثالث والرابع. وواضحٌ ان ابتلاء الانسان بالأعراض والامراض البدنية يعكر عليه صفو الحياة الطيبة ولذلك أمرنا النبي الاكرم وائمة اهل بيته (صلوات الله عليه وعليهم) بالاستعاذة بالله منها وطلب العافية. وعندما نلاحظ ان الضمير هو باطن الانسان وقلبه المقابل لظاهره وبدنه نتوصل الى أن ابرز مصاديق فساد الضمير هو إبتلاء الانسان بالامراض القلبية الباطنية نظائر الحسد والحقد والبخل والحرص وسوء الظن بالناس ونظائرها. وهذه الامراض القلبية هي التي تلوث قلب الانسان وضميره وتفسده وتجعله مثلاً يضمر السوء للآخرين، إما حسداً لهم أو حقداً عليهم أو سوء ظن بهم، أو بخلاً وحرصاً على المتع الدنيوية الزائلة او سعياً للاستئثار بها دونهم. وكل هذه الامور تنغص على الانسان طيب الحياة في الدنيا والآخرة، فمثلاً صرحت الاحاديث الشريفة ان لا راحة لحسود، ومن الثابت وجدانياً ان الحقد يدمر قلب الانسان وروحه ويجعله عدوانياً لا راحة له اذ يستحوذ الحقد على كل فكره وكيانه ويشغله بالبحث عن سبل التنفيس عنه، وكل ذلك يلهيه عن صالحات الأعمال التي بها سعادته الأخروية فضلاً عن السعادة الدنيوية. وبذلك يتحول باطن الانسان وقلبه الى وسيلة لتدمير حياته بدلاً من ان يكون وسيلة لقيادته في حركته التكاملية. مستمعينا الافاضل، ولخطورة فساد الضمير وخبث السريرة على حياة الانسان فقد حذرتنا منه كثير من النصوص الشريفة وهدتنا الى التطهر منه وعرفتنا بسبل ذلك، وهذا ما سنتناوله بأذن لله في الحلقة لمقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) فالى حينها نستودعكم لله ولكم دوماً من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران خالص الدعوات والتحيات، دمتم في امان الله. شرح فقرة: "والضيق وفساد الضمير، ..." (3) - 69 2014-03-01 07:48:16 2014-03-01 07:48:16 http://arabic.irib.ir/programs/item/11072 http://arabic.irib.ir/programs/item/11072 بِسْمِ اللَّهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ الذي شرح صدورنا لمحبته بمودة وموالاة صفوته المنتجبين حبيبه المبعوث رحمة للعالمين محمد الصادق الامين وآله الطيبين الطاهرين صلوات الله وتحياته وبركاته عليهم أجمعين. السلام عليكم ايها الاكارم ورحمة الله وبركاته، معكم بتوفيق الله في حلقة جديدة من هذا البرنامج نستكمل فيها الحديث عن مصاديق الضيق وهو العامل السابع عشر من العوامل التي تسلب الانسان سعادة الدنيا والآخرة، طبق ما ورد في المقطع الختامي من دعاء الحجب الشريف، نتبرك اولاً بتلاوة هذا المقطع حيث يخاطب فيه نبي الرحمة (صلى الله عليه وآله) ربه الجليل قائلاً: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). مستمعينا الافاضل، عرفنا في الحلقتين السابقتين من هذا البرنامج أن معنى (الضيق) هو عدم امتلاك الانسان لما يكفيه ولو بمشقة لتلبية احتياجاته المادية والمعنوية ومثل هذا ينغص عليه بالطبع حياته مادياً ومعنوياً، وقد عرفنا أن السبيل المحوري للنجاة من هذا الضيق هو تقوى الله عزوجل فقد وعد الله من يتقيه بان يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وفرجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ. كما ان من العوامل المهمة للنجاة من الضيق - خاصة في مصاديقه المعنوية- هو معرفة الحق واتباعه، لان الجهل تجاه أي أمر يوقع الانسان في الحيرة والشك وبالتالي في الضجر والملل نتيجة جهله بما ينبغي فعله تجاه الامر الذي يتعرض له الانسان وعندها يشعر بالضيق والهم والحزن. والى هذا العامل للنجاة من الضيق المعنوي يشير مولانا الامام محمد الباقر (صلوات الله عليه) في الحديث المسند اليه في كتاب المحاسن أنه قال: (ان القلب ينقلب من لدن موضعه الى حنجرته - يعني يكون في ضيق وحيرة- ما لم يصب الحق، فاذا اصاب الحق قرّ، ثم ضمّ (عليه السلام) أصابعه وقرأ هذه الآية: «فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً»(. ويبين لنا مولانا الامام جعفر الصادق (صلوات الله عليه) السبيل المتقدم للنجاة من (الضيق) بقوله كما في الكافي: (ان الله عزوجل اذا اراد بعبد خيراً نكت في قلبه نكتة من نور وفتح مسامع قلبه ووكل به ملكاً يسدده، واذا أراد بعبد سوءً نكت في قلبه نكتة سوداء وسد مسامع قلبه ووكل به شيطاناً يضله ثم تلا (عليه السلام) هذه الآية: «فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء»). ونستفيد من هذا الحديث الشريفة ان فتح الانسان عقله وقلبه على الحق واتباعه والاستعانة بالله في ذلك من أهم عوامل النجاة من الضيق الروحي في حين أن الغفلة القلبية عن ذلك واتباع وساوس الشيطان وتخويفه من الفقر ودعوته للقبائح من أهم العوامل التي تسبب للانسان الضيق الروحي وتغرقه في مشاقه. أيها الاخوة والاخوات، كما يستفاد من الأحاديث الشريفة ان عمل الانسان بما عرفه من الحق من اهم وسائل دفع الضيق الروحي والنجاة منه، كما يشير لذلك مولانا الامام الصادق (عليه السلام) في رسالته التي كتبها لأصحابه والمروية في روضة الكافي، حيث قال: (واعلموا ان الله اذا اراد بعبد خيراً شرح صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فاذا أعطاه ذلك انطق لسانه بالحق وعقد قلبه عليه فعمل به، فاذا جمع الله له ذلك تم له اسلامه وكان عندالله ان مات على ذلك الحال من المسلمين حقاً، واذا لم يرد الله بعبد خيراً وكله الى نفسه وكان صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً فان جرى على لسانه حقٌ لم يعقد قلبه عليه واذا لم يعقد قلبه عليه لم يعطه الله العمل له فاذا اجتمع ذلك عليه حتى يموت وهو على تلك الحال كان عند الله من المنافقين ... فَاتَّقُواْ اللَّهَ وسلوه ان يشرح صدوركم للاسلام وان يجعل السنتكم تنطق بالحق حتى يتوفاكم وانتم على ذلك ...). ايها الاطائب، وفي حديث آخر يبين لنا مولانا الامام الرضا (عليه السلام) ان العامل الاساس الذي يذهب بالضيق الروحي هو التسليم لامر الله والثقة به عزوجل وبالتالي الايمان الصادق فهو الذي يبعد عن الانسان جميع مظاهر الضيق من الشعور بالقلق والخوف ونظائرها؛ فقد روي في كتاب عيون الاخبار أنه (عليه السلام) سئل عن قول الله عزوجل: «فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ»، فقال: (مَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ بايمانه في الدنيا الى جنته ودار كرامته في الآخرة يشرح صدره للتسليم لله والثقة به والسكون الى ما وعده من ثوابه حتى يطمئن اليه، «وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ» عن جنته ودار كرامته لكفره به وعصيانه له في الدنيا «يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً» حتى يشك في كفره ويضطرب من اعتقاد قلبه حتى يصير كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ). وبهذا ننهي ايها الاكارم حلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم له من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، شكراً لكم على كرم المتابعة ودمتم بألف خير. شرح فقرة: "والضيق وفساد الضمير، ..." (2) - 68 2014-02-26 08:19:02 2014-02-26 08:19:02 http://arabic.irib.ir/programs/item/11071 http://arabic.irib.ir/programs/item/11071 بِسْمِ اللَّهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ الذي شرح صدورنا بالإيمان به وبأوليائه الصادقين نبيه المبعوث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين سلامٌ من الله الرحمان الرحيم عليكم أخواتنا وإخوتنا المستمعين، على بركة الله نلتقيكم في حلقة جديدة من هذا البرنامج، نتابع فيها - بعون الله تبارك وتعالى- التعرف على مصاديق (الضيق) وهو العامل السابع عشر من العوامل التي علمنا حبيبنا الهادي المختار أن نطلب من الله عزوجل صرفها عنا حيث قال مناجياً ربه الجليل ومقسماً عليه بعزة أعظم أسمائه في ختام دعاء الحجب الشريف: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). ايها الاكارم، عرفنا في الحلقة السابقة معنى الضيق وأنه يعني حالة أشد العسر يكون فيها الانسان عاجزاً عن تلبية احتياجاته المادية والمعنوية بالمقدار الكافي، ومن مصاديقه المادية ضيق وضنك المعيشة وقد عرفنا من النصوص الشريفة سبل النجاة من هذا المصداق سواءً كان باختياره أو خارجاً عن إرادته وقد ذكرت النصوص الشريفة للضيق مصاديق أخرى منها في الجانب الاخلاقي حيث فسر بالبخل وعسر المعاملة مع الناس، والى هذا المصداق يشير مولانا الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده لمالك الاشتر (رضوان الله عليه) حيث يوصيه بأبعاد طوائف من الناس عن حاشيته معللاً ذلك ذلك بقوله: (فان في كثير منهم ضيقاً فاحشاً وشحاً قبيحاً). كما فسر (الضيق) أيضاً بسوء الخلق في التعامل مع الناس، وهذا المعنى يشير اليه الوصي المرتضى في عهده المذكور حيث يوصي صاحبه مالك الاشتر عليه الرحمة بقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: (ونح عنك الضيق والانف يبسط الله عليك بذلك أكناف رحمته ويوجب لك ثواب طاعته). ومعنى الضيق هنا هو سوء الخلق في معاملة الناس أو النجل عليهم والأنف يعني الاستكبار عليهم. ايها الافاضل، ومن مصاديق الضيق بمعنى البخل هو عدم أداء الحقوق الشرعية ومن آثاره السيئة الهم، روي في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) والكافي وغيرهما أن رجلا سأل الامام علي الرضا (عليه السلام) أن يأذن له في الامتناع عن دفع الخمس لموارده الواجبة، فكتب (عليه السلام) في جوابه يقول: (ان الله واسعٌ رحيمٌ ضمن على العمل الثواب، وعلى الضيق الهم، لا يحل مال من وجه احله الله). ويستفاد من هذا الحديث الشريف ان احد اسباب الضيق النفسي هو البخل خاصة في أداء ما أوجبه الله عزوجل. وعليه يكون العلاج للنجاة من مصاديق الضيق بهذا المعنى هو التزام عرى التقوى وأداء ما افترضه الله والاستعانة به عزوجل للتحرر من أسر كل ما يصد عن طاعته، وهذه من أهم القواعد التي تنجى من مختلف مصاديق الضيق المادية والمعنوية واليها يشير قوله عزوجل في الآيتين الثانية والثالثة من سورة الطلاق حيث يقول الله أصدق القائلين: «وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً». أيها الاخوة والاخوات، ان التقوى من شأنها ان تجعل ارتباط الانسان بالله تبارك وتعالى وثيقاً قوياً يفتح امامه ابواب الامل والرجاء والتوكل على الله عزوجل، فلا يسمح حينئذ لضيق المعيشة او المرض مثلاً ان يصيبه بسوء الخلق في التعامل مع الناس، فيمله حتى أهله، قال مولانا امير المؤمنين (عليه السلام) في المروي عنه في كتاب (عيون الحكم والمواعظ): (من ضاق خلقه مله أهله). كما أن التقوى والتوكل على الله عزوجل تقي الانسان من الانهيار في مواجهة الصعاب، قال امير المؤمنين (عليه السلام) ايضاً كما في ميزان الحكمة: (من ضاق صدره لم يصبر على أداء حق). وهذا المعنى يبينه العلامة المجلسي في كتابه القيم (مرآة العقول في شرح اخبار آل الرسول) حيث يقول رحمه الله: (فإن من ضاق صدره بالشيء كان ذلك داعياً له الى تركه وقد وردت الرواية الصحيحة انه لما نزلت هذه الآية - يعني الآية 125 من سورة الانعام- سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن شرح الصدر ما هو؟ فقال (صلى الله عليه وآله): نورٌ يقذفه الله في قلب المؤمن، فينشرح له صدره وينفسح. قالوا: فهل لذلك من أمارة - اي علامة- فيعرف بها؟ قال (صلى الله عليه وآله): نعم، الانابة الى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله). ويستفاد من هذه الرواية ان هذه الأمور الثلاثة هي من السبل العملية للنجاة من ضيق الصدر وهو أهم مصاديق الضيق المعنوي؛ والمزيد من بيانه يأتي بأذن الله في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة)، نشكر لكم طيب المتابعة، ولكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران خالص الدعوات، في أمان الله. شرح فقرة: "والضيق وفساد الضمير، ..." (1) - 67 2014-02-25 08:53:14 2014-02-25 08:53:14 http://arabic.irib.ir/programs/item/11070 http://arabic.irib.ir/programs/item/11070 بِسْمِ اللَّهِ وله الحمد خالصاً إذ شرح صدورنا بمعرفة ومحبته وسائل فيضه للخلائق أجمعين حبيبه المبعوث رحمة للعالمين محمد الأمين وآله الطيبين الطاهرين صلوات الله وتحياته وبركاته عليهم أجمعين. السلام عليكم إخوتنا وأخواتنا ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكم في حلقة جديدة من هذا البرنامج نخصصها للحديث عن العامل السابع عشر من العوامل التي تحرم الانسان من الحياة الطيبة وسعادة الدارين. وهي العوامل التي أمرنا حبيبنا المصطفى (صلى الله عليه وآله) بالتوجه الى الله طلباً لصرفها عنا كما جاء في المقطع الختامي من غرة الادعية النبوية وهو الدعاء الموسوم بدعاء الحجب الشريف حيث سأله (صلى الله عليه وآله) ربه الجليل بعزة أعظم أسمائه الحسنى قائلاً: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). أيها الافاضل، العامل السابع عشر من العوامل التي تسلب طيب الحياة في الجنيا والآخرة هو (الضيق)، فما هو معناه؟ وما هي مصاديقه التي يأمر نبي الرحمة (صلى الله عليه وآله) بأن نطلب من الله صرفها عنا وعن من يهمنا أمره وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ؟ ثم ما هي الأساليب والسبل العملية للتطهر من هذا العامل في مصاديقه التي هي بأختيار الإنسان؟ وما هي سبل النجاة من مصاديقه الخارجة عن اختياره؟ نبدأ - أيها الأحبة- بالسؤال الأول، فنرجع الى كتب اللغة، لنجدها تذكر الضيق ضداً للسعة، وهو يشمل المصاديق المادية - كالفقر المادي وضنك المعيشة- كما يشمل المصاديق المعنوية. والضيق أشد من العسر ودون الحرج، ويميزه عن العسر، أن العسر يكون في حالة أن ما لدى الانسان من احتياجاته المادية والمعنوية يكفيه ولكن بمشقة بالغة، أما الضيق فيكون في حالة أن ما لدى الانسان لا يلبي احتياجاته المادية والمعنوية حتى مع المشقة البالغة؛ ولذلك فان الضيق أشد تأثيراً في تنغيص معيشة الانسان المادية والمعنوية؛ وأشد منه الحرج الذي ينتج في حالة فقدان الانسان بالكامل لما يلبي احتياجه في الأمر الذي يصيبه الحرج فيه. روى الشيخ الصدوق في كتابه القيم (معاني الاخبار) بسنده عن مولانا الامام جعفر الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله عزوجل: «وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجاً» [الأنعام، 125]، قال (عليه السلام): (قد يكون ضيقاً وله منفذ يسمع منه ويبصر، والحرج هو الملتئم الذي لا منفذ له يسمع به ولا يبصر منه)، يعني يدرك في حالة الحرج حاجته ولكن لا يستطيع أن يلبيها. أيها الاخوة والاخوات، وبعد معرفة معنى (الضيق) يمكننا ان نعرف مصاديقه المادية والمعنوية، وقد أشار الى كليهما القرآن الكريم والأحاديث الشريفة مع التأكيد على المصاديق المعنوية. فمن مصاديقه المادية الواضحة مثلاً الفقر وعدم تيسر الاحتياجات المادية بالمقدار الكافي الذي يدفع المشقة: وقد هدتنا النصوص الشريفة الى سبل النجاة منة مثل: حسن التدبير في الاستفادة من الامكانات المادية وهو المعبر عنه في الاحاديث الشريفة (بتقدير المعيشة) وكذلك اجتناب الاسراف والتبذير وصرف الأموال فيما لا فائدة منه ونظائر ذلك. كما أن من سبل النجاة من ضيق المعيشة العمل بالأمور التي ذكرت النصوص الشريفة أنها من أسباب توسعة الرزق مثل المتاجرة مع الله بالصدقات وهذا ما يشير اليه قول مولانا أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): (إذا أملقتم - أي افتقرتم- فتاجروا الله بالصدقة) كما في حكم نهج البلاغة. ومن هذه السبل صلة الأرحام والبر بالوالدين ونظائرهما من أعمال الخير وكلها أسباب لزيادة الرزق. كما أن من السبل العملية للنجاة من ضيق المعيشة اجتناب العوامل المسببة له التي هي بأختيار الانسان نفسه، مثل الكسل عن طلب الرزق والإتكال على الأماني وعدم التوجه الى الله عزوجل لصرف هذه المصاديق للضيق المعيشي. أما الضيق المعيشي الذي يكون خارجاً عن إرادة الانسان كالأبتلاء الذي يربي به الله عزوجل عباده فسبل النجاة منه تكون بالصبر عليه احتساباً للأجر والإستغفار لأنه من أهم عوامل دفع الضيق بمختلف مصاديقه وخاصة المادية كما يشير لذلك ما حكاه الله عزوجل في الآيات (9 الى 12) من سورة نوح من قول هذا النبي المبارك (عليه السلام): «ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً، فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً، يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً». وواضحٌ من هذه الآيات الكريمه أن هذه التوسعه المادية هي في الحياة الدنيا كثمرة للإستغفار من الغفار الرحيم تبارك وتعالى رب العالمين. مستمعينا الافاضل، وللضيق الذي يأمرنا نبينا الاكرم (صلى الله عليه وآله) في دعاء الحجب الشريف ان نطلب من الله صرفه عنا وعن جميع المؤمنين مصاديق أخرى نتناولها بأذن الله في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمه)، شكراً لكم على طيب الاستماع ولكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران خالص الدعوات، دمتم في أمان الله. شرح فقرة: "والغضب والعسر، ..." (7) - 66 2014-02-24 08:39:23 2014-02-24 08:39:23 http://arabic.irib.ir/programs/item/11069 http://arabic.irib.ir/programs/item/11069 بِسْمِ اللَّهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ الذي أراد بعباده اليسر ولم يرد بهم العسر، والصلاة والسلام على ينابيع رحمته الذين هدوا عباده الى شريعته السمحاء سيد الأنبياء وآله الأصفياء. السلام عليكم مستمعينا الأطياب، طابت أوقاتكم بكل ما تحبونه مما يرضاه الله أهلاً بكم في لقاء جديد من هذا البرنامج نتعرف فيه على المعنى الثاني من معاني العسر الذي أمرنا حبيبنا الهادي المختار (صلوات ربي عليه وآله الأطهار) بأن نستعيذ بالله عزوجل منه لأنه من العوامل التي توقع الانسان في شقاء الدنيا والآخرة؛ كما يشير لذلك المقطع الختامي من دعاء الحجب المبارك، نتبرك أولاً بتلاوته إقتداءً بالحبيب المصطفى وهو ناجى ربه الجليل مقسماً عليه بأعز أسمائه الحسنى قائلاً: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). أيها الافاضل، عرفنا في الحلقة السابقة ان المعنى الأول للعسر الذي نطلب من الله عزوجل أن يصرفه عنا وعن من يهمنا أمره وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ هو الضيق والشدة والصعوبات الناتجة من الذنوب والمعاصي وسوء العمل بالاحكام الشرعية بسبب أخذها من غير باب مدينة العلم المحمدية وهم الأئمة المضلون الذين يحرفون الاحكام بما تجلب الانسان العسر بدلاً من اليسر الذي يريده الله لعباده. أما المعنى الثاني للعسر فهو يرتبط بتعامل الانسان مع عباد الله عزوجل ويكون مصداقه التعامل بشدة بعيداً عن التسامح مع الناس. ولهذا الخلق آثارٌ سيئة فهو يؤدي الى الإبتعاد عن أصل الفضل وأصل الإحسان في التعامل مع الناس، وهما الأصلان الرئيسان اللذان امر بهما القرآن الكريم واعتبرهما ركنا التعامل فيما بين المؤمنين. قال عز من قائل في الآية 237 من سورة البقرة: «وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ»، وقال في الآية 22 من سورة النور: «وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ». وقال تبارك وتعالى في الآية التسعين من سورة النحل: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ». من هنا فقد صرحت الاحاديث الشريفة بأن العسر بمعنى الشدة في التعامل مع خلق الله ليس من أخلاق الايمان ولا تجتمع معه، روي في كتاب المحاسن عن امامنا جعفر الصادق (عليه السلام) قال: (ستة لا تكون في مؤمن: العسر والنكد واللجاجة والكذب والحسد والبغي)، ومعنى العسر هنا هو الشدة في التعامل مع الناس، أما النكد فهو العسر مقرون بالخشونة في التعامل. وهذا من أخلاق اللؤماء وهو سبب لفساد الأخلاق ونفرة الناس عن صاحبه وابتعادهم عنه، فقد جاء في كتاب (عيون الحكم للواسطي) عن الامام علي (عليه السلام) قال: (العسر لؤمٌ ... يشين الأخلاق ويوحش الرفاق) ، وقال: (العسر شؤم يفسد الأخلاق). وواضحٌ ان مثل هذا الخلق ينغص على الناس الحياة الطيبة ولذلك يهدينا الهادي المختار (صلى الله عليه وآله الاطهار) الى الطلب من الله والاستعانة به عزوجل للتطهر منه ويكون ذلك بالتدبر في آثاره السيئة وترويض النفس على اجتنابه والتحلي بأصلي الفضل والإحسان في التعامل مع الناس والتزام عرى العفو والتسامح والرفق واللين في معاملة الآخرين. أيها الأخوة والأخوات، ويستفاد من النصوص الشريفة معنى ثالث للعسر الذي ينبغي الاستعاذة بالله عزوجل للنجاة منه، وهو ما يصدق على انواع البلاء التي تسبب للإنسان الضيق والشدة كالمرض والفقر وما يمنع من أداء الفرائض والعبادة وأداء حقوق الآخرين، وهذا المعنى هو المشار اليه في قوله عزوجل: «إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً». وواجب المؤمن في هذا النوع من العسر هو الصبر والرضا مع طلب أن يصرفه الله عنه، فقد روي في كتاب تحف العقول عن مولى الموحدين الامام علي (عليه السلام) قال: (حق الله في العسر الرضا والصبر وحقه في اليسر الحمد والشكر). والى جانب ذلك علمنا أئمة العترة المحمدية )عليهم السلام( أن نتوسل الى الله عزوجل لصرف هذا النوع من العسر ومن هذه الوسائل الصلاة المعروفة بصلاة العسر المنقولة في كتاب (مكارم الاخلاق) للشيخ الطبرسي عن مولانا الامام الصادق (عليه السلام) وهي من العبادات المجرية في سرعة دفعها للعسر، جاء في كيفية هذه الصلاة كما في كتاب (مكارم الاخلاق)، قال: عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) قال: إذا عسر عليك أمرٌ فصل عند الزوال ركعتين تقرأ في الأولى فاتحة الكتاب وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وإِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِيناً، الى قوله عزوجل: وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً، وفي الثانيه فاتحة الكتاب وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وأَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ)، قال الطبرسي: وقد جرب، يعني في تحقق آثار هذه الصلاة المباركة. نشكر لكم مستمعينا الأطياب طيب الاستماع لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمه) قد مناه لكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران دمتم بأطيب الأوقات وفي أمان الله. شرح فقرة: "والغضب والعسر، ..." (6) - 65 2014-02-23 09:52:54 2014-02-23 09:52:54 http://arabic.irib.ir/programs/item/11068 http://arabic.irib.ir/programs/item/11068 وله الحمد على هدايته لأعلام صراطه المستقيم حبيبه المبعوث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين صلواته وبركاته وتحياته عليهم أجمعين السلام عليكم مستمعينا الافاضل ورحمة الله وبركاته لكم منا أطيب تحية نهديها في مطلع لقاء اليوم في رحاب أدعية أهل بيت الرحمة المحمدية (عليهم السلام) ومنها دعاء الحجب الشريف الذي هدانا الى التوجه به الى الله عزوجل حبيبنا المصطفى (صلى الله عليه وآله)، نتابع التدبر في مقطعه الختامي الذي يعرفنا بالعوامل التي تحرم الانسان من الحياة الطيبة حيث نقسم على الله بعزة أعز أسمائه ان يصرفها عنا فنقتدي بسيد الرسل (صلى الله عليه وآله) وهو يخاطب ربه الجليل قائلاً: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). إنتهى بنا الحديث –أيها الاخوة والاخوات- الى العامل السادس عشر من العوامل السالبة للحياة الطيبة وهو عامل العسر، فما هو معناه؟ وكيف نتطهر منه؟ المستفاد مما ورد في كتب اللغة - كما جاء في كتاب (التحقيق في كلمات القرآن الكريم- أن العسر هو ما يقابل اليسر، مشتملاً على الصعوبة والشدة والضيق سواءً كانت مصاديقها مادية أو معنوية، فالفقر مثلاً يكون عسراً اذا اقترن بالصعوبة والضيق وقد يكون الغنى عسراً إذا اقترن بالضيق والمشقة. وقد صرحت النصوص الشريفة بأن الاحكام الشرعية تنصب في تحقيق اليسر للانسان وابعاد العسر عنه، قال الله تبارك وتعالى في الآية 185 بعد ذكر وجوب صوم شهر رمضان: «وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ». وقال عز من قائل في الآية السابعة من سورة الطلاق: «لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً». كما أمر عزوجل عباده المؤمنين بأنظار المدين المعسر أي غير القادر على أداء دينه وحرّم التشديد عليه في ذلك الى أن يتيسر عليه قضاء دينه وإضافة لذلك فان جميع الاحكام الشرعية تهدف الى ابعاد العسر عن حياة الانسان في الآخرين كما تصرح بذلك كثيرٌ من الآيات الكريمة المتحدثة عن العسر الذي يواجه مستقبل الكافرين في الحياة الآخرة أعاذنا الله واياكم من ذلك. ايها الاكارم، وعلى ضوء هذا المعنى من معاني (العسر) يتضح لنا مستمعينا الافاضل ان مصداق التطهر من العسر بهذا المعنى هو اجتناب مخالفة الاحكام الشرعية والقيم الالهية والاستعانة بالله عزوجل للإلتزام بأوامره والتورع عن المعاصي وجميع اشكال الذنوب ومراتبها. والى هذا المعنى يشير مولانا الامام علي (عليه السلام) في مقدمة الدعاء العظيم المشهور بأسم راويه كميل بن زياد (رضوان الله عليه) وهو يستغفر من انواع الذنوب مبيناً آثارها في ايقاع الانسان في مشاق العسر، ويشير اليه كذلك في الفقرة (57) من الاستغفارات السبعين في دعائه المبارك في طلب المغفرة المنقول في الصحيفة العلويه حيث يقول )صلوات الله عليه(: (اللهم وأستغفرك لكل ذنب يدعو الى الكفر ويطيل الفكر ويورث الفقر ويجلب العسر، فصل على محمد وآل محمد وإغفرلي يا أرحم الراحمين). أيها الأخوة والأخوات، وكمال التطهر من العسر بمعنى الالتزام بالقيم الالهية والاحكام الشرعية انما يتحقق بأخذها من منابعها النقية، إذ ان من المشهود أن أدعياء المعرفة لدين الحق يقدمون للناس نسخاً محرفة للأحكام الشرعية تسبب لهم العسر بدلاً من اليسر. وهذا مستمعينا الافاضل ما روي عن الامام الباقر (عليه السلام) في عدد من مصادرنا المعتبرة مثل تفسير العياشي وتفسير فرات الكوفي والمناقب وكتاب المحاسن وغيرها فقد قال (عليه السلام) في تفسير قوله عزوجل: «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ»، قال: (اليسر الولاية، والعسر الخلاف وموالاه أعداء الله). وقال (عليه السلام) في رواية تفسير العياشي: (اليسر عليٌ (عليه السلام) وفلان وفلان هم العسر، فمن كان من ولد آدم لم يدخل في ولاية فلان وفلان)، والمقصود بفلان وفلان أئمة الضلالة، ومعنى (من كان من ولد آدم) هو من التزم بنهج الأنبياء (عليهم السلام)، ومثل هذا لا يأخذ دينه الا من أولياء الله الصادقين وهم (صلوات الله عليهم) الورثة الحقيقيين للأنبياء. أيها الأطائب، إذن نخلص الى أن المصداق الأول للتظهر من عامل (العسر) الذي ينغص الحياة الطيبة هو الأخذ للدين الحق من ينابيعه النقية واجتناب الائمة المضلين ممن لم يأمر الله بطاعتهم، ثم العمل بذلك وإجتناب أي نقض له. وللعسر معنى ثان ورد ذكره في النصوص الشريفة نتناوله بأذن الله في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة). نشكر لكم طيب الأصغاء ولكم دوماً من إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران خالص الدعوات، في أمان الله. شرح فقرة: "والغضب والعسر، ..." (5) - 64 2014-02-22 09:05:27 2014-02-22 09:05:27 http://arabic.irib.ir/programs/item/11067 http://arabic.irib.ir/programs/item/11067 بِسْمِ اللَّهِ وله الحمد على توفيق التمسك بثقلي هدايته ونبعي رحمته كتابه النازل بالأمن والسلام وأهل بيت نبيه المبعوث رحمة للأنام محمد المختار صلى الله عليه وآله الأطهار. السلام عليكم أيها الاحبة، معكم في حلقة أخرى من هذا البرنامج نستكمل فيها بعون الله الحديث عما هدتنا اليه النصوص الشريفة من سبل ضبط الغضب في اطار الحق ورضا الله تبارك وتعالى، بعد أن علمنا أن الانسياق للغضب من العوامل التي تستجلب الغضب الالهي وتحرم الانسان من سعادة الدارين، كما اشار لذلك حبيبنا النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله) في المقطع الختامي من دعاء الحجب الشريف، وهو: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). ايها الاطائب، من اهم العوامل لمعالجة الغضب وضبطه هو ذكر الله عزوجل والاستغفار عند تأجج ناره، فقد روي في كتاب الكافي وغيره عن الامام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال: (إن في التوراة مكتوباً: يا ابن آدم إذكرني حين تغضب أذكرك عند غضبي فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظلمت بمظلمة فأرض بأنتصاري لك، فإن انتصاري لك خبرٌ من انتصارك لنفسك). ويمكن ذكر الله بأي ما يحضر الانسان في تلك الحالة من عبارات الاستغفار أو لا حول ولا قوة الا بالله او الدعاء بصرف العواقب السيئة للغضب، وأفضلها ان يدعو بما روي لتلك الحالة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو ان يقول: (اللهم رب النبي محمد إغفرلي ذنبي وأذهب غيظ قلبي وأجرني من مضلات الفتن). او ان يكرر هذا المقطع من دعاء الامام السجاد في الاستعاذة من المكاره وسئ الاخلاق ومذام الفعال وهو قوله (عليه السلام): (اللهم اني اعوذ بك من هيجان الحرص وسورة الغضب). كما ان الاستعاذة بالله من شر الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ من العوامل المؤثرة في ضبط الغضب، ففي البحار ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر بان يقال عند الغضب: «اعوذ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ». وقد روي في كتاب الخصال عن الامام الباقر (عليه السلام) ان الشيطان أقرب ما يكون من العبد في حالات ثلاث احداهن اذا غضب، وقد نقلنا في الحلقات السابقة قول أمير المؤمنين (عليه السلام): (واحذر الغضب، فانه جندٌ عظيمٌ من جنود إبليس). أيها الاخوة والاخوات، كما ان من العوامل المؤثرة في السيطرة على الغضب هو أن يغير الانسان حالته التي هو عليها عند الغضب كان يجلس اذا كان قائماً او يضطجع اذا كان جالساً او يقوم، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)؛ كما في البحار: (ان الغضب جمرة تتوقد في قلب ابن آدم ... فإن وجد أحدكم من ذلك شيئاً فان كان قائماً فليجلس وان كان جالساً فلينم). واذا الغضب من ذي رحم دنا منه ومسه لأن الرحم تبرد الغضب كما ورد في حديث نقلناه في حلقة سابقة عن الامام الباقر (عليه السلام): ومن هذه الوسائل أيضاً التزام الصمت عن غير ذكر الله عند الغضب، فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه قال: (اذا غضبت فأسكت)، ومنها المبادرة الى الوضوء أو غسل الوجه واليدين بالماء، فقد روي في الحديث عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (إذا غضب أحدكم فليتوضا وليغتسل فإن الغضب من النار)، وقال: (ان الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وانما يطفئ النار الماء، فاذا غضب أحدكم فليتوضأ). ومن المفيد أيضاً شرب الماء فهو يسكن الغضب، فقد روي في كتاب المحاسن والكافي عن أبي الحسن الكاظم (عليه السلام) قال: (وما بأسٌ بالماء؟ وهو يدير الطعام في المعدة ويسكن الغضب ويزيد في اللب ويطفئ المرار). كما ان من الامور المهمة للسيطرة على الغضب الامتناع عن فعل شيء إلا بعد أن تسكن حالة الغضب حتى لو كان بنية التأديب، فقد روي في كتاب المحاسن (أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن الأدب - أي التأديب- عند الغضب). ولعل السر في ذلك هو تحري مزيد الاحتياط لكي لا يتجاوز المؤدب حد التأديب المشروع واللازم تأثراً بمشاعر الغضب؛ ولذلك اهتم أئمة العترة المحمدية بتنبيه المؤمنين الى هذا الامر في كثير من مفردات سيرتهم، فمثلاً نلاحظ ان الامام زين العابدين (عليه السلام) ورغم كونه معصوماً لا يتجاوز حدود التأديب الشرعية ولا يكون تأديبه لأحد الا ابتغاء مرضاة الله، الا انه نجد يتخذ موقفاً تعليمياً عظيماً في الدعوة للاحتياط عن التأديب اثناء الغضب لان الآخرين لا يطيقون ما يطيقه في التزام حدود الشرع في التأديب اثناء الغضب، وهذا ما نلمحه فيما روي في أصل جعفر بن محمد الحضرمي عن جابر الجعفي قال: (ان علي بن الحسين (عليه السلام) استأجر أجيراً فوجد عليه في شيء - أي صدر من الأجير عملٌ قبيحٌ أثار غضبه- فضربه، فلما سكن عنه الغضب أتاه فقال له: اضربني، فابي عليه - أي ان الاجير أبى ان يضربه اقراراً منه بأنه كان مستحقاً لذلك التأديب-، فأفتدى (عليه السلام) منه ضربه بأربعين ديناراً)، اي اعطاه اربعين ديناراً عوضاً عن تلك الضربة التأديبية لانها صدرت في حال الغضب، وقد فعل (عليه السلام) ذلك لكي يتأسى به الأخرون فيمتنعون عن التأديب في حال الغضب. كما أن استذكار الوصايا النبوية من العوامل المهمة لضبط الغضب، فقد روي في كتاب الكافي عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: قال رجل للنبي (صلى الله عليه وآله): يا رسول الله علمني. قال: إذهب ولا تغضب. فقال الرجل: قد اكتفيت بذلك، فمضى الى أهله فإذا بين قومه حربٌ قد قاموا صفوفاً ولبسوا السلاح، فلما رأى ذلك لبس سلاحه، ثم قام معهم، ثم ذكر قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تغضب، فرمى السلاح ثم جاء يمشي الى القوم الذين هم عدو قومه، فقال: يا هؤلاء، ما كانت لكم من جراحة او قتل او ضرب ليس فيه أثرٌ فعلي في مالي، انا أو فيكموه. فقال القوم: فما كان فهو لكم، نحن أولى بذلك منكم. قال الصادق (عليه السلام): فإصطلح القوم، وذهب الغضب. شكراً لكم أيها الاطائب على طيب الاستماع لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) قدمناها لكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، الى لقائنا المقبل دمتم بكل خير. شرح فقرة: "والغضب والعسر، ..." (4) - 63 2014-02-19 09:44:37 2014-02-19 09:44:37 http://arabic.irib.ir/programs/item/11047 http://arabic.irib.ir/programs/item/11047 بِسْمِ اللَّهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ الذي جعلنا من أمة أبواب رحمته للعالمين حبيبه المصطفى الأمين وآله الطيبين الطاهرين صلواته وتحياته وبركاته عليهم أجمعين. سلامٌ من الله عليكم ايها الاخوة والاخوات ورحمة منه وبركات، أهلاً بكم في حلقة اليوم من برنامجكم هذا، نتابع فيها بعون الله الاستنارة بالنصوص الشريفة التي تهدينا الى سبل النجاة من أضرار الغضب وهو العامل الخامس عشر من العوامل التي تسلب الانسان الحياة الطيبة وترديه في ظلمات الشقاء طبق ماهدانا اليه الهادي المختار (صلى الله عليه وآله الأطهار) في المقطع الختامي من دعاء الحجب الشريف حيث قال: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). أيها الافاضل عرفنا في الحلقة السابقة ان التفكر في أضرار الاستسلام للغضب واستذكارها من العوامل المهمة المعينة في النجاة منها، وفي المقابل فان من هذه العوامل التفكر في ثمار وبركات ضبط الغضب وعدم السماح له بأمتلاك زمام النفس. وهذا ما هدتنا اليه كثيرٌ من النصوص الشريفة، منها التأكيدات القرآنية على ان ذلك من صفات احباء الله الذين خصهم بما هو خيرٌ وابقى، كما يشير لذلك قوله تبارك وتعالى في الآيتين 36 و37 من سورة الشورى: «فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ». وروي في تفسير علي بن ابراهيم (رضوان الله عليه) عن الامام الباقر (عليه السلام) في بيان قوله عزوجل: «وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ»، قال: (من كظم غيضاً وهو يقدر على امضائه حشا الله قلبه أمنا وايماناً يوم القيامة ... ومن ملك نفسه اذا رغب واذا رهب واذا غضب حرم الله جسده على النار). وقال (عليه السلام) كما في الكافي: (الندامة على العفو افضل وايسر من الندامة على العقوبة). وعن الامام الصادق (عليه السلام) قال: (من كظم غيضاً ولو شاء ان يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضاه). وفي الكافي أيضاً عن الباقر (عليه السلام) قال: (كان [ابي] علي بن الحسين يقول: إنه ليعجبني الرجل أن يدركه حلمه عند غضبه). وقال الامام زين العابدين (عليه السلام) أيضاً: (من أحب السبل الى الله عزوجل جرعتان جرعة غيظ تردها بحلم وجرعة مصيبة تردها بصبر). إذن فمن أهم بركات ضبط الغضب وعدم الاستسلام له هو الفوز بحب الله عزوجل والدخول في رفقة احبائه إذ ان ذلك من علامات استكمال الايمان كما يصرح بذلك حبيبنا المصطفى في الحديث المروي عنه في كتب المحاسن والكافي والخصال أنه (صلى الله عليه وآله) قال: (ثلاث خصال من كن فيه يستكمل خصال الايمان، الذي اذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، واذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، واذا قدر لم يتعاط ما ليس له). وباستكمال الايمان يحظى المالك لنفسه عند الغضب بقرب الله عزوجل وهذا من عظيم بركات السيطرة على الغضب، روي في كتاب الامالي للصدوق والكافي وغيرهما عن مولانا الامام جعفر الصادق (عليه السلام) قال: (ثلاثة هم أقرب الخلق الى الله عزوجل يوم القيامة حتى يفرغ من الحساب: رجل لم تدعه قدرته في حال غضبه الى أن يحيف على من تحت يده، ورجلٌ مشى بين إثنين فلم يمل مع احدهما على الآخر بشعيرة، ورجلٌ قال الحق فيما عليه وله). كما أن من بركات السيطرة على الغضب الفوز بولاية الله اي قربه ونصرته، فقد روي في الكافي عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: (أوحى الله عزوجل الى بعض أنبيائه: يا أبن آدم، إذكرني في غضبك أذكرك في غضبي، لا أمحقك فيمن أمحق وأرض بي منتصراً فإن انتصاري لك خيرٌ من انتصارك لنفسك). ايها الاخوة والاخوات، وتهدينا النصوص الشريفة الى أن من بركات ضبط الغضب ستر النفس من المعائب التي تظهرها الاعمال غير المناسبة لمن انساق لغضبه وهذا ما يشير اليه امامنا الصادق (عليه السلام) في قوله المروي في الكافي: (من كف غضبه ستر الله عورته). أي معايبه، وفي ذلك اشارة الى ان كف الغضب وسيلة لاصلاح النفس وتهذيبها؛ كما ان في ذلك تقوية للنفس المطمئنة والقوة العاقلة، فضبط الغضب هو وسائل قوة الشخصية، روي في كتاب تحف العقول عن النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) انه قال: (إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)، وجاء في حديث آخر انه (صلى الله عليه وآله) خرج يوماً فرأى جماعة يدحون صخرة كبيرة فقال: (أشدكم من ملك نفسه عند الغضب وأحملكم من عفا بعد المقدرة). ولذلك فقد قال الامام محمد الباقر (عليه السلام) في وصية للعبد الصالح جابر الجعفي المنقولة في كتاب (تحف العقول): (ولا جهاد كمجاهدة الهوى ولا قوة كرد الغضب). وفي غرر الحكم قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (أقوى الناس من قوي على غضبه بحلمه). مستمعينا الاطائب، واضافة لكل ما تقدم فقد هدتنا النصوص الشريفة الى وسائل أخرى يستعان بها للسيطرة على الغضب ودرء اضراره والفوز ببركاته، وهذا ما سنتطرق اليه ان شاء الله في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) لكم جزيل الشكر على طيب المتابعة ولكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران خالص الدعوات، دمتم في أمان الله. شرح فقرة: "والغضب والعسر، ..." (3) - 62 2014-02-18 08:27:48 2014-02-18 08:27:48 http://arabic.irib.ir/programs/item/11046 http://arabic.irib.ir/programs/item/11046 بِسْمِ اللَّهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ الذي هدانا للتمسك بعرى نبعي رحمته وثقلي هدايته وحكمته كتابه العزيز وأهل بيت نبيه المبعوث رحمة للعالمين المصطفى الأمين (صلى الله عليه وآله) الطيبين الطاهرين. سلامٌ من الله عليكم احبتنا المستمعين ورحمة منه وبركات. على بركة الله نلتقيكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج نتابع فيها الحديث عن سبل معالجة (الغضب) وهو العامل الخامس عشر من العوامل التي تسلب الانسان السعادة والتي هدانا حبيبنا الهادي المختار صلوات ربي عليه وآله الاطهار الى الاستعاذة بالله عزوجل منها، حيث قال في المطقع الختامي من دعاء الحجب الشريف: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). أيها الاكارم، إن من اساليب معالجة الغضب والنجاة من أضراره المدمرة للحياة الطيبة هو التفكر في النصوص الشريفة التي حذرت منه وبينت مضاره وأسبابه وعلله وسبل ضبطه وعدم الانسياق له. وقد فصلت الحديث عن ذلك كثيرٌ من النصوص الشريفة استنرنا بطائفة منها في حلقات سابقة ونتابع الاستنارة بطائفة اخرى في هذا اللقاء، ونبدأ بما روي في كتاب الخصال عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليعوذ في كل يوم من ست خصال: من الشك والشرك، والحمية والغضب، والبغي والحسد). وفي ذلك اشارة الى لزوم الاستعانة بالله عزوجل من أهم سبل النجاة من الغضب، ولذلك ينبغي التأسي في ذلك برسول الله وهو (صلى الله عليه وآله) الأسوة الحسنة بمصداقها الأكمل، فلا يغفل المؤمن عن الاستعاذة بالله عزوجل كل يوم من ان يتملكه الغضب، لان ذلك يخرج من صدق التشيع لمحمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، كما يصرح بذلك مولانا الامام الصادق (عليه السلام) في الحديث المروي عنه في كتاب (تحف العقول) أنه قال: (يا شيعة آل محمد (صلى الله عليه وآله)، ليس منا من لم يملك نفسه عند الغضب). أيها الاحبة، كما إن من وسائل النجاة من الغضب استذكار خطره العظيم في سلب الانسان عقله وبالتالي ايقاعه في موبقات تذهب ببهائه وكرامته، فقد روي في كتاب الخصال عن امامنا الرضا (عليه السلام) انه قال ضمن حديث طويل: (ان العبد اذا غضب لم ير نفسه وجهل قدره من عظم الغضب). وفي تحف العقول عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: ( الغضب ممحقة لقلب الحكيم ومن لم يملك غضبه لم يملك عقله). وفي كنز الفوائد عن امير المؤمنين علي (عليه السلام) قال: (شدة الغضب تغير المنطق)؛ وقال (عليه السلام) أيضاً: (لا نصب أوجع من الغضب)، يعني ان النصب والتعب الذي يسببه للانسان انسياقه واستسلامه للغضب هو أشد أنواع التعب، لانه تعب للقيام بفعال لا فائدة منها أصلاً تثمر الندامة وتستتبع الوقوع في موبقات تستجلب غضب الله جل جلاله؛ وهذا ما يشير اليه الحديث المروي في كتاب الخصال عن امامنا جعفر الصادق )عليه السلام( قال: (قال الحواريون لعيسى بن مريم: يا معلم الخير، أعلمنا اي الاشياء أشد؟ فقال: أشد الأشياء غضب الله عزوجل. قالوا: فبم يتقى غضب الله؟ قال: بأن لا تغضبوا. قالوا: وما بدء الغضب؟ قال: الكبر والتجبر ومحقرة الناس). وروي في الكافي عن الامام الباقر (عليه السلام) قال: (مكتوب في التوراة فيما ناجى الله عزوجل به موسى (عليه السلام): يا موسى أمسك غضبك عمن ملكتك عليه اكف عنك غضبي). ونلاحظ فيما نقله الامام الصادق (عليه السلام) من حوار الحواريين مع روح الله عيسى المسيح (عليه السلام) التصريح بان من اهم اسباب وعلل تأجج الغضب هي ثلاثة من الامراض النفسية المدمرة هي: الكبر والتجبر واحتقار الآخرين والتعالي عليهم، وهذه الامراض النفسية هي التي أدت الى تمرد الشيطان اللعين على امر الله عزوجل وبالتالي طرده عن الرحمة الالهية. وهذا المعنى يفيدنا ان في ضبط الغضب وعدم الاستسلام له خطوة على طريق تطهير النفس وتزكيتها من هذه الامراض الثلاثة التي تذهب بروح الايمان وتحوّل الانسان الى ان يكون من جنود ابليس اللعين. وفي المقابل فان الاستسلام للغضب والانسياق لما يدعو له من الانتقام يؤدي الى استفحال هذه الامراض المدمرة في قلب الانسان وبالتالي سيطرتها عليه، وإيقاعها له في بحر الجهالات والضلالات. ولذلك نلاحظ ان مولانا الامام الصادق (عليه السلام) قد عدّ (الغضب) من جنود الجهل والشيطان في مقابل جنود العقل والرحمان كما ورد في الحديث المعروف بحديث جنود العقل والجهل المروي في الكافي وغيره حيث قال ضمن تعداده لجنود العقل: (والرحمة وضدها الغضب)؛ كما نقرأ في كتاب الإمام علي )عليه السلام( لسهل بن حنيف في نهج البلاغة قوله محذراً: (وأحذر الغضب فإنه جندٌ عظيمٌ من جنود ابليس). مستمعينا الأطائب، في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) نتناول بأذن الله الأحاديث المبينة لسبل معالجة الغضب من خلال التفكر في ثمار وبركات ضبط الغضب، فكونوا معنا فيها مشكورين ولكم دوما خالص الدعوات من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، دمتم في امان الله. شرح فقرة: "والغضب والعسر، ..." (2) - 61 2014-02-17 09:06:49 2014-02-17 09:06:49 http://arabic.irib.ir/programs/item/11045 http://arabic.irib.ir/programs/item/11045 بِسْمِ اللَّهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ المتحبب لخلقه بأحسانه، والصلاة والسلام على المبعوث برحمته لخلقه محمد المصطفى وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم احباءنا المستمعين ورحمة الله وبركاته، معكم في لقاء آخر من هذا البرنامج نتابع فيه الحديث عن (الغضب) وهو العامل الخامس عشر من العوامل التي أمرنا حبيبنا الهادي المختار (صلى الله عليه وآله) بالاستعاذة بالله منها لأنها تسلبنا سعادة الدين حيث قال في المقطع الختامي من دعاء الحجب الشريف: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). عرفنا في الحلقة السابقة مستمعينا الاطائب معنى الغضب وكونه يعني حالة نفسية تحرك النفس باتجاه استعمال الشدة والقوة والإيذاء قبال شيء الآخر، وهو ممدوح اذا كان لله عزوجل وفي الحق واذا اوحد الحزم والحسم في مواجهة الباطل مهما اشتد. في حين ان الغضب مذمومٌ هو ما يؤدي الى الخروج عن الاعتدال في التعقل والسكون فيوقع الانسان فيما لا يحمد عقباه، وضده في الاخلاق الحلم عند هيجان النفس. كما عرفنا من القرآن الكريم ان الغضب اذا لم يضبط في دائرة الحق جر الانسان الى الباطل وأعماه عن الحق. من هنا فلابد من اجتنابه والاستعانة بالله عزوجل والطلب من الله عزوجل ان يصرفه عنا كما يعلمنا ذلك نبي الرحمة (صلى الله عليه وآله) في دعاء الحجب الشريف. ومن الوسائل المهمة لاجتناب الغضب التفكر في اضراره وآثاره السيئة في سلب الانسان الحياة الطيبة وايقاعه في الشقاء، وقد اعانتنا احاديث اهل بيت الرحمة المحمدية (عليهم السلام) في ذلك ببيان هذه الاضرار؛ وهذا ما نتناوله في هذا اللقاء، ونبدأ بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما في الكافي: (الغضب يفسد الايمان كما يفسد الخل العسل)، وجاء في رواية ثانيه: كما يفسد الصبر - وهو النبات المر- العسل، أي ان الغضب يذهب بحلاوة الايمان. وعن الامام الصادق (عليه السلام) قال: (الغضب مفتاح كل شر). وعن الامام الباقر (عليه السلام) قال: (اي شيء أشد من الغضب؟ ان الرجل ليغضب فيقتل النفس التي حرم الله ويقذف المحصنة). وروي في كتاب الزهد للحسين بن سعيد الاهوازي عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: (ان ابليس كان مع الملائكة وكانت الملائكة تحسبه منهم وكان في علم الله انه ليس منهم، فلما أمر بالسجود لآدم (عليه السلام) حمي وغضب فاخرج الله ما كان في نفسه بالحمية والغضب). وكما تلاحظون - مستمعينا الافاضل- فان الاحاديث الشريفة تصرح بان الغضب خاصة اذا كان للنفس يذهب بالايمان ويفسده اي يبعد الانسان عن الحق وعن الله عزوجل ويوقعه في الموبقات، وهو الذي اوقع الشيطان في خطيئته الكبرى الذي أبعدته عن الرحمة الالهية، ولذلك فهو من اهم حبائله لابعاد الناس عن الله وسعادة قربه، فقد روي في كتاب جامع الاخبار عن النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) قال: (الغضب جمرة من الشيطان)، وفيه أيضاً: قال ابليس عليه اللعنة: الغضب رهقي ومصيادي وبه أصد خيار الخلق عن الجنة. وهذا يعني ان الانسان اذا لم يسيطر على غضبه وقع فريسة للشيطان وصار من جنده، فيرتكب الموبقات ويبوء بسخط الله عزوجل، روي في الكافي عن مولانا الامام الباقر (عليه السلام) قال: (ان هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم، وان احدكم اذا غضب احمرت عيناه وانتفخت اوداجه ودخل الشيطان فيه، فاذا خاف احدكم ذلك من نفسه فليلزم الارض فان رجز الشيطان ليذهب عنه عند ذلك). وقال )عليه السلام( ايضاً في حديث آخر مشيراً الى أثر الغضب في استجلاب السخط الالهي والوقوع في نار الدنيا والآخرة: (ان الرجل ليغضب فما يرضى ابداً حتى يدخل النار، فأيما رجلٌ غضب على قوم وهو قائم فليجلس من فوره ذلك، فانه سيذهب عنه رجز الشيطان، وايما رجلٌ غضب على ذي رحم فليدن منه فليمسه فان الرحم اذا مست سكنت). وفي الاحاديث المتقدمة –خاصة حديثي الامام الباقر (عليه السلام) اشارات الى حقائق مهمة في بيان اخطار الاستسلام للغضب، منها ان عدم ضبط الانسان لمشاعر الغضب والسعي للتنفيس غير المشروع عنها يوقعه في دوامة استمرار الغضب لعدم اقتناع النفس والشيطان بكل ما يقوم به، بمعنى ان الاستجابة لنار الغضب يزيد من اشتعالها، وكذلك لان الغضب يوقعه في سلوكيات لايرضاها فيغضب من اجل ذلك ولا يرضى حتى يدخل النار. كما ان في هذه الاحاديث هداية الى وسائل عملية لمعالجة الغضب والسيطرة عليه منها مبادرة الانسان فوراً ودون تأخير الى تغيير حاله عند الغضب، كان يجلس اذا كان قائماً، اي يقوم بما من شأنه صرف نظره عن العوامل التي ادت الى الغضب، ومنها ان يمسك يد من غضب عليه اذا كان من ارحامه لان ذلك يؤدي الى بعث رحمة القرابة والرحم في قلبه فينصرف بذلك عن التعامل معه بما لا ينبغي نتيجة الغضب. اعزاءنا مستمعي اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران. وفي الاحاديث الشريفة هدايات أخرى الى سبل النجاة من هذا العامل من العوامل المدمرة لسعادة الانسان نتابع الاستنارة بها في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة). نشكر لكم طيب المتابعة ودمتم في رعاية الله سالمين آمنين وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. شرح فقرة: "والغضب والعسر، ..." (1) - 60 2014-02-16 10:31:26 2014-02-16 10:31:26 http://arabic.irib.ir/programs/item/11044 http://arabic.irib.ir/programs/item/11044 بِسْمِ اللَّهِ وله الحمد الذي هدانا للتمسك بعرى نبعي رحمته وثقلي هداه وحكمته كتابه العزيز وعترته نبيه المبعوث رحمة للعالمين محمد (صلى الله عليه وآله) الطيبين الطاهرين. السلام عليكم اخوتنا المستمعين ورحمة الله وبركاته، معكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج ووقفة جديدة عند المقطع الختامي من دعاء الحجب الشريف الذي يعلمنا فيه حبيبنا الهادي المختار (صلوات الله عليه وآله الاطهار) ان نستعيذ بالله جل جلاله من العوامل التي تحرم الانسان من الحياة الطيبة والسعادة في النشأتين حيث يقول: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). اخوتنا الاكارم، انتهى بنا الحديث الى العامل الخامس عشر من العوامل التي تجلب الشقاء للانسان وهو (الغضب)، فنبدأ اولاً بالتعرف الى معناه، وأثره في سلب الانسان الحياة الطيبة. جاء في كتب اللغة أن الغضب مشتق من (الغضبة) وهي الصخرة الصلبة والخشنة كما في مقايس اللغة والاشتقاق، وفي التهذيب أن (الغضوب) وصف يطلق على الحية الخبيثة والناقة العبوس. ف الغضب أصل يدل على الشدة والقوة والإيذاء وهو أشد السخط واعلى مراتبه، اي ان يعبر - كما في كتاب التحقيق في كلمات القرآن الكريم- عن تحرك في النفس الى حدة وشدة في قبال شيء آخر، ويقابله - اذا صار مذموماً- في الاخلاق الحلم وهو التعقل والسكون. وهذا يعني خروج النفس عن الاعتدال في التعقل والسكون الى جانب الحدة والاشتعال، قال الامام الباقر (عليه السلام): (الغضب جمرة من الشيطان توقد في جوف ابن آدم، وان أحدكم اذا غضب احمرت عيناه وانتفخت اوداجه ودخل الشيطان فيه). لا يخفى عليكم أيها الافاضل، ان مراد الامام الباقر (عليه السلام) هو الغضب المذموم اذ أن المستفاد من النصوص الشريفة ان ثمة غصبٌ ممدوح فقد صرحت الاحاديث الشريفة أن من علائم الايمان الرضا في الله والغضب في الله، ولذلك فقد جاء في صحاح الاحاديث النبوية المروية من طرق الفريقين ان الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) يغضبان لغضب فاطمة ويرضيان لرضاها (صلوات الله عليها). و الغضب الممدوح هو ما كان لله عزوجل وللحق وللحرمات ومثل هذا الغضب هو من العوامل التي تحفظ الحياة الطيبة، اذ أن أثره العملي هو الشدة والحزم في دفع ما يسيء اليها من هتك الحرمات وارتكاب المعاصي ولذلك وصف القرآن الكريم الاتباع الصادقين للنبي الاكرم (صلى الله عليهم وآله) بأنهم «أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ» كما في آخر سورة الفتح؛ وقال الامام علي (عليه السلام) كما ورد في كتاب (خصائص الائمة) للشريف الرضي: (من أحد سنان الغضب لله قوي على قتل اشداء الباطل)، من هنا فان الغضب الذي يأمرنا حبيبنا المصطفى بان نطلب من الله عزوجل ان يصرفه عنها هو الانفعال الشديد الذي يجرنا الى الوقوع في الباطل وفيما لا يرضاه الله عزوجل ويعكر صفو الحياة الطيبة. ايها الاخوة والاخوات، عند نتأمل في الآيات الكريمة 150 الى 154 من سورة الاعراف نحصل على اشارة مهمة في بيان سر التأكيد النبوي على الاستعاذة بالله عزوجل من الغضب، نقرأ في الآيات قول الله اصدق القائلين: «وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ، وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ، وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ». صدق الله العلي العظيم، وتلاحظون هنا - مستمعينا الافاضل- ان غضب كليم الله موسى (على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام) كان غضباً لله عزوجل لان بني اسرائيل عبدوا العجل بعدما ذهب موسى لميقات ربه، لكن هذا الغضب لله واوقع كليم الله فيما لا ينبغي له أن يفعله وهو ألقاء الألواح والأخذ برأس أخيه هارون، ثم ندمه على ذلك وطلبه المغفرة له ولأخيه من الله عزوجل. وفي ذلك تنبيه قرآني الى ان حتى الغضب الممدوح لا ينبغي للمؤمن أن يستسلم له خشية من ان يجره الانفعال النفسي الى الوقوع فيما لا ينبغي له وما يندم على فعله حتى لو لم يكن معصية الا انه يمكن ان يحجبه عن الخير، ولذلك لم يستطع هذا النبي الكريم ان يأخذ الالواح الالهية التي فيها الهدى والرحمة الا بعد ان سكت عنه الغضب كما تصرح بذلك الآية الكريمة 154 من الآيات المتقدمة من سورة الاعراف. من هنا تدرك بوضوح ضرورة اهتمام المؤمن ان يضبط حتى الغضب الممدوح ولا يسمح له بان يجره الى الانسياق وراء غليان النفس بعيداً عن التعقل والسكينة. مستمعينا الاطائب من هنا أكدت النصوص الشريفة ان الغضب قد يعمي الانسان عن رؤية الحق والحقيقة ويوقعه بالتالي فيما يسبب الندامة والحسرة الطويلة كما عرفتنا بالامور التي تعين الانسان على السيطرة عليه وعدم السماح له بالخروج بصاحبه عن الحق، وهذا ما سنتناوله بشيء من التفضيل بأذن الله في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة)، نشكر لكم طيب المتابعة ولكم دوماً من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران خالص الدعوات. دمتم بألف خير. شرح فقرة: "والجهل والمقت، ..." (9) - 59 2014-02-15 09:17:10 2014-02-15 09:17:10 http://arabic.irib.ir/programs/item/11043 http://arabic.irib.ir/programs/item/11043 بِسْمِ اللَّهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ الذي رزقنا محبة من جعل حبه ورضاه في محبتهم وموالاتهم ومقته وسخطه في معاداتهم، صفوته من الخلائق اجمعين نبيه المبعوث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين السلام عليكم اعزاءنا المستمعين ورحمة الله وبركاته، اطيب تحية نحييكم بها ونحن نلتقيكم بتوفيق الله في حلقة اليوم من هذا البرنامج نستكمل فيها -بعون الله- التعرف الى الامور التي تستجلب المقت الالهي وهو العامل الرابع عشر من العوامل التي تحرم الانسان من الحياة الطيبة الكريمة وترديه في مهاوي الشقاء، والتي يعلمنا حبيبنا الهادي المختار (صلى الله عليه وآله الاطهار) ان نستعيذ بالله منها ونطلب منه ان يصرفها عنها ونحن نجتهد في التطهر منها، وقد ذكرها (صلى الله عليه وآله) في المقطع الختامي من دعاء الحجب الشريف الذي نحن بصدد شرحه في هذه الحلقات حيث قال: (اللهم ... أسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي على محمد وآل محمد، وأن تصرف عني وعن أهل حزانتي وجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، جميع الآفات والعاهات، والاعراض والامراض، والخطايا والذنوب، والشك والشرك، والشقاق والنفاق، والضلالة والجهل والمقت، والغضب والعسر، والضيق وفساد الضمير، وحلول النقمة، وشماتة الاعداء وغلبة الرجال، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء لطيف لما تشاء ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم). ايها الاكارم، اضافة الى ما هدتنا اليه النصوص الشريفة في الحلقات الماضية فان من الامور التي تستجلب المقت الالهي هو ان يدفع الحسد الانسان الى ان يضع نفسه في موضعه فيعجب بها، وهذا ما تهدينا اليه الرواية التالية التي رواها الشيخ الكليني في كتاب الكافي بسند صحيح عن مولانا الامام الصادق (عليه السلام) انه قال لأصحابه: (اتَّقُواْ اللّهَ ولا يحسد بعضكم بعضاً، فان عيسى بن مريم (عليهما السلام) كان من شرائعه السيح في البلاد، فخرج في بعض سيحه ومعه رجل من اصحابه قصير وكان كثير اللزوم لعيسى (عليه السلام) فلما انتهى عيسى الى البحر قال: بِسْمِ اللَّهِ بصحة يقين منه، فمشى على ظهر الماء. فقال الرجل القصير حين نظر الى عيسى (عليه السلام) جازه: بسم الله بصحة يقين منه، فمشى على الماء ولحق بعيسى (عليه السلام). فدخله العجب بنفسه فقال: هذا عيسى روح الله يمشي على الماء وأنا امشي على الماء فما فضله علي؟ قال الصادق (عليه السلام): فرمس في الماء - أي غط- فاستغاث بعيسى فتناوله (عليه السلام) فاخرجه، ثم قال له: ما قلت يا قصير؟ قال: قلت: هذا روح الله يمشي على الماء وأنا امشي على الماء، فدخلني من ذلك العجب، فقال له عيسى: لقد وضعت نفسك في غير الموضع الذي وضعك الله فيه فمقتك الله فتب الى الله عزوجل. قال الصادق (عليه السلام): فتاب الرجل وعاد الى مرتبته التي وضعه الله فيها، فَاتَّقُواْ اللّهَ ولا يحسدن بعضكم بعضاً. ايها الاخوة والاخوات، بملاحظة أن الامام الصادق (عليه السلام) أورد هذه الحكاية وهو يحذر من الحسد في بدايتها وفي نهايتها نفهم ان الحسد لأولياء الله على ما آتاهم الله من فضله هو السبب الاساس الذي يدفع الانسان لان يجعل نفسه نظيراً لهم أو نداً لهم فيستوجب المقت الالهي، وهذا هو أهم الاسباب التي توقع الانسان في مستنقع معاداة أولياء الله عزوجل وهو ارث ابليس الذي حسد آدم فاستكبر وتمرد على أمر الله بالسجود له، ومما لا شك فيه أن معاداة أولياء الله (عليهم السلام) من اخطر الامور التي تستجلب المقت الالهي، جاء في كتاب (الملاحم والفتن) للسيد ابن طاووس (رضوان الله عليه) أن مولانا الحسن المجتبى (صلوات الله عليه) لما بلغه ان عمروبن العاص ينتقص امير المؤمنين علي (عليه السلام) على منبر مصر عندما ولاه عليها معاوية، كتب اليه كتاباً جاء في بعض فقراته: (اما بعد، فقد بلغني انك تقوم على منبر مصر على عتو آل فرعون - أي تكبرهم- وزينة آل قارون وسيماء ابي جهل تنتقص علياً، ولعمري لقد أوترت غير قوسك ورميت غير غرضك ... فكنت كالباحث عن المدية لحتفه يابن جزار قريس ليس لك سهمٌ في أبيات سؤددها ولا عائذ بافنية مجدها ... ونفسك الدنيئة التي آثرت الباطل على الحق وقنعت بالشبع والدني من الحطام الفاني، لقد مقتك الله فابشر بسخطه واليم عذابه وجزاء ما كسبت يداك وما الله بظلام للعبيد). أيها الأكارم، ونجد في أدعية مولانا الامام زين العابدين (عليه السلام) نصاً جامعاً في بيان اخطر الامور التي تستجلب المقت الالهي يجمعها عامل الظلم والقسوة القلبية ومعاداة اولياء الله وتحريف السنة المحمدية، قال (صلوات الله عليه) في بعض فقرات دعاء اليوم الثالث عشر من شهر رمضان الذي رواه السيد ابن طاووس في كتاب الاقبال: (اللهم ان الظلمة جحدوا آياتك وكفروا بكتابك ... ورغبوا عن ملة خليلك وبدلوا ما جاء به رسولك وشرعوا غير دينك ... وتعاونوا على اطفاء نورك وصدوا عن سبيلك وكفروا نعماءك وشاقوا ولاة امرك ووالوا اعداءك وعادوا اولياءك وعرفوا ثم انكروا نعمتك ولم يذكروا آلاءك وامنوا مكرك وقست قلوبهم عن ذكرك واجترؤا على معصيتك ولم يخافوا مقتك ونسوا نقمتك ولم يحذروا باسك واغتروا بنعمتك اللهم فانتقم منهم ... واشف صدور المؤمنين). نسأل الله عزوجل ان يجنبنا كل عمل يستتبع غضبه وسخطه صغيراً كان او كبيراً بحرمة مودة وموالاة ابواب رحمته للعالمين محمد وآله الطاهرين (صلوات الله عليهم اجمعين) اللهم امين وبهذا ننهي ايها الاطائب حلقه اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة) استمعتم لها من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران نشكر لكم طيب المتابعة ودمتم سالمين وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.