اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | شرح ادعية الامام المهدي (عج) http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb شرح فقرة: "اللهم صل على محمد وآل محمد وأكرم أولياءك بأنجاز وعدك، ..." - 204 2013-11-03 08:05:40 2013-11-03 08:05:40 http://arabic.irib.ir/programs/item/10755 http://arabic.irib.ir/programs/item/10755 والْحَمْدُ لِلَّهِ الذي أنعم علينا بمعرفة أبواب رحمته للعالمين النبي المصطفى الأمين وآله الطيبين الطاهرين صلوات الله وتحياته وبركاته عليهم أجمعين. السلام عليكم أخوتنا المستمعين وأهلاً بكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج نخصصها لإستلهمات إجمالية من دعاء لقنوت الصلاة رواه السيد علي بن طاووس في كتاب مهج الدعوات عن مولانا إمام زماننا المهدي الننتظر (أرواحنا فداه). وقد تناولنا هذا الدعاء الشريف في عدة من حلقات من هذا البرنامج ونخصص هذه الحلقات لأهم ما نستفيده منه كخلاصة تذكيرية، فنبدأ بالمقطع الأول منه حيث يقول المصلي: (اللهم صل على محمد وآل محمد وأكرم أولياءك بأنجاز وعدك، وبلغهم درك ما يأملونه من نصرك وأكفف عنهم بأس من نصب الخلاف عليك وتمرد بمنك على ركوب مخالفتك وإستعان برفدك على فل حدك وقصد لكيدك بأيدك). نبدأ دعاء قنوت الصلاة هذا - أيها الأخوة والأخوات- بالصلاة على محمد وآله (صلوات الله عليهم أجمعين) التي هي دعاءٌ مبارك بنزول الرحمة بوسيلتهم (عليهم السلام) للخلائق أجمعين، وقد جعله الله جلت حكمته وسيلة لإستجابة ما يقرن به من دعوات كما صرحت بذلك كثيرٌ من الأحاديث الشريفة. ثم نطلب من الله أن يكرم أولياءه - أي أهل بيت النبوة المعصومين (عليهم السلام) بأنجاز وعده لهم وللمستضعفين جميعاً بأن يملأ بخاتم الأوصياء المحمديين المهدي الموعود (عجل الله فرجه) الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً. وفي استخدام الدعاء تعبير اكرامهم (عليهم السلام) بأنجاز هذا الوعد القرآني الصادق اشارة لطيفة الى أن اشتراك جميع أولياء الله في التمهيد للظهور المهدوي المقدس، لأن فيه تحقق أهداف جميع الرسالات النبوية وتحقق ما يأملونه عليهم من إنتشار العدل الإلهي وتنعم عباد الله وجميع الخلائق بالأمن والرفاه والرقي المعنوي والمادي، وفي ذلك أيها الأعزاء درسٌ بليغٌ لنا أن يكون أملنا وهدفنا هو تحقق السعادة والحياة الكريمة الطيبة للبشرية جميعاً وهذا ما يأمله أولياء الله المعصومون (عليهم السلام). ثم نطلب من الله تبارك وتعالى أن يزيل العقبات التي تعترض ظهور المهدي الموعود (أرواحنا فداه) وهم الطواغيت الجاحدون الذين بلغ بهم الجحود أن يستغلوا ما من عليهم به الله تبارك وتعالى من نعم وإمهال لمحاربته من خلال ظلم عباده والإفساد في بلاده والكيد والتآمر ضد أوليائه ودعاة الاصلاح في أرضه والسعي لقتل خليفته وبقيته في ارضه (أرواحنا فداه). ونتعلم من هذه الفقرة أيها الأخوة والأخوات أن العقاب الإلهي الماحق إنما يتوجه بالدرجة الأولى لأئمة الضلالة والطغيان الذين لم يعد ثمة أمل في تورعهم عن الظلم والطغيان والفساد كما تشير لذلك تتمة المقطع المتقدم حيث يقول الداعي عن مصداق هذا النوع من الطواغيت: (ووسعته حلماً لتأخذه على جهرة، وتستأصله على غرة، فإنك اللهم قلت وقولك الحق: «حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ، وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا، أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً، فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ، كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ»، وقلت: «فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ»، اللهم وإن الغاية عندنا قد تناهت، وإنا لغضبك غاضبون، وإنا على نصر الحق متعاصبون، وإلى ورود أمرك مشتاقون، ولإنجاز وعدك مرتقبون، ولحلول وعيدك بأعداءك متوقعون). مستمعينا الأفاضل، ومن فقرات المقطع الثاني من الدعاء الشريف نستفيد عدة دروس تربوية أهمها أن على المؤمنين أن يكون غضبهم على أعداء الله إلهياً مقدساً لا يسمحوا للأهواء والمنافع الشخصية أن تشوبه وتلوثه، وبذلك تكون نصرتهم للحق وتعصبهم له. والدرس الثاني نستلهمه من إستخدام الدعاء تعبير: (وإن الغاية قد تناهت عندنا)، وفي ذلك إشارة الى أحد آداب الدعاء وهو أن الداعي يحرص على إيكال الأمر دائماً الى علم الله عزوجل ولانتكل بحال من الأحوال على علمنا. ثم نطلب من الله عزوجل في نهاية هذا الدعاء الشريف أن يأذن بظهور وليه وبقيته المهدي )عجل الله فرجه( ويعيننا على التمهيد لذلك بالمساهمة في فتح طرقاته من خلال كشف حقيقة الحكومات الطاغوتية التي تسعى لمنع بدء الثورة الإصلاحية المهدوية الكبرى ولكي يتحقق العدل الإلهي الشامل، وكذلك من خلال التعريف بأهداف هذه الثورة توطئة لمسالك إمام العصر )أرواحنا فداه( أي ما سيقوم به من إحقاق الحقوق وإزهاق الباطل، والتعريف بشرائع الإسلام النقية من تحريفات الطواغيت والأئمة المضلين وهؤلاء هم الذين ينالهم سيف المكر الإلهي الذي هو مقدمة لبسط الجود الإلهي العميم على جميع المظلومين والمستضعفين، ونقول في خاتمة الدعاء: (اللهم فأذن بذلك وإفتح طرقاته، وسهل خروجه ووطأ مسالكه، وأشرع شرائعه، وأيد جنوده وأعوانه، وبادر بأسك الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، وإبسط سيف نقمتك على أعدائك المعاندين، إنك جوادٌ، ... برحمتك يا أرحم الراحمين). وبهذا ننهي أيها الأفاضل لقاء اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم له مشكورين من طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران. تقبل الله أعمالكم ودمتم بكل خير. شرح فقرة: "اللهم فأذن بذلك وافتح طرقاته، وسهل خروجه، ..." - 203 2013-11-02 08:17:01 2013-11-02 08:17:01 http://arabic.irib.ir/programs/item/10754 http://arabic.irib.ir/programs/item/10754 وله الحمد أرحم الراحمين، وأزكى صلواته على ينابيع رحمته للعالمين حبيبنا محمد الأمين وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم إخوتنا وأخواتنا ورحمة الله وبركاته، بتوفيق الله نلتقيكم في حلقة اليوم من برنامجكم هذا، ووقفة إستلهامية للمعارف الحقة من فقرة جديدة من الدعاء الذي رواه السيد الجليل علي بن طاووس في كتاب مهج الدعوات عن مولانا إمام العصر (أرواحنا فداه) كأحد أدعية قنوت الصلاة. وفقرة هذا اللقاء هي التي جاء فيها: (اللهم فأذن بذلك وافتح طرقاته، وسهل خروجه ووطأ مسالكه، وأشرع شرائعه، وأيد جنوده وأعوانه، ... يا أرحم الراحمين). مستمعينا الأفاضل، تصرح عدة من الأحاديث الشريفة بأن الإمام المهدي الموعود (عجل الله فرجه) ينتظر الإذن الإلهي للظهور وبدأ ثورته الإصلاحية الكبرى، وهذا أمر مفهومٌ حسب عقائدنا التوحيدية التي تنص أن جميع تحركات أولياء الله المعصومين (عليهم السلام) هي بأذن الله فهم خلفاؤه عزوجل؛ سواء كانت هذه التحركات مثل إظهار المعجزات وإحياء الموتى واشفاء المرضى، أو غير ذلك من سائر تحركاتهم في تحقيق الأهداف الإلهية في تدبير شؤون العباد وهدايتهم وإيصالهم الى الكمال المنشود وفي القرآن الكريم الكثير من الإشارات لذلك. وهذا أيها الأخوة والأخوات هو الدرس التوحيدي المحوري الذي نستفيده من جميع عبارات الفقرة المتقدمة من الدعاء ومنها عندما نطلب من الله جل جلاله أن يأذن لوليه المهدي بالظهور وإحقاق الحق وإزهاق الباطل. وثمة درس تربوي آخر نستفيده من الفقرة المتقدمة وهي تقوية الأمل في قلوبنا باللطف الإلهي بأن يعجل في الإذن لوليه بالظهور إستجابة لأدعية عباده المؤمنين لأنه جلت حكمته يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ، فيمكن أن يغيّر موعد الظهور ويقدمه لطفاً بالعباد. ولذلك أوصانا الإمام المهدي (أرواحنا فداه) بالأكثار من الدعاء بالفرج. وفي ذلك تقوية للإرتباط بالله واللجوء له والإستقواء به تبارك وتعالى وهذا هو أهم صفات الأنصار الحقيقين للمهدي المنتظر (عليه السلام). أيها الأطائب، إن استجابة الله عزوجل لدعاء عباده بتعجيل ظهور بقيته المهدي (عليه السلام) تعني في الواقع تعجيل توفر الأوضاع اللازمة التي تؤدي الى إنتصار ثورته الإصلاحية الكبرى، وهذا ما تنبهنا له العبارات اللاحقة حيث نطلب من الله تبارك تعالى فيها أولاً أن يفتح طرقاته أي طرقات ظهور الإمام المنتظر (أرواحنا فداه)، والمراد هو التمهيد لهذا الظهور المبارك بأزالة العقبات التي تؤخر ظهوره وتهدد حركته الإصلاحية الكبرى، مثل الحكومات الطاغوتية، فيكون فتح طرقات الظهور المهدوي بأضعاف هذه الحكومات بأشغالها فيما بينها مثلاً او بدفعها بأتجاه أخراج ما تخفيه عبر شعاراتها الإصلاحية من نوايا السوء بالشعوب، فتنفر عنها الشعوب عندما تعرف حقيقتها الأمر الذي يضعفها. وهنا نستفيد درساً تربوياً من هذا الدعاء هو: أن من واجبات الممهدين لظهور إمام زمانهم (عجل الله فرجه) المساهمة في إضعاف الحكومات الطاغوتية من خلال كشف حقيقتها ونظائر ذلك. كما نطلب مستمعينا الأعزة في العبارة اللاحقة أن يسهل خروج وليه وخليفته المهدي أي ظهوره (عليه السلام)، وهذا الأمر يعني التمهيد لظهوره بأزالة العقبات التي تتوجه الى حياة الإمام مباشرة وليس الى ثورته الإصلاحية، والى هذا الأمر أشارت الأحاديث الشريفة التي تأمر المؤمنين بكتمان الأسرار التي ترتبط به (أرواحنا فداه) ويؤدي كشفها الى تهديد حياته. أما بالنسبة للعبارة اللاحقة ففيها ندعو الله أن يوطأ مسالكه (عليه السلام) وفرقها عن عبارة (وأفتح طرقاته) هو أن الأولى تنظر الى إزالة العقبات التي تمنع عن ظهوره، أما العبارة الثانية فالمقصود منها توفير العوامل المعينة له (عليه السلام)، وهذا ما تفسره العبارتان اللاحقتان وهما: وأشرع شرائعه وأيد جنوده وأعوانه. فنحن نطلب من الله عزوجل العون للمؤمنين في تعريف العالمين بالقيم السامية والأحكام العادلة التي يسعى خليفته المهدي (عجل الله فرجه) لتطبيقها عند ظهوره، لكي تتوفر الأرضية اللازمة لذلك، هذا أولاً وثانياً أن يؤيد جنوده وأعوانه ويقويهم بلطفه لكي يتمكنوا من مؤازرة إمامهم في إزهاق الباطل وإحقاق الحق وإقامة العدالة الإلهية الشاملة في كل الأرض. نسأل الله لنا ولكم أعزاءنا أن يوفقنا للتقرب إليه بالعمل للتمهيد لظهور خليفته ومنقذ خلقه إمامنا المهدي ويجعلنا من خيار أنصاره ومواليه إنه كريم رحيم. اللهم أمين، بهذا الدعاء نختم لقاء اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) إستمعتم له مشكورين من طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، دمتم بألف خير. شرح فقرة: " اللهم ... وبادر بأسك الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، ..." - 202 2013-10-30 08:38:41 2013-10-30 08:38:41 http://arabic.irib.ir/programs/item/10753 http://arabic.irib.ir/programs/item/10753 وله الحمد تبارك وتعالى رب العالمين، وأطيب صلواته وتحياته وبركاته على أبواب رحمته ومعادن حكمته وأنوار هدايته صفوته البشير النذير والسراج المنير محمد وآله أهل آية التطهير. سلامٌ من الله عليكم أيها الأخوة والأخوات ورحمة الله وبركاته، أزكى تحية مباركة طيبة نهديها لكم ونحن نلتقيكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج، نتدبر فيها معاً في الفقرة الختامية من الدعاء المروي في كتاب مهج الدعوات عن إمام زماننا خاتم الأوصياء المهدي (عجل الله فرجه) كأحد أدعية قنوت الصلوات، وهي الفقرة الأخيرة منه وفيها يقول الداعي: (اللهم ... وبادر بأسك الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ وابسط سيف نقمتك على أعدائك المعاندين، وخذ بالثأر انك جوادٌ مكار يا أجود الأجودين). مستمعينا الأطائب، هذه الفقرة من الدعاء تأتي بعد فقرة تعلمنا أن نطلب من الله تبارك وتعالى في أحد أفضل مواطن إستجابة الدعاء وهو قنوت الصلاة، أن يأذن لخليفته وأمل عباده ورجاء المظلومين المهدي المنتظر بالظهور وأن يمهد لذلك بأزالة العقبات التي تهدد ظهوره بأضعاف الحكومات الطاغوتية مثلاً، وبتوفير العوامل المعينة ونجاح أهدافه مثل تعريف العالمين بشرائعه والأحكام التي يطبقها بظهوره (عجل الله فرجه). وفي هذه الفقرة وهي الختامية من هذا القنوت نطلب منه جلت قدرته (أن يبادر ببأسه الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)، فما الذي نستفيده من هذا الطلب؟ معنى المبادرة قريبٌ مما يصطلح عليه في المصطلحات العسكرية المعاصرة بالضربة الوقائية، أي مباغته العدو قبل أن يقوم بعدوانه المرتقب. وعلى أساس هذا التوضيح نفهم أن نطلب من الله عزوجل أن يعين خليفته المهدي المنتظر وجنوده وأنصاره على مباغتة العدو - أي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ- فينزلون به البأس الإلهي القاصم قبل أن يشن عدوانه المرتقب لإحباط الثورة المهدوية الأصلاحية الكبرى عند إنطلاقها. وإستجابة الله عزوجل لهذا الدعاء تتحقق في مصاديق عدة مثل جعله - جلت قدرته- الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يغفلون عن هذه الثورة الإلهية، ومثل أن يعين المؤمنين على عدم إثارة الهواجس، وإشغالهم بأزمات تبعدهم عن ملاحقة جبهة الإيمان، وأن يكون الظهور المبارك من حيث لا يحتسبون ونظائر ذلك. أعزاءنا المستمعين في العبارة اللاحقة ندعو ربنا تبارك وتعالى قائلين: (وإبسط سيف نقمتك على أعدائك المعاندين). هنا نلاحظ أن هذه العبارة فيها طلب بسط سيف نقمته على المعاندين من أعدائه في حين أن العبارة السابقة تطلب المبادرة لكسر شوكة الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، والذي نستفيده هو درس توحيدي في الرحمة الإلهية، حيث أن شمولية سيف النقمة الإلهية العادلة لا تتوجه سوى الى المعاندين من أعداء الله عزوجل أي الذين إنتهت كل فرص الإمهال الإلهي لهم ولم يبق أي أمل من إحتمال أن يرتدعوا عن ظلمهم لعبادالله ومعاداتهم لله عزوجل، فلا خيار سوى إنزال القصاص الماحق لهم حفظاً لحقوق المظلومين. أما سائر الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فالمطلوب هو دفع خطرهم عن الوجود الايماني ومبادرتهم بالضربة الوقائية لكسر شوكتهم وبالتالي ردعهم عن طغيانهم. أيها الأخوة والأخوات، ويعلمنا هذا الدعاء المهدوي أن ندعو ربنا الجليل قائلين: (وخذ بالثار إنك جوادٌ مكار)؛ فما الذي نستفيده من ذلك؟ معنى أخذ الثار هو القصاص للظالمين من ظالميهم، وقد صرحت عدة من الأحاديث الشريفة أن من شعار الثورة المهدوية الكبرى هو الأخذ بثارات سيد الشهداء (صلوات الله عليه). وقد صرح العلماء بأن المقصود بذلك هو الأخذ بالثأر لجميع أشكال المظلوميات التي عرفها التأريخ الإنساني والقصاص من القتلة الذين ماتوا دون أن يقتص منهم، وهذا من الأدلة التي إستند إليها علماء الكلام كأحد الأدلة الكلامية في إثبات الرجعة وأحياء بعض طوائف الناس بعد ظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه) للقصاص منهم تطبيقاً لقوانين العدل الإلهي الشامل والكامل. والملفت للإنتباه هنا هو أن هذا الدعاء الشريف يختتم بأسمين عن أسماء الله تبارك وتعالى يجمعان الجمال والجلال الإلهيين وهما الجواد والمكار، ففي الوصف الأول نستمطر سحائب الرحمة الإلهية والكرم والجود الرباني لإنعاش المظلومين بإحقاق حقوقهم ورد مظلومياتهم وإشفاء صدورهم من الغيظ على الظالمين، وفي الوصف الثاني، نستمطر سحائب المكر الإلهي بالظالمين والمكر الإلهي هو من جهة عين العدل وباطنه الرحمة وإن كان ظاهره العذاب، لا ظلم فيه لأنه يعني إغفال الظالمين لدفع طغيانهم وإزهاق باطلهم للحيلولة دون إرتكابهم للمزيد من الجرائم التي تزيد من عذابهم الأخروي أجارنا الله وإياكم منه. مستمعينا الأفاضل في الحلقة المقبلة ستكون لنا وقفة سريعة عند كامل الدعاء الذي أمرنا مولانا الإمام المهدي (عليه السلام) بتلاوته في القنوت نستلهم فيها بأذن الله مضامينها الرئيسة. نشكر لكم طيب الإستماع لحلقة اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة) قدمناها لكم من طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، الى اللقاء. شرح فقرة: " اللهم فأذن بذلك وافتح طرقاته، ..." - 201 2013-10-29 09:03:11 2013-10-29 09:03:11 http://arabic.irib.ir/programs/item/10752 http://arabic.irib.ir/programs/item/10752 وله الحمد والمجد أرحم الراحمين تبارك وتعالى رب العالمين، وأزكى صلواته وتحياته وبركاته على أبواب رحمته الكبرى للخلائق أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم إخوتنا المستمعين ورحمة الله وبركاته، تحية مباركة طيبة وأهلاً بكم في لقاء اليوم مع أدعية أهل بيت النبوة (عليهم السلام) ومنها الدعاء الذي روى السيد الجليل علي بن طاووس أن مولانا إمام العصر المهدي الموعود (عجل الله فرجه) كان يقرأه في قنوت صلواته، وقد انتهينا الى مقطع جاء فيه: (اللهم فأذن بذلك وافتح طرقاته، وسهل خروجه ووطأ مسالكه، وأشرع شرائعه، وايّد جنوده وأعوانه، وبادر بأسك القوم الظالمين، وأبسط سيف نقمتك على أعدائك المعاندين). هذا المقطع جاء - مستمعينا الأفاضل- على أساس الحقيقة التي اشتمل عليه المقطع السابق له، وهي أن المؤمنين غاضبون لغضب الله بسبب انتشار الظلم والجور بأبشع صوره في أقطار المعمورة ولذلك فهم يترقبون إنجاز الله عزوجل لوعده الصادق باظهار وليه المهدي لكي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً فينزل باعداء الله من أئمة الظلم والجور ما أوعدهم به من العقاب الأليم. وعليه فإن المراد بعبارة: (اللهم فأذن بذلك) هو الطلب من الله عزوجل أن يأذن بتحقق هذا الوعد الصادق باظهار خليفته المهدي (عجل الله فرجه) لكي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً وينهي حاكمية أعداء الله وظلمهم لعباده - عزوجل-. وقد صرحت كثيرٌ من الأحاديث الشريفة أن الإمام المهدي الموعود إنما ينتظر إذن الله تبارك وتعالى بالظهور في كل حين وفي ذلك إشارة لطيفة الى أن على المؤمنين توقع حصول الاذن الإلهي في كل حين لكي يكونوا على استعداد دائم له فلا يغفلون عن الإجتهاد لتحلي بمستلزمات هذا الإستعداد. أيها الأخوة والأخوات، في الفقرة اللاحقة من الدعاء يعلمنا مولانا إمام العصر (سلام الله عليه) أن نطلب من الله عزوجل أن يفتح طرق تحقق هذا الوعد الإلهي الصادق بانهاء حاكمية الظالمين وملأ الأرض قسطاً وعدلاً، فما معنى هذا الطلب؟ قبل الاجابة عن هذا التساؤل نشير الى قضية مهمة ترتبط بهذه الفقرة والفقرات التالية لها، وهي أن سنة الله عزوجل اقتضت أن يجري الأمور بأسبابها لكي يكون ذلك وسيلة لتربية عبادة على حس المسؤولية وهذه حقيقة أكدتها كثير من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة؛ وأكدت أن الله عزوجل يحقق إرادته على أيدي عباده الصالحين وعلى ضوئها يعلمنا الدعاء المهدوي أن نطلب من الله عزوجل أن يهيأ الأسباب الطبيعية لتحقق وعده الصادق، وهذا الطلب يتضمن في الواقع أن يعين ويسدد عباده المؤمنين في جهودهم لتهياة الأوضاع الملائمة لظهور خليفة الله المهدي وتحقق الوعد الإلهي بانهاء الظلم والجور وملأ الأرض قسطاً وعدلاً. وبادراك هذه الحقيقة نفهم بالتالي أن هذا الدعاء المهدوي ينبهنا الى أن علينا أن نسعى الى معرفة الأسباب الطبيعية اللازمة لظهور المهدي الموعود (عجل الله فرجه) ونعمل في تهيأتها طالبين من الله عزوجل أن يهدينا إليها أولاً ويعيننا على تهيأتها؛ وفقنا الله وإياكم لذلك. بعد هذه الملاحظة نعود الى السؤال السابق وهو عن معنى طلبنا من الله عزوجل أن يفتح طرق تحقق وعده الصادق بانهاء حاكمية الظالمين. والجواب عن هذا السؤال أصبح واضحاً على ضوء الملاحظة السابقة، فمعنى فتح الطرق لتحقق هذا الوعد هو فتح السبل المؤدية إليه أي تهيأة الأوضاع اللازمة لذلك مثل توفر العدد الكافي من الانصار المخلصين للإمام المنتظر وتوجه القلوب إليه (عجل الله فرجه). بعبارة أخرى فإن الدعاء يعلمنا أن نطلب من الله تبارك وتعالى تعريفنا بالطرق المؤدية لتهيأة تلك الأوضاع اللازمة وإعانتنا على سلوكها متقربين بذلك إليه جل جلاله. وهذا يعني اعانة المؤمنين على القيام بواجب المساهمة في التمهيد لظهور المهدي المنتظر وتحقق حركته الإصلاحية الكبرى. وبهذا نكون مستمعينا الأفاضل قد وصلنا معاً الى ختام حلقة أخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمة) قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، شكراً لحسن متابعتكم ودمتم في رعاية الله سالمين. شرح فقرة: " وإنا لغضبك غاضبون، ..." - 200 2013-10-28 08:31:44 2013-10-28 08:31:44 http://arabic.irib.ir/programs/item/10751 http://arabic.irib.ir/programs/item/10751 وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وأفضل صلواته وصلوات ملائكته المقربين على أبواب رحمته للخلائق أجمعين محمد وآله الأطيبين. السلام عليكم إخوتنا المستمعين معكم في لقاء آخر من هذا البرنامج نتابع فيه إستلهام دروس الحياة الطيبة من أدعية أهل بيت النبوة (عليهم السلام) ومنها دعاء مولانا إمام العصر المهدي (عجل الله فرجه) في قنوت صلواته والذي رواه السيد الجليل علي بن طاووس في كتاب مهج الدعوات. وكان إستاذنا الفاضل المرحوم الدكتور محمود البستاني (رضوان الله عليه) قد كتب قبل وفاته أربع حلقات من هذا البرنامج في شرح هذا الدعاء المبارك هي الحلقات الأربع السابقة لهذه الحلقة، نتابع شرح ما تبقى من هذا الدعاء ونهدي ثوابه لروح المرحوم الحاج البستاني، والمقطع الذي إنتهى إليه رحمه الله هو قول الإمام المهدي (عليه السلام) في قنوته: (اللهم ... وإن الغاية قد تناهت، وإنا لغضبك غاضبون، وإنا على نصر الحق متعاصبون، والى ورود أمرك مشتاقون، ولإنجاز وعدك مرتقبون، ولحلول وعيدك بأعدائك متوقعون، اللهم فأذن بذلك وإفتح طرقاته، وسهّل خروجه، وأشرع شرائعه، ... يا أرحم الراحمين). هذا المقطع من الدعاء يأتي - مستمعينا الأفاضل- يأتي بعد الإستشهاد بآيات كريمة تشير الى أن العذاب الإلهي ينزل بعد إتمام الحجة على الظالمين وبعد إنتشار طغيانهم وإفسادهم في الأرض، وفي سياق الإشارة الى هذه الحقيقة تنبهنا الفقرات اللاحقة الى أن المؤمنين ينبغي أن يكون غضبهم ليس لأنفسهم بل لله عزوجل، بمعنى أن يكون غضبنا من أجل ما يلحقه طغيان الظالمين وإفسادهم بالبشرية من أضرار فادحة معنوياً ومادياً، ولذلك قال الدعاء: (وإنا لغضبك غاضبون). والى جانب هذه الفائدة التربوية التي تؤكدها الفقرات اللاحقة من المقطع المتقدم، هناك فائدة تربوية نستلهما من الفقرة الأولى وهي قول الدعاء: (وإن الغاية عندنا قد تناهت)، هذه الفائدة التربوية نقرأها في إستخدام الدعاء ظرف (عندنا)، ففيه إشارة لطيفة الى أدب المؤمن في عدم تحتيم شيء على الله عزوجل، وإيكال الأمر الى علم الله جل جلاله، بمعنى أننا نخاطبه تبارك وتعالى بما مؤداه: إننا غاضبون لغضبك لأننا نرى أن الطغيان والظلم قد وصلا أقصى مراتبها وعلى ذلك نطلب أن تنزل عذابك الماحق بهم، لكننا نصبر إن كان في علمك أن إمهالك للظالمين والطاغين لم يصل بعد الى غايته ولا زال الأمر يتطلب من عبادك صبراً حتى تقضي بما أنت قاض. أيها الأخوة والأخوات، وثمة فائدة تربوية أخرى نتعلمها من قول مولانا إمام العصر المهدي (عجل الله فرجه) في دعاء قنوته: (وإنا على نصر الحق متعاصبون)، فهنا نلاحظ أن هذه الفقرة تنبه المؤمنين الى أن يكون تعصبهم هو نصرة الحق وليس ثأراً لأنفسهم، فهم يجاهدون الظالمين لكي يقوموا حاكمية الحق والعدل في الأرض. أما الفائدة التربوية التي نستلهمها من فقرة: (والى ورود أمرك مشتاقون) فهي أن من خلق المؤمن أن يكون دائم الشوق لإنتصار الحق الإلهي لأن فيه خير وصلاح البشرية جمعاء؛ فهو يتفاعل مع الأوامر بعقله وقلبه ومشاعره. وفي قول الدعاء: (ولإنجاز وعدك مرتقبون) إشارة لطيفة الى أن المؤمن ينبغي أن يكون شديد الثقة والطمأنينة بوعد الله عزوجل، والتعبير الوجداني عن هذه الثقة والطمأنينة بدوام إنتظاره لتحقق الوعد الإلهي بمليء الأرض قسطاً وعدلاً دون أن تضعف من هذا الإنتظار والترقب قوة طغيان الظالمين والطواغيت، هذه الفائدة التربوية نلمحها في الفقرة اللاحقة من الدعاء وهي قول الداعي: (ولحلول وعيدك بأعدائك متوقعون). مستمعينا الأفاضل، وثمة فائدة مهمة أخرى نستلهمها من الفقرة المتقدمة من الدعاء المهدوي وهو قوله (عليه السلام): (ولحلول وعيدك بأعدائك متوقعون) إذ نلاحظ أن الدعاء إستخدم تعبير (بأعدائك)، وفي ذلك إشارة الى الوعيد الإلهي - أي الوعد الصادق بانزال العذاب الماحق- متوجه الى أعداء الله عزوجل وليس الى عموم البشر، فلا ينبغي لغير أعداء الله الخوف من نزول هذا العذاب، بل على العكس عليهم أن يستبشروا به ويتوقعوه لأنه يعني مقدمة ملىء الأرض قسطاً وعدلاً، فلا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بازالة حاكمية أعداء الله الذين ملاؤا الأرض ظلماً وجوراً. وإضافة لذلك، فإن في التذكير بحقيقة أن العذاب الإلهي المرتقب متوجه الى أعداء الله تحذيراً لعموم الناس بضرورة الإبتعاد عن جبهة المعادين لله وعباده لكي لا يصيبهم شيء من هذا العذاب الماحق، أجارنا الله وإياكم منه ببركة التمسك بولاية صفوته المقربين محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. أيها الأحباء شكراً على حسن المتابعة لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) إستمعتم لهذه الحلقة مشكورين من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، الى لقاءنا المقبل نترككم في رعاية الله. شرح فقرة: "إن الغاية عندنا قد تناهت، ..." - 199 2013-10-27 09:01:22 2013-10-27 09:01:22 http://arabic.irib.ir/programs/item/10750 http://arabic.irib.ir/programs/item/10750 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نواصل حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء الإمام المهدي (عجل الله فرجه) في قنوت الصلاة، حيث جری الحديث عن مقاطع متسلسلة منه وانتهينا الى مقطع جديد يتوسل بالله تعالى بأن يعجل فرج مولانا صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه). يقول هذا النص الشريف: (فإنك اللهم قلت وقولك الحق، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها، أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً، فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس، كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون، ...). واضح من هذا النص القرآني الكريم - مستمعينا الافاضل- أن الإمام (عجل الله فرجه) قد جعله مقدمة للمرحلة التي ينتظرها أولياء الله تعالى، حيث أن تصورات المنحرفين الذين خيل إليهم أنهم عمروا الأرض وبلغوا ما يشتهون سوف تتلاشى بين عشية وضحاها، وأن المنحرفين تنتظرهم النهاية الكسيحة، حيث قال النص بعد ذلك وقلت: «فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ»، إذن إن الأرض التي ملئت جوراً وظلماً في طرقها الى التلاشي، ثم ماذا بعد ذلك؟ يقول النص: (إن الغاية عندنا قد تناهت، وإنا لغضبك غاضبون، وإنا على نصر الحق متعاصبون، وإلى ورود أمرك مشتاقون، ولإنجاز وعدك مرتقبون، ولحلول وعيدك بأعداك متوقعون). هذه العبارات المنسوجة بشكل فني وأخاذ تجسد كلاماً يتدرج في عرض الدلالات بنحو يأخذ كل قسم منه برباط الآخر. إنه يصور لنا بشكل مدهش مسالك الإنتظار لما سيحدث قريباً ما دامت الأرض قد أخذت زخرفها. والآن الى العبارات المتقدمة وأولها يتجه الى الله تعالى بعبارة: (إن الغاية عندنا قد تناهت، ...) إنها عبارة متشوقة لحدوث الوعد الإلهي، حيث أن الغاية قد تناهت ما دامت الأرض - كما نرى - قد ازينت وظن أهلها قادرون عليها وما دام الأمر كذلك فماذا نتوقع من ردود الأفعال عند أولياء الله تعالى؟ إن الإستجابة أو رد الفعل لدى أولياء الله تعالى لدى المنتظرين للظهور هي العبارة القائلة: (وإنا لغضبك غاضبون) ترى ماذا تعني هذه العبارة؟ إنها تقول نحن نغضب لغضبك، إنه الغضب الذي سيطيح بالمنحرفين، إنه غضب السماء وها نحن الذين ننتظر المرحلة على أتم الإستعداد لنصرة الإمام المهدي (عجل الله فرجه). في ضوء ذلك فإن الغضب المذكور سوف يتحقق عملياً من خلال التعاون فيما بيننا ورسم الخطط أو استلامها من قائد الظهور، وهذا ما عبرت عنه فقرة: (وإنا على نصر الحق متعاصبون) أي، نتواصى ونلتزم ونقرر ونطبق ما ينبغي فعله، ثم ماذا؟ (والى ورود أمرك مشتاقون، ولإنجاز وعدك مرتقبون، ولحلول وعدك بأعدائك متوقعون، ...). هذه العبارات الثلاث يختم بها المقطع الجديد وهذا يقتادنا الى ملاحظاتها بعد لحظات. إن استعداد المناصرين للإمام (عجل الله فرجه) يختمه هؤلاء أولاً بقوله: (إلى ورود أمرك مشتاقون، ...) وهذا يفصح عن منتهى الإستعداد للنهوض عند استلام الأمر من الله تعالى. ثم ثانياً: (ولإنجاز وعدك مرتقبون، ...) وهذا أن مرحلة ما بعد الشوق هي انتظار الأمر وتسلمه، حيث إن من يشتاق إلى الشيء يرتقبه دون أدنى شك. ثم المرحلة الثالثة: (ولحلول وعيدك بأعدائك متوقعون، ...)، إن هذه المرحلة تفصح عن اليقين التام لأولياء الله تعالى بأن الظهور المرتقب سوف يحقق الوعد الإلهي بزوال الإنحراف واستخلاف الأرض كما هو واضح. إذن أمكننا أن نتبين بوضوح ما ورد في مقطع الدعاء من نكات ودلالات في غاية الأهمية والطرافة والعمق سائلين الله تعالى أن يجعلنا ممن يوفق إلى مساندة الظهور وأعوان الإمام (عجل الله فرجه الشريف). أسألكم الدعاء مستمعين الافاضل حياكم الله والى اللقاء. شرح فقرة: "قصد لكيدك بأيدك، ..." - 198 2013-10-26 09:56:15 2013-10-26 09:56:15 http://arabic.irib.ir/programs/item/10749 http://arabic.irib.ir/programs/item/10749 مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها: دعاء الامام المهدي (عجل الله فرجه) في قنوته، حيث تحدثنا عن قسم منه، ونحدث الآن عن قسم آخر يتضمن التوسل بالله تعالى بان يكف الاعداء عن اوليائه الذين وعد عباده باستخلافهم في الارض، حيث ان العدوّ المخالف طالما يستخدم فاعلية التي منحها الله تعالى ايّاه، يستخدمها في محاربة وليّه بدلاً من استثمارها في نصرته، هنا يوضح النص جانباً عن سلوك العدو المخالف، حيث يخاطب الامام (عجل الله فرجه) أو يتجه الى الله تعالى قائلاً عن العدو المذكور: (قصد لكيدك بأيدك ووسعته حلماً لتأخذه على جهرة، وتستأصله على غرّة). ان هذه العبارات امتداد لسابقتها، حيث تتحدث عن العدوّ الذي استثمر ما منحه الله تعالى من الفاعلية، استغلها لمحاربة الامام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، إذن نتحدث الآن عن تفصيلات ذلك. العبارة الاولى تقول: (قصد لكيدك بأيدك). هنا نحسب بان القارئ للدعاء سوف يتساءل قائلاً: ماذا تعني هذه العبارة وما بعدها: الجواب: ان (الأيد) هي (القوة)، وامّا مصطلح او كلمة (الكيد) فتشير الى قوله تعالى: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً، وَأَكِيدُ كَيْداً)، وهذا يعني في الجملة: ان الله واقف بالمرصاد لهؤلاء المنحرفين الذين يخيّل اليهم انهم يستطيعون حجب النصرة من الله تعالى لاوليائه، انهم يخيّل اليهم - بان القوة التي لديهم- وهي ما يتعين على الانسان ان يستثمرها في الخير اذا بهم يحاولون التوكّأ عليها لمحاربة اولياء الله تعالى. بعد ذلك يتقدم النص بعبارة جديدة هي: (ووسعته حلماً، لتأخذه على جهرة، وتستأصله على غرّة). ان هذه العبارة تحفل بما هو مدهش ومثير من الدلالة، يحسن بنا ان نلفت نظرك إليها بدقة، العبارة تتحدث عن العدو الذي يحاول بقوته ان يصدّ عن نصرة الله تعالى للامام (عجل الله فرجه) واعوانه. هذا العدو الذي خيّل إليه انه يستطيع بما يمتلكه من القوة: ان يقف في وجه الحركة الاصلاحية للامام (عجل الله فرجه)، هذا العدو لقد وسعه الله تعالى حلماً، اي: ان الله عزوجل صبر على مواقف العدوّ، بمعنى انه أمهله، حتى يفجأه بالخذلان ويستأصله تماماً. هذا المعنا قد نسجه الامام المهدي (عجل الله فرجه) بصياغة جميلة تعتمد عنصر (الصورة) وعنصر (الاتباع)، حيث انّ أخذه (جهرة) يعني: هزيمته المنكرة امام الجيش الاسلامي، وان أخذه (على غرة) اي: فجأة دون ان يتوقع العدو ذلك، وهذا هو منتهى الشعور بالخيبة التي لم يتوقعها العدوّ. هنا بعد أن توسل الامام (عجل الله فرجه) بالله تعالى بان يأخذ عدوّه على حيث غرة أو فجأة، يتقدم الى تفصيلات جديدة ترتبط بهذا الموقف، قد استمدها من النص القرآني الكريم. ان قارئ الدعاء مدعوّ الى ملاحظة هذا الاسلوب الفني لدى الامام (عجل الله فرجه)، وهو: بالاضافة الى ما لاحظناه من (صور) و(ايقاع) مثل (جهرة) و(غرّة)، نجد ظاهرة (التناص) او التضمين تأخذ مساحة جميلة من هذا النص على نحو ما نلاحظه الآن: يقول الامام (عجل الله فرجه): (فانك - اللهمّ- قلت وقولك الحق، حتى اذا اخذت الارض زخرفها وازيّنت وظنّ اهلها انهم قادرون عليها، أتاها أمرنا ليلاً او نهاراً، فجعلناها حصيداً كأن لن تغن بالأمس، كذلك نفصّل الآيات لقومٍ يتفكرون). والآن نلفت نظرك الى الاسرار الكامنة وراء الآية المتقدمة، حيث نعدك - ان شاء الله تعالى- بأن نتحدث عنها مفصلاً في لقاء لاحق ان شاء الله تعالى. ختاماً نسأله تعالى ان يوفقنا الى نصرة الامام (عجل الله فرجه)، وأن يوفقنا الى ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. شرح فقرة: "وتمرد بمنعك على ركوب مخالفتك، ..." - 197 2013-11-30 11:18:33 2013-11-30 11:18:33 http://arabic.irib.ir/programs/item/10748 http://arabic.irib.ir/programs/item/10748 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مستمعي اذاعة طهران، لازلنا نتحدثك عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء الإمام المهدي (عجل الله فرجه) في القنوت، حيث تحدثنا عن أحد مقاطعه وانتهينا الى مقطع ورد فيه التوسل بالله تعالى بأن يحقق أو ينجز ما وعد به أولياءه من النصر، الى أن يقول: (واكفف عنهم بأس من نصب الخلاف عليك، وتمرد بمنعك على ركوب مخالفتك، واستعان برفدك على فل حدك، وقصد لكيدك بأيدك، ووسعته حلماً لتأخذه على جهره، وتستأصله على غرّة، ...). هذا المقطع من الدعاء يتضمن التوسل بالله تعالى بأن يستأصل جميع الأعداء الذين يقفون أمام عملية الإصلاح الذي يطلع بها الإمام المهدي (عجل الله فرجه) عند الظهور. وفيها تلميح لأنماط الأعداء وأساليبهم، كما فيها تذكير لقارئ الدعاء بما يمارسه العدو الذي يستثمر ما لديه من الفاعلية التي وهبها الله تعالى لعباده من أجل الطاعة، ولكن الأعداء وظفوها لمحاربة الله تعالى وأوليائه، هذه الظواهر طرحها مقطع الدعاء. والآن الى تفصيل الحديث عنها. إن العبارة الأولى في المقطع تتوسل بالله تعالى بأن يكف الله تعالى بأس المخالفين له ولرسوله وأوليائه (عليهم السلام) وهم نمط من الأعداء الذين ينصبون العداء لخط أهل البيت (عليهم السلام)، وقد وصفهم النص بأنهم متمردون ومتعمدون على مخالفة ما أوصى به النبي (صلى الله عليه وآله) من الإلتزام بعترة أهل بيته والتمسك بأحد الثقلين، ولكنهم ركبوا أهواءهم وتمردوا. هنا نجد أن النص قد استخدم عبارة استعارية عبر قوله (عجل الله فرجه): (وتمرد بمنعك على ركوب مخالفتك) وهي عبارة تتحدث بدقة عن الإنحراف النفسي عند المخالف، حيث استخدم الإمام (عجل الله فرجه) عبارة (الركوب) بصفتها ترمز الى العمد والعناد، حيث أن الركوب يعني: العزم على التوجه الى ميدان السلوك المخالف لأوامر الله تعالى ورسوله وأهل بيته. بعد ذلك نواجه عبارة ملفتة هي: (واستعان برفدك على فل حدك) إن هذه العبارة وما بعدها - كما سنرى- تحفل بظاهرة هي لفت نظر لكل المنحرفين في الوجود، حيث أن الله تعالى منح القوة والإرادة والفاعلية التي يستطيع بها الإنسان ممارسة وظيفته العبادية، ولكن الإنسان المنحرف وظفها على عكس ما ينبغي، وإذا به يستعين بما رفده تعالى من العطاء لكي يحارب به الله تعالى. هذا المعنى رسمه النص من خلال جملة عبارات إنها: العبارة القائلة عن المخالف (واستعان برفدك على فل حدك) ترى ماذا نستلهم من العبارة المذكورة؟ إن العبارة المذكورة كسابقتها تتميز بكونها صياغة فنية استعارية أو رمزية تقرر بأن المخالف استعان بما منحه الله تعالى من فاعلية، لكن يحارب بها الله تعالى، كيف ذلك؟ هنا نحسبك تتساءل عن الأسرار الدلالية لهذه العبارة، فنقول: لقد استخدم الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) عبارة (فل الحد) وهي ترمز الى أن الله تعالى حد للبشرية حدوداً وفيها: وعده تعالى بنصره أوليائه واستخلافهم في الأرض، وها هو المخالف يحاول من خلال تمرده بأن يستخدم قواه لكي يقف حاجزاً أمام النصر، ولكن هيهات، بطبيعة الحال حيث سيحقق الله تعالى النصر رغم المخالفين. إذن أمكننا الآن أن نستبين جانباً من أسرار العبارة المذكورة وسنواصل الحديث عن سائر ما ورد في المقطع المذكور في لقاءات لاحقة إن شاء الله تعالى. ختاماً نسأل الله تعالى أن يجعل النصر وأن يجعلنا من المسارعين الى نصرة أوليائه وأن يوفقنا الى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. شرح فقرة: "وأكرم أولياءك بإنجاز وعدك،..." - 196 2013-10-23 11:40:16 2013-10-23 11:40:16 http://arabic.irib.ir/programs/item/10739 http://arabic.irib.ir/programs/item/10739 مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نواصل حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها: دعاء الإمام المهدي (عجل الله فرجه) في القنوت، حيث ورد فيه: (اللهم صل علی محمد وآله محمد، وأكرم أولياءك بإنجاز وعدك، وبلغهم درك ما يأملونه من نصرك، واكفف عنهم بأس من نصر من نصب الخلاف عليك، وتمرد بمنعك علی ركوب مخالفتك...). مستمعينا الكرام، هذا النص يتحدث عن أولياء الله تعالی، حيث يتداعی الذهن إلی أنهم المعصومون (عليه السلام)، أي الإمام المهدي نفسه ومن تحقق الرجعة من خلالهم، كما يمكن أن تتداعی الأذهان إلی من يلتحق بالحركة الإصلاحية من أولياء الله تعالی والمهم هو أن نتحدث عن الدلالات التي يرشح بها النص، وهي التوسل بالله تعالی بأن يعجل ظهور الإمام ويحقق النصر علی يده، إذن لنتحدث حول هذا الجانب. يبدأ النص بالصلوات علی محمد وآل محمد، وهو استهلال لكل دعاء، كما هو واضح ولذلك تجسيداً لأهمية النبي (صلی الله عليه وآله) وأهل بيته، حيث أن الكون نفسه يقترن ببركات وجودهم (عليهم السلام)، فإذا تجاوزنا هذا الجانب نتجه إلی عبارة: (وأكرم أولياءك بإنجاز وعدك). إن هذه العبارة تتميز بأهمية كبيرة من حيث كونها نستفتح الدعاء بها، وهي الحديث مباشرة عن وعد الله تعالی باستخلاف الأرض ووراثتها، إنها تتحدث عن الوعد والله لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ، ولعل - المستعمي الكريم- والقارئ لي النصوص الشرعية يستحضر إلی ذهنه النصوص المشيرة إلی أن ظهور الإمام من الْمِيعَادَ أو الوعد الذي لا يتخلف كما هو واضح، تأكيداً علی البشارة التي ينتظرها المجتمع الإسلامي في وراثته للأرض. والسؤال هو الآن: ما هي الأسرار الكامنة وراء هذا الإستهلال الذي يتحدث عن إنجاز وَعَدَ اللَّهُ تبارك وتعالی؟ لقد قال النص: (وأكرم أولياءك) وهو نص يتحدث عن الإكرام أو التكريم، أي بمعنی أننا في سياق خاص هو: التكريم بأفضل ما يمكن تصوره من العطاءات إلتي يغدقها تعالی علی أوليائه، متمثلة في ظهور الإمام (عليهم السلام).، بصفه أن ظهوره (عليهم السلام). هو التجسيد الحي لختام الرسالة الإسلامية البادئة بظهور محمد (صلی الله عليه وآله) والمختمتة بظهور الإمام (عجل الله فرجه). إذن النكتة هي: الخلافة أو الإستخلاف في الأرض. ثم ماذا نواجه من العبارات؟ يقول النص: (وبلغهم درك ما يأملون من نصرك). إن الأمل وحده يقترن بأهمية كبيرة من حيث كونه التجسيد لمفهوم الإستخلاف، وهو- أي الإستخلاف - عندما يقترن بظاهرة (الأمل) يكتسب خطورة بما هو إمتاع وبهجة وسرور، بصفة أن الأمل هو الطاقة التي تمد المنتظر للظهور بما ينتظره من الإستخلاف الموعود به: كما هو واضح. طبيعياً أن (النصر) من الله تعالی هو المجسد للأمل المشار إليه. لذلك يظل الأمل بالإصلاح أو الإستخلاف مرتبطاً بمدی نصر الله تعالی، وهذا ما جسدته العبارة المتقدمة، هي: (وأكرم أوليائك بإنجاز وعدك، وبلغهم درك ما يأملونه من نصرك)، ثم ماذا؟ يقول النص: (واكفف عنهم بأس من نصب الخلاف عليك وتمرد، ...)، هنا نلفت نظر قارئ الدعاء إلی أن النكات الدلالية في موضوع هذا النص من الله تعالی لأوليائه هي: إيراد الشيء وضده، أي الإشارة إلی النصر ثم إلی ما يقف خلافه من كيد العدو، حيث أن التلويح بالقضاء علی العدو يفرض فاعليته: كما هو واضح (وهو الذي نتحدث عنه في لقاء لاحق إن شاء الله). ختاماً نسأل الله تعالی أن يعجل النصر وأن يجعلنا من أعوان الإمام (عليهم السلام). وأن يوفقنا لممارسة العمل العبادي والتصاعد به نحو المطلوب. شرح فقرة: "اللهم صل علی محمد وآله واجعلني بهم فائزاً عندك،..." - 195 2013-10-22 09:13:40 2013-10-22 09:13:40 http://arabic.irib.ir/programs/item/10738 http://arabic.irib.ir/programs/item/10738 والْحَمْدُ لِلَّهِ والصلاة والسلام علی أبواب رحمة الله المصطفی محمد رسول الله وآله الهداة إلی الله. السلام عليكم مستمعينا الأفاضل ورحمة الله وبركاته، معكم في حلقة أخری من هذا البرنامج وهي الأخيرة في حلقاته التي تناولت شرح دعاء المعرفة، أو دعاء عصر الغيبة وهو من غرر أدعية أهل البيت (عليهم السلام) وقد ذكر العلماء الأخيار والفقهاء خصائص كثيرة له أهمها النجاة من فتن عصر الغيبة وتسويلات الشيطان والأئمة المضلين، وكذلك ترسيخ وتقوية الإيمان الصادق والعقائد الحقة في القلوب. وقد أمر الإمام المهدي (عجل الله فرجه) مؤمني عصر الغيبة بالإهتمام بتلاوة هذا الدعاء خاصة بعد صلاة العصر من يوم الجمعة إلا أن ذلك لا يعني حصر تلاوته بهذا الوقت بل صرح العلماء بأنه أيضاً من الأدعية العامة التي يحسن بالمؤمن تلاوتها في أي وقت وجد في قلبه توجهاً خالصاً لله عزوجل وأحب الدعاء لإمام العصر (عجل الله فرجه) أو اشتد شوقه لرؤية طلعته الرشيدة وغرته الحميدة صلوات الله عليه وعلی آبائه الطاهرين. أيها الإخوة والأخوات، وقد اشتمل الدعاء علی بيان وترسيخ كثير من الحقائق الأساسية المرتبطة بإمام العصر (أرواحنا فداه)، وفيه إشارات كثيرة لأسرار غيبته (عليه السلام) وشروط ظهوره (عجل الله فرجه). فهذا الدعاء يقدم للمؤمنين درجة سامية من درجات معرفة إمام العصر بالصورة المطلوبة التي تنجي الإنسان من ميتة الجاهلية وتجعله مقاوماً للفتن لا تؤثر علی إيمانه الشبهات والتلبيسات ولا يتأثر لطول غيبة الإمام أو تأخر ظهوره لأنه آمن به (عجل الله فرجه الشريف). إستناداً إلی حقائق إيمانية أصيلة في النظام العقائدي التوحيدي الذي انطلق منه هذا الدعاء مقطعه الأول واستمر يقويه في قلب الداعي في مختلف مراحل ومقاطع الدعاء. مستمعينا الأفاضل، كما أن انفتاح قلب المؤمن علی مضامين الدعاء وعلی الحقائق المعرفية التي يشتمل عليها، يعطيه حصانة من التأثر بدعوات الأئمة المضلين أو أدعياء المهدوية بمختلف اتجاهاتهم؛ والسر في ذلك يكمن في أن هذا الدعاء الشريف مثلما يعطي للمؤمن معرفة عقلية متكاملة بصفات المهدي الحقيقي بحيث يستطيع بعقله أن يكشف زيف أدعياء المهدوية والأئمة المضلين، كذلك يعطي في الوقت نفسه للمؤمن معرفة نورانية قلبية بصاحب الزمان وإمام العصر (أرواحنا فداه) تجعله يميز قلبياً وبالنورانية القلبية إمامه المهدي الحقيقي عن أدعياء المهدوية الضالين والمضلين. مستمعينا الأفاضل، كما أن هذا الدعاء يشتمل علی تحديدات واضحة وجلية لتكاليف المؤمنين في عصر غيبة الإمام المهدي (أرواحنا فداه) وكيف يساهمون في التمهيد لظهوره. كما أن الدعاء يعرفهم وجدانياً - عقلياً وقلبياً - بصفات وخصوصيات الأنصار الحقيقيين له (عليه السلام) فيبعث بذلك الشوق والإندفاع في قلب من يواضب علی تلاوة هذا الدعاء لكي يجتهد في السعي للتحلي بهذه الصفات والخصال لكي يفوز بذلك برضا الله عزوجل ورضا مولاه صاحب الزمان؛ وفي الوقت نفسه فإن هذا الدعاء الشريف يرسخ العلاقة بين المؤمن وإمام زمانه (أرواحنا فداه) ويرفعها إلی علاقة مودة وحب إلهي صادق يجعل المؤمن يتقرب إلی الله عزوجل بالإندفاع الطوعي وبكل وجوده لاتباع مولاه المهدي (عليه السلام) وفي ذلك اتباع لآبائه الأئمة المعصومين (عليهم السلام) وجده سيد المرسلين (صلی الله عليه وآله)، وفي اتباعه الفوز بحب الله عزوجل وفي ذلك الفوز المبين. من هنا مستمعينا الأفاضل نجد مولانا الإمام المهدي (عجل الله فرجه) يعلمنا أن نختم دعاء المعرفة ودعاء عصر الغيبة بالمقطع التالي: (اللهم صل علی محمد وآل محمد واجعلني بهم فائزاً عندك في الدنيا والآخرة ومن المقربين آمين يا رب العالمين). فالتمسك بولاية محمد وآله الطاهرين تثمر ليس الفوز بالحياة الطيبة في الدنيا والآخرة بل بأكرم من ذلك رضوان اللَّهِ أَكْبَرُ المتمثل بالدخول في مقامات المقريبن منه عزوجل، رزقنا الله وإياكم - مستمعينا الأفاضل - ذلك ببركة الإكثار من الصلاة علی محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. وبهذا انتهی أحبائنا لقاء اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) شكراً لكم وفي أمان الله. شرح فقرة: "ولا تجعلني من أهل الحنق والغيظ علی آل محمد،..." - 194 2013-10-21 09:55:21 2013-10-21 09:55:21 http://arabic.irib.ir/programs/item/10737 http://arabic.irib.ir/programs/item/10737 والْحَمْدُ لِلَّهِ ذو الفضل والإنعام والمن والإحسان إذ أنعم علينا بموالاة ومحبة رحمته الكبری للأنام محمد المختار وآله الاطهار صلوات الله عليهم آنَاء اللَّيْلِ وطْرَافَ النَّهَارِ. السلام عليكم مستمعينا الكرام ورحمة الله وبركاته، يسرنا أن نكون معكم أعزائنا في حلقة أخری من هذا البرنامج نستنير فيها بأحد المقاطع الأخيرة من دعاء المعرفة الجليل المأمور بالإهتمام بتلاوته في عصر الغيبة جاء في هذا المقطع: (اللهم ولا تجعلني من خصماء آل محمد (عليهم السلام)، ولا تجعلني من أعداء آل محمد (عليهم السلام)، ولا تجعلني من أهل الحنق والغيظ علی آل محمد (عليهم السلام)، فإني أعوذ بك من ذلك فأعذني وأستجير بك فأجرني، ... يا أرحم الراحمين). يعلمنا مولانا الإمام المهدي (سلام الله عليه) في هذا الدعاء أن نعوذ بالله ونستجير به تبارك وتعالی لكي لا نكون من خصماء آل محمد وأعدائهم (عليهم السلام) ولا من أهل الحنق والغيظ عليهم. فنحن هنا أمام ثلاث سلوكيات يحذرنا الإمام (عليه السلام) من تبعاتها ويأمرنا بالإستعاذة بالله منها، هي: الخصومة، والعداوة، و الحنق والغيظ علی محمد وآله (عليهم السلام)، فما هو المقصود بكل منها؟ في الإجابة عن هذا السؤال نقول: إن معنی الخصومة قريب من معنی العداوة، ولكن ذكرهما معاً هنا إشارة إلی اجتناب حالتين التعامل مع أهل بيت النبوة (عليهم السلام)، الحالة الأولی هي حالة الخصومة التي تشترك مع العداوة في مفهوم النزاع ولكنها تتميز عنها بأنها - أي الخصومة - تكون نزاعاً مقترناً بالمجادلة والسعي للإساءة إلی المنزلة المعنوية للطرف الآخر وإضعاف آرائه ومعتقداتها ونظائر ذلك. وعليه يكون معنی اجتناب أن نكون من خصماء آل محمد (صلی الله عليه وآله) هو اجتناب منازعتهم في مقاماتهم التي حباهم الله بها، وكذلك اجتناب الجدال معهم والتورع عن الإساءة إلی مقاماتهم المعنوية التي طاب ذكرها في الأمة الإسلامية بمختلف مذاهبها. أيها الإخوة والأخوات، أما معنی العداوة فهو أوسع من الخصومة ويشمل معاني البغض والنزاع والقيام بأي عمل فيه إساءة إلی الطرف الآخر والسعي لإيذائه. ويبدو من كلمات علماء اللغة، أن الأصل في معنی الخصومة هو النزاع اللساني والحقوقي كترافع للقضاء، أو عرض الإحتجاجات ونظائر ذلك. أما في العداوة، فالأصل هو النزاع العملي والسعي للإضرار بالعدو بجميع الوسائل المتاحة. والمهم للمؤمن أن يستجير بالله عزوجل من أن يقع في مخاصمة أو معاداة محمد وآل محمد (عليهم السلام) لأن مخاصمتهم تعني نزاع وجدال مع الله عزوجل واعتراض علی حكمته تبارك وتعالی، كما أن معاداتهم تعني معاداة الله جلت قدرته والإضرار به - أي بكل ما ينسب إليه من شرائع وقضاء، رسل وأنبياء وأولياء وغير ذلك. ولكل ذلك عواقب وخيمة تستتبع الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ في الدنيا والآخرة، وهذه العواقب تتناسب مع مراتب هذه الخصومة والعداوة، ومع كون هذه الخصومة المقصودة أو غير مقصودة، ظاهرة أو خفية والمهم للمؤمن أن يجتنبها جميعاً. مستمعينا الأكارم، أما السلوكية الثالثة التي نستجير بالله عزوجل منها فهي أن نكون من أهل الحنق والغيظ علی محمد وآله (عليهم السلام). ومعنی الحنق هو الغضب الناشئ من الحقد وما شابهه، أما الغيظ فهو تأجج نار الغضب. وعليه يكون المعنی أننا نعوذ بالله عزوجل من أن يكون في صدورنا شيء من الحقد والغضب علی محمد وآل محمد (عليهم السلام). إذ أن ذلك يعني السقوط في مهاوي سخط الله عزوجل وغضبه تبارك وتعالی، فهم مظهرون لأمر الله ونهيه ومجسدون لأخلاقه السامية المفعمة بالرحمة والرأفة، وإذا حكموا بين الناس حكموا بالعدل فلا يغضب عليهم إلا من وجد الشيطان إلی نفسه سبيلاً فكره له الحق وحبب إليه الفسوق والعصيان أجارنا الله وإياكم من ذلك بحرمة التمسك بولاية محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. نشكر لكم أعزائنا مستمعي إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران طيب الاصغاء لحلقة اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة) إلی لقائنا المقبل نستودعكم الله ودمتم بألف خير. شرح فقرة: "اللهم ولا تجعلني من خصماء آل محمد عليهم السلام،..." - 193 2013-10-20 08:47:54 2013-10-20 08:47:54 http://arabic.irib.ir/programs/item/10735 http://arabic.irib.ir/programs/item/10735 وله عظيم الحمد والثناء إذ رزقنا بلطفه مودة وموالاة رحمته الكبری للعالمين المصطفی الأمين محمد وآله الطاهرين صلوات الله وتحياته وبركاته عليهم أجمعين. السلام عليكم أيها الإخوة والأخوات ورحمة الله وبركاته. بتوفيق الله نلتقيكم في حلقة جديدة من هذا البرنامج لنا فيها وقفة تأملية واستلهامية من أحد المقاطع الأخير من الدعاء الشريف الذي أمرنا مولانا الإمام صاحب الزمان (عجل الله فرجه) بتلاوته في عصر الغيبة وخاصة في عصر أيام الجمعات. وهو المقطع الذي يعلمنا أن نطلب من الله عزوجل قائلين: (اللهم ولا تجعلني من خصماء آل محمد (عليهم السلام)، ولا تجعلني من أعداء آل محمد (عليهم السلام)، ولا تجعلني من أهل الحنق والغيظ علی آل محمد (عليهم السلام)، فإني أعوذ بك من ذلك فأعذني واستجير بك فأجرني، ... يا أرحم الراحمين). ثمة سؤال اول قد يطرق الأذهان للوهلة الأولی وهو يستمع لهذه العبارة، وهذا السؤال هو: ما مغزی أن يعلمنا الدعاء أن نطلب من الله عزوجل أن لا يجعلنا من خصماء آل محمد وأعدائهم وأهل الحنق والغيظ عليهم في حين نحن نفتخر بكوننا من شيعتهم ومن أهل مودتهم، وإذا لم نكن عاملين بالكامل بوصاياهم ولا تصدق علينا بالكامل صفات الشيعة الصادقين، فنحن علی الأقل متمسكون بحبل مودتهم وحبهم (عليهم السلام) فكيف يمكن أن نكون من خصمائهم وأعدائهم؟ بالنسبة لهذا السؤال يمكن الإجابة عنه بعدة أمور: الأمر الأول: هو أن المراد التنبيه إلی خطورة أمر معاداة آل محمد (عليهم السلام) وآثاره التدميرية بحيث يعلمنا الدعاء أن نستعيذ بالله منه مهما كان إحتمال الإبتلاء به بسيطاً أو ضعيفاً. أما الأمر الثاني: فهو يرتبط في الواقع بطلب حسن العاقبة والثبات علی العقائد الحقة عند الإحتضار ومقاومته محاولات الشيطان لحرف الإنسان عن تلك العقائد مستغلاً خصوصيات حالة الإحتضار الصعبة. أعزائنا المستمعين، الأمر الثالث: الذي ينبهنا له دعاء المعرفة الجليل من خلال تعليمنا أن نطلب من الله عزوجل أن لا يجعلنا من خصماء آل محمد (عليهم السلام) هذا الأمر هو لزوم الإحتياط والحذر من السقوط من حيث لا ندري في المصاديق غير المقصودة أو غير الصريحة لمعاداة أهل بيت النبوة (عليهم السلام). فأمر معاداتهم (سلام الله عليهم) قد يكون مقصوداً صريحاً واضحاً وهذا حكمه كحكم الشرك الصريح بالله والعداء له عزوجل، فهو ظلم فضيع لا يقع فيه إلا النواصب الذين جاهروا بمعاداة أهل البيت (عليهم السلام) وحكم الفقهاء لذلك بكفرهم. وقد تكون معاداتهم (سلام الله عليهم) مقصودة ولكن غير صريحة أي مبطنة تظهر خلاف ما تبطن، وهذه الحالة حكمها كحكم المنافقين في عهد رسول الله (صلی الله عليه وآله) والذين تحدث القرآن الكريم مفصلاً عنهم في آيات سورة التوبة وسورة المنافقين وغيرها. ومما لا شك فيه أن التلبس بهذه الحالات من معاداة أهل البيت سبب لحلول العقاب الإلهي والعذاب غيرة من الله عزوجل عليهم؛ ومثل هذه الحالات من المستبعد أن يصاب بها قلب محب لأهل بيت الرحمة المحمدية (صلوات الله عليه وآله)، فليست هي المستعاذ منها في الدعاء الشريف. أما الحالات الأخری لمعاداة آل محمد (عليهم السلام) والتي ينبغي للمؤمن أن يستعيذ بالله ويستجير به عزوجل منها، فهي الحالات التي تكون فيها معاداة أهل بيت النبوة غير مقصودة من قبل الإنسان نفسه وخفية عليه نفسه، فلا يدرك أنها عداء لأهل البيت (عليهم السلام). ومن نماذجها المهمة معاداة أوليائهم وشيعتهم دون الإلتفات إلی أن تشيعهم لآل محمد (صلی الله عليه وآله) يجعل معاداتهم معاداة لآل محمد (صلی الله عليه وآله). كما نصت علی ذلك عدة من الأحاديث الشريفة. كما أن نماذجها المهمة الأخری عدم البراءة من أعدائهم ونفوذ شيء مهما كان بسيطاً من محبتهم أو الإعجاب ولو ببعض فعالهم، أو مناصرتهم في بعض مواقفهم ونظائر ذلك، فهي كلها تعد من المصاديق الخفية وغير المقصودة لمعاداة أهل البيت (عليهم السلام) ولذلك ينبغي الإستعاذة بالله منها والإستجارة بالله منها لعظيم أخطارها أعاذنا الله وإياكم منها ورزقنا كامل البراءة من أعداء محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. انتهی أعزائنا لقاؤنا بكم في هذه الحلقة من برنامج (ينابيع الرحمة) استمعتم لها مشكورين من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران. تقبل الله أعمالكم ودمتم بكل خير. شرح فقرة: "فاكشف الضر عن وليك،..." - 192 2013-10-19 09:01:18 2013-10-19 09:01:18 http://arabic.irib.ir/programs/item/10734 http://arabic.irib.ir/programs/item/10734 وله الحمد والمجد كاشف الضر ومجيب دعوة المضطر مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيم الرحمن الرحيم. وأزكی صلواته الناميات وبركاته المتناميات وتحياته المباركات علی أعلام صراطه المستقيم والهداة إلی نهجه القويم محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. السلام عليكم أعزائنا المستمعين، علی بركة الله نلتقيكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج نتابع فيها الإستنارة بدعاء المعرفة الجليل الذي أمرنا مولانا الإمام المهدي (عجل الله فرجه) بتلاوته في عصر الغيبة، نتوقف في هذا اللقاء مرة ثانية عند المقطع الذي يدعو فيه المؤمن ربه طالباً تعجيل فرج قائم آل محمد (صلی الله عليه وآله) قائلاً: (أنت يا رب تكشف الضُّرُّ، وتجيب المضطر إذا دعاك، وتنجي مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيم، فاكشف الضُّرّ عن وليك، واجعله خليفتك في أرضك كما ضمنت له، ... يا أرحم الراحمين). عرفنا في حلقة سابقة - أعزائنا المستمعين - أن الدعاء يعلمنا هنا أن نتوسل إلی الله عزوجل بذكر ثلاثة من أسمائه الحسنی التي ترتبط بما نطلبه منه وهو تعجيل فرج مولانا صاحب الزمان (عليه السلام). وهذه الأسماء الثلاثة هي أعزائنا: كاشف الضُّرّ، ومجيب المضطر، والمنجي مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيم ، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم بشأن أربعة من الأنبياء العظام هم الصابر أيوب والشاكر نوح والكليم موسی وأخوه هارون - علی نبينا وآله وعليهم أفضل الصلاة والسلام -. فقد كشف عزوجل ضر البلاء الطويل الذي أحاط بأيوب الصابر (عليه السلام)، كما أنقذ نوحاً مِنَ الْكَرْبِ أعراض قومه عن الإستجابة لدعوته بعد طول الأمد وإتمام الحجة عليهم، فأغرق قومه لأنهم كانوا قوم سوء لا أمل بإصلاحهم. كما أنه تبارك وتعالی أنجا موسی وهارون من ظلم فرعون وحاكميته المطلقة في مصر بعد أن يأس من استجابته وملائه للآيات الكثيرة التي أظهرها الله عزوجل علی يد موسی (عليه السلام) كما حدثنا عن ذلك القرآن الكريم. أعزائنا المستمعين، بعد التوسل إلی الله عزوجل بأسمائه الثلاثة هذه يعلمنا دعاء المعرفة الجليل أن نطلب من الله عزوجل تعجيل فرج وليه وخليفته المهدي المنتظر (أرواحنا فداه) قائلين: (فاكشف الضُّرّ عن وليك، واجعله خليفتك في أرضك كما ضمنت له)، فما المراد بهذا الطلب؟ للإجابة عن هذا السؤال نشير مرة أخری إلی أن الأسماء الإلهية التي توسلنا بها في بداية الفقرة، فقد عرفنا أن الموارد التي اقتبس الدعاء منها هذا التعبير ترتبط بالأنبياء (عليهم السلام) ونصرة الله عزوجل لهم بكشف ضر طول البلاء وإنقاذهم من كرب استمرار حاكمية الظالمين والطواغيت والمفسدين في الأرض. من هنا يتضح أن الضُّرّ الذي نطلب من الله أن يكشفه عن وليه المهدي لا ينحصر في كشف الضُّرّ الشخصي الذي يتعلق مباشرة بشخصه (عليه السلام)، بل يعني كشف الضر العام والْكَرْبِ الْعَظِيم الذي يعتصر المؤمنين بل والبشرية جمعاء. وبعبارة أخری فإننا نطلب في واقع الأمر من الله عزوجل أن يكشف عن المؤمنين جميعاً والبشرية جمعاء ضر الأذی المتواصل الذي يوجهه الطواغيت والمفسدين للناس وهذا أشد ما يؤذي قلب إمام العصر (أرواحنا فداه). كما أننا مستمعينا الأفاضل نطلب من الله تبارك وتعالی أن ينجي في الواقع المؤمنين بل والبشرية جميعاً من كرب مشاهدة استمرار حاكمية طغاة وتيارات فاسدة أمهلهم الله طويلاً فلم يستجيبوا لكلمة الحق وواصلوا علوهم واستكبارهم في الأرض وظلمهم لعباد الله عزوجل، فحالهم في ذلك حال قوم نوح (عليه السلام) وفرعون وملائه، الذين لم يبق الله جل جلاله علی الأرض منهم دياراً فأغرقهم مثلما أغرق فيما بعد فرعون وملائه وجيشه. أيها الإخوة والأخوات، أما بالنسبة لفقرة: (واجعله خليفتك في أرضك كما ضمنت له)، ففيها إشارة إلی الوعد الإلهي الصادق الوارد في الآية الكريمة 55 من سورة النور المباركة، حيث يقول تبارك وتعالی: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ». وقد أثبت المفسرون استناداً إلی منطوق هذه الآية الكريمة نفسها أن هذا الوعد الإلهي الصادق الذي ضمنه الله عزوجل لم يتحقق بعد، وأن المراد به هو ما نصت عليه كثير من الأحاديث الشريفة من أن تحققه يكون عند ظهور الإمام المهدي خليفة الله عزوجل وإقامة دولة أهل البيت (عليهم السلام) الإلهية العالمية العادلة. انتهی أحبائنا الوقت المخصص لهذه الحلقة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم لها مشكورين من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران. تقبل الله أعمالكم ودمتم بكل خير. شرح فقرة: " أنت يا رب، الذي تكشف الضر، ..." - 191 2013-10-15 08:45:07 2013-10-15 08:45:07 http://arabic.irib.ir/programs/item/10733 http://arabic.irib.ir/programs/item/10733 وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ والصلاة والسلام علی أبواب الرحمة ومعادن الحكمة سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين. السلام عليكم إخوتنا المستمعين ورحمة الله وبركاته؛ معكم أيها الأحبة في لقاء جديد علی مائدة أدعية أهل بيت الرحمة (عليهم السلام) وهي كما وصفها أهل المعرفة مناهل العرفان وكنوز أهل الإيمان. نتابع في هذا اللقاء استلهام دروس الحياة الطيبة من دعاء مولانا الإمام المهدي (عجل الله فرجه) في عصر الغيبة الموسوم بدعاء المعرفة، وقد انتهينا إلی مقطع يتوجه فيه المؤمن إلی ربه الكريم قائلاً: (أنت يا رب، الذي تكشف الضُّرّ، وتجيب المضطر إذا دعاك، وتنجي مِنَ الْكَرْبِ، فاكشف الضُّرّ عن وليك، واجعله خليفتك في أرضك، كما ضمنت له، ... يا أرحم الراحمين). مستمعينا الأفاضل، في الفقرة الأولی من هذا المقطع إشارة ضمنية إلی قصة النبي أيوب – علی نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام –، فهو الذي حكی القرآن الكريم عنه طلبه من الله عزوجل أن يكشف عنه الضُّرّ فكشفه الله عنه، كما يشير لذلك قوله عزوجل في الآيتين 83 و84 من سورة الأنبياء: «وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ». كما أن الآيات الكريمة تحصر كشف الضُّرّ بالله وبإرادته تبارك وتعالی، قال في الآية 56 من سورة الإسراء: «قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً». وقال عزوجل في الآية 17 من سورة الأنعام: «وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ». أيها الإخوة والأخوات، كما أن الفقرة الثانية أيضاً مستلهمة من القرآن الكريم، قال عزوجل في الآية 62 من سورة يونس: «أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ». وقد روي في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) تطبيق هذه الآية علی المهدي المنتظر (عجل الله فرجه) وتخبر عن أنه هو الْمُضْطَرَّ الذي إذا دعا الله عزوجل بالفرج فرج عنه وأظهر أمره، وفي ذلك إشارة إلی كونه أوضح مصاديق (الْمُضْطَرَّ) الذي يدعو الله عزوجل لكشف الضُّرُّ عند الإضطرار. مستمعينا الأكارم، أما فقرة: (وتنجي مِنَ الْكَرْبِ)، فهي أيضاً أعزائنا مقتبسة من القرآن الكريم، ففي سورة الأنبياء الآيتين 76 و77 قال عز من قائل: «وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ، وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ». واستخدم التعبير نفسه بشأن نوح (عليه السلام) في سورة الصافات الآية 76 و77 حيث قال: «وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ، وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ». والمورد الآخر الذي استخدم القرآن الكريم هذا التعبير هو ما جاء في حكاية قصة كليم الله موسی – عليه السلام-، فقال تبارك وتعالی في الآيات 113 إلی 116 من سورة الصافات: «وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ، وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ، وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ». أيها الإخوة والأخوات، كما لاحظتم فإن الدعاء يعلمنا أن نتوجه إلی الله عزوجل بثلاثة من أسمائه المستلهمة من القرآن الكريم هي: كاشف الضُّرّ ومجيب المضطر والمنجي مِنَ الْكَرْبِ، وقد لاحظنا أن هذه الأسماء قد ذكرها القرآن الكريم في قصص ثلاث من الأنبياء (عليهم السلام) فهو الله الذي كشف من أيوب ضر البلاء الطويل الذي أصابه ودفعه عنه، وهو عزوجل الذي أنجی عبده نوحاً وكليمه موسی وأخاه مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيم وأغرق أعدائهم ونصرهم عليهم فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ. والداعي هنا يسأل الله بهذه الأسماء لكي يطلب منه إجراء مثل هذه السنن في تعامله مع وليه وخليفته المهدي فيكشف عنه ضر البلاء الطويل المستمر طوال الغيبة وينجيه مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيم المتمثل بتحمل حاكمية الطواغيت والظالمين الذين أمهلهم الله فملأوا الأرض ظلماً وجوراً وأفسدوا في البلاد وسفكوا الدماء، إذن فالضُّرّ والْكَرْبِ المشار إليهما هنا يرتبطان بحالة الظلم والجور العامة، فطلب كشفها عن الإمام المهدي (عجل الله فرجه) إنما هو دعاء للبشرية جمعاء بكشف الضُّرّ عنها وإنقاذها مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيم. إنتهی أحبائنا مستمعي إذاعة طهران لقاء اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) شكراً لحسن الإصغاءکم وفي أمان الله. شرح فقرة: "وممن لا حاجة به إلی التقية من خلقك،..." - 190 2013-10-14 08:31:02 2013-10-14 08:31:02 http://arabic.irib.ir/programs/item/10732 http://arabic.irib.ir/programs/item/10732 بِسْمِ اللَّهِ الذي بحمده تتم الصالحات وتربو الحسنات، وأطيب الصلوات والتحيات والبركات علی صفوته من الكائنات أبي القاسم محمد وآله الهداة. السلام عليكم أعزائنا المستمعين ورحمة الله وبركاته. تحية طيبة مباركة ندعوكم بها لمرافقتنا في لقاء اليوم من برنامجكم هذا، ووقفة تأملية جديدة في أدعية أهل بيت الرحمة (عليهم السلام) ومنها الدعاء الجليل الذي أمرنا مولانا خاتم الأوصياء المحمديين بقية الله المهدي بتلاوته في عصر غيبته (عجل الله فرجه) خاصة بعد صلاة العصر في أيام الجمعة. في هذه الحلقة نختم الحديث أعزائنا عن المقطع التالي من هذا الدعاء الشريف والذين نطلب فيه من الله عزوجل صدق النصرة والتسليم والطاعة لوليه المهدي قائلين: (واجعلنا يا رب من أعوانه ومقوية سلطانه، والمؤتمرين لأمره والراضين بفعله، والمسلمين لأحكامه، وممن لا حاجة به إلی التقية من خلقك، ... يا أرحم الراحمين). مستمعينا الأفاضل، حديثنا في هذا اللقاء هو عن العبارة الأخيرة من المقطع المتقدم أي التي نطلب فيها من الله جل جلاله أن يجعلنا ممن لا حاجة به إلی التقية من خلقه، فما هو معنی هذا الطلب؟ للإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن نعرف أولاً معنی (التقية)، فهي أسلوب عقلائي أقره القرآن الكريم يقضي بإظهار ما لا يعتقده الإنسان لكي يدفع به ضرراً جسيماً أو يحفظ به أمراً مهماً. فمن المصاديق القرآنية التي أشارت لذلك قوله تعالی في الآية 28 من سورة آل عمران: «لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً». ومن هذه المصاديق ما ذكرته الآية 106 من سورة النحل التي نزلت بشأن الصحابي الجليل عمار بن ياسر عندما تراجع ظاهرياً عن الإسلام وأظهر كلمة الكفر تحت تعذيب طواغيت قريش وبعد استشهاد والديه (رضوان الله عليهما) فأنزل الله بشأنه قوله تبارك وتعالی: «مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ». لا تختص التقية باتقاء أذی الكفار بل تشمل التقية من الظلمة من مختلف الفئات وقد أخرج البخاري وغيره كثيراً من الروايات بشأن عمل الصحابة والتابعين بالتقية في زمن حكام بني أمية وغيرهم، كما رويت في التأكيد عليها كثير من الأحاديث الشريفة عن أئمة العترة المحمدية (عليهم السلام) نظير قول الإمام علي (عليه السلام): (التقية من أفضل أعمال المؤمن يصوون بها نفسه وإخوانه عن الفاجرين)، وقول الإمام الصادق (عليه السلام): (اتقوا علی دينكم فأحجبوه بالتقية)، وكذلك قوله (عليه السلام): (التقية ترس المؤمن، التقية حرز المؤمن). ومن مصاديق التقية ما ذكره فقهاء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) تحت عنوان (التقية مداراة) والهدف منها دفع الخطر المتوقع علی حوزة الإسلام نتيجة لشتات كلمة المسلمين وتفرقهم؛ وذلك بعد إظهار المسائل الخلافية والتأكيد علی المشتركات والتقية هي - مستمعينا الأفاضل - نقيض النفاق الذي ذمه القرآن الكريم كثيراً فالنفاق هو استبطان الكفر وإظهار الإيمان لخداع المؤمنين في حين أن التقية هي إستبطان الإيمان وعدم إظهاره إما دفعاً لخطر الظالمين أو حفظاً للوحدة في الكيان الإسلامي. مستمعينا الأفاضل، بعد هذه التوضيحات نعود إلی فقرة الدعاء الشريف التط يطلب فيها المؤمن من الله جل جلاله أن يجعله ممن لا حاجة به إلی التقية من خلقه فما هو المراد منها؟ علی ضوء ما تقدم يتضح أن ما يطلبه الداعي من الله جل جلاله في هذه العبارة هو أن يبعد عنه كيد الظالمين وخطرهم لكي يحتاج إلی أن يكتم إيمانه وعقيدته وولائه ونصرته لمولاه الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف). إضافة إلی دفع أخطار الظالمين والمخالفين تتضمن هذه العبارة طلب المؤمن من الله عزوجل أن يلهمه السبل التي تعنيه علی نصرة الإمام المهدي والدعوة له (عجل الله فرجه) بالصورة التي لا تؤدي إلی إثارة الجاهلين أو إيقاع سوء الفهم وبالتالي إجتناب كل ما يؤدي إلی الفرقة والشحناء فيضطر إلی العمل بالتقية المداراتية. وثالثاً فإن هذا الطلب يتضمن - أيها الإخوة والأخوات - دعاء المؤمن لربه القدير أن يوفر له جميع العوامل المساعدة لنصرة خليفته المهدي (عجل الله فرجه) مثلما يبعد عنه العقبات التي تصده عن ذلك كالخوف من مكائد الظالمين أو أشكال سوء الفهم التي يضطر المؤمن للتحصن منها بحصن التقية. أعزائنا مستمعي إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران، ختاماً نشكر لكم جميل الإصغاء وطيب المتابعة لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) تقبلوا منا خالص التحيات والدعوات ودمتم بألف خير. شرح فقرة: "والمسلمین لأحكامه،..." - 189 2013-10-13 08:55:13 2013-10-13 08:55:13 http://arabic.irib.ir/programs/item/10731 http://arabic.irib.ir/programs/item/10731 والْحَمْدُ لِلَّهِ الغفور الرحيم وأطيب صلواته علی أعلام صراطه المستقيم وينابيع فضله العميم سيد الرسل محمد وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم أحبتنا ورحمة الله وبركاته، علی بركة الله نلتقيكم في وقفة تأملية جديدة نستلهم فيها دروس الولاء الصادق العبودية الحقة من أدعية أهل بيت الحكمة والرحمة والنبوة (عليهم السلام). نتابع في لقاء اليوم من برنامج ينابيع الرحمة التدبر معاً في عبارة أخری من المقطع التالي من دعاء المعرفة المندوب لتلاوته في عصر غيبة خاتم الأوصياء بقية الله المهدي (أرواحنا فداه)، والمقطع هو الذي فيه نطلب من الله عزوجل توفيق الإنضمام إلی كوكبة أعوان وأنصار وشيعته خليفته المهدي قائلين: (... واجعلنا يا رب من أعوانه ومقوية سلطانه، والمؤتمرين لأمره والراضين بفعله، والمسلمين لأحكامه، وممن لا حاجة به إلی التقية من خلقك، ... يا أرحم الراحمين). مستمعينا الأفاضل، العبارة التي وصلنا إليها من هذا الدعاء الشريف هي قول الداعي: (والمسلمين لأحكامه)، هذه العبارة تشير إلی إحدی صفات المؤمنين الصادقين في تعاملهم مع خلفاء الله الحقيقيين وهي التي أشار إليها القرآن الكريم في آيات عدة منها قوله عز من قائل في الآية 65 من سورة النساء: «فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً»، وكذلك قوله تبارك وتعالی في الآية 36 من سورة الأحزاب: «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً». وواضح - أيها الإخوة والأخوات - أن هذه الآيات ونظائرها تشير بوضوح إلی أن كمال الإيمان وتحققه عملياً وسلوكياً إنما يكون بالتسليم لما يحكم به الله وخلفاؤه المعصومون (عليهم السلام)، وهذه الحقيقة بينتها تفصيلياً الأحاديث الشريفة كما سنری بعد قليل فتابعونا مشكورين. روی ثقة الإسلام الكليني في كتاب الكافي بسندين عن إمامنا جعفر الصادق (عليه السلام) قال: (لو أن قوماً عبدوا الله وحده لا شريك له وأقاموا الصلاة واتوا الزكاة وحجوا البيت وصاموا شهر رمضان ثم قالوا لشيء صنعه الله أو صنعه النبي (صلی الله عليه وآله): ألا صنع خلاف الذي صنع، أو وجدوا ذلك في قلوبهم - يعني وإن لم يتحدثوا به بألسنتهم بل كان اعتراضاً قلبياً - لكانوا بذلك من المشركين، ثم تلا قوله عزوجل: «فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً»، ثم قال الصادق )عليه السلام): فعليك بالتسليم). وروی الشيخ الصدوق في كتاب التوحيد بسنده عن مولانا الإمام الباقر (عليه السلام) في حديث طويل أن جابرا الجعفي سأله عن قوله عزوجل: «لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ»، فقال: يابن رسول الله، وكيف لا يسأل عما يفعل، فأجابه (عليه السلام): (لأنه لا يفعل إلا ما كان من حكمته صواباً، وهو المتكبر الجبار والواحد القهار، فمن وجد في نفسه حرجاً مما قضی الله فقد كفر، ومن أنكر شيئاً من أفعاله فقد جحد). لا يخفی عليكم مستمعينا الأفاضل أن أحكام خليفة الله المهدي هي كأحكام آبائه المعصومين وجده سيد الخلائق (صلی الله عليه وآله) أحكام الله عزوجل، فعدم التسليم لها يمثل مرتبة من مراتب الكفر الخفي إذا كان عدم التسليم قلبياً وإلا كان من الكفر الصريح إذا كان اعتراضاً صريحاً. مستمعينا الأفاضل، وروي عن إمامنا زين العابدين (عليه السلام) في كتاب كمال الدين وتمام النعمة ضمن حديث عن غيبة المهدي قال: (إن للقائم منا غيبتين إحداهما أطول من الأخری. أما الأخر فيطول أمرها حتی يرجع عن هذا الأمر - يعني الإعتقاد بالظهور المهدوي - أكثر من يقول به فلا يثبت عليه إلا من قوی يقينه وصحت معرفته ولم يجد في نفسه حرجاً مما قضينا وسلم لنا أهل البيت). وقال (عليه السلام) ضمن حديث آخر في المصدر نفسه: (إن دين الله عزوجل لا يصاب بالعقول الناقصة والآراء الباطلة والمقائيس الفاسدة، ولا يصاب إلا بالتسليم، فمن سلم لنا سلم، ومن اقتدی بنا هدي، ومن كان يعمل بالقياس والرأي هلك، ومن وجد في نفسه مما نقوله أو نقضي به حرجاً كفر بالذي أنزل السبع الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ وهو لا يعلم). أعزائنا المستمعين، إذن يتضح مما تقدم أن دعاء المعرفة يعلمنا أن نطلب من الله جل جلاله التوفيق للتحلي بإحدی أهم صفات المؤمنين العاملين وهي صفة التسليم الكامل لما يحكم به وليه وخليفته إمام زماننا المهدي (عجل الله فرجه) في جميع الشؤون في عصر الغيبة أو عصر الظهور، سواء عرفنا الحكمة فيما يقضي به أو يتخذه من مواقف أو لم نعرف وجه الحكمة، وسواء جاءت أحكامه طبق ما تراه أو تدركه عقولنا أو ما ترغب في نفوسنا؛ أو جاءت خلاف ذلك. بهذه الخلاصة المستفادة من الآيات الكريمة ننهي أعزائنا لقاء اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة). استمعتم له مشكورين من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران شكراً لكم ودمتم بألف خير. شرح فقرة: "والراضین بفعله،..." - 188 2013-10-12 08:29:40 2013-10-12 08:29:40 http://arabic.irib.ir/programs/item/10730 http://arabic.irib.ir/programs/item/10730 وله الحمد والمجد تبارك وتعالی أرحم الراحمين والصلاة والسلام علی معادن حكمته وكنوز رحمته للعالمين محمد المصطفی الأمين وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم أعزائنا المستمعين ورحمة الله، أطيب وأزكی تحية نهديها لكم ونحن نلتقيكم بتوفيق الله في حلقة اليوم من هذا البرنامج نستنير فيها بعبارات أخری من دعاء عصر الغيبة وهي التي يشتمل عليها المقطع التالي منه، وفيه ندعو الله طالبين منه عزوجل توفيق نصرة خليفته المهدي الموعود (عجل الله فرجه) فنقول: (... واجعلنا يا رب من أعوانه ومقوية سلطانه، والمؤتمرين لأمره والراضين بفعله، والمسلمين لأحكامه، وممن لا حاجة به إلی التقية من خلقك، ... يا أرحم الراحمين). أيها الأحباء، الفقرة التي انتهينا إليها من المقطع الدعائي المتقدم هي نطلب من الله عزوجل أن يوفقنا لأن نكون من الراضين بفعل مولانا خليفته المهدي (عليه السلام). و الرضا بفعل الإمام المعصوم هو فرع الرضا بفعل الله عزوجل، لأن الإمام المعصوم خليفة الله وفعله فعل الله عزوجل ولذلك جعلت طاعته طاعة الله تبارك وتعالى؛ وهذا يعني أن فعل الإمام المعصوم هو في واقعه فعل الله عزوجل. و الرضا بفعل الإلهي الصادر عن إمام زماننا المهدي (أرواحنا فداه) هو من جهة علامة كاشفة عن صدق إيمان الإنسان بالله عزوجل وبحكمته ورأفته وأنه جل جلاله لا يفعل إلا ما فيه صلاح الخلق والرحمة بهم، إما تلطفاً وفضلاً وإما حكمة وعدلاً. وبالتالي فإذا وجد الإنسان في نفسه حالة من عدم الرضا بأفعال وسياسات الإمام المعصوم (عليه السلام) فعليه أن يستذكر أصوله العقائدية ويقويها في نفسه لكي يحصل علی فضيلة الرضا وهي من أسمی صفات عِبَادَ اللَّهِ الصالحين والصادقين في إيمانهم بالله ورسوله وأوليائه المعصومين عليهم أفضل الصلاة والسلام. أيها الإخوة والأخوات؛ ومن جهة ثانية فإن الرضا بفعل الإمام المعصوم (عليه السلام) وسيلة للمؤمن يستعين بها لجعل مشاعره وعواطفه متعبدة لله عزوجل أي أن يكون بكل وجوده - عقلاً ومشاعراً وسلوكاً - عبداً لله مطيعاً لله تبارك وتعالی. لتوضيح هذه الحقيقة نقول: إن الرضا حالة ترتبط بشعور الإنسان وليس بعقله ولا بسلوكه العملي، فقد يعتقد الإنسان عقلياً بصحة السياسات والأفعال الإلهية التي يعمل بها إمام زمانه (عليه السلام) تجاه هذا الطرف أو ذاك أو تجاها ذلك الأمر أو هذا، وقد يلتزم عملياً وسلوكياً بهذه السياسات لكن نفسه تبقی غير راضية عن ذلك لعلة ما ترتبط بأهوائها ورغباتها، فيبقی الإنسان بمشاعره خارج دائرة العبودية لله عزوجل وإن تعبد عقلياً وعملياً لله عزوجل. هذه الحالة - أيها الإخوة والأخوات - توجد لدی الإنسان صراعاً داخلياً يسلبه السكينة والطمأنينة، فإذا سعی في جعل نفسه راضية بفعل الله وطوعها لإرادته جل جلاله حصل علی السكينة والطمأنينة. من هنا يتضح أن تربية النفس علی الرضا بفعل الإمام المعصوم - وهو في الواقع فعل الله تبارك وتعالی - وسيلة للحصول علی النفس الْمُطْمَئِنَّةُ التي تجعل الإنسان يعيش ويتذوق لذة وسعادة العبودية الحقيقية لله عزوجل بكل وجوده. أعزائنا المستمعين إن عدم الرضا بالفعل الإلهي الصادر عن الإمام المعصوم (عليه السلام) يعني في الواقع أن الإنسان لا زال أسير عبودية النفس وأهوائها ورغباتها بدرجة أو بأخری، فإيمانه يبقی غير متكامل ليس في دائرته العقلية والسلوكية بل في إطار القلب والباطن. وإلی هذا يشير الله عزوجل في الآية الأخيرة من سورة المجادلة حيث يقول تبارك وتعالی: «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ». لعلكم لاحظتم أن الآية الكريمة المتحدثة ربطت بين دخول الإيمان بقلوب هذه الطائفة المخلصة من المؤمنين وبين رضاهم عن الله عزوجل الذي يظهر من خلال عدم مودتهم لمن حاد الله أي عاداه ولو كانوا أقرب الناس إليهم وهذا نموذج لكونهم متعبدين لله عزوجل حتی في مشاعرهم لأن الحديث هنا ليس عن الأفعال كنصرة أعداء الله بل عن المشاعر لأن الحديث هنا عن مجرد مودة أعداء الله، وفي ذلك إشارة إلی أن الراضين بأفعال الله هم الذين كمل إيمانهم بعبوديتهم عقلاً ومشاعراً وسلوكاً لله عزوجل وهؤلاء هم الذين يؤيدهم الله بروح منه وهم حزبه الْمُفْلِحُونَ جعلنا الله وإياكم منهم ببركة التمسك بولاية أوليائه الصادقين محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. وبهذا ننهي أعزائنا من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران لقاء اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة)، شكراً لكم ودمتم برعاية الله. شرح فقرة: "واجعلنا يا رب من من أعوانه ومقوية سلطانه، والمؤتمرين لأمره،..." - 187 2013-10-09 08:54:50 2013-10-09 08:54:50 http://arabic.irib.ir/programs/item/10712 http://arabic.irib.ir/programs/item/10712 وله عظيم الحمد والمجد أرحم الراحمين وأطيب صلواته علی ينابيع رحمته للعالمين المصطفی الأمين محمد وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم أعزائنا المستمعين وأهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج، نتابع فيه استلهام دروس الحياة الكريمة من المقطع التالي من دعاء المعرفة المأمورين بتلاوته في عصر الغيبة خاصة بعد صلاة العصر من يوم الجمعة. والمقطع هو الذي نطلب فيه من الله عزوجل أن يوفقنا لأن نكون من أنصار خليفته المهدي الموعود (عجل الله فرجه الشريف)، قائلين: (واجعلنا يا رب من أعوانه ومقوية سلطانه، والمؤتمرين لأمره والراضين بفعله، والمسلمين لأحكامه، وممن لا حاجة به إلی التقية من خلقك، يا أرحم الراحمين). مستمعينا الأفاضل، تحدثنا في حلقة سابقة عن مصاديق إعانة مولانا المهدي في غيبته وفي ظهوره (عجل الله فرجه) وهذا ما نطلبه من الله عزوجل في العبارة الأولی من المقطع المتقدم، أما في العبارة الثانية فإنه يعلمنا أن نطلب الله عزوجل أن يجعلنا من مقوية سلطانه (عليه السلام)، أي أن يوفقنا لأن نكون من المؤمنين العاملين في تقوية سلطان إمام العصر (أرواحنا فداه)، وأن يهدينا للسبل التي نقوي بها سلطانه (عليه السلام)؛ فهل أن مصاديق هذا الدعاء تختص بعصر ظهور الموعود وإقامة دولته الإلهية العادلة؟ للإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن نعرف أولاً معنی (السلطان) في المصطلح الشرعي، وعندما نراجع الكتب المتخصصة في هذا الشأن مثل كتابي مفردات ألفاظ القرآن الكريم للراغب الإصفهاني ومجمع البحرين للعلامة الطريحي، نجد أن السلطان مأخوذ من السلطة التي تعني الغلبة القاهرة وبسط القدرة، وقد استخدمها القرآن الكريم في الغلبة المادية كبسط الحاكمية المادية المباشرة وكذلك في الغلبة المعنوية بغلبة الحجة والبرهان، هذا المعنی القرآني يجري علی معنی سلطان الإمام المهدي (أرواحنا فداه) الذي نطلب من الله عزوجل أن نكون ممن يقويه، وعليه فإننا نطلب في الواقع من الله جل جلاله أن يوفقنا لتقوية الغلبة المادية والمعنوية أيضاً لإمام العصر (عجل الله فرجه الشريف). أيها الإخوة والأخوات، علی ضوء ما تقدم يمكننا القول بأن الدعاء المتقدم يمكن أن تكون له مصاديق متعددة الآن، أي في عصر غيبة الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، مثل أن نطلب من الله الهداية للسبل التي نقوي بها السلطان المعنوي لإمام زماننا (عليه السلام) نظير بيان غلبة حجته أي أحقية النهج الإلهي الذي يدعو إليه وقدرته علی إنقاذ البشرية من أزماتها الراهنة ومن جميع أشكال الظلم والجور. ويأتي في هذا السياق أيضاً جميع مصاديق التعريف بأحقية ومظلومية وفضائل أهل بيت النبوة المحمدية (عليهم السلام) فهي أيضاً من مصاديق تقوية السلطان المعنوي لإمام العصر (أرواحنا فداه). هذا في عصر الغيبة، أما في عصر ظهوره (عجل الله فرجه) فمصاديق تقوية سلطانه كثيرة متنوعة، تشمل ترسيخ غلبته المادية والمعنوية أيضاً وبمختلف الأساليب الجهادية والتبليغية وحسن العمل في الشؤون الإدارية لدولته والإجتهاد في بسط العدل وتحبيب الخلق لأهدافه القدسية ونظائر ذلك من الأمور التي ترسخ دعائم دولة الحق وحاكميتها. أعزائنا المستمعين، وفي العبارة التالية يعلمنا هذا الدعاء الشريف أن نطلب من الله عزوجل أن يجعلنا ممن يأتمر بأوامر وليه وخليفته المهدي (عجل الله فرجه)، أي أن يوفقنا لأن تكون طاعتنا له (عليه السلام) لأن في طاعته طاعة رسول الله (صلی الله عليه وآله) وبالتالي طاعة الله عزوجل كما نصت علی ذلك كثير من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة ويكفي أن نشير هنا إلی أن الإمام المهدي (عجل الله فرجه) هو خاتم (أُولِي الأَمْرِ) من أهل بيت الرحمة المحمدية (عليهم السلام) الذين قرن الله طاعتهم بطاعته وطاعة رسوله بما يفيد عصمتهم لأنه جل جلاله أمر بطاعتهم دون تقييد بشيء كما قال في الآية 59 من سورة النساء: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ». وروی الشيخ الصدوق في كتاب كمال الدين بإسناده إلی جابر بن عبد الله الأنصاري قال: لما أنزل الله عزوجل علی نبيه محمد )صلی الله عليه وآله): «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ»، قلت: يا رسول الله عرفنا الله ورسوله فمن أُولِي الأَمْرِ الذين قرن طاعتهم بطاعته؟ فقال (صلی الله عليه وآله): هم خلفائي يا - جابر - وأئمة المسلمين من بعدي، أولهم علي بن أبي طالب، ثم الحسن ثم الحسين، ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي، المعروف في التوراة بالباقر، وستدركه يا جابر، فاذا لقيته فاقرأه مني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم موسی بن جعفر، ثم علي بن موسی، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم سميي محمد وكنيي، حجة الله في أرضه وبقيته في عباده، ابن الحسن بن علي، ذاك الذي يفتح الله - تعالی ذكره - علی يديه مشارق الأرض ومغاربها. ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه، غيبة لا يثبت علی القول بإمامته، إلا من امتحن الله قلبه للإيمان. قال جابر: فقلت له: يا رسول الله، فهل لشيعته الإنتفاع به في غيبته؟ فقال (عليه السلام): والذي بعثني بالنبوة إنهم يستضيئون بنوره، وينتفعون بولايته في غيبته، كإنتفاع الناس بالشمس، وإن تجلاها سحاب، يا جابر، هذا من مكنون سر، ومخزون علم الله، فاكتمه إلا عن أهله. مستمعينا الأفاضل إلی هنا ينتهي لقاء اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم له مشكورين من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران تقبل الله أعمالكم ودمتم بكل خير. شرح فقرة: "واجعلنا یا رب من أعوانه،..." - 186 2013-10-08 08:58:17 2013-10-08 08:58:17 http://arabic.irib.ir/programs/item/10711 http://arabic.irib.ir/programs/item/10711 بسم الله وله عظيم الحمد والثناء إذ جعلنا من أهل المودة والولاء لصفوته الرحماء سيد الأنبياء محمد وآله الأوصياء النجباء صلواته وتحياته وبركاته عليهم أجمعين. السلام عليكم مستمعينا الأعزاء وأهلاً بكم في لقاء اليوم من برنامجكم هذا ووقفة تأملية عند مقطع آخر من دعاء عصر الغيبة وهو الذي ندعو الله عزوجل فيه وبعد أن نطلب منه أن يحيي بخليفته المهدي حاكمية قرآنه المجيد قائلين: (اللهم ... واجعلنا يا رب من أعوانه، ومقوية سلطانه، والمؤتمرين لأمره، والراضين بفعله، والمسلمين لأحكامه، وممن لا حاجة به إلی التقية من خلقك، ... يا أرحم الراحمين). في العبارة الأولی من هذا المقطع يعلمنا الدعاء الشريف أن نطلب الله عزوجل أن يجعلنا من أعوان إمام العصر المنتظر (عجل الله فرجه الشريف). أي أننا نطلب منه تبارك وتعالی التوفيق لأن نكون ممن يعين الإمام (عليه السلام) في إنجاز ما كلفه الله عزوجل به، وهذا الطلب يصدق علی عصر غيبته مثلما يصدق علی عصر ظهوره (عجل الله فرجه)؛ مع بعض الإختلاف في مصاديق ذلك. ففي عصر الغيبة يقوم الإمام (عليه السلام) بالعمل لاتمهيد لظهوره من خلال قنوات عدة مثل تربية الأنصار الإلهيين المستعدين لنصرته وإعانته علی ذلك تتحقق بالسعي لأن نتحلي نحن بصفات هؤلاء الأنصار ونتواصی فيما بيننا بها ونعين الآخرين علی ذلك. هكذا الحال بالنسبة لمهام التمهيد لظهوره الأخری والتي يقوم بها إمام زماننا (أرواحنا فداه)، فنكون عونا له في كل منها بما يناسبها مثل تعريف العالمين بالدين الإلهي الحق النقي من التحريف، وتعريفهم بمحورية دور أهل بيت النبوة (عليهم السلام) في عرض هذا الدين الحق، وكذلك التعريف بمظلوميتهم وما تحملوه من اشكال الأذی والتشريد والقتل في سبيل هداية الناس إلی دين العدل الإلهي والنجاة من سلطة وظلم الطواغيت بمختلف اتجاهاتهم. مستمعينا الأكارم، وقبل أن ننتقل للحديث عن مصاديق إعانة الإمام المهدي في عصر ظهوره (عجل الله فرجه) نشير إلی أن المؤمن عندما يطلب - وهو في عصر الغيبة - من الله عزوجل أن يجعله من أعوان وليه المهدي (عليه السلام)، فإن طلبه هذا يتضمن عدة معاني: المعنی الأول الذي تحدثنا عنه آنفا، أما المعنی الثاني فهو أن يطيل الله عزوجل في عمر المؤمن حتی يدرك ظهور الإمام الموعود (عجل الله فرجه) والمعنی الثالث هو أن يعجل الله الظهور حتی يدركه؛ في حين أن المعنی الرابع هو أن يحييه إذا توفی قبل الظهور لكي يكون من أعوان الإمام المهدي في عصر ظهوره (عجل الله تعالی فرجه). والمعنی الأخير أكدته كثير من الأحاديث الشريفة وحثت مؤمني عصر الغيبة بمختلف عصوره أن يطلبوا من الله عزوجل الرجعة أو الإحياء عند ظهور المهدي الموعود (عجل الله فرجه) للفوز بشرف نصرته والجهاد بين يديه. وقد وردت عن أهل بيت النبوة (عليهم السلام) عدة أدعية تعلم المؤمنين أن يطلبوا من الله عزوجل الرجعة والحياة الثانية في عصر الظهور، مثل دعاء (العهد) المروي عن مولانا الإمام الصادق (عليه السلام)، والذي قال في مقدمته: (من دعا الله تعالی أربعين صباحاً بهذا العهد، كان من أنصار قائمنا، فإن مات قبله أخرجه الله من قبره وأعطاه بكل كلمة ألف حسنة ومحا عنه ألف سيئة). وقد جاء في مقطع من هذا الدعاء: (... اللهم اجعلني من أنصاره وأعوانه والذابين عنه، والمسارعين إليه في قضاء حوائجه، والممتثلين لأوامره والمحامين عنه، والسابقين إلی إرادته، والمستشهدين بين يديه، اللهم إن حال بيني وبينه الموت، الذي جعلته علی عبادك حتماً مقضياً، فأخرجني من قبري مؤتزراً كفني، شاهراً سيفي، مجرداً قناتي، ملبياً دعوة الداعي في الحاضر والبادي، ...). أيها الإخوة والأخوات، مثل هذا الطلب نقرأه في نص الزيارة المأثورة الذي نزور به مولانا إمام العصر )عليه السلام) فقد جاء في جانب منها: (... فلو تطاولت الدهور لم ازدد فيك إلا يقيناً، ولك إلا حباً، ولظهورك إلا توقعاً وإنتظاراً، ولجهادي بين يديك إلا ترقباً، فأبذل نفسي ومالي وولدي وأهلي وجميع ما خولني ربي بين يديك والتصرف بين أمرك ونهيك، فإن أدركني الموت قبل ظهورك، فاني أتوسل بك وبابائك الطاهرين إلی الله تعالی وأسئله أن يصلي علی محمد وآل محمد، وأن يجعل لي كرة في ظهورك، ورجعة في أيامك، لأبلغ من طاعتك مرادي، ...). مستمعينا الأفاضل، الأحاديث الشريفة المصرحة بأمر هذه الرجعة وإحياء طوائف من المؤمنين في عصر ظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه) للفوز بشرف نصرته كثيرة متواترة المضمون وقد جمع كثيراً منها المحدث الخبير الشيخ الحر العاملي في كتابه القيم (الإيقاظ من الهجعة في إثبات الرجعة)، علی أي حال فهذه العقيدة تعد من مسلمات عقائد مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وقد دون علماؤهم الكثير من البحوث بشأنها مبينين أدلتها القرآنية والحديثية. بهذه الإشارة نختم لقاء اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة) سائلين الله عزوجل أن يوفقنا وإياكم مستمعي إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران لأن نكون من أعوان مولانا خليفة الله المهدي في غيبته وظهوره إنه سميع مجيب. دمتم بكل خير وفي أمان الله. شرح فقرة: "وأقم به الحدود المعطلة والأحكام المهملة، ..." - 185 2013-10-07 09:07:07 2013-10-07 09:07:07 http://arabic.irib.ir/programs/item/10710 http://arabic.irib.ir/programs/item/10710 بسم الله ولله الحمد غياث المستغيثين وموضع حاجات الطالبين، والصلاة والسلام على الوسيلة الى رحمته ورضوانه كنوز رحمته للعالمين محمد وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم أحبتنا ورحمة الله وبركاته تحية مباركة طيبة نهديها لكم وندعوكم بها لمرافقتنا في لقاء اليوم من هذا البرنامج نستلهم فيه دروس الحياة الكريمة الطيبة من عبارات أخرى من المقطع الذي إنتهينا إليه من دعاء المعرفة الجليل الذي أمرنا إمام زماننا المهدي بتلاوته في عصر غيبته (عجل الله فرجه)، وهذا المقطع هو الذي نتوجه فيه الى الله عزوجل قائلين: (اللهم وأحي بوليك القرآن، وأرنا نوره سَرْمَداً لا ظلمة فيه، وأحي به القلوب الميتة، وإشف به الصدور الوغرة، واجمع به الأهواء المختلفة على الحق، وأقم به الحدود المعطلة والأحكام المهملة، حتى لا يبقى حق إلا ظهر، ولا عدلٌ إلا زهر، يا أرحم الراحمين). أعزاءنا المستمعين، تحدثنا في حلقاتٍ سابقة عن الدروس المستفادة من العبارات الخمس الأولى من المقطع المتقدم، ونتأمل في هذا اللقاء، بالعبارة السادسة وهي: (وأقم به الحدود المعطلة)، فما الذي نستفيده منها؟ ما نطلبه من الله عزوجل في هذه العبارة هو أن يقيم بيد وليه وخليفته المهدي الموعود (عجل الله فرجه) الحدود الشرعية المعطلة، وهذا الطلب يتضمن الدعاء بتعجيل ظهور المهدي المنتظر لأن إقامة الحدود الشرعية على وفق الصورة التي أرادها الله عزوجل لا يتحقق إلا في ظل حكومة الإمام المعصوم (عليه السلام). روى ثقة الإسلام الكليني في كتاب الكافي بسنده عن الإمام الصادق (عليه السلام) حديثاً طويلاً ذكر فيه بعض مظاهر عدالة جده الإمام علي (عليه السلام) في حكومته ثم قال (عليه السلام) في نهاية الحديث: ( ...لا والله ما بقيت لله حرمة إلا إنتهكت، ولا عمل بكِتَابِ اللَّهِ ولا سنة نبيه في هذا العالم، ولا أقيم في هذا الخلق حدٌّ منذ قبض الله أميرالمؤمنين (عليه السلام) ولا عمل بشيءٍ من الحق الى يوم الناس هذا...). ثم بشر الإمام الصادق (عليه السلام) بأقامة الله للحدود في عهد دولة المهدي الموعود (عجل الله فرجه) حيث قال: (أما والله، لا تذهب الأيام والليالي حتى يحيى الله الموتى ويميت الأحياء ويرد الله الحق الى أهله ويقيم دينه الذي ارتضاه لنفسه وبنبيه (صلى الله عليه وآله)). مستمعينا الأفاضل، نجد في كلام إمامنا الصادق (عليه السلام) توضيحاً للعبارة المتقدمة من دعاء عصر الغيبة وكذلك العبارة التالية التي تتضمن إقامة الأحكام المهملة أيضاً. فمولانا الإمام الصادق (عليه السلام) يبين لنا أن تعطيل حدود الله المشار إليه في الدعاء ليس المقصود منه التعطيل الظاهري، لأنّ كثيراً من الحدود الشرعية أقيمت في ظل حكومات بني أمية وبني العباس ونظائرها، بل المراد هو التعطيل الحقيقي لحدود الله، فحدود الله معطلة في الواقع منذ إستشهاد الإمام أميرالمؤمنين (سلام الله عليه)، لأن الحدود التي أقيمت ظاهرياً كانت في ظل حكومات غاصبة للحق أولاً، وبالتالي فالمقيم لها ليس الله عزوجل لأن إقامة الحد تنسب الى الله عزوجل عندما يكون المنافذ لها هو ولي الله الإمام المعصوم لكونه (عليه السلام) هو خليفة الله المأذون من قبله عزوجل بأقامة الحدود، هذا أولاً، وثانياً لأن تلك الحدود الشرعية المقامة في ظل الحكومات الظالمة وغير الشرعية لا تتوفر فيها الشروط الشرعية التي يريدها الله عزوجل، لأن الإمام المعصوم هو وحده القادر على إقامة الحدود الشرعية على وفق ما يرتضيه الله عزوجل، لكونه (عليه السلام) العارف بجميع ملابسات هذه الحدود وشروطها. مستمعينا الأكارم، اذن، فالذي نطلبه من الله عزوجل في العبارة المتقدمة من دعاء المعرفة هو أن يعجل في ظهور خليفته المهدي الموعود (سلام الله عليه) لكي يقيم حدود الله بالصورة التي ارتضاها لعباده بحيث لا يبقى حق إلا ظهر ولا عدلٌ إلا زهر كما ورد في نهاية المقطع الذي يشتمل على هذه العبارة. وهذا يعني إقامة الحدود الإلهية بصورة شاملة تشمل جميع الحدود وتراعي إعادة جميع الحقوق لأصحابها، وهذا ما نستفيده من الدعاء عندما يقرن طلب إقامة الحدود المعطلة بأقامة الأحكام المهملة، أي ما غيبّه أئمة الظلم والجور والضلالة من الأحكام الإلهية لكونها تضرب مصالحهم لأن فيها نصرة للمظلومين ومعاقبة للظالمين سواء كانوا من الحكام أو أصحاب النفوذ والثروة ونظائرهم. وبأقامة الحدود المعطلة مع الأحكام المهملة هذه تتحقق النتيجة المذكورة في تتمة الفقرة وهي: (حتى لا يبقى حقٌ إلا ظهر ولا عدل إلا زهر). نسأل الله تبارك وتعالى أن يعجل في ظهور مولانا المهدي الموعود لكي ينتصف للمظلومين من ظالميهم ويقود البشرية جمعاء الى ساحل الأمن والعدل والحياة الكريمة إنه سميع مجيب وبهذا ننهي اعزاءنا مستمعي إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران لقاء اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة)، دمتم في رعايته سالمين وآخر دعوانا عن الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. شرح فقرة: "وأجمع به الأهواء المختلفة على الحق، ..." - 184 2013-10-06 10:17:32 2013-10-06 10:17:32 http://arabic.irib.ir/programs/item/10709 http://arabic.irib.ir/programs/item/10709 بسم الله وله الحمد والثناء ذي النعم والالاء وأزكى وأسنى صلواته وتحياته وبركاته على صفوته الرحماء سيد الأنبياء محمد وآله الأوصياء. السلام عليكم مستمعينا الأعزاء ورحمة الله وبركاته، على بركة الله نلتقيكم في حلقة اليوم من برنامجكم هذا، نستلهم فيها دروس الحياة الطيبة من عبارات أخرى من المقطع الذي إنتهينا من دعاء المعرفة الجليل الذي أمرنا إمام زماننا المهدي (أرواحنا فداه) بالتقرب الى عزوجل بتلاوته في عصر الغيبة وخاصة بعد صلاة العصر من أيام الجمعة. وهذا المقطع هو أن نتوجه الى الله عزوجل قائلين: (اللهم وأحي بوليك القرآن، وأرنا نوره سَرْمَداً لا ظلمة فيه، وأحي به القلوب الميتة، وإشف به الصدور الوغرة، واجمع به الأهواء المختلفة على الحق، وأقم به الحدود المعطلة والأحكام المهملة، حتى لا يبقى حق إلا ظهر، ولا عدلٌ إلا زهر، يا أرحم الراحمين). مستمعينا الأفاضل، بعد أن طلبنا من الله عزوجل أن يحي بخليفته ووليه المهدي (عجل الله فرجه) القرآن الكريم بأظهار حقائقه الأصيلة خالية من التحريف والشبهات فتكون إستنارتنا بآياته الكريمة خالية من ظلمات سوء الفهم والتفسير. وبعد أن طلبنا أن يحي ببقيته إمام العصر القلوب التي أماتتها الغفلة والأهواء بأن ينقلها الى رحاب الهدى الإلهي والحياة الكريمة، وبعد أن طلبنا منه - جل جلاله- أن يشف ببركة مولانا صاحب الزمان الصدور الوغرة التي إشتد بها الغيظ نتيجة للأحقاد والعداوات الناشئة من حاكمية الظلم والجور، بعد ذلك ندعو الله أن يجمع بالإمام المهدي الأهواء المختلفة على الحق، فما الذي نستلهمه من هذه العبارة؟ وكيف تجتمع الأهواء المختلفة على الحق بالإمام المعصوم (عليه السلام)؟ للإجابة عن هذا السؤال ننطلق من عبارة بليغة لمولاتنا الصديقة الزهراء (سلام الله عليها) وردت في خطبتها الخالدة الموسومة بالخطبة الفدكية التي ألقتها في المهاجرين والأنصار بعد رحيل والدها الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وآله). ففي هذه الخطبة قالت (عليها السلام) ضمن بيانها لمقاصد الشريعة الإلهية: (فجعل الله الايمان تطهيراً لكم من الشرك...، الى أن قالت: والعدل تنسيقاً للقلوب وطاعتنا نظاماً للملة وإمامتنا أماناً من الفرقة). هذه العبارة الفاطمية هي - مستمعينا الأفاضل- جوهر ولب كثير من النصوص الشريفة التي بينت للعالمين منزلة أهل بيت النبوة (عليهم السلام) في حياة الناس وفي تحقيق أهداف الشريعة الإلهية. التوضيح يأتيكم بعد قليل فتابعونا مشكورين. نصت كثيرٌ من الأحاديث الشريفة التي صحت روايتها عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في المصادر المعتبرة عند مختلف الفرق الإسلامية أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عرّف المسلمين بأن أهل بيته (عليهم السلام) هم في الأمة كسفينة نوح وهم العروة الإلهية الوثقى والحبل المتين وهو الأمان من إختلاف الأمة وضمانة النجاة من الجهالة والضلالة، ولذلك تكون طاعتهم (عليهم السلام) نظاماً للملة حسب تعبير مولاتنا الزهراء (عليها السلام)، هي المحور الذي تنتظم به شؤون الأمة لأنهم وحدهم الذين جعل الله طاعتهم لله ورسوله (صلى الله عليه وآله). كما أن إمامتهم الإلهية هي الإمان عند الفرق والإختلاف، بمعنى أن الإنسان إذا وجد إختلافاً بين تيارات الأمة في أي مسألة، وجد في المقابل طريق الأمان والنجاة من هذا الإختلاف بالإئتمام بأهل بيت النبوة المحمدية (عليهم السلام) لأنهم وحدهم الذين ورد فيهم النص الصريح بأن الحق معهم وفيهم يدور معهم حيثما دار، وأنهم مع الحق دائماً لا يفارقونه مثلما أنهم مع كِتَابِ اللَّهِ عزوجل لا يفارقونه ولا يفارقهم كما نصّ على ذلك حديث الثقلين المتواتر. مستمعينا الأفاضل، على ضوء التوضيحات المتقدمة نعاود ثانية التأمل في عبارة هذا اللقاء من دعاء عصر الغيبة وهي: (وأجمع به الأهواء المختلفة على الحق)، فيتضح لنا معناها أكثر وهو ما نوجزه في النقاط التالية: اولاً: إن منشأ الإختلاف في الأمة هو إتباع الأهواء المختلفة بطبيعتها نتيجة لإختلاف المصالح والقناعات الشخصية. ثانياً: إن إزالة هذا الإختلاف لا تتحقق إلا بالرجوع الى المصدر الذي يتبع الهدى الإلهي بصورةٍ نقيةٍ خالصة من جميع أشكال إتباع الأهواء النفسانية، والذي يقيم العدل بالصورة التي ترضاها كل القلوب. ثالثاً: وهذا المصدر هو الإمام المعصوم من العترة المحمدية (عليهم السلام)، فهو الذي يمثل الحق الإلهي لأنه وحده المعصوم عن إتباع الأهواء فهو القادر على جمع الأهواء المختلفة على محور الحق الإلهي الذي لا يفارق محمداً وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. وأخيراً اعزاءنا المستمعين، ثمة درس تربوي مهم نستفيده ضمنياً من العبارة المتقدمة من دعاء عصر الغيبة، وهي أن علينا أن نسعى دائماً لجعل هوانا تبعاً لطاعة مولانا إمام العصر (أرواحنا فداه) لكي نكون بذلك سائرين على الصراط الإلهي المستقيم، وعلينا في المقابل أن نجتنب الإنسياق وراء الأهواء المختلفة لأنما تبعدنا عن رضا الله عزوجل. أي نحب ما يحبه الله وخليفته إمامنا المهدي ونكره ما يكرهان. وفقنا الله وإياكم لذلك أعزاءنا إنه سميع مجيب وبهذا ننهي لقاء اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) إستمعتم له مشكورين من إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، دمتم بكل خير وفي أمان الله. شرح فقرة: "وأشف به الصدور الوغرة، ..." - 183 2013-10-05 08:12:22 2013-10-05 08:12:22 http://arabic.irib.ir/programs/item/10708 http://arabic.irib.ir/programs/item/10708 بسم الله و الْحَمْدُ لِلَّهِ عظيم المن ذي الفضل والاحسان، وأزكى صلواته وتحياته على كنوز رحمته ومعادن حكمته والهادين الى طاعته محمد المصطفى وآله الأطياب الأصفياء. السلام عليكم أحبتنا وأهلاً بكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج نتأمل فيها معاً في عبارات أخرى من المقطع الذي إنتهينا إليه من دعاء المعرفة الذي أمرنا مولانا الإمام المهدي (أرواحنا فداه) بالتقرب الى الله بتلاوته في عصر غيبته (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وهذا المقطع هو: (اللهم وأحي بوليك القرآن، وأرنا نوره سَرْمَداً لا ظلمة فيه، وأحي به القلوب الميتة، وإشف به الصدور الوغرة، واجمع به الأهواء المختلفة على الحق، وأقم به الحدود المعطلة والأحكام المهملة، حتى لا يبقى حق إلا ظهر، ولا عدلٌ إلا زهر، يا أرحم الراحمين). يعلمنا هذا الدعاء الشريف في العبارات الأولى من هذا المقطع أن ندعو الله عزوجل بأن يحي بوليه وخليفته إمام العصر المهدي (عجل الله فرجه) كتابه المجيد أي أن يعجل ظهوره لكي يقيم حاكمية كِتَابِ اللَّهِ في أرضه وعباده، وأن يعيننا (عليه السلام) على الإستنارة الصحيحة بآيات القرآن فنسير بهداه على الصِّرَاط المُستَقِيم. ثم نطلب من الله تبارك وتعالى أن يعجل في ظهور بقيته الموعود لكي يحي بهداه (عليه السلام) القلوب التي أماتتها ضلالات وجور الأئمة المضلين والطواغيت الجائرين. ثم نطلب بعد ذلك من الله جل جلاله أن يعجل في ظهوره خليفته المنتظر لكي يشفي به الصدور الوغرة، فما الذي نستلهمه من هذا الطلب؟ لمعرفة الإجابة نرجع أولاً الى كتب اللغة فنراها تقول في معنى (الصدور الوغرة) بأنها الصدور التي إشتد بها الغيظ نتيجة للبغضاء أو الحسد أو الأحقاد أو العداوات والحروب أو معاناتها من الظلم والجور ونظائر ذلك ومعلوم - مستمعينا الأفاضل- أن شفاء أي مرض ودفع أي أذىً يستلزم إزالة العوامل المسببة له، من هنا فإنّ ما نطلبه في الواقع من الله عزوجل في هذه العبارة هو أن يزيل بظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه) العوامل التي أدت الى أن تصبح صدور الناس وغرةً، أي المطلوب هو إزالة الظلم والجور الذي يوغر الصدور بغصص تجرع الظلم، وكذلك إزالة فقدان العدل الذي يؤدي الى ظهور طبقات مرفهة بغير حق وأخرى مسحوقة بغير حق فينتشر الحسد والأحقاد والعداوات، وبالتالي إقامة العدل الشامل لكي تزول كل هذه العوامل المدمرة وهذا ما يحققه الله عزوجل على يد مولانا الإمام المهدي في عصر ظهوره (عجل الله فرجه الشريف) وجعلنا من أعوانه وأنصاره. أيها الأخوة والأخوات، وعلى ضوء ما تقدم يتضح أننا نطلب ضمنياً من الله عزوجل (وأشف به الصدور الوغرة) التعجيل في ظهور المهدي المنتظر (عجل الله فرجه) لأن التحقق الكامل لهذا المطلب وعلى صعيد المجتمع الإنساني لا يكون إلا في ظل إقامة دولة العدل الإلهي العالمية على يديه (سلام الله عليه). ولكن ذلك لا ينفي أن يتضمن هذا الدعاء طلب تحقق بعض مصاديقه في عصر الغيبة أيضاً وبما يتناسب مع شروط وأوضاع هذا العصر. فمثلاً يمكن أن يكون من مصاديق هذا الدعاء في عصر الغيبة أننا نطلب من الله عزوجل أن يزيل الإختلاف والبغضاء بين المؤمنين وأن يطهرهم من مناشئ الحسد الذي يوغر صدور بعضهم على البعض الآخر. كما أن مصاديقه في جميع العصور والأحوال هو أننا نتوسل الى الله عزوجل بوليه المهدي طالبين معونته (عليه السلام) على أن نتحلى بروح العفو والصفح في التعامل مع الناس عموماً والمؤمنين خاصة وأن يذهب ببركة إمامنا المهدي عن نفوسنا الغيظ والأحقاد ويطهرها من البغضاء والعداوات. إن مما لا شك فيه - اعزاءنا المستمعين- هو أن معظم هذه العوامل التي تسبب الغيظ وتوغر الصدور، تشغل الإنسان عن الله عزوجل وتصده عن السعي الجاد للتقرب منه تبارك وتعالى والإجتهاد في طي معارج الكمال وفي المقابل فإن الحسد وتناهي الأحقاد من العوامل المهمة التي تقي في الإنسان عبودية النفس ونزعاتها وأهوائها ولذلك فإن وجودها في الإنسان يهدده بالوقوع في ظلمات العدوان على الآخرين أو الإنتقام ثأراً للنفس وليس غضباً لله عزوجل. من هنا نعلم أن التطهر من هذه العوامل هو من الخطوات الضرورية للسير على الصِّرَاط المُستَقِيم والقرب من الله جل جلاله والتحرر من أسر النفس وتهذيب مشاعر الإنسان ليكون غضبه وغيضه لله وليس للنفس وهذه من الصفات الأساسية لأنصار المهدي المخلصين والمجاهدين الربانيين. والتحلي بها من السبل العملية التي ينتهجها المؤمنون للتمهيد والتعجيل في توفير الظروف اللازمة لظهور المنقذ الأكبر المهدي الموعود (عجل الله فرجه). وها نحن نصل أيها الأحباء الى ختام حلقة أخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمة) إستمعتم له من إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، تقبل الله لطف الإصغاء وجميل المتابعة ودمتم في رعايته سالمين غانمين وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. شرح فقرة: "وأحي به القلوب الميتة، ..." - 182 2013-10-02 09:06:55 2013-10-02 09:06:55 http://arabic.irib.ir/programs/item/10707 http://arabic.irib.ir/programs/item/10707 بسم الله وله الحمد والثناء خالق الخلق وباسط الرزق اكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، وأزكى تحياته وصلواته على صفوته من العالمين معادن حكمته وهدايته ومنابع رحمته ورأفته المصطفى الأمين وآله الطاهرين. السلام عليكم أيها الأخوة والأخوات ورحمة الله، بفضل الله وتوفيقه نلتقيكم في لقاءٍ آخر على مائدة أدعية أهل بيت الرحمة (عليهم السلام) حيث نستلهم دروس الحياة الطيبة من دعاء المعرفة الذي أمرنا إمام زماننا المهدي (أرواحنا فداه) بالتقرب الى الله عزوجل بتلاوته في عصر الغيبة، لنا وقفة أخرى في هذا اللقاء عند المقطع الذي ندعو الله به قائلين: (اللهم وأحي بوليك القرآن، وأرنا نوره سَرْمَداً لا ظلمة فيه، وأحي به القلوب الميتة، وإشف به الصدور الوغرة، واجمع به الأهواء المختلفة على الحق، وأقم به الحدود المعطلة والأحكام المهملة، حتى لا يبقى حق إلا ظهر، ولا عدلٌ إلا زهر، يا أرحم الراحمين). أيها الأحبة، عرفنا في حلقاتٍ سابقة معنى إحياء القرآن ومشاهدة نورهدايته بأستمرار، فننتقل الى العبارة التالية: (وأحي به القلوب الميتة)، فما الذي نستلهمه منها؟ معنى العبارة أننا ندعو الله عزوجل أن يحي بوليه وخليفته المهدي (عليه السلام) القلوب الميتة، هذا الطلب يصدق في عصر غيبته (عجل الله فرجه) ولكن على مستوى الأفراد، أي نطلب من الله أن يحي قلب من هو مستعدٌ للهداية والإحياء القلبي بواسطة وليه إمام العصر (أرواحنا فداه). كما أن هذا الطلب يصدق في عصر ظهور الإمام المهدي وإقامة دولة الله العالمية العادلة، يصدق على المستوى الفردي والإجتماعي معاً ففي ظل هذه الدولة تحيا القلوب الميتة جميعاً، لأن الحقائق تنكشف بالكامل يومذاك وتزول الضلالات والشبهات ويقام العدل الإلهي الشامل، أي تزول حاكمية العوامل التي تؤدي الى موت القلوب، اهم هذه العوامل اتباع أئمة الظلم والجور والشرك والإنسياق وراء الأهواء والشبهات التي تقتل الروح الإنسانية وتجعل الإنسان كَالأَنْعَامِ أو أَضَلُّ سَبِيلاً والعياذ بالله من ذلك. مستمعينا الأفاضل، تعبير إحياء القلوب الميتة الذي يستخدمه هذا الدعاء المهدوي مقتبس من القرآن الكريم من نظائر قوله عزوجل في الآية 74 من سورة البقرة: «ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم … فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً»، أو قوله عزوجل في الآية العاشرة من سورة البقرة أيضاً: «فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ»، وقوله عزمن قائل في الآية 84 من سورة الصافات: «وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ، إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ»، وكذلك قوله تبارك وتعالى في الآية 37 من سورة قاف: «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ». فمن هذه الآيات الكريمة وغيرها كثير يستفاد بوضوح أن القرآن الكريم يصرح بأن للقلب موت وحياة ومرض وصحة وسلامة مثلما أن للبدن موت وحياة ومرض وصحة: ولكن منهما ما يناسبه من عوامل الإحياء. فحياة البدن تتحقق بتوفر العوامل اللازمة للحياة المادية من طعام وشراب وسلامة من الأمراض العضوية، وفقدان البدن للحياة تكون بفقدان هذه العوامل. أما الحياة القلب فتحقق بحصوله على العوامل اللازمة للحياة المعنوية، من الغذاء المعنوي المتمثل بالعقائد السليمة والمعارف الهادية والسلامة والتطهر من الأمراض المعنوية كأتباع الهوى والحرص وطول الأمل والغفلة ونظائرها. مستمعينا الأفاضل، على ضوء هذه التوضيحات القرآنية يتضح لنا معنى إحياء القلوب ومعنى موتها أيضاً، ف القلوب الميتة التي نطلب من الله عزوجل في الفقرة المتقدمة إحياءها هي القلوب التي أماتتها الغفلة وعبادة الأهواء والأئمة المضلين فضلت عن الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، واحياؤها يتحقق بأيصال نور الهداية الإلهية إليها، قال جل جلاله في الآية 11 من سورة التغابن: «وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ». وقال تبارك وتعالى في الآية 122 من سورة الأنعام: «أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ، كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا، كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ». مصداق الإحياء والحصول على هذا النور الهادي يكون بواسطة الإمام الحق (عليه السلام) ولذلك يعلمنا دعاء المعرفة أن نطلب من الله عزوجل أن يحيي (به) أي بوليه المهدي (أرواحنا فداه) القلوب الميتة، روي في كتاب إصول الكافي مسنداً عن إمامنا الباقر (عليه السلام) أنه قال في تفسير الآية المتقدمة: (ميتاً [أي] لا يعرف شيئاً، و«نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ»، إماماً يؤتم به، وقوله: «كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ» [يعني] الذي لا يعرف الإمام). وفي أصول الكافي أيضاً عن إمامنا الصادق في قوله عزوجل في الآية 32 من سورة المائدة: «مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا »، قال (عليه السلام): (من أخرجها من ضلالٍ الى هدى فَكَأَنَّمَا أَحْيَاها ومن أخرجها من هدى الى ضلال، فقد قتلها). وقال (عليه السلام) في حديثٍ آخر، أن هذا المعنى هو التأويل الأعظم لهذه الآية أي أسمى مصاديقها، وفي حديثٍ ثالث صرح (عليه السلام) بأن إعانة المؤمن إحياءٌ له لأن الموت خيرٌ له من طلب المعونة من الناصبي وأهل الضلال. نشكر لكم مستمعينا الأعزاء طيب الإصغاء لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، الى لقائنا المقبل بأذن الله دمتم بكل خير. شرح فقرة: "وأرنا نوره سرمدا لا ظلمة فيه، ..." - 181 2013-10-01 10:21:13 2013-10-01 10:21:13 http://arabic.irib.ir/programs/item/10706 http://arabic.irib.ir/programs/item/10706 بسم الله والْحَمْدُ لِلَّهِ إذ جعلنا من أهل التمسك بعرى الثقلين كتابه المبين وصفوته من الخلائق أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم إخوتنا المستمعين، وأهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج، نتابع فيه إستلهام دروس الحياة الطيبة من أدعية أهل بيت الرحمة المحمدية (عليهم السلام) ومنها دعاء المعرفة الجليل الذي أمرنا بتلاوته في عصر غيبة خاتم الأوصياء خليفة الله المهدي (عجل الله فرجه). وقد إنتهينا أيها الأعزاء الى مقطع منه يعلمنا أن نتوجه الى الله عزوجل قائلين: (اللهم وأحي بوليك القرآن، وأرنا نوره سَرْمَداً لا ظلمة فيه، وأحي به القلوب الميتة، وإشف به الصدور الوغرة، واجمع به الأهواء المختلفة على الحق، وأقم به الحدود المعطلة والأحكام المهملة، حتى لا يبقى حق إلا ظهر، ولا عدلٌ إلا زهر، ...). عرفنا في حلقةٍ سابقةٍ - مستمعينا الأفاضل- معنى إحياء القرآن ومصاديقه على يدي المهدي الموعود (عجل الله فرجه)، ونصل الآن الى العبارة الثانية التي نطلب من الله عزوجل أن يرينا (نوره سَرْمَداً لا ظلمة فيه). فما معنى هذه العبارة؟ يبدو أن ضمير الهاء في (نوره) يعود الى القرآن الكريم، وبذلك يكون المعنى أننا نطلب من الله جل جلالة أن يرينا نور القرآن سَرْمَداً - أي نوراً دائماً نستنير فيه باستمرار- لا ظلمة فيه، أي لا تعتريه ظلمة أبداً، أي لا نقع ونحن نستنير بالقرآن في ظلمات الشبهات وسوء الفهم لآياته وبعد معرفة هذه الحقيقة ننتقل للإجابة عن السؤال التالي وهو: كيف تتحقق لنا هذه الإستنارة؟ في الإجابة تقول: إن معنى مشاهدة نور القرآن هو الإدراك العقلي والقلبي معاً لحقائقه أي أن الإدراك والفهم العقلي المجرد لحقائق كِتَابِ اللَّهِ المجيد لا يكفي لمشاهدة نورانيته، بل يحتاج الأمر الى أن تنتقل هذه الحقائق الى القلب فينعقد عليها وتترسخ فيه فتطهره وتمنحه نور البصيرة الذي يجعله يرى الأشياء والأمور على حقيقتها فتنكشف عنه ظلمات الشبهات ولا يقع في سوء الفهم ولا ينخدع بتلبيسات الأهواء النفسانية والوساوس الشيطانية. مستمعينا الأفاضل، عندما نرجع الى القرآن الكريم نفسه نجده يصرح بأن الأهواء النفسانية والوساوس الشيطانية لا تدعو الإنسان الى الضلالة والإنحرافات بصورة صريحة بل بالمخادعة والتلبيس وتشبيه الباطل بالحق أو تزيينه حسب التعبير القرآني، قال الله عزوجل في الآية 43 من سورة الأنعام: «فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ». ونقرأ في الآية 137 من سورة الانعام: «وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ». ونقرأ في الآيه 24 من سورة النمل: «وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ». ويستفاد من هذه الآيات وغيرها أن تزيين الباطل وتشبيهه بصورة الحق يعد أهم مكائد الشيطان فهي توقع الإنسان في أخطر الإنحرافات العقائدية والسلوكية وهو يظن أنه يقوم بأعمالٍ صالحة، قال الله جل جلاله في الآيتين 103 و104 من سورة الكهف: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً». والذي ينقذ الإنسان من هذا الخسران المبين ويجعله يرى الحق حقاً فيتبعه والباطل باطلاً فيجتنبه هو نور القرآن الكريم ولذلك يعلمنا دعاء المعرفة أن نطلب من الله عزوجل أن يرينا نور كتابه المجيد دائماً فنتبعه في كل شؤوننا فننجو من ذلك الخسران المبين. أيها الأخوة والأخوات، نعود مرة أخرى الى القرآن الكريم نفسه لنعرف كيف ندرك قلبياً وليس عقلياً فقط نور كِتَابِ اللَّهِ، فنجده يصرح بأن نورانية القرآن الكريم مكنونة، أي محفوظة لا يستطيع مسها أي مشاهدتها قلبياً إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ، قال عزوجل في الآيات 77 الى 79 من سورة الواقعة بعد إن قسم بأعظم الأقسام: «إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ، لّا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ». والْمُطَهَّرُونَ هم - كما تصرح آية التطهير- محمد وآله الطيبون صلوات الله عليهم أجمعين. وعليه يتضح أن الإستنارة القلبية بكِتَابِ اللَّهِ المجيد لا تتحقق إلا بواسطة التمسك بولاية أهل بيت النبوة (عليهم السلام). وبهذه التوضيحات القرآنية نصل الى النتيجة التالية وهي: أن ما نطلبه في العبارة المتقدمة من دعاء المعرفة الجليل هو أن يقوّي الله تبارك وتعالى تمسكنا بولاية محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم فيعيننا بذلك على الإستنارة بنور كتابه المجيد وآياته الكريمة فنرى حقائق الأمور كما هي، وبذلك ننجو من تلبيسات الأهواء النفسانية والوساوس الشيطانية التي تسعى لأن ترينا الباطل حقاً والحق باطلاً، لكي توقعنا في الخسران المبين ونحن نحسب أننا نحسن صنعاً، أجارنا الله وإياكم من ذلك إنه سميع مجيب. وبهذا نصل أعزاءنا الى ختام حلقةٍ أخرى من برنامج (ينابيع الرحمة) إستمعتم له من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران تقبل الله منكم حسن الإستماع ودمتم في رعايته سالمين وآخر دعوانا على الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. شرح فقرة: "وأحي بوليك القرآن وأرنا نوره سرمداً، …" - 180 2013-09-30 08:25:09 2013-09-30 08:25:09 http://arabic.irib.ir/programs/item/10210 http://arabic.irib.ir/programs/item/10210 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وله عظيم الحمد والثناء إذ جعلنا من أهل التمسك بعروته الوثقى وحبله المتين كتابه المجيد وأهل بيت نبيه وسراجه المنير محمد صلوات الله عليه وآله الطاهرين. السلام عليكم إخوتنا المستمعين ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في لقاء اليوم من برنامجكم نتدبر فيه في المقطع الذي إنتهينا إليه في سابقتها من دعاء المعرفة الجليل الذي أمرنا مولانا إمام العصر المهدي (عجل الله فرجه) بالمواظبة على تلاوته في عصر الغيبة، وفي هذا المقطع نتوجه الى الله عزوجل قائلين: (اللهم وأحي بوليّك القرآن، وأرنا نوره سرمداً لا ظلمة فيه، وأحي به القلوب الميتة، وأشف به الصدور الوغرة، وأجمع به الأهواء المختلفة على الحق، وأقم به الحدود المعطلة، والأحكام المهملة، حتى لا يبقى حقٌ إلا ظهر، ولا عدلٌ الا زهر، يا أرحم الراحمين). مستمعينا الأفاضل، في الحلقة السابقة من البرنامج أجبنا وبعون الله على السؤالين الأول والثاني من أربعة أسئلة أثرناها فيما يرتبط بالعبارة الأولى من هذا المقطع وهي: ما معنى إحياء القرآن؟ ولماذا نطلب أن يكون إحياؤه بولي الله المهدي؟ وهل أن إحياء كِتَابَ اللَّهِ لا يتحقق إلا في عصر ظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه) أم أن مصاديق من إحياء القرآن في عصر الغيبة أيضاً؟ والسؤال الأخير هو: ما الذي نستلهمه من هذا الطلب فيما يرتبط بواجباتنا تجاه القرآن الكريم؟ وقد إتضح في اللقاء السابق وإستناداً الى الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة أن معنى إحياء القرآن هو إقرار حاكمية قيمه وأحكامه وأن هذا ما لا يمكن تحققه بغير الإمام المعصوم العارف بحقائق القرآن كاملة وبجميع مراتبها. وعليه تنضح الإجابة عن الشطر الأول من السؤال الثالث، أي أن إحياء كِتَابَ اللَّهِ عزوجل لا يتحقق بالصورة الشاملة والكاملة إلا في عصر ظهور خليفة الله المهدي وإقامته للدولة الإلهية العادلة، إذ أنّ إحياء القرآن وإقرار حاكمية قيمه بالكامل تعني إنهاء حاكمية جميع أشكال الظلم والجور والشرك وهذا ما لا يتحقق إلا في ظل إقامة دولة العدل الإلهي عند ظهور المهدي الموعود (عجل الله فرجه). مستمعينا الأعزاء، وبناءً على ما تقدم تصرح الأحاديث الشريفة بأن الدعوة لاحياء ما أحياه القرآن وإماتة ما أماته - أي كل ظلم وشرك- تشكل عنصراً أساسياً في حركة الإمام المهدي عند ظهوره، لاحظوا ما روي في كتاب الملاحم لابن حماد مسنداً عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال ضمن حديث طويل: (ثم يظهر المهدي بمكة… ومعه رآية رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقميصه وسيفه وعلامات ونورٌ وبيان، فاذا صلى العشاء نادى بأعلى صوته، يقول: إذكركم الله أيها الناس، ومقامكم بين يدي ربكم، فقد إتخذ الحجة وبعث الأنبياء وأنزل الكتاب، وأمركم أن لا تشركوا به شيئاً وأن تحافظوا على طاعته وطاعة رسوله وأن تحيوا ما أحيا القرآن، وتميتوا ما أمات، وتكونوا أعواناً على الهدى ووزراءً على التقوى، فإني أدعوكم الى الله والى رسوله والعمل بكتابه، وإحياء سنته، وإماتة الباطل، …). أيها الأخوة والأخوات، ننتقل الآن للإجابة عن الشطر الثاني من السؤال الثالث وهو: هل توجد مصاديق لإحياء القرآن الكريم يمكن أن تتحقق في عصر الغيبة أيضاً؟ في الإجابة عن هذا السؤال نقول: نعم، إن حصر الإحياء الكامل والشامل لكِتَابِ اللَّهِ وإقامة حاكميته بعصر الظهور المهدوي لا ينفي إمكانية تحقق هذا الإحياء في عصر الغيبة أيضاً ولكن ليس بتلك الشمولية، بل على صعيد المؤمنين، أي أن بأمكان كل مؤمن أن يتوسل الى الله عزوجل بخليفته المهدي لكي يعينه على إقرار حاكمية القرآن على نفسه بمعنى أن يحي في نفسه ما أحيا كِتَاب اللَّه من قيم الخير والعدل ويطهرها مما أماته القرآن من جميع أشكال الظلم والجور. وهذا في الواقع أحد أهم مصاديق الإنتظار الصادقه لظهور الإمام المهدي (عليه السلام) لأنه يعني تحلي المؤمن بصفات الشخصية القرآنية التي يدعو إمام العصر العالمين جميعاً للتحلي بها. على ضوء هذه الإجابة تتضح أيضاً الإجابة على السؤال الرابع والأخير، أي: ما الذي نستلهمه من هذا الدعاء فيما يرتبط بواجباتنا تجاه القرآن الكريم؟ هذا الدعاء الشريف يحثنا - في الواقع- على الإلتصاق بكِتَابِ اللَّهِ ودوام التدبر في حقائقه والتشبع بها وطلب شفاعة إمام العصر (أرواحنا فداه) لكي يعيننا على العمل بمقتضاه وإستكمال التحلي بصفات المؤمن القرآني الذي يحبه الله جل جلاله والذي يمثل النصير الحقيقي للمهدي الموعود، ووفقنا الله وإياكم للتحلي بها ببركة التمسك بمودة وولاية محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. وبهذا ننهي أيها الأعزاء حلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة)، إستمعتم له مشكورين من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، تقبل الله أعمالكم ودمتم بكل خير. شرح فقرة: "اللهم وأحي بوليك القرآن، ..." - 179 2013-09-29 09:32:00 2013-09-29 09:32:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/10209 http://arabic.irib.ir/programs/item/10209 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وله الحمد إذ جعلنا من أهل التمسك بمناري هدايته وعروته الوثقى وحبله المتين قرآنه الكريم وأهل بيت حبيبه الأمين أبي القاسم محمد صلوات الله وبركاته وتحياته عليه وآله أجمعين. السلام عليكم إخوتنا وأخواتنا ورحمة الله وبركاته، معكم في لقاء آخر من هذا البرنامج ووقفة تأملية في أدعية معادن الحكمة وينابيع الرحمة وأهل بيت النبوة (عليهم السلام) ومنها الدعاء الجليل الموسوم بدعاء المعرفة والمندوب لتلاوته في عصر غيبة خاتم الأوصياء خليفة الله المهدي (عجل الله تعالى فرجه). وقد إنتهى بنا التدبر في هذا الدعاء الى مقطعٍ نتوجه فيه الى الله جلت آلاؤه قائلين: (اللهم وأحي بوليك القرآن، وأرنا نوره سرمداً لا ظلمة فيه، وأحيّ به القلوب الميتة، واشف به الصدور الوغرة، وأجمع به الأهواء المختلفة على الحق، وأقم به الحدود المعطلة والأحكام المهملة، حتى لا يبقى حقٌ إلا ظهر، وعدلٌ إلا زهر، يا أرحم الراحمين، ...). ايها الكرام، في العبارة الأولى نطلب من الله عزوجل أن يحي بوليه - أي بخليفته المهدي (عجل الله فرجه) القرآن، فما معنى إحياء كتاب الله أولاً؟ ولماذا نطلب أن يكون إحياءه بولي الله المهدي ثانياً؟ وهل أن هذا الإحياء يتحقق في عصر ظهور الإمام (عجل الله فرجه) أم أن مصاديق من إحياء كِتَابِ اللَّهِ تتحقق في عصر الغيبة أيضاً؟ وأخيراً ما الذي نستلهمه من هذا الطلب فيما يرتبط بواجباتنا تجاه القرآن الكريم؟ هذه الأسئلة الأربعة نسعى معاً للحصول على إجاباتها في هذا اللقاء، ونبدأ بالسؤال الأول وهو عن معنى إحياء كِتَابِ اللَّهِ عز وجل. تنطلق للإجابة عن هذا السؤال من كِتَابِ اللَّهِ نفسه حيث نقرأ فيه قوله عز وجل في الآية الثلاثين من سورة الفرقان: «وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ، إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً». هجر القرآن - مستمعينا الأفاضل- هو نبذه وراء الظهور أي عدم العمل به وعدم إحياء ما أحياه وإماتة ما أماته، وفي المقابل يكون إحياؤه بالعمل به وإحياء ما أحيا وإماته ما أمات، جاء في نهج البلاغة ضمن خطبة طويلة لأميرالمؤمنين (عليه السلام) في الإحتجاج على الخوارج ورد إعتراضهم على القبول بتحكيم الحكمين، قوله (صلوات الله عليه): (وإنما حكّم الحكمان ليحييا ما أحيا القرآن، ويميتا ما أمات القرآن، وإحياؤه الاجتماع عليه وإماتته الإفتراق عنه، فإن جرنا القرآن إليهم إتبعناهم وإن جرهم إلينا إتبعونا). إذن يتضح أيها الأخوة والأخوات أن ما نطلبه في هذا الدعاء هو إحياء كِتَابِ اللَّهِ عزوجل بمعنى جمع الأمة على محور العمل بالقرآن وإحياء ما أحياه من قيم العدالة الإلهية وإماتة ما أماته من أحكام الجاهلية. وهنا نصل الى السؤال الثاني وهو: لماذا نطلب من الله جل جلاله أن يكون إحياء القرآن بواسطة وليه وخليفته خاتم الأوصياء المهدي (أرواحنا فداه)؟ هذا السؤال يجيبنا عنه الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) بكل وضوحٍ في كثير من أحاديثه الشريفة التي صحت روايتها في كتب السنة والشيعة أشهرها حديث الثقلين المتواتر. فهذا الحديث يصرح بأن النجاة من الضلالة لا تتحقق إلا بالتمسك بالقرآن والعترة معاً، أي أن التمسك بالقرآن لا يتحقق أبداً ما لم يقترن بالتمسك بولاية أئمة العترة المحمدية (عليهم السلام)، والسبب واضح هو أن الأئمة (عليهم السلام) هم العارفون بحقائق القرآن وهم العالمون بسبل تطبيقها على وفق ما أنزلت. من هنا صرحت الأحاديث الشريفة بأن الإمام المهدي (عجل الله فرجه) أذا ظهر أخذ ومعه أنصاره بتعليم الناس القرآن الكريم كما أنزل. مستمعينا الأفاضل، وفي المقابل فإن الأعراض عن التمسك بولاية الإمام المعصوم من العترة المحمدية ومحاربته هي إماتة للقرآن الكريم وأوضح مصاديق هجره، روي في كتاب الروضة من الكافي مسنداً عن مولانا الإمام الباقر (عليه السلام) أن أميرالمؤمنين الوصي المرتضى (سلام الله عليه) وبعد الفراغ من جمع القرآن الكريم بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطب في المسلمين وتحدث عن سوء عاقبة أمام الناقضين لبيعة الغدير وما ينتظره من عذاب أليم في الآخرة، وكان مما قاله عنه في هذه الخطبة: (أنا الذكر الذي عنه ظلّ، والسبيل الذي به كفر، القرآن الذي إياه هجر، والدين الذي به كذب، والصراط الذي عنه نكب). والمضمون نفسه نجده أيها الأعزاء في إحدى نصوص زيارات الإمام الحسين (عليه السلام) المروية في عدة من مصادرنا المعتبرة عن أئمة الهدى (عليهم السلام)، حيث جاء فيها مخاطبة سيد الشهداء (عليه السلام) بالقول: (لعن الله أمةً إستحلت منك المحارم، فقتلت مظلوماً، لقد أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله بك موتوراً وعاد كتاب الله عزوجل مَهْجُوراً وغودر الحق إذ قهرت مقهوراً، وفقد بفقدك التكبير والتهليل والتحريم والتحليل والتنزيل والتأويل وظهر بعدك التغيير والتبديل والإلحاد والتعطيل والأهواء والأضاليل والفتن والأباطيل). إذن يتضح مما تقدم أن إحياء الله عزوجل لكتابه المجيد يتحقق في زمن ظهور خليفته المهدي (عجل الله فرجه) بأجتماع الخلق على التمسك بولاية الامام الحجة والعمل في ظل هدايته بأحكام وحقائق القرآن الكريم فيخرج كِتَاب اللَّهِ من حالة التمسك بظواهره دون حقائق المكنونة. وبهذه النتيجة ننهي اعزاءنا مستمعي إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، لقاء اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة) شكراً لحسن الإصغاءكم ودمتم في رعايته سالمين. شرح فقرة: "فانهم أضاعوا الصلوات واتبعوا الشهوات،..." - 178 2013-09-28 08:12:12 2013-09-28 08:12:12 http://arabic.irib.ir/programs/item/10208 http://arabic.irib.ir/programs/item/10208 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وله الحمد والمجد أرحم الراحمين، وأطيب صلواته وتحياته وبركاته علی صفوته من العالمين حبيبنا المصطفی الأمين وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم اخوتنا المستمعين، علی بركة الله نلتقيكم في حلقة جديدة من برنامجكم هذا نتابع فيها استلهام دروس الحياة الطيبة من أدعية أهل بيت الرحمة المحمدية (عليهم السلام) ومنها الدعاء المروي عن خاتم الاوصياء مولانا المهدي (عليه السلام) وهو الدعاء الذي امرنا بتلاوته في عصر الغيبة. وقد انتهينا الی مقطع منه يعلمنا أن نتبرأ من أعداء الله بأن نطلب منه عزوجل انزال العذاب بهم ونقول: (وأصلهم ناراً وأحش قبور موتاهم ناراً، وأصلهم حرّ نارك، فأنهم أضاعوا الصلوات واتبعوا الشهوات، وأضلوا عبادك، ...). مستمعينا الافاضل، عرفنا في الحلقة السابقة من البرنامج أن العبارات الثلاث الاولی من المقطع المتقدم تشير الی طلب انزال العذاب بأئمة الظلم والجور والضلالة في الحياة الدنيا وفي عالم البرزخ، ثم أَشَدّ الْعَذَابِ في جهنم، ثم يأتي ختام هذا المقطع بتنبيه الناس الی العلل التي من أجلها استحق هؤلاء أن يدعوا عليهم الامام المعصوم (عليه السلام) والمؤمنون تبعاً له بنزول مثل هذا الْعَذَابِ الشَّدِيدِ. هذه العلل ترتبط بما ارتكبوه في ثلاثة مجالات: الاول: اضاعة الصلوات والثاني: اتبع الشَّهَوَاتِ، والثالث: وهو اشدهم خطراً اضلال عِبَاد اللَّهِ فما الذي نستلهمه من كل منها؟ بالنسبة للعلة الاولی فهي (اضاعة الصَّلاةَ) ومعنی الاضاعة في اللغة هو الاهلاك والاماتة كما في كتاب مجمع البحرين أي أن أعداء الله أماتوا الصَّلاةَ ومعلوم أن الصَّلاةَ هي أهم وسيلة عبادية من وسائل الارتباط بالله عزوجل واماتتها تعني قطع الارتباط بالله تبارك وتعالی فيصبح الانسان بلا ركن وثيق يستند اليه فيكون مصيره الضياع والهلك. ومثلما أن اهم صفات أولياء الله الصادقين التي نقرأها في نصوص زياراتهم )عليهم السلام( هي اقامة الصَّلاةَ فان أهم صفات أعداء الله هي اماتة الصَّلاةَ وتضييعها ومعنی اقامة الصَّلاةَ لاينحصر في اداء المصلي لها بل اعانته لمن اتبعه علی ذلك وبذلك تقام الصَّلاةَ فتعم الجميع بركات اقامتها والارتباط بالله عزوجل. وكذلك الحال مع تضييع واماتة أعداء الله للصلاة فهو لاينحصر في محاربتهم للصلاة بعدم أدائهم لها بل يشمل منع أتباعهم وصدهم عنها أي قطع ارتباطهم وارتباط أشياعهم بالله عزوجل من هنا يتضح أن جنايتهم في اماتة الصَّلاةَ لاتنحصر علی أنفسهم بل تشمل الآخرين ايضاً أجارنا الله واياكم من ذلك وجعلنا من مقيمي الصَّلاةَ. أيها الاخوة والاخوات، أما العلة الثانية التي استحق بها أئمة الجور والضلالة أشد انواع العذاب الالهي فهي (اتباع الشهوات) جاء في كتاب مفردات ألفاظ القرآن الكريم للراغب الاصفهاني ما مؤداه أن معنی الشهوة هو نزوع النفس لما تريده وهو نوعان صادق مثل ما تحتاجه حقاً من الطعام وكاذب هو ما يزيد علی الحاجة من رغبات النفس فهي في غنیً عنه في الواقع، والمذموم هو النوع الثاني وقد ذمه القرآن الكريم. والمقصود في الدعاء هو النوع المذموم بالطبع والتعبير المتقدم مقتبس من كِتَابِ اللَّهِ في كثير من الآيات الكريمة نظير قوله عزوجل في الآية 59 من سورة مريم: «فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ، فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً»، وكذلك في الآية 27 من سورة النساء حيث يقول: «وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ، أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً». ويستفاد من اقتباس الدعاء لهذا التعبير القرآني أن العلة الثانية لاستحقاق أئمة الظلم والضلالة لذاك الْعَذَاب الأَلِيمَ هو انهم سقطوا في الغي بأتباعهم المذموم لالشَّهَوَاتِ أولاً وجرهم الآخرين للسقوط في هذا المستنقع ولذاك استحقوا العذاب المضاعف. أحباءنا وتبقی العلة الثالثة التي استحق بها أئمة الظلم والضلالة ذلك الْعَذَابَ الأَلِيمَ وهي اضلالهم لعباد الله ومعنی الاضلال الابعاد عن الصراط المستقيم بتزيين الباطل والاضلال أعظم جرائم أعداء الله وهو المعبر عنه في القرآن الكريم بالصد عن سبيل الله وهي الجريمة تعني حرمان عِبَادَ اللَّهِ من بركات السير علی الصراط المستقيم الدنيوية والآخروية ولذلك عدت اكبر الكبائر. ويبقی - مستمعينا الافاضل - أن نشير الی عبرة تربوية مهمة نستفيدها من هذا المقطع من دعاء عصر الغيبة وهي انه يتضمن تربية المؤمنين علی احد اهم المصاديق العملية للبراءة من أعداء الله وأعداء خليفته المهدي (عجل الله فرجه). وهو مصداق البراءة من فعالهم هذه التي صاروا بها أعداء لله واستحقوا اليم عذابه وهو ما يتحقق بأجتناب المؤمنين لهذه الفعال والحرص علی التحلي بأضدادها أي الاهتمام بأقامة الصَّلاةَ ومجاهدة الشَّهَوَاتِ غير المشروعة والسعي في هداية عِبَاد اللَّهِ عز وجل، رزقنا الله واياكم ذلك ببركة التمسك بولاية محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين وبهذا ننهي أيها الاعزاء لقاء اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة) استمعتم له مشكورين من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، تقبل الله اعمالكم ودمتم بكل خير. شرح فقرة: "وأصلهم ناراً وأحش قبورهم ناراً، …" - 177 2013-09-25 08:54:53 2013-09-25 08:54:53 http://arabic.irib.ir/programs/item/10207 http://arabic.irib.ir/programs/item/10207 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وله الحمد والمجد أرحم الراحمين تبارك وتعالى رب العالمين وأزكى صلواته على معادن حكمته وكنوز رحمته وغوث عباده المصطفى الأمين محمد وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم أعزاءنا المستمعين، تحية طيبة نهديها لكم ونحن نلتقيكم بفضل الله في حلقةٍ أخرى من هذا البرنامج نتوقف فيها عند مقطع آخر من دعاء المعرفة أو دعاء عصر الغيبة الذي أمرنا مولانا إمام العصر المهدي (أرواحنا فداه) بتلاوته في عصر الغيبة. وفي هذا المقطع يعلمنا الدعاء أن نطلب من الله عزوجل أن ينزل عذابه الدنيوي بأعداء وليه وخليفته المهدى الموعود، وكذلك عذابه الأخروي، ثم نقول: (وأصلهم ناراً وأحش قبور موتاهم ناراً، وأصلهم حرّ نارك، فإنهم أضاعوا الصلاة وإتبعوا الشهوات، وأضلوا عبادك، ...). في المقطع المتقدم نطلب من الله عزوجل أن ينزل بأئمة الجور والضلال ثلاثة أنواعٍ من العذاب، نستذكر بعدها العلل الثلاث التي من أجلها نطلب إنزال هذا العذاب بهم. أول الأنواع الثلاثة من العذاب هو الوارد في عبارة: (وأصلهم ناراً) ويبدو أن المراد منه هو العذاب في الحياة الدنيا أو عند الإحتضار. والذي يدل على ذلك أن العبارة الثانية تشير الى العذاب البرزخي فيما تستخدم العبارة الثالثة وصف (وأصلهم حرّ نارك) في إشارة الى العذاب الأخروي في جهنم. وعليه يكون معنى النار الأولى الوارد على نحو النكرة غير النار الأخروية المعروفة للجميع ولذلك جاءت في العبارة الثالثة معرفة بنسبتها الى الله عزوجل وقد يكون إستخدام تعبير التنكير في العبارة الأولى إشارة الى كونها ناراً مجازية تشتمل على معاني الخزي أو الندم وغير ذلك، مما ذكرت الأحاديث الشريفة أن الكافرين يعانونه عند الإحتضار أو قبل الموت بفترات وجيزة. مستمعينا الأفاضل، والعبارة الثانية من المقطع المتقدم تتحدث عن عذاب عالم البرزخ حيث تقول: (وأحش قبور موتاهم)، أي أننا نطلب من الله عزوجل إنزال العذاب البرزخي بموتى أئمة الظلم والجور والضلالة. وهذا العذاب البرزخي هو المشار إليه في عديد من آيات القرآن الكريم نظير قوله عز وجل في الآيتين 45 و46 من سورة غافر ضمن نقله لإحتجاج مؤمن آل فرعون على قومه، حيث يقول جل جلاله: «فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا، وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ، النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ، أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ». فواضحٌ أن سُوءُ الْعَذَابِ هنا هو العذاب البرزخي الذي يقاسون عليه غدواً وعشياً وهذا يكون في عالم البرزخ لأن عالم الآخرة ليس فيه صباح ومساء، كما أن العذاب الأخروي مذكور بعد ذلك وهو الموصوف في الآية بكونه أشد العذاب، وهو الذي يأتي بعد أن تقوم الساعة كما هو واضح. وقد ذكرت كثيرٌ من أحاديث أهل بيت النبوة (عليهم السلام) أن عالم البرزخ يكون للمؤمنين روضة من رياض الجنة فيما يكون للكافرين حفرة من حفر النيران أعاذنا الله وإياكم منها. أيها الأخوة والأخوات، أما العذاب الأخروي الذي نطلبه لأئمة الظلم والجور والطغيان فهو الوارد في عبارة: (وأصلهم حرّ نارك). وهذا هو أشد العذاب المذكور في آية سورة غافر المتقدمة وفي نسبة النار هنا مباشرة الى الله جل جلاله وهو جبار السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، إشارة الى شدة هذا العذاب، كما أن ذلك يشير إليه تعبير حرّ نارك فهو يتضمن توجيه آثار هذه النار اللظى الى أولئك الطغاة. ويبقى هنا النشير مستمعينا الأفاضل أن تركيز الدعاء المهدوي على ذكر هذه التفصيلات عن أنواع العذاب الذي ينزل بأئمة الظلم والجور والضلالة والطغيان، يتضمن تحذير الناس من إتباعهم ودعوتهم الى التورع عن فعالهم لكي لا يصيبهم هذا الْعَذَاب الأَلِيم أجارنا الله واياكم منه ببركة التمسك بمحبة وولاية محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. وبهذا ننهي أعزاءنا من إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، حلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) تقبل الله منكم جميل الإستماع والمتابعة ودمتم سالمين. شرح فقرة: "وأسكنهم أسفل نارك، وأحط بهم أشد عذابك،..." - 176 2013-09-24 09:08:53 2013-09-24 09:08:53 http://arabic.irib.ir/programs/item/10206 http://arabic.irib.ir/programs/item/10206 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ والْحَمْدُ لِلَّهِ والصلاة والسلام علی معادن حكمة الله وينابيع رحمة الله أحب الخلق إلی الله المصطفی الأمين وآله الطاهرين. السلام عليكم إخوتنا المستمعين، وأهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج نتوقف فيه عند مقطع آخر من دعاء المعرفة الذي أمرنا بتلاوته في عصر الغيبة إمام زماننا المهدي (عجل الله فرجه). ومقطع هذه الحلقة يأتي في سياق الدعاء بأن يكفي الله عزوجل خليفته المهدي كيد ومكر أعدائه وينزل بهم العذاب، ثم يقول: (وخذهم جهرة وبغتة وشدد عليهم عذابك واخزهم في عبادك، والعنهم في بلادك، وأسكنهم أسفل نارك، وأحط بهم أشد عذابك، وأصلهم ناراً، واحش قبور موتاهم ناراً، وأصلهم حرّ نارك، فإنهم أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وأضلوا عبادك). مستمعينا الأفاضل، العبارات الأربع الأولی من المقطع المتقدم تأتي في سياق العقاب الذي نطلب من الله عز وجل أن ينزله بالجبابرة وأئمة الضلالة في الحياة الدنيا، وهو عذاب يشمل فيما يشمل فضح حقيقتهم للعباد لكي لا ينخدعوا بضلالاتهم وهذا من أبرز معاني عذاب الخزي الذي تحدث عنه القرآن الكريم كما ألمحنا لذلك في الحلقة السابقة من هذا البرنامج. أما العبارات اللاحقة فهي تشير إلی العذاب الذي يطلب الداعي من الله عزوجل أن ينزله بأئمة الظلم والتضليل بعد الحياة الدنيا أي في البرزخ وبعد يوم القيامة. وواضح من هذه العبارات أنها تعلمنا أن نطلب من الله عزوجل أشد العذاب لهؤلاء لتأتي العبارات الأخيرة في هذا المقطع لتعرفنا بعلة طلب هذا العذاب الشديد لهم. والعبرة التربوية المهمة المستفادة من كل ذلك هي تقوية روح البراءة من أئمة الظلم والضلال فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وتحذير الناس من اتباعهم لكي لا يطالهم نصيب من هذا الْعَذَابِ الشَّدِيدِ، وكذلك تحذيرهم من القيام بأفعالهم المذكورة في نهاية المقطع لكي لا يصيبهم هذا الْعَذَاب الشَّدِيد كاملاً أجارنا الله وإياكم منه. في العبارة من هذه العبارات نطلب من الله جل جلاله أن يسكن أعداء وليه المهدي من أئمة الظلم أسفل ناره، وهذا التعبير مقتبس من القرآن الكريم، حيث يقول جل جلاله في الآية 145 من سورة النساء: «إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ، وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً». وقال تبارك وتعالی في الآيتين 28 و29 من سورة فصلت: «ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ، لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ، جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ، وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا، رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ، نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا، لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ». واضح من هذه الآيات علة شدة العذاب الذي نطلبه لأعداء الله فهي ترتبط بإضلالهم للناس وجرهم بذلك إلی النار فمن الطبيعي أن يكون أئمة لهم في السقوط في أشد مراتب عذاب النار وهي المرتبة المعبر عنها بأسفل النار نعوذ بالله منها ومن فعال أصحابها. مستمعينا الأفاضل، وفي العبارة التالية نطلب من الله تبارك وتعالی أن يحيط بأعدائه بأشد عذابه، هذا أيضاً تعبير مستلهم من الآيات الكريمة، نظير قوله عز وجل في الآية 29 من سورة الكهف: «إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا، وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ، يَشْوِي الْوُجُوهَ، بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا»، وقال جل جلاله في الآية 81 من سورة البقرة: «بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ». وجاء في الآية 84 من سورة هود: «وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ»، ونقرأ في الآية 54 و55 من سورة العنكبوت: «يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ، يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ، وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ، وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ». مستمعينا الأفاضل، من خلال التدبر في هذه الآيات يتضح لنا من جهةٍ حقيقة ما نطلبه من الله عز وجل في العبارة المتقدمة من جهة ومعنی أن يحيط جل جلاله أئمة الظلم والتضليل بأشد العذاب. فالآيات تبين أن ما نطلبه في الواقع هو أن لا يعفو الله عزوجل عن الخطايا التي ارتكبها هؤلاء الجناة وكانت من الكثرة بحيث أحاطت بهم من كل جانب مسببة لهم أن يكون الْعَذَاب الشَّدِيد محيطاً بهم من كل جانب. هذا أولاً وثانياً فإن إحاطة العذاب بهم يعني سلبهم إمكانية أن يأتيهم الغوث إذا استغاثوا، ليكونوا عبرة للناس فلا يوقعوا أنفسهم فيما وقع فيه أئمة الجور والضلال أعاذنا الله وإياكم مستمعينا الأكارم منهم ومن فعالهم إنه سميع مجيب. وبهذا ينتهي أيها الإخوة والأخوات لقاؤنا بكم في حلقة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم لها مشكورين من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران، تقبل الله أعمالكم ودمتم سالمين. شرح فقرة: "وزلزل له أقدامهم، وخذهم جهرة وبغتة، ..." - 175 2013-09-23 09:06:45 2013-09-23 09:06:45 http://arabic.irib.ir/programs/item/10205 http://arabic.irib.ir/programs/item/10205 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وله الحمد نصير الصالحين ومبير الظالمين وأطيب صلواته وتحياته علی معادن حكمته وكنوز رحمته وعدله للعالمين محمد وآله الطاهرين. السلام عليكم إخوتنا المستمعين، نتابع أيها الأعزاء استلهام دروس الحياة الكريمة الطيبة من دعاء المعرفة الجليل الذي أمرنا مولانا الإمام المهدي (أرواحنا فداه) بتلاوته في عصر الغيبة خاصة بعد صلاة العصر من يوم الجمعة. لنا في هذا اللقاء وقفة أخری عند المقطع الذي ندعو الله عزوجل قائلين: (اللهم اكف وليك وحجتك في أرضك، هول عدوه، وكيد من كاده، وأمكر بمن مكر به، وأجعل دائرة السوء علی من أراد به سوءاً، وأقطع عنهم مادتهم، وأرعب له قلوبهم، وزلزل له أقدامهم، وخذهم جهرة وبغتةً، وشدد عليهم عذابك، وأخزهم في عبادك، والعنهم في بلادك، ... ). الفقرة التي انتهينا إليها - مستمعينا الأفاضل - هي قول الداعي: (وزلزل له أقدامهم)، أي زلزل لصالح خليفتك المهدي (عليه السلام) إقدام أعدائه. ومعنی (التزلزل) في اللغة هو تكرار زلة القدم مرة بعد أخری، والمقصود هو الإضطراب وعدم الثبات، وعليه يكون معنی الفقرة هو أننا نطلب من الله جلت قدرته أن يسلب الطواغيت المحاربين لوليه المهدي الإستقرار الذي يمكنهم من الكيد والتآمر ضد الحركة الإصلاحية المهدوية. وقد يتحقق هذا التزلزل والإضطراب بأشغالهم بأمور أخری تزيلهم - أي تبعدهم - عن الكيد للمؤمنين، نظير ما حدث في معركة الخندق من إضعاف التحالف بين المشركين واليهود وصرفهم عن محاربة رسول الله (صلی الله عليه وآله)، وكان ذلك نتيجة إثارة الشكوك والإتهامات المتقابلة بين المشركين ويهود المدينة كما ورد في الرواية المعروفة، فوقع اليأس بينهم وعجزوا عن مواجهة المسلمين. وفي الفقرة اللاحقة ندعو الله عزوجل قائلين: (وخذهم جهرة وبغتة)، وهذا التعبير مستلهم من القرآن الكريم كما في قوله عز وجل في الآية 44 من سورة الأنعام: «فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ، أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً، فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ». وقوله عز من قائل في الآية 95 من سورة الأعراف: «فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ»، وقوله جل جلاله في الآيتين 41 و 42 من سورة القمر: «وَلَقَدْ جَاء آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ، كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا، فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ». ومن هذه الآيات يتضح أن معنی (الأخذ) هنا هو إنزال العذاب الماحق بعد تمام الحجة وانتهاء الإمهال الإلهي للظالمين. أما الأخذ جهرة فهو يعني أن يكون إنزال العذاب بالظالمين مشهوداً للناس يبين انكسارهم في حين أن الأخذ بغتة يعني أن يكون إنزال العذاب بهم بصورة مفاجأة ومن حيث لا يحتسبون فلا يستطيعون فعل أي شيء لدفعه أو الفرار منهم. يبقی أن نشير فيما يرتبط بهذا الفقرة من الدعاء إلی أن إنزال العذاب بالظالمين يكون طبق السنة الإلهية بأيدي عباد الصالحين، وعليه يكون أخذهم بغتة سبباً لقمع شرورهم بالحسد الأدنی من الخسائر. وندعو الله جل جلاله في الفقرة اللاحقة من الدعاء قائلين: (وشدد عليهم عذابك، وأخزهم في عبادك، والعنهم في بلادك). واضح أن تشديد العذاب يعني مضاعفته والهدف أن لا تقوم لهم قائمة مرة أخری فيواصلون الإفساد في البلاد وإضلال وظلم العباد. أما معنی (الخزي) فهو إظهار هوانهم وذلهم وانكسارهم وضعفهم وقلة قدرهم وبيان حقيقة ظلمهم للعباد وإفسادهم في البلاد. وتخصيص أن يكون خزيهم في عِبَادِ اللَّهِ يعني أن تتضح فضيحتهم للناس ويظهر لهم فسادهم وانكسارهم وضعتهم وومعاداتهم لله وخلقه عز وجل والهدف من هذا التخصيص هو أن لا ينخدع العباد بشعارات الطواغيت البراقة ولكي يتخلصوا بالتالي من شرورهم ومن التحول إلی أدوات لتحقيق مطامعهم فلا تقوم بعد ذلك لهم قائمة كما أشرنا. أما معنی اللعن - مستمعينا الأفاضل - فهو الطرد والإبعاد من الرحمة الإلهية وهو - مع الخزي - من العقوبات التي أعدها الله عزوجل للظالمين في الدنيا إشفاءً لصدور عباده الذين أصابهم أولئك الظالمون بأنواع الإيذاء والعذاب وتخصيص أن يكون هذا اللعن في (بلاد الله) يشير إلی أن يكون هذا اللعن والإبعاد من رحمته في الحياة الدنيا وليس في الآخرة فقط، وهذا يعني أننا نطلب من الله عزوجل أن يقطع عنهم رزقه ورحمته ويخزيهم بعد ظهور أن استمرار إمهالهم لن يؤدي إلی ارتداعهم عن الظلم والإفساد في الأرض. وإلی هنا ننهي أيها الأحبة لقاء اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) استمعتم له من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران، شكراً لكم والى اللقاء. شرح فقرة: "وأقطع عنهم مادتهم، وأرعب له قلوبهم، ..." - 174 2013-09-22 09:09:11 2013-09-22 09:09:11 http://arabic.irib.ir/programs/item/10204 http://arabic.irib.ir/programs/item/10204 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وله عظيم الحمد والمن، أرحم الراحمين، وأزكی صلواته علی رحمته الكبری للعالمين محمد وآله الطاهرين. السلام عليكم اخوتنا وأخواتنا، أهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج لنا فيه وقفة تأملية جديدة في المقطع التالي من الدعاء الذي أمرنا مولانا امام العصر المهدي (عليه السلام) بتلاوته في عصر الغيبة وهو: (اللهم اكف وليك وحجتك في أرضك، هول عدوه، وكيد من كاده، وأمكر بمن مكر به، وأجعل دائرة السوء علی من أراد به سوءاً، وأقطع عنهم مادتهم، وأرعب له قلوبهم، وزلزل له أقدامهم، وخذهم جهرة وبغتةً، وشدد عليهم عذابك، وأخزهم في عبادك، والعنهم في بلادك، ...). الفقرة التي انتهينا اليها من المقطع المتقدم هي قول الداعي: (وأقطع عنهم مادتهم) أي أعداء وليه وحجته في أرضه خليفته المهدي الذين يكيدونه ويمكرون به (أرواحنا فداه). ومعنی (مادتهم) هو عوامل قوتهم اذ ان معنی (المادة) في اللغة هو ما تحصل به القوة للشيء. وعليه فان ما نطلبه من الله عزوجل في هذه الفقرة هو أن يقطع عن أعداء العدل المهدوي العوامل التي تمدهم بالقوة اللازمة لمتابعة جهودهم المضادة للحركة الاصلاحية الكبری التي يقوم بها الامام المهدي (عجل الله فرجه) لانهاء الظلم والجور وانقاذ البشرية منهما واقرار العدل الشامل. وعوامل القوة هذه عامة تشمل الأسلحة الاعلامية والفكرية المخادعة وكذلك الامدادات الاقتصادية فضلاً عن القوة الاستخباراتية والأمنية وكذلك القدرة العسكرية. ولايخفی عليكم مستمعينا الافاضل أننا عندما نطلب من الله تبارك وتعالی أن يقطع عن أعداء خليفته المهدي (أرواحنا فداه) عوامل قوتهم هذه، انما نطلب في الواقع الخير للبشرية جمعاء لأن تحقق هذا المطلب يعني تجنيب البشر المزيد من الأذی والخسائر المعنوية والمادية الناتجة من استمرار الطواغيت والجبابرة في جهودهم التخريبية المضادة للحركة الاصلاحية المهدوية اذ ان هذه الحركة المباركة انما تهدف الی انقاذ البشرية من ويلات الظلم والجور وحكم الطواغيت. وهذه الحقيقة تصدق علی جميع فقرات الدعاء الاخری التي نتابع الحديث عنها بعد قليل فتابعونا مشكورين. أيها الاخوة والاخوات، في الفقرة التالية ندعو الله عزوجل قائلين: (وأرعب له قلوبهم)، أي أرعب لامام العصر (عليه السلام) قلوب أعدائه: هذا الدعاء مستلهم من القرآن الكريم فقد أشارت عدة من الآيات الكريمة الی حقيقة أن من مصاديق نصرة الله عزوجل لعباده الصالحين قذفه الرُّعْبَ في قلوب أعدائهم. قال عز من قائل في الآيتين 150 و151 من سورة آل عمران: «بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ، سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ، مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ». ويقول جل جلاله في الآيتين 11 و12 من سورة الأنفال: «إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ، وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء، لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ، وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ، إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ، فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ، فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ، وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ». وقال تبارك وتعالی في الآية الثانية من سورة الحشر: «هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ، مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا، وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ، فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ، وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ، فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ». أيها الأخوة والأخوات، لقد تلونا الآيات المتقدمة لأنها أبلغ ما يبين معنی الفقرة المتقدمة من الدعاء المهدوي، فهي تبين بوضوح معنی (الرُّعْبَ) الذي تطلب من الله جل جلاله أن يقذفه في قلوب أعداء خليفته المهدي (أرواحنا فداه). فالمقصود به حالة الاضطراب التي تصيب الاعداء نتيجة امتلاء قلوبهم بالخوف من الله عز وجل ونتيجةٍ لخذلان الشيطان لهم، وهذا الاضطراب يسيطر عليهم الی درجةٍ تجعلهم يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ أي تدفعهم الی سلسلة من التحركات الحمقاء التي تحبط خططهم في محاربة المؤمنين. هذه الحالة من الاضطراب تبعث في المقابل روح الثبات فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وتحصنهم من التأثر بوساوس الشيطان التي تسعی لاخفاتهم من أعدائهم وما يمتلكون من قوی الارهاب والايذاء. أما استخدام تعبير (وأرعب له) ففيها اشارة الی أن نتيجة حالة الرُّعْبَ التي نطلب من الله عز وجل أن يقذفها في قلوب أعداء وليه المهدي (عليه السلام) نطلب أن تكون لصالح وليه المهدي أي لايدفعهم هذا الرُّعْبَ الی ارتكاب جرائم مدمرة تضر بالجبهة المهدوية. رزقنا الله وإياكم اخوة الايمان دوام الاستقامة علی صراطه المستقيم ودوام التمسك بولاية خليفته المهدي (أرواحنا فداه) اللهم آمين، وبهذا ننهي من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، لقاء اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة) شكراً لكم ودمتم بكل خير. شرح فقرة: "وأمكر بمن مكر بعجل الله فرجه وخاصة بعد صلاة العصر من أيام الجمعة، ..." - 173 2013-09-21 08:49:20 2013-09-21 08:49:20 http://arabic.irib.ir/programs/item/10203 http://arabic.irib.ir/programs/item/10203 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وله الحمد والمجد، أرحم الراحمين، وأطيب صلواته على رحمته العظمى للعالمين محمد وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم ايها الاخوة والاخوات ورحمة الله وبركاته، معكم في لقاء آخر من هذا البرنامج ووقفة تأملية نستلهم فيها سبل الفوز بالرحمات الالهية الخاصة من خلال التدبر في أدعية أهل بيت الرحمة (عليهم السلام) ومنها الدعاء المندوب وبصورة مؤكدة للتوجه الى الله به في عصر الغيبة خليفته المهدي (عجل الله فرجه) وخاصة بعد صلاة العصر من أيام الجمعة. نتدبر في هذا اللقاء بفقرة أخری من المقطع التالي من هذا الدعاء الشريف حيث ندعو الله عزوجل قائلين: (اللهم إكف وليك وحجتك في أرضك، هول عدوه وكيد من كاده، وأمكر بمن مكر به، وأجعل دائرة السوء على من أراد به سوءً، واقطع عنهم مادتهم، وأرعب له قلوبهم وزلزل له أقدامهم). الفقرة التي إنتهينا إليها هي: (وامكر بمن مكر به)، فما هو معناها؟ في الإجابة عن هذا السؤال نشير الی هذه العبارة مقتبسة من القرآن الكريم من نظائر قوله عزوجل في الآية الثلاثين من سورة الأنفال: «وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ، وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ». ايها الأفاضل، أصل المكر في اللغة كما يقول الراغب في مفردات القرآن الكريم هو صرف الغير عما أراده وقصده بحيلة، ولذلك قد يكون محموداً ومذموماً، أي بحسب الدافع للمكر، ولذلك نسبه القرآن الكريم الی الله عزوجل ووصفه تبارك وتعالی بأنه خَيْرُ الْمَاكِرِينَ، أي بالمكر المحمود. ولعل هذا التقسيم للمكر بالمحمود والمذموم مستفاد من القرآن الكريم نفسه حيث يصف مكر الكافرين والمجرمين بأنه (المكر السيء) ويؤكد أنه لا يحيق إلا بأهله. وبناء علی هذه التوضيحات يكون معنی هذه الفقرة من الدعاء هي أننا نطلب من الله عزوجل أن يحبط مساعي الطواغيت وأعداء دينه الحق ضد وليه وخليفته المهدي (أرواحنا فداه) وجهودهم لمنعه من تحقيق أهدافه الإلهية المقدسة في التمهيد لظهوره وملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً. أي مثلما أحبط تبارك وتعالی مساعي الكافرين للحيلولة دون تحقيق أهداف جده المصطفی (صلی الله عليه وآله)، من خلال مكرهم به لمنعه من تبليغ رسالة ربه وإكمال دينه وإتمام نعمته علی العالمين إلی يوم القيامة. أيها الإخوة والأخوات، وقبل أن ننتقل إلی الفقرة التالية، نشير إلی فائدة تربوية نستفيدها من الفقرة المتقدمة وهي أنها تنبهنا إلی أن من وسائل الفوز بالرحمات الإلهية الخاصة هو أن يصبح المؤمنون وسيلة من وسائل المكر الإلهي المحمود لإحباط مكر الطواغيت بإمام زمانهم المهدي (عليه السلام) وسعيهم لمنعه من تحقيق أهدافه الإصلاحية الكبری. والسبيل لذلك هو أن يحذر المؤمنون بشدة ودقة من مكر الطواغيت المضاد للحركة الإصلاحية المهدوية ويسعوا - بالإستعانة بالله عزوجل - لعدم الإنخداع بهذا المكر ويجتهد في العمل لإحباطه بما استطاعوا، وفي ذلك أوضح مصاديق نصرة ومؤازرة إمام زمانهم (أرواحنا فداه). وبعد هذه الإستفادة ننتقل إلی الفقرة اللاحقة وهي: (واجعل دائرة السوء علی من أراد به سوءاً)، فما هو معناها؟ الإجابة تأتيكم بعد قليل فتابعونا مشكورين. في الإجابة عن السؤال المتقدم: نرجع مرة أخری إلی القرآن الكريم لنجد أن هذه الفقرة مقتبسة منه أيضاً، حيث يقول الله عزوجل في الآية الثامنة والتسعين من سورة البراءة أو التوبة: «وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ، عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ، وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»، ويقول عز من قائل في الآية السادسة من سورة الفتح: «وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ، الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ، عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَلَعَنَهُمْ، وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ، وَسَاءتْ مَصِيراً». استخدام تعبير «دَائِرَةُ السَّوْءِ» يشير - مستمعينا الأفاضل - إلی إحاطة السَّوْءِ ومعنی السَّوْءِ هو ما يكره ويستقبح ويسبب الحزن والإحباط لإنسان، وعلى هذا يكون معنی هذه الفقرة من الدعاء هو أننا نطلب من الله عزوجل أن يجعل السَّوْءِ محيطاً بمن أراد سوءاً بخليفته المهدي (عليه السلام) مثلما فعل مع من أراد سوءاً بجده رسول الله (صلی الله عليه وآله). فتعود سهام كيدهم ضده (عجل الله فرجه) وضد حركته الإصلاحية إلی نحورهم، فيسيطر عليهم الغيظ والحزن لفشلهم في تحقيق أهدافهم وفي مساعيهم لبعث الحزن فيه (صلوات الله عليه). وها نحن نصل أيها الأعزاء إلی ختام حلقة أخری من برنامجكم (ينابيع الرحمة)، استمعتم لها من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران. شكراً لحسن استماعكم ودمتم في رعايته سالمين. شرح فقرة: "هول عدوه وكيد من كاده، ..." - 172 2013-09-18 13:28:09 2013-09-18 13:28:09 http://arabic.irib.ir/programs/item/10202 http://arabic.irib.ir/programs/item/10202 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وله الحمد والمجد، وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ومبير الكافرين وأزكى تحياته وصلواته وبركاته على سادة أوليائه المخلصين المصطفى الأمين وآله الطاهرين. السلام عليكم اخوة الإيمان ورحمة الله وبركاته، على بركة الله نلتقيكم في حلقةٍ جديدة من برنامجكم هذا ووقفة تأملية في مقطعٍ آخر من دعاء عصر غيبة خاتم الأوصياء المحمديين مولانا إمام زماننا المهدي الموعود (عجل الله فرجه)، والمقطع الذي إنتهينا إليه من الدعاء هو الذي ندعو به الله عزوجل قائلين: (اللهم أكف وليك وحجتك في أرضك هول عدوه، وكيد من كاده، وأمكر بمن مكر به، وأجعل دائرة السوء على من أراد به سوءً). في هذا المقطع من الدعاء نطلب من الله جلت قدرته أن يدفع عن وليه وحجته مولانا إمام العصر (عليه السلام) هول عدوه وكيد من كاده . وقد تقدم الحديث في الحلقة السابقة عن معنى وصف المهدي بأنه (ولي الله)، فهو يعني المرتبط بالله وناصره عزوجل والذي يحظى بنصرته وتأييده تبارك وتعالى. كما عرفنا أن معنى كونه (عليه السلام) حجة الله و أنه الآية المبينة للصراط الإلهي المستقيم والمعبرة عن هداية الله وإرادته تبارك وتعالى. أما معنى (الهول) فهو الأمر المفزع المخيف لعظمته، والمراد به آثار وتبعات أشكال الحرب الشاملة التي يشنها الطواغيت ضد الدين الإلهي الحق وأشياعه وإستهداف حياة الإمام المهدي (أرواحنا فداه). لا يخفى عليكم أعزاءنا المستمعين أن إستهداف حياة خاتم الأوصياء المحمديين يعني إستهداف الوعد الصادق الذي وعد الله عزوجل بأن يملأ بخليفته المهدي الموعود (عجل الله فرجه) الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً: هذا هو منشأ خوف الإمام المهدي المذكور في بعض النصوص الشريفة فهو خوف مقدس منبعه حرص امام العصر (أرواحنا فداه) على صالح المجتمع البشري المتمثل في تحقق هذا الوعد الإلهي الصادق. أيها الأخوة والأخوات، وعلى ضوء ما تقدم يتضح أن ما نطلبه في الفقرة المتقدمة من الدعاء هو أن يدفع الله عزوجل عن وليه وخليفته المهدي همّ تبعات وآثار الجهود الحثيثة التي يبذلها الطواغيت ضد الدين الإلهي الحق وحجته وأشياعه. كما نطلب منه عزوجل أن يدفع عن وليه وحجته المهدي (أرواحنا فداه) كيد من كاده، ومعنى الكيد في اللغة هو التدبير الذي يتضمن نوعاً من الإحتيال والمخادعة، أي السعي لمحاربة حركة الإمام المهدي بمؤامراتٍ خفية الأهداف يمكن أن تخدع المؤمنين فيقعوا في حبائلها. وعليه يتبين لنا أن هذا الدعاء يعلمنا أن نطلب من الله جلت قدرته أن يدفع عن وليه وحجته المهدي همّ المكائد والمؤامرات المخادعة التي يحوكها الطواغيت ضد الوجود الإيماني وجهود امامنا المهدي للتمهيد لظهوره (عجل الله فرجه). أيها الأخوة والأخوات ونشير هنا الى أن الطلب من الله عزوجل أن يكفي وليه وحجته المهدي (أرواحنا فداه) كيد من كاده، مستلهم من القرآن الكريم حيث يقول عزّ من قائل في الآيتين 17 و18 من سورة الأنفال: «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ، وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ، وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى، وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً، إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ». نستفيد من هذه الملاحظة أن على المؤمنين أن يحذروا مكائد الطواغيت ولا ينخدعوا بظواهرها الخادعة، ويستعينوا بالله عزوجل من أجل ذلك، لكي يصبحوا بذلك وسيلة إلهية تدفع عن إمام زمانهم (عليه السلام) همّ الخوف من سقوطهم في حبائل مؤامرات أعداء الله والدين الحق وحبائلهم. وها نحن مستمعينا الأفاضل نصل الى ختام حلقة أخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمة) إستمعتم له من إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، في الحلقة المقبلة ستكون لنا بمشيئة الله وقفة عند معنى المكر الإلهي بمن يمكر بوليه المهدي (عليه السلام)، كونوا معنا في لقائنا القادم بأذن الله ودمتم في رعايته سالمين. شرح فقرة: "اللهم اكف وليك وحجتك في أرضك هول عدوه، ..." - 171 2013-09-17 08:33:58 2013-09-17 08:33:58 http://arabic.irib.ir/programs/item/10201 http://arabic.irib.ir/programs/item/10201 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وله الحمد والمجد، نصير المستضعفين ومبير الظالمين، وأزكى صلواته وتحياته وبركاته على منقذي عباده من ظلمات الضلالة والجهالة محمد وآله الطاهرين. السلام عليكم اعزاءنا المستمعين ورحمة الله وبركاته، معكم في وقفةٍ تأملية جديدة في مقطعٍ أخر من دعاء المعرفة الجليل المستحب تلاوته في عصر غيبة خاتم الأوصياء المهدي الموعود (عجل الله فرجه) خاصة بعد صلاة العصر من أيام الجمعة. وقد بلغ بنا الحديث الى قول الداعي: (اللهم اكف وليك وحجتك في أرضك هول عدوه، وكيد من كاده وأمكر بمن مكر به، واجعل دائرة السوء على من أراد به سوءاً). الكافي هو من أسماء الله الحسنى، ومعناه هو كونه تبارك وتعالى الذي يغني من إستكفى به عزوجل همّ الأمر الهام والمخوف والداهي، أي يدفعه عنه بطريقةٍ تجعل المستكفي به في راحة وسلامة روحية حتى من الـتأثر بهول وصعوبة هذا الأمر. من هنا نعرف أن إسم الكافي يتمايز عن إسم الدافع بأضافة هي أنه يتضمن دفع السوء بذاته مع دفع الهم والغم الذي يصاحبه. وعليه يتضح أن ما نطلبه من الله عزوجل هنا هو أن يدفع عن وليه وحجته على عباده سوء الأهوال التي يسببها له عدوه، ويجعله (عليه السلام) في أمنٍ وراحةٍ منها. والمقصود بوصفي (وليك وحجتك في أرضك) هو خليفة الله المهدي (أرواحنا فداه)، فهذا المقطع يأتي كما هو واضح من سياق الدعاء لإمام العصر وطلب تعجيل ظهوره (عجل الله فرجه) كما جاء في مقاطع الدعاء السابقة. وسؤالنا هنا هو: ما معنى كون إمام العصر (سلام الله عليه) هو ولي الله عزوجل أولاً، ثم ما معنى كونه حجة الله في أرضه؟ الإجابة تأتيكم أعزاءنا بعد قليل فتابعونا مشكورين. الولي في اللغة مشتق في الأصل - أيها الأعزاء- من الولاء والتوالي، ومعناه الإلتصاق بين شيئين بحيث لا يكون بينهما ما ليس منهما كما ذكر ذلك الراغب في كتاب مفردات القرآن الكريم. وأضاف أيضاً بأن إستعمالات هذه المفردة جاءت بلحاظ هذا المعنى اللغوي، فأخذت بمعنى القرب المكاني والمعنوي والعقائدي ومن حيث النسبة والدين والصداقة والنصرة والمؤازرة. وعلى ضوء هذا المعنى يوصف المؤمن بأنه (ولي الله) للإشارة الى إرتباطه وإلتصاقه به عزوجل ونصرته لربه الجليل وبالتالي قربه منه جل جلاله وحظوته بالنصرة الإلهية والهداية والرعاية الإلهية كما يشير لذلك قوله عزوجل في الآية 257 من سورة البقرة: «اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ، وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ، يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ، أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ». وعليه يتضح أيها الأخوة والأخوات أن معنى كون الإمام المهدي (أرواحنا فداه) ولياً لله عزوجل، هو إرتباطه به جل جلاله دون أن يفصله عنه شيء وإلتصاقه به وقربه المعنوي منه بحيث لا يحجزه عنه شيء وكمال إيمانه به جل جلاله ونصرته له. وهو (عليه السلام) يحظى بذلك برعاية الله عزوجل وتسديده وتأييده ونصرته له. ولا يخفى عليكم مستمعينا الأفاضل، أن المؤمن كلما كمل إيمانه وصدقت نصرته لله عزوجل توثقت بالمقابل عرى ولايته لله تبارك وتعالى، وبالتالي حظي بالمراتب العليا من النصرة والهداية الإلهية وهذا الأمر من مقتضيات العدل الإلهي. وإمام العصر (سلام الله عليه) هو كسائر أهل بيت النبوة المحمدية (عليهم السلام) النموذج الكامل للإيمان الصادق بالله جل جلاله والنصرة الخالصة له أي لإرادته العادلة تبارك وتعالى. ولذلك فهو (عليه السلام) يحظى بكامل التأييد والهداية والنصرة الإلهية، أي أعلى مراتب الولاية الإلهية بجميع شؤونها. من هنا صار (عليه السلام) حجة الله عزوجل في أرضه. ومعنى (الحجة) لغوياً هو الدلالة أو الآية المبينة للمحجة أي الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، وإذا نسبت الى الله تبارك وتعالى أعطت مفهوم الدلالة الكاملة في بيان الإرادة الإلهية والحق الصريح الذي لا لبس فيه كما يشير لذلك قوله عزّ من قائل: «فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ». من هنا يكون معنى وصف الإمام المهدي (أرواحنا فداه) بأنه (حجة الله) هو كونه (عليه السلام) الآية البينة المعرفة للصراط المستقيم الموصل الى قرب الله عزوجل والحاملة لجميع مصاديق الهداية الإلهية، أي أن في جميع أقواله (عليه السلام) وأفعاله الحق الإلهي الصريح الذي لا لبس فيه، فمن أراد الحق وأراد الله عزوجل فعلية التمسك بحبل موالاته والإرتباط به (عليه السلام) لكي يكون سيره على الصِّرَاطِ المُستَقِيمَ ويكون حليفه الفوز والفلاح والسعادة والنجاة في الدنيا والآخرة. الى هنا نصل اعزاءنا مستمعي إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، الى ختام حلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة)، تقبل الله منكم جميل المتابعة ودمتم في رعايته سالمين وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. شرح فقرة: "بيد وليك وأيدي عبادك الْمُؤْمِنِينَ، ..." - 170 2013-09-16 08:48:07 2013-09-16 08:48:07 http://arabic.irib.ir/programs/item/10200 http://arabic.irib.ir/programs/item/10200 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وله عظيم الحمد والمجد، أرحم الراحمين والعزيز الحكيم وأدوم وأفضل صلواته وتحياته وبركاته على خلفائه المعصومين محمد وآله الطاهرين. السلام عليكم إخوتنا ورحمة الله وبركاته، بتوفيق الله نلتقيكم في حلقة أخرى من برنامجكم هذا ووقفة تأملية في حقائق المعارف الإلهية التي تشتمل عليها أدعية أهل بيت الرحمة (عليهم السلام) ومنها الدعاء المعروف بدعاء المعرفة أو دعاء عصر الغيبة الذي أهداه إمام العصر (أرواحنا فداه) للمؤمنين وحثهم على الإلتزام بتلاوته ترسيخاً لثباتهم على الدين الإلهي الحق. في هذا اللقاء نتأمل معاً في إحدى عبارات مقطع منه يعلمنا أن نطلب من الله عزوجل تعجيل فرج خليفته المهدي لكي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً وينهي جميع مظاهر الظلم والجور، ثم نقول: (اللهم ... وعذب أعدائك وأعداء دينك وأعداء رسولك، صلى الله عليه وآله، بيد وليك، وأيدي عبادك الْمُؤْمِنِينَ). حديثنا في هذه الحلقة أيها الأعزاء هو عن العبارة الأخيرة في المقطع المتقدم وفيها نطلب من الله عزوجل أن يكون تعذيبه لتلك الطوائف الثلاث من المفسدين في الأرض بيد ولي الله، أي الإمام العصر وخليفة الله المهدي (عجل الله فرجه). وهنا نعرض فيما يرتبط بهذه العبارة السؤالين التاليين: الأول: ما هي الحكمة من تقييد الدعاء لإنزال الله عذابه بيد وليه المعصوم وأيدي عباده الْمُؤْمِنِينَ؟ والسؤال الثاني هو: لماذا ذكر الدعاء يد ولي الله مستقلة عن أيدي عباد الله الْمُؤْمِنِينَ في حين كان بإمكانه أن يقول (بأيدي وليك وعبادك الْمُؤْمِنِينَ)؟ نبدأ بعون الله تبارك وتعالى بالإجابة عن السؤال الاول فنقول: إن هذا التعبير مقتبس من القرآن الكريم، حيث يقول عز من قائل في الآيتين 14 و15 من سورة التوبة أو براءة: «قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ، وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ، وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاء، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ». وفي هذا النص القرآني أشار إلى بعض علل تعذيب الله لأعدائه عزوجل بأيدي الْمُؤْمِنِينَ نشير إليها بعد قليل فتابعونا مشكورين. مستمعينا الأفاضل، نلمح في النص القرآني المتقدم إشارة إلى أن إستجابة الْمُؤْمِنِينَ للأمر الإلهي تستتبع شفاء قلوبهم إما للرغبة الفطرية لدى المظلوم بالقصاص من الظالم بنفسه، وفي ذلك تحقيق أشمل لقوانين العدل في المجازاة، وإما - وهذه بالتبع مرتبة أسمى وأنقى- أن يكون شفاء صدور الْمُؤْمِنِينَ في تحقيق رغبتهم الإيمانية بنصرة الله الذي آمنوا به وأحبوه وذلك بمجاهدة أعدائه. يضاف إلى ذلك أن من رحمة الله عزوجل بعباده فتح أبواب الحصول على ثوابه الجزيل ومن أعظمها باب الجهاد في سبيله لأنه يشتمل على مصاعب جمة تضاعف من هذا الثواب. وهذا المعنى تشير إليه بوضوح الآية الكريمة 120 من سورة التوبة حيث يقول الله جل جلاله: «مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ، أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ، وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ، وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ، وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً، إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ، إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ». أيها الأخوات والإخوة، ويبقى لدينا السؤال الثاني وهو: لماذا ذكر الدعاء يد ولي الله مستقلة عن أيدي عباده الْمُؤْمِنِينَ في حين كان بإمكانه أن يقول مثلاً (وعذبهم بأيدي وليك وعبادك الْمُؤْمِنِينَ)؟ في الإجابة عن هذا السؤال نقول: لعل الدعاء استخدم هذا التعبير تنبيهاً للمؤمنين الى لزوم أن لا يكون قيامهم بتعذيب أعداء الله بدوافع لا يحبها الله كالإنتقام الغضبي مثلاً، بل ينبغي أن يكون قيامهم بذلك عملاً عبادياً يستجيبون فيه لأمر الله عزوجل ويقتدون فيه بوليه وخليفته المعصوم (سلام الله عليه). ولذلك قدم الدعاء يد ولي الله على أيدي عباده الْمُؤْمِنِينَ ليكونوا مؤتمين بإمام زمانهم (عليه السلام) في جميع جزئيات وتفصيلات وشروط وآداب الإستجابة للأمر الإلهي بتعذيب أعداء الله، لأن خليفة الله المعصوم (عليه السلام) هو العارف العالم (بتعليم الله عزوجل) بطبيعة العذاب الذي ينبغي إنزاله بكل عدو لله عزوجل بما يناسبه دون أن يخرج الأمر عن دائرة العدل وحدوده الدقيقة فيتحول، والعياذ بالله، الى عدوان لا يرضاه الله تبارك وتعالى لعباده الْمُؤْمِنِينَ. أعزاءنا مستمعي إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران؛ بهذا نكون قد وصلنا إلى ختام حلقة أخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمة) نشكر لكم حسن المتابعة، ودمتم في رعايته سالمين وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. شرح فقرة: "اللهم وعذب أعدائك وأعداء دينك، وأعداء رسولك، ..." - 169 2013-09-15 08:58:30 2013-09-15 08:58:30 http://arabic.irib.ir/programs/item/10199 http://arabic.irib.ir/programs/item/10199 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وله الحمد والمجد نصير، المستضعفين ومبير الظالمين وأطيب وأطهر صلواته وتحياته وبركاته على رحمته الكبرى للعالمين محمد وآله الطيبين الطاهرين. سلام من الله عليكم إخوتنا، طابت أوقاتكم بكل ما يحبه الله لكم ويرضاه، نرحب بكم في مطلع لقاء جديد يسرنا أن نكون معكم فيه ونحن نتابع فيه معاً إستلهام دروس الحياة الطيبة من أدعية أهل بيت الرحمة المحمدية (عليهم السلام) ومنها دعاء المعرفة الجليل الذي أمرنا إمامنا الحجة المهدي (أرواحنا فداه) بتلاوته في عصر غيبته وخاصة بعد صلاة العصر من أيام الجمعة. وقد وصلنا أيها الأعزاء إلى فقرة من هذا الدعاء تعلمنا أن ندعو الله عزوجل قائلين: (اللهم وعذب أعدائك وأعداء دينك، وأعداء رسولك صلواتك عليه وآله، بيد وليك، وأيدي عبادك الْمُؤْمِنِينَ). تأتي هذه الفقرة أعزاءنا المستمعين في سياق مقطع من هذا الدعاء الشريف يبدأ بطلبنا من الله جل جلاله أن يأذن لوليه وخليفته المهدي الموعود (عجل الله فرجه) في إظهار عدله عزوجل في عباده. ومن مصاديق إظهار عدل الله في العباد، الطلب الذي نطلبه في الفقرة المتقدمة وهو أن يعذب الله جلت قدرته أعداءه وأعداء دينه وأعداء رسوله (صلى الله عليه وآله) هذا أولاً، وثانياً أن يكون إنزال هذا العذاب بيد وليه المهدي (أرواحنا فداه) وأيدي عباده الْمُؤْمِنِينَ. وهنا نعرض مستمعينا الأفاضل الأسئلة التالية بشأن هذا المقطع من الدعاء الشريف وهي: أولاً: لماذا استخدم الدعاء تعبير (عذب) ولم يقل مثلاً (إقتص) من أعدائك؟ ثانياً: لماذا طلب الدعاء إنزال العذاب بثلاث طوائف، هم: أعداء الله، وأعداء دين الله وأعداء رسول الله؟ أليس هؤلاء هم طائفة واحدة في الواقع بمعنى أن من يعادي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهو عدو لدين الله وعدو لله عزوجل؟ أما السؤال الثالث فهو: لماذا حدد الدعاء أن يكون إنزال العذاب الإلهي بيد ولي الله المهدي (عليه السلام) وعباده الْمُؤْمِنِينَ؟ نسعى معاً أيها الأعزاء للإجابة عن هذه الأسئلة بعد قليل فتابعونا مشكورين. بالنسبة للسؤال الأول نقول: إن من المعلوم أن رحمة الله تبارك وتعالى قد سبقت غضبه، ومن مصاديق ذلك أن رحمته إقتضت توفير كل فرصة ممكنة لخلقه حتى أعداءه منهم، عسى أن يتوبوا إلى الله عزوجل، من هنا فإن المحتمل أن يكون في استخدام تعبير إنزال العذاب الذي يشتمل على مصاديق متعددة غير القصاص والإستئصال، إشارة إلى ترحيب هؤلاء الأعداء وإرادتهم قدرة الله عزوجل عسى أن يتوبوا ويكفوا عن معاداته جل جلاله ويؤوبوا إلى صراط العبودية والحياة الطيبة. وهذا المعنى مستفاد من كثير من الآيات الكريمة نظير التي تحدثت عن إنزال الأنواع التسعة من العذاب بآل فرعون بهدف إرائتهم قدرة الله عز وجل، عسى أن يتخلوا عن معاداة الله وكليمه موسى (عليه السلام)؛ كما تشير لذلك الآيات 130 الى 136 من سورة الأعراف. مستمعينا الأفاضل، أما بالنسبة للسؤال الثاني فالذي يبدو لنا - والله العالم- هو أن مقصود هذا الدعاء الشريف التنبيه والتحذير لثلاثة أوجه للإنحراف العدائي لكل منها خصوصية خاصة ينبغي للمؤمنين الحذر منها ومجاهدة من تظهر فيهم. الوجه الأول: هو الذي يكون العداء فيهم وجهاً لله عزوجل مباشرة، وهو ما يظهر في الطواغيت المستكبرين الذين يدعون لأنفسهم الربوبية باللسان وصراحة كما كان حال فرعون الذي زعم أنه هو (الرب الأعلى)، أو الذين لا يدعون لأنفسهم الربوبية صراحة لكنهم يمارسون ذلك عملياً وهو حال معظم الطواغيت الذين علوا في الأرض واتخذوا الناس عبيداً لهم، وهؤلاء هم أعداء الله مباشرة لأنه ينازعونه – جل جلاله- الربوبية. أما الوجه الثاني: فهو الذي يكون العداء فيه موجهاً إلى دين الله بالدرجة الأساس وهو ما يظهر في الفاسقين والحكام الجائرين الذين يحاربون القيم الدينية العادلة لأنها تضر بمطامعهم وأهوائهم، كما كان عليه حال معاوية واضرابه من حكام الشرك ومن معهم من أئمة الضلال والإلحاد من الأولين والآخرين. والوجه الثالث: للإنحراف العدائي هو الذي يكون العداء فيه موجهاً لأولياء الله وعلى رأسهم سيدهم المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله) هو ما يظهر بالدرجة الأخطر في الذين استولى الحسد على قلوبهم فحسدوا أولياء الله المقريبن من الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) لأن الله اختارهم واصطفاهم عَلَى الْعَالَمِينَ واجتباهم لكي يكونوا سفراء بينه وبين خلقه. وهذا العداء أشار إليه القرآن في عديد من آياته الكريمة منها المتحدثة عن قصة رفض الشيطان الرجيم إطاعة أمر الله عزوجل بالسجود لآدم وآيات أخرى تشير إلى حسد البعض للأنبياء والأوصياء الكرام (عليهم السلام). هذا النمط الخطير من الإنحراف العدائي يظهر في كثير من الجن والإنس حتى من الذين ينتمون للأديان الإلهية ومن أوضح مصاديقه المفسدون المستكبرون من اليهود ومن النواصب بمختلف أقسامهم، أجارنا الله وإياكم منهم ومن فعالهم إنه سميع مجيب. أعزاءنا مستمعي إذاعة طهران، يبقى السؤال الثالث وهو عن سر تعليم الدعاء لنا نطلب من الله عزوجل أن يعذب هؤلاء الأعداء بيد وليه المهدي (عجل الله فرجه) وأيدي عباده الْمُؤْمِنِينَ، الإجابة عنه تأتيكم إن شاء الله تعالى في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) فإلى حينها نستودعكم الله بكل خير والسلام عليكم ورحمة الله. شرح فقرة: " ولا رآية إلا نكستها، ولا شجاعاً إلا قتلته، ..." - 168 2013-09-14 08:43:40 2013-09-14 08:43:40 http://arabic.irib.ir/programs/item/10198 http://arabic.irib.ir/programs/item/10198 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وله الحمد والمجد العزيز الحكيم، وأزكى صلواته على أعلام صراطه المستقيم وكنوز فضله العميم المصطفى الأمين وآله الطاهرين. السلام عليكم إخوتنا المستمعين واهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج نتابع فيه استلهام ما يحبه الله لنا ويرضاه من خلال التدبر في أدعية أهل بيت الرحمة (عليهم السلام) ومنها الدعاء المبارك المروي عن إمام زماننا المهدي والمستحب تلاوته في عصر غيبته (عجل الله فرجه) خاصة بعد صلاة العصر من أيام الجمعة. وقد إنتهينا أيها الأعزاء إلى مقطع من هذا الدعاء يعلمنا أن نطلب من الله جل جلاله أن لا يدع لجور الجائرين دعامة إلا قصمها إلى أن يقول: (ولا رآية إلا نكستها، ولا شجاعاً إلا قتلته، ولا جيشاً إلا خذلته، وارمهم يا رب بحجرك الدامغ، واضربهم بسيفك القاطع، وبأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين، وعذب أعدائك وأعداء دينك وأعداء رسولك، صلواتك عليه وآله، بيد وليك، وأيدي عبادك الْمُؤْمِنِينَ). أول مطلب في هذا المقطع هو أن يكسر الله جلت قدرته شوكة الظَّالِمِينَ والجبابرة العسكرية، وهي المشار إليها: أولاً: بالرآية التي ترمز للإقتدار القتالي مادامت مرفوعة، فالمطلوب هو تنكيس كل رآية للطواغيت، ويتحقق ذلك بردع حملة رآيات الظلم ودعاته لحكم الطواغيت، سواء من فقهاء السلاطين - أي أئمة الضلال- وسائر أعوانهم وأركان حكوماتهم. وثانياً: قتل شجعانهم، ولا يخفى أن المقصود هنا ليس الشجاعة الروحية الحقيقية، فهذه الفضيلة لا تتوفر في الظَّالِمِينَ والجائرين وأعوانهم، وإنما المقصود هم أصحاب القدرات القتالية الفائقة الذين يبسط الطواغيت والظلمة سيطرتهم على الناس بهم. وثالثاً: خذلان جيوشهم، ومعنى أن يخذل الإنسان إنساناً هو أن يحجب الأول قوته وإمكاناته عن الثاني، أما بالنسبة لله عزوجل فمعنى أن يخذل الظالم هو أن يوهن قدرة أو قوة وإمكانات الظالم ويجعلها عاجزة عن تحقيق ما يريد، لأنها جميعاً منه وبيده عزوجل، وهذا المعنى مستفاد من القرآن الكريم الذي يصرح بأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ. مستمعينا الأفاضل، وفي الفقرة اللاحقة من الدعاء نطلب من الله جلت قدرته أن يرمي جنود الجائرين بحجره الدامغ وفيه إشارة إلى قصة مقلاع نبي الله داوود (على نبينا وآله وعليه السلام) الذي قتل بحجره جَالُوتَ في معركة الفئة القليلة من بني اسرائيل التي قادها طَالُوتُ (عليه السلام) ضد الفئة الكثيرة من أعداء الله بزعامة جَالُوتَ، كما أشار الى ذلك القرآن الكريم في سورة البقرة في الآيات 246 الى 251. المراد في هذه الفقرة من الدعاء يتضح لنا من خلال التدبر في هذه الآيات وخاصة قوله عزوجل: «فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ، وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ، وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ، وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء، وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ، لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ». فكما تلاحظون مستمعينا الأفاضل فأن هذه الآية تصرح بأن سنة الله تبارك وتعالى اقتضت أن يدفع الله شر بعض الناس (أي الظَّالِمِينَ) ببعض أي الْمُؤْمِنِينَ، كداوود النبي (عليه السلام)، وبذلك يهزم الله الْكَافِرِينَ بعباده الْمُؤْمِنِينَ لأنه عزوجل ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ، ومن فضله أن يهيأ للمؤمنين فرصة الفوز بالثواب والملك والحكمة وذلك من خلال مجاهدة الظَّالِمِينَ. وعلى ضوء ذلك يتضح أن ما نطلب من الله عزوجل في هذه الفقرة هو أن يوفق الْمُؤْمِنِينَ لرمي رؤوس الظَّالِمِينَ بالحجر الدامغ المسدد بالتأييد والنصرة الإلهية. أيها الأخوة والأخوات، وفي الفقرة التالية من الدعاء ندعو الله جلت قدرته قائلين: (واضربهم بسيفك القاطع، وبأسك الذي لا ترده عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ). الرمي بالحجر هو القتال من بعيد، والضرب بالسيف القاطع هو القتال من قرب، والأول يضعف عساكر الجائرين والطواغيت، والثاني يقطع دابرهم بالكامل، فالهدف من الرمي بالحجر الدافع هو إضعافهم وإلحاق الهزيمة بهم، أما الهدف من الضرب بالسيف الإلهي القاطع فهو إستئصالهم. أما البأس الإلهي الذي لا يرد عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ فهو العقاب الصارم والقصاص الذي ينزله الله عزوجل بالْمُجْرِمِينَ جزاءً لما ارتكبوه من جرائم بحق عِبَادِ اللَّهِ والمستضعفين. وذكر هذا البأس والعقاب الصارم في نهاية هذه الفقرة إشارة إلى كون هؤلاء الطواغيت والجائرين قد ارتكبوا من المظالم ما استحقوا بها هذا القصاص وأصروا عليها إلى درجةٍ جعلت إستمرار وجودهم يعني إستمرار ظلمهم وجورهم أعاذنا الله وإياكم من كل ظلمٍ وجور إنه سميع مجيب. وبهذا مستمعينا الأفاضل، ننهي لقاء اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) إستمعتم له مشكورين من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، لكم منا خالص الدعوات ودمتم في رعاية الله. شرح فقرة: " ولا بقية إلا أفنيتها، ولا قوة إلا أوهنتها، ..." - 167 2013-09-11 08:51:00 2013-09-11 08:51:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/10197 http://arabic.irib.ir/programs/item/10197 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وله الحمد والمجد، أرحم الراحمين، وصلواته الناميات وبركاته المترادفات على صفوته ومعادن حكمته وكنوز رحمته خاتم الأنبياء وآله النجباء. السلام عليكم أيها الأعزاء معكم في حلقة أخرى من هذا البرنامج نتابع فيها استلهام حقائق العدل الإلهي من دعاء المعرفة الجليل الذي أمرنا مولانا إمام العصر المهدي بتلاوته في عصر غيبته (عجل الله تعالى فرجه). لنا في هذا اللقاء وقفة أخرى عند مقطعه الذي ندعو به الله جل جلاله قائلين: (اللهم إنا نسألك أن تأذن لوليك في إظهار عدلك في عبادك، وقتل أعدائك في بلادك، حتى لا تدع للجور يا رب دعامة إلا قصمتها، ولا بقية إلا أفنيتها، ولا قوة إلا أوهنتها، ولا ركناً إلا هدمته، ولا حداً إلا فللته، ولا سلاحاً إلا أكللته، ولا رآية إلا نكستها، ولا شجاعاً إلا قتلته، ولا جيشاً إلا خذلته). في بداية هذا المقطع نطلب من الله عزوجل أن يأذن لوليه وخليفته الإمام المهدي (عجل الله فرجه) بإظهار عدله الشامل في عباده، أي أن يحقق وعده الحتمي بأن يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً. وملأ الأرض قسطاً وعدلاً يستلزم تطهيرها بالكامل من كل ظلم وجور، وحيث أن دولة أهل البيت (عليهم السلام) هي آخر الدول، كما صرحت بذلك الأحاديث الشريفة، فهذا يعني خلوها بالكامل من إمكانات عودة الظلم والجور بأي شكل من أشكاله. ولذلك نطلب من الله عزوجل في هذا المقطع استئصال جميع جذور الظلم والجور وهذا ما نطلبه في سائر فقرات المقطع المتقدم من الدعاء المهدوي. وعندما يعلمنا الدعاء أن نطلب من الله عزوجل ذلك، فهذا يعني تعليمنا وسائر الْمُؤْمِنِينَ الإهتمام بالسعي لإستئصال جميع جذور الظلم والجور التي تعرفنا هذه الفقرات من الدعاء بها، إذ أن سنة الله جلت حكمته قد جرت على إجراء الأمور بأسبابها وتحقيق إرادته على أيدي الْمُؤْمِنِينَ من عباده لكي ينالوا بذلك جزيل الثواب. مستمعينا الأفاضل، جاء في هذا المقطع من الدعاء المهدوي: (حتى لا تدع للجور يا رب دعامة إلا قصمتها، ولا بقية إلا أفنيتها، ولا قوة إلا أوهنتها). عرفنا في الحلقة السابقة أن قصم دعامة الجور تعني تهشيم مرتكزات الجور لكي ينهار بإنهيارها، ثم نطلب من الله جلت قدرته أن يفني كل (بقية) للجور، وبقية الشيء هي ما تكمن فيه خصائصه وصفاته وعليه يكون المطلوب هنا هو محو كل ما فيه صفات الجور التي يمكن أن تظهر لاحقاً إذ توفرت فيه القوة اللازمة ولذلك نطلب من الله عزوجل في الفقرة اللاحقة أن يوهن، أي يضعف كل قوة للجور كي ينهي إمكانية أن يظهر ثانية بين العباد سواء كان بشكل جور على أنفسهم أو على الآخرين، ومن مصاديق ذلك مثلاً إضعاف نزعات التسلط أو الإسراف والإنغماس في الشهوات ونظائر ذلك. وفي الفقرة اللاحقة نطلب من الله جل جلاله أن لا يدع للجور ركناً إلا هدمه، والركن هو ما يلجأ إليه الإنسان إذا تعرض لموقف لا يقدر على مواجهته كما هو المستفاد مما جاء على لسان نبي الله لوط (عليه السلام) عندما رأى نفسه عاجزاً عن مواجهة قومه الفاسقين وهم يريدون الإعتداء على ضيوفه الذين لم يكن قد عرف بعد أنهم الملائكة الذين أرسلهم الله لإنزال العذاب بقومه، فلما رأى نفسه عاجزاً عن مواجهة قومه قال: «لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً، أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ»، أي أنه تمنى اللجوء إلى ركن يعينه على دفع أذى قومه. من هنا يتضح أن المطلوب في هذه الفقرة هو هدم كل ملجأ يمكن للجائرين والظلمة الإلتجاء إليه والإستعانة به في مواجهة جهود المهدي وأنصاره (عليه السلام) لأنها جميع أشكال الظلم والجور. وفي الفقرة اللاحقة ندعو الله عزوجل قائلين: (ولا حداً إلا فللته، ولا سلاحاً إلا أكللته، ...) والمعنى هو طلب تدمير أي حصن يمكن للجائرين والظلمة أن يتحصنوا به ويتخندقوا خلفه، فمعنى (الحد) هنا هو ما يوضع لمنع تقدم المهاجمين من التقدم ومعنى (فله) هو تدميره. أما معنى (إكلال السلاح) فهو الفاعلية والقدرة على التأثير وعليه يكون المطلوب هنا سلب أسلحة الجائرين القدرة على التأثير وتحقيق أهدافهم الظالمة، سواء كانت هذه الأسلحة قتالية مباشرة أو فكرية أو إقتصادية وغير ذلك. والمعنى إنهاء فاعلية أسلحة الجائرين والظلمة في قهر الناس أو إضلالهم وتطويعهم لمطاع الطواغيت والجبابرة. وإلى هنا نكون أيها الأخوة والأخوات قد وصلنا إلى ختام حلقة أخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمة) قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، شكراً لكم ودمتم في رعايته سالمين. شرح فقرة: "حتى لا تدع للجور يا رب دعامة،..." - 166 2013-09-10 07:58:48 2013-09-10 07:58:48 http://arabic.irib.ir/programs/item/10196 http://arabic.irib.ir/programs/item/10196 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رب الخلائق أجمعين، له الحمد، أرحم الراحمين وأكمل صلواته وتحياته وبركاته، على رحمته الكبرى للعالمين، محمد وآله الطاهرين. السلام عليكم أعزاءنا المستمعين، على بركة الله نلتقيكم في حلقة اليوم من برنامجكم هذا ووقفة تأملية أخرى في كنوز الرحمة الإلهية التي تتضمنها أدعية أهل البيت النبوي (عليهم السلام) ومنها دعاء عصر الغيبة الذي أمرنا بالتقرب الى الله عزوجل به مولانا إمام العصر (عليه السلام)، فنتدبر في هذا اللقاء بمقطعه الذي ندعو الله به قائلين: (اللهم إنا نسألك أن تأذن لوليك، في إظهار عدلك في عبادك، وقتل أعدائك في بلادك، حتى لا تدع للجور يا رب دعامة الا قصمتها، ولا بقية الا أفنيتها، ولا قوةً الا أوهنتها، ولا ركناً الا هدمته، ولا حدّاً الا فللته، ولا سلاحاً الا أكللته، ولا رآية الا نكستها، ولا شجاعاً الا قتلته، ولا جيشاً إلا خذلته). في المقطع المتقدم نطلب أولاً من الله عزوجل أن يأذن لوليه وخليفته في إرضه المهدي الموعود (عجل الله فرجه) بأظهار عدله عزوجل في عباده وقتل أعدائه جل جلاله في بلاده. أي تحقيق الوعد الإلهي الصادق بأقامة دولة العدل الإلهي الشامل وفي كل الأرض. وهذا ما تحدثنا عنه مفصلاً في الحلقة السابقة. ثم يعلمنا هذا الدعاء الشريف أن نطلب من الله عزوجل أن ينهي الجور بجميع أشكاله والى غير رجعة، وهذا ما تتضمنه الفقرات التالية من الدعاء وأولها قوله: (حتى لا تدع للجور يا رب دعامة إلا قصمتها): فما الذي نستلهمه من هذه الفقرة؟ في الجواب: نشير الى ملاحظة تشمل هذه الفقرة وجميع الفقرات التالية وهي أن الفعل ينسب فيها الى الله عزوجل مباشرة بعد أن نسب في الفقرات السابقة الى الله جل جلالة في فعل الإذن والى وليه المهدي الموعود في إظهار عدل الله في عباده وقتل أعداءه عزوجل في بلاده، وهذا الأسلوب مألوف في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) وأدعيتهم، وهو مستلهم من منطلقات قرآنية كقوله عزوجل: «وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى» وفي هذا الإسلوب تربية للمؤمنين على تقوية الرؤية التوحيدية الخالصة في كل ما يرونه، والتأكيد خاصة على أفعال أولياء الله وإنجازاتهم وكراماتهم هي بأذن الله عزوجل وتأييده وتسديده. مستمعينا الأفاضل، وثمة ملاحظة ثانية ترتبط بهذه الفقرة والفقرات التالية لها، وهي تنبيه الْمُؤْمِنِينَ أولاً الى مسؤوليتهم في العمل لإنهاء جميع بؤر الجور المذكورة في جميع تلك الفقرات لأن الله عزوجل يربي عباده ويؤهلهم لبلوغ مقامات الكمال من خلال سعيهم في تحقيق إرادته ومشيئته جل جلاله: وفي القرآن الكريم تصريحات عدة بهذا المعنى وخاصة في آيات الجهاد، هذا أولاً، وثانياً فإن في نسبة تحقق هذه الأمور الى الله عزوجل مباشرة صيانة للمؤمنين من الغرور والعجب وسائر الأمراض القلبية التي تخرج الإنسان من عبودية الله عزوجل الى عبودية النفس وأهوائها. وبعد هاتين الملاحظتين نعود الى فقرة: (حتى لا تدع للجور يا رب دعامةً إلا قصمتها)، فهي تبدأ بأداة (حتى) التي تفيد الغائية والهدفية، والمراد هنا هو أن الهدف من قتل أعداء الله هو في الواقع الإنهاء الكامل للجور بجميع أشكاله لأن أعداء الله هم مصدره الأساسي. وهنا نسأل ما هو معنى (الجور) الذي نطلب من الله عزوجل أن ينهيه بالكامل؟ الأجابة تأتيكم بعد قليل فتابعونا مشكورين. معنى (الجور) في اللغة هو الميل والإنحراف، والمقصود هو الإنحراف عن الْحَقِّ والعدل والإعتدال بجميع أشكاله، كما هو المستفاد من إطلاق الكلمة وكذلك من مقابلتها للعدل الشامل الذي نطلبه من الله عزوجل وقد عرفناه عدلاً يشمل داخل الإنسان وخارجه كما هو المستفاد من قول الدعاء: (إظهار عدلك في عبادك) وهذا يعني إنهاء الجور الذاتي أي جور الإنسان على نفسه، والجور الخارجي أي على الآخرين. أما (الدعامة) فهي ما يقوم عليها الشيء ويستند عليه ويلجأ إليه، ومعنى قصمها هو تهشيمها الذي لا يمكن معه إعادة تشكيلها. إذن يكون المعنى هو أننا نطلب من الله عزوجل أن يعيننا على إزالة كل الأمور التي يستند إليها الجور والعدوان الذاتي والخارجي، لكي لا يبقى أي عامل يدفع الإنسان لظلم نفسه وتجاوز الحدود الإلهية في شؤونه الذاتية وكذلك في العدوان على الآخرين وغصب حقوقهم أجارنا الله وإياكم من ذلك جميعاً. إنتهى أحباءنا الوقت المخصص لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) قدمناه لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، شكراً لحسن مرافقتكم ودمتم في رعايته آمنين وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. شرح فقرة: "نسألك أن تأذن لوليك بإظهار عدلك، ..." - 165 2013-09-09 08:04:14 2013-09-09 08:04:14 http://arabic.irib.ir/programs/item/9735 http://arabic.irib.ir/programs/item/9735 بسم الله وله الحمد والمجد جميل الصنع أرحم الراحمين وأسنى وأفضل صلواته وتحياته وبركاته على صفوته من العالمين ورحمته الكبرى للخلائق أجمعين محمد وآله الطاهرين. السلام عليكم إخوتنا المستمعين وأهلاً بكم في لقاء اليوم مع أدعية أهل بيت الرحمة (عليهم السلام) ومنها الدعاء المبارك الذي أمرنا إمام العصر خليفة الله بتلاوته في عصر غيبته (عجل الله فرجه)، وهو الدعاء الموسوم بدعاء المعرفة، وقد انتهينا إلى مقطع يعلمنا أن نتوجه إلى الله عزوجل قائلين: (اللهم إنا نسألك أن تأذن لوليك في إظهار عدلك في عبادك، وقتل أعدائك في بلادك، حتى لا تدع للجور دعامة إلا قصمتها، ولا بقية إلا أفنيتها، ولا قوة إلا أوهنتها، ولا ركنا إلا هدمته، ولا حداً إلا فللته، ولا سلاحاً إلا أكللته، ولا رأية إلا نكستها، ولا شجاعاً إلا قتلته، ولا جيشاً إلا خذلته). إن الإذن الإلهي بظهور المهدي الموعود (عجل الله فرجه) يعني في الواقع تحقق أهداف الإمهال الإلهي للجائرين بالكامل، وإتمام الحجة الإلهية عليهم كاملة وفقدان أي أمل في ارتداع من بقي منهم مصراً على ظلمه وجوره. ولذلك يأتي العقاب الإلهي لأعداء الله وعباده - عزوجل - حاسماً وشاملاً ينهي جميع إمكانات عودة الحياة للظلم والجور ويزيل جميع آثارهما. وهذا ما يعلمنا الدعاء الشريف في المقطع المتقدم أن نطلبه من الله عزوجل لأنه المقدمة التي لابد منها لإقرار العدل الشامل وإزالة جميع العقبات التي تصد المجتمع البشري عن بلوغ الرفاه والتقدم والتكامل والرقي بمختلف أشكاله. في العبارة الأولى من هذا المقطع ينبهنا الدعاء إلى أن ظهور الإمام المهدي الموعود (عجل الله فرجه) إنما يتحقق بإذن الله عزوجل، ولذلك نطلب منه جل جلاله أن يأذن بذلك، فما الذي يعبر عنه هذا الطلب؟ في الإجابة عن هذا السؤال نقول: إن في ذلك تركيز لروح التوحيد الخالص في قلب الإنسان من خلال تأكيد حقيقة أن الأمر كله بيد الله عزوجل كما أن فيه تقوية للأمل في قلوب الْمُؤْمِنِينَ يدفعون به اليأس عن أنفسهم إذا ما حاول الشيطان إدخاله إلى قلوبهم وهو يريهم إنتشار الظلم والجور ويصور لهم أن من غير الممكن إقامة القسط والعدل في ظل تلك الاوضاع السيئة. وهذه الوساوس يدفعها بالكامل إستشعار المؤمن لحقيقة أن الأمر كله بيد الله القادر المتعال فإذا أذن بظهور وليه المهدي ذلل له الصعاب وأزال عن طريقه العقبات. مستمعينا الأفاضل، كلا الأمرين المشار إليهما آنفا نلمحهما بوضوح في جميع كلمات العبارة المتقدمة من الدعاء، فهي جميعا تستخدم ضمير النسبة إلى الله عزوجل، في التعبيرات (وليك، عدلك، أعدائك، بلادك) وبذلك فهي ترسخ الجنبة التوحيدية ففي قلب الداعي من جهة ومن جهة ثانية تقوي روح الأمل الصادق بتحقق ما يطلبه من خلال نسبة الأمر لمن بيده الأمر كله جل جلاله. وهذا الأمر ضروري للغاية لأن هذه العبارة جاءت بعد الفقرة التي أشارت إلى كثرة الصعوبات التي يواجهها المؤمنون مثل كثرة الأعداء وتظاهرهم في محاربة الْحَقِّ وكثرة الفتن و قلة العدد. فالمهدي هو ولي الله أي المرتبط به جل جلاله بعلاقة الولاية التي تتضمن معاني الطاعة لأمره عزوجل والحظوة بنصرته وتأييده، فهو (عليه السلام) المتولي لأمر تحقيق الوعد الإلهي بتأييد ونصرة من الله عزوجل والعامل بإرادته جل جلاله. وما يظهره (عليه السلام) هو عدل الله عزوجل الشامل والكامل الذي لا نقص فيه، يخدم به عِبَادَ اللَّهِ فهو خليفته فيهم وبأمره - جل جلاله - يطهر بلاده من أعدائه، إذن فكل الأمور مرتبطة بالله تبارك وتعالى وهو الذي لا يعجزه شيء في السماء ولا في الأرض. أعزائنا المستمعين، وأخيراً نلاحظ في العبارة المتقدمة من الدعاء إستخدامها لتعبير إظهار عدل الله في عباده عزوجل، ونلمح في التعبير إشارة لطيفة إلى ما يقوم به إمامنا المهدي (أرواحنا فداه) هو تربية العباد بالتربية الإلهية التي تظهر فيهم مكامن العدل الفطرية، فيصبحوا بكل وجودهم مظاهر للعدل الإلهي على المستوى الفردي والإجتماعي. إذن فالأمر لا ينحصر في دائرة إقامة أحكام العدالة بين العباد وهذا هو المعنى المألوف بل يتجاوز ذلك إلى إظهار عدل الله في العباد وليس بينهم وحسب. وتربية العباد على العدل الذاتي هو ضمانة إستقرار العدالة على المستوي الإجتماعي. كما نلمح في إستخدام الدعاء لتعبير (وقتل أعدائك في بلادك) إشارة لطيفة أخرى إلى استحقاق هؤلاء للعقاب الذي ينزل بهم، لأنهم يعادون الله الذي يعيشون في بلاده ويتنعمون بإحسانه وهذا أفظع مصاديق الجحود والكفر. أجارنا الله وإياكم من فعل الظَّالِمِينَ والجاحدين ببركة التمسك بولاية محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. نشكر لكم أعزائنا طيب الإصغاء لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) الذي يأتيكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، تقبلوا منا تجديد التحيات وخالص الدعوات ودمتم في رعاية الله. شرح فقرة: "ففرج ذلك بفتحٍ منك تعجله، ..." - 164 2013-09-08 09:16:13 2013-09-08 09:16:13 http://arabic.irib.ir/programs/item/9734 http://arabic.irib.ir/programs/item/9734 بسم الله والحمد لله موضع شكوى الْمُؤْمِنِينَ وغياث المستغيثين أرحم الراحمين والصلاة والسلام على خير النبيين محمد وآله الطاهرين. السلام عيكم أعزاءنا المستمعين معكم في لقاء اليوم مع برنامج ينابيع الرحمة الإلهية المكنونة في أدعية أهل بيت النبوة المحمدية، ومنها الدعاء المبارك الذي أمرنا إمامنا المهدي (أرواحنا فداه) بالتوجه الى الله بتلاوته في عصر الغيبة ولنا في هذا اللقاء وقفة أخرى مع مقطع الشكوى الى الله في هذا الدعاء الجليل حيث نقول فيه: (اللهم إنّا نشكو إليك فقد نبينا، وغيبة ولينا، وشدة الزمان علينا، ووقوع الفتن بنا، وتظاهر الأعداء علينا، وكثرة عدونا وقلة عددنا، اللهم ففرج ذلك بفتحٍ منك تعجّله، ونصرٍ منك تعزّه، وإمام عدلٍ تظهره، إله الْحَقِّ آمين، رَبَّ الْعَالَمِينَ). لاحظنا في الحلقات السابقة - أيها الأخوة والأخوات- أن العبارات الأولى من هذا المقطع تحمل هموماً كبرى يعلمنا إمامنا المهدي (عجل الله فرجه) أن نشكوها لله عزوجل طلباً لمعونته عزوجل وشوقاً لرحمته في كشفها. وعندما نتأمل جيداً في هذه الأمور نجدها ترقى كثيراً عن أفق الهموم الشخصية الضيقة، فهي في جوهرها هموم الإيمان وهموم تحقيق العدل الإلهي في كل الإرض وإنقاذ البشرية جمعاء من جور الجائرين وضلالات الظَّالِمِينَ. إن ما يشكوه المؤمنون الى الله عزوجل في هذه الفقرات من الدعاء هو تبعات الإيذاء والحرب الشرسة التي يشنها أعداء الله عليهم بسبب إيمانهم بدينه الْحَقِّ وسعيهم لنصرة خليفته المهدي الموعود (عجل الله فرجه) في إقرار الحكم الإلهي العادل في كل الإرض، من هنا نلمح مستمعينا الأفاضل أن ما يطلبه المؤمنون من الله عزوجل بعد هذه الشكوى إليه هو إزالة تلك الهموم بأظهار دينه الْحَقِّ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون والْمُشْرِكُونَ والجبابرة والظَّالِمُونَ. نقول في الشطر الثاني من المقطع المتقدم (اللهم ففرج ذلك)، ضمير الإشارة ذلك يشير الى تلك الهموم الكبرى التي شكونا الى الله عزوجل في الفقرات السابقة. ونلاحظ هنا أن النص الدعائي المعصوم لم يعلمنا أن نقول (ففرج عنا ذلك) بل علمنا أن نقول (ففرج ذلك)، وفي ذلك تعليم للمؤمنين أن يطلبوا الفرج العام الذي يشمل الخلائق جميعاً ولا ينحصر بالْمُؤْمِنِينَ، أي ينقذ الله عزوجل الخلائق جميعاً من إيذاء وظلم وضلالات الجبابرة والظَّالِمِينَ. ومعنى التفريج هو كشف تلك الهموم وإزالتها ويتحقق ذلك بالأمور التي تذكرها العبارات اللاحقة وهي قول الدعاء: (بفتحٍ منك تعجّله). المستفاد من الإستخدامات اللغوية والقرآنية والحديثية لمفردة (الفتح) أن معناها في إصطلاح النصوص الشريفة هو الفتح للطريق المؤدي الى النصر الكامل شعر الناس بذلك كما في فتح مكة أو لم يشعروا بذلك كما في صلح الحديبية الذي سمّاه القرآن الكريم فَتْحاً مُّبِيناً واضحاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وإن لم يفهم كثيرٌ من المسلمين النصر الكامن فيه يومذاك. ويعلمنا الإمام المهدي (عليه السلام) أن نطلب من الله عزوجل أن يكشف تلك الغموم والهموم الكبرى بتعجيل هذا الفتح أي تعجيل توفير المقدمات اللازمة لتحقق النصر لمؤزر. وفي العبارة التالية نطلب من الله عزوجل أن يكشف تلك الهموم والغمة عن الخلائق بعد الفتح بما يصفه بأنه (نصرٌ منك تعزّه)، فالمطلوب هو نصرٌ من الله أي ما يفوق ما تقتضيه الأسباب الطبيعية العادية فهو نصرٌ مدعوم بالتأييد والتسديد الإلهي ولذلك فهو نصرٌ عزيز يقهر بقدرة الله عزوجل جميع العقبات التي تعترض طريقه. ومثل هذا النصر المعزز - وكما بينّا في لقاءات سابقة- لا يمكن أن يتحقق إلا على يد خليفة الله المعصوم المؤيد مباشرة بالتسديد كما تشير لذلك عبارة: (وإمام عدلٍ تظهره). واضحٌ أن المقصود هنا هو المهدي الموعود (عجل الله فرجه) ووصفه بأنه (إمام عدلٍ) يشير أولاً الى عدالته وعصمته المطلقة التي تؤهله لإنجاز النصر الإلهي المعزز، كما أنه يشير ثانياً الى أن مهمته (عليه السلام) هي إقامة العدل الإلهي وإحقاق الْحَقِّ الرباني. وهذا المعنى تؤكده العبارة اللاحقة التي نخاطب فيها الله عزوجل ونحن نؤمن على دعائنا قائلين: (إله الْحَقِّ آمين رَبَّ الْعَالَمِينَ)، فذكره - عزوجل- بصفة إله الْحَقِّ إشارة الى محورية مطلب إحقاقه تبارك وتعالى للحق في هذا الدعاء الشريف. وختاماً نشكر لكم أعزاءنا مستمعي إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران طيب الإصغاء لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة)، لكم منا خالص التحيات والدعوات ودمتم في كل خير. شرح فقرة: "وتظاهر الأعداء علينا وكثرة عدونا وقلة عددنا، ..." - 163 2013-09-07 14:59:03 2013-09-07 14:59:03 http://arabic.irib.ir/programs/item/9733 http://arabic.irib.ir/programs/item/9733 بسم الله والحمد والمجد نصير المستضعفين وقاصم الجبارين والصلاة والسلام على كنوز رحمته للعالمين حبيبنا المصطفى الأمين وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم أعزاءنا المستمعين، على بركة الله وبجميل توفيقه نلتقيكم في حلقة أخرى على مائدة ينابيع الرحمة الإلهية المكنونة في أدعية أهل بيت النبوة المحمدية صلوات الله عليهم أجمعين. لنا في هذا اللقاء وقفة أخرى مع مقطعٍ من دعاء المعرفة الجليل الذي أمرنا مولانا وإمام زماننا خليفة الله المهدي (أرواحنا فداه) بتلاوته في عصر الغيبة وفي هذا المقطع نتوجه الى الله عزوجل قائلين: (اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا، وغيبة ولينا، وشدة الزمان علينا، ووقوع الفتن بنا، وتظاهر الأعداء علينا، وكثرة عدونا وقلة عددنا، اللهم ففرج ذلك بفتحٍ منك تعجّله، ونصرٍٍ منك تعزّه، وإمام عدلٍ تظهره، إله الْحَقِّ آمين، رَبَّ الْعَالَمِينَ). أيها الأخوة والأخوات إنتهى بنا الحديث في الحلقات السابقة الى عبارة (وتظاهر الأعداء علينا وكثرة عدونا وقلة عددنا)، وهذه العبارة تشتمل على ثلاثة من مكامن الأذى الذي يقاسيه المؤمنون في عصر الغيبة ويشكونه الى الله عزوجل. معنى (تظاهر الأعداء) هو تعاونهم وتآزرهم في إيذاء الْمُؤْمِنِينَ، والمراد من الأعداء هم أعداء الْمُؤْمِنِينَ الذين يعادونهم ويحاربونهم بسبب إيمانهم فهم الطواغيت الذين يخافون من أهل الإيمان لأنهم يحملون الرسالة الإلهية العادلة ويبشرون الناس بها. ولذلك يسعون لإستئصالهم. وهذا يعني أن هؤلاء هم في الواقع أعداء العدالة الإلهية وبالتالي فهم أعداء الله ورسوله وأوليائه (صلى الله عليه وعليهم اجمعين)، لأنهم يرون أن إجراء حكم الله عزوجل ورسوله (صلى الله عليه وآله) يعني إنهاء حاكميتهم وإنهيار مطامعهم الظالمة ولذلك فهم يحاربون أهل الإيمان الحقيقي بالإمام المهدي وشيعته الصَّادِقِينَ لأن المهدي هو الموعود بأن ينهي حاكمية الظَّالِمِينَ، ولذلك فإن حربهم ضده (أرواحنا فداه) هي حرب مصيرية لا هوادة فيها. وهذه حقيقة واضحة لمن راجع التأريخ الإسلامي منذ صدره الأول، وهي التي تفسر حملات التشريد والتقتيل التي شنها الطواغيت ضد أئمة العترة المحمدية بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله). فالطواغيت علموا بأن الرسالة التي يحملها أئمة العترة المحمدية وأوصياء الرسول الإثنى عشر هي رسالة العدل الإلهي التي تنهي علومهم وإستكبارهم في الأرض وإستئثارهم بالثروات وإستعبادهم لعباد الله، ولذلك كانت حربهم ضد أهل بيت النبوة (عليهم السلام) مصيرية لا هوادة فيها. لقد إشتدت هذه الحرب ضد الإمام الثاني عشر من أئمة العترة المحمدية المهدي الموعود (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لما عرفه الطواغيت من أنه هو الذي ينهي الله عزوجل على يديه ظلم الظَّالِمِينَ وحكم الجائرين، ولذلك كان تظاهر أعداء الله عليه أشد وأقسى بدأت هذه الحرب حتى قبل مولده وهم يسعون لمنع تولده (عليه السلام). هذه الحقيقة يبينها بوضوح إمامنا الحسن العسكري والد المهدي (عليهما السلام) في حديثه الذي رواه الشيخ الجليل الفضل بن شاذان كما في إثبات الهداة، حيث قال (عليه السلام): (قد وضع بنو أمية وبنو العباس سيوفهم علينا لعلتين: إحداهما: أنهم كانوا يعلمون أنه ليس لهم في الخلافة حقٌ، فيخافون من إدعائنا إياها، و[من أن] تستقى في مركزها. وثانيهما: أنهم قد وقفوا من الأخبار المتواترة على أن زوال ملك الجبابرة والظلمة على يد القائم منا وكانوا لا يشكون أنهم من الجبابرة والظلمة، فسعوا في قتل أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإبادة نسله، طمعاً منهم في الوصول الى منع تولد القائم أو قتله فأبى الله أن يكشف أمره لواحدٍ منهم، إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ). هذا هو مستمعينا الأفاضل سر تظاهر أعداء الله على الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في كل عصر وهو أحد أسرار غيبته أيضاً وهو سر تظاهرهم على شيعته المخلصين أيضاً وإجتهادهم في محاربتهم وإيذائهم بشتى الوسائل. وعلى ضوء الحقيقة المتقدمة نفهم أيضاً كثرة هؤلاء الأعداء المشار إليها في عبارة الدعاء المتقدمة، فجبهتهم عريضة تشمل كل من يخشى من إقامة الحكم الإلهي العادل ودولة أهل البيت المحمدي (عليهم السلام)، مهما كان ظاهره دينياً محرفاً أو علمانياً صريحاً. وأخيراً نشكو الى الله عزوجل في نهاية هذه العبارة من قلة عددنا، والمقصود فيها قلة ذوي المراتب العالية من الإيمان والإخلاص، فهؤلاء هم القادرون - بتوفيق الله- من مواجهة تظاهر أولئك الأعداء الكثيرين، وقلة عددهم هي احدى العلل الإساسية لإستمرار الغيبة وتأخر ظهور بَقِيَّةُ اللَّهِ المهدي (أرواحنا فداه). إذ صرحت الأحاديث الشريفة بأنه إذا إكتمل العدد المطلوب من الأنصار المخلصين لله ولرسوله وأهل بيته (عليهم السلام)، ظهر الإمام (أرواحنا فداه) وأعلن ثورته الإصلاحية الكبرى جعلنا الله وإياكم من أنصاره المخلصين إنه سميع مجيب. وبهذا تنتهي حلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) إستمعتم لها من إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران شكراً لكم والى اللقاء. شرح فقرة: "نشكو إليك ... شدة الزمان علينا ووقوع الفتن بنا، ..." - 162 2013-09-06 15:14:20 2013-09-06 15:14:20 http://arabic.irib.ir/programs/item/9732 http://arabic.irib.ir/programs/item/9732 بسم الله وله عظيم الحمد ملجأ المستضعفين وغياث المستغيثين وأرحم الراحمين وصلواته المتناميات وبركاته المترادفات على كنوز رحمته ومعادن حكمته محمد وآله الطيبين. السلام عليكم إخوتنا وأخواتنا وأهلاً بكم في لقاء اليوم مع ينابيع الرحمة الإلهية المنثورة في أدعية أهل بيت النبوة المحمدية (عليهم السلام) ومنها دعاء عصر الغيبة، وقد وصلنا في تأملاتنا فيه الى المقطع التالي الذي نتوجه فيه الى الله تبارك وتعالى قائلين: ( اللهم إنّا نشكو إليك فقد نبينا، وغيبة ولينا، وشدة الزمان علينا، ووقوع الفتن بنا، وتظاهر الأعداء علينا، وكثرة عدونا، وقلة عددنا، اللهم ففرج ذلك بفتحٍ منك تعجّله، ونصرٍ منك تعزه، وإمام عدلٍ تظهره، إله الْحَقِّ آمين رَبَّ الْعَالَمِينَ). يحمل المقطع المتقدم من دعاء المعرفة رسالة مهمة من إمام العصر خليفة الله المهدي وهو (عليه السلام) منشأ هذا الدعاء، الى مؤمني عصر الغيبة خاصة أن يحملوا في قلوبهم دوماً همَّ فقد النبي الأكرم: (اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا، وغيبة ولينا، وشدة الزمان علينا ووقوع الفتن بنا، وتظاهر الزمان علينا، وكثرة عدونا وقلة عددنا، اللهم ففرج ذلك بفتحٍ منك تعجله ونصرٍ منك تعزه، وإمام عدلٍ تظهره، إله الْحَقِّ آمين رَبَّ الْعَالَمِينَ). وغيبة خاتم أئمة عترته الطيبين الذين فيهم ترى أخلاق وشمائل وسنة جدهم الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وعليهم). وقد تحدثنا مفصلاً عن معنى ودلالات هذه الرسالة في الحلقة السابقة من البرنامج، ونبدأ هنا بالعبارة الثانية، فما معنى أن نشكو الى الله عزوجل (شدة الزمان علينا)؟ يبدو - مستمعينا الأفاضل- أنّ تعبير شدة الزمان علينا يشير الى الصعوبات التي يقايسها المؤمنون خاصة في عصر الغيبة، وهي الصعوبات المذكورة في سائر فقرات المقطع المتقدم، أما ذكر (شدة الزمان) بصورةٍ مستقلة ففيه إشارة الى تظافر كل هذه الصعوبات الأساسية منها المذكورة في المقطع الدعائي، يضاف إليها سائر الصعوبات الأخرى المتفرعة عنها. وعليه يكون معنى العبارة هو: إننا نشكو الى الله عزوجل اجتماع مختلف أشكال الصعوبات والمشاقِّ علينا في هذا العصر. أما في العبارة التالية فإننا نشكو الى الله عزوجل وقوع الفتن بنا، ولمعرفة معناها، ينبغي أن نعرف معنى (الفتن) أولاً. الأصل الذي اشتقت منه مفردة (الْفِتْنَةُ) هو (الفتن)، وقد ذكرت كتب اللغة أن معناه الأولي هو إدخال الذهب في النار بهدف الإختبار لإظهار الذهب الجيد من الذهب الرديء. وبصورةٍ عامة يمكن القول بأنّ المعنى هو تعريض الشيء لصعوبات وأذىً بهدف الإختبار. هذا في اللغة، أمّا في المصطلح القرآني فقد استخدمت مفردة (الْفِتْنَةُ) ومشتقاتها في معانٍ متعددة منبثقةٍ من المعنى اللغوي نفسه. والقاسم المشترك بين هذه المعاني هو التعريض للأذى بهدف الإبتلاء والأختبار. وعندما نلاحظ مستمعينا الأفاضل أنّ استخدام تعبير (الفتن) في مقطع الدعاء المتقدم هو في مقام الشكوى الى الله عزوجل، نتوصَّلُ الى أنّ المقصود من ذلك هو جانب الإيذاء الذي يطال الْمُؤْمِنِينَ في عصر الغيبة من هذه الفتن بمختلف أشكالها العقائدية والأخلاقية والأجتماعية وغيرها. ولكن من الواضح في الآيات الكريمة، أنّ (الفتن) هي سنة إلهية ثابتة هدفها تمييز الْمُؤْمِنِينَ، الصَّادِقِينَ عن غيرهم وتمحيص الْمُؤْمِنِينَ، فكيف والحال هذه أن نشكوها الى الله عزوجل طلباً لرفعها؟ الإجابة عن هذا السؤال تأتيكم بعد قليل فتابعونا مشكورين. مما لا شك فيه أنّ معنى الإعتراض على أصل هذه السنة الإلهية غير متصوَّرٍ في هذه الشكوى التي يعلمنا دعاء المعصوم أن نتوجَّهُ بها الى الله عزوجل فنحن لا نعترض قطعاً على الله عزوجل لوقوع الفتن بالْمُؤْمِنِينَ، وعليه ينبثق السؤال التالي: إذن ما هو الهدف من هذه الشكوى، وما الذي نطلبه من الله عزوجل ونحن نتوجَّهُ بها إليه؟ يمكن أعزاءنا المستمعين عرض عدة إجابات عن هذا السؤال، الأولى هي أنّ الهدف من هذه الشكوى هو دفع الآثار السلبية للفتن عن الْمُؤْمِنِينَ، أي تقوية إيمانهم وسلوكياتهم لكي يتمكنوا من حفظ إيمانهم في هذه الفتن وتحويلها الى وسيلة لتطهيرهم وإزالة الشوائب التي لا يرضاها الله عزوجل لهم. والإجابة الثانية هي أنّ المطلوب في هذه الشكوى تقليل أمد هذه الفتن أو تخفيف حدتها ودفع آذاها عن الْمُؤْمِنِينَ. أما الإجابة الثالثة فهي أنّ هدف الإمام المهدي (عليه السلام) من تعليم الْمُؤْمِنِينَ أن يشكوا الى الله وقوع الفتن بهم هو توجيههم الى الحذر من السقوط في اختبارات هذه الفتن والإستعانة بالله جلت قدرته للنجاة منها. أنجانا الله وإياكم مستمعينا الأفاضل من مضلات الفتن ببركة التمسك بولاية محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. وها نحن مستمعينا الأكارم نصل بتوفيق الله الى ختام حلقة أخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمة) إستمعتم إليها من إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران تقبل الله منكم حسن الإصغاء ودمتم في رعايته سالمين. شرح فقرة: "نشكو إليك فقد نبينا وغيبة ولينا، ..." - 161 2013-09-05 08:08:17 2013-09-05 08:08:17 http://arabic.irib.ir/programs/item/9731 http://arabic.irib.ir/programs/item/9731 بسم الله وله الحمد والمجد أرحم الراحمين وموضع حاجات الطالبين وأزكى صلواته وتحياته وبركاته على كنوز رحمته للعالمين محمد وآله الطاهرين. السلام عليكم مستمعينا الأفاضل ورحمة الله تحية مباركة طيبة نهديها لكم في مطلع حلقة أخرى من هذا البرنامج. نستنير أحباءنا في هذا اللقاء بالمقطع التالي من دعاء المعرفة الجليل الذي أمرنا إمامنا خليفة الله المهدي (عليه السلام) بالتقرب الى الله عزوجل بتلاوته في عصر الغيبة، فندعوه قائلين: (اللهم إنّا نشكو إليك فقد نبينا، وغيبة ولينا، وشدة الزمان علينا، ووقوع الفتن بنا، وتظاهر الأعداء علينا، وكثرة عدونا، وقلة عددنا، اللهم ففرج ذلك بفتحٍ منك تعجّله، ونصرٍ منك تعزه، وإمام عدلٍ تظهره، إله الْحَقِّ آمين رَبَّ الْعَالَمِينَ). أول ما نشكوه الى الله عزوجل هو فقدنا النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، فما معنى هذه الشكوى بعد أكثر من أربعة عشر قرناً من رحيله (صلى الله عليه وآله)؟ هذه الشكوى تتكرر في عدة من أدعية أهل بيت النبوة (عليهم السلام) منها دعاء الأفتتاح المرويُّ أيضاً عن إمام العصر المهدي (عجل الله فرجه) والذي أمرنا (عليه السلام) بتلاوته في ليالي شهر رمضان وهو أهم شهور السنة العبادية. هذا التكرار وفي أهم الأدعية التي أمرنا بتلاوتها يحمل رسالة مهمة من إمامنا المهدي (أرواحنا فداه) الى الْمُؤْمِنِينَ عامة وبمختلف أجيالهم، ومنهم مؤمنو عصر الغيبة أيضاً، رسالة تؤكد ضرورة أن يحملوا همّ فقد النبي الأعظم ويستشعروا الهمَّ والحزن لذلك ويشكوا ذلك لله جل جلالة. فما هو وجه الحكمة في ذلك؟ وما هي أهمية أن يحمل المؤمن همّ وحزن فقد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ويشكوه الى الله عزوجل؟ في الاجابة عن السوال المتقدم نقول: انّ استشعار الهمِّ والحزن لفقد سيد الكائنات ونبي الرحمة من شأنه تقوية الإرتباط به والمحبة له (صلى الله عليه وآله)، وهذه من أهم المقاصد الشرعية والوسائل الإلهية التي توصل الإنسان الى القرب الإلهي والسعادة الحقيقية: ولذلك فإنّ مؤمني جميع الأزمنة ينبغي أن يستشعروا دائماً الهمَّ والحزن لفقده (صلى الله عليه وآله) ويتقرَّبوا الى الله عزوجل بذلك. هذا أولاً وثانياً، فإنّ رحيل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) جاء نتيجة لمؤامرات أهل الكفر والنفاق ضده ودَسِّهِمُ السُمَّ له كما صَرَّحت بذلك الكثير من الروايات التي سجلتها المصادر التأريخية المعتبرة عند مختلف الفرق والمذاهب الإسلامية. وهذه الكيفية لوفاته (صلى الله عليه وآله) تزيد لوعة الْمُؤْمِنِينَ لفقده خاصةً مع ملاحظة ما جرى على أهل بيته (عليهم السلام) بعد رحيله، فواضحٌ أنّ مما يخفف الشعور بالألم والأسى عند فقد أيِّ شخصية إجتماعية عظيمة هو ظهور علامات الوفاء له في أسرته والمقرَّبين إليه، وهذا ما جرى نقيضه مع سيد الكائنات وأكرم الأنبياء، فكما أخبر هو (صلى الله عليه وآله) قبل رحيله أمعن أهل الجفاء من أمَّته في إيذاء عترته وأهل بيته (عليهم السلام)، وهو جفاءٌ لم يشهد التأريخ الإنساني له مثيلاً طال بضعته الزهراء التي لحقت بأبيها بعد شهورٍ قلائل شهيدة مظلومة قد غُصِبَ حقها وأضرمت النار في باب دارها وكسر ضلعها وأسقط جنينها، ناهيك عمّا أنزله أهل الجفاء لنبي الرحمة وبأسم دينه الإسلام بعيالاته ¬(صلى الله عليه وآله) في كربلاء وواقعتها الفجيعة. وممّا يزيد في لوعة الْمُؤْمِنِينَ إستمرار الجفاء للنبي الأكرم بايذاء وتشريد وتقتيل أئمة عترته (صلى الله عليه وآله) وأخيار ذريته وأشياعهم طوال التأريخ الإسلامي في حرب شعواء كانت هي السبب الأساسي لغيبة خاتم أوصياء النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله). وهذه مستمعينا الأكارم مَناشئُ الهمِّ والحزن الذي يعتصر قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ على طول التأريخ الإسلامي عموماً لفقد الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وآله)، ولكنّ مؤمني عصر غيبة خاتم الأوصياء المهدي لهم لوعة إضافية لفقد نبيِّهم وهي لوعة غيبة خليفة رسول الله وسليله الإمام المهدي (عليه السلام). فواضحٌ أنّ مؤمني غير عصر الغيبة كان يخفف عنهم بعض لوعة فقدهم الحبيب المصطفى رؤيتهم لخليفته من أئمة العترة كلٌ في زمانه، في حين أنّ مؤمني عصر الغيبة المهدوية قد حرموا حتى من هذا التخفيف وحملوا الى جانب لوعة نبيهم لوعة وحزن غيبة وليهم. إذن فالعبارتان الأولى والثانية من مقطع الدعاء تثيران في قلوبنا الشعور الولائي الصادق تجاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأئمة عترته الطاهرة (عليهم السلام) والشكوى الى الله عزوجل من فقد خاتم الأنبياء وغيبة خاتم الأوصياء (عليهما السلام) تشتمل على معنى الإستمداد منه جلت قدرته لإظهار وليه الْحَقِّ وبقيته وخليفة نبيه الأكرم (صلى الله عليه وآله) لكي يزيل عن الْمُؤْمِنِينَ والْمُسْلِمِينَ الويلات والمصائب التي سبَّبها لهم أهل الجفاء لرسول الله وعترته الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين). وبهذا ينتهي أيها الأحباء لقاؤنا بكم ضمن حلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) قدمناه لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، نشكر لكم جميل الإستماع ودمتم سالمين. شرح فقرة: "اللهم انا نشكو اليك، …" - 160 2013-09-03 09:49:16 2013-09-03 09:49:16 http://arabic.irib.ir/programs/item/9730 http://arabic.irib.ir/programs/item/9730 بسم الله وله الحمد والمجد صريخ المستصرخين ومجيب دعوة المضطرين وأزكى صلوات المصلين على صفوته من العالمين محمد وآله الطاهرين. السلام عليكم أعزاءنا المستمعين أهلاً بكم في لقاء اليوم من برنامجكم هذا ووقفةٍ تأمليةٍ جديدةٍ في دعاء عصرالغيبة الموسوم بدعاء المعرفة، وهو من غرر أدعية أهل بيت الرحمة المحمدية (عليهم السلام)، وقد ذكر العلماء أنّ له عظيم الأثر في تقوية وترسيخ العقائد الحقة والمعارف الإلهية في القلوب وكذلك تقوية الإرتباط الوجداني بأمام العصر خليفة الله المهدي (أرواحنا فداه) وقد انتهينا - أيها الأحباء- الى مقطعٍ من هذا الدعاء يعلمنا أن نبثَّ شكوانا الى الله عزوجل قائلين: (اللهم إنّا نشكو إليك فقد نبينا، وغيبة ولينا، وشدة الزمان علينا، ووقوع الفتن بنا، وتظاهر الأعداء علينا، وكثرة عدونا، وقلة عددنا، اللهم ففرج ذلك بفتحٍ منك تعجّله، ونصرٍ منك تعزه، وإمام عدلٍ تظهره، إله الْحَقِّ آمين رَبَّ الْعَالَمِينَ). تحدثنا في الحلقة السابقة من هذا البرنامج - مستمعينا الأفاضل- عن الآثار والبركات التي يحصل عليها المؤمن من بثِّ شكواه وما يؤذيه الى الله عزوجل، ف الشكوى الى الله في حقيقتها نوع من الدعاء الذي يستمطر به العبد سحاب الرحمة والمعونة الإلهية. كما أنّ في الشكوى أثراً إيجابياً مهماً في تقوية ارتباط المؤمن بالله جل جلاله لأنّ الإنسان بطبيعته يبثُّ ما يعتلج في صدره من همومٍ الى من يشعر بقربه منه ومحبته له، ولذلك فإنّ الشكوى الى الله عزوجل تقوِّي في قلب المؤمن الإحساس الفطري بقرب الله جل جلاله منه، ولهذا الأمر عظيم الأثر في تقوية حُبِّهِ عزوجل في قلب المؤمن، وكذلك في تقوية شعور المؤمن بحبّ الله عزوجل له، لأن الشكوى تكون لمن يثق المؤمن بحُبِّهِ له. من هنا نجد في أدعية أهل بيت الرحمة كثيراً من الفقرات التي يعلموننا (عليهم السلام) فيها أن نشكو لله عزوجل همومنا ونبثها إليه، بل نجد في المناجات الخمسة عشر لمولانا الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) مناجاة مستقلة اسمها مناجاة الشاكين. ولا يخفى عليكم - مستمعينا الأفاضل- أنّ الأحاديث الشريفة تـُصرِّحُ بأنّ (من شكا الحاجة الى مؤمنٍ فكأنما شكاها الى الله ومن شكاها الى كافر فكأنما شكا الله)، كما في نهج البلاغة للإمام علي (عليه السلام)، ومثله قول إمامنا الصادق (عليه السلام): (من شكا الى أخيه فقد شكا الى الله ومن شكا الى غيرأخيه فقد شكا الله)، وقوله: (من شكا الى مؤمنٍ فقد شكا الى الله عزوجل ومن شكا الى مخالف فقد شكا الله عزوجل)، وإستناداً الى هذه الأحاديث الشريفة يَتـَّضِحُ أنّ الشكوى من شيء وبثها الى الأخ المؤمن يشترك مع الشكوى الى الله عزوجل في درجاتٍ من الآثار والبركات التي يرجوها الإنسان من الشكوى الى الله عزوجل. وكلما ارتفعت مرتبة المؤمن ووجاهته عند الله جل جلاله ازدادت معها البركات التي يرجوها الإنسان من بثه شكواه، وأسمى هذه البركات تتحصَّلُ من الشكوى الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين )عليهم السلام) فهي أسمى مصاديق الشكوى الى الله عزوجل. كان ما تقدم - اعزاءنا المستمعين- هو عن أصل الشكوى الى الله عزوجل وأهميتها في التربية الإسلامية، وبعد معرفة أهميتها يثار السؤال التالي: ما الذي نشكوه الى الله عزوجل أو الى أوليائه المقربين وهم (عليهم السلام) أبوابه وينابيع رحمته؟ عندما نراجع نصوص أدعية أهل بيت الرحمة (عليهم السلام) نلاحظ بوضوح أن تعلمنا أن نشكو الى الله عزوجل جميع أشكال الهموم بمختلف مراتبها تماماً مثلما هو الحال مع أصل التوجه إليه عزوجل بالدعاء. أي أنّ النصوص الشريفة تأمرنا بطلب مختلف أنواع الحاجات من الله عزوجل الصغيرة منها والكبيرة المادية منها والمعنوية، وهذا الأمر يصدق أيضاً على الشكوى الى الله عزوجل. ومثلما أنّ التوجُّه الى الله عزوجل بالدعاء والطلب منه في مختلف حاجات الإنسان وشؤونه يقوِّي روح العبودية في قلب الإنسان، كذلك الحال مع الشكوى الى الله عزوجل من مختلف ما يشعر به من أذى أو ضعفٍ، فهي تقوِّي أيضاً روح الإفتقار الى الله عزوجل واللجوء إليه والإستعانة به في مواجهة مختلف الهموم، الأمر الذي يقوِّي بالتالي الروح التوحيدية الخالصة في وجود الإنسان. والى جانب التأكيد على ضرورة اللجوء الى الله عزوجل بالشكوى إليه مما يعتصر القلب بصورة عامة، نجد في أدعية أهل بيت النبوة (عليهم السلام) إشاراتٍ وتنبيهاتٍ للمؤمنين تعرِّفهم بمراتب ساميةٍ من الهموم الإيمانية التي ينبغي أن تعتصر قلوبهم ويتوجَّهون الى الله بالشكوى منها، فهي همومٌ يؤدِّي كشفها الى انفراج عامٍّ يشمل المجتمع الإنساني كافة ومن أبرز نماذج هذه الهموم هي التي يذكرها المقطع المتقدم من دعاء عصر الغيبة كهموم فقد النبي وغيبة الوليِّ وشِدَّةِ الزمان على الْمُؤْمِنِينَ وكثرة الفتن بهم وتظاهر الأعداء عليهم وهذا ما سنفصل الحديث عنه بمشيئة الله في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) تقبل الله منكم جميل المتابعة لهذه الحلقة وقد استمعتم لها من إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، شكراً لكم ودمتم بكل خير. شرح فقرة: "اللهم إنا نشكو إليك، ..." - 159 2013-09-01 08:46:54 2013-09-01 08:46:54 http://arabic.irib.ir/programs/item/9729 http://arabic.irib.ir/programs/item/9729 بسم الله وله خالص الحمد والثناء إذ جعلنا من أمة سيد الأنبياء وأهل مودته ومودّة آله الأصفياء صلوات الله عليه وعليهم أجمعين. السلام عليكم مستمعينا الأعزاء، أهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامجكم هذا نتوقف فيها متأملين في مقطع جديد من دعاء عصر الغيبة نتوجه به إلى الله عزوجل قائلين: (اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا وغيبة ولينا وشِدَّة الزمان علينا ووقوع الفتن بنا وتظاهر الأعداء علينا وكثرة عدونا، وقلة عددنا، اللهم ففرج ذلك بفتح منك تعجله ونصر منك تعزه، وإمام عدل تظهره، إله الْحَقِّ آمين، رَبَّ الْعَالَمِينَ). تعلمون أيها الإخوة والأخوات أنّ الشكوى من الصعوبات والبلايا التي يَمُرُّ بها الإنسان تكون ممدوحة إذا كانت لله عزوجل أو كانت للأخ المؤمن لأنها في واقعها شكوى لله عزوجل. والعلة هي أنّ الإنسان إذا شكى للمؤمن ما به يحصل منه على مواساته بما يستطيع أو بالدعاء له من الله عزوجل لكي يكشف عنه الهمَّ والغمَّ، وهذا هو هدف الإنسان من بثه الشكوى لله عزوجل. وفي المقابل صَرَّحتِ النصوص الشريفة أنّ الشكوى تكون مذمومة إذا بثها الإنسان لغير المؤمن من أهل العناد، لأنها تكون شكوى من الله عزوجل، والعلة واضحة لأن المعاند سيشمت بالشاكي وسينسب ما نزل به إلى الله عزوجل بما يبعث فيه سوء الظن بالله تبارك وتعالى. والمستفاد من القرآن الكريم أنّ بَثَّ الشكوى إلى الله من سنن الأنبياء (عليهم السلام) كما ورد في سورة يوسف من نقل قول أبيه يعقوب (عليهما السلام) لما اعترضوا على حزنه على يوسف وأخيه، قال عزوجل: «وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ، قَالُواْ تَاللَّه تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ، قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ». واضح - مستمعي الكريم - من التدبر في هذه الآية الكريمة، أنّ الشكوى إلى الله عزوجل مما ينزل بالإنسان من همٍّ وحزنٍ فيه آثار وبركات خفية عن الناس يعلمها الأنبياء (عليهم السلام) «وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ». (وعند ما) نلاحظ أنّ جواب نبي الله يعقوب (على نبينا وآله وعليه السلام) جاء ردّاً على تحذيرات المعترضين له من الهلاك، نفهم حينئذٍ أنّ لبثِّ المؤمن شكواه إلى الله آثاراً إيجابية مُضادَّة لما توهَّمَهُ المعترضون على استمرار حزنه. بعض هذه الآثار الإيجابية نتطرق إليها بعد قليل فتابعونا مشكورين. إنّ بَثّ الشكوى عموماً من شأنه أن يخفف الضغط النفسي الذي توجده الصعاب والمَشاقُّ والإبتلاءات، وهذه قاعدة نفسية معروفة. وتخلو هذه الثمرة من الآثار السلبية إذا كان من يشكو له الإنسان ليس من أهل الشماتة والعتاب واللوم كما تقدم. وفي الشكوى للكريم ثمرة إضافية مهمة هي الحصول على العون الذي يدفعه إليه كرمه. وفي الشكوى للرؤوف الرحيم ثمار إضافية هي الحصول على مواساته التي تدفعها إليه رأفته ورحمته. وفي الشكوى للحكيم العليم ثمار مباركة أخرى هي الحصول على هدايته لما يستعين به الإنسان لتحمل الهمِّ والحزن أو دفعهما. وفي الشكوى للقدير إستعانة بقدرته مباشرة لدفع الهمِّ والحزن والكرب وكشف آثارها المؤذية. والله عزوجل هو أكرم الأكرمين وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وأعلم العلماء وأحكم الحكماء وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فالثمار المشار إليها تتحقق من الشكوى إليه عزوجل وبأعلى درجاتها. كما أن الشكوى لله عزوجل هي في جوهرها نمط ومرتبة من العبادة الخالصة إذا خلت من الإعتراض على حكمته وانطلقت من حسن الظن به جل جلاله. والدليل على هذه الحقيقة هو أنّ الشكوى تعني ظهور العبد بين يدي ربه الجليل بمظهر الضعف والإفتقار لله وهذا هو لبُّ العبودية، وهو الذي يُبْعِدُ الإنسان عن الإستكبار، والإستكبار هو العقبة الأساسية التي تصُدُّ الإنسان عن العبودية الحقة لله عزوجل كما يُصرِّحُ بذلك القرآن الكريم في الجواب الإلهيِّ على عدم سجود إبليس لآدم (عليه السلام). وعليه يَتـَّضِحُ أن الشكوى تشترك مع أصل الدعاء والطلب من الله عزوجل في نفي الإستكبار عن الإنسان. وهذا هو آخر ما يسمح به وقت البرنامج من الحديث عن بركات الشكوى إلى الله عزوجل ولا يبقى لنا إلا أن نشكر لكم أيها الأعزاء طيب المتابعة لهذه الحلقة من برنامج (ينابيع الرحمة) قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران. دمتم بكل خير وفي أمان الله. شرح فقرة: "واجعل ذلك منا خالصاً، ..." - 158 2013-08-31 08:56:43 2013-08-31 08:56:43 http://arabic.irib.ir/programs/item/9728 http://arabic.irib.ir/programs/item/9728 بسم الله وله الحمد أرحم الرحمين وأكرم الأكرمين وأسنى صلواته المتناميات على صفوته المنتجبين محمد وآله الطاهرين. السلام عليكم أيها الأحبة، على بركة الله نلتقيكم في حلقة أخرى من برنامجكم هذا، نسعى فيها للحصول على دروس أخرى من دروس الحياة الطيبة من خلال التدبر في فقرات دعاء المعرفة أو دعاء عصر الغيبة الذي أمرنا مولانا إمام العصر المهدي (عجل الله فرجه) بالإهتمام بتلاوته خاصة في عصر أيام الجمعة. وفقرة هذه الحلقة هي التي يختم بها الدعاء أحد مقاطعه الرئيسية التي نطلب فيها من الله عزوجل الثبات والإستقامة على دينه الْحَقِّ وتعجيل ظهور خليفته المهدي لينقذ البشرية من الظلم والجور والأزمات المتنوعة ويفتح لها آفاق الحياة الطيبة الكريمة، وفي ختام هذا المقطع يعلمنا الإمام (أرواحنا فداه) أن نقول: (اللهم ... واجعل ذلك منا خالصاً من كل شكٍ وشبهةٍ ورياءٍ وسمعةٍ، حتى لا نريد به غيرك ولا نطلب به إلا وجهك يا أرحم الراحمين). يظهر من سياق فقرات هذا المقطع من الدعاء أنّ ضمير الإشارة (ذلك) يعود على جميع ما طلبناه من الله عزوجل فيما تقدم من الدعاء يُرجِّحُ هذا المعنى استخدام ضمير الإشارة للبعيد (ذلك) الذي يفيد هنا شمول ما بعد عن هذه العبارة من فقرات الدعاء. أما ما نطلبه هنا فهو أن يكون دعاؤنا خالصاً - أي نقيّاً من أمور أو شوائب أربع هي: الشكُّ والشبهة والرياء والسمعة، فما هو معنى كل منها وما الفروق بينها؟ نبدأ بالشك فمعناه في اللغة هو عدم اليقين بالْحَقِّ نتيجة للتردد بينه وبين نقيضه من الباطل، وقد فسروه أيضاً بأنه يُمثل مرتبة من الجهل في الحقيقة لأنه ناتج عن عدم العلم بكلا طرفي الموضوع أي الْحَقِّ والباطل. هذا بالنسبة للشك العقلي، ولكن ثمة شك من نوع آخر هو ما نحدثكم عنه بعد قليل أعزاءنا فتابعونا مشكورين. النوع الثاني هو الشك القلبي، وهو قد يحدث في الأنسان رغم توفر اليقين العقلي واتـِّضاح الأدلة العقلية، وسببه إما الخضوع للقناعات السابقة وما تدعو له العواطف والرغبات والتعصبات، وإما التأثر بالوساوس الشيطانية وما تثيره لصدِّ الإنسان عن اتباع الْحَقِّ. وعلى ضوء هذه التوضيحات يتبين لنا - مستمعينا الأفاضل - أنّ ما نطلبه من الله عزوجل هنا هو أن يكون دعاؤنا خالصاً ونقياً من جميع مراتب الشك القلبي والعقلي بصحة هذه الطلبات وأن فيها خيرنا وصلاحنا وكذلك خير وصلاح المجتمع البشري برُمَّته. هذا أولاً وثانياً أن يكون خالصاً من الشك باستجابة الله عزوجل هذا الدعاء منا. هذا بالنسبة لمعنى الشك أما معنى الشبهة، فهو كما ورد في كتب اللغة تشبُّه الباطل بصورة الْحَقِّ، أي رؤية الباطل وكأنه حق. إذن فنحن نطلب من الله عزوجل هنا أن يكون دعاؤنا مقترناً بتطهر قلوبنا من كل ما يشتمل على باطل يتشبه بصورة الْحَقِّ، كأن نطلب في الواقع تحقيق مطامعنا الشخصية غير المشروعة كالوصول للسلطة وغير ذلك، ونحن نحسب أننا نطلب الخير للجميع، أعاذنا الله وإياكم من ذلك. أعزاءنا المستمعين أما الأمر الثالث الذي نطلب من الله عزوجل أن ينزِّه دعائنا منه فهو الرياء ومعناه واضحٌ تفسره العبارة اللاحقة بذكر ضدِّه حيث يعلمنا الإمام المهدي (أرواحنا فداه) أن نقول: (حتى لا نريد به غيرك)، إذ أنّ معنى الرياء هو القيام بالعمل من أجل الحصول على منفعةٍ - ماديةٍ أو معنويةٍ - نرتجيها من غير الله عزوجل. أما الأمر الرابع فهي (السمعة) وتعني القيام بالعمل من أجل الحصول على وجاهة اجتماعية وسُمعةٍ جَيّدةٍ عند الناس بحيث يتوجهون للإنسان بالتعظيم والتكريم وهذه نزعة منشؤها نوع من الإستعلاء في الأرض وعبودية النفس والأنا. وهذا المعنى تشير إليه العبارة اللاحقة من الدعاء حيث نخاطب الله عزوجل قائلين: (ولا نطلب إلا وجهك). وخلاصة المعنى هو أننا نطلب من الله عزوجل أن يكون دعاؤنا خالصاً من هذه الأمور الأربعة، لأنّ الدعاء بحد ذاته عبادة، والعبادة إنما يتقبلها الله عزوجل إذا اقترنت بالإخلاص في نية القربة من الله عزوجل وطلب وجهه وابتغاء رضاه - جلَّ جلاله -. كما أنّ النصوص الشريفة قرآناً وسنة أكدت أن أهمَّ شروط استجابة الدعاء شروط صدوره عن قلبٍ مطمئنٍ بحصول الإجابة الإلهية خالياً من الشك بقدرة الله عزوجل على تحقيق ما يطلبه عبده من الأمور المشروعة العادية، فكيف الحال مع طلباتٍ يعود نفعها على جميع البشرية كتلك الطلبات الواردة في هذا الدعاء من تعجيل ظهور خاتم الأوصياء خليفة الله المهدي (أرواحنا فداه) لكي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً؟ نشكر لكم أيها الأعزاء جميل الإصغاء لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) إستمعتم لها من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران، تقبلوا منا خالص الدعوات ودمتم في رعاية الله. شرح فقرة: "وصل على شيعته المنتجبين،..." - 157 2013-08-28 08:47:31 2013-08-28 08:47:31 http://arabic.irib.ir/programs/item/9727 http://arabic.irib.ir/programs/item/9727 بسم الله والحمد لله وأفضل صلوات الله وتحياته وبركاته على كنوز رحمته محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. السلام عليكم أيها الإخوة والأخوات ورحمة الله وبركاته، معكم في لقاء اليوم من برنامجكم هذا ووقفةٍ تأمليةٍ أخرى في المقطع التالي من دعاء عصر الغيبة المندوب بصورة مؤكدة لتلاوته في عصر أيام الجمعات، حيث نقول بعد طلب تعجيل ظهور خليفة الله المهدي الموعود (عجل الله فرجه): (اللهم فصل عليه وعلى آبائه الأئمة الطاهرين، وعلى شيعته المنتجبين وبلغهم من آمالهم أفضل ما يأملون، واجعل ذلك منا خالصاً من كل شكٍ وشبهةٍ ورياءٍ وسمعةٍ، حتى لا نريد به غيرك ولا نطلب به إلا وجهك يا أرحم الراحمين). عرفنا في الحلقة السابقة من البرنامج أنّ طلبنا من الله عزوجل أن يصلي على إمامنا المهدي وعلى آبائه الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين) يعني - فيما يعني - زيادة نشر أنوارهم وبركاتهم في العالمين وتعريف الخلق بكونهم الوسيلة إلى الله عزوجل وأبواب رحمته وأعلام هدايته. ومما لا شك فيه مستمعينا الأفاضل أن نشر وتعميق المعرفة ببقية الله المهدي وآبائه الطاهرين ونهجهم القويم هو من المقدمات المهمة للظهور المهدوي لأنه يفتح القلوب على محبتهم وولايتهم وبالتالي يساهم في تحقيق الإستجابة المطلوبة لدعوة الإصلاح العالمي لخاتمهم وقائمهم المهدي الموعود (عجل الله فرجه) من قبل عموم المجتمع الإنساني. هذا بالنسبة لطلب الصلاة على المهدي وآبائه الطاهرين (عليهم السلام). وفي العبارة التالية نطلب من الله عزوجل أن يصلي أيضاً على شيعة خليفته المهدي المنتجبين، فما هو المقصود بهذا الطلب؟ معنى (النجيب) في اللغة هو الفاضل والنفيس، والمنتجب هو المختار الذي يصطفى لنجابته وفضله وقيمته. وعليه يكون معنى شيعة المهدي المنتجبين هم أنصاره الفضلاء الذين اصطفاهم الله عزوجل لنصرة خليفته المهدي سواء في تحقيق ما يريده ويرضاه في غيبته أو في ظهوره (عجل الله فرجه). وهنا نسأل ما هو معنى أن نطلب من الله عزوجل أن يصلي على هذه الصفوة من الشيعة الصَّادِقِينَ جعلنا الله وإياكم منهم؟ في الإجابة عن هذا السؤال: نرجع معاً مستمعينا الأحبة إلى كتاب الله المجيد حيث يقول عز من قائل في الآيات الحادية والأربعين إلى الرابعة والأربعين من سورة الأحزاب: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً، تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً». وقد ذكر المفسرون أنّ صلاة الله على الْمُؤْمِنِينَ هي إحاطتهم بخاصّة رحمته، والإعتناء الإلهيُّ الخالص بصلاح أمرهم وإظهار شرفهم ورفع درجاتهم، أما صلاة الملائكة عليهم فهي بالإستغفار لهم والإهتمام بما يصلح أمورهم. وروي في كتاب أصول الكافي مسنداً عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (من صلى على محمد وآل محمد عشراً صلى الله عليه وملائكته مائة مرةٍ ومن يصلي على محمد وآل محمد مائة مرةٍ صلى الله عليه وملائكته ألفا، أما تسمع قول الله عزوجل: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً) . مستمعينا الأفاضل، الذي نفهمه من التدبُّر في الآيات الكريمة المتقدمة وحديث مولانا الإمام الصادق (عليه السلام) إنّ الله عزوجل يحيط برحماته الخالصة ويُسدِّدُ برعايته الْمُؤْمِنِينَ الذين يذكرونه كثيراً ويصلون على محمد وآله (صلوات الله عليهم أجمعين) مستمطرين سحائب رحماته بالتوسل إليه بمحمد وآله الطاهرين، فيرفع درجاتهم ويعلي شأنهم ويصلح أمورهم ويعدُّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا، وبعد هذه التوضيحات نرجع إلى دعائنا المتقدم بأن يصلي عزوجل على شيعة مولانا المهدي المنتجبين، لنعرف أنّ معنى هذا الدعاء هو أننا نطلب من الله جلت رحمته أن يتفضل على هؤلاء الشيعة المخلصين الصَّادِقِينَ بمزيدٍ من الرحمات والبركات الخالصة ويظهر للناس شرفهم ومنزلتهم ورضاه عنهم وصدق التزامهم بدينه الْحَقِّ من خلال توليهم لخليفته المهدي وتوسلهم إلى الله عزوجل به (عليه السلام). وكذلك أن يتفضل عليهم بإصلاح أمورهم كما تؤكد ذلك العبارة التالية من الدعاء حيث نطلب من الله عزوجل ليس أن يبلغهم آمالهم على الإطلاق بل أن يبلغهم من هذه الآمال أفضل ما يأملونه. حيث نقول في الدعاء: (وبلغهم من آمالهم أفضل ما يأملون) فهذا التعبير – مستمعينا الأفاضل – يفيد أعلى مراتب إصلاح أمورهم بتزكية آمالهم وتبليغهم لأفضلها. وبهذا ينتهي أعزائنا مستمعي إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران لقاء اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) نشكر لكم جميل المتابعة ودمتم بكل خير. شرح فقرة: "اللهم فصل عليه وعلى آبائه الطاهرين،..." - 156 2013-08-27 09:07:48 2013-08-27 09:07:48 http://arabic.irib.ir/programs/item/9726 http://arabic.irib.ir/programs/item/9726 بسم الله وله الحمد والمجد عصمة المعتصمين، وأزكى صلواته وتحياته على صفوته المنتجبين محمد وآله الطاهرين. السلام عليكم أعزائنا المستمعين، على بركة الله نلتقيكم في لقاء اليوم من برنامجكم هذا ووقفة أخرى نستلهم فيها دروس الحياة الطيبة من أدعية أهل بيت النبوة والرحمة (عليهم السلام)، ومنها دعاء عصر الغيبة المُسمّى بدعاء المعرفة والذي أكد علماؤنا الأتقياءُ كالسيد ابن طاووس (رحمه الله) على اهتمام الْمُؤْمِنِينَ وبصورة مؤكدةٍ على تلاوته خاصة بعد صلاة العصر من يوم الجمعة، وقد انتهينا إلى مقطع يقول فيه الداعي بعد أن طلب من الله عزوجل تعجيل فرج وظهور المهدي الموعود (أرواحنا فداه). (اللهم فصل عليه وعلى آبائه الطاهرين، وعلى شيعته المنتجبين وبلغهم من آمالهم أفضل ما يأملون، واجعل ذلك منا خالصاً من كل شكٍ وشبهةٍ ورياءٍ وسمعةٍ، حتى لا نريد به غيرك، ولا نطلب به إلا وجهك يا أرحم الراحمين). طلب الصلاة على محمد وآله الطاهرين (صلوات الله علهم أجمعين) هي في حقيقتها دعاءٌ زكيٌّ نطلب فيه من الله عزوجل أن يزيد في نشر أنوارهم وبركاتهم في العالمين وفي تعريف الخلق بهم وبقربهم منه جلَّ جلاله وبكونهم الوسيلة إليه وأنهم مظاهر صفاته وأسماءه الحسنى التي يدعى بها؛ وهذا يعني أننا نحن بحاجةٍ للصلاة على محمد وآله وليس هم (عليهم السلام) الذين بحاجة إلى أن نصلي عليهم، فقد أغناهم الله عزوجل من فضله عن كل شيء حتى عن الإنتفاع من الصلاة عليهم (صلوات الله عليهم). فالحال مع طلب الصلاة عليهم هو كحال مودَّتهم التي أمر الله عزوجل رسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) أن يطلبها من الناس كأجرٍ على ما تحمَّله في تبليغ رسالات ربِّه، ثم صَرَّحَ بأنّ هذا الأجر الذي طلبه إنما يعود نفعه للناس أنفسهم، فهو أجرٌ للناس في واقعه، لنتدبر معاً أيها الإخوة والأخوات في آيات أجر المودة التالية، الأولى هي الثالثة والعشرون من سورة الشورى حيث قال عزوجل: «ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ». والآية الثانية هي الأربعون من سورة الطور وكذلك السادسة والأربعون من سورة القلم، حيث يقول عزَّ من قائل: «أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ»، والمضمون نفسه ورد في آيات أخرى. ولاحظوا أيضاً قوله عزوجل (الآية 57 من سورة الفرقان): «قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا»، وأخيراً قوله تبارك وتعالى في (الآية 47 من سورة سبأ): «قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ». واضحٌ مستمعينا الأفاضل أنّ هذه الآيات الكريمة تبين حقيقة أنّ أجر رسول الله هو على الله عزوجل، فرَبُّهُ هو الأكرم من أن يجعل أجر رسوله (صلى الله علیه وآله) على الناس، ولذلك فإنّ أجر مودَّةِ أهل بيته (عليهم السلام) إنما طلبه من الناس لأنّ فيه صالحهم وخيرهم فهو أجرٌ يعطيه الناس في الواقع لأنفسهم، وهكذا حال طلب الصلاة على محمدٍ وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، فهو دعاءٌ فيه خير الناس عموماً ولذلك كان من أفضل الذكر والدعاء. نعم، إنّ نصيب محمد وآله (صلوات الله عليهم) من المودَّة لهم والصلاة عليهم هو السرور والفرح لأنهم يُفرحُهُم نزول الخير والرحمة على الناس صلوات الله وتحياته عليهم أجمعين؛ وهذا السرور هدية قيّمة يهديها لهم المُحبُّ لهم وهو يصلي عليهم؛ وهم يحبونها من شيعتهم (عليهم السلام) لما فيها من روح الوفاء والمودّة. وعلى ضوء التوضيحات المتقدمة يتبين لنا أيها الأعزاء معنى قول الداعي في الفقرة الأولى من المقطع المتقدم من دعاء عصر الغيبة، فنحن نطلب فيها أن يصلي على إمام زماننا خليفته المهدي (عجل الله فرجه) وعلى آبائه الطاهرين (عليهم السلام)، أي أن يزيد في تشعشع أنوارهم في العالمين ويزيد في معرفة الْمُؤْمِنِينَ بهم (عليهم السلام)، ويُعرِّفهم إلى الخلائق أجمعين لكي يهتدوا بهداهم إلى صراطه الْمُسْتَقِيمَ وبذلك ينالون السعادة والفوز بالحياة الطيبة. ومما لا شك فيه أنّ ازدياد معرفة خليفة الله المهدي ونهج آبائه الطاهرين (صلوات الله عليهم) على الصعيد العالمي وليس الشيعي والإسلامي وحسب هو مقدمة ضرورية لظهوره (عليه السلام) المبارك لكونه أحد العوامل التي تعزِّز أرضية الإستجابة لدعوته الإصلاحية الكبرى. مستمعينا الأفاضل ونختم هذا اللقاء بحكايةٍ وروايةٍ بشأن ما أشرنا إليه من أنّ نصيب أهل البت النبوي (صلوات الله عليهم) من الصلاة عليهم هو السرور بها، والحكاية هي أنّ أحد الْمُؤْمِنِينَ (حفظه الله) دعا الله عزوجل أن يهديه لعملٍ يدخل السرور به على محمد وآله (عليهم السلام) وكان في يده كتاب مفاتيح الجنان للشيخ عباس القمي (رحمه الله) ففتحه من دون تعين فوقع بصره على الرواية التالية ضمن أعمال يوم عرفة (روي عن الصادق (علیه السلام): أنّ من أراد أن يَسُرَّ محمداً وآل محمد (عليهم السلام) فليقل في صلاته عليهم: (اللهم يا أجود من أعطى، ويا خير من سئل، ويا أرحم من استرحم، اللهم صل على محمد وآله في الأولين، وصل على محمد وآله في الآخرين، وصل على محمد وآله في الْمَلإِ الأَعْلَى، وصل على محمد وآله في الْمُرْسَلِينَ، اللهم اعط محمداً الوسيلة والفضيلة والشرف والرفعة والدرجة الكبيرة، اللهم إني آمنت بمحمد صلى الله عليه وآله، ولم أره فلا تحرمني في القيامة رؤيته، وارزقني صحبته، وتوفني على ملته، واسقني من حوضه مشرباً روياً سائغاً هنيئاً، لا أظمأ بعده أبداً إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللهم إني آمنت بمحمد (صلى الله عليه وآله) ولم أره فعرفني في الجنان وجهه، اللهم بلغ محمداً صلى الله عليه وآله مني تحية كثيرة وسلاماً). شرح فقرة: "وأنعمت عليه وطهرته من الرجس،..." - 155 2013-08-26 08:27:44 2013-08-26 08:27:44 http://arabic.irib.ir/programs/item/9725 http://arabic.irib.ir/programs/item/9725 بسم الله وله خالص الحمد والمجد ذي الفضل والإنعام والجود والإحسان، وصلواته الناميات على إمنائه المخلصين وينابيع رحمته للعالمين محمد وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم أعزاءنا المستمعين، يسرنا أن نلتقيكم في حلقةٍ أخرى من هذا البرنامج نسعى فيها لاستلهام العقائد الحقة من دعاء المعرفة الجليل المندوب لتلاوته في عصر غيبة خاتم الأوصياء المحمديين خليفة الله المهدي (أرواحنا فداه) وقد انتهينا الى مقطعٍ من الدعاء نطلب فيه من الله عزوجل أن يعجل في ظهور بقيته المنتظر لكي يطفئ بعدله نيران الْكَافِرِينَ والظَّالِمِينَ والجائرين، إذ لا يمكن إطفائها بغيره (عليه السلام)، لخصوصياتٍ عشرٍ فيه يذكرها المقطع التالي والذي نخاطب فيه الله جل جلاله قائلين عن مولانا المهدي (عجل الله فرجه): (فإنه عبدك الذي إستخلصته لنفسك، وارتضيته لنصرة دينك، واصطفيته بعلمك، وعصمته من الذنوب، وبرّأته من العيوب وأطلعته على الغيوب، وأنعمت عليه، وطهرته من الرجس ونقيته من الدّنس، اللهم فصّل عليه وعلى آبائه الطاهرين وعلى شيعته المنتجبين). مستمعينا الأفاضل، تعرفنا تفصيلاً في الحلقات السابقة على سبعٍ من الخصوصيات المهدوية المذكورة في المقطع المتقدم، وتبيَّن منها أنها تؤكد حقيقة أنّ خليفة الله المهدي (أرواحنا فداه) هو وحده القادر بالتأييد الإلهي على إنقاذ البشرية من الأزمات التي أوجدها الظَّالِمُونَ، ونقل المجتمع البشريِّ برُمَّته الى رحاب العدل والقسط والحياة الكريمة الطيبة. أما الخصوصية الثامنة فهي المذكورة في عبارة: (وأنعمت عليه)، وهي أيضاً عبارة مقتبسة من التعبيرات القرآنية التي تتحدث عن أولياء الله الصَّادِقِينَ، لأنهم يمثلون صراط الله الْمُسْتَقِيمَ الذي به النجاة والحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، أي أنّ الإمام المهدي (عجل الله فرجه) هو ممثل هذا الصراط الإلهي الْمُسْتَقِيمَ في عصرنا الحاضر فهو القادر على قيادة البشرية للسير عليه وصولاً الى طموحاتها الخيرة والعادلة. اعزاءنا المستمعين، الخصوصية التاسعة لخليفة الله المهدي هي المشار إليها في عبارة: (وطهّرته من الرجس)، وهي أيضاً عبارة مقتبسة من القرآن الكريم وبالذات من آية التطهير الشهيرة التي ثبت نزولها في محمدٍ وآله الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين). وقد ثبت في المباحث العقائدية القرآنية دلالة هذه الآية الكريمة على العصمة المطلقة لأهل البيت (عليهم السلام) وهذا ما نشير إليه من معرفة معنى كلمة (الرجس)، فهي كما ورد في كتب اللغة تشمل قبائح الأعمال والمآثم وكذلك الوساوس الشيطانية والأهواء والقذارة وما يؤذي الآخرين. وهذا يعني - مستمعينا الأفاضل- أعلى مراتب التحلي بالأخلاق الإلهية والتخلي عن أضدادها، وبالتالي فتوفر هذه الخصوصية في مولانا إمام العصر (أرواحنا فداه) يعني ضمان صيانة تحرُّكِهِ الإصلاحي من كل ما يُؤدّي الى الانحراف وترجيح المصلحة الشخصية على المصلحة العامة، كما هو حال سائر الحكام الأرضيين الذين ألفهم التأريخ الإنساني. أيها الأخوة والأخوات ونصل الآن الى الخصوصية المهدوية العاشرة والأخيرة المذكورة في هذا المقطع من دعاء المعرفة المبارك، وهذه الخصوصية هي التي تشير إليها عبارة: (ونقيته من الدّنس). وأصل الدنس في اللغة هو الوسخ وما يُستقبَحُ من الإنسان ويكره، حتى خارج دائرة الحلال والحرام. ومعنى (التنقية) واضحٌ، والمقصود هو أنّ الإمام المهدي (أرواحنا فداه) نقيٌّ وخالٍ من كل ما يبعث على الكراهية عند الناس، وهذه الخصوصية من العوامل التي تعزز محبته ومودَّته في القلوب كما هو واضح، وتأثير ذلك كبيرٌ و مشهودٌ في جذب القلوب للإستجابة الى دعوته وتحركه الإصلاحي والإستمرار في مؤزارته لتحقيق أهدافه الإلهية السامية. إذ أنّ الطبيعة البشرية مجبولة على حب من تتوفر فيهم هذه الخصوصية والإلتزام بمرافقته، مثلما أنها مجبولة على النفرة من غير النقيِّ من الدنس وما تكرهه القلوب. وبهذا ينتهي مستمعينا الأكارم لقاء اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) إستمعتم له من إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، تقبل الله منكم حسن الإصغاء ودمتم في رعايته سالمين. شرح فقرة: "وأصطفيته بعلمك وعصمته من الذنوب، ..." - 154 2013-08-25 08:20:35 2013-08-25 08:20:35 http://arabic.irib.ir/programs/item/9724 http://arabic.irib.ir/programs/item/9724 بسم الله وله الحمد والمجد أرحم الراحمين وأسنى صلواته وتحياته على رحمته الكبرى للعالمين محمد وآله الطاهرين. السلام عليكم أعزاءنا المستمعين، على بركة الله نلتقيكم في لقاءٍ آخر من برنامجكم هذا ومع مقطعٍ آخر من دعاء المعرفة الجليل الذي أمرنا بالتقرُّبِ الى الله عزوجلَّ في عصر غيبة خاتم أئمة العترة المحمدية بَقِيَّةُ اللَّهِ المهدي (أرواحنا فداه). ومقطع هذه الحلقة هو الذي يأتي بعد أن يطلب المؤمن من الله عزوجلّ أن يُعَجِّلَ ظهور خليفته المهدي لكي يطفئ بعدله نيران الْكَافِرِينَ، لأن هذه النيران التي تعصف أزماتها بالبشرية لا يمكن إطفاؤها إلا بالمهدي الموعود، لأنه كما يخاطب الدعاء الله عزوجل هو: (عبدك الذي إستخلصته لنفسك وارتضيته لنصرة دينك وإصطفيته بعلمك وعصمته من الذنوب وبرأته من العيوب وأطلعته على الغيوب وأنعمت عليه وطهرته من الرجس ونقيته من الدنس اللهم فصل عليه وعلى آبائه الطاهرين وعلى شيعته المنتجبين). مستمعينا الأفاضل، هذا المقطع من الدعاء يشتمل على ذكر عشر خصوصياتٍ للإمام المهدي (عجل الله فرجه) صاربها الأمل الوحيد لإنقاذ البشرية من أزماتها وتحقيق طموحاتها الفطرية وتحقيق أهداف الرسالات النبوية كافة. وقد عرفنا منها في الحلقات السابقة ثلاثاً، والخصوصية الرابعة هي التي تشيرإليها عبارة: (وإصطفيته بعلمك). معنى (الإصطفاء) أعزاءنا هو أخذ صفو الشيء كما جاء في كتب اللغة، فاذا نسب الى الله عزوجلَّ فمعناه خلقه عزوجل لمخلوقٍ خالياً من أيِّ شائبة، أي أنَّ الإمام المهدي (عجل الله فرجه) قد خلقه الله عزوجل منزَّهاً عن كل شائبة، وقد أضاف الدعاء هذا الإصطفاء الإلهيَّ الى علمه عزوجل السابق بجدارة خليفته المهدي بهذا النمط السامي من الإصطفاء أي المقترن بتنزهه عن كل شائبة ونقص، لأنه (عليهم السلام) أهلٌ لذلك ومستعدٌ لتلقي هذه النعمة الإلهية الخاصة، وهذا هو المعنى المشار إليه في زيارة مولاتنا الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (عليها السلام) المروية عن أهل البيت (عليهم السلام) حيث جاء فيها: (يا ممتحنة إمتحنك الله الذي خلقك قبل أن يخلقك فوجدك لما إمتحنك صابرة). مستمعينا الأكارم، وعلى ضوء ما تقدَّم يَتـَّضِحُ أن الله جلت حكمته قد اختار الإمام المهدي (عليه السلام) لتلك المهمة التأريخية التي يملأ عبرها الأرض قسطاً وعدلاً ويطفئ الله به نيران الظلم والجور لعلمه عزوجل بقدرته على ذلك لأنه المنزَّه عن كل شائبةٍ تعيق تحقق هذه المهمة التأريخية. وهذا المعنى تؤكد وتكمله الخصوصية الخامسة المذكورة في عبارة: (وعصمته من الذنوب). فمعنى العصمة، هو الوقاية والحفظ ، ومعنى الذنوب هو كلُّ ما لا تحمد عُقباهُ إذ أن الذنب في اللغة هو التبعة السيئة لعمل الإنسان. وهذا يعني أنَّ خليفة الله المهدي منزهٌ عن القيام بأيِّ عملٍ يستتبع آثاراً سيئة سلبية، ولذلك فهو الجدير بأصلاح العالم بطريقةٍ خالية من التبعات والآثار السيئة. أما الخصوصية السادسة اعزاءنا المستمعين فهي التي تتضمَّنها عبارة: (وبرأته من العيوب)، معنى (برّأته) هو نزَّهته وجعلته بعيداً عن كل عيبٍ لا يدنو منه، أما معنى العيب فهو - كما ذكرت كتب فقه اللغة- كل ما يخرج عن الإعتدال وحدِّ الكمال ممّا يكرهه الإنسان بفطرته. إذن فهذه الخصوصية تعني أنَّ خليفة الله المهدي (أرواحنا فداه) قد نزَّه نفسه بلطف الله عزوجلَّ من الإقتراب من كل إفراط وتفريط وكل ما يكره، وهذا ما يجعله (عليه السلام) قريباً من قلوب الناس لا تنفر عنه بل تستجيب له فطرياً، وهذا الأمر يعني أنَّ الآثار الإجتماعية لشخصيته (سلام الله عليه) تجعل الأرضية مناسبة لتقبل الناس لدعوته الإصلاحية الكبرى وبالتالي توفير أحد العوامل المهمة لنجاحها. أيها الأخوة والأخوات، والخصوصية السابعة هي التي تذكرها عبارة: (وأطلعته على الغيوب)، ومعناها اللغوي واضحٌ، وضرورتها واضحة أيضاً لنجاح مهمة إصلاح العالم وإنهاء الظلم والجور وملءِ الأرض بالقسط والعدل، إذ أنَّ هذه المهمة الكبرى تحتاج الى إحاطةٍ علميةٍ بخفايا الأمور ومكائد الظَّالِمِينَ والعلل غير الظاهرة للمشاكل والأزمات والعقبات التي تعترض تحقق تلك الأهداف الإلهية الشاملة لكل البشرية بمختلف فئاتها وصنوفها ومشاكلها لذلك فلا يمكن لقائدٍ أن ينجز هذه المهمة الكبرى ما لم يكن متصلاً بعَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ لكي يطلعه الله جلِّ جلاله على الغيوب وما لا يمكن لبشرٍ أن يطلع عليه من تلك الأمور الخفية، وهذه هي الخصوصية التي حبا الله بها خليفته المهدي (أرواحنا فداه). نشكر لكم اعزاءنا مستمعي إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران طيب الإستماع لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) تقبل الله اعمالكم ودمتم في رعايته آمنين. شرح فقرة: "وأرتضيته لنصرة دينك،..." - 153 2013-08-24 09:29:40 2013-08-24 09:29:40 http://arabic.irib.ir/programs/item/9723 http://arabic.irib.ir/programs/item/9723 بسم الله وله الحمد العظيم والثناء الجميل والشكر الجزيل إذ جعلنا من أمَّة سيد النبيين المصطفى الأمين صلوات الله عليه وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم أعزائنا المستمعين، أهلاً بكم في لقاء اليوم من برنامجكم هذا نسعى فيه بعون الله لاستلهام معارف الرحمة الإلهية من أدعية أهل بيت الرحمة المحمدية العظمى (عليهم السلام). نتابع أحبائنا في هذا اللقاء الاستنارة بدعاء المعرفة الجليل المندوب إلى تلاوته في عصر غيبة خاتم الأوصياء المهدي المنتظر (عجل الله فرجه)، وقد إنتهينا إلى فقرة نطلب فيها من الله عزوجل أن يعجل في ظهور الإمام المهدي لكي يطفئ بعدله نيران الكفر، ثم يقول: (فإنه عبدك الذي استخلصته لنفسك وارتضيته لنصرة دينك واصطفيته بعلمك وعصمته من الذنوب وبرأته من العيوب، وأطلعته على الغيوب وأنعمت عليه وطهرته من الرجس ونقيته من الدنس، اللهم فصل عليه وعلى آبائه الأئمة الطاهرين وعلى شيعته المنتجبين). هذه الفقرة من الدعاء تذكر عشر خصوصيات للإمام المهدي (أرواحنا فداه) جعلته وحده القادر على تجسيد العدل الإلهي الذي يكون به وحده أيضاً إطفاء نيران الْكَافِرِينَ وحلُّ الأزمات التي تعتصر البشرية حلاً جذرياً. كما تحدثنا عن ذلك مفصَّلاً في الحلقة السابقة، وعلمنا معنى الخصوصيتين الأولى والثانية وهما كونه العبد الكامل لله عزوجل وكونه الذي استخلصه الله لنفسه وجعله مكيناً بالكامل عنده عزوجل. أما الخصوصية الثالثة فهي كونه (سلام الله عليه) هو الذي اختاره الله عزوجل للقيام بهذه المهمة التأريخية، كما تشير لذلك عبارة: (وارتضيته لنصرة دينك). أما كيف؟ فهو ما يَتـَّضِحُ من خلال التدبر في هذه العبارة من دعاء المعصوم (عليه السلام). معنى (إرتضيته) - مستمعينا الأفاضل – هو اخترته عن رضاً به كما نصَّت على ذلك كتب فقه اللغة؛ وحيث أن الله عزوجل قد اختار المهدي الموعود (عجل الله فرجه) لمهمة محدودة هي نصرة دينه جلَّ جلاله، لذلك يكون معنى الرضا به (عليه السلام) هو الرضا بقدرته على إنجاز هذه المهمة وفي ذلك مزيد التأكيد على هذا الإختيار. أما معنى (لنصرة دينك)، فاللام هي للغاية كما هو الواضح، ولكن ما هو معنى (نصرة دينك)؟ في الإجابة نلاحظ أولاً - أيها الإخوة والأخوات - أنَّ الدين هنا منسوبٌ إلى الله عزوجل وفي هذه النسبة إشارة إلى أنّ المطلوب نصرته هو الدين الإلهي الْحَقِّ الخالي من جميع أشكال التحريفات التي ابتدعها أئمة الضلال وأدخلوا في الإسلام ما ليس فيه مما اقتضته أهواؤهم ومصالحهم السلطوية. كما أن المقصود هو الدين الإلهي الكامل الذي يشمل بقيمه النورانية وأحكامه العادلة جميع شؤون الإنسان والمجتمع البشري وينظمها جميعاً بما فيه صلاح الفرد والمجتمع ورُقيِّهما المادِّي والمعنوي. مستمعينا الأفاضل، وتتحقق نصرة الدين الإلهي الْحَقِّ، بأمور عدَّةٍ منها: بيان أحقيته وقدرته الفريدة على تحقيق السعادة الشاملة للإنسان وأنه الوحيد القادرعلى ذلك، وهذا معنى إظهاره على الدين كله حسب التعبير القرآني. ومن مصاديق نصرة دين الله عزوجل دفع الشبهات عنه وتعريفه بصورته النقية الخالصة للعالمين لكي تتفجَّرَ في قلوبهم ينابيع المحبة الفطرية له، ولكي يندفعوا بذلك للعمل به والتقرُّبِ إلى الله عزوجلَّ بذلك وطيِّ معارج الكمال بجميع مراتبه. كما أن من مصاديق نصرة الدين الْحَقِّ تطبيقه بالصورة الصحيحة والكاملة وليس كما فعل الذين حكموا الْمُسْلِمِينَ باسم الدين حيث طبَّقوا منه ما لا يَضُرُّ بمصالحهم وطمسوا ولم يسمحوا بتطبيق ما يتعارض مع أهوائهم السلطوية، وكذلك تطبيق كلِّ جزءٍ منه برعاية شروطهِ كاملة، فمثلاً لا يمكن تطبيق بعض الحدود الإلهية مثل حدّ السرقة أو حدّ الزنا دون إزالة الأوضاع غير العادلة التي تدفع للسرقة أو الزنا والعياذ بالله كانتشار الفقر أو رواج المظاهر غير الأخلاقية علنياً. مستمعينا الأفاضل، ومثل هذا التطبيق للدين الإلهي الْحَقِّ لا يمكن أن يقوم بأعبائه إلا من تتوفر فيه شروط عدَّة لا تتوفر في غير الإمام المهدي (عجل الله فرجه) كما سنرى في الحلقات المقبلة عند ما نتدبَّرُ في باقي خصائصه (عليه السلام) المذكورة في هذه الفقرة من دعاء عصر الغيبة. ونختم هذا اللقاء بأنَّ اهتمام المؤمنين ببيان ما يتقنوا منه من حقائق الدين الْحَقِّ وتعريف الناس بها ودفع الشبهات عنه هو من مصاديق نصرة الإمام المهدي الذي ارتضاه الله لنصرة دينه الْحَقِّ. نشكر لكم أعزائنا مستمعي إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران طيب متابعتكم لحلقة اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة) تقبل الله أعمالكم والسلام عليكم. شرح فقرة: "فإنه عبدك الذي استخلصته لنفسك،..." - 152 2013-08-21 07:42:35 2013-08-21 07:42:35 http://arabic.irib.ir/programs/item/9722 http://arabic.irib.ir/programs/item/9722 بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على مصادر رحمة الله، سيد رسل الله وآله الهداة إلى الله. السلام عليكم أعزائنا مستمعي إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران أهلاً بكم في لقاء اليوم من برنامجكم هذا، نتابع فيه استلهام المعارف الإيمانية الحقة من أدعية أهل بيت الرحمة المحمدية (عليهم السلام) ومنها الدعاء الجليل الموسوم بدعاء المعرفة أو دعاء عصر الغيبة والذي ورد التأكيد على الإلتزام بتلاوته خاصة بعد صلاة العصر من أيام الجمعة. والفقرة التي وصلنا إليها – أيها الإخوة والأخوات – هي التي يتوجَّهُ فيها المؤمن إلى ربه الكريم طالباً تعجيل ظهور خليفته المهدي (أرواحنا فداه) لكي يحيي به دينه الْحَقِّ ويظهر به الْحَقِّ ويميت به الجور ويطهِّرَ به الأرض من رؤوس الكفر والظلم والضلال والنفاق إلى أن يقول: (حتى تطفئ بعدله نيران الْكَافِرِينَ، فإنه عبدك الذي استخلصته لنفسك، وأرتضيته لنصرة دينك، واصطفيته بعلمك، وعصمته من الذنوب، وبرأته من العيوب، وأطلعته على الغيوب، وأنعمت عليه وطهرته من الرجس، ونقيته من الدنس). في الحلقة السابقة عرفنا مستمعينا الأكارم أنّ المقصود بنيران الْكَافِرِينَ مختلف الأزمات التي يُوِّلدُها ظلم وجور حاكميات الكفرة وأئمة الشرك والضلال والنفاق وفي مختلف شؤون حياة الإنسان والمجتمع البشري الفكرية والعقائدية والأخلاقية والسلوكية والإقتصادية والسياسية والإجتماعية الفردية والإجتماعية. ولذلك فلا يستطيع أي حكم عادل إطفاء هذه النيران مالم يكن شاملاً في عدالته لجميع شؤون حياة الإنسان المذكورة، وهذا لا يوجد سوى في منهج العدل الإلهي الشمولي الذي يحمله خاتم أوصياء العترة المحمدية إمام زماننا المهدي الموعود (عجل الله فرجه)، هذه الحقيقة تبيِّنها العبارات التالية في الفقرة المتقدمة من دعاء المعرفة، فهي تذكر ما يختصُّ به (سلام الله عليه) عن كل ماسواه من القادة الإصلاحيين؛ وأولى هذه الخصائص كونه (عليه السلام) عبد الله الذي استخلصه الله عزوجل لنفسه، فما هو المستفاد من هذا التعبير وما هي الخصوصية التي ينبأ عنها؟ التعبير المتقدم مقتبسٌ من القرآن الكريم وبالتحديد من الآية الرابعة والخمسين من سورة يوسف على لسان ملك مصر العادل الذي طلب يوسف لكي يدفع عن بلاده أزمة القحط القاتل التي كانت تحيط بها حيث جاء في هذه الآية الكريمة: «وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ». ومعنى (الإستخلاص) هو - مستمعينا الافاضل - تمييز شخص عن الآخرين والإختصاص به، وبالنسبة للملك الطالب لدفع مخاطر القحط عن مصر فهو استخلاص يشتمل على منح يوسف جميع الصلاحيات اللازمة للقيام بهذه المهمة. وكما يشير لذلك قوله: «إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ». وفي قوله «أَمِينٌ» إشارة إلى الإنتماء الإلهي ليوسف كنبيٍّ (على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام) الأمر الذي يجعله قادراً على حلِّ الأزمة التي كانت تهدد مصر يومذاك. وعلى هذه التوضيحات للإستخدام القرآني لهذا التعبير، تتضح لنا لطافة استخدام دعاء المعرفة للتعبير نفسه فيما يرتبط بانحصار إمكانية حل أزمات الظلم والجور التي تعصف بالبشرية بالإمام المهدي (عليه السلام)، وهي أزمات أعظم وأكثر شمولية مما واجهه يوسف النبي (عليه السلام) في مصر كما هو واضح. وأيضاً يتضح لنا أيها الإخوة والأخوات سر تقديم وصف العبد على وصف الإستخلاص في هذه العبارة من الدعاء الشريف، فوصف العبد هو أعظم شمولية من وصف «أَمِينٌ» فالأمانة هي أحد فروع وثمار العبودية المطلقة له عزوجل التي تتجسد في مولانا الإمام المهدي (أرواحنا فداه)، وهذا ما ينسجم – مستمعينا الأفاضل – مع كثرة فروع وتشعُّبات الأزمات التي أوجدها للبشرية ظلم وجور الْكَافِرِينَ وأئمة الضلال والنفاق، فهي تحتاج إلى ما هو أكثر من مجرد (الأمانة) في مهمة نبي الله يوسف (على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام)، فهي مهمة كانت أكثر ما تحتاج إلى الأمانة في حفظ المحصولات الزراعية في سني الخصب، والعدالة في توزيعها في سني القحط تجاوزاً للأزمة. أما مهمة خاتم أوصياء النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله)، فهي تشمل حلَّ مختلف أنواع الأزمات التي أشرنا إليها سابقاً، وتحقيق العدل في جميع مجالات حياة الإنسان. والقيام بهذه المهمة يحتاج إلى أعلى مراتب العبودية لله عزوجل والإستمكان عنده عزوجل ببركتها في كل ما تحتاجه معالجة جميع تلك الأزمات، ومعرفة هذه الحقيقة تضاعف علی المؤمنين مناصرة خاتم الأوصياء المحمديين (عليه السلام) في أداء هذه المهمة التي تتحقق فيها أهداف أحلام الأنبياء (عليهم السلام) جميعاً. وها نحن نصل – اخواتنا واخوتنا - مستمعي إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران إلى ختام حلقة أخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمة) شكراً لكم وفي أمان الله. شرح فقرة: "حتى تطفئ بعدله نيران الكافرين،..." - 151 2013-08-20 08:40:49 2013-08-20 08:40:49 http://arabic.irib.ir/programs/item/9721 http://arabic.irib.ir/programs/item/9721 بسم الله وله خالص الحمد والثناء العدل الحكيم، وأزكى صلواته وتحياته وبركاته على ينابيع رحمته العظمى للعالمين المصطفى الأمين وإله الطاهرين. السلام عليكم إخوتنا المستمعين، طابت أوقاتكم بكل ما يحبه الله لكم ويرضاه، معكم في حلقة جديدة من هذا البرنامج نسعى فيها للإستنارة بفقرة أخرى من أهم الأدعية التي ورد التأكيد على التوجه بها إلى الله عزوجل في عصر غيبة خاتم أوصياء النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) مولانا إمام العصر الحجة بن الحسن المهدي (أرواحنا فداه)، وهو الدعاء المعروف بدعاء المعرفة أو دعاء عصر الغيبة. والفقرة التي نستنير فيها في هذا اللقاء هي التي يطلب فيها تعجيل ظهور خليفته المهدي المنتظر (عجل الله فرجه)، ثم يقول: (حتى تطفئ بعدله نيران الْكَافِرِينَ، فإنه عبدك الذي استخلصته لنفسك وأرتضيته لنصرة دينك، وأصطفيته بعلمك وعصمته من الذنوب وبرأته من العيوب، وأطلعته على الغيوب، وأنعمت عليه وطهرته من الرجس ونقيته من الدنس، اللهم فصل عليه وعلى آبائه الأئمة الطاهرين وعلى شيعته المنتجبين، يا أرحم الراحمين). ما هي (نيران الْكَافِرِينَ) التي نطلب من الله عزوجل أن يطفأها بعدل خليفته وبقيته المهدي المنتظر (عجل الله فرجه)؟ وهل يمكن إطفاء هذه النيران بغير العدل المهدوي؟ في الإجابة عن السؤال الأول نقول: إنّ تعبير (إطفاء نيران الْكَافِرِينَ) ، مقتبس من القرآن الكريم وبالتحديد من الاية الرابعة والستين من سورة المائدة، وفيها يشير الله عزوجل إلى بعض الإنحرافات العقائدية لليهود ودورهم الإفسادي، قال عز من قائل: «وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ». مستمعينا الأفاضل، وقد روي في تفسير العياشي عن إمامنا باقر علوم النبيين (عليه السلام) في قوله تعالى: «كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ»، أنه قال: (كلما أراد جبار من الجبابرة هلكة آل محمد (صلى الله عليه وآله) قصمه الله). وقال العلامة الطباطبائي في تفسيره الميزان: (والآية على ما يدل السياق تسجِّل عليهم خيبة المسعى في إيقاد النيران التي يوقدونها على دين الله سبحانه وعلى الْمُسْلِمِينَ بما أنهم مؤمنون بالله وبآياته، وأما الحروب التي رُبَّما أمكن أن يوقدوا نارها لا لأمر الدين، بل لسياسة أو تغلب جنسي [عنصري] أو ملي فهي خارجة عن سياق الآية). أيها الإخوة والأخوات من خلال التدبر في الآية الكريمة وقول مولانا الإمام الباقر (عليه السلام) عنها وكذلك ما تقدم في تفسيرها يمكننا التوصل إلى النتيجة التالية وهي: أنّ المقصود بتعبير (نيران الْكَافِرِينَ) في المصطلح القرآني الذي اقتبسه الدعاء المتقدم، هو: ما يثيره الْكَافِرُونَ بدافع كفرهم من فتن وفساد هدفه الأصلي إطفاء نور الله المتمثل في محمد وآله الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين) وبالتالي إبعاد الناس عن الدين الإلهي الذي يحقق لهم الحياة الإيمانية الكريمة والسعادة المادية والمعنوية في الدنيا والآخرة. ونتيجة ذلك هي - اعزائنا المستمعين - إغراق البشرية في ظلمات الأزمات العقائدية والفكرية والأخلاقية، والتناحر الناتج من النزعات العنصرية والقومية والإستعلائية، وانتشار الظلم والجور الذي تؤجِّجُه الشهوات والأهواء والإختلافات ونوازع الإستئثار بالثروات والسلطة وسائر اللذائذ المادية. كانت هذه مستمعي الكريم إجابة السؤال الأول الذي عرضناه في بداية اللقاء انطلاقاً من الأصل القرآني الذي اقتبس منه الدعاء تعبير اطفاء نيران الْكَافِرِينَ، ونضيف إليها توضيحاً آخر لمعنى هذه النيران مستفاداً من قول الدعاء نفسه حيث يقول: (حتى تطفئ بعدله نيران الكفر)، فمن هذا التعبير نستفيد أنّ المقصود هو (النيران) التي يطفئها العدل، وفي ذلك إشارة إلى أنّ منشأ هذه النيران الأساس هو الظلم والجور، فإذا أزيل هذا المنشأ بحلول نقيضه أي (العدل) انطفئت هذه النيران. ولكن هل يمكن لأيِّ حكم عادل أن يطفئ هذه النيران التي أوقدها حكم الكافرين؟ هذا هو مضمون السؤال الثاني الذي عرضناه في بداية اللقاء، والإجابة تتـَّضِحُ من التمعُّنِ في مضمون الإجابة عن السؤال الأول ومعرفة حقيقة نيران الْكَافِرِينَ التي سبَّبت كل هذه الأزمات للمجتمع البشري، فهي لا تنحصر بالجانب الإقتصادي بل تشمل جميع نواحي حياة الإنسان الفكرية والسلوكية، الفردية والإجتماعية، ولذلك فإنّ القادر على إطفائها هو العدل الإلهيُّ الذي ينهي جميع مناشئ الظلم والجور داخل الإنسان وخارجه وسواء كان هذا الظلم عقائدياً فكرياً أو عملياً سلوكياً، أخلاقياً أو اجتماعياً أو سياسياً أو مادياً أو معنوياً، من هنا فإن إطفاء نيران الْكَافِرِينَ لا يمكن أن يتحقق إلا على يد الخليفة المعصوم الذي استخلصه الله عزوجل لنفسه وارتضاه لنصرة دينه كما ورد في تتمّة الفقرة المتقدمة من الدعاء. وبهذا نكون مستمعينا الأكارم قد وصلنا إلى ختام حلقة أخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمة) الذي إستمعتم له من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، نشكر لكم جميل المتابعة ونترككم في أمان الله. شرح فقرة: "حتى يعود دينك به وعلى يديه غضّاً جديداً، ..." - 150 2013-08-17 08:49:47 2013-08-17 08:49:47 http://arabic.irib.ir/programs/item/9711 http://arabic.irib.ir/programs/item/9711 بسم الله وله كامل الحمد وخالص الثناء أرحم الراحمين، ودوام صلواته وتحياته وبركاته على أمنائه الرحماء سيد الأنبياء وآله الأصفياء. السلام عليكم مستمعينا الأعزاء،على بركة الله نلتقيكم في حلقة أخرى من برنامجكم هذا نتابع فيه الإستنارة بدعاء المعرفة أو دعاء عصر الغيبة، المندوب لتلاوته عصر أيام الجمعة. وقد انتهينا إلى مقطع يدعو فيه المؤمن أن يعجل ظهور خليفته المهدي (أرواحنا فداه) ويطهر به الأرض من رجس حاكمية الظمة والجبابرة والْمُفْسِدِينَ، ثم يقول: (اللهم وجدد به ما امتحي من دينك، وأصلح به ما بُدِّلُ من حكمك وغير من سنتك حتى يعود دينك به وعلى يديه غضّاً جديداً لاعوج فيه ولا بدعة معه، حتى تطفئ بعدله نيران الْكَافِرِينَ فإنه عبدك الذي استخلصته لنفسك وأرتضيته لنصرة دينك واصطفيته بعلمك وعصمته من الذنوب وبرأته من العيوب وأطلعته على الغيوب وأنعمت عليه، وطهَّرته من الرجس ونفيته من الدنس يا أرحم الراحمين). كانت لنا مستمعينا الأفاضل في الحلقة السابقة وقفة تأملية عند العبارتين الأولى والثانية من المقطع المتقدم من دعاء عصر الغيبة، اتـَّضح منها أنّ الدعاء يعلمنا أن نطلب من الله عزوجل أن يجدد ما أندرست وزالت آثاره من دينه الْحَقِّ ويعيدها واضحة بينة للناس لكي يتمكنوا من العمل بها والتقرب إليه عزوجل بذلك؛ وكذلك أن يزيل الله عزوجل بخليفته المهدي الموعود (عجل الله فرجه) ما حُرّفَ وغُيّر من حقائق وأحكام هذا الدين الْحَقِّ الذي يحقق السعادة البشرية. مستمعينا الأعزاء، وهذا يعني في الواقع أولاً إحياء فاعلية العقائد والأحكام الدينية النقية في حياة الناس لكي تتحقق لهم السعادة الدنيوية والأخروية وكذلك الرفاه والرقي والتقدم المادي والمعنوي. هذا أولاً وثانياً فإن هذا المطلب يعني تطهير الدين الْحَقِّ من التحريفات والتغييرات التي أوجدها الطواغيت وأذيالهم من الأئمة المضلين، فهذه التحريفات والبدع هي التي حوَّلت الدين إلى وسيلة لجعل الناس أشياعاً وعبيداً للطواغيت وبالتالي هي التي تبعدهم عن الله وعن أوليائه الصادقين وبالتالي عن السعادة الحقيقية والعدالة والحياة الكريمة. مستمعينا الأفاضل، وفي العبارة اللاحقة يدعو المؤمن ربه الكريم قائلاً: (حتي يعود دينك به وعلى يديه غضّاً جديداً صحيحاً لا عوج فيه ولا بدعة معه)؛ فما الذي نستفيده من هذه العبارة؟ أول ما نستفيده هو من قول الداعي (حتى يعود دينك به وعلى يديه) ففيه إشارة جميلة إلى أن إظهار حقيقة الدين الإلهي النقي يتحقق من أصل ظهور الإمام المهدي وتعرف الناس إليه (عليه السلام) ورؤيتهم لسيرته وأخلاقياته فهي بحدِّ ذاتها تحكي حقائق وسُمُوَّ الدين الإلهي الْحَقِّ، وبهذا تتحقق الدعوة الصامتة العملية لله عزوجل. وهذا مستمعينا الأفاضل هو المشار إليه بتعبير (يعود دينك به) (عليه السلام)، أما العبارة (على يديه) فهي تشير إلى الدعوة الناطقة إن صحَّ التعبير أي قيامه (سلام الله عليه) ببيان حقائق الدين وأحاديثه وكذلك ببيان بطلان التحريفات التي طرأت على الدين الْحَقِّ وغيَّرت صورته الإلهية النقية أي البيضاء السمحاء المفعمة بكل ما فيه خير وصلاح الإنسان. أعزائنا المستمعين، أما وصف الدين الإلهي الْحَقِّ الذي يعرضه الإمام المهدي (أرواحنا فداه) للعالمين بأنه (غض جديد)، فيعني الدين المليء بالطراوة والحياة الحقة أي الباعث للحياة المفعمة بالنشاط والسعي الدؤوب للحصول على مختلف أشكال الكمالات المادية والمعنوية، وهذا هو المستفاد من معنى (الغض)، أما معنى (الجديد) فهو الواضح البين الذي لا يرى الناس فيه أيَّ لبس أيْ شبهة الأمر الذي يشير إلى إزالة الشبهات عنه؛ أي إزالة ما يعيق حركة الإنسان للالتزام والعمل بأحكام الدين الإلهي. والصحيح مستمعينا الأفاضل هو ما سلم من الباطل والنقض والمرض وأشباهها ممّا يكره، وعليه يكون المطلوب أن يعيد تبارك وتعالى بوليِّه المهدي (عليه السلام) الدين سالماً نقياً من كل ما يكره وما ليس منه أصلاً؛ وهذا ما تفسره العبارة اللاحقة من الدعاء نفسه، إذ تقول: (لا عوج فيه ولا بدعة معه) فالعوج هو الإنحراف الذي يبعد عن الْحَقِّ الأصيل الذي يهدي له الدين الإلهي، أما البدعة فهي العقائد والسلوكيات المخترعة التي أضافها أئمة الضلال للدين وهي ليست منه، أي التي لا أصل لها في الدين نفسه فهي أيضاً بعيدة عن الْحَقِّ ومبعدة عنه أعاذنا الله وإياكم منها. وها نحن نصل أعزائنا مستمعي إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران إلى ختام حلقة أخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمة) تقبل الله منكم حسن الإصغاء ودمتم في رعايته سالمين. شرح فقرة: "وجدد به ما امتحى من دينك، ..." - 149 2013-08-15 08:00:42 2013-08-15 08:00:42 http://arabic.irib.ir/programs/item/9710 http://arabic.irib.ir/programs/item/9710 بسم الله وله الحمد والمجد والشكر والثناء أرحم الراحمين، وأزكى صلواته وبركاته وتحياته على أهل بيت رحمته الكبرى للعالمين محمد وآله الطيبين الطاهرين. سلام من الله عليكم أيها الأحبة وأهلاً بكم في لقاء اليوم من برنامجكم هذا نواصل فيه استلهام دروس الحياة الطيبة ونستمطر سحائب الرحمة الإلهية من خلال التدبُّر في فقرات دعاء المعرفة الجليل المندوب لتلاوته في عصر غيبة خاتم الأوصياء المهدي الموعود (عجل الله فرجه). وقد انتهينا - أعزائنا - إلى مقطع يقول فيه الداعي بعد أن يطلب من الله تعجيل ظهور بقيته وخليفته المهدي: (اللهم ... وجدد به ما امتحى من دينك، وأصلح به ما بدل من حكمك وغيِّر من سنتك، حتى يعود دينك به وعلى يديه غضاً جديداً صحيحاً لا عوج فيه، ولا بدعة معه، حتى تطفئ بعدله نيران الْكَافِرِينَ). نبدأ مستمعينا الأفاضل بالعبارة الأولى وفيها يعلمنا الدعاء الشريف أن نطلب من الله عزوجل أن يجدد بالإمام المهدي أي عند ظهوره (عجل الله فرجه) ما امتحي من دينه جل جلاله، فما هو المقصود بهذا الطلب؟ في الإجابة نقول: إن معنى التجديد في الأصل اللغوي هو إظهار ما اندرست آثاره وجعله معلماً واضحاً كالجادّة المتميزة عن سائر الأرض للناظرين. أما معني (ما امتحي) فهو من (اندرس وزالت آثاره)، وعليه فإن هذا الدعاء الشريف يعلمنا أن نطلب من الله عزوجل تعجيل ظهور خليفته المهدي لكي يظهر ما اندرس وزالت آثاره من الدين الإلهي الْحَقِّ، ويجعله واضحاً يمكن للناس معرفته والعمل بمقتضاه. ونلاحظ هنا أن التجديد يتضمَّن في الواقع أنّ هذا القسم الذي اندرست وزالت آثاره من الدين الإلهي بقي محظوظاَ ولكنه مغيَّبٌ لا يعرفه عامة الناس ولذلك لا يستطيعون العمل به، فيكون دور الإمام المهدي (عليه السلام) هو إظهار هذا القسم من الدين الإلهي وتعريف الناس به لكي يعملوا به. ومن هذه العبارة من الدعاء نحصل على ثمرة أخرى وهي أن الْمُؤْمِنِينَ الذين يجتهدون في حفظ معالم الدين الإلهي الْحَقِّ ويجاهدون من أجل منع تغييبها ويسعون لتعريف الناس بها - حتى في عصر الغيبة - إنما يقومون عبر ذلك بمؤازرة الإمام المهدي (أرواحنا فداه) في القيام بمهمة تجديد ما امتحي وزالت آثاره من دين الله عزوجل. أعزائنا المستمعين، وفي العبارة الثانية من هذا المقطع من الدعاء الشريف، نطلب من الله جل جلاله، أنْ يصلح بخليفته المهدي ما بُدِّلَ من حكمه عزوجل وما غير من سنته تبارك وتعالى، فما هي حقيقة هذا الطلب؟ في الإجابة عن هذا السؤال نستعين أولاً بحديث مهم رواه الشيخ ثقة الإسلام الكليني في كتاب الكافي وكذلك الشيخ الطوسي في كتاب تهذيب الأحكام وغيرهما مسنداً عن مولانا الإمام جعفر الصادق (صلوات الله عليه) وفي هذا الحديث الشريف يتحدث الإمام عن إحدى مصاديق سيرة جدِّه الوصي المرتضى (سلام الله عليه) في الحكم، وبعد ذلك بكى الصادق (عليه السلام) وقال: (... والله ما بقيت لله حرمة إلا انتهكت، ولا عمل بكتاب الله ولا سنة نبيه في هذا العالم، ولا أقيم في الخلق حدُّ منذ قبض الله أمير المؤمنين [علياً] (عليه السلام)، ولا عمل بشيء من الْحَقُّ إلى يومنا هذا)، ثم قال (عليه السلام): (أما والله لا تذهب الأيام والليالي حتى يحيي الله الموتى ويميت الأحياء ويردَّ الله الْحَقُّ إلى أهله، ويقيم دينه الذي ارتضاه لنفسه ولنبيه (صلى الله عليه وآله)، فأبشروا ثمَّ ابشروا ثمَّ ابشروا، فوالله ما الْحَقُّ إلا في أيديكم). أيها الأخوات والأخوة، لاحظتم في الحديث الشريف الذي قرأناه لكم آنفاً أن مولانا الإمام جعفراً الصادق (سلام الله عليه) يُصَرِّحُ بكل وضوح وبلغة جازمة يستخدم فيها أغلظ الأيمان وهي القسم بالله جل جلاله، أنه لم يعمل بكتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) ولا أقيم حدٌّ من الحدود الإلهية طبق ما أراده الله عزوجل منذ مقتل أمير المؤمنين (سلام الله عليه) ثم انتقال حكم المسلمين إلى طواغيت بني أمية وبني العباس ومن تلاهم. في نهاية الحديث يشير الإمام الصادق (سلام الله عليه) إلى عصر الرجعة وقيام الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه الشريف)، وفيه يُرَدُّ الْحَقِّ إلى أهله ويقام الدين الإلهي الذي ارتضاه الله لنفسه ولنبيه (صلى الله عليه وآله) وهو الدين الذي حفظه أوصياء النبي الأكرم الإثنا عشر (عليه وعليهم السلام). وبعد هذه التوضيحات نعود إلى العبارة المذكورة من دعاء عصر الغيبة، فنقول انّ المقصود من إصلاح ما بُدِّلُ من حكم الله وغير من سنته عزوجل، هو في الواقع إقامة الأحكام والحدود الإلهية وإجراء سنن الله التشريعية وهي سنن نبيه المصطفى (صلى الله عليه وآله)، وإقامتها بشروطها وضوابطها الأصلية النقية وضمن إطار الدين الْحَقِّ الذي ارتضاه عزوجل وإزالة التحريفات التي ابتدعها الطواغيت الذين غصبوا خلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحكموا بما تقتضيه أهواؤهم وبدَّلوا في دين الله وحدوده بما شاءته شهواتهم خلافاً لحكم الله وسنته جل جلاله. وإلى هنا أعزائنا مستمعي إذاعة صوت الجمهورية الإسلامية في إيران ينتهي الوقت المخصص للقاء اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) تقبل الله منكم حسن الإصغاء ودمتم في رعايته آمنين. شرح فقرة: "وطهر منهم بلادك وأشف صدورعبادك، ..." - 148 2013-08-07 10:30:02 2013-08-07 10:30:02 http://arabic.irib.ir/programs/item/9709 http://arabic.irib.ir/programs/item/9709 بسم الله وله الحمد والمجد أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين وأنمى صلواته وبركاته على ينابيع رحمته للعالمين حبيبنا المصطفى الأمين وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم أحبتنا المستمعين، معكم في وقفة تأملية أخرى في أدعية أهل بيت الرحمة المحمدية (عليهم السلام) ومنها دعاء عصر الغيبة الموسوم بدعاء المعرفة الذي أكد أهل المعرفة على أهمية التزام المؤمنين بتلاوته وخاصة في عصر الجمعات لقوة تأثيره في الثبات على العقائد الحقة والنجاة من فتن عصر غيبة خاتم أئمة العترة المحمدية (عليهم السلام). أيها الأخوة والأخوات، لنا وقفة في اللقاء عند الفقرة التالية من هذا الدعاء الجليل جاءت بعد أن طلب الداعي من الله عزوجل أن ينهي بوليه المهدي الموعود (عجل الله فرجه) حاكمية أئمة الظلم والجور والإضلال في جميع الأقطار، ثم يقول: (وطهر منهم بلادك، وإشف منهم صدور عبادك). معنى التطهير واضحٌ في الإصطلاح اللغوي وكذلك في الإصطلاح الشرعي، ولكن التدبر في إستخدام المعصوم (عليه السلام) لهذا المصطلح يوصلنا الى دلالات تربوية مهمة للغاية نشير فيما يلي الى بعضها: إنطلاقاً من المعنى اللغوي وكذلك الشرعي لكلمة التطهير نستفيد أن وجود الظالمين والجائرين والمفسدين الذين لا أمل في إصلاحهم، هو بحد ذاته سببٌ للفساد وإستشرائه في الأرض وفقدانها النقاء اللازم لأنهم رجس ونجاسة ينبغي تطهير بلاده منها. وهذا الوصف - كما أشرنا في الحلقة السابقة يعزز في قلب الإنسان البغض للظالمين لأنهم رجسٌ وبالتالي يقوي فيه روح الكراهة لصدور الظلم منه لكي لا يتحول الى رجس يجب تطهير بلاد الله عزوجل منه. ولا يخفى عليكم مستمعينا الأفاضل أن هذا البغض القلبي هو عون للإنسان للتطهير الذاتي والإنسجام مع الدعوة المهدوية لملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً، لأن من يتطهر ذاتياً من الظلم هو القادر على تطهير الآخرين منه. مستمعينا الأفاضل، ونلاحظ في عبارة الدعاء المتقدمة أن النص ينسب الأرض التي يطلب المؤمن من ربه الكريم أن يطهرها من رجس الظالمين الى الله عزوجل فيقول: (وطهر منهم بلادك). وفي التعبير إشارة لطيفة الى أن ما ينسب الى الله جل جلاله ينبغي أن يكون طاهراً، وهذا الأمر بحدّ ذاته يقوي في المؤمن روح تطهير كل شيء ينسب الى الله جل جلاله. إذن ينبغي للمؤمن أن يكون حريصاً على تطهير كل ما ينسب الى الله عزوجل، فمثلاً يطهر العمل الذي يريد به وجه الله جل جلاله من جميع أشكال الرياء والسمعة والشوائب الأخرى ويطهر المسجد - وهو بيت الله- من كل ما لا يليق به، وهكذا بالنسبة لكل ما حوله. أعزاءنا المستمعين، ونصل الآن الى عبارة (وأشف منهم صدور عبادك) فما الذي نستفيده منها؟ وما المطلوب في هذه الفقرة من الدعاء؟ نلاحظ أولاً مستمعي الكريم أن العباد نسبوا هنا الى الله عزوجل، وفي ذلك إشارة الى كونهم يؤذيهم ما يرونه من حاكمية أعداء الله وبالتالي فإن تطهير الأرض من هؤلاء سبب لإرتياح وسرور عِبَادَ اللَّهِ. وهذا المعنى هو أحد معاني شفاء صدور المؤمنين ببركة دحر أعداء الله عزوجل والمذكور في القرآن الكريم. وعليه يتضح أن معنى شفاء الصدور لا ينحصر بمصداق إزالة أمراضها المذكورة في القرآن الكريم، بل يشمل أيضاً مصداقاً آخر هو إزالة الأذى عنها، والمراد هنا أذى رؤية أعداء الله وهو يمارسون الظلم والجور ضد عِبَادَ اللَّهِ ويفسدون في الأرض وهذا أمرٌ يؤذي بالطبع كل ذي قَلْبٍ سَلِيمٍ. ويبقى مستمعينا الأفاضل أن نشير الى أنّ توضيح المصداق المتقدم لا يعني إنحصار معنى شفاء الصدور به، بل إنّ الأمر يرتبط بمرتبة العبد الإيمانية فمثلاً يمكن أن يكون مصداقه بالنسبة لأصحاب الدرجات الدانية من الإيمان هو إزالة مرض سوء الظن بحكمة الله عزوجل بسبب إمهاله للظالمين. نعم المصداق الذي نخرجه من هذه الدائرة هو معنى التشفي المذموم شرعاً والذي لا ينسجم مع أخلاق عِبَادَ اللَّهِ المؤمنين، أعاذنا الله وإياكم منه ببركة الصلاة على محمد وآله الطاهرين. وبهذا ينتهي اعزاءنا مستمعي صوت الجمهورية الاسلامية في ايران لقاؤنا بكم في حلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة) شكراً لكم ودمتم بكل خير. شرح فقرة: "حتى لا تدع منهم ديّاراً، ..." - 147 2013-08-01 08:06:19 2013-08-01 08:06:19 http://arabic.irib.ir/programs/item/9708 http://arabic.irib.ir/programs/item/9708 بسم الله وله الحمد، عظيم الثناء ذي الفضل والأكرام والمن والإحسان، وأزكى صلواته على أمنائه في بلاده المصطفى الأمين وآله الطاهرين. السلام عليكم أعزاءنا المستمعين، معكم في لقاء آخر مع إضاءات أدعية أهل بيت الرحمة والحكمة والمعارف المحمدية (عليهم السلام)، ووقفة عند مقطعٍ آخر من الدعاء المعرفيِّ الجليل المندوب لتلاوته في عصر الغيبة ولا سيما بعد صلاة العصر من أيام الجمعة. وقد إنتهينا الى فقرة يدعو فيها المؤمن ربه الكريم بتعجيل ظهور خاتم الأوصياء المهدي المنتظر (أرواحنا فداه) لكي يظهر به (عليه السلام) الْحَقِّ ويميت به الجور ويستنقذ به عباده وينعش به بلاده الى أن يقول: (اللهم وأبر به الْمُنَافِقِينَ والناكثين وجميع المخالفين والملحدين في مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا وبرّها وبحرها وسهلها وجبلها حتى لا تدع منهم ديّاراً ولا تبقى لهم آثاراً، وطهر منهم بلادك وإشف منهم صدور عبادك). في الحلقات السابقة من البرنامج كانت لنا وقفة أيها الأعزاء عند هذه الفقرة وما قبلها من الدعاء إتـَّضح منها أنَّ مولانا إمام العصر المهدي يعلمنا في هذا المقطع من الدعاء أن نطلب من الله عزوجل أن ينهي بوليِّه المهدي (عجل الله فرجه) حاكمية الظلم والجور والشرك والإلحاد والنفاق فيستأصل أعداء الله الذين لا أمل من عودتهم عن الغيِّ والفساد والإفساد في الارض، أما أتباعهم الذين يمكن أن يجتنبوا الضلالة والكفر والظلم إذا فقدوا أئمتهم فندعو لهم الله أن يذللهم عسى أن يستجيبوا لدعوات الهداية والصلاح. والفقرة التي تلوناها آنفاً تأتي ضمن هذا السياق، وهي تؤكد تحقيق هذا المطلوب وإنهاء حاكمية ووجود أعداء الله عزوجل في جميع أقطار الأرض، مشارقها وَمَغَارِبَهَا وبحرها وبرها وسهلها وجبلها، فما الذي نستفيده من هذا التأكيد؟ في الإجابة عن السؤال المتقدم نقول: إنّ في هذا التعبير تعليماً لنا أن نقوِّي في قلوبنا حب الخير لجميع خلق الله عزوجل حيثما كانوا، فنطلب من الله عزوجل أن ينقذهم جميعاً من جور وظلم وافساد أعدائه عزوجل، حيثما كانوا، إذ أنّ من الواضح أنّ في هذا التعبير إشارة الى طلب إنهاء الظلم و الجور في جميع أقطار الأرض أي إنهاء مصادر الفتنة والظلم للعباد في كل مكان وهذا الأمر يعني في الواقع إنقاذ جميع الخلق من أذى المفسدين والجبابرة، هذا من جهة ومن جهة ثانية ضمان أمن وسلامة الذين أنقذوا من حاكمية المفسدين، لأنّ بقاء المفسدين في أي بقعةٍ من الأرض يعني بقاء خطر استقوائهم ومعاودتهم إيذاء خلق الله في المناطق التي طردوا منها. أعزاءنا المستمعين، والمعنى المتقدم تنبه له العبارة التالية من الدعاء حيث نطلب من الله عزوجل (أن لا يدع منهم ديّاراً، وأن لا يبقي لهم آثاراً). و الديّار في اللغة هو من يستطيع التحرك بحرية باتجاه هدفه، وهدف المفسدين والجبابرة هو الإفساد وظلم العباد و الجور عليهم، وبقاؤهم يعني في الواقع السماح لنشاطاتهم الإيذائية بالإستمرار. أما (الآثار) فمعناها ما يدلُّ عليهم ويعرف بهم، ويبدو أنّ المقصود هنا هو ما يؤدِّي الى إضلال العباد أو إيذائهم معنوياً ومادياً من نتاجات الجبابرة وأئمة الضلال والجهالة، وواضحٌ أنّ بقاء هذا النوع من الآثار يعني مرتبة من إستمرار دورهم في إضلال العباد وصدِّهم عن سبيل الهداية والفلاح. وعليه يَتـَّضِحُ أنّ هذا الدعاء لا يشمل الآثار الدالة على إنحرافهم وظلمهم وجورهم وسوء عاقبتهم فهذه مما يكون فيها عبرة لأولي الألباب وبالتالي تكون عوناً على اجتناب أفعال الْمُفْسِدِينَ التي أوقعتهم في هذا الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ. أيها الأخوة والأخوات وفي الفقرة اللاحقة من الدعاء نطلب من الله العزيز الرحيم أن يطهِّر بلاده من أعدائه ويشفي منهم صدور عباده عزوجل، فما هي الغاية من هذا الطلب؟ في الواقع يشتمل هذا الطلب وبهذا التعبير بالخصوص على دلالات كثيرة ومهمة، منها تقوية روح البراءة في قلوب الْمُؤْمِنِينَ من أفعال الْمُفْسِدِينَ والجبابرة، بالتنبيه الى كونهم من الرجس الذي يجب تطهير الأرض منهم، وعندما يستقوي الشعور بأنّ الظَّالِمِينَ رجسٌ فإنّ القلب ينفر بالطبع من الظلم الذي جعل الظَّالِمِينَ رجساً يجب تطهير الأرض من كل ظلم وجور. وثمة دلالات أخرى لهذا التعبير نوكل الحديث عنها بمشيئة الله الى الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) الذي إستمعتم له من صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، تقبل الله منكم حسن الإصغاء ودمتم بألف خير. شرح فقرة: "وذلل به الجبارين والكافرين وأبر به المنافقين، …" - 146 2013-07-24 09:07:47 2013-07-24 09:07:47 http://arabic.irib.ir/programs/item/9707 http://arabic.irib.ir/programs/item/9707 بسم الله وله الحمد والمجد والثناء والكبرياء وأسنى وأطيب صلواته وتحياته وبركاته على صفوته الرحماء محمد المختار وآله الأطهار. السلام عليكم إخوة الإيمان والولاء في حلقة اليوم من برنامجكم هذا ووقفة تأملية عن أدعية أهل البيت الرحمة المحمدية (عليهم السلام). نتابع في هذا اللقاء أعزاءنا استلهام المعارف الحقة من دعاء المعرفة الجليل أو دعاء عصر الغيبة وهو الدعاء الذي ذكر له أهل المعرفة خصائص مهمة في حفظ الإيمان الْحَقِّ والإستقامة والثبات عليه، ولذلك ورد التأكيد على المواظبة على تلاوته خاصة في عصر أيام الجمعة. وقد بلغ بنا الحديث الى فقرة يطلب فيها المؤمن من ربه الكريم أن يعجل في تحقيق وعده بأظهار دينه الْحَقِّ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ على يد خليفته وبقيته في أرضه مولانا المهدي (أرواحنا فداه)، ثم يقول بعد ذلك: (وذلل به الجبارين والْكَافِرِينَ، وأبر به الْمُنَافِقِينَ والناكثين، وجميع المخالفين والملحدين في مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا وبرها وبحرها وسهلها وجبلها حتى لا تدع منهم ديّاراً، ولا تبقى لهم آثاراً، وطهر منهم بلادك واشف منهم صدور عبادك). نبدأ أعزاءنا بالعبارة الأولى من هذه الفقرة النورانية، وفيها نطلب من الله جلت قدرته أن يذلل بوليه المهدي وظهوره (عجل الله فرجه) الجبارين والْكَافِرِينَ، فما الذي نطلبه في الواقع من هذا الدعاء؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال نذكر المستمع الكريم أننا طلبنا من الله عزوجل في العبارة السابقة لهذه العبارة من الدعاء أن يقتل بخليفته المهدي جبابرة الكفر ويقصم به رؤوس الضلالة، فالمطلوب هنا هو استئصال رؤوس أئمة الكفر والضلالة الذين يرفعون الناس الى الكفر والضلالة والذين لا أمل في إصلاحهم ورجوعهم عن التجبُّر والعدوان على الناس. أما في العبارة الثانية فالمطلوب هو تذليل الجبارين والْكَافِرِينَ وهذا أمر غير الإبادة والإستئصال كما هو حكم رؤوس الضلالة وجبابرة الكفر، فما الذي يعنيه هذا التمايز بين المطلبين؟ في الإجابة عن السؤال الثاني نقول: إنّ تذليل الجبارين والْكَافِرِينَ من غير أئمة الكفر والضلالة ومتجبريهم، يعني تليين مواقفهم المعادية للحق وجعلهم خاضعين لحكم الإمام المهدي وعدالته وهداه (عجل الله فرجه). أي إبعادهم عن أن يكونوا عقبة في طريق تحقيق أهداف الدولة المهدوية في نشر التوحيد الخالص والهدى والعدالة الإلهية. وهذا يعني أنّ الإمام المعصوم (عليه السلام) يعلمنا في هذه الفقرة من الدعاء أن نطلب من الله عزوجل أن يمنح غير الرؤوس والزعماء من الجبارين والْكَافِرِينَ فرصة أخرى للإهتداء والتوبة حتى بعد ظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه) عسى أن يتوقفوا للهداية بفضل ما يرونه من بركات حاكمية العدالة والهدى والدين التوحيدي الْحَقِّ في الدولة المهدوية المباركة. أعزاءنا المستمعين، وفي العبارة التالية من دعاء عصر الغيبة يقول الداعي: (وأبر به الْمُنَافِقِينَ والناكثين وجميع المخالفين والملحدين). وهنا نطلب من الله عزوجل أن يبير أربع طوائف من أعدائه على يد وليِّه المهدي (أرواحنا فداه)، ومعنى (أبر) هو أهلك بالصورة المقرونة بالخزي واتـِّضاح بطلان ما كان عليه هؤلاء، فهذا الفعل مشتقٌ من البوار المفيد للهلاك مع الخزي الكاشف عن ضعتهم أي عظيم جناياتهم. وهذا هو حكم هذه الطوائف الأربع في الدولة المهدوية، وقد اقترن الإهلاك في حكمهم بالفضيحة والتعريف بحقيقة هوياتهم لأنّ ضعتهم خفيّة، ودورهم في محاربة الهدى، والعدوان على مصالح العباد غير ظاهر، في حين أنّ أمر قتل جبابرة الكفر ظاهر لذلك لم يقترن حكمهم بالفضح. فهؤلاء هم (المنافقون) وهم الذين يظهرون الصلاح ويبطنون الكيد والحرب على أهل الإيمان. ثم (الناكثون) وهم الذين ينقضون العهود بعد التظاهر بتوثيقها كما كان حال أهل معركة الجمل مع أميرالمؤمنين علي (عليه السلام). ثم (المخالفون) الذين يزرعون العقبات في طريق إجراء الأحكام الإلهية وإقرار العدالة المهدوية. والطائفة الرابعة هم (الملحدون) الذين ينحرفون ميلاً الى الشرك والعدوان بعد أن اتـَّضح الهدى للجميع، فهم الذين يحاربون الهدى والعدل والصلاح مع معرفتهم بها، أعاذنا الله من أفعالهم جميعاً. وها نحن نصل بتوفيق الله عزوجل الى ختام حلقة أخرى من برنامجكم (ينابيع الرحمة) إستمعتم لها مشكورين من صوت الجمهورية الاسلامية في ايران تقبل الله أعمالكم ودمتم سالمين. شرح فقرة: "واقتل به جبابرة الكفر واقصم به رؤوس الضلالة، ..." - 145 2013-07-21 09:17:08 2013-07-21 09:17:08 http://arabic.irib.ir/programs/item/9706 http://arabic.irib.ir/programs/item/9706 بسم الله وله خالص الحمد والثناء أرحم الراحمين وأزكى تحياته وصلواته وبركاته على رحمته الكبرى للعالمين محمد وآله الطاهرين. السلام عليكم أعزاءنا المستمعين، تحية مباركة طيبة نهديها لكم ونحن نلتقيكم على بركة الله في حلقة اليوم من برنامجكم هذا، حيث نتابع فيه الاستهداء بأدعية أهل بيت النبوة (عليهم السلام) ومنها دعاء عصر الغيبة المندوب الى تلاوته خاصة في عصر أيام الجمعة. وقد بلغنا منه مقطعاً يدعو فيه المؤمن بتعجيل فرج خليفة الله المهدي الموعود اظهاراً للحق وإماتة للجور والظلم، ثم يقول: (واقتل به جبابرة الكفر، واقصم به رؤوس الضلالة، وذلّل به الجبارين والكافرين، وأبر به المنافقين والناكثين، وجميع المخالفين والملحدين في مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا وبرها وبحرها وسهلها وجبلها، حتى لا تدع منهم ديّاراً، ولا تبقي لهم آثاراًَ، وطهر منهم بلادك وإشف منهم صدور عبادك، يا رَبِّ الْعَالَمِينَ). هذه الفقرة بعد عبارةٍ يعلمنا فيها إمامنا المهدي (أرواحنا فداه) أن نطلب من الله جلت قدرته أن يميت الجور، وقد عرفنا في الحلقة السابقة أنّ إماتة الجور تستلزم إستئصال الأشخاص الذين ملأت نوازع الظلم والجور على العباد كل وجودهم بحيث لم تبق أملاً في إمكانية إصلاحهم وإمتناعهم عن ظلم العباد والجور عليهم. وهؤلاء هم الذين يرد ذكرهم في هذه الفقرة ولذلك نطلب من الله عزوجل إستأصالهم وأوَّلهم (جبابرة الكفر)، فما معنى هذا الوصف؟ الجبابرة كما تعلمون أعزاءنا جمع جبّار، و الجبار هو العظيم المتسلط والمتكبر الذي يسعى لفرض إرادته بالقوة والجبر. وإذا نسب هذا الوصف الى الله عزوجل كان بمعنى القدير الذي يجبر نقائص العباد ويصلح أحوالهم دون أن يعجزه عن ذلك شيء لأنه عزوجل صاحب الملك والسلطان الذي ينصاع لإرادته كل شيء. وعلى ضوء هذا التوضيح اللغوي، يتبين أنّ معنى (جبابرة الكفر) هو قسمٌ من الكافرين بالله عزوجل الذين يسعون بتكبرٍ وقهرٍ وتجبر وإكراه الى تحقيق مآربهم غير متورِّعين عن أي شكل من أشكال ظلم العباد والجور عليهم الى أقصى الحدود. وواضحٌ أنَّ بقاء أمثال هؤلاء الجبابرة مع عدم إمكان إصلاحهم يهدد المجتمع الإنساني بأشد الأخطار ويحول دون إقامة القسط والعدل وإماتة الظلم والجور، فلا مناص من إزالتهم حفظاً لسلامة المجتمع الإنساني. مستمعينا الأكارم، ثم نطلب من الله عزوجل أن يقصم بالإمام المهدي (عجل الله فرجه) وهو المنفذ المعصوم للإرادة الإلهية رؤوس الضلالة. ومعنى (القصم) في اللغة ثم في الإصطلاح والإستخدام القرآني هو القطع واستئصال الشأفة والتحطيم والتهشيم أي الإهلاك المقترن بالفضح والخزي وبيان ذلة المقصوم وحقيقة ضعفه وعجزه. وعليه فإنّ ما نطلبه من الله عزوجل أن يظهر خليفته المهدي (عجل الله فرجه) لكي ينفذ إرادته عزوجل في فضح رؤوس الضلالة وبيان حقيقتهم وضعفهم وبالتالي تحطيم شوكتهم وإنهاء دورهم في تضليل العباد. من هنا يَتـَّضِحُ لنا مستمعينا الأفاضل سرّ إستخدام المعصوم (عليه السلام) لتعبير (اقصم) فيما يرتبط برؤوس الضلالة وهو تعبير أشد من تعبير (اقتل) لإشتمالة على معنى الفضح وبيان الضعف والعجز. إذ أن رؤوس الضلالة هم الطواغيت وأئمة الضلال الذين يضلون العباد بمختلف أساليب الخداع والتضليل لجعلهم يخضعون لإرادة الظالمين والجبابرة ويصبحون منفذين لها كما يفعل فقهاء السلطان مثلاً عندما يصوِّرون للناس أنَّ الخضوع لجور السلطان الجائر قبول بالتقدير الإلهي وتسليم لأمر الله عزوجل، وهذه هي البدعة التي بدأ ترويجها منذ زمن معاوية وتمظهرت في زمن خليفته يزيد لعنهما الله في جعل جيشه يتقرب الى الله بسفك دماء العترة المحمدية (عليهم السلام)، وإستمرَّت الى يومنا هذا في جرائم التكفيريين الذين جعلتهم تلبيسات شياطين الفكر الأموي ومن خلفه يتقرَّبون الى الله عزوجل حسب أوهامهم بسفك دماء الأطفال والنساء من أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام). وبناءً على ما تقدم تَتـَّضِحُ دقة الدعاء الشريف وهو يستخدم تعبير القصم الذي يعني الإهلاك مع الفضح والخزي فيما يرتبط برؤوس الضلالة، إذ أنّ فضحهم ضروري لإنقاذ العباد من تضليلاتهم التي ذكرها فيما تقدم بعض نماذجها، وبالتالي يتبين لنا - ايها الأخوة والأخوات - أننا عندما ندعوا الله عزوجل بأن يقصم بظهور خليفته المنقذ المهدي (عجل الله فرجه) رؤوس الضلالة إنما يدعوا في الوقت نفسه لأتباعهم المخدوعين بضلالاتهم بالنجاة والخلاص من شرور هؤلاء الأئمة المضلِّين الذين طالما حذر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أُمَّته منهم ومن ضلالاتهم واعتبرهم اشدَّ خطراً على أمته من الدجال. نشكر لكم أعزاءنا مستمعي إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران طيب الإصغاء لحلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة)، الى لقاء آخر دمتم في رعاية الله وأمانه. شرح فقرة: "وأمت به الجور وإستنقذ به عبادك، ..." - 144 2013-07-17 09:36:36 2013-07-17 09:36:36 http://arabic.irib.ir/programs/item/9705 http://arabic.irib.ir/programs/item/9705 بسم الله وله عظيم الحمد والثناء العدل الحكيم والصلاة والسلام على الهداة الى نهجه القويم وصراطه المستقيم محمد وآله الطاهرين . السلام عليكم أعزاءنا المستمعين، معكم أيها الأحبة في لقاءٍ جديد من هذا البرنامج نستلهم فيه معاً دروس الحياة الطيبة من الدعاء الجليل الذي أمرنا بالتوجه الى الله عزوجل بتلاوته في عصر غيبة مولانا بقية الله المهدي (عجل الله فرجه). والفقرة التي نستنير بها في هذا اللقاء هي التي يدعو فيها المؤمن بتعجيل ظهور قائم آل محمد (صلى الله عليه وآله)، ثم يقول: (اللهم، وأظهر به الْحَقُّ، وأمت به الجور واستنقذ به عبادك الْمُؤْمِنِينَ من الذل وأنعش به البلاد، واقتل به جبابرة الكفر، واقصم به رؤوس الضلالة وذلل به الجبّارين والكافرين). في العبارة الأولى نطلب من الله عزوجل أن يعجّل في إظهار خليفته المهدي الموعود (أرواحنا فداه) لكي يتحقق وعده الصادق بأظهار دينه الحق عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ فيقيم حكمه العادل وتنعم البشرية جمعاء ببركات دين الله العدل الحكيم فهذا دعاء فيه خير وصلاح المجتمع الإنساني برمَّته بل والخلائق كافة هذا ما فصلنا عنه الحديث في الحلقة السابقة من البرنامج، أما في العبارة الثانية من الفقرة المتقدمة فنطلب من الله جلت قدرته أن يميت الجور، فما معنى هذا الدعاء؟ الجور أعزاءنا هو الظلم عندما يتجاوز الحدود المألوفة والمتصورة للظلم أي أنه الظلم الشديد وغير المُتصوَّر، أي الظلم الناتج من شدة الطغيان. هذا بالنسبة لمعنى الجور، فما هو معنى إماتته وكيف تكون؟ معنى إماتة الشيء هو سلبه الكامل للقدرة على معاودة نشاطه، فتارة نطلب من الله عزوجل أن يقمع الجور، ويكون المعنى هو أن لا يسمح له بالظهور مع بقاء احتمال أن يظهر عندما يجد الفرصة السانحة، أما إماتة الجور فتعني إنهاءه بالكامل بحيث لا يمكن أن يظهر أبداً، وهذا الأمر لا يتحقق إلا في ظل دولة الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه). إذن ما نطلب من الله عزوجل هنا ليس إزالة مظاهر الجور بل قطع جذوره أساساً، أي إزالة العوامل التي توجد الجور والظلم في المجتمع. وهذه العوامل إما ذاتية في داخل كل إنسان، وإما الجبابرة الذين امتلأ كل وجودهم بنوازع الظلم والجور والعدوان على حقوق الآخرين. وإماتة الجور تعني استئصال هؤلاء بالكامل عندما لا يبقى أملٌ في أن يتورَّعوا عن الظلم والجور. أما بالنسبة لغيرهم، فإنّ إماتة الجور فيهم تكون بالتربية الصالحة التي يُروِّجها الإمام المهدي (أرواحنا فداه) والتي تؤدي الى إماتة نوازع الظلم والجور في الأفراد وإقامة العدالة الشاملة التي لا يبقى معها ما يدفع الإنسان الى الجور. وفي العبارة الثالثة نطلب من الله عزوجل أن يستنقذ بالمهدي الموعود (أرواحنا فداه) عباده الْمُؤْمِنِينَ من الذل. ولا يخفى عليكم مستمعينا الأفاضل أنّ الذل هنا لا يعني الذل الداخلي والمعنوي فهو لا يجتمع مع الإيمان أبداً، والقرآن الكريم يُصرِّحُ بأنّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ، وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، فالمؤمن عزيزٌ دائماً في داخله مهما كانت الصعوبات والأوضاع التي يعيشها. إذن ما هو (الذل) الذي ندعو الله عزوجل هنا أن يستنقذ منه عباده الْمُؤْمِنِينَ ببركة وليِّه وخليفته المهدي؟ في الإجابة عن هذا السؤال نقول: إنّ المقصود هو الإستضعاف للمؤمنين الذي يراه الناس (ذلاً) لهم. فهو ذلٌ ظاهريٌ اعتباريٌّ وليس حقيقياً لأنّ المؤمن عزيزٌ دائماً ببركة ارتباطه بالله وهو عزوجل منبع العزة المطلقة. إذن ما نطلبه من الله عزوجل هنا هو أن يستنقذ بظهور خليفته المهدي (عجل الله فرجه) عباده الْمُؤْمِنِينَ من لستضعاف الجبابرة لهم ومن الإذى والحرمان والملاحقة وغير ذلك مما يلحقه به الطواغيت والظلمة. أعزاءنا المستمعين، وفي العبارة الرابعة من فقرة الدعاء المتقدمة، نطلب من الله جل جلاله أن (ينعش) بظهور وليه المنتظر (أرواحنا فداه) البلاد، فما هو المقصود بذلك؟ معنى (ينعش) هو أن يتفضل على العباد بنعمةٍ فيها رفعة لهم، إذ أن هذا الفعل مشتقٌّ من (النعش) وهو السرير المرفوع، فالمطلوب إذن هو أن يَمُنَّ الله جلت نعماؤه على الخلق بظهور المهدي (عجل الله فرجه) لكي يرفعهم من ضعة الذل والإستضعاف وكلِّ ما يشدُّهم الى الأرض ويقيِّدُهم بالحاجة. ولايخفى عليكم مستمعينا الأفاضل أنّ ذكر (البلاد) هنا حيث ندعو (وأنعش به البلاد) يشير الى أنّ المطلوب هو إنزال الله هذه النعمة المقترنة بالعزة على جميع الخلائق ببركة خليفته المهدي (عجل الله فرجه) وجعلنا من خيار أنصاره ومواليه إنه سميع مجيب. وها نحن نصل معاً أعزاءنا مستمعي إذاعة صوت الجمهورية الإسلامية في ايران الى ختام حلقة اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة)، تقبل الله حسن الإصغاء ودمتم في رعايته سالمين. شرح فقرة: "وأظهر به الحق، ..." - 143 2013-07-14 09:29:02 2013-07-14 09:29:02 http://arabic.irib.ir/programs/item/9704 http://arabic.irib.ir/programs/item/9704 بسم الله وله كامل الحمد والثناء إذ هدانا لمعرفة ومودة وولاية كنوز رحمته الأصفياء محمد وآله النجباء عليهم أسنى صلواته وتحياته آنَاء اللَّيْلِ وطْرَافَ النَّهَارِ. السلام عليكم أيها الأخوة والأخوات، تحية طيبة نهديها لكم في مطلعٍ لقاء آخر من هذا البرنامج نتابع فيه الإستنارة بدعاء المعرفة الجليل الذي ورد الحثُّ على تلاوته في عصر الغيبة للثبات على الدين الْحَقُّ والفوز بنصرة إمامنا المهدي (أرواحنا فداه). وقد وصلنا الى فقرة يتوجه فيها المؤمن الى الله عزوجل طالباً تعجيل فرج وظهور مولانا صاحب الزمان وتأييده وناصريه بالنصر ثم يقول: (وأظهر به الْحَقُّ وأمت به الجور واستنقذ به عبادك الْمُؤْمِنِينَ من الذل، وأنعش به البلاد، واقتل به جبابرة الكفر، واقصم به رؤوس الضلالة وذلّل به الجبارين والكافرين يا رَبِّ الْعَالَمِينَ). مستمعينا الأفاضل، في الفقرة المتقدمة نطلب أولاً من الله جل جلاله أن يظهر ببقيته وخليفته الإمام المهدي الْحَقُّ، فما هو المقصود بهذا الطلب؟ هذا مستلهمٌ من الوعد الإلهي الصادق الذي وعد الله عزوجل عباده في قرآنه الكريم حيث قال في الآية الثامنة من سورة الصف: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ»، وتكرَّر هذا الوعد في الآية الثالثة والثلاثين من سورة التوبة والآية الثامنة والعشرين من سورة الفتح. من هنا يَتـَّضِحُ مستمعينا الأكارم أنّ ما نطلبه من الله عزوجل هنا هو أن يعجّل في تحقيقه لوعده الصادق بأظهار دينه الحق عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وذلك ببركة ظهور خليفته المهدي (عجل الله فرجه). أيها الأخوة والأخوات، وقد روي عن أئمة العترة المحمدية (عليهم السلام) أنّ تحقق هذا الوعد الإلهي الصادق إنما يكون في عهد خليفة الله المهدي (عجل الله فرجه) فقد روي أنّ إمامنا الصادق (عليه السلام) سئل عن الآية المتقدمة وهل تحقق مصداقها، فقال: (كلا والذي نفسي بيده حتى لا يبقى قرية إلا نودي فيها بشهادة أن لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وأن محمداً رسول الله بُكْرَةً وَعَشِيًّا، ...). وقال (عليه السلام) أيضاً: (لا يكون ذلك حتى لا يبقى يهوديٌ ولا نصرانيٌ ولا صاحب ملةٍ إلا دخل في الإسلام حتى يأمن الشاة والذئب والبقرة والأسد والإنسان والحية وحتى لا تقرض فارةٌ جراباً وحتى توضع الجزية ويكسر الصليب)، وذلك قوله تعالى: «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» وذلك يكون عند قيام القائم (عليه السلام). و روي أيضاً عن إمامنا موسى الكاظم (صلوات الله عليه) أنه قال لمن سأله عن الآية نفسها: [لِيُظْهِرَهُ] على جميع الأديان عند قيام القائم لقول الله تعالى: «وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ» [يعني] بولاية القائم (عليه السلام). اعزاءنا المستمعين، وعلى ضوء دلالات الأحاديث الشريفة المتقدمة ونظائرها يَتـَّضِحُ لنا أن ما نطلبه من الله عزوجل في قولنا (وأظهر به الْحَقُّ) هو التعجيل بأظهار دينه الْحَقُّ على جميع الأديان الأرضية وغيرها، وذلك بتعجيل ظهور خليفته المهدي وبدء حركته الإصلاحية الكبرى (عجل الله فرجه). والمقصود بأظهار الإسلام الدين الْحَقُّ على جميع الأديان هو إظهار كمال هذا الدين وكونه هو الدين الوحيد الذي ارتضاه الله عزوجل لعباده حتى يتيقن البشر من جميع الأديان والمذاهب بأنّ إسلام مدرسة الثقلين أي القرآن والعترة هو المنهج الوحيد القادر على تحقيق العدالة والسعادة للخلق في الدنيا والآخرة. هذا هو المعنى الأول والتمهيدي لإظهار الإسلام الدين الحق عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، أما المعنى الثاني فهو ثمرة المعنى الأول أي إقامة حاكمية هذا الدين الْحَقُّ وتوجه البشرية جمعاء إليه، فتقام أحكامه وحدوده فتملأ بذلك الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً وتحقق في ظل دولته الإلهية العدالة والسعادة والأمن والسلام والرخاء والرقي للخلائق كلها. إذن وبهذه التوضيحات يتبين لنا أن ما نطلبه في الواقع في قولنا (وأظهر به الْحَقُّ) هو اظهار ما به السعادة والصلاح والخير والفلاح للبشرية جمعاء، ومثل هذا الدعاء هو من أفضل الدعاء. نشكر لكم أعزاءنا مستمعي إذاعة صوت الجمهورية الاسلامية في ايران طيب الإستماع لحلقة اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة) نجدد لكم أطيب التحيات ودمتم في رعاية الله. شرح فقرة: "ودمدم على نصب له وكذّب به، ..." - 142 2013-07-10 11:19:44 2013-07-10 11:19:44 http://arabic.irib.ir/programs/item/9703 http://arabic.irib.ir/programs/item/9703 بسم الله وله الحمد والشكر والثناء على تتابع النعماء وجليل الالاء وأزكى صلواته وتحياته على صفوته الرحماء محمد وآله النجباء. السلام عليكم مستمعينا الأعزاء، معكم في وقفةٍ تدبرية أخرى في أدعية أهل بيت الرحمة والهداية المحمدية (عليهم السلام)، ومع فقرة أخرى من دعاء عصر الغيبة الذي وسمه العلماء بدعاء المعرفة. وقد بلغنا - بتوفيق الله - الفقرة التي يدعو بها المؤمن لإمام زماننا المهدي المنتظر (عجل الله فرجه) قائلاً: (اللهم عجّل فرجه، وأيده بالنصر وانصر ناصريه وأخذل خاذليه، ودمدم على من نصب له وكذّب به، وأظهر به الْحَقُّ، وأمت به الجور، وإستنقذ به عبادك الْمُؤْمِنِينَ من الذل وأنعش به البلاد يا أرحم الراحمين). في هذه الفقرة نطلب من الله عزوجل أن يعجّل في ظهور مولانا الإمام صاحب الزمان المهدي (أرواحنا فداه) ويُقويه بالنصر وذلك بأن يعين ناصريه على نصرته والإستعداد لمؤازرته في حركة الإصلاح الإلهية الكبرى ويخذل خاذليه بأن يسلبهم القوة والقدرة على عرقلة جهوده وأنصاره (عليه السلام) في التمهيد لإنطلاقة حركتهم في الإصلاح الكبرى هذه. ثم نطلب من الله القوي العزيز أن يدمدم على من نصب للإمام وكذّب به، فما هو المراد في هذه العبارة؟ معنى (الدمدمة) في الإصطلاح القرآني هو الإهلاك المقترن بما يثير الرعب والخوف لقومٍ عرفوا الْحَقُّ وحاربوه مع طول الإنذار وكثرة التحذيرات. أما معنى (نصب له) فهو أن يتصدى لمعاداة الإمام المهدي (عليه السلام) جهاراً وبصورةٍ شديدةٍ يُتعب فيها نفسه ويستجمع لمحاربته قواه. ومعنى (كذّب به) أي أنكر الإمام إما في إصل وجوده (عليه السلام) وإما في إمامته وكونه خليفة لله عزوجل. وعلى ضوء هذه التوضيحات اللغوية يتبين معنى الدعاء وهو أننا نطلب من الله عزوجل أن يهلك بالعذاب أعداء الإمام المهدي مقترناً بأظهار قدرته بما يثير فيهم الرعب والخوف قبل هلاكهم. مستمعينا الأفاضل، وقبل أن ننتقل الى العبارة التالية من الدعاء ينبغي أن ننقل حديثاً عن مولانا الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قال فيه: (ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنك لا تجد رجلاً يقول أنا الناصب أبغض محمداً وآل محمد، ولكنّ الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتوالونا وأنكم من شيعتنا)، هذا طبق ما رواه الشيخ الصدوق في كتاب ثواب الأعمال وكتاب علل الشرائع وقد رواه بسندٍ آخر في كتاب صفات الشيعة وكتاب معاني الأخبار وجاء فيه: (ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت لأنك لا تجد احداً يقول أنا أبغض محمداً وآل محمد ولكنّ الناصب من نصب لكم وهو يعلم إنكم تتوالونا وتتبرَّؤن من أعدائنا). وعلى ضوء ما يبينه مولانا الإمام الصادق (عليه السلام) يكون معنى نصب العداوة للإمام المهدي (عليه السلام)، هو من نصب نفسه لمحاربة موالى الإمام (أرواحنا فداه) وشيعته الذين يتمسكون بولايته ويتبرَّؤن من أعدائه (عليه السلام) وكذلك من أعداء آبائه الطاهرين. مستمعينا الأفاضل، ونلاحظ في حديث مولانا الإمام الصادق (سلام الله عليه)، تأكيده وهو يعرِّفنا بحقيقة الناصبي على أنّ من يُناصب العداء لآل البيت النبوي (عليهم السلام) لا يجاهر ببغض محمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله)، بل قد يدَّعي مودَّتهم ومحبتهم لكنه يعادي من يتمسك بولايتهم ويتبرأ من أعدائهم الذين تمادوا في ظلمهم وقتلهم وتشريدهم بدءً من الصديقة الزهراء الى سليلها الإمام المهدي مروراً بجميع آبائه الطاهرين (عليهم سلام الله). وما ارتكبه هؤلاء من ظلم وجور وتقتيل وتشريد هو السبب الرئيسي لغيبة خاتم الأوصياء المهدي (أرواحنا فداه). فمن ينصب العداء لشيعة آل محمد (صلى الله عليه وآله) لأنهم يتبرَّؤن من هؤلاء الذين ظلموا العترة المحمدية، هو الناصبي المعادي في الواقع لله ولرسوله وأوليائه (عليهم السلام). وعلى ضوء ما تقدم يتـَّضِحُ أن ما يطلبه المؤمن في العبارة المتقدمة من الدعاء هو أن يظهر الله عزوجل قدرته فيبثَّ الرعب في من نصب العداء للإمام المهدي ولشيعته (عليه السلام) الذين تمسكوا بولايته وولاية آبائه الطاهرين وتبرؤا من أعدائهم أجمعين عليهم لعائن الله ورسوله وأنبيائه وملائكته إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. وها نحن نصل مستمعينا الأعزاء الى ختام حلقةٍ أخرى من برنامج (ينابيع الرحمة) إستمعتم لها مشكورين من صوت الجمهورية الاسلامية في ايران تقبل الله أعمالكم ودمتم بكل خير. شرح فقرة: "وأيده بالنصر وأنصر ناصريه وأخذل خاذليه، ..." - 141 2013-07-09 09:42:43 2013-07-09 09:42:43 http://arabic.irib.ir/programs/item/9702 http://arabic.irib.ir/programs/item/9702 بسم الله وله الحمد والثناء إذ منّ علينا متفضلاً بمعرفة كنوز رحمته للعالمين محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. السلام عليكم إخوتنا المستمعين، معكم أيها الأحبة في لقاءِ آخر مع دعاء المعرفة الجليل الذي أمرنا بتلاوته في عصر غيبة مولانا خاتم الأوصياء المهدي (عجل الله فرجه). وقد وصلنا الى فقرة يقول المؤمن وهو يدعو لإمام زمانه قائلاً: (اللهم عجّل فرجه، وأيده بالنصر وأنصر ناصريه وأخذل خاذليه ودمدم على من نصب له وكذّب به، وأظهر به الْحَقُّ وأمت به الجور وإستنقذ به عبادك الْمُؤْمِنِينَ من الذل وأنعش به البلاد برحمتك يا أرحم الراحمين). إنّ تعجيل فرج الإمام المهدي (أرواحنا فداه) يعني مستمعي الفاضل أن يسرّع الله عزوجل في إعانة الْمُؤْمِنِينَ على تهيأة الشروط اللازمة لنجاح حركته الإصلاحية الكبرى - عجل الله موعدها-، وإعانتهم على إزالة العقبات التي تؤخر ظهور وليه وبقيته خاتم الأوصياء المحمديين (عليهم السلام). هذا ما عرفناه أعزاءنا من معنى العبارة الأولى في الفقرة المتقدمة كما فصلنا الحديث عن ذلك في الحلقة السابقة. أما في العبارة الثانية فالمؤمن يطلب من ربه الكريم أن يؤيد إمامه بالنصر، فما هو المراد في هذه الدعوة؟ التأييد لغة أيها الأكارم هو من (الأيد) ويعني القوة والسلطان النافذ، ومعنى أيده الله عزوجل أن قواه على الأمر الذي هو - أي العبد - بصدده، فيكون المطلوب هو أن يقوي الله عزوجل سلطان وليه المهدي النافذ والغالب في الأشياء بما هو يسعى له من إقامة حكم الله عزوجل وتنفيذ إرادته في بسط العدالة وإنهاء الجور. أما النصر فهو أعلى مرتبة في اللغة من الفتح، والفتح مقدمة له، فالنصر هو الغلبة الكاملة وظهور حاكمية إرادة المنصوركاملة. وننتقل مستمعينا الأفاضل الى العبارة الثالثة في الفقرة المتقدمة من دعاء المعرفة أو دعاء عصر الغيبة وهي التي نطلب من الله عزوجل أن ينصر ناصري وليه صاحب الزمان ويخذل خاذليه (عليهم السلام)، فما هو المقصود بهذا الطلب؟ يبدو أن المطلوب في هذه العبارة هو تحقيق المطلوب في العبارة التي تسبقها أي تأييد الإمام بالنصر، ولتوضيح ذلك نقول: إن الإمام المهدي (أرواحنا فداه) كجده المصطفى وآبائه الطاهرين - عليهم صلوات الله وتحياته- أقوياء في دين الله وفي تنفيذ أمره - عزوجل-، وتحقيق النصر الإلهي المؤزر للإمام (عليه السلام) يحتاج الى تقوية أنصاره وإستعدادهم المطلوب لنصرته أي تقوية الْمُؤْمِنِينَ على القيام بمهام نصرته وتحقيق أهدافه الإلهية السامية في العدالة والإصلاح. وعليه يتضح أنّ المطلوب هو تأييد الإمام القوي والقادر على تحقيق الإرادة الإلهية بأعانة أنصاره على نصرته الحقيقية وتقويتهم وهم يتكاملون روحياً ومادياً من خلال صدق نصرتهم له (عليه السلام)، وهذا يعني مستمعينا الأفاضل أنّ الدعاء هو لعموم الْمُؤْمِنِينَ بالتوفيق لنصرة إمامهم (أرواحنا فداه) والتقرب بذلك الى الله عزوجل. أما المطلوب الثاني في العبارة المتقدمة من هذا الدعاء فهو أن يخذل الله عزوجل خاذلي وليه وبقيته المهدي (أرواحنا فداه)، فما هو المقصود بهذا الطلب؟ معنى الخذلان هو - عزيزي المستمع- ترك المعونة والنصرة لأحدٍ عند حاجته إليها وممن يتوقع منه العون والنصرة: وبناءً على هذا التوضيح اللغوي يتبين أنّ المطلوب هو أن لا يعين الله تاركي نصرة وليه إمام زماننا المهدي (عليه السلام)، ولكن من المعلوم أنّ الله عزوجل لا يعين أحداً ولا ينصره في تحقيق ما لا يرضاه، وترك نصرة خليفته الإمام المعصوم هو بلا شك ممّا لا يرضاه الله جل جلاله، فما معنى أن نطلب من الله عزوجل أن لا يعين ولا ينصر تاركي نصرة بَقِيَّةُ اللَّهِ المهدي (عجل الله فرجه)؟ في الإجابة عن هذا السؤال نقول: إنّ المطلوب هنا هو أن يسلب الله عزوجل من خاذلي الإمام (عليه السلام) القدرة والقوة التي تفضَّل الله بها عليهم كسائر المخلوقات وبها يقومون بالأعمال التي تشتمل على خذلان حجته المهدي (عليه السلام) وبذلك يحبط أعمالهم ويضعف قواهم ويزيل بذلك إحدى العقبات التي تعترض حركة الإصلاح المهدوي. والى هنا ايها الأخوة والأخوات ينتهي لقاؤنا بكم في حلقة اليوم من برنامجكم (ينابيع الرحمة)، قدمناه لكم من صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، تقبل الله حسن الإصغاء والمتابعة ودمتم في رعايته سالمين. شرح فقرة: "اللهم عجل فرجه، …" - 140 2013-07-08 09:10:40 2013-07-08 09:10:40 http://arabic.irib.ir/programs/item/9593 http://arabic.irib.ir/programs/item/9593 بسم الله وله الحمد والمجد غياث المستغيثين وعون المستجيرين والصلاة والسلام على ينابيع الرحمة للعالمين محمد وآله الطاهرين. السلام عليكم اعزاءنا ورحمة الله، تحية مباركة طيبة نهديها لكم ونحن نلتقيكم في حلقةٍ أخرى من هذا البرنامج لنا فيها وقفة مع فقرة أخرى من دعاء عصر الغيبة الموسوم بدعاء المعرفة، والفقرة التي وصلنا إليها هي التي يتوجه فيها المؤمن الى الله جل جلاله داعياً لإمام زمانه المهدي المنتظر (أرواحنا فداه) قائلاً: (اللهم عجّل فرجه، وأيِّده بالنصر، وأنصر ناصريه، وأخذل خاذليه ودمدم على من نصب له وكذب به ، وأظهر به الحق، وأمت به الجور، واستنقذ به عبادك المؤمنين من الذل وأنعش به البلاد ... يا أرحم الراحمين). الدعاء لإمام العصر (عليه السلام) بالفرج هو مما ورد التأكيد عليه في كثيرٍ من الأحاديث الشريفة منها ما روي عن الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه) أنه قال: (وأكثروا من الدعاء بالفرج فإن في ذلك فرجكم). ولكن ما هو المقصود بتعجيل الفرج المهدوي؟ الأجابة واضحة والمتبادرة الى الذهن وللوهلة الأولى هو أنّ المطلوب تعجيل ظهوره (عليه السلام) فهذا ما يطلبه الداعون له بالفرج أو أكثرهم وفيه – في الواقع – فرجهم كما جاء في الحديث المهدوي المتقدم، بل وفرج البشرية والخلق أجمعين لأنّ فيه نجاتها من أزمات الظلم والجور التي تعتصرُها. ولكن لماذا ينسب الدعاء - وهو صادرٌ عن إمامٍ معصوم - (الفرج) الى إمام العصر (عليه السلام) بالذات وليس الى الناس؟ لعلَّ في ذلك إشارة الى حقيقة أنّ تحقق الفرج للإمام المنتظر (أرواحنا فداه) هو مبدأ تحقق الفرج للمؤمنين وللبشرية جمعاء وبدونه لا يتحقق لها الفرج المطلوب. وهنا يبرز سؤال آخر هو: ما هو الفرج الخاص بالإمام والذي يتحقق بتحققه الفرج للمؤمنين وللبشرية جمعاء؟ الإجابة تأتيكم بعد قليل فكونوا معنا. للإجابة عن السؤال المتقدم: نشير أولاً الى أنّ من الواضح لمن راجع النصوص الشريفة أنّ الله عزوجل قد جعل أهل بيت النبوة (عليهم السلام) رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ وقد أغناهم من فضله فهم أغنياءُ بالله عن خلقه وكل ما يقومون به هو لصالح الخلق لا يطلبون منهم جَزَاء وَلا شُكُوراً. من هنا فإنّ فرج الإمام (عليه السلام) إنما هو مقدمة لتحقق الخير والصلاح للخلق ولا حاجه للإمام نفسه إليه إلا بما فيه أداءٌ للمسؤولية الإلهية الملقاة على عاتقه كخليفةٍ لله عزوجل وعامل إيصال فيضه ورحمته لِّلْعَالَمِينَ. وعليه نفهم معنى نسبة الفرج للإمام المهدي (أرواحنا فداه)، ونعرف أنّ المطلوب هو أن يعجّل الله عزوجل في تهيأة الأوضاع المناسبة لظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، أي أن يزيل العقبات التي تحول بين الإمام وبين إعلان ثورته الإصلاحية الكبرى. ولكن كيف يتحقق ذلك وقد جرت سنة الله عزوجل بأن يجري الأموربأسبابها الطبيعية؟ في الإجابة عن السؤال المتقدم: نقول إنّ السبب الرئيسي الذي أدّى الى غيبة خاتم الأوصياء الإمام المهدي (عجل الله فرجه) هو عدم وجود العدد الكافي من الأنصار الصادقين القادرين على مؤازرته في إنجاز حركته الإصلاحية الكبرى. ومصداق تعجيل الله عزوجل لفرج بقيته المهدي (عجل الله فرجه) هو أن يُعينُ عزوجل المؤمنين في جهودهم للتحلّي بصفات انصار المهدي المخلصين الصادقين ويسرّع في وصولهم لذلك لكي يتحقق الشرط الرئيسي لظهوره (سلام الله عليه) وهو توفرُ العدد اللازم من الأنصار المؤازرين. وهذه الإعانة لا تتعارض مع سنة الله عزوجل في إجراء الأمور بأسبابها لأنّ المطلوب هو غربلة العباد وإيصالهم الى مرتبة الإستعداد لنصرة الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، وهذا الأمر مُتحققٌ من خلال سعيهم لذلك وإعانة الله لهم من مزيد التوفيق الذي يُسرِّعُ في تحقق مطلوبهم مقدمة لتوفر أحد الشروط اللازمة لظهوره (عليه السلام). والأمر نفسه يصدق على الشروط الأخرى لظهورالمهدي الموعود (أرواحنا فداه) مثل تشوق الناس إليه ويأسهم من قدرة المدارس الفكرية والسياسية الأخرى على إنقاذ البشرية من أزماتها، الله عزوجل يُعجِّل لفرج الإمام من خلال إظهارآيات تؤدِّي الى بعث وتقوية تشوُّق الناس للفرج المهدوي واليأس من غيره (عليه السلام). إنتهى أحباءنا الوقت المخصص لحلقة اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة) قدمناها لكم من إذاعة صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، تقبل الله منكم جميل المتابعة ودمتم في رعايته سالمين. شرح فقرة: "غير شاكين ولا ناكثين ولا مرتابين ولا مكذبين،..." - 139 2013-07-07 09:21:33 2013-07-07 09:21:33 http://arabic.irib.ir/programs/item/9592 http://arabic.irib.ir/programs/item/9592 بسم الله وله الحمد والثناء الغفور الرحيم، وأزكى صلواته على كنوز رحمته للعالمين محمد وآله الطيبين. السلام عليكم احباءنا المستمعين، على بركة الله نلتقيكم في حلقة اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة) ووقفة تأملية نستلهم فيها قيم الحياة الكريمة من أدعية أهل بيت آية التطهير (عليهم السلام)، ومنها دعاء المعرفة المأمورين بتلاوته في أيام غيبة مولانا إمام العصر (أرواحنا فداه) وخاصة بعد صلاة العصر من أيام الجمعة. وقد إنتهينا أعزاءنا الى فقرةٍ منه يطلب المؤمن فيها الثبات والإستقامة على الدين الحق وعقائد الإيمان التوحيدي الخالص في الحياة وعند الوفاة، فيدعو المؤمن لنفسه وسائر الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ قائلاً: (اللهم ولا تسلبنا ذلك في حياتنا ولا عند وفاتنا حتى تتوفانا ونحن على ذلك لا شاكين ولا ناكثين ولا مرتابين ولا مكذبين برحمتك يا أرحم الراحمين). مستمعي الكريم، إنّ سلوكيات الإنسان وأعماله هي التجسيد العملي لميوله الفطرية أو الغرائزية من جهةٍ وكذلك لعقائده وقناعاته الفكرية من جهةٍ ثانية فالعقائد الصحيحة السليمة هي التي توجِّهُ سلوكيات وعمل الإنسان بالإتجاه الذي يحقق له سعادة الدنيا والآخرة وبدونها يقع الإنسان في متاهات إتلاف طاقاته وما أنعم الله عزوجل به عليه، في اتباع الشهوات وتضييع العمرفي الغفلة عن إعمار الدار الآخرة، بل وخسران الحياة الدنيا أيضاً لأن السعادة الحقيقة - حتى في الدنيا - تكمُنُ في الإستفادة الصحيحة من الطاقات البشرية دون تقنين يؤدِّي الى إلحاق الأضرار الخطيرة ببدن الإنسان فضلاً عن روحه. وعليه يَتـَّضِحُ أنّ نجاة الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة هو في حفظه للعقائد السليمة والعمل بمقتضياتها، ولذلك يعلمنا إمام زماننا (سلام الله عليه) أن نطلب من الله عزوجل أن يعيننا على الإستذكار الدائم للعقائد الحقة ولا ننساها لكي لا نُحرم من آثارها العملية، وهذا هو معنى طلبنا منه عزوجل أن لا يسلبنا هذه العقائد في حياتنا. أما معنى طلبنا من الله عزوجل أن لا يسلبنا العقائد الحقة عند وفاتنا فهو -وكما أشرنا في الحلقة السابقة من البرنامج- أن يعيننا على مواجهة الشيطان الذي يسعى لبعث الوساوس في قلب المؤمن عند الإحتضار كما أخبرتنا عن ذلك كثيرٌ من الأحاديث الشريفة، وهدفه إستغلال صعوبات الإحتضار لجعل الإنسان يعترضُ على أمرالله عزوجل وينسى نِعَمَهُ عليه فيخرج من الدنيا جاحداً. ولأهمية هذا الخطرالذي تحدَّثنا عنه مُفصَّلاً في الحلقة السابقة، فقد علمنا إمام زماننا المهدي (عجل الله فرجه) أن نطلبه من الله عزوجل بألحاح وإستمرارٍ كما ينبهنا لذلك تكرار الطلب بصورةٍ مجملةٍ في العبارة الأولى من الفقرة الدعائية المتقدمة، وبصورةٍ تفصيليةٍ في العبارة الثانية وهي قول الداعي: (حتى تتوفانا ونحن على ذلك لا شاكين ولا ناكثين ولا مرتابين ولا مكذبين). وأمامنا هنا أربعة أوصافٍ أو مظاهر لفقدان العقائد الحقة يطلب المؤمن من الله عزوجل أن يبعده عنه وعن إخوانه الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، فما معنى كل من هذه الأوصاف؟ معنى الشك واضحٌ وهو ما يقابل اليقين، فالمطلوب هنا أن نكون على يقين من صحة العقائد الإسلامية عند الوفاة. أما معنى (النكث) فهو نقض البيعة بعد إبرامها، والمقصود هو أن نطلب من الله عزوجل أن يتوفانا ونحن ملتزمون ببيعتنا لإمام زماننا (عليه السلام) غيرُ ناقضين لها، أو أن نكون ملتزمين بما عاهدنا الله عليه من العمل بما تستلزمه تلك العقائد الحقة. أما معنى (الإرتياب) فهو قريبٌ من الشك ولكن مع اقترانه بالإضطراب والحيرة، فالمطلوب من الله عزوجل أن يتوفانا ونحن على يقينٍ خالٍ من أي شكلٍ من أشكال الإضطراب الناتج من الشك. أما معنى (التكذيب) فواضح وهو إطارٌ يجمع المطالب الثلاثة السابقة مع إضافة أن نطلب من الله عزوجل تمام حسن العاقبة بتجديد التصديق بكل العقائد الحقة عند الوفاة بحيث نتطهر من جميع أشكال التكذيب له الظاهر أو الخفيُّ رزقنا الله وإياكم ذلك ببركة الصلاة على محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين إنه سميعٌ مجيب. وبهذا ينتهى اعزاءنا لقاء اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة) إستمعتم له مشكورين من إذاعة صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، طابت أوقاتكم ودمتم بكل خير. شرح فقرة: "ولا تسلبنا ذلك في حياتنا ولا عند وفاتنا،..." - 138 2013-07-06 10:54:09 2013-07-06 10:54:09 http://arabic.irib.ir/programs/item/9591 http://arabic.irib.ir/programs/item/9591 بسم الله والحمد لله الرؤوف الرحيم والصلاة والسلام على كنوز رحمته للعالمين محمد وآله الطيبين.السلام عليكم أعزائنا المستمعين، معكم في لقاءٍ آخر مع أدعية أهل بيت الرحمة (عليهم السلام) ومنها الدعاء الجليل الذي أمرنا بالإهتمام بتلاوته بعصر غيبة بقية الله المهدي المنتظر عجل الله فرجه وخاصة بعد صلاة العصر من أيام الجمعة وهو المعروف بدعاء عصر الغيبة أو دعاء المعرفة، وقد انتهينا إلى فقرةٍ يطلب فيها الداعي لنفسه ولسائر المؤمنين تقوية الإيمان بإمام العصر وطاعته والثبات على متابعته (عليه السلام) والإنضمام لحزبه وأعوانه وأنصاره الراضين بفعله ثم يقول الداعي: (اللهم ولا تسلبنا ذلك في حياتنا ولا عند وفاتنا حتى تتوفانا ونحن على ذلك لا شاكين ولا ناكثين ولامرتابين ولا مكذبين ... برحمتك يا أرحم الراحمين). يطلب الداعي في العبارة المتقدمة من الله عزوجل أن لا يسلبه قوة الإيمان بإمام العصر والثبات على ولايته والقوة في طاعته ونصرته ومعونته (أرواحنا فداه). ولا يخفى عليكم أن الله عزوجل لا يسلب أحداً من خلقه نعمة أنعم بها عليه إلا أن يفقد العبد القدرة على الإستفادة منها ويجحدها. فالله جلَّت نعمته هو الكريم المطلق الغني عن عباده والذي لا ينقص خزائنه ما يَهَبُهُ لخلقه من منحٍ ومواهب وعطايا، كما أنه ليس بحاجة لهذه العطايا لكي يسلبها منهم. وعليه فإن السبب الذي يُؤّدي إلى فقدان العبد للنعمة ناشيءٌ من العبد نفسه وليس من الله عزوجل، فما هو هذا السبب الذي يجعل العبد يفقد نعمة الإيمان بإمام زمانه والتمسُّك بولايته وطاعته؟ في الإجابة عن هذا السؤال نقول: إن المستفاد من مجموع النصوص الشريفة هو أن عدم العمل بما تقتضيه وتستلزمه أيُّ نعمة - وخصوصاً المعنوية والإيمانية منها - هو العامل الأساس لفقدانها، وهذا الحكم يصدق على قضية الإيمان بإمام العصر وطاعته وولايته (عجل الله فرجه)، فعدم العمل بمقتضيات هذا الإيمان هو العامل الأساس لفقدان هذه النعمة. من هنا يَتـَّضِحُ أن ما يطلبه المؤمن في العبارة المتقدمة هو في الواقع أن يعينه الله عزوجل على العمل بمستلزمات الإيمان بإمام العصر واجتناب كلِّ فعلٍ يتعارض مع الإيمان به (عليه السلام) لكي يبقى محافظاً عليه متنعماً بنعمة الولاء وبركاته طوال حياته. أيها الإخوة والأخوات، كان هذا المطلب الأول الذي يطلبه المؤمن من الله عزوجل في عبارة هذا اللقاء من برنامج ينابيع الرحمة أما المطلب الثاني فهو أن لا يسلبه الله عزوجل هذا الإيمان بإمام زمانه (عليه السلام) عند الوفاة أيضاً، فما المقصود بذلك؟ لا يخفى عليكم أيها الأعزاء أن في هذا المطلب إشارة إلى خطر العديلة أو العُدول عن العقائد الحقة عند الإحتضار، فقد أخبرتنا الأحاديث الشريفة أن الشيطانَ الرجيمَ يُنـَفـِّذ آخر محاولاته لحرف المؤمن عن الدين الحق عند الإحتضار وفي هذه المحاولة الأخيرة يبثُّ الشيطان وساوسه بإتجاه قلب المؤمن مستغـِّلاً صُعُوبات حالة الإحتضار والإنتقال من عالم الدنيا إلى عالم البرزخ، فيسعى إلى بعث سوء الظنِّ لدى الإنسان تجاه ربِّهِ الكريم ويُوسوس له بما مُؤَدَّاه أن هذا الإله الذي عبدته وأطعته وأطعت رسوله وخلفاءه بالحقِّ طوالَ عُمرك، هو ذا يحرمُكَ من الحياة ويُبعِدُكَ عن أهلِكَ وأحبائِكَ ودارِكَ لكي ينقلك إلى دارٍ موحشةٍ لم تعرفها ولا تأنس بها ومَصيرُكَ فيها مجهول. وبأمثال هذه الوساوس يسعى الشيطان إلى سلب الإيمان بالله ورسوله وأوليائه (عليهم السلام) من قلب الإنسان، فيرحَلُ عن هذه الدنيا وهو ساخطٌ على ربِّهِ مُعترضٌ على أمره جاحدٌ بعظيم نعمه وآلائه عليه. أعزائنا المستمعين، ورحمة بالعباد بينت لنا الأحاديث الشريفة عِدَّة من السُّبُلِ التي ينبغي للمؤمنين العمل بها لدفع أخطار الوساوس الشيطانية عند الإحتضار والرَّحيل عن هذه الدنيا بقلوبٍ مطمئنةٍ بالإيمان مفعمةٍ بالثقةِ وحسن الظنِّ بالله عزوجل، ومن أهم هذه السُّبُلِ الإستعانة بأولياء الله المعصومين (عليهم السلام) وهذا هو المشار إليه في نصوص زيارتهم المأثورة حيث يطلب المؤمن فيها منهم (عليهم السلام) أن يجعلوا إيمانه وخواتيم عمله ودائع وأمانات عندهم يحفظونها له عند حلول الأجل والوفاة. كما أن من هذه السُّبُلِ الطلب من الله عزوجل أن لا يسلبهم هذا الإيمان عند الوفاة، أي أن يعينهم عند الوفاة على أن يكون توجُّهُهُم إليه عزوجل وتعلقهم القلبي برحمته ولطفه، لكي لا يبقى لوساوس الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ تلك سبيلاً للنفوذ إلى نفوسهم؛ فينجوا بلطف الله وعونه منها ويرحلوا عن هذه الدنيا بإيمان راسخ يكون لهم نوراً يمشون فيه بطمأنينةٍ وسكينةٍ في عوالم البرزخ والقيامة؛ رزقنا الله وإياكم حسن العاقبة ببركة الصلاة على محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. وبهذا نكون أعزائنا مستمعي صوت الجمهورية الإسلامية في إيران قد وصلنا إلى نهاية حلقة اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة) تقبل الله منكم حسن الإصغاء والمتابعة ودمتم في رعايته سالمين. شرح فقرة: "واجعلنا من حزبه وأعوانه وانصاره، ..." - 137 2013-07-04 09:15:33 2013-07-04 09:15:33 http://arabic.irib.ir/programs/item/9590 http://arabic.irib.ir/programs/item/9590 بسم الله وله الحمد والمجد أرحم الراحمين والصلاة والسلام على رحمته العظمى للعالمين المصطفى الأمين وآله الطاهرين. السلام عليكم أعزاءنا المستمعين، أهلاً بكم في لقاء اليوم مع شرح دعاء المعرفة المهدوي المبارك الذي دعتنا الأحاديث الشريفة للمواظبة على تلاوته في عصر غيبة خاتم الأوصياء المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف). وقد إستنرنا في الحلقتين السابقتين بشطرٍ من الفقرة التالية من الدعاء ونستكمل اليوم الحديث عنها وفيها يطلب المؤمن لنفسه والمؤمنين الإيمان الصادق والعملي بأمام العصر (أرواحنا فداه) قائلاً: (اللهمّ وقوّ قلوبنا على الإيمان به، حتى تسلك بنا على يديه منهاج الهدى، والمحجة العظمى والطريقة الوسطى، وقوّنا على طاعته، وثبتنا على متابعته، وإجعلنا في حزبه وأعوانه، وأنصاره والراضين بفعله، ولا تسلبنا ذلك في حياتنا، ولاعند وفاتنا، حتى تتوفانا ونحن على ذلك، لا شاكين ولا ناكثين، ولا مرتابين ولا مكذبين، برحمتك يا أرحم الراحمين). مستمعينا الأكارم، نبدأ بالعبارة التي يطلب فيه المؤمن أن يجعله من حزب الإمام المهدي وأعوانه (عليه السلام) وأنصاره وكذلك الراضين بفعله، ونسأل أولاً ما معنى أن نكون من الحزب المهدوي وكيف يتحقق؟ لا يخفى عليكم أن التعبير بالحزب هنا مستلهم من التعبير القرآني الذي ينسب أهل الإيمان بأنهم حِزْبَ اللَّهِ وأنهم هُمُ الْمُفْلِحُونَ. من هنا يتضح أن المراد ليس المعنى السياسي المألوف للحزب بل المعنى اللغوي وعلى وفق المصطلح القرآني، والمراد في الدعاء هو جماعة المؤمنين المتعبدين لله عزوجل بالتمسك بولاية وليه وخاتم أوصياء نبيه (صلى الله عليه وآله) إمام العصر (عجل الله فرجه) وعليه تتضح الإجابة عن الشطر الثاني من السؤال المتقدم، وهي أن الإنضمام الى حزب الإمام المهدي (أرواحنا فداه) تتحقق بالتعبد الى الله عزوجل بالعمل بما يصل للمؤمن من وصايا وأوامر ونواهي إمام زمانه (عليه السلام) وبذلك تتحقق له النجاة من ميتة الجاهلية ويكون من المفلحين والفائزين برضا الله عزوجل رزقنا الله وإياكم ذلك. أيها الأخوة والأخوات، نلاحظ أن الداعي يطلب من ربه عزوجل أن يكون من أعوان الإمام المهدي ومن أنصاره (عليه السلام) أيضاً، فما الفرق بين المعين والنصير؟ في الإجابة عن هذا السؤال نقول: أن المستفاد مما ذكرته كتب اللغة والبلاغة أن المطلوب من المؤمن في واجب الإعانة بالدرجة الأولى هو تقديم العون في تحقيق ما يريده إمام زمانه في زمان غيبته وظهوره (عجل الله فرجه)، سواءٌ إرتبط ذلك بالمؤمن نفسه من الإجتهاد في التحلي بما يرضاه الإمام له كالتحلي بالتقوى نظير ما ورد في قول سيد البلغاء أمير المؤمنين (عليه السلام) فبعد أن ذكر تقشفه الشديد بحكم كونه خليفة للمسلمين وعليه مواساة أضعفهم وأفقرهم، قال: (الا إنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوننا بورعٍ وإجتهادٍ وعفة وسداد). أو إرتبط الأمر بالأخرين مثل إعانة إمام العصر (أرواحنا فداه) في تحقيق سائر أهدافه المقدسة كهداية الخلق الى الحق والصِّرَاطَ المُستَقِيمَ والتواصي بالحق والصبر و قضاء حوائج الناس و نظائر ذلك. كان ما تقدم هو فيما يرتبط بأن نكون من أعوان إمام زماننا (أرواحنا فداه) أن المراد من أن نكون أنصاره، فالمطلوب فيه بالدرجة الأولى أن نؤازره في مواجهة أعدائه وتحقيق أهدافه الجهادية الإلهية سواءٌ في عصر غيبته أو بعد ظهوره (عجل الله فرجه)، وبالطبع بما يتناسب مع اوضاع وخصوصيات كلا العصرين. اعزاءنا المستمعين، أما بالنسبة لطلب المؤمن لنفسه وللمؤمنين بأن نكون من الراضين بفعل إمام زماننا المعصوم (عليه السلام)، ففيه إشارة الى طلب التحلي بالمرتبة السامية من درجات الأئتمام بالإمام المعصوم، أي التسليم لأمره والرضا بفعله. وهذا الأمر هو المظهر العملي للإعتقاد العقلي بكون الإمام المعصوم لا يفعل شيئاً إلا بأمر الله وبأذنه وبرضاه - عزوجل-، وعليه يكون الرضا بفعله (عليه السلام) علامة صدق الإيمان بكونه خليفة لله عزوجل، وإلا فالايمان لم يكتمل بعد في قلب المؤمن، كما يشير لذلك قوله عزوجل في الآية (65) من سورة النساء: «فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا». وقوله عزوجل في الآية 83 من السورة نفسها: «... وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً». وكما تلاحظون، اعزاء المستمعين، ففي الآية الثانية إشارة الى شمولية حكم التسليم المذكور في الآية الأولى لأوصياء رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومنهم سليله المهدي (أرواحنا فداه). وبهذا ينتهي أعزاءنا مستمعي صوت الجمهورية الاسلامية في ايران لقاءٌ آخر من برنامج (ينابيع الرحمة) شكراً لكم ودمتم في رعاية الله. شرح فقرة: "وقونا على طاعته وثبِّتنا على متابعته، ..." - 136 2013-07-03 10:45:48 2013-07-03 10:45:48 http://arabic.irib.ir/programs/item/9589 http://arabic.irib.ir/programs/item/9589 بسم الله وله خالص الحمد والثناء أن جعلنا من أهل المودة والأولياء لصفوته الرحماء محمد وآله الأوصياء عليهم صلواته المتواترات آنَاء اللَّيْلِ و أَطْرَافَ النَّهَارِ، السلام عليكم مستمعينا الأعزاء أهلاً بكم في حلقة أخرى من هذا البرنامج لنا فيها وقفة تأملية في عبارةٍ أخرى من دعاء المعرفة الجليل المندوب للإلتزام بتلاوته في عصر غيبة المهدي المنتظر (أرواحنا فداه) وخاصة في عصر الجمعات والعبارة التي وصلنا إليها هي من فقرة يطلب فيها المؤمن لنفسه ولسائر الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ صدق الإيمان العملي الصادق بخاتم الأوصياء بقية الله المنتظر (عجل الله فرجه) قائلاً: (اللهم … وقوّ قلوبنا على الإيمان به حتى تسلك بنا على يديه منهاج الهدى والمحجة العظمى والطريقة الوسطى، وقوّنا على طاعته وثبِّتنا على متابعته واجعلنا في حزبه وأعوانه وأنصاره والراضين بفعله، ولا تسلبنا ذلك في حياتنا ولا عند مماتنا حتى تتوفانا ونحن على ذلك، لا شاكين ولا ناكثين ولا مرتابين ولا مكذبين … يا أرحم الراحمين). إستنرنا في الحلقة السابقة بالعبارة الأولى من الفقرة المتقدمة وعلمنا أن المطلوب فيها هو تقوية إيماننا القلبي بأمام العصر (أرواحنا فداه) في غيبته والى درجةٍ تجعلنا نرتبط وجدانياً به (عليه السلام) لكي يعيننا من حيث نشعرُ أو لا نشعرُ على العمل بالدين الإلهي الحق المتميز بكونه منهاج الهدى أي طريق الهداية الواضح الذي يسير فيه الإنسان بثقةٍ وطمأنينةٍ، وكذلك المتميز بكونه (المُحجَّة العظمى) أي أفضل الطرق الموصلة الى مقصد الإنسان وغايته في الفوز برضا الله وقربه عزوجل، وكذلك المتميز بكونه (الطريقة الوسطى) التي تمثل حَدََّ الإعتدال والتوازن المنزه عن جميع أشكال الإفراط والتفريط، أما في العبارة التالية فإننا نطلب من الله عزوجل تقويتنا على طاعة إمام زماننا والثبات على متابعته، فما هو المقصود من ذلك وما هو الفرق بين الطاعة والمتابعة؟ التقوية على الطاعة تعني - أيها الأحبة- طلب العون والقوة من الله عزوجل على طاعة بقيته إمام العصر (أرواحنا فداه) في جميع ما نضعُفُ عن العمل به من أوامره ونواهيه )عليه السلام( وهي في الواقع أوامر ونواهي الله عزوجل ورسوله الأكرم )صلى الله عليه وآله(. فمثلاً قد يصعُبُ علينا ضبط اللسان في دائرة الأحكام الشرعية واجتناب الغيبة أو اللغو أو غير ذلك مما لا يرضاه الله ورسوله وخليفته المهدي، وتفشل محاولاتنا ومساعينا الذاتية لطاعة إمامنا في اجتناب ذلك، وهنا نطلب من الله عزوجل أن يقوينا على ذلك والله عزوجل سميع مجيب رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ. وهكذا الأمر بالنسبة لسائر الطاعات التي أمرالله ورسوله وخليفته المهدي المؤمنين بها، هذا بالنسبة لمعنى طلب التقوية على طاعة إمام العصر (أرواحنا فداه) فما معنى الثبات على متابعته (سلام الله عليه)؟ الإجابة تأتيكم اعزاءنا بعد قليل فكونوا معنا. يستفاد من مراجعة كتب اللغة والتفسير أنّ المتابعة لشخص تعني اقتفاء أثره والإلتحاق به، وهي مرتـَّبة من الملازمة والمَعيَّةِ له بما هو أعمُّ من طاعته فتشمل معنى التأسي به ومواساته والكينونة المادية معه. والثبات على متابعة إمام العصرفي غيبته (عجل الله فرجه) يعني الإستمرار في اقتفاء أثره، والكينونة المعنوية والقلبية معه، ومواساته والتأسي به في صبره، والتخلق بأخلاقه وسائر ما يستفاد منه معنى الإلتحاق به واتباعه. وعليه يَتـَّضِحُ الفرق بين الطاعة و المتابعة، فالطاعة تعني العمل بأوامره ونواهيه (عليه السلام) أما المتابعة فهي تشمل ما هو أسمى وأشمل من ذلك من التأسيِّ به واقتفاء خطاهُ والتخلق بأخلاقه ومواساته، ولذلك نلاحظ أن القرآن الكريم جعل الجنة والثواب ثمرة لطاعة أوليائه أما ثمرة اتباعهم فهي أسمى من النجاة من النار و الفوز بالجنة، إنها الفوز بحب الله عزوجل لمُتـَّبعي أوليائه، قال عزّ من قائل في الآية 31 من سورة آل عمران: مخاطباً رسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله): «قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ». من هنا مستمعينا الأكارم جاءت العبارة التالية من الدعاء لتعلم المؤمنين أن يطلبوا من الله عزوجل المصاديق العملية لصدق الثبات على متابعة إمام العصر (أرواحنا فداه) فيدعونه جل جلاله قائلين: (واجعلنا في حزبه وأعوانه وأنصاره والراضين بفعله). في هذه العبارة من الدعاء نطلب في الواقع من الله عزوجل أربعة أمورٍ يتحقق فيها معنى المتابعة لإمامنا المهدي (عجل الله فرجه). الأولى: أن نكون من حزبه أي من الجماعة المؤمنة المجتمعة معه (عليه السلام) على هدف محوري هو تحقيق إرادة الله عزوجل في عباده وأرضه. والثانية: أن نكون من أعوانه أي المؤازرين له والباذلين جهدهم في تحقيق الهدف المحوري المذكور. والصفة الثالثة: أن نكون من أنصاره في مواجهة الصادين عن تحقيق أهدافه الإلهية السامية. أما الصفة الرابعة: فهي أن نكون من الراضين بفعله (عليه السلام) أي المسلِّمين لأمره فيما نحبُّ أو نكره إيماناً وثقة بأنه لا يفعل إلا ما يرضي الله وما يُعبِّرُ عن إرادة الله عزوجل. والى هنا نصل بكم مستمعينا الأفاضل الى ختام حلقة أخرى من برنامج (ينابيع الرحمة) من إذاعة طهران، صوت الجمهورية الاسلامية في ايران تقبلوا منا خالص التحيات ودمتم في رعاية الله. شرح فقرة: "وقوِّ قلوبنا على الإيمان به،..." - 135 2013-07-02 08:43:21 2013-07-02 08:43:21 http://arabic.irib.ir/programs/item/9588 http://arabic.irib.ir/programs/item/9588 السلام عليكم مستمعينا الأفاضل ورحمة الله، تقبل الله أعمالكم وأهلاً بكم في لقاء آخر من هذا البرنامج نتابع فيه الإستنارة بفقرات دعاء المعرفة الجليل الذي أمرنا مولانا إمام العصر (عجل الله فرجه) بتلاوته في عصر الغيبة إذ أنه من بركات التوفيق للثبات على الدين الحق. وقد انتهينا إلى فقرة يطلب فيها المؤمن من ربه الجليل تبارك وتعالى صدق الإيمان بالإمام المهدي (أرواحنا فداه) ويقول: (اللهم ... وقوِّ قلوبنا على الإيمان به حتى تسلك بنا على يديه منهاج الهدى والمحجَّة العظمى والطريقة الوسطى، وقوِّنا على طاعته وثبِّتنا على متابعته واجعلنا في حزبه وأعوانه وأنصاره والراضين بفعله ولا تسلبنا ذلك في حياتنا ولا عند وفاتنا، حتى تتوفانا ونحن على ذلك لا شاكين ولا ناكثين ولا مرتابين ولا مكذبين ... يا أرحم الراحمين) . في هذه الفقرة يطلب المؤمن لنفسه وإخوانه وأخواته من الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ تقوية القلوب على الإيمان بالإمام المنتظر في غيبته (عجل الله فرجه) ومعنى تقوية القلوب هو جعلها مستعدة لتحمل الإيمان بإمام لا نراه ولا يتيسَّرُ لكل أحدٍ الإلتقاء به بسبب أوضاع عصر غيبته، فالإنسان يتأثر ويتفاعل عادة مع ظاهر الحياة الدنيا والأمور الملموسة المحسوسة، ولذلك كان الإيمان بالإمام الظاهر أيسر من الإيمان بالإمام الغائب وإن أدرك نظرياً وجوده وقيامه (عليه السلام) بمهام الإمامة في غيبته. من هنا جعل القرآن الكريم ألأيمان بالغيب من أهمّ صفات المتقين الذين تكون عاقبتهم الفوز والفلاح، كما تـُصَرِّحُ بذلك الآيات الأولى من سورة البقرة، فهؤلاء قد طهَّروا قلوبهم من حُجُبِ الأسر بقيود الماديات وتأهَّلوا بذلك للإيمان القلبي الصادق بالغيب فصار عندهم الغيب كالشهادة المحسوسة، وانتقل الإيمان العقلي بالغيب إلى القلب فظهرت آثاره على سلوكياتهم إذ جاءت أعمالهم على وفق إيمانهم بالغيب وهذه من مراتب التقوى السّامية. لاحظوا المقطع التالي من حديث لمولانا الإمام زين العابدين (عليه السلام) رواه الشيخ الصدوق في كتابه "كمال الدين" بأكثر من سند وفيه يتحدث الإمام في غيبة خاتم الأوصياء المهدي الموعود (عجل الله فرجه) ثم يقول: (إن أهل زمان غيبته القائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره أفضل من أهل كل زمان، لأن الله تبارك وتعالى أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالسيف، أولئك المخلصون حقاً وشيعتنا صدقاً والدُّعاة إلى دين الله عزوجل سرّاً وجهراً). أعزائنا المستمعين في تتمة الفقرة المتقدمة من الدعاء يُنبِّهنا إمام العصر (أرواحنا فداه) إلى العلامات العملية لتحقق قوة الإيمان القلبي بإمامته في غيبته، وذلك في عبارة: (حتى تسلك بنا على يديه (عليه السلام) منهاج الهدى والمحجّة العظمى والطريقة الوسطى) والمعنى أن الإيمان القلبي بالإمام المهدي في غيبته يكون من القوة بحيث يوفر للمؤمن الإرتباط الراسخ بإمام زمانه (أرواحنا فداه) فيأخذ الإمام بيده مُعيناً له على سلوك الدين الحق؛ سواءٌ شعر المؤمن بالعون المهدوي له أو لم يشعر. وقد وصف الدعاء الشريف الدين الإلهي الحق بثلاثة أوصاف في هذه العبارة هي كونه: (منهاج الهدى والمحجة العظمى والطريقة الوسطى)، فما هو المقصود بهذه الأوصاف؟ المنهاج في اللغة هو السبيل الواضح البين الذي لا لبس فيه، وهو مأخوذ من (نهج الشيء) أي وضح وأستبان وهذا المعنى هو المستخدم قرآنياً في قوله تعالى: «لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا» (سورة المائدة، الآية 48)، وعليه يتضح أن العلامة الأولى لقوة الإيمان القلبي بإمام العصر (عجل الله فرجه) هو السَّيرُ في طريق الهدى الواضح - أي الدين الحق - بحالة من يسير بإستقامةٍ وثباتٍ في طريقٍ واضحٍ وبيِّنٍ من دون تردُّد. وقد سُئِلَ أحد أهل المعرفة عن علامة الدين الحقِّ وكيف يعرف المؤمن أن ما يقوم به هو سَيرٌ على الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ فأجاب بما مؤدَّاه أن العلامة هو أن يكون حالك عند العمل كحال من يسير على جادّةٍ مُعَبَّدةٍ بثقةٍ وطمأنينةٍ لأنَّ من يتبعُ الخواطِرَ الشيطانية لا يُمكِنُ أن يكون سَيرُهُ بثقةٍ وطمأنينةٍ. مستمعينا الأفاضل، أما المُحجَّة العظمى، فمعنى المُحجَّة في اللغة هو أيضاً الطريق ولكن في المنهاج كان الملحوظ هو الطريق الواضح في حين أن الملحوظ في المُحجَّة هو القصد والغاية، أي أن المعنى هو الطريق الذي يسلكه الإنسان للوصول إلى غاية يطلبها من حج لشيءٍ إذا قصده؛ وعليه فإن المطلوب في هذه الفقرة من الدعاء هو الإستعانة بإمام العصر (أرواحنا فداه) لسلوك المحجة العظمى أي الطريق الرئيسي الموصل لغاية المؤمن ومقصده وهو رضا الله عزوجل وقربه. وتبقى الصفة الثالثة للدين الحق المذكورة في هذه العبارة من الدعاء المهدوي وهي كونه (الطريقة الوسطى) ومعناها واضحٌ يشير إلى الصراط المستقيم الخالي من الإفراط والتفريط، فيكون عمل المؤمن على جادة الإعتدال والتوازن المحمود بعيداً عن تجاوز الحد ِّإلى الإفراط والتفريط كالعجلة المذمومة أو التواني المذموم أيضاً. وبهذا نصل مستمعينا الأكارم إلى نهاية حلقة أخرى من برنامج ينابيع الرحمة إستمعتم لها من صوت الجمهورية الإسلامية في إيران تقبل الله منكم حسن الإصغاء ودمتم بكل خير. شرح فقرة: "وقوِّ قلوبنا على الإيمان به،..." - 134 2013-07-01 08:44:18 2013-07-01 08:44:18 http://arabic.irib.ir/programs/item/9587 http://arabic.irib.ir/programs/item/9587 بسم الله وله الحمد والمجد القوي الحكيم، وأزكى صلواته على أعلام صراطه المستقيم المصطفى الأمين وآله الطاهرين. السلام عليكم اعزائنا المستمعين نستنيرُ معكم في هذه الدقائق بفقرة أخرى من دعاء المعرفة الجليل الذي أوصانا مولانا إمام العصر (أرواحنا فداه) بالالتزام بتلاوته في عصر غيبته (عجل الله فرجه) للفوز بالثبات والاستقامة على الدين الإلهي الحق. وقد كانت لنا في الحلقات السابقة وقفاتُ استهداء بهذا الدعاء المبارك والفقرة التي وصلنا إليها هي التي يطلب فيها المؤمن من الله عزوجل تقوية إيمانه بإمام زمانه الغائب قائلاً: (اللهم وَفـِّق قلوبنا على الإيمان به حتى تسلك بنا على يديه منهاج الهدى والمحجَّة العظمى والطريقة الوسطى وقوِّنا على طاعته، وثبِّتنا على متابعته وإجعلنا في حزبه وأعوانه وأنصاره والرّاضين بفعله ولا تسلبنا ذلك في حياتنا ولا عند وفاتنا حتى تتوفانا ونحن على ذلك لا شاكين ولا ناكثين ولا مرتابين ولا مكذبين). تأتي الفقرة المتقدمة بعد فقرةٍ طلب فيها المؤمن من الله عزوجل أن يقيه من أن يؤثر عليه طول غيبة إمام العصر المهدي وإنقطاع أخباره، فيُزَعْزِعُ يقينه بحتميه ظهوره (عجل الله فرجه)، ويؤثر على صدق انتظاره للظهور المهدوي المبارك وفي هذه الفقرة يعلمنا إمام زماننا (سلام الله عليه) أن نطلب من الله عزوجل ما به تتحقق الاستقامة والثبات على الدين الحقّ في عصر الغيبة. وتحقق ذلك إنما يكون بقوة الإيمان القلبي بالإمام المنجي من ميتة الجاهلية وكذلك بالعمل بمقتضيات هذا الإيمان وما يدعو له. يقول الداعي لنفسه ولإخوانه وأخواته الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ: (وقوِّ قلوبنا على الإيمان به). وهنا نسأل: لماذا نطلب من الله عزوجل أن يُقوِّي قلوبنا على الإيمان بإمام العصر (أرواحنا فداه)؟ وما هي الحكمة من استخدام تعبير تقوية القلوب على الإيمان وليس تقوية الإيمان في القلوب مثلاً؟ الإجابة تأتيكم أعزائنا بعد قليل فكونوا معنا. مستمعينا الأكارم، في الإجابة عن السؤال المتقدم نقول: إن الإيمان بأي شيء قد يكون عقلياً فقط، أي يمتلك فيه الإنسان البراهين العقلية على حقيقةٍ معينـَّةٍ ولكنّ هذا الإيمان لم يستقرَّ فيه ولم يدخل قلبه حسب التعبير القرآني، ومثل هذا الإنسان إذا آمن عقلياً بالإسلام لا يُسمَّى مؤمناً حسب الاصطلاح القرآني بل يُسَمّى مسلماً. أما إذا دخل الإيمان قلبه أي إذا استقرَّ فيه واطمأنَّ به صار مؤمناً مُؤهَّلاً للطاعة الصادقة، لا حظوا أعزائنا قول الله عزوجل في الآية 14 من سورة الحجرات: «قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ». إذن ف الإيمان العقلي النظري ينبغي أن يكون مقدمة للإيمان القلبي لكي يصبح الإنسان مستعدّاً للطاعة والعمل بمقتضيات هذا الإيمان. ويبقي أعزائنا السؤال الثاني وهو: لماذا قال الدعاء: (وقوِّ قلوبنا على الإيمان به) ولم يقل مثلاً: وقوِّ الإيمان بإمام العصر (عليه السلام) في قلوبنا؟ الذي يبدو لنا في الإجابة عن هذا السؤال: هو أنّ الحكمة في استخدام هذا التعبير اللطيف الإشارة إلى ما نطلبه من الله عزوجل أكثر من تقوية الإيمان القلبي بإمام العصر (عليه السلام)، فهو يشمل إضافة لذلك تقوية القلوب لحمل تفصيلات هذا الإيمان ومراتبه ودرجاته المكنونة، أي أننا نطلب تقوية قلوبنا لكي تكون قادرة على الإيمان بما لا تتحمَّلهُ القلوب الضعيفة من مقامات الإمام المعصوم (سلام الله عليه) وعلى هذا التفسير يكون المطلوب ضمنياً في هذا الدعاء هو الفوز بمراتب ودرجاتٍ أسمى من معرفة إمام العصر (عجل الله فرجه الشريف). وبذلك يكون المعنى هو طلب تقوية القلوب على حمل الدرجاتِ الساميةِ من هذا الإيمان المبارك. وثمة تفسيرٌ آخر وإجابة ثانية عن السؤال المتقدم تأتيكم بعد قليل. أيها الأخوة والأخوات، والمعنى الثاني المطلوب في قول الداعي: (وقوِّ قلوبنا على الإيمان به) هو طلب المعونة من الله عزوجل على العمل بمقتضيات الإيمان بإمام العصر الغائب (أرواحنا فداه). وعلى هذا التفسير يكون المراد من استخدام تعبير (على الإيمان به) هو طلب تقوية القلوب على العمل بما يستلزمه الإيمان بالإمام الغائب (عليه السلام) من اتباع منهجه وطاعته والتقرُّب إلى الله عزوجل بأداء حقوقه والبراءة من أعدائه وغير ذلك؛ من مستلزمات الإيمان بالإمامة الإلهية الحقة. ويبقى أن نشير هنا إلى عدم التعارض بين التفسيرين المتقدمين، فلا مانع من أن يكون مطلوبنا ونحن ندعو الله عزوجل بهذه العبارة، كلا الأمرين. أي أن يكون مرادنا هو أن يتفضَّل الله عزوجل علينا بتقوية قلوبنا على تحمُّل درجاتٍ ومراتب أسمى من معرفة الإمام ومقاماته (عليه السلام) إذ إنّ بعض هذه المقامات لا يحتمَّلها إلا من امتحن الله قلبه للإيمان كما صرحت بذلك عِدَّة من الأحاديث الشريفة. كذلك يكون مطلوبنا أيضاً أن يَمُنَّ اللهُ جلَّ جلاله علينا بتقوية قلوبنا للعمل بمقتضيات إيماننا ومعرفتنا بخاتم الأوصياء إمام زماننا المهدي المنتظر (عجل الله فرجه). وبهذه الإشارة نختم لقاء اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة) قدمناه لكم أعزائنا من إذاعة طهران، صوت الجمهورية الإسلامية في إيران، تقبل الله منكم جميل الإصغاء ودمتم في رعايته سالمين. شرح فقرة: "لا يقنطنا طول غيبته من ظهوره،..." - 133 2013-06-30 08:41:06 2013-06-30 08:41:06 http://arabic.irib.ir/programs/item/9586 http://arabic.irib.ir/programs/item/9586 بسم الله وله الحمد على جميل رحمته وعظيم إحسانه، والصلاة والسلام على معادن حكمته وكنوز رحمته المصطفى البشير وآله أهل آية التطهير. السلام عليكم مستمعينا الأفاضل، معكم في لقاءٍ آخر نستنيرُ فيه بأنوار أدعية أهل بيت النبوة (عليهم السلام) ومنها الدعاء الجليل الموسوم بدعاء المعرفة المندوب لتلاوته في عصر غيبة خاتم الأوصياء الحجة المهدي (أرواحنا فداه). نفتتح اللقاء أحباءنا بقراءة الفقرة التي وصلنا إليها من هذا الدعاء المبارك والتي يقول فيها المؤمن بأن دعا الله بحفظ وإعانة إمام العصر المهدي عجل الله فرجه: (اللهم ولا تسلبنا اليقين لطول الأمد في غيبته وإنقطاع خبره عنا، ولا تنسنا ذكره وإنتظاره والإيمان به وقوة اليقين في ظهوره والدعاء له والصلاة عليه حتى لايُقـَنِّطَـَنا طول غيبته من ظهوره وقيامه ويكون يقيننا في ذلك كيقيننا في قيام رسول الله صلى الله عليه وآله وما جاء به من وحيك وتنزيلك). عرفنا في الحلقة السابقة مستمعينا الأكارم أن هذه الفقرة تشتمل على تنبيه مؤمني عصر الغيبة الى العوامل التي تعينهم على حفظ دينهم والاستقامة على الإيمان الصادق في ظل صعوبات طول عصر الغيبة وعدم تيسر الإتصال المباشر والمستمر بأمام زمانهم بقية الله المنتظر (عليه السلام). ومن أهم هذه العوامل الوارد ذكرها في هذه الفقرة تجسيد المقتضيات العملية للإيمان به (عليه السلام) من إدامة ذكره والإستعداد المستمر للتحلّي بصفات أنصاره الحقيقيين لنكون بذلك من المنتظرين الصادقين في إنتظارهم لظهور إمامهم في كل حين، كما هو حال من ينتظر ضيفاً عزيزاً عليه، فمن الواضح أنه لن يكون صادقاً في إنتظاره ما لم يستعدَّ لضيافته ويُهيِّأ أسباب الضيافة مما يُحبُّهُ من طعام مثلاً وغيره. وما يُحبُّهُ إمام العصر (أرواحنا فداه) هو أن يكون المؤمنون مجتهدون في السعي للتحلّي بصفات جند الله الصادقين والقادرين على مؤازرته في مُهمَّته الإصلاحية الكبرى عند ظهوره (عجل الله فرجه). أيها الإخوة والأخوات، ومن العوامل الأخرى لحفظ الإيمان في عصر الغيبة هي الواردة في قول الداعي في الفقرة المتقدمة: (والدعاء له والصلاة عليه)، فما هو المقصود من الدعاء له (عليه السلام) وما الفرق بينه وبين الصلاة عليه؟ معنى الدعاء واضح و الإطلاق في العبارة المتقدمة يفهم منه الدعاء للإمام (عليه السلام) بكل خير دون تحديد مثل الدعاء له بتعجيل فرجه وحفظه من شرور الأعداء وجميع أشكال الأذى وغير ذلك. أما الصلاة عليه (صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه الطاهرين)، فهي أيضاً من مصاديق الدعاء له، وقد ورد في الدعاء تخصيصها بالذكر لأهميتها ولتنبيه المؤمنين على الاهتمام بها أكثر. ولعلَّ السرَّ في ذلك يكمُنُ في أمرين، الأول لعظيم البركات التي يشتمل عليها ذكر الصلاة عليه وعظمة أجرها كما هو المستفاد من النصوص الشريفة. هذا أولاً وثانياً لأن الصلاة عليه تستتبع صلاة الإمام نفسه على المؤمن الذي يصلي عليه، فالإمام المهدي (أرواحنا فداه) متخلـِّقٌ بخلق جدّهِ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد روي عن الصادق الأمين أنه (صلى الله عليه وآله) قال: (من صلى علي مرة صليت عليه عشراً). فلا ريب في أن الإمام (أرواحنا فداه) يُصلّي عشر مرات على من يُصلّي عليه مرة، ومن المعلوم من النصوص القرآنية أن صلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) على المُصلِّين عليه فيها سكنٌ لنفوسهم، ومن أظهر مصاديق هذا (السكن) هوا الإيمان في قلوبهم وسكونها وطمأنينتها ثقة بالله عزوجل، وهذا الأثر يتحقق أيضاً في صلاة إمام العصر (أرواحنا فداه) على المصلين عليه فتكون ثمرة الصلاة عليه تقوية الإيمان والاستقامة على الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمَ في قلوب ونفوس المصلين عليه صلوات الله وتحياته وعلى آبائه الطاهرين. مستمعينا الأعزاء، إذا التزم المؤمن بالعوامل المذكورة في الفقرة المتقدمة من دعاء المعرفة المهدوية فإنّه يَصيرُ بفضل الله عزوجل في حصنٍ آمنٍ من وساوس الشيطان وفتن عصر الغيبة وطولها التي تبعث في الغافلين اليأس والقنوط من ظهور المنتظر الغائب (عجل الله فرجه) كما تشير لذلك العبارة التالية من الفقرة المتقدمة حيث يقول الداعي: (حتي لايُقـَنِّطَـَنا طول غيبته من ظهوره وقيامه، ويكون يقيننا في ذلك كيقيننا في قيام رسول الله )صلى الله عليه وآله) وما جاء به من وحيك وتنزيلك). القنوط في اللغة هو مستمعينا الأكارم اليأس الشديد، والمراد أنّ الداعي هنا يطلب من الله عزوجل العون في حفظ إيمانه واستقامته على الاعتقاد الحق بإمام العصر (عجل الله فرجه) بحيث لا يستطيع الشيطان أن يُقـَنِّطَـَهُ من ظهور وقيام الإمام المهدي بمهمة الإصلاح الكبرى بسبب طول الغيبة. وما يطلبه المؤمن هنا هو أن يكون يقينه بحتمية الظهور المهدوي بمستوى يقينه بالبعثة المحمدية المباركة وما جاء به النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) من وحي الله وتنزيله، وهذا ما لا يشك فيه مسلمٌ كذلك ينبغي أن يكون اعتقاد المؤمن بحتمية الظهور المهدوي وإقامة دولة العدل الإلهي. نقطة أخيرة ينبغي أن نشير إليها هنا وهي المتعلقة بتمييز الدعاء وهو كلام معصوم بين وحي الله وتنزيله حيث قال: (وما جاء به من وحيك وتنزيلك) فما الفرق بينهما؟ في الإجابة عن هذا السؤال نقول: أن التنزيل هو القرآن الكريم و الوحي هو ما يشمل القرآن وغيره من الأوامر الإلهية التي كان ينزل بها جبرئيل الأمين (عليه السلام) على حبيبنا المصطفى (صلى الله عليه وآله). وذكرهما معاً تنبيهٌ للمؤمنين في لزوم الأخذ بكل ما جاء به رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يُوحى والتعبُّد لله عزوجل بذلك. وبهذه الإشارة نختم لقاء اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة) إستمعتم له من إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، تقبل الله منكم أعزائنا حسن الإصغاء ودمتم في رعايته سالمين. شرح فقرة: "ولاتنسنا ذكره و إنتظاره و الإيمان به،..." - 132 2013-06-26 11:43:01 2013-06-26 11:43:01 http://arabic.irib.ir/programs/item/9585 http://arabic.irib.ir/programs/item/9585 بسم الله والحمد لله مجيب الدعوات ومبدءِ الرحمات ومنه خالص الصلوات والتحيات على خلفائه الهداة وأمنائه السادات محمد المختار وآله الأطهار. السلام عليكم أعزاءنا ورحمة الله، تحية مباركة ندعوكم بها لمتابعة لقاء اليوم من برنامجكم هذا حيث نتابع الاستهداء بأدعية أهل بيت الرحمة المحمدية (عليهم السلام) ومنها دعاء المعرفة المبارك الذي أمرنا إمام زماننا المهديُّ (أرواحنا فداه) بالاهتمام بتلاوته في عصر الغيبة للثبات على الدين الحق وحفظ الاستقامة على صراطه المستقيم. لنا وقفة في هذا اللقاء مع الفقرة التالية منه و فيها يطلب المؤمن النجاة من فتن عصر غيبة مولانا إمام العصر (عجل الله فرجه) قائلاً: (اللهم ولاتسلبنا اليقين لطول الأمد في غيبته وإنقطاع خبره عنا، ولاتنسنا ذكره وإنتظاره والإيمان به وقوَّة اليقين في ظهوره والدعاء والصلاة عليه حتى لايُقـَنِّطَـَنا طول غيبته من ظهوره وقيامه، ويكون يقيننا في ذلك كيقيننا في قيام رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما جاء به من وحيك وتنزيلك). أوَّل ما يطلبه المؤمن في هذه الفقرة من الله جلَّ جلاله هو أن لايسمح لطول غيبة إمام زمانه المهدي المنتظر وانقطاع مستجدات أخباره بأن تضعف يقينه به (عليه السلام) وتثير في نفسه الشبهات والشكوك التي تذهب باليقين الإيماني الراسخ، هذا ماتحدثنا عنه مفصلاً في الحلقة السابقة من البرنامج ضمن التدبّر في العبارة الأولى من فقرة الدعاء المتقدمة وفي العبارات اللاحقة منها يطلب المؤمن أن يوفقه ربُه الكريم للعوامل الأساسية التي تحفظ هذا اليقين الإيماني بوجود الإمام الغائب: وهذا الطلب جاء بصيغة أن يقية الله عزوجل من فقدان هذه العوامل التي لو لم يحفظها الإنسان زال يقينه الإيماني بأمام زمانه. وأول هذه العوامل هو دوام ذكره (عليه السلام) حيث يقول الداعي: (ولاتنسنا ذكره). وهنا نسأل ما هو المراد من ذكر الإمام المهدي وما هي مصاديقه؟ وما هي مظاهر نسيانه (عليه السلام)؟ مستمعينا الأكارم، في الإجابة عن السؤال المتقدم نقول: إن مصاديق ذكر الإمام (عليه السلام) كثيرة منها الاهتمام بقراءة ماحدَّثنا عنه أهل بيت النبوة (عليه السلام) من أمر غيبته وعللها وظهوره وصفاته وما يحقـِّقه الله عزوجل على يديه (عجل الله فرجه). ومنها الاهتمام بقراءة وحفظ وصاياه (عليه السلام) التي نقلتها المصادر الحديثية المعتبرة فيما يعرف بالتوقيعات والرسائل التي كان يجيب بها عن أسئلة المؤمنين، ومنها الاهتمام بقراءة أخباره ودلائل إمامته التي روتها المصادر المعتبرة وعموم ما صَنـَّفـَهُ العلماء الأعلام من كتب عنه (عليه السلام) وما رووه من روايات الذين تشرفوا برؤيته في عصر الغيبة الصغرى وعصر الغيبة الكبرى الى عصرنا الحاضر كما ورد في المصادر المعتبرة وما تناقله العلماء الثقاة والصلحاء والأبرار منها. والثمرة الكبرى من كل ذلك والتي تتحقق بها حقيقة ذكره (سلام الله عليه) هو أن يحرص المؤمن على ابتغاء رضا إمام زمانه (عليه السلام) لأنَّ فيه رضا الله عزوجل، ويكون ذلك بأن يُراقِبُ نفسه وأعماله فيُسائل نفسه بأستمرار هل أنَّ في هذا العمل أو ذاك رضا الإمام وطاعته (عليه السلام) أم سخطه الذي فيه سخط الله عزوجل؟ فيقبل على ما فيه طاعة الله ورسوله وإمامه ويَجتنِبُ ما فيه سَخَطَهُ، مستعيناً في كل ذلك بما ورد في وصاياه (عليه السلام) وأخباره، ومما تقدم نعرف أيضاً مظاهر نسيان ذكر مولانا المهدي (عجل الله فرجه)، فهي تشتمل على جميع مصاديق الغفلة عن الأمور المتقدمة وغيرها من مصاديق ذكره (عليه السلام) مثل الحرص على زيارته بالزيارات المأثورة في أيام الجمع وغيرها والدعاء له والتصدُّق عنه والإهتمام بأداء حقوق الإمام التي ذكرتها النصوص الشريفة. أيها الأخوة والأخوات، أما العامل الثاني الذي يدفع عن المؤمن الشكوك والشبهات واليأس من ظهور الإمام الغائب المنتظر (عجل الله فرجه) فهو التحقق بصفات المنتظر الصادق لظهوره (عليه السلام) وهذا ما يطلبه الداعي بقوله: (ولاتنسنا إنتظاره) وقد فصَّل العلماء الأعلام معنى الإنتظار استناداً لما ورد في الإحاديث الشريفة وملخَّصُ ما ذكروه هو أن يكون المؤمن مُستعداً لظهور المهدي الموعود (عجل الله فرجه) في كل حين، أي أن يكون ساعياً في التحلِّي بصفات أنصاره المخلصين مُوطناً نفسه على نصرته والانضمام لحركته الإصلاحية الكبرى، مجتنباً كل ما يَمنَعُهُ من ذلك، مثلما أنَّ الذي ينتظر مجيء ضيفٍ مثلاً يهتمُّ بالاستعداد له بتوفير مستلزمات الضيافة وما يحتاجه ضيفهُ وما ينبغي أن يقوم به لاستقباله. أما نسيان الإنتظار فواضحٌ أنَّ مصداقه هو الغفلة عن الاستعداد لظهوره (عليه السلام) كغفلة الذي يدعو شخصاً لضيافته ولايُعِدُّ شيئاً من مستلزمات الضيافة. مستمعينا الأفاضل، والعامل الثالث الذي يطلبه المؤمن من ربه الجليل لكي يحفظ يقينه الإيمانيَّ بالمهدي المنتظر (أرواحنا فداه) فهو الوارد في قوله: (ولاتنسنا الإيمان به وقوة اليقين في ظهوره)، أي أن لايغفل عن هذا الإيمان واليقين القوي والسبيل العملي لتحقق ذلك هو أن يستذكر باستمرار ما ورد في النصوص الشريفة من حتمية ظهوره (عجل الله فرجه) وأنه من الْمِيعَادَ الإلهي الصادق وإِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ فيدفع باستذكار هذه النصوص ما يثيره الشيطان وجنوده من شبهاتٍ وتشكيكاتٍ ويأسٍ وقنوطٍ من الظهور المبارك أعاذنا الله وإياكم منها جميعاً. وبهذا ينتهي أعزاءنا مستمعي إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران لقاء اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة)، تقبل الله منكم حسن الإصغاء وجميل الاستماع ودمتم في رعايته سالمين وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. شرح فقرة: "اللهم ولاتسلبنا اليقين لطول الأمد في غيبته،..." - 131 2013-06-25 09:37:11 2013-06-25 09:37:11 http://arabic.irib.ir/programs/item/9584 http://arabic.irib.ir/programs/item/9584 بسم الله وله عظيم الحمد وخالص الثناء أن رزقنا مودَّة وموالاة رحمته الكبرى للعالمين محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. السلام عليكم أعزاءنا المستمعين، تحية طيبة مباركة نهديها لكم في مطلع لقاءٍ آخر من هذا البرنامج ونحن نتابع الاستهداء بأنوار الحياة الكريمة الطيبة من خلال التدبّر في أدعية أهل بيت الرحمة (عليهم السلام) ومنها الدعاء الجليل المعروف بدعاء المعرفة الذي أكـَّدت الأحاديث الشريفة على الالتزام بتلاوته في عصر غيبة خاتم الأوصياء المهدي الموعود (عجل الله فرجه). والفقرة التي انتهينا إليها أيها الأخوة والأخوات هي التي يناجي فيها المؤمن ربَّه الجليل بعد أن دعاه بزيادة كرامته لخليفته المهدي حيث يقول: (اللهم ولاتسلبنا اليقين لطول الأمد في غيبته وإنقطاع خبره عنا، ولاتنسنا ذكره وإنتظاره والإيمان به، وقوَّة اليقين في ظهوره والدعاء له والصلاة عليه حتى لايُقـَنِّطَـَنا طول غيبته من ظهوره وقيامه، ويكون يقيننا في ذلك كيقيننا في قيام رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما جاء به من وحيك وتنزيلك). مستمعينا الأفاضل، لا يخفى عليكم أن الإنسان عجولٌ بطبيعته، يستعجل الأمور ولايلتفت كثيراً على أوجه الحكمة في حصولها في الوقت المناسب الذي تـُعطي فيه ثمارها على الوجه الأكمل. وهذه الطبيعة هي وليدة شِدّةِ حب الإنسان للخير بفطرته، فهذا الحب الشديد للخير يجعله يغفل عن أوجه الحكمة والمصلحة في تأخير حصول بعض الأمور نتيجة لعدم حلول وقتها المناسب، بل يجعله يتوهَّمُ حصول التأخير فيها في حين أن التأخير يكون حقيقياً إذا حلّ الوقت المناسب ولم يحصل الأمر المطلوب، من هنا فإن توهم حصول التأخر يوقع الإنسان في مستنقع الجحود والإنكار للنعمة الإلهية كما يشير لذلك قوله عزوجل في سورة العاديات «إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ» وقد جاء في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) أن هذه الآيات نزلت في منكري وجاحدي ولاية أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) ومنهم عمرو بن العاص الذين جحوداٌ نعمة الله العظمى أي نعمة هذه الولاية العلوية عندما لم يستجب أمير المؤمنين (عليه السلام) لاستعجالهم في مهاجمة بني سليم في وقعة ذات السلاسل، وهي الوقعة التي نزلت بشأنها سورة العاديات المباركة. والغريب أن هؤلاء المستعجلون كانوا قد اشتركوا وقادوا من قبل ثلاث غزواتٍ لبني سليم فشِلوا في الانتصار عليهم خلالها ورغم ذلك لم يسلموا لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) الذي انتصر على بني سليم وكسر شوكتهم بخُطةٍ اعتمدت المُباغتة في الصبح وعدم الاستعجال في مهاجمتهم حتى حان الوقت المناسب الذي اقترنت الغزوة بالفتح والنصر المُؤزَّر. أيها الأخوة والأخوات، لقد مَهَّدنا للحديث عن فقرة هذا اللقاء من دعاء المعرفة بهذه المقدمة الطويلة للإشارة الى الحكمة الأساسية من تعليم الدعاء لنا أن نطلب من الله عزوجل أن يحفظ يقيننا بالولاية المهدوية وأن لايسمح للاستعجال بأن يوقعنا في كفران نعمتها - أي نعمة الولاية - فهي من أعظم النعم كما صَرَّحت بذلك النصوص الشريفة. يقول الداعي: (اللهم ولاتسلبنا اليقين لطول الأمد في غيبته وإنقطاع خبره عنا) معنى اليقين لغة هو العلم الخالي من الشك والمراد هو الإيمان المستقرُّ بالعقائد الحقة وبالتحديد بوجود الإمام المهدي وقيامه بمهامّ الإمامة في غيبته (عجل الله فرجه). وقد ذكر أهل المعرفة أن مظهر حفظ اليقين في الإيمان بالعقائد الحقة هو التوكل على الله والتسليم لأمره والرضا بقضائه والتفويض إليه عزوجل. هذا عن معنى اليقين، أما طول الأمد فمعناه طول المُدَّةِ كثيراً، أي طول زمان غيبة الإمام (عجل الله فرجه) وانقطاع خبره عنا يعني عدم حصولنا علی أخباره المستجدة (عليه السلام). وعلى ضوء توضيح معاني مفردات هذه العبارة من الدعاء يَتـَّضِحُ معنى ما يطلبه المؤمن فيها، فهو يطلب من الله عزوجل أن لايسلبه اليقين بأصل وجود إمام العصر الغائب وكذلك اليقين بحتمية ظهوره، فيحفظ له الإيمان بكل ذلك إيماناً خالصاً نقياً من الشكوك والشبهات، إيماناً لا يؤثر عليه عدم حصولنا على ما يَستجِدُّ من أخبار الإمام (أرواحنا فداه)، فالمطلوب هنا الإيمان العملي الذي يَتجَسَّدُ في حفظ التوكل على الله والتسليم لأمره والرضا بقضائه والتفويض إليه عزوجل كما عرفنا من معنى اليقين آنفاً. ولايخفى عليكم مستمعينا الأكارم أهمية التزام المؤمن بهذا الدعاء لحفظ دينه في عصر الغيبة، لأنّ طول أمد الغيبة وعدم الإطلاع على أخبار الإمام من شأنه أن يثير في قلب الإنسان الوساوس والشكوك بل واليأس العلميّ من ظهور الإمام (عجل الله فرجه) أو أصل وجوده وذلك لشدة تأثر الإنسان بالأمور المحسوسة المشهودة من جهة وهذا هو الأمر المشار إليه بعبارة (وإنقطاع خبره عنا)؛ هذا من جهةٍ ومن جهةٍ ثانيةٍ لما عرفناه في مطلع اللقاء من أن شدة حب الإنسان للخير الظاهري تدفعه للاستعجال فإذا لم يتحقق ما يستعجله بسرعةٍ وقع في القنوط وكفران النعمة وبالتالي الإنكار لأصل ما يدعو إليه الإيمان الحق، وهذا العامل هو المشار إليه في عبارة: (لطول الأمد في غيبته). أعزاءنا المستمعين وثمة حقيقة وإستفادة تربوية مهمة نستلهمها من العبارة المتقدمة من دعاء المعرفة وهي أنّ علينا أن نجاهد كلا العاملين اللذين يُؤدِيّان الی سلب اليقين بالإمام الغائب (أرواحنا فداه)، أي أن نرتقي بأنفسنا عن ظاهر الحياة الدنيا والتأثر بالأمور المحسوسة المشهودة فقط فلانسمح لإنقطاع أخبار الإمام المُستجِدَّةِ عنها بأن تزعزع إيماننا (عليه السلام) بعد أن آمنا بذلك بكثير من الأدلة العقلية والنقلية التي هدتنا إليها النصوص الشريفة فيما يرتبط بأمامة خاتم الأوصياء عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام. هذا أولاً وثانياً أن نجاهد الإستعجال المذموم ونوجِّهَ غريزة حب الخير بالاتجاه الصحيح المتمثل بالفوز ببركات التسليم لأمر الله والتوكل عليه والرضا بقضائه وتفويض الأمر إليه وهي بركاتٌ عظمى تشمل حياة الإنسان في الدنيا والآخرة. وبهذه الاستفادة نختم لقاء اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة) وقد استمعتم له من صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، تقبل الله منكم جميل الإصغاء ودمتم في رعايته سالمين. شرح فقرة: "وزد في كرامتك له،..." - 130 2013-06-24 08:05:39 2013-06-24 08:05:39 http://arabic.irib.ir/programs/item/9583 http://arabic.irib.ir/programs/item/9583 بسم الله وله الحمد والمجد رب العالمين وارحم الراحمين، وأزكى صلواته على كنوز رحمته وخزائن نعمائه المصطفى الأمين وآله الطاهرين. السلام عليكم أعزاءنا المستمعين، على بركة الله نلتقيكم في حلقة أخرى من هذا البرنامج ونحن نستلهم معاً دروس الحياة الكريمة الطيبة من أدعية أهل بيت النبوة والرحمة (عليهم السلام) ومنها الدعاء الجليل الموسوم بدعاء المعرفة أو دعاء عصر الغيبة الذي أمرنا مولانا إمام العصر (أرواحنا فداه) بتلاوته خاصة في عصر الجمعات. و قد ذكر أهل المعرفة أن من أهم آثار المواظبة على تلاوة هذا الدعاء الجليل هو الاستقامة والثبات على الدين الحق والنجاة من الفتن العقائدية والسلوكية. لنا وقفة في هذا اللقاء مع الفقرة التي يَتوجَّهُ فيها المؤمن الى الله وهو يدعو لإمام زمانه (عليه السلام) قائلاً: (اللهم ومُدَّ في عمرهِ وزد في أجله وأعنه على ما ولـَّيته وإسترعيته، وزد في كرامتك له فإنه الهادي المهدي، القائم المهتدي، الطاهر التقيُّ، الزكيُّ النقي، الرضيُّ المَرضيُّ، الصابر الشكورُ المجتهد، ...). في هذه الفقرة يعلمنا دعاء المعرفة المهدوي أن نطلب من الله عزوجل أن يزيد في عمر مولانا إمام العصر ففي ذلك استمرار بركات وجوده (عليه السلام) على الخلق أجمعين، كما يعلمنا أن نطلب من الله أن يُعين بقيته المهديَّ على ما ولاه من تدبير شؤون الخلق وهدايتهم الى الله وكذلك أن يعينه على ما أسترعاه أي ما كلـَّفه به - وباعتباره خليفته في أرضه - من رعاية وإعانة العباد في طي معارج الكمال والقرب من الله عزوجل. وهذا يعني أن الدعاء للإمام المهدي (أرواحنا فداه) هو في الحقيقة دعاءٌ للخلق أجمعين لأنه يعني حفظ وزيادة نزول البركات والرحمات الإلهية عليهم أجمعين إذ أن الإمام هو خليفة الله المُكلـَّفُ بأيصال فضله وإحسانه وإنعامه وهدايته إليهم، ولذلك فالإمام كجَدِّهِ المصطفى (صلى الله عليه وآله) هو رَحْمَةً الله لِّلْعَالَمِينَ كما صَرَّحَ بذلك القرآن الكريم. وهذه الحقيقة تصدق على العبارة اللاحقة من هذه الفقرة من دعاء المعرفة حيث يقول الداعي: (وزد في كرامتك له) فهي أيضاً تشمل على طلب الخير للخلق أجمعين ولكن كيف يكون ذلك؟ للإجابة عن السؤال المتقدم ينبغي أن نعرف معنى هذا الطلب، أي ما معنى أن يزيد الله في كرامته لإمام العصر (أرواحنا فداه)؟ مستمعينا الأفاضل المستفاد مما ذكره علماء اللغة كما في مجمع البحرين للعلامة الطريحي (رضوان الله عليه) أن الكرامة هي الاسم من التكريم والإكرام، ومعناها التفضيل يقال كرَّمت فلاناً على فلان أي فضَّلته، ولكنَّ هذا التفضيل هنا هو من نوعٍ خاصٍّ تفضيلٌ على أساس كرم المُفضِلِ وجوده ونفعه للخلق؛ وتحليه بالخصال النبيلة والقدرات التي تجذب القلوب إليه فيكون كريماً أي حسناً مرضياً كثيرَ النفع حاوياً لكل ما يُرتضى ويحمد، ولذلك وصف الله عزوجل كتابه المجيد بأنه (قرآن كريم)، وهذا معنى وصف النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بمثل هذا الوصف. وعلى ضوء هذا التوضيح اللغوي نفهم معنى الطلب الوارد في العبارة المتقدمة من دعاء المعرفة المهدوي، أي ان معنى قول الداعي لإمام العصر (اللهم وزد في كرامتك له)، هو طلب زيادة إكرام وتكريم الله عزوجل لحجته المهدي، أي زيادة تفضيله على أساس إظهار كرمه وكثرة نفعه وكل ما يرتضى ويحمد في الأفعال. وهذا الطلب يعني بالتالي زيادة ما يصدر عنه (عليه السلام) من خيرٍ إلهي ونفعٍ ربانيٍ ورحماتٍ تصِلُ للخلق أجمعين فيكون مرضياً عندهم تتوجَّه إليه القلوب بمودَّةٍ راسخةٍ ويكون مَحموداً لديها. أيها الأخوة والأخوات، ونجد في تتمة العبارة المتقدمة من هذا الدعاء المهدوي تأكيد على ماتقدم من خلال إشارةٍ لطيفةٍ الى استحقاق إمام العصر (أرواحنا فداه) لهذا التكريم الإلهي المضاعف والخاص حيثُ جاء في التتمة التعليلية لهذا الطلب من الدعاء: (فإنه الهادي المهدي، القائم المهتدي، الطاهر التقيُّ، الزكيُّ النقي، الرضيُّ المَرضيُّ، الصابر الشكورُ المجتهد، ...). هنا نلتقي أيها الأعزاء بثلاث عشرة صفة من صفات إمام زماننا (عليه السلام) كل واحدة منها تـُشكـِّلُ دليلاً مستقلاً يَستندُ إليه الداعي في طلبه من الله عزوجل أن يزيد في كرامته له فهو (عليه السلام) الهادي المهدي، وليس أنفع للخلق من الهداية الإلهية النقية التي يحملها (عليه السلام) ذاتياً بحكم كونه مهدياً من الله ويُبَلـِّغُها للخلق بحكم كونه الهادي. كما أنه (عليه السلام) القائم بأمر الله في تدبير شؤون عباده وتحقيق مشيئته مهتدياً الى كل ما تحتاجه هذه المهمة الإلهية من أشكال الهداية التشريعية أو التكوينية. وإضافة لذلك فالحجة المهدي مطهرٌ عن كل ما يمنع من إيصاله الفيض والكرم الإلهيَّ للمتقبِّلين له من الخلق، فما هو ببخيلٍ ولاقاسٍ لايُحبُّ الخير للخلق لأنه: (الطاهر التقيُّ، الزكيُّ النقي، الرضيُّ المَرضيُّ) كما يُنبِّهنا لذلك نصُّ الدعاء. وأكثر من ذلك فهو (عليه السلام) (صابرٌ شكورٌ مجتهدٌ) أي أنه يصبر على كل صعوبات إيصال الخير للخلائق بشكر من يتقبل الرحمة الإلهية منهم ويزيده، مجتهدٌ في السعي لتأهيلهم لتقبلها؛ وهو بالتالي مستحقٌ لأن يزيد الله عزوجل في كرامته له وإظهار تفضيله على الآخرين لأنه أنفع الخلق للخلق. مستمعينا الأفاضل، وثمة إستفادة تربوية مهمة مما تقدم نجعلها مسك ختام هذه الحلقة من برنامج (ينابيع الرحمة) وهي أنّ طلب المؤمن من ربه الجليل أن يزيد في كرامته لإمام العصر (أرواحنا فداه) يشتمل على تنبيه للمؤمن نفسه أن يكون طلبه للرحمة الإلهية من منبعها النقي وهو حجة الله المعصوم سواءٌ كان ما يطلبه من أشكال الرحمة الإلهية هداية أو قضاء حوائج أو دفع أذى وغير ذلك. وهذا هو الأساس العقائدي القويم لمفهومي الشفاعة والتوسل الى الله بأوليائه الصادقين صلوات الله عليهم أجمعين. وبهذا ينتهي أيها الأعزاء لقاء اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة) إستمعتم له من إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران. شكراً لكم ودمتم في رعاية الله. شرح فقرة: "وأعنه على ماوليته وإسترعيته،..." - 129 2013-06-23 08:53:15 2013-06-23 08:53:15 http://arabic.irib.ir/programs/item/9582 http://arabic.irib.ir/programs/item/9582 بسم الله وله عظيم الحمد على نعمائه ذي الفضل والإنعام وأزكى صلواته وتحياته على كنوز رحمته وإحسانه أمنائه الكرام محمد وآله الطاهرين. السلام عليكم ايها الأحبة، على بركة الله نلتقيكم في حلقة اليوم من هذا البرنامج نتابع فيها إستلهام دروس الحياة الطيبة من التأمل في أدعية أهل بيت النبوة (عليهم السلام) ومنها الدعاء الجليل الموسوم بدعاء المعرفة والمُستحبُّ الإلتزام بتلاوته في عصر الغيبة للنجاة من الفتن والثبات على الدين الحق، وقد وصلنا الى الفقرة التي يدعو فيها المؤمن لإمام زماننا (أرواحنا فداه) قائلاً: (اللهم ومُدَّ في عمره، وزد في أجله، وأعنه على ما ولـَّيته وإسترعيته، وزد في كرامتك له فإنه الهادي المهدي، القائم المهتدي، الطاهر التقيُّ، الزكيُّ النقي، الرضيُّ المَرضيُّ، الصابرُ الشكورُ المجتهدُ، ...) . إستنرنا في الحلقة السابقة بالعبارة الأولى من هذه الفقرة حيث يطلب الداعي من الله عزوجل أن يطيل في عمر إمام العصر (أرواحنا فداه) ويزيد في أجله لكي تتواصل بركات وجوده على عباد الله وعموم خلائقه عزوجل، وتأتي العبارة التالية لتشير الى الأطار العام لهذه البركات حيث يخاطب المؤمن ربه الكريم قائلاً: (وأعنه على ما ولـَّيته وإسترعيته). وهنا يَنقـَدِحُ سؤالان: الأول: عن معنى التولية والإسترعاء وما الفرق بينهما؟ أما السؤال الثاني: فهو ما الحكمة من تعليم المؤمن أن يطلب هذا الطلب من الله عزوجل؟ بالنسبة للسؤال الأول نقول: إن المستفاد مما ذكرته كتب اللغة أنّ تولية حجة الله ومنحهُ الولاية على الخلق، تعني تدبير شؤون سياستهم وهدايتهم الى الله عزوجل والحياة الكريمة، أي أن الاصل في معنى التولية هو تدبير شؤون العباد من قبل الإمام الحجة وطبقاً لما يريده الله عزوجل باعتبار أن الإمام الحجة هو خليفة الله عزوجل؛ فهو يتولّى أمر تدبير شؤون عباده وخلقه عزوجل أما الإسترعاء فهو في الأصل الرعاية. أي تدبير شؤون الخلق أيضاً مع إضافة عنصر رعايتهم أيضاً أي اعانتهم على السير على الصراط المستقيم والالتزام بالقيم الإلهية والحياة الكريمة الطيبة. من هنا يَتـَّضِحُ أن الفرق بين التولية و الإسترعاء هو أن الأصل في التولية تدبير أمور العباد طبق ما يريده الله عزوجل في حين أن الأصل في الإسترعاء هو إيصال مزيد من الرعاية الإلهية الخاصة للعباد باعتبار أن رحمة الله سبقت غضبه ولأنه ذو المن والإنعام والتفضُّل والإحسان. مستمعينا الأفاضل، إذن المؤمن يطلب من الله عزوجل هنا أن يُعين إمام العصر (أرواحنا فداه) على القيام بمهام خلافته عزوجل في هداية العباد وتدبير شؤونهم ورعايتهم في بلوغ معارج الكمال: وهذا الأمر يشير الى جسامة هذه المهمة الإلهية وكثرة صعوباتها بحيث تستدعي طلب المؤمنين من الله عزوجل أن يُعين خليفته عليها، وقد أشار النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) الى جسامة هذه المهمة من خلال حديثه المشهور المروي من طرق الفريقين أنه قال: (شَيَّبَتني سورة هود) ومراده (صلى الله عليه وآله) التكليف الإلهي الوارد في قوله عزوجل في الآية 112 في السورة: «فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» ولهذه الحقيقة توضيح يأتيكم بعد قليل. لاحظوا أن الأمر الإلهيَّ بالاستقامة ورد في خطاب الله لرسوله (صلى الله عليه وآله) في سورة الشورى أيضاً في الآية 15 منها حيث يقول عزوجل: «فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ». وهنا نعرض السؤال التالي: لماذا قال الرسول الله (صلى الله عليه وآله): (شَيَّبَتني سورة هود) ولم يقل شَيَّبَتني سورة الشورى؟ أجاب العلماء عن هذا السؤال: بأنّ السرَّ يَكمُنُ في قوله تعالى: «وَمَن تَابَ مَعَكَ» الوارد في آية سورة هود أي أن التكلـُّف الإلهيَّ في آية سورة هود لايختصُّ بالنبي وحده كما هو الحال في آية سورة الشورى، بل يشمل قيامه (صلى الله عليه وآله) بحفظ من تاب معه من المؤمنين على طريق الاستقامة ومنعهم من الطغيان عن عمدٍ أو قصدٍ وهذا من أوضح مصاديق الإسترعاء المشار إليه في نص الدعاء؛ ولذلك فهذا التكليف أصعب من الإستقامة الشخصية المذكورة في آية سورة الشورى. يبقى أمامنا أيها الأخوة والأخوات السؤال الذي عرضناه في بداية اللقاء عن الحكمة من تعليم هذا الدعاء المهدوي للمؤمنين بأن يطلبوا من الله عزوجل أن يُعين إمام زمانهم على المهمة المتقدمة، والإجابة عنه باختصار هي أنّ من مكامن الحكمة في ذلك تنبيه المؤمنين الى جسامة مهمة إمام العصر وبالتالي الاندفاع لإعانته (عليه السلام) علیها باجتناب ما ينافيها والعمل بما تتطلبه من السعي في الالتزام بالاستقامة على الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. جعلنا الله وإياكم من العاملين بذلك إنه سميع مجيب، إنتهى أحباءنا لقاء اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة) نشكر لكم طيب الإصغاء وفي أمان الله. شرح فقرة: "اللهم ومُدَّ في عمره وزد في اجله،..." - 128 2013-06-22 09:56:32 2013-06-22 09:56:32 http://arabic.irib.ir/programs/item/9581 http://arabic.irib.ir/programs/item/9581 بسم الله وله الحمد والمجد اللطيف الخبير والصلاة والسلام على رسوله البشير النذير وآله أهل آية التطهير. السلام عليكم مستمعينا الأكارم ورحمة الله. معكم أيها الأحباء ووقفةٍ تأمُّليةٍ نستلهم فيها دروس الحياة الطيبة من فقرة أخرى من دعاء المعرفة وهو من أهم أدعية عصر الغيبة المندوب للالتزام بتلاوته خاصة في عصر الجمعات. والفقرة التي وصلنا إليها هي التي يدعو فيها المؤمن لإمام العصر (أرواحنا فداه) حيث يناجي فيها ربَّهُ الجليل قائلاً: (اللهم ومُدَّ في عمره وزد في أجله وأعنه على ما ولـَّيتهُ وإسترعيتهُ وزد في كرامتك له، فإنه الهادي المهدي، والقائم المهتدي، الطاهر التقيُّ، الزكيُّ النقي، الرضيُّ المَرضيُّ، الصابر الشكورُ المجتهد، ...). تأتي هذه الفقرة بعد فقرة طلب فيها الداعي من الله عزوجل أن يحفظ مولانا بقية الله المهدي (أرواحنا فداه) من الأخطار الكثيرة التي تهدِّدُ حياته وقيامه بمسؤوليات الإمامة الجسيمة وكذلك تهدِّدُ جُهودَهُ التمهيدية لظهوره (عجل الله فرجه). وفي الفقرة نجد طلباتٍ مكمِّلة للمحور العامّ لطلبات الفقرة السابقة. الطلبان الأول والثاني هو إطالة عمره وزيادة أجله، ومعناهما واضحٌ ولكنَّ أمامنا سؤالين: الأول: عن الفرق بينهما ومعناهما ظاهرياً واحد؟ والثاني: ما هي الحكمة في تعليم الدعاء لنا أن نطلب من الله عزوجل ذلك؟ للإجابة عن السؤال نحتاج لتوضيح مفهوم عقائدي ذكره العلماء في كتب التوحيد وهو أنّ الأجل على نوعين الأول هو الأجل المحتوم والثاني الأجل غير المحتوم فالأول لايتغيَّرُ بعمل الإنسان، أما الثاني فهو الذي يتغيَّرُ بتأثير أعمال الإنسان، إذ أن النصوص الشريفة قرآناً وسنة تـُصَرِّحُ بأنّ بعض الأعمال تغيِّرُ أجل الإنسان فتطيل في عمره مثل صلة الرحم والصدقات وبعضها على العكس تـُقصِّرُ العمل مثل قطع الرحم، وإيذاء الناس خاصة المؤمنين ونظائر ذلك مما نَصَّتْ عليه الأحاديث الشريفة. وعلى أساس هذا التوضيح العقائدي نقول: أن من المُحتمل أن يكون المقصود بطلب إطالة عمر الإمام المهدي (عليه السلام) هو زيادة توفيقاته (أرواحنا فداه) في الأعمال التي تؤدِّي الى إطالة العمر، فالطلب هنا مرتبط ب الأجل غير المحتوم. أما الطلب الثاني فهو يرتبط ب الأجل المحتوم الذي لايرتبط بأعمال الإنسان، وقد أُبرم إبراماً حسب تعبير الأحاديث الشريفة، ومثل هذا التعبير عامٌّ يشملُ حتى الأجل. نعم إن أجل الله إذا جاء لايُغيِّرُهُ شيءٌ بأيِّ حالٍ من الأحوال، لكنّ هذا الحكم مشروطٌ بقيد (إِذَا جَاءَ) أما قبل ذلك فيمكن للدعاء أن يُغيِّره. مستمعينا الأفاضل، وننتقل للإجابة عن السؤال الثاني وهو: ما الحكمة في أن نطلب من الله عزوجل أن يطيل عمر إمام العصر ويزيد في أجله (عجل الله فرجه)؟ لايخفى عليكم ايها الأخوة والأخوات أن وجود الإمام المعصوم هو نعمة إلهية كبرى سواءٌ في غيبته أو في ظهوره (عجل الله فرجه)؛ بل هو المصداق الأكمل للنعيم الذي أسبغه الله على عباده والذي يسألهم عنه يوم القيامة. وهذه من الحقائق العقائدية الواضحة التي نَصَّتْ عليها كثيرٌ من الأحاديث الشريفة منها ما روي عن إمامنا الكاظم (سلام الله عليه) أنّ أحد أصحابه سأله عن قول الله عزوجل وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، فقال (عليه السلام) في الجواب: النعمة الظاهرة الإمام الظاهر، والباطنة الإمام الغائب. من هنا نفهم أن هذا الطلب هو في الحقيقة دعاء لجميع الخلائق لأنه يعني طلب إستمرار بركات الإمام (عليه السلام) وألطافه عليها جميعاً. مستمعينا الأفاضل ويبقى أن نشير الى نقطة وهي أنَّ طلب إطالة عمر الإمام المهدي وزيادة أجله (عجل الله فرجه) هو دعاء عامٌّ لايقتصر على عصر الغيبة بل يشمل ما بعد ظهوره أيضاً لأنه (عليه السلام) نعمة في أصل وجوده في الحالتين هذا أولاً وثانياً لأنه مجتهد على الدوام في إيصال الخير الإلهي للعباد بل للخلائق أجمعين، بل لايوجد نظيرٌ للإمام المعصوم في كل عصر في سعيه الدَؤوب لهداية العباد وإيصال البركات الإلهية لخلق الله عزوجل. وبهذه الملاحظة نختم لقاء اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة) إستمعتم له من إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، تقبَّل الله منكم حسن الإصغاء ودمتم في رعايته سالمين. شرح فقرة: "واحفظه من بين يديه ومن خلفه،..." - 127 2013-06-19 11:29:35 2013-06-19 11:29:35 http://arabic.irib.ir/programs/item/9580 http://arabic.irib.ir/programs/item/9580 بسم الله والحمد لله غياث المستغيثين وأتمُّ صلواته على كهفه الحصين المصطفى الأمين وآله الطاهرين. السلام عليكم إخوتنا المستمعين، معكم في وقفةٍ تأمليةٍ عند الفقرة التي انتهينا إليها من دعاء المعرفة المبارك وهو من أهم الأدعية التي أمرنا بها مولانا إمام العصر (أرواحنا فداه) بالإلتزام بتلاوتها في عصر الغيبة لا سيما في عصر الجمعات للنجاة من الفتن العقائدية والسلوكية والثبات على دِينَ الْحَقِّ والفقرة التي وصلنا إليها مستمعينا الأكارم هي التي يدعو فيها المؤمن ربه الجليل بحفظ بقيته ووليه إمام الزمان (عجل الله فرجه) قائلاً: (اللهم أعذه من شر جميع ما خلقت وبرأت وذرأت وأنشأت وصوَّرت واحفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته بحفظك الذي لا يضيع من حفظته به، واحفظ فيه رسولك ووصيَّ رسولك (عليه السلام)، ...). كانت لنا في الحلقة السابقة من هذا البرنامج وقفة إجمالية عند هذه الفقرة من دعاء المعرفة المهدوي، ونستكملها هنا مستمعينا الأكارم بسؤال عن علة استخدام النص الشريف لخمسة أوصاف للذين يطلب الداعي أن يعصم الله بقيته المهدي من شرِّهم؟ للإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن نعرف الفروق بين هذه الأوصاف الخمسة وهي: ما خلق الله وما برأ وما ذرأ وما أنشأ وما صور. المستفاد من أقوال علماء اللغة والتفسير هو أنّ استخدام فعل خلق يأتي في القرآن الكريم في ما يرتبط بإيجاد ما يشمل الحيوان وغيره مما يصطلح عليه بالنباتات والجمادات والأفلاك وغيرها. أما استخدام فعل (برأ) فهو يشمل الحيوان وبضمنه الجنس البشري، فيما يشمل فعل (ذرأ) ما يشمل الخلق في عالم الشَّهَادَةِ وعَالِمِ الْغَيْبِ، ويختصُّ فعل (أنشأ) بالخلق الإبتدائيِّ وفعل (صوَّر) يعني المخلوقات التي لها صُوَرٌ مشهودة. وعلى ضوء هذه التوضيحات يتبين لنا أنّ الأخطار التي يمكن أن تهدد حجّة الله وخليفته المهدي لا تنحصر بالأعداء الظاهرين من البشر بل تشمل الجنَّ والإنس والأصدقاء والأعداء ومخلوقاتٍ من عالمِ الْغَيْبِ ومخلوقاتٍ لها صُوَرٌ وأخرى ليس لها صُوَرٌ وهذا الأمر يستند إلى شمولية خلافة حجة الله المعصوم في كل زمان لجميع مخلوقات الله عزوجل كما هو ثابتٌ في كثير من الأحاديث الشريفة. ولذلك يطلب المؤمن الحريص على سلامة إمام زمانه أن يعصمه الله عزوجل من شرور جميع هذه المخلوقات سواءٌ كانت شُرُوراً مقصودة أو غير مقصودةٍ مادية أو معنوية وما نعلمه وما لا نعلمه من تلك الشرور. ثم يطلب الداعي من الله عزوجل أن يحفظ المهدي الموعود (أرواحنا فداه) من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته، فما هي الحكمة من استخدام هذا التعبير المُفصَّلِ؟ ثم ما هو الفرق بين الحفظ وبين الإعاذة؟ في الإجابة عن السؤال الأول: نقول إنّ من الواضح هو أنّ المطلوب حفظ الإمام المهدي (عجل الله فرجه) من جميع الجهات، وتفصيل هذه الجهات تفصيلياً يشتملُ - فيما يشتملُ - على أثرٍ تربويٍ مهمٍ وهو إثارة نوازع المودَّةِ والمحبةِ له (عليه السلام) باتجاه تقوية الإرتباط به والحرص على حفظه (أرواحنا فداه)! أما بالنسبة للسؤال الثاني: فنقول إنّ الإعاذة تعني دفع الأذى والشرِّ على المعاذ، أما الحفظ فهو يشتمل إضافة لذلك على أمرين إضافيين هما استمرار الإعاذة أي استمرار دفع الأذى والشر عنه (أرواحنا فداه). هذا أولاً وثانياً فإنّ الحفظ يشتمل أيضا على التوجُّه الخاصِّ برعايةٍ إضافيةٍ للمحفوظ وتوفير ما يحتاجه أي فيما يرتبط بإمام العصر توفير الإعانة الإلهية له (عجل الله فرجه) للقيام بمهامِّهِ الإلهيةِ ومسؤولياتهِ الجسيمةِ في هداية الخلق ودفع الأذى والتمهيد للظهور وغير ذلك. وهذا المعنى تشير إليه العبارة اللاحقة حيث يقول الداعي: (بحفظك الذي لا يضيع من حفظته به) إذ أنّ الضياع يشملُ الإصابة بالأذى والشرور كما يشمل فقدان القدرة على إنجاز ما هو مكلـِّفٌ به. مستمعينا الأكارم، وتبقى أمامنا من فقرة هذا اللقاء العبارة الأخيرة التي يقول فيها الداعي: (واحفظ فيه رسولك ووصيَّ رسولك عليه السلام). وهنا يطلب المؤمن من الله عزوجل أن يحفظ في إمام العصر الحجّة المهدي (عجل الله فرجه) رسوله المصطفى ووصيه المرتضى - عليهما وآلهما أفضل التحية والسلام - ومعنى حفظهما في سليلهما المهدي هو إعانته على حفظ منهجهما المعبِّر عن دينه الحق الذي ارتضاه عزوجل لعباده. ولا يخفى عليكم مستمعينا الأفاضل أن في هذا الطلب تنبيهاً للمؤمن إلى ضرورة أن يرى استمرار النهج المحمدي العلوي، وحفظه يَكمُنُ في حفظ إمام العصر، هذا أولاً وثانياً ينبه المؤمن إلى تقوية ارتباطه بهذا النهج الأصيل والدفاع عنه والعمل به مُؤازرة لإمام زمانه (عجل الله فرجه). مستمعينا الأفاضل تقبلوا منا جزيل الشكر على جميل إصغائكم لهذه الحلقة من برنامج (ينابيع الرحمة) التي استمعتم لها من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران. دمتم بكل خير وفي أمان الله. شرح فقرة: " اللهم أعذه من شر جميع ما خلقت،..." - 126 2013-06-18 10:31:11 2013-06-18 10:31:11 http://arabic.irib.ir/programs/item/9579 http://arabic.irib.ir/programs/item/9579 بسم الله والحمد لله عصمة المعتصمين، وأزكى صلواته على منارات أمانه وسفن نجاته وكنوز رحمته محمد وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم إخوة الإيمان، على بركة الله نلتقيكم في استنارةٍ جديدةٍ بأنوار أدعية أهل بيت الرحمة (عليهم السلام) ومنها الدعاء المهدوي الجليل الذي أمرنا بتلاوته في عصر غيبة مولانا المهدي (عجل الله فرجه) والمعروف بدعاء المعرفة، وقد بلغنا بتوفيق الله إلى الفقرة التي يدعو بها المؤمن لإمام العصر (أرواحنا فداه) قائلاً: (اللهم أعذه من شر جميع ما خلقت وبرأت وذرأت وأنشأت وصوَّرت، واحفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته، بحفظك الذي لا يضيع من حفظته به، واحفظ فيه رسولك ووصيَّ رسولك عليهم السلام، ...). أول ما نلاحظه على هذه الفقرة هو تنبيهها المؤمن المُحِبَّ لإمام زمانه لكثرة الأخطار التي تهدده (أرواحنا فداه)، فهي أخطار تحفُّ به من كل جانب فيجب على شيعته ومحبيه الدعاء له أن يحفظه الله عزوجل من أن يصله الأذى والشرور من كل جانب. كما أنّ هذه الشرور والأذى والأخطار لا تأتيه (سلام الله عليه) من جهة أعدائه فقط بل ومن غيرهم أيضاً كما هو المستفاد من الإطلاق في ألفاظ الفقرة الدعائية المتقدمة. وهذا يعني أنّ الأذى قد يأتيه أيضاً من جهة حتى شيعته (أرواحنا فداه)؛ من هنا نعرف أنّ الدعاء هنا بحفظ إمام العصر يتضمن توجُّهَ الداعي إلى ربه الجليل أن يحفظ الإمام حتى من الأذى الذي يأتيه (أرواحنا فداه) حتى من الداعي نفسه وهو الموالي المحبُّ لإمام زمانه. أيها الإخوة والأخوات، ونستنتجُ مما تقدَّم أنّ تنبيه الفقرة المتقدمة على شمولية الأخطار والأذى والشرور التي تحفُّ بإمام العصر، يدعو المؤمن لأمرين تربويين مهمين تجاه إمامه (عليه السلام): الأول: هو الإهتمام بدوام واستمرار الدعاء بحفظ الإمام وبتوجُّهٍ قلبيٍ صادقٍ وهذا من شأنه أن يرسِّخ محبته في قلب المؤمن ويقوِّي ارتباطه به، ولذلك ثمارٌ كبيرة في تقريب المؤمن من الله عزوجل. أما الأمر الثاني: فهو أنه يدفع المحبَّ لإمام زمانه (عليه السلام) إلى أن يراقب سلوكياته باستمرارٍ كي يتجنب القيام بأيِّ عمل يؤذي إمامه سواءٌ كان العمل معصية تؤذي الامام لأنها تستتبع الأذى على الموالي نفسه، او كان سلوكاً يُؤذي الموالي أو غيره من الخلق خاصة مُحبيِّ أهل البيت (عليهم السلام) لأن الإمام يتأذى لكل أذىً ينزل بخلق الله عزوجل لا سيما شيعته، أو كان عملاً يُؤدِّي إلى عرقلة العمل الإصلاحي للإمام أو يُؤدِّي إلى تعريضه لأخطار أعدائه أو يثيرهم عليه (أرواحنا فداه). أعزائنا المستمعين، وبعد هذه الإستنارة الإجمالية العامة بفقرة هذا اللقاء من دعاء المعرفة المهدوية ننتقل لتناول الدلالات التفصيلية المستفادة من ألفاظها وأوَّلها لفظ (الإعاذة) فما هو المستفاد من استخدام تعبير (أعذه)؟ معنى الإعاذة هو الإجارة والعصمة، والمُعيذُ هو المجير والعاصمُ، وعليه فإنّ الداعي يطلب من الله عزوجل أن يجير ويعصم الإمام (أرواحنا فداه) من الشرور فيدفعها عنه ولا يسمح بأن تمسَّهُ فيكون في حصن الله وعصمته منها. ولكن ما هي مصادر الشرور التي يطلب الداعي أن يعصم إمام العصر منها؟ النص الشريف يجيب على هذا السؤال ببيان مفصَّلٍ فيستخدم أداة (ما) التي تستخدم لغير العاقل أو لغير الإنسان مقابل (من) التي تستخدم للإنسان عادة، فهل المراد حفظ الإمام من شر المخلوقات الأخرى من غير الإنسان؟ في الإجابة عن السؤال المتقدم نقول إنّ الواضح هو أنّ أهمَّ الأخطار التي تتوجَّه لإمام العصر مَصدَرُها البشر سواءٌ كانت عن قصدٍ أو غير قصدٍ فكيف يغفلها الدعاء؟ نعتقد أنّ الدعاء لم يغفلها وإنما استخدم أداة (ما) للتنبيه على حقيقةٍ مهمةٍ هي أنّ من يوجه الشرَّ والأذى لخليفة الله وأمينه وبقيته في أرضه هو بحكم غير العاقل خارج عن حَدِّ الإنسانية إذا كان قاصداً لتوجيه الأذى للإمام (عليه السلام) كالأعداء والطواغيت فهم كَالأَنْعَامِ أو أَضَلُّ سَبِيلاً حسب التعبير القرآني، أما إذا لم يكن قاصداً إيذاء الإمام فهو جاهل بفعله وتبعاته وعليه فحكمه في حال توجيه الأذى - وليس مطلقاً - حكم غير العاقل، وهذا تنبيه إلى ضرورة أن يراقب الإنسان أعماله وأفعاله لكي لا يصدر منه ما يجعله بحكم غير العاقل. مستمعينا الأفاضل لنا وقفة أخرى عند هذه الفقرة من دعاء المعرفة المهدوي تأتيكم إن شاء الله في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) تقبل الله منكم حسن الإصغاء والمتابعة ودمتم بكل خير. شرح فقرة: "اللهم ... وأبرز يا ربِّ مشاهدته وثبت قواعده،..." - 125 2013-06-17 08:49:24 2013-06-17 08:49:24 http://arabic.irib.ir/programs/item/9578 http://arabic.irib.ir/programs/item/9578 بسم الله وله خالص الحمد مجيب الدعوات ومنزِّل الرحمات، وأزكى الصلوات والتحيات على معادن حكمته وناشري رحمته محمد وآله الطاهرين. السلام عليكم أيها الأعزاء طبتم وطابت أوقاتكم بكل ما تحبون وفوق ما تأملون. معكم في استنارةٍ جديدةٍ بأدعية أهل بيت الرحمة (عليهم السلام) ومنها دعاء المعرفة المندوب - بصورةٍ مؤكدةٍ - إلى تلاوته في عصر غيبة مولانا إمام العصر (عجل الله فرجه) وخاصة في أيام الجمعات. وقد وصلنا إلى فقرة يطلب فيها الداعي له ولجميع المؤمنين الفوز برؤية إمام زمانه (أرواحنا فداه) ثم يقول: (اللهم ... وأبرز يا ربِّ مشاهدته وثبِّت قواعده، واجعلنا ممَّن تقرُّ عينه برؤيته وأقمنا بخدمته وتوفنا على ملته واحشرنا في زمرته، ...). أيها الإخوة والأخوات، الأمر الأول الذي يطلبه الداعي من ربه الكريم جل جلاله هو أن يبرز مشاهدة إمام العصر (عجل الله فرجه)، فما المراد بذلك؟ الإبراز هو بمعنى الإظهار الواضح البيِّن ومعنى المشاهدة واضح، فيكون المراد في هذه العبارة هو أن يتفضل الله عزوجل على المؤمنين بمشاهدة إمام زمانهم (عجل الله فرجه) بصورةٍ واضحةٍ جليةٍ تنفي جميع الشكوك والشبهات والوساوس بشأن وجوده. وهذا الطلب يرتبط بأيام غيبته (سلام الله عليه) إذ لا حاجة له في عصر ظهوره فضلاً عن أن سياق هذا المقطع هو عن طلب الثبات على التمسك بولايته (عليه السلام) في عصر غيبته. وعليه يكون الطلب من الله عزَّوجل أن يتفضل برؤية إمام الزمان في عصر غيبته (عجل الله فرجه) هو من مصاديق الإستعانة به عزوجل للثبات على الدين الحق ومواجهة صعوبات التمسك بولاية الإمام الغائب. وفي العبارة التالية يطلب المؤمن من الله المعين أن يُثبِّت قواعد إمام العصر (أرواحنا فداه)، والمراد من ذلك حفظ ركائز حركته وقيامه بمهامِّ الإمامة في عصر غيبته. ومن هذه الركائز المؤمنون الصادقون الذين يساندون حركته (عليه السلام) وفي صدارتهم المشار إليهم في الأحاديث الشريفة بوصف (الأبدال) أو الثلاثين مؤمنا الذين لا وحشة على الإمام في غيبته مع وجودهم معه كما صَرَّحت بذلك الأحاديث الشريفة. وهؤلاء هم قواعده (عليه السلام) الذين يتحركون بأمره مباشرة يضاف إليهم سائر المؤمنين الذين وفقهم الله عزوجل للتحرك في غاتجاه ما يريده منهم إمام زمانهم وبما يخدم أهدافه الإلهية (عليه السلام). ونجد في العبارات اللاحقة من هذه الفقرة أن الداعي يطلب فيها أن يصبح من قواعد الإمام المباركة هذه من خلال التحلي بصفاتهم المذكورة فيها. مستمعينا الافاضل، وأولى صفات: قواعد الإمام المهدي وأنصاره (أرواحنا فداه) الذين يطلب الداعي تثبيتهم في العبارة السابقة أولاً ثم يطلب هنا أن يكون منهم، هي كونهم (ممَّن تقرُّ عينه برؤيته) (عليه السلام). وتعبير (تقرُّ العين بشيءٍ ما) هو تعبيرٌ مجازيٌ يراد به الإبتهاج به وزوال الحيرة والترقب ببركة رؤيته. وعليه يكون المعنى أنّ الداعي يطلب من الله جلَّت نعماؤُهُ في هذه العبارة أن يريه إمام زمانه بالرؤية البصرية المباشرة أو الرؤية البصائرية القلبية بحيث يحصل على معرفة يقينية به (سلام الله عليه) تبهج قلبه وتزيل عنه كل حيرةٍ أو شكٍ، وعليه يَتـَّضِحُ أنّ الصفة الأولى لأنصار الإمام الحقيقيين وقواعده الثابتة هي قوة اعتقادهم اليقيني به (عليه السلام) في غيبته حيث آمنوا به وهو غائب كإيمانهم به وهو حاضر أي أنّ الغيب صار عندهم كالعيان المشهود ببركة صدق الإيمان فقرَّت عيونهم بمعرفة إمام زمانهم (أرواحنا فداه). أيها الأخوة والأخوات، أما الصفة الثانية: للقواعد المهدوية الصادقة فهي التي يطلبها الداعي في العبارة اللاحقة حيث يقول: (وأقمنا بخدمته) ولا يخفى عليكم أن خدمة الإمام المهدي (عليه السلام) تعني خدمة أهدافه والسعي باتجاه ما يريده للأمة من إصلاحٍ وصلاحٍ، وعليه يكون المعنى أنّ المؤمن يطلب من الله عزوجل توفيق تجنيد نفسه وطاقاته في السعي الجادِّ (وهو المشار إليه بتعبير الإقامة) فيما يخدم الأهداف الإلهية التي يتحرك الإمام لتحقيقها سواءٌ في غيبته أو ظهوره (عجل الله فرجه). وبعد ذلك يطلب الداعي من الله عزَّوجل توفيق التحلِّي بالصفة الثالثة للقواعد المهدوية الصالحة وهي صفة الإستقامة على الولاء والخدمة إلى النهاية وهذا هو مضمون طلب المؤمن حسن العاقبة في قوله: (وتوفنا على ملته) أي على الإلتزام والعمل بنهجه (صلوات الله عليه). وأخيراً يطلب الداعي أن يحشره الله وجميع المؤمين في زمرة إمام زماننا للمهدي (أرواحنا فداه)، والمراد هو معيته (سلام الله عليه) في الدنيا بأن نكون دائماً في جبهة أنصاره وأعوانه، وفي الآخرة بأن نكون معهم يوم يدعى كلُّ أناس بإمامهم. وبهذا تنتهي أحباءنا حلقة اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة) استمعتم لها مشكورين من طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران. تقبل الله أعمالكم وفي أمان الله. شرح فقرة: "حتى ننظر الى وليك صلواتك عليه وآله، ..." - 124 2013-06-16 08:20:11 2013-06-16 08:20:11 http://arabic.irib.ir/programs/item/9577 http://arabic.irib.ir/programs/item/9577 بسم الله وله الحمد أكرم المحسنين وأزكى صلواته على كنوز رحمته الواسعة للعالمين صفيِّه المصطفى وآله الطاهرين. السلام عليكم إخوتنا وأخواتنا، طابت أوقاتكم بكل خير، على بركة نلتقيكم في حلقةٍ جديدة من هذا البرنامج ووقفة تأملية أخرى عند الفقرة التالية من الدعاء المهدوي الجليل المستحب تلاوته في عصر الغيبة وخاصة في عصر الجمعات، والفقرة هي قول الداعي: (اللهم إني أسألك أن تريني وليّ أمرك ظاهراً نافذ الأمر مع علمي بأنّ لك السلطان والقدرة والبرهان والحجة والمشيّة والحول والقوة، فافعل ذلك بي وبجميع المؤمنين حتى ننظر الى وليِّك صلواتك عليه وآله، ظاهر المقالة، واضح الدلالة، هادياً من الضلالة، شافياً من الجهالة، ...). كانت لنا وقفتان مع هذه الفقرة من الدعاء في الحلقتين السابقتين تنطلقان من تفسيرها على أساس فهم المطلوب فيها بأنّ رؤية وليِّ أمر الله المهدي (عجل الله فرجه) عند ظهوره وبسطه حكم الله عزوجل في أرضه، أي أنّ المؤمن يطلب هنا من الله عزوجل أن يطيل عمره وأعمار المؤمنين لكي يدركوا الظهور المهدوي المبارك أو أن يعجِّل في زمن هذا الظهور لكي يفوزوا بنعمة رؤيته وقد أقام دولة العدل الإلهي العالمية. ولكن قد يكون المطلوب تحقق نوعٍ من الظهور الخاص، بمعنى أن يكون مطلوب المؤمن في هذه الفقرة هو أن يرى إمام زمانه الغائب وهو ظاهرٌ غالبٌ في القيام بأمر الله عزوجل نافذ الأمر في هدايته لعباد الله والتمهيد لظهوره وكذلك في القيام بسائر مهام الإمامة. وبعبارة أخرى فإنّ ما يطلبه المؤمن هنا هو الحصول على الطمأنينة واليقين القلبي بأنّ كل صعوبات عصر الغيبة لا تمنع إمام العصر (أرواحنا فداه) من أن يكون ظاهر المقالة أي ظاهر أحقية نهجه ومقاله، وهادياً من الضلالة، يهدي المُستعدِّين للهدى الإلهي من ضلالات المنحرفين والأئمة المُضلين ويُنقذهم من الضلالات ويشفيهم من الجهالات وآثارها وسيئاتها بدلالات واضحةٍ وبأساليب ناجعةٍ تتناسب مع خصوصيات عصر غيبته (عجل الله فرجه). أيها الأخوة والأخوات، وعلى أساس هذا الفهم نسأل: ما هو الهدف هنا من استذكار المؤمن وتأكيده لإقراره بأنّ لله عزوجل السلطان والقدرة والبرهان والحجة والمشية والحول والقوة؟ في الإجابة عن هذا السؤال نقول: يبدو أن~ الهدف من استذكار هذه العقيدة التوحيدية هو إبعاد شبهة أن يكون طلبه رؤية نفاذ أمر إمام زمانه وولي أمر الله وتغلبه على صعوبات عصر الغيبة ناتجاً من شكـِّه - والعياذ بالله- بقدرة الله ونفاذ إرادته ومشيئته، بل إنّ ما يطلبه هو رؤية مظهر تجلِّي هذه القدرة الإلهية في حركة إمام العصر (أرواحنا فداه) في الهداية والقيام بمهام الإمامة على الرغم من كل الأخطار التي تهدده، وبعبارةٍ أوضح فإنّ ما يطلبه المؤمن هنا هو على غرارِ ما طلبه ابراهيم الخليل - على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام- عندما طلب من الله عزوجل أن يريه كيف يحي الموتى، فقد طلب ذلك لا لأنه لم يؤمن بقدرة الله عزوجل بل وحسب التعبير القرآني «وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي» وعليه يكون الهدف من هذا الطلب هو الحصول على اليقين القلبي أما الهدف من التذكير بقدرة الله ونفاذ مشيئته وبرهانه فهو دفع أي تشكيك بها قد يصاحب مثل هذا الطلب. ويبقى هنا سؤال ينبغي الإجابة عنه وهو: هل أنّ رؤية إمام العصر الغائب (عجل الله فرجه) والتي يطلبها المؤمن في الفقرة المتقدمة من الدعاء هي الرؤية البصرية المباشرة أم الرؤية العقلية أو الرؤية بعين القلب والبصيرة ورؤية آثار الإمام (عليه السلام)؟ في الإجابة عن هذا السؤال: يمكن القول بأنّ مطلوب المؤمن هو حصول اليقين القلبي الجازم بأنّ أذى الأعداء وأخطارهم وعدم استعداد الامة لنصرة الإمام وغير ذلك من العوامل التي أوجبت غيبته (أرواحنا فداه)، كلُّ ذلك لا يمنعُ من نفاذ أمره وغلبته على مكائد الاعداء وقيامه رغم كل ذلك بمهامِّ الإمامة في غيبته. ولما كان الهدف هو حصول هذا اليقين، فإنّ أيّاً من أقسام الرؤية المذكورة الآنفة يحقق هذا اليقين القلبي الجازم يكون هو مطلوب المؤمن من ربه الجليل تبارك وتعالى. بل إنّ النموذج الذي حكاه القرآن الكريم عن طلب ابراهيم الخليل (عليه السلام) يفتح أمام المؤمنين أبواب طلب حتى الرؤية الإعجازية أي رؤية الإمام (عجل الله فرجه) البصرية المباشرة مقترنة بظهور كراماتٍ باهرةٍ تحقـِّق للمؤمن الحصول على اليقين القلبي المطلوب بالأصل، وتحدِّثنا المصادر المعتبرة عن حصول ما لا يحصى من الوقائع لكثير من المؤمنين فازوا خلال عصر الغيبة الصغرى وكذلك الغيبة الكبرى برؤية إمام العصر (أرواحنا فداه) ورأوا من الكرامات ما يجعل اليقين المطلوب مستقراً في قلوبهم. وهذا المعنى تؤيده الفقرة التالية من هذا الدعاء المهدوي الجليل وفيها يرد قول الداعي: (واجعلنا ممن تقرّ عينه برؤيته). رزقنا الله وإياكم ذلك إنه سميع مجيب. وبهذا تنتهي حلقة اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة) قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، تقبل الله منكم حسن الإصغاء ودمتم بكل خير. شرح فقرة: "مع علمي بأن لك السلطان والقدرة، ..." - 123 2013-06-15 08:53:35 2013-06-15 08:53:35 http://arabic.irib.ir/programs/item/9576 http://arabic.irib.ir/programs/item/9576 بسم الله وله عظيم الحمد جميل الصنع وحسن التدبير أرحم الراحمين، وأزكى صلواته على معادن رحمته الكبرى للعالمين محمد وآله الطاهرين. السلام عليكم إخوة الإيمان، معكم في حلقةٍ أُخرى من برنامجكم هذه، ووقفة تأملية عند الفقرة التالية من دعاء المعرفة الجليل المروي عن مولانا إمام العصر (أرواحنا فداه) حيث يخاطب المؤمن ربه الكريم قائلاً: (اللهم إني أسألك أن تريني وليَّ أمرك ظاهراً نافذ الأمر، مع علمي بأنَّ لك السلطان والقدرة والبرهان والحجة والمشيّة والحول والقوة، فافعل ذلك بي وبجميع المؤمنين حتى ننظر الى وليك صلواتك عليه وآله، ظاهر المقالة واضح الدلالة هادياً من الضَّلالة شافياً من الجَهالة، ...). هذه الفقرة تقوِّي في قلب المؤمن روح التشوُّق لتعجيل ظهور المنقذ الأكبر مولانا الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، ففيها يطلب المؤمن من ربه الجليل أن يريه وليَّ أمر الله ظاهراً أي متغلباً على الظالمين نافذ الأمر أي مبسوط اليد في إجراء الأحكام الإلهية لكي تـَعُمَّ البركات جميع البشرية. ولكنَّ الدعاء كما تلاحظون مستمعينا الأفاضل يقرن هذا الطلب باستذكار الداعي وإقراره بان لله عزوجل السلطان أي الغلبة والقدرة والبرهان والحجة والمشيّة والحول والقوة، فما مغزى استذكار هذا الإقرار العقائدي الأصيل هنا؟ في الحلقة السابقة عرضنا أيها الأعزاء، إجابة عن السؤال تنطلق من مفهوم البرهان والحجة وعلمنا أن هذه العبارة تدفع عن المؤمن الوساوس والتشكيلات التي يمكن أن يثيرها الشيطان بشأن طول غيبة المهدي المنتظر (عجل الله فرجه) وكأن ذلك مؤثر على أنّ إرادة الظالمين قد غلبت - لا سمح الله - إرادة الله عزوجل. وهذه الوساوس يدفعها أنَّ مشيئة الله عزوجل هي التي أمهَلَتِ الظالمين دون أن تـُهمِلَهُم وذلك لكي تـُتِمَّ الحجة على البشرية جمعاء بأنّ الحكم الإلهيَّ المحمديَّ العلويَّ الذي يمثلهُ خاتم الأوصياء المهدي هو وحده القادر على إنقاذ البشرية من أزماتها وإقامة العدل الحقيقي والسعادة في كل الإرض، فإذا تمّت الحجة من خلال تجربة البشرية للتيارات الأخرى استعدَّت لاستقبال المهدي والاستجابة لدعوته الإصلاحية الشاملة (سلام الله عليه). مستمعينا الافاضل، وثمة هدف آخر يحققه استذكار الصفات الإلهية المذكوره في هذه العبارة وهو تقوية الأمل في قلب المؤمن فلا يتأثر سلباً بانتشار الظلم والجور وسيطرته على جميع نواحي الحياة المعاصرة وبأبشع الصور الظاهرة والخفية بمعنى أن لا يبعث امتلاء الأرض ظلماً وجوراً اليأس في قلبه من إمكانية الإصلاح إذ أن الله عزوجل السلطان والقدرة والبرهان والحجة والمشيئة والحول والقوة، فهو عزوجل قادرٌ على أن يسيِّر اتجاهَ الحوادث باتجاهٍ يُسَرِّعُ في إتمام حجته على البشرية وبالتالي إستعدادُها لاستقبال وليه المهدي وبالتالي يُسَرِّعُ في ظهوره (عجل الله تعالى فرجه الشريف). أيها الأخوة والأخوات، وفي العبارة التالية يعلمنا إمام زماننا مولانا بقية الله (أرواحنا فداه) أن لا ننسى سائر المؤمنين ونحن نطلب من الله عزوجل هذه النعمة العظيمة وهي إدراك الظهور المهدوي المبارك، أي يعلمنا أن يطلب المؤمن هذه النعمة للمؤمنين أيضاً فيقول: (اللهم فأفعل ذلك بي وبجميع المؤمنين حتى ننظر الى وليك صلوات الله ظاهر المقالة واضح الدلالة هادياً من الضلالة شافياً من الجهالة، ...)، وهنا يطلب الداعي أن ينظر هو والمؤمنون لمولاهم إمام العصر (عجل الله فرجه) في أربع حالات أولها أن يروه ظاهر المقالة، فما المقصود من هذا الوصف؟ هذا الوصف مستلهمٌ من الوصف القرآني لوعد الله عزوجل بأن يظهر دينه عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، أي أن يكون دينه الحق هو الظاهر في الأحقية على كل الأديان. وعليه يكون معنى طلبنا أن نرى مولانا المهدي ظاهر المقالة، أن نراه وقوله غالبٌ واضح الأحقية على كل قول، أما معنى الأوصاف الثلاثة الأخرى فهو أن نراه (عليه السلام) واضحاً في الدلالة والهداية الى الحق فلا تداخل نفوسنا الشبهات والشكوك تجاه قوله، ولا يعترض سبيل الاهتداء بقوله من الضلالة والاستشفاء به من الجهالة شيء. مستمعينا الأعزاء، وكل ما تقدم هو على أساس أن نفهم معنى رؤيته ظاهراً نافذ الأمر بمعنى ظهوره العام وبدء حركته الإصلاحية الكبرى وقيام دولته العالمية العادلة، ولكن ثمة فهمٌ أهمُّ بكثير لهذا الطلب يقوم على أساس رؤيته ظاهراً نافذ الأمر حتى في عصرغيبته (عجل الله فرجه)، وهذا ما يسمِّيهِ أهل المعرفة بالظهور الخاص الذي هو الأمنية الأهمُّ لأنصاره (عجل الله فرجه). فما هو معنى هذا الظهور الخاص؟ الإجابة عن هذا السؤال المهم ستجدونها إن شاء الله في الحلقة المقبلة من برنامج (ينابيع الرحمة)، فكونوا معنا مشكورين وتقبلوا منا خالص الشكر على جميل الاستماع لهذه الحلقة، دمتم بكل خير. شرح فقرة: "أسألك أن تريني ولي أمرك ظاهراً،..." - 122 2013-06-13 11:02:00 2013-06-13 11:02:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/9575 http://arabic.irib.ir/programs/item/9575 بسم الله وله الحمد جميل الصنع حسن التدبير أكرم الأكرمين، وأزكى صلواته على كنوز رحمته الكبرى للعالمين محمد وآله الطيبين الطاهرين. السلام عليكم أيها الأحبة، على بركة الله نلتقيكم في هذا اللقاء المُتجدد مع بركات أدعية أهل بيت الحكمة والرحمة (عليهم السلام) ومن غُرَرِها الدعاء الجليل المعروف بدعاء المعرفة الذي أمرنا بالالتزام بتلاوته في عصر غيبته مولانا إمام العصر الحجة المهدي (عجل الله فرجه)، وقد انتهينا أحباءنا الى الفقرة التي يخاطب فيها الداعي ربَّه الرؤوف الرحيم قائلاً: (اللهم إني أسألك أن تريني وليّ أمرك ظاهراً نافذ الأمر مع علمي بأنّ لك السلطان والقدرة والبرهان والحجة والمشيئة والحول والقوة، فافعل ذلك بي وبجميع المؤمنين حتى ننظر الى وليك صلواتك عليه وآله، ظاهر المقالة، واضح الدلالة، هادياً من الضلالة، شافياً من الجهالة، ...). تأتي هذه الفقرة بعد عدة فقرات من هذا الدعاء المهدوي الجليل يطلب فيها المؤمن من ربه الأكرم - جلَّ جلاله- أن يهديه الى المعرفة الصحيحة به وبرسوله وبأوصياء رسوله من ولاة أمره بعد رسوله الى حجته في هذا العصر المهدي المنتظر (عجل الله فرجه)، ثم يطلب منه - عزوجل- الثبات على هذه الهداية وأن يرزقه الصبر على صعوبات عصر غيبة بقيته المهدي (أرواحنا فداه) والتسليم لأمره عزوجل وتفويض أموره إليه طال أمد الغيبة أو اقترب، ولكن هذا التسليم لأمر الله عزوجل لا يتعارض مع تشوُّق المؤمن لظهور الإمام المنتظر (عجل الله فرجه)، إذ إن لهذا التشوق وطلب تعجيل الظهور آثاراً روحية كبيرة في تقوية مودَّة وارتباط المؤمن بأمام زمانه من جهة وكذلك في التعبير عن حبّه الخير للناس جميعاً بالطلب من الله عزوجل أن يُعَجِّلَ الظهور المهدوي المبارك لكي تنعُم البشرية بالأمن والسلام والرفاه والعدالة وتتخلص من الأزمات والظلم والجور. هذا التشوق الممدوح لطلب الظهور المهدوي المبارك هو الذي يسعى الإمام (عليه السلام) لتقويته في قلب المؤمن وهو يأمره أن يدعوا الله عزوجل قائلاً: (اللهم إني أسألك أن تريني ولي أمرك ظاهراً نافذ الأمر، ...). أيها الأخوة والأخوات، في هذه العباره النورانية يطلب المؤمن من ربه الجليل تبارك وتعالى أن يطيل في عمره عزوجل لكي يريه وليَّ أمره ظاهراً فما المقصود بالظهور هنا؟ يبدو أيها الأعزاء وبملاحظة وصف (نافذ الأمر) أن المقصود هنا هو الظهور بمعنى الغلبة لأنّ نفاذ الأمر يعني الحاكمية، فيكون المقصود أن يدرك المؤمن عصر استقرار الحكم المهدوي العادل، ونلاحظ في العبارة التأكيد على وصف الإمام المهدي بأنه وليُّ أمر الله، وفي ذلك تأكيدٌ وابرازٌ للجنبةِ التوحيديةِ الخالصةِ في أدعيةِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) هذا من جهةٍ ومن جهةٍ ثانيةٍ التأكيد على أنَّ حكم الإمام المهدي (أرواحنا فداه) هو حكم الله عزوجل. مستمعينا الافاضل، لا يخفى عليكم أنّ ثمة منشأ آخر غير ما تقدم لإندفاع المؤمن لطلب التعجيل بظهور وانتصار ولي أمره وحجته المهدي (عجل الله فرجه)، هذا المنشأ هو رؤية المؤمن لأشكال الظلم والجور والأزمات التي تـَعصِفُ بالبشرية. ورؤية المؤمن لذلك قد يُؤدي الى أن يبعث في نفسه شعوراً أو وساوس - بعبارةٍ أدق – تصوّراً له وكأنَّ إرادة الظالمين قد غلبت ارادة الله عزوجل بما يرتكبونه من جورٍ و ما يشكلونه من مخاطر أدّت الى غيبة إمام العصر (عجل الله فرجه) وطول هذه الغيبة، هذه الوساوس يدفعها دعاء المعرفة المهدوي حينما يعلم المؤمن أن يقرن طلبه بتعجيل ظهور المُنقذِ المهدي بقوله مخاطباً ربَّه الجليل: (مع علمي بأنَّ لك السلطان والقدرة، والبرهان والحجة، والمشيئة والحول والقوة، ...). وهنا نسأل ما هو تأثير هذه العبارة في دفع تلك الوساوس وحفظ التوحيد الخالص في قلب المؤمن؟ الإجابة عن السؤال المتقدم نتوصَّل إليها بالتدبُّر في العبارة السابقة نفسها، فهي تؤكد أن الله عزوجل السلطان أي أنه هو الغالب على أمره ولا يغلبه شيء، كما أنه عزوجل له القدرة فهو القادر على كل ما يريد ولا يغلب إرادته شيء، لكن له جلَّ جلاله ايضاً البرهان والحجة فهو يريد أن يتم الحجة بالكامل على البشرية جمعاء بعجز اتباع التيارات غير الإلهية جميعاً عن تحقيق الخلاص للبشرية، فهو - جلَّت حكمته- يُمهـِلُ الظالمين والكافرين دون أن يُهمِلَهُم، يُمْهـِلُهُم الى حين اتـّضاح البرهان للبشرية جمعاء حتى تستعدَّ لاستقبال وليِّه المهديِّ وهو مُنقذها من تلك الإزمات، هكذا اقتضت مَشيئتـُهُ الحكمية لأنه التدبير الأحسن لإيصال البشرية الى الكمال المنشود. مستمعينا الأفاضل، وثمة إشارة أخرى الى طلبٍ ضمنيٍّ في هذه العبارة هو تدخُّلُ المشيئة الإلهية لتهيأة البشرية لاستقبال وليه المهدي (عجل الله فرجه) إذ له الحول والقوة على ذلك، تفصيل هذه الإشارة نوكله الى الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة) بأذن الله، تقبل الله منكم جميل المتابعة ودمتم في أمان الله. شرح فقرة: "وأفوض أموري كلها إليك،..." - 121 2013-06-11 10:19:17 2013-06-11 10:19:17 http://arabic.irib.ir/programs/item/9574 http://arabic.irib.ir/programs/item/9574 بسم الله وله خالص الحمد والثناء جميل الصنع حسن التدبير الرؤوف الحكيم وأزكى صلواته على أعلام نهجه القويم وصراطه المستقيم محمد وآله الطاهرين. السلام عليكم أعزاءنا المستمعين، أهلاً بكم، نتابع معاً الإستنارة بفقرات دعاء المعرفة أو دعاء عصر الغيبة المروي عن إمام زماننا المهدي المنتظر (أرواحنا فداه) والمندوب للإلتزام بتلاوته خاصة في عصر أيام الجمعة. والفقرة التي وصلنا اليها هي التي يطلب الداعي فيها الصبر على صعوبات عصر الغيبة وصعوبات انتظار الفرج وصعوبات الثبات والإستقامة على الدين الإلهي الحق، حيث يقول: (اللهم وصبِّرني على ذلك، حتى لا أحبَّ تعجيل ما أخرت، ولا تأخير ما عجّلت ولا أكشف عما سترت ولا أبحث عما كتمت، ولا أنازعك في تدبيرك، ولا أقول لم وكيف، وما بال وليِّ الأمر لا يظهر و قد امتلأت الأرض من الجور، وَأُفَوِّضُ أَمْرِي كلها إليك، ...). مستمعينا الأكارم تحدثنا في الحلقة السابقة عن جانب من الحقائق التربوية المستفادة من هذه الفقرة، وهي في الواقع حقائق تعرف المؤمن بأهمِّ واجباته في عصرغيبة مولانا الحجة المهدي (عجل الله فرجه). ومحور هذه الواجبات هو الصبر على صعوبات ومشاقِّ هذه الغيبة، بما يعنيه ذلك من عدم السماح لهذه الصعوبات بأن تزيغ قلبه عن الدين الحق والتمسك بولاية الإمام المهدي بأعتباره حجّة الله ووليَّ أمر الله عزوجل في هذا العصر، إذ أنّ زيغ قلب الإنسان عن ذلك بعد أن هداه الله إليه هو من أفظع مصاديق جحود نعمة الهداية الى هذا الدين الحق الذي ارتضاه الله لعباده بعد أن أكمله بولاية أئمة العترة المحمدية على سيدهم المصطفى وعليهم أفضل الصلاة والسلام، وفي هذه الفقرة أيضاً يطلب الداعي من الله عزوجل أن يوفقه للتحلِّي بعلامات الثبات على الدين الحق، ومنها علاماتٌ قلبية أهمها أن لا يحبَّ المؤمن تعجيل ما أخَّره الله عزوجل من ظهور وليه المهدي وإعلان حركته الإصلاحية وكذلك أن لا يحبَّ تأخير ما عجّله الله من أمر هذا الظهور حتى لو لم يكن مستعداً بالكامل له. ومن هذه العلامات عدم الإعتراض بالقلب ولا بالقول على إرادة الله الحكيمة سواءٌ في أصل غيبة الإمام المهدي أو طولها. كما أنّ أهمَّ هذه العلامات هو عدم كشف ما ستره الله من الأمور التي يَضُرُّ الكشف عنها بالتحرك المهدوي المُمَهِّدِ للظهور المبارك، وكذلك عدم البحث عمّا كتمه الله عزوجل من الاسرار المهدوية لمن لا يُطمَئنَّ من قدرته على تحملها وحفظها. أيها الأخوة والأخوات، ونجد الإمام المهدي (أرواحنا فداه) يُعلِّمُنا هنا أن نطلب من الله عزوجل أن يعيننا بالصبر على صعوبات عصر الغيبة وصعوبات انتظار الفرج وذلك من خلال تفويض جميع أمورنا إليه عزوجل، كما ورد في العبارة الأخيرة من الفقرة المتقدمة فما هو المراد من هذا الطلب؟ للإجابة عن هذا التساؤل ينبغي أن نعرف معنى تفويض الأمور الى الله عزوجل، لذلك نذهب الى القرآن الكريم الذي أثنى على هذه الخصلة واقتبس الدعاء المتقدم هذا الطلب منه. قال الله تبارك وتعالى في الآيتين 44-45 من سورة غافر وهو يحكي قصة مؤمن آل فرعون وخطابه لقومه: «فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ». روى الشيخ الكليني في الكافي والشيخ البرقي في المحاسن عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير هذه الآيات قال: (أتدرون ما وَقاهُ، وَقاهُ أن يَفتِنُوهُ عن دِينهِ)، يعني (عليه السلام) أن يسلبوه الثبات على الدين. وروى الشيخ الصدوق في كتاب الخصال عن إمامنا الصادق (عليه السلام) أنه قال ضمن حديث: وعجبت لمن مكر به كيف لا يفزع الى قوله - تعالى-: «وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ»، فإني سمعت الله يقول بعقبها: «فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا». مستعينا الأفاضل من خلال التدبر في النص القرآني وتوضيحات مولانا الصادق (عليه السلام) يَتـَّضِحُ أن معنى تفويض الأمر الى الله الذي يطلبه المؤمن في هذا الدعاء هو أن يوكل المؤمن تدبير اُموره الى الله عزوجل طالباً أن يعصمه من السوء والمكر الذي يحيط به وذلك لكي يحفظ دينه الحق ويتمكن من الثبات والإستقامة عليه في مواجهة الأخطار التي تحدق به من فتنٍ وشبهاتٍ وشكوكٍ شيطانيةٍ يَعِجُّ بها عصر غيبة حجة الله المهدي (أرواحنا فداه). روي في كتاب مصباح الشريعة عن الصادق (عليه السلام) قال: المفوض [يعني أموره الى الله] لا يصبح إلا سالماً من الآفات ولا يُمسي إلا معافىً في دينه. وأخيراً نلاحظ أنّ إمامنا المهدي (عجل الله فرجه) يعلمنا أن نطلب من الله عزوجل توفيق أن نفـِّوضَ إليه عزوجل أمورنا كلها، وهذه يعني أن نَرُدَّها جميعاً إليه جل جلاله، أي أن نطلب منه أن يعصمنا من كل سوءٍ في جميع شؤوننا العقائدية منها والقلبية والسلوكية العملية وفي جميع المجالات، فيدبر أمورنا بحيث يدفع مكر أئمة الضلال ووساوس الشيطان وأهواء النفس عن أفكارنا وعن قلوبنا ومشاعرنا وكذلك عن التأثير على أعمالنا وسلوكياتنا، والمهم في تحقـُّقِ كلِّ ذلك هو تسليم المؤمن ورضاهُ بالقضاء والتدبير الإلهي كما يُنبِّهُ لذلك مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في الشعر المنسوب إليه حيث قال: رضيت بما قســـم الله لـيوفوَّضتُ أمري الى خالقيكما أحسن الله فيما مضىكذلك يحســن فيمـا بقــينشكر لكم اعزاءنا مستمعي إذاعة طهران طيب الإستماع لهذه الحلقة من برنامج (ينابيع الرحمة) تقبلوا منّا خالص الدعوات ودمتم في رعاية الله. شرح فقرة: "وصبرني على ذلك حتى لا أحب تعجيل ما أخرت،..." - 120 2013-06-10 09:11:59 2013-06-10 09:11:59 http://arabic.irib.ir/programs/item/9573 http://arabic.irib.ir/programs/item/9573 السلام عليكم إخوة الإيمان ورحمة الله، معكم في لقاءٍ آخر نستنيرُ فيه بأنوار الهداية الإلهية والتقرب من الله عزوجل عبر التدبر بأدعية سادة محبيه الصادقين محمد وآله الطاهرين وتحياته عليهم أجمعين. إستنارتنا في هذه الحلقة ستكون بعون الله من الفقرة التالية التي وصلنا إليها من دعاء المعرفة الجليل المروي عن إمام زماننا الحجة المهدي، والذي أمرنا (أرواحنا فداه) بالمواضبة عليه في عصر الغيبة خاصة في عصر أيام الجمعات. والفقرة المشار إليها هي التي يتوجَّه الداعي إلى ربه تبارك وتعالى قائلاً: (اللهم ... وصبِّرني على ذلك، حتى لا أحبَّ تعجيل ما أخَّرت ولا تأخير ما عجَّلت ولا أكشفَ عمّا سترتَ ولا أبحث عمّا كتمتَ، ولا أنازعكّ في تدبيرك، ولا أقول لم، وكيف، وما بال وليِّ الأمر لا يظهر وقد امتلأت الأرضُ من الجور وَأُفَوِّضُ أَمْرِي كلها إليك، ...). ترتبط هذه الطلبات بالطلبات الواردة في الفقرة السابقة لفقرة هذه الحلقة من هذا الدعاء المهدوي الجليل، ففي الفقرة السابقة طلب الداعي من ربه عزوجل الثبات على طاعة ولي أمره الحجة المهدي خصوصاً في غيبته (عجل الله فرجه)؛ وقد اشتملت تلك الفقرة على تنبيهاتٍ تـُعينُ المؤمن على الثبات على الدين الحق في عصر الغيبة، هذه التنبيهات تـُنيرُ عقل المؤمن بإدراك حقيقتين عقائدتين مهمتين: الأولى: إنّ أصل غيبة بقية الله المهدي هي بأمر الله جل جلاله وبإذنه لحكمةٍ اقتضتها لكي يتمكن الإمام من خلف ستار الغيبة من حفظ الدين الحق والتمهيد لظهوره (عجل الله فرجه). والحقيقة الثانية: هي أنّ الإمام ينتظر إذن الله بالظهور فهو (عليه السلام) مستعدٌ للظهور، وظهوره يكون في الوقت الذي يعلمه الله وحده ويعلم أن فيه صلاح أمره بتهيؤِ الأوضاع اللازمة لنجاح حركته الإصلاحية الكبرى واستعداد البشرية لجني ثمارها الطيبة المباركة. وبعد هذه الإثارة لعقل المؤمن تأتي هذه الفقرة من الدعاء لكي تعلم المؤمن أن يطلب من الله عزوجل الإنارة القلبية، فيصير بعقله وقلبه وكلّ كيانه منتظراً كمولاه الإمام للأمر الإلهي بالظهور، مُسلماً لأمر الله ووليه تسليماً. في بداية الفقرة يقول الداعي: وصبِّرني على ذلك، أي الثبات على الدين الحق وطاعة إمام العصر والتمسك بولايته (سلام الله عليه) وهذا الصبر يكون فاعلاً وراسخاً إذا اقترنت المعرفة والإنارة العقلية بالإنارة القلبية أي استقرت المعرفة في القلب وأضفت عليه السكينة وعميق الثقة بتدبير الله عزوجل فينسجم المؤمن بالكامل مع إرادة ربه الحكيم تبارك وتعالى. وهذه الحالة العالية من السكينة القلبية والطمأنينة والثقة بالله تعرفنا العبارات التالية بمظاهرها وعلائم وجودها في قلب الإنسان، وأوَّلـُها هي الواردة في قلب الداعي: (حتى لا أحبَّ تعجيل ما أخَّرت ولا تأخير ما عَجَّلت). إذن العلامة الأولى: هي أنّ المؤمن يُصبحُ مُحباً لما يريده الهل عزوجل، هو يدعو الله بتعجيل فرج الإمام وظهوره (عجل الله فرجه)، لكنه يُحبُّ التعجيل فيه إذا شاء الله ذلك، ويُحبُّ تأخيره إذا شاء الله ذلك، أي أنّ تفاعله القلبي مع ظهور مولاه المهدي (أرواحنا فداه) يكون تبعاً لحكمة الله عزوجل وحسن تدبيره. أما العلامة الثانية: مستمعينا الأفاضل، فهي المشار إليها في قول الداعي: (ولا أكشف عمّا سترتَ ولا أبحث عمّا كتمتَ). العلامة الأولى هي في دائرة القلب والمشاعر والعواطف، أما هذه العلامة فهي في دائرة السلوك والعمل، وهي تعني التزام المؤمن بعدم الكشف عمّا ستره الله وعدم البحث عمّا كتمه عزوجل، وعندما نرجع إلى وصف الفقرة السابقة لولي الأمر بأنه (الذي ستره الله عن خلقه)، نعلم بأنّ المراد هو إلتزام المؤمن بعدم الكشف عن الأمور التي تؤدي إلى تعريض إمام زماننا )أرواحنا فداه) إلى الأخطار سواءٌ من جهة أعدائه المتربصين به، أو من غيرهم الذين يَضُرُّونَ بتحركه خلف ستار الغيبة من حيث لا يشعرون. أما بالنسبة لالتزام المؤمن بعدم البحث عمّا كتمه الله فهو يعني عدم بحثه عن الأسرار التي يخشى من عدم قدرته على حفظها ولذلك كتمها الله عنه رأفة ورحمة به. مستمعينا الأعزاء أما الآن فننتقل إلى العلامة الثالثة: وهي المشار إليها بقول الداعي: (ولا أنازعك في تدبيرك) وهذه العلامة أيضاً في دائرة السلوك العمليِّ، والمراد منها الإلتزام بعدم القيام بما من شأنه التحرك باتجاهٍ معاكسٍ للتدبير الإلهي لشؤون عباده في عصر الغيبة، نظير القيام بتحركاتٍ قبل نضوج العوامل والأوضاع اللازمة لنجاحها؛ وهذا بالطبع خلاف الحكمة الإلهية. والعلامة الرابعة: أيها الإخوة والأخوات هي المشار إليها في قول الداعي: (ولا أقول لم، وكيف، وما بال وليِّ الأمر لا يظهر وقد امتلأت الأرض من الجور)، وواضحٌ أنّ المراد هوعدم الإعتراض القولي فضلاً عن القلبي على حكمة الله عزوجل في أصل وقوع غيبة مولانا المهدي (أرواحنا فداه) وكذلك في طولها، إذ أنّ الأعتراض على تدبير الله عزوجلَّ يكشف عن فقدان الإيمان القلبي بحكمته ورأفته، وعدم ثقة الإنسان بحسن تدبيره وجميل صنعه بعباده، أعاذنا الله وإياكم من ذلك. مستمعينا الافاضل، وتبقي العلامة الخامسة: المحورية لصدق الإيمان القلبي بالله عزوجل وهي المشار إليها بقول الداعي: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي كلها إليك)، وهذه العلامة ستكون بإذن الله محور حديثنا في الحلقة المقبلة من برنامجكم (ينابيع الرحمة)، تقبل الله منكم جميل الإصغاء وحسن المتابعة ودمتم بكل خير. شرح فقرة: "وثبتني على طاعة ولي امرك،..." - 119 2013-06-09 08:40:59 2013-06-09 08:40:59 http://arabic.irib.ir/programs/item/9572 http://arabic.irib.ir/programs/item/9572 سلام من الله عليكم أيها الأحبة، أهلاً بكم في لقاءٍ آخر يجمعنا في الرحاب المنيرة لأدعية أهل بيت النبوة (عليهم السلام) ولا زلنا نستنير معاً بدعاء المعرفة الذي أمرنا بتلاوته في عصر غيبة مولانا صاحب الزمان الحجة المهدي (أرواحنا فداه). وقد وصلنا أيها الأعزاء إلى الفقرة التالية من الدعاء حيث يقول الداعي: (اللهم ... وثبِّتني على طاعة وليِّ أمرك الذي سترته عن خلقك فبإذنك غاب عن بريتك، وأمرك ينتظر، وأنت العالم غير معلم بالوقت الذي فيه صلاح أمر وليك في الإذن له بإظهار أمره وكشف سِرِّهِ وصَبِّرني على ذلك حتى لا أحبَّ تعجيل ما أخَّرت ولا تأخير ما عجَّلت، ...). تأتي هذه الفقرة أعزائنا بعد مقطع يطلب فيه الداعي من الله عزوجل أن يعرِّفه ذاته المقدَّسة ورسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وحجته في هذا العصر، ثم يطلب منه أن لا يميته ميتة جاهلية ولا يزغ قلبه بعد أن هداه لمعرفة ولاة أمره عزوجل بعد رسوله وهم خلفاؤه الإثنا عشر (صلوات الله عليهم أجمعين)؛ ثم يطلب منه تبارك وتعالى أن يُتمَِّ نعمته عليه بعد هذه الهداية بالثبات على دينه الحق الذي ارتضاه لعباده، وذلك بأن يوفقه إلى العمل بالأركان الأربعة لذلك وهي كما وردت في العبارات السابقة التوفيق لطاعته عزوجل وتقوية المودة لأولي الأمر والتطهر من العوامل التي تزيغ القلب عن الدين الحق، وأخيراً الثبات على طاعة وليِّ الأمر الإلهي في غيبته (عجل الله فرجه). ولا يخفى عليكم مستمعينا الأفاضل أنّ الثبات على طاعة الإمام في عصر غيبته أصعب من الثبات على طاعته والتمسك بِعُرى ولايته في عصر ظهوره، لذلك جاءت عبارات الفقرة المتقدمة من دعاء المعرفة لِتـُعالِجَ هذه الصعوبات وتـُعينَ المؤمن على الثبات على طاعة إمام زمانه في غيبته وذلك بالتنبيه على أمرين أساسيين: الأول هو: أنّ الله عزوجل هو الذي ستر بقيته صاحب الزمان عن خلقه، فبإذنه جل جلاله غاب عنهم. والله تبارك وتعالى حكيمٌ رؤوفٌ رحيمٌ، لا يفعل إلا ما فيه حكمة بالغة تـَنصَبُّ لصالح عباده وتدبير شؤونهم وإيصالهم إلى كمالهم المنشود فهو عزوجل الغني المطلق. وهذا الأمر يصدق على ستره لإمام العصر (أرواحنا فداه) عن الخلق، فلا بد أنّ فيه حكمة ومصالح تعود بالنفع على العباد أنفسهم؛ كتقوية إيمانهم وجعله من درجة إيمان المتقين الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ويعملون بمقتضيات هذا الإيمان؛ كحفظ وجود الإمام من مكائد الأعداء المتربِّصين به لكي تستمرَّ بركات وجوده (أرواحنا فداه). ونلاحظ هنا أيها الأعزاء استخدام النص الدعائي لتعبير (الستر) الذي يشير إلى أنّ غيبة الإمام الحجة (عليه السلام) لا تمنع من استمرار انتفاع الخلق من بركات وجوده كما يُنتفع بالشمس إذا سترها السحاب. أما الأمر الثاني: الذي تعين معرفته المؤمن على الثبات على طاعة ولي الأمر الإلهي وحجة الله في هذا العصر، فهو المشار إليه في العبارة التالية: (وأمرك ينتظر وأنت العالم غير معلم بالوقت الذي فيه صلاح أمر وليك في الإذن بإظهار أمره وكشف سِرِّه). هذه العبارة تعالج حالة الإستعجال الغريزية عند الإنسان لانتهاء البلاء وظهور المنقذ الأكبر (عجل الله فرجه)، كما تبعد عن المؤمن اليأس من ظهوره (عليه السلام) بسبب طول غيبته. وهذه المعالجة تأتي من خلال التأكيد على حقيقة أنّ الحجة المهدي (أرواحنا فداه) مستعدٌ للظهور في كل حين لكنه ينتظر أمر الله عزوجل، فهو غاب بإذنه جلّ جلاله للحكمة الإلهية التي اقتضت غيبته، وهو يظهر بإذن الله أيضاً لأنّ الله تبارك وتعالى هو العالم بالوقت الذي يكون في ظهوره (عليه السلام) صلاح أمره، أي الوقت الذي تتهيأ فيه الأوضاع اللازمة لقيامه بمهمته الإصلاحية الكبرى فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً. أما أن يظهر بقية الله المهدي (أرواحنا فداه) ويكشف سِرَّهُ قبل تهيُّؤِ الأوضاعِ المناسبةِ، فإنه يعني إعطاء الفرصة للأعداء لقتله (أرواحنا فداه) وتدمير أنصاره وشيعته دون أن يتحقق الوعد الإلهي بإنهاء حاكميات الظلم والجور وبسط حاكمية العدل الإلهي والدين الحقّ. مستمعينا الافاضل، إنّ إدراك هاتين الحقيقتين العقائديتينِ وترسيخهما في القلب من شأنه أن يُعينَ المؤمن على محاربة ودفع الشبهات والشكوك التي يُثيرُها الشيطان ويسعى لإدخالها إلى قلبه بسبب أصل غيبة إمام العصر (عجل الله فرجه) وطول هذه الغيبة، إذ أنهما تـُنيران عقل المؤمن وأفكاره وذلك بربط أصل وقوع الغيبة المهدوية بحكمة الله عزوجل ورأفته بعباده. فإذا استقرَّتْ هذه الحقيقة في قلب المؤمن، أصبح يسيراً عليه الثبات على طاعة إمام زمانه (سلام الله عليه) رغم غيبته وطولها. ويبقى هنا أيها الأعزاء سؤالٌ محوريٌ عن المصداق العملي للثبات على طاعة ولي أمر الله وبقيته عزوجل في غيبته، فما هو هذا المصداق؟ إنّ الثبات على طاعة إمام الزمان في غيبته (عجل الله فرجه) يتحقق مصداقياً بمصاديق عدة منها: العمل بوصاياهُ وأوامره ونواهيه الواردة في روايات سيرته المُدَوَّنةِ في مصادرنا الحديثية المعتبرة وكذلك الحال مع وصايا وأوامر ونواهي جده الرسول الأعظم وسائر أئمة عترته الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين)، أي العمل بالشريعة الإلهية عموماً. ومنها العمل بما أيقن المؤمن أنّ فيه رضا إمام زمانه (عليه السلام) فيما يَمُرُّ به من شؤونه الحياتية. ومنها عدم استعجال الظهور وعدم السماح لطول الغيبة بإضعاف هِّمته في العمل بالشريعة الإلهية، وكذلك عدم السماح لطول الغيبة بإضعاف روح انتظاره للفرج، فيكون دوماً على أهبة الإستعداد للإذن الإلهي بظهور مولاه وإعلان الحركة الإصلاحية الكبرى لإقامة دولة العدل الإلهي في جميع أقطار الأرض. وفقنا الله وإياكم أحباءنا للثبات على الدين الحق إنه سميعٌ مجيب، وشكراً لكم على طيب المتابعة لهذه الحلقة من برنامج (ينابيع الرحمة) إستمعتم لها من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران، دمتم في رعاية الله. شرح فقرة: "اللهم ثبتني على دينك،..." - 118 2013-06-08 09:38:52 2013-06-08 09:38:52 http://arabic.irib.ir/programs/item/9571 http://arabic.irib.ir/programs/item/9571 السلام عليكم أيها الأعزاء، طابت أوقاتكم بكل خير، معكم في لقاءٍ آخر من هذا البرنامج ووقفةٍ تأمليةٍ مع فقرةٍ أخرى من الدعاء الجليل الذي أمر مولانا إمام الزمان الحجة المهدي المؤمنين بتلاوته والمواظبة عليه في عصر غيبته (عجل الله فرجه) وخاصة في عصر يوم الجمعة والمعروف بدعاء المعرفة، وقد انتهينا إلى الفقرة التي يناجي فيها المؤمن ربَّه الأعلى تبارك وتعالى قائلاً: (اللهم ثبِّتني على دينك واستعملني بطاعتك وليِّن قلبي لوليِّ أمرك وعافني ممّا امتحـنت به خلقك؛ وثبِّتني على طاعة وليِّ أمرك الذي سترته عن خلقك، فبإذنك غاب عن بريَّتك وأمرك ينتظر وأنت العالم غير معلم بالوقت الذي فيه صلاح أمر وليِّك في الإذن له بإظهار أمره وكشف سرِّه، ...). تأتي هذه الفقرة من الدعاء كجوابٍ على الفقرة السابقة لها حيث يقول الداعي: (اللهم فكما هديتني لولاية من فرضت طاعته عليَّ من وُلاةِ أمرِكَ بعد رسولك، ...)، أي أن الداعي يطلب الثبات على دين الله إتماماً لنعمة الهداية إلى أولي أمره (سلام الله عليهم). وعليه يتـَّضِحُ أنّ هذا الطلب هو تفصيلٌ للطلب الإجمالي الوارد في بداية الفقرة أي قول الداعي: (ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني). فيكون المعنى: (إلهي ثبِّتني على دينك لكي لا يزيغ قلبي عن الإيمان بعد إذ هديتني لموالاة من فرضت علي طاعته من ولاة أمرك بعد رسولك المصطفى (صلى الله عليه وآله)). إذن فما يطلبه الداعي هو الثبات على دين الله الذي ارتضاه لعباده، ولكن كيف يتحقق هذا الثبات على الدين الإلهي الحق؟ هذا السؤال هو الذي تجيب عنه الفقرة الدعائية التي نستنير بها في هذا اللقاء حيث تـُحدِّدُ أربعة أركانٍ أساسيةٍ لتحقـُّق الثبات على الدين الإلهي الحق، تفصيل هذه الأركان يأتيكم بعد قليل فكونوا معنا مشكورين. الركن الأول: للثبات على الدين الحق هو الذي يطلبه المؤمن من الله عزوجل بقوله: (واستعملني بطاعتك): فما معنى أن يستعمل الله المؤمن بطاعته عزوجل؟ المعنى الأول هو التوفيق للطاعة الذي ورد للتأكيد عليه وعلى طلبه من الله جل جلاله في كثيرٍ من أدعية أهل البيت (عليهم السلام)، ويتحققُ التوفيقُ للطاعة بأن يوجد الله في قلب المؤمن الرغبة في فعل الخيرات وصالحات الأعمال ويصرف عنه ما يشغله عنها؛ وكذلك أن يهديه الله إلى ما فيه رضاه عزوجل أي أن يُعرِّفه بالمصاديق العملية للطاعات في شؤونه الحياتية وما حوله. وثمة معنىً آخر لأن يستعمل الله عزوجل عبده بطاعته عزوجل؛ وهو معنى أشملُ وأعمقُ وأكملُ من المعنى الأول، وهو المعنى الذي يُمثـِّلُ الوجه العملي لحقيقة تفويض العبد أمره لله عزوجل وتوكيل أمره إليه، فيكون مظهر ذلك أن تصير جميع حركات العبد وسكناته في خدمة الله عزوجل وابتغاء مرضاته جل جلاله وهذه هي أسمي صفات أولياء الله وجنده المخلصين تبارك وتعالى. أيها الاخوة والاخوات، أما الركن الثاني: للثبات والإستقامة على دين الله فهو الذي يطلبه الداعي منه تبارك وتعالى بقوله: (وليِّن قلبي لوليِّ أمرك)، فما المراد من هذا الطلب؟ ولا يخفى عليك مستمعي الكريم أنّ لين الجانب إستعارة يستفاد منها معنى المطاوعة ولين القلب يعني أن تكون هذه المطاوعة بدافع المحبة والمودة وبالتالي تكون حقيقية وليست ظاهرية وحسب، وعليه يكون المعنى هو أنّ الداعي يطلب من ربه الجليل تبارك وتعالى في هذه الفقرة أن يقوِّي محبة وليِّ أمره في قلب الداعي إلى درجةٍ يصيرُ القلب فيها طيِّعاً له مُستجيباً لأوامره لا يعصي له أمراً ولا يبغي عنه حِوَلاً. وهذه الحالة هي القاعدة الرصينة التي يستند إليها محورياً الثبات على الدين الحق فإذا وُجِدَتِ المَوّدة لِوُلاةِ الأمر الإلهي في قلب المؤمن اندفع طواعية لاتـِّباعهم والتمسك بصراطهم المستقيم ونهجهم القويم. وهذا هو سِرُّ ما ورد في القرآن الكريم من التصريح بأنّ الله عزوجل أمر نبيه الأكرم (صلى الله عليه وآله) أن لا يطلب من أمته أجراً على تبليغ الرسالة سوى المودّة في قرباه الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين). أعزائنا إخوة الإيمان، الركن الثالث: من أركان الثبات على الدين الإلهي، هو الذي يطلب الداعي بقوله: (وعافني ممّا امتحنت به خلقك)؛ فما المقصود بهذا الطلب؟ وما هي الأمور التي امتحن الله بها خلقه؟ الإجابة عن هذا السؤال نجدها في كثيرٍ من الآيات القرآنية التي تتحدث عن نزول أنواع الإبتلاءات الخير منها والشر الفكرية منها كالشبهات العقائدية ونظائرها أو العملية والمادية كالمحن والضراء ونظائرها، فبها يختبر الله عزوجل عباده ليتميز الصادقين في إيمانهم عن الذين يعبدون الله على حرف أي الذين يتـَّخذون العبادة وسيلة للحصول على مطامعهم المادية وتحقيق أهوائهم الدنيوية، فينقلبون على أعقابهم إذا أصابهم البلاء. وعلى ضوء ذلك يتـَّضِحُ أنّ معنى المعافاة ممّا امتحن الله به خلقه هو التطهُّرُ ممّا يُسقِطُ الإنسان في مهاوي الضلالة والرِدّةِ عند البلاء، أي التحرر من حاكمية الأهواء والشهوات على سلوكياته وعقائده. ويبقى أعزائنا المستمعين الركن الرابع: للثبات على الدين الإلهي الحق وهو الذي يطلبه الداعي في العبارة الأخيرة من فقرة دعاء المعرفة أو دعاء عصر الغيبة حيث يقول: (وثبِّتني على طاعة ولي أمرك الذي سترته عن خلقك)، فالثبات على طاعة ولي أمر الله إمام العصر وفي ظلِّ صعوبات عصر غيبته (عجل الله فرجه) يُعبِّرُ عن صدق التمسك بالسير على الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ والأخذ بالعروة الإلهية الوثقى واستمرار ارتباط المؤمن بالله عزوجل. وسيأتي المزيد من التوضيح لهذا المطلب المحوري بإذن الله في الحلقة المقبلة من برنامج (ينابيع الرحمة)، تقبل الله منكم أعزائنا مستمعي إذاعة طهران حسن الإصغاء والمتابعة ودمتم في رعاية الله. شرح فقرة: "ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني،..." - 117 2013-06-05 08:21:01 2013-06-05 08:21:01 http://arabic.irib.ir/programs/item/9570 http://arabic.irib.ir/programs/item/9570 السلام عليكم أيها الأعزاء ورحمة الله، أهلاً بكم في لقاء اليوم مع دروس الحكمة والرحمة التي نستلهمها معاً من كنوز أدعية أهل بيت النبوة (عليهم السلام)، نتابع الإستنارة في هذا اللقاء بالدعاء الجليل الذي أمرنا بتلاوته مولانا إمام العصر في عصر غيبته (عجل الله فرجه) وقد انتهينا إلی الفقرة التي يقول فيها الداعي: (اللهم لا تمتني ميتة جاهلية ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، اللهم فكما هديتني لولاية من فرضت طاعته عليَّ من ولاة أمرك بعد رسولك صلواتك عليه وآله، حتى واليت ولاة أمرك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والحسن والحسين وعليا ومحمداً وجعفراً وموسى وعلياً ومحمداً وعلياً والحسن والحجة القائم المهدي صلواتك عليهم أجمعين، اللهم ثبتني على دينك واستعملني بطاعتك وليِّن قلبي لوليِّ أمرك، ...). تقدم الحديث في الحلقة السابقة مستمعينا الأكارم عن معنى الميتة الجاهلية التي يطلب الداعي من الله عزوجل أن لا يميته عليها، وعرفنا أنّ المراد منها هو عدم معرفة إمام الزمان ومبايعته كما نصَّت عليه الأحاديث النبوية التي صحَّت روايتها من طرق الفريقين. وهذا معنى تؤكـِّده تتمَّة الفقرة المتقدمة من الدعاء والتي تلوناها آنفاً، فهي تذكر أخطر مصاديق ميتة الجاهلية، وهي ميتة من يعرف الحقَّ ثم ينحرف عنه أي ميتة الزيغ بعد الهداية وبالخصوص بعد الإهتداء إلى ولاة الأمر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعني (الزيغ) لغة هو الميل عن الحق ومنشؤُهُ انحراف الإنسان عن الحق والعمل بمقتضيات الإيمان، فإذا صدر من الإنسان ذلك حرمه الله توفيق حفظ أصل الإيمان أي الإعتقاد القلبي وبركاته كما يشير لذلك قوله عزوجل: «فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم» وعليه يكون معنى: (ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني)، هو: لا تمله عن الإيمان أي لا تسلبني توفيق الثبات على الهداية والإيمان. أيها الإخوة والأخوات، واضحٌ من الفقرة المتقدمة من الدعاء المهدوي أنّ المقصود من الهداية هنا هو معرفة ومبايعة (ولاة الأمر) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)؛ فهؤلاء هم الذين أوجب الله عزوجل طاعتهم وجعلها قرينة طاعته وطاعة رسوله (صلى الله عليه وآله) كما ورد في الآية 59 من سورة النساء حيث قال عز من قائل: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ». ويلاحظ في نصِّ الدعاء وصف هؤلاء بأنهم (ولاة أمرك)، أي ولاة أمر الله عزوجل، وفي ذلك إشارة إلى أنهم منصوبون من قبل الله عزوجل يهدون عباده إليه بأمره عزوجل، وأنهم أصحاب الأمر الإلهي بكل خصوصياته كالولاية التكوينية مثلاً؛ وهذا هو سر جعل طاعتهم طاعة لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله). من هنا يتـَّضِحُ أنّ الهداية لمعرفة ولاة أمر الله بعد رسوله هي نعمة كبرى ينبغي أن يحرص الإنسان عليها ويطلب من الله عزوجل أن لا يحرمه منها بعد أن وفـَّقه إليها لأن في الحرمان منها ألزيغ عن الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ الذي يوصل الإنسان إلى الله عزوجل. اعزائنا المستمعين، ونلاحظ في هذا الدعاء الشريف الإهتمام بذكر خلفاء النبي الأكرم الأئمة الإثني عشر بأسمائهم، مع أنّ من الواضح معرفة الداعي بهم، فما هو السرُّ في ذلك؟ قد ترجع الحكمة إلى الآثار المعنوية الخاصة التي يتركها على قلب الداعي ذكر هذه الأسماء المقدسة لما تشتمل عليه من نورانيةٍ خاصةٍ كما هو المستفاد من مخاطبتهم (عليهم السلام) في زيارة الجامعة الكبيرة المروية عن إمامنا علي الهادي (عليه السلام) حيث يقول الداعي فيها: فما أحلى أسمائكم. وإضافة إلى هذه النورانية الحاصلة من ذكر أسمائهم المقدسة الجميلة، فإنّ أصل ذكرها يثير في قلب الداعي مكامن محبَّتهم وموَّدتهم الفطرية أساساً والتي عزَّزها ورسَّخها الإهتداء إلى معرفتهم والإطلاع على كمالاتهم الفريدة. ولا يخفى عليك مستمعي الكريم أنّ إثارة كوامن المحبة لشيء تثير في الإنسان مزيد الشوق للإحتفاظ به والحرص الممدوح عليه، وهذا الأمر من شأنه أن يجعل طلب الداعي من ربه الجليل تبارك وتعالى أن لا يحرمه نعمة معرفة وولاية هؤلاء السادة الأطهار. مستمعينا الافاضل، وثمة حكمة ثالثة نستفيدها من ذكر أسماء الأئمة الإثني عشر كاملة في فقرة الدعاء المتقدمة، وهي تنبيه الداعي إلى لزوم الإعتقاد والإيمان بهم كسلسلةٍ متـَّصلةٍ أي الإيمان بهم جميعاً وحدة واحدة وكنورٍ واحدٍ واتباعهم وطاعتهم جميعاً دون تفريق. وهذه الحكمة نلحظها في نهاية الفقرة، حيث يطلب الداعي من الله عزوجل الثبات على دينه الحق والعمل بطاعته عزوجل، بعد أن يُقِرَّ بنعمة الإهتداء إلى معرفة ومُوالاة وُلاة الأمر الإلهي بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله). وهذا يشير إلى تحقـُّق الثبات على دين الله والعمل بطاعته إنما يتحقق بموالاتهم وطاعتهم (عليهم السلام) جميعاً. رزقنا الله وإياكم أعزائنا حسن الثبات والإستقامة على الدين الحق ببركة مودة وموالاة محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، اللهم آمين، وبهذا ينتهي أعزائنا لقاء اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة) استمعتم له من إذاعة صوت الجمهورية الإسلامية في إيران تقبل الله أعمالكم ودمتم بكل خير. شرح فقرة: "اللهم لا تمتني ميتة جاهلية، …" - 116 2013-06-03 11:03:58 2013-06-03 11:03:58 http://arabic.irib.ir/programs/item/9569 http://arabic.irib.ir/programs/item/9569 السلام عليكم إخوة الإيمان ورحمة الله، معكم في لقاءٍ آخر نتابع فيه الإستنارة بأنوار أدعية أهل بيت النبوة ومعلِّمي الخلق آداب مناجاة الله عزوجل صلواته وتحياته عليهم أجمعين. لنا في هذا اللقاء وقفة عند فقرة أخرى من دعاء أيام الغيبة وهو الدعاء الجليل الذي أمرنا إمام العصر المهدي المنتظر (أرواحنا فداه) بتلاوته خاصة في عصر الجمعات، والفقرة التي وصلنا إليها منه هي قول الداعي: (اللهم لا تمتني ميتةً جاهلية ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، اللهم فكما هديتني لولاية من فرضت طاعته عليّ من ولاة أمرك بعد رسولك صلواتك عليه وآله حتى واليت ولاة أمرك أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب والحسن والحسين وعلياً ومحمداً وجعفراً وموسى وعلياً ومحمداً وعلياً والحسن والحجّة القائم المهدي صلواتك عليهم أجمعين، اللهم ثبتني على دينك وإستعملني بطاعتك ولين قلبي لوليِّ أمرك، …). تلاحظون أعزاءنا، أنّ الداعي يطلب في مطلع هذه الفقرة النجاة أولاً من ميتة الجاهلية، فما هي ميتة الجاهلية؟ لعلكم قد تبادر الى أذهانكم وأنتم تسمعون السؤال الحديث النبوي المشهور والمروي من طرق الفريقين بأسانيد صحيحة، وهو قول النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية). وقد ورد في بعض روايات هذا الحديث الشريف مضمون: من مات وليس في عنقه بيعة لإمام زمانه مات ميتة جاهلية. وبالنظر الى مضمون الحديث النبوي الشريف، وكذلك بملاحظة استخدام الدعاء الشريف لتعبيرٍ مقتبسٍ في الواقع من لفظ الحديث الشريف نفسه، يتـَّضِحُ لنا ولكم مستمعينا الأفاضل أن مقصود الداعي من هذه الفقرة هو أن يعرّفه بامام زمانه ويوفقه لمبايعته لكي لا تكون ميتته ميتة جاهلية. وهنا نثير السؤال التالي: من هو هذا الإمام الذي نطلب من الله أن يعرِّفنا به ويوفقنا لمبايعته لكي ننجوا من ميتة الجاهلية؟ أيها الاخوة والاخوات، الأجابة عن السؤال المتقدم نجدها في الفقرة السابقة لهذه الفقرة، وكذلك في هذه الفقرة ذاتها. ففي الفقرة السابقة لاحظنا أنّ المؤمن يطلب من الله عزوجل أن يعرِّفه بحجَّته على خلقه في هذا العصر لكي لا يضلَّ عن دينه وبالتالي لكي لا يموت ميتة جاهلية. وقد علمنا في الحلقة السابقة أنّ حجّة الله المقصود هو من يكون خليفة خلافة مطلقة لرسول الله، أي ممثلاً له (صلى الله عليه وآله) في أخلاقه وعصمته وعمله بإرادة الله وبأمره عزوجل، وعرفانه الكامل بالحلال والحرام المحمدي أي إحاطته الكاملة بالشريعة المحمدية الخاتمة. فمثل هذا الإمام هو الذي تنجي معرفته من الضلالة ومن ميتة الجاهلية، وهو الذي لا يكون الإنسان مؤمناً حقاً بالنبوة المحمدية ولا عارفاً حقاً برسول الله الأكرم (صلى الله عليه وآله) إلا إذا عرفه وآمن به وتمسَّك به حجَّة من الله عليه. وبعبارة أخرى، فإنّ معرفة خليفة رسول الله في هذا العصر هو علامة حصول المعرفة الحقيقية برسول الله (صلى الله عليه وآله)، أما من لم يعرف الإمام المحمدي في هذا العصر ولم يؤمن به فهو لم يعرف رسول الله (صلى الله عليه وآله) بصورةٍ صحيحةٍ كاملةٍ، مثلما أنّ من لم يعرف رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يؤمن به لم يعرف الله عزوجل بالصورة الصحيحة الكاملة، فإذا مات على ذلك - والعياذ بالله- كانت ميتته ميتة جاهلية، والمزيد من التوضيح لهذه الحقيقة العقائدية المهمة، يأتيكم بعد قليل، فتابعونا مشكورين. أيها الأخوة والأخوات، لتوضيح هذه الحقيقة العقائدية المهمة نقول مستعينين بالله عزوجل، إنّ معرفة الله معرفةً صحيحة كاملة تستلزم الإيمان بأنه عزوجل هو الفيض والعطاء المطلقُ وبمقتضى كرمه لا يمكن أن يبخل على البشرية بالشريعة الإلهية الكاملة عندما تستعدُّ لإدراكها ومعرفتها. ومن الثابت أنّ جميع الديانات السابقة قد اشتملت كلٌ منها على ما يُلبِّي احتياجات البشر في عصور كل منها، لكنها ليست قادرة على تلبية احتياجات البشرية في ظل ما تصلُ إليه الى يوم القيامة، ولذلك لم تكن أيٌّ من الديانات السابقة هي الشريعة الخاتمة، من هنا ثبت في تأريخ الأديان أنّ الأنبياء كانوا يُبشِّرونَ بالنبي الخاتم الذي يُتحِفُ الله بواسطته البشرية بالشريعة الخاتمة وهي الشريعة التي تـُلبِّي جميع احتياجات البشرومهما بلغوا من رُقِيٍّ وتطوُّرٍ والى يوم القيامة وهذه الشريعة هي الشريعة المحمدية الخاتمة والخالدة الى يوم القيامة. وعليه فإنّ من عرف كرم الله وحكمته لابد أن يؤمن بالرسالة المحمدية الكاملة والخاتمة أي لابد أن يؤمن بالنبي الخاتم محمد (صلى الله عليه وآله) وإلا كانت معرفته بالله عزوجل ناقصة غير كاملة. مستمعينا الافاضل، كذلك الحالُ مع معرفة حجة الله في كل عصرٍ، فإنّ من عَرَفَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) المعرفة الصحيحة الكاملة يدرك أنه جاء بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ والكافرون والفاسقون، لأنه صاحب الشريعة الخاتمة، ومن الثابت تأريخياً وواقعياً أنّ هذا لم يتحقق في العصر النبوي المبارك بالإطلاق الذي تذكره الآيات الكريمة، فلابد إذن من أن يستخلف النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) على أمته من يتوّلى هذه المسؤولية ويُحقـِّقها تدريجياً ويحفظ الرسالة المحمدية من الضياع، وإلا كان الدين الإلهي ناقصاً عملياً. وهذا المعنى واضحٌ للغاية في محكم القرآن الكريم حيث إنّ آية إكمال الدين الحقِّ وإتمام النعمة الإلهية نزلت بشأن بيعة الغدير، لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) نصَّ في حادثة الغدير على الأوصياء الإثني عشر من بعده وهم خلفاؤه وحجج الله على أمَّته وولاة الأمر الإلهي بعده، أي المتكفلون بحفظ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ الإلهي حتى تتحقق الإرادة الإلهية بأظهاره عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ والكافرون والفاسقون. وهذه الإجابة التي أشارت الى أصولها الفقرة السابقة من الدعاء حدَّدت فقرة هذه الحلقة مصداقها وبيَّنت أن الأئمة الأثني عشر بدءً من أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وإنتهاءً بالحجّة المهدي إمام العصر (أرواحنا فداه) هم المصداق الوحيد - كلٌّ في عصره- لإمام الزمان الذي لا ينجو الإنسان من ميتة الجاهلية بجميع مراتبها إلا بمعرفته ومبايعته بما تعنيه البيعة من التمسك بولايته وطاعته (سلام الله عليه). اعزاءنا مستمعي إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران وبهذا نصل الى ختام حلقة أخرى من برنامج ينابيع الرحمة، تقبل الله منكم حسن الإصغاء والسلام عليكم ورحمة الله. شرح فقرة: "اللهم عرفني رسولك،..." - 115 2013-06-02 10:18:47 2013-06-02 10:18:47 http://arabic.irib.ir/programs/item/9568 http://arabic.irib.ir/programs/item/9568 السلام عليكم أعزائنا وأهلا بكم في حلقة أخرى من هذا البرنامج نقضي فيها دقائق مع أولى فقرات الدعاء الجليل الذي أمرنا مولانا امام العصر بالإلتزام بتلاوته في عصر غيبته (عجل الله فرجه) تثبيتاً للإيمان ونجاة من الفتن. والفقرة المشار إليها هو قول الداعي: (اللهم عرفني نفسك، فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرفك ولم أعرف رسولك، اللهم عرفني رسولك فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك، فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني). مستمعينا الافاضل، في الحلقة السابقة عرفنا بعض الدلالات العقائدية المستفادة من العبارة الأولى في هذه الفقرة، ونتدَّبر معاً في هذا اللقاء بالعبارة الثانية، وفيها يطلب الداعي من الله عزوجل أن يعرِّفه رسوله لأنه إن لم يعرِّفه رسوله لم يعرف حجته، فما المراد بذلك؟ بداية ينبغي أن نعرف أنّ المراد (برسولك) هنا هو النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بالخصوص، وهذا الأمر واضحٌ لأن الداعي هو من أمّة خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله)، وواجبه أن يعرف من هو نبيُّهُ بالخصوص وإيمانه بالأنبياء السابقين – على نبينا وآله وعليهم أفضل السلام – هو بالنسبة لهذه الأمة فرع الإيمان بنبوة الخاتم (صلى الله عليه وآله)، نجد في القرآن الكريم إشاراتٍ كثيرة إلى هذه الحقيقة العقائدية. هذا بالنسبة إلى المراد برسولك في هذه العبارة، فما هو المراد بحجَّة الله الذي إن لم يعرف الإنسان رسوله لم يعرفه؟! في الإجابة عن السؤال المتقدم، نذكر مستمعينا الأفاضل، بأنّ الدعاء خاصٌّ كما ألمحنا بعصر الغيبة، وعليه يتـَّضِحُ أنّ المراد بالحجة هو إمام العصر المُغيَّبُ كغيبة الشمس خلف السحاب (عجل الله فرجه). وهنا نعرض سؤالاً آخر هو ما معنى كونه (عليه السلام) حجّة الله؟ للإجابة عن هذا السؤال نرجعُ إلى النصوص الشريفة، فنجدها تبيِّن لنا أنّ الحجة في عصر الغيبة هو خليفة الله الذي به يدَّبر الله عزوجل نظام الكون وشؤون العباد، الذي لولاه لساخت الأرض بأهلها أي لزالت كما صرَّحَتْ بذلك كثير من النصوص الشريفة. وعلى ضوء هذه الحقيقة نعرف سرِّ كون معرفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) شرط معرفة حجّة الله الموجود في الأرض في كل عصر ولكن كيف؟ الإجابة تأتيكم بعد قليل، فتابعونا مشكورين. لا حظوا أحبائنا أن العبارة الأولى في هذه الفقرة النورانية من الدعاء الشريف بيّنت لنا أن معرفة الله عزوجل شرطٌ لحصول المؤمن على معرفة رسوله الأكرم (صلى الله عليه واله)، وقد عرفنا في الحلقة السابقة أنّ سرَّ هذه الشرطية هو أنّ رسول الله هو في الواقع خليفة الله المطلق في أرضه، ومعلوم أنّ معرفة المُستخلف شرط معرفة الخليفة، إذ خلافة الله المطلقة تعني تمثيل الله عزوجل لعباده بكل أخلاقه عزوجل وإدارة شؤون العباد بإذنه جل جلاله بل إجراء إرادته في خلقه في الواقع؟ من هنا نعلم أنّ رسول الله هو المعرِّف لأخلاق الله وإرادته بين عباده، فلا يخرج منها قيد أنمُلة، وهذا هو معنى العصمة المحمدية المطلقة في عقيدة مدرسة أهل البيت (عليهم السلام). وبذلك فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو حجة الله المطلقة على جميع الخلق وإلى يوم القيامة، ولذلك كان حلاله حلالاً إلى يوم القيامة وحرامه حراماً إلى يوم القيامة. وعليه يتـَّضِحُ أنّ حجة الله عزوجل في عصر الغيبة إنما يمثـِّل حُجيّة رسول الله الأعظم على الناس، أي أنه العارف بالكامل بحلال محمد (صلى الله عليه وآله) وحرامه، الملتزم بذلك وبصورةٍ كاملةٍ أيضاً، والمعصوم بالعصمة المحمدية المطلقة وبالكامل أيضاً. وبعبارة أخرى فإنّ حجّة الله على خلقه في كل عصر هو خليفة رسول الله بالخلافة المطلقة وبذلك يكون أمين الله في أرضه وحجته على عباده. وعلى ضوء كل ما تقدَّم يتـَّضِحُ سِرُّ تأكيد هذا الدعاء الشريف على أنّ معرفة رسول الله شرط معرفة حجَّة الله علينا في هذا العصر أي شرط معرفة إمام العصر والزمان (سلام الله عليه)، إذ أنّ إمام العصر هو خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أي الممثل له في أمّته بأخلاقه وعصمته وسيرته، فإذا عرفنا رسول الله حقاً عرفنا تبعاً من يمثـِّله ويتحلّى بأخلاقه وعصمته. مستمعينا الاطائب أما في العبارة الثالثة والأخيرة في هذه الفقرة فنجد الداعي يطلب من الله عزوجل أن يعرِّفه بحجته في هذا العصر معلِّلاً طلبه، بأنّ هذه المعرفة شرط الإهتداء إليه عزوجل وبغيره يضلُّ الإنسان عن الدين الحق ويقع في حبائل الأئمة المضلـِّين. والسِرُّ في ذلك أيها الإخوة والأخوات هو أنّ الإنسان إذا عرف حجَّة الله عليه توجَّه إليه وطلب الدينَ منه (عليه السلام). وإن كان غائباً مستوراً كما هو حال المؤمنين في عصر غيبة مولانا الإمام المنتظر (عجل الله فرجه) فإنّ المؤمن يحصل على الدين الحقِّ من إمام زمانه بصورة غير مباشرةٍ وبوسائل عدَّةٍ، الظاهرية منها هم المجتهدون الأتقياء والفقهاء الصائنون لأنفسهم من الهوى والرواة العارفون بقيم وأحكام مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، فقد أمرنا إمام العصر (أرواحنا فداه) بالرجوع إليهم في عصر غيبته. وإضافة إلى ذلك ثمة وسائل غير ظاهرية يستعين بها إمام الزمان لهداية طلاب الهدى المحمدي النقي، فيهديهم بها وبأمر الله وإذنه إلى الدين الحق ولو من حيث لا يشعرون. وبهذا مستمعينا الأكارم تنتهي حلقة اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة) إستمعتم لها من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران شكراً لكم ودمتم في رعاية الله. شرح فقرة: "فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرفك،..." - 114 2013-06-01 13:56:24 2013-06-01 13:56:24 http://arabic.irib.ir/programs/item/9567 http://arabic.irib.ir/programs/item/9567 السلام عليكم إخوة الإيمان ورحمة الله، معكم في لقاء آخر مع الدعاء الجليل الذي أمرنا إمامنا بقية الله المهدي في عصر غيبته (عجل الله فرجه)، وهو دعاءٌ وردت تأكيدات مشدَّدة على الإلتزام بالتوجه إلى الله عزوجل به خاصة في عصر يوم الجمعة. وفي هذا اللقاء نبقى نستنير بالفقرة الأولى منه حيث يقول الداعي: اللهم عرفني نفسك، فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرفك ولم أعرف رسولك، اللهم عرفني رسولك، فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك، فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني . في الحلقة السابقة من البرنامج عرفنا أيها الأعزاء، أنّ المؤمن عندما يطلب من الله عزوجل أن يعرِّفه نفسه، فإنّ مراده من ذلك يتضمن عدة أمور، منها الهداية إلى الفهم الصحيح للآيات الكريمة التي عرَّف الله بها نفسه في القرآن المجيد، ومنها تحصين المؤمن من الوقوع في جميع أشكال الفهم المنحرف الذي روَّجَهُ أهل البدع والأهواء والتفسير بالرأي لآيات معرفة الله عزوجل، ومنها، الفوز بالمعرفة الإلهامية التي يقذفها الله في قلب من يشاء ومنها أن يوفقه الله إلى رؤية آياته المعرِّفة به في الآفاق والأنفس حتى يصل إلى مرتبة المعرفة الشهودية اليقينية وحتى يتبين له أنه عزوجل الحق حسب التعبير القرآن. مستمعينا الافاضل، (وعند ما) نتأمل في آثار وبركات الفوز بهذه المراتب السامية والعملية من معرفة الله جل جلاله، يتـَّضح لنا أهمية أن يطلب الانسان المؤمن من ربّه الكريم أن يعرِّفو نفسه، لأنه بذلك يطلب في الواقع التوحيدية الصحيحة التي تفتح له آفاق طَيِّ معارج الكمالات الإنسانية بمختلف مستوياتها، كما أنّ هذه المعرفة التوحيدية الصحيحة تـُعين المؤمن بلا شك على معرفة أخلاق الله عزوجل، وبالتالي تفتح له باب العمل بالوصية المحمدية الخالدة الواردة في قوله (صلى الله عليه وآله): (تخلقوا بأخلاق الله)، ولا يخفى عليكم أيها الأعزاء أنّ التخلُّق بأخلاق الله عزوجل هو من أهم وسائل القرب الإلهي وبلوغ المؤمن الطمأنينة والسكينة والسعادة في الدنيا والآخرة فيكون محبوباً في الأرض وفي السماء. أما الآن أيها الأعزاء فنستنير بقول الدعاء الشريف: (فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرفك، ولم أعرف رسولك)، في هذه الكلمات بيان لسرِّ طلب الداعي من الله عزوجل أن يعرِّفه مباشرة نفسه، فهي تـُنـِّبه إلى أن هدف المؤمن الحقيقي ينبغي أن يكون الفوز بالمعرفة الصحيحة بالله عزوجل، أي أن تكون معرفة خالية من جميع شوائب الأهواء والتصوُّرات الخاطئة وهذه المعرفة التي ترقى بالإنسان إلى معارج الكمال والسعادة والقرب الإلهي كما أسلفنا. وغير هذه المعرفة تعني عملياً أن الإنسان لم يعرف ربَّه، وهنا نصل إلى نتيجةٍ محوريةٍ مهمةٍ في كل عبارات هذه الفقرة العقائدية الدعائية وهي أنّ الداعي إنما يطلب المعرفة العقائدية ذات الآثار العملية على سلوك الإنسان، فحكم غير هذا النوع من المعرفة حكم عدم حصول المعرفة أساساً. مستمعينا الافاضل، ثم يبين الدعاء أنّ الله عزوجل إذا لم يعرِّف نفسه لعبده المؤمن لم يستطع أن يعرِف رسوله الأكرم (صلى الله عليه واله)، فلماذا؟ هذا الربطُ بين معرفة الله عزوجل ومعرفة سيد أنبيائه المرسلين (صلى الله عليه وآله)، يكشفُ لنا حقيقة أنّ معرفة الله وصفاته وأخلاقه تعرِّفنا بصفات وأخلاق رسول الله لأنه (صلى الله عليه وآله) خليفته الكامل في خلقه؛ وأقربهم إليه عزوجل في أخلاقه وصفاته بالطبع بما يتناسب مع خصوصيات الجنبة البشرية له (صلى الله عليه وآله). ولحصول المؤمن على هذا النمط من المعرفة بالحبيب المصطفى ثمارٌ كثيرة نشير في هذه العجالة إلى ثمرة محورية هي أنها تجعل المؤمن يتعامل معه (صلى الله عليه وآله) على معرفة إلهية أخلاقه فهو مثلاً كربِّه الأعلى جلَّ جلاله رؤوفٌ رحيمٌ بالعباد كما أشارت لذلك الآية الأخيرة من سورة التوبة. كما أنّ هذه الثمرة المحورية تجعل المؤمن في المقابل ينفي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل ما لا يتناسب مع الأخلاق الإلهية من أفعال وأقوالٍ أياً كان من يُنسَبُ له ذلك. نشكر لكم أعزائنا مستمعي إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران طيب المتابعة لهذه الحلقة من برنامج (ينابيع الرحمة) تقبل الله أعمالكم ودمتم بكل خير. معنى أن يعرف الله نفسه - 113 2013-05-29 09:56:16 2013-05-29 09:56:16 http://arabic.irib.ir/programs/item/9566 http://arabic.irib.ir/programs/item/9566 السلام عليكم إخوتنا طابت أوقاتكم بكل ما يرضاه الله وأهلاً بكم في لقاء اليوم من برنامجكم هذا ونحن نسعى فيه للإستنارة بأدعية أهل بيت النبوة (عليهم السلام) ومنها دعاء الغيبة أو دعاء المعرفة الذي أمر إمام العصر الحجة المهدي (عجل الله فرجه) المؤمنين بتلاوته - وبتأكيدٍ مشدَّدٍ - في عصر الغيبة. وقد ذكرنا في الحلقة السابقة أعزائنا ملاحظات عامة بشأن أولى فقرات هذا الدعاء المبارك تبيِّنُ أهميته وافتتاحه بالإشارة إلى البناء العقائدي الكامل الذي ينقذ من ميتة الجاهلية ومن الضلالة. ونستنير الآن بالعبارة الأولى من هذه الفقرة، وهي أن يقول الداعي: (اللهم عرفني نفسك، فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرفك ولم أعرف رسولك، ...). كما تلاحظون مستمعينا الافاضل، فإنّ العبارة المتقدمة صريحة في أنّ من غير الممكن معرفة الله إلا بتعريف منه عزوجل، كما أنّ بدون هذا التعريف الإلهي لا يمكن أيضاً معرفة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فما هو المستفاد من ذلك؟ أيها الإخوة والأخوات، انّ الله تبارك وتعالى قد عرَّف نفسه للعالمين بما ذكره من أوصافه الكريمة في كتابه المجيد وبما أجراه على لسان عباده المخلصين محمد وآله الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين). وقد أمرت النصوص الشريفة الناس بالحصول على معرفة الله من هذه الينابيع النقية ومحاكمة كل معرفة له عزوجل أو كلِّ صفة تنسب إليه على ما تذكره الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة؛ وقبول ما تؤيده وينسجم معها وَرَدِّ ما يتعارض معها. إذن فهذا هو طريق شرعي لمعرفة الله عزوجل مصدره هو الله جل جلاله فما معنى إذن أن يأمرنا إمام العصر الحجة المهدي (أرواحنا فداه) بأن نطلب من الله عزوجل أن يعرفنا نفسه مباشرة؟ وهل ما نطلبه هنا هو طريق آخر لمعرفة الله عزوجل غير ما تحدِّثنا الآيات الكريمة واالأحاديث الشريفة؟ في الإجابة عن السؤالين المتقدمين، نقول أولاً إنّ طلب معرفة الله منه عزوجل مباشرة يمكن أن يكون المراد منه طلب العون للحصول على معرفته الصحيحة وذلك بتوفيق المؤمن للفهم الصحيح لما ذكرته الايات الكريمة والأحاديث الشريفة من أوصافه عزوجل. أي لا يقع في التحريفات المعنوية التي أحدثها المبدعون في تفسير الآيات الكريمة الواردة في أبواب معرفة الله عزوجل. وعليه يكون المعنى هو أن يطلب المؤمن من الله عزوجل أن يحصنه من التفسير بالرأي والأهواء لهذه الآيات الكريمة، إذ أنّ ذلك لا يقود الإنسان إلى المعرفة الصحيحة بالله عزوجل بل إنّ ما يحصل عليه هو معرفة بإلهٍ موهومٍ صنعته أهواؤُه، فتكون بالتالي عبادته له هي عبادة لهواه وللنفس وليس عبادة حقيقية لله عزوجل. كما يمكن مستمعينا الأفاضل أن يكون مراد الداعي وهو يطلب من الله عزوجل أن يعرفه نفسه هو أن يرزقه التعمق في فهم الآيات الكريمة التي عرَّف الله بها نفسه لعباده. فهذا التعمق يؤهِّله إلى الفوز بمراتب أعمق من المعرفة الإلهية، والحصول على المعارف المكنونة في القرآن الكريم حسب التعبير القرآني نفسه وقد تظافرت كثير من أحاديث أهل بيت النبوة (عليهم السلام) في التأكيد على أن للقرآن ظاهراً وباطناً وأن لباطنه سبع مراتب. أما المعنى الثالث لأن يطلب المؤمن من الله عزوجل أن يعرفه نفسه مباشرة فهو الفوز بالمعرفة الإلهامية القلبية، وقد ورد عن إمامنا الصادق (عليه السلام) أنّ العلم نورٌ يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده، وهذه هي من مراتب معرفة الله عزوجل، فهي تتميز بميزات عدّةٍ منها أنّ الله عزوجل يقذف في قلب المؤمن الصادق بما يناسبه من حقائق معرفته وبما يحتاجه في حياته العملية وبما يعينه على التقرب إليه والإنتقال من مرتبته الإيمانية التي يعيشها إلى مرتبة أعلى في درجات الكمال. وأخيراً نشير مستمعينا الأفاضل إلى معنى رابع يمكن للداعي أن يقصده وهو يدعو الله أن يعرِّفه نفسه، وهو أن يعرِّفه بمظاهر حضوره عزوجل في جميع شؤون الحياة حتى يبلغ بإيمانه إلى مرتبة اليقين الذي لا شك معه، وهذا هو المعنى المشار إليه في قوله تعالى: «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ»، رزقنا الله وإياكم أيها الأعزاء معرفة ما يزيد في قلوبنا محبته ويُزِّودُنا بوقود الإقبال على طاعته إنه سميعٌ مجيب، وإلى لقاء آخر من برنامج ينابيع الرحمة نستودعكم الله ودمتم أعزاءنا مستمعي صوت الجمهورية الإسلامية في إيران بكل خير. شرح فقرة: "اللهم عرفني نفسك،..." - 112 2013-05-26 09:30:01 2013-05-26 09:30:01 http://arabic.irib.ir/programs/item/9565 http://arabic.irib.ir/programs/item/9565 السلام عليكم إخوة الإيمان، طبتم وطابت أوقاتم بكل خير. أهلاً بكم في حلقة أخرى من هذا البرنامج نستضيء فيها بالفقرة الأولى من دعاء عصر الغيبة الذي أمرنا مولانا إمام العصر (أرواحنا فداه) بتلاوته وأكدت وصايا أهل المعرفة ضرورة اهتمام المؤمنين بالمواضبة عليه لكثرة بركاته. في الفقرة الأولى من الدعاء يقول الداعي: (اللهم عرفني نفسك، فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرفك ولم اعرف رسولك، اللهم عرفني رسولك، فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك، فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني، ...). مستمعينا الافاضل، قبل الدخول في تفصيلات هذه الفقرة، نشير إلى ملاحظات عامة مشتركة بين جميع عباراتها. الملاحظة الأولى: هي أنّ مضمون الفقرة المتقدمة ورد بصيغة دعاء مستقلٍ قصيرٍ حثَّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) قبل الإمام المهدي (عجل الله فرجه) على تلاوته في عصر الغيبة. فقد روى عدّة من كبار علمائنا في مصادرنا الحديثية المعتبرة، مثل الكليني في كتاب الكافي، والنعماني في كتاب الغيبة والشيخ الصدوق في كتاب كمال الدين والطوسي في كتاب الغيبة بأسانيد متعددة، عن زرارة وهو من أصحاب إمامنا الصادق (عليه السلام)، قال: سمعت أبا عبد الله {الصادق} (عليه السلام) يقول: إن للقائم غيبة قبل أن يقوم {إلى أن قال}: يا زرارة وهو المنتظر الذي يشك الناس في ولادته، منهم من يقول: مات أبوه ولم يخلف، ومنهم يقول: هو حملٌ، ومنهم يقول: هو غائبٌ، ومنهم يقول: ما ولد، ومنهم من يقول: قد ولد قبل وفاة أبيه، وهو المنتظر غير أن الله تبارك وتعالى يحب أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون. قال زرارة: فقلت جعلت فداك، فإن أدركت ذلك الزمان فأي شيء أعمل؟ قال: يا زرارة إن أدركت ذلك الزمان فأدم {وفي رواية فألزم} هذا الدعاء: اللهم عرفني نفسك، فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيك، اللهم عرفني رسولك، فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك، فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني. مستمعينا الافاضل، وقد جاءت صيغة هذا الدعاء في روايات أخرى عن زرارة أيضاً أنه وبعد أن ذكر الإمام الصادق (عليه السلام) غيبة المهدي المنتظر (عجل الله فرجه). قال زرارة: فقلت: وما تأمرني إذا أدركت ذلك الزمان؟ فقال (عليه السلام): أدع الله بهذا الدعاء: اللهم عرفني نفسك، فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرفك، اللهم عرفني نبيك، فإنك إن لم تعرفني نبيك لم أعرفه قط، اللهم عرفني حجتك، فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني. مستمعينا الافاضل، يتـَّضِحُ بقليل من التأمُّل أن الفقرة الأولى من دعاء عصر الغيبة الطويل جامعة بين مضمون صيغتي الدعاء المختصر المرويتين عن مولانا الإمام الصادق (عليه السلام) فهي أكمل الصيغ. (وعند ما) نلاحظ أيها الإخوة والأخوات شدة تأكيد الإمام الصادق (عليه السلام) على الإلتزام بهذا الدعاء المختصر، يتـَّضِحُ لنا أهمية هذه الفقرة بالخصوص من دعاء الغيبة الذي أمرنا إمامنا المهدي (عجل الله فرجه) بتلاوته، وعلى أي حال يفهم من مجموع ما أمراً به (عليهما السلام) أنه لا ينبغي للمؤمن الغفلة عن التوجه إلى الله عزوجل بتلاوة محلٍّ مِنْ دُعائي عصر الغيبة المختصر منهما المروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) والطويل المروي عن الحجة المهدي (أرواحنا فداه)، وينقل عن أحد العرفاء الإمامية الحثُّ على الإلتزام بهذا الدعاء المختصر في قنوت الصلوات، والإلتزام بالدعاء الطويل عصر يوم الجمعة خاصة. مستمعينا الافاضل، اما أما الملاحظة الثانية: المرتبطة بالفقرة الأولى من هذا الدعاء المبارك فهي أنه يبتدأ بمطلب ذات صبغة عقائدية منبِّهاً المؤمنين إلى أنّ البناء العقائدي السليم ينبغي أن يرتكز على الإعتقاد الصحيح بالتوحيد والنبوة والإمامة وخلفاء النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وبهذا الإعتقاد الكامل تكون النجاة من الضلالة وميتة الجاهلية، وفي ذلك إشارة إلى مضمون حديث الثقلين المتواتر وحديث معرفة إمام الزمان الذين صحَّت روايتهما عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من طرق مختلف المذاهب الإسلامية. أيها الاخوة والاخوات، اما أما الملاحظة الثالثة: المرتبطة بالفقرة المتقدمة من دعاء عصر الغيبة، فهي أنها تدعو لطلب الحصول على المعرفة الصحيحة بالله ورسوله وحجَّته من الله عزوجل مباشرة، بل وتصرِّح بأنّ هذه المعرفة لا يمكن الحصول عليها من غير الله عزوجل، وبهذه الملاحظة ننهي أعزائنا مستمعي إذاعة طهران لقاءنا بكم في هذه الحلقة من برنامج (ينابيع الرحمة) تقبل الله منكم حسن الإصغاء ودمتم في رعايته عزوجل، سالمين والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. مقدمة عن أهمية (دعاء المعرفة) في عصر الغيبة - 111 2013-05-25 10:24:46 2013-05-25 10:24:46 http://arabic.irib.ir/programs/item/9564 http://arabic.irib.ir/programs/item/9564 السلام عليكم مستمعينا الأكارم ورحمة الله، طبتم وطابت أوقاتكم بكل ما تحبون وفوق ما تأملون. أهلاً بكم في لقاءٍ آخر من هذا البرنامج، نبدأ فيه - بعون الله عزوجل - بالإستنارة بإضاءات ما يعرف بدعاء المعرفة، وهو من أهم أدعية أهل البيت (عليهم السلام) في عصر غيبة قائمهم المهدي الموعود (عجل الله فرجه) ونخصص هذه الحلقة من البرنامج للتعرف على أهمية هذا الدعاء الجليل ومصدره ومضامينه العامة. أما بالنسبة لمصدر الدعاء فقد رواه الشيخ الطوسي في كتاب مصباح المتهجد، ورواه السيد بن طاووس في كتابي جمال الأسبوع ومصباح الزائر. وقد روي هذا الدعاء الشريف بسندين عن العبد الصالح محمد بن همّام الذي ذكر أنّ السفير الأول من سفراء مولانا الإمام المهدي في عصر الغيبة الصغرى الشيخ الجليل أبا عمرو عثمان بن سعيد العمري قدس الله روحه قد أملاه عليه وأمره أن يدعو به فهو الدعاء في غيبة القائم من آل محمد عليه وعليهم السلام. ولا يخفى عليكم أنّ ما صدر من السفراء الأربعة رضوان الله عليهم هو عن مولاهم الإمام المهدي (عجل الله فرجه) كما ثبت ذلك في المباحث العقائدية، إذن فهذا الدعاء هو من الأدعية التي أمر مولانا الإمام المهدي المؤمنين بتلاوتها في عصر الغيبة. أما عن أهمية هذا الدعاء الشريف فيكفي أن نشير إلى عظيم اهتمام علماء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) به وحثـَّهم المؤمنين على الإلتزام به؛ خاصة في عصر يوم الجمعة كما نصّ على ذلك السيد الجليل علي بن طاووس في كتاب جمال الأسبوع، وقال في الإشارة إلى أهمية المواظبة على تلاوته وقبل أن ينقل روايته: دعاء آخر يدعى به له {أي الإمام المهدي (صلوات الله عليه)} وهو مما لا ينبغي إذا كان لك عذر عن {أداء} جميع ما ذكرناه من تعقيب العصر يوم الجمعة، فإياك أن تهمل الدعاء به، فإننا عرفنا ذلك {أي هذه الأهمية} من فضل الله جل جلاله الذي خصّنا به فأعتمد عليه. مستمعينا الاعزاء وقد نقل الفقيه العارف السيد الجليل آية الله محمد تقي الإصفهاني في كتابه القيم (مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم) كلام السيد بن طاووس المتقدم وعلّق عليه قائلاً: وهذا الكلام يدل على صدور أمر في ذلك عن مولانا صاحب الزمان (عجل الله فرجه) إليه {أي للسيد بن طاووس} وهذا غير بعيد عن مقامات السيد وكراماته أفاض الله عليه من سنيّ بركاته. أيها الاخوة والاخوات، كما أنّ أهمية المواظبة على هذا الدعاء الشريف يمكن للمؤمن أن يلتمسها من خلال التأمل في المضامين المهمة التي يشتمل عليها والبركات التي تحصل للمؤمن من خلال المواظبة على التوجُّه إلى الله عزوجل والتقرب إليه بتلاوته. ويمكننا أن نلخِّص ذلك في النقاط الأساسية التالية: أولاً: ترسيخ المعرفة الشرعية الصحيحة بإمام العصر )أرواحنا فداه) في قلب المؤمن بما يضمن نجاته من ميتة الجاهلية. ثانياً: تبيِّن مصاديق التمسك العملي بولاية الإمام الحق في غيبته (عجل الله فرجه). ثالثاً: تقوية روح التسليم لأمر الله عزوجل فيما يرتبط بغيبة وليّه المهدي (عجل الله فرجه) خاصة وجميع شؤون المؤمن عامة. رابعاً: تحصين المؤمن من التأثر بالشبهات والشكوك المثارة تجاه الغيبة المهدوية وبالتالي إنقاذه من فتن هذا العصر العقائدية والسلوكية. خامساً: ترسيخ محبة وموَّدة إمام العصر (أرواحنا فداه) في قلب المؤمن وتقوية أوامر الإرتباط الوجداني به (عليه السلام) وهذه من أوثق عُرى النجاة والفلاح. سادساً: تعريف المؤمن بشروط الإنتظار الصادق للفرج المهدوي المبارك وصفات المنتظرين الحقيقيين والأنصار المخلصين لإمام العصر (عليه السلام) وإعانته على التحلي بها. سابعاً: تقوية روح البراءة من الظلم والجور بجميع أشكاله ومظاهره؛ وهذه من أهم الشروط اللازمة للإنظمام لجبهة أنصار المهدي (عجل الله فرجه). ثامناً: بيان ما يحققه الله عزوجل على يد الإمام المنتظر عند ظهوره مما فيه صلاح المجتمع البشريِّ عامة وفي ذلك تقوية لروح التشوق لظهوره (عجل الله فرجه). أعزائنا مستمعي إذاعة طهران في الحلقة المقبلة من برنامج (ينابيع الرحمة) سنبدأ بعون الله تعالى الإستضاءة بفقرات هذا الدعاء الشريف بعد أن تعرفنا في هذا اللقاء على أهميته فإلى حينها نستودعكم الله بكل خير والسلام عليكم. شرح فقرة: "اغفرلنا ولوالدينا، ..." - 110 2013-05-22 11:05:47 2013-05-22 11:05:47 http://arabic.irib.ir/programs/item/9302 http://arabic.irib.ir/programs/item/9302 السلام عليكم اخوة الإيمان ورحمة الله، على بركة الله نلتقيكم في حلقة اخرى من هذا البرنامج نستنير فيها بالمقطع الأخير من الدعاء الجليل الذي امرنا مولانا الإمام الحجة المهدي (أرواحنا فداه) بتلاوته بعد الزيارة المروية عنه التي يزار بها جده الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء، وفي هذا المقطع الخاتم يقول الداعي: (اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفرلنا ولوالدينا، ولجميع الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ والْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الأحياء منهم والأموات وآتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، ...). كما لاحظتم فالمقطع الختامي لهذا الدعاء يشتمل على طلبات متداولة على السنة المؤمنين ورائجة في نصوص ادعية اهل بيت النبوة (عليهم السلام) انها طلبات تعبر عن روح حب الخير للآخرين وهي الروح التي تمثل اهم معالم الشخصية الإيمانية التي يحبها الله عزوجل، ومما لاشك فيه ان الدعاء للآخرين من المصاديق الواضحة لطلب الخير لخلق الله ونفعهم ولذلك ورد التأكيد عليه كثيراً في احاديث اهل بيت النبوة وأدعيتهم صلوات الله عليهم اجمعين. يبدأ الداعي بالصلاة على محمد وآله فهي الجناح الذي يعرج بدعاء الداعي الى العلى ويضمن قبول الله عزوجل كما صرحت بذلك الأحاديث الشريفة. وبعدها يطلب الداعي المغفرة قائلاً: (واغفر لنا ولوالدينا) واستخدامه صيغة الجمع (لنا) يشير الى اشراكه في هذا الدعاء من يرى نفسه جزءً من كيانهم من جماعة من يعرف من المؤمنين او الأقارب او من يحرص على الدعاء لهم؛ فيكون الدعاء لهم شاملاً لكل ما يدعو به لنفسه. ويلاحظ في هذا النص ان الإمام المهدي (عليه السلام) يعلمنا انه ينبغي ان نقدم في دعاءنا الوالدين اولاً ثم المؤمنين والمؤمنات خصوصاً ثم المسلمين والمسلمات عموماً وبصورة تشمل الأحياء منهم والأموات وهذا من المصاديق لقوة روح طلب الخير في قلب المؤمن للجميع حيث يُوسِّع دائرة من يدعولهم لتبلغ جميع هذه الطوائف. فالمؤمن مأمور بأن يسعى لأن يتخلق بأخلاق الله عزوجل، ومن اوضح اخلاقه تبارك وتعالى شمولية خيره للجميع، وهذا ما يسعى المؤمن للتحلي به من خلال طلبه الخير للجميع وبأوسع الدوائر رجالاً ونساءً وأحياءً وأمواتاً. أما ترتيب الدوائر المذكورة بالنحو المتقدم اي بتقديم الوالدين على المؤمنين وتقديم المومنين على سائر المسلمين: فهو الشائع في ادعية اهل البيت (عليهم السلام) وهو يشير الى ان كل فئة اولى وأحق بالدعاء من التي تليها. ويختم الداعي هذا المقطع بالدعاء القرآني الشهير: «آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ». وفي الواقع فإن هذا الدعاء هو طلب السعادة في الدنيا والآخرة بأن تكون طبيعة العيش في كل منها بما يناسبها اي تكون عيشة حسنة تناسب الدنيا وأخرى تناسب الأخرى. وقد جاء في تتمة رواية هذا الدعاء الشريف قول امام العصر (رواحنا فداه) مخاطباً الزائر الداعي: ثم تركع وتسجد وتجلس وتتشهد وتسلم فإذا سبحت فعفر خدك وقل: (سُبْحَانَ اللَّهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ ولا الَهَ الاَّ اللَّهُ والله اكبر اربعين مرة، وأسأل الله العصمة والنجاة والمغفرة والتوفيق بحسن العمل والقبول لما تتقرب به اليه وتبتغي به وجهه عزوجل، وقف عند الرأس ثم صل ركعتين على ما تقدم، ثم انكب على القبر وقبله وقل: زاد الله في شرفكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأدع لنفسك ولوالديك ولمن اردت، ...). وكما تلاحظون فإن هذه الفقرة اشتملت على عدّة من اداب الزيارة والدعاء والعبودية من تشديد الخضوع لله عزوجل وتكرار الأذكار ترسيخاً لها بالقلب والتأكيد على طلب العصمة والتوفيق الإلهي لسلوك الطريق الذي يقرب المؤمن الى الله عزوجل ويرزقه رضاه. رزقنا الله وإياكم ذلك ببركة موالاة محمد وآله الطاهرين، اللهم امين. شكراً لكم ايها الأعزاء على طيب المتابعة لهذه الحلقة من برنامج (ينابيع الرحمة) الى لقاء مقبل بتوفيق الله نستودعكم الله بكل خير والسلام عليكم. شرح فقرة: "نسألك إدرار الرزق الذي به قوام حياتنا،..." - 109 2013-05-21 11:57:02 2013-05-21 11:57:02 http://arabic.irib.ir/programs/item/9301 http://arabic.irib.ir/programs/item/9301 السلام عليكم ايها الأخوة والأخوات ورحمة الله، طابت اوقاتكم بكل ما تحبون، وأهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج الذي نستنير فيه بأنوار ادعية معلمي التوحيد الخالص والحياة الكريمة محمد واله الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين. ولنا معكم ايها الأعزاء في هذا اللقاء وقفة عند فقرة اخرى من الدعاء الذي امرنا امام العصر المهدي المنتظر (أرواحنا فداه) بتلاوته بعد نص الزيارة المروي عنه التي يزار بها جده سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم عاشوراء. في هذا الفقرة يعلمنا الإمام المهدي (عليه السلام) ان نطلب من الله عزوجل الرزق المناسب لطموحات المؤمن، فنقول: (اللهم، ونسألك ... ادرار الرزق الذي به قوام حياتنا وصلاح احوال عيالنا، فأنت الكريم الذي تعطي من سعة وتمنع من قدرة، ونحن نسألك من الرزق ما يكون صلاحاً للدنيا وبلاغاً للآخرة، ...). نذكركم اولاً بأن الطلب المتقدم جاء بعد مقدمة توسل فيها الداعي الى الله بوليد الصديق الإمام سيد الشهداء (عليه السلام) وسأله بالحق الذي جعله الله له ولجده المصطفى ووالديه علي وفاطمة (صلوات الله عليهم اجمعين)، فما الذي يدل عليه ذلك؟ لا يخفى عليكم ان مثل هذا التوسل المغلظ انما يلجأ اليه الداعي لضمان استجابة الطلبات المهمة، اذن فهو يدل على اهمية الطلب الذي تتضمنه الفقرة التالية لهذا التوسل. فما هو هذا الطلب المهم؟ هذا الطلب هو (إدرار الرزق)، اي ان الداعي يطلب من ربه الرزاق ذي الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ان يغدق عليه رزقه المستمر. ولكن المطلوب هنا ليس مطلق الرزق دون تحديد او تقييد، بل انّ امام زماننا المهدي (أرواحنا فداه) يعلمنا في هذا الدعاء ان نطلب من الله عزوجل نوعاً معيناً من الرزق تتوفر فيه صفات محددة لكي يكون فيه صلاح دنيانا وخير اخرتنا، فما هي هذه الصفات؟ في الإجابة عن السؤال المتقدم نرجع الى نص الدعاء، فنجده يصف هذا الرزق المطلوب بالصفات التالية: اولاً: ان يكون به قوام حياتنا، اي ان يكون رزقاً تستمر به حياتنا في الدار الدنيا سوية، فلا يؤدي الى ان نطغى فتمت قلوبنا فنفقد الحياة الروحية الحقيقية فنصير امواتاً بصورة احياء، وكذلك ان لا يؤدي الى ضعف ابداننا الى الدرجة التي لا نقوى فيها على اداء واجباتنا والسعي في الأرض بما يقربنا اليه عزوجل، هذه هي الصفة الأولى للرزق المطلوب. أما الصفة الثانية له والتي يذكرها نص الدعاء المهدوي فهي: ان يكون فيه (صلاح عيالنا)، اي ان لا يكون صالحاً لنا وحسب بل لعوائلنا ايضاً، فقد يطيق احدنا تحمل قلة الرزق ويكون صلاحه في ذلك، ولكن عائلته لا تطيقه سبباً للإضرار بها بما ينافي صلاح امورها. ولذلك يطلب الداعي من الرزق الإلهي ما يكون فيه صلاحه هو وصلاح عائلته ايضاً ويجعلهم جميعاً سائرين باتجاه ما يرضي الله عزوجل. وعندما نتدبر في استخدام نص الدعاء لأوصاف (قوام الحياة) الحقيقية وصلاح العيال، نلتفت الى قضية مهمة تكثر الغفلة عنها وهي ان الرزق المطلوب الذي ينبغي للمؤمن ان يطلبه من الله عزوجل هو ما يحقق هذه الأمور فيكون به استمرار حياة القلوب والأبدان وصلاح شؤون الإنسان المادية والمعنوية. وتحقق ذلك يحتاج الى ارزاق معنوية ومادية، لذلك فما نطلبه من الله عزوجل في ادعيتنا ينبغي ان يكون الرزق بجميع اقسامه المادية والمعنوية وبالمقدار والكيفية اللازمين لإستمرار حياتنا القلبية والبدنية وصلاح امورنا المادية والمعنوية. والله عزوجل قادر على ذلك، فهو - كما ورد في تتمة الدعاء: (الكريم الذي تعطي من سعة وتمنع من قدرة، ...). أي انه عزوجل كريم لا يبخل، وواسع الفيض، فهو قادر على ان يهبنا كل ما فيه صلاحنا وقوام حياتنا من انواع الرزق المادية والعنوية، كما انه جلت قدرته (يمنع من قدرة) اي انه قادر على ان يمنع عنها كل رزق قد يؤدي بنا الى الطغيان وقسوة القلوب ونظائر ذلك مما يضرنا. ويختم الداعي دعاءه في هذه الفقرة مؤكداً طلبه بأن يتفضل عليه برزق يكون فيه صلاح حياته الدنيوية اي ان يعيش فيها على وفق ما اراده الله وارتضاه لعباده، وأن يبلغه المقامات المحمودة في الآخرة، اي ان يعينه على ان يجعل الدنيا مزرعة للآخرة، فيقول الداعي في ختام الفقرة ونحن نسألك من الرزق ما يكون صلاحاً للدنيا وبلاغاً للآخرة. رزقنا الله وإياكم هذا الرزق الكريم ببركة محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين. شكراً لكم على طيب المتابعة لهذه الحلقة من برنامج (ينابيع الرحمة) ودمتم في رعاية الله. شرح فقرة: "نسألك بالحق الذي جعلته له، ..." - 108 2013-05-20 10:38:33 2013-05-20 10:38:33 http://arabic.irib.ir/programs/item/9300 http://arabic.irib.ir/programs/item/9300 السلام عليكم ايها الأحباء وأهلاً بكم، معكم ووقفة اخرى في رحاب نور المعرفة التوحيدية الخالصة التي تشتمل عليها ادعية اهل بيت النبوة (عليهم السلام). في هذا اللقاء نتدبر معاً في الفقرة التالية التي انتهينا اليها من الدعاء الذي امرنا به امام زماننا بقية الله المهدي (عجل الله فرجه) بعد زيارة جده الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء؛ والفقرة هي قول الزائر: (اللهم انا نتوسل اليك بهذا الصدِّيق الإمام، ونسألك بالحق الذي جعلته له، ولجده رسولك، ولأبويه علي وفاطمة اهل بيت الرحمة، ...). الفقرة الأولى الخاصة بالتوسل تحدثنا عنها في الحلقة السابقة، ونتوقف هنا للتدبر في الفقرة الثانية، فنسعى اولاً الى التعرف على الحق الذي جعله الله للإمام الحسين (عليه السلام) وجده وأبويه عليهم جميعاً صلوات الله، فما هو هذا الحق؟ ولماذا نسأل الله عزوجل به؟ التدبر في الفقرة المتقدمة وطبيعة صياغتها اللغوية يوصلنا الى القول بأن الحق الذي جعله الله عزوجل للإمام الحسين وجده ووالديه هو في الأصل من سنخ او نوع واحد؛ فما هو هذا الحق؟ في الإجابة عن هذا السؤال يمكن ان ننطلق من الحديث الشريف المشهور الوارد بشأن الإمام الحسين (عليه السلام) والذي يصرح بأن الله تبارك وتعالى قد عوّض سيد الشهداء عن شهادته بأن جعل الأئمة من ذريته والشفاء في تربته وإجابة الدعاء تحت قبّته. فيمكن ان نفهم من هذا الحديث ان الحق الذي جعله الله عزوجل على نفسه للإمام الحسين (سلام الله عليه) يتضمن خصوصيات عدة منها اجابة الدعاء تحت قبته. ولذلك فإن الداعي – وهو زائر الحسين ايضاً - يسأل الله بهذا الحق لكي يضمن اجابة الله جل جلاله لدعائه. وإستناداً، لما قلناه انفاً من ان الحق الذي جعله الله عزوجل على نفسه لسائر اهل بيت الرحمة المحمدية (عليهم السلام) هو من نوع واحدٍ، يتضح ان هذا الحق المشترك هو قبول الله عزوجل لدعاء من يسأله بحقهم الناتج من عظيم ما قدموه في سبيل الله وما تحملوه من اشكال الأذى من اجل هداية عباده لدينه وإنقاذهم من الجهالة وحيرة الضلالة ونقلهم الى انوار الحياة الكريمة. وبعبارة اخرى يمكن القول بأن هذا الحق هو قبول الله سبحانه وتعالى لشفاعتهم (عليهم السلام) فيمن سأله عزوجل بهم. وهذا المعنى صرحت به كثير من الأحاديث الشريفة ونصوص الأدعية والزيارات المروية عنهم (عليهم السلام)، وهنا ينبغي ان نشير الى نقطة مهمة هي ان المعنى المتقدم هو احد المصاديق التي يشتمل عليها الحق الذي جعله الله عزوجل على نفسه لمحمد وآله (صلى الله عليه وآله)، فهذا الحق يشتمل على مصاديق وشؤون اخرى لا يتسع المقام للحديث عنها، وقد اخترنا المعنى المتقدم لارتباطه بموضوع الفقرة وهو السؤال والطلب من الله عزوجل بحقهم (عليهم السلام) لضمان الإجابة. ونلاحظ في الفقرة المتقدمة وصفها لمحمد وآله صلوات الله عليهم اجمعين بأنهم (أهل بيت الرحمة)، فما هو المغزى من هذا الوصف؟ لعل استخدام هذا الوصف يستهدف تقوية روح حسن الظن والرجاء في قلب الداعي باستجابة دعائه، لأن في وصفهم (عليهم السلام) بأنهم اهل بيت الرحمة يجعل الداعي يطمئنّ بأنهم (عليهم السلام) سيشفعون له حتماً عند الله لكي يستجيب دعاءه رحمة به. ثم ينتقل النص الدعائي الى الطلب من الله عزوجل ان يتفضل على الداعي بإدرار الرزق الذي به قوام الحياة وصلاح احوال العيال، وهذا مطلب مهم لكل انسان بصورة عامة وللمؤمن بصورة خاصة، ما سنبينه في الحلقة المقبلة من برنامج (ينابيع الرحمة) ان شاء الله. شكراً لكم لطيب الإصغاء لهذه الحلقة من هذا البرنامج الذي تستمعون له من اذاعة طهران، طابت اوقاتم بكل خير والسلام عليكم ورحمة الله. شرح فقرة: "اللهم انا نتوسل اليك بهذا الصديق الإمام،..." - 107 2013-05-18 10:56:25 2013-05-18 10:56:25 http://arabic.irib.ir/programs/item/9299 http://arabic.irib.ir/programs/item/9299 السلام عليكم اخوة الإيمان، تحية طيبة مباركة نهديها لكم في مطلع لقاء اخر من سلسلة لقاءاتنا مع ادعية معلمي اداب الإرتباط بالله عزوجل اهل بيت النبوة (صلوات الله عليهم اجمعين). ولا زلنا نستلهم دروس التوحيد الخالص من الدعاء الذي امرنا مولانا امام العصر (عجل الله فرجه) بتلاوته بعد زيارة جده الحسين )عليهم السلام( يوم عاشوراء وقد وصلنا الى مقطع يقول فيه الداعي: (اللهم انا نتوسل اليك بهذا الصديق الإمام ونسألك بالحق الذي جعلته له ولجده رسولك ولأبويه علي وفاطمة اهل بيت الرحمة، إدرار الرزق الذي به قوام حياتنا، ...). ولنبدأ احباءنا بالفقرة الأولى منه، فنسأل اولاً ما معنى التوسل الى الله عزوجل بالإمام الحسين (عليه السلام)؟ الذي نستفيده من كتب اللغة ان التوسل يعني في الأصل ايجاد نوع من الإرتباط بطرفٍ ثانٍ بتوسط طرف ثالث هو (الْوَسِيلَةَ) وهذا المعنى يصدق على الشؤون المادية والمعنوية. وبالنسبة لله، فإن التوسل اليه يعني في الأصل اقامة نوع من الإرتباط به للحصول على فيضه وعطائه بتوسل طرف ثالث هو الوسيلة، اي ان هذا الطرف الثالث يكون قادراً على تلقي الفيض والعطاء من الله عزوجل وإيصاله الى العبد الذي لا يقدر على تلقي ما يطلبه مباشرة من الله جل جلاله. ولذلك امر الله عزوجل عباده في كتابه المجيد بأن يبتغوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ لكي يحصلوا على فيضه وعطائه، وقد جاءت الأحاديث الشريفة لتبين للناس مصداق الوسيلة القادرة على القيام بمهمة تلقي الفيض الإلهي مباشرة ونقله الى العباد، فقد ورد في تفسير البرهان للعلامة البحراني وغيره من التفاسير الروائية عن اهل بيت النبوة (عليهم السلام) تصريحهم بأنهم هم الوسيلة الى الله التي امر عزوجل بابتغائها اليه في الآية الكريمة. كما جاءت الأحاديث الشريفة لتصرح بأن التوسل الى الله عزوجل بهذا المعنى هو سنة الهية ثابتة ولتقول ما مؤداه ان الله عزوجل ابى ان يجري الأمور الا بأسبابها وأنهم (عليهم السلام) هم الأسباب التي يجري الله الأمور بهم. وقد عقد العلامة الطباطبائي بحثاً مفصلاً في اثبات المعنى المتقدم للتوسل، وذلك ضمن تفسيره لآية ابتغاء الوسيلة في تفسيره القيّم (الميزان). وعلى ضوء ما تقدم يتضح ان الداعي في الفقرة الأولى من مقطع هذه الحلقة من الدعاء المهدوي المبارك، يستجيب لأمر الله عزوجل بابتغاء الوسيلة الصالحة والقادرة على تلقي الفيض وما يطلبه من الله عزوجل في الفقرات اللاحقة وإيصالها اليه. وهذه الوسيلة المباركة هو الأمام الحسين (سلام الله عليه) وهو من اهل بيت النبوة والرحمة المعصومين وهم (عليهم السلام) اقرب الخلق الى الله عزوجل، والآيات الكريمة تأمر بأختيار اقرب الوسائل الى الله جل جلاله، ونلاحظ ان النص الدعائي يصف هذه الوسيلة المباركة بوصف (الصديق الإمام)، فما هو السر في استخدام هذا الوصف؟ ولماذا قدمت صفة (الصديق) على صفة (الإمام)؟ في الإجابة عن السؤالين المتقدمين ينبغي ان نشير اولاً الى ان معنى (الصدِّيق) هو الذي صدقت افعاله اقواله بالكامل، وصدقت في جميع ما عاهد الله عزوجل عليه، ولذلك فهو مقربٌ ومكينٌ عند الله تبارك وتعالى. ولذلك فهو اهل لأن يكون وسيلة بين الله عزوجل وعباده، ولذلك امرتنا الآيات الكريمة بأن نكون مع الصادقين، وقد فسرت الأحاديث الشريفة مصداق (الصادقين) في الآية بأنهم اهل بيت النبوة (عليهم السلام) وهذا ما يؤيده البحث البحث التفسيريّ الصرف، لأن الله عزوجل لا يمكن ان يأمرنا ان نكون - بدون قيد او شرط - مَعَ الصَّادِقِينَ ما لم يكن هؤلاء منزهين عن جميع اشكال الإنحراف، وإلا لوجب ان يقول تعالى كونوا مع الصادقين ما داموا لم ينحرفوا. وعليه يتضح ان هذه الآية بحد ذاتها تشكل امرا للمؤمنين بأن يكون الصادقون بالكامل اي المعصومون (عليهم السلام) وسيلتهم الى الله جل جلاله. أما بالنسبة لسر تقديم النص الدعائي المعصوم لوصف الصديق على وصف الإمام فنعتقد انه قد اتضح ضمنيا مما تقدم، اذ ان وصف الصديق كما المحنا يتضمن الأمر بإتخاذ سيد الشهداء الحسين (عليه السلام) وسيلة الى الله عزوجل، والنص هنا يرتبط بالتوسل الى الله عزوجل اولاً. ومن ثم جاء وصف الإمام لكي ينبه الداعي الى الإئتمام بهذا الصديق وهو وسيلته الى الله عزوجل لكي يتلقى بذلك وبواسطة هذه الوسيلة المقدسة ما يطلبه من الفيض الإلهي. و بهذا ننهي لقاء اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة) استمعتم له ايها الأعزاء من اذاعة طهران صوت الجمهورية الأسلامية في ايران. شكراً لكم وفي امان الله. شرح فقرة: "وأتم احسانك إلینا، ..." - 106 2013-05-15 09:17:15 2013-05-15 09:17:15 http://arabic.irib.ir/programs/item/9298 http://arabic.irib.ir/programs/item/9298 السلام علیکم احباؤنا ورحمة الله، تحیة طیبة وأهلاً بکم في لقاء الیوم مع ادعیة معادن حکمة الله وکنوز رحمة المصطفی الأمین وآله الطیبین صلوات الله علیهم اجمعین. نتابع في هذا اللقاء تأملاتنا في دعاء مولانا صاحب الزمان امام العصر (أرواحنا فداه) الذي امرنا بتلاوته بعد زیارة جده سید الشهداء الإمام الحسین (علیه السلام). وقد بلغ بنا الحدیث الی مقطع یقول فیه الداعي مخاطبا ربه الجلیل: (اللهم، فصل علی محمد وآل محمد ولا تؤاخذنا بما اخطأنا ونسینا وهب لنا حقوقك علینا وأتم احسانك الینا وأسبل رحمتك علینا). وحدیثنا في حلقة الیوم عن عبارتي: (وأتم احسانك الینا وأسبل رحمتك علینا)، فما الذي نستفیده منهما؟ نلاحظ اولاً ایها الأعزاء ان هاتین العبارتین هما ختام مقطع طلب الداعي فیه المغفرة الإلهية بجمیع مراتبها، وقد علمنا امامنا المهدي (عجل الله فرجه) في هذا المقطع کیف نطلب المغفرة من الله عزوجل بالصورة التي نتطهر معها من جمیع الاثار التکوینية والنفسیة والقلبیة للذنوب والمعاصي وکذلك لتقصیراتنا في اداء حقوق الله عزوجل علینا. من هنا نفهم سر ختم هذا المقطع بالطلبین المتقدمین وکذلك المراد منها، فالداعي هنا، یطلب من الله عزوجل ان یوفقه ویعینه علی الإنتقال الی المرحلة اللاحقة لمرحلة التطهر لآثار الذنوب والمعاصي، فما هي هذه المرحلة؟ من المعلوم في علم الأخلاق الإسلامي ان طي معارج الکمال والقرب من الله جل جلاله وفي کل مرتبة من مراتبه بمرحلتین اساسیتین هما ما اصطلح علیها مرحلة التخلية ومرحلة التحلية. وهذه الفکرة مستفادة من کلمة التوحید الطیبة المبارکة، فالشطر الأول منها یشیر الی مرحلة (التخلية) وهو: لاَّ إِلَهَ، فیما یشیر الشطر الثاني (إِلاَّ اللهُ) لمرحلة التحلية. فالمقصود من المرحلة الأولی: هو التطهر والتخلي من العقبات التي تمنع الإنسان عن التکامل والتطور وهي الذنوب والمعاصي والجهل وغیر ذلك. أما المقصود من المرحلة الثانية: فهو التحلي بالعوامل المحققة لهذا التکامل المطلوب او المعینة للإنسان علی الوصول الیه، ومعنی التحلي واضح وهو الإتصاف بما تقتضیه هذه العوامل. وبعد هذه التوضیحات نعود الی عبارتي هذا اللقاء وهما قول الداعي مخاطبا الله عزوجل: (وأتم احسانك الینا وأسبل رحمتك علینا). ففي هاتین العبارتین یطلب الداعي في الواقع من الله عزوجل ان یتم نعمته علیه، بأن یعینه علی التحلي بما یحبه في اعماله وعقائده وأخلاقیته بعد ان یتفضل علیه بالمغفرة وتطهیره من اثار الذنوب والمعاصي. وقد استخدم النص الشریف تعبیر (الإحسان) لکي یثیر في الداعي فطرة شکر المحسن، فالإنسان بفطرته مجبول علی شکر من احسن الیه، وإثارة هذه الحالة الفطرية تضاعف برکات اتمام الاحسان علی الداعي لأنها تدفعه الی شکر الإحسان الإلهي وهو سبب لزیادة النعم کما تنص علی ذلك النصوص الشریفة. یضاف الی ذلك ان في اثارة وتقوية روح الشکر لدی الإنسان من شأنها ان تجعله یسعی الی استخدام نعم الله عزوجل فيما یرضیه تبارك وتعالی وهذا من اعظم مراتب الشکر لله کما ورد في النصوص الشریفة، ولا یخفی علیکم ان استخدام نعم الله فيما یرضیه جل جلاله هو من اهم العوامل المعینة للمؤمن في طي معارج التکامل في مرحلة التحلية لأنه یعني في الواقع تجنید الإنسان لکل قواه وما یملکه - وهي جمیعا نعم الله عزوجل علیه - تجنیدها في سیرها التکاملي والتقرب من الله عزوجل. أما الطلب الأخیر في هذا المقطع فهو الوارد في قول الداعي: (وأسبل رحمتك علینا)، وهذه العبارة هي من ابلغ العبارات الدعائية الجامعة في طلب الخیر من الله عزوجل وعدم انقطاعه. فهذا هو المستفاد: اولاً: من استخدام الدعاء تعبیر (وأسبل) إذ ان الإسبال هو هذا بمعنی الإنزال الوفیر للرحمة. وثانیاً: فإن نسب الرحمة الی الله عزوجل وهو ارحم الراحمين دون تقیید بقید یفید شمولیتها لمختلف شؤون الداعي. وإلی هنا نکون قد وصلنا اعزائنا الی ختام حلقة اخری من برنامج (ینابیع الرحمة) استمعتم لها من صوت الجمهورية الإسلامية في ایران تقبل الله منکم حسن المتابعة ودمتم في رعاية الله. شرح فقرة: "وهب لنا حقوقك علينا،..." - 105 2013-05-14 09:01:19 2013-05-14 09:01:19 http://arabic.irib.ir/programs/item/9297 http://arabic.irib.ir/programs/item/9297 السلام عليكم ايها الأعزاء، تحية طيبة وأهلاً بكم في لقاء اخر من هذا البرنامج، نتابع فيه استلهام قيم العبودية الحقة والحياة الكريمة من خلال التدبر في كنوز المعرفة الإلهية الكامنة في ادعية اهل البيت (عليهم السلام) ومنها الدعاء الذي امرنا بتلاوته مولانا امام العصر (أرواحنا فداه) بعد نص زيارة جده سيد الشهداء (عليه السلام) يوم عاشوراء، وقد وصلنا الى حيث يقول الداعي: (اللهم، فصل على محمد وآل محمد ولا تؤاخذنا بما اخطانا ونسينا وهب لنا حقوقك لدينا وأتم احسانك الينا وأسبل رحمتك علينا). في الحلقة السابقة كانت لنا وقفة عند الشطر الأول من هذه الفقرة، وهنا نتوقف عند شطرها الثاني وفيها نلتقي بثلاث عبارات، يثار بشأن الأولى سؤال هو: ما هي حقوق الله على الأنسان؟ وكيف يهبها له؟ وبحثا عن الإجابة، نرجع الى اهم نص جامع بشأن الحقوق وهي رسالة الحقوق التي املاها مولانا الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وقد جاء فيها فيما يرتبط بالعبارة المتقدمة قوله (عليه السلام): (إعلم ان لله عزوجل عليك حقوقا محيطة بك في كل حركة تحركتها او سكنة سكنتها، او حال حللتها او منزلة نزلتها او جارحة قلبتها او آلة تصرفت فيها، بعضها اكبر من بعض، فأكبر حقوق الله تعالى عليك ما اوجب عليك لنفسه من حقه الذي هو اصل الحقوق، ...). ثم قال (عليه السلام) بعد استعراض اجمالي لسائر الحقوق: (فأما حق الله الأكبر عليك فأن تعبده لا تشرك به شيئاً، فاذا فعلت ذلك بأخلاص جعل لك على نفسه ان يكفيك امر الدنيا والآخرة ويحفظ لك ما تحب منها، ...). من خلال التدبر في النص المتقدم نلاحظ انّ حقوق الله عزوجل على الأنسان تشمل جميع شؤونه وحركاته وسكناته، وهي ترجع الى حق محوري هو حق العبادة بما يتضمنه من توحيد الله عزوجل وإتباع الأنسان اوامره ونواهيه عزوجل في جميع حركاته وسكناته، وأن لا يتصرف الأنسان بشيء من جوارحه في غير ما يرتضيه الله عزوجل لأنه هو الذي انعم بها جميعاً على الأنسان، وعلى ضوء معرفة ماهية هذه الحقوق، نتسائل ما معنى ان يطلب الداعي من الله جل جلاله ان يهبه حقوقه عليه؟ من الواضح ان هذه الحقوق الالهية بالمعنى المتقدم لا يمكن التنازل عنها او هبتها فهو يعني ان يطلب الداعي حرمانه من كرامة العبودية لله وطاعته عزوجل التي فيها سعادته ونجاته في الدنيا والآخرة. اذن فأيُّ حقوق لله جل جلاله يطلب الداعي منه ان يهبها له؟ في الإجابة عن السؤال المتقدم نقول: إن المراد هو الحقوق المترتبة لله عزوجل على عباده نتيجة لعدم ادائهم حق العبودية والطاعة لله بالمعنى المتقدم. فعدم اداء الأنسان لأي حق من الحقوق الآلهية بالمعنى الأول يستتبع ان يكون لله عزوجل حقٌ بمعاقبته على ذلك، فمثلاً اذا استخدم الإنسان بصره فيما لا يرضي الله تبارك وتعالى او لم يستخدمه فيما يرضيه، فإن ذلك يعني عدم ادائه لحق الله فيما يرتبط بمنحه نعمة البصر، وبذلك يجعل على نفسه لله عزوجل حق معاقبته على ذلك. وعليه يتضح ان الداعي يطلب من الله عزوجل ان يهبه هذه الحقوق الناشئة له من عدم ادائه لحقوقه الأصلية عليه. فيكون طلبه في الواقع طلبا للمغفرة الإلهية. اما سر استخدام هذا التعبير في الدعاء فيمكن ان يكون هو تقوية روح النفرة من المعاصي والذنوب بمختلف مراتبها في قلب الإنسان. لأن الإنسان بفطرته السليمة يسعى لأداء حقوق الآخرين عليه لا سيما من احسن اليه، فكيف بحقوق مبدأ كل احسان عليه وخالقه الله جل جلاله؟ إذن فهذه العبارة تذكره بأن اي استفادة من نعم الله عزوجل فيما لا يرضيه هي جحود لإحسانه وانتهاك لحقوقه جل جلاله. تبقى هنا قضية ينبغي الإشارة اليها فيما يرتبط بالعبارة المتقدمة، وهي ان يكون المعنى من الحقوق الإلهية هو - على نحو التخصيص - ما بذمة الإنسان من حقوق لا ترتبط بسائر الخلق، وعلى ذلك يكون في هذه العبارة تذكير للداعي بأن يحرص اكثر على ابراء ذمته من حقوق الناس لأن الله عزوجل قد يهب حقوقه للداعي، اما حقوق الناس فعليه ان يباشر الإنسان امرها بنفسه. وعند هذه النقطة ننهي ايها الأعزاء لقاء اليوم من برنامج (ينابيع الرحمة) الذي تستمعون له من اذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران شكراً لكم ودمتم في رعاية الله.