اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | شرح ادعية الزهراء (س) http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb شرح فقرة: "اللهم اجعل الموت خير غائب انتظره، ...". - 71 2012-01-28 13:12:58 2012-01-28 13:12:58 http://arabic.irib.ir/programs/item/7851 http://arabic.irib.ir/programs/item/7851 لانزال نحدثك عن أدعية الزهراء (عليها السلام) ومنها الدعاء الذي ورد فيه: (واجعل الموت خير غائب انتظره وخير مطلع يطلع علي) ، هذا النص يحفل بدلالة مهمة من حيث الاشارة الى (الموت) وما يستجره من التداعيات المرتبطة بسلوك الانسان وصلة ذلك بآخرته. اذن: لنقرأ اولاً من جديد: (واجعل الموت خير غائب انتطره) ، ان هذه الفقرة تحفل ببلاغة فائقة قد نحدثك عنها في مناسبة اخرى ان شاء الله تعالى، ولکن ما نستهدفه الآن هو دلالتها الملفتة للنظر والمنطوية على طرافة ونکت تتصل بحادثة الموت وتداعياته، فما هذه التداعيات؟ لقد جعلت الزهراء (عليها السلام) الموت بمثابة شخصية غائبة ننتظرها، طبيعياً ان الشخصية الغائبة يقترن انتظار رجوعها بما هو مفرح، ولعل السؤال يتردد بين نمطين من الاستجابة احداهما تقول: ان الموت اذا حصل قبل الاستعداد له فان الاستجابة حياله، سلبية ولذلك ورد: (اللهم احيني اذا کانت الحياة خير لي وأمتني اذا کان الموت خيراً لي) . واما الاستجابة الاخرى فهي ايجابية بمعنى ان الانسان يفرح بموته لانه سينتقل الى حياة تغمرها رحمة الله تعالى، وهل ثمة سرور اکثر من مجاورة الله تعالى. طبيعياً، ان البشر يتفاوتون في النظر الى الموت بحسب ما ذکرناه قبل قليل، ولکن ما نعتزم توضيحه هو ان النص الذي نحدثك عنه يتناول الموت من زاوية اخرى غير الزوايا التي ذکرناها قبل قليل، انه ينظر الى الموت من حيث کونه يتسبب الى ان تراجع الشخصية سلوکها، وتحاسب ذاتها على ما صدر منها من الطاعة او المعصية. من هنا جاءت العبارة القائلة: (خير غائب ننتظره) تعبيراً عن الاستعداد المذکور بمعنى ان الشخصية اذا تصورت الموت ، (خير غائب تنتظره) فهذا يعني: ان الشخصية تستعد لاستقبال الزائر بما يناسبه من السلوك فما هي هذه المناسبة؟ المناسبة هي: ان يتوب الانسان عن ذنوبه، وأن يمارس الطاعة بالنحو المطلوب، فاستقبال الموت هنا اسقبال استعداد لتغير السلوك من المعصية الى الطاعة ومن الطاعة الى تصاعدها بافضل سلوك ممکن، ولذلك يقترن مجيء الموت بالفرح لان الاستعداد للاستقبال يعني: تغيير السلوك نحو الاحسن وهذا هو المطلوب. ونتجه الى الشطر الاخر من العبارة وهو: (وخير مطلع يطلع علي) ، فماذا نستلهم منها؟ الجواب: ان خير المطلعين هو: من يبصرك عيوبك، حيث ان الموت يجعلنا نلتفت الى ذنوبنا فنتوب الى الله تعالى توبة نصوحاً، ومن ثم: نتحفظ في صدور الممارسات منا، اي: لا نمارس عملاً الا ونضع في ذهننا ماهية هذا العمل وهل هو طاعة. وفي ضوء ذلك يکون اطلاع الموت على أعمالنا، سبباً في تغييرها الى الأحسن، وهذا هو المطلوب. اذن امکننا ان نتبين اهمية وطرافة وعمق هذه العبارة الواردة في دعاء الزهراء (عليها السلام) سائلين الله تعالى ان يبصرنا بعيوبنا وان يوفقنا الى الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "صل على محمد كما نصرتنا به، ...". - 70 2012-01-21 09:53:49 2012-01-21 09:53:49 http://arabic.irib.ir/programs/item/7850 http://arabic.irib.ir/programs/item/7850 نتابع حديثنا عن أدعية الزهراء (عليها السلام)، ومنها الدعاء الذي ورد فيه: (صل على محمد کما نصرتنا به وصل على محمد کما انقذتنا به من شفا حفرة من النار) . ان هذا المقطع من دعاء الزهراء (عليها السلام) امتداد لفقرات متجانسة في دلالاتها المتوسلة بالله تعالى بان يصلي على محمد: کما رحمنا وکما عززنا به وکما فضلنا به وکما شرفنا به. وها هو المقطع يختتم ذلك بعبارة (کما انقذتنا به) وبعبارة (کما نصرتنا به) ، والسؤال الآن ما هو: المعلم الدلالي المميز لهذه الخاتمة عن سابقه اي: الرحمة، العزة والشرف، ... الخ، الذي تميز به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وامته؟ ان ما سلف هو: دلالات تتحدث عن الموقع الاجتماعي لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في الدنيا حيث ان الشرف والتفضيل ونحوهما يرتبطان بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ومجتمعه الذي ختم به الله تعالى رسالاته. ويلاحظ ان المقطع ختم ذلك بعبارة (کما نصرتنا به) بمعنى ان الله تعالى نصر مجتمع محمد، وهو امر من الوضوح بمکان فالاسلام منذ نشأته وحتى الآن يظل فارضا هويته ومجتمعه وتعليماته و... الخ، فضلاً عما نلاحظه في سنواتنا المعاصرة من الاقبال على الرسالة الاسلامية من مختلف القارات، مضافاً الى النصرة التي ننتظرها مع ظهور الامام المهدي (عليه السلام) حيث يملأ الارض عدلاً بعد ما ملئت ظلماً، وبذلك تکون (النصرة) شاملة للعالم بأسره. تبقى العبارة الاخيرة من المقطع، متمثلة في عبارة: (کما انقذتنا به من شفا حفرة من النار) ، وفي تصورنا ان هذه العبارة تحتل اهمية دلالية کبيرة من حيث الاختتام بها کيف ذلك؟ اولاً: يتعين علينا ان نشير من البداية الى ان هذه العبارة (تناصّ) اي: اقتباس من القرآن الکريم ومن النصوص الشرعية، ومنها خطاب الزهراء (عليها السلام) بعد وفاة ابيها (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث اشارت الى انقاذ الامة من الانحرافات التي طبعتها. بيد ان المهم هو ان هذه العبارة تحمل وظيفة تعبيرية مزدوجة، احداها ان المقصود من ذلك هو الانحرافات الدنيوية حيث ان محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) قد انقذ امته منها، من خلال بشارته برسالة الاسلام واما الوظيفة التعبيرية الاخرى فتتمثل في انسحاب الدلالة على الحياة الاخروية بمعنى: ان المجتمع الاسلامي قد انتشل من الوقوع في النار، نار جهنم (اعاذنا الله تعالى منها). والمهم: في الحالين: دنيوياً واخروياً يظل الاسلام هو المنجي ولله الحمد. بعد ذلك يتجه الدعاء الى مقطع اخر، ورد فيه: (اللهم بيض وجهه) ، ان هذه العبارة نحرص على توضيح دلالتها من حيث کونها امتدادا لما طرح في المقطع الاسبق من الاشارة الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من حيث انقاذنا بواسطة رسالته من شفا حفرة من النار. ولعل النکتة الدلالية التي نعتزم لفت نظرك اليها هي: رمزية العبارة (بيض وجهه) وما تسحبه من التصورات حيال ذلك؟ هنا نتساءل جديداً: ما هي التداعيات الذهنية التي تجر العبارة المتقدمة اليها؟ الجواب: واضح ان (تبييض الوجه) هو رمز للفوز او النصر أو الخاتمة التي ينتهي اليها مصير الشخصية، ان مقطع الدعاء يتوسل بالله تعالى بان يجعل محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) في اليوم الاخر عند عرصات القيامة، وعند الحساب، يتقدم على سائر المجتمعات بموقعه من الله تعالى، وبما اعده لمجتمعه من المصائر الخالدة وهو امر طالما تشير النصوص الشرعية اليه عند حديثها عن اليوم الاخر والفرقة الناجية من الفرق وافضليتها وقيمتها ومقامها عند الله تعالى. ختاماً نسأله تعالى ان يوفقنا الى الالتزام برسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واله الطاهرين وان يوفقنا لممارسة الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "اللهم صل على محمد كما هديتنا به، ...". - 69 2012-01-07 09:07:08 2012-01-07 09:07:08 http://arabic.irib.ir/programs/item/7849 http://arabic.irib.ir/programs/item/7849 نواصل حديثنا عن أدعية الزهراء (عليها السلام) ومنها الدعاء الذي ورد فيه: (اللهم صل على محمد کما هديتنا به، وصل على محمد کما رحمتنا به، وصل على محمد کما عززتنا به، وصل على محمد کما فضلتنا به وصل على محمد کما شرفتنا به، وصل على محمد کما نصرتنا به، وصل على محمد کما انقذتنا به من شفا حفرة من النار) ، هذا المقطع من الدعاء يتضمن جملة فقرات متجانسة في صياغتها اللفظية من حيث التکرار لعبارة (صل على محمد) (صلى الله عليه وآله وسلم) وعبارات (کما) و (به) وحرفي النون والالف ومن، کما يتضمن جملة فقرات متجانسة في دلالتها مثل (شرفتنا به) و (عززتنا به) و (فضلتنا به) فضلاً عن عبارات مثل (انقذتنا به) ، (نصرتنا به) ، المهم هو: خارجاً عن الصياغة الجمالية المشار اليها نواجه مقطعا يتوسل بالله تعالى بان يصلي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وان يکرمنا به في ضوء ما لاحظناه من مصطلحات مثل: هديتنا به، رحمتنا به، عززتنا به، فضلتنا به، شرفتنا به، انقذتنا به، حيث تتضمن دلالياً بالاضافة الى الجمالية مجموعة من التوسلات المرتبطة بنا نحن الاسلاميين دنيوياً واخروياً. ونظراً لأهمية هذه الدلالات يحسن بنا ان نقف عند کل واحدة منها، وارتباط بعضها بالاخر، اذن لنتحدث اولاً عن مصطلحي (الهداية) و (الرحمة) في عبارتي (کما هديتنا به) و (کما رحمتنا به) . من البين ان الهداية هي غير (الرحمة) ولکنهما مرتبطان ببعضهما فالهداية هي: ما وفقنا له من المعرفة الاسلامية في مختلف الميادين: عقائدياً، شعائرياً، اخلاقياً، ... الخ. اما (الرحمة) فهي: الکامنة وراء المعطيات التي ذکرها مقطع الدعاء سواء اکانت هداية أو عزاً أو نصرة، ... الخ. ان الرحمة غير المحدودة تجسد نعم الله تعالى التي لا تحصى حيث نعرف بان القدرة والرحمة هما المفسران لعظمة الله تعالى في المقام الاول، حيث تقترن القوة بالرحمة، والرحمة بالقوة او القدرة ولعل قارئ الدعاء اذا نقل الى ذهنه تجربة الارضيين اي غير الملتزمين بمبادئ السماء، وجد ان القدرة التي يمتلکها هؤلاء قد تنفصل عن الخير او يجد الخير عند البعض ولکن هذا البعض لا يملك قدرة على اشاعة الخير وهکذا. والان لننتقل الى المعطيات الاخرى في مقطع الدعاء. بعد ذلك نواجه ثلاثة مصطلحات متجانسة هي العز والشرف والتفضيل، فماذا نستلهم منها؟ اما (العز) فهو: الکرامة التي تطبع الشخصية والا فان الشخصية بلا عز يعني: هوانها ودونيتها وحطتها اجتماعيا ولا نغفل ان البحث عن (التقدير الاجتماعي) في لغة علماء النفس يشکل اهم الدوافع البشرية وهذا ما يأخذ او يکتسب اهميته من خلال العز الالهي وليس الدنيوي بالنسبة الينا نحن الاسلاميين. ولذلك ورد في النصوص الشرعية ما يشير اولاً الى ان الله تعالى فوض للمؤمن کل شيء الا اذلال نفسه. وورد بان اولياء الله تعالى انما يتعززون به، اي: يکتسبون العز من خلال انتسابهم الى الله تعالى. واما الشرف فهو: العلو في الانتساب المذکور الى الله تعالى بحيث يحق التفاخر به من حيث الانتساب المذکور والا فان المفاخرة بغيره لا تعني شيئا، بقدر ما تعني الدنيا. ثم (التفضيل) في العبارة القائلة: (اللهم صل على محمد کما فضلتنا) ، وهذه العبارة لا تحتاج الى توضيح حيث انه تعالى فضل محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) على سائر الانبياء ومن ثم فضل المنتسبين اليه على سائر الاديان، کما هو واضح. اذن هذه العبارات الثلاث تظل متجانسة في ارتباط بعضها مع الاخر وترتيب احدها على الاخر فضلاً عما لاحظناه في عبارتي الاستهلال للمقطع مهما (الهداية) و (الرحمة) ، واما سائر العبارات فسنحدثك عنها لاحقاً ان شاء الله تعالى. ختاماً نسأله تعالى ان يوفقنا الى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "رب ارحم عن فراق ألأحبة صرعتي، ...". - 68 2011-12-31 08:29:49 2011-12-31 08:29:49 http://arabic.irib.ir/programs/item/7848 http://arabic.irib.ir/programs/item/7848 نتابع حديثنا عن أدعية الزهراء (عليها السلام) ومنها: (رب ارحم عند فراق الاحبة صرعتي، وعند سکون القبر وحدتي، وفي مفازة القيامة غربتي، وبين يديك موقوفاً للحساب فاقتي) ، هذا المقطع من الدعاء يتضمن مفردات اربعاً، ترتبط بمراحل اليوم الآخر وهما لحظة الموت ، البرزخ، الْقِيَامَةِ، الْحِسَابُ، ونظراً لأهمية وطرافة هذه الصياغة للمواقف والاحداث الاربعة، يجدر بنا ان نقف عند کل مفردة بخاصة وان الزهراء (عليها السلام) استخدمت اسلوباً بلاغياً فائقاً عبر صياغتها لمفهومات او دلالات تقترن مع المراحل الاربع. اذن لنتحدث عن هذه الجوانب. ان اول ما يلفت انتباهنا هو رسم الحالة النفسية للشخص عند مواجهة الموت والقبر والْقِيَامَةِ والْحِسَابُ، حيث رسمت الزهراء (عليها السلام) حالات تبدو وکأن بعضها مترادف في دلالته مع الاخر، والحالات هي: الصرعة ، الوحدة ، الغربة ، الفاقة . والسوال هو: ما هي النکات الدلالية لهذه الحالات الاربع؟ هذا ما نحاول الاجابة عنه، ونبدأ اولاً مع عبارة: (ارحم عند فراق الاحبة صرعتي) . السؤال الآن هو: لماذا انتخبت الزهراء (عليها السلام) مصطلح (الصرعة) عند لحظة الموت ؟ ولماذا ذکرت فراق الاحبة في سياق المصطلح المتقدم؟ في تصورنا ان (الصرعة) اما ان تأتي بمعنى (الحالة) اي: معنى العبارة هي: (ارحم حالتي عند فراق الأحبة) ، أو يکون بمعنى: السقوط على الارض. وفي الحالتين ثمة نکات يحسن بنا ان نعرض لها، ولعل (الصرعة) بمعنى (الحالة) هي: الاقرب نکتة بالنسبة الى لحظة (الموت) ، بصفة ان الانسان وهو مرتبط بالاحبة بخاصة وهم اقرب من الآخرين اليه في حالة مشارکتهم فراق الشخصية يظل هذا المعنى متحققاً بوضوح فحالة الشخصية وهي تفارق احبتها لابد وان تنقلها من بيئة آهلة بالاحبة الى بيئة مجهولة او لا اقل موحشة. طبيعياً ان الموت عند فراق الأحبة يواجه برحمته تعالى حيث حضور المعصوم (عليها السلام) وسائر ما يرتبط ببشرى الملائکة له يتدخل في تحديد حالة الميت، وهو امر يتحدد بمقدار تقوى الشخصية، بيد انه في الحالات جميعاً تظل الحالة المفارقة للبيئة الدنيوية المصحوبة بوجود الأحبة مدعاة للوحشة لا اقل في بداية مرحلة الموت . بعد ذلک نواجه عبارة: (وعند سکون القبر وحدتي) ، طبيعياً: الحالة في المرحلة الثانية وهي: ايداع الشخصية في القبر تقترن بالوحدة اي: انفرادها حيث لا وجود للاحبة في هذا المکان الموحش، وهذا ما يتناسب في رسم الحالة (الوحدة) مع ايداع الشخصية حفرة القبر . اما المرحلة الثالثة فهي الانبعاث والحضور في عرصة القيامة، هنا نلحظ ان الزهراء (عليها السلام) رسمت الموقف بالقول: (وفي مفازة القيامة غربتي) ، هنا نتساءل: لماذا استخدمت الزهراء (المفازة) في الوصف لمکان الوقوف؟ ثم، لماذا استخدمت مصطلح (غربتي) دون غيرها من الحالات؟ هذان السؤالان يظلان في غاية الأهمية، ولنتحدث عنهما الآن. لقد رسمت الزهراء (عليها السلام) عرصة القيامة بالمفازة وهي: المکان الذي لا ماء فيه او النبت، ولعل قارئ الدعاء على احاطة بالاحاديث التي تشرح البيئة الاخروية المقترنة بالاهوال، مادياً ومعنوياً مما يجعل التشبيه بالمفازة او الصحراء له مسوغاته الفنية، واذا کان الامر کذلك فماذا نتوقع من الحالات النفسية للشخصية حينئذ؟ الجواب هو: الغربة . والسؤال لماذا: الغربة مع ان ساحة القيامة ملأى بالبشرية؟ الجواب: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ من الاب والابن والاخ والام و... الخ. اذن ثمة (غربة) بالرغم من وجود الاقارب والاباعد، بصفة ان الشخصية مشغولة بهمومها الشخصية ولا أحد سواها مسؤول عنها، وهذه هي الغربة بعينها. اذن امکننا ان نتبين جانباً من الاوصاف التي قدمتها الزهراء (عليها السلام) لمراحل الموت ، و القبر ، والْقِيَامَةِ، سائلين الله تعالى ان يرحمنا برحمته التي لاحدود لها، وان يوفقنا الى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "اسألك نعيما لاينفد، ...". - 67 2011-12-24 08:29:07 2011-12-24 08:29:07 http://arabic.irib.ir/programs/item/7847 http://arabic.irib.ir/programs/item/7847 نواصل حديثنا عن أدعية الزهراء (عليها السلام) ومنها الدعاء الذي ورد فيه: (وأسألك نعيماً لاينفد، وقرة عين لاتنقطع، وأسألك الرضا بالقضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، ... الخ)، والآن نبدأ بالقاء الانارة على مقطع الدعاء الخاص بتسبيح الله تعالى، حيث استهل بعبارتي: (أسألك نعيماً لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع) ، هاتان العبارتان تبدوان وكأنهما تتناولان الحياة الآخرة، بصفة ان النعيم الذي لا ينفد هو نعيم الآخرة، وبصفة ان قرة العين غير المنقطعة هي: بيئة الاخرة ايضاً. ولكن بما ان العبارة الثالثة تقول: (وأسألك الرضا بالقضاء) ، حينئذ نتساءل: هل ان المقطع ابتدأ بالحديث عن الاخرة وانتقل بعدها الى الدنيا؟ واذا كان الأمر كذلك فبم نفسر مجيء العبارة الرابعة (وأسألك برد العيش بعد الموت) ؟ اذن نحن الآن امام عبارات يتحدث بعضها عن الاخرة، وبعضها عن الدنيا، فما هو التفسير الفني لهذا التشابك بين بيئتي الدنيا والاخرة؟ في تصورنا ان العبارات المتقدمة جميعاً تصب في موضوع الاخرة، كل ما في الامر ان التركيبة البشرية يتداعى الذهن من خلالها بين الاخرة وبين الدنيا أيضاً لوجود الرابط بينهما من حيث طبيعة الظواهر المطروحة في المقطع، وهو امر نبدأ بالتوفر عليه الآن فنقول: العبارة الاولى تتحدث عن النعيم الذي لاينفد وهو امر لايحتاج الى التعقيب ما دمنا ندرك تماماً بان النعيم الأخروي يتسم بالخلود. والامر لعله كذلك بالنسبة الى العبارة الثانية التي تتحدث عن قرة العين غير المنقطعة، حيث ان الآخرة هي المحققة لما تقر به العين، والمحققة لما هو غير منقطع معها. ولكن العبارة الثالثة هي محط التساؤل حيث تقول مرتدة الى الحياة الدنيا، (وأسألك الرضا بالقضاء) ، فما هو السرالكامن وراء العودة الى الدنيا؟ ان الرضا بالقضاء يجسد صورة لما تفرزه الاخرة من النعيم، اي: ان الرضا بما قسمه تعالى يفضي بالضرورة الى مقام مجرد هو الظفر بالنعيم غير المنقطع وكذلك قرة العين، ومن ثم المرحلة البرزخية التي تلقي باصدائها على ما تفرزه الآخرة بعدها من المعطيات المشار اليها متمثلة في عبارة: (وأسألك برد العيش بعد الموت) . ان بعد الموت وبرده يتداعى بأذهاننا الى البرزخ كما قلنا والسبب هو: ان التداعي الذهني انتقل من الاخرة الى الدنيا، ومن الدنيا الى البرزخ، ومن البرزخ الى الاخرة من جديد، وهذا ما تعبر عنه العبارة الجديدة في مقطع جديد يبدأ بقولها (عليها السلام): (وأسألك النظر الى وجهك) . اذن لاحظنا كيف ان المقطع بدأ بالحديث الاخروي وارتد الى الدنيا ثم البرزخ، ثم الآخرة من جديد بالنحو الذي لحظناه. هنا قبل ان ننتهي من الحديث عن العبارة الجديدة: (وأسألك النظر الى وجهك) ، يجدر بنا ان نحدثك عن جماليتها فنقول: العبارة هي (تناص) او تضمين فني للعبارة القرآنية الكريمة: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ»، فالنظر هنا هو رمز وليس حقيقياً بصفة انه تعالى منزه عن الحدوث، لذلك فان اللجوء الى الرمز يسمح لعقولنا بأن تقطع رحلة طواف الى استخلاص دلالات متنوعة مثل: النظر الى نعيمه تعالى، والنظر الى ألطافه تعالى والنظر الى اثاباته، والنظر الى العفو والى التجاوز او الى رعايته غير المنقطعة ومن ثم، الى مجاورته روحياً الى ما لا نهاية لتصوره من عطاء الله تعالى. ختاماً، نسأله تعالى ان يوفقنا الى ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "أسألك.. خشيتك في الرضا والغضب، ...". - 66 2011-12-17 09:42:29 2011-12-17 09:42:29 http://arabic.irib.ir/programs/item/7846 http://arabic.irib.ir/programs/item/7846 نتابع حديثنا عن ادعية الزهراء (عليها السلام) ومنها احد ادعيتها التي ورد فيه: (اللهم اني أسألك كلمة الاخلاص، وخشيتك في الرضا والغضب، والقصد في الغني والفقر) ، هذا المقطع من الدعاء يتضمن جملة توسلات، حدثناك عن اولها في لقاء سابق وهو قولها (عليها السلام): (أسألك كلمة الاخلاص) . ما الآن نحدثك عن عبارة: (وخشيتك في الرضا والغضب) ، فماذا نستلهم من العبارة؟ العبارة المذكورة، تجسد من زاوية الصحة النفسية والعبادية ذروة السلوك السوي الموضوعي الذي يتخلي عن (أنا) الشخصية تماماً، ويرشحها لما هو موضوعي صرف، ألا وهو: العمل من اجل الله تعالى فحسب، وهذه العبارة تجسد او تعتبر امتداداً للعبارة السابقة: (أسألك كلمة الاخلاص) ، بصفة ان الاخلاص لله تعالى يعني: الغاء الاخرين من حساب الشخصية، وهذا الالغاء له مصاديق متنوعة يجيء اولها متمثلاً في احدى سمات الشخصية العبادية وهي: (الرضا والغضب) ، لنتحدث عن هذه الظاهرة وجذورها النفسية فنقول: يعد الغضب والرضا حالتين إنفعاليتين من حيث السلوك أو الاستجابة النفسية حيال المحركات الخارجية. فإذا أساء اليك أحد الاشخاص مثلاً، حينئذ قد تنفعل حيال ذلك ويكون (الغضب) هو: الاستجابة الانفعالية. وقد يحسن اليك أحد الاشخاص، وحينئذ قد تنفعل حيال ذلك، ويكون (الرضا) هو الاستجابة الانفعالية منك. لكن ما نعتزم الاشارة اليه الان هو: ان الرضا والغضب يتم حيناً من اجل (الأنا) كالحالتين السابقتين، ولكن الزهراء (عليها السلام) حينما تتوسل بالله تعالى بان يكون الرضا والغضب من اجل الله تعالى، حينئذ فان المطلوب هو: الغاء (الانا) وجعل الرضا والغضب من اجل الله تعالى؟ كيف ذلك؟ لنتقدم بمثال آخر أو لنعد لنفس المثال المتقدم، فنقول: الغضب والرضا يتعين انصبابهما في سلوك موضوعي هو: خشية الله تعالى اي: حرصك على التفاعل مع الله تعالى في الالتزام بمبادئه، ومنها: ان تغضب وترضى بمقدار ما يتوائم مع المبادئ المذكورة اي: انك تغضب على الشخص المسيء لك، لا لأنه أساء اليك، بل لأنه مارس سلوكاً عدوانياً لا يرضى به الله تعالى، فيكون غضبك من اجل الله تعالى متمثلاً في كون الاساءة عملاً محرماً او مكروهاً مثلاً، وهكذا بالنسبة الى سائر انفعالاتك في ميدان التفاعل مع الأخرين. اذن الخشية في الرضا والغضب هي: تعبير سوي عن الشخصية العبادية بالنحو الذي اوضحناه. اما الآن فنتجه الى المفردة الثالثة في المقطع وهي: (القصد في الغني والفقر) ، فماذا نستلهم من العبارة؟ (القصد) في اللغة هو الاعتدال اي: لا افراط ولا تفريط، وهو حالة نفسية تعبر عن السوية المتمثلة في أن الشخصية لا تسرف في حالة الغني مثلاً، لان الاسراف تعبير عن نقص في الشخصية تحاول من خلاله ان تعوض ما هو الناقص عندها بما هو الزائد أي بما يضاده، وهذا ما انكره الدعاء عندما توسل بالله تعالى بان يجعل قارئ الدعاء معتدلاً لا يسرف في حالة غناه المادي. ولكن الدعاء في نفس الوقت توسل بالله تعالى بان يجعل قارئ الدعاء مقتصداً او معتدلاً في الفقر ايضاً؟ فكيف نتصور ذلك؟ ان الاحساس بالفقر قد يجر الشخصية الى ظاهرة مضادة للاسراف الا وهي البخل، فالبخل صفة مرضية اي: صفة شاذة تعبر عن الحومان حول (الانا) وعن (الحرص) على الشيء الى درجة مقيتة بحيث لا تستثمره البتة بل تبقيه دون الحاجة الى إبقاء ذلك، وهذا ما يستاقها الى التردي في مهاوي السلوك الشاذ المتمثل في (البخل) الكاشف عن انطواء الشخصية على ذاتها وعدم انفتاحها على خارج ذاتها، وهو قمة الشذوذ النفسي والروحي. ختاماً نسأله تعالى ان يجعلنا ممن يلتزم بمبادئ الله تعالى، وان يوفقنا الى طاعته، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "أسألك كلمة ألأخلاص، ...". - 65 2011-12-10 11:13:40 2011-12-10 11:13:40 http://arabic.irib.ir/programs/item/7845 http://arabic.irib.ir/programs/item/7845 لانزال نحدثك عن أدعية الزهراء (عليها السلام) ومنها الدعاء الذي ورد فيه: (اللهم اني اسألك كلمة الاخلاص، وخشيتك في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر) ، ان هذه العبارات الثلاث تلخص لنا كيفية التعامل مع الله تعالى، ومع الناس، ومع الذات في أحد تعاملها، وهو: التعامل الاقتصادي المتمثل في حالتي الغني والفقر. والآن قبل ان نحدثك عن هذه المحاور نذكرك بحقائق سبق ان كررناها الا وهي ان الأدعية ليست مجرد مناجاة بين الله تعالى وبين الفرد بل هي مناجاة بالاضافة الى ذلك، بين الله وبين الفرد في مختلف صعد الحياة سياسياً، اقتصادياً، اجتماعياً، ... الخ. لذلك نجد ان العبارة الاولى تتناول التعامل مع الله تعالى في حقل الممارسات العبادية ومن حيث (الاخلاص) لله تعالى وحده، دون اشراك غيره في التعامل. واما العبارة الثانية فتتناول الحياة الاجتماعية من حيث استجابة قارئ الدعاء حيال الأخرين، بالنسبة الى حالتي الرضا والغضب. اما العبارة الثالثة فتتناول البعد الاقتصادي متمثلاً في مفهوم (الاقتصاد) او (القصد) في التعامل مع حالة الغني أو الفقر. اذن هذه العبارات تتناول الحياة الفردية والاجتماعية، وتتناول التعامل مع الله تعالى، ومع الاخرين، ومع الذات. والآن نتجه الى العبارة الاولى وهي جوهر الشريعة الاسلامية بالنسبة الى التعامل العبادي او الى الممارسة التي أوكلها تعالى الى عباده في قوله تعالى:«وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ». ان العمل العبادي سواء أكان شعائر، كالصلاة والصوم مثلاً او كان عملاً اجتماعياً، كالتعامل مع الاخرين في نطاق الاقتصاد والاخلاق، ... الخ، اوكان عملاً فردياً في نطاق التعامل مع الاكل والنوم، ... الخ، اولئك جميعاً يتعين على العبد ان يمارسها من خلال التعامل مع الله تعالى فحسب دون ان يشرك احداً في ذلك وهذا ما عبر الدعاء عنه بعبارة (كلمة الاخلاص) . اذن لنتحدث الان عن مصطلح (كلمة الاخلاص) . قال الله تعالى: «قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ»، (سورة الزمر، آية 11)، ان هذه الآية المباركة وسواها، تشير بوضوح الى ان المطلوب في عملنا العبادي الذي خلقنا الله تعالى من اجله ان نكون «مُخْلِصِينَ» فيه، بمعنى ان نمحض ذلك لله تعالى، وقد ورد في الحديث بما معناه: (ان العبد اذا عمل عملاً لله تعالى ثم اشرك فيه رضا غيره عدٌ مشركاً) . وهذا انك اذا انفقت او ساعدت أحداً من اجل اشباع حاجته ولكن في نفس الوقت اردت ان تشرك غير الله تعالى في هذا العمل، كما لو اعطيت المال لأحدهم امام الناس، مستهدفاً بذلك ان يمدحك الناس، حينئذ تعد مشركاً بسبب انك بالاضافة الى انك لوجه الله تعالى قد ساعدت الآخر الا انك في الوقت ذاته، اردت ان تحصل على سمعة اجتماعية حينئذ حبط عملك. وهذا ما تعنيه كلمة (الاخلاص) لله تعالى. يبقى ان نلفت نظرك الى بلاغة هذه العبارة وهي ان الزهراء (عليها السلام) لم تقل: (اللهم اني اسألك الاخلاص) ، بل قالت (كلمة الاخلاص) وعبارة (كلمة) هي رمزية مثل قوله تعالى: «مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ». انها تعني: (العمل من اجل الله) ، وبذلك تكون العبارة ذات بعد رمزي، يخلع على النص طابعاً جمالياً بالنحو الذي اوضحناه. ختاماً نسأله تعالى ان يوفقنا الى الاخلاص في عملنا، وان يوفقنا الى ممارسة الطاعة مطلقاً، وان نتصاعد الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "لا تعذبني وأنا أستغفرك، ...". - 64 2011-12-03 09:42:56 2011-12-03 09:42:56 http://arabic.irib.ir/programs/item/7844 http://arabic.irib.ir/programs/item/7844 لانزال نحدثك عن أدعية الزهراء (عليها السلام)، ومن ذلك دعاؤها الشامل لحوائج الدنيا والآخرة حيث انتهينا من ذلك الى مقطع ورد فيه: (ولا تعذبني وانا استغفرك ولا تحرمني وانا أسألك) ، هذا النص ينطوي على معطيات معرفية يتعين على قارئ الدعاء أن يعيها، وهذا ما نبدأ بتوضيحه الآن. ثمة موضوعان احدهما متميز عن الاخر، الاول هو: الاستغفار، والاخر هو: السؤال، ثم هناك توسل بالله تعالى بألا يعذب الله تعالى من يستغفره، ثم ألا يحرمه تعالى من سؤاله والآن مع العبارة الاولى: (لا تعذبني وانا أستغفرك) وهي تعني ان العبد يقر بوجود ذنوب صدرت عنه لذلك يسأل الله تعالى ألا يعذبه ما دام قد استغفر، واما العبارة الثانية فهي: ان العبد يسأل الله تعالى حاجاته، ويتوسل بالا يحرمه منها. هنا قد يقول القائل: ان من حاجات العبد ان يغفر الله تعالى ذنوبه. وقد تضمنت العبارة الاولى هذا الموضوع، وحينئذ ما معنى ان يطلب في العبارة الثانية بالا يحرمه مما سأله؟ الجواب: ان لكل منهما سياقه الخاص، وهذا ما نكرر توضيحه. لا ترديد ان خلاصة الحاجات من الله تعالى هي: تحقيق الرغبات لدى الانسان: كما لو طلب ان يوفق للعبادة أو يتسع رزقه أو يديم عافيته، ... الخ. واما الحاجة المقابلة فهي: ليست اشباع حاجات بل دفع الضرر، مثل توسل العبد بالله تعالى بان يغفر له ذنوبه، وان يشافيه من مرضه. وكل منهما قد يكون امراً دنيوياً كسعة الرزق أو اخروياً كغفران الذنب. بيد ان ما نعتزم الاشارة اليه هو: ان جلب الفائدة ودفع الضرر يظلان اولاً في صميم التركيبة النفسية للبشر، وينبغي في سياقات خاصة ان يكون الاهتمام باحدهما دون الاخر، كما لو اراد دفع الضرر فحسب، وهذا ما ينبغي الاهتمام به، كعملية التوسل بالله تعالى بان يدفع عن الانسان ضرره الأخروي. واما الدنيا فلا ينم الحرص على دفع الضرر فيها ما دام الله تعالى قد أكد بان الدنيا سجن المؤمن، الا ان هذا لا يعني طلب العبد ذلك بل اذا قدر له الضرر فعليه الصبر. بيد ان الرحمة الالهية من السعة بحيث تترك لقارئ الدعاء ان يدعو بما يحلم به وهو: دفع الضرر وجلب الفائدة وهذا ما عبرت العبارة الدعائية عنه بقول الزهراء (عليها السلام): (لا تعذبني وانا استغفرك، ولا تحرمني وانا اسألك) ، حيث تتناول الاولى دفع الضرر الاخروي والثانية جلب المنفعة الدنيوية والاخروية. والآن الى دعاء آخر ورد فيه: (اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي وتوفني اذا كانت الوفاة خيراً لي) ، ثم تقول: (اللهم اني أسألك كلمة الاخلاص، وخشيتك في الرضا والغضب والقصد في الغنى والفقر) . هذا المقطع من الدعاء يتضمن اولاً توسلاً بالله تعالى بان يحيي عبده اذا كانت الحياة خيراً له وان يميته اذا كانت الوفاة خيراً. وبما ان هذين الموضوعين تحدثنا عنهما في دعاء آخر للزهراء (عليها السلام) لذلك لا نعيد الحديث عن ذلك الا ان ثمة ملاحظة يتعين علينا لفت نظرك اليها وهي: ان التكرار يرد في سياقات متنوعة فهنا يشمل السياق في الاشارة الى علم الله تعالى بالغيب وفي قدرته على الخلق لذلك فان التوسل بالاحياء او الاماتة يظل مرتبطاً بسياق هو: علمه تعالى بالغيب وقدرته تعالى على ما يريد فعله. وبالفعل توسلت الزهراء بعلم الغيب وبقدرة الله تعالى على تحقيق الحاجة وهي: الاحياء او الاماتة بصفته تعالى عالماً بما هو مصلحة العبد وقادر على تحقيق ذلك. اذن السياق هنا من حيث التكرار يختلف عما حدثناك عنه في لقاءات سابقة. ختاماً نسأله تعالى ان يوفقنا الى طاعته، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "اللهم فرغني لما خلقتني له، ...". - 63 2011-11-26 08:49:23 2011-11-26 08:49:23 http://arabic.irib.ir/programs/item/7843 http://arabic.irib.ir/programs/item/7843 نواصل حديثنا عن أدعية الزهراء (عليها السلام)، ومنها الدعاء الذي ورد فيه: (اللهم فرغني لما خلقتني له، ولا تشغلني بما تكفلت لي به ولا تعذبني وانا استغفرك، ولا تحرمني وانا اسألك) ، هذا المقطع يتضمن الاشارة الى الوظيفة العبادية التي خلق الله الانسان من اجل ممارستها تبعاً لقوله تعالى: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ» (الذاريات،56). كما يتضمن الاشارة الى توسلات العبد بان يغفر له الله تعالى ذنوبه، ويحقق آماله، ولا نغفل ان هذا المقطع قد تضمن قبل ذلك الاشارة الى الوالدين حيث توسل بالله تعالى بان يكافئ ابويه، ثم كل من له نعمة على العبد. من هنا يحسن بنا ان نبدأ بالاشارة الى مكافأت الوالدين والآخرين ممن لهم نعمة على قارئ الدعاء. الملاحظ، ان النصوص الشرعية كتاباً وسنة طالما تربط بين طاعة الله تعالى وطاعة الوالدين، تأكيداً على حق الوالدين على الشخصية سنوات متعددة لا يمكن النهوض بذلك ما عداهما من سائر الاشخاص وهذا يستتبع بطبيعة الحال شكراً على خدماتهما، ولا يستطيع الولد مكافأة ابويه، لذلك توسل الدعاء بالله تعالى بان يكافئ والديه. وهنا نطرح السؤال: الملاحظ ان الدعاء توسل بالله تعالى بان يكافئ ايضاً كل من له نعمة على قارئ الدعاء. فما هي اسباب هذا الربط بين الابوين والآخرين؟ الجواب: بما ان مساعدة الانسان لأخيه تقترن بوظيفة الاخ المساعد، وهي: الشكر له، حينئذ نستخلص بان الشكر للمخلوق هو شكر للخالق. لماذا؟ الجواب: ان تقديم المساعدة لها اهميتها في سلوك الشخصية. فأولاً: الشخصية السوية هي التي تقدم على مساعدة الآخر بصفة ان المريض نفسياً لا يقدم على مساعدة الاخر، انه منغلق على ذاته وأناه، اما السوي فنجده ينفتح على الاخر ويتجاوز اناه وذاته، وبذلك يستحق الشكر ايضاً. والآن نتجه الى الموضوع الثاني وهو: (اللهم فرغني لما خلقتني له، ولاتشغلني بما تكفلت لي به) ان هذه الفقرة من الدعاء تتضمن في الواقع موضوعين احدهما: المهمة العبادية والاخرى: الرزق. ولكل فلسفته، كيف ذلك؟ بالنسبة الى العمل العبادي لا نحتاج الى تذكير العبد بان الهدف من خلق الانسان ليس هو: حياته الدنيوية بل حياته الاخروية الخالدة التي يتمحض فيها للتواصل مع الله تعالى اما الدنيا، فمجرد جسر او واسطة للعبور الى الحياة الابدية حيث يتوقف مصير الشخصية على مدى مايلتزمه من الاعمال المطلوبة منه وهي: العمل بما هو واجب ومندوب وتحويل ما هو مباح الى مندوب ثم، عدم ممارسة المحرم والمكروه. بهذا تتحدد المصائر البشرية. اما الموضوع الثاني فهو: الرزق، فماذا نستلهم من العبارة: (لا تشغلني بما تكفلت لي به) ، واضح ان الرزق مضمون من الله تعالى ولا يتطلب الزائد عن الحاجة، ولكن المطلوب هو: العمل العبادي الذي اشرنا اليه قبل قليل وهو الالتزام بمبادئ الحلال والمندوب، ... الخ. والنكتة هنا هي: ان غالبية البشر يتركون ما ينبغي عليهم من العمل العبادي الملتزم ويشغلون بما هو مضمون لهم اي: الرزق، ان المطلوب هو العكس اي: السعي لما هو يتطلب جهاداً عبادياً، والقناعة بما هو مضمون، بينما الملاحظ هو العكس وهذا اكده الدعاء حينما توسل بالله تعالى باألا يشغل القارئ بما هو مضمون، ويهمل ما هو المطلوب عبادياً. ختاماً امكننا ان نتبين دلالة ما قدمناه من النص، سائلين الله تعالى ان يوفقنا الى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "إغفرلي وارحمني إذا توفيتني، ...". - 62 2011-11-19 08:32:36 2011-11-19 08:32:36 http://arabic.irib.ir/programs/item/7842 http://arabic.irib.ir/programs/item/7842 لانزال نحدثك عن أدعية الزهراء (عليها السلام) ومن ذلك: دعاؤها في حوائج الآخرة والدنيا، حيث ورد في احد مقاطع الدعاء: (اغفر لي وارحمني اذا توفيتني، اللهم لاتعيني في طلب مالم تقدر لي، وما قدرته فاجعله ميسراً سهلاً) . هذه العبارات امتداد لعبارات سابقة تتوسل بالله تعالى بان يجعلنا قانعين بما رزقنا، وان يستر علينا ويعافينا ماابقانا وهنا يعطف النص: (واغفر لي وارحمني اذا توفيتني) . طبيعياً هذه العبارة امتداد - كما المحنا- لسابقتها التي تتوسل بالله تعالى ان يستر عليها ويعافيها في الدنيا. اما الآن فالعبارة تتجه الى الآخرة فتقول (اغفر لي وارحمني اذا توفيتني) . والسؤال هو: ماذا تعني عبارة (اغفر لي) ؟ ثم ماذا تعني: (ارحمني) ؟ وهل هما متماثلتان ام متفاوتتان؟ ان قارئ الدعاء يتساءل: أليس عبارة (اغفر لي) هي نفس ارحمني؟ اي: ان غفران الذنب هو رحمة منه تعالى فلماذا جاءت بعدها عبارة (ارحمني) ؟ الجواب: نكرر دوماً ان المعصوم لايورد كلمتين بمعنى واحد أبداً، لذلك فان (اغفر لي) لابد وان تختلف عن (ارحمني) وان كانتا تصبان في دلالة مشتركة كيف ذلك؟ الغفران هو: الستر على الذنب من حيث عدم ترتيب العقاب عليه... أما (ارحمني) فهي اوسع دلالة، لان الرحمة تشمل كل الظواهر، انها تشمل الغفران، والعفو، والصفح وهي بدورها عبارات مشتركة ولكنها متفاوتة، فالعفو هو عدم ترتيب الاثر بينما الصفح هو: غض النظر عن الذنب، واذن: كل عبارة تنتظم دلالة مختلفة عن اختها، يضاف الى ذلك ان الرحمة تتجاور مفهوم الذنب، الى ما هو مساحات متنوعة من عطاء الله تعالى، فمثلاً: قد يبدل الله تعالى السيئة بالحسنة، وهذا منتهى مصاديق الرحمة، وقد يمنح تعالى عبده المذنب بعد ان يستر عليه مقاماً اعلى مما قدمه من الطاعات وهذا بدوره رحمة جديدة تختلف عن السابقة وهكذا. اذن (اغفر لي) تختلف عن عبارة (ارحمني) بالنحو الذي اوضحناه. ونتجه الى عبارة جديدة وهي: (اللهم لا تعيني في طلب ما لم تقدر لي) هذه العبارة هي صدى لعبارة وردت في اول المقطع وهي: (قنعني بما رزقتني) ، اي: ان قارئ الدعاء بدء اولاً بان تحصل له القناعة بما رزقه تعالى... اما الاستمرار بعد ذلك في قضية الرزق فتتمثل في ان يهيئ تعالى لعبده رزقاً مضموناً اي: بما ان الانسان قد يخيل اليه بان الجد والاجهاد والطلب في الرزق يستتبع زيادة فيه، ولكن هذا التخيل خطأ، حيث تشير النصوص الى تقدير الرزق من جانب، والى ان حتى الأحمق الذي لا يعرف كيف يتعامل تجارياً: يوسع تعالى في رزقه حتى يعتبر العقلاء بذلك، اي: حتی لا يخيل اليهم ان الرزق هو في ذكاء الانسان بقدر ما يجسد تقديراً خاصاً من الله تعالى بحسب ما تتطلبه مصلحة الفرد. من هنا، ان قارئ الدعاء يتوسل بالله بالايجعله راكضاً وراء رزق لم يقدر له، بل يكتفي أو بل يسعى في نطاق ما قدره تعالى له. يبقى ان نحدثك عن العبارة الرابعة التي ينتهي المقطع اليها وهي ان يجعل تعالى ما قدره لعبده من الرزق ميسراً سهلاً. والسؤال هو: كما هو الفارق بين (الغفران) و (الرحمة) نلاحظ الفارق بين (الميسر) و (السهل) فما هو هذا الفارق؟ الجواب: اليسر هو ظاهرة تجئ بعد الْعُسْرِ مثل قوله تعالى: «إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» فاذا افترضنا ان الله تعالى قتر على عبده الرزق بحيث اقترن بشيء من الْعُسْرِ ، حينئذ فان توسل العبد بان يجعل تعالى رزقه ميسراً يعني: زوال الْعُسْرِ المشار اليه اما (السهل) فهو اساساً: سهل لا صعوبة فيه، فيجسد حينئذ مرحلة لاحقة لما سبقته اي: يزال الْعُسْرِ اولاً بالنسبة الى حصول الرزق وبعد ذلك يصبح سهلاً غير مقترن بصعوبة سابقة، اذن: الفارق بين العبارتين من الوضوح الى حد ما بالنحو الذي قدمناه. ختاماً نسأله تعالى ان يوفقنا الى ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "اللهم قنعني بما رزقتني، ...". - 61 2011-11-05 11:21:02 2011-11-05 11:21:02 http://arabic.irib.ir/programs/item/7841 http://arabic.irib.ir/programs/item/7841 نواصل حديثنا عن أدعية الزهراء (عليها السلام) ومنها الدعاء الآتي: (اللهم قنعني بما رزقتني، واسترني وعافني أبداً ما ابقيتني، واغفر لي وارحمني اذا توفيتني، ... الخ). هذا المقطع من الدعاء يتناول جملة امور مرتبطة بحوائج الدنيا والاخرة، حيث كررنا، في احاديث سابقة، ان الادعية ليست مجرد مناجاة بين العبد والله تعالى، بل تتناول مختلف شؤون الافراد والمجتمعات، والمهم هو: ان نبدأ مع أول موضوع منه وهو: (الرزق) . فماذا نواجه؟ من الواضح، ان الرزق يعد في رأس الحاجات بشرياً، لان العمل العبادي الذي طالبنا الله تعالى يتوقف على تحقيق التوازن الداخلي للشخصية، فاذا انعدم الرزق: التاثت الشخصية كما يقول الامام علي (عليه السلام) وهذا يعني: ان الرزق مادام مرتبطاً بتوفر الحاجات الاساسية من مطعم ومسكن ومركب، ... الخ، حينئذ لابد من توفره لسد الحاجات المذكورة، وهذا ما يفسر لنا فلسفة الاحاديث الواردة عن المعصومين (عليهم السلام) بأن الرزق مكفول من الله تعالى وان الرجل الفار من رزقه يلحقه شاء ام أبى ... لكن حتى في حالة ان يعي الانسان هذه الحقيقة يظل متعطشاً الى تدفق رزقه، وهو ما يفسر لنا الحاح البشرية على الرزق، واظطلاع الأدعية بصياغة التوسلات المرتبطة بالرزق، ومنها: هذا المقطع من الدعاء، حيث قال: (اللهم قنعني بما رزقتني) ، فماذا نستلهم منه؟ اولاً: العبارة المذكورة (قنعني بما رزقتني) تفترض ان الرزق واصل الى العبد شاء ام أبى، ولكن الدعاء يتناول ليس اصل الرزق من حيث كونه متوفراً، ولكن من حيث السمة النفسية وهي (القناعة) بما قسم الله تعالى من الرزق. ان الرزق قد يكون قليلاً مثلاً، ولكن من حيث السمة النفسية وهي (القناعة) بما قسم الله تعالى من الرزق. ان الرزق قد يكون قليلاً مثلاً ولكن المطلوب عبادياً هو: القناعة بما قسم الله تعالى، والنصوص الشرعية تحفل بكثير من الاشارات الى ان الله تعالى يوسع في رزق البعض، ويقتر في رزق البعض الاخر، بحيث ان المصلحة تتطلب ان تكون هذه الشخصية ذات رزق واسع لانها، على سبيل المثال، تستثمر غناها وسعة رزقها في الطاعات ولكن قد تكون شخصية اخرى في حالة خاصة من تقتير الرزق لانه في صلاحها بينما اذا اتسع رزقها غفلت عن الله تعالى وضئل عملها العبادي، وهكذا. اذن مالعمل في هذه الحالة؟ النص يقول: (اللهم قنعني بما رزقتني) اي: ان الرزق اذا قل مثلاً، فان المطلوب هو ان يقتنع العبد او ان يقنع بما رزقه الله تعالى، حيث ان ذلك يحقق له التوازن (الداخلي) بصفة ان القناعة كنز لا يفنى: كما يقول الامام علي (عليه السلام)، وهذا بالاضافة الى المقولة المعروفة: (ما قل وكفى خير مما كثر والهى) اي: اذا قل الرزق واصبح في سقف هو الكفاف اي: بقدر الحاجة لا الزائد عليها فحينئذ هذا القليل من الرزق خير من كثيره الذي يشغل العبد ويلهيه عن الله تعالى. بعد ذلك نواجه عبارة: (واسترني وعافني ابداً ما ابقيتني) ، فماذا نستلهم منها؟ العبارة تتضمن موضوعين، احدهما: الستر، والآخر: العافية. اذن مالمقصود منهما؟ الجواب: ان (الستر) يعني: عدم فضح الشخصية لمعايبها وذنوبها... واما العافية فتشمل عدة دلالات، منها عافية الدين ومنها عافية الدنيا، ولعل المقصود هو: العافية الدنيوية والعبادية، بمعنى ان يكون الشخص ملتزماً بمبادئ الله تعالى من حيث العافية العبادية... واما الدنيوية فلا تحتاج الى توضيح واما الستر فان الحديث عنه يرتبط بتركيبة الشخصية الآدمية حيث ان الانا، واحترام الذات، والتقدير الاجتماعي وسواها من الدوافع البشرية تتطلع الى ان السمة الايجابية وهي الستر على عيوب الشخصية سواءً أكان الستر على ذنوبها دنيوياً، واخروياً، بصفة ان الله تعالى لاحدود لرحمته، وان الستر على عباده هو: ابرز مصاديق الرحمة، حيث وصف الله ذاته المقدسة بانه (ستار) وبانه (خير الساترين). اذن امكننا ان نتبين الدلالات المتنوعة في النص المتقدم، سائلين الله تعالى ان يوفقنا الى الالتزام بطاعته، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "اللهم صل على محمد وال محمد صلاة نامية، ...". - 60 2011-10-29 08:14:49 2011-10-29 08:14:49 http://arabic.irib.ir/programs/item/7833 http://arabic.irib.ir/programs/item/7833 لانزال نحدثك عن ادعية الزهراء (عليها السلام)، ومنها دعاؤها يوم الجمعة حيث انتهينا من ذلك في لقاءات سابقة الى المقطع الاتي: (اللهم صل على محمد وآل محمد صلاة نامية، دائمة، زاكية، متتابعة، متواصلة، مترادفة برحمتك يا ارحم الراحمين) . هذا المقطع خاص بالصلوات على محمد وآل محمد عليهم السلام، ولكن الملفت للنظر هو: الصياغة الطريفة لنمط الصلاة واستمراريتها. طبيعياً: الصلاة على محمد وآل محمد من خلال التوسل بالله تعالى بان يصلي على محمد وآل محمد حيث ان القرآن الكريم طالما يشير بالاضافة الى نصوص المعصومين عليهم السلام الى اطاعة الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، واولي الامر وهم اهل البيت (عليهم السلام)، وهذا يستتلي بنحو واضح ان ندرب انفسنا على التواصل مع هذه الطاعة، ويظل الدعاء احد ابرز هذه الوسيلة المدربة للشخصية على عدم فصل الاطاعة الثلاثية المتقدمة، حيث تجئ الصلاة على محمد وآل محمد من جانب، وتوسلنا بان الله تعالى بان يصلي على محمد وآل محمد، تجسيداً للمفهوم المتقدم. اذن لنواصل الحديث عن التوسل بالصلاة الاستمرارية والنوعية: اي: التوسل بالله تعالى من حيث الصلاة المذكورة. الملاحظ ان ستة مظاهر من الصلاة رسمت في المقطع، الاول هي: الصلاة النامية فماذا تعني؟ النمو هو: التصاعد في حركة الشيء، وبالنسبة الى الاستخدام العبادي لهذه الظاهرة (النمو) يظل يعني: ازدياد النوعية للصلاة، بينما نجد في المظاهر التالية مظاهر نوعية اخرى مثل زاكية ، كما نجد مظاهر كمية مثل دائمة ، متواصلة ، مترادفة . لذلك تنبغي الاشارة الى هذين المظهرين العامين: النوعي والكمي. اما وقد حدثناك عن احد مظاهر النوع وهو: نحو الصلاة حينئذ ينبغي ان نواصل سائر المظاهر ومنها: الصلاة الدائمة . طبيعياً، ان نص الدعاء يستهدف تعليمنا وتعميق صلتنا ومحبتنا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولذلك يطرح الصلوات والتوسل بالله تعالى، اسلوبا للهدف التربوي المذكور، والا فان الله تعالى هو: المثمن وهو المقدر لشخصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واله حيث اصطفاهم من دون الخلق، كما هو واضح. اذن: الدعاء ينقل مشاعرنا وتجاوبنا مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله (عليهم السلام) وفي مقدمة ذلك: دوام الصلاة (صلاة دائمة) ، ولا نحتاج الى التعقيب على هذا المظهر، نظراً لوضوحه وهو: عدم الانقطاع عن الله تعالى وعن رسوله وعن اله. بعد ذلك نواجه المظهر وهو (صلاة زاكية ) و الزاكية تعني: الطاهرة وما يواكبها من الدلالات المقدسة، حيث لايتردد اثنان في كون الصلاة المشار اليها هي: تمام ما تعنيه الدلالة لكلمة طهر او المقدس حيث يتفرد بها الله تعالى، ومن ثم، يفيض بذلك على شخصية محمد واله (صلى الله عليه وآله وسلم) والان مع ملاحظتنا للصلاة التي وسمها النص بثلاث صفات ( نامية ، دائمة ، زاكية )، يخصص الدعاء ثلاث صفات كمية اخرى هي ( متتابعة ، متواصلة ، مترادفة ) ترى: ما هي دلالات هذه المصطلحات؟ هذه المصطلحات الثلاثة تظل من جانب مترادفة المعنى وتظل من جانب آخر متفاوتة المعنى فهي تشترك في مظهر هو: عدم الانقطاع اي: الصلوات غير المنقطعة بل المستمرة دون توقف. ولكن التفاوت هو في درجة هذه الاستمرارية ونوعها. كيف ذلك؟ اولاً: الصلاة المتتابعة ومعناها: ان يتتبع احداها ما قبلها. ثانياً: الصلاة المتواصلة : ومعناها عدم وجود الفاصل بين التتابع المذكور. وثالثاً: مترادفة تعني: الواحدة بعد الاخرى. اذن ثمة تتابع كقطرات المطر مثلاً حيث تسقط قطرة ثم مثلها، وثمة تواصل اي: عدم انقطاع القطرة عن لاحقتها او سابقتها وثمة ترادف: اي مجيء القطرة خلف القطرة بانتظام. وهذا هو الفارق بين متتابعة و متواصلة وبين كون القطرات (منتظمة) في عملية تتابعها وتواصلها. اذن امكننا ان نتبين جانباً من الاسرار الدلالية لهذه الصلوات سائلين الله تعالى ان يوفقنا الى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "اللهم واغفر لنا مغفرة جزماً، ...". - 59 2011-10-22 08:46:08 2011-10-22 08:46:08 http://arabic.irib.ir/programs/item/7832 http://arabic.irib.ir/programs/item/7832 نتابع حديثنا عن ادعية الزهراء (عليها السلام)، ومن ذلك دعاؤها في يوم الجمعة، حيث ورد فيه: (اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا مغفرة جزماً حتماً، لا نقترف بعدها ذنباً، ولا نكتسب خطيئة ولا اثماً) . هذا المقطع من الدعاء، يتضمن جملة نكات دلالية، منها: استخدامه لثلاثة مصطلحات متماثلة او لنقل متشابهة هي: الذنب ، الخطيئة ، الاثم ، حيث يعتبرها غير المتخصصين في اللغة مترادفة في معانيها، بينما هي ليست كذلك، بل هي من المشتركات والمتفاوتات ايضاً في آن واحد. ومن ذلك التاكيد على المغفرة بشكل يبدو كأنه خارج عن المألوف، بينما هو ليس كذلك. بالاضافة الى استخدام كلمات وصفية للذنب، والخطيئة، والاثم بما يتفاوت فيما بينها بحسب تفاوت الموصوف، وهي: كلمتا (لا نقترف ذنباً) و (لا نكتسب خطيئة ولا اثماً) ، والان الى تفصيل الكلام. نبدأ بالحديث اولا عن عبارة: (اغفر لنا مغفرة جزماً حتماً) ، ونتساءل: ماذا تعني؟ ان المألوف في الادعية ان نتوسل بالله تعالى بان يغفر ذنوبنا، الاّ ان اقتران التوسل بعبارتي (الجزم) و (الحتم) مما لا يتكرر في الادعية، ولذلك نتساءل: ماذا نستلهم من العبارة (الجزم) والعبارة (الحتم) ؟ الجواب: في تصورنا ان معرفتنا بسعة رحمته تعالى وهي بلا حدود تسمح لنا بان نتوسل بالله تعالى بان تسع رحمته غير المحدوده ذنوبنا بحيث نتصور حدوث ذلك على نحو (الجزم) اولاً: وهو المقطع بتحقيق الشيء دون رجعة، واما (الحتم) فيعني: ما هو امر، لا بداء فيه، فتكون الحصيلة هي: ان الله تعالى يغفر لنا مغفرة لا تقترن بالتردد، وان يكون ذلك على نحو لا بداء فيه، وهذا هو منتهى الثقة بالله تعالى (اللهم اجعلنا كذلك). واما الفارق بين الاثم ، و الخطيئة ، و الذنب فيمكن توضيحه على النحو الاتي: (الذنب) هو المصطلح العام الذي ينسحب على مطلق صدور المفارقة من العبد، بغض النظر عن حجم المفارقة او نوعها الخ. واما الفارق بين (الخطيئة) وبين (الاثم) ، فيمكننا ان نتصوره وفقا لمبادئ اللغة على النحو الاتي: بالنسبة الى (الخطيئة) نواجه جملة دلالات، منها: الخطيئة : ما كانت بين الله تعالى والعبد، الخطيئة هي السيئة الكبيرة، الخطيئة ما حدثت بالعرض: لانها من الخطأ كما لو رمى طيراً فاصاب الانسان مثلاً. واما (الاثم) فهو: التقصير، وبذلك يفترق عن الذنب الذي هو مطلق المفارقة، ان الاول تترتب التبعة عليه، بينما الذنب قد لا تترتب التبعة عليه، كما لو اذنب القاصر وليس المقصّر، والفارق واضح. اخيراً ينبغي ان نتساءل قائلين: لماذا قال النص: (لا نقترف ذنباً) ، بينما قال: (لا نكتسب خطيئة) ؟ الجواب: بما ان الذنب هو مطلق المفارقة، حينئذ يتساوق مع مصطلح (يقترف) لانه يعني: يمارس المفارقة، اي: يعملها، اما (يكتسب) فمعناه: الحصول على الشيء وهو: ظاهرة سلبية متكررة بحيث تتجمع لدى المكتسب. لذلك طلب الدعاء بالاّ يصدر منا القبح، سواء كان عابراً او استمرارياً. اذن امكننا ان نتبين جانبا سريعاً من الفوارق التي لاحظناها بين انماط السلوك السلبي شرعياً، وبين ما يقترن بها من الاساليب وهو ما يحرص عليه العبد الملتزم بمبادئ الله تعالى. سائلين الله تعالى ان يوفقنا الى ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "واجعلنا ممن اخلص لك بعمله، ...". - 58 2011-10-15 09:49:52 2011-10-15 09:49:52 http://arabic.irib.ir/programs/item/7831 http://arabic.irib.ir/programs/item/7831 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها ادعية الزهراء (عليها السلام)، حيث حدثناك عن احد ادعيتها الخاص بيوم الجمعة، وانتهينا من ذلك الى الفقرة الاتية: (اللهم واجعلنا ممن اخلص لك بعمله، واحبك في جميع خلقك) . ان هذه الفقرة تجسد وثيقة عبادية ونفسية اي: بصياغة الشخصية السوية عبادياً ونفسياً وهذا ما يقتادنا الى القاء الاضاءة على هذا الموضوع، فماذا نستلهم من فقرة الدعاء؟ النص المتقدم يتضمن وثيقتين، احداهما هي: التوسل بالله تعالى بان يجعلنا ممن يخلص له بعمله، والاخرى هي: ان يجعلنا نحب الله في جميع خلقه والقارئ للدعاء قد يتساءل ما هي العلاقة بين طرفي الدعاء، حيث ان احدهما يتحدث عن عمل فردي محدود هو: الاخلاص في النية، بينما الثاني يتحدث عن عمل اجتماعي لاعلاقة له - في الظاهر- بالنية العبادية. فكيف نوفق بينهما؟ الجواب: مع تسليمنا بان احد شطري الدعاء فردي، والاخر اجتماعي، الا ان الرابط بينهما هو (الله تعالى) اي: العمل الخالص لله تعالى وحده. كيف ذلك؟ تقول العبارة الاولى: (اجعلنا ممن اخلص لك في عمله) ، هنا ينبغي لفت نظرك الى معنى الاخلاص، حيث يمكن تلخيصه بكلمة هي: ان يتمحض في سلوكه الفردي والاجتماعي لله تعالى، فالصلاة والصوم والخمس والانفاق ومساعدة الاخرين والاكل والنوم والقراءة والمشي والتجارة، ... الخ، ينبغي ان نتعامل مع هذه الممارسات من خلال العمل لله تعالى وحده دون اشراك الاخرين في ذلك، وقد سبق ان كررنا مقولة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (ليكن لك في كل شيء نية، حتى في الاكل والشرب) ، وفي ضوء هذه الحقيقة تظل اعمالنا الفردية والاجتماعية لله وحده، وتجئ العلاقة مع الاخر احد ابرز المصاديق الاجتماعية للاخلاص في العمل كيف ذلك؟ النص الدعائي يقول: (واحبك في جميع خلقك) هنا، نجيبك عن السؤال المتقدم، وهو العلاقة بين الاخلاص لله تعالى في اعمالنا وبين محبتنا لجميع خلقه تعالى. ان مخلوقاته تعالى تشمل جميع الظواهر، يستوي في ذلك ان تكون الظواهر كائنات حية، كالبشر وسواهم، او كائنات مادية، كالطبيعة مثلاً، وهكذا، والحب هنا يتجسد في نمطين، احدهما: الحب بمعنى ان العبد يقر بنعم الله تعالى وبرحمته وبقدرته و... الخ، بصفة ان مخلوقاته تعالى جميعاً تسبّح له ولكن لا نفقه تسبيحها، ونحن احد مصاديق هذا التسبيح. طبيعياً، نستثني ما هو منحرف من المخلوقات من شياطين الانس والجن، حيث ان الدار العاجلة هي المساحة الوقتية لانحرافاتهم اما الوجود الاكبر في الدارين (الدنيا والاخرة)، فان المهمة العبادية لمصاديقها تظل ممن يسبّحون الله ليلاً ونهاراً ولا يفترون عن عبادته. يبقى ان نشير الى ان الذهن يتداعى - في الان ذاته- الى المخلوقات البشرية، بصفة ان الانسان كائن اجتماعي، وبصفة ان الاسلام رسم مبادئ التعايش الاجتماعي بينهم، حيث يتداعى الذهن الى ضرورة ان يوثق علاقته بالاخرين، حيث ينعكس ذلك على الحياتين: الدنيوية والاخروية كذلك، بيد ان الاستلهام الذاهب الى ان يجعلنا الله تعالى ممن يحبه في جميع خلقه مطلقا يظل هو الاقرب الى ما لاحظناه. ختاماً نسأله تعالى ان يوفقنا لممارسة الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "اللهم اجعلنا ممن كانه يراك، ...". - 57 2011-10-08 09:39:53 2011-10-08 09:39:53 http://arabic.irib.ir/programs/item/7830 http://arabic.irib.ir/programs/item/7830 لا نزال نحدثك عن ادعية الزهراء (عليها السلام)، حيث لاحظنا احد ادعيتها الخاص بيوم الجمعة، وانتهينا من ذلك الى مقطع جديد بدأ على هذا النحو: (اللهم اجعلنا ممّن كأنه يراك الى يوم القيامة الذي فيه نلقاك، ولا تمتنا الاّ على رضاك، ... الخ) ، ان العبارة او الفقرة الاولى من هذا المقطع يتضمن (تشبيها) له طرافته وعمقه من حيث جوهر العمل العبادي المتمثل في ذكر الله تعالى وعدم التغافل عن مهمة العمل المذكور. ولنتحدث عن التشبيه المتقدم، فماذا نستلهم؟ من البين، ان الله تعالى (ازليّ) وانه تعالى منزّه عن الرؤية له، وحينئذ عندما يقول النص: (اجعلنا ممّن كانّه يراك) حينئذ فان الهدف من ذلك هو: مجرد استخدام اداة تشبيهية لتقريب المعنى، ما دام تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، ولا يشبهه شيء، ... الخ. والسؤال هو: صياغة هذا التشبيه، وانعكاس ذلك على الدلالة، اذن: نتسائل الان عن صياغة هذا التشبيه وادواته؟ ان التشبيه المتقدم قد استخدم اداة التشبيه (كانّ) ، ومن المعلوم ان ادوات التشبيه هي ثلاث (الكاف) مثل قوله تعالى عن قلوب اليهود «فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ» اي: قسوة قلوبهم. واداة «مِثْلَ» كما في قوله تعالى: «أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ» حيث اجرى النص على لسان احد ابني ادم الذي قتله وجهل موارته، هذه العبارة بعد ان رأى الْغُرَابِ الذي بحث في التراب لمواراته الطائر. واما الاداة الثالثة فهي (كأن) وهذا مثل قوله تعالى: «كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ»، وقد سبق ان حدثناك عن هذه الادوات، ثم ما يقوم مقامها من عبارات التشبيه مثل (مثل)، و(حسبتهم) و(بمنزلة)، ... الخ، والمهم هو: ان (مثل) تستخدم عندما يكون التماثل او التشابه بين طرفي التشبيه في اعلى نسبة كنسبة 75% مثلاً، واما (الكاف) فتمثّل نسبة 50%، بينما (كأنّ) تمثل 25% مثلاً، وفي ضوء هذه الحقيقة التي لا مجال لتفصيل الحديث عنها، نتجه الى عبارة او اداة (كأنّ) لنرى اسهامها الصوري في تقريب المعنى. قلنا، ان (كأنّ) تستخدم في ملاحظة اقل النسب تشبيها، هنا في عبارة الزهراء (عليها السلام): (اجعلنا ممن كأنه يراك) ، جاءت الاداة الاقل نسبة بل انعدام النسبة التشبيهية، لان الله تعالى كما هو بديهي لا مجال للمماثل والمشابه له، بقدر ما يستخدم التشبيه لمجرد وجود عنصر فرضيّ هو (تخيل رؤيته) وليس (حقيقة رؤيته)، وهناك فارق بين ان (تتخيل) بانك تراه، وبين حقيقة الرؤية المنعدمة اساساً، كما قلنا. اذن ما هي فاعلية التشبيه المتقدم؟ فاعلية هذا التشبيه هي: ان يتخيل قارئ الدعاء، ان الله تعالى موضع رؤية العبد لسلوكه، فاذا اراد ممارسة طاعة، او تجنبّ محرّم او مكروه، حينئذ يتخيل بانه يرى (الله تعالى) فيخجل منه، ولذلك يعمق طاعته، ويمتنع عن المعصية، وهذا كما لو تخيل بان احداً من البشر يراه حيث تحجزه الرؤية عن ممارسة المحرمّ مثلاً، وهكذا. وهذا ما ورد في الاحاديث ايضاً، حيث تشير الاحاديث الشرعية الى ما معناه: كن كمن شاهد الاخرون سلوكه، فخجل منهم وامتنع عن المحرّم، وكذلك الله تعالى: كن كمن يشاهد الله تعالى ويطّلع تعالى على سلوكه، حيث يحجزه حضور الله تعالى عن المعصية. اذن امكننا ان نتبين اهمية هذا التشبيه وفاعليته، سائلين الله تعالى ان يجعلنا كذلك، اي: كاننّا ممن يراك الى يوم القيامة الذي فيه نلقاك ، وان يوفقنا الى ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "اللهم اجعلنا اقرب من تقرب اليك، ...". - 56 2011-10-01 09:59:32 2011-10-01 09:59:32 http://arabic.irib.ir/programs/item/7829 http://arabic.irib.ir/programs/item/7829 نتابع حديثنا عن ادعية الزهراء (عليها السلام)، ومنها دعاؤها يوم الجمعة، حيث ورد ما ياتي: (اللهم اجعلنا اقرب من تقرب اليك، واوجه من توجه اليك، وانجح من سألك وتضرع اليك) ، المقطع المتقدم يتضمن ثلاث درجات من التوسل، متمثلة في اعلاها بطبيعة الحال وهي التقرب والتوجه، والنجاح، اي: الاكثر تقرباً، والاكثر توجها، والاكثر نجاحاً. والسؤال اولاً: ما هي المظاهر التي سألتها الزهراء (عليها السلام) تمثل الدرجة الاعلى؟ والسؤال الاخر: ماذا نستلهم من هذه الظواهر المتوسل بها؟ هذا ما نبدأ الحديث عنه الان، ونستهله بتوضيح الدلالات التي يتضمنها المقطع، فما هي؟ اولاً: التقرب، وهو جوهر العمل العبادي، اذان الشريعة الاسلامية تطالبنا ليس في جعل احكام خاصة ننوي التقرب بها الى الله تعالى، بل تطالبنا - كما كررنا في احاديث سابقة - بان نجعل حتى الاعمال المباحة وهي الاكثر عدداً من حيث المصاديق التي لا حصر لها في سلوك الانسان، نقول: حتى هذه الاعمال المباحة والفردية التي يتفاوت البشر بينهم فيها قد امرنا الشرع بان (نتقرب) بها الى الله تعالى حيث نذكرك بالحديث المتكرر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (ليكن لك في كل نية، حتى في الاكل والنوم)، اذن مقطع الدعاء يتوسل اولاً بان نجعل اعمالنا (قربى) الله تعالى، وان نوفق الى ما هو الاعلى من درجات التقرب الى الله تعالى. المظهر الثاني: الذي طرحه مقطع الدعاء، وتوسل بالله تعالى بان يجعله الاعلى درجة هو: (واوجه من توجه اليك) ترى: ما المقصود بالتوجه؟ لا نحسب ان احداً يجهل دلالة التوجه، انها تعني: ان نتجه بوجهنا الى الله تعالى، ان نتحرك بوجهنا نحوه. اذن التوجه هو: القصد الى جهة هي الله تعالى، وهل ثمة مقصد او هدف اكثر توجها من مسيرنا الى الله تعالى؟ ولعلك تسأل عن الفارق بين العبارة الحالية وبين العبارة السابقة اي: الفارق بين التقرب وبين التوجه الى الله تعالى؟ الجواب: الفارق هو: النية اولاً بحيث نتقرب بها الى الله تعالى، ثم ان نتجه في مسيرنا الى الله تعالى. طبيعياً: لا مناص من تذكيرك بان التقرب والتوجه قد قرنهما الدعاء بما هو اعلى الدرجات وليس التقرب العادي او التوجه العادي، وهذا هو جوهر الدعاء بطبيعة الحال. اخيراً نواجه عبارة ثالثة هي: (وانجح من سألك، وتضرع اليك) ، هنا نواجه ظاهرتين الاولى هي: السؤال والاخرى هي: التضرع. فما الفارق بينهما؟ الجواب: السؤال هو مجرد الدعاء كما لو قلت: اللهم ارزقني خير الدنيا والاخرة واما التضرع فهو: الخضوع لله تعالى مقترنا بسؤالك المتقدم حيث ان التضرع له اثره الكبير في استجابة الدعاء. وقد ورد في نصوص كثيرة ان القلب اذا خشع او رقّ، ... الخ، فهو علامة قبول الدعاء، لذلك فان النصوص الشرعية ومنها هذا المقطع من الدعاء طلب اولاً ان ندعو مطلقاً بقولها (عليها السلام): (وانجح من سألك) بعد ذلك ان يقترن هذا السؤال بالتضرع، وذلك من خلال قولها: (وانجح من سألك وتضرع اليك) ، اذن: السؤال اولاً والتضرع ثانياً يسهمان في استجابة الدعاء بيد ان سؤال آخر يثور هو: لماذا عبرت الزهراء (عليها السلام) بمصطلح (نجح) دون سواه في ذهابها: (اللهم اجعلنا انجح من سألك وتضرع اليك) . الجواب: من الواضح ان مجرد السؤال حتى لو كان في اعلى حاجات العبد اذا لم يقترن بالخضوع فلا يؤتي اكله ولذلك فان (نجاح) الدعاء يتوقف على التضرع المذكور بالنحو الذي اوضحناه قبل قليل. ختاماً نساله تعالى ان يوفقنا الى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "احفظ علينا ما لو حفظه غيرك ضاع، ...". - 55 2011-09-25 09:06:59 2011-09-25 09:06:59 http://arabic.irib.ir/programs/item/7828 http://arabic.irib.ir/programs/item/7828 نتابع حديثنا عن ادعية الزهراء (عليها السلام)، ومنها احد ادعيتها الذي ورد فيه: (صل على محمد وآله واحفظ علينا ما لو حفظه غيرك ضاع، واستر علينا ما لو ستره غيرك، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء)، هاتان الفقرتان وردتا في ادعية احد ايام الاسبوع ويعنينا منه ما يرتبط اشد الارتباط بحياتنا اليومية وعلاقتنا مع الاخرين بما في ذلك اوثق العلاقات بين الاطراف، اولها: التقدير او الاحترام او الحفظ للاخر والثاني: الستر على العيوب. وقد توسلت الزهراء (عليها السلام) بالله تعالى بان يحفظ على قارئ الدعاء ويستر عليه بحيث ان الاخر، لايتقيد بالحفظ وبالستر. ولنتحدث الان بالتفصيل عن هاتين الظاهرتين. بالنسبة الى (الستر) يظل واحدا من الظواهر التي لا يكاد الشخص ان يتقيد به نظرا لدوافعه وحاجاته وغرائزه غير المشروعة او لنقل: نظراً لمرض الشخصية ونزوعها الى العدوان او الأنا، لذلك تطالب النصوص الشرعية الانسان الا يعطي اسراره الى صديقه، لان الصديق قد يتحول الى عدو، وحينئذ يستثمر هذا السر ويشهر صاحبه، ويعرضه للاذى في حالة تحوله الى عدو وهذا ما لاحظناه في حياتنا اليومية عبر حالات متنوعة تحول فيها الصديق الى عدو ففضح صاحبه. ليس هذا فحسب، بل ان الصديق نفسه حتى لو لم يتحول الى عدو فان النزعة الذاتية العدوانية لديه تحمله على ايصال الاذى للاخر حتى لولم تكن ضرورة طارئة لها بُعد عدائي. لكن النزعة العدوانية ذاتها او نزعة (الأنا) تفرض عليه ان يفضح صاحبه حتى تتحرر اعماقه من الاحساس بنزعته المرضية. المهم ان الزهراء (عليها السلام) في اشارتها الى ان الله تعالى يستر على عبده ما لو اطلع الاخرون عليه لما كتموه بل افشوه، اي السر او العيب، وهذا يجعل الذهن متداعياً الى عظمة الله تعالى ورحمته بعباده في عملية الستر، وذلك لان الشخصية طالما تنزع الى احترام الذات والتقدير الاجتماعي، ولذلك تحرص على سمعتها وكرامتها، فاذا لم يستر على عيوبها، حينئذ تتعرض الى الذل الاجتماعي وهذا مالم تتحمله، بل ان الاسلام نفسه طالما يوصي بعدم تعريض الشخصية ذاتها الى الذل. اذن: الستر على العيوب يظل من صفات الله تعالى وهي رحمة لا حدود لها، كما هو واضح. اما الظاهرة الاخرى فهي: الحفظ كما اشرنا، والحفظ هو: المنع من الضياع، ولذلك قالت الزهراء (عليها السلام): (واحفظ علينا ما لو حفظه غيرك ضاع) ، والحفظ يتناول جملة ظواهر ولعل الذهن يتداعى من لفظة (الحفظ) الى عملية التقدير او التثمين ان الله تعالى طالما يشير من الكتاب الْمَجِيدِ ، والمعصومون (عليهم السلام) طالما يشيرون في احاديثهم الى ان من عظمة الله تعالى في ميدان الرحمة انه اذا تقدم العبد خطوة واحدة تقدم اليه الله تعالى عشراً، كما تشير الى ان الله تعالى يثيب الكثير على العمل القليل، وتشير الى ان جَزَاءُ الإِحْسَانِ هو الإِحْسَانِ. اذن النصوص الشرعية تؤكد مفهوم (الحفظ) اي: منعه من الضياع، مما يعني: الحفاظ عليه وترتيب الاثر عليه: وهو الجزاء، كما المحنا. اما العبد فليس كذلك، وهذا ما اكدته الزهراء (عليها السلام) حينما اوضحت ان غير الله تعالى يضيع ما ينبغي ان يحفظ. والسبب هو: قصور الانسان -الا الابرار- عن ممارسة السلوك الموضوعي الصرف اي: السلوك غير المقترن بطمع للمال او للجاه او لسواهما من النزعات غير المشروعة عند غالبية البشر. اذن امكننا ان نتبين بجلاء ما حفل به دعاء الزهراء (عليها السلام) من الاشارة او التوسل بالله تعالى بان يحفظ علينا، وان يستر علينا، حيث ان ذلك مما يجسد لدى الانسان حاجة ملحة الى التقدير واحترام الذات بالشكل الذي اوضحناه. ختاماً نسأله تعالى ان يوفقنا الى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام، ...". - 54 2011-09-17 09:46:19 2011-09-17 09:46:19 http://arabic.irib.ir/programs/item/7827 http://arabic.irib.ir/programs/item/7827 نتابع حديثنا عن ادعية الزهراء (عليها السلام)، ومنها الدعاء البادئ على النحو الاتي: (اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام، وركنك الذي لا يرام وباسمائك العظام، ... الخ) . هذا المقطع من الدعاء حدثناك عن فقرته الاولى وهي: (اللهم احرسنا بعينك التي لاتنام) ، ونحدثك الان عن فقرته الثانية وهي (ركنك الذي لايرام) اي: احرسنا بركنك الذي لا يرام، فماذا نستلهم منه؟ (الركن) هو: العزة والمنعة، اي: المكان الذي يتسم بالمنعة، بحيث لايجرأ احد على الدخول فيه لان (المانع) هو: الحاجز عن الدخول فيه، طبيعياً: ان العبارة هي استعارية او رمزية حيث ان المقصود من ذلك هو: عظمة الله تعالى متمثلة في (العزة) التي يتسم بها تعالى والرمز هنا في مجموع العبارة اي (الركن الذي لا يرام) ، يعني: ان قدرته تعالى لا يمكن لاحد ان يصل الى مداها، حيث ان المكان الرامز الى مصطلح (الركن) لا يمكن ان يصل احد اليه او يثبت فيه، وهذا هو دلالة كلمة او عبارة (لا يرام) اي: لا يثبت احد او يقيم في هذا المكان، والحصيلة هي ان نتبين الان الفارق بين العبرة التي حدثناك عنها في لقاء سابق وهي: (احرسنا بعينك التي لا تنام) ومن العبارة التي حدثناك عنها الان وهي (احرسنا بركنك الذي لا يرام) . فما هي العلاقة بينهما؟ واضح، ان الزهراء (عليها السلام) عندما توسلت بالله تعالى ان يحرس تعالى قارئ الدعاء بعينه التي لا تنام، فهذا يعني ان الله تعالى سوف يمنع وصول الاذى الى العبد، فما دام تعالى حارساً لعبده فحينئذ يمنع دخول الاذى الى العبد، وهذا هو منتهى التعبير البلاغي الجميل من حيث التدرج بالمعنى من مفهوم الحراسة الى مفهوم عدم وصول الاذى الى العبد بالنحو الذي اوضحناه. يبقى ان نوضح العلاقة بين ما سبق من العبارتين وبين العبارة الثالثة (وباسمائك العظام) ، اي: ان قارئ الدعاء يتوسل بالله بان يحرس عبده اولاً بعينه التي لا تنام، وبركنه الذي لا يصل اليه الاذى حيال العبد، ثم، باسمائه تعالى حيث خلع عليها الدعاء طابع (العظام) اي: الاسماء العظيمة فماذا نستلهم منها؟ الجواب: ان اسماء الله تعالى مثل: الْعَزِيزُ، الْقَوِيُّ، الْجَبَّارُ، الْمُهَيْمِنُ، وغيرها مما يتضح عن (العظمة) في جانبها المرتبط بقدرته، ثم: الاسماء المفصحة عن رحمته مثل: الرَّحِيمِ، الحنان، المنان، الرفيق، وغيرها مثل هذه الاسماء وسواها ممن تجمع بين قدرته تعالى ورحمته، حينما يتم التوسل بها، عند ذلك: فان القدرة تتكفل بعدم وصول الاذى الى العبد، والرحمة تتكفل باغداق الشفقة على العبد حيث تمنع وصول الاذى الى العبد بالنحو الذي اوضحناه. بعد ذلك يتجه الدعاء الى توسلات اخرى تتصل بالحفظ والستر وغيرها، مما نحدثك عنها لاحقا ان شاء الله تعالى، اما الان فحسبنا ان نشير الى ما اوضحناه قبل قليل الا وهو التسلسل او التدرج الدلالي في العبارات المتقدمة سائلين الله تعالى ان يرحمنا بمزيد رحمته وان يوفقنا الى ممارسة مهمتنا العبادية وهي الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "احرسنا بعينك التي لاتنام، ...". - 53 2011-09-10 09:19:07 2011-09-10 09:19:07 http://arabic.irib.ir/programs/item/7826 http://arabic.irib.ir/programs/item/7826 لانزال نحدثك عن الادعية المباركة، ومنها الدعاء الذي افتتح بما ياتي: (اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام، وركنك الذي لا يرام، وباسمائك العظام، صل على محمد وآله، ... الخ) . هذا المقطع من الدعاء يتناول التوسل بالله تعالى في اغداق رعايته على قارئ الدعاء في جملة مظاهر بدأها بعبارة: (اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام) ، فماذا نستلهم من ذلك؟ ان العبارة المتقدمة تتوسل بالله تعالى بان يحرس عبده، والسؤال هو: ما هي اللغة التي استخدمتها الزهراء (عليها السلام) في التوسل المذكور؟ اي: الحراسة بعين الله تعالى التي لا تنام . اذن لنتحدث عن هذا الجانب. الرعاية الالهية او الحراسة في هذا الميدان تعني: حفظ الانسان من كل سوء يخطر على البال. طبيعياً: الاسواء قد تعني: ما يضر الانسان في آخرته او دنياه، كما ان بعض ما يصطلح عليه بالسوء قد يكون في صالح الشخصية، سواء كان ذلك عقاباً عاجلاً حتى تعفى الشخصية من العقاب الاخروي او كان زيادة في درجة الشخصية عبادياً. طبيعياً قد يقول البعض ان السوء لا ينسحب الا على ما هو سلبي، فلا يصح في الشدة الاختبارية او الامتحانية التي هي في صالح الشخصية، الا اننا نجيبب عن ذلك قائلين: ان الله تعالى استخدم عبارة (السوء) في قوله تعالى: «وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ» فالسوء هنا هو: التدقيق والمؤاخذة على الصغيرة والكبيرة وهي: تتلاءم مع مفهوم (العدل) الا ان (عدل) الله تعالى يعني: انزال العقاب الحق، وهو ما نفاه الله تعالى حين دربنا على ان نقول مثلاً: (اللهم لاتعاملنا بعدلك بل برحمتك) ، بمعنى: ان رحمته تعالى واسعة بحيث يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا. المهم ان فقرة الدعاء المذكورة تتوسل بالله تعالى بان يحفظنا من كل سوء مهماً كان نمطه، وهذا ما يتلائم مع طبيعة الدلالة اللغوية للسوء. اما الان فنحدثك عن الدلالات العميقة لهذه العبارة، اي (احرسنا بعينك التي لاتنام) ، فماذا نستلهم منها؟ ان الله تعالى هو الْحَيُّ الْقَيُّومُ الذي لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ، والدلالة التي نستخلصها من عبارة «لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ» او عبارة (عينك التي لاتنام) هي: عبارة رمزية ودافعية في آن واحد، فالله تعالى لا تنسحب عليه، الظواهر المادية (اي: الحدوث مقابل الازلية)، لذلك لاَ نَوْمٌ ولا سواه ينسجب على الله تعالى، ولكن الزهراء (عليها السلام) استخدمت عبارة (عينك التي لاتنام) استخداماً (رمزياً) بصفة انه تعالى منزه عن الحدوث وهو (العين) المادية، وهذا ما اقتادنا الى ان نقول ان العبارة المتقدمة رمزية ايضاً والمهم هو: الدلالة العميقة للعبارة، لذلك نتساءل من جديد: ما هي دلالاتها الواسعة؟ الجواب: ان الدلالة من الوضوح بمكان، فالله تعالى مادام حياً لا يغفل لحظة عن الوجود، عندئذ فان الله تعالى حينما يحرس عبده من السوء: فمعناه: ان العبد يتوسل بالله تعالى بالا يتخلى الله تعالى لحظة واحدة عن عبده القارئ للدعاء بحيث يحرسه من السوء في مختلف مستوياته واشكاله، صغير كان او كبيراً، الخ. اذن الدلالة من الوضوح بمكان، انها تتوسل بالله تعالى بان يحرسنا من الاسواء جميعاً، وهذا ما يتوافق وسعة رحمة الله التي لاحدّ لها. ختاماً، نساله تعالى ان يحفظنا من كل سوء، وان يوفقنا الى الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "برحمتك استغيث فاغثني، ...". - 52 2011-09-03 09:28:47 2011-09-03 09:28:47 http://arabic.irib.ir/programs/item/7825 http://arabic.irib.ir/programs/item/7825 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها ادعية الزهراء (عليها السلام)، حيث حدثناك عن ادعيتها الاسبوعية، ومن ذلك: الدعاء الذي يبدأ على النحو التالى: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يا حي يا قيوم، برحمتك استغيث فاغثني، ولا تكلني الى نفسي طرفة عين، واصلح لي شاني كله)، هذا المقطع من الدعاء يتضمن التوسل بالله تعالى بان يرحم قارئ الدعاء ويصلح شأنه ولا يكله الى نفسه. هذه الدلالات ترتبط بسلوك الانسان العبادي الذي خلق الله تعالى الانسان من اجل ممارسته، ومن ثم فان التوسل باصلاح شأن العبد يعني: تعديل سلوكه وانعكاس ذلك على مصيره الاخروي الخالد. اذن المقطع من الدعاء يجسد اهمية عظيمة يجدر بنا متابعة فقراته، ونبدأ ذلك بفقرة: (يا حي يا قيوم) ، فماذا نستلهم منها؟ الْحَيُّ الْقَيُّومُ يعني ببساطة: الله الذي لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، فهو الْقَيُّومُ عليها هذه الدلالة ببساطتها لها انعكاسها على محتويات الدعاء الذي يبدأ اولاً فيقول: (برحمتك استغيث فاغثني) ، اذن الْحَيُّ الذي لا يغفل عن سؤال عبده، والقائم بشؤونه، هو الجدير بان يرحم عبده الذي استغاث به. ان الدعاء قد استخدم مفهوم (الرحمة) وهل الرحمة الا من عنده تعالى. انها الرحمة التي اغدق بقسم منها على عباده في الدنيا، وابقى الكثير في الاخرة، والمهم هو: ان الرحمة هي العنصر المغيث للعبد والمخلّص له من شدائد ما يعانيه، سواء كانت الشدائد دنيوية (كالفقر والمرض وفقدان الامن) او عبادية كالتقصير في اداء المهمة العبادية للانسان. بعد ذلك تواجهنا فقرة: (ولا تكلني الى نفسي طرفة عين) ان هذه العبارة من الدعاء لها اهمية كبيرة في سلوك الانسان، انها تحدد فيما اذا كانت له امكانية الحركة وعدمهما. طبيعياً، ان الله تعالى خلق الانسان ووظف له قوى يعتمد عليها في سلوكه، بيد ان الامر في حقيقته يظل مرتبطا بارادته تعالى. ولذلك قد يخيل للعبد بان له امكانات ذاتية يستطيع بواسطتها انتخاب ما يتطلع اليه، ولكن الامر ليس كذلك، ان الانسان لا يملك لنفسه نَفْعًا ولا ضَرًّا ولا مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا ، انه لا يملك قدرة ذاتية البتة، من هنا توسل الدعاء، مقرراً او متوسلاًً بالاّ يكل الله تعالى قارئ الدعاء الى نفسه حتى طرفة عين ابداً، مما يعني ان الامر كله بيد الله تعالى الى درجة ان نقرأ مثلاًً في القران الكريم «وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى» ، اذن الامر كله لله بيد الله تعالى. طبيعياً هذه العبارة امتداد لسابقتها اي: العبارة المتوسلة بالله تعالى بالا يكل قارئ الدعاء الى نفسه طرفة عين، بحيث يمكن الذهاب الى ان الامر مادام كذلك، فانه من الطبيعي ان يتوسل الدعاء ثانية، ويقول او يتوسل بان يصلح الله تعالى قارئ الدعاء، وهو شان قد يكون دنيوياً: كالرزق والصحة والامن، وقد يكون عبادياً: كالتوفيق فيِ اداء المهمة العبادية، ومن ثم الظفر برضوان الله تعالى وجنته، سائلين الله تعالى ان نكون كذلك. ختاماً امكننا ان نحدثك ولو عابراً، عن مقطع الدعاء المتقدم سائلين الله تعالى ان يوفقنا الى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "اللهم إن مغفرتك أوسع من ذنبي، ...". - 51 2011-08-27 08:47:28 2011-08-27 08:47:28 http://arabic.irib.ir/programs/item/7811 http://arabic.irib.ir/programs/item/7811 لانزال نحدثك عن الأدعية المباركة، ومنها أدعية الزهراء (عليها السلام) حيث حدثناك عن أحد أدعيتها التي ورد فيها: (اللهم ان مغفرتك اوسع من ذنوبنا، ورحمتك أرجی عندنا من أعمالنا، اللهم صل علی محمد وآل محمد، ووفقنا لصالح الاعمال، والصواب من الافعال) . هذا المقطع من الدعاء يتضمن مفهومات واضحة، ولكنها متسمة بما هو عميق من المعرفة بعظمة الله تعالی ورحمته، حيث يتعين علينا ان نمعن النظر فيها... وهذا ما نلحظه اولاً في عبارة: (اللهم ان مغفرتك اوسع من ذنوبنا) ، فماذا نستلهم منها؟ مما لا ترديد فيه، ان الذنب اساساً ينبغي الا يصدر من العبد مادام بمقدوره ان يجتنب ذلك من خلال ممارسة الصبر علی الطاعة والصبر علی عدم ممارسة المعصية لكن بالرغم من ذلك فان المبادئ الاسلامية او جدت مجالاً واسعاً لتلافي المعصية من جانب، وفتحت مجال الادعية ايضاً في هذا التلافي للمعصية... ولعل العبارة الذاهبة الی ان مغفرة الله تعالی اوسع من ذنوب العبد تساهم الی حد كبير في الاقلاع عن الذنب، بصفة ان المذنب حينما يتجه الی الله تعالی يعترف بان رحمته تعالی اوسع من ذنبه عندئذ يحس بنمط من الخجل امام الرحمة الالهية فيعدل سلوكه، وهذا هو أحد عناصر الفاعلية التي ينطوي الدعاء عليها. بعد ذلك نواجه عبارة: (ورحمتك ارجی عندنا من أعمالنا) وهي عبارة متماثلة مع سابقتها... ولكننا نقول: ان فاطمة الزهراء (عليها السلام) معصومة والمعصوم لا يكرر عبارة الا وتحمل دلالة جديدة. فما هي هذه الدلالة؟ الجواب: الجديد في العبارة هو كلمة (أرجی) اي: الاكثر رجاءً وهذا يعني ان الرحمة الالهية يحياها العبد بين الرجاء وعدمه، وبين الخوف والامل... والنصوص الشرعية تطالبنا بان نوازن بين الأمل والخوف بحيث لا يزيد هذا علی ذاك... والسبب هو: اذا زدنا الامل ضعفنا عن مواصلة عبادتنا وطاعتنا، والعكس هو: ان نكف اساساً عن العمل لان اليأس هو الكفر بعينه تبعاً لقوله تعالی: «إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ». (سوره يوسف،87). المهم مع هذا التوازن: كيف نفسر عبارة (أرجی) ونجعلها هي الارجح علی عدم قبول الأعمال؟ الجواب: هنا نواجه عنصراً جديداً هو (الاعمال) بينما كنا في الملاحظة السابقة نواجه ( الذنب) والترديد بين الامل والخوف والفارق من الوضوح بمكان. كيف ذلك؟ ان العمل يشمل الطاعة ويشمل الاقلاع عن الذنب: كما هو واضح وحينما يقول الداعي: (ان رحمتك ارجی من عملي) ، فهذا يعني: انني مارست ما علي من المهمة العبادية (بغض النظر عن حجم صحته أو قبوله) الا ان الرحمة الالهية وهي لاحدود لها تظل اكثر أملاً في قبول اعمالنا وهذا ما يتسق تماماً مع المفهوم الذي قدمناه عن (الاعمال) واقتراقها عن الذنوب: كما هو واضح. يبقی ان نحدثك عن الموضوع الثالث في هذا المقطع وهو: (اللهم صل علی محمد وآل محمد ووفقنا لصالح الاعمال والصواب من الفعال) ، هنا نلفت نظرك الی ان هذه الاشارة الی التوفيق في اعمالنا تعد امتداداً للفقرة السابقة اي: ان رحمة الله تعالی ارجی مما نعمله... لذلك: حتی يكون الرجاء هو الاولی حينئذ فان الدعاء بان نوفق لصالح الاعمال يتناسب مع المفهوم المتقدم.... وهذا هو أحد معالم البلاغة في الدعاء: كما هو ملاحظ. اخيراً لانغفل عن الفارق بين عبارة: (صالح الاعمال) وعبارة: (الصواب من الفعال) حيث ان (الاعمال) تنصرف الی المبادئ العبادية بينما (الصواب من الافعال) تنصرف الی مطلق ما نصنعه حيث ان المبادئ العقلية او المنطقية التي تشترك البشرية فيها وتجمع علی صوابها تظل بالنسبة الی العباد الصالحين موضع اهتمام لان الشخصية العبادية تتسم بذكائها العبادي وبذكائها الاجتماعي او العرفي بنحو عام. ختاماً نسأله تعالی ان يوفقنا الی صالح الاعمال وصائب الافعال وان يوفقنا بعامة الی ممارسة الطاعة والتصاعد بها الی النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "ولا تجعل القرآن بنا ماحلاً، ...". - 50 2011-08-20 11:35:28 2011-08-20 11:35:28 http://arabic.irib.ir/programs/item/7810 http://arabic.irib.ir/programs/item/7810 نواصل حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها أدعية الزهراء (عليها السلام)، حيث حدثناك عن أدعيتها دلخاصة بيوم الأحد، وأنتهينا من ذلك إلى مقطع ورد فيه: (اللهم صل على محمد وآل محمد، ولا تجعل القرآن بنا ماحلاً، والصراط زائلاً، ومحمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) عنا مولياً، ...) . هذه العبارات امتداد لما سبقها من مقطع الدعاء، حيث ورد في عبارة سابقة حدثناك عنها في حينه أن يجعل تعالى قرائتنا لكتابه (تبصراً) أي نفيد منه ونعمل بموجبه... والان في هذه العبارات التي لاحظناها نجد أن الزهراء تقول: (لا تجعل القرآن بنا ماحلاً) بمعني: لا تجعل قراءتنا للقرآن، قراءة من يغفل ولا يتبصر بما يقرأ، حيث عبرت الزهراء (سلام الله عليها) على هذا ألمعنى بعبارة أستعارية هي (المحل)، أي: الجدب، فيكون المعني: اللهم لا تجعل قراءتنا للقرآن: كالارض ألقاحلة لاخصوبة فيها وبهذا فتبين معنى عبارة: (لا تجعل القرآن بنا ماحلاً) أي تقرأ بلا افادة من ذلك. بعد ذلك تواجهنا عبارة (لا تجعل الصراط بنا زائلاً) هنا نجد أن الدعاء ينتقل من الدنيا الى اليوم الاخر، يوم المحاسبة وتحديد المصير والنقلة هنا من الدنيا الى ساحة الحساب تعني: لفت نظر الى وظيفتنا الدنيوية وانعكاسها على مصيرنا الأخروي، ولذلك فأن مجيء العبارة القائلة: لا تجعل الصراط بنا زائلاً، أي: لا تعرضنا لغضبك، ولا تزل أقدامنا عند عبور الصراط. والآن مع ملاحظتنا لهذه النقلة أو الرابط بين الدنيا حيث يتعين علينا أن نستفيد من ألمباديء ألشرعية وفي مقدمتها القرآن الكريم، وبين الآخرة حيث ينبغي أن نعبر الصراط المسموح به لمن عمل بوظيفته العبادية، ثم (وهذا محط الالتفات اليه) الا يشيح النظر عنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث أن محمداً واهل البيت (عليه السلام)، لا يغيبون عن الشخصية بل يتدخلون لصالحها، وهو أمر ينبغى أن يقترن بآداء وظيفتنا بالنحو المطلوب، وهذا ما ألمحت العبارة التي انتهى المقطع بها وهي: (ولا تجعل ... محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) عنا مولياً) . بل وفقنا الى الطاعة بحيث يسر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)‌ بما قدمناه من الاعمال. بعد ذلك يواجهنا مقطع جديد يرسم لنا كيفية العمل بمبادئ الله تعالى، حيث يقول (اللهم اجعل غفلة الناس لنا ذكراً، واجعل ذكرنا لهم شكراً، واجعل صالح ما نقول بالسنتنا في قلوبنا، ...) ان هذا المقطع المشير الى الذكر والشكر مقابل الضد لهما وهما: الغفلة وعدم الشكر، يظل حافلاً بما هو صميم العمل العبادي ونعني به (الذكر) . والسؤال: ما هو الذكر؟ الجواب: الذكر هنا مقابل الغفلة، فالناس العاديون «غَافِلُونَ» عن وظيفتهم العبادية، بينما المطلوب هو: العمل بهذه الوظيفة، وهي: عدم التقصير في ممارسة واجباتنا والعكوف على ممارسة المندوب ايضاً وترك المحرم والمكروه، بل كما تكررت الاشارة الى ذلك ان العبد مدعو بان يجعل كل وقته عملاً عبادياً بما في ذلك: النوم، حيث قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ليكن لك في كل شيء نية، حتى في الطعام والنوم . هنا يتعين علينا ان نلفت نظرك الى النكتة المنطوية عليها عبارة المقطع وهي: (اللهم اجعل غفلة الناس لنا ذكراً) . فما هي ذلك؟ من البين ان غالبية الناس هم «غَافِلُونَ» عن الله تعالی... ان الشخصية العبادية الحقة هي افضل من الملائكة، فاذا كانت الْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ الله دون انقطاع، بحيث لا يفترون عن الذكر: فكيف بالشخصية البشرية الحقة أليس الاجدر بها الا تنقطع ابداً عن ذكر الله تعالی، وهذا ما حثنا الدعاء عليه حينما توسل بالله تعالى بان يجعل غفلة الناس (ذكراً) عند قارئ الدعاء. ليس هذا فحسب إذ ليس المطلوب هو مجرد جعل (الذكر) لله تعالى هو: المطلوب استمرارياً بل كذلك جعل (الشكر) على هذا الذكر مطلوبا بدوره، بكلمة بديلة: ان الله تعالى عندما يوفقنا الى (الذكر) ينبغي علينا ان نشكره على هذا التوفيق ولذلك ورد في الاحاديث ان توفيقنا الى ان نشكره تعالى يحتاج الى شكر لله تعالی. بقي ان نحدثك عن العبارة الثالثة وهي: (اجعل صالح ما نقول بالسنتنا في قلوبنا) ، اي: أجعل ما ننطق به من الكلام منطلقاً من صميم قلوبنا وليس مجرد كلام منطوق اذن المطلوب هو: مطابقة الكلام لما في قلوبنا اي: الكلام ثم العمل به. اذن اتضح لنا الآن، ما حفلت به العبارات المتقدمة من مبادئ الشريعة الاسلامية، وكيفية التعامل مع هذه المبادئ ومن ثم التوسل بالله تعالى بان يجعلنا عاملين بها، وان يوفقنا الى ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "اللهم أني أسألك قوة في عبادتك، ...". - 49 2011-08-06 09:15:52 2011-08-06 09:15:52 http://arabic.irib.ir/programs/item/7809 http://arabic.irib.ir/programs/item/7809 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها أدعية الزهراء (عليها السلام) حيث حدثناك عن أحد أدعيتها الخاص بيوم الأحد، وانتهينا من ذلك إلى مقطع ورد فيه: (اللهم أني أسألك قوة في عبادتك، وتبصراً في كتابك، وفهما في حكمك، ...) . هذه الفقرات تتضمن ثلاثة موضوعات مرتبطة بالعمل العبادي في أوسع دلالاته... مع ملاحظة ان مقطع الدعاء قد أستخدم مصطلح (عبادتك) بمعناه الاصغر، ومن الممكن أن يكون بمعناه الأوسع على نحو ما نوضحه الأن... . لقد ورد في القران الكريم قوله تعالى: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» حيث نعرف جميعاً بأن (العبادة) هنا تعني مطلق السلوك الانساني، أي أن الله تعالى خلق البشر ليمارسوا وظيفتهم العبادية وهي الالتزام بمبادئ الشريعة، سواء كان ذلك في ميدان الشعائر كالصلاة والصوم، أو ميدان التعامل الاجتماعي: كمساعدة الأخرين، هنا في فقرة الدعاء التي نحدثك عنها وردت عبارة: (أسألك قوة في عبادتك)... ترى: ما هو المقصود من العبادة هنا؟ في تصورنا أن ألامرين واردان، فقد يكون المقصود وهو القوة في ممارسة الشعائر: كالصلاة والصوم والحج، حيث تتطلب جهدا بدنيا كما هو واضح. وقد يكون المقصود مطلق السلوك، العبادي ومنه: (التبصر في الكتاب) (والفهم في الحكم): كما ورد في مقطع الدعاء بعد ذلك، وبهذا تكون عبارة (أسالك قوة في عبادتك) عامة وتكون عبارة أسالك (التبصر في الكتاب) و(الفهم في الحكم) أمثلة خاصة هي من مصاديق القوة في العبادة وفي الحالتين فأن النكتة هنا تتطلب بعضا من التوضيح أو التعقيب فما هو ذلك؟ بيّنا أن الممارسة العبادية ليست منحصرة في القوة البدنية بل تنسحب على القوة النفسية أيضاً. كيف ذلك؟ لقد ورد حديث يقول بما مؤداه: لا يتعب بدن قويت عليه النية. ترى ما المقصود من هذه العبارة؟ المقصود هو أنك إذا عزمت على ممارسة صلاة الليل، حينئذ إذا كانت نيتك صادقة ومتحمسة لهذه الصلاة، فان ضعف بدنك أو نعاسك في آخر الليل يتلاشيان، أي يتلاشى الضعف البدني ويتلاشى النعاس، فتنهض إلى صلاة الليل وأنت تام القدرة على ذلك. وألأن في ضوء هذه الحقيقة ماذا نستخلص من عبارة: (أسألك قوة في عبادتك)؟ لا شك انك إذا طلبت من الله قوة في العبادة، فأنه تعالى يهب لك هذه القدرة، سواء أكنت قويّ البدن أو ضعيفه، فإذا كنت قويا حينئذ يكون الدعاء قد وفقك الى أستخدام هذه القوة في العبادة، وإذا كنت ضعيفا أزال الله تعالى هذا الضعف وحوله إلى قوة عبادية، وفق ما أوضحناه. بقي أن نحدثك عن العبارتين الأخريين، فماذا تعنيان؟ تقول العبارتان: (أسألك... تبصراً في كتابك، وفهما في حكمك) والسؤال هو: ما المقصود من (التبصر) وعن (الكتاب) ؟ ثم ما المقصود من (الفهم) وعن (الحكم) ؟ الجواب: أما العبارة القائلة (أسألك... تبصراً في كتابك) فيعني أن تتمعّن وتطيل النظر في القران الكريم وتفقه دلالاته ونكاته ألخ، وأما المقصود من عبارة: (أسألك... فهما في حكمك) ، فتعني: العلم بمباديء القضاء أو الحكم بين المتنازعين، أو مطلق السلوك المرتبط بالفتوى، وباصلاح المتنازعين ألخ. اذن أمكننا أن نتبين بوضوح دلالة ما تعنيه عبارة: (اسألك قوة في عبادتك حيث تشمل القوة البدنية، والنفسية، بالاضافة إلى القوة المعرفية) ، ومنها معرفة كتاب الله تعالى، ومعرفة القضاء والاحكام بين الأخرين. ختاماً نسأله تعالى أن يوفقنا فعلاً إلى القوة والتبصر والفهم، وأن يوفقنا إلى ممارسة الطاعة والتصاعد بها إلى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "إجعلنا ممن أناب إليك فقبلته، ...". - 48 2011-07-30 08:10:10 2011-07-30 08:10:10 http://arabic.irib.ir/programs/item/7808 http://arabic.irib.ir/programs/item/7808 لانزال نحدثك عن الأدعية المباركة ومنها ادعية الزهراء (عليها السلام) حيث حدثناك عن أحد أدعيتها لخاص بيوم الأحد، وانتهينا من ذلك: الی ما يأتي: (اللهم صل على محمد وال محمد، واجعلنا ممن اناب إليك فقبلته، وتوكل عليك فكفلته، وتضرع اليك فرحمته، ...). هذه العبارات يختم بها أحد مقاطع الدعاء، وهي ثلاث عبارات تتدرج في التوسل بالله تعالى من حيث نمط الحاجات، وهو أمر نبدأ به الأن بألقاء الضوء عليه. العبارة الأولى تقول: (اجعلنا ممن أناب اليك فقبلته) ، أي: اجعلنا ممن يرجع اليك يا رب، ثم اجعلنا ممن قبلته في الرجوع اليك، كقبول التوبة مثلاً، او بقبول الطاعات الخ... . ومن البين أن الرجوع إلى ألله تعالى ليس كلاماً لفظيا بقدر ما يعني: صدقاً قلبياً يتجه إلى الله تعالى دون أن يسمح لأي عنصر أخر في مشاركة هذه الأنابة، وهي ظاهرة ليست من السهل أن تتحقق إلا لمن وفقه الله تعالى الى ذلك... من هنا تجيء العبارة الثانية من المقطع وهي: (وتوكل عليك فكفيته) أمتداداً للأنابة المتقدمة. كيف ذلك؟ واضح أن من قرر العودة إلى الله تعالى فحسب، يأتي عنصر توكله على الله تعالى مرحلة طبيعية من السير نحو الله تعالى، فالتوكل يعني: إيكال الأمر الى ألله تعالى: كمن يتوكل عليه في الرزق والصحة والأمان و... الخ. مع ملاحظة ما تقرره النصوص الشرعية كقوله تعالى: «وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ». أن عبارة «حَسْبُهُ» تعني كفاية الشخصية من حيث تحقق أشباعها،... وبهذا يمكن الأشارة إلى أن عبارة الزهراء (عليها السلام) (توكل عليك فكفيته) أنما هي (تناص) أو (اقتباس) أو (تضمين) للآية التي لاحظناها الأن وهي: «وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ» فتكون كلمة (توكل) و «حَسْبُهُ» مصدراً لكلمة (توكل) وكلمة (كفيته) في مقطع الدعاء المذكور. المرحلة الثالثة من مقطع الدعاء، أي العبارة الثالثة المترتبة على سابقتيها وهي: (وتضرع إليك فرحمته) تعد تتويجا لما سبقها... ، كيف ذلك؟ الجواب: أن الأنابة إلى الله تعالى، والتوكل عليه ليسا مجرد سلوك نظري بل لابد وأن يقترن بجملة أمور منها: التمجيد لله تعالى، ومنها البدء بالصلاة على محمد وآله ومنها وهذا ما ينسب الى العبارة الثالثة في المقطع وهي (تضرع اليك). أن التضرع وهو التذلل، والتخشع ونحوهما شرطان أساسيان أو شرط أساس في تحقيق حاجات الشخصية، وهو أمر طالما أشارت اليه النصوص الشرعية اليه بخاصة مع حدوث... يراجع النص القبلية كما اشار النص الشرعي اليها. اذن جائت العبارة الثالثة تتويجا لموضوع المقطع بالنحو الذي أوضحناه. بعد ذلك نواجه مقطعاً جديداً من الدعاء هو: (اللهم إني أسألك قوة في عبادتك، وتبصراً في كتابك، وفهما في حكمك، ...الخ) . ان هذه العبارة المرتبطة بمفهوم (القوة) في العبادة، وبمفهوم (التبصر) في كتاب الله تعالى وبمفهوم الفهم في حكم الله تعالى، تتطلب مزيداً من التوضيح وهو ما نحدثك عنه في لقاءنا اللاحق ان شاء الله تعالى... . ختاماً نسأله تعالى أن يجعلنا ممن أناب اليه فقبله، وممن توكل عليه فكفاه، وممن تضرع اليه فرحمه، أنه سميع مجيب. للمرة الجديدة نسأله تعالى ان يوفقنا إلى طاعته، والتصاعد بها الى النحو المطلوب، آمين. ******* شرح فقرة:"اللهم اجعل اول يومي هذا فلاحاً" - 47 2011-07-23 08:00:32 2011-07-23 08:00:32 http://arabic.irib.ir/programs/item/6953 http://arabic.irib.ir/programs/item/6953 لا نزال نحدثك عن الأدعية المباركة، ومنها: أدعية الزهراء ع، حيث حدثناك عن دعائها يوم السبت، والآن نحدثك عن دعائها يوم الاحد، حيث ورد على النحو الآتي: "اللهم اجعل اول يومي هذا فلاحاً، واخره نجاحا، واوسطه صلاحاً... الخ "... هذا النص يستتبع شروحاً طائلة ومتفاوتة، ولكننا نحدثك عن ذلك باختصار وفق ما نتذوقّه بلاغياً،... فماذا نستلهم؟ قال الله تعالى " قد افلح من تزكى " وقال تعالى "قد افلح من زكاهّا " تري: ماذا نفهم من هاتين العبارتين، حيث جاءالدعاء يستخدم مصطلح " الفلاح" في استهلال المقطع؟ كذلك حينما نواجه عبارة " نجاح" نجدها بدورها تتماثل لغوياً مع عبارة " فلاح"، ولكن الكلمة " صلاح" تتميز عنهما الى حدّما،... من هنا يتعذر على قاري الدعاء ان يظفر بدلالات واضحة لهذه الثلاثية اللفظية: " فلاح، صلاح، نجاح"... يضاف الى ذلك ان بعض الادعية وردت على هذا النحو من التسلسل: " و أن نجعل دعائي اوله فلاحا، واوسطه نجاحا، واخره صلاحا" اذن: مع هذا التفاوت في التقديم والتأخير نلاحظ صعوبة فى تحديد الدلالات، بخاصة ان ألدعاء هنا ارتبط بما هو اول ووسط وآخر،...فماذا كان لكل دلالته المتوثقة على السابق واللاحق والبادئ: حينئذ تتعاظم الصعوبة فى تحديد الدلالات... ولكن – مع ذلك – نحاول ان نستخدم الذائقة الفنية واللغوية فى تحديد العبارات الثلاث... فى تصورنا، ان قولها ع " اجعل اول يومي فلاحا" مقابل الدعاء الاخر " ان تجعل دعائي اوله فلاحا"، من الممكن ان يحمل على الطول اليومي وليس الدعائي،... ونحسبك تتساءل عن السّر فى استخلاصنا المذكور، حيث نجيبك بما يأتي: لقد وردت نصوص تشير الى ان من بدأ يومه بطاعة وختمه بطاعة غفر له ما بينهما، وهذا يعني ان للاستهلال، والختام، والوسط: آثارها فى السلوك، واستجابة الدعاء... الخ... والمهم: ان مصطلح "فلاح" يعني: الظفر بما يطلبه الشخص، فيكون المعني: "اللهم اجعل اول يومي هذا ظفرا لما اتوسل به اليك من الحاجات"، بمعنى زرع الأمل فى نفس قارئ الدعاء... وهذا عن الاستهلال.. ولكن ماذا عن الختام؟ يقول النص " وآخره نجاحا " فبموجب هذه العبارة، نستخلص ان ختام اليوم يكون نجاحاً فيما سعى قارئ الدعاء اليه من الأعمال، اي: يتسلم وثيقة النجاح فى مسعاه اليومي... ويبقى الوسط حيث يقول النص " واوسطه صلاحا " فماذا يعني؟ من الواضح ان الصلاح، هو مقابل الفاسد، فاذا كان اول اليوم فلاحاً وآخره نجاحاً فلا بدّ ان يكون الوسط هو: العمل الصالح بنحو مطلق، اي: عدم ممارسة ما هو فساد خلال اليوم،...فاذا سلم يوم من ممارسة الفساد فقد نحج فى السلوك العبادي وهو المطلوب... والآن اذا قدّرلنا ان نحدثك ولو عابراً بما استخلصنا، من الدعاء فى ثلاثية المشار اليها، نتجه الى ما بعدها، فماذا نجد؟ يقول الدعاء " اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واجعلنا ممن اناب اليك فقبلته، وتوكلّ عليك فكفيته، وتضرّع اليك فرحمته"... وبهذه الفقرات يختم دعاء الأحد من الأيام وسنحدثك انشاء الله تعالى فى لقاء لاحق عن الفقرات المتقدمة... ختاماً: نسأله تعالى ان يوفقنا الى ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة:"اللهم وسّع علينا في الدنيا" - 46 2011-07-16 08:28:32 2011-07-16 08:28:32 http://arabic.irib.ir/programs/item/6952 http://arabic.irib.ir/programs/item/6952 نتابع حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها: أدعية الزهراء _عليه السلام_، حيث حدثناك عن احد ادعيتها آلخاص بيوم السبت، وانتهينا من ذلك الى مقطع ورد فيه " اللهم وسّع علينا في الدنيا، اللهم انا نعوذ بك أن تزوي وجهك عنا في حال، ونحن نرغب اليك فيه. اللهم صل على محمد وآل محمد، واعطنا ما تحّب، واجعله لنا قوةً فيما تحبّ، يا ارحم الراحمين". بهذا المقطع يختم دعاء يوم السبت، ويعنينا منه أن نحدثك عن جملة نكات فيه، يجدر بقارئ الدعاء أن ينتبه عليها، وفى مقدمتها عبارة "اللهم وسّع علينا فى الدنيا" وهي عبارة تبدو وكأنها مكررّة فى مقطع أسبق، الّا انها ليست كذلك، حيث انك اذا استحضرت " ما حدثناك عنه في لقاء سابق" وهو عبارة " ارزقنا من رزقك الواسع رزقاً حلالاً" . . . وهذه العبارة ترتبط بالرزق المادي أي المال، وأما عبارة "وسّع علينا فى الدنيا" فتتناول الحياة العامة لقارى الدعاء بحيث تشمل الرزق وسواه من السعة فى الدار، والطعام ، والراحة ونعومة العيش: خالياً من الشدائد الخ، وبهذا تكون العبارة عامة بعد مجيئها خاصة فى المقطع الاسبق، وهذا هو أحد مبادئ البلاغة: كما هو واضح. بعد ذلك تواجهنا عبارة " اللهم انا نعوذ بك ان تزوي علينا وجهك عنا في حال ونحن نرغب اليك فيه" . . . هذه العبارة تحفل بعناصر فنية لها جماليتها وطرافتها. كيف ذلك؟ اولاً نلاحظ عبارة رمزية وهي " نعوذ بك ان تزوي وجهك عنّا" . . . ان انتخاب (الوجه) بصفته يرمز الى العناية او الرعاية، يظل رمزاً حياً استخدمته الزهرا _عليه السلام_ اقتباساً من القرآن الكريم والحديث ، وصاغته على ألسنة قرّاء الدعاء، فى غمرة توسلها بالله تعالى بأن لا يصرف رعايـته عنا بسبب ذنوبنا، بل يتفضّل علينا بسابق رحمته ورعايته، بخاصة اننا فى حال تتطلبّ ذلك، اي: نفتقر الى رعايته تعالي، ولذلك صاغت الزهراء _عليه السلام_ عبارة " ونحن نرغب اليك فيه" اي: اننا فى حال نتجه به اليك، بصفة ان الله تعالى يقبل على من اقبل عليه، وها نحن القراء للدعاء نقبل عليه تعالي، فليقبل: كما امر تعالى بذلك . . . ثم نتجه الى عبارة جديدة هي "اللهم صل على محمد وال محمد واعطنا ما تحب" . . . هنا يتعين علينا ان نلتفت الى النكتة الكامنة وراء العبارة المتقدمة، وهي: إن اقباله تعالى علينا يقترن بما يحبّ هو لا ما نحن نحبّه لسبب واضح هو: انه تعالى اعرف بنا منّا بما هو صالح لنا دون ادنى في شك. اخيراً: تختتم الزهراء هذا الدعاء بعبارة "واجعله لنا قوةً فيما تجب، يا ارحم الراحمين" . . . هنا نلفت نظرك الى نكتة الختام هي: ان الله تعالى حينما يتفضل علينا بالرعاية ،وتوظيفها فيما يحّبّ هو تعالي، حينئذ فان العبد قد يواجه مالامعرفة له بما هو خير أو لا، فاذا افترضنا ان الله تعالى احبّ لعبده ان يمرض مثلاً لان الجسد – كما ورد فى الحديث – اذا لم يمرض يأشر، حينئذ فان ما يحبّه تعالى قد يكرهه العبد اذا كان ضعيف المعرفة بالله تعالي، ولذلك قال الدعاء – بعد ان اتجه الى الله تعالى بان يعطينا ما يجب – " واجعله لنا قوة فيما تحب" اي: اجعلنا نوفّق الى ما قدرته لنا من المرض مثلاً أو وفقنا الى ممارسة العبادة المقترنة بالجدّ وبالمثابرة وبالمشقة ( كقيام الليل، وركوب الصعاب فى سبيل الآخرين) الخ، واجعل هذا مقترناً بالقوة التى تساعدنا على تحقيق العبادة او الممارسة المذكورة . ختاماً: نسأله تعالى ان يوفقنا لما يحبّ او يجعله قوة لنا ، ويوفقنا الى ممارسة الطاعة، انه سميع مجيب. ******* شرح فقرة:"شرح فقرة وزدنا لک شکراً" - 45 2011-02-05 09:06:30 2011-02-05 09:06:30 http://arabic.irib.ir/programs/item/6951 http://arabic.irib.ir/programs/item/6951 نواصل حديثنا عن ألأدعية ألمباركة، ومنها: أدعية ألزهراء (عليه السلام) حيث حدثناك بأحد أدعيتها ألخاص بيوم ألسبت، وأنتهينا إلى مقطع ورد فيه "لاتفقرنا إلى أحد سواك" ثم هذه ألعبارة "وزدنا لك شكرا، واليك فقرا وفاقة، وبك عمن سواك غنى وتعففا" ... واضح، أن هذه ألفقرات تتحدث عن ألرزق وتوُكد على حصره من ألله تعالى دون ألعبد،...ولكن ماهي ألنكات ألكامنة وراء ألفقرات ألمتقدمة، أي ألمتوسلة بألله تعالى أن يرزق ألعبد دون أن يحتاج الى سواه؟ هذا مانوضحه أالأن.. تتحدث ألعبارة ألأولى عن زيادة شكرنا لله تعالى حيث تقول "وزدنا لك شكرا" ،...أن هذه ألعبارة لها دلالاتها ألمتميزة، حيث لاتفصل ألرزق عن ضروروة ألشكر عليه، بصفة أن ألنصوص ألشرعية طالما تشير ألى مقولة "لئن شكرتم لأزيدنكم" ... والان بعد هذه ألعبارة ألمرتبطة بمفهوم ألشكر، تجيء العبارتان ألاتيتان لتعبرا من جديد عن حاجة قاريء ألدعاء ألى ألله تعالي، دون سواه، حيث يستكمل بها قاريء ألدعاء مايطلبه من ألله تعالى في أفضل مايتوقعه،...وقد جائت ألعبارة ألأولى لتقول "واليك فقرا وفاقة" أي: زدنا يارب اليك فقرا وفاقة... والسوال الان: ماهو ألفارق بين ألفقر والفاقة. أن ألفارق بين ألفقر وألفاقة، أن ألفاقة هى أوسع دلالة من ألفقر، حيث تتضمن ألفقر ألذي هو: ألحاجة إلى ألمال، ويتضمن مطلق ألحاجة سواء أكانت مالا أوسواه، وبهذا نستخلص أن ألدعاء يتضمن التوسل بالله تعالى بأن يرزق قاريء ألدعاء مايشمل ألرزق ألمادي وسواه من ألحاجات حتى يستغني تماما عن ألأخرين. يبقى أن نحدثك عن ألعبارة ألأخيرة وهي "وبك عمن سواك غنى وتعففا" فماذا نستلهم منها؟ الجواب: ألعبارة ألمشار آليها تجسد صياغة للشخصية ألمستغنية تماما عن ألاخرين من جانب، والشخصية ألمتمثلة في أنتسابها الى ألله تعالى حيث يجعلها هذا ألأنتساب محفوفا بالحاجة الى ألتقدير آلأجتماعي أو أحترام ألذات أو ألتقدير ألذاتي بصفتها جميعها تعبر عن أهم ألحاجات ألمركبة في ألشخصية، بخاصة آنها تقترب بتقدير ألله تعالى من جانب، وبتقدير ألأخرين من جانب ثان، وتجسمها بالعز من جانب ثالث.... والسوال ألجديد هو" : ماهي ألنكات ألكامنة في عبارة "وبك عمن سواك غنى وتعففا" ؟ ثمة غنى وثمة تعفف....ألغنى هو: عدم ألأحتياج إلى ألآخر، وهو تعبير عن عز ألشخصية ألمقترنة بتقدير ألآخرين أيها، تبعا للنص ألشرعي ألقائل: " أستغن عن ألناس تكن أميرا... " وأما ألتعفف فهو شأن داخلي من جانب، أي أحساس ألشخصية بأحترام ذاتها وعدم أراقة ماء وجهها أمام ألأخر، وهو أمر يكسبها تقديرا أجتماعيا كما أشرنا. أذن ألعبارات ألتي أُختتم بها ألمقطع، تفصح عن مدى مايحرص عليه ألدعاء لقارئه من حيث صلته ألوحيدة بالله تعالي، وعدم ألحاجة إلى ألأخر، بما يستحق هذا ألشأن من ألتقدير للشخصية ذاتيا وأجتماعيا فضلا عن ألتقدير ألألهي لها، نظرا لأرتباطها بالله تعالى وحده. ختاماً: نسأله تعالى أن يجعلنا كذلك، وأن يوفقنا الى ألطاعة، والتصاعد بها إلى ألنحو ألمطلوب. ******* شرح فقرة:"اللهم افتح لنا خزائن رحمتك" - 44 2011-01-22 08:59:02 2011-01-22 08:59:02 http://arabic.irib.ir/programs/item/6949 http://arabic.irib.ir/programs/item/6949 لانزال نحدثك عن أ دعية ألزهرء , ومنها: احد أدعيتها ألاسبوعية حيث بدأ على ألنحو التالي "اللهم افتح لنا خزائن رحمتك، وهب لنا اللهم رحمة لاتعذبنا بعدها في ألدنيا وألاخرة، وارزقنا من فضلك الواسع رزقا حلالا طيبا، ولا تحوجنا ولا تفقرنا الى أحد سواك....الخ" .. يتضمن االدعاء جملة ظواهر، تبدأ برحمة الله تعالى ألواسعة في ألدنيا والاخرة، ثم بظاهرة ألرزق حيث ينطوي هذا ألانتقال من الرحمة الى الرزق على أسرار لامناص من الحديث عنها، (وهو امر نحدثك عنه لاحقا انشاء الله تعالى)،...ونحدثك ألان عن ألفقرة ألاولى من الدعاء وهي: " اللهم:أفتح لي خزائن رحمتك. " ...فماذا نستلهم منها؟ ألعبارة تنطوي على أستعارة فنية هي "خزائن، رحمتك" ، وألخزينة لغويا هي: مايدخر من ألمال وسواه في مكان ما، وبالنسبة الى الهR تعالى، فأن مايرتبط به تعالى يضل منزها عن ألحدوث، ولذلك جائت ألاستعارة "ألخزينة" لتفصح عن ألرحمة ألتى يختزنها الله تعالى لعباده، وهي رحمة لاحدود لها بطبيعة ألحال، حيث يمكن ألذهاب من خلال ألأستعارة ألمذكورة الى القول بأن خزائن رحمته تعالى لاحدود لها، اي لاحدود عددية للخزائن، ومن ثم لاحدود عددية للرحمة،...ويترتب على ذلك أن ألعبارة الاستهلالية للدعاء قد استخدمت الاستعارة آيضا بالنسبة الى توزيع خزائن ألرحمة، فصاغت عبارة " اللهم افتح لنا خزائن رحمتك" ، اي: اجعلها منهمرة وغزيرة الى مالاحد له، وفي مقدمة ذلك: الرحمة الجامعة لدينا قارئ الدعاء وآخرته، وهذا يجسد رحمة عامة تندرج ضمنها سائر مظاهر الرحمة، ومنها: ما تتحدث عنه الفقرات اللاحقة من الدعاء، حيث تتضمن الحديث عن الرزق على نحو ما نوضحه الآن... يقول الدعاء " وارزقنا من فضلك الواسع رزقاً حلالاً طيباً" ... ترى: ماهي الاستخلاصات التي نستلهمها من الفقرة المتقدمة؟ الدعاء يتحدث عن زيادة الرزق، وهذا ما تفصح عنه عبارة "من فضلك" وتتجسد الزيادة من خلال السعة أي عدم تحديدها بل جعلها مطلقة بحيث تجئ عبارة "واسعاً" اي: "الرزق" بما لاتحديد له فيما يتناسب مع كرمه تعالى، الاان النكتة الأهم في الرزق هي انه حلال وطيب، اما الحلال فهو واضح اي ما يكسبه المرء من خلال الطرق الشرعية كالبيع والشراء وسائر انماط التعامل... ولكن مالمقصود ب "الطيب" ؟ تقول المصادر اللغوية ان "الطيب" معناه: الافضل من كل شئ،... وفي ضوء هذه المقولة ندرك تماماً ان العبد يسأل من الله تعالى ان يرزقه رزقاً مشروعاً في افضل مستوياته فالرزق قد يكون مشروعاً ولكن في درجته الثانية مثلاً ولكن الدعاء يطلب من الله تعالى افضل نماذج الرزق بالنحو الذي اوضحناه يقول الدعاء " ولاتحوجنا ولاتفقرنا الى احد سواك" ،... هذه العبارة تنطوي على اهمية كبيرة ترتبط بتركيبة البشر من حيث دوافعه وتتصل بانتمائه الى الله تعالى... كيف ذلك؟ التقدير الذاتي او احترام الذات او التقدير الاجتماعي مع تفاوت دلالاتها النفسية الا انها تصب جميعاً في مفهوم "العز" وهو مفهوم منحه الله تعالى لعبده واكده تأكيداً بالغ المدى حينما قرر النص الشرعي بان الله تعالى فوض للمؤمن كل شئ الا اذلال نفسه من هنا، فان الحاجة الى الاخر "غير الله تعالى" تقترن عادة بالذل الذي هو ضد العز، ولذلك طلب الدعاء بان يكون الرزق الواسع والطيب والحلال غير مقترن بالحاجة الى الاخر أو ان يكون الرزق غيرحاصل من طريق الصدقة أو العطاء من الاخر بل من طريق الاعمال الحرة للشخصية، بخاصة ان الرزق اذا اقترن بعطاء الاخر من الممكن ان يكون مصحوباً بالمن والاذى أو مجرد كونه تحسيس للشخصية بانها مدينة للاخر يظل مضاداً لمفهوم العز... اذن:" ادركنا دلالة فقرة "لاتحوجنا ولاتفقرنا الى احد " ولكن بقي ان نفهم الفارق بين كلمة "لاتفقرنا" وكلمة "لاتحوجنا" من حيث علاقتها بالرزق المقترن بعطاء الاخر... وهذا ما نحدثك عنه لاحقاً انشاء الله تعالى. ختاماً ": نسأله تعالى ان يرزقنا رزقاً واسعاً حلالاً طيباً وان يرحمنا، وان يوفقنا الى ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة:"لا اله الا الله الاول الاخر" - 42 2011-01-08 11:54:17 2011-01-08 11:54:17 http://arabic.irib.ir/programs/item/6946 http://arabic.irib.ir/programs/item/6946 نواصل حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها: دعاء الزهراء _عليه السلام_في تعقيب صلاة المغرب، حيث ورد فيه "لااله الا الله الاول الأخر، ولااله الا الله الظاهر الباطن، ولااله الا الله المحي المميت الخ" ... هذه الاسماء الحسنى لله تعالى، سبق ان اشرنا اليها في لقاءات سابقة وبخاصة في احاديثنا عن دعاء (الجوشن الكبير) والمهم هو ان نتحدث عنها الآن ايضاً مادامت في سياق احد ادعية الزهراء _عليه السلام_... ونقف عند المفردتين المتقابلتين: "الاول والاخر" وهاتان الصفتان تعني اولاهما (كما ورد في نصوص شارحة) ان الله تعالى هو "السابق للاشياء، الكائن الذي لم يزل قبل وجود الخلق، حيث لاشئ قبله "،... واما "الاخر" فيعني: " انه الباقي بعد فناء الخلق" ،... ولعل قارئ الدعاء يتساءل عن الاستلهامات التي يمكن ان يتوفر عليها من خلال تذكيره بهاتين الصفتين، وهو امر يمكن الذهاب من خلاله الى ان المطلوب هو تعميق معرفتنا بوحدانيته تعالى،... ومما لاترديد فيه ان قارئ الدعاء عندما يواجه تفرده تعالى في وجوده بحيث لم يكن موجود قبله ولابعده، حينئذ تعمق قناعته بوحدانية تعالى، وبما يرسمه لنا من المبادئ التي يتعين علينا الالتزام بها، ولا أدل على ان الصفتين اللتين تليهما تتداعيان باذهاننا الى مزيد من القناعة ومن اليقين بممارسة الوظيفة العبادية على نحو ما سيتضح الآن... يقول النص "لااله الاالله الظاهر الباطن" ... هاتان الصفتان تتداعيان بذهن الانسان الى تعميق قناعته بممارسة وظيفته العبادية، وهذا ما يستاقنا الى ان نتبين دلالتهما اولاً... فماذا نستلهم ؟ يقول المعنيون بشرح الاسماء الحسني،بان المقصود من صفتى "الظاهر والباطن" بان "الظاهر" يعني انه تعالى هو الظاهر "بحججه الباهرة وبراهينه النيرة والعلامات الدالة على ثبوت ربوبيته، ووحدانيته... واما "الباطن" فيعني انه "المحتجب عن لانظار والاخطار" ... اذن قارئ الدعاء سوف يتداعى الى ذهنه بان الله تعالى هو ظاهر في آياته الكونية الدالة على المبدع لها، وباطن بالنسبة الى ذاته غير المرئية أو الممتنعة من النظر لها حسياً او الالمام الفكري بها ذهنياً، بصفته تعالى منزهاً عن الحدوث، وبصفته لاحدود لامكانية تصوره... بعد ذلك نواجه عبارة "لا اله الا الله المحيي المميت" ... فماذا نستلهم منها ؟ الجواب: ان الاماتة والاحياء تنسحب على جملة امور، بيد ان القارئ للدعاء سوف يتداعى بذهنه الى انه يميت الخلق و"يحي" الخلق في اليوم الآخر... ولانحسب ان احداً منا يستحضر "الموت" الا ويزهد بمتاع الحياة الدنيا وكما اوضح المعصوم _عليه السلام_بان الموت هادم اللذات، حيث ان المتاع الدنيوي سوف يتلاشى من ذاكرة المتداعي بذهنه الى الموت فيما يترتب على ذلك ان يعيد حسابه مع الذات، وان يتأمل سلوكه، وهل انه اضطلع بحمل الرسالة الاسلامية أم اخفق في ذلك، الخ وهذا فيما يتصل بالموت... واما ما يتصل بالاحياء، فهذا يتداعى بذهنه بطريق اولى الى محاسبة نفسه، حيث ان الحساب ينتظره، وان الملأ سوف يطّلع على سلوكه عبر المحاسبة الاخروية، وهذا مما يجعله اكثر فاعلية في التفكير بسلوكه حالياً، اي يدفعه الى تعديل سلوكه: كما هو واضح... اذن: اتضح لنا بجلاء ما تحدثه العبارات التي وردت في مقطع دعاء الزهراء _عليه السلام_، من تداعيات في ذهن قارئ الدعاء، حيث تحمله على مراجعة سلوكه، ومحاسبة نفسه وتعديل ذلك وهذا هو منتهى العطاء الذي تقدمه الأدعية الى المعنين بها. ختاماً: نسأله تعالى ان يوفقنا الى ممارسة مهمتنا العبادية التي خلقنا تعالى من اجلها، وان نتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة:" الحمد لله الذى لايحصي مدحه " - 40 2010-12-25 08:59:12 2010-12-25 08:59:12 http://arabic.irib.ir/programs/item/6943 http://arabic.irib.ir/programs/item/6943 لانزال نحدثك عن الادعية المباركة، ومنها: أدعية الزهراء، حيث حدثناك عن أحد أدعيتها الخاص بتعقيب صلاة العصر، والآن الى احد أدعيتها الخاص بصلاة المغرب، حيث ورد فيه: " الحمد لله الذي لايحصى نعماءه العادون، والحمد لله الذي لايؤدي حقه المجتهدون..."الخ... نحن الآن امام ثلاثة مظاهر متجانسة من حيث تمجيدها لله تعالى، الا انها متفاوتة في صياغة عباراتها، فيما يتطلب ذلك القاء الانارة عليها، وهذا ما نبدأ به الآن... العبارة الاولى من مقطع الدعاء تقول " الحمد لله الذي لايحصى مدحه القائلون "... انها عبارة تتحدث عن المدح لله تعالى والثناء عليه، وبطبيعة الحال ليس بأستطاعة احد ان يحصي هذه الظاهرة اي: ما يستحقه الله تعالى من المدح، فبما انه تعالى لاحدود لعظمة صفاته اي: بما انها مطلقة فان ماهو نسبي (قدرات الانسان) لايمكن ان يضطلع باحصاء ماهو مطلق بيد ان النكتة التي ينبغي لفت الانتباه عليها في هذه العبارة وسائر العبارات الاخرى هي ان نشير الى الصياغة اللفظية لكل من عبارة (القائلون) اي: ماورد في فقرة " لايحصى مدحه القائلون " ثم عبارة " المدح " وعبارة " النعماء في الفقرة الثانية (لايحصى نعماءه) " ثم عبارة " حقه " في فقرة " لايؤدي حقه المجتهدون " فضلاً عن العبارات المتفاوتة في صياغة الحمد لله تعالى وهي: " العادون المجتهدون "... فماذا يمكننا ان نستلهم من الفروق اللفظية المتقدمة قبالة ماهو متجانس من المعاني؟ لنبدأ – اذن– بتحليل ذلك... العبارة تقول " لايحصى مدحه القائلون " حيث نقف عند كلمة " يحصى " فماذا نستلهم منها؟.. الاحصاء هو القيام بعد المفردات التي تنسحب عليها كلمة " المدح "... وقد اشرنا الى امتناع ذلك من قبل الانسان النسبي ولكن لماذا جاء النص بعبارة " القائلون " اي: الناطق بكلمات المدح؟ في تصورنا ان الناطق بكلمات (الحمد) يعتبر اشد صعوبة من (المفكر) بها، اي: ان دلالة (الحمد) من الممكن ان يتسع التفكير حيالها اكثر من النطق بمفرداتها مادام الانسان أساساً يعجز عن الكلمة الناطقة قبالة المعاني المزدحمة في قلبه، وهذا من الوضوح بمكان ولذلك يلجأ الناطقون الى الرمز والى سائر الانماط المجازية الخاضعة لتعدد التأويلات؟... وهذا في نطاق ماهو نسبي اي: ان الناطق ليس بمقدوره ان يعبر عن المعاني النسبية، فكيف به اذا تحدث عن المعاني المطلقة كمدح او كحمد الله تعالى؟ ونتجه الى عبارة " لايحصى نعماءه العادون " حيث نواجه ظاهرة " النعماء " أو " نعم " الله تعالى... وبطبيعة الحال لايمكن احصاء النعم ايضاً لنفس السبب المتقدم بخاصة ان الله تعالى اوضح بان الناس لايمكنهم ان يحصوا نعمه بقوله تعالى " وان تعدوا نعمة الله لاتحصوها "... ولكن ما ينبغي ذكره هو ان الدعاء قد استخدم عبارة (العادون في ذكر عدم احصاء نعمه تعالى)، بينما استخدم كلمة " القائلون " بالنسبة الى عدم احصاء " مدحه " فما هو سر ذلك؟ هذا ما نحدثك عنه في لقاء لاحق انشاء الله ختاماً: نسأله تعالى ان يوفقنا الى حمده، والى شكر نعمه التي لاتحصى، وان يوفقنا الى ممارسة المهمة العبادية، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة:"اللهم اصلح لى ديني..." - 39 2010-12-18 10:15:20 2010-12-18 10:15:20 http://arabic.irib.ir/programs/item/6937 http://arabic.irib.ir/programs/item/6937 نتابع حديثنا عن الادعية المبارکة ومنها: ادعية الزهراء (ع) حيث حدثناک عن احدها، وانتهينا من ذلک الى مقطع ورد فيه " اللهم اصلح لي ديني الذي هو عصمة اخري، واصلح لي دنياي التي فيها معاشي، واصلح لي آخرتي التي اليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي الى کل خير، واجعل الموت راحة لي من کل شر "... ان هذا المقطع من الدعاء يلخّص التجربة العبادية التى خلق الله تعالى الانسان من اجلها، انها تتحدث عن الدين، وعن الدنيا، وعن الآخرة، وعن الحياة، وعن الموت، وهذا هو شأن الانسان، يولد ويموت، ويبعث، ويمارس وظيفته اوکلها تعالى اليه... وفي ضوء هذه الحقيقة نتقدم الى مقررات المقطع من الدعاء ونحدثک عن کلّ واحدة منها.... فالى المفردة اوالعبارة الاولي. تقول العبارة الاولى " اللهم اصلح لي ديني الذي هوعصمة أمري " هذه الفقرة من مقطع الدعاء تتحدث عن الدنيا، والدين هنا هوالمبادي، التي رسمها الله تعالى لها بواسطة النبيّ محمد (ص) وامرنا ان نلتزم بها والاّ فان المصيرالسلبي ينتظرالمتمرّد على ذلک... انها المباديء التي عبّرالقرآن الکريم عنها بالآية المبارکة " وما خلقت الجنّ والانس الاّ ليعبدون " والعبادة هي هذه المباديء الاسلامية بطبيعة الحال.... والآن لننظرالى مفردة الدعاء حيث توسلت بالله تعالى ان يصلح لقاريء الدعاء هذه المهمة العبادية، وعلّلت ذلک بانها هي (عصمة) الأمر... والسؤال المهم هو: ما المقصود من عصمة الأمر؟ ان عصمة الأمرتتداعى بذهن الانسان الى ترکيب لفظيّ هو: الاستعارة، بصفة ان (العصمة) تعني: المناعة من الأمر، بحيث لا تتعرض الى الاضطراب اي: الامتناع من ممارسة العمل العبادي، وبهذا يکون العمل العبادي بمثابة حصنٍ منيع لا بطاله الانحراف في السلوک... اذن: العصمة في الأمرهي: البعد عن الانحراف من هنا توسّل الدعاء بأن يصلح الله تعالى أمرقارِيء الدعاء الذي هوفلسفة وجوده في الارض. والآن الى العبارة الثانية... فماذا تقول " واصلح لي دنياي التي فيها معاشي"... تري: ما المقصود من العبارة المذکورة ؟ الجواب: مادام الانسان موظّفاً بان يمارس عمله العبادي (الدين)، حينئذ ٍفان الممارسة تتطلب وجود بيئة صالحة للممارسة المذکورة... انها حياة الشخصية، و(دنياها)،... من هنا، فان الدنيا تتطلب اصلاحاً للممارسة العبادية،... بيد ان الممارسة اوالدنيا تقترن بضرورات المعاش من مسکنٍ وملبس ومرکب ومطعم ومشرب ومأمن: حتى تستطيع الشخصية ممارسة وظيفتها، وهذا ما طلبه الدعاء حينما قال عن دنيا قارِيء الدعاء " واصلح لي دنياي التي فيها معاشي" ، والاّ اذا اضطرب معاش الشخصية: عندها لا تستطيع ممارسة وظيفتها بالنحوالاکمل. بعد ذلک نواجه عبارة ثالثة، وهي " واصلح لي آخرتي التي اليها معادي".. فماذا نستلهم منها؟ "الجواب: " من الواضح ان الدنيا هي دارممرلا دارمقرّ(کما عبرالامام عليّ (ع) عن ذلک)، والممرّهو: البنية التي تخضع للاختبارالعبادي، وهي الدنيا (کما اشرنا)، ومن ثم فان الممرعابر، والمقرّدائم، ولذلک توسل الدعاء بان تکون الآخرة هي المصيرالصالح الشخصية قاريء الدعاء، بصفتها حياة أبدية تتوقف على مدى نجاح الانسان في ممارسة وظيفته العبادية. ختاماً نسأله تعالى ان يوفقنا الى ممارسة وظيفتنا العبادية، والتصاعد بها الى النحوالمطلوب. ******* شرح فقرة "اللهم انى اسالك بحق ابراهيم خليلك" - 38 2010-12-11 09:57:10 2010-12-11 09:57:10 http://arabic.irib.ir/programs/item/6905 http://arabic.irib.ir/programs/item/6905 نواصل حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها: ادعية الزهراء (ع)، حيث حدثناك عن أحدها الخاص بتعقيبات صلاة العصر، وانتهينا من ذلك الى المقطع الآتي: " اللهم اصلح لي ديني الذي هوعصمة أمري، واصلح لي دنياي التي فيها معاشي، واصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر "... والآن قبل ان نحدثك عن هذا المقطع الحافل بحصيلة المهمة العبادية التي خلق الله تعالى الانسان من اجلها، نلفت نظرك لمقطع أسبق لم يتح لنا الحديث عنه، وهو: " فأسألك بحق ابراهيم خليلك، وموسى كليمك، وعيسى روحك، ومحمد صفيك ونبيك الاّ تصرف وجهك الكريم عنّي، حتى تقبل توبتي، وترحم عبرتي، وتغفرلي خطيئتي، يا ارحم الراحمين، ويا (احكم الحاكمين) "... تري: ماذا نستلهم منه؟ المقطع يتضمن اولاً: الصفات التي خص الله تعالى بها كل واحد من الأنبياء الاربعة ذوي الرسالات المتسمة باهمية خاصة، وهم محمد (ص) وابراهيم (ع) وموسى (ع) وعيسي،... وبسببٍ ما، اتسمّ كل نبيّ بسمة عُرف بها،... يعنينا ان نشيرالى سمة خاتم الأنبياء بصفته قد اصطفاه تعالى " يكون آخرالمظطلعين برسالة السماء وهي: الاسلام... حيث وصفه النص " اولاً بصفة (الصفّي) قبالة الصفات التي خلعها النص على الانبياء الثلاثة (الخليل) و (الكليم) و (الروح)، واضاف صفة جديدة لم يطلقها على الانبياء الثلاثة، ألا وهي (نبيك). والسؤال هو: لماذا انتخب النص صفة (الصفّي) من حيث علاقتها بالانبياء الثلاثة)؟... ولماذا خص محمداً (ص) بـ (النبيّ) ولم يذكرذلك بالنسبة إلى الانبياء السابقين، من انهم انبياء؟ الجواب: من الواضح ان صفة (صفيّ) تختلف عن السمات الأخرى من حيث كونها تعني: الاصطفاء، اي: انتخابه (ص) من بين خلائقه (ومنهم: الانبياء ايضاً) حيث جعله خاتم الأنبياء وجعل رسالته هي المتوجّه لما سبقها مما يعني افضليتها دون ادنى شك، حيث تمت المباديء الإلهية المرتبطة بالآدميين وسواهم بها.اما تثبيت صفة (نبيك) مع ان الأنبياء الثلاثة هم انبياء ايضاً، ففي تصورنا انّ النكتة الكامنة وراء ذلك هي: ان الاصطفاء حينما تعقبه رسالة النبي (ص) اي: النبوّة يعني: انّ اختتام الرسالات بنبوة محمد (ص)، تأكيداً على ما ذكرناه من تمامية المباديء الالهية التي رسمها لأهل الارض. بعد ذلك نواجه بان القسم بالأنبياء الاربعة، قد اقترن بتوسل هو: الا يصرف تعالى وجهه عن قاريء الدعاء، وحتى يقبل توبته، ويرحم عبرته، ويغفرخطيئته..... فماذا نستلهم منها؟ اما عدم صرف الوجه فهو: تعبيررمزي يرمزالى رعايته تعالى لعبده لان صرف الوجه هو: عدم قبول التوبة، وعدم الرحمة للعبرة التي يسكبها قاريء الدعاء بصفة ان العبرة هي احد معاييرالقبول للتوبة: كما صرحت النصوص الشرعية بذلك. يبقى ان نشيرالى عبارة (خطيئتي) حيث انتخبها الدعاء دون العبارات الاخرى وهي: الذنب، السيئة،... الخ، فما هو سرذلك: الجواب: تشيرالنصوص الى ان الخطيئة هي الذنب الخاص بين العبد والله تعالي،... ولذلك فان الدعاء يتوسل بما هو: حق الله تعالي، تعبيراً عن رحمته الواسعة بالقياس الى الذنوب التي بين العبد والآخرين حيث تتوقف المسألة على رضاهم، اي: البشر.... ختاماً: نسأله تعالى ان يوفقنا الى ممارسة طاعته تعالي، والتصاعد بها الى النحوالمطلوب. ******* شرح فقرة:"واجعل صلواتك وبركاتك..." - 37 2010-12-04 08:51:31 2010-12-04 08:51:31 http://arabic.irib.ir/programs/item/6904 http://arabic.irib.ir/programs/item/6904 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها: دعاء الزهراء (ع) في التعقيب على صلاة العصر، حيث انتهينا من ذلك الى مقطع جديد هو " اللهم واجعل صلواتك وبركاتك ومنك ومغفرتك ورحمتك ورضوانك وفضلك وسلامتك وذكرك ونورك وشرفك ونعمتك وخيرتك على محمد وآل محمد، كما صليت وباركت وترحمت على ابراهيم وآل ابراهيم، انك حميد مجيد "... بعد ذلك يقول الدعاء " اللهم اعط محمداً الوسيلة العظمى وكريم جزائك في العقبي، حتى تشرفه يوم القيامة ياأله الهدى ". لقد اوردنا هذا النص بطولة لانه منصّب على محمد وآل محمد صلى الله تعالى عليه وآله،... ولعل قارئ الدعاء يواجه هنا نمطاً قد يكون متسماً بشئ من التساؤل من حيث السمات التي ذكرها بالنسبة الى محمد (ص)... وما يعنينا الآن هو: ملاحظة هذه السمات... فماذا نجد ؟ يمكننا بعامة ان نشطر هذه السمات الى قسمين، أحدهما: ما تطلق فيه الصفات على الادعية بنحو مألوف مثل " واجعل صلواتك وبركاتك " ومثل " كما صليت علي " ومثل " أعط محمداً الوسيلة ".. واما العبارات الاخرى فتتسم بما هو نادر وجوده في سائر الادعية، والمهم هو ملاحظة هذه السمات بنحو عابر،.. ونبدأ ذلك بعبارة " واجعل صلواتك وبركاتك " وهي عبارة مألوفة – كما أشرنا – حيث تعني اولاً ان الصلوات هي الدعاء له (ص) وان البركات وهي: التشريف والتمجيد والكرامة له (ص)... واما عبارة (منك) فتعني: الانعام من الله تعالى على محمد (ص) ابتداءاً... واما (المغفرة) فواضحة حيث تنسحب على امته (ص) بواسطة محمد (ص)، بينما عبارة (الرحمة) و(الرضوان) و(الفضل) و(السلامة) تخصه (ص) وهي عبارات واضحة لاتحتاج الى الانارة... هنا نواجه كلمة (ذكرك) وهي تقترن بشئ من التساؤل فهل تعني مثلاً: اجعل محمداً (ص) ممن تذكره ؟ لعل ذلك هو المقصود... واما عبارة (نورك) فتنحسب ان الله تعالى وهو نور السماوات والارض قد استهدف الدعاء من خلاله الى سحب النور الالهي على شخصية ولادة وحياة...الخ تبقى بعد ذلك ثلاث سمات هي: الشرف و النعمة و الخيرة فواضحة بصفة ان محمداً (ص) وال محمد (ص) هم الصفوة التي انتخبها الله تعالى من عباده وفضلهم على سواهم من المخلوقين... واما (الشرف) فيعني: الرفعة في الموقع، حيث رفعه تعالى الى القمة التي اصطفاها... واما (النعمة) اخيراً فهي: المنة والصنيعة والمسرة الخ... يبقى ان نحدثك عن الشطر الآخر من المقطع وهو " اللهم: اعط محمداً الوسيلة العظمى، وكريم جزائك في العقبى، حتى تشرفه يوم القيامة ياله الهدى... "ان هذا المقطع يفصح عن الاهمية العظمى لشخصية محمد واله، حيث ان المصائر البشرية في اليوم الاخر تتحدد من خلال هذه الصفوة التي انتخبها الله تعالى، وجعل لها موقعاً أخروياً هو الوسيلة الى نيل الاخرين – اي التابعين للامة الاسلامية المنتسبين الى خط محمد وال محمد – ما يطمحون اليه من رضاه تعالى ومن الجنة، وهو كريم الجزاء الذي اشارت اليه عبارة " وكريم جزائك " ومن ثم ما يترتب على هذه الوسيلة ومعطياتها الاخروية من شرف لأمة محمد... اخيراً: لانغفل عن عبارة " ياأله الهدى " حيث ختم بها مقطع الدعاء وهي عبارة لها دلالتها ونكاتها المتمثلة في ان (الهدى) هو: الطريق الذي انتخبه الله تعالى للمنتسبين الى خط محمد واهل بيته عليهم السلام حيث انعم تعالى بهذا الهدى علينا، وانقذنا من الضلال. ختاماً: نسأله تعالى ان يوفقنا الى معرفة (الهدى) وان يوفقنا الى ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة:" فأجعل مناهج سبله سننا " - 36 2010-11-27 09:00:14 2010-11-27 09:00:14 http://arabic.irib.ir/programs/item/6903 http://arabic.irib.ir/programs/item/6903 نتابع حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها: ادعية الزهراء (ع) حيث حدثناك عن أحدهما، وانتهينا الى العبارتين الآتيتين: " فاجعل مناهج سبله... أي الهدى ... سنناً، وحجج برهانه لنا سببا" ....تري: ما المقصود من هاتين العبارتين؟الجواب: الحديث هوعن الهدى وتمسكنا به، حيث فصلّ لنا الدعاء طريقة التمسّك بالهدي... لكن : ثمة مصطلحات تبدو وكأنها مترادفة في نظرالبعض ولكنّا اكدنا مراراً ان المعصومين عليهم السلام لا يستخدمون الترادف لانه بلاغياً مرفوض، ويشكل عبثاً لغوياً، ... فما معنى ان نقول: رأينا اسداً ضيغماً ليثا ؟... اذن المعصوم (ع) لا يستخدم الترادف، والزهراء (ع) أحد المعصومين عليهم السلام،... اذن لنتساءل اولاً: ما هي العبارات التي تبدو وكأنها مترادفة وهي ليست كذلك؟ في النص الذي قدمناه ورد ما يأتي " فاجعل مناهج سبله لنا سننا" ، " وحجج برهانه لنا سببا " ... بعض اللغوين يقول لا فرق بين البرهان وبين الحجة، ... لكن لوتأملنا بدقة نجد ان الفرق بينهما هو: ان البرهان إظهارصحة الدلالة وافساد نقيضه... اما الحجة فهي برهان ولكنه عام، اي: مطلق الدليل، فيكون المعنى هكذا " اللهم: اجعل الدليل الذي نهتدي به مشفوعاً باظهارالشيء ونقيضه الذي هوالضلال مثلاً وبهذا يرقّ المعنى دون ادنى شك ، أي : يتم اليقين لدى قاريء الدعاء بدلالة الهدى من حيث صوابه ومراده " . اما عبارة " اجعل مناهج سبله لنا سنننا" فتنطوي على عبارة (المنهج) و(السبيل) وهما متقاربان، ولكن الفارق بين المنهج انه يخضع لخطوط متصلّة، بينها (السبيل) هو: المنهج العام ،اي: يكون السبيل خاضعاً لمنهجية تتضمن تفاصيل الهدي، وهذا ما عقّب عليه الدعاء بعبارة (سنننا) اي: مثلاً ونموذجاً نقتدى به في ممارسة سلوكنا العبادي... بعد ذلك نتجه الى مقطع جديد هو " اللهم: لك الحمد ملأ السماوات السبع وطبقاتهنّ، وملأ الأرضين السبع، وملأ ما بينهما، وملأ عرش ربنا الكريم ومداد كلمات ربّنا القهّار، وملأ الجنّة وملأ النار، وعدد الماء والثري، وعدد ما يرى وما لا يري" ...ان مقطع الدعاء يتضمن... كما لاحظنا موضوعاً هو: ان نحمده تعالي،.... ومن الطبيعى بما ان نعم الله تعالى لا تحصى حينئذ فان الحمد يتطلب ما لا يحصى ايضاً... ولكن كيف يتحدد مدى الحمد من حيث التأثيرالنفسي لقاريء الدعاء؟ في تصورنا ان المقطع المذكورتكفل ببيان ذلك من خلال التوﻜﯝ على ما هومحسّ وملاحظ وعلى ما هوغيرملاحظ، وبهذا التزاوج بين الحسي والمرئي وبين غيرالمرئي تتكثفّ تصوراتناحيال حجم الحمد لله تعالي،.... كيف ذلك؟لقد استشهد الدعاء بما ورد في النصوص القرآنية والدينية من الاشارة الى السماوات السبع والأرضين السبع وما بينهما، ومن خلال الأشارة الى العرش، والميزان، ومداد كلماته تعالي، والأشارة الى الجنة والنار والماء والثرى ... ان هذه الظواهربعضها مرئي في ظاهره، وبعضها غيرمرئي، كالاشارة الى ما بين السموات والارضين السبع مثلا، وسواها... وحتى المرئي لا يمكننا ان نحصيه كالماء مثلاً، ... لذلك ختم مقطع الدعاء استشهاده بالظواهربعبارة " وعدد ما يرى وما لا يري" ....، حيث ان ما لا يرى ينسحب على مفهوم ما لا يحصي: كما هو واضح،...اذن : اتضح لنا جانب من دلالة ما تعنيه هذه الاشارة الى الظواهرالابداعية لله تعالي، وارتباط ذلك بعدد ما نحمده او بحجم ما نحمده تعالى وهو مع ذلك بعدد ما نحمده او بحجم ما نحمده تعالي، وهومع ذلك تقصيرفي حق الله تعالي... ختاماً نسأله تعالى ان يوفقنا الى الحمد والشكر، والى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحوالمطلوب. ******* شرح فقرة:"اللهم كما سددت بمحمد (ص) العمى " - 35 2010-11-20 09:35:47 2010-11-20 09:35:47 http://arabic.irib.ir/programs/item/6878 http://arabic.irib.ir/programs/item/6878 نتابع حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها: ادعية الزهراء (ع) حيث حدثناك عن احد ادعيتها، وانتهينا من ذلك الى مقطع يتحدث عن النبي (ص) ورد فيه " اللهم: كما سددت به العمي، وفتحت به الهدي، فاجعل مناهج سُبُله لنا سُننا، وحجج برهانه لنا سببا، نأتمّ به الى القدوم عليك "... هذا المقطع من الدعاء يتضمن جملة نكات دلالية وايقاعية منها... من حيث الصياغة اللفظية- عنصر" التضاد " فمثلاً في عبارتي " سددت به العمي " وفتحت به الهدي "، حيث نجد في هاتين العبارتين تضاداً مزدوجاً، و نعني به " التضاد " داخل " تضاد آخر "، وهما: عبارة" سددت " ومقابلها " فتحت "، ثم عبارة " العمي " ومقابلها " الهدي "،... ولكن بغض النظرعن الصياغة الفنية للعبارات، يجدربنا ان نتحدث عن الصياغة الدلالية لها، حيث انّ النبيّ (ص) بصفته " رسولاً " لله تعالي، في توصيل مبادئه الى الأخرين، يصبح " واسطة " الى الآخرين في ارشادهم الى مبادئه تعالي، وهذا ما يصوغه النص في عبارتين استعاريتين وهي" الاستعارة " القائلة " سددت به العمى " والاستعارة القائلة " فتحتَ به الهدي "... ومن الواضح، ان العمى رمزالى الضلال، ومن ثمَّ فانّ اغلاق بابه يعني: ثمة طرائق الى امكانيه الوصول الى ضدّه وهو" الهدي "، وهذا ما اضطلعت به العبارة الثانية " فتحت به الهدي "،... ولعل جمال الاستعارتين المذكورتين تتمثللانً اولاً في التضاد " كما قلنا " بين الانسداد والانفتاح، ثم بين حذف " الباب " اي: الباب المسدودة وهي العمى او الباب المفتوحة وهي " الهدى "، ثم بين دلاله " العمى " الرامزالى الضلال وما يضادّه وهو" الهدي " حيث يشكل عبارة دالة بنحومباشر عكس " العمي " الذي يشكل عبارة غيرمباشرة، اي رامزة الى معنى آخرهو: الضلال: كما اشرنا. اذن: نحن الآن اقام صياغة فنية وممتعة وطريفة بالنحوالذي اوضحناه. بعد ذلك نواجه تفصيلاً لما اجمله النص عن عبارتي " العمي " و" الهدي " ونعني بذلك ما نلاحظه من العبارات الآتية: " فاجعل مناهج سُبُلِه لنا سُنَنا " " وحجج برهانه لنا سببا، فأتمّ به الى القدوم عليك "...هنا قد يتساءل قاريء الدعاء: ماذا نستلهم من العبارات المتقدمة من حيث النكات الفنية؟ الجواب: العبارات المتقدمة هي ثلاث: اثنان منها ترتبطان بمباديء الله تعالى وطريقة الالتزام بها، واما الثالثة فتجسّد: الحصيلة المترتّبة على ذلك ألا وهي : الجزاء المترتب على الالتزام من حيث انعكاساته على اليوم الآخرألا وهو: رضاه تعالى والجنّة. وهذا ما نستلهمه من عبارة " فأتم به في القدوم عليك " حيث ترمزهذه العبارة الى اليوم الآخرمن حيث القدوم على الله تعالى بعد حياتنا الدنيويه... والآن لنتحدث عن العبارتين الأوليين وهي: " فاجعل مناهج سبله لنا سننا "، " وحجج برهانه لنا سببا "... هنا نواجه اولاً صياغة ايقاعية تتمثل في كلمتي " سنننا " و" سببا " حيث يطلق عليهما مصطلح التجانس الصوتي فمثلاً في حرفي السين و الحرف الاخيرمن الفاصلة... واما من حيث الصياغة الدلالية فنواجه عبارة اجعل مناهج سبله لنا سننا وهي : ترمزالى طرائق العمل بمباديء الله تعالي، بحيث تصبح سنناً وعبارة اجعل حجج برهانه لناسبباً ، وهذامانحدثك به لاحقاً انشاءالله تعالى ختاماً: نسأله تعالى ان يوفقنا الى طاعته، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة:"اللهم الى رحمتك رفعت بصري " - 34 2010-11-20 09:35:15 2010-11-20 09:35:15 http://arabic.irib.ir/programs/item/6877 http://arabic.irib.ir/programs/item/6877 نتابع احاديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها ادعية الزهراء (ع)، حيث حدثناك عن احد ادعيتها، وانتهينا من ذلك الى مقطع جديد هو" اللهم الى رحمتك رفعتُ بصري، والى جودك بسطت كفّي، فلا تحرمني وانا اسألك، ولا تعذبّني وانا استغفرك، اللهم فاغفرلي فانك بي عالم، ولا تعذبني فانك عليّ قادر، برحمتك يا ارحم الراحمين ". هذا المقطع من الدعاء لا نحسب ان احداً منا لم يستوعب دلالته الا ان المهمّ فيه هو: ما يتضمنه اولاً من صورفنيه، وما يتضمنه ثانياً: من صياغات لفظيه لها نكاتها الدلالية، حيث لا نتوقع ان يدرك أسرارها بعضاً من لم يتذوق النص بلاغياً.... اذن لنتحدث عن المقطع... نبدأ اولاً بالحديث عن العبارتين الأوليين وهي: " الى رحمتك رفعتُ بصري " و" الى جودك بسطتُ كفّي "... هنا من الممكن ان يتساءل البعض فيقول: ما هي النكات الكامنة وراء رفع البصر، ووراء بسط الكفّ ؟... اما رفع البصر فان قاريء الدعاء من الممكن ان يقول: ان الموجود بكل مكان فلماذا نرفع البصرإذن؟ الجواب: ان رفع البصرهو: للعلوّ وللرفعة وللتنظم الخ، لله تعالى ان الله تعالى بحسب النص القائل " سبح اسم ربك الاعلى " يعني: انه " الاعلى " مطلقاً ولا يشاركه في العلوّ احد سواه،... هنا، فمادام هوالاعلى مطلقاً فان الاتجاه بالبصرالى الاعلى يأخذ مسوغاته كما هو واضح... واما بالنسبة الى بسط الكف... فهذا ما نوضّحه الآن. مما لا شك فيه ان " بسط اليه " هوصورة فنية تنتسب الى ما نسميه بالرمز، اي: ان بسط الكف يرمزالى أصل هو: الحصول على المطلوب، وتسلمه باليد، فيكون تسلّم الشيء أويكون الأمل بالحصول على الشيء هو: بواسطه بسط الكف حتى يقع الشيء فيه... وهذا من حيث الواقع الحسي... ولكن من حيث الواقع الروحي اوالمعنوي أوالفكري، فان المقصود هو: حصول الشيء وتحققه، فيكون البسط للكف رمزاً اوكنايةً أو تعبيرا غير مباشر: للحصول على الشيء: كما هو واضح حيث تتجانس اليد الآخذة مع المآخوذ من الله تعالي... يبقى ان نحدثك عن النكات الكامنة وراء العبارات الآتيه،.... اولاً لماذا يقول النص " فلا تحرمني وانا اسألك " و" لا تعذبني وانا استغفرك "؟... ثم: ما هوالفارق بين عبارة " اغفرلي فانك بي عالم " و" لا تعذبني فانك عليّ قادر "؟... هذا ما نبدأ بتوضيحه الآن...بالنسبة الى السؤال وعلاقته بالحرمان، فان النكتة وراء ذلك هي ان السؤال يقترن بحصول الشيء، فلذلك قال النص " لا تحرمني " و.... واما العذاب وعلاقته بالاستغفارفمن الوضوح بمكان " لأن الاستغفار هو: توبة من الذنب، ومع التوبة يرتفع العذاب. كما هوواضح... واما النكتة وراء العبارة القائلة " اغفرلي فانك عالمٌ بي " والفارق بينها وبين عبارة " لا تعذبني فانك قادرعليٌ " فيشمل علي: ان الله تعالى عالم بضعف العبد وعدم عصمته ، فيطالب بالمغفرة على الجهل الذي يقلق المذنب ،.... ويتمثل في العبارة الثانية " اي: لا تعذبني فانك عليّ قادر " فى ان الله تعالى يعفو وهو قادر، وهذا ما يطالبنا به الله تعالى في تأكيده على عفوالعبد عن الآخرعند مقدرته عليه، ولذلك يستثمرالدعاء هذه التوصية، ليتجة الى الله تعالى بالتوسل بالّا يعذبّه وهوقادرٌ تعالى على ذلك... ختاماً: نسأله تعالى ان يغفرلنا، ويرحمنا، ويوفقّنا الى ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة:"اللهم: اني اشهدک واشهد ملائکتک وحملة عرشک " - 33 2010-10-27 00:00:00 2010-10-27 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6876 http://arabic.irib.ir/programs/item/6876 نواصل حديثنا عن الأدعية المبارکة، ومنها: أدعية الزهراء (س)، حيث حدثناک عن احد ادعيتها الخاص بتعقيب صلاة العصر، حيث ورد مايأتي: " اللهم: اني اشهدک واشهد ملائکتک وحملة عرشک، واشهد من في السماوات ومن في الارض، انک انت الله لاله الاانت وحدک لاشريک لک... الخ "... هذا المقطع من الدعاء هو " تناص " او " اقتباس " من القرآن الکريم في الآية المعروفة بالنسبة الى الاشهاد، المهم هو: ما يحمله المقطع من دلالة الاشهاد: تعميقاً لمفهوم الطاعة له تعالى، حيث ان الملائکة وحملة العرش ومن في السماوات والارض لاتفتر عن التسبيح لله تعالى، تعبيراً عن توحيده تعالى: کما هو واضح، ومن ثم فان الشخصية الاسلامية عندما تشهد الخلائق المشار اليها بان الله تعالى وحده لاشريک له: انما تفصح عن التأکيد لمفهوم التوحيد: کما أشرنا... هنا فان التکملة لرسالة الله تعالى عبر انتخابه محمداً (ص) عبده ورسوله الى الخلق، انما تتمثل في الايمان بمحمد (ص) ايضاً وبأولي الامر: اهل البيت عليهم السلام... المهم: ان مقطع الدعاء بعد ان ينتهي من الاشهاد المذکور، يتجه الى تمجيده تعالى وتحميده وابداعه للکون، عبر العبارات الآتية:واسألک بان لک الحمد، لااله الاانت، بديع السماوات والارض "... ان هذه الفقرة من الدعاء تجئ تعقيباً على الاشهاد، حيث يتطلب الموقف " حمداً " لله تعالى من العبد، ومن ثم: استمرارية التمجيد عبر الفقرات الآتية: " يا کائناً قبل ان يکون شئ، والمکون لکل شئ، والکائن بعدما لايکون شئ "... ان هذه العبارة تتطلب وثوقاً للتدقيق في دلالتها التوحيدية... فماذا نستلهم ؟ قبل ان نحدثک عن هذه العبارة ينبغي تذکيرک بأنها جاءت بعد فقرة " بديع السماوات والارض " وهذا يعني ان مقطع الدعاء بعد ان أشار الى انه تعالى هو المبدع للوجود اتجه بعدذلک الى توضيح هذه الظاهرة، اي: ظاهرة انه تعالى هو الواحد،لاشريک له (کما ورد في بداية المقطع) وان وحدانيته في جملة ما تتمثل به هي انه تعالى " کائن " قبل کل شئ، والمکون لکل شئ، والکائن بعدما لايکون شئ، اي: انه تعالى هو: المتفرد في وجوده وهو المتفرد في ابداعه، وهو المتفرد في کينونته قبل کل شئ، وکذلک بعد کل شئ حيث ان الموت وفناء الموجودات هو المفسر بعبارة " الکائن بعدما لايکون شئ ": وهو تأکيد غير مباشر لتداعي اذهاننا الى التوحيد المذکور من جانب، والى فلسفة وجودنا وموتتنا وانبعاثنا لليوم الآخر من جانب آخر: کما هو واضح. بعد ذلک نواجه مقطعاً جديداً هو: " اللهم: الى رحمتک رفعت بصري، والى جودک بسطت کفي، فلاتحرمني وانا اسألک، والاتعذبني وانا استغفرک... الخ " من الواضح، ان هذا المقطع هو: امتداد لسابقه الذي يتناول تمجيد الله تعالى، حيث ان النصوص الشرعية طالما تشير الى ان العبد اذا اراد ان يستجاب دعاءه بالثناء على الله والصلاة على محمد وآله عليهم السلام، وهذا ما يفسر لنا مجئ هذه العبارات المتوسلة بالله تعالى بان يغفر لقارئ الدعاء ذنوبه،...الخ هنا يتعين علينا ان نحدثک عن الصور الفنية التي اعتمدها المقطع في توسله بالله تعالى، مثل عبارة " رفعت بصري " وعبارة " بسطت کفي "، حيث انهما عبارتان صوريتان، نحدثک عنهما في لقاء لاحق انشاء الله تعالى... ختاماً: نسأله تعالى ان يوفقنا الى المزيد من المعرفة بمبادئ توحيده، وان يوفقنا الى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة:"اللهم اني استهدیک لارشاد امري " - 32 2010-10-30 00:00:00 2010-10-30 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6873 http://arabic.irib.ir/programs/item/6873 نواصل حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها: أدعية الزهراء (ع) حيث حدثناك عن أحدها، وانتهينا منه الى مقطع جديد على هذا النحو: ( اللهم: اني استهديك لأرشاد أمري، واعوذ بك من شر نفسي، اللهم: عملت سوءاً وظلمت نفسي، فاغفر لي انه لايغفر الذنوب الاانت، اللهم اني أسألك تعجيل عافيتك، وصبراً على بليتك، وخروجاً من الدنيا الى رحمتك ) ... هذا المقطع من الدعاء يمكننا ان نشطره الى قسمين، احدهما: يرتبط بسلوك قارئ الدعاء حيث يتوسل بالله تعالى بأن يصلح أمره، والأخر يرتبط بالصبر على شدائد الحياة، والتعجيل الى الدار الأخرة ... ومن الطبيعي، ان كلاً من الموضوعين يرتبط احدهما بالاخر، ... الا ان ثمة ملاحظات يتعين على دارس الدعاء ان ينتبه عليها، وهذا ما نبدأ بتوضيحه الآن ... يبدأ مقطع الدعاء بعبارة ( اللهم: اني استهديك لارشاد أمري ) هذه العبارة هي استهلال للموضوع وختام له ايضاً، حيث ان طلب الهداية من الله تعالى لابد وان يتناول مقاطع حياة الشخصية دنيا وآخرة، وبالفعل بعد ان استهل المقطع بالتوسل بالله تعالى بان يرشد قارئ الدعاء، نجده يختم ذلك بعبارة ( خروجاً من الدنيا الى رحمتك ) ... ترى: ماذا نستلهم من هذه البداية والنهاية ؟ مقطع الدعاء نفسه يدلنا على ما يأتي: الحياة محفوفة بالشدائد ( صبراً على بليتك ) ... قارئ الدعاء يقر بذنوبه ( طبيعياً: المقصود من النص هو قارئ الدعاء وليس صاحبه، حيث ان صاحب الدعاء وهي الزهراء (ع) معصومة من الذنب كما هو واضح ... 3: قارئ الدعاء يطلب العافية 4: قارئ الدعاء يطلب الصبر على شدائد الحياة . : قارئ الدعاء يطلب الخروج من الدنيا الى رحمة الله تعالى ... هنا نجد ان الانتقال الى الحياة الأخرة، قد استخدم الدعاء فيها عبارة ( الرحمة ) فقال ( من الدنيا الى رحمتك ) وهذا التعبير له نكاته المهمة بطبيعة الحال ... كيف ذلك ؟ واضح ان توصيف الأخرة ب " الرحمة " يعني اولاً ان الله تعالى باماتة الشخصية انما ينقلها من الشدة الى الرخاء، ينقلها من الذنوب الى حياة لاذنوب فيها، ينقلها من البلية الى حياة لابلية فيها، .. وهذا هو منتهى الرحمة، حيث يظل الموت او الاماتة غير مقترنة بالخوف بقدر ما تقترن بالامل: كما هو واضح ... وهذا يكشف عن حجم رحمته تعالى حيث لاحدود لها ... هنا ينبغي ايضاً لفت النظر الى معادلة دنيوية واخروية، وهي ان فقرة الدعاء تقول ( اسألك تعجيل عافيتك ) واخيراً تقول ( خروجاً من الدنيا الى رحمتك ) وهذا موضوع يتطلب شيئاً من التوضيح، اي: كيف نجمع بين طلب العافية دنيوياً والخروج من الدنيا الى رحمته تعالى ؟ في تصورنا، ان العافية هنا يقصد بها عافية الدين، اي: عدم ممارسة الذنب ... هذا من جانب ... من جانب آخر يعزز مفهوم العافية الدينية هو: ان فقرة الدعاء تقول بعد طلب العافية – ( وصبراً على بليتك ) وهذا يعني ان العافية هي: عافية الدين، بدليل توسل الدعاء بأن يمنح الله تعالى قارئ الدعاء صبراً على الشدائد الدنيوية اذن: العافية هنا تعني: عافية الدين، ولكن هذا لايمنع من الذهاب الى امكانية ان تمنح الشخصية عافية دينها ودنياها " كما ورد بذلك نص شرعي" ... بعد ذلك ننتقل الى مقطع جديد، يبدأ على هذا النحو: ( اللهم: اني اشهدك، واشهد ملائكتك وحملة عرشك، واشهد من في السماوات ومن في الارض انك انت الله لاله الاانت، وحدك لاشريك لك الخ ) ان هذا المقطع الجديد لابد وان يرتبط بسابقة وهو امر نحدثك عنه لاحقاً انشاء الله ... ختاماً: نسأله تعالى ان يمنحنا العافية اخروياً ودنيوياً، وان يوفقنا الى ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب . ******* شرح فقرة:"اسالک القصد فی الفقر والغنی" - 31 2010-10-23 00:00:00 2010-10-23 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6649 http://arabic.irib.ir/programs/item/6649 نتابع حديثنا عن الأدعية المباركة ومنها: ادعية الزهراء (ع) حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة من احد ادعيتها وانتهينا من ذلك الی مقطع ورد فيه : ( اسألك القصد في الفقر والغنی، واسألك نعيماً لا يبيد، وقرّة عين لا تنقطع، وأسألك لذة النظر الی وجهك...). هذا المقطع من الدعاء يتضمن موضوعات متنوعة، تبدأ بعبارة ( اسألك القصد في الفقر والغنی )... وهي عبارة قد تكون ملفعة بالضبابية، ولكن سنبدأ بالقاء الانارة عليها... لقد مربنا في مقطع متقدم ( اسألك العدل في الغضب والرضا).... وقد شرحناه في حينه،.. اما المقطع او الفقرة الحاليه فتتضمن بدورها امراً وسطا: هو القصد في الفقر و الغنی... ان القصد يعني: الاعتدال، او التوسط بين شيْئين، او بين الافراط والتقتير،... ولكن بالنسبة الی الفقروالغنی، فان الذهن يتداعی الی ان الوسط في الاستهلاك هو المقصود من العبارة المتقدمة، سواء كان الرجل ثريا او فقيراً، فالثرْي لا ينبغي ان يكون مسرفاً، والفقيرلا ينبغي ان يستهلك اكثرمن دخِله الفردی، اي: يقتصد في استهلاكه، وبهذا يتجنب الثري الاسراف، ويتجنب الفقيرالبخل او يتجنب الزائد من الاستهلاك حتی لا يصبح عديم المال....المهمّ، في الحالتين فان القصد مادام هو: الاعتدال في الاستهلاك، حينئذ يظل هو الأمرالمطلوب. بعد ذلك نواجه عبارة ( اسألك نعيما لا ينفد ).... تری ماذا نستلهم من العبارة المتقدمة؟ في تصورنا ان المقطع انتقل من الحديث عن الدنيا، الی الاخرة، بدليل قولها (ع ) ( نعيما لايبيد ). حيث ان نعيم الدنيا يبيد، بينما لا نفاد لنعيم الآخرة اذن: الموضوع يتحدث عن الآخرة، والفقرة تتوسل بالله تعالى بان يجعلنا في نعيم دائم انشاء الله تعالی.... بعد ذلك تواجهنا عبارة اخروية ايضاً هي ( وقرّة عين لا تنقطع)... وهذه العبارة نناصً أو اقتباس أو تضمين قرآني كريم، وكذلك هي: تضمين لآحاديث شرعية، تتحدث عن نعيم الآخرة حيث لا عين رأت ولا اذن سمعت بهذا النعيم اخروياً.... بعد ذلك تواجهنا عبارة ( اسألك الرضا بعد القضاء ).. وهي عبارة قد تتسم بشيء من الغموض: ولكننا حينما نضعها في سياق المقطع يخيل الينا انها تعنْي: ان العبد يرضی بما يقضي الله تعالی من موقع اخروي للشخصية، ولكن التطلع الی رضاه تعالی والشوق الی ملاقاته تعالی والعيش او المجاورة لله تعالی تظل توسلاً محفوفاً بالأهمية، ولذلك فان المقطع ختم ما تقدم بعبارة ( واسألك لذة النظرالی وجهك ).... ان هذه العبارة صورة رمزية بطبيعة الحال، حيث ترمزالی ان العبد يتوسل بالله تعالی بان يری بقلبه عظمة الله تعالی ورحمته و... الخ... اذن: المقطع في عباراته الاخيرة يظل متحدثاً عن الآخرة بالنحوالذي لحظناه. بعد ذلك يعود الدعاء الی بيئة الدنيا عبرمقطع جديد بهذا النحو( اللهم: اني استهديك لإرشاد أمري واعوذ بك من شرنفسي، اللهم: عملت سوءً... الخ).... هذا المقطع الجديد عن الدعاء نحدثك عن في لقاءات لا حقه انشاء الله تعالی سائلين الله تعالی ان يوفقنا لمراضيه وان يوفقنا لممارسة الطاعة والتصاعد بها الی النحو المطلوب. ******* شرح فقرة:" اللهم انک عفو تحب العفو" - 30 2010-10-16 00:00:00 2010-10-16 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6639 http://arabic.irib.ir/programs/item/6639 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها: دعاء الزهراء عليها السلام في التعقيب بالنسبة الى صلاة العصر ، حيث نواجه مقطعا جديداً هو (اللهم انك عفّو تحب العفو، فاعف عني، اللهم احيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفنّي اذا كانت الوفاة خيراً لي) . هذا المقطع من الدعاء يتضمن موضوعات جديدةً ، بطبيعة الحال، الا ان التكرار لموضوع الحياة والموت، والتوسل بالله تعالى بان يجعل الحياة خيراً له، أو ان يجعل الوفاة هي خيراً له، . . . هذا الموضوع جاء متكرراً في هذا المقطع، علماً بان الموضوع نفسه ورد في مقطع اسبق، . . . ولذلك فان القارئ للدعاء يتساءل : ما هي الاسرار الكامنة وراء التكرار لهذا الموضوع؟ هذا ما نبدأ بتوضيحه الآن. قبل ان نحدثك عن التكرار لعبارة او موضوع الحياة والموت وانتخاب الاصلح للشخصية ، ينبغي ان نحدثك عن العبارة التي سبقت هذا الموضوع، وهي (اللهم إنك عفوّ تحبّ العفو فاعف عني) . . . هذه العبارة اذا قارناها بعبارة وردت في النص الاسبق وهي: (اللهم اصلح لي ديني فانه عصمة أمري)، نجد أن التكرار لموضوع الحياة والموت جاء في المقطع السابق في سياق الحديث عن التوسل بالله تعالى بان يعصم قارئ الدعاء، فجاء التوسل بزيادة العمر اذا كان خيراً أو الموت اذا كان خيراً، متجانساً مع العصمة، لان العصمة معناها ان يعصم الله تعالى العبد من الذنب . . . اذن: العبارة التي تتحدث عن الموت والحياة، جاءت في سياق خاص هو ماذكرناه . ولكن التكرار للعبارة من جديد جاء في سياق جديد فما هو هذا السياق؟ السياق كما لاحظنا هو (اللهم انك عفوّ تحبّ العفو، فاعف عني) . . . فمنها يرتبط الموضوع بعفو الله تعالى عن عبده، فاذا كان الموت قد سبقه العفو، فهو اولى، واذا كانت الحياة يتعقبها العفو فالحياة اولى . . . اذن: يختلف السياقان اللذان ورد فيهما التكرار، وهذا أحد السمات البلاغية التي تطبع الدعاء المذكور . . . بعد ذلك تواجهنا عبارة (اسألك خشيتك في الغيب والشهادة) وعبارة ( والعدل في الغضب والرضا ) فماذا تعني العبارتان؟ اما الاولى وهي (اسألك خشيتك في الغيب و الشهادة) فتعني ان العبد ينبغي عليه ان يخشى الله تعالى في سلوكه، سواءا كان السلوك يقترن بمشاهدة الآخر، أو بمعزل منه حيث ان الملتزم بمبادئ الله تعالى يظل ملتزماً بذلك طيلة حياته أو طيلة ممارسته للسلوك، بعكس المراني أو من يمزج عملاً صالحاً بطالح، حيث ان هذين النمطين لا يخشيان الله تعالى بقدر ما يخشيان الناس كما هو واضح . اخيراً: ماذا تعني عبارة (وأسألك العدل في الغضب و الرضا) ؟ الجواب: العدل هو اصدار الحكم على الآخر بنحو موضوعي و محايد. سواءا كان الحاكم في حالة غضب أو رضا، لان المطلوب هو اصدار الحكم – كما قلنا – موضوعياً ، . . . وهذه الظاهرة من الأهمية بمكان كبيرة حيث ان النصوص الاسلامية تحذّر الانسان من اصدار الحكم بصورة غير موضوعية . . . ختاماً : نسأله تعالى ان يجعلنا عادلين في احكامنا، وأن يوفقنا الى الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب . ******* شرح فقرة: "اللهم اصلح لي ديني الذي هو عصمة امري، ..." - 29 2010-10-02 00:00:00 2010-10-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6553 http://arabic.irib.ir/programs/item/6553 لانزال نحدثك عن الادعية المباركة، ومنها أدعية الزهراء عليها السلام،حيث حدثناك عن احدها عبر مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن مقطع جديد فيه يبدأ على هذا النحو: (اللهم اصلح لي ديني الذي هو عصمة امري، واصلح لي دنياي التي فيها معاشي، واصلح لي آخرتي التي اليها معادي...) هذا المقطع من الدعاء يحفل بتلخيص مهمة الشخصية في الحياة اذ خلق الله تعالى الانسان من اجل ممارسة الخلافة في الارض... المقطع يتحدث اولاً عن الدين، ثم عن الدنيا، ثم عن الأخرة... غير ان المطلوب هو ملاحظة توزيع المهمة في التعامل مع المفردات المذكورة وهو امر يتطلب قسطاً من التوضيح... النص يقول (اللهم اصلح لي ديني الذي هو عصمة امري...) فماذا نستلهم من العبارة؟ طبيعياً، مادام الله تعالى خلق الانسان من اجل الممارسة العبادية او الخلافية، حينئذ فان العبد يتطلع الى اصلاح سلوكه المرتبط بالممارسة العبادية متمثلة في ظاهرة (الدين) اي مارسمه الله تعالى لنا من السلوك، وطلب منا الالتزام بذلك، وهذا ما اسماه النص او ما خلع عليه النص طابعاً بلاغياً هو: الاستعارة، حيث جعل اصلاح السلوك الديني (عصمة)، اي: المناعة والمتانة او لنقل: ما يمنع وقوع المعصية من السلوك... وهذا طبيعي بالنسبة الى مهمتنا العبادية... بمعني: ان العبد يتعين عليه ان يجعل سلوكه وفق ما رسمه تعالى من الاحكام والحوادث والمواقف من السلوك... والآن: اذا كان المطلوب هو: ممارسة العمل العبادي حينئذ لابد من توفر المناخ الذي يسمح للشخصية بان تمارس وظيفتها، وهذا ما تجسده العبارة الثانية من الدعاء حيث تقول (واصلح لي دنياي التي فيها معاشي) فالشخصية اذا لم يتوفر لديها المعاش لايمكنها ان تؤدي الوظيفة العبادية، فمثلاً اذا كان العبد يتعرض لمرض عضال أو لفقر مدقع او لأضطراب أمين: حينئذ لايقر له عيش ومن ثم لايستطيع ممارسة عمله العبادي. يبقي ان نحدثك عن المرحلة الثالثة، فالاولى هي اصلاح الدين، والثانية اصلاح الحياة والثالثة أصلاح الأخرة.. والسؤال الأن هو: عرفنا ان المطلوب هو ممارسة العمل العبادي، وتوفر وسائل الاشباع... ولكن ما هي صلة ذلك بالأصلاح الأخروي؟ الجواب: من الواضح ان الدنيا هي جسر الأخرة اي: ان ممارسة العمل العبادي وظيفة دنيوية تسمح للشخص بأن يتسلم نتائج سلوكه وهي: الحياة الاخرة، حيث تتسم هذه الحياة بالخلود وبالابدية،.. ومن ثم: فان المطلوب فيها: اولاً: ان تقترن برضاه تعالى، وبدخولنا الجنة ثانياً: ان عبارة (اصلح لي آخرتي) اقترنت بعبارة (اليها معادي) بمعني ان المعاد هو الحياة الحقيقية الخالدة وهذا ما يتطلب نجاح الشخصية في سلوكها في الدنيا... من هنا، جاءت الفقرتان الأتيتان: توسلاً بالله تعالى بان ينتخب لنا ماهو الاصلح، اي: استمرارية الحياة الموقتة او الموت،.. وهذا ما تجسده عبارتا (واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر) من الواضح ان الشخصية مادامت تحرص على ممارسة المهمة العبادية بالنحو الأحسن، فان الموت او العمر الطويل يظل مرتبطاً بما هو الاصلح للشخصية فاذا كان العمر المديد مثلاً يتسبب في ممارسة المعصية فان الموت اولى من ذلك، والعكس هو الصحيح ايضاً. اذن اتضح لنا بجلاء ما يتضمنه المقطع من التوسلات بالله تعالى، من حيث اصلاح الدين او الدنيا، والاخرة ومن قبل ذلك: كسب رضاه تعالى، والجنة... ختاماً نسأله تعالى ان يجعلنا كذلك، وان يوفقنا الى ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: " الهي اجعل ثاري على من ظلمني، وانصرني على من عاداني..." - 28 2010-09-25 00:00:00 2010-09-25 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6551 http://arabic.irib.ir/programs/item/6551 لانزال نحدثک عن الادعية المبارکة، ومنها: أدعية الزهراء عليها السلام حيث حدثناک عن أحد أدعيتها في مقاطع متسلسلة، ونحدثک الآن عن أحد مقاطع الدعاء الجديد وهو (الهي اجعل ثاري على من ظلمني، وانصرني على من عاداني، اللهم لاتجعل مصيبتي في ديني، ولاتجعل الدنيا اکبر همي ولامبلغ علمي) هذا المقطع من الدعاء يتناول ظاهرة جديدة من السلوک المرتبط بقارئ الدعاء، حيث يتحدث عن الظلم الذي يلحقه، ولکنه من جانب أخر يتوسل بالله تعالى الا يجعل المصيبة في دينه، ولاهمه دنياه... وبهذا يتوازن التوسل بالله تعالى بين الدنيا والأخرة... المهم ان نحدثک اولاً عن العبارتين القائلتين (اللهم اجعل ثاري على من ظلمني، وانصرني على من عاداني)، تري ماذا نستلهم من النص المذکور؟ من حقائق الترکيبة الأدمية انها تبحث عن الامتاع وتجتنب الألم، ولذلک فان قارئ الدعاء عنه ما يقول (انصرني على من عاداني) او يقول (اجعل ثأري على من ظلمني) انما يفصح عن الترکيبة المشار اليها... کل ما في الامر ان الشخص ينبغي ألا يعزب عن ذهنه بان الانسان في کبد، اي ان الدنيا محفوفة بالشدة کما هو واضح، وعليه بالصبر حيال ذلک... بيد ان هناک سياقات خاصة نجد فيها ان الظلم الواقع على شخص ما يتطلب دفاعاً عن النفس، وهذا ما يمکن ان نفسر في ضوئه توسل الدعاء بان يجعل قارئ الدعاء ثأره على الظالم، اي يثأر لدفع الظلم وليس من اجل متاع دنيوي أو انتقام لامسوغ له... العبارة الثانية من المقطع وهي (انصرني على من عاداني) انما هي امتداد للاولى، حيث ان الاولى تطلب الثأر، والثأر بطبيعة الحال اما ينجح واما ان يخفق، ولذلک طلب الدعاء ان ينتصر على العدو... بيد ان ثمة ملاحظة جديدة هي ان العبارة الاولى تتحدث عن الظالم، والثانية عن العدو، ولذلک نحتمل – وهذا ما تفرضه عصمة الزهراء فينا – ان تکون العبارة الثانية متناولة لنمط أخر هو: العدو مطلقاً وليس الظالم فحسب... ان الظالم قد يسرقک، ويشتمک و...الخ، بينما العدو قد يعاديک من اجل دينک مثلاً، ولذلک نجد ان العبارة الثالثة تقول (اللهم لاتجعل مصيبتي في ديني، ولاتجعل الدنيا اکبر همي، ولامبلغ علمي)... وهذا يعني: ان العبارة المتقدمة (انصرني على من ظلمني) من المحتمل ان تتناول العداء العقائدي مثلاً... اخيراً يحسن بنا ان نحدثک عن عبارتي (لاتجعل الدنيا اکبر همي، ولامبلغ علمي...) ماذا نستلهم منهما؟ الجواب: من الواضح، ان هذه العبارة امتداد لسابقتها التي تتوسل بالله تعالى الا تکون المصيبة في الدين، مما يعني: ان مصائب الدنيا لاقيمة لها، ولذلک توسلت الزهراء عليها السلام الاتکون الدنيا اکبر همها بل الدين: کما هو واضح... يبقي ان نتساءل عن دلالة العبارة التي ختم بها المقطع وهي: (ولامبلغ علمي)... فماذا نستلهم؟ من البين، ان العلم او المعرفة هي القائدة للشخصية من تحديد موقفها العقائدي،.. لذلک فان المطلوب هو ان تعرف الشخصية وظيفتها العبادية في الحياة، وهي: الالتزام بمبادئ الله تعالى، فتکون الطاعة والحياة الأخرة ورضاه تعالى هي: المطلوبة، وهي غاية المعرفة او العلم الذي ينبغي ان تصدر الشخصية عنه... وهذا ما عبرت الفقرة (ولاتجعل الدنيا... مبلغ علمي)... اذن اتضح ما يعنيه المقطع الذي حدثناک عنه، سائلين الله تعالى ان يجعلنا ممن عرف وظيفته في الحياة، وممن يوفقه تعالى الى الالتزام بالطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: " فأسألک بحق ابراهيم خليلک، وموسى کليمک، وعيسى روحک، ومحمد صفيک ونبيک..." - 27 2010-08-14 00:00:00 2010-08-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6550 http://arabic.irib.ir/programs/item/6550 لازلنا نحدثک عن الادعية المبارکة، ومنها: دعاء الزهراء عليه السلام في تعقيب العصر، حيث حدثناک عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثک الآن عن أحد مقاطعه القائل (فأسألک بحق ابراهيم خليلک، وموسى کليمک، وعيسى روحک، ومحمد صفيک ونبيک، الا تصرف وجهک الکريم عني، حتى تقبل توبتي، وترحم عبرتي، وتغفر لي خطيئتي، يا ارحم الراحمين، ويا احکم الحاکمين) المقطع يتضمن عدة اقسام: الأول: منها يتوسل بالله تعالى بحق ابراهيم، وموسى وعيسى، والنبي محمد (ص) والثاني: بألا يصرف تعالى وجهه عن قارئ الدعاء والثالث: حتى يقبل توبته ويرحم عبرته ويغفر خطيئته والرابع يتوسل بسمة ارحم الراحمين واحکم الحاکمين... ونحدثک الأن عن القسم الاول فنقول ان النص قد انتخب اربعة انبياء يجسدون الاتجاهات الخاصة لکل عصر، حيث ان ابراهيم قد اختص بالحنيفية، وان موسى وعيسى يجسدان النصرانية واليهودية، وان محمد (ص) خاتم الانبياء يجسد أخر الرسالات وخاتمها... لذلک فان التوسل بهم يحمل مسوغاته التي اشرنا اليها... ويلاحظ ان صفة (صفيک) قد انتخبها النص في شخصية النبي (ص) حيث ان الصفي هو من اصطفاه تعالى، بحيث يعني: انه خير البشر جميعاً وهي نکتة لامناص من التذکير بها. المقطع او القسم الثاني يتوسل بالله تعالى بألايصرف وجهه الکريم عن قارئ الدعاء: وهي عبارة رمزية، حيث يرمز الوجه الى العناية التامة، اي: عنايته تعالى بعبده في المستويات جميعاً.. ولانحسب ان رمزاً مثل الوجه يجسد مفهوم العناية التامة، کما هو واضح. واما القسم الثالث فهو المقصود من الدعاء في مقطعه الذي نحدثک عنه الا وهو: قبول التوبة، ورحمة العبرة، وغفران الخطيئة، والسؤال هو: ماذا نستلهم من النکات الکامنة وراء هذه العبارات الواضحة ؟ الجواب: اما قبول التوبة فلايحتاج الى توضيح، واما رحمة العبرة فتنطوي على نکتة في غاية الاهمية ألا وهي: ان النصوص الشرعية طالما تشير الى ان الداعي والمناجي اذا قرن دعاءه ومناجاته بالعبرة فان الدعاء يقترن بالاستجابة... ولذلک قرن الدعاء طلب التوبة بظاهرة العبرة للنکتة المذکورة. واما اختتام ذلک بعبارة (وتغفر لي خطيئتي) فيحتاج الى توضيح اکثر فنقول: ان عبارة (تقبل توبتي) تعني ان الله تعالى يغفر خطيئة العبد، فلماذا – اذن- جاءت عبارة (وتغفر لي خطيئتي) ؟ الجواب: ان قبول التوبة هو: عدم ترتيب العقاب على الخطيئة، ولکن مصطلح (الغفران)يعني: الستر، ولذلک فان اختتام القسم الثالث بعبارة (تغفر خطيئتي) تعني: ان يستر تعالى الذنب بالاضافة الى عدم العقاب. اخيراً: ختم المقطع بعبارتين هما: (يا ارحم الراحمين) و(يا احکم الحاکمين...) اما (ارحم الراحمين) فمن الوضوح بمکان... ولکن السؤال هو: ماذا تعني العبارة الاخيرة (يا احکم الحاکمين)؟ الجواب: في تصورنا ان هدف الدعاء هو: تأکيد الرحمة من الله تعالى في اعلي تصوراتنا حيال ذلک، فأولاً قد جسدت العبارة (يا ارحم الراحمين) انه تعالى متفرد في رحمته لانه أرحم من الغير،... يضاف الى ذلک، ان الرحمة تتوهج دلالتها وکثافتها حينما نعرف بان الله تعالى عادل في احکامه، وهو اعدل من الغير في الحکم، وهذا يعني انه تعالى حينما يرحم العبد المذنب انما يرحمه وهو عارف بانه مذنب، وبذلک يتجسد مفهوم الرحمة على ما يمکن تصوره کما هو واضح. اذن: امکننا ان نتبين جملة من الاسرار الکامنة وراء المقطع المذکور، سائلين الله تعالى بان يوفقنا الى الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "... عليها فرقاً منک وخوفاً، وطمعاً، وانت الکريم الذي لايقطع الرجاء..." - 26 2010-08-07 00:00:00 2010-08-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6549 http://arabic.irib.ir/programs/item/6549 نتابع حديثنا عن الادعية المبارکة، ومنها: دعاء الزهراء عليه السلام الخاص بتعقيب صلاة العصر، حيث جاء في احدها مايأتي: (اللهم فوضت أمري اليک والجأت ظهري اليک، واسلمت نفسي اليک بما جنيت عليها فرقاً منک وخوفاً، وطمعاً، وانت الکريم الذي لايقطع الرجاء، ولايخيب الدعاء...) هذا المقطع من دعاء الزهراء عليه السلام، حدثناک عن قسمه الاول وهو (التفويض، والالجاء، والتسليم،) حيث اوضحنا – في لقاء سابق – الفارق بين المصطلحات المذکورة... اما الأن فنحدثک عن القسم الأخر وهو بدوره يتضمن مصطلحات يتعين علينا توضيح الفوارق بينها، وهي اولاً: الفارق بين عبارة (فرقاً) منک، وعبارة (خوفاً) وکذلک ما يتصل بالجملة الاخيرة الذاهبة الى عدم مقطع الرجاء، وعدم تخييب الدعاء اذن: لنتحدث عن هذه الظواهر... بالنسبة الى الفارق بين الخوف والفرق، ان الخوف هو مصطلح عام يشمل ما يخشى منه بنحو مطلق، واما الفرق فهو الخوف المصحوب بالاهابة من الشئ بحيث يتسم بالشدة، والمهم ان هذا الفارق بينهما ينبغي ان نستخلصه من عبارتي الدعاء المذکورتين، فنقول: ان عبارة (فرقاً منک وخوفاً) تعني: ان العبد الجاني على نفسه لابد وان يحس بالاهابة من العقاب، اي: شدة الخوف... لکن بما ان النصوص الشرعية – طالما تؤکد بان العبد عليه ان يتأرجح بين الخوف والرجاء، تجئ العبارة المتضمنة مصطلح (الخوف) مصحوبة بعبارة (طمعاً) فتکون العبارة بهذا النحو (وخوفاً وطمعاً) اي: جاء الخوف هنا في سياق ضده وهو الطمع بالمغفرة... هنا يتعين علينا ان نحدثک عن الفاعلية التي يتضمنها خوف الانسان وطمعه في آن واحد... فمل هي الفاعلية المذکورة...؟ الجواب: من الزاوية النفسية نعرف تماماً بان الانسان اذا خاف مطلقاً من العقاب بحيث اذا مارس ذنباً، فخاف من العقاب مؤکداً حينئذ يدخل عليه الناس فلا يستطيع مواصلة عمله العبادي لانه يائس من المغفرة... والعکس هو الصحيح ايضاً، فاذا کان يرجو المغفرة وحدها، بحيث يقول مع نفسه: لقد اذنبت ولکن الله تعالى يغفر الذنب، حينئذ يظل ممارساً للذنوب تحت حجة الغفران ولذلک فان الاتجاه الصحيح هو: ان يتأرجح العبد بين الخوف والرجاء بحيث – کما يقول النص الشرعي – اذا اتى بعبادة الثقلين، يظل – مع ذلک راجياً وطامعاً بمغفرة الله تعالى... والآن نتجه الى القسم الثاني من المقطع وهو (وانت الکريم الذي لا يقطع الرجاء، ولايخيب الدعاء)... فماذا نستلهم منه؟ واضح: ان عدم قطع الرجاء يقترن بعدم خيبة الدعاء اي: ان من يرجو المغفرة لايخيب دعاؤه: کما يتصور، ولکن – في الآن ذاته – لابد وان نستحضر التأرجح بين الخوف والرجاء، وان نتعامل مع الرجاء بنحو يتوافق ومعرفتنا بکرم الله تعالى... لذلک اردف الدعاء کلمة (طمعاً) بظاهرة کرم الله تعالى وعدم انقطاع الرجاء من ذلک... وتجئ عبارة (عدم تخييب الدعاء) بعد عبارة (لايقطع الرجاء) تأکيداً لأهمية الدعاء اي: الدعاء له اهميته في جعل (الرجاء) من الغفران: موضوعاً له فاعليته... اذن امکننا ان نتبين اسرار المقطع المذکور، سائلين الله تعالى ان يغفر لنا ذنوبنا وان يوفقنا الى ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "اللهم فوضّت امري اليک، والجأت ظهري اليک..." - 25 2010-07-31 00:00:00 2010-07-31 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6548 http://arabic.irib.ir/programs/item/6548 نواصل حديثنا عن الأدعية المبارکة، ومنها: أدعية الزهرا (ع) ، حيث حدثناک عن احد أدعيتها الخالص بتعقيب صلاة العصر، وانتهينا من ذلک الى مقطع جديد بدأ على النحو الآتي: (اللهم فوضّت امري اليک، والجأت ظهري اليک، واسلمت نفسي اليک.... ) هذه ثلاث عبارات، کل واحدة منها تحمل دلالة خاصة، مع ملاحظة ان العبارات الثلاث تشکل دلالة مشترکة في الآن ذاته، اي: ثمة دلالة مشترکة بين العبارات (فوضت) ( الجأت) (اسلمت) حيث تشترک في دلالة هي: اللجوء الى الله تعالى فحسب،.. واما الدلالات المتفاوتة، فما لا ترديد فيه ان (التفويض) غير (الإلجاء) والتسليم، وکل من الاخيرين يفترق عن الآخر وهکذا... وما نستهدفه الآن هو ملاحظة العبارات المتقدمة... و نقف اولاً عند فقرة (فوضت امري اليک)... ترى ماذا نستلهم منها؟ رجعنا الى النص القرآني الکريم في قصة مؤمن آل فرعون حيث استشهد (کما يقول النص المفسّر) ولکنه قبل ذلک قال (وافوض امري الى الله)... هذه العبارة فيستطيع عن خلالها ان نتبين دلالتها الواردة في الدعاء، فالتفويض يعني: ان الشخص صير امره الى الله تعالى وحبله الحاکم على ما يحدث، وحيث نتجه الى عبارة الدعاء حينئذ نستخلص بان القارئ للدعاء قد صير امره الى الله تعالى يصنع به کيف يشاء دون ان يقترن ذلک بأي اقتراح... فاذا فرضنا ان قارئ الدعاء قد ابتلى بعدوّ فان قارئ الدعاء يصير أمر هذه الظاهرة الى الله تعالى، حيث يتکفل تعالى بتحديد ما ينتهي به الامر، سواءا کان ذلک ينتهي بنصرته تعالى بعده أو بمجازاته في اليوم الآخر... هنا نتجه الى عبارة (اسلمت نفسي) قبل ان نحدثک عن عبارة (الجأت ظهري) نظراً للتجانس الشديد بين مصطلحي (التفويض) و(التسليم)... لذلک نتسائل: ما الفارق بين عبارة (فوضت) و(اسلمت)؟ من جديد نتجه الى النص القرآن الکريم ايضا:حيث نقرأ: (.. اسلمت وجهي لله... ) والآن لو قارنا بين (فوضت) التي تعني: ان الشخص يصير امره الى الله تعالى يصنع به کيف يشاء، نجد ان عبارة (اسلمت) تعني: انقدت اي: الانقياد الى الله تعالى ،...اذن : التفويض والانقياد متماثلان هنا تقريباً، ولکن الفارق هو: ان الانقياد هو ممارسة طوعية، بينما التفويض: يقترن بشدة، اي: التسليم هو الاذعان لله تعالى والتفويض هو توکيل اليه في صنع هذا الأمر او سواه. يبقي ان نحدثک عن عبارة (الجأت ظهري اليک).... فماذا نستلهم منها؟ هذه العبارة تجسّد صورة فنية هي: الصورة الرمزية أو الصورة الاستعارية ،... انها تشترک مع العبارتين المتقدمتين في دلالة هي: ان امر العبد موکول الى الله تعالى ، وکلنها تفترق عنهما بما نوضحه من الصياغة الفنية للصورة المذکورة... فما هي : معالم الصورة الرمزية او الاستعارية المتقدمة؟ الجواب : ان (الظهر) هو ما يقترن بما يستند أو يتّکأ عليه، فاذا اسندت ظهرک الى الوسادة مثلاً فهذا يعني: انک جلست وانت المرتاح أو المطمئن في جلستک،.. فاذا انقلنا ذلک الى الاستناد الى الله تعالى اي: نطلب الراحة من الله تعالى ، حينئذ فان الجاء الظهر الى الله تعالى يعني: اسناد امور العبد الى الله تعالى ... اذن: ما الفارق بين اسناد الأمر، وتفويض الأمر، وتسليم الأمر؟ الجواب: الاسناد هو مطلق ما يتطلع الانسان اليه من الاشباع لحاجاته بينما التفويض هو: جعل الأمر بيد الله تعالى فيما يعانيه العبد من الشدة مثلاً، بينما التسليم هو: انقياد العبد لله تعالى في الايمان بمبادئ الشريعة.. الخ. ختاماً: نسأله تعالى أن يوفقنا الى ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "واکفني ما اهمني، وما غاب عني..." - 24 2010-07-24 00:00:00 2010-07-24 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6547 http://arabic.irib.ir/programs/item/6547 نتابع حديثنا عن الادعية المبارکة، ومنها: دعاء الزهراء (ع) الخاص بتعقيب بعض الصلوات، حيث حدثناک عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثک الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه (اللهم صلى على محمد وآل محمد) الى يقول (واکفني ما اهمني، وما غاب عني وما حضرني، وما اتخوفه منک، يا ارحم الراحمين...) بهذه العبارات يختم احد مقاطع الدعاء المذکور، حيث عرض جملة توسلات، بدأت بالعبارة القائلة (اکفني ما اهمني) وهي عبارة مختصرة ولکنها حافلة بکل شئ على نحو ما نبدأ بتوضيحه الآن ... من الواضح، ان (الکفية) هي: تحقق الاشباع الکافي لحاجات الانسان،.. وعندما يقول النص (اکفني ما أهمني) اي: حقق لي وانجز لي ما احتاج اليه: ... ويلاحظ بان هذه العبارة جاءت عقيب عبارات محددة للحاجات: مثل غفران الذنب، ستر العيب، الغني، اقالة العثرات، الامن من المخاوف. هذه الحاجات المحدودة اعقبتها عبارة (اکفني ما اهمني) حيث يعني ذلک، ان هدف الدعاء هو: انجاز جميع الحاجات التي يعني قارئ الدعاء بها ... ولذلک نجد ان الفقرات اللاحقة تفصل شيئاً من الاجمال في عبارة (اکفني) حيث تقول العبارات اللاحقة (ما غاب عني وما حضرني وما اتخوفه منک)... ان هاتين العبارتين تلخصان الموقف على نحو ما نبدأ بتوضيحه الآن ... من الواضح ان حاجات الانسان من الممکن ان تغيب عنه عند السؤال او التوسل بالله تعلى في انجاز حاجات الداعي.. لذلک تقول العبارة (ماغاب عني) وتقول (ماحضرني) ولنفترض ان ما حضر الداعي هو: طلب الغني، وطلب الامن، وطلب العافية ... ولکن ماغاب عن الداعيت من الممکن ان يکون مثل: غفران الذنب، ستر العيب، انجاب الاولاد، تحقيق الزواج، التفقه في الدين الخ ... من هنا نتبين أهمية عبارة (ماغاب عني وما حضرني) من حيث ارتباطها بالعبارة المجملة (اکفني مااهمني) ... يبقي التساءل اخيراً عن عبارة (وما اتخوفه منک) تري: ماذا نستلهم من العبارة المذکورة: في تصورنا ان عبارة (ما اتخوفه منک، تشمل ظواهر کثيرة منها: ان غفران الذنب مثلاً من الممکن ان يتحقق ومن الممکن اليتحقق، ولذلک ورد في الحديث ان الشخص لو جاء بعبادة الثقلين فعليه ان يظل خائفاً، ولوجاء بذنوب الثقلين فعليه ان يکون راجياً اي: التأرجح بين الخوف والرجاء هو الموقف الذي ينبغي ان تکون الشخصية عليه، ولذلک عندما تقول العبارة (وما اتخوفه) انما تعني: ظاهرة الخوف الممتزج بالرجاء: کما هو واضح بعد ذلک نواجه مقطعاً جديداً من الدعاء، يبدأ على النحو الأتي (اللهم: فوضت امري اليک، والجأت ظهري اليک، واسلمت نفسي اليک، ... الخ) ان هذه العبارات متمثلة في مصطلح (فوضت) وفي مصطلح (اسلمت) وفي مصطلح (الجأت) الخ تظل من العبارات الخاضعة لاکثر من تأويل من جانب، ومتماثلة او متجانسة من جانب ثان، ومتفاوتة من جانب ثالث، اي لامناص من التفاوت بين عبارة (فوضت) وعبارة (اسلمت) وکذلک عبارات اخرى لوحظت في نصوص شرعية مثل (توکلت) ...الخ حيث تشترک في دلالة واحدة هي: اللجوء الى الله تعلى وحده وتتفاوت من جانب آخر في جزئيات الدلالة على نحو ما نوضحه في لقاء لاحق انشاءالله... ختاماً: نسأله تعلى ان يوفقنا الى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "فقري، ويسر حاجتي، واقلني عثرتي، ..." - 23 2010-07-17 00:00:00 2010-07-17 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6528 http://arabic.irib.ir/programs/item/6528 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها أحد ادعية الزهراء (عليها السلام)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، وانتهينا من ذلك الی مقطع ورد فيه: (اللهم صلی علی محمد وآل محمد)، الی ان يقول: (واغن فقري، ويسر حاجتي، واقلني عثرتي، ...). هذه الظواهر أو الحاجات التي يتوسل الدعاء بالله تعالی بأن يحققها لقارئ الدعاء هي جملة من حاجات متنوعة، حدثناك عن قسم منها، ونحدثك الآن عن قسم آخر، حيث نبدأ فنلقي الاضاءة اولاً علی فقرة (اغن فقري)، فماذا نستلهم؟ لعل القارئ للادعية يتساءل قائلاً: ان الفقر في لسان الادعية غالباً ما يتناول من خلال ما يضاده مثل اغنني أو الاعاذة منه مثل (واعوذ بك من الفقر) أو احياناً من خلال الاستعارة المعروفة مثل (اجبر فقري)، اما ان يأتي الحديث عن الفقر من خلال عبارة (اغني فقري فيعد استخداماً نادراً). لذلك فان السؤال المترتب علی ذلك هو: ما هي الاسرار الفنية الكامنة وراء التعبير الجديد: (اغن فقري)؟ الجواب: العبارة المذكورة استعارة لها طرافتها دون ادنی شك فاذا كان الفقر يعني: قلة اليسار، فان عبارة (اغن قلة يساري) تظل هي المقابل، اي ان طابع (الغنی) يخلع علی (قلة اليسار) فتصبح القلة غنیً، اي: يصبح القليل كثيراً، وهذا من التعبيرات الطريفة دون ادنی شك وهو يتماثل مع قوله تعالی مثلاً «فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ» حيث يخلع (الرضی) علی (العِيشَةٍ) وليس علی صاحبها: كما هو واضح، الاان النتيجة هي: العِيشَةٍ المرضية. بعد ذلك نواجه عبارة (يسر حاجتي)، هذه العبارة بدورها من الطرافة بمكان، انها تشبه العبارة السابقة من حيث كونها تخلع طابع (اليسر) علی (الحاجة) بدلاً من خلعة اي: ليس علی الانجاز للحاجة وليس الحاجة ذاتها، وهذا النمط من التعبير له دلالته الاكثر كثافة من حيث الاشباع لحاجة قارئ الدعاء. لذلك يمكننا الذهاب الی ان هذه العبارة الاستعارية (يسر حاجتي)، تعني: اللهم سهل لي انجاز حاجتي، اي: التسريع في تحقيق الاشباع لحاجات قاريء الدعاء. بعد ذلك نواجه عبارة (اقلني عثرتي)، وهي عبارة مألوفة: كما هو واضح اي: تستخدم كثيراً في لسان الادعية، حيث تعتبر من الاستعارات التي لا يكاد يجهلها قارئ الدعاء ولكن العبارة مع سهولتها تظل حافلة بالدلالة المكثفة، حيث ان الاقالة للعثرة تعني: ان الانسان اذا كان ماشياً فعثر فان العثرة تؤذيه وتحجزه احياناً من المشي. فاذا نقلنا هذه العبارة (اقلني عثرتي) من دلالتها الحقيقية الی دلالتها المجازية حينئذ تعني: خذ بيدي واوصلني الی الهدف بيسر أو: حقق املي سريعاً مثلاً وهكذا. بعد ذلك نواجه عبارة (واجمع شملي) وهي عبارة مألوفة كسابقتها من حيث الاستخدام اي: انها استعارة يتكثف استعمالها في الادعية، وتعني: من حيث التعبير الحقيقي: جمع ما تفرق اي: ان الشمل هو ما تفرق من الامر: اياً كان فاذا استخدمناه في الدعاء بعامة، حينئذ يأخذ دلالته الواسعة وهي: جمع ما تفرق من الامور التي يعني الشخص بها: كتفرق الاحبة مثلاً أو تشتت المشاكل التي تحيط بالشخص، فيكون الجمع لما تشتت من الذهن او الهم قبالة كثرة المشاكل: تعبيراً عن الحاجة الی رجوع الاشياء الی اصلها: كا لصحة أو الامن أو الغنی أو سائر الحاجات البشرية. اذن امكننا ان نتبين جملة من العبارات الواردة في مقطع الدعاء، سائلين الله تعالی ان يقضي حوائج المؤمنين جميعاً وان يقضي حاجاتنا، وان يوفقنا الی ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الی النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "اللهم صلی علی محمد وآل محمد واغفر ذنبي، ..." - 22 2010-07-05 00:00:00 2010-07-05 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6527 http://arabic.irib.ir/programs/item/6527 نواصل حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها أدعية الزهراء (عليها السلام) حيث حدثناك عن أحد أدعيتها، وقدمنا مقاطع متسلسلة منه، وانتهينا من ذلك الی مقطع جديد هو: (اللهم صلی علی محمد وآل محمد واغفر ذنبي، واستر عورتي، وآمن روعتي، واجبر معصيتي، واغن فقري، ...). هذا المقطع من الدعاء يتضمن جملة ظواهر تتصل بحاجات العبد حيث تتوسل الزهراء (عليها السلام) بالله تعالی بأن ينجزها لعباده، ومن ذلك ظاهرة (غفران الذنب) حيث لا تحتاج الی توضيح، ومنها عبارة (استر عورتي) وهي بدورها عبارة واضحة، الا انها قد تحتاج الی توضيح نحدثك عنه بهذا النحو: ان (ستر العورة) مصطلح استعاري، او رمزي حيث يرمز الی ستر كل ما هو عيب عند الشخصية سواء أكان العيب ظاهرة مرتبطة بالذنب، او مرتبطة بالعيوب الاجتماعية، بصفة ان المؤمن عزيز وان الاظهار لعيوبه يتنافي مع كرامة الايمان، وهذا في الدنيا والامر - بطبيعة الحال اشد اهمية اذا كان مرتبطاً بالحياة الآخرة، حيث ان عدم ستر العبد امام الملأ يظل من اشد الالام نفسياً كما هو واضح. اذن التوسل بالله تعالی بان يستر عوراتنا، يظل حاملاً مسوغاته المهمة بالنحو الذي اوضحناه. بعد ذلك نواجه عبارة (وآمن روعتي) فماذا نستلهم منها؟ ان (الروعة) لغوياً هي: الخوف او الفزع، وهذا يعني: ان العبارة المذكورة تهدف الی تحقيق الأمن او الامان بالنسبة الی العبد، سواء اكان الأمن دنيوياً او اخروياً. اما الأمن دنيوياً فانه من الأهمية بمكان، حيث ان علماء النفس طالما يجعلون الحاجة الی الأمن، اهم حاجة بشرية بعد الحاجة الی الحياة، حيث لا يمكن للشخصية بان تتذوق طعم الحياة اذا لم تكن آمنة من المخاطر المختلفة، فالشخصية اذا كانت مهددة بالقتل مثلاً او مهددة بهتك عرضها أو بسائر ما نحن فيه: تظل قلقة، خانقة، معطلة من العمل، لا تستطيع ممارسة وظائفها: كما هو واضح. واما اخروياً فان الامن من الخوف الأخروي يظل من الوضوح بمكان، ان العبد اشد ما يكون بحاجة الی ان يكون مطمئناً راضياً مرضياً في موقعه الأخروي، انه ينسحب عليه قوله تعالی: «يايها النفس المطمئنة ارجعي الی ربك راضية مرضية». اذن عبارة (آمن روعتي) لها خطورتها بالنحو الذي اوضحناه. بعد ذلك نواجه عبارة (واجبر معصيتي). فماذا نستلهم منها؟ المعصية او الذنب أو السيئة هي: ما يصدر من العبد من المخالفة لمبادئ الله تعالی واذا كانت العبارة الاولی من مقطع الدعاء تقول (اغفر ذنبي)، فان العبارة الاخيرة تقول: (اجبر معصيتي) ولذلك نتساءل: ما هو الفارق بين ان نتوسل بالله تعالی بان يغفر الذنب وبين ان يجبره؟ الجواب: ان الجبر معناه: جبر العظم بعد كسره اي التئامه او التحامه، فاذا قلنا (غفران الذنب) فمعناه: الستر علی العبد وعدم فضحه بالذنب، اما اذا قلنا: جبران المعصية فمعناه: جعلها ملتحمة او منجبرة بما لا يترتب عليها عقاب، وهذا يعني: ان العبد يتوسل بالله تعالی بان يجعل ما مارسه العبد من المعصية أمراً قد ذهبت تبعاته. ******* شرح فقرة: "الاستعاذه من البلية والفساد، ..." - 21 2010-07-03 00:00:00 2010-07-03 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6526 http://arabic.irib.ir/programs/item/6526 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة، ومنها ادعية الزهراء (عليها السلام) حيث حدثناك عن احد أدعيتها، وانتهينا من ذلك الی مقطع يتناول مجموعة من السمات الشاذة التي طالبت (عليها السلام) وتوسلت بان ينزع الله تعالی عن قارئ الدعاء أثرها مثل: الشك، العدوان، المكر، الخديعة، واخيراً: ثمة سمتان ختم بهما المقطع وهما: (البلية) و (الفساد)، فما هو المقصود منهما؟ بالنسبة الی (البلية)، فان الذهن يتداعي من هذه الكلمة الی مفهوم (الشدة) أو أية ظاهرة يبتلي بها الانسان بحيث تحتجزه عن القيام بممارساته اليومية: كالفقر الشديد أو الاهانة الاجتماعية، أو فقدان الامن. من هنا، فان التوسل بالله تعالی بان يبعد عنا هذه الشدة واما (الفساد) فان المقصود منه مطلق السلوك السلبي لدی الانسان: بخاصة ما يرتبط بالسلوك الاجتماعي، حيث ان الافساد في الارض يعني: ممارسة السلوك الشرير الذي ينعكس اثره علی الاخرين: كما هو واضح. والآن بعد ان لاحظنا ان الزهراء (عليها السلام)، توسلت بالله تعالی بان ينقذنا من مختلف انماط السلوك السلبي: سواء أكان متصلاً بالشذوذ أو الاضطراب أم النزعة العدوانية، نقول: بعد أن توسلت الزهراء (عليها السلام) بالله تعالی بان ينزع هذه السمات السلبية من نفوسنا، نجد انها (عليها السلام) تشير الی الجوارح التي يصدر السلوك عنها عادة: كالسمع والبصر، وسائر الجوارح، وهذا ما عبرت الزهراء (عليها السلام) عنه بالكلمات الأتية التي ختم بها مقطع الدعاء، وهي: (سمعي، بصري، وجميع جوارحي، وخذ بناصيتي الی ما تحب وترضی، يا أرحم الراحمين). والسؤال الآن هو: ماذا نستلهم من هذه الكلمات، وما تقترحه (عليها السلام) من البدائل؟ قلنا: ان جوارح الانسان هي التي تمارس السلوك السلبي او الايجابي: كالبصر حيث يستخدم الفاسق النظر الی ما حرم الله تعالی، او السمع الی ما حرمه الله تعالی من الغناء والغيبة والبهتان واما سائر الجوارح، فان الامر كذلك، فمثلاً ان جارحة (التذوق) من الممكن ان تتجه الی تناول المحرم من الاشياء: كالخمر أو الطعام غير المذكی، المهم: ان الزهراء (عليها السلام) حينما اكتفت بالاشارة الی السمع والبصر، فلانهما غالباً هما المصطلحان بالممارسات السلبية، بالقياس الی سائر الجوارح. اخيراً نجد الزهراء (عليها السلام) بعد ان تتوسل بالله تعالی بان ينزع عنا كل الانماط من السلوك السلبي، تعقب قائلة: (وخذ بناصيتي الی ما تحب وترضی، يا ارحم الراحمين). ان هذه العبارة الاخيرة (وخذ بناصيتي) تتضمن صورة فنية استعارية يحسن بنا لفت نظرك اليها حيث كان من الممكن ان تقول (عليها السلام): (ووفقني الی ما تحب وترضی) مثلاً لكنها قالت (خذ بناصيتي). ان الناصية هي مقدم الرأس او مقدم شعر الرأس، وعندما يجر الله تعالی الشخصية من ناصيتها فهذا يعني: انه يدفعها قهراً الی ما يريد تعالی، وهو: ما يحب ويرضی: كما عبرت الزهراء (عليها السلام) عن ذلك. اذن ما اشد جمالية وطرافة الصورة المذكورة، التي تكشف عن ان الزهراء تطلب من الله تعالی بان يجعلنا ممن يحب ويرضی علی نحو الارغام، وهو منتهی الحب والرأفة والشفاعة من الزهراء (عليها السلام). ******* شرح فقرة: "الاستعاذة من الضر والأسقام والخذلان، ..." - 20 2010-06-27 00:00:00 2010-06-27 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6477 http://arabic.irib.ir/programs/item/6477 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها ادعية الزهراء (عليها السلام) حيث حدثناك عن احد ادعيتها، وانتهينا الی مقطع يتناول سلوك الشخصية، حيث طالبت الزهراء (عليها السلام) متوسلة بالله تعالی ان ينزع عنا امراضاً من نحو العجب، الكبر، العدوان، الحسد، الرياء، الضعف النفسي، الوهن العصبي، الشك وهي سمات عصابية حدثناك عنها في لقاءات سابقة بعد ذلك طرحت الزهراء (عليها السلام) هذه السمات حيث توسلت بالله تعالی ان ينزعها عنا، وهما: الضُّرُّ، الاسقام، الخذلان، والمكر، والخديعة، والبلية، والفساد، ونبدأ فنحدثك عن سمة (الضُّرُّ). فماذا نستلهم منها؟ (الضُّرُّ) مصطلح يتناول مطلق الشدائد، اي: ما يسبب ضرراً علی الشخصية، ويلاحظ ان القرآن الكريم طالما يشير الی شدائد الانبياء (عليهم السلام) وما يعانونه من المصاعب، حيث عبر عنها بـ(الضُّرُّ) مثل «وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ» وعبر عنها بالكرب، مثل «فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ» الا ان الطابع الشخصي يظل اكثر تجاوباً مع دلالة الضُّرُّ، حيث ان «أَيُّوبَ» (عليه السلام) عاني من الامراض الفردية والاسرية: ومثل اخوة يوسف حيث عانوا ضرراً اقتصادياً، فقالوا ليوسف «مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ». المهم ان مانعتزم توضيحه هو ان (الضُّرُّ) مادام مرتبطاً بشدائد فردية اكثر منها رسالية حينئذ نجد ان الضُّرُّ هو: هاهنا شدة فردية، ويساعدنا علی ذلك هو قولها (عليها السلام) (والاسقام) حيث ان السقم لايحتاج الی توضيح والاهم من ذلك كله هو: ان نشير الی التجانس الدلالي بين مجموعة السمات التي عرضتها الزهراء (عليها السلام) حيث لاحظنا ان اوصافاً مثل: الحسد، البغي، الكبر تتصل بما هو عدواني، وان اوصافاً، مثل: الشك، والضعف، والوهن تتصل بما هو: اضطراب نفسي وهكذا. بعد ذلك نواجه مصطلح أو كلمة (الاسقام) وقد تمت الاشارة اليها، بينما نواجه معه ذلك مصطلح (الخذلان) وهي سمة تستحق الوقوف عندها بعض الشيء، فماذا نستلهم منها؟ اذا أخضعنا مصطلح (الخذلان) الی دلالاتها النفسية، حيث نستخلص بان الخذلان يساوي (الاحباط) بحسب المصطلح النفسي: اي عدم تحقق ما تصبو الشخصية اليه حيث ان الاحباط يتسبب في وقوع الشخصية نهباً للامراض النفسية، ولذلك توسلت الزهراء (عليها السلام) بان يجنبنا الله تعالی الخذلان. بعد ذلك نواجه مصطلحين هما: المكر والخديعة، وهما متجانسان كما هو واضح، حيث يعني الاولی الخديعة زائداً علی التواء في السلوك وفي تزيين الشر وهاتان الصفتان مرضيتان لا ترديد في ذلك، لان المكر هو: قناع او اسلوب يتخذه الشخص لتمرير نزعته العدوانية، ونزعته الذاتية ايضاً. اما النزعة الذاتية فلان الخادع والماكر يمارسهما حتی يحصل علی مكسب ذاتي: واما النزعة العدوانية فلانه يمارس اسلوباً حاقداً باغياً من اجل الحصول علی مكسبه الذاتي المذكور. اخيراً تختم الزهراء (عليها السلام) قائمة السلوك السلبي الذي توسلت بالله تعالی بان ينزعه عنا، بسمتين هما: البلية والفساد، وبما ان هذين المصطلحين ملفعان بشيء من الغموض ولذلك نؤجل الحديث عنهما الی لقاء لاحق ان شاء الله تعالی. ******* شرح فقرة: "الاستعاذة من الضعف والوهن والشك، ..." - 19 2010-06-23 00:00:00 2010-06-23 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6476 http://arabic.irib.ir/programs/item/6476 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة، ومنها ادعية الزهراء (عليها السلام)، حيث حدثناك عن احد أدعيتها عبر مقاطع متسلسلة، وانتهينا من ذلك الی مقطع ورد فيه: (اللهم أنزع العجب، والكبر، والبغي، والحسد)، ثم (والضعف والشك والوهن،...)، ان هذه المفردات تتضمن معالجة للامراض النفسية المعروفة: كالعدوان، والكبر، والعجب، والحسد، وقد حدثناك عنها سابقاً، اما الآن فنحدثك عن ثلاث مفردات من امراض النفس ايضاً، هما: الشك، والضعف، والوهن،... قد يتسآل قارئ الدعاء: ما هي علاقة الضعف وعلاقة الوهن بالمرض النفسي أو بالعصاب؟ ان (الشك) فحسب، هو المنتسب لأمراض النفس، اما الضعف والوهن فلا يطمئن القارئ الی السمة النفسية لهما. هذا هو سؤال القارئ للدعاء، ولكننا نجيبه علی النحو الآتي: بالنسبة الی (الشك) الذي يعني: عدم قدرة الشخصية علی اتخاذ القرار الحاسم، أو عدم ثقتها بالاخر، بحيث تشك في هذه الظاهرة او الشخص، وهذا النوع من السلوك طالما ينسبه علماء النفس أو يجدونه متسللاً في اكثر من مرض من امراض العصاب: كالقلق، والكآبة، والحصر، ويعنينا منه ما لاحظته الزهراء (عليها السلام) من هذه السمة حيث توسلت بالله تعالی - علی لسان القارئ للدعاء - بان ينزع الله تعالی الشك من الشخصية. ولا نحتاج الی كبير تأمل حتی ندرك في نطاق السلوك العبادي الی ان الشك قد يتسرب اذا اصبح سمة طاغية حتی علی الموقف العقائدي للشخصية كالشك في وجود الله تعالی أو الانبياء أو المبادئ الشرعية ولذلك فان التوسل بالله تعالی بان ينزع الشك من قراء الدعاء يظل حاملاً مسوغاته التي اشرنا اليها. يبقی الحديث عن كل من (الضعف) و (الوهن)، فما هي علاقتهما بالعصاب؟ يقرر المعنيون بالمبادئ الصحية بان الشخصية السوية هي من تمتلك قوة نفسية، وقدرة حاسمة علی ممارسة السلوك، فالضعف النفسي يحجز الشخصية عن السلوك المطلوب، انها تتحسس بالعجز عن بلوغ هدفها الذي تسعی اليه. كذلك الشخصية المتسمة بالوهن، والوهن هنا يقصد به (الوهن العصبي) الذي هو: تعبير عن فقدان الثقة، واتخاذ القرار، وحسم الموقف. ان الموهون عصبياً يتحسس بالتعب النفسي الذي يجعله مشلولاً لا قدرة له علی مقاومة شدائد الحياة، من هنا يتجانس مرض (الوهن) مع (الضعف النفسي) كما يتجانسان مع ظاهرة (الشك) الذي هو بدوره تعبير عن عدم ثقة الشخصية بذاتها. اذن المفردات الثلاث التي لاحظناها قبل قليل تظل متجانسة في دلالاتها وهو امر يكشف عن خطورة ما طرحته الزهراء (عليها السلام) من مفردات السلوك حيث توسلت بالله تعالی ان ينزع عنا - نحن القراء للادعية - هذه السمات العصابية. ******* شرح فقرة: "الضعف والشك والوهن، ..." - 18 2010-06-21 00:00:00 2010-06-21 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6472 http://arabic.irib.ir/programs/item/6472 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها ادعية الزهراء (عليها السلام)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة من احدها، وانتهينا الی مقطع ورد فيه الدعاء متناولاً ظواهر سلوكية تتصل بالعجب، والرياء، وبالكبر، والبغي، والحسد، حيث حدثناك عنها في لقاءات سابقة. اما الآن فنحدثك عن سائر ما ورد من انماط السلوك العصابي الذي توسلت الزهراء (عليها السلام) ان ينزعها من قارئ الدعاء، ومن ذلك ظاهرة (الضعف) وظاهرة (الشك) و (الوهن)، فيما نبدأ بالحديث عنها، ونتقدم اولاً الی سمة (الضعف). فماذا نستخلص منها؟ لقد وردت سمة (الضعف) في سياق امراض نفسية وهذا يعني ان (الضعف) في مقطع الدعاء: يقصد به (الضعف النفسي) نلفت نظرك الی سمة وردت في المقطع من الدعاء ايضاً وهي (الوهن). لذلك يجدر بنا ان نحدثك عن كليهما اي: طابع الضعف ثم طابع (الوهن) فيما نلاحظ تجانساً بينهما. لذلك نتساءل مالمقصود بالضعف وما المقصود بالوهن. قلنا ان المقصود من (الضعف) هو: الضعف النفسي، ويقصد به - كما نحتمل قوياً - الشخصية المهزوزة التي لا تملك ثقة بنفسها. يدلنا علی ذلك ان الطابع الذي يليها في مقطع الدعاء هو: (الشك) حيث سنوضح لك بان الشك هو في مقدمة أعراض الضعف النفسي، لانه لا ثقة للمريض بنفسه وحينئذ يشك في هذه الممارسة او الشيء ولا يملك يقيناً حيالها مادام ضعفه لا يسمح له باتخاذ القرار الحاسم. هذا من جانب. من جانب آخر يقرر علماء النفس ان (الشك) عرض مرضي يتسرب في جذور جملة انماط من الامراض النفسية كالقلق والتسلط القهري والوسوسة. والآن مادمنا قد حدثناك عن مفردتي (الضعف) و(الشك). يجدر بنا ان نحدثك عن الظاهرة العصابية الثالثة وهي (الوهن). فماذا نستلهم منها؟ الجواب: ان علماء النفس المعنين بالامراض النفسية يشيرون الی احد امراض النفس ويطلقون عليه مصطلح (الوهن العصبي) وهو يختلف عن الضعف النفسي من حيث كونه يعني: التعب النفسي أو الارهاق العصبي ونحوهما مما يحجز المريض من ممارسة سلوكه الاعتيادي حيث لا يتحمل عبئ المسؤوليات المتنوعة. بعد ذلك نواجه مصطلحات من نحو: (الضر، والاسقام، والخذلان والمكر والخديعة والبلية والفساد)، هذه الانماط أو الظواهر تظل متنوعة من حيث انتسابها الی هذا المرض النفسي او ذاك، ولكنها جميعاً الا البعض منها قد يسلم من الحالة النفسية الی الحالة الجسمية كمفردة (الاسقام) التي قد تنسحب علی ما هو سقم جسدي او نفسي، علی نحو ما سنحدثك عن ذلك في لقاءات لاحقة ان شاء الله تعالی. ******* شرح فقرة: "اللهم انزع عنا الحسد، ..." - 17 2010-06-19 00:00:00 2010-06-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6419 http://arabic.irib.ir/programs/item/6419 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة، ومنها ادعية الزهراء (عليها السلام)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة من احد ادعيتها، وانتهينا من ذلك الی مقطع يتناول السلوك العصابي، حيث توسلت الزهراء (عليها السلام) بالله تعالی بأن ينزع تعالی عن شخصية قارئ الدعاء كل ما يتصل بالسلوك المرضي ومنه: (العجب، والرياء، والكبر، والبغي، ...) (وهي سمات حدثناك عنها) وكذلك ذكرت الانماط الاتية وهي: الحسد والضعف، والشك. والان نحدثك عن (الحسد) ونتساءل في هذا السياق قائلين: ماذا نستخلص او نستلهم من هذه المفردة من السلوك الشاذ؟ ان الزهراء (عليها السلام) وسائر المعصومين (عليهم السلام) حينما يعرضون هذه الظواهر في نصوص متنوعة أنما يكشفون عن حرص الشريعة الاسلامية في معالجتها لكل السلوك سواء أكان متصلاً بالتعامل الايجابي حيث يحثوننا عليه، أو التعامل السلبي حيث يحذروننا منه، وفي مقدمة ذلك ظاهرة (الحسد) فيما نلاحظ تحذيرات كثيرة حيال الظاهرة المذكورة، بل نجد تفصيلاً في الحديث عن ذلك. ولعل اول الحديث عن ذلك، نجد اشارات تقرر بان (الحسد) من حيث جذوره قد لا يخلو منه احد ولكن المحذور منه هو: استعماله، اي: ترتيب الاثر عليه حيال الاخر، وهذا ما يحتاج الی شيء من التوضيح. لنفرض ان احداً من الاشخاص (حسد) شخصاً آخر في موقع اجتماعي حظي به هذا الشخص حينئذ فان الحاسد اما ان يضمر هذا الاحساس في داخله، واما ان يرتب عليه اثراً من الاثار التي تضر الشخص المحسود: كما لو سعی - علی سبيل المثال - علی من بيدهم أزمة الامور - في تشويه سمعة المحسود، مثل عدم كفاءته او عدم تدينه أو عدم اخلاقه الخ بحيث لا يكف عن ذلك حتی يسمع بابعاد هذا الشخص عن موقعه الاجتماعي الذي حسده الحاسد عليه. ومن الواضح ان الحسد - كما يعرفه الكثير من المعنين بالسلوك الانساني - هو: ازالة النعمة التي يحصل عليها الشخص المحسود وحينئذ لا يهدء باله، اي - الحاسد- حتی يجد ان النعمة التي يتمتع بها المحسود قد زالت اي: ابعد المحسود عن ذلك الموقع الاجتماعي. والآن لنلاحظ التحذيرات الشرعية لمثل هذا الشخص الحاسد. فماذا نجد؟ النصوص الشرعية تقول بما مؤداه ان الحاسد هو صاد او مضاد أو متعرض او معترض لما قسمه الله تعالی للشخص المحسود، بمعنی ان الشخص الذي حصل علی موقع اجتماعي او رزق واسع او علم أو أية نعمة اخری انما هو قسمة قسمها الله تعالی لهذا العبد حيث ان الله تعالی هو العالم بمصالح العباد، حيث يوسع رزق هذا الشخص ويقتر بالنسبة الی آخر بحسب معرفته تعالی بما هو صالح الشخصية ولذلك فان الحاسد عندما يحسد: انما يعترض علی الله تعالی وهذا السلوك هو قمة الانحراف بحيث يتبرأ الله تعالی من امثلة هذا الحاسد. والآن مع معرفتنا بهذه الظاهرة بالنحو الذي المحنا اليها، نحاول مواصلة الحديث عنها لاحقاً ان شاء الله تعالی. ******* شرح فقرة: "اللهم انزع الكبر والبغي، ..." - 16 2010-06-14 00:00:00 2010-06-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6418 http://arabic.irib.ir/programs/item/6418 نتابع حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها ادعية الزهراء (عليها السلام) حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منها، ونحدثك الآن عن دعائها في تعقيب صلاة العصر، وقد ورد فيه: (اللهم انزع العجب، والرياء، والكبر، والبغي، ...)، هذا المقطع من الدعاء خاص بما يمكن تسميته بالعلاج النفسي لامراض الكبرياء والعدوان والرياء. أن الزهراء (عليها السلام) تتوسل بالله تعالی (علی السنتنا) بان ينزع عنا العجب والرياء (وهما سلوكان حدثناك عنهما في لقاء سابق). اما الآن فنلاحظ ان مقطع الدعاء يتناول مفردات أخری من السلوك العصابي أو المرضي وهي مفردة الكبر، ومفردة العدوان والحسد ونحدثك الآن عن الاولی منها وهي: (الكبر). فماذا نستلهم من ذلك؟ قال الامام الصادق (عليه السلام): (لا يتكبر المتكبر الالذلة يجدها في نفسه)، ان هذا التقرير العيادي او النفسي يفصح لنا عن معرفة المعصومين (عليهم السلام) بكل الانماط المتصلة بالسلوك الفردي والاجتماعي مما يكشف عن الالهام الالهي لهم، وقد انتبه في عصورنا الحديثة بعض المعنين بعلم النفس، ومنه: علم النفس العيادي بخاصة مايسمی بعلم النفس المرضي اي ما يعالج الامراض النفسية ومنها (الكبر) حيث فسروه بانه قناع أو احد اليات الدفاع المرضي الذي يتسترون به للتخفيف عن المرض الذي يعانون منه وهو (الاحساس بالنقص) حيث يحاول المريض ان يحتمي من الاحساس المرير بهذا النقص فيلجأ الی اسلوب مضاد هو (الكبر) حتی يعوض به احساسه بالدونية، بصفة ان التكبر هو: سلوك متعال تحاول الشخصية بان تبدو متكبرة علی الاخرين: تصوراً منها بان هذا التعالي يعوض عن التداني او الذل الذي تحس به الشخصية: كما عبر الامام الصادق (عليه السلام) وفي تصورنا ان تشخيص الامام الصادق (عليه السلام) لجذر المرض (التكبر) بانه تعويض عن الاحساس بالذل هو اكثر ثراءً وتخصصاً من غيره لان الاحساس بالنقص له مستويات وانماط معينة، ويجيء الاحساس بالذل ابرز مصاديقه ومن ثم ينعكس علی سلوك الشخصية في احساس بالكبر اي: التكبر علی الاخرين، متوسلة بآلية الدفاع المذكورة. بعد ذلك تواجهنا مفردة (البغي) والبغي هو: الظلم او النزعة العدوانية، وهي بدورها سمة مرضية حادة، حتی ان بعض علماء النفس فسروا السلوك البشري في احد شطريه بانه نزعة الی العدوان ولكننا اسلامياً لا نقر بشطريته بقدر ما يعني: طغيانها - اي النزعة العدوانية - لدی الشخصية الخاضعة لظروف خاصة قد يكون الاحساس مثلاً باصطيادها يدفعها الی التجاوز علی الاخرين والتلذذ بعدائها علی الاخرين حتی تعوض بدورها عن الاضطهاد الذي لحقها وسبّب لها هذا المرض. المهم مهما كان الجذر المرضي فان المطلوب اسلامياً هو: تسليط الوعي العيادي علی مطلق السلوك، ومحاولة الالتزام بمبادئ الشرع حيث تتكفل المبادئ بصياغة الشخصية السوية دون ادنی شك. ختاماً (نواصل حديثنا عن مقطع الدعاء المذكور) ومتابعة مفردات السلوك الذي عرضته عليها السلام لاحقاً ان شاء الله تعالی. ******* شرح فقرة: "اللهم إنزع العجب والرياء، ..." - 15 2010-06-12 00:00:00 2010-06-12 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6417 http://arabic.irib.ir/programs/item/6417 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها ادعية الزهراء (عليها السلام) حيث حدثناك عن أحدها الخاص بتعقيب صلاة العصر، ونحدثك الان عن مقطع جديد، بدأ علی النحو الآتي: (اللهم انزع العجب، والرياء، والكبر، والبغي، والحسد، والضعف والشك، ...). هذا المقطع من الدعاء يتناول ظواهر من السلوك، حيث يتوسل الدعاء بالله تعالی ان ينزع عن قارئ الدعاء انماطاً من السلوك السلبي، او ما يطلق عليه مصطلح (السلوك العصابي)، اي: الشاذ مقابل السلوك الصحي أو السوي ومما لا ترديد فيه ان الادعية الصادرة عن المعصومين (عليهم السلام) لا تتناول ما هو العبادي من السلوك فحسب، بل تتناول الظواهر التي ترتبط بالسلوك الانساني العام وهو سلوك ينشطر في التصنيفات العلمائية الی نمطين رئيسين هما: السلوك السوي ويقابله السلوك الشاذ او المرضي وهذا الاخير اي السلوك الشاذ ينشطر الی قسمين احدهما: السلوك العصابي، والاخر: السلوك الذهاني، اي: ما يرتبط باعراض الجنون. والمهم الان ان الزهراء (عليها السلام) عرضت لنا مجموعة من السلوك العصابي، وسألت الله تعالی ان ينزع عنا هذا النمط من السلوك وقبل ان نحدثك عن مفردات السلوك العصابي نذكرك بان الاسلام يختلف عن غيره من المدارس العلمانية بانه لا يفرق بين جذر المرض العصابي بين ماهو عصابي في نظر العلمانية وبين ما هو معصية في نظر الاسلام، اي: ان المعصية والامراض العصابية تنتسب الی جذر واحد هو: المرض النفسي كالغيبة مثلاً حيث هي تعبير عن نزعة عدوانية في التصور الاسلامي، حيث ان التصور العلماني يقر بان النزعة العدوانية هي مرض نفسي والآن بعد هذه المقدمة نتجه الی دعاء الزهراء (عليها السلام) في مقطع الدعاء الذي ذكرت فيه سلسلة من الامراض، وتوسلت بالله تعالی بان يشفينا منها، واولها (العجب ). فماذا نستلهم من هذه السمة العصابية؟ قال الامام علي (عليه السلام): (العجب يمنع من الازدياد) كما المح بان اعجاب المرء بنفسه يدل علی هزال عقله. ان اشارة الامام (عليه السلام) الی العجب يقتادنا الی البحث عن جذره وهو ما يفصح عن الاحساس بالنقص لدی الشخصية وما اشاره الامام علي (علیه السلام) الی ضعف العقل الا عبارة عن التلميح الی ضعف النفس لان النفس تعكس اثرها علی عقل المرء، وكذلك اشارته الی ان العجب يمنع من الازدياد انما يؤشر علی آثاره، ولعل اوضح الآثار هو: ان العجب بنفسه يخيل اليه كمال نفسه، فلا يسعی الی تطويرها ولا يلتفت الی عيوبها فيظل علی ما هو عليه من الضعف النفسي والعقلي بالاضافة الی مرضه النفسي الناجم عن الاحساس بالنقص حيث يعوض هذا الاحساس بالدونية باحساس مضاد هو الفوقية، فيعجب بنفسه ليتستر علی النقص المذكور. بعد ذلك نواجه مفردة او سمة (الرياء)، فماذا نستلهم منها؟ الرياء سلوك مضاد لما هو عبادي اي: لما هو سلوك موضوعي يعمل من اجل الله تعالی فحسب، حيث ان العامل لله تعالی يجسد قمة السلوك السوي وذلك لسبب واضح هو: عدم انعكاس اي ذاتية علی تصوراته حيال نفسه، لذلك نجده يعمل من اجل الله تعالی ويمسح ذاته (اناه) ويعمل بشكل موضوعي لا اثر له من العيوب النفسية. بالمقابل نجد (الرياء) تجسيداً لقمة السلوك الذاتي الذي لا يعنی الا باشباع ذاته المريضة، فيلجأ الی الرياء لينتزع من الناس اعجابهم به وسنحدثك عن المزيد من هذا الجانب في مناسبات لاحقة ان شاء الله تعالی. ******* شرح فقرة: "هوّن عليّ ما خشيت شدته، ..." - 14 2010-06-09 00:00:00 2010-06-09 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6416 http://arabic.irib.ir/programs/item/6416 لازلنا نحدثك عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء الزهراء (عليها السلام) الوارد في تعقيبات الصلاة، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (وهون علي ما خشيت شدته، واكشف عني ما خشيت كربته، ويسر لي ما خشيت عسرته آمين رب العالمين). هذا المقطع من الدعاء امتداد لمقاطع سابقة تتحدث بهذه الاساليب من التوجه الی الله تعالی، وبهذه الدلالات ايضاً حتی انه ترد فقرة وهي: (يسر لي ما خفت عسرته) في المقطع الذي لاحظناه الآن، حيث يتداعي بذهننا الی مقطع سابق يتضمن الدلالة ذاتها وهو (وما خفت عسرته من الامور فيسره)، حيث ان الفارق بين هاتين العبارتين هو: تقديم طلب اليسر علی الشدة في العبارة الحالية اما الواردة في المقطع الاسبق علی عكس ذلك حيث وردت هكذا (وما خفت عسرته فيسره). لكن نلفت نظر قاريء الدعاء الی انه بالرغم من التماثل التام بين الدلالتين الاان للتقديم والتأخير له نكتته البلاغية وهذا مما يضفي علی كلام الزهراء (عليها السلام) مزيداً من الأهمية. كيف ذلك؟ مما لا ترديد فيه ان حالات الانسان تتفاوت من حين الی آخر، فقد يتحدث وهو غارق في الشدة، وقد يتحدث وهو آمل في التفريج عنها، وقد يتحدث وهو متأرجح بين الحالتين وفي تصورنا ان الزهراء (عليها السلام) حينما حدثنا في المقطع الاسبق بقولها: (وما خفت عسرته فيسره) انما عبرت عن حالة القارئ وهو غارق في شدة يعاني منها، ولذلك لا يهمه الا تقديم حالته المقترنة بالشدة، وبالعكس حينما تتضاءل الشدة وتقترن في المستقبل بالخوف منها عندئذ تنعكس العبارة فتقول: (وهون علي ما اخاف شدته) وهو تعبير عن حالة ثانية لقارئ الدعاء، صاغته الزهراء (عليها السلام) بهذا النمط لكن يتضمن الدعاء مختلف حالات قارئه: كما اوضحناه. ونتجه الی العبارتين الآخريين في المقطع الجديد لنلاحظ الی حد ما تماثلاً ايضاً بين فقرات سابقة وردت بنفس الصياغة ولنقرأ: (وهون علي ما خشيت شدته، واكشف عني ما خشيت كربته). تری ما هو الفارق بين الشدة وبين الكربة؟ الجواب: الشدة هي مصطلح عام وشامل ومطلق، اي: قد تكون الشدة حادة او متوسطة أو خفيفة بينما الكرب هو احد انماط الشدة، مقابل (الغم) و (الهم) وقد يتمثل من شدة كبيرة كشدائد الانبياء (عليهم السلام) حيال مجتماعتهم، حيث تشير النصوص القرانية الكريمة الی هذه الدلالة حينما تخاطب كل نبي بالعبارة الآتية: «وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ» والمهم هو: ان الكرب يرتبط غالباً بالشدة المقترنة مع ثقل القيد مثل كرب ايوب (عليه السلام) حيث ثقل عليه المرض الی درجة ان الاخرين انفضوا من حوله، بينما مصطلح (الشدة) و (العسرة) يتفاوتان عن الكرب بان الشدة كما اشرنا هي مطلق ما يعانيه الانسان من الاذی، بمعنی أنّ العسر هو: حالة خاصة تنصل بصعوبة الحل، ولذلك يرد التعبير عنها (يسر لي)، اي: تيسير الصعوبة المذكورة، بينما عبارة الشدة (كما كررنا) تعني مطلق المعاناة حيث جاءت عبارة (هون) متجانسة مع مطلق الانفراج عند الشدة بغض النظر عن درجة ذلك. بعد ذلك نواجه مقطعاً جديداً ولكنه لا يتحدث عن الشدائد بل عن الحالات النفسية مثل: التكبر، والعجب، والحسد (مما سنحدثك عن ذلك لاحقاً ان شاء الله تعالی). ******* شرح فقرة: "فأسألك بفقري اليك وغناك عني، ..." - 13 2010-06-03 00:00:00 2010-06-03 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6415 http://arabic.irib.ir/programs/item/6415 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها أدعية الزهراء (عليها السلام) حيث حدثناك عن أحد أدعيتها، ونحدثك الآن عن احد مقاطع الدعاء الذي ورد فيه: (فأسألك بفقري اليك وغناك عني، وبقدرتك علي وقلة امتناعي منك، ان تجعل دعائي هذا دعاءً وافق منك اجابة ً، ومجلسي هذا مجلساً وافق منك رحمة، وطلبتي هذه وافقت نجاحاً، ...). هذا المقطع من الدعاء هو امتداد لسابقه الذي ورد فيه ان قارئ الدعاء فقير الی رحمته تعالی، وانه تعالی غني عن عذاب العبد، ولذلك اردف الدعاء قائلاً: (فأسألك بفقري اليك وغناك عني، ...). اذن المقطع في شطره الاول هو امتداد أو مترتب علی سابقه، حيث يطلب من الله تعالی مادام العبد فقيراً اليه ومادام الله تعالی غنياً عن العبد: حينئذ فان العبد يطلب من الله تعالی ان يجعل دعاء العبد مقترناً بالاجابة، ومجلس العبد مقترناً بالرحمة، وطلبة العبد مقترنة بالنجاح. اذن ثمة ترابط عضوي جميل بين اجزاء الدعاء: كما لاحظنا وهو مما يضفي جمالية علی دعاء الزهراء (عليه السلام)، الا ان ثمة فقرة وهي الاخيرة من المقطع وردت وكأنها تكرار في سياق المقطع وهي: (وطلبتي هذه وافقت نجاحاً) حيث يتساءل القارئ للدعاء: اليست عبارة دعائي هذا وافق منك اجابة مع العبارة السابقة يتماثلان في التوسل بالله تعالی بأن يستجيب لدعاء العبد؟ هنا لامناص لنا من التكرار، بان التكرار للدلالات مع تغيير للعبارات لا يعني تماثلهما بقدر ما يعني في النصوص الشرعية خضوعهما لنكات فنية اي ثمة فوارق دقيقة جداً بين العبارتين المتكررتين ظاهراً، بعبارة (أسألك) تختلف عن عبارة (اطلب منك) ولكنهما متشابهتان في الدلالة وليسا شيئاً واحداً، فالطلب هو: تقديم السؤال، واما الدعاء فهو مطلق ما يؤيده قارئ الدعاء، ولذلك عندما قالت الزهراء (علیه السلام) (اجعل دعائي وافق منك اجابة) فانها تعني: اجعل ما اطلبه منك مقترناً بالاجابة ثم انها (عليه السلام) قالت: (اجعل طلبتي وافقت منك نجاحاً)، فانها تعني: اجعل الاجابة مقترنة بالنجاح وليس مطلق الاجابة التي تتفاوت درجة نجاحها كما هو واضح وبتعبير اكثر وضوحاً ان الفقرة الثانية هي تعبير عن التطلع الی اعلی درجة الاستجابة اما الاولی فهي مجملة، وجاءت الثانية مفصلة بالنحو الذي اوضحناه. بعد ذلك نواجه مقطعاً جديداً يبدأ علی النحو الآتي: (وما خفت عسره من الامور فيسره، وما خفت عجزه من الاشياء فوسعه، ومن ارادني بسوء من الخلائق كلهم فاغلبه، آمين يا ارحم الراحمين،...)، هذا المقطع من الدعاء يتناول حاجات جديدة غير سابقتها التي تحدثت عن المغفرة، انه يتناول اموراً دنيوية او حتی اخروية ترتبط بالشدة التي يطلب قارئ الدعاء ان يكشفها الله تعالی عنه والشدائد التي اشار المقطع اليها هي مطلق ما يخاف تعسيره، ومطلق ما يعجز عن انجازه، ومطلق من يريد بصاحب الدعاء سوءً، حيث توسل بالله تعالی بأن ييسر ما يخاف تعسيره ويوسع ما يخاف العجز عن انجازه، ويغلبه علی من اراد به سوء من الخلائق كلهم. اذن المقطع يتناول اموراً يخاف الداعي عسرتها، وعدم قدرته علی انجاز حاجاته، كما يتناول حاجة لها اهميتها في تحقيق الامن (بصفته من اهم الدوافع البشرية الحاحاً) وفي مقدمة ما يعتبره علماء النفس من هرم الحاجات البشرية، حيث ان فقدان الأمن لا يمكن ان يحقق للانسان ما يتطلع اليه من ممارسة عمله العبادي في شتی مستوياته الدنيوية والاخروية. اذن امكننا ان نتبين - ولو عابراً - ما ورد في مقطع الدعاء، سائلين الله تعالی ان يوفر لنا المناخ الآمن، وييسر ما نخاف عسره، ويوسع ما نخاف عدم انجازه، ومن ثم نسأله ان يوفقنا الی ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الی النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "أنت الرب الجواد بالمغفرة، ..." - 12 2010-06-02 00:00:00 2010-06-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6413 http://arabic.irib.ir/programs/item/6413 نواصل حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها ادعية الزهراء (عليها السلام(، حيث حدثناك عن احد أدعيتها الخاص بتعقيبات صلاة العصر، وانتهينا من ذلك الی مقطع ورد فيه: (انت الرب الجواد بالمغفرة، تجد من تعذب غيري، ولا أجد من يغفر لي غيرك، وانت غني عن عذابي، وانا فقير الی رحمتك، ...). هذا المقطع من الدعاء امتداد لسابقه الذي ورد فيه: (سالتك لفقر وحاجة) وقد قلنا في حينه ان الفقر والحاجة وسواهما من المصطلحات الواردة في المقطع الاسبق من الممكن ان تكون مادية او معنوية أو كلتيهما، وهنا نجد ان الفقرات التي لاحظناها الآن أي (انت الرب الجواد بالمغفرة) تشير الی امكانية الدلالة المعنوية لمصطلح الفقر والحاجة تبعاً لقوله تعالی: «أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ» والمهم الآن هو ملاحظة النكات الدلالية التي يتضمنها مقطع الدعاء. العبارة الاولی تقول: (انت الرب الجواد بالمغفرة). تری: ماذا نستخلص من العبارة مع انها من الوضوح بمكان؟ النكتة هنا هي: ان الزهراء (عليه السلام) استخدمت مصطلح (الرب الجواد) دون غيره من المصطلحات الدالة علی العطاء: كالسخاء والكرم، سر ذلك، ان اللغويين يفرقون بين الجود وبين سواه بان الجود هو العطاء من غير سؤال، اي: ان الله تعالی يهب عطاياه لعباده من دون سؤال ايضاً ولا يقتصر عطاؤه علی من يسال. طبيعياً ان لكل موقف سياقاً خاصاً اي: ان الله تعالی - من جانب - يطالبنا بان ندعو ونسال ونلح في المسالة منه تعالی، ومن جانب آخر لا يتعارض هذا مع اعطاء الله تعالی ما يدور في خلد الشخص وايضاً فيما لا يحتسب. اذن في سياق العبارة المتقدمة، تشير الزهراء (عليه السلام) الی انه تعالی جواد يهب لعباده من العطاء حتی بدون السؤال وهو منتهی الرحمة وسعتها: كما هو واضح. هنا نلفت نظرك الی ما قررناه الآن عبر العبارة الاخيرة من الفقرة وهي: (الجواد بالمغفرة)، اي: ان المغفرة من الله تعالی تتم حتی من دون سؤال. بعد ذلك نواجه عبارة (تجد من تعذب غيري ، ولا أجد من يغفر لي غيرك)، هذه الفقرة من الدعاء تنطوي علی جملة نكات دلالية في غاية الاهمية وفي مقدمة ذلك هو: التقابل بين الواجدين: الله تعالی والعبد، فالله تعالی واجد غير هذا العبد القارئ للدعاء بالنسبة الی معافيته: كالكافر والفاسق المصر وسواهما، اما العبد فلايجد غير الله تعالی غافراً له، وهذا التقابل من الطرافة بمكان لانه لا ينطوي علی مجرد المقارنة بين الله تعالی والعبد من حيث قصور العبد قبالة عظمة الله تعالی بل - بالاضافة الی ذلك (وهذا هو مورد الطرافة) ان العبد لا يجد الا الله تعالی، بينما الله تعالی يجد غير عبده القارئ للدعاء، وهذا يعني: ان العبد لا حول ولا قوة له ولا خيرة له بل هو مضطر لان يترقب غفران الله تعالی، بينما الله تعالی يمتلك ما لا حدود له من الخيرة: كما هو واضح. بعد ذلك نواجه عبارة (وانت غني عن عذابي، وانا فقير الی رحمتك)، أن هذه الفقرة تبدوا وكأنها لا تختلف عن سابقتها القائلة: (تجد من تعذب غيري ولا أجد من يعفر لي غيرك)!! الا أن التأمل الدقيق يظهر لنا فارقاً طريفاً هو: غنی الله تعالی وفقر العبد، وقد سبق ان قلنا: أن العبد لا خيرة له غير الله تعالی، بينما الله لا حدود لقدراته، وهذا المعنی ذاته تقدمه الزهراء (علیها السلام) مشيرة الی ان العبد حينما يقول بانه لا يجد غير الله تعالی، وان الله تعالی يجد غير العبد القارئ للدعاء مع معاقبته، انما تؤكد جديدة من دلالات عظمة الله تعالی وتوحيده، الا وهو: غنی الله تعالی عن الاخرين، وفقر الاخرين الی الله تعالی. ******* شرح فقرة: "سألتك لفقر وحاجة، ..." - 11 2010-06-01 00:00:00 2010-06-01 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6412 http://arabic.irib.ir/programs/item/6412 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة، ومنها احد ادعية الزهراء (عليها السلام) حيث حدثناك عن ذلك في مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (سالتك لفقر وحاجة وذلة وضيقة وبؤس ومسكنة)، ان هذا النص او الفقرة من مقطع الدعاء يتضمن - كما نلاحظ ست حاجات متماثلة ومتجانسة ومتشابهة بخاصة في ظواهر مثل (فقر)، (حاجة)، (بؤس)، (ضيق)، (مسكنة) تتشابه الحاجات من حيث التكرار لمفهوم الفقر مثلاً وكذلك عبارة (ذلة) حيث يمكن درجها ضمن متطلبات الفقر ايضاً المهم الآن هو: ملاحظة الفوارق بين هذه الحاجات المتشابهة، حتی نتبين مدی دقة النصوص الشرعية في توجهها الی الله تعالی بحيث تتوسل به تعالی علی اشباع الحاجات في مختلف مستوياتها، سواء أكانت تتصل بشدة الفقر مثلاً أو متوسطه أو خفيفه او متصلة بما يواكب ذلك من ذلة أو ضيق. ونتجه اولاً الی سمة (الفقر) حيث وردت في النص اولاً عبر عبارة (سالتك لفقر). فماذا نستخلص من العبارة؟ الفقر هو: بنحوه المطلق: الحاجة الی الاشباع، بغض النظر عن شدته او وسطه او خفيفه، وهذا ما يتسق بلاغياً مع اولی الحاجات التي يطلب الدعاء من الله تعالی ان يشبعنا اياها، اي: ان ينقذنا من الفقر حيث نعرف تماماً بان الطلب حينما يبدأ بما هو مجمل يحسن بعده التفصيل لمستويات الحاجة المجملة التي هي: التخلص من الفقر وهذا كله اذا اخذنا الفقر بمعناه المادي. الاان ثمة استخلاصاً آخر من عبارة (الفقر)، هي: الفقير الی الله تعالی اي: الفقر المعنوي، بمعنی اننا - كما يقول القرآن الكريم - «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ» وحينئذ يمكننا ايضاً ان نفسر المصطلحات الاخری وفق الفقر المعنوي، ولكننا الآن سوف نقتنع بان الموضوع هو مادي بقرينة البؤس والمسكنة مثلاً حيث يعنيان مستويين من الفقر: كما سنوضح. بالنسبة الی المفردة الثانية من النص وهي (الحاجة) فان التأرجح بين المعنيين: المادي والمعنوي يأخذ مسوغاته ايضاً، حيث ان الحاجة الی الله تعالی قد تكون معنوية كتقوية الايمان به تعالی او مادية هي: الفقر او سواه من الحاجات. لكن عندما نتجه الی المصطلح الثالث وهو (الذلة) حينئذ تتصاعد احتمالاتنا للدلالة المعنوية لان المؤمن عزيز ولا يسمح لذل نفسه الا لله تعالی فحسب، من هنا، يمكننا ان نقرر بان عبارات (فقر، حاجة، ذلة) تحوم علی المعنيين كليهما: المادي والمعنوي. ونتجه الی المصطلح الرابع (الضيقة) وكذلك المصطلح الخامس (البؤس) والسادس (المسكنة) لنجد ان الاحتمال الذاهب الی الدلالة المادية هو الاقرب بصفة ان الضيق يقترن عادة بالحاجة المادية، وكذلك فان مصطلحي (البؤس والمسكنة) يتصلان بالحاجة المادية. اذن لنوضح البؤس والمسكنة والفارق بينهما: تشير النصوص اللغوية الی ان (البؤس) هو اقل درجة من (المسكنة) وفي ضوء هذه الفارقية نعود الی ادق الحاجات التي نتجه بها الی الله تعالی لانجازها حيث ان الشدة (كالفقر ونحوه) كما لاطاقة للانسان بتحمله في درجة متوسطة كذلك من باب اولی عدم تحمله في درجته العالية والمهم في الحالات جميعاً نكرر بان الحاجات الست التي عرضتها الزهراء (عليها السلام) سواء اكانت ذات طابع مادي او معنوي، وسواء أكان بعضها مادياً والاخر معنوياً ففي الحالات جميعاً ثمة ملاحظة في غاية الأهمية هي ان الله تعالی واسع الرحمة، واسع المغفرة، واسع الستر، حيث نتجه اليه تعالی في التوسل بانجاز حاجاتنا جميعاً: ان يوفقنا الی ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الی النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "وقد سعيت اليك في طلبتي، ..." - 10 2010-05-31 00:00:00 2010-05-31 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6405 http://arabic.irib.ir/programs/item/6405 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة، ومنها ادعية الزهراء (عليها السلام) حيث حدثناك عن أحد ادعيتها الخاص بتعقيب صلاة العصر، وانتهينا من ذلك الی احد مقاطع الدعاء المتجه الی الله تعالی بهذا السؤال (وقد سعيت اليك في طلبتي، وطلبت اليك في حاجتي، وتضرعت اليك في مسألتي، ...)، هذه الفقرات الثلاث من الدعاء تتضمن جملة نكات دلالية وبلاغية ولغوية يجدر بنا الالتفات اليها. السؤال الاول هو: مالفارق بين عبارة (سعيت) و (طلبت)، (وتضرعت)، يمكننا توضيح ذلك علی النحو الآتي: بالنسبة الی (سعيت) فانها من الوضوح بمكان، اي: ان قارئ الدعاء بذل جهداً من اجل تقديم طلب له، وهو: انجاز حاجته او حاجاته التي سالها في الدعاء واما عبارة (طلبت) فهو: السؤال بعد السعي، وهذا كمن يسعی في الذهاب الی المسجد او المرتد يطلب من الله تعالی حاجاته بفقد وصوله الی المكان المشار اليه، يتجه بصياغة الطلب من الله تعالی بان ينجز له حاجاته، واما المرحلة الثالثة بعد السعي والطلب، اي انك تطلب شيئاً ما ولكن اسلوب الطلب يتفاوت من صيغة الی اخری فقد تطلب حاجتك وانت في حالة عادية من الزاوية النفسية، وقد تطلب حاجتك وانت باكي، وقد تطلبها وانت خاضع متذلل، وهذا الخضوع والتذلل هو ومعنی (تضرعت). اذن ثمة فوارق بين الكلمات الثلاث، حيث ان اولاها يجسد السعي، والثانية تجسد الطلب، والثالثة تجسد نمط الطلب من حيث الزاوية النفسية التي تطبع سؤال القارئ للدعاء او الداعي: كما هو واضح. والان بعد ان عرفنا معنی (سعيت) و (طلبت) وتضرعت نتجه الی المعنی المترتب علی ذلك وهو: الحاجة التي يتوسل العبد الی الله تعالی بانجازها، حيث ان صياغة ذلك تتنوع ايضاً بحيث تتناسب مع العبارات الممهدة لها اي: تتجانس عبارة (سعيت) ، (طلبت) و(تضرعت) مع نمط الحاجة وهي (طلبتي) و(حاجتي) و(مسألتي) يتماثل مع بعضها الاخر، اي: العبارات جميعاً تحوم علی دلالة واحدة ولكن صياغة الكلمات - في الآن ذاته - تتم بنحو تتفاوت دلالاتها فيما بينها ايضاً اي: ثمة دلالات مشتركة هي (انجاز او اشباع لما يطمح اليه قارئ الدعاء، وهذا الاشباع المرجو تصوغه الزهراء (علیها السلام) مرة بعبارة (طلبتي) واخری بعبارة (حاجتي) وثالثة بعبارة (مسألتي) والمطلوب الآن هو ملاحظة الفارق بين العبارات المتقدمة بعدما اوضحنا التماثل الدلالي فيما بينها، اذن انتحدث عن الفوارق. ان عبارة (طلبتي)، تعني: تقديم كلام يتضمن ما يريد الداعي ان ينطق به، واما عبارة (حاجتي) فتعني - كما هو واضح - الانجاز او التحقيق او الاشباع لما يريده صاحب الطلب، ولنفرض انه: شفاء من المرض، حيث يبدأ المريض بتقديم طلبته، ثم تحديدها بالشفاء من المرض، ثم المرحلة الثالثة وهي: (المسألة)، اي: نمط الطلب الذي يستهدف انجاز ما يريده، هنا نتساءل مالفارق بين عبارة (طلبتي) وعبارة (مسألتي). الجواب: ان الطلب هو مجرد عرض لما يريده الداعي، واما المسألة فهي: النطق بها او تحديدها، حيث تحتل المرحلة التالية لاولاها، ثم تأتي المرحلة الثانية وهي (تحديد الطلب) متمثلاً في عبارة (حاجتي) اي: طلب شفاء الداعي من مرضه. اما المرحلة الثالثة: فهي ليس مجرد طلب الشفاء، بل اقترانه بالسؤال لله تعالی في تحقيق ذلك اذ انّ (المسألة) تتجانس مع ما لاحظناه في الفقرة السابقة، اي كلمة (تضرعت) فالتذلل او الخضوع قد اقترن بسؤال، وليس السؤال العادي. اذن امكننا ان نتبين الفوارق الدقيقة (مضافاً الی المعاني المشتركة) كعبارات (طلبتي)، (حاجتي) و(مسألتي) وكذلك عبارات (سعيت)، (طلبت) و(تضرعت) وهذا يكشف عن الدقة البلاغية في كلام الزهراء (عليها السلام). ******* شرح فقرة: "تعلم ما في نفس، ..." - 9 2010-05-30 00:00:00 2010-05-30 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6404 http://arabic.irib.ir/programs/item/6404 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها أدعية الزهراء (عليها السلام) حيث حدثناك عن احدها (وهو خاص بتعقيبات صلاة العصر)، حدثناك عن ذلك في لقاءات سابقة عبر مقاطع متسلسلة من الدعاء، ووقفنا عند احد مقاطع الدعاء وهو القائل عن احد مظاهر عظمة الله تعالی ونعني به: العلم المطلق له تعالی، ومنها: علمه بما عليه النفوس ومن ثم علمه تعالی بقارئ الدعاء حيث يقول النص: (تعلم ما في نفسي، ولا يخفی عليك شيء من أمري). ان هاتين الفقرتين تبدوان وكأنهما بمعنی واحد اي: ان قارئ الدعاء يقول مثلاً: مالفارق بين عبارة (تعلم ما في نفسي)، وعبارة (لا يخفی عليك شيء من امري). ان طرح مثل هذه الأسئلة يتسم بأهمية كبيرة، الا وهي: ان قارئ الدعاء يتعين عليه ان يعي ما يقرأ والا ما فائدة ان يسال من الله تعالی ما لا يعرفه من الكلمات التي ينطق بها، هذا من جانب، ومن جانب آخر، يتعين علينا ونحن نتلقی نصوصاً من المعصومين (عليهم السلام) ان نقر اولاً بعصمة الكلام الصادر عنهم اي: ان فاطمة الزهراء (عليه السلام) معصومة، وحينئذ فان كلامها معصوم ايضاً ولذلك فان النظرة الاولية والعابرة بالنسبة الی فقرتي: (تعلم ما في نفسي) و (لا يخفی عليك شيء من امري)، ينبغي الا نتسرع الی الحكم والتساؤل بقدر ما ينبغي ان نمعن النظر في ذلك حتی نكشف الاسرار البلاغية وراء الكلام المعصوم. من الواضح، بان عبارة (تعلم ما في نفسي)، تعني: ان الله تعالی يعلم ما يدور في خلد او نفس الشخصية من افكار وتساؤلات، انه تعالی يعلم السر وأخفی، يعلم العلن والسر وهذا ما ينسحب عليه كلامها (عليها السلام) (تعلم ما في نفسي)، وهي عبارة قرآنية نطق بها المسيح (عليه السلام) عندما سأله الله تعالی: «أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ» والمهم هذه العبارة تختلف عن العبارة الثانية التي اوردتها الزهراء (عليه السلام) وهي (لا يخفی عليك شيء من أمري). كيف ذلك؟ ان عبارة (تعلم ما في نفسي) تعني - كما اشرنا - الافكار والخواطر والنوايا بينما عبارة (لا يخفی عليك شيء من امري)، تعني: ما هو الاعم من الافكار والخواطر والنوايا، لتشمل مطلق ما عليه الشخصية من امور تتعلق بها. ان الامر قد يكون سؤالاً او مجموعة حاجات وقد يكون اموراً لا يعيها الشخص أو لا يلتفت الی ما ينتج خلالها من عواقب وأثار، أو حتی مطلق سلوك الشخصية، حيث نعرف تماماً ان الله تعالی وهو ذو الرحمة التي لا حدود لسعتها، يحقق حاجات للانسان قبل ان يسألها، ويرد عنه السوء دون ان يعلم الشخص بذلك، ويوفقه الی ممارسات لو يحتسبها، ولذلك ورد عنهم (عليهم السلام) بما معناه: كن لما لا ترجوه اكثر مما ترجوه، فان موسی (عليه السلام) ذهب ليطلب الدفأ لزوجته، واذا به يتسلم (النبوة) وهي اعلی موقع عبادي: كما هو واضح. اذن عبارة (لا يخفی عليك شيء من أمري)، هي اوسع واشمل واعم من عبارة (تعلم ما في نفسي) بالشكل الذي اوضحناه. بعد ذلك نواجه عبارة (وقد سعيت اليك في طلبتي، وطلبت اليك في حاجتي، وتضرعت اليك في مسألتي) ان هذه الفقرات الثلاث، تظل كسابقتها مثار تساؤل عن الفارق بين دلالاتها. فهناك اولاً مصطلح (طلبت) ومصطلح (سعيت) ومصطلح (تضرعت) وكلها تعبير عن السؤال لله تعالی. كما ان هناك مصطلح (طلبتي) ومصطلح (حاجتي) ومصطلح (مسألتي)، حيث ان القارئ العابد قد يخيل اليه ان (طلبت) و (سعيت) و (تضرعت): كلها بمعنی واحد، او يخيل اليه ان (طلبتي) و (حاجتي) و (مسألتي)، ايضاً بمعنی واحد، الا ان التدقيق في هذه المصطلحات تقتادنا الی القول بان لكل مصطلح دلالته المتفاوتة عن المصطلحات الاخرى كما انها - من جانب آخر - مشتركة في دلالاتها العامة، اي: ثمة دلالات مشتركة بين العبارات المتقدمة، وفي نفس الوقت ثمة دلالات متفاوتة بينها (علی نحو ما سنحدثك عنها في لقاء لاحق ان شاء الله تعالی). ******* شرح فقرة: "الحمد لله الذي احتجب عن كل مخلوق يراه بحقيقة الربوبية، ..." - 8 2010-05-29 00:00:00 2010-05-29 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6403 http://arabic.irib.ir/programs/item/6403 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها أدعية الزهراء (عليها السلام)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة من احد أدعيتها الذي يتناول تعقيب الصلاة وانتهينا الی مقطع جديد يبدأ علی النحو الآتي: (الحمد لله الذي احتجب عن كل مخلوق يراه بحقيقة الربوبية، وقدرة الوحدانية، فلم تدركه الابصار، ولم تحط به الاخبار، ولم يعينه مقدار، ولم يتوهمه اعتبار، ...). هذا المقطع - كما نلاحظ - يتناول الظاهرة التوحيدية من خلال التأكيد علی تنزيهه من الحدوث، واتسامه بالازلية، حيث طرح جملة من المظاهر التوحيدية للجانب المذكور، متمثلة في: احتجابه تعالی عن المخلوقات مع ملاحظة جملة مظاهر للاحتجاب المذكور منها: انه تعالی يعرف بربوبيته ووحدانيته، اي: بأنه تعالی هو مبدع الوجود ومالكه المسيطر عليه والمعبود من قبل خلقه متمثلاً في مفهوم الربوبية (كما ورد في الدعاء، كما ان (وحدانيته) تفصح عن مظاهرها التي تدرك بالفطرة وبمشاهدة ابداعه). اما الفقرة الثانية من مقطع الدعاء فتشير الی انه تعالی لم تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ، ولم تحط به الاخبار. وهذه الفقرة من المقطع لها وضوحها المتمثل في انه منزه عن الحدوث او الحس مما يعني: ان البصر لا يدركه - كما يعني ان الاخبار لا تحيط به: نظراً لان الاخبار لا يمكنها ان تقدم مظاهر ازلية لا حسية فيها بقدر ما تحوم علی تقديم سطور قاصرة عن التعريف: كما هو واضح. ونتجه الی الفقرة الثالثة، فماذا نجد؟ الفقرة الثالثة تتناول بدورها ظاهرتين كسابقتيهما، وهما: (لم يعينه مقدار)، (ولم يتوهمه اعتبار)، ان كلاً من المقدار او الاعتبار لا يمكن الركون اليه في التعريف بما هو منزه عن الحس من جانب، واحتجابه تعالی من جانب آخر. انه تعالی مادام مبدعاً غير حسي حينئذ لا معنی لتشخيصه من خلال الكم، كما لا يمكن ذلك من خلال الكيف حيث ان عبارة (لم يتوهمه اعتبار) تشير الی هذه الدلالة وبكلمة بديلة: ان كلمة (يتوهمه) تأتي في لسان النص الشرعي بمعنی (التخيل) اي اننا مهما استخدمنا اجنحة الخيال فلايمكننا البتة بأن ندرك حقيقته تعالی، مهما كانت الاعتبارات التي نتوكأ عليها من محاولة الادراك لذاته تعالی. بعد ذلك يواجهنا مقطع جديد يبدأ علی النحو الآتي: (اللهم تری مكاني، وتسمع كلامي، وتطلع علی امري وتعلم ما في نفسي، وليس يخفی عليك شيء من امري وتعلم مافي نفسي، وليس يخفی عليك شيء من امري)، هذه الفقرات هي القسم الاول من المقطع الجديد، وهي تتناول ظاهرة واحدة هي علم الله تعالی بشخصية عبده (قارئ الدعاء)، ولكن الملاحظ هو: ان الزهراء (عليه السلام) قد استخدمت خمس ظواهر متجانسة تحوم بأكملها علی العلم المذكور، كل ما في الامر ان كل ظاهرة لها حدها المجانس من جانب لباقي الظواهر، والمباين لها - من جانب آخر. كيف ذلك؟ العبارة الاولی تقول: (تری مكاني)، والثانية تقول: (تسمع كلامي)، والثالثة تقول: (تطلع علی امري) ومما لا ترديد فيه ان العلم بالمكان، والسمع للكلام يتناولان العلم بشخصية القارئ للدعاء من حيث مكانه (المصلی، المشهد، المرقد) ومن حيث كلامه (حيث يتوسل بالله تعالی في انجاز حاجاته العبادية او من حيث التمجيد لله تعالی)، ولكن العبارة الثالثة تجمل السؤال وتصوغه في عبارة (تطلع علی امري). اذن العلم بحاجة الشخصية هو الدلالة المستهدفة في الدعاء ولكن السؤال الان هو: اذا كانت عبارة (تطلع علی امري)، كاشفة عن علمه تعالی بحاجة الشخصية فلماذا نجد ان المقطع من الدعاء يضيف الی ذلك عبارتين تحملان الدلالة ذاتها وهي: (تعلم ما في نفسي وليس يخفی عليك شيء من امري) ونظراً لأهمية هذا السؤال (نجد من الافضل ان نؤجل الحديث عنه الی اللقاء لاحق ان شاء الله تعالی). ******* شرح فقرة: "الواضح البرهان، الرحيم الرحمن، ..." - 7 2010-05-25 00:00:00 2010-05-25 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6402 http://arabic.irib.ir/programs/item/6402 نحن الآن مع احد مقاطع الادعية، وهو دعاء الزهراء (عليها السلام)، حيث حدثناك عن بعض مقاطع الدعاء، ونحدثك الآن عن أحدها، حيث ينتهي المقطع بالاشارة الی هذه الظواهر أو مظاهر عظمة الله تعالی وهي ان الله تعالی هو: (الواضح البرهان، الرَّحِيمِ، الرَّحْمَنِ، المنعم المنان،...)، ان هذه المظاهر تتحدث عن عظمة الله تعالی في نطاقات متفاوتة، اولها هو: عبارة (الواضح البرهان) والسؤال هو: ماذا تعني العبارة اولاً؟ ثم ماذا نستلهم من دلالتها بالنسبة الی سلوك القارئ للدعاء، حيث نفترض دواماً ان قارئ الدعاء لا يكتفي بمجرد القراءة بل يستهدف تعديل سلوكه من مضمونات الدعاء ونكرر السؤال: ماذا تعني عبارة (الواضح البرهان)، وماذا نستلهم منها؟ في تصورنا ان الدلالة لعبارة (الواضح البرهان) واضحة ولكن الاستلهام منها يحتاج الی تعقيب فنقول: ان ظاهرة توحيده تعالی لا تحتاج الی تدليل بخاصة ان القرآن الكريم صرح بوضوح بان الله تعالی فطر الناس علی التوحيد، بالاضافة الی مامنحه من الادراك لما هو بديهي ونسبي من الامور، وفي مقدمة ذلك: قانون العلة، وحينئذ فان توحيده تعالی والتسليم بعظمته وهيمنته ورحمته يظل من البداهة بمكان، من هنا ندرك دلالة عبارة (الواضح البرهان)، بيد ان السؤال هو: ماذا نستلهم من العبارة؟ الجواب: مما لا ترديد فيه ايضاً ان التسليم بعظمته تعالی، مادام مقترناً بما هو نظري وواضح، حينئذ فان ادراكنا للحقيقة المتقدمة تجعلنا متواصلين مع الله تعالی من زاويتين، احداهما تعميق المعرفة بعظمته والاخری: الطمع برحمته، اي: نتوسل الی الله تعالی بانجاز حاجاتنا دنيوياً واخروياً. بعد ذلك نواجه عبارة «الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وهي عبارة لا تحتاج بدورها الی توضيح من حيث ارتكانها وارتباطها بالعبارة السابقة حيث قلنا ان عظمته ورحمته تحمل القارئ للدعاء علی الاستعانة به من جانب، وتعميق المعرفة به من جانب آخر وها هي عبارة الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تضطلع بهذه المهمة وهي: ان نتوسل برحمته التي لا حدود لها بالنسبة الی انجاز حاجاتنا وتعميق معرفتنا وتوحيده وتعظيمه. هنا ينبغي لفت الانتباه الی مفهوم الرحمة، حيث جاءت العبارة بمصطلحين هما: الرَّحِيمِ، الرَّحْمَنِ، حيث نعرف تماماً كما ورد في تفسيرهما ان الرَّحِيمِ هو من يرحمه تعالی من الخاصة، واما العامة فينسحب عليهم مصطلح ما يفيض به تعالی عليها تبعاً لما تتضمنه عبارة الرَّحْمَنِ من الدلالة علی الرحمة العامة. اخيراً نواجه عبارة (المنعم المنان) وهي عبارة امتدادية لسابقتها، حيث ان الرحمة هي عنوان شامل تندرج ضمنه مصاديق الرحمة المتنوعة من الشفقة والرفق والحنان والمنة والنعمة والاحسان والمعروف، وقد انتخب الدعاء من المصاديق المذكورة اثنين من مفهومات الرحمة هما: (المنعم) و (المنان). فماذا يعنيان؟ وماذا نستلهم منهما؟ ان النعمة هي: اللين، والطيبة، والسعة والرفاه واما المنة فهي: الانعام او ارسال النعمة من غير تعب يحصل لمن يعينه تعالی. اذن ثمة مستويان من الرحمة احدهما: هو تحقيق السعادة او الرفاهية مطلقاً والاخر تحقيقها من غير تعب يحصل لصاحبها، حيث ان الله تعالی يمن علی عبده بما لا يستحقه العبد، انه تعالی يعطيه من دون سؤال، ويوسع عليه الراحة من دون استحقاق وهذا هو منتهی الرحمة كما هو واضح. ******* شرح فقرة: "الشديد الاركان، العزيز السلطان، ..." - 6 2010-05-23 00:00:00 2010-05-23 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6401 http://arabic.irib.ir/programs/item/6401 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة، ومنها أحد ادعية الزهراء (عليها السلام(، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه عن مظاهر عظمة الله تعالی ما يأتي: (الشديد الاركان، العزيز السلطان، العظيم الشأن، الواضح البرهان، المنعم المنان،...)، بهذا ينتهي احد مقاطع الدعاء، حيث بدأ المقطع بعبارة (الحمد لله العلي المكان، والرفيع البنيان)، وقد حدثناك عن ذلك في لقاء سابق، الا ان ما نعتزم توضيحه الآن هو: ان هذا المقطع يخضع لبناء ايقاعي تنتهي فواصله بفاصلة موحدة هي الألف والنون مما يكشف ذلك عن خضوع المقطع لدلالة موحدة هي احد مظاهر عظمة الله تعالی. اذن لنتابع هذه المظاهر التي تتجانس دلالتها من جانب، وتستقل من جانب بمضامينها (الخاصة) والان الی عبارة (الشديد الاركان)، ثم (العزيز السلطان)، (العظيم الشأن) حيث تتجانس وتتفاوت العبارات علی نحو ما نوضحه. العبارة الاولی تقول (الشديد الاركان)، تری ماذا نستلهم منها؟ (الركن) هو: العز والمنعة والاقوی من سواه من الاشياء المرتبطة بالبناء المادي أو المعنوي وحينما نربط بين هذه العبارة الاستعارية وبين السابقة لها وهي (الرفيع البنيان) نلاحظ تجانسهما من حيث الاستعارة لكلمة (البنيان) وصلتها بعبارة (الاركان)، اي: ما هو اقوی، ما هو عز وما هو منعة. اذن الدلالة التي ترمز اليها عبارة (الشديد الاركان) تعني: ان الله تعالی ذو عزة ومنعة وقوة، تتسم بما هو شديد لا يرقی اليه اي موجود وهذه الصفة تتداعي بذهن قارئ الدعاء الی انه تعالی خير من يركن اليه في مختلف حاجاتنا، وهو عطاء فخم دون ادنی شك، يتعين علينا ان نثمنه ونعمق ايماننا بذلك وهذا بالنسبة الی عبارة (شديد الاركان) ولكن ماذا بالنسبة الی العبارة الاخری (العزيز السلطان)؟ من الواضح، عندما نثق بان الله تعالی خير من يركن اليه بصفة انه (شديد الاركان)، حينئذ فان عبارة (العزيز السلطان) تعني: توضيحاً للاركان المشار اليها، اي: ان العبد عندما يركن الی الله تعالی، انما يواجه سلطاناً مقروناً بالعزة والمنعة وهاتان الصفتان تنسحبان كما لاحظنا علی عبارة (الركن)، وحينئذ تجئ عبارة (العزيز السلطان) لتوضح لنا انه تعالی (السلطان)، اي: من يمتلك سلطة او هيمنته علی كل شيء، وبهذا نتوهج الدلالة التي يستخلصها قارئ الدعاء في ركونه الی الله تعالی. بعد ذلك نواجه عبارة (العظيم الشان). فماذا نستخلص منها؟ الجواب: مادام تعالی هو (السلطان العزيز) حينئذ فان الهيمنة التي يملكها الله تعالی تظل من العظمة بحيث توضح عبارة (العظيم الشأن) درجة هذه العظمة التي يتفرد بها تعالی وهي (الشأن) حيث ان الدلالة اللغوية لكلمة (الشأن)، تعني: ما عظم من الامور، وهذا ما ينسحب علی الله تعالی من حيث تفرده في العظمة المذكورة متمثلة في ما سبق هذه العبارة من اشارات الی بعض مفردات العظمة مثل: شديد الاركان، رفيع البنيان. اذن امكننا ان نتبين جانباً من العبارات المتقدمة علی ان نحدثك عن العبارات التي انتظمها مقطع الدعاء وهي عبارات: (الواضح البرهان)، (الرحيم الرحمان)، (المنعم المنان) نحدثك عنها لاحقاً ان شاء الله. ******* شرح فقرة: "الحمد لله العلي المكان، ..." - 5 2010-05-19 00:00:00 2010-05-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6364 http://arabic.irib.ir/programs/item/6364 نتابع حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها أدعية الزهراء (عليها السلام)، حيث حدثناك عن أحدها عبر مقاطع متسلسلة، ونحدثك الآن عن مقاطع جديدة منها، وهذا ما نلاحظه في النص الآتي: (الحمد لله العلي المكان، والرفيع البنيان، الشديد الأركان، العزيز السلطان، العظيم الشأن، ...). هذا المقطع من الدعاء يتناول احد مظاهر عظمته تعالی، من خلال عظمة الموقع المتفرد لجلالته، ونعني بذلك كل ما هو رفيع، وعال، وفخم، ان فقرات المقطع تتناول هذه المظاهر مع ملاحظة تجانس بعضها مع الآخر من جانب واستقلال الدلالة من جانب آخر، فقد بدء المقطع بالاشارة الی العلو فقال: (العلي المكان) واشار الی الرفعة فقال: (الرفيع البنيان) واشار الی مظاهر اخری متميزة عن سابقتها ولاحقتها، ولكن الملاحظ هو: اولاً: التجانس بين مظهرين يحدثنا عنهما النص، ثم عن مظهرين آخرين، وهكذا، وربما تتفاوت الاعداد الی اكثر من اثنين: كما سنلاحظ ذلك لاحقاً (ان شاء الله تعالی). اما الآن فنبدأ مع المظهرين الاولين، وهما: (الحمد لله العلي المكان، والرفيع البنيان). قبل ان نحدثك عن هذا الجانب، ينبغي لفت نظرك الی استهلال المقطع وهو عبارة (الحمد لله) وهذه العبارة من الخطورة بمكان، فهي اولاً: تستهدف لفت النظر الی ان مظاهر عظمته تعالی لابد وان تقترن بحمدنا لله تعالی، لانها مظاهر تصب في مصلحتنا: نحن عباد الله تعالی يستوي في من ذلك ان يكون المظهر مرتبطاً بعظمته تعالی في الابداع، أو العلو، أو الرحمة والان في ضوء الحقيقة المتقدمة نتساءل قائلين: ماذا تعني عبارة (عالي المكان)؟ الجواب: طبيعياً المقصود بالعلو هو: العلو المعنوي لانه تعالی منزه عن التجسيد: كما هو واضح. بيد ان الرمز او الاستعارة التي يستخدمها النص الشرعي قرآناً وسنة انما تستخدم بهدف تعميق المعنی فحسب، فالاشارة الی (المكان) هي رمز الی الموقع المعنوي، والاشارة الی (عالي) هي رمز الی العلو المعنوي، وبذلك تكون الدلالة علی هذا النحو: الحمد لله تعالی علی علو موقعه المعنوي، اي: المتفرد الذي لاعلو آخر يشاركه، ثم من جانب آخر فان العلو يعني: هيمنته تعالی علی الكون. اذن عندما نحمده تعالی علی هيمنته الكونية يتداعي ذهننا حينئذ الی ان موقعه في الهيمنة يعني: ليس العلو المنفصل عن صفاته تعالی الاخری بل العلو المرتبط بسائر صفاته، ومنها: الرحمة، ان قارئ الدعاء ينتقل ذهنه سريعاً من عظمته تعالی من حيث العلو الی رحمته تعالی من حيث عدم محدوديتها انها الرحمة المطلقة سائلين الله تعالی الا يحرمنا من المزيد منها. بعد ذلك نواجه عبارة (الرفيع البنيان)، تری ماهو الفارق بين رفعة البناء وبين علو البناء او بالاحری نجد ان النص يعبر عن العلو في المكان، والرفعة في البنيان، وهذا يعني ان ثمة فارقاً بين المكان وبين التبيان، ثم: بين العلو وبين الرفعة. اما الفارق بين البنيان وبين المكان فيتمثل في ان المكان هو المساحة الجغرافية، واما البنيان فالبناء الذي يقام علی المساحة المذكورة. أذن الفارق من الوضوح بما لا لبس فيه ولكن عندما نفرق بين العلو وبين الرفعة: حينئذ يتحدد المعنی بوضوح. كيف ذلك؟ من البين ان علو المكان يشير الی موقعه الجغرافي والقياس الی الاختلاف الموجود في الامكنة من حيث الاهمية الجغرافية وغيرها واما الرفعة فنعني: الارتفاع بالقياس الی ما هو منخفض من الابنية. اذن لو طبقنا الرمزين المذكورين المكان وعلوّه والبنيان ورفعته علی الدلالة المعنوية نصل الی حقيقة ان الله مُهَيْمِنُ علی الوجود من جانب وعظمة هذه الهيمنة من الجانب الآخر. اذن امكننا ان نتبين ولو عاجلاً النكات الكامنة وراء العبارتين المذكورتين، سائلين الله تعالی ان يجعلنا من الحامدين له وان يوفقنا الی ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الی النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "الحمد لله على حجته البالغة، ..." - 4 2010-05-18 00:00:00 2010-05-18 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6363 http://arabic.irib.ir/programs/item/6363 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها أدعية الزهراء (عليها السلام) حيث حدثناك عن احد أدعيتها، ونواصل حديثنا عن ذلك، وهذا ما نلحظه في العبارات الأتية: (والحمد لله علی حجته البالغة علی جميع من خلق ممن اطاعه وممن عصاه، فان رحم فمن منه، وان عاقب فبِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ، وما الله بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ). هذا المقطع من الدعاء يتناول ظاهرة (المهمة العبادية) التي او كلها تعالی للانسان ولسواه من المخلوقات وقد أشار المقطع الی هذه الدلالة الشاملة للمخلوقات جميعاً وليس الانسان وحده بعبارة (جميع من خلق) والمهم الآن هو: ملاحظة المقطع ونكاته. فماذا نستخلص منه؟ الاستخلاص الاول: من مقطع الدعاء هو: ان الله تعالی اوصل الی المخلوقات حجته، اي: المبادئ التي رسمها وأوكل الی العباد: العمل بموجبها، وذلك بممارسة الواجب والمندوب، وترك المحرم والمكروه. والاستخلاص الثاني هو: ما يترتب علی الالتزام بمبادئه تعالی أو عدم الالتزام، حيث شطر الدعاء الجزاء المترتب علی الالتزام وعدمه الی قسمين العفو أو العقاب، حيث يقول النص: (فان رحم فمن منه، وان عاتب فبما قدمت ايديهم، ...)، هنا يتعين علينا ان نقف عند هاذين الجزاءين: الرحمة والعقاب، حيث ينطويان علی جملة نكات. من ذلك الرحمة الالهية حيث قدمها الدعاء علی العقاب، وعبر عن ذلك بالمن، ان المن هو كل ما ينعم به علی المخلوق، وهذا يعني ان الله تعالی رحيم قبل كل شيء، وان يمن علی مخلوقاته بنعمة العفو عن ذنوبهم، وهو ما ينبغي لفت النظر اليه ولكن - في الآن ذاته - فان قارئ الدعاء عليه الا يهمل الجزاء الأخر الا وهو: العقاب، صحيح ان الله تعالی رحيم لا حدود لرحمته، وأنه يمن علی عباده، الا انه تعالی في الآن ذاته: له ان يعاقب المذنب، ومع هذين الاحتمالين، فان الوظيفة للمخلوق هي: أن يحيا بين ظاهرتي: الثواب والعقاب أو الرغبة والرهبة أو الامل ومقابله، وهذا ما المحت النصوص الشرعية اليه. بصفة ان الرغبة وحدها قد تدع المخلوق مستهيناً بمهمته العبادية، كما ان اليأس قد تدعه يكف عن مواصلة مهمته، وكلاهما ليسا من الاصابة بشيء. بعد ذلك نواجه مقطعاً جديداً يبدأ علی هذا النحو: (والحمد لله العلي المكان، والرفيع البنيان، الشديد الاركان، ...). هنا نلحظ بان المقطع الذي نتحدث عنه يتميز بايقاع موحد ينتهي بالفواصل الآتية: المكان، البنيان، الاركان، وعلينا - في هذا السياق - ان نشير اولاً الی ان الايقاع اثره الجمالي في عملية التلقي للنص، ولكن في الآن ذاته فان الايقاع الموحد (وهو فاصلة حرفي الالف والنون) له نكتته الدلالية وليس الجمالية وحدها، وهذا ما يميز النص الشرعي عن سواه. ان النص البشري قد يعتمد الجمال وحده، وقد يعتمد الدلالة وحدها، ومن النادر ان تتحقق المعادلة بينهما، بينما النص الشرعي يوظف الجمالية للدلالة اي: يجعل من الايقاع وسواه مجرد اداة لتعميق الدلالة: كما هو واضح. والان خارجاً عن جمالية الايقاع نتجه الی الدلالة. فماذا نلاحظ؟ نلاحظ جملة عبارات متتالية تتحدث عن مظاهر عظمته تعالی متمثلة في انه تعالی: العلي المكان، الرفيع البنيان، الشديد الاركان، والسؤال المهم هو: هل هذه الصفات او السمات أو المظاهر: رموز واشارات وأستعارات. ام انها تعبير عن الحقيقة المباشرة طبيعياً، ثمة تعبيرات صورية تنتسب الی الرمز كالنماذج المتقدمة، وثمة تعبيرات مباشرة مثل: الرحيم الرحمان، الواضح البرهان. اذن نحن الآن امام نمطين من التعبيرات المباشرة وغير المباشرة فكما ان قوله تعالی مثلاً في القرآن الكريم بانه «الْمُهَيْمِنُ» تعبير مباشر، ولكنه في عبارة «اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ» تعبير غير مباشر، وهما في دلالة مشتركة: كما هو واضح (والمهم ان نعطي التعبيرين نكاتهما، مما سنحدثك عن ذلك في لقاءات لاحقة ان شاء الله تعالی. ******* شرح فقرة: "الحمد لله الذي لم يجعلني لنعمه كافراً، ..." - 3 2010-05-16 00:00:00 2010-05-16 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6362 http://arabic.irib.ir/programs/item/6362 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة، ومنها أحد ادعية فاطمة الزهراء (عليها السلام)، حيث حدثناك عن فقراتها الاولی، ووقفنا عند عبارة (الحمد لله الذي لم يجعلني لأنعمه كافراً، ولا جاحداً لفضله)، وقلنا: ان هذه العبارة تتضمن دلالات متماثلة، ولابد من فارقية بين دلالاتها، مثل (النعمة) وافتراقها عن (الفضل) ومثل (الكفران) وافتراقه عن (الجحد). لذلك يتعين علی قارئ الدعاء ان يتبين هذه الفوارق حتی يصبح واعياً لما يقرأ من العبارات والا أصبح الدعاء مجرد نشاط لساني لا اثر له. لقد عبرت الزهراء (عليها السلام) عن السنتنا حينما قالت (الحمد لله الذي لم يجعلني لنعمه كافراً)، ثم قالت (ولا جاحداً لفضله) والآن نستهدف الاشارة الی ما تدل عليه العبارات المتقدمة، بالنسبة الی الفارق بين (النعمة) وبين (الفضل) :ان النعمة هي مطلق العطاء الذي يقدمه الله تعالی للبشرية، وهي من الكثرة بحيث لا تحصی كما قال تعالی «وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا». واما (الفضل) فهو (النعم) وزيادة، لان الفاضل من الشيء هو الزائد منه، وهذا يعني ان الكلمتين (النعمة) و (الفضل) تعنيان العطاء، ولكن الثانية (وهي الفضل) تعني العطاء الزائد. والآن مع ملاحظة هذا الفارق، نشير الی السؤال الآتي: لماذا قال النص بان العبد لا يكفر بنعم الله تعالی، بينما قال بان العبد لم يجحد فضله؟ اي السؤال هو: مالفارق بين الكفر بعطاء الله تعالی، وبين الجحد لها؟ ان الفارق بين الكفر وبين الجحد هو: ان الكفر هو ضد الايمان، وان الجحد هو ايمان ولكنه انكار له عناداً. لذلك قال النص: بان العبد المطيع هو من لا ينفي عطاء الله تعالی بل يقر به مقابل الجاحد الذي يؤمن بقلبه ولكنه ينكر بلسانه، ولذلك ورد في النص القرآني الكريم ان المنحرفين يقرون بوجود الله تعالی ولكنهم يجحدون ذلك وفي ضوء هذه الفارقية نصل الی النتيجة الآتية وهي: ان النعم يكفر بها الكافرون، اي: ينكرونها اساساً، ولكن الفضل يقرون به قلباً وينكرونه لسانًاً، وهو امر ينسحب - في الواقع - علی مختلف طبقات الناس، بمعنی: ان المنحرف او قليل الوعي يتعامل في سلوكه مع الله تعالی بل حتی مع اولي (النعم) من خلال الكفران بها او الجحد لها، وهو سلوك عصابي اي سلوك المرضی النفسيين: كما هو واضح. والان نتقدم الی فقرة جديدة من دعاء الزهراء (عليها السلام) وهي تعقيبها (عليها السلام) علی الفقرتين اللتين لاحظناهما الآن، اي: ان الله تعالی صاحب النعم والفضل اللذين لا ننكر ولا نجحد العطاء المترتب عليهما حيث قالت عن الله تعالی (فالخير فيه وهو اهله)، هذه العبارة بدورها تحتاج الی شيء من التوضيح، فماذا نستلهم من العبارة؟ من البين ان الله تعالی هو خير محض أو مطلق اي: هو عطاء لا حدود له من المعاني التي يدل عليها مصطلح (الخير) ومادام الامر كذلك، فان الله تعالی هو اهل لذلك بصفته المطلق، والواحد الذي لا مثيل له ولا شريك له في كل ما نتصوره من الفاعلية، انه مبدع الوجود والمفيض للخير، ولا احد سواه يشاركه في ذلك، فمادام الله تعالی هو الخير المطلق حينئذ فلابد ان تكون له الاهلية في الصفة المشار اليها، وهي صفة تظل تعبيراً عما اوضحته الزهراء (عليها السلام) من انه تعالی صاحب النعم علينا وصاحب الفضل اي: ليس النعم فحسب، بل الزيادة علی ذلك وهو الفضل، اذن ما اعظم صفاته تعالی؟ ******* شرح فقرة: "سبحان من يحصي عدد الذنوب، ..." - 2 2010-05-15 00:00:00 2010-05-15 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6361 http://arabic.irib.ir/programs/item/6361 نحن الآن مع أحد أدعية الزهراء (عليها السلام)، حيث حدثناك - في لقاء سابق - عن الدعاء المذكور، والبادئ بقولها (عليها السلام): (سبحان من يعلم جوارح القلوب)، وهذا الاستهلال للدعاء حدثناك عنه وقلنا: ان المقصود من الجوارح هو: ما يرمز الی سيئات الناس، وانه تعالی عالم بِكُلِّ شَيْءٍ، ومن ذلك: اجتراح السيئات بقرينة الفقرة الثانية من الدعاء، وهي (سبحان من يحصي عدد الذنوب)، وهذه الفقرة بدورها تحتاج الی القاء الاضاءة حيالها. فماذا نستلهم؟ من الحقائق النفسية التي لا تحتاج الی توضيح، هو: ان عرض الشيء دون سواه والتلميح به في غمرة الحديث عن موضوع عام (كالحديث عن الذنوب في غمرة حديثنا عن علم الله تعالی وعدم خفاء شيء عليه) يظل من الامور المتسمة بما هو واضح، ومما لا ترديد فيه ان الله تعالی عندما طالبنا بان نمارس مهمتنا العبادية التي خلقنا من اجلها تبعاً لقوله تعالی: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ»، حينئذ فان التذكير بذنوب الناس (وهي: اي الذنوب مخالفة صريحة لعدم ممارسة المهمة العبادية بالنحو المطلوب)، يظل - اي هذا التذكير بذنوب الناس - اسلوباً نفسياً لحمل قارئ الدعاء علی تغيير سلوكه، والاتجاه الی ممارسة وظيفته العبادية متمثلة في الالتزام بمبادئ الله تعالی، اي: ممارسة الواجب والمندوب، وترك المحرم والمكروه، وتحويل المباح الی مندوب، وهو ما يتناسب وممارسة ما هو المطلوب من الشخصية. اذن ثمة نكتة دلالية هي: ان الدعاء عندما يذكرنا بان الله تعالی يحصي عدد الذنوب، فمعناه: اننا سوف نتذكر مهمتنا العبادية ونقلع عن الذنوب ونمارس الطاعة، وهو المطلوب. بعد ذلك نواجه عبارة (سبحان من لا يخفی عليه خافية في الارض ولا في السماء، ...)، هذه الفقرة بدورها امتداد لما سبقتها من الفقرتين اللتين تقرر ان انه سبحانه وتعالی: يعلم جوارح القلوب، ويحصي عدد الذنوب، وهذه الفقرة - اي الجديدة القائلة: (سبحان من لا يخفی عليه خافية في الارض ولا في السماء)، انما هي: تفصيل لما اجملته الفقرة السابقة، بمعنی: ان احصاءه تعالی للذنوب من الدقة الی درجة انه لا تخفی عليه البتة أية خافية مهما صغرت او دقت من ذنوب الناس ومن مطلق ما يصدر عنهم من السلوك وهو اسلوب يضاعف من وعينا او تذكيرنا بضرورة ان نعدل سلوكنا ونتجه الی الطاعة ونقلع عن الذنوب. بعد ذلك نواجه عبارة (الحمد لله الذي لم يجعلني كافراً لانعمه، ولا جاحداً لفضله، ...). هاتان الفقرتان وبعدهما تظلان اسلوباً آخر من الاساليب الدلالية التي تحمل قارئ الدعاء علی التفكير بمهمته العبادية وضرورة تعديل سلوكه. كيف ذلك؟ ان الله تعالی عندما نتذكر نعمه وفضله، ثم: لا نكفر بها ولا نجحدها حينئذ فان الحصيلة النهائية لهذا التذكر تساهم في تعديل السلوك بشكل اكثر فاعلية اي: عندما يذكرنا الدعاء بان الله تعالی يحصي ذنوبنا، ثم عندما يذكرنا بانه تعالی صاحب النعم علينا، وصاحب الفضل، وأننا لا نجحد ذلك: حينئذ فان الحصيلة هي: التفكير الجاد في الاقلاع عن الذنوب، وهذا نرجوه منه تعالی، اي: يوفقنا الله تعالی الی الاقلاع من الذنوب، والی ممارسة الطاعة بالنحو المطلوب. يبقی ان نشير - ولو سريعاً - الی نكتة دلالية في الدعاء وهي ملاحظة الفارق بين عبارة (الحمد لله الذي لم يجعلني كافراً لأنعمه) وعبارة (ولا جاحداً لفضله)، حيث ان قارئ الدعاء يعنيه ان يعرف ما هو الفارق بين (النعم) وبين (الفضل)، ثم بين (الجحد للفضل) و (الكفران للنعم)، (وهو ما نحدثك عنه في لقاء لاحق ان شاء الله تعالی). ******* شرح فقرة: "سبحان من يعلم جوارح القلوب، ..." - 1 2010-05-15 00:00:00 2010-05-15 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6360 http://arabic.irib.ir/programs/item/6360 من البيّن انّ المعصومين (عليهم السَّلام) ينهلون من منبع واحد، ولذلك تتماثل أساليبهم في النصوص الواصلة إلينا، سواء أكان التماثل في صياغة العبارة لفظياً، أو دلالياً، أو حتى في نطاق العبارة المتكررة، أي: ما نلاحظه مثلاً من نص مشترك بين هذا المعصوم او ذاك، المهم أنّ قارىء النصوص الشرعية - ومنها النصّ المرتبط بالأدعية - يظلّ بدوره خاضعاً لما أوضحناه من التماثل، او التكرار، أو العبارة الاستقلالية الخاصة بهذا المعصوم او ذاك. وفي ضوء الحقيقة المتقدمة، نبدء بتقديم ما ورد عن الزهراء (عليها السَّلام) من نصوص الدعاء، حيث إنها (عليها السَّلام) مثل سائر المعصومين ورد عنها أكثر من شكل فني، كالحديث، والدعاء والخطبة ومادمنا نتحدث عن الدعاء، اذن: نقتصر في حديثنا على هذا الجانب، ونبدأ بإلقاء الإضاءة على أدعيتها، ومن ذلك الدعاء الوارد في تعقيب صلاة العصر، حيث يبدأ على النحو الآتي: يبدأ الدعاء المذكور على هذا النحو: (سبحان من يعلم جوارح القلوب، سبحان من يحصي عدد الذنوب، سبحان من لا تخفى عليه خافية في الارض ولا في السماء، ...). ونقف أوّلاً عند العبارة الاستهلالية وهي (سبحان من يعلم جوارح القلوب). ترى ماذا نستلهم منها؟ الجارحة من حيث اللغة قد تستخدم مجازياً حقيقياً، ولكنّ في نطاق ما نلحظه في الدعاء وسياقه الخاصّ، نجد أنّ الإستخدام الفنيّ او الصوريّ أو البلاغيّ أو ما يطلق عليه في المصطلح الحديث عبارة (الانزياح) ونحو ذلك ممّا يشير الى استخدام الكلمة في عدولها عن الأصل الى ما هو مجاز وفي ضوء هذه الحقيقة نجد أنّ الجارحة، وتُجْمَعُ على جوارح تعني من حيث الأصل العضو، أي: أعضاء الجسم، ولكن تعني ايضاً السكين، وتعني: ما ينزف من العضو أو ما يصيبه من الأذى ولكن - في الحالات المتقدمة يظلّ التعبير المذكور واقعياً، بينما نجد أنّ النصّ الشرعيّ قد استخدمه صورياً، أي: معدّلاً من اللغة الأصلية الى التصويرية او المجازية. ويلاحظ أنّ القرآن الكريم قد استخدم هذه العبارة المعدّلة او الانزياحية عبر ما نلاحظه من عبارة (الإجتراح للسيئات) وهو تعبير يتجانس مع الأصل لأنّ الجرح، هو اذىً للجسم، وبذلك يكون بدوره أذىً للسلوك، اي: بما أنّ المطلوب من الانسان ان يكون سلوكه العباديّ سليماً، حينئذ إذا مارس مثلاً معصية يكون بذلك قد جرح سلوك الطاعة. والسؤال الآن: كيف نستطيع التدليل على أنّ المقصود هنا هو ما ذكرناه من الدلالة؟ لو دققنا النظر في العبارة الثانية من الدعاء لوجدناها على هذا النحو: (سبحان من يحصي عدد الذنوب)، اذن: الذنوب هي المقصود من عبارة (الجوارح) او (جوارح القلوب) ولعلّ النكتة الفنية هنا، هي: (أنّ النصّ قد انتخب جارحة القلب) وليس سائر الاعضاء البدنية، وذلك لأنّ القلب هو مصدر السلوك السليم أو العكس، وبذلك يتجانس ما انتخبه النصّ من عبارة (الجوارح) مع (القلوب) لأنها - أي القلوب - هي التي تدفع الشخصية الى ممارسة الذنب او الطاعة. اذن نستخلص ممّا تقدّم، بأنّ الله تعالى مطّلع على القلوب، وأنّ ما تمارسه من النوايا او الاعمال التي تتقاطع مع ما ينبغي عليه من السلوك (اي: الطاعة)، بحيث تتجه الى ما لا يرضى الله تعالى، وهو أمر يقتاد قارىء الدعاء الى أن يتداعى بذهنه الى الذكرى التي تنفع المؤمنين، اي: عندما يستحضر قارىء الدعاء أنّ الله تعالى مطّلع على ما نجترحه من الذنوب: حينئذ فإنّ القارىء للدعاء يتعظ دون أدنى شك، ويتذكر ضرورة أن يقلع من الذنب، ومن ثمّ: يتجه الى ممارسة الطاعة. *******