اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | شرح دعاء الجوشن الكبير http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb شرح فقرة: "يا جواداً لا يبخل يا صادقاً لايخلف، يا وهاباً لا يمل" - 304 2011-07-09 09:12:17 2011-07-09 09:12:17 http://arabic.irib.ir/programs/item/7487 http://arabic.irib.ir/programs/item/7487 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها: دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن المقطع الاخير منه، حيث ورد فيه: "يا جواداً لايبخل ياصادقاً لايخلف، ياوهاباً لايمل...الخ" . هذه الفقرات وامثلتها من الممكن ان تثير اكثر من سؤال، من ذلك مثلاً: السؤال الذاهب الى معرفة النكتة الكامنة وراء الصفة المذكورة في المقطع مقترنة بنفي ما يضادها، مثل: الجواد الذي لا يبخل، والصادق الذي لا يخلف، والوهاب الذي لا يمل...الخ. هنا تمكن الاجابة على السؤال المتقدم بجملة أمور، منها: اننا حيال مظاهر عظمة الله تعالى وليس المظاهر البشرية، فالبشر قد يكون جواداً ولكنه قد يبخل في سياقات خاصة اما لعدم تمكنه اساساً من استمرارية جوده مثلاً أو يتأثر بعامل نفسي، ولكن الله تعالى ليس كذلك، انه (كامل) مطلقاً من جانب، وغني لاتنفد خزائنه من جانب آخر، ولذلك لايبخل تعالى، وهكذا بالنسبة الى سائر مظاهر عظمته تعالى... ******* وحين نتجه الى سائر مظاهر عظمته تعالى، نجد انه تعالى لايخلف وعده، ولايمل من عطائه، الخ. والامر ذاته بالنسبة الى اوصاف ترتبط بقهاريته، وعدله، وغناه، وكبره، وحفظه: كما تعبر الفقرات الآتية عن ذلك، وهي "يا قاهراً لا يغلب، يا عظيماً لا يوصف، يا عدلاً لا يحيف، يا غنياً لا يفتقر، يا كبيراً لا يصغر، يا حافظاً لا يغفل..." وبهذه الفقرة يختم الدعاء، حيث يجدر بنا ان نحدثك – ولو عابراً – عن المظاهر المشار اليها... ******* بالنسبة الى عبارة "يا عظيماً لا يوصف" تظل من العبارات المفصحة عن الحق، فان تصور عظمته تعالى لايمكن ان يتحقق البتة: نظراً لقصورنا الادراكي اولاً حيث ان الواصف محدود من جانب، ومن جانب آخر فان العظمة ما دامت غير محدودة فكيف يمكننا ان نلم بها ونصفها؟ واما بالنسبة الى فقرة "يا كبيراً لا يصغر" ، فانها تتضمن جملة نكات فائقة، منها: اننا اذا نسقنا مع التجربة البشرية في فاعليتها: حينئذ فان الكبيرمن البشر مثلاً قد ينتهي موقعه الاجتماعي لسبب او لاخر، اي: يصغر موقعه بعد ان كان كبيراً، ولكن بالنسبة الى الله تعالى بما انه مطلق: حينئذ فان عظمته لاتخضع لما هو نسبي بل مطلقة مما تعني ان صفة الثبات والازلية والابدية تظل هي المظاهر الملحوظة... ******* اخيراً: نقف عند الختام وهي "يا حافظاً لا يغفل" فماذا نستلهم؟ الجواب: ان هذه الفقرة تتسم بما لا نهاية له من اللطف الالهي، حيث ان (الدافع الى الامن) و(الدافع الى الحياة) في سلسلة الدوافع التي يصنفها علماء النفس، تظلان من اقوى الدوافع البشرية، اي: ان الحفظ يعني: ان الله تعالى – يحجز الشخصية من التعرض الى التلف أو وطلق الاذى مما يتنافى مع الحاجة الى الامن النفسي، بصفة ان الفاقد للامن يظل مضطرباً خائفاً لا يقر له قرار، كما ان الفاقد لاستمرارية الحياة لايجد معنى لحياته، من هنا فان فقرة "يا حافظاً لا يغفل" تفصح بوضوح عن ان الله تعالى (يحفظ) الشخصية من الهلاك ومن الاضطراب طيلة حياة الشخصية، وهذا ماعبرت عنه عبارة (لا يغفل) اي: ان الله تعالى لاينسى لحظة من الرعاية لعبده، انه تعالى لا يغفل عن الرعاية لعبده، نظراً لسعة رحمته التي لا حدود لها، سائلين الله تعالى، ان يشملنا دائماً برعايته، وان يوفقنا الى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "يامن لا تخفى عليه ذرة في العالمين" - 303 2011-07-02 08:29:22 2011-07-02 08:29:22 http://arabic.irib.ir/programs/item/7486 http://arabic.irib.ir/programs/item/7486 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها: دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن آحد مقاطعه الذي ختم بعبارة "يامن لا تخفى عليه ذرة في العالمين" ، وبعد ذلك نحدثك عن المقطع الاخير من الدعاء وهو (المقطع 100)، انشاء الله تعالى. اذن: لنتحدث اولاً عن عبارة "يامن لا تخفى عليه ذرة في العالمين" فماذا نستخلص منها؟ ******* لقد ورد هذا الكلام في سياق فقرات تتحدث عن ان الله تعالى لا يشغله سمع عن سمع، ولا يمنعه فعل عن فعل، ولا يغلطه سؤال عن آخر، وهكذا... وهذا يعني ان عبارة الدعاء تعني: انه تعالى مهيمن على كل شئ، على شتى المستويات، فضلاً عن العظمة المتمثلة بانه تعالى في آن واحد يمرر فاعليته في الامور: كما لو كان الكلام مثلاً صادراً من الملايين وهو: يتجه الى السؤال او الدعاء او... الخ. والامر نفسه بالنسبة الى عدم خفاء شئ عليه مهما صغر ودق وتعدد الشئ المذكور. والنكتة في العبارة المذكورة انها تتحدث عن اصغر وحدة مادية: تعبيراً عن الحقيقة الذاهبة الى ان الله تعالى يعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة الا يعلمها ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس الخ... ******* والآن: نتجه الى آخر المقاطع من دعاء (الجوشن الكبير) وهو المقطع (100)، حيث يبدأ لهذا النحو: "ياحليماً لا يعجل، ياجواداً لا يبخل، يا صادقاً لا يخلف... الخ " . هذه العبارات – اتساقاً مع سائر المقاطع التي تتميز ببلاغة فائقة من حيث الاسلوب والعبارة والصياغة الخ، حيث تتجانس العبارات في دلالاتها الرئيسة والفرعية مثل عبارة (الحليم) الرئيسة وعبارة (لا يعجل) الفرعية التي تفسر وتكمل سابقتها، وهكذا... المهم نبدأ نحدثك عن العبارة الاولى، فماذا نستلهم منها؟ الاستلهام هنا هو: التعلم من الله تعالى في تنظيم سلوكنا النفسي، فالحليم هو: الكاتم لما يحمله من ردود الافعال حيال هذا الموضوع او ذاك،... ان الجازع مثلاً او العجول مثلاً ونحوهما، يسارعان الى ممارسة هذا العمل او ذاك: تأكيداً للذات والأنا، أو اشباعاً لحاجات شاذة، بينما الحليم يكتم مرارة ما يتحسسه من الاذى... يضاف الى ذلك ان صفة الحلم تأتي مقابلة لصفة العجلة، حيث ان العجول يتسم بالافكار المرتجلة، واحياناً يتسم بالهستيريا: تعبيراً عن عدم قابليته على الصبر حيال الشئ. من هنا، فان قارئ الدعاء عندما يواجه عبارة "ياحليماً لا يعجل" انما يستلهم منها ضرورة ما يسميه علماء النفس باستواء السلوك حيث تضبط الشخصية انفعالاتها وتتصرف بحنكة ورصانة وتأنٍّ ومهل... الخ. وهذه هي ابرز معالم الشخصية السوية في نطاق التعريف البشري للسلوك... من هنا نكرر ان قارئ الدعاء يتعين عليه ان يكتسب من الله تعالى ما يتوافق نسبياً مع ما ينبغي ان يعمل، ومنه: الحلم، وعدم العجلة في الامور، لان العجلة – فضلاً عن سمتها العصابية – تظل مقترنة بنتائج غير صائبة مما تقتاد الشخصية الى الندم علی عجلته في الامور... ******* ختاماً: نسأله تعالى ان يوفقنا الى ممارسة السلوك السوي في مختلف مجال الحياة، وان يوفقنا الى الالتزام بمبادئ الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "يا من هو غاية مراد المريدين، يا من هو منتهى همم العارفين، يا من هو منتهى طلب الطالبين، يامن لا يخفى عليه ذرة في العالمين" - 302 2011-06-25 09:06:36 2011-06-25 09:06:36 http://arabic.irib.ir/programs/item/7485 http://arabic.irib.ir/programs/item/7485 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها: دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: "يا من هو غاية مراد المريدين، يا من هو منتهى همم العارفين، يا من هو منتهى طلب الطالبين، يامن لا يخفى عليه ذرة في العالمين" . هذه العبارات يختم بها مقطع الدعاء، حيث تنطوي على جملة مظاهر من عظمة الله تعالى، ومنها: الرحمة التي لا حدود لعظمتها وسعتها، حيث عبر عنهما مقطع الدعاء بجملة عبارات منها "يا من هو غاية مراد المريدين" ... فماذا نستلهم منها؟ ******* من الواضح، ان مراد البشر لايقف عند حد، ولكن غاية ما يريده العبد لايمكن ان يحققه عبد آخر، وانما يتحقق بواسطة الله تعالى،... ولذلك فان المريد اذا كانت له طموحات عالية، فان الآخر لايستطيع ان يشبع لاخيه ذلك: اما لقصوره، واما لعدم استعداده واما يمن عليه...الخ، ولكن الله تعالى ليس كذلك: انه يستطيع تحقيق اية طموحات لانه تعالى يقول للشئ كن فيكون، ولانه تعالى لا حدود لرحمته وانه تعالى لايمل من طلبات عبده.. الخ، من هنا جاءت عبارة "يا من هو غاية مراد المريدين" تفصح عن انه تعالى هو المالك الوحيد لوسائل الاشباع لعبده حيث يحقق له غاية مراده... ******* بعد ذلك نواجه عبارة "يامن هو منتهى همم العارفين" ... ترى: ماذا تعني هذه العبارة؟ ان العارف يختلف عن باقي الناس بكونه ذا وعي عال بعظمة الله ورحمته، ولذلك فان طموحاته تختلف عن الرجل العادي، انه لايطلب مالاً او صحة أو امناً أو راحة.. الخ. انما يطلب رضاه تعالى، ان همته هي ان يصل الى اوعى ما يمكن الوصول اليه من معرفة الله تعالى، ان يكسب رضاه تعالى، ان يصل الى معرفة التوحيد... ******* بعد ذلك نواجه عبارة "يا من هو منتهى طلب الطالبين" .. فماذا نستخلص منها؟ في تصورنا ان هذه العبارة تتساوق مع عبارة "يا من هو منتهى مراد المريدين" ... بيد ان ثمة اكثر من دلالة لعبارة (المريدين) فهي قد تعني الدلالة العادية للمريد اي: ما يريده الانسان العادي من اشباعات دنيوية واخروية، وقد تعني: المصطلح الخاص بـ(المريد) وهو مصطلح يعني: بلوغ المرحلة الفانية للانسان الواعي والسالك والعارف... الخ. المهم في الحالات جميعاً، ينبغي ان نفرق من جانب بين (المريد) بمعناه العرفاني، وبين المريد بمعناه العادي فاذا انسقنا مع الدلالة الاخيرة فهذا يقتادنا الى معرفة الفارق بين (المريد) ليس بمعناه العرفاني بل العادي وبين عبارة "يا من هو منتهى طلب الطالبين" فالطالب هنا يتماثل مع المريد العادي في تطلعاته، ولكن الفارق هو: ان (الطالب) هو من يطلب من الله تعالى شيئاً من الاشباعات لحاجته، واما المريد فان له مراداً قد يكون خاصاً او عاماً، قد يصرح به اولاً يصرح، بينما الطالب يصرح بطلبه قبالة المريد الذي من الممكن ان يصرح أو يستنبطه اي: ما يريده... والمهم: ان الدعاء يستهدف الاشارة الى ادق الدلالات واستيفاء ما يمكن تصوره من دقائق الحاجات ودقائق مراد العبد. ******* ختاماً: نسأله تعالى ان يوفقنا الى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "يا من لا يحجبه شيء عن شيء، يا من لا يبرمه الحاح الملحين..." - 301 2011-06-18 05:28:00 2011-06-18 05:28:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/7484 http://arabic.irib.ir/programs/item/7484 لانزال نحدثك عن الادعية المباركة، ومنها: دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه "يا من لا يحجبه شيء عن شيء، يا من لا يبرمه الحاح الملحين، يا من هو غاية المريدين، يا من هو منتهى همم العارفين، يا من هو منتهى طلب الطالبين، يا من لا يخفى عليه ذرة في العالمين" ... هذه العبارات يختم بها المقطع ما قبل الاخير من دعاء الجوشن، ونحن الآن نبدأ بتوضيح ما غمض من الدلالات، ونبدأ بعبارة "يا من لا يحجبه شيء عن شيء" ... فماذا نستخلص؟ ******* ان الله تعالى بصير بعباده، بصير بكل شيء، بمعنى انه تعالى كما ورد في العبارة "يا من لا يحجبه شيء عن شيء" ودلالة العبارة هي (ان الله تعالى بصير – كما قلنا – بكل شيء، ولا يحجزه شيء عن شيء آخر، بمعنى ان الله تعالى (يبصر) كل شيء، ولا يحجبه البصر بشيء من البصر بشيء آخر، فهو يراك ويراني ويرى الاخرين، وهذا يتداعى مادام الله تعالى مطلعاً على ممارساتنا، العلنية منها والسرية... ومن ثم يتعين علينا الا نصدر عن المعصية بل ينبغي ان نحرص على الطاعة، بصفة انه تعالى قال "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" ... ومادام تعالى (بصيراً) بممارساتنا: حينئذ فإن الممارسة العبادية ينبغي ان تتحدد بالنحو المطلوب. ******* بعد ما تقدم نواجه عبارة "يا من لا يبرمه إلحاح الملحين" ... فماذا نستلهم؟ العبارة المذكورة من المبادئ التي يتعين علينا ان نعمل بها ونعني ذلك: ان نلح على الله تعالى في ادعيتنا فأولاً ان ندرك بأن البشر محدود عطاؤه، وثانياً: له قابلية محدودة نفسياً وعقلياً وجسمياً ومادياً ومعنوياً الخ...، على العكس تماما ً من (الله تعالى) حيث يمتلك الى ما لا نهاية من الاشباعات المتنوعة من جانب، ومن جانب آخر لا يبرمه الحاحنا بل العكس من ذلك... وهذه الظاهرة من الخطورة بمكان من الزاوية النفسية، فالانسان مثلاً مهما اوتي من القدرات، فإن هناك ما هو المحدود منها،.. ثم من جانب ثالث فان تركيبته النفسية لا تسمح له بأن يقدم عطاءاته بلا تحديد او ترديد الخ... وهذا بالعكس من الله تعالى فيما لا يبرمه إلحاح الملحين،... ان الإلحاح على البشر موجب للذل، بينما الإلحاح على الله تعالى موجب للعزِّ،... اذن: ما اشد فرح العبد عندما يجد ان الله تعالى لا يبرم من الإلحاح، بل ان النصوص الشرعية تشير الى ان الله تعالى يؤخر اجابة عبده حتى يستمر من الدعاء ويسمع إلحاحه على انجاز هذه الحاجة او تلك من الله عزَّ زحلَّ. ******* للمرة الجديدة، نسأله تعالى ان يجعلنا ممن يتوسل دواماً بالله تعالى، ويلح في ادعيته، ويجيبها تعالى، كما نسأله ان يوفقنا الى الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "يا من لا يشغله سمع عن سمع، يا من لايمنعه فعل عن فعل، يا من لا يلهيه قول عن قول، يا من لا يغلطه سؤال عن سؤال" - 300 2011-06-05 08:56:19 2011-06-05 08:56:19 http://arabic.irib.ir/programs/item/7483 http://arabic.irib.ir/programs/item/7483 نواصل حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها: دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي يبدأ على هذا النحو: "يا من لا يشغله سمع عن سمع، يا من لايمنعه فعل عن فعل، يا من لا يلهيه قول عن قول، يا من لا يغلطه سؤال عن سؤال..." . هذا المقطع من الدعاء يتناول مظاهر عظمته تعالى وفق اسلوب آخر من الصياغة، حيث لاحظنا ان الدعاء المذكور يسلك طرائق متنوعة ومنتظمة من الصياغة الفنية... وفي هذا المقطع يتحدث الدعاء عن جملة من مظاهر عظمته تعالى متمثلة في ان الله تعالى لايحجزه اي فعل عن ارادته للافعال الأخرى في آن واحد... ويبدأ ذلك بعبارة "يا من لا يشغله سمع عن سمع" ... فماذا نستلهم من ذلك؟ ******* من الواضح، ان افعال الله تعالى تتسم بما لا محدودية لها من الارادة والقدرة والحكمة الخ... ومن جملة ذلك: رعايته تعالى بعباده الذين يدعونه مثلاً، فهناك الداعون في آن واحد قد يعدون بالالاف او الاكثر او الاقل مثلاً فلا يمنعه من الاستماع لكل هؤلاء في آن واحد... وهذا هو احد مظاهر عظمته تعالى... ولعل قارئ الدعاء يتداعى بذهنه من المظهر المشار اليه، الى تعميق ثقته بالله تعالى من حيث استجابته لدعاء عبده ورعايته غير المحدودة، وهو امر يكشف عن المزيد من الوعي بمبادئ رحمته تعالى. ******* طبيعياً، ان كل الفاعليات الصادرة من الله تعالى تتسم بما اوضحناه، ومن ذلك: الافعال التي يستهدفها تعالى،.. فاذا كان لايشغله سمع لاحد عباده عن السمع للاخرين، فكذلك: لايمنعه فعل يريده عن فعل آخر يريده، وهكذا، والامر نفسه بالنسبة الى عبارة "يا من لا يلهيه قول عن قول" حيث يمكننا ان نستلهم من هذه العبارة نمطين من الاستلهام احدهما: انه تعالى عندما يامر ملائكته مثلا بايصال هذه الاقوال أو المبادئ او الاوامر، حيندذ لايحجزه هذا الامر بالشئ عن الامر بشئ آخر وهكذا... واما الاستلهام الآخر فمن الممكن ان نذهب الى ان ما يصدر من العباد من قول ايا كان نمطه "حيث استشهدنا بالدعاء في عبارة سابقة" ، وهذا ما ينسحب على غيره من الفاعليات وان كنا يغلب على ظننا بان المقصود من عبارة "يا من لا يلهيه قول عن قول" هو: اوامره تعالى لجنوده في السموات والارض، حيث لايشغله أمر عن امر سواه، وهكذا. ******* بعد ذلك نواجه عبارة "يا من لا يغلطه سؤال عن سؤال" ... فماذا نستخلص؟ هنا نستطيع بان نستخلص من ان العبارة التي ترددنا في تفسير دلالتها الى ان المقصود من عبارة "يا من لايلهيه قول عن قول" هو: اوامره تعالى بقرينة العبارة الحالية وهي "يا من لايغلطه سؤال عن سؤال" حيث يتضح بان المقصود من العبارة المذكورة هو: سؤالات عباده تعالى، فكما ان استماعه تعالى لادعية عباده لايشغله عن الاستماع لكل الأدعية في آن واحد، كذلك لاتغلطه اسئلة عباده بنحو مطلق، ويمكن كذلك ان نتداعي بالاذهان الى اليوم الآخر عند محاسبة عباده تعالى، حيث يسأل تعالى مخلوقاته عن الممارسات التي صدرت عنهم دنيوياً، ويسألون عنها في اليوم الآخر، حيث انه يحاسبهم دون ان يغلطه سؤال لهذا المخلوق او ذاك عن السؤال لمخلوق آخر، وهكذا. ******* بعد ذلك نواجه عبارة "يا من لا يحجبه شئ عن شئ" وهي عبارة نحدثك عنها في لقاء لاحق انشاء الله تعالى. ختاماً: نسأله تعالى ان يوفقنا الى الالتزام بمبادئه تعالى، والى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "يا من فضله عميم، يا من عرشه عظيم" - 299 2011-05-28 08:28:35 2011-05-28 08:28:35 http://arabic.irib.ir/programs/item/7482 http://arabic.irib.ir/programs/item/7482 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ينتهي بهاتين العبارتين: "يا من فضله عميم، يا من عرشه عظيم" ... وهذا مانبدأ بالقاء الاضاءة عليه حيث نبدأ اولاً بعبارة "يا من فضله عميم" فماذا نستخلص من ذلك. ******* من البين ان الله تعالى هو خير محض، وهذا يعني ان فضله لا حدود له من جانب، وانه يشمل العام والخاص. وقد ورد بالنسبة الى البسملة وهي "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" ان الرحمان هو شامل للرحمة العامة، وان الرحيم خاص بما هو خاص... من هنا، فان عبارة "يا من فضله عميم" تظل من العبارات المفصحة عن شمولية فضله حتى لأهل الدنيا... هذا من جانب... من جانب آخر يظل الفضل من حيث شموليته نسبيا على الخاصة ايضا، لان الخاصة ينشطرون الى تقي او ملتزم مقابل اصحاب المعاصي، حيث انه تعالى سمح للمذنبين مثلاً بان يتوبوا حتى لو تكررت المعصية وتابوا حتى الى آخر العمر اي: قبل ان تفارق الشخصية حياتها، وهذا هو منتهى الفضل: كما هو واضح، ولعل العبارة القرآنية الكريمة "وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا" تظل تعبيراً واضحا عن عمومية فضله تعالى... ******* بعد ذلك نواجه عبارة "يا من عرشه عظيم" ... فماذا نستلهم منها؟ لقد سبق ان حدثناك عن العرش في لقاءات سابقة حيث تتفاوت النصوص المفسرة حيال ذلك، ولكنا نحصر حديثنا في الدلالة الرمزية للمصطلح المذكور، حيث ورد قوله تعالى "الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى" فيما يمكن استخلاص الرمز متمثلاً في مفهوم "الهيمنة" او (السيطرة) على الوجود، والسوأل هو: الصفة الواردة عن (العرش) في مقطع الدعاء حيث قال "يا من عرشه عظيم" ، حيث يمكننا ان نعقب على هذه الصفة – وهي من الوضوح بمكان – بان العظمة تظل هي السمة لمظاهره تعالى جميعاً، سواء اكان ذلك في ميدان العلم او الارادة أو القدرة او سواها، بيد ان التأكيد على العرش يتداعى بالذهن الى عظمة هيمنته على الوجود وهي ابرز دلالات الوحدانية من جانب، ثم منعكساتها على قارئ الدعاء من جانب آخر، بصفة أن(الهيمنة) تعني: بان ناحية الكون بيده تعالى ومن ثم فان العبد – وهو يواجه هذه الهيمنة – لابد وان تتضخم ثقته بالله تعالى من حيث التوكل عليه والتوسل حياله بتحقيق ما يتطلع العبد اليه من خير الدنيا والاخرة... ******* بعد ذلك نواجه مقطعاً جديداً من دعاء (الجوشن الكبير) وهو ما قبل الاخير حيث يبدأ على هذا النحو الآتي: "يا من لايشغله سمع عن سمع، يا من لايمنعه فعل عن فعل، يا من لايلهه قول عن قول... الخ". قبل ان نحدثك عن هذا المقطع نعتزم لفت نظرك الى نكتة دلالية في المقطع، حيث ان مقاطع الدعاء، كما لاحظنا في لقاءات سابقة تحصل بشتى النكات الفنية والدلالية والاسلوبية مما تجعل قارئ الدعاء منبهرا بذلك: دون ادنى شك. المهم: ان مقطع الدعاء يستهدف الاشارة الى انه تعالى عندما نتجه اليه بالدعاء مثلاً او يواجه تعالى بأفعال او اقوال الخ، حينئذ لا تحجزه هذه الاقوال مثلاً عن الاستماع اليها في آن واحد: وهذا هو احد مظاهر عظمته تعالى بيد ان الملاحظ ان عبارات المقطع تستخدم المصطلح متفاوتاً من واحد الى آخر، انه يستخدم عبارة "لا يشغله" مرة، وعبارة "لا يمنعه" مرة، وعبارة "لا يلهيه" مرة، وبعبارة "لا يغلطه" ... الخ، فما هي النكات الكامنة وراء هذا الاسلوب؟ اللقاء اللاحق ان شاء الله، يتكفل بالاجابة عن السؤال المتقدم... ختاما: نسأله تعالى ان يلهمنا المزيد من الوعي بمظاهر عظمته تعالى، وان يوفقنا الى ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "يا من قرآنه مجيد" - 298 2011-05-21 09:04:15 2011-05-21 09:04:15 http://arabic.irib.ir/programs/item/7481 http://arabic.irib.ir/programs/item/7481 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها: دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه "يا من قضاؤه كائن، يا من قرآنه مجيد، يا من ملكه قديم...الخ" . نحن الآن امام جملة مظاهر او عبارات تتحدث عن الله تعالى، منها: العبارة القائلة "يا من قرآنه مجيد" .. فماذا نستلهم منها؟ ******* جئنا اولاً بهذه العبارة حتى نلفت نظر قارئ الدعاء الى الفارق بين هذه العبارة وبين ما ورد في نفس المقطع "يا من كتابه محكم" ، حيث ان الكتاب والقرآن هما بمعنى واحد، ولكنهما يفترقان في نكات دلالية يحسن بنا ان نعرض لها سريعاً... . الملاحظ ان جملة مصطلحات يستخدمها النص القرآني الكريم بالنسبة الى كلام الله تعالى، منها: القرآن، ومنها: الكتاب، ومنها: الفرقان... الخ، وقد لاحظ المعنيون بالنصوص التفسيرية، ان الفرقان مثلاً هو: ما يفرق بين الحق والباطل، وان القرآن يرتبط بقراءته، وان الكتاب يرتبط بكتابته، اي... امكانية الافادة منه وفق المستويات المتقدمة... ولكن الملاحظ ايضاً ان الصفات المرتبطة بهذه المفردات لها نكات فضلاً عن تفاوت استخدامها، فمثلاً نلاحظ ان فقرة الدعاء تقول "يا من قرآنه مجيد" بينما نلحظ في النص القرآني الكريم نفس العبارة في سورة (ق) وذلك قوله تعالى "ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ" ، مما نستكشف بان الدعاء الذي نحدثك عنه حريص على ظاهرة التناص حتى في الصياغة الصوتية مما يفصح عن الاقتباس او التضمن الفائق: تأكيداً لان نستحضر عظمة القرآن المجيد... يبقى ان نتساءل عن معنى "المجيد" ... فماذا نستخلص؟ ******* تشير النصوص التفسيرية الى ان "المجيد" يعني جملة دلالات، منها: العظيم، المنطوي على الفائدة والنفع، الخير... الخ. والمهم ان كلاً من هذه الدلالات لها مسوغاتها دون أدنى شك حيث ان القرآن الكريم فعلاً هو: عظمة، وخير وفائدة... الخ. كل ما في الامر ان نمط الصفة يأتي وفق ما يتطلبه السياق، ففي تصورنا بما ان عبارة "يا من قرآنه مجيد" مسبوقة بعبارة "يا من قضاؤه كائن" : حينئذ فان القضاء الصادر من الله تعالى هو قضاء يقول "كُن فَيَكُونُ" .. انه قضاء في صالح الشخصية أو الجماعة، انه قضاء الخير والنفع كما هو دلالة عبارة "المجيد" . ******* بعد ذلك نواجه عبارة "يا من ملكه قديم" ... فماذا نستلهم منها؟ القديم: كما هو واضح مصطلح فلسفي او كلامي يعني: الأزلية اي: لا بداية او لا علة لوجوده، ومن ثم: فان العبارة عندما تقول "يا من ملكه قديم" تعني: أزلية وجوده تعالى من حيث الملك، اتساقاً مع ازلية كل ما يرتبط به تعالى من علم وقدرة وارادة و... الخ. وفي تصورنا ان السياق الذي يفسر لنا انتخاب مفردة "الملك" دون سواها في هذا المقطع هو: اتساق ظاهرة "الملك" وتجانسها مع العبارات الواردة في المقطع مثل "يا من علمه سابق" مثلاً، حيث ان العلم والملك يرتبطان بالاسبقية ويرتبطان بما هو خير وفائدة اتساقاً مع العبارة الثالثة (القرآن المجيد) وهكذا... ******* بعد ذلك: يختم المقطع بعبارتي "يامن فضله عميم، يامن عرشه عظيم" وهما عبارتان تبدوان وكأنهما تتحدثان عن موضوعين مختلفين (وهذا صائب) ولكنهما يتجانسان ايضاً (على نحو ما سنوضحه لاحقاً انشاء الله تعالى) ******* ختاماً: نسأله تعالى ان يوفقنا الى تعميق المعرفة بعظمة الله تعالى، وان يوفقنا الى ممارسة، الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "يا من لطفه ظاهر، يا من أمره غالب، يا من كتابه محكم" - 297 2011-05-09 08:50:50 2011-05-09 08:50:50 http://arabic.irib.ir/programs/item/7480 http://arabic.irib.ir/programs/item/7480 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها: دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه "...يا من لطفه ظاهر، يا من أمره غالب، يا من كتابه محكم...الخ" هذه العبارات أو المظاهر من عظمته تعالى، تظل امتدادا لما سبقتها من العبارات الواردة في هذا المقطع من الدعاء، حيث نواجه عبارة "يا من لطفه ظاهر" ، وهي عبارة نبدأ بتوضيحها على النحو الآتي: ******* ان الله تعالى رحيم بعباده، لا يصدر منه الا الخير، ولعطائه تعالى مصاديق متنوعة من الرحمة: كالحب، والاحسان، والشفقة، والحنان، و... الخ. ومن ذلك ظاهرة "اللطف" ... وقد تسأل عن النكتة الكامنة في هذه المفردة من الرحمة، فنقول: اللطف هو: تعامل بالرفق، أي: عطاء مزدوج، انه رحمة ثم انها رحمة تقترن بالرفق، ولذلك ورد في معناها اللغوي: ان الله تعالى لطيف بعباده بمعنى انه يوصلهم الى ما يتطلعون اليه برفق،.. من هنا فان عبارة "يا من لطفه ظاهر" ، تعني: ان الله تعالى في عون عبده وفي شفقتة عليه ورفقه به: من العظمة! بحيث "يظهر" ذلك بجلاء... وهذا لا ترديد فيه ما دمنا نعلم بانه تعالى لا حدود لرحمته المطلقة: كما هو واضح. ******* بعد ذلك نواجه عبارة "يا من امره غالب" وهی عبارة "تناص" بحسب اللغة المعاصرة، أي: اقتباس او تضمين من النص القران الكريم في قوله تعالى "وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ" ... فماذا تعنى هذه العبارة؟ النصوص التفسيرية تذهب الى عمومية وخصوصية هذه العبارة... اما خصوصيتها فترتبط بحادثة يوسف وما جرى عليه بمعنى انه هو الغالب على امره المتفضّل بنصرة يوسف (ع) وانقاذه من الشدائد التى يتعرض لها... واما عموميتها فهي: انه تعالى غالب على ما يامر به من القضايا والاحداث والمواقف ومطلق ما يتحرك في الوجود، انه "الغالب" على كل شئ، منشئ ومسيطر ومقدر الخ لاأحد يشاركه في هذا أو يحجزه عنه... ******* بعد ذلك نواجه عبارة "يا من كتابه محكم" ... فماذا نستلهم منها؟ الجواب... هذه العبارة بدورها "تناص" بالنسبة الى اشارات القرآن الكريم الى "محكم" كتابه، وهو احكام ذو دلالتين، عامة وخاصة.. اما الاحكام الخاص فيقف قبالة ما يطلق عليه مصطلح "المتشابه" عبر قوله تعالى "هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ"،... واما الاحكام العام فهو: الاحكام بمعناه اللغوي الذي يعني المتقن والموثق والمتمكن و..الخ، مقابل ما يعتريه الخلل و...الخ... والمهم هو: ان المقصود من العبارة المذكورة هو احكام كتاب الله تعالى وتضمنه وتبيانه لكل شئ كما ورد ذلك في النصوص القرآنية الكريمة ذاتها... ******* بعد ذلك نواجه عبارة "يا من قضاؤه كائن" ثم عبارة "يا من قضاؤه كائن" نلفت نظرك الى العبارة "يا من قرآنه مجيد" حيث يمكنك ان تتساءل قائلاً: لقد حدثتنا عن عبارة "يا من كتابه محكم" والآن نواجه عبارة "يا من قرآنه مجيد" .. اذن مالفارق بين العبارتين؟ ومالمقصود من كلمة "مجيد" حيث قابلها في العبارة السابقة "محكم" ؟ ثم مالفارق بين "الكتاب" وعبارة "القرآن" ؟ "هذا مانحدثك به في لقاء لاحق انشاءالله تعالى..." ******* ختاماً: نسأله تعالى ان يوفقنا الى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "يا مَنْ علمه سابق، يا مَنْ وعده صادق..." - 296 2011-04-16 10:00:03 2011-04-16 10:00:03 http://arabic.irib.ir/programs/item/7262 http://arabic.irib.ir/programs/item/7262 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها: دعاء الجوشن الكبير، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه ونحدثك الآن عن أحد مقاطعه الذي ورد فيه: "يا مَنْ علمه سابق، يا مَنْ وعده صادق..." الخ، هذا المقطع كسابقه من المقاطع التي تتراوح المقاطع فيه بين مظهر مفرد او مركب من المظاهر التي ترتبط بعظمة الله تعالى، حيث نجد هنا عبارات تركيبية تتحدث عن صفات الله تعالى، وفي مقدمة ذلك ظاهرة "العلم" حيث ربطها المقطع بأحدى مفرداته وهي: معرفته سلفاً بما يحدث في شتى مظاهر الكون، وهذا ما جسدته عبارة "يا مَنْ علمه سابق... فماذا نستلهم من العبارة" . ******* مما لا ترديد فيه ان علم الله تعالى بنحو مطلق، هو: علم لا حدود له، انه مثل سائر صفاته "مطلق" ولكن المقطع من الدعاء عرض لأحد اشكال العلم، كما قلنا، وهو الاسبقية. فماذا تعني هذه العبارة؟ او ماذا نستلهم منها؟ لا ترديد للمرة الجديدة ان اسبقية علم الله تعالى، تجعل اذهاننا متداعية الى ان الله تعالى عندما يقرر بانه ذو علم سابق فهذا يعني في مقدمة ما يترتب على ذلك هو بالنسبة لا اقل الى تكييف الشخصية من حيث تصويرها في الارحام مثلاً ثم في سلوكها الدنيوي بعامة، ثم ما يترتب على ذلك من جزاء اخروي، أو تحديد مصيرها الابدي... فمثلاً ان الله تعالى يعلم سلفاً بان الشخص الفلاني سوف يلتزم بمبادئ الله تعالى او العكس، حينئذ يكيف ولادته ونشأته ومصيره وفق علمه بما يسلكه، وبهذا نتبين مثلاً دلالة ان يشأ هذا الشخص او ذاك قبل انعقاده جنيناً أو قبل ولادته أو كما ورد في الحديث ان السعيد والشقي هو في بطن امه، حيث يفسر بعلم الله تعالى سلفاً بما سيسلكه الشخص ومن ثم تقرير مصيره الدنيوي والآخروي... ******* بعد ذلك نواجه عبارة "يا مَنْ وعده صادق" ... ترى ماذا نستلهم من العبارة المذكورة؟ لقد ورد في النصوص القرآنية الكريمة وفي نصوص المعصومين عليهم السلام ان الله تعالى لا يخلف وعده، انه كما تقرر الآية المباركة "لا يخلف الميعاد" والمعطى الذي يفيد القارئ للنصوص الشرعية، هو تعميق معرفته بعظمة الله تعالى وبرحمته وبما يبشر أو ينذر من الثواب والعقاب،... فمثلاً.عندما نقرأ النص الآتي "ربنا، وآتنا ما وعدتنا على رسلك، ولا تخزنا يوم القيامة، انك لا تخلف الميعاد" عندئذ: نتبين أهمية هذه التوسلات بالله تعالى بأن يؤتينا ما وعدنا على رسله من رضوانه وجنانه، وعدم فضحنا يوم القيامة، حيث انه تعالى لا يخلف ميعاده الذي واعدنا... وهكذا... ******* من هنا، فإن المعطى الرئيسي المترتب على قرائتنا لهذه العبارة، هو ان نلتزم بمبادئ الله تعالى حتى يترتب ميعاده الصادق بما واعد من الرضوان والجنان، وبالمقابل فإن المعطى الآخر، هو ان نحذر من المعصية، نأخذ عقابه تعالى بنحو يحملنا على الخوف من سخطه ونيرانه... اذن: ادركنا ما تعنيه عبارة "يا مَنْ وعده صادق" بما تتداعى الاذهان من خلاله الى ما اوضحناه... ******* ختاماً: نسأله تعالى ان يوفقنا الى ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "يا مسخر، يا مغير..." - 295 2011-04-09 09:08:41 2011-04-09 09:08:41 http://arabic.irib.ir/programs/item/7261 http://arabic.irib.ir/programs/item/7261 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها: دعاء الجوشن الكبير، حيث نحدثك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي يختم بهاتين العبارتين: "يا مسخر، يا مغير" ... والآن نتجه الى العبارة الاولى وهي "يا مسخر" ... فماذا نستلهم منها؟ ******* لا أحسب اننا نحتاج الى تأمل كبير حتى ندرك سريعاً ان العبارة المتقدمة هي صدى لآيات متنوعة من القرآن االكريم تشير الى ظاهرة "التسخير" اي: توظيفه تعالى لظواهر الكون من اجل إفادة البشر منها، وهذا من نحو قوله تعالى: "...وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره، وسخر لكم الانهار، وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، وسخر لكم الليل والنهار" .. الى غير ذلك من النصوص القرآنية الكريمة التي تتحدث عن نعمه تعالى حيث سخر لنا ما نفيد منه في حياتنا... اذن: عبارة "يا مسخر" تعني: التذكير بعظمة رحمته تعالى في اشباعه للحاجات البشرية وسواهم. ******* ونتجه الى العبارة الاخيرة من المقطع وهي "يا مغير" ، فماذا نستخلص منها؟ العبارة المذكورة تتضمن اكثر من دلالة فمن جانب تشير الى ان الله تعالى هو "المغير" لطبيعة الظواهر: بحسب ما تتطلبه الحكمة،... فمثلاً في ميدان السلوك البشري ثمة "تناص" او اقتباس من القرآن الكريم بالنسبة الى احد أنماط التغيُّر وهو، لا يغيِّر الله تعالى بقوم ٍحتى يغيروا ما بأنفسهم.. بمعنى ان "التغيير" الذي يحدث هو ما تتطلبه المصلحة الكونية، سواء اكان التغيير لظواهر طبيعيه مثلاً أو ظواهر بشرية كما هو منطق الآية القرآنية الكريمة المشيرة الى ان الله تعالى يغيِّر تعامله مع البشر بقدر تغيُّرهم ما بأنفسهم، اي: اذا كان الانسان ممارساً للسلوك غير المشروع، اي: ما هو حرام، حينئذ فان الله تعالى لا يغدق عليه رحمته مالم يتخل الانسان المشار اليه من ممارسة الحرام،... من هنا، نجد مثلاً ان الله تعالى يتعامل مع الانسان بقدر ما يتعامل البشر مع الله تعالى من حيث الطاعة او العصيان، فبقدر الطاعة مثلاً تتحدَّد النعمة من الله تعالى، وبقدر المعصية يتحدَّد العقاب وهكذا... ******* هنا يتعين علينا ان نربط بين عبارة "يا مسخر" وعبارة "يا مغير" حتى نلحظ الصلة بينهما،.. وهذا ما نبدأ بتوضيحه... من البين ان الله تعالى عندما "يسخر" لنا ما في الكون، حينئذ فان التسخير المذكور، ينبغي ان نوظفه في طاعته تعالى، وإلا فإن ما يترتب على عدم الطاعة من عقاب او عدم رعاية منه تعالى، تفسره فقرة "يا مغيِّر" اي: ان الله تعالى "يغيِّر" ما بالقوم من سلوك بقدر ما يغيرون هم بأنفسهم من سلوك،... وبهذا نتبين الصلة بين العبارتين بالنحو الذي تقدمت الاشارة اليه... ******* بعد ذلك نواجه مقطعاً جديداً يبدأ على النحو الاتي: "يا من علمه سابق، يا من وعده صادق" وهو مقطع يتحدث عن مظاهر جديدة من عظمته تعالى "حيث نحدثك عن ذلك في حلقة لا حقة انشاءالله تعالى" .. ختاما: نسأله تعالى ان يوفقنا الى ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "يا مرتب، يا مخوف، يا محذر، يا مذكر.." - 294 2011-03-29 09:48:08 2011-03-29 09:48:08 http://arabic.irib.ir/programs/item/7260 http://arabic.irib.ir/programs/item/7260 نواصل حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها: دعاء الجوشن الكبير، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: "يا مرتب، يا مخوف، يا محذر، يا مذكر... الخ..." والآن مع هذه المفردات من الصفات، ونبدأ بالاولى منها، وهي "يا مرتب" ... فماذا نستلهم منها؟ ******* لغوياً: الترتيب هو التنظيم للشيء او الاشياء وفق نسق يفضي الى تحقيق هدف ما، يستوي من ذلك ان يكون الهدف مادياً او معنوياً،.. والمهم هو: ترتيب الامور بالنحو الذي تحقق فائدة جمالية او دلالية.. ومما لا ترديد فيه ان الله تعالى "رتبٌ" الظواهر الكونية في شتى جزئياتها وكلياتها وفق تنظيم محكم، بحيث اذا زاد او نقص او دخل فيها ادنى تغيير: تخلخل النظام الكوني: كما هو واضح... والمهم: ان قارئ الدعاء وهو يستعرض، اسماء الله تعالى أو لنقل: صفات الله تعالى او عظمة الله تعالى او عطاء الله تعالى الخ، انما يتداعى بذهنه من خلال عبارة "يا مرتب" الى عظمته تعالى في الابداع، والخير... الخ... ******* بعد ذلك تواجهنا عبارة "يا مخوف" ثم "يا محذر" والحق ان هاتين العبارتين متجانستان في دلالتهما، لان "التخويف" هو: أن يلفت نظرك الى العقاب من خلال الاشارة الى الوقوع فيه متمثلاً في شدائد الحياة او الآخرة،.. واما "لتحذير" فهو: تلويح من امكانية الوقوع في العقاب المذكور،... وكلنا يعرف بان التعديل للسلوك السلبي عند الانسان انما يتم من خلال العقاب او الثواب أو كليهما، حيث أوضح في عبارة متقدمة حدثناك عنها في لقاء سابق، وهي "يا مرغب" : اي الاشارة الى "الثواب" ،... اما الآن فقد استخدم الاشارة الى العقاب متمثلة في مفردة "يا مخوف" ومفردة "يا محذر" ثم مفردة "يا مذكر" ... وهي مفردات تبدأ من الأشد الى الأخف، اي تبدأ من الاشارة الى العقاب الأشد درجة ألا وهو: التخويف بدخول النار مثلاً ـ اعاذنا الله منها ـ ثم بالأخف وهو "التحذير" ثم بالأخف وهو التذكير... والسؤال الدلالي هو: ماذا يستخلص قارئ الدعاء من هذا التسلسل في ذكر العبارات المشيرة الى "العقاب" اي: عبارة "التخويف" "التحذير" ثم "التذكير" ؟ هذا مانبدأ بتوضيحه؟... ******* قارئ الدعاء قد يتساءل: ان ما يتوقع هو: البدء بما هو اخف كالتذكير "فان الذكرى تنفع المؤمنين" ثم التحذير حيث ان من حذرك يعني: الفت نظرك الى الاحتياط في العمل، ثم التخويف، وهو الوقوع بالعذاب النازل، ولكن الدعاء فعل العكس.. فما هو السر؟ الجواب: في تصورنا، ان كل شيء اما ان يبدأ من المجمل الى المفصل، او من المفصل الى المجمل، او من الكل الى الجزء أو من الجزء الى الكل بحسب ما يتطلبه الموقف،.. فهنا: عرض مقطع الدعاء ما هو الاشد ثم الأخف حتى يجعل القارئ على استعداد لتعديل سلوكه من خلال فسح الأمل لديه بالحصول على الثواب بعد ان لوح له بالشديد من العقاب... ******* ختاما: نسأله تعالى ان يوفقنا الى مرضاته، وان يوفقنا الى ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب... شرح فقرة: "اللهم: اني اسألك باسمك: يا مسبب، يا مرغب، يا مقلب..." - 293 2011-03-29 09:48:14 2011-03-29 09:48:14 http://arabic.irib.ir/programs/item/7258 http://arabic.irib.ir/programs/item/7258 نواصل حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها: دعاء الجوشن الكبير،حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن أحد مقاطعه الجديدة،حيث بدأ على هذا النحو "اللهم: اني اسألك باسمك: يا مسبب، يا مرغب، يا مقلب... الخ" هذه المفردات او الصفات تظل منتسبة من حيث الصياغة اللغوية الى المفرد من الصفات مقابل المركب منها مثل "ارحم الراحمين" ... والمهم هو: ان نحدثك عن كل منها، ونبدأ ذلك بمفردة "يا مسبب" .. فماذا نستلهم منها؟ ******* لا ترديد ان الله تعالى هو صاحب الفاعلية الكونية، اي: الوجود بأكمله هو: ابداعه تعالى... كل ما في الامر ان الله تعالى اكسب سواه او سبب لسواه أن يمارس هذا لسلوك أو ذاك، فمثلاً: ان الله تعالى هو الخالق للانسان، وهو الخالق لقواه العقلية، وهو الخالق سائر الموجودات والمسبب لها بأن تمارس هذه الفاعلية او تلك من نحو التوظيف للملائكة مثلاً، بان تتنزل باذن ربها من كل أمر.. وهكذا... وهذا يعني ان "المسبب" هو الله تعالى، وهذا ما يفسر لنا دلالة ما تعنيه كلمة "مسبب" .. والادراك لهذه الحقيقة تجعل قارئ الدعاء منتبهاً على عظمة الله تعالى، وأنها هي صاحب الفاعلية الوجودية، وان العبد لا يملك لنفسه ولا ضرا ولا حياة ولا نشوراً. ******* بعد ذلك تواجهنا عبارة "يا مرغب" .. فماذا نستلهم منها؟ ان كلاً من الترغيب والترهيب يظل من الوسائل، المسببة لتعديل سلوك الانسان، اي: التشجيع لعمل الخير، والتخويف من عمل الشر، الترغيب الى رضاه تعالى والجنة، والتخويف من غضبه تعالى والنار... ومما لا شك فيه ان الترغيب والترهيب قد يتآزران في موقف ما لتعديل السلوك، وقد يكون الترغيب هو المناسب في سياقات خاصة وان الترهيب قد يناسبه سياق آخر، وهكذا... ******* بيد ان الترغيب يظل في الغالب هو الأكثر استخداما، تجانساً مع رحمته تعالى، حيث وردت النصوص الشرعية الآمرة بان ندعو الآخرين الى الايمان بالله تعالى من خلال الاشارة الى ان المطلوب هو: التحبيب حتى نشجع الآخرين على تعديل سلوكهم. ******* بعد ذلك نواجه عبارة "يا مقلب" وهي: تعني جملة دلالات، منها: انه تعالى مقلب القلوب مثلاً بمعنى جعلها متحولة من حال الى حال: كما ورد في أحد الادعية هذا النص "يا مقلب القلوب والابصار ثبت قلبي على دينك، ولا تزغ قلبي بعد اذ هديتني" والنكتة التي يتعين علينا ان نلاحظها هي: ان نتداعى بأذهاننا الى العبارة الاولى "يا مسبب" والعبارة الثانية "يا مرغب" ثم الثالثة "يا مقلب" لنجد كيف ان النص جانس بين هذه الدلالات فمادام "المسبب" هو الله تعالى لا سواه، ومادام الله تعالى هو المرغب لنا معطى الممارسة العبادية، اذن: هو "المقلب" قلوبنا الى ممارسة عمل الخير، وبذلك نتبين مدى جمالية هذا المقطع وسواه من مقاطع الدعاء من حيث التجانس بين الدلالات المطروحة بالنحو الذي اوضحناه. ******* ختاما :ً نسأله تعالى ان يوفقنا الى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "يا مَنْ هو في حكمته عظيم..." - 292 2011-03-12 09:11:20 2011-03-12 09:11:20 http://arabic.irib.ir/programs/item/7224 http://arabic.irib.ir/programs/item/7224 نواصل حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها: دعاء "الجوشن الكبير" ، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه "يا مَنْ هو في حكمته عظيم، يا مَنْ هو في احسانه قديم، يا مَنْ هو بمن اراده عليم" ... بهذه الفقرات الثلاث ينتهي احد مقاطع الدعاء،... ويعنينا ان نحدثك اولاً عن فقرة "يا مَنْ هو في حكمته عظيم" ... وهذه العبارة ترتبط بما سبقتها وهي عبارة "يا مَنْ هو في عظمته رحيم" ... حيث حدثناك عنها "في لقاء سابق" ولكن الموضوع مادام مرتبطا فيما بين هاتين العبارتين من خلال مفهوم "العظمة" التي تكررت مرتين، مرة وردت في سياق ان رحمته عظيمة، ومرة في سياق انه تعالى حكيم في "عظمته" وفي حكمته "عظيم" مقابل "في عظمته رحيم" ... ترى ما هي النكات الدلالية التي ينبغي ان نستخلصها من هاتين العبارتين؟ ******* لا ترديد في ان الله تعالى "عظيم"، والعظمة هي عنوان يتدرج ضمنه كل صفاته تعالى، بمعنى انه "عظيم" في قدرته، في علمه، في حلمه في ارادته، في رحمته،... الخ "وقد اشرنا الى هذه الظاهرة في لقاء سابق" ولكن الجديد في الموضوع هو: ان الله تعالى في عظمته "رحيم" اي: ان عظمته التي تغمر جميع الظواهر في شتى الميادين، شدد الدعاء في "الرحمة" من العظمة المذكورة، بمعنى ان عظمته في المقام الاول هو الرحمة حيال عباده، وهذا هو منتهى ما يمكن تصوره من رحمته تعالى،... وهل غير الرحمة من الله تعالى نتطلع اليها؟... واما العبارة الثانية، فان "العظمة" ربطها مقطع الدعاء بالحكمة فقال "يا مَنْ هو في حكمته عظيم" ولم يقل "عظيم في حكمته" كما قال "رحيم في عظمته، في رحمته عظيم"... فما سر ذلك؟ ******* مادمنا قد استخلصنا ان رحمة الله تعالى هي: العنوان الاشد خطورة في تطلعنا الى رحمته تعالى، حينئذ نتجه الى "الحكمة" الالهية في مطلق صفاته التي يتعامل من خلالها مع الوجود، وفي مقدمته: حكمة الاختبار او الامتحان او الممارسة العبادية التي خلق الله تعالى الانسان من اجلها، حيث لا تنفصل عنها "الرحمة" و"الحكمة"، بمعنى انه تعالى "حكيم" في عظمته وعظيم في رحمته، بالنحو الذي اوضحناه. ******* بعد ذلك نتجه الى عبارة "يا مَنْ هو في احسانه قديم"... فماذا نستخلص منها؟ الجواب: مادامت رحمته تعالى مجسدة لعظمته، ومادامت الحكمة هي: المجسدة لإبداعه تعالى، حينئذ فان الرحمة واجد تجسيداتها المهمة ونعني، بها: الاحسان تظل فارضة فاعليتها أزلياً،... وعبارة "قديم" تعني: الأزلية كما هو واضح... وهذا ما يضفي على مفهوم الرحمة احد مصاديقها الاشد بروزاً في تطلعاتنا الى عظمة الله تعالى، ونعني بها "الاحسان" من الله تعالى ازلياً حيث لا وجود لما يضادها وهو الإساءة، اي: نحن مع ما هو ايجابي ازلياً مقابل ما هو السلبي من سلوك البشر مثلاً... اذن: ادركنا دلالة ما تعنيه عبارة "يا مَنْ هو في احسانه قديم"... وتبقى العبارة التي يختم بها المقطع الدعاء المذكور، وهي "يا مَنْ هو بمَنْ ارادة عليم" تري: ما هي الاستخلاصات التي يمكن لنا ان نتبينها من العبارة المتقدمة؟ ******* في تصورنا، ان العبارة المذكورة، وتعني بها "يا مَنْ هو بمن اراده عليم" تنسحب على جملة دلالات، الاستخلاص الاول هو: لا ترديد في ان الرحمة، ومفردتها التي ابرزها الدعاء ونعني بها الاحسان، لا تنفصل عن مستوى الممارسة العبادية للانسان، حيث لا يستوي الذين يعلمون مع الذين لا يعلمون، وحيث لا يستوي المؤمن مع الفاسق، وحيث لا يستوي المتقي مع المنحرف... الخ... وحينئذ، فان الله تعالى تبعا لحكمته يتعامل مع عباده بقدر تعاملهم الايجابي مع الله تعالى، حيث يعلم هو مدى الصدق او درجته مقابل من يتظاهر او يتراءى أو مقابل الظاهر الذي يعرفه الآخرون ولكن الله تعالى، هو العارف صدق ذلك او كذبه... الخ... اذن: نستخلص مما تقدم بان الله تعالى هو العالم بسرائر العبد، ويتعامل تعالى خلال احسانه بقدر احسان العبد، حيث يقرر تعالى "وهل جزاء الاحسان إلا الإحسان".. "سائلين الله تعالى ان يوفقنا الى ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. شرح فقرة: "يا من هو بمن رجاه كريم..." - 291 2011-02-26 10:16:09 2011-02-26 10:16:09 http://arabic.irib.ir/programs/item/7223 http://arabic.irib.ir/programs/item/7223 نتابع حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها: دعاء (الجوشن الكبير) حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: "يا من هو بمن رجاه كريم، يا من هو بمن عصاه حليم، يا من في عظمته رحيم... الخ"... هذه الفقرات الثلاث من مقطع الدعاء، تتناول عظمة الله تعالى في رحمته التي لا حدود لها،... انها تتحدث عن كرمه تعالى وحلمه تعالى ورحمته بها تعالى... وسنوضح الآن كلاً من هذه المفردات الثلاث ونبدأ ذلك اولاً بمفردة (يا من هو بمن رجاه كريم)... فماذا نستلهم؟ ******* الرجاء هو: ان تلتمس من الله تعالى بأن يحقق لك ما تأمله من الاشباع لحاجاتك... يستوي في ذلك ان يكون الرجاء: مزيداً من الاشباع او تجاوزاً عن الذنب، اي: قد تطلب من الله تعالى ان يوفقك للطاعة، وقد تطلب منه ان يغفر لك المعصية،.. انه تعالى كريم في الحالات جميعاً،... بيد ان الملاحظ ان فقرة "يا من هو بمن رجاه كريم" قد اعقبتها عبارة "يا من هو بمن عصاه حليم"... فماذا نستخلص من هذه الملاحظة؟... اي: ان قارئ الدعاء يتسائل: ما هو السر الكامن وراء التأكيد على ظاهرة حلم الله تعالى حيال عبده العاصي: مع ان الرجاء يشمل – كما قلنا – تحقق الطاعة والتخلص من المعصية؟ الجواب: من الواضح، ان ترك الذنب اولى أو أشد اهمية من العمل المندوب مثلاً حيث ان المزيد من الطاعة يأخذ دلالة بعد تحقق الطاعة الاعتيادية، اي: ترك المعصية وممارسة الواجب،..من هنا، فان الحديث عن تجاوزه تعالى عن معصية العبد يأخذ اولويته وفق ما ذكرناه، وهو يفسر دلالة توجه الدعاء الى ان يطلب قارئ الدعاء غفران الذنب، متجسداً في التأكيد علم (حلم) الله تعالى حيال عبده العاصي. ******* بعد ذلك نواجه عبارة "يا من هو في عظمته رحيم"... فما هي صلة هذه العبارة بما سبق؟ الجواب: من البين، ان الله تعالى حينما يحقق رجاء عبده في تحقق الطاعة وتجنب المعصية أو التجاوز عنها، حينئذ فان "الرحمة" تظل هي المفسر لهذا النمط من العناية الالهية بعبده، وهو ما يفسر مفردة "عظمته" تعالى، اي: ان الله تعالى "عظيم" في الصفات جميعا، في القدرة، والابداع، والعلم، والارادة،... الخ، ومنها: من "الرحمة"، وهذه العظمة في الرحمة هي المفسرة لنا مدى ما نرجوه من الله تعالى من الرعاية، سواء اكانت الرعاية متجسدة في التجاوز عن خطيئاتنا أو التوفيق للمزيد من طاعتنا. ******* بعد ذلك نواجه مفردات تتصل بحكمته تعالى وبعلمه، وبقدمه في الاحسان، وهي صفات من عظمته تعالى، نحدثك عنها في لقاء لاحق ان شاء الله تعالى. ******* ختاماً: نسأله تعالى ان يرعانا بعظمة رحمته، وان يوفقنا الى الطاعة، والنصاعد بها الى النحو المطلوب. شرح فقرة: "يا مكون كل شيء ومحوّله، ..." - 290 2011-02-12 08:52:21 2011-02-12 08:52:21 http://arabic.irib.ir/programs/item/6540 http://arabic.irib.ir/programs/item/6540 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي يختم بهذه الفقرات الثلاث: (يا مكون كل شيء ومحوله، يا محيي كل شيء ومميته، يا خالق كل شيء ووارثه). هذه الفقرات الثلاث تتحدث عن موضوعات متجانسة: اتساقاً مع ما سبقتها من الفقرات التي تقابل بين شيئين، المهم، نبدأ الآن نحدثك اولاً عن عبارة (يا مكون كل شيء ومحوله)، فماذا نستلهم؟ التكوين هو: البدأ بالشيء، والتحول هو: الانتقال من الشيء الی شيء آخر، اذن: التقابل بين التكوين والتحول هو: تعبير عن احد مظاهر عظمة الله تعالی، فمثلاً: الحالة البشرية بنحو عام هي: مجموعة صفات أو طباع أو امزجة أو اوضاع تتصل بما هو نفسي أو عقلي أو جسمي أو مادي، وهذا هو (التكوين)، ولكن الله تعالی (يحول) الحال الی نمط آخر: بحسب متطلبات الحكمة،.. وقد ورد في احد الادعية: (يا محول الحول والاحوال، حول حالنا الی أحسن حال) وهذا يعني ان التكوين والتحول في الحالة البشرية او حتی في الحالة الكونية بشكل عام: خاضع لارادته تعالی في تكييف الامور بحسب متطلبات الحكمة، وبالنسبة الی قارئ الدعاء لابد وان يتداعي بذهنه من مصطلح (التحول) الی (احسن حال)، وهذا ما نتوسل به الی الله تعالی في تحققه ان شاء الله تعالی. بعد ذلك نواجه عبارة (يا محيي كل شيء ومميته)، فماذا نستلهم؟ الاحياء والاماتة من الظواهر المعبرة عن عظمته تعالی حتی ان سورة البقرة مثلاً تظل في أحد محاورها متناولة ظاهرة الاماتة والاحياء، فمثلاً: في قصة ابراهيم (عليه السلام) مع الطيور الاربعة، تتناول اماتة الطيور واحيائها، وفي قصة المار والمتسائل عن بعض القری: امات الله تعالی هذا الشخص 100 سنة ثم أحياه، وفي قصة المجموعة البشرية التي قال لها تعالی: مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ. اولئك جميعاً تجسد قصصاً معبرة عن ظاهرة (الاماتة والاحياء)، بصفتهما من مظاهر عظمته، وهو مما يتداعي بذهن قارئ الدعاء الی موت الانسان واحيائه: وصلة ذلك بوظيفته العبادية وما يترتب عليها من الجزاء: كما هو واضح. بعد ذلك يختم مقطع الدعاء بعبارة (يا خالق كل شيء ووارثه)، وهي عبارة تتطلب شيئاً من الايضاح: بخاصة انها قد تتماثل مع عبارة (يا مكون كل شيء ومحوله). فما هو الفارق بينهما مثلاً، وما هي النكات الكامنة وراء ذلك؟ من البين ان الفارق بين عبارة (يا خالق) وعبارة (يا مكون) هو: ان الخلق هو الابداع للشيء بعد عدمه، اي: بداية الشيء، اما التكوين فهو مرحلة تالية: كخلق الطفل مثلاً، ثم تكوينه من حيث مراحل نموه مثلاً، ومن ثم: من حيث الانتهاء من ذلك الی تحوله من حال الی حال، وبهذا نتبين الفارق بين (خلق) الشيء في عبارة (يا خالق كل شيء) وعبارة (يا مكون كل شيء) واما الفارق بين (محول) الشيء وبين (وارث الشيء) فواضح، حيث ان (التحول) كما قلنا: هو الانتقال من حالة الی اخری، اما (الوارث) فتعني: ان الله تعالی يرجع اليه الشيء بعد فنائه، وانه تعالی: الباقي بعد فناء الشيء، حيث يرتد بعد فنائه: سواء اكان الشيء مادياً او بشرياً. اذن امكننا ان نتبين جملة من الفوارق بين العبارات المتقدمة، ومن ثم: استخلاص عظمة الله تعالی في ابداعه وتكوينه للوجود سائلين الله تعالی ان يوفقنا الی ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الی النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "يا قابض كل شيء وباسطه، ..." - 289 2011-02-09 09:01:15 2011-02-09 09:01:15 http://arabic.irib.ir/programs/item/6539 http://arabic.irib.ir/programs/item/6539 نتابع حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير) حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا قابض كل شيء وباسطه). تری: ماذا يستلهم قارئ الدعاء من الفقرة المذكورة؟ المعنيون بشؤون الدعاء يذهبون الی ان كلمة (القابض) تنسحب علی جملة امور، منها: (الملك) وهذا يتسق مع قوله تعالی: «وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ومن جملة دلالاته: انه تعالی الآمر بقبض الارواح، الاان الدلالة الاشد توهجا هي: انه تعالی قابض للارزاق وفق حكمته،اي: كما انه باسط للارزاق من جانب، فانه قابض لها من جانب آخر بحسب متطلبات الحكمة، وحيث الدلالة تتسق مع مقابلها (الباسط) حيث يتداعي الذهن من ذلك الی انه تعالی يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ. بعد ذلك نواجه فقرة: (يا مبدئ كل شيء ومعيده). فماذا نستلهم من الفقرة المذكورة؟ ان قارئ الدعاء لابد وان يتداعي ذهنه من عبارة (يا مبدأ كل شيء ومعيده) الی خلق الانسان واماتته واعادته يوم القيامة، ولعل قارئ الدعاء يتساءل عن النكتة الكامنة وراء فقرة هذا الدعاء المكتفية بعبارة (مبدئ) و (معيد) دون ذكر الوسط الا وهو الاماتة؟ الجواب: في تصورنا، ان الاشارة الی (المبدئ)، تعني: لفت النظر الی ابداعه تعالی واما (المعيد) فتعني لفت النظر الی اليوم الآخر، وما يترتب عليه من الجزاء الايجابي والسلبي، ويمكن لقارئ الدعاء ان يستخلص دلالة اخری وهي: ان البعض من المنحرفين (وهذا ما أكده القرآن الكريم في نصوص متنوعة) يتساءلون عن امكانية (الاحياء)، حيث يجيبهم القرآن الكريم بان الذي خلق الانسان بقادر علی ان يحيی الموتی وهكذا. اذن بمقدور قارئ الدعاء ان يستكشف اكثر من دلالة عبر قراءته لفقرة الدعاء المذكورة. بعد ذلك نواجه عبارة (يا منشيء كل شيء ومقدره). فماذا نستخلص منها؟ الجواب: تنبغي الاشارة اولاً الی الفارق بين هذه العبارة البادئة بمظهر أو صفة (يا منشيء كل شيء) وعبارة (يا مبديء كل شيء) حيث حدثناك عنها في العبارة السابقة ونجيب: ان الفارق من الوضوح بمكان، فالمبديء تعني: ابتداء الشيء او اعادته بعد الانتهاء (كما هو ظاهر في خلق الانسان واحيائه). اما فقرة (يا منشيء كل شيء ومقدره) فنتناول ظاهرة اخری تتصل بتدبير الأمر، وهذا من نحو نشأته تعالی للسحاب مثلاً، وللشمس مثلاً، ولسائر مظاهر الطبيعة، حيث ان انشاءها يرتبط بظاهرة تدبيرها وتكييفها مع الاهداف الكامنة وراءها، فقد اشار القرآن الكريم مثلاً في الآية الكريمة الی هذه الدلالة بقوله تعالی: «وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ» او «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ»، وهو نفس مااقتبسه الدعاء في عبارة (يا منشيء كل شيء ومقدره)، حيث تتضمن معنی انه تعالی انشأ كل شيء وقدر نسبته المطلوبة بحيث لوزاد او نقص من الماء أو حرارة الشمس: لاضطرب الوجود: كما هو واضح. ******* شرح فقرة: "يا رب كل شيء وصانعه، ..." - 288 2011-01-12 08:48:03 2011-01-12 08:48:03 http://arabic.irib.ir/programs/item/6538 http://arabic.irib.ir/programs/item/6538 نتابع حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها: دعاء الجوشن الكبير، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا ربّ كل شيء، وصانعه، يا باريء كلّ شيء وخالقه، . . .). هاتان العبارتان متجانستان في دلالتهما المشيرة الی الله تعالی من حيث انه الربّ والصانع، اي: المبدع وما خلق، كما ان الفقرة الثانية ايضاً تتضمن مصطلحين متجانسين هما: الباريء والخالق. حيث يشيران الی ابداعه تعالی للخلق، اذن نحن الآن امام اربعة مصطلحات او مظاهر من عظمة الله تعالی، حيث قد يخيّل للبعض انها ذات دلالة واحدة كالخالق والرب والبارئ والصانع ولكنها - كما سنری - متفاوتة الدلالة والآن لنعرض الی دلالة كلّ من المصطلحات الأربعة. المصطلح الاول هو (الربّ)، والربّ يطلق علی ماله صلة بالتدبير والتربية ونحوهما، ولذلك نجد في سورة الناس مثلاً عبارة «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ»، حيث ان الرب غير ما تعنيه دلالة (الإله)، ولها غير ما تعنيه دلالة (الملك)، والامر كذلك، ان عبارة (يا رب كل شيء) تظل متفاوتة عن المصطلحات المذكورة، والسؤال الآن هو: ما هو الفارق بين (الرب) و (الصانع) في عبارة (يا ربّ كلّ شيء وصانعه). قلنا الرب هو ما يشير الی عظمته تعالی في ميدان التدبير والتربية ونحو ذلك، اما (الصانع) فتعني ما يصنعه تعالی من الظواهر: كالطبيعة مثلاً وما تفرزه من الزراعة، أو الارض وما تفرزه من المعادن، وهذا يعني: ان الله تعالی هو المدبّر والمدير لكل شيء، وهو الصانع لكل شيء حتی لو كان بالوساطة، كما صنع لنا موارد الطبيعة، وسخرها للانسان يصنع منها ما يحتاج إليه، ويخلق القابلية لدی البشر للصنع من خلال خلقه للعبارة الذهنية وخلقه لادوات الانتاج، وهكذا. ونتجه إلی العبارة الاخری وهي: (يا بارئ كلّ شيء وخالقه). فماذا نستلهم من ذلك!! ان (الخالق) هو مطلق ابداعه تعالی للمخلوقات، ولكن (البارئ) هو: الابداع من العدم، وقد تسأل وتقول: أذن ما الفارق بينهما مادام كلاهما يعني: عملية الخلق؟ الجواب: هنالك فارق بين ان يخلق تعالی الشيء من العدم، كخلقه السماوات والارض مثلاً، وبين خلقه للشيء في مرحلته الثانية مثلاً، وهذا كما لو قلنا انه تعالی خلق الارض او التراب من العدم، حيث ينسحب عليه مصطلح (بارئ)، ولكنه تعالی خلق الانسان من التراب، بمعنی انه تعالی خلق (ليس من العدم) الجنس البشري بل من التراب الذي خلقه من العدم: وهذا من الوضوح بمكان والأهمية المترتبة علی ذلك ان ذهن قارئ الدعاء يتداعي إلی ان كل شيء في الوجود هو من ابداعه تعالی سواءا كان ذلك من العدم اولاً أو من الشيء المخلوق ثانياً. ******* شرح فقرة: "يا مرضي، يا منجي، ..." - 287 2010-12-29 09:39:58 2010-12-29 09:39:58 http://arabic.irib.ir/programs/item/6358 http://arabic.irib.ir/programs/item/6358 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي يختم بهاتين العبارتين: (... يا مرضي، يا منجي، ...). فماذا نستلهم منهما؟ هاتان العبارتان هما امتداد لما سبقتهما من العبارات المتجانسة دلالة وصياغة، حيث تتسم جميع مقاطع الدعاء بهذين الاسلوبين: التجانس دلالياً وجمالياً والمهم الآن هو: ملاحظة ما تعنيه العبارتان او المظهران من عظمة الله تعالی. العبارة الاولی تقرر بان الله تعالی هو (المرضي) . فماذا تعني؟ لو قرآنا العبارة السابقة علی عبارة (يا مرضي) لوجدناها متمثلة في عبارة (يا محيي) وهذا يعني: ان كلمة (محيي) هي: احياء الاموات في اليوم الاخر، ومحاسبتهم، لذلك تجيء عبارة (يا مرضي) لتتداعي بالاذهان الی ان الله تعالی (يرضي) عباده بما يحكم عليهم، وهو العادل، بل هو الرحيم الذي تسبق رحمته عدالته وهذا هو الرضوان من الله تعالی. بعد ذلك نواجه عبارة او مظهر (يا منجي). فماذا نستلهم منها؟ طبيعياً عندما يرضي الله تعالی عباده من خلال الحكم عليهم بالنحو المرضي، حينئذ فان (النجاة) تظل هي: المحددة لموقع الشخصية الخالد، وهو: الجنة ورضاه تعالی (سائلين الله تعالی) ان يمنحنا رضاه والجنة بحق محمد وآله الطاهرين. والآن مع مقطع جديد من الدعاء، يبدأ علی هذا النحو: (يا أول كُلَّ شَيْءٍ وآخره،...)، تری: ماذا نستلهم من العبارة المذكورة؟ الجواب: هذه العبارة ترشح بأكثر من دلالة واحدة، انها - من جانب - تتحدث عن صفة (الاول) و (الآخر) وهما صفتان لله تعالی، حيث يمكن ان تتداعي باذهاننا منهما الی الدلالة الآتية: فبالنسبة الی صفة (الاول)، فان الذهن ينصرف الی انه تعالی هو (الاول) بالنسبة الی الاشياء، التي خلقها تعالی، اي: الموجود قبل كُلَّ شَيْءٍ ، وهو ما يتسق تماماً مع العبارة (يا أول كُلَّ شَيْءٍ) ولا شيء قبله والأمر كذلك بالنسبة الی عبارة (الآخر) ، حيث انه الباقي بعد فناء خلقه. بعد ذلك نواجه (يا اله كُلَّ شَيْءٍ ومليكه)، هذه العبارة امتداد لسابقتها: كما هو واضح، فما دام تعالی هو اول كُلَّ شَيْءٍ: حينئذ فهو المعبود من قبل خلقه الذي أنشأه، وهو المالك له او المليك له، بمعنی: ان من خلقه او ما خلقه يظل مالكاً له، وهي اي صيغة (مليك) صيغة مبالغة لـ (المالك): كما هو واضح، وهو تعبير - من الزاوية البلاغية - يعني: هيمنته وملكيته للكون بنحو مطلق. بعد ذلك نواجه عبارة (يا رب كُلَّ شَيْءٍ وصانعه) وهي عبارة تتطلب شيئاً من التوضيح، بصفة ان (الرب) مع انها مشتركة مع (الاله) في الجملة السابقة، اي: جملة (يا اله كُلَّ شَيْءٍ) فانها تفترق بمعنی آخر وكذلك عبارة (صانعه) تفترق عن عبارات لاحقة ترتبط بما هو مشترك علی نحو ما نوضحه لاحقاً ان شاء الله تعالی. ******* شرح فقرة: "يا مغني، يا مقني، يا محيي، ..." - 286 2010-12-22 09:15:56 2010-12-22 09:15:56 http://arabic.irib.ir/programs/item/6357 http://arabic.irib.ir/programs/item/6357 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا مغني، يا مقني، يا محيي، يا مرضي، يا منجي)، هذه العبارات يختم بها احد مقاطع الدعاء ويعنينا منها: ان نحدثك عن التناص او الاقتباس او التضمين: اولاً: ثم عن الدلالات المختلفة فيها. ثانياً: وهو مما يخص بعض المظاهر المتقدمة ونبدأ بالحديث، اولاً: عن عبارتي (يا مغني، يا مقني). فماذا نستلهم منها؟ لقد انتخبنا هاتين العبارتين لأرتباطهما من جانب، ولو رودهما في النص القرآني الكريم بهذا الترتيب والثنائية، ثانياً: اما ورودهما في القرآن الكريم فبهذا النحو عن الله تعالی: «وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى»، وتقول النصوص المفسرة ان هاتين العبارتين تعنيان اما، ان الله تعالی اغنی الانسان ثم ارضاه، فيكون معنی «أَقْنَى» هو (ارضی)، واما ان تعنيان انه تعالی «أَغْنَى»، ثم ازاد في ذلك، الا ان التدقيق في هذا الشأن يقتادنا الی دلالة ثالثة هي: انه «أَغْنَى» وافقر والدليل علی ذلك هو: ان في المقطع بعد هاتين العبارتين تجئ عبارة (يا مرضي)، وهذا يعني: ان المقصود من «أَقْنَى» هو (ارضی) ليس بصحيح، لانه تكرار، والقرآن الكريم منزه عن ذلك. أما النقطة الاخری التي نقترح ان نحدثك عنها فهي: التقابل بين «أَغْنَى» و«أَقْنَى»، حيث ان ورودهما بمعنی «أَغْنَى» وافقر يتساوق - فضلاًً عمّا تقدم - مع العبارة القرآنية المقتبسة، حيث ان ورود التوسعة في الرزق والاقتصاد أو الاقتار يظلان في صالح الشخصية، وقد وردت نصوص كثيرة تشير الی ان الشخصية اذا اغتنت فان الغنی ليس في صالح بعض الناس، والامر كذلك بالنسبة لمن يفقره الله تعالی، حيث ان الفقر قد يضره فيغنيه الله تعالی، وحيث ان البعض يضره الغنی فيفقره الله تعالی، وهذا هو الانسب في سياق هذا المقطع وفي سياق النص القرآني الكريم. بعد ذلك نواجه عبارة (يا محيي)، فماذا نستلهم منها؟ الجواب: هذه العبارة تتشح بأكثر من دلالة فقد تعني: احياء الموتی وهو الاقرب الی تداعي الاذهان، وقد تعني الاحياء بمعناه الاعم وهو: تحقيق الاشباع لحاجات الانسان، ولكننا نميل - كما اشرنا - الی ان المقصود من (محيي) هو: احياء الموتی، نظراً لورود هذه الدلالة في نصوص مختلفة ترتبط بمفهوم اليوم الاخر واهمية هذا اليوم بصفته يَوْمِ الْحِسَابِ من جانب، وبصفته الدار الابدية الخالدة من جانب ثان، وبصفته المنبه العبادي للانسان حتی لا يتوانی عن ممارسة الطاعة، وتحقيق الخلافة في الارض، او العمل العبادي الذي خلق الله الانسان لممارسته. ******* شرح فقرة: "يا مطعم، يا منعم، يا معطي، ..." - 285 2010-12-08 09:17:57 2010-12-08 09:17:57 http://arabic.irib.ir/programs/item/6356 http://arabic.irib.ir/programs/item/6356 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا مطعم، يا منعم، يا معطي، ...). ان هذه الصفات او المظاهر من عظمته تعالی: امتداد لما سبقها من مظهر (يا مكرم) حيث استفتح بعبارة (يا مكرم) مقطع الدعاء الجديد، فيما يعني: ان كلمة (مكرم) هي: صفة عامة ترتبط باكرامه تعالی لعباده، ثم تأتي مصاديق الاكرام، ومنها (يا مطعم). الاطعام هو اهم مصاديق الاكرام: كما هو واضح فالطعام بحسب تصنيفات علماء النفس للدوافع أو الحاجات يعد من اهمها بحيث تتوقف حياة الانسان علی طعامه وشرابه، لذلك - من الزاوية الدلالية - يجئ الحديث عن الاطعام في مقدمة اشكال الاكرام الذي بدأ به، اذن جاءت العبارة (يا مطعم) لها سياقها الدلالي الملفت للنظر: كما أشرنا. بعد ذلك تواجهنا عبارة (يا منعم). فماذا نستلهم منها؟ طبيعياً الانعام هو من الاكرام، والفارق بينهما هو: ان الانعام يعني: انه تعالی تفضل علی عبده بالنعمة، وهي بدورها انماط ومستويات متنوعة، وفي مقدمتها: ما طاب وما رغد من العيش، لذلك عندما نواجه عبارة (يا منعم) بعد عبارة (يا مطعم)، نستخلص دلالة جديدة، وهي: انه تعالی اطعمنا بما هو رغد وطيب من النعم. بعد ذلك نواجه عبارة (يا معطي). فماذا نستلهم منها؟ في تصورنا ان قارئ الدعاء سيقول لنا: ان كل هذه العبارات متماثلة في دلالتها فالاكرام والانعام والاطعام والاعطاء جميعاً ذات دلالات متشابهه، فماذا نستخلص من الفارقية بينهما وبين عبارة (يا معطي)؟ الجواب: مما لا ترديد فيه ان العطاء له مصاديق كثيرة، فبعد ان عرفنا بان (الانعام) - وهي العبارة السابقة لعبارة (يا معطي) تعني: ما رغد وطاب، حينئذ تأتي عبارة (يا معطي) لتشير الی انواع ما لذ ّ وما طاب حيث لا حدود لذلك، من هنا، فان قارئ الدعاء سوف يستخلص سريعاً بان عبارة (يا معطي) هي: مطلق ما طاب ولذ ّ من عطاءات الله تعالی المختلفة. بعد ذلك نواجه عبارة (يا مغني) وهي عبارة ترتبط بسابقتها: كما سنوضح لك الان. ان الاغناء هو: الاشباع التام للحاجات، حيث نعرف تماماً ان حاجات الانسان قد لا يتم اشباعها وقد يتحدد بمقدار، وقد يتم علی النحو المطلوب، وهذا النمط الاخير هو: قمة الاشباع: كما هو واضح، ولذلك نجد عبارة (يا مغني) تعني ان الله تعالی قدم لنا من العطاءات ما يشبع ويغني، وهذا بدوره ارتباط دلالي بين العبارة السابقة (يا معطي) وبين العبارة اللاحقة (يا مغني) حيث تعني: ان الله تعالی يعطينا حد الاشباع التام. اذن امكننا ان ندرك من الزاوية البلاغية والدلالية هذه الصفات او المظاهر التي تدرج بترتيبها مقطع الدعاء حيث بدأت بعبارة (يا مكرم) ثم ما تلاها من العبارات المترتب كل منها علی ما سبقها بالنحو الذي اوضحناه. ******* شرح فقرة: "يا من هو خبير بكل شيء، ..." - 284 2010-12-01 09:02:16 2010-12-01 09:02:16 http://arabic.irib.ir/programs/item/6355 http://arabic.irib.ir/programs/item/6355 نواصل حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا من هو خبير بِكُلِّ شَيْءٍ، يا من وَسِعَتْ رحمته كُلَّ شَيْءٍ)، بهاتين العبارتين يختم مقطع الدعاء، وهما امتداد للعبارات السابقة المتجانسة فيما بينها من حيث المحور الذي تدور عليه وهو (الشيء) او «كُلَّ شَيْءٍ»، حيث نجدان «كُلَّ شَيْءٍ» هو التعبير عن المطلق، سواء كان الشيء مادياً او دلالياً، ويعيننا الآن ان نحدثك عن هاتين العبارتين، حيث نجدهما متجانستين مع ان احداهما تتحدث عن انه تعالی (خبير بِكُلِّ شَيْءٍ)، والاخری بأنّ الرحمة منه تسع كُلَّ شَيْءٍ، ولكن - كما قلنا - هاتان العبارتان متجانستان كل التجانس علی نحو ما نبدأ بتوضيحه الآن. من البين ان الخبرة بِكُلِّ شَيْءٍ او العلم بِكُلِّ شَيْءٍ، تعني: البعد المعنوي بالنسبة الی التجربة البشرية، اما الرحمة فتعني: البعد الاخلاقي او الانساني او الخير في الشخصية البشرية وغيرها ولكن اذا دققنا، النظر في التجربة البشرية نجد ان العلم قد ينفصل عن الرحمة، حيث نعرف الكثير ممن يحمل علماً ولكنه لا يعمل به، أو لا يعمل به في نطاق ما هو خير او رحمة او انسانية. وهذا بالنسبة الی التجربة البشرية يشكل انتكاسة دون ادنی شك، ولعل التطور المعرفي المعاصر يفسّر لنا كيف انه قد انفصل عن بعده الانساني، بل نجد ان، الشرّ والعدوان والانحراف، هي المسيطرة علی العالم المعاصر، والمتقدم معرفياً ولكن الأمر بالنسبة الی الله تعالی يظل شيئاً آخر هو: ما يستهدف الدعاء توصيله الينا حتی تتعمق معرفتنا بعظمة الله تعالی ورحمته اللتين لا حدود لهما. كيف ذلك؟ لقد جاءت العبارة الختامية لمقطع الدعاء متوجة بعبارة (يا من رحمته وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) وهي مسبوقة بعبارة (يا من هو بِكُلِّ شَيْءٍ خبير) مما يعني: انه تعالی في الوقت الذي يخبر كُلَّ شَيْءٍ، فان الخبرة مقرونة بالرحمة لكُلَّ شَيْءٍ، فــكُلَّ شَيْءٍ هو: خبرة، وايضاً هو رحمة، وهذا تعبير - كما قلنا - عن عظمة المعرفة وعظمة الرحمة وعدم انفصالها، ليس هذا فحسب، بل جاءت العبارة الختامية (يا من رحمته وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) خاتمه لجميع العبارات السابقة التي اشارت الی انه تعالی يكفي من كُلَّ شَيْءٍ، وقائم علی كُلَّ شَيْءٍ، ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، مما يعني: ان كُلَّ شَيْءٍ مقرون بالرحمة وليس (كالتجربة البشرية وسواها): كما اوضحنا. بعد ذلك نواجه مقطعاً جديداً من الدعاء، يبدأ علی النحو الآتي: (اللهم اني اسألك باسمك يا مكرم، يا مطعم، يا منعم، ...)، هنا قبل ان نحدثك عن هذه المظاهر وما بعدها، نلفت نظرك الی استهلال هذا المقطع بعبارة (يا مكرم)، واختتام المقطع الذي سبقه بـ (يا من رحمته وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)، اي: ان المقطع السابق تحدث عن الظواهر المتنوعة وختمها بالرحمة، اما المقطع الحالي فقد صيغ علی عكس سابقه، اي: بدأ بما هو عام ثم بما هو مصاديق له أو مجانسة وهي عبارة (يا مكرم)، فالمكرم تعني ان الله تعالی يكرم عبده، ان يتفضل عليه بالرحمة، بالتنعم، بالاشباع لحاجاته الخ، ثم تأتي مصاديق متنوعة للاكرام، منها: العبارة الثانية القائلة: (يا مطعم) ثم عبارة (يا معطي)، وهما عبارتان متجانستان: كما سنری ذلك (في لقاء لاحق ان شاء الله تعالی). ******* شرح فقرة: "يا من لا ينقص من خزائنه شيء، ..." - 283 2010-05-11 00:00:00 2010-05-11 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6354 http://arabic.irib.ir/programs/item/6354 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها: دعاء الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا من لا ينقص من خزائنه شيء، يا من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، يا من لا يعزب عن علمه شيء، ...). هذه العبارات امتداد لما سبقتها من عبارات متجانسة في مقطع الدعاء الذي نحدثك عنه، والمهم هو ملاحظة هذه المظاهر، وفي مقدمتها عبارة (يا من لا ينقص من خزائنه شيء). فماذا نستلهم منها؟ ان الله تعالی بيده خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وهي مطلقة لا حدود لها، بيد ان النكتة التي ينبغي لفت الانتباه عليها هي: ان الله تعالی عندما يمنح من خزائنه هذا الفرد أو الجماعة أو الجهة او، فان خزائنه تبقی لا نهائية، اي لا ينقص منها شيء وهذا المظهر من عظمته تعالی يجعل الشخصية ممتلئة بالثقة والاطمئنان وباليقين من ان الحاجات التي تطلبها من الله تعالی ممكنة الاشباع مهما كان حجمها ونمطها، حيث ان من بيده كُلَّ شَيْءٍ وهو رحيم بعباده لا يحجزه عن العطاء الا في حالة مااذا كانت الحاجة غير مشروعة أو ليست في مصلحة الشخصية. بعد ذلك تواجهنا عبارة (يا من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، هذه العبارة تحتاج الی مزيد من الانارة لدلالتها. الملاحظ اولاً ان هذه العبارة تتضمن أداتين تشبيهيتين هما (الكاف) و(مثل)، والملاحظ ثانياً ان الاداتين التشبيهيتين غير منفصلتين بل تظل احداهما اداة تشبيهية (وهي الكاف) دون ان يطرأ علی وظيفتها الفنية تغير ما، ولكن الاداة (مثل) هي التي نجد بانها تتحول الی (مشبه به) وهو امر يدعو الی التساؤل والدهشة مما يعني ان ثمة نكتة تكمن وراء ذلك، وهو أمر كذلك، اي يتضمن نكتة يتعين علينا ان نحدثك عنها الآن. الظاهرة المتقدمة تتصل بصفات الله تعالی، ومن ثم تتصل بصفة لها دلالتها المتفردة بالنسبة الی مفهوم التوحيد، والتوضيح الآن علی هذا النحو: ان التجربة البشرية عندما تجنح الی التشبيه انما تقارن بين شيئين يتوحدان وينتج عنهما شيء ثالث كما لو قارنا بين الجود وبين البحر فتنتج من المقارنة صفة جديدة هي (الجود) ولكن عندما ننتقل الی صفة (التفرد) لله تعالی حيث لا يمكن مقارنة ذلك بأي شيء حينئذ تنتفي ظاهرة التشبيه المألوف، وتنتقل الی تشبيه غير مألوف او لنقل الی ما ليس بتشبيه بل الی شيء وتفرد هو: ان الله تعالی لا (مثل) له اي: لا طرف آخر يماثله، ومادام الامر كذلك، حينئذ كيف نصفه؟ الجواب: الوصف يجئ بأداة تشبيه تنفي التشبيه وهي (الكاف) وحينئذ يكون المعنی علی هذا النحو: ان الله تعالی لا يماثله شيء، وعدم المماثل لا مماثل له ايضاً، اي: لا يمكننا ان نصفه بأدواتنا الحسية او المعنوية نظراً لتفرده الذي لا تفرد آخر يماثله. عند ذلك نواجه عبارة (يا من لا يعزب عن علمه شيء) وهي عبارة مجسدة لأحد انماط التفرد في عظمته الا وهو: انه تعالی عالم مطلع على كُلَّ شَيْءٍ حيث لا يغفل تعالی عن اي شيء والفارق بين عبارة لاحظناها في المقطع وهي: (يا من لا يخفی عليه شيء) وبين العبارة الحالية: (يا من لا يعزب عن علمه شيء) هو ان الاولی تعني بانه تعالی مطلع علی كُلَّ شَيْءٍ بينما الثانية تعني: انه لا ينسی او يسهو او يغفل عن الشيء، والفارق بينهما من الوضوح بمكان. ******* شرح فقرة: "يا كافياً من كل شيء، ..." - 282 2010-05-11 00:00:00 2010-05-11 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6353 http://arabic.irib.ir/programs/item/6353 لا نزال نحدثك عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء الجوشن الكبير، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الجديدة حيث يبدأ علی هذا النحو: (يا كافياً من كُلَّ شَيْءٍ، يا قائماً علی كُلَّ شَيْءٍ، يا من لا يشبهه شيء، يا من لا يزيد في ملكه شيء، ...). ونقف عند العبارة الاولی وهي: (يا كافياً من كُلَّ شَيْءٍ). من الأَسْمَاء الْحُسْنَى لله تعالی مصطلح (الكافي)، وهذا المصطلح يعني: ان الله تعالی يكفي عبده كل ما يحتاج إليه علی شتی المستويات: بخاصة اذا اقترن ذلك بثقة عبده، حيث توكل علی الله تعالی، وقد ورد في شرح هذه الصفة ان مَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ، بمعنی (يكفيه)، وهو تناص - اذا صح التعبير - عن ذلك، اي: ان عبارة (يا كافياً من كُلَّ شَيْءٍ) تظل اقتباساً او تضميناً للآية الكريمة: «مَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ». فتكون عبارة «حَسْبُهُ» بمعنی (كفايته)، وهذا هو قمة ما يتعين علی العبد ان يعيه ويعمل بموجبه، وهو: التوكل التام، على الله تعالی. بعد ذلك نواجه عبارة (يا قائماً علی كُلَّ شَيْءٍ). فماذا نستلهم منها؟ هذه العبارة بدورها (تناص) آخر، اي التضمين للآية الكريمة «اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ»، ان «الْقَيُّومُ» هو: صيغة مبالغة لصيغة (القائم): كما هو واضح، وتعني: ان الله تعالی قائم علی كُلَّ شَيْءٍ، كما هو نص عبارة الدعاء، اي: يرعی كُلَّ شَيْءٍ من حيث حفظه واصلاحه وتدبيره: كما ورد في شرح هذه الصفة لدی المعنيين بشؤون الأدعية. بعد ذلك نواجه عبارة (يا من لا يشبهه شيء). فماذا نستلهم منها؟ ان كلمة (الشيء) تظل هي المحور الذي يدور المقطع من الدعاء عليه، سواء كان (الشيء) المشار اليه: كلياً مثل القائم علی كُلَّ شَيْءٍ والكافي من كُلَّ شَيْءٍ أو مجرداً مثل العبارة التي نحن نتحدث عنها وهي (يا من لا يشبهه شيء) وما يليها مثل عبارة (يا من لا يزيد في ملكه شيء). فالمهم هو: صفة (التفرّد) لله تعالی، حيث نجد ان عبارة (يا من لا يشبهه شيء)، تعني: تفرده في فاعليته المطلقة، وكذلك عبارة (يا من لا يزيد في ملكه شيء)، حيث تعني: تفرده في مالكيته: بحيث لا يزيد ايّ شيء في انسحاب صفة التفرد في الملكية المذكورة، والنكتة في هذه العبارة هي: ان مالكيته تعالی في الدنيا والآخرة تظل هي التعبير عن فاعليته المطلقة التي يتفرد بها بحيث يتعين علينا الّا نعتمد احداً غيره تعالی في التوكل والرعاية ونحوهما مما لا حظناه في مقطع الدعاء، حيث توّج بعبارة او بدلالة تفرده في مالكية كُلَّ شَيْءٍ، بعد ذلك نواجه عبارة (يا من لا يخفی عليه شيء). فماذا نستلهم منها؟ من البيّن، ان العبارة (لا يخفی عليه شيء) تعني: العلم المطلق، ولكن النكتة هي: ان مقطع الدعاء مادام قد تمحور حول دلالة (الشيء)، حينئذ فان كُلَّ شَيْءٍ سوف يظل هوالدلالة التي يعني المقطع بابرازها، وعدم خفاء ايّ شيء علی الله تعالی يقتادنا تصورها الی ان ما نمارسه من السلوك حتی لو كان في نطاق الخاطرة مثلاً فان الله تعالی لا يخفی عليه ذلك. والافادة التي يتعين علينا ان نتوفر عليها هي: ان نعدلّ سلوكنا العبادي ونخلص في التوكل علی الله تعالی، وفي جعل النيّة لدينا تتسم بالاخلاص لله تعالی حتی في نطاق الخاطرة فضلاً عن العمل، بمعنی: ان خاطرة السوء مثلاً تعكس اثرها علی السلوك كما يترك الدخان اثره المشوه علی تزويق الجدار، وهو تشبيه ورد في النصوص الشرعية في غمرة لفت نظرنا الی ان التفكير بالسوء له اثره في تشويه السلوك العبادي فضلاً عن العمل به. اذن امكننا ان نستخلص جملة دلالات عبادية من العبارات الواردة في مقطع الدعاء، سائلين الله تعالی ان يرعانا ويكفينا من كُلَّ شَيْءٍ، ويوفقنا الی ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الی النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "يا كنز الفقراء، يا اله الأغنياء، ..." - 281 2010-10-27 00:00:00 2010-10-27 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6352 http://arabic.irib.ir/programs/item/6352 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها (دعاء الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا كنز الْفُقَرَاء، يا اله الأَغْنِيَاء، يا اكرم الكرماء)، بهذه الفقرات الثلاث ينتهي احد مقاطع الدعاء، وهي عبارات متجانسة تتحدث عن احد مظاهر عظمة الله تعالی ورحمته وهو: عطاؤه تعالی، حيث تناول الدعاء ثلاث طبقات هي: الْفُقَرَاء، الأَغْنِيَاء، الكرماء، فوصف ذاته تعالی بانه اكرم الكرماء، حيث ان الكرماء محدودون في قدراتهم المادية من جانب، والله تعالی هو المانح لهم هذه القدرة المتصلة بظاهرة الكرم، والمهم الآن هو ملاحظة هذه العبارات، وصلة بعضها من الاخر، ونقف اولاً عند عبارة: (يا كنز الْفُقَرَاء)، فماذا نستخلص منها؟ العبارة المتقدمة هي: عبارة فنية تنتسب الی ما يطلق عليه مصطلح (الاستعارة) بمعنی ان الدعاء خلع طابع (الكنز) علی عطاء الله تعالی للفقراء، وهو: استعارة فائقة يحسن بنا ان نوضحها الآن، (الكنز) - كما نعلم جميعاً - هو: مادة فخمة من النقود او المجوهرات او نحو ذلك، مما يعني: ان الكنز مورد ما لي له قيمته الكبيرة، فاذا خلع الدعاء طابع (الكنز) علی عطاء الله تعالی للفقراء فهذا يعني: ان الْفُقَرَاء لا يحتاجون الی شيء مادام الله تعالی هو الكنز لما يحتاجونه وهذا هو الكرم او الجود بما لا حدود لتصوراته ولكن: لنتجه الی طبقة الأَغْنِيَاء، وهم المقابل للفقراء لنلاحظ الصفة التي خلعها الدعاء علی هذا الجانب. لقد ذكر الدعاء صفة (اله) علی عطائه المرتبط بالأَغْنِيَاء، فالْفُقَرَاء منحهم تعالی (كنزا) لا يحتاجون الی سواه، ولكن الأَغْنِيَاء ماذا منحهم تعالی؟ لقد اوضح بانه تعالی (معبود) الأَغْنِيَاء، بمعنی: انه تعالی هو المانح للاغنياء هذه الاموال، حيث لا مصدر للانسان غير (المعبود) الذي خلق الانسان، ومنحه هذا الشيء او ذاك من القدرات المادية والجسمية والعقلية. اذن ثمة تجانس بين (الاله) وبين الأَغْنِيَاء، كما ان ثمة تجانساً بين (الكنز) وبين الْفُقَرَاء، واخيراً: ثمة عبارة ختم بها مقطع الدعاء، الا وهي (يا اكرم الكرماء) وهي عبارة تتطلب مزيداً من الاضاءة لملاحظة صلتها بعبارتي (يا كنز الفقراء) و (يا اله الاغنياء). من الواضح ان الله تعالی مادام هو المانح (كنزا) للفقراء وهو المعبود او الا له للاغنياء فهذا يعني: انه تعالی - وليس سواه - هو المصدر لما يمتلكه الفقير من كنز، والغني من قدرات محدودة، واذا كان كذلك فان الله تعالی هو (أكرم الكرماء) بطبيعة الحال، حيث يمنح الفقير والغني ما يتطلعان اليه، وبما ان البشر - ممن منحهم الله تعالی - قدرات مادية وغيرها - محدودون في قدراتهم ثم: بما ان الله تعالی لا محدودية لقدراته، حينئذ فان صفة (أكرم الكرماء) تتجانس تماماً مع هذه الدلالة التي اوضحناها. ******* شرح فقرة: "يا قاهر الأعداء، يا رافع السماء، ..." - 280 2010-10-20 00:00:00 2010-10-20 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6351 http://arabic.irib.ir/programs/item/6351 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا قاهر الاعداء، يا رافع السماء، يا أنيس الاصفياء، ...)، هذه العبارات امتداد لسابقتها من العبارات المتجانسة في صياغتها ودلالتها، انها تتحدث عن صفات الله تعالی من حيث علاقتها بالانماط المتنوعة من العباد مثل: الضعفاء، الغرباء، الاولياء، الاصفياء، الاتقياء، بيد ان الملاحظ بان صفة واحدة جاءت في سياق العشر صفات التي تنتظم كل مقاطع الدعاء، جاءت واحدة منفردة في دلالتها ومتفاوتة عن مثيلاتها الا وهي عبارة (يا رافع السماء). تری ما هو السر الممكن استخلاصه من هذه العبارة المستقلة في دلالتها اي: العبارة التي تتحدث عن رفع السماء، بينما تتحدث العبارات التسع الاخری عن الضعفاء، والغرباء، والاولياء؟ في تصورنا، ان مقطع الدعاء مع انه يتحدث عن عطاءات الله تعالی لمختلف عباده: الاغنياء والفقراء والضعفاء والاولياء، الا ان مجيء عبارة (يا رافع السماء) جاءت بعد عبارة (يا قاهر الاعداء) وقبيل عبارة (يا أنيس الاصفياء) وهما عبارتان تتقابلان اي: الاعداء مقابل الاصفياء، بمعنی ان الاصفياء هم: الصفوة البشرية مقابل الاعداء الذين هم اراذل البشرية، لذلك فان العبارة التي تتوسطها وهي (يا رافع السماء) جاءت متجانسة مع مفهوم الرفعة لأعلی مظهر مادي من الوجود وهي السماء مقابل الانحطاط والخذلان للاعداء، بالأضافة الی تعقيب ذلك بعبارة (يا أنيس الاصفياء) كي تتقابل مع الاعداء الذين يقهرهم الله تعالی، اي العدو المقهور مقابل الصفي المنصور والمأنوس بالله تعالی. والان نتابع سائر المظاهر لعظمته تعالی، ومنها عبارة: (يا حبيب الاتقياء)، فماذا نستخلص منها؟ لقد جاءت هذه العبارة بعد عبارة (يا أنيس الاصفياء)، حيث قلنا: ان الله تعالی هو الانيس للصفوة البشرية لانها ببساطة لا تعرف سوی الله تعالی، لذلك لا تأنس ألابه، وهوتعالی بدوره (أنيس) لهم، يزودهم بعطاءاته التي لا يتذوقها الامن اوتي صفاء الاصفياء: كما هو واضح. والمهم بعد ذلك: تأتي الطبقة التالية للاصفياء الا وهي طبقة الاتقياء، ومن البين ان الاتقياء هم من يتقي الله تعالی اي: يخاف الله تعالی فيتقي غضبه ويقلع او يتجنب المعصية، ويطيع الله تعالی ويلتزم بمبادئ الطاعة من وجوب وندب ولذلك خلع مقطع الدعاء احد مظاهر العظمة لله تعالی وهو (حبيب) فقال (يا حبيب الاتقياء) بينما خلع صفة (أنيس) علی الاصفياء، وهذا يقتادنا الی التساؤل عن الفارق بين عبارة (يا أنيس الاصفياء) وعبارة (يا حبيب الاتقياء). واضح، ان الصفوة البشرية لا تعرف سوی الله تعالی في وجودها، ولذلك لا تأنس الابه لانها لا تملك سواه تعالی، بينما الاتقياء هم الذين يمارسون الطاعة ويجتنبون المعصية، وبذلك: يصبحون موضع محبة الله تعالی اياهم لانه تعالی يثمن ويقدر المتقين، فيصبح حبيباً لهم، ويصبحون أحباء له تعالی. اذن (التقي) يحب الله تعالی ويحبه تعالی، بينما (الصفي) يصفو لله تعالی ويأنس به والله يصبح انيساً له: اذن امكننا ان نتبين - ولو عابراً - جانباً من النكات الكامنة وراء عبارتي: (يا أنيس الاصفياء) و (يا حبيب الاتقياء) سائلين الله تعالی ان يجعلنا ممن يتقيه وممن يصفو بمحبته لله تعالی، وان يوفقنا الی ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الی النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "يا من لا يخلق الخلق الا هو، ..." - 279 2010-10-13 00:00:00 2010-10-13 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6350 http://arabic.irib.ir/programs/item/6350 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا من لا يخلق الْخَلْقَ الا هو، يا من لا يغفر الذنب الا هو، يا من لا يتم النعمة الا هو، ...). هذه المظاهر أو الصفات التي عرضها الدعاء امتداد لما قبلها من مظاهر عظمته ورحمته تعالی ولابد لنا من التكرار لما عرضناه في أحاديثنا عن هذا الدعاء وسواه، بان فقرات المقطع لابد وان تتجانس فيما بينها، ومنها فقرات مقطع الدعاء الذي نحدثك عنه فماذا نجد؟ العبارة الاولی تقول: (يا من لا يخلق الْخَلْقَ الا هو)، والثانية تقول: (يا من لا يغفر الذنب الا هو) والثالثة تقول: (يا من لا يتم النعمة الا هو). فماذا نستلهم من هذه الفقرات، وما هي الدلالات المشتركة بينها؟ الجواب: العبارة الاولی تقول: (يا من لا يخلق الْخَلْقَ الا هو)، طبيعياً لا خالق للوجود الا الله تعالی واهمية التذكير لهذه الصفة تتجسد في تداعي الذهن الی ما يرتبط بالخلق من حيث انهم مخلوقون قد خلقهم الله تعالی، ان الله تعالی يقول: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ». اذن عبارة (يا من لا يخلق الْخَلْقَ الا هو) تجعلنا نتداعي الی الغاية من الخلق الا وهي: ممارسة الخلافة أو العمل العبادي، وهذا وحده عطاء عظيم من حيث تذكيره قارئ الدعاء بان يدرك بان الهدف من خلقه هو: ممارسة الخلافة او العمل العبادي وهذا فيما يرتبط بالعبارة الاولی، ولكن ماذا عن عبارة (يا من لا يغفر الذنب الا هو)؟ في تصورنا ان عبارة (يا من لا يغفر الذنب الا هو) تجعل اذهاننا متداعية الی جملة دلالات، منها: ان طبيعة ما خلقه الله تعالی من الخلق (البشر بخاصة) هو: عدم عصمتهم من الذنب والخطأ عدا المعصوم (عليه السلام). لذلك، فان العبد مادام معرضاً للذنب او الخطأ، فان الله تعالی - وهو الرحيم بعباده - يذكرهم برحمته التي لا حدود لها، بانه تعالی يغفر ذنوبهم تشجيعاً لهم علی الاقلاع عن الذنب، والتوبة الی الله تعالی. اذن الصلة بين عبارة (يا من لا يخلق الْخَلْقَ الا هو) وعبارة (يا من لا يغفر الذنب الا هو)، قد اتضحت بجلاء وفق ما اوضحناه ولكن ماذا بالنسبة الی العبارة الثالثة وهي: (يا من لا يتم النعمة الا هو)؟ الاجابة من الوضوح بمكان، فان الله تعالی وهو يخلق الْخَلْقَ، وهو يغفر ذنوبهم، انما يتم النعمة عليهم فمع انهم مذنبون، الا ان سعة رحمته تظل ممتدة ويتم تعالی سائر النعم علی عباده، ان اتمام النعمة هي: استمرارية عطاء الله تعالی، وفي مقدمتها: التوفيق للولاية، ولاية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسائر المعصومين (عليهم السلام) خلفاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). ******* شرح فقرة: "يا معين الضعفاء، يا صاحب الغرباء، ..." - 278 2010-10-06 00:00:00 2010-10-06 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6349 http://arabic.irib.ir/programs/item/6349 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن أحد مقاطعه الذي بدأ بهذا النحو: (يا معين الضعفاء، يا صاحب الغرباء، يا ناصر الاولياء، ...). نحن الآن أمام ثلاثة انماط من عباد الله تعالی الضعفاء، والغرباء، والاولياء، وقد رسمهم مقطع الدعاء بسمات تتناسب ونمط شخصياتهم حيث خلع صفة (معين) علی الضعفاء، اي: ان الله تعالی معين الضعفاء، وخلع صفة (صاحب) علی الغرباء، اي: انه تعالی صاحب لهم، بينما خلع صفة (ناصر) علی الاولياء، اي: انه تعالی ناصر لأوليائه. والسؤال المهم هو: ما هي النكات الدلالية الكامنة وراء هذه الاوصاف وصلتها بنمط الشخصيات المشار اليها؟ ان اهمية الأدعية وهي صادرة عن المعصومين (عليهم السلام)، تتميز بكونها تتسم بما هو عميق، وطريف، ودقيق الی درجة ملحوظة لا تتوفر الا عند المعصوم (عليه السلام) وليس البشر العادي، المهم نبدأ نتسائل اولاً عن الصلة بين (المعين) و (الضعيف)، فماذا نستلهم؟ واضح أن (الضعيف) هو: محتاج بالضرورة الی القوي حتی يجبر ضعفه، والقوی هنا يعني: انه يقدم اعانة او مساعدة للضعيف، وهذا ما ينسحب علی فقرة الدعاء القائلة: (يا معين الضعفاء)، بينما نجد عبارة (يا صاحب الغرباء) تتجه الی تقديم كلمة او سمة (الصاحب) وليس (المعين) علی الغرباء. لذلك نتسائل قائلين: الغريب بدوره يحتاج الی مساعدة، فلماذا لم يقل النص: يا معين الغرباء مثلاً؟ هنا تكمن الطرافة والدقة والعمق في العبارة فماذا نستلهم او نستكشف من ذلك؟ من البين، ان (الغريب) هو من لا يعرف أحداً في محيطه الذي يحياه: كالمسافر مثلاًً الی بلد لا يعرف احداً فيه. من هنا، يحتاج الغريب الی من (يصاحبه) حتی يطرد وحشة الغربة عنه، بينما (الضعيف) قد يكون له اصحاب كثيرون، ولكنه لا يحتاجهم للصحبة بل للاعانة، لذلك فان صفة (المعين) تتناسب مع (الضعيف) وصفة (الصاحب) تتناسب مع (الغريب) بالنحو الذي او ضحناه. اما الآن فنتجه الی العبارة الثالثة، وهي: (يا ناصر الاولياء). فماذا نستلهم منها؟ الولي هو من يوالي الله تعالی، ويحبه، ويتجه اليه، وهو يحتاج بالمقابل الی النصرة علی اعداء الله تعالی، بصفة ان العدو يقف علی الضد من الولي: كما هو واضح. الا ان النكتة الاوسع دلالة هي: ان الولي من حيث كونه لا يوالي الا الله تعالی، حينئذ فان الله تعالی (ينصره) في الحالات جميعاً، سواء اكانت (النصرة) في ميدان عدو أو ميادين اخری: يحتاج الشخص من خلالها الی نصرة الله تعالی اياه قبالة المرض أو الفقر أو المشكلات الفردية او الاجتماعية التي يحياها الولي لله تعالی. لذلك، فان صفة (ناصر) تعني هنا: النصرة او الفوز علی الشدة التي يعاني منها الولي، بصفة ان الشدة المتمثلة في وجود عدو، أو مشكلة لا تفتقر الی وجود الصاحب او المعين، بقدر ما تحتاج الی المنتصر عليها حتی يزيلها عن الولي، وهذا ما يوضح لنا دلالة عبارة (ناصر) وهو الله تعالی – لوليه، بينما لاحظنا ان (المعين) - وهو الله تعالی للضعيف يتجانس مع سمة الضعف، وعبارة (الصاحب) تتجانس مع الغريب المحتاج الی صاحب في غربته. ******* شرح فقرة: "يا من لا يحيي الموتی الا هو، ..." - 277 2010-09-29 00:00:00 2010-09-29 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6348 http://arabic.irib.ir/programs/item/6348 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن أحد مقاطعه الذي يختم بهذه العبارة: (يا من لا يحيي الموتی الا هو)، فماذا نستلهم منها؟ ان العبارة المذكورة جاءت في سياق الحديث عن ابداع الله تعالی وعطائه، حيث جاء المقطع الخاص بهذين الموضوعين حافلاً بأمثلة: (يا من لا يُصْرَفْ السوء الا هو)، (يا من لا يُنَزِّلُ الْغَيْثَ الا هو)، (يا من لا يَبْسُطُ الرِّزْقَ الا هو) وامثلة (يا من لا يخلق الْخَلْقَ الا هو)، (يا من لا يُدَبِّرُ الأَمْرَ الا هو)، ثم (يا من لا يحيي الموتی الا هو)، حيث يختم المقطع بهذه العبارة، لذا نتساءل جديداً: ماذا نستخلص من النكات الدلالية في العبارة المتقدمة؟ العبارة المتقدمة تحمل دلالتين يستطيع القارئ للدعاء ان يستلهمهما من ذلك. الاولی: انها تتحدث عن احد مظاهر عظمة الله تعالی في ايجاده للكون وفي توظيف الخلق حيال ذلك. اما الثانية: فان العبارة وردت - كما ذكرنا - في سياق الابداع للوجود من جانب، وفي سياق عطاءات الله تعالی من جانب آخر وفي الحالتين يمكننا ان نستخلص ما يأتي. 1. ان الله تعالی عند ما تحدث عن الخلق، وابداعه، وعطائه: ختمه بالحديث عن احياء الخلق بعد مماتهم، وهذا يعني: ان ابداعه وعطائه تعالی سوف ينسحبان علی زمان لاحق يترتب علی هذه الحياة الدنيا من حيث كونها جسرا للاخرة. 2. ان ذلك يشكل تذكيراً لمهمة الانسان في هذا الوجود الذي أبدعه تعالی وأودع عطائه لنا وهذا يعني: ضرورة ان نستثمر نحن القراء للدعاء هذا الجانب من حيث النجاح في تحقيق المهمة العبادية التي خلق الله تعالی الانسان من أجلها، وسكب عطاءاته المتنوعة وسخرها لنا في غمرة مهمتنا العبادية. اذن ختام المقطع من الدعاء بعبارة (يا من لا يحيي الموتی الا هو)، قد اضطلع بأداء فني ودلالي له: نكتته بالنحو الذي اوضحناه، بهذا ننتهي من احد مقاطع الدعاء، لنتجه الی مقطع جديد يبدأ بهذا النحو: (يا معين الضعفاء، يا صاحب الغرباء، يا ناصر الاولياء، ...) هذه الفقرات وما بعدها، يمكننا ان نعدها امتدادا للسابق من المقاطع بخاصة اننا رأينا في المقطع الاسبق مدی ما أنتظمه من التلميح الی رزق الله تعالی، ودفع السوء، وها هو المقطع جديداً: يلمح بهذه العطاءات، ولكن في سياق جديد هو: عطاؤه تعالی لأنماط متنوعة من البشر بحسب ما يتطلبه الموقف من الرعاية. والسؤال الآن هو: ما هي صنوف الرعاية من الله تعالی لعباده الذين يعانون من الشدائد؟ والحالات؟ ثمة رعاية للضعيف، واخری للغريب. وثالثة لنمط آخر هو: الولي من حيث كونه مطيعاً لله تعالی، ومحتاجاً لنمط آخر من الرعاية. والمهم هو: ملاحظة كل من هذه الانماط المتجانسة اي: المتجانسة في خضوعها لرعاية الله تعالی الخاصة بهم. 1. النمط الاول من الشدائد التي تصيب الانسان هو: الضعيف. 2. الثاني من الانماط هو: الغريب. 3. الثالث من الانماط هو: الولي. وبما ان هذه المفردات تحتاج الی مزيد من الاضاءة فاننا نؤجل الحديث عنها الی لقاءات لاحقة ان شاء الله تعالی. ******* شرح فقرة: "يا من لا يقلب القلوب الا هو، ..." - 276 2010-09-22 00:00:00 2010-09-22 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6347 http://arabic.irib.ir/programs/item/6347 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الان عن أحد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا من لا يقلب القلوب الا هو، يا من لا يُدَبِّرُ الأَمْرَ الا هو، يا من لا يُنَزِّلُ الْغَيْثَ الا هو، يا من لا يَبْسُطُ الرِّزْقَ الا هو، يا من لا يحيي الموتی الا هو) ونبدأ بالقاء الانارة علی عبارة (يا من لا يقلب القلوب الا هو). فماذا نستلهم منها؟ لقد وردت مفردة او عبارة او فقرة (القلوب) في سياق (تقلبها) من حال الی حال، وهي عبارات (تناص) بالنسبة الی استخدام الدعاء حيث وردت في النص القرآني الكريم، كما وردت في الاحاديث وفي الادعية الاخری، ومن ذلك العبارة المألوفة في الدعاء (يا مقلب القلوب والابصار، يا محول الحول والاحوال، ...)، كما وردت العبارة في سياقين، احدهما: التقلب ايجابياً: كالنص المتقدم او سلبياً مثل قوله تعالی في سورة النور «يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ»، حيث ورد تفسيرها بان هول القيامة يجعل القلوب متقلبة نفسياً وعضوياً كلفحها بالنار مثلاً (اعاذنا الله تعالی من ذلك) اي نضجها الی حرقها او التقلب بين الطمع في النجاة أو الخوف من الهلاك، أما ايجابياً فيتمثل التقلب مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، من الشك الی اليقين، ومن البين ان عبارات المقطع في غالبيتها تتحدث عن عطاء الله تعالی وابداعه مثل: غفرانه للذنب، انزاله للغيث بسطه للرزق أتمامه للنعمة، لذلك فان القارئ للدعاء يتداعي بذهنه الی انه تعالی يقلب القلوب مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وهذا هو اكبر عطاءاته تعالی، فيما نسأله ان يوفقنا الی ذلك. بعد ذلك تواجهنا عبارة (يا من لا يُدَبِّرُ الأَمْرَ الا هو)، فماذا نستخلص منها؟ قلنا ان مقطع الدعاء ينحصر في فقراته في ظاهرتي العطاء والابداع، حيث ورد فيه (يا من لا يخلق الْخَلْقَ الا هو)، وورد (يا من لا يحيي الموتی الا هو) وورد (يا من لا يُدَبِّرُ الأَمْرَ الا هو)، حيث ان العبارة الاخيرة تتحدث عن الابداع المطلق وعن العطاء المطلق من الله تعالی، ان التدبير هو: ادارة الوجود في مختلف مجالاته، وهو أمر لا يحتاج الی توضيح، ان الله تعالی هو «رَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ»، انه تعالی معبودهم، والْمُهَيْمِنُ عليهم، والمربي لهم، انه (المدبر) للامر كله: ابداعاً وعطاءاً منه تعالی. بعد ذلك نواجه عبارة هي من مصاديق عطائه تعالی غير تدبيره للامر، الا وهي (يا من لا يُنَزِّلُ الْغَيْثَ الا هو) ان الْغَيْثَ هو «الْمَاء» وهو ما جعل الله تعالی منه كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، انه يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مجریً في الارض، وتغذية للنبات، وتطهيراً للابدان ولولاه لما امكن ان يستمر الانسان - لا اقل - في تأدية مهمته العبادية التي خلقه تعالی من اجلها. بعد ذلك تواجهنا عبارة (يا من لا يَبْسُطُ الرِّزْقَ الا هو). فماذا نستلهم منها؟ لا نحسب ان احداً ينكر عطاء الله تعالی في بسطه الرِّزْقَ وهل يمكننا ان نحيا بدون رزقه تعالی؟ ويلاحظ ان النص هنا استخدم عبارة (البسط) مقابل نصوص اخری قد استخدمت (يقدر)، (يقتر) ونحوهما: اتساقاً مع سياق المقطع من الدعاء من حيث الاشارة الی عطائه المطلق حيث ان انزال الْغَيْثَ، وغفران الذنب، وصرف السوء (وهي عبارات المقطع) تتساوق تماماً مع عبارة (بسط الرِّزْقَ) وجعله رزقاً واسعاً: كما هو واضح. ******* شرح فقرة: "يا من لا يعلم الغيب الا هو، ..." - 275 2010-08-11 00:00:00 2010-08-11 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6346 http://arabic.irib.ir/programs/item/6346 نواصل حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن أحد مقاطعه الجديدة، وهو المقطع البادئ بما يأتي: (يا من لا يعلم الغيب الا هو، يا من لا يصرف السوء الا هو، ...)، ان هذا المقطع البادئ بهاتين العبارتين: (يا من لا يعلم الغيب الا هو) و (يا من لا يصرف السوء الا هو) لابد وان تنطوي هاتان العبارتان المتجاورتان علی دلالة مشتركة، في نفس الوقت الذي نلاحظ فيه انهما تتناولان موضوعين يختلف احدهما عن الاخر كل الاختلاف حيث لا يجد في ظاهر العبارتين ما يجمعهما في دلالة مشتركة ولكن - كما قلنا - فان التجانس سيتضح بجلاء حينما نبدأ بالقاء الانارة عليهما؟ الاولی من العبارتين تتحدث عن الغيب، والغيب - كما هو واضح - يقابل الشهادة؟ اي: ثمة ظواهر تخضع للمشاهدة، وثمة ظواهر لا تخضع لذلك بل تماط بستار يحجز النظر اليها. والسؤال: ما هي النكات الكامنة وراء العلم بالغيب؟ لا نحتاج الی كبير تأمل حتی ندرك سريعاً بان الله تعالی (وهو العالم مطلقاً) يظل (الغيب) أحد مصاديقه، ان الانسان منحه الله تعالی قابلية علی المشاهدة لما هو حتمي او حتی علی الملاحظة لما هو معنوي غير حسي، ولكن (الغيب) هو شيء آخر، اي: ما لا امكانية بشرية الی مشاهدته، يستوي في ذلك ان يكون الغيب مظاهر مادية أو معنوية، تتصل بالدنيا والاخرة، أو تتصل بالسلوك البشري والملائكي والحيواني، حيث ان العلم بذلك يظل من عظمة توحيده تعالی، ولعل ابرز معطيات ذلك هو: علمه تعالی بما في قلب البشر وخاطره وجوانحه من الاخطار والنوايا، وانعكاسات ذلك علی الجزاءات التي يرتبها تعالی في الدنيا والاخرة. ولكن لندع الآن عالم الغيب، ونتجه الی العبارة الثانية القائلة بانه: (لا يصرف السوء الا هو)، اي: الله تعالی، فماذا نستلهم؟ ان علم الله تعالی بالغيب بخاصة فيما يتصل - لا أقل - بسلوكنا البشري له انعكاساته كما أشرنا فمثلاًً ان علمه تعالی بما سيحدث لهذه الشخصيّة او تلك من حيث السوء (حادثة قتل، اصطدام، حريق كسر، جروح، مرض عضال) هذه الحوادث يتدخل تعالی فيها ويحفظ الشخصية من التردي فيها بحسب ما يتطلبه السياق من المصلحة، ايضاً ان علمه تعالی بالغيب يفسح المجال للعبد بان يعدل سلوكه، ويقلع عن الذنب، ويتوب الی رشده. كيف ذلك؟ ان العبد يمارس الذنب، ولكن الله تعالی يمهله من خلال العلم بالغيب بامكانية ان يتوب العبد من ذنوبه، وبذلك يصرف السوء عنه في الدنيا والاخرة، ونحن نعلم بوضوح ان للذنب آثاره الدنيوية مثلاًً، فاذا لم يمهل تعالی عبده اي لم يفسح له مجال التوبة لا حقاً مثلاً، حينئذ فان العدالة الالهية تستبتع معاقبة العبد، ولكنه تعالی عندما يفسح المجال للعبد لا حقاً بان يتلافي ذنوبه: حينئذ يكون الله تعالی من خلال علمه بالغيب قد انقذ عبده من العقاب، وهيّأ له الفرص في ممارسة الطاعة، وهذا هو منتهی العطاء: كما هو واضح. اذن الصلة بين علم الله تعالی بالغيب، وبين صرف السوء عن العبد، تظل من الوضوح بمكان، سائلين الله تعالی ان يوفقنا الی ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الی النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "يا آمر، يا ناهي، ..." - 274 2010-08-04 00:00:00 2010-08-04 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6345 http://arabic.irib.ir/programs/item/6345 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن أحد مقاطعه الذي ختم بهاتين العبارتين: (يا آمر، يا ناهي)، وهما صفتان تتطلبان - مع وضوحهما - مزيداً من الانارة. مما لا ترديد فيه ان الله تعالی عندما خلق الانسان ليمارس الخلافة او العمل العبادي: تبعاً لقوله تعالی «مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ» انما رسم مبادئ الخلافة او العبادة من خلال مجموعة اوامر ونواه، اي: طالبنا بممارسة شيء وعدم ممارسة شيء آخر، صحيح ان الاحكام الشرعية تصنف الی خمسة اقسام: أمر، نهي ندب، كراهة، اباحة ولكن الواقع هو: ان المطلوب في احسن مستوياته نمطان، اي اما ان نعمل بهذا أو نترك هذا، يدلنا علی ذلك قوله تعالی «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً» فالمطلوب هو الاحسن من العمل، ولذلك فان المعصومين (عليهم السلام)، ثم: الشخصيات الملتزمة في الدرجة الاولی من انبياء أو اوصياء أو عرفاء، يحصرون سلوكهم في نمطين هما: العمل المطلوب، وترك الممنوع، والمطلوب هو: الواجب والمندوب، والممنوع هو: الحرام والمكروه، واما الخامس وهو (المباح) فيحول الی مندوب بمعنی: ان كل ما تعمله الشخصية الملتزمة تخلع عليه نية التقرب الی الله تعالی، ولذلك ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما معناه، لتكن لك في كل شيء نية حتی الاكل والنوم وفي ضوء هذه الحقيقة نستطيع ان نفهم دلالة ما تعنيه عبارة (يا آمر، يا ناهي)، اذن انتحدث عن هذا الجانب. طبيعياً، ان الامر والنهي في مطلوبهما الاعلی درجة هما ما اوضحناه، بمعنی ان الله تعالی يأمرنا بعمل الواجب والمندوب وتحويل المباح الی مندوب، وينهانا عن المحرم والمكروه، لكن لنتجاوز اوامره ونواهيه في ميدان السلوك البشري، ونتجه الی مطلق الاوامر والنواهي الالهية، فماذا نستلهم؟ من البين انَّ الله تعالی (وهو المبدع للوجود) اذا قال للشيء «كُن فَيَكُونُ»، يستوي في ذلك ان يكون الشيء في نطاق الامر به، او نطاق النهي عنه، حيث ان ابداعه تعالی وادارته للوجود يرتكن الی ما تتطلبه المصلحة الكونية من أمر بالشيء او نهي عنه والنكتة التي يتعين علی قارئ الدعاء ان يعيها هي: اولاً تعميق معرفتنا بعظمة الله تعالی من حيث توحيده، ثم: الافادة من مفهوم الامر والنهي بان الله تعالی كامل كمالاً مطلقاً، وان الامر والنهي وان كانا حينا لا نفقه ما وراء ذلك أو نری ما نكره وهو عنده تعالی في مصلحتنا أو ما نحب وهو عند الله تعالی ليس من مصلحتنا، اي: علينا بالتسليم لله تعالی في الحالات جميعاً. اذن اتضح لنا جانب من الدلالات المختزنة في عبارة (يا آمر، ويا ناهي)، سائلين الله تعالی ان يجعلنا من المسلمين باوامره ونواهيه، وان يوفقنا الی ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الی النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "یا فاتح، یا کاشف، ..." - 273 2010-07-25 00:00:00 2010-07-25 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6344 http://arabic.irib.ir/programs/item/6344 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء الجوشن الكبير حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن أحد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا فاتح، يا كاشف، يا ضامن، يا آمر، يا ناهي، ...). العبارات المتقدمة تتضمن جملة من مظاهر عظمه الله تعالی، وفي مقدمة ذلك عبارة (يا فاتح) ثم عبارة (يا كاشف) وهاتان العبارتان متجانستان مع عبارة سبقتهما ونعني بها عبارة (يا فارج) حيث حدثناك عنها (في لقاء سابق)، والتجانس بين هذه العبارات هو عطاء الله تعالی متمثلاً في رفعه تعالی للشدائد في مختلف انماطها، حيث استخدم مصطلح الفرج، والفتح، والكشف ولعلنا جميعاً لا نجهل الفة العبارات التي تتحدث بها مطلق النصوص في الادعية وسواها، حيث تتردد عبارات من امثال (يا فارج الهم)، (يا كاشف الغم) والمهم الان هو ملاحظة العبارتين (يا فاتح)، (يا كاشف). بالنسبة الی عبارة (يا فاتح) تنسحب علی جملة دلالات منها، ان الله تعالی يفتح لعباده الرزق والرحمة ومطلق العطاء، كما تنسحب الكلمة علی معنی هو القضاء بين عباده تعالی، مثل قوله تعالی في النص القرآني الكريم «رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ»، فعبارة «افْتَحْ» تعني احكم بيننا وبين قومنا، وهو امر ينسحب بخاصة علی اليوم الآخر، حيث انه تعالی يفصل بين عباده في هذه الظاهرة او تلك كما ينسحب علی الحياة الدنيا في المعركة بين الحق والباطل في دعاء المؤمنين بالنصر. ونتجه الی عبارة (يا كاشف). فماذا نستلهم منها؟ الكشف هو الاظهار او الرفع للشيء كما لو رفع الله تعالی الشدة عن المؤمن بعد أن شكلت عليه بمثابة غطاء يجثم علی صدره، وبذلك يكون الفارق مثلاً بين عبارة (يا كاشف) وعبارة (يا فارج) او (يا مفرج) فمثلاً في ان الفرج هو الانفتاح بعد الانغلاق مع ان الكشف هو الرفع للشدة مثلاً بعد ان يجثم علی الصدر، والمهم هو اننا نلاحظ مدی الدقة ومدی الفرز بين نمط الشدائد ونمط ازالتها، فقد يكون الانسان في شدة هي من الدرجة التي تطبق علی شخصيته بحيث لا يری منفذا للخروج منها ثم (يفرج) عنه كما لو كان مديناً ثم أيسر، او (يكشف) عنه كما لو كان مريضاً ثم شفي، حيث ان اليسر بعد الدين، والشفاء بعد المرض يفترقان من حيث الدقة في نمط ازالة الشدة كما اوضحنا. بعد ذلك نواجه عبارة (يا ضامن). فماذا نستخلص منها؟ (الضامن) في اللغة هو الكفيل والملتزم، وفي ضوء هذه الدلالة نستكشف بوضوح مدی ما نعنيه هذه الصفة او المظهر لدی الله تعالی ان الله تعالی يتكفل لعبده في قضاء حوائجه ورفع شدائده حتی خارجاً عن دعاء العبد بمعنی ان الله تعالی يتكفل شؤون عبده ما طلبه العبد وما لم يطلبه او لنقل كان واعياً لما تيسر له من الامر أو غافلاً عن ذلك لان الله تعالی هو الحافظ لعبده، والمهيء له من الوسائل ما لم يحلم بها هو نفسه، وهذا هو منتهی ما يمكن تصوره لرحمته تعالی، فكما ان الشخصية المدينة مثلاًً تحتاج الی من يكفلها وينقذها من شدتها، كذلك تعالی يكفل عبده وعی ذلك العبد او لم يع. ******* شرح فقرة: "اللهم اني اسالك باسمك يا حافظ، يا بارئ، ..." - 272 2010-07-20 00:00:00 2010-07-20 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6343 http://arabic.irib.ir/programs/item/6343 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها (دعاء الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه ونحدثك الآن عن أحد مقاطعه الذي ورد فيه: (اللهم اني أسالك يا حافظ، يا بارئ، يا ذارئ، ...)، بهذه العبارات نواجه مقطعاً جديداً من الدعاء، وقد سبق ان لاحظنا بان المقاطع تخضع لجملة اساليب من حيث الفقرة من الدعاء، حيث تأتي الفقرة حينا مفردة، وأخری مركبة، والمركبة حينا من عبارتين وحينا اكثر، ومقطع الدعاء الجديد يتألف من عشر صفات، وردت في صيغة المفردة، اولاها: عبارة (يا حافظ). لا ترديد بان سمة (حافظ) تعني الحفظ أي ان الله تعالی هو الحافظ للوجود يستوي في ذلك ان يحفظه من حيث ظواهره الابداعية كالسماوات والارضين او من حيث ظواهره البشرية، حيث يحفظنا تعالی. من الاسواء: كما هو واضح، واهمية هذه السمة تتجسد في ضرورة ان نتذكر دائماً ان الله تعالی يحفظنا من الأسواء والاقدار بقدر ما تتطلبه الحكمة الالهية، بل الخير والنعمة الالهية. بعد ذلك نواجه عبارتين هما: (يا بارئ، يا ذارئ). فماذا نستلهم منها؟ تشير النصوص اللغوية الی ان الفارق بين برأ وذرأ هو: انهما مشتركان في موضوع الخلق، بمعنی ان الله تعالی هو الخالق، ولكن الفارق بينهما هو: ان برأ تعني: انه تعالی صور ما خلقه، واما ذرأ فمعناه: انه تعالی اوجده من العدم، وبذلك يكون الترتيب بينهما هو: ايجاد الخلق بعد العدم، ثم تصويرهم بهذا الشكل او ذاك. والنكتة الدلالية هي: انه تعالی مبدع للظاهرة من العدم وانه تعالی مصورها بهذا الشكل او ذاك عن التقويم للشخصية البشرية وسواها بطبيعة الحال. بعد ذلك نواجه عبارة (يا باذخ، يا فارج، يا فاتح، ...). فماذا نستلهم من كل عبارة؟ بالنسبة الی عبارة (يا باذخ) تشير النصوص اللغوية الی انه تعالی علا وعظم وارتفع، وهي صفات الله تعالی كما هو واضح. ان العظمة من جانب، والرفعة من جانب آخر تعني: التفرد في ما هو عظيم وفيما هو متعال، اي: ان العظمة تقترن بالعلو لسبب واضح هو: ان العظمة هي منتهی ما نتصوره من الرفعة في الشأنية المذكورة. بعدها نواجه عبارة (يا فارج)، وهي عبارة لا نحسب ان احداً يجهل دلالتها، ان الله تعالی هو المفرج عن المكروبين أو المعذبين أو أصحاب الشدائد والفرج هو: الانفتاح بعد الانغلاق او الْيُسْرَ بعد الْعُسْرَ، والفارق هو: ان الْيُسْرَ بعد الْعُسْرَ قد يتحقق من خلال تشذيبه، وهكذا، وفيما نحن في صدد هذه العبارة هو: ان قارئ الدعاء يتداعي بذهنه الی كلمة (فارج) بانعكاس او استجابة كبيرة، نظراً لان الانسان عندما يكابد شدة كبيرة (كالمرض العضال مثلاً) او انعدام الامن، او الفقر المدقع، ثم تزول الشدة وتنفرج عن صاحبها: حينئذ فان الفرح يكون مضاعفاً: كما هو واضح. اذن تبين لنا في العبارات المتقدمة ما تعنيه من الدلالات، ومن ثم ما تعنيه من عظمة الله تعالی ورحمته، مما یقتادنا ذلك الی مضاعفة ممارستنا للطاعة، والتصاعد بها الی النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "يا رازق البشر، ..." - 271 2010-07-18 00:00:00 2010-07-18 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6342 http://arabic.irib.ir/programs/item/6342 نواصل حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن أحد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا رازق البشر، يا مقدر كل قَدَرٍ، ...)، بهذين المظهرين من مظاهر عظمة الله تعالی، ينتهي احد مقاطع الدعاء، ويجدر بنا الآن ان نحدثك عنهما، حيث نبدأ ذلك بعبارة (يا رازق البشر)، فماذا نستلهم منها؟ قد يتساءل قارئ الدعاء قائلاً: ان عبارة (يا رازق البشر) لا تحتاج الی بيان، فلماذا نحاول ان نستلهم منها الدلالات؟ ونجيب: مع وضوح العبارة المذكورة، فانها من أعمق النصوص الشرعية دلالة من حيث (الرزق) وطبيعة إيصاله الی البشر، ان الرزق يظل اهم مصدر لأستمرارية الحياة، ومن ثم: لتحرير الهدف العبادي الذي خلق الله تعالی الانسان من اجل ممارسته واذا كان الأمر كذلك، فان الطبيعي جداً ان يتكفل الله تعالی توفر هذا الرزق حتی يختبر تعالی هذا الانسان ومدی استعداده للطاعة أو العكس. ان توفير الرزق يظل حقيقة يلمسها المؤمنون جميعاً، حتی انه ورد بان الرزق يتبع الانسان كظله اي: لامناص منه، كل ما في الامر ان الرزق رزقان، رزق نطلبه ورزق يطلبنا، والرزق الاخير هو المعني بدلالته في النصوص الشرعية، من هنا فأن عبارة (يا رازق البشر) تنطوي علی فلسفة وجود الانسان، وخلافته في الارض، اي: ممارسته العبادية، حيث ترتبط هذه جميعاً باستقرار الشخصية حتی تستطيع ممارسة عملها العبادي، والا اذا ظلت جائعة وعطشی فلا يمكن استمرارية حياة الشخصية. اخيراً نواجه عبارة (يا مقدر كل قَدَرٍ)، هذه العبارة ترتبط لسابقتها من جانب، وتحدد لنا مفهوماً مهما من جانب آخر، لقد وردت نصوص قرآنية وحديثية متنوعة تشير باجمعها الی ان الله تعالی خلق كل شيء قَدَرٍ، ولنقرأ الآية «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ» ولنقرأ «وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ» ولنقرأ «نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ» ولنقرأ «وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ». ان هذه النصوص تتحدث عن (القدر) وهو ينسحب علی ما يرتبط بتكييف الحياة للانسان وسواه، كما يرتبط - من جانب آخر - للفرد او المجتمع بما يتناسب مع الشخصية او الكيان الاجتماعي سواء آكان لا لك ايجابياً (كما هو الواقع) آو ما كان كرها (كما يتصور القاصرون). المهم في الحالات جميعاً، تظل عبارة (يا مقدر كل قَدَرٍ) تشمل جميع الوجود: افراداً ومجتمعات، مادة او معنی، والاهم من ذلك هو: ضرورة تعميق علاقتنا بالله تعالی ورضانا بما قدره تعالی في الحالات جميعاً، فضلاً عن تعميق معرفتنا التوحيدية. ******* شرح فقرة: "يا من لا تحويه الفكر، ..." - 270 2010-07-06 00:00:00 2010-07-06 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6341 http://arabic.irib.ir/programs/item/6341 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن أحد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا من لا تحويه الفكر، يا من لا يدركه بصر، ...). هاتان الصفتان او العبارتان متجانستان دلالياً وايقاعياً وعظمة، انهما تتحدثان عن جانب من عظمة الله تعالی، وهو: عدم امكانية أن يلم الانسان بكنه عظمة الله تعالی، لا من حيث المهارة الذهنية ولا من حيث الحس وهو: البصر أو النظر، والنكتة في الموقف هي: اولاً: ان الفكر - وهو مضاد للبصر - من حيث سعة مساحته مقابل محدودية البصر - لا يمكنه ان يدرك حقيقة الله تعالی، مع ان الفكر مشفوعاً بالقدرة التخيلية يظل من السعة بمكان كبير. مقابل ذلك، فان البصر - وهو النظر الی الشيء لا يمكنه - بطريق اولی - ان يلم بكنه الله تعالی بمعنی عدم امكانية الرؤية الحسية، حيث انه تعالی منزه عن الحدوث: والسؤال: ما هي النكات الكامنة وراء انتخاب الفكر والبصر (أو اتي) معرفة تعجزان عن الالمام بعظمة الله؟ وثمة سؤال آخر: ما هي النكات الكامنة وراء التعبير عن الفكر بعبارة (يا من لا تحويه الفكر) والنكات الكامنة وراء التعبيرعن البصر بعبارة (يا من لا يدركه)، اي ان النص استخدم (تحويه) مقابل (تدركه)، فما سر ذلك؟ في تصورنا بما ان الفكر - كما اشرنا يتسم بالسعة الكبيرة حيث لا حدود لخيال الانسان، حينئذ فان سعة الفكر او التخيل تتناسب مع احتواء الشيء لان الاحتواء معناه (استيعاب الشيء من حيث الحجم) وبما ان النص يستهدف الاشارة الی ان عظمة الله تعالی لا يمكن ان تتحدد في سعة فكرية او تخيلية: حينئذ ناسب الموقف بان يقول النص بان الله تعالی لا يمكن، ان تحويه او تحيط به او تلم به اية مهارة ذهنية مهما بلغت سعتها. واما بالنسبة الی تناسب (لا يدركه بصر) مع عملية الابصار، فلان الادراك البصري للشيء انما يتم بواسطة النظر اليه أو فيه، فاذا كان البصر عاجزاً او قاصراً: حينئذ يناسبه عدم الادراك للشيء: كما لو كان الشيء بعيداً عن المساحة البصرية لأداة العين. بعد ذلك نواجه عبارة (يا من لا يخفی عليه أثر)، فماذا نستلهم منها؟ الجواب: المقصود من الأثر هو: اي شيء حسي أو معنوي من السلوك أو الدلالات أو المظاهر، حيث تهدف العبارة الی ان الله تعالی لا يخفی عليه اي أمر أو ظاهرة في الوجود، والنكتة هي: ان هذه العبارة (يا من لا يخفی عليه اثر)، جواب لما سبق ان لاحظناه بان الفكر والبصر لا يمكنهما ان يعرفا كنه الله تعالی، حيث يستهدف الدعاء الاشارة الی ان الله تعالی عكس الانسان، يلم بكل شيء صغيره وكبيره قبالة الانسان القاصر: كما اوضحناه. ******* شرح فقرة: "يا اعلم العالمين، ..." - 269 2010-07-04 00:00:00 2010-07-04 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6340 http://arabic.irib.ir/programs/item/6340 لا نزال نحدثك عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن أحد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا اعلم العالمين، يا اله الخلق أجمعين). بهاتين الفقرتين يختم مقطع الدعاء، لنواجه بعد ذلك مقطعاً جديداً، والآن نحدثك عن العبارة الاولی (يا أعلم العالمين)، هذه العبارة جاءت في سياق انه تعالی (أقدر القادرين)، حيث تتجانس مع عبارة (أعلم العالمين)، بصفة ان القدرة والعلم هما من ابرز صفات الله تعالی، حيث ان القدرة تتواكب مع العلم في ابداع الظواهر الكونية، ما دمنا ندرك تماما ان ما ابدعه تعالی هو: في صالح عباده، ومسخر لهم: كما هو صريح النصوص القرآنية والحديثية ومما يضفي جمالية اخری علی تجانس موضوعات المقطع من الدعاء هو خاتمته التي تقول: (يا أله الخلق اجمعين). تری، ماذا نستلهم من العبارة المذكورة؟ ان الله تعالی عندما يوصف بانه (اقدر القادرين)، ثم (اعلم العالمين)، مادام مجسدا لمفهوم الابداع الكوني وتسخيره لعباده، حينئذ فان الله تعالی يظل (اله الخلق اجمعين): البشر والملائكة وهذا الختام يتسق - كما اشرنا - مع سياق المقطع، حيث يستخلص قارئ الدعاء دلالة مفهوم التوحيد ومعطياته بالنحو الذي اوضحناه. ونتجه الی مقطع جديد علی النحو الآتي: (يا من علا فقهر، يا من ملك فقدر، يا من بطن فخبر، ...). تری ما هو الجديد في هذا المقطع من حيث دلالته واسلوبه؟ الجديد هو صياغة مظاهر العظمة وفق عرض الصفة ونتيجتها او ما يترتب عليهما، حيث نلاحظ بان المقطع مثلاً عندما يقول: (يا من علا) انما يتحدث عن صفة (العلو)، ثم يرتب علی ذلك نتيجته وهي كلمة (فقهر)، ومن الطبيعي ان تتسق المقولة والنتيجة، فالعلو يستتبع القهر بطبيعة الحال، ولكنه قهر توحيدي أو الهي بخلاف القهر البشري، ان القهر الالهي تعبير عن عظمته التي يقهر بها كل شيء بحيث يتفرد تعالی بحكمه وتقديره، وهذا ما يتسق مع العبارة الثانية من المقطع، حيث قال المقطع (يا من ملك فقدر)، فمادام تعالی يقهر الوجود بعلوه، حينئذ فان ملكه أو هيمنته علی ما ملك، يظل مصحوباً بقدرته تعالی علی التدبير والادارة. بعد ذلك تجئ عبارة جديدة (يا من بطن فخبر). تری ماذا نستلهم منها؟ سبق ان اوضحنا عند حديثنا عن صفتي الله تعالی (الظاهر والباطن)، واوضحنا ان (الباطن) يعني: انه تعالی هو المحتجب عن ادراك الابصار، والافطار، والخواطر، وهو العالم بالسرائر، وبهذا تكون عبارة (يا من بطن فخبر)، تعني: انه تعالی خبير بما هو باطن عند الاخرين، وهو باطن محتجب عنهم، ولكنه خبير بهم. طبيعياً، ان قارئ الدعاء لابد وان يستلهم من العبارة المذكورة اكثر من دلالة ويفيد منها في تعديل سلوكه فمادام قد بطن تعالی وخبر، حينئذ فان المفروض ان يكون العبد حذراً من ممارسة ما لا يرضاه الله تعالی. بعد ذلك نواجه عبارة (يا من عبد فشكر)، تری ماذا نستخلص منها؟ واضح، ان الله تعالی شاكر لاقل ممارسة عبادية من عبده، انه يجزي الاحسان بالاحسان، بل يضاعف ذلك، ونعتقد ان قارئ الدعاء عندما يعي بان الله تعالی شاكر لعبده، حينئذ الا يتعين عليه ان يزهو بهذه النعمة، وان يفعل المزيد من الطاعة؟ بعد ذلك تجي عبارة (يا من عصي فغفر)، وهذه العبارة تكملة لسابقتها، فالعبد اذا اطاع شكره الله تعالی، واذا أذنب غفر الله تعالی ذنبه، اذن ما اعظم رحمة الله؟ ******* شرح فقرة: "يا مفزع الملهوفين، ..." - 268 2010-06-30 00:00:00 2010-06-30 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6339 http://arabic.irib.ir/programs/item/6339 نتابع حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء الجوشن الكبير، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد منه: (يا مفزع الملهوفين، يا منجي الصادقين، يا أقدر القادرين، ...). ونقف عند عبارة (يا مفزع الملهوفين)، اولاً: المفزع تعني: الملجأ، واما الملهوف تعني: الحزن والتحسّر، وبهذا تكون العبارة دالة علی ان الله تعالی هو ملجأ المحزونين والمتحسرين. والسؤال هو: ما هي النكتة الكامنة وراء العبارة (يا مفزع الملهوفين)؟ الجواب: مما لا ترديد فيه ان شدائد الحياة متنوعة؟ كما ان انعكاساتها علی الشخصية متنوعة ايضاً، والحزن والتحسر يشكلان احد انماط الاستجابة لشدائد الحياة، كمن يحزن مثلاً علی ما صدر منه من المعاصي، او يتحسر علی فرص الطاعة التي لم يستثمرها، وهذا فيما يتصل بالشخصية المتقية، وهناك شخصيات عادية تحزن وتتأسف علی ما فاتها من الصحة او المال، او تحزن وتتأسف علی فقدان الاعزّة وهكذا. اذن الحزن والتحسرله موارد متنوعة، ولكن في الحالات جميعاً فان الله تعالی يظل لأمثلة هؤلاء ملجأ يحتمون به من الشدائد المذكورة، فالملتزم مثلاً يلجأ الی الله تعالی ليخفف عن إحساسه بما ضاع من الطاعة، او بما صدر من المعصية، وعندها يجد الله تعالی تواباً، حينما يقبل التوبة عن عبده. والمتحسرّ علی المال او الصحة، يجد كذلك ان الله تعالی ملجأ له، يبثه شكواه من الفقر والمرض، فيخفف عنه بلجوئه الی الله احساس المرض او الفقر. كما ان الفاقد لاحد الاعزة، يلجأ الی الله تعالی ليخفف عن اثر الحزن او التحسر علی موت العزيز وهكذا. بعد ذلك نواجه عبارة (يا منجي الصادقين) وهي عبارة تتطلب جانباً من الشرح مع انها واضحة، ولكن ورودها في سياق الملهوف مثلاً تتطلب القاء الاضاءة عليها. ان الصادق له أهمية كبيرة في ميدان السلوك بعامة، حيث اوضحنا - في لقاء سابق- كيف ان الصادق في كلامه مع الناس يظل صادقاً في تعامله مع الله تعالی، والعكس هو الصحيح ايضاً. واذن نتجاوز اهمية الصادق لنتحدث عن انعكاسات سلوكه، او الآثار المترتبة علی الصدق، حيث ترد نصوص شرعية تقررّ بان النجاة في الصدق، وهذه النجاة يمكن تصورها علی المستويين، الدنيوي والأخروي، وهناك قصص وامثلة علی نجاة الصادق دنيوياً وان كان بعض الظاهر يضاد ذلك، ولكن النتيجة هي: النجاة حتی علی مستوی الأثر النفسي، اي: تحقق التوازن النفسي لدی الشخصية، وهي ما يطلق عليها بالشخصية السوية واما النجاة أخروياً، فأمرلا يحتاج الی توضيح. بعدها نواجه عبارة (يا اقدر القادرين)، وهي عبارة تبدو وكأنها بمعزل عماّ سبقها مثلاً، ولكنها ذات صلة بما يلحقها وهي (يا اعلم العالمين)، حيث ان العلم والقدرة تظلان من ابرز صفات الله تعالی، المهم ان عبارة (يا اقدرالقادرين) تظل علی صلة لسابقتها من حيث ان العبارة السابقة مثلاً اوضحت بان الله تعالی منجي الصادقين، والعبارة الاسبق لها بأن الله تعالی هو: ملجأ الملهوفين، وهذا يتداعي بالذهن الی انه تعالی (قادر) علی أنجاء وألجاء هؤلاء الملتجئين إليه والناجين بسلوكهم، فضلاً عن ان القدرة - كما اشرنا - تظل من ابرز صفاته تعالی بخاصة من لاحقتها وهي (العلم) في عبارة (يا اعلم العالمين): كما سنوضح ذلك لاحقاً ان شاء الله تعالی. ******* شرح فقرة: "يا سيدّ المتوكلين، ..." - 267 2010-06-28 00:00:00 2010-06-28 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6338 http://arabic.irib.ir/programs/item/6338 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا سيدّ المتوكلين، يا هادي المضلين، ...). من البيّن ان لكل مقطع تجانسه من جانب، وتميزه عن مقطع آخر من جانب ثان والمقطع الذي نتحدث عنه يتميز بكونه يربط بيت انماط المتوسلين او الداعين او مطلق المحتاجين وبين الصفة (والمظهر الذي يتصف به تعالی)، فمثلاً نجد هذين المظهرين: مظهر السيّد، ومظهر الهادي، وتجانس مع نمط المتوكل علی الله تعالی، والمضلّ، حيث يتناسب المضلّ ان يتجه الی من وهو الله تعالی، ويتناسب المتوكل مع من يملك السيادة عليه وهو الله تعالی ولذلك جاءت العبارة (يا سيد المتوكلين) والعبارة (يا هادي المضلين)، وهما عبارتان لهما اهميتهما من حيث الصلة بين الله تعالی والعبد وما يترتب عليها من العطاءات الالهية، فالمتوكل علی الله تعالی، لا مناص من توقعه بان الله تعالی يرزقه من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب، لان (السيد) - وهو الله تعالی، صاحب السيادة والتدبير والرعاية للعبد- يحقق للمتوكل عليه اهدافه. والامر كذلك بالنسبة الی عبارة (يا هادِي المضلّين)، ان الله تعالی يتفضل علی عباده بكل الانماط المتصلة بحاجة عباده، ومنها: العبد المضلّ حيث يحتاج الی من يثنيه عن اضلاله، ويجعله بدلاً من الاضلال: يتجه الی الهداية، وهو امر في غاية الاهمية، حيث ان الهدی هو الحصيلة المطلوبة للانسان الذي خلقه الله تعالی ليمارس وظيفته العبادية. بعد ذلك نواجه عبارة (يا وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) وعبارة (يا انيس الذاكرين)، فماذا نستلهم منهما؟ ان المؤمن والذاكر (كما ورد في المقطع) يجسدان حبّ العباد الی الله تعالی، بصفة ان المؤمن يؤمن بعبادته ويعمل علی تطبيقها واما الذاكر فان الله تعالی يحبّه حبّاً يتجانس مع طبيعة سلوك الذاكر الله تعالی، ان الله تعالی طالما يؤكد «اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ»، فاذا كان الله تعالی يذكر الذاكر له: حينئذ فما ارفع مقام الذاكر عند الله تعالی. والسؤال الجديد هو: ان المؤمن ورد في صفة ربّه بانه وَلِيُّ، والذاكر بانه (انيس) فما هي النكات الكامنة وراء ذلك؟ واضح، ان وَلِيُّ هو من يتولّی الرعاية لمن يؤمن به، اي: ان المؤمن بحاجة الی من يتولی رعايته تثميناً لايمانه يتفضل عليه الله تعالی بالرعاية التامة، ولا يتخلی عن مساعدته مادام مومناً عبده: بالمبادیء التي رسمها الله تعالی. وأما الأمر المرتبط بصفة (انيس) وجعلها متساوقةً مع (الذاكر)، فانه من الوضوح بمكان، حيث ان الذاكر الله، (يأنس) به ويستوحش من الناس، و هو اثر طالما اشارت النصوص الشرعية، ان الذاكر لله تعالی (والله تعالی هو الْمُهَيْمِنُ علی الوجود ولا احد سواه) حينئذ فان العبد الذاكر سيجد انيساً لا مماثل له، انيساً بيده السماوات والارض وما بينما، فما احری العبد بان يأنس بمن في يده كل شيء. ******* شرح فقرة: "يا حبيب الباكين، ..." - 266 2010-06-22 00:00:00 2010-06-22 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6337 http://arabic.irib.ir/programs/item/6337 نتابع حديثنا عن الأدعية المباركة ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه ونحدثك الآن عن مقطع جديد، يبدأ علی هذا النحو: (يا حبيب الباكين، يا سيّد المتوكلين، يا هادي المضلّين، يا وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ). ونحدثك الآن عن العبارة الاولی، وهي: (يا حبيب الباكين). فماذا نستلهم منها؟ من الحقائق الاسلامية المرتبطة بالظواهر النفسية هي: ظاهرة البكاء، طبيعياً، ينشطر البكاء الی نمطين، أحدهما: البكاء العاطفي، وهو غير مثاب عليه، والآخر: البكاء الموضوعي وهو ما يقصده الدعاء. طبيعياً أيضاً، ان العاطفة لها ضرورتها، ولذلك قد يتسائل قاريء الدعاء فيقول: كيف تحسب البكاء العاطفي غير محور مع ان البكاء اساساً هو تعبيرعاطفي، ثم مع ملاحظة أن العاطفة ضرورية في الانسان والاّ يتحول الی كائن جاف لا قلب لديه. الجواب: ان العاطفة ضرورية ولكن في نطاق ينبغي عدم تجاوزه، فاذا افترضنا ان عملية الادراك البشري او الاستجابة الذهنية للشيء لها نسبة تتوزع بين العقل والعاطفة، لا مكننا الذهاب الی ان العاطفة يشكل 25% من العملية، بمعنی ان (العقل) يحتاج الی عاطفة ولو بالنسبة المشار اليها، فمثلاً: الصراخ هو تعبيرعاطفي يتجاوز نسبته المحدودة ولكن الانفعال اللفظي هو اقل درجة عاطفية، بينما التحدث برصانة هو: الموقف العقلي المصحوب بنسبة خاصة قليلة، وهذا هو الموقف الذي ينسجم مع التصور الاسلامي للاستجابة بحسب ما ورد من نصوص شرعية، فمثلاً عند المصيبة تقول النصوص الشرعية ان من ضرب بيده علی فخذه يحبط عمله، بينما الموقف العقلي ان يقول الانسان: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. اذن ينبغي ان نتحدث عن البكاء ونسبته العاطفية في ضوء العبارة المتقدمة (يا حبيب الباكين). فماذا نستخلص؟ تشير النصوص الشرعية الی ان من قساوة القلب هو: عدم البكاء وقد ورد تأكيد كبير علی نزول الدمع من حيث الخشية من الله تعالی او من حيث البكاء علی مصيبة الحسين (عليه السلام) مثلاً وهذا يعني ان العاطفة تظل امراً مندوباً وليس مجرد عمل مباح، ولكن السؤال هو: هل تقصد بذلك: الانفعال الخارج عن حد المتوسط؟ طبيعاً لا، بمعنی ان البكاء المطلوب هو: ما يجسّد درجة معقولة لا يفقد الشخص عن خلالها توازنه المطلوب، ولذلك ورد عند النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما توفی ولده انه دمعت عيناه ولكن لم يفقد حالته الطبيعية حيث قال يحزن القلب ولا بغرض او هذا هو منتهی التعبير العقلي المتوازن المصحوب مع نسبته عاطفية: واكبها دمع، وحزن في القلب: ليس الاّ. اذن البكاء امر لامناص منه، بخاصة البكاء من خشية الله تعالی، او البكاء علی الحسين (عليه السلام) ومن ثم عدم البكاء يظل حالة سلبية تفصح عن القساوة في القلب، وهذا ما حذّرت النصوص الشرعية من، حيث قالت الا خير فيمن لا يبكي اي ان عدم البكاء هو قسوة القلب: اعاذنا الله تعالی من ذلك. ******* شرح فقرة: "يا أكرم مقصود قصد، ..." - 265 2010-06-20 00:00:00 2010-06-20 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6336 http://arabic.irib.ir/programs/item/6336 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الان عن أحد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا أكرم مقصود قصد، يا أكرم مسؤول سُئل، يا أشرف محبوب عُلم، ...)، بهذه العبارات خُتم مقطع الدعاء لنواجه بعد ذلك مقاطع أخری، ولكن لنتحدث الآن عن العبارة الاولی وهي (يا أكبر مقصود قـُصد). فماذا نستلهم منها؟ واضح، ان القصد الی هذا الشيء أو ذاك معناه: أنك نويت بأن تقصد أحد الاشخاص وذهبت اليه فعلاً وكان قصدك من الذهاب الی هذ الشخص: مساعدته أياك وواضح أيضاً، ان هذا المقصود أما أن يخيب أملك فلا يساعدك أو يساعدك قليلاً، أو ان امكاناته أساساً لا تسمح له بمساعدتك البتة، فإذا كنت بحاجة الی الملايين من النقود: حينئذ فإن دخله المحدود لا يسمح له بمساعدتك. اذن المساعدون يختلفون في أمكاناتهم ولكن عندما نقصد الله تعالی، فإنه تعالی بيده خزائن السموات والارض بعكس الشخص القاصر أساساً الا من الله تعالی هو الذي خلق في هذا الشخص القابلية المحدودة بحيث لا يستطيع تجاوزه، وهذا ما يفسر لنا معنی العبارة (يا أكبر مقصود قصد) حين أستخدم الدعاء عبارة (أكبر) وهي تعني: الله اكبر منه تعالی في امكاناته، لأنه تعالی مطلق ولا حدود لقدرته، يستطيع أن يقول للشيء كُن فَيَكُونُ، أذن أتضح معنی (يا أكبر من كل مقصود قـُصد). ونتجه الی عبارة (يا أكرم مسؤول سُئل)، فماذا نستلهم منها؟ في العبارة السابقة (يا أكبر مقصود قصد) كان هدفها، هو التعريف بالمقصود، أما في عبارة (يا أكرم مسؤول سُئل)، فإن هدفها هو المرحلة اللاحقة بتعريف المقصود، أي: التعريف بمدی مساعدته للشخص، وهذا ما يتضح بجلاء حينما نجد أن النص يتحدث عن (السؤال) وليس عن المقصود، والمهم هو: أن النص في صدد تعريفه بالله تعالی من حيث كرمه، وعلاقة ذلك بمن سأله العطاء، هنا ينبغي لفت نظرك الی نكتة بلاغية وهي: أن الكرم هو أعطاء الاكثر من الشيء، وهذا ما يتسق مع عبارة (مسؤول)، أي السؤال منه تعالی في المساعدة، حيث يشير النص الی أن الله تعالی هو أكرم المسؤولين في العطاء بحيث يمنح الكثير وليس المحدود من الشيء. العبارة الاخيرة من المقطع هي (يا أشرف محبوب عُلم): الشريف لغوياً، هو ذو المكانة العالية فإذا سحبناها علی هذا النص من الدعاء (يا أشرف محبوب علم) نجد دلالتها تتمثل في جملة نكات، أولها أنه تعالی لا أشرف منه في الوجود، ومنها المحبوبية، فما دام الله تعالی ذو المكانة العالية التي لا يشاركه فيها آخر، فهذا يعني أن الله تعالی لا أحد مثله يتميز بمحبوبية عالية تتناسب مع موقعه العالي، وأما عبارة (عُلم) فتعني: لا أحد يمكنه أن يجد غير الله تعالی، له مكانته المحبوبة في النفوس. ******* شرح فقرة: "يا أعلی محمود حمد، ..." - 264 2010-06-17 00:00:00 2010-06-17 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6335 http://arabic.irib.ir/programs/item/6335 نتابع حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء الجوشن الكبير، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه ونحدثك الان عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا أعلی محمود حمد، يا أقدم موجود طلب، يا أرفع موصوف وصف...). هذه العبارات امتداد لما سبقتها من العرض لمظاهر عظمة الله تعالی، حيث يتجه الدعاء بهذه العبارات الی الله تعالی من خلال لغة الافضلية لدی الله تعالی في مظاهر عظمته مقارنة بالسمات المحدودة التي منحها الله تعالی للموجودات من بشر وملائكة، العبارة تقول: (يا أعلی محمود حمد)، طبيعياً عندما يصدر الثناء والحمد من العبد لمثله، فإن الحمد يظل محدوداً بقدر محدودية العبد، ولكن الله تعالی وهو المطلق والكامل مطلقاً في عظمته، حينئذ فإن لغة حمدنا لله تعالی يتعين ان تتناسب مع عظمته تعالی، ولذلك استخدم الدعاء عبارة (التفضيل) المطلق، وهو (يا أعلی محمود حمد) وتعني ان الله تعالی هو اعلی ما يمكن تصوره حيال الله تعالی، حيث لا يعلو حمد لله تعالی من قبل الموجودات: لا يعلو اي حمد عليه، وطبيعياً ان الله تعالی وهو يقدر عواطف عبده سوف يزيده أشباعاً لحاجاته الدنيوية والأخروية مادام العبد حامداً لله تعالی. بعد ذلك تواجهنا عبارة (يا أقدم موجود طلب)، فماذا نستخلص منها؟ لنحدثك أولاً عن عن عبارة (طُلب) حيث نتساءل عن معناها؟ الجواب: ان الله تعالی يطلب اليه مساعدة عبده مثلاً، فيجيب طلب العبد، وهذا من الوضوح بمكان، ولكن بما أن الله تعالی لا يقاس في أية عظمة أو مظهر عظمة، حينئذ فإن الطلب مادام هو: لجوء الی الله تعالی في أشباع الحاجة، وهذا ما يفسره لنا سبب اضفاء القدم علی عظمته تعالی ولكن السؤال هو: ما معنی (القدم) في عبارة (يا أقدم موجود طلب)؟ أن القدم معناه: ما يضاد الحدوث، بمعنی الازلية، وهو ما لا علة لوجوده، وهذا يعني أن عبارة الدعاء تستهدف الاشارة الی أن الله تعالی وهو (قديم)، أو أزلي لا يسبقه أحد في عظمته بحيث أن العبد عندما يطلب من الله تعالی ان يحقق له أشباعاته، فإنه لم يسبقه أحد فيطلب اليه بل هو غير المسبوق بعده، ولذلك فإن الطلب يتمه إليه حتی مع فرضية امكان احد أن يشبع حاجات غيره، ولكنه تعالی بما أنه (من حيث العطاء لا مثيل له) فإنه أيضاً من حيث العطاء كذلك: لا أحد يسبقه. اذن إن الله تعالی إذا طلب اليه أو طلبت الرعاية منه الی العبد حينئذ هو من جانب مطلق العطاء أو مطلق السعة في أجابة الطلب، ومن جانب آخر لا أحد يسبقه من جانب الزمن: بصفة أن التأكيد إلزمني يعمق من دلالة عظمته في تصورنا وإدراكنا المحدود. بعد ذلك نواجه عبارة (يا أرفع مرفوع وصف)، فماذا تعني؟ هنا نجد مظهراً أو مصداقاً آخر من مصاديق عظمته تعالی من حيث استجابتنا - نحن قراء الدعاء - لمعنی عظمته هنا، نلفت نظرك الی أن الدعاء قد وصف الله تعالی في عبارة سابقة بأنه (أعلی محمود حمد)، هنا يقدم الدعاء عبارة (يا أرفع مرفوع رفع)، فما هو المشترك بين عبارتي (أرفع) و (أعلی)، وما هو الفارق بينهما أيضاً؟ الجواب: أن عبارة (يا أعلی محمود حمد) جاءت في سياق الظاهرة اللفظية أو الكلامية فعندما ندعو الله تعالی: إنما نتجه بالكلام فنقول مثلاً: سبحان ربي الاعلی، فالكلام يتسق مع الاعلی لاننا نطلب من الاعلی أو نتجه ببصرنا الی الأعلی، ولكن بالنسبة الی الرفعة فتعني: الشموخ من حيث القدر والمنزلة، اي: الرفعة هنا مطلق الصفة العالية، وأما العلو فهو الصفة العالية المقرونة بالتوجه أو الكلام أو الخطاب الی الله تعالی. ******* شرح فقرة: "يا أجل مشكور شكر، ..." - 263 2010-06-15 00:00:00 2010-06-15 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6334 http://arabic.irib.ir/programs/item/6334 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها دعاء الجوشن الكبير، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه ونحدثك الآن عن أحد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا أجل مشكور شكر، يا أعز مذكور ذكر، يا أعلی محمود حمد، ...)، والآن نقف عند عبارة (يا أجل مشكور شكر)، فماذا نستلهم منها؟ هذه العبارة وماسبقتها وما تلتها من العبارات تخضع لصياغة بلاغية خاصة هي: خضوع المقطع في عباراته جميعاً الی عنصر التفضيل في عرض مظاهر عظمة الله تعالی، وقد حدثناك عن هذا الجانب سابقاً، ويعنينا الآن ان نشير ونكرر بأن مقطع الدعاء عندما يقول النص (يا أرحم الراحمين) لا يعني ذلك وجود مقارنة بين متكافئين في المظهر أو السمة، بل لا مظهر سوی ما نجده عند الله تعالی، كل ما في الامر أن المقارنة بين الله تعالی وبين العبد مثلاً هي: مجرد تذكير للعبد بأن الله تعالی وليس العبد هو: صاحب الفاعلية، فالرحمة اساساً هي من الله تعالی مثلاً، وعندما يهب تعالی قسطاً من الرحمة لعباده، ويطالبهم بممارستها فيما بينهم، إنما هي من الله تعالی ولا يمتلك العبد أية قدرة ذاتية في ذلك: كما هو واضح. والآن لنعد بعد هذه التذكرة المكررة الی عبارة الدعاء وهي (يا أجل مشكور شُكر)، فماذا نستخلص منها؟ عندما يقدم لك احدهم خدمة ما، فلا بد وأن تشكر علی ذلك لأن الله تعالی يقرر بأن من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، ولكن عندما نشكر العبد هل يمكنك ان تقارن بما ينبغي عليك من الشكر لله تعالی؟ كلا، اذن مادام الله تعالی هو المصدر لكل شيء أو عطاء، حينئذ فأنه تعالی يظل اجّلُ مشكور، أي أعظم وأخطر وأهم من يجب علينا أن نشكره، لأن العطاء كله، وحتی بواسطة العبد - أنّما هو من الله تعالی. بعد ذلك نواجه عبارة (يا أعز مذكور ذكر)، فماذا نستلهم منها؟ الذكر هو مصطلح يتداعي الذهن من خلاله الی الله تعالی من حيث الوظيفة العبادية للإنسان فيذكره لله تعالی، تبعاً لمطالبته تعالی بأن نذكره. وقد قال تعالی «اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ»، وهي عبارة لا يدرك دلالتها الا مَنْ وهبه الله تعالی قابلية الادراك بعظمة هذه العبارة. تری هل ثمة طموح للعبد اكثر من التطلع الی أن يلتفت اليه تعالی ويذكره؟ هذا من جانب ومن جانب آخر، إن الذكر أو الورد أو الدعاء، ومنها ممارسة الواجب والمندوب وترك الحرام والمكروه من الاعمال، ومنها: أن نستحضر مفهوم الشكر مثلاً لله تعالی عندما نتناول الطعام ونقول لفظاً أو مناً: الحمد لله الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وهكذا بالنسبة الی مئات الاستحضارات لنعم الله تعالی. والآن مع ملاحظتنا لهذه الانماط من الذكر، نقف عند عبارة (يا أعز مذكور ذكر). فماذا نستخلص منها؟ واضح أننا عندما نذكره تعالی إنما نعتز بذلك بنحو لا يمكن أن نقارنه بأعتزاز آخر لأي مخلوق إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، فلا معنی أن نعتز بسواه البتة، والعزيز هو ما لا يوجد سواه أو ما يندر سواه، ولذلك فإن الله تعالی مادام هو المتفرد في عظمته، في وجوده، في عطائاته، حينئذ فإن المتفرد ايضاً في عزته، حيث يتعين علی العبد أن يدرك دلالة هذه العبارة (يا أعز مذكور)، بصفة أن ذكرنا لله تعالی سواء أكان لفظياً أو قلبياً، وسواء كان في نطاق التذكر لعطائاته أو ممارستنا للمباديء التي أمرنا الله تعالی بالالتزام بها، أولئك جميعاً تجسد (ذكراً) ولا ذكر أعز منه، انه ذكر الله تعالی حيث لا فاعلية لغير الله تعالی. ******* شرح فقرة: "يا خير معروف ُعرف، ..." - 262 2010-06-13 00:00:00 2010-06-13 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6333 http://arabic.irib.ir/programs/item/6333 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة ومنها (دعاء الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي يبدأ بهذا النحو: (يا خير معروف ُعرف، يا أفضل معبود عبد، يا أجل مشكور ُشِكر، ...). اذن لنتحدث عن هذا المقطع، ونبدأ ذلك بالحديث عن عبارة (يا خير معروف عرف)، فماذا نستلهم منها؟ في حديث سابق قلنا: ان هذا المقطع من الدعاء يتضمن صياغة خاصة هي، ان يعرض لمظاهر عظمته تعالی من خلال التفضيل علی ما يمكن فرضاً تصوره، اي: المقارنة بين الله تعالی ومخلوقاته. ان الله تعالی هو الكامل مطلقاً، اي: لا يمكن تصور ما هو دون الكمال حياله، كما أنه تعالی متفرد في عظمته، اي: لا يشاركه احد في ذلك، فإذا كان الأمر كذلك، حينئذ لا مجال للمقارنة، لأن تفرده تعالی وكماله تعالی لا مجال فيه للمقارنة، بصفة ان المقارنة تحصل بين مشتركين في مظهر ما، ولا اشتراك مع الله تعالی ولكن بما انه الله تعالی هو المشير الی امثلة هذه المقارنة حتی يعمق مفهوم التوحيد في الاذهان، يلوح مثلاً بأنه خير الرازقين، ارحم الراحمين، اي لا أحد يمتلك رحمة او رزقاً كما هو بالنسبة الی الله تعالی، ويظل المخلوق من حيث ان الله تعالی يفيض عليه قسماً من الرحمة مثلاً، عبر مقارنته مع الله تعالی، يظل افصاحاً عن ان الرحمة الحقة، هي رحمته تعالی، وليس الرحمة لدی المخلوق. في ضوء ما تقدم، نتجه الی عبارة (يا خير معروف عُرف)، فنستخلص منها ان الله تعالی هو صاحب المعروف الحق، فالإنسان المؤمن مثلاً، يصنع المعروف كما لو انفق أمواله في مساعدة الفقراء، ولكن المعروف الصادر عن الله تعالی لا يقاس بمعروف المخلوق، بصفة أن المخلوق لا يملك استقلاليته في معروفه، بل ان الله تعالی هو المصدر له، والمصدر لا شك هو الاصل وليس الفرع، كما أن معروف المخلوق محدود لا يستطيع أن ينفق ما يشاء نظراً للمحدودية المذكورة، من هنا تظل عبارة (يا خير معروف عرف)، تعني:ان لا معروف افضل من المعروف الذي نجده عنده تعالی. بعد ذلك نتجه الی عبارة (يا خير معبود عبد)، فماذا نستخلص منها؟ من الواضح ان الله تعالی هو المعبود الوحيد، ولكن - كما اشرنا - ثمة فرضيات نسبية يمكننا ملاحظتها ولو علی سبيل المجاز: كما لو قلنا أن الإنسان يعبد المادة مثلاً أو يعبد الجنس او يعبد الجاه، أو حتی من يعبد الاصنام، هولاء جميعاً سواء من يعبد الاوهام أو الاشخاص، لا يقاس معبودهم العاطل من الفاعلية أو المحدود فاعلية بالمعبود الحق، وهو الله تعالی. لذلك، فإن قاريء الدعاء يمكنه من خلال قراءته لهذه العبارة (يا خير معبود عُبد) أن يتداعي بذهنه الی أن حاجات الإنسان: الروحية والمادية لا يمكن أن يتم اشباعها الا من خلال التوجه الی (معبود) وحيد لا يشاركه أحد في ذلك، الا وهو الله تعالی، حيث يحقق للعبد ما يتطلع اليه من الحاجات الروحية والمادية، أما روحياً فلا أحد غير الله تعالی يستحق العبادة بحيث يتفاعل العابد وجدانياً مع الله تعالی الی درجة أن الله تعالی يهيء له كل الأمكانات التي يتطلع الأنسان اليها والأمر كذلك بالنسبة الی الحاجات المادية أو الدنيوية. بعد ذلك نواجه عبارة (يا أجل مشكور شُكر). فماذا نستلهم منها؟ هذه العبارة تحتاج الی المزيد من التوضيح، لذلك نؤجل الحديث عنها في لقاء لاحق ان شاء الله تعالی. ******* شرح فقرة: "يا بر، يا حق، يا فرد، يا وتر، ..." - 261 2010-06-10 00:00:00 2010-06-10 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6332 http://arabic.irib.ir/programs/item/6332 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الان عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا بر، يا حق، يا فرد، يا وتر، يا صمد، يا سرمد). هذه العبارات يختم بها مقطع الدعاء، حيث تتناول مظاهر عظمة الله تعالی من خلال ثنائية الصفاة، اي: الصفات المتجانسة مثل: فرد، وتر، والمهم هو ملاحظة هذه المظاهر، ونبدأ ذلك بملاحظة هاتين الصفتين: البر، والحق. فماذا نستلهم منها؟ بالنسبة الی صفة (البر)، نجد انها تعني بأنه تعالی يعطف علی عباده، ويحسن اليهم، وهو اثر لا نحسب ان احدا منا يجهل دلالة ذلك، كل ما في الامر ان قاريء الدعاء يتعين عليه ان يدقق النظر فيما يقرأ من الصفاة المنتسبة الی اوسع دلالة الا وهي الرحمة، حيث ان مصاديق الرحمة من التنوع بمكان كبير، فالشفقة والعطف. وأما صفة الحق، فلا نحسب ان احدا منا يجهل دلالتها، حيث ان الله تعالی هو (الحق) بكل ما تعنيه الكلمة من الدلالة، ان الحق هو ضد الباطل، ويستطيع القاريء للدعاء ان يستخلص مصاديق (الحق) من خلال مقارنة ذلك بما يضاده (اي الباطل)، وهو مطلق ما هو السلبي من الصفاة. بعد ذلك نواجه عبارتي (يا فرد، يا وتر) - وهي كما اشرنا - عبارتان متجانستان، بصفة ان الفرد ينسحب عليه مصطلح (وتر)، والْوَتْرِ كذلك. اذن ما هو الفارق بينهما؟ ان الفرد معناه: المتفرد وجوده علی شتی المستويات، انه تعالی متفرد في الوحدانية، وفي القدرة وفي العلم وفي الادارة وفي الرحمة بمعنی انه لا يشاركه احد في الصفات المتنوعة. واما صفة الْوَتْرِ فإنها تعني: الفرد ايضاً، ولكن من خلال مقارنتها بما هو زوج او الإثنان، بينما (الفرد) ينسحب علی المقارنة بين الاعداد جميعا، بينما ينسحب الْوَتْرِ مقابل لما هو اثنان: كما قلنا. والنكتة هي: بما ان الموضوع هو وحدانية الله تعالی دون مشاركة الاخر او مماثلة الاخر له: حينئذ فإن عدم المشاركة او المماثلة في تصور بعض اللغوييين يكون علی عكس ما قررناه، أي ان الله تعالی وتر - كما ورد في النصوص - وهذا يعني عدم مشاركة الاخر له في صفاته، بينما الفرد يعني عدم وجود المظاهر المتنوعة له تعالی، والمهم في الحالات جميعاً، فإن تفرده تعالی ووحدانيته في كل شيء: في الوجود، وفي الصفات: يظل هو الدلالة التي تفرزها تلك الكلمات. اخيراً نواجه عبارتي (يا صمد، يا سرمد)، فماذا نستخلص منها؟ بالنسبة الی (صمد)، تقول النصوص المفسرة بأن المصطلح المذكور ينسحب علی جملة (دلالات) منها: السيد المطاع، والقائم بنفسه، والمتعالي عن الكون والذي لا شريك له، والذي أبدع الاشياء، الا أنه ورد عن الامام الحسين (عليه السَّلام) انه نقل عن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) بأن الصمد مفسر بأنه تعالی «لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ». وأما (السرمد) فمعناه الدائم، والذي لا أول له ولا آخر، وبهذا يكون الفارق بين الصمد والسرمد، ان الصمد اوسع دلالة من السرمد، بالنحو الذي اوضحناه. بعد ذلك نواجه مقطعاً جديداً من دعاء الجوشن الكبیر، هو: (يا خير معروف عرف، يا أفضل معبود عبد، يا أجل مشكور شكر، ...). يتمتع هذا المقطع من الدعاء بخصائص فنية، كما هو طابع جميع المقاطع، حيث تتنوع فنون التعبير فيه، ومنها التعبيبر بالأفضلية، حيث يقرر المقطع صفة من صفاته تعالی، ثم يوضح بأنها (الأفضل) بالقياس الی الغير، مع ملاحظة (ان الافضل) هنا لا تعني وجود المشاركة او المماثلة وتفضيل البعض علی الاخر، بل تعني الأفضلية المتفردة علی الاخير وليس المشاركة مع الغير. وفي ضوء هذه الحقيقة تواجهنا عبارة (يا أفضل معبود عبد) حيث يمكنننا ان نتناول دلالتها من زوايا متعددة وهو امر يتطلب مزيداً من التوضيح وهذا ما نؤجل الحديث عنه الی لقاء لاحق ان شاء الله تعالی. ******* شرح فقرة: "يا من احاط بكل شيء علماًَ، ..." - 260 2010-06-08 00:00:00 2010-06-08 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6331 http://arabic.irib.ir/programs/item/6331 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء الجوشن الكبير، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الان عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا مَنْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، يا مَنْ أَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا). بهذين المظهرين من مظاهر عظمة الله تعالی ينتهي احد مقاطع الدعاء، وهذان المظهران يعنيان بعلم الله تعالی وهو علم كسائر صفاته تعالی لا حدود له، اي العلم المطلق، ولكن النص ذكر نمطين من ذلك، هما العلم المحيط بِكُلِّ شَيْءٍ والعلم المحصي كل شيء ومن الطبييعي ان احدهما غير الاخر. بالنسبة للعبارة الاولی القائلة: (يا مَنْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) تعني: انه تعالی لا يخفی عليه شيء البته مهما صغر او رق او خفي علی الادميين، وما ينبغي ان يستثمره قاريء الدعاء من هذه الصفة، هو ان يتداعي بذهنه الی ان الله تعالی لا يخفی عليه اي شيء، وفي مقدمة ذلك السلوك الصادر من قاريء الدعاء سواء اكان نية، ام لفظا، ام عملاً، وهذا ما يجعل قاريء الدعاء حذرا لا يمارس المعصية مهما كان حجمها مادام الله مطلعا عليها. وأما بالنسبة للعبارة الاخيرة وهي: (يا مَنْ أَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) فتعني: انه تعالی لا يدع ظاهرة إلا أحصاها، اي أخضعها لعملية احصاء من حيث الكم، بينما كانت العبارة الاولی تخضع الی الكيف او الی الأعم منها، والنكتة وراء ذلك هي: ان الله تعالی لا يعزب عنه مثقال ذرة في الارض والسماء، وأما من حيث انعكاساتها علی قاريء الدعاء، فانها كسابقاتها تتداعي بالذهن الِی انه تعالی يحصى عدد ذنوبنا فضلاً عن احصاءه لكل ما ورد في الوجود بطبيعة الحال. بعد ذلك يواجهنا مقطع جديد علی هذا النحو: (اللهم اني اسألك باْسمك: يا أول، يا أخر، يا ظاهر، يا باطن، يا بار، يا حق، ...)، فماذا نستلهم من ذلك؟ بالنسبة الی العبارة الاولی، وهي: (يا أول يا أخر): تعني ان الله تعالی كما ورد في النصوص الشارحة لهما اي بعبارتي (اول) و (اخر)، انه تعالی سابق لكل الموجودات حيث كان ولم يكن سواه تعالی، وهو لم يزل ولا شيء سابق عليه، كما لا شيء من الوجود يبقی من حيث النهاية سواه تعالی وهذا ما ينسحب علی عبارة (الآخر)، اي: انه تعالی هو الباقي بعد نهاية الخلق او الوجود، فهو اذن: الاول قبل كل شيء، والاخر بعد كل شيء وما ينبغي ان يستثمره قاريء الدعاء هو: ان يتداعي بذهنه الی انه اي المخلوق ومنه: قاريء الدعاء: له اخر، وهو الموت، وأن ما بعد الموت هو: الجزاء علی الاعمال، وهذا ما يدفع قاريء الدعاء الی ان يعتبر بهذه الحقيقة: لتعديل سلوكه. طبيعياً، ان المعرفة بعظمة الله حيث انه الاول والآخر، اي: المتفرد في وجوده تظل مفزوعاً منها بيد ان انعكاسات ذلك علی سلوك القاريء للدعاء يظل معطي له اهميته الكبيرة بطبيعة الحال، مادمنا نعرف تماماً بأن الله تعالی: مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ، اي يمارسون ما هو الموكل اليهم من السلوك. بعد ذلك تواجهنا عبارة (يا باطن يا ظاهر)، فماذا نستلهم منها؟ تشير النصوص الشارحة بأن المقصود من (الظاهر) هو ما نلاحظه من الإبداع الكوني المفصح عن وجوده تعالی حيث تظهر آياته الإبداعية، فيكون ظاهراً في دلائله. اما (الباطن) فيعني: انه تعالی خفي علينا، ولا يمكننا أستكشاف ذاته تعالی، حيث احتجب تعالی من معرفة الآخرين لِكنهِ ذاته وهناك من الشراح من يشير الی انه تعالی (الظاهر) من حيث علمه بالسرائر، ومن حيث اطلاعه علی الباطن من السلوك. المهم بعد ذلك ان قاريء الدعاء يتداعي بذهنه الی جملة معطيات منها: المعرفة بعظمته من حيث الآيات الكونية التي نشاهدها، ومن حيث خفاء ذاته تجعل استنتاجاتنا حيال ذلك مقرونة بما هو عميق ومدهش من العظمة الإلهية، فضلاً عما نستجيب له من تعديل السلوك في غمرة معرفتنا بانه تعالی مطلع علی سرائرنا، وما بطن من السلوك. ******* شرح فقرة: "يا مَنْ جعل في السماء بروجاًَ، ..." - 259 2010-06-06 00:00:00 2010-06-06 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6330 http://arabic.irib.ir/programs/item/6330 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة، ومنها دعاء الجوشن الكبير حيث حدثناك عنه في لقائات سابقة، ونحدثك الان عن احد مقاطعه التي ورد فيها: (يا مَنْ جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا، يا مَنْ جعل الأَرْضَ قَرَارًا، يا مَنْ خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا، ...). هذه العبارات امتداد لما لاحظناه من العبارات التي حدثناك عنها في لقائات سابقة، وهي تتحدث عن مظاهر مختلفة من عظمته تعالی، وفيها: خلق السماوات والارض وما يواكبها، حيث جائت عبارة (يا مَنْ جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا)، تجسيدا لعظمة ابداعه تعالی. والسؤال هو: ماذا نستلهم من العبارة المذكورة؟ من البين، ان ظاهرة البروج ترتبط بمنازل الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ والكواكب، وهي اثني عشر برجاً، يسير القمر في كل برج منها يومين وثلاث، وتسير الشمس في كل برج شهراً، وهي احد مظاهر عظمة الله تعالی في تدبيره للكون، وما يترتب علی ذلك من حسابات مختلفة تتصل بمعرفة الزمن، وتنظيمه حيث لا مناص للبشرية وغيرها من معرفة ذلك، حتی تتيسر حركتها التي ترتبط بمسألة خلافة الادميين حيث خضوعها للاختبار العبادي في ضوء المعطيات التي اتاحها تعالی لهم لإستمرارية الممارسة العبادية. بعد ذلك نواجه عبارة (يا مَنْ جعل الأَرْضَ قَرَارًا)، وهي مظهر ابداعي مشير الی عطائات الارض من حيث صلتها بحركة الانسان، فالعبارة هنا تتحدث عن احد جوانب خلق الارض اي في احد معطياتها متمثلاًً في «قَرَار» الارض اي جعلها مكاناً يستقر الانسان فيه لممارسة عمله العبادي، طبيعياً ثمة معطيات تتصل بالارض من حيث دحوها او ذلوليتها، او ثرواتها المعدنية والزراعية، ولكن النص عمد الی معطي هو ظاهرة القَرَار، اي الثابت المستقر في الارض، بصفة ان هذا الثبات يحقق عملية التكيف التي تربطها ممارسة العمل الخلافي كما هو واضح. بعد ذلك تواجهنا عبارة (يا مَنْ خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا). تری ماذا نستخلص من هذه العبارة: ان قاريء الدعاء يتداعي ذهنه الی عملية وجود الانسان من حيث الهوية التي ينتسب اليها في غمرة معرفته بهوية سائر الاشياء الفيزيقية وغيرها، بيد ان الملفت للنظر هو: ان الانسان من الممكن ان تتناول نشأته من زاويتين، الاولی: خلقه من التُرَابٌ والاخری خلقه من الماء، والسؤال هو: بم نفسر فلسفة اشارة النصوص القرآنية الكريمة مرة الی خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ، ومرة من الماء، بل نجد نمطا ثالثاً: من النصوص تشير الی خلقه الانسان من كليهما. في تصورنا ان السياق الذي ترد فيه الاشارة الی احد هذه الجوانب الثلاثة هو: المفسر لورود النص بأن الانسان مخلوق من التُرَابٌ او الْمَاء او كليهما. ولكن خارجاً عن ذلك، فأن الاشارة لأي منها ينطوي علی معطيات متنوعة دون ادنی شك، كيف ذلك؟ في تصورنا ان بعض السياقات يظل الهدف منها لفت النظر الی الاصل البشري واحد، هو من الطين، وهذا ما نلاحظه مثلاً في اجابة الامام الرضا (عليه السَّلام) عندما جمع العبيد والسود وفي مائدة مشتركة بينه وبينهم، حيث اعترض البعض من القوم بأن يفرد الامام (عليه السَّلام) مائدة خاصة، فأجاب بأن البشر جميعاً هم من اصل واحد: تعبيراً عن البعد المشترك بين البشر جميعاً، لا فارق بين غنيهم وفقيرهم، وذا الموقف الاجتماعي والمهمل اجتماعياً. اما بالنسبة الی ورود الاشارة نحو ايجاد الانسان من الماء فهذا يستهدف لفت الانتباه علی جعل الانسان المتكبر او الظالم او المستعلي جعله يلتفت الی انه مخلوق من ماء قذر، لذلك يسميه النص القرآني الكريم بالماء «مَّهِينٍ»: تعبيراً عن هوان الانسان من حيث الاصل حتی لا يدفعه غروره ومرضه النفسي الی التطاول والتعالي والاستكبار. بعد ذلك نواجه عبارة (يا مَنْ جعل لكل شيء أَمَدًا)، فماذا نستخلص منها؟ في تصورنا ان الله تعالی طالما يشير الی فناء الكون، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ، حيث ان الاشارة الی هذا الجانب لها معطاها التربوي المتمثل في وحدانية الله تعالی وتفرده في كل شيء، وهو تفرد يحمل الشخصية الی التفكر ملياً في الكون ونشأته والانسان ووظيفته تجعله على ضوء هذه التداعيات الذهنية معمقاً صلته بالله تعالی، مادام الوجود بشر وحيواناً، معرض الی الزوال، وان العمر ايضاً له امده المحدود، حيث يتعين علينا استثماره في العمل الخلافي: كما هو واضح. ******* شرح فقرة: "يا مَنْ لم يتخذ صاحبة ولا ولداًَ، ..." - 258 2010-06-02 00:00:00 2010-06-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6329 http://arabic.irib.ir/programs/item/6329 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء الجوشن الكبير، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الان عن احد مقاطعه الجديدة، حيث يبدأ علی النحو التالي: (يا مَنْ لم يتخذ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا، يا مَنْ جعل لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا، يا مَنْ لا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا، ...)، والان نقف عند المظهر او العبارة الاولی وهي: (يا مَنْ لم يتخذ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا)، تری ماذا يستخلص قاريء الدعاء من هذه العبارة؟ واضح ان هذا المظهر من مظاهر عظمته تعالی، يشير الی اليهود والنصاری ممن زعموا ان لله ولداً حيث ان الولد لا يولد إلا من خلال وجود الزوجة وهي ما اطلق عليه النص القرآني الكريم «صَاحِبَةً»، وبذلك تكون العبارة المشار اليها ردا علی ما يزعمه اليهود من ان لله تعالی ولداً وهو عُزَيْرٌ، وما تزعمه النصاری ان له ولدا وهو الْمَسِيحُ. المهم ان الاشارة الی هذا الجانب وسواه يظل امتداداً لعرض مظاهر عظمة الله تعالی، ومنها: نفي كل ما يضاد التوحيد: كما هو واضح. بعد ذلك نواجه عبارة (يا مَنْ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا)، فماذا نستلهم منها؟ هذه العبارة كسابقتها مقتبسة من القرآن الحكيم اي انها (تناص) بحسب التعبير المعاصر لمفهوم الاقتباس، ونعني هنا: انه تعالی خلق كل شيء بمقدار يتناسب مع متطلبات الحكمة الالهية، فمثلاً قوله تعالی: «وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ» يظل تجسيدا للمفهوم الذي اشرنا اليه، والامر كذلك بالنسبة الی سائر ما خلق الله تعالی من النباتات والجمادات، ولا نحتاج الی تأمل كبير حتی ندرك سريعاً بأن احد مظاهر عظمته تعالی هو: ابداله الوجود وفقا لما تتطلبه الحكمة: كما هو واضح. بعد ذلك نواجه عبارة (يا مَنْ لا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا)، فماذا نستخلص منها؟ واضح ان هذه العبارة جواب او امتداد او تعقيب لما سبق من مظاهر العظمة، حيث ان التوحيد يعني: عدم وجود المشارك لله تعالی في الفاعلية المطلقة: كما هو بين، بمعنی ان ما ذكره النص السابق من المقطع، وهو: انه تعالی جعل لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا، انما هو بتدبيره تعالی وحده لا يشاركه احد في التدبير المذكور وفي سواه من ابداعه تعالی، وبهذه العبارة يكون المقطع قد عمق مفهوم التوحيد من خلال نفي كل ما ينافي مزاعم اتخاذ الصاحب او الولد او مطلق الشريك: كما هو واضح. بعد ذلك نواجه عبارة (يا مَنْ جعل الْمَلائِكَةِ رُسُلا). فماذا نستلهم منها؟ واضح، ان هذه العبارة بدورها امتداد لما سبق من ابداعه تعالی للوجود، وابداعه لكل شيء بقدر معلوم: ومن ذلك خلقه تعالی للملائكة واضطلاعهم بوظائف اسندها تعالی اليهم، وفي مقدمتها انهم «رُّسُلِ» الله تعالی الی الانبياء والوحي حيث يوصلون رسالات الله تعالی الی الانبياء، وهم- اي الانبياء - يوصلون ذلك الی الخلق للعمل بموجبها مضافاً الی وظائف اخری تتصل بترتيب ما قدره الله تعالی من الامور، مثل تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ بكُلِّ أَمْرٍ وبهذا يتوهج مفهوم التوحيد ومفهوم عظمته تعالی من خلال تدبيره وفاعليته للوجود. بعد ذلك يتحدث المقطع عن مظاهر متنوعة من تدبيبره تعالی، مثل: (يا مَنْ جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا، يا مَنْ جعل الأَرْضَ قَرَارًا، يا مَنْ خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا، ...)، هذه المظاهر من ابداعه تعالی وتدبيره، تظل تعميقاً لمفهوم التوحيد حيث بدأ المقطع بنفي الشريك مطلقاًً، ثم بظاهر الابداع والتدبير للوجود، حيث اعقب ذلك بمصاديق لهذا الابداع، مثل البُرُوج والأَرْضَ والْمَاء وسوی ذلك، مما سنحدثك عنه في لقائات لاحقة ان شاء الله تعالی. ******* شرح فقرة: "يا مَنْ يعذب من يشاء، ..." - 257 2010-05-31 00:00:00 2010-05-31 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6328 http://arabic.irib.ir/programs/item/6328 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الان عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا مَنْ يُعَذِّبُ مَن يَشَاء، يا مَنْ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء، يا مَنْ يعز من يشاء، يا مَنْ يذل من يشاء). هذه العبارات امتداد لما سبقها من عبارات مجانسة لها، ونعني بها كما اشرنا الی ذلك في حديث سابق العبارات المزدوجة التي تتقابل وتتماثل وتتوزای فيما بينها، حيث لاحظنا في حديث سابق عبارة: (يا مَنْ يَهْدِي مَن يَشَاء، يا مَنْ يُضِلُّ مَن يَشَاء). والان كذلك نلاحظ الظاهرتين المتزاوجتين، اي العذاب والمفغرة والاعزاز والاذلال (وهما تتضادان قبالة احداهما الاخری)، فعبارة: (يا مَنْ يُعَذِّبُ مَن يَشَاء) تتقابل مع (يا مَنْ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء). وهكذا سائر عبارات المقطع كما سنلاحظ ذلك لاحقا ان شاء الله تعالی. ونقف عند عبارة (يا مَنْ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء). فماذا نستلهم منها؟ من البين ان تزكية الاخرين لا تترتب عليها الاثار بقدر ما تنحصر التزكية من الله تعالی للاخرين، فبقدر الطاعة وعدمها يتحدد الثواب او العقاب، هذا من جانب ومن جانب آخر فمن الممكن ان يختُم للعاصي مثلاً بما هو خير، وبالعكس ايضاً، سر ذلك ان الله تعالی وحده هو العارف بسرائر البشر او علانيتهم، وما يتطلبه الرحمة من الله تعالی في غفران او تهوين العقاب مثلاً، حيث وردت نصوص متنوعة تقرر بان من الممكن مثلاً ان يساعد احدنا الفقير مثلا بدراهم معدودة، او يقوم بعمل عبادي بسيط او بصلاة او بدعاء فيه الانكسار مثلاً، فنجد انه تعالی يرفع عنه العذاب وتنسحب عليه مقولة «يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء» او العكس من ذلك ايضاً حيث يختم له بالسوء (اعاذنا تعالی من ذلك) مع انه طوی عمره في الطاعة. اذن ان الله تعالی يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بقدر ما تتطلبه الحكمة التي نجهلها نحن البشر بطبيعة الحال. ونتجه الی عبارة (يعزُّ من يشاء) وعبارة (يذل من يشاء)، حيث نجد انهما تتماثلان في السابق في مقابل احداهما مع الاخری عبر التضاد. هنا يتعين علينا ان نشير الی ان الله تعالی وهو الحكيم المطلق يعز الشخصية ويذلها: بحسب طاعتها كثرة او قلة او عدم ذلك، وكما ان الغفران والعقاب يخضعان لما هو مرتبط بحجم الطاعة والعقاب، كذلك فإن الاعزاز والاذلال لهذه الشخصية او المجتمع او ذاك يتم وفق ما ذكرناه. بعد ذلك نواجه عبارة (يا مَنْ يصور فِي الأَرْحَامِ)، «يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء»، وبهما نختم المقطع، فنقول: بالنسبة لعبارة (يصور فِي الأَرْحَامِ) تشير النصوص التفسيرية الی ان التصوير ينطوي علی جملة دلالات منها: الذكر والانثی، ومنها التكييف للموقف بحسب خطر الجنين من السعادة والشقاء، او الخير والشر، ومنها: الاشكال والالوان، والمهم هو: ان التصوير اساساً علی ما يشاء الله تعالی من حيث الترتيب النهائي للشخصية اتساقاً مع سائر ما قلناه من انه قد يَفْعَلُ مَا يَشَاء ولا يفعل غيره ما يشاء، ولا يسأل عن ذلك، نظراً لحكمته المطلقة التي لا تصل عقولنا الی ادراك ذلك بطبيعة الحال. اخيراً يختم المقطع بعبارة «يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء»، وهذه العبارة بدورها تماثل سابقاتها في ذهابها جميعاً الی ان الله تعالی يعزُّ ويذل، ويَغْفِرُ ويعاقب، ويَهْدِي ويُضِلُّ، وان ذلك جميعاً خاصته لمتطلبات الحكمة، وما علی الشخصية إلا ان تتوسل به تعالی بأن يختصها برحمته، وهي منزلة: ما اوفرها حظا، واتمها سعادة، ان الرحمة من الله تعالی هي ما يتطلع اليه العباد اليها، حيث لا حدود لها، سائلين الله تعالی الی ان يختصها بنا في جملة ما يختص بها من يشاء، وان يوفقنا الی ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الی النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "يا مَنْ يخلق ما يشاء، ..." - 256 2010-05-27 00:00:00 2010-05-27 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6327 http://arabic.irib.ir/programs/item/6327 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة ومنها دعاء الجوشن الكبير، حيث حدثناك عن مقاطع متساسلة منه والان نحدثك عن احد مقاطعه الجديدة، حيث يبدأ علی هذا النحو: (يا مَنْ يَخْلُقُ مَا يَشَاء، يا مَنْ يَفْعَلُ مَا يَشَاء، يا مَنْ يَهْدِي مَن يَشَاء، يا مَنْ يُضِلُّ مَن يَشَاء،...). هذا المقطع من الدعاء ينطوي علی نكات فنية يجدر بنا ملاحظتها، من ذلك مثلاً نجد ان كل عبارتين تتناولان مظهراً متجانساً مع الآخر، سواء كان التجانس علی نحو التتماثل او التضاد، فمثلاً (يا مَنْ يَخْلُقُ مَا يَشَاء) يتجانس مع (يا مَنْ يَفْعَلُ مَا يَشَاء) في التماثل بينهما، بينما عبارة (يا مَنْ يَهْدِي مَن يَشَاء)، تتقابل مع (يا مَنْ يُضِلُّ مَن يَشَاء)، اي: التجانس هنا من خلال التضاد وهكذا سائر مظاهر المقطع. والان نتحدث عن كل من العبارتين المزدوجتين ونبدأ باولهما، وهما: (يا مَنْ يَخْلُقُ مَا يَشَاء)، و (يا مَنْ يَفْعَلُ مَا يَشَاء). فماذا نستلهم منها؟ بالنسبة الی دلالتيهما نجد ان الخلق والفعل هما: مظهران من عظمة الله تعالی، وانهما من جانب آخر مقترنان بما يشاء الله تعالی، اي، لا محدودية لقدرته تعالی، وهذا هو مظهر العظمة كما هو واضح. ولكن السؤال الجديد: ما هي الفوارق المترتبة علی الخلق لما يشاء الله تعالی وعلی الفعل، لما يشاء؟ اي ما هو الفارق بين خلقه تعالی وبين فعله؟ ان الله تعالی خَلَقَ الإِنسَانَ مثلاً، وخلق السماء والارض، وخلق النبات والحيوان، ولكن الخلق اذا كان يعني: ايجاد الشيء من العدم حينئذ فما هو الفعل المترتب علی ذلك؟ ولنعد الی مثال خَلَقَ الإِنسَانَ، حيث اوجده تعالی من التراب، وهذا الخلق خاضع لمشيئته تعالی كما اراد، كما ان سائر ما خلق خاضع لما يشاء من انواع المخلوقات. والسؤال هو: ما هو الفعل المترتب علی الخلق المذكور مادام تعالی يفعل ذلك كما يشاء ايضاً؟ الجواب: اذا عدنا الی مثال الانسان وخلقه، نجد ان ايجاده تعالی من العدم لهذا الانسان قد اقترن بفعل من الله تعالی، كما شاء تعالی هو: جعله خليفة في الارض، وايكال المهمة الخلافية اليه من خلال ما رسمه له من المبادئ، وما رتب عليه من الثواب. اذن جعله الخليفة وآثره بممارسة المبادئ المرتبطة بما هو واجب او محرم او مندوب، هي فعل لما يشاء تعالی، وهذا يتداعي بالذهن الی انه تعالی لا يسأل عما يفعل: كما هو واضح، سواء كان ذلك في ميدان الايجاد، او ميدان الافعال المترتبة علی ذلك. بعد ذلك نواجه عبارتين متجانستين جديدتين وهما: (يا مَنْ يَهْدِي مَن يَشَاء) و (يا مَنْ يُضِلُّ مَن يَشَاء)، وهما فعلان متضادان، الهداية والاضلال والسؤال هو: ماذا نستلهم من هاتين الدلالتين: الهداية والاضلال؟ في تصورنا ان المقصود من ذلك هو: بما انه تعالی عالم بما سوف تمارسه الشخصية من السلوك، اي المهمة التي او كلها تعالی للانسان وهي ممارسة المبادئ المرسومة له، حينئذ فإن الله تعالی ييسر للإنسان الملتزم ويهديه الی مواصلة سيرته العبادية المطلوبة، والعكس صحيح، اذا مارس العبد المعصية، فإن الله تعالی يتخلی عن رعايته بأن يدعه وشيطانه يضله، وحينئذ يكون الاضلال من الشخص الضال نفسه بسبب معصيته، وإلا فإن الله تعالی كما اوضح في كتابه حبب إلينا الايمان وزينه في قلوبنا وبغض إلينا الكفر والفسوق والعصيان. ******* شرح فقرة: "يا مَنْ تعززّ بقدرته، ..." - 255 2010-05-24 00:00:00 2010-05-24 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6326 http://arabic.irib.ir/programs/item/6326 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن أحد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا مَنْ تعززّ بقدرته، يا مَنْ قدر بحكمته، يا مَنْ حكم بتدبيره، ...)، هذه العبارات تتخضع لصياغة فنية هي: التفريع لكل ظاهرة كل واحدة عن الاخری، علی النحو الآتي: (يا من تعزز بقدرته) تفرّع منها - وهي القدرة - بعبارة (يا مَنْ قدر بحكمته)، ثم تفرعت من الحكمة المذكورة عبارة (يا مَنْ حكم بتدبيره)، ثم تفرعت من ذلك وهي ظاهرة (التدبير) عبارة (يا مَنْ دبّر بعلمه). اذن نحن الآن امام اربعة تفريعات، كل واحدة منها تتفرع من الاخری والآن المطلوب هو: ملاحظة هذه التفريعات. لقد فرّع الدعاء من القدرة في الحكمة، وفرّع من الحكمة: التدبير، وفرّع من التدبير: العلم. تری ما هي النكات والاسرار والاثارات المدهشة في هذا النمط من الصياغة لمظاهر عظمته تعالی؟ نقف اولاً عند (قدرته) تعالی وهي في المقدمة من صفاته الجمالية تعالی، ويلاحظ الدعاء ربط قدرته بصفة اخری هي: العزّ، والسؤال ما هي صلة القدرة بمظهر العزّ؟ الجواب: ان العزّة هي المنعة، وهي ما يعز وجوده، اي: ان الله تعالی هو العزيز والممتنع مثاله في هذه الصفة وغيرها، ومن الواضح، فإن القدرة، اي: التمكن من الشيء والسيطرة عليه بلا حدود تجعل المتمكن والمسيطر موصوفاً بالعزّة، حيث يمتنع حصول غيره تعالی في هذا الشأن وسائر صفاته تعالی. ونتجه الی الحكمة، وهي متفرعة من قدرته تعالی، بمعنی ان قدرته تعالی ليست اعتباطية بل مقرنه بالحكمة التي تتطلب أو توجّه ذلك وفق الحكمة التي ينفرد بها تعالی ويجعلها عباؤه. هنا، نجد ان (الحكمة) ربطها الدعاء بالتدبير، فقال: (يا مَنْ حكم بتدبيره). فماذا نخلص أو: ماذا نستلهم من السمات المذكورة. اخيراً فإن الحكمة تنسحب علی تدبيره تعالی للامور اي: انه تعالی يدبّر الكون ويربّي المخلوقين وفق الحكمة المذكورة. اذن ان الله تعالی عزيز، قادر، حكيم، مدبّر، وهذا ما يجعل الشخصية القارئة للدعاء مطمئنة الی انها قد تعمّق ادراكها لعظمته تعالی وانها محمية برعايته. اخيراً يختم مقطع الدعاء بالعبارات الآتية: (يا مَنْ تجاوز بحلمه، يا مَنْ دنی في علوهّ، يا مَنْ دنی في علوهّ، يا مَنْ علا في دنوه)، تری ماذا نستخلص في النهاية من العبارات المتقدمة؟ اولاً: اننا امام احد مظاهر عظمته تعالی، وهي الحلم، وإن حلمه تعالی قد بلغ الی حدّ انه يحلم عن المذنبين، ان الحلم هو الصبر والاناة، وكلها تنعكس من خلال هذه الرحمة علی المذنبين، حتی وردت العبارة المشهورة: (يا مَنْ يحلم عني حتی كأني لا ذنب لي،...) وهل ثمة حلم غير متمناه يتسم به غير الله تعالی، كلاّ: بقي ان نحدثك عن عبارة: (يا مَنْ دنی في علوّه، يا مَنْ علا في دنوه) وهي عبارة في غاية الرحمة، حيث تعني انه تعالی قريب من عبده الداعي، ويجيبه اذا دعاه انه قريب لانه تعالی يتفضل علينا بالرعاية والحفظ، كما انه بعيد في قربه، وذلك لان المنحرف من الناس لا يفقه دلالة عظمته فالداني - وهو رمز الاستجابة للدعاء هو عال متعال، والتعالي أو العال، والعالي ايضاً هو (دان) من عبده، يحقق له مختلف حاجاته. ******* شرح فقرة: "يا من أنعم بطوله، ..." - 254 2010-05-22 00:00:00 2010-05-22 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6270 http://arabic.irib.ir/programs/item/6270 نواصل حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الجديدة، وهو المقطع البادئ بما يأتي: (يا من أنعم بطوله، يا من اكرم بجوده، يا من جاد بلطفه، يا من تعززّ بقدرته، ...). ونقف اولاً عند عبارة (يا من أنعم بطوله)، فماذا نستلهم؟ بالنسبة الی كلمة (أنعم)، تعني: تفضّل، وهنّأ، وأرغد، بحيث جعل هذا الشخص او الجماعة في نعمة ورفاهية واما (الطول) فمعناه: العطاء والفضل ونحوهما. وحينئذ تكون العبارة المركبّة ما مؤداه: ان الله تعالی تفضّل بعطائه هنا، قد يتساءل قارئ الدعاء قائلاً: ان الله تعالی عند ما يتفضل علينا بعطائه، حينئذ فما هو الفارق بين هذه العبارة وبين ما يليها وهي: (يا من أكرم بجوده)؟ الاجابة عن السؤال المتقدم تقتادنا الی تكرار الحديث عن بلاغة النص الشرعي وانطائه علی نكات دلالية من الدقة بمكان، فكما ان عطاءه تعالی متنوع، وذو درجات، حينئذ فان العبارات تتنوع بدورها، من هنا فان الفارق بين عبارة (يا من أنعم بطوله) وعبارة (يا من اكرم بجوده) تظل من الدقة بمكان، كيف ذلك؟ العبارتان - من جانب - مشتركتان في الدلالة العامة، وهي عطاء الله تعالی، ولكنهما تفترقان من جانب آخر، الفارق هو: ان الإنعام بالشيء والاكرام به من جانب، ثم: (الطول) و (الجود) من جانب آخر هو: ان الانعام هو تحقيق للنعمة التي تصل من الله تعالی للعبد، بينما (الاكرام) هي تكريمة واكسابه تقديراً، وهذا كالفارق بين من ينعم عليك بالمال مثلاً، وبين من يحترمك ويقدرك ويمنحك موقعاً كريماً واما من حيث الفارق بين عبارة (الطول) وعبارة (الجود)، فان الفارق هو: ان (الطول) يعني: الفضل، بين (الجود) يعني: المنح، ولذلك يمكننا في ضوء الفارقية بين العبارتين بنحو عام ان نقول: معنی (يامن انعم بطوله) هو: ان الله تعالی جعل عبده منعّما من خلال ايصال الفضل اليه في شتی الميادين، بينما عبارة (اكرم بجوده) تعني: تكريم عبده بذلك، فيكون الفارق حينئذ هو: ايصال النعمة مشفوعة بتكريم العبد واكسابه المنزلة المحمودة. بعد ذلك نواجه عبارة (يا من جاد بلطفه). فماذا نستلهم منها؟ هذه العبارة هي امتداد لما سبق من العبارتين اللتين تحدثنا عنهما الآن، اي: عبارة (انعم بلطفه)، تشارك عبارتي: (انعم بطوله) و (اكرم بجوده) في الدلالة العامة لما يتفضل به الله تعالی لعباده من العطاءات، كل ما في الامر ان نمط العطاء ودرجته تتفاوت بحسب تنوع ذلك، من هنا يمكننا ان نذهب الی انّ عبارة (جاد بلطفه)، تتناول نمطا من العطاء المجسد لما هو: رقيق ودقيق وانيق من العطاءات لان اللطف هو: الرفق، والرقة ونحوهما، فانت مثلاًً حينما يستعطفك الفقير مثلاً، انما ترفق به وترّق له لما تشاهده من فقره وحاجته، وهذا يختلف عن تعاونك مثلاً مع شخص في البيع او الشراء، حيث يتطلب التعاون شعوراً موضعياً، فاذا نقلنا هذه الظاهرة الی تعامله تعالی مع عباده، حينئذ فان اللطف من الله تعالی لهذا العبد او ذاك يعني انه يرفق به حيث يشاهده في امسّ الحاجة الی المساعدة. اذن المساعدة المقرونة بالرفق بعباده، تختلف عن التكريم لشخصياتهم من حيث الموقع، وتختلف عن التفضل منه تعالی علی عباده بهذا العطاء او ذاك: سواء أكان العطاء روحياً او مادياً او اجتماعياً او فردياً. اذن امكننا ان نلاحظ - من جانب - اشتراك العبارات المتقدمة الثلاث في صلتها بعطاء الله تعالی مطلقا، ثم افتراق كلّ منها في نمط العطاء حيث يتنوع بين ما هو نعمة ونضارة في العيش مثلاً، وبين ما هو التقدير الاجتماعي مثلاً، وبين ما هو الانقاذ من البؤس و...الی آخره مثلاً. ******* شرح فقرة: "يا عادل، يا غالب، ..." - 253 2010-05-11 00:00:00 2010-05-11 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6269 http://arabic.irib.ir/programs/item/6269 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقلطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا عادل، يا غالب، يا طالب، يا واهب) وبهذه العبارات يختم مقطع الدعاء. نقف اولاً عند صفة او مظهر (يا عادل)، هنا لا نحسب ان احداً منا لا يعرف دلالة (يا عادل) نظراً لوضوحها، حتی انها عدت في التقسيم الكلامي او العقائدي من اصول الدين: كما هو واضح. لكن ما ينبغي الحديث عنه هو: ليس عن عدله تعالی، فان وضوح ذلك لا يحتاج الی تعليق، ولكننا نتحدث عن العدل من حيث آثاره، ثم ما يتداعی الذهن منه، الی مقولة هي في غاية الأهمية، وهي: ان الأدعية او النصوص الشرعية طالما تشير الی توسلنا بالله تعالی: ليس من خلال تعامله بالعدل مع عباده الداعين بل من خلال رحمته تعالی. تری ما هي النكات الكامنة وراء ذلك؟ اي، اللهم لا تعاملنا بعدلك بل بعفوك، او برحمتك؟ من الواضح ان الله تعالی كامل مطلقاً، ولقد لحظنا في هذا المقطع من الدعاء (في لقاءات سابقة) هذه الصفة وهي (يا كامل)، حيث جاءت العبارات اللاحقة بها مصاديق لكماله تعالی ولكن الموضوع الذي نشير إليه الآن هو: لماذا نطلب من الله تعالی ان يعاملنا برحمته وليس بعدله؟ الجواب هو: اننا مذنبون ولا شك، والمذنب يستحق العقاب لان العدل هو: ترتيب العقاب علی ما هو منحرف من السلوك. اذن ما دام العدل يعني: ترتيب الاثر علی الشيء بما هو طبيعي: كالعقاب علی المعصية، والثواب علی الطاعة فهذا يعني: العدل بوضوحه، ولكن عندما نطلب من الله تعالی ان يعاملنا بالرحمة وليس بالعدل فلآن الرحمة هي: التجاوز عن العقاب، وعدم ترتيب الاثر علی الذنب، وهذا هو ما نطمح اليه جميعاً: طالما نعرف بان الرحمة هي: لا حدود لها عند الله تعالی. اللهم عاملنا برحمتك بحق محمد وآله الطاهرين. بعد ذلك نواجه كلمة او صفة (يا غالب). تری ماذا نستلهم منها؟ تشير النصوص الواردة في تفسير قوله تعالی: «وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ» الی ان المقصود من ذلك هو: ان الله تعالی غَالِبٌ عَلَى أَمْرِ نفسه لا يعجزه شيء عن تدبيره وافعاله، فهو الفاعل لما يشاء كَيْفَ يَشَاء. وقد وردت عبارة «وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ» في سورة يوسف (عليه السلام) حيث عقـّب النص التفسيري علی ذلك بان الله تعالی حفظ يوسف (عليه السلام) حتی يبلغه ما قدّر له من الملك والنبّوة (عليه السلام). بعد ذلك نواجه عبارة (يا طالب) وعبارة (يا واهب) وهما عبارتان متقابلتان اي: ان الطلب هو: الأخذ، بينما الهبة هي الاعطاء، ولذلك نفي النص جملة نكات يمكننا بان نستخلصها في التصور الشخصي علی النحو الأتي: ان الله تعالی طلب منّا عمل الخير، وما هو في صالحنا، وفي نفس الوقت فان الله تعالی - وهو من ليس لرحمته حدود - يهبنا - من طرف آخر - معطياته الخيرة وهي ان يهب لنا الذنوب التي ارتكبناها. اننا مقصّرون في ما طلب منا اي: ان شرنا صاعد، وخير الله تعالی نازل الينا: فكم هي سعة رحمته تعالی، وكم هو تقصيرنا؟ طبيعياً، ثمة كلام كثير حول هذه السمة من الله تعالی، ولكننا نكتفي بما اوضحناه. ******* شرح فقرة: "اللهم اني اسالك يا فاعل، يا جاعل، يا قابل، ..." - 252 2010-05-10 00:00:00 2010-05-10 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6268 http://arabic.irib.ir/programs/item/6268 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء الجوشن الكبير، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا قابل، يا كامل، يا فاصل، يا واصل، ...)، هذه المظاهر او الصفات المرتبطة بعظمة الله تعالی وبرحمته، تحتاج الی شيء من تفصيل الحديث عنها، وهذا مانبدأ به الآن، فنقف عند عبارة (يا قابل). فماذا نستلهم منها؟ نعتقد ان قارئ الدعاء سوف ينتقل ذهنه من عبارة (يا قابل) الی ابرز صفات الله تعالی من حيث الرحمة ألا وهي: قبوله تعالی للتوبة، ان الانسان - عدا المعصوم (عليه السلام) - يظل عرضة للخطأ والخطيئة، ومن رحمته تعالی انه اذا تاب العبد من ذنبه يتوب الله عنه، وهذا ما نلحظه في الآية المباركة القائلة عن الله تعالی بانه (قابل التوب). اذن (يا قابل) تظل متداعية بالذهن الی رحمته تعالی متمثلة في قبوله توبة عباده. بعد ذلك نواجه عبارة (يا كامل) وهي عبارة ترتبط بعظمة الله تعالی من حيث كماله غير المحدود، حيث يتفرد تعالی بصفته المذكورة، متمثلة في ابداعه للوجود بما يواكبه من قدرة وعلم وارادة وخير، وكلها صفات لكماله تعالی مقابل عدم كمال المخلوقات: كما هو واضح. ولعل اهم المعطيات المترتبة علی كماله تعالی ان المبادئ التي رسمها الله تعالی لنا، وطالبنا بالعمل من اجل ممارستها، حيث تنطوي علی المبادئ الكاملة في تحقيق ما نتطلع اليه - نحن البشر مثلاً - من تحقيق الاشباع دنيوياً وآخروياً. بعد ذلك نواجه عبارة (يا فاصل). فماذا نستلهم منها؟ ان (الفصل) بين ما اختلف فيه من انماط السلوك البشري يظل ابرز ما يمكن لقارئ الدعاء ان يستخلصه من عبارة (يا فاصل). بل يمكننا الذهاب الی ان مفهوم (الفصل) في اليوم الآخر يظل ابرز مصاديق الصفة او المظهر المذكور، ان القرآن الكريم طالما يشير الی (الفصل) في اليوم الآخر في نطاق تحديد معالم الاشياء او السلوك من حيث الاختلافات التي رسمت البشرية وسواها، وهذا مثل قوله تعالی: «إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا» حيث يشير الی ظاهرة القضاء الذي يفصل تعالی فيه بين الخلائق، وهو ما تومئ اليه آيات مباركة آخری مثل قوله تعالی: «يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» ومن البين ان الفصل آنئذ يظل هو التعبير عن الحياة الابدية الخالدة التي تتجدد فيها مصائر البشر طبقاً لما يترتب من نتائج سلوكهم الدنيوي في عملية الاختبار او الامتحان او الخلافة في الارض. بعد ذلك نوجه عبارة (يا واصل). فماذا نستخلص منها؟ ان (الوصل) من حيث اللغة ينسحب علی اكثر من دلالة، منها: الاحسان والبّر والعطاء بمعنی ان الله تعالی يحسن الی عباده، ويقدّم لهم عطاءاته المتنوعة، وهي صفة لا تحسب ان احداً منا علی جهالة بذلك. كما ان الكلمة المذكورة يشير اليها اللغويون من زاوية اخری وهي: انها من الكلمات متعددة الدلالة مثل: عدم الهجر او الانقطاع بمعنی انه تعالی علی مقربة من عبده لا يهجره ولا يملّ منه: بعكس البشر في تصرفاتهم القائمه علی عدم مواصلة احسانهم ومحبتهم بل يتميزون بهجران اخوانهم لاقلّ سبب مثلاً ابنيها نجد انه تعالی يحلم عن العبد حتی ليظنّ العبد ان الله تعالی لا يعاقبه، بالاضافة الی انه تعالی يفسح لعبده المجال للتعامل وايّاه تحننا منه ورحمة اي: لا يهجر عبده بل يواصل رعايته للعبد. اذن امكننا ان نتبين جانباً من الصفات أو مظاهر رحمته تعالی وعظمته، سائلين الله تعالی ان يمنّ علينا، وان يتفضل علينا برعايته، وان يوفقنا الی طاعته، والتصاعد بها الی النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "يا ربّ البيت والحرم، ..." - 251 2010-05-09 00:00:00 2010-05-09 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6267 http://arabic.irib.ir/programs/item/6267 لا نزال نحدثك عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن أحد مقاطعه الذي ختم بما يأتي: (يا ربّ البيت والحرم، يا من خلق الاشياء من العدم). والآن مع العبارة الاولی (يا ربّ البيت والحّرم). فماذا نستلهم منها؟ لا نحسب ان احداً منا يجهل دلالة (البيت) و (الحرم)، انهما مكانان مقدسّان، طالما نلاحظ بان النصوص القرآنية الكريمة تقسم بهما، وبمطلق الظواهر الابداعية، حيث ان بعضها ينظر اليه من زاوية قدسيته، والبعض الآخر من زاوية منافعه، وهكذا. والمهم هو: ان الذهن يتداعی من خلال امثلة هذه الظواهر او المواقع - الی عظمة الله تعالی - وبيته، وحرمه المقدسين وما يواكبهما من ممارسة الشعائر، فضلاً عن تداعي الذهن الی ابداعه تعالی، ومعطياته ومما يعمّق ادراكنا أو يقيننا بالله تعالی وبطاعته. اخيراً يختم المقطع بعبارة (يا من خلق الاشياء من العدم) وهذه العبارة تتويج لما سبقها، ولمطلق الظواهر الابداعية، حيث ان الذهن يتداعی سريعاً الی عظمة الله تعالی بنحو اكثر اثارة وتأملاً واحساساً بعظمته التي لا حدود لتصورها، وفي مقدمتها: خلق الظواهر من العدم، وهو امر يبعث علی الدهشة التي لا حدود لتصورات ذلك ايضاً. بعد ذلك نواجه مقطعاً جديداً، يبدأ علی النحو الآتي: (اللهم اني اسالك يا فاعل، يا جاعل، يا قابل، يا كامل، يا فاصل، ...)، فماذا نستلهم من العبارات او المظاهر المتقدمة؟ بالنسبة الی كلمة (يا فاعل)، فان الذهن يتداعی الی فاعليته تعالی، اي: الی قدرته التي لا حدود لها بطبيعة الحال، ان الله تعالی عندما نتأمل فاعليته نجد اننا امام مظاهر متنوعة من الفاعلية، منها: فاعلية الابداع ذاته، اي: ابداعه للوجود بكل مستوياته، ثم فاعليته تعالی وراء حركة الوجود جميعاً، اي: لا يمكن ان نتصور امكانية الحركة الوجودية منفصلة عن فاعليته تعالی، حيث لا وجود ولا حركة البتة بدون فاعليته تعالی. بعد ذلك تواجهنا عبارة (يا جاعل). فماذا نستلهم منها؟ هذه العبارة تظل مترتبة علی سابقتها من حيث الفاعلية الكتنوعة لله تعالی، انه تعالی مادامت فاعليته وراء الابداع الكوني، فان مفردات الابداع تظل من (جعله تعالی) حيث نجد ان استخدام كلمة (جاعل) أو (جعل) أو (جعلنا)، تظل مصطلحات قرآنية كريمة، مفصحة عن عظمته ليس من خلال ابداعه تعالی فحسب - بل من خلال الاشارة الی معطيات الجعل المذكور، مثل قوله تعالی: «وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ». فهنا نجد ان الحديث عن اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، يقترن بمعطيات متنوعة منها آيتان (ابداعيتان) ومنها: ان آيَةَ النَّهَارِ ومنها ابتغاء الفضل من الله تعالی، ومنها: معرفة عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ. اذن مصطلح (يا جاعل) يظل منسحباً علی الدلالات المتنوعة لعظمة الله تعالی لعطاءاته في شتی الميادين بالنحو الذي لحظنا نموذجاً منه في الآية المشار اليها. اذن امكننا ان نتبين جانباً من الدلالات التي ترشح بها العبارات المتقدمة، فيما تفصح عن عظمته تعالی ومعطياته، سائلين الله تعالی ان يوفقنا الی تعميق ايماننا به تعالی، وبمبادئه، وان يوفقنا الی ممارسة الطاعة والتصاعد بها الی النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "يا ملهم العرب والعجم، ..." - 250 2010-05-05 00:00:00 2010-05-05 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6266 http://arabic.irib.ir/programs/item/6266 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا ملهم العرب والعجم، يا كاشف الضّر والالم، يا عالم السّر والهمم). العبارات المتقدمة، تتناول جملة من مظاهره تعالی، ومنها: عبارة (يا ملهم العرب والعجم)، وهي عبارة تتطلب شيئاً من توضيحها، فماذا نستلهم منها؟ العرب والعجم يشكلان المجموعة البشرية، امّا لو تساءلنا لماذا ورد العرب مقابل العجم؟ حينئذ نقول: بما ان الحديث هو عربيّ، أو بما ان اللغة العربية هي لغة القرآن والحديث، حينئذ تكتسب هذه اللغة اهميتها، ومن ثم: تكتسب الامة موقعها المتسم بالاهمية ايضاً، ولذلك يرد مصطلح (العرب) مكتسباً اهمية من خلال اهمية الرسالة، ومن هنا ايضاً جاء الاقوام الاخرون جميعاً، وقابل الاسلاميين الذين اكتسبوا الاهمية المذكورة، والان خارجاً عن هذا التصنيف الثنائي، يعنينا ان نحدثك عن ظاهرة (الالهام) حيث جاء النص بعبارة (يا ملهم العرب والعجم). فماذا نستلهم منها؟ ان الذهن قد يتداعی من عبارة (يا ملهم)، الی الاية المباركة القائلة: «فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا»، فتكون عبارة (يا ملهم العرب والعجم) تعني: ان الله تعالی منح البشرية جميعاً أو ركبّ الكيان البشري وفق تركيبة عقلية هي: الهام البشر معنی الخير والشر، وما يترتب علی هذا الفهم من نتائج العمل العبادي، حيث ان البشرية بمقدار ما تعمل بمبادئ الخير الملهم: تكون قد اكتسبت رضاه تعالی ونجحت في دنياها والعكس هو الصحيح ايضاً، اي: بمقدار ما تنصاع الشخصية الی الشر: تتحدد نتائج سلوكها في اليوم الآخر، من حيث مصيرها السلبي. بعد ذلك نواجه عبارة (يا كاشف الضّر والالم)، فماذا نستخلص منها؟ الضرّ هو مطلق الشدائد السلبية التي يواجهها الانسان. اما الالم فيعني: الشدة الحسية، طبيعياً قد يستخدم (الالم) - بصفته مصطلحاً يخضع الی الاستخدام المجازي أو الواقعي - ولكن بما ان وروده هنا جاء في قبالة (الضر) حينئذ استخلصنا الدلالة المتقدمة، والمهم هو: ان مقطع الدعاء يستهدف الاشارة الی ان الله تعالی يرعی عباده ويغدق عليهم نعمه: ظاهرة وباطنة، وان رعايته للعبد لا تنحصر في احد اشكال الشدة، بل ان الله تعالی في عون عبده مطلقاً سواء اكانت الشدائد مادية أو معنوية. بعد ذلك نواجه عبارة (يا عالم السر والهمم). فماذا نستلهم منها؟ ان النصوص الشرعية طالما تشير الی ان الله تعالی عالم بالسر وبالعلانية، ولا يخفی عليه شيء الا ان الدعاء الذي نتحدث عنه الآن يشير الی ان الله تعالی عالم بالسرّ، وبنمط آخر من السلوك الداخلي غير العلني الا وهو: (الهمة) التي يتميز بها هذا الشخص او ذاك، اي: ما يهمه من الامر، أو ما هو لديه من العزم، وهو امر داخلي اي: الاهتمام او العزم لممارسة هذا الشيء او ذاك: يظل داخلياً وليس سلوكاً علنيا، وبذلك يستطيع قارئ الدعاء ان يكتشف نكتة العبارة المذكورة وهي: انه تعالی يعلم الافكار او الخواطر التي تدور في ذهن الشخص او يعلم كذلك ما يهم به الشخص من سلوك، وبكلمة اكثر وضوحاً، ان الله تعالی يعلم السرّ (وهو اعم من ان يكون مجرد خاطر) ويعلم ما هو عزم علی ممارسة هذا السلوك او ذاك، وبهذا نتبين جانباً من النكات الكامنة في العبارة المتقدمة، سائلين الله تعالی ان يوفقنا الی ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الی النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "يا خالق اللوح والقلم، ..." - 249 2010-05-04 00:00:00 2010-05-04 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6265 http://arabic.irib.ir/programs/item/6265 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا خالق اللوح والقلم، يا بارئ الذرّ والنسم، يا ذا البأس والنقم)، والآن نبدأ بحديثنا عن العبارة الاولی وهي: (يا خالق اللوح والقلم)، فماذا نستلهم منها؟ (اللوح والقلم) مصطلحان ورد في القرآن الكريم، ومن الواضح ان هذا الدعاء (الجوشن) وسواه، طالما يقتبس من النص القرآني ما يتناسب والسياق الذي يرد فيه هذا المقطع من الدعاء او ذاك. المهم الآن هو ملاحظة ما يعنيه هذان المصطلحان، وما يتداعی الذهن من خلالهما الی دلالات نبدأ لملاحظتها الآن ونحدثك اولاً عن مصطلح (اللوح المحفوظ)، فماذا يعني؟ ان مصطلح (اللوح المحفوظ) يرد في سياقات متنوعة ولكنه بعامة، يجسد موقعاً او مكاناً أو مجالاً او مستودعاً لما هو مقدس من الأمور: كنزول القرآن الكريم مثلاً وايداعه في السماء الرابعة في مستودع أطلق عليه مصطلح (اللوح المحفوظ) كما ورد في الاحاديث ومن ذلك مانلاحظه ايضاً في سورة قرآنية كريمة ورد فيها قوله تعالی: «بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ». اذن اللوح المحفوظ مستودع مقدس: كما يلاحظ، ولكن ورد في تحديد هذا المستودع اكثر من تفسير، من ذلك: انه درّة بيضاء طولها وعرضها ما بين السماء والارض، وما بين المشرق والمغرب، والمهم هو: ملاحظة ان امثلة هذا المصطلح يرمز الی ما هو مقدسّ، ومن ثم: ما يتعين علی قارئ النص القرآني الكريم او الدعاء من ضرورة استلهام المعرفة المرتبطة بابداع الله تعالی، وبما اودعه تعالی مما هو مقدس. واما (القلم) فيجسد بدوره مصطلحاً ورد في القرآن الكريم في الآية المباركة القائلة: «ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ» وهذا المصطلح يعني: لفت الانتباه علی أهمية (القلم) من حيث كونه يرمز الی الكتابة وما يترتب علی ذلك من المعطيات التي لامناص منها من حيث الحفظ لمبادئ الله تعالی - متجسدة في الكتابة، والا فمن الصعوبة بمكان ان يقتصر وصول مبادئه تعالی الينا بدون التدوين: كما هو واضح. بعد ذلك نواجه عبارة (يا بارئ الذر والنسم)، فماذا نستلهم منها؟ هذان المصطلحان (الذر والنسم) وردا بدورهما في النصوص الشرعية، ويجسدان ايضاً: ابداع الله تعالی للظواهر، وهي ظواهر يرد القسم بها في القرآن الكريم: تعبيراً عن ابداعه تعالی وقدراته المطلقة، ومنها: ابداعه تعالی او خلقه نمطين من المخلوقات، احدهما: يتصل بنفس الروح، والآخر بنفس الريح، او لنقل: ابداع الانسان وابداع المادة حيث انهما: ينطويان علی الاشارة الی نمطي الوجود الروحي والمادي: كما هو متصّور في احد استلهامات الموضوع. بعد ذلك نواجه عبارة (يا ذا البأس والنقم)، فماذا نستلهم منهما؟ ان هذين المصطلحين يعنيان ما يقابل الثواب، ونعني به العقاب، حيث ان الثواب والعقاب يجسدان - في الدنيا ضبطاً اجتماعياً، لان الثواب وحده او العقاب وحده لا يؤتي ثماره في تعديل السلوك: كما هو واضح واما في الآخرة، فان الثواب والعقاب يظلان بدورهما: حصيلة لما يمارسه الانسان في دنياه من طاعة أو معصية والمهم في نطاق مصطلحي (البأس) و (النقم) نلاحظ بان (البأس) هو: الشدة او العذاب او القوة واما (النقم) فتعني: انه تعالی يرتب أثراً علی المعصية وهو: الانتقام من العصاة اي: ترتيب الاثر وهو العقاب الخاص المترتب علی ما يكرهه تعالی من السلوك. من هنا، فان مصطلح (البأس) ومصطلح (النقمة) يشتركان في مفهوم العقاب، ويفترقان من حيث الاشارة الی ان (البأس) هو مطلق العذاب مقروناً بالقوة، بينما النقمة هي: العذاب مقروناً بكراهية المعصية، والمهم هو: ان التلميح بهذا الشأن يظل اسلوبا يساهم في تعديل السلوك لقارئ الدعاء: كما هو واضح بحيث يحمله علی ان يتقي الله تعالی، ويبتعد عن المعصية. ******* شرح فقرة: "يا ذا الجود والنعم، ..." - 248 2010-05-03 00:00:00 2010-05-03 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6264 http://arabic.irib.ir/programs/item/6264 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الجديدة، حيث بدء بهذا النحو: (يا ذا الجود والنعم، يا ذا الفضل والكرم، يا خالق اللوح والقلم)، نحن الآن مع مقطع يتحدث عن مظاهر متنوعة من عظمته تعالی، ولكن ضمن مجموعات متجانسة من الصفات، وفي مقدمتها: العبارتان: الاولی: (يا ذا الجود والنعم). والثانية: (يا ذا الفضل والكرم) حيث نلحظ تجانسهما بنحو واضح، مما يتطلب إلقاء الانارة عليهما لملاحظة النكات الكامنة وراء ذلك. العبارتان المتقدمتان تحفلان بنكات دلالية لها جماليتها وعمقها وطرافتها، كيف ذلك؟ اولاً: ثمة عبارتان او صفتان تكادان في تصور البعض ان يكونا متماثلتين او مترادفين في الدلالة، وهي: الجود والكرم، ونلاحظ عبارتين او صفتين اخريين تتجانسان في دلالتهما هما: الفضل والنعم. ونلاحظ ثالثاً: ان صفة (الجود) وردت مقترنة بصفة (النعم)، ووردت صفة (الكرم) مقترنة بصفة (الفضل)، اذن: نحن الآن حيال عمارة او بناء هندسي، يتألف من طابقين متوازيين في خطهما افقياً، كما يتجانسان عمودياً، والمطلوب هو ملاحظة ذلك الآن، فماذا نشاهد؟ ينبغي ان نوضح اولاً: الفارق بين الجود والكرم. ونوضح ثانياً: الفارق بين الفضل والنعم. ونوضح ثالثاً: الصلة بين الجود والنعم، والصلة بين الفضل والكرم. اما الفارق بين الجود والكرم، فان النصوص اللغوية تشير الی انهما بمعنی واحد في بعض التصورات، وهذا خطأ محض، لأن النصوص الشرعية لا تستخدم الترادف بتاتا واما التصورات اللغوية الاخری فيشير بعضها الی ان الفارق بين الجود والكرم هو: ان الجود هو العطاء المقرون بالسؤال، اي: ان الله تعالی يمنح عبده العطاء اذا سأله ذلك، بينما الكرم هو: العطاء من غير سؤال، اي: ان الله تعالی يمنح عبده العطاء حتی لو لم يسأله. وهنا تصور ثالث لا نعتقد بصوابه ولكن التصور القائل بأن الفارق هو: العطاء مع السؤال والعطاء بغير سؤال، يظل هو الصائب والدليل علی ذلك هو ورود النصوص المتنوعة التي تتحدث عن هذه الفارقية مثل عبارة: (يا مَنْ يعطي من سأله، يا مَنْ يعطي من لم يسأله: تحننا منه ورحمة). اذن الفارق بينهما بمعنی ان الله تعالی في الحالات جميعاً يظل عند حسن ظن عبده، ومن ثم فان رحمته غير المحدودة، تظل متجانسة مع ما لاحظناه. اما الاجابة عن السؤال الثاني، وهو: الفارق بين (الفضل والنعم) فأمر يمكننا ملاحظته من خلال الدلالة اللغوية لهاتين العبارتين، حيث ان النعمة هي: السعة واللين والطيبة، بينما الفضل هو: الاحسان او الابتداء به من غير سؤال، وبهذا نتبين الاجابة عن السؤال الثالث، وهو: الصلة بين صفتي (يا ذا الجود والنعم) اي: بين صفة النعمة وصفة الجود، ثم: بين صفة (الفضل) وصفة (الكرم) علی النحو الآتي: قلنا ان الجود معناه: العطاء مع السؤال، وان الكرم هو العطاء من غير سؤال وقلنا: ان النعم هي: السعة والطيبة واللين، بينما الفضل هو: الاحسان ابتداءاً وبهذا تتسق عبارة (يا ذا الفضل والكرم) في صفتهما، لان الفضل احسان من غير سؤال والكرم عطاء بغير سؤال، بينما عبارة (يا ذا الجود والنعم) تعنيان مطلق العطاء والطيبة دون اقترانهما بابتداء ذلك، اي ان: ان الله تعالی في الحالات جميعاً، يمنحنا ما هو: عطاءات وهناءة عيش، ويمنحنا ما نسأله من العطاء والاحسان. اذن، اتضح لنا بجلاء: ما تحمله العبارتان المتقدمتان من الدلالات والنكات المتنوعة بالنحو الذي اوضحناه، سائلين الله تعالی ان يمنحنا من عطاءاته المتنوعة في الدنيا والاخرة، وان يوفقنا لممارسة الطاعة، والتصاعد بها الی النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "يا عصمة الخائف المستجير، ..." - 247 2010-05-02 00:00:00 2010-05-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6263 http://arabic.irib.ir/programs/item/6263 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا عصمة الخائف المستجير، يا مَنْ هو بعباده خبير بصير، يا مَنْ هو علی كل شيء قدير). بهذه العبارات يختم احد مقاطع الدعاء، حيث تتناول العبارة الاولی منه احد مظاهر عظمته تعالی او رحمته تعالی حيال عبده، فيما هو - اي العبد - خائف، ومستجير وفيما يواجهه الدعاء بأن الله تعالی هو: عصمة للعبد المذكور. تری ما هي النكات الكامنة وراء هذه الظاهرة؟ من البين ان شدائد الحياة متنوعة، وان ردود الافعال حيالها لكذلك، بيد ان الملاحظ هنا، ان الشدة التي يعاني منها العبد: الخوف. والسؤال: ماذا نستخلص من عبارة (الخائف)؟ هل يتداعی الذهن الی ان الخائف ما هو: من الآثار المترتبة علی الذنب، وتبعاً لذلك فان العبد يظل خائفاً من نتائج ذلك؟ ام ان الخوف هنا دنيوي كمن يخاف من العدو مثلاً أو من التهديدات المتنوعة التي تجعل الشخصية غير آمنة مثلاً؟ من خلال سياق المقطع من الدعاء نستخلص بان الخوف هنا دنيوي بدليل ما سبق من العبارات التي وردت في المقطع مثل (يا جابر العظم الكسير). وفي ضوء هذا النمط من الخوف الدنيوي ماذا يصدر من العبد؟ الدعاء يقول بان العبد (مستجير)، اي: يستغيث بالله تعالی من الشدة التي يعانيها. والسؤال الآن، هو: ما هو جواب السماء، او الدعاء لهذا العبد الخائف المستجير؟ الجواب هو: ان الله تعالی هو (عصمة) للشخصية المذكورة، اي: يمنع من وصول الأذی إليه، بصفة ان العصمة هنا بمعنی: المنعة، بحيث يمنع تعالی من وصول الاذی. بعد ذلك نواجه عبارة (يا مَنْ بعباده خبير بصير)، تری: ماذا نستلهم من العبارة المذكورة؟ هذا أولاً، ثانياً: ما هي الرابطة او العلاقة الموضوعية بين صفة رحمته تعالی بأنه (عصمة) وبين صفة عظمته وعلمه بأنه تعالی (خبير بصير)؟ في تصورنا، ان صفة (خبير) تظل متناولة لما سبق من الظواهر المتصلة بشدائد العبد، سواء أكان العبد من نمط من هو طفل صغير أو شيخ كبير او عظم كسير او خائف مستجير ... الى آخره، ان الخبرة هنا تعني: ان الله تعالی عالم بنمط الشدائد لدی هذا العبد او ذاك واما صفة (بصير) فهي بدورها تتناول المعرفة بعباده تعالی، إلا ان الفارق هنا هو: ان الخبرة هي اعم من جميع الانماط المرتبطة بعلمه تعالی، بينما (البصير) تعني انه تعالی (بصير) بما هو ظاهر من شدائد عبده، مقابل انه تعالی في الحالات جميعاً يظل في عون العبد. امّا العبارة الاخيرة من المقطع فهي (يا مَنْ هوعلی كل شيء قدير) وهي عبارة لا تخفی صلتها بما تقدم من مظاهر عظمته تعالی ورحمته تعالی، فما دام الله تعالی في عون عبده: (الخائف المستجير، او صاحب العظم الكسير، أو الطفل الصغير) أو الشيخ الكبير، حينئذ بالضرورة فإنه تعالی (قدير)، حيث ان خبرته تعالی بعباده من حيث ما هو لديهم خفي او ظاهر، وبصره بما ظاهر من اشدائه عباده، هذه الخبرة وهذا البصر مقرون - بطبيعة الحال - بالقدرة علی اعانة عباده تعالی وانقاذهم من الشدائد المشار اليها. اذن، عبارة (يا مَنْ هو علی شيء قدير) تتجانس تماماً مع سبقها من طرح الظواهر. يضاف الی ذلك ان الذهن ينتقل من الادراك لقدرته تعالی في رفع الشدائد، الی الادراك بانه تعالی قادر علی كل شيء وليس في الحدود التي عرض لها مقطع الدعاء: كما هو واضح. ******* شرح فقرة: "يا رازق الطفل الصغير، ..." - 246 2010-04-29 00:00:00 2010-04-29 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6262 http://arabic.irib.ir/programs/item/6262 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا رازق الطفل الصغير، يا راحم الشيخ الكبير ... الى آخره). ان هاتين العبارتين من مقطع الدعاء، تحفلان بجملة نكات، منها التقابل بين الطفل والشيخ الكبير، ومنها: العطاء المتجانس مع طبيعة عمرها، ومنها: التجانس الايقاعي. من الواضح، ان عمر الانسان يمر بمراحل متنوعة، تبدأ مع المرحلة الطفلية، ثم الرشد مع مرحلة المراهقة، ومرحلة الشباب، وان مرحلة الرشد تتمثل في: 1- الشباب 2- الكهولة 3- الشيخوخة 4- الهرم والملاحظ ان الدعاء قد تحدث عن اولی المراحل وعن آخرها، اي: مرحلة الطفولة، ومرحلة الهرم حيث عبّر عنها بمصطلح (الشيخ الكبير)، هنا يحسن بنا ان نشير الی حقائق مراحل العمر من حيث الفاعلية او النشاط او القوی الجسمية والعقلية والنفسية، حيث تنتهي الطفولة في (14) سنة، والمراهقة في (21) سنة والشباب من 14 - 39، والكهولة (40- 65) والشيخوخة (65 - 80) والهرم من 80 فصاعداً. وعبارتا الدعاء تتحدث عن الطفولة المبكرة وعن الهرم أو الشيخوخة مع الهرم، حيث ان الشيخوخة تحفل بشيء من القوی، بينما الهرم تجسد نهاية القوی: والمهم من هذه الاشارات هو: ان العبارتين الواردتين في الدعاء تتحدثان عن ضعف مراحل نحو الشخصية حيث يحتاج الطفل الصغير وهو في مرحلته الاولی (الولادة - 7 سنوات)، مقابل المرحلة الثانية (7-14) الی رعاية الآخر، كما ان الشيخ الكبير (من 65 - الی النهاية) يحتاج بدوره الی الرعاية وبما ان الدعاء يستهدف الاشارة الی رحمته تعالی: عندئذ فإن مرحلة الطفل الصغير، والشيخ الكبير تظلان في المقدمة من الرعاية. والآن الی ملاحظة الرعاية ونمطها، حيث عبّر الدعاء عن الطفل الصغير بأنه الی صفة (الرزق) بينما الكبير الی صفة الرفق او الرحمة بعامة ومع ان الرحمة صفة عامة: يأتي العطف والشفقة والحنان ضمنها، الآن استخدامها بالنسبة الی الشيخ الكبير يظل تعبيراً عن اشد مستويات الرحمة نظراً لعجز الشيخ الكبير - من حيث قواه - عن توفير حاجاته بعد ان طوی مراحل عمره وهو يتمتع بالنشاط واما بالنسبة الی الطفل، فما دام اساساً غير مسبوق بأي نشاط: حينئذ فان الرزق - وهو تعبير عن استمرارية تدفق الرعاية - يظل هو المجانس لمرحلة الطفولة الاولی: بعد ذلك نواجه عبارة (يا جابر العظم الكسير)، فماذا نستخلص منها؟ مما لا ترديد فيه ان عبارة (جابر العظم الكسير) هي: عبارة رمزية أي: ان الجبر، والعظم، والكسر هي مصطلحات رمزية تشير الی معنی آخر غير ظاهرها، انها ترمز جميعاً الی ان الله تعالی هو في عون عبده من حيث الشدائد التي يعاني منها: فالمرض مثلاً أو الفقر أو فقدان الأمن أو سائر ما يكابده الانسان من الشدائد الكبيرة التي تحتاج الی رعاية كبيرة تظل بحاجة الی من يتكفل بازاحتها عن الشخصية. فكما ان الجرح البدني مثل: كسر العظم يحتاج الی المعالج الطبيب حتی يجبر الكسر المذكور، كذلك فان شدائد الحياة الكبيرة ايضاً بحاجة الی من يزيحها عن الشخصية المعاينة لهذه المشكلة او تلك. ******* شرح فقرة: "يا مَنْ لا شبيه له ولا نظير، ..." - 245 2010-04-27 00:00:00 2010-04-27 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6261 http://arabic.irib.ir/programs/item/6261 نتابع حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا مَنْ لا شبيه له ولا نظير، يا خالق الشمس والقمر المنير،... الى آخره)، والآن نبدأ فنحدثك عن العبارة الاولی وهي: (يا مَنْ لا شبيه له ولا نظير). فماذا نستلهم من العبارة المذكورة؟ سبق ان كررنا بأن النصوص الشرعية تختلف عن النصوص العادية بكونها تعصم عن الى آخر هطأ، والعبث، ونحوهما، فاذا استخدم النص الشرعي عبارة (شبيه) و (نظير) فهذا لا يعني انهما مترادفان: كما قد يخيل ذلك الی بعض الناس بل ان لكل من هاتين الصفتين، ونعني بهما: (يا مَنْ لا شبيه له ولا نظير): دلالة تفرق عن الاخری ولكن ينصح هذا الجانب يحسن بنا ان نقدم أمثلة لهذا الفارق. في تجاربنا البشرية عندما نقول: ان هذا الرجل نظير الآخر، فهذا يعني انهما متكافئان في القابلية او الشكل او العلم ... الى آخره، ولكن اذا قلنا ان هذا الرجل يشبه الآخر، فهذا يعني انهما غير متكافئين بل يشتركان في مظهر او اكثر: كما لو تشابها في لباسهما أو ملامحهما الخارجية: كالوجه مثلاً والآن مع ملاحظة هذا الفارق: ماذا نسنخلص من عبارة (يا مَنْ لا شبيه له ولا نظير)؟ ان قارئ الدعاء لابد وان يتيقن بان الدعاء عندما يقررّ بان الله تعالی لا شبيه له ولا نظير، فهذا يعني: ان الله تعالی ليس له من يتساوی واياه في الذات، كما ليس له من يشبهه في ذلك، انه موجود متفرد يتفرد عن كل الموجودات بل هو مبدع الموجودات، والمبدع بالضروة لا يمكن ان يتماثل مع المخلوق، وهذا من الوضوح بمكان، والمهم ان الحصيلة الفكرية للعبارة المتقدمة تتداعي بالذهن الی عظمة الله تعالی، ومن ثم فان العبد يتعين عليه ان يتعامل مع الخالق باخلاص من حيث الممارسة العبادية، من حيث حاجاته التي يطمح الی تحقيقها، ومن ثم ينفض يده من المخلوق ويتجه الی الخالق. بعد ذلك نواجه عبارة (يا خالق الشمس والقمر المنير). فماذا نستخلص من ذلك؟ ان الشمس والقمر ظاهرتان ابداعيتان، ولا تحسب ان احدنا بمقدوره ان يغض النظر عن الشمس مثلاً من حيث الموقع ومن حيث العطاء ومن حيث سائر الفاعليات التي تفرزها الشمس في كوكبنا. والقمر كذلك من حيث الانارة، ومن حيث الحساب، ومن حيث الجمال ... الى آخره، والمهم هو: ان قارئ الدعاء يتعين عليه أن يستثمر امثلة هذه العبارت وان يوظفها في تصعيد وتحسين ممارسته العبادية، ذلك من حيث التعميق لمعرفة الله تعالی وعظمته، وكذلك من حيث العطاءات التي يغدقها تعالی علی عباده. بعد ذلك نواجه عبارة (يا مغني البائس الفقير) وهي عبارة لا تحتاج الی وضوح بقدر ما تحتاج الی معرفة الفارقية بين البائس وبين الفقير، وهذا ما نبدأ بتوضيحه، فنقول: البائس هو الفقير ولكنه اشد حالا، بخاصة فيما يظهر عليه من الملمح الخارجي في الملبس أو مسحات الوجه أو حركة البدن ... الى آخره، بينما الفقير ليس كذلك، حتی انه ورد في النص القرآني في الكريم ان الشخصيات الفقيرة المؤمنة نحسبهم اغنياء من التعفف، وفي ضوء هذه الفارقية نصل الی ادراك العظمة والرحمة من الله تعالی حيث يتفضل علی النمطين المذكورين بعطائه: تعبيراً عن الثقة به تعالی والتوكل عليه والركون الی ساحته. ******* شرح فقرة: "يا من هو علی كل شيء شهيد، ..." - 244 2010-04-25 00:00:00 2010-04-25 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6260 http://arabic.irib.ir/programs/item/6260 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ختم بما يأتي: (يا من هو علی كل شيء شهيد، يا من هو لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ) ونحدثك الآن عنهما، ونبدأ اولاً بعبارة: (يا من هو علی كل شيء شهيد). فماذا نستلهم منها؟ الشهيد صفة او مظهر تتعدد دلالاته: وبحسب ما ذكره المعنيون بالنص الشرعي ينسحب مصطلح (الشهيد) علی الشاهد او الحاضر فيما لا يغيب عنه شيء، كما ينسحب علی العالم بالشيء، مع ملاحظة ان كلا منهما تتعدد تأويلاته ايضاً، والمهم هو: ان الشهادة بمختلف دلالاتها تفصح عن انه تعالی لا يخفی عليه شيء في السماوات والارض، انه شاهد لما يجري من الوقائع او الموقف أو الظواهر جميعاً مثلما انه تعالی له فاعليته وراء كل شيء، وهذا يتسق مع احد مظاهر عظمته التي لاحظناها في هذا المقطع من الدعاء وهو: «فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ»، فالفعال هنا يتجانس مع الشهيد في ان الاول منها يفعل ما يريد، والثاني منهما انه وراء كل فعل، والأهم من ذلك جميعاً هو: ما يتعين علی قارئ الدعاء من الافادة العملية لهذا المظهر من عظمته تعالی بحيث لا يمارس عملاً أو نية إلا وهو تعالی عالم شاهد وحاضر لا يخفی عليه السلوك، مما يقتادنا الی ان نحذر تماما من ممارسة اي سلوك لا يرتضيه الله تعالی. اخيراً نواجه عبارة (يا من هو لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ)، تری ماذا نستلهم من العبارة المذكورة؟ ثم ما هي صلتها بما تقدم من المظاهر لعظمته تعالی الجواب: في تصورنا ان عبارة (يا من هو لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ) تظل اجابة لما تقدم من مظاهر عظمته تعالی، فمثلاً لاحظناه الآن من عبارتي (يا من هو علی كل شيء شهيد) او عبارة (يا من هو فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ)، يمكننا ان نربطهما بعبارة (يا من هو لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ) من خلال تداعي اذهاننا الی انه تعالی عند يفعل ما يريد (وهو العقاب مثلاً حيال المنحرفين) فانه فعله المذكور ليس ظاهرة سلبية حيال المنحرفين، لان العقاب نفسه هو ضبط للسلوك في في الحياة الدنيا، وعدل في الآخرة، وهكذا بالنسبة الی سائر ما يفعله تعالی، بعد ذلك نواجه مقطعاً جديداً يبدأ علی النحو الآتي: (يا من لا شريك له ولا وزير)، (يا من لا شبيه له ولا نظير). والسؤال هو: ما هي الدلالات التي نستخلصها من تينك العبارتين؟ ثم ما هي العلاقة الدلالية بينهما؟ الجواب: العبارة الاولی تقول: (يا من لا شريك له ولا وزير)، وهي عبارة تعني: عدم المشاركة لله تعالی في وجوده وفاعليته حيث يتفرد في ذلك، وهذا من حيث عبارة: (يا من لا شريك)، ولكن ماذا تعني العبارة الثانية (ولا وزير)؟ واضح، ان النص يستهدف الاشارة الی تفرده تعالی في الحالات جميعاً، فمثلاً في نطاق التجربة البشرية يشترك الشخصية الماسكة بزمام الامور مع الآخرين في ادارة هذا المجتمع او ذاك، كما ان لهذه الشخصية من يؤازرها في الادارة المشار اليها، فموسی (عليه السلام) مثلاً وهو يضطلع بواجهة الآخر أو بادارة قومه يشاركه هارون مثلاً أو في هاتين المهمتين: كذهابهما الی فرعون مثلاً أو نشاطهما بعد القضاء عليه حيث اضطلع موسی بالذهاب الی الميقات، واضطلع هارون بمؤازرته في بقائه مع القوم، وهكذا، وهذا يعني ان هدف العبارة هو: الاشارة الی انه تعالی متفرد في الحالات جميعاً، بيده الامر كله، لا يشاركه ولا يؤازره اي موجود آخر بل ان الموجود الآخر هو: بفاعليته منه تعالی وليس قوة استقلالية كما هو واضح. ******* شرح فقرة: "يا من هو فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ، ..." - 243 2010-04-22 00:00:00 2010-04-22 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6164 http://arabic.irib.ir/programs/item/6164 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك في لقاءات سابقة عن مقاطع منها، ونحدثك الآن عن مقطع جديد ورد فيه: (يا من هو فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ، يا من هو قريب غير بعيد، يا من هو علی كل شيء شهيد، يا من هو لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ). هذه المظاهر من عظمته تعالی امتداد لما سبقها من المظاهر التي حدثناك عنها في لقاءات ماضية. المهم، ان الفقرة او العبارة الاولی من المظاهر التي تلوناها الآن هي: (يا من هو فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ). تری ماذا نستلهم من العبارة؟ ان الله تعالی يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ: ايا كان الفعل، بيد ان الملفت للنظر هو: ان الدعاء قد استخدم صيغة المبالغة في توضيح هذا الامر، حيث قال ان الله تعالی «فَعَّالٌ» اي استخدام صيغة «فَعَّالٌ» بدلاً من صيغة فاعل مثلاً ولا نحتاج الی تأمل طويل حتی ندرك بأن التعبير عن عظمة الله تعالی يأخذ السياق بنظر الاعتبار، فمثلاً اذا اراد الله تعالی - في نطاق التعبير القرآني الكريم - ان يحدثنا عن علمه (تعالی) فان السياق يتطلب حينا بأن يذكر تعالی صفة العلم بنحو مطلق لا ينظر الی كونه تعبيراً عن المبالغة او عدمها بل الی تقرير حقيقة هي انه تعالی «عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، لذلك لا حاجة الی صيغة المبالغة بقدر ما يحتاج الأمر الی تقرير هذه الصفة بنحو عام، لكن اذا اراد المبالغة في علم الغيب مثلاً: استخدم صيغة «عَلاَّمُ» فقال تعالی عنه: «عَلاَّمُ الْغُيُوبِ». هنا في سياق الحديث عن فعالية الله تعالی نجد ان الدعاء قد استخدم عبارة: «فَعَّالٌ» - وهي صيغة مبالغة ليلفت نظرنا الی فاعلية الله تعالی في ارادته لهذا الشيء او ذاك، من هنا، فان القارئ للدعاء يستكشف سريعاً بأن العبارة المذكورة تستهدف الاشارة الی ان الموضوع اساساً هو: ان الله تعالی «إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» بالضرورة لا تخلف في ذلك. بعد ذلك نواجه عبارة (يا من هو قريب غير بعيد ). فماذا نستلهم منها؟ العبارة المذكورة تظل رمزاً أو صياغة صورية تنتسب الی المجاز: بمعنی انه تعالی يرعی عبده، والنكتة هي: ان رعايته تعالی تعني: مختلف ما يطمح اليه العبد من التطلعات او الآمال او الحاجات، يستوي في ذلك ان تكون الطموحات المذكورة قد سألها العبد من الله تعالی أو لم يسأله، ان العبارة التي تقول في احد أدعية رجب المبارك (يا من يعطي من سأله، يا من يعطي من لم يسأله تحننا ورحمة) تشير الی هذه الدلالة والمهم هو: ان الدلالة المذكورة قد رمز اليها الدعاء بعبارة (قريب غير بعيد). اي: ان الله تعالی قريب من عبده تبعاً لقوله تعالی «قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ...» وقد اكد الدعاء هذه الدلالة حينما اضاف الی عبارة (يا من هو قريب) اضاف اليها عبارة (غير بعيد) مع انه (القريب) يعني غير البعيد ولكن النكتة البلاغية هي: ان عبارة (غير بعيد) ترمز الی القرب من عبده تعالی في أشد مستويات القرب بحيث تعني: الرعاية التامة غير المحدودة: كما هو واضح. اذن اتضح لنا جانب من الاسرار البلاغية الكامنة وراء عبارة (يا من هو قريب غير بعيد) سائلين الله تعالی ان يرعانا برحمته غير المحدودة، وان يوفقنا الی ممارسة الطاعة والتصاعد بها الی النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "يا ذا البطش الشديد، ..." - 242 2010-04-20 00:00:00 2010-04-20 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6163 http://arabic.irib.ir/programs/item/6163 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير) حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا ذا البطش الشديد، يا ذا الوعد والوعيد، يا من هو الوليّ الحميد، ...). هذه العبارات متفاوتة في دلالتها، ولكن في الآن ذاته متجانسة او متزاوجة هو: تضاد أو تماثل في الخطوط المشتركة، المهم: يعنينا ان نحدثك الآن عن كل منها ونبدأ اولاً بالحديث عن عبارة (يا ذا البطش الشديد). فماذا نستلهم منها؟ سبق ان كررنا ان الحديث عن مظاهر عظمة الله تعالی لا تنفصل عن رحمته، او لنقل: ان الرصد لصفات الله تعالی (كالقوة او القدرة) مثلاً تقتادنا الی النظر من زاوية رحمته تعالی، بحيث نقرأ الآية المباركة «فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ» حينما ترد في سياق «وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ» كذلك ترد في سياق «يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ»، وهذا يعني: ان القدرة والرحمة كلتيهما لا تنفصلان وفي ضوء هذه الحقيقة نتجه الی عبارة (يا ذا البطش الشديد) لنلاحظ بانها تعني: انه تعالی يأخذ عدوه بصولة وبشدة، وهي صفة تفصح عن عظمته تعالی في ميدان القدرة او العتاب، مقابل عظمته تعالی في ميدان الرحمة. بعد ذلك نواجه عبارة (يا ذا الوعد والوعيد) وهي عبارة تحفل ببعد بلاغي فائق ومدهش، فهي من حيث الايقاع تخضع الی ظاهرة التجانس الصوتي، متمثلاً في حروف الواو والعين والدال، ومن حيث الدلالة تخضع الی التجانس الموضوعي سواء اكان التجانس من خلال التضاد او التجانس من خلال التماثل، فهنا نلاحظ تضاداً بين (الوعد) و (الوعيد)، اما الوعد فيتداعي بذهن القارئ للدعاء الی الثواب، بينما (الوعيد) يتداعي بالذهن الی (العقاب) وهذه الجمالية في الايقاع والدلالة تقتادنا الی تكرار الملاحظة التي عرضناها قبل قليل وهي ان الوعد والوعيد يصبان في الدلالة المشتركة لعظمة الله تعالی، والمهم هو: ان قارئ الدعاء يتداعي بذهنه من خلال (الوعد) بان الله تعالی يعد عباده بالخير تبعاً لقوله تعالی «رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ...» ويتداعي بذهنه من خلال الوعيد: الی الكف عن المعصية، والی التوبة، والی الطاعة. بعد ذلك نواجه عبارة (يا من هو الوليّ الحميد)، فماذا نستلهم منها؟ (الولي) يرشح بعدة دلالات، منها: الناصر وهذا ما يمكن ملاحظته في النص القرآني الكريم «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ» ومنها: الولي بمعنی الاولی، وهذا ما استخدمه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند نصب الامام علي (عليه السلام) وصياً في حادثة الغدير: (من كنت مولاه فعلي مولاه) ومنها: الولي بمعنی المدبرّ القائم بشؤؤن الآخرين، وهذا من الوضوح بمكان، والمهم هو: ان العبارة المذكورة قد استخدمت كلمة (يا من هو الولي الحميد) تشير الی ان هذه التولية او الاولوية أو النصرة، تقترن بحمد المخلوقات له تعالی اي: انه تعالی يحمد في جميع الحالات بمعنی انه تعالی المحمود الذي يستحق الحمد بفعاله. بعد ذلك نواجه عبارة (يا من هو فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ)، وهي عبارة تتطلب مزيداً من الاضاءة لدلالتها حيث نؤجل الحديث عنها الی لقاء لاحق ان شاء الله تعالی. ******* شرح فقرة: "يا ذا العرش المجيد، ..." - 241 2010-04-19 00:00:00 2010-04-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6162 http://arabic.irib.ir/programs/item/6162 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطعه الذي ينتهي بعبارة (يا شهيد) وهو ما نحدثك عنه الآن، لننتقل بعده الی مقطع آخر، العبارة هي: (يا شهيد). فماذا نستلهم منها؟ الشهيد والشاهد صيغتان، احدهما صيغة مبالغة، وتعني: انه تعالی لا يغيب عنه شيء (كما ورد في شرح احدهم)، او لنقل: الحضور او الحاضر فيما لا يعزب عنه شيء، أو لنقل: العليم المحيط بكل شيء، وقد ساق هذه الدلالة بعض الشرّاح مستقاة من قوله تعالی: «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ» الی آخر الآية الكريمة والمهم، ان أيا من الدلالات المتقدمة تظل منسحبة علی المصطلح المذكور، سواء اكان ذلك بمعنی: العليم، أو الحاضر او الناظر الذي لا يغيب عنه شيء. والآن نتجه الی مقطع جديد من الدعاء، يبدأ علی النحو الآتي: (يا ذا العرش المجيد، يا ذا القول السديد، يا ذا الفعل الرشيد، يا ذا البطش الشديد، ...)، هنا، نلفت نظرك قبل ان نتحدث عن المظاهر المتقدمة، الی ان عبارات (المجيد) و (الشديد) و (الرشيد) سبق ان لاحظناها منفردة في مقطع سابق، اما الآن فتجئ مرتبطة بما هو وصف لمظهر خاص: كالعرش حيث وصف بالمجيد، والبطش حيث وصف بالشديد، عن أبعاد بلاغية متنوعة من حيث الصلة بين مقاطع الدعاء، وهو ما ينبغي أ لا نغفل عن ذلك، مادمنا نتحدث عن الدعاء في شتی دلالاته. ان العبارة التي استهل بها المقطع الجديد هي: (يا ذا العرش المجيد)، وقد سبق ان حدثناك عن مصطلح (المجيد) وقلنا انه بمعنی الشرف، والسخاء، والكرم والعزة والتنظيم وهذه الدلالات المتنوعة يستخلصها قارئ الدعاء لانه أمام مصطلح منفرد او مفرد. اما عندما يجيء المصطلح مركبا مع عبارة اخری مثل (يا ذا العرش المجيد) فان الدلالة تتحدد بما يتناسب مع مفهوم العرش، من هنا فان العرش يظل متساوقاً في دلالته مع صفة (المجيد) من خلال صفة الكريم أو العظيم ونحوهما: كما هو واضح. مع ملاحظة ان العرش يستخدم مجازياً كما في قوله تعالی: «الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى» وهو في اصله سرير الملك، ولكن بالنسبة الی الله تعالی يعني: الهيمنة كما هو واضح. بعد ذلك نواجه عبارة: (يا ذا القول السديد). فماذا نستخلص منه؟ السداد هو الصواب، وهذا يعني ان الله تعالی يتسم بصواب المعرفة، وهي الكمال المعرفي بطبيعة الحال، مع ملاحظة ان القول او الكلام ونحوهما مما يستخدم في مظاهر عظمة الله تعالی يظل حاملاً دلالته المجازية حيث تشمل مطلق عطاءاته تعالی، فمثلاً عندما يقررّ النص القرآني الكريم بان البحر مثلاً لو انه مداد لكلماته تعالی ما نفذت كلماته، حيث يعني بذلك ليس الكلمة بمعناها اللغوي بل مطلق مظاهر عظمته تعالی: كما هو واضح. بعد ذلك تواجهنا عبارة (يا ذا الفعل الرشيد) يختلف في دلالته عن القول السديد اي: نقف الآن امام مصطلحين، احدهما: القول والآخر الفعل، فما هي الاسرار الكامنة وراء هذين المصطلحين المجازييّن؟ ألم نقل بان عبارة (القول) هي مطلق مظاهر العظمة؟ اذن ماذا تعني عبارة (الفعل)؟ هل تعني نفس الدلالة؟ كلا. اذن ما هو الفارق بينهما؟ في تصورنا ان القول يرمز الی ما يقرره تعالی من بيان عظمته، اما الفعل فيرمز الی العظمة ذاتها، لذلك وصف مصطلح (القول) بانه (سديد) بينما وصف مصطلح الفعل بانه (رشيد) اي: ان القول صائب لا خطأ فيه، والفعل رشيد لا خلل فيه. ******* شرح فقرة: "يا رشيد، يا حميد، يا مجيد، ..." - 240 2010-04-18 00:00:00 2010-04-18 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6161 http://arabic.irib.ir/programs/item/6161 لا نزال نحدثك عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء الجوشن الكبير، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا رشيد، يا حميد، يا مجيد، يا شديد، يا شهيد). هذه جملة مظاهر من عظمة الله ورحمته، نحدثك عنها، حيث ختم بها مقطع الدعاء السابع والسبعين، وهو مقطع تضمن - كسائر مقاطع الدعاء - عشرة مظاهر، خمسة منها ذات فواصل موحّدة هي: (معين، امين، مبين، متين، مكين، ...) حيث ختمت بفاصلة حرفي الياء والنون، فيما حدثناك عنها سابقاً، واما الخمس عبارات الاخری، فهي ذات فواصل جديدة تنتهي بحر في الياء والدال، مما يعني ان هذا التقسيم للمقطع الی صوتين، كل صوت تتضمن خمسة مظاهر، انما هو صياغة بلاغية فائقة، تتجانس فيما بينها، علی النحو الذي نبدأ بإلقاء الاضاءة عليه، حيث نبدأ اولاً بالحديث عن صفة (يا رشيد). فماذا نستخلص منها؟ (الرشد) هو: ما يضاد (الغي)، بمعنی: الهدی، او الهداية، والاستقامة، وصفته (رشيد) تعني - في ضوء الدلالات اللغوية المشار اليها، انه تعالی يرشد البشر الی ما هو هدی لهم (استقامة) وحق. اذن يمكننا ان نستخلص من صفة (الرشيد) انه تعالی: حق، حيث ورد في النص القرآني الكريم - علی لسان الجن عندما استمعوا الی القرآن الكريم النازل علی محمد ص بانه «يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ» والحق كما ورد في سورتي «الْجِن» و«الأَحْقَافِ» المهم: ان الصفة المتقدمة تظل متجانسة مع ما نلاحظه من الصفة (يا حميد) وسواها: كما سنحدثك عن ذلك، ان صفة (حميد) تعني: كما ورد في شرح أحدهم لأسماء الله تعالی الحسنی - انه تعالی محمود يستحق الحمد بفعاله، بمعنی انه يستحق الحمد في السراء والضراء وفي الشدة وفي الرخاء. هنا لامناص من التذكير بان استحقاقه تعالی للحمد حتی في الضراء والشدة، يعني انه تعالی يستهدف من الشدة ومن الضراء اخضاع عبده الی التجربة العبادية او الخلافية، حيث تترتب علی الشدائد نتائج عظيمة تنعكس علی المصير الاخروي للشخصية، حتی انه ورد بان العبد يتمنی يوم القيامة بانه لو قرض بالمقاريض في دنياه، حتی يظفر في آخرته وبرضاه تعالی، وبالنعيم الذي لا حدود له. اذن حمده تعالی في الضراء والشدة له: معطياته بالنحو الذي اوضحناه. بعد ذلك نواجه عبارة (يا مجيد). فماذا تعني؟ (المجيد) تتسع دلالته بحيث يشمل جملة مظاهر، منها الكريم العزيز، كما ورد في شرح أحدهم، حيث ذكر قوله تعالی: «وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ» اي: الكريم، والعزيز. كما تعني عبارة (المجيد) السخي والواسع العطاء، كما تعني (الشرف)، مثلما تعني: الممجده أي مجده خلقه وعظموه. هنا لامناص من التذكير بمجانسة هذه الصفة مع سابقتها (الحميد) اي: المستحق للثناء، حيث ان الشرف والكرم والعطاء والعزّ: مظاهر تقترن بضرورة الثناء علی الله تعالی: كما هو واضح. بعد ذلك نواجه عبارة (يا شديد)، حيث نتساءل عن دلالتها اولاً، وصلتها او تجانسها مع ما قبلها وما بعدها ثانياً. فماذا نستلهم؟ الشديد صفة مأخوذة من (الشدة)، وهي كلمة ذات دلالة واضحة، كل ما في الأمر يتعين علينا ان ندرك بان الشدة لها معطياتها ايضاً اي: كما ان الاثابة هي عطاء كذلك العقاب هو عطاء لانه محو للانحراف، فعقاب المجرم مثلاً يعني: حجزه من ممارسة الجريمة، وهذا مانلحظه مثلاً في سورة الرَّحْمَنِ التي تعني الرحمة، ولكنها تشير الی هذا المعنی بعبارة «فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ» تقصياً علی مصائر المجرمين. من جانب آخر، نجد ان الشدة ترتبط بالقوة: كما لو قلنا ان الله تعالی شديد القوة مثلاً، المهم ان صفاته تعالی تصب بأجمعها في ميدان الرحمة بالنحو الذي اشرنا اليه. ******* شرح فقرة: "اللهم اني أسئلك باسمك يا معين، يا أمين، ..." - 239 2010-04-15 00:00:00 2010-04-15 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6160 http://arabic.irib.ir/programs/item/6160 نواصل حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء الجوشن الكبير، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الجديدة، البادئ بما يأتي: (اللهم اني أسئلك باسمك يا معين، يا امين، يا مبين، ...). ان هذا المقطع يتضمن جملة من مظاهر عظمة الله تعالی ورحمته، متجسّدة في مفردات متنوعة، تبدأ بمفردة (يا معين)، فماذا نستلهم منها؟ لا نحتاج الی تأمّل، حتی ندرك سريعاً بان صفة المعين تعني ان الله تعالی هو المساند والمسعف والناصر. ولو لا الله تعالی واعانته لعبده لما اتيح البتة لنا بأن نوفق الی طاعته، ولما أتيح لنا ان نركن الی التوازن الداخلي والخارجي في مختلف مستويات سلوكنا: مع الله تعالی، مع انفسنا، مع الآخرين، مع سائر الموجودات. اذن الإعانة من الله تعالی هي: المحركة لسلوكنا المشار إليه، وكفی بذلك عطاءاً من الله تعالی. بعد ذلك نواجه مفردة (يا امين)، وهي مفردة تترتب علی سابقتها من حيث المنطق الدلالي للرحمة من الله تعالی، ان التجسيد لاعانته تعالی إيانا، تزامن مع ثقتنا به تعالی، بمعنی ان مفردة (الامين) هي مستقاة (من حيث الجذر) من (أمن)، اي: ما يرتبط بها من الأمتحان، والاستئمان، والمؤتمن، والمأمون، حيث تصبّ دلالتها في معنی (الثقة) او (الوثوق) بالله تعالی ولا نعتقد ان صفة من الصفات التي تجعل قارئ الدعاء مطمئناً الی شموله برحمته تعالی مثل: الثقة بالله تعالی، وحسن الظن به، حيث ورد بان الله تعالی عند حسن ظن عبده، اي: بقدر ثقننا بالله تعالی تسع رحمته، كما هو واضح. اذن (يا امين) تعني: احد مظاهر عظمته تعالی ورحمته، متجسدة في (الثقة) بالله تعالی، علی نحو ما اوضحناه. بعد ذلك نواجه عبارة (يا مبين)، فماذا نستلهم منها؟ المبين جذرياً هو من الابانة او الوضوح ونحوهما، ولا بدّ ان يتداعي الذهن عن ذلك الی ما لاحظه احد الشراح لمظاهر عظمة الله تعالی ورحمته، متمثلاً في الذهاب الی ان الله هو الظاهر، وهو البيّن من حيث آثار قدرته وآياته، ومن حيث انه تعالی مظهر حكمته بما ابان من تدبيره، واوضح في كلماته التي لا تنفد (كما ورد في النص القرآني الكريم). بعد ذلك نواجه مفردة (يا متين). فماذا نستلهم منها؟ (المتين) - كما ورد في اللغة - هو من اسماء الله تعالی، حيث يعني: القويّ الشديد الذي لا يلحقه في افعاله مشقة ولا كلفة، بهذا نتبين بوضوح معنی مفردة (يا متين)، حيث تظل كسائر صفاته التي يتفرد بها تعالی من حيث عظمته التي تقول للشيء كُن فَيَكُونُ. بعد ذلك نواجه مفردة (يا مكين) وهي مفردة مترتبة علی سابقتها: كما هو واضح، فما دام تعالی قوياً وشديداً لا مشقة ولا كلفة في ارادته التي تقول للشيء كُن فَيَكُونُ، حينئذ فهذا يعني انه تعالی (مكين)، متمكن من كل شيء، لا حدود لقدرته تعالی، كما ان ثمة دلالة اخری من الممكن استخلاصها ايضاً، الا وهي: ذو المكانة، اي: ان الله تعالی يتميز بانه المتفرد في مكانة عظمته، بالاضافة الی ان الكلمة تعني: الاقدر او الامكن في مطلق قدراته تعالی. بعد ذلك نواجه جملة مفردات منها: (يا رشيد، يا حميد، يا مجيد، ...) وهي مظاهر متنوعة من عظمته تعالی، (نحدثك عنها في لقاءات لاحقة ان شاء الله تعالی). ******* شرح فقرة: "يا من لا تحصی الآؤه، ..." - 238 2010-04-13 00:00:00 2010-04-13 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6159 http://arabic.irib.ir/programs/item/6159 لا نزال نحدثك عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ينتهي بهاتين الفقرتين: (يا من لا تحصی الآؤه) و (يا من لا تعد نعماؤه) ان هاتين الفقرتين من الفقرات الملفتة للنظر من حيث اتسامها بالتزاوج وبالتجانس وبالتوازي الفني او الجمالي مما يضفي علی الموضوع طابعاً خاصاً. هاتان الفقرتان تخضعان اولاً للتوازن اللفظي ثم للتوازن الدلالي، فأنت تری ان طرفي كل فقرة يتضمنان مقدمة ونتيجة، وكل منهما يتوازن مع الآخر في ذلك. ان المفردات المستخدمة علی نحو تبدو وكأنها مترادفة تماما، فهناك مفردة (يا من لا تحصی) وتقابلها مفردة (يا من لا تعد)، ومن الواضح، ان الاحصاء والعد بمعنا واحد، ولكن النص - بطبيعة الحال - يستخدمهما مختلفين دلالة، والامر كذلك بالنسبة الی عبارتي (الاؤه) و (نعماؤه) فالالاء والنعماء بمعنی واحد ولكن الدعاء يستخدمهما مختلفين كذلك وما نقدمه الآن هو: ملاحظة استخدام هذه الفقرات المترادفة في بعض الاستخدام، والمتفاوتة في استخدام آخر. كيف ذلك؟ ان قارئ الدعاء مدعو الی تأمل هذه الجوانب، لان قراءة هاتين الفقرتين اذا كانت علی نحو من ترادفهما فهذا ما لا يتناسب مع عصمة الدعاء فنياً ولغوياً. اذن كيف ننظر الی الفقرتين المتقدمتين؟ اولاً: من حيث المفردتين (لا تحصی) و (لا تعد)؟ الجواب: ان (لا تعد) وافتراقها عن (لا تحصی) تتمثل في ان العدد هو مجرد الوحدات التي يتألف منها الشيء: كالواحد والاثنين والثلاث، اما الاحصاء فهو العدد نفسه ولكن مع ضبطه، وهذا ما تشير اليه اللغة، في ضوء الفارق المتقدم يمكننا ان نميز بين دلالة (العدد) ودلالة (الاحصاء) ولكن بعد ان ننظر الی الفارق المترتب عليها من حيث النتيجة وهي عبارة (آلاؤه) وعبارة (نعماؤه) حيث نتساءل: ما الفارق بين النعم والالاء؟ في تصورنا - من خلال الاستخدام المتنوع للنصوص - ان (النعم) تختلف عن (الالاء) باتساع دلالة النعمة، وما يواكبها من اللين والطيب والحسن، وبذلك تكون (الاؤه) بمعنی النعمة بعامة، و (نعماؤه) بمعنی اكثر نعمة، وهذا ما نلحظه مثلاً في سورة «الرَّحْمَنُ» حيث استخدمت «آلاَءِ» في آية «فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ» بمعنی عام، اي النعم بعامة في كل ما اشار النص اليه بحيث شملت «آلاَءِ» حتی ما هو الجزاء السلبي مثل «يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ» وفي ضوء الفارق المشار اليه يمكننا ان نعقب علی عبارة (يا من لا تعد نعماؤه) وافتراقها عن (يا من لا تحصی آلاؤه) ان الالاء بما انها مطلق النعم حينئذ لا تحصی من حيث ضبطها وذلك لشموليتها العامة، بينما عبارة: (يا من لا تعد نعماؤه) تشير الی مجرد الاحصاء المتمثل في تعدد النعم المتنوعة: كالنعومة واللين والحسن والطيب. اذن امكننا ان نتبين الی حد ما، بعض الفارقية بين عبارتي: (يا من لا تحصی آلاؤه) و (يا من لا تعد نعماؤه) وبذلك نتبين ايضاً ان رحمته تعالی تشمل كل المستويات التي يمكن تصورها، (سائلين الله تعالی ان يزيدنا من نعمائه وآلائه) وان يوفقنا الی ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الی النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "يا من يدوم بقاؤه، ..." - 237 2010-04-12 00:00:00 2010-04-12 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6158 http://arabic.irib.ir/programs/item/6158 نتابع حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا من يدوم بقاؤه، يا من العظمة بهاؤه، يا من الكبرياء رداؤه،...). ولنقف عند كل عبارة، حيث نبدأ ذلك بالعبارة الاولی وهي: (يا من يدوم بقاؤه). فماذا نستلهم منها؟ طبيعياً، نعلم بنحو عام ان الله تعالی موجود ازلي وابدي، لا بداية له ولا نهاية، بيد ان هذه الحقيقة تتطلب حينا ان نمعن النظر فيها وفيما يواكبها من الصفات المرتبطة بالله تعالی، ومنها عبارة (يا من يدوم بقاؤه) من حيث ارتباطها الواضح بأبدية الله تعالی، بيد ان العبارة تتداعي بذهن قارئ الدعاء الی ان (دوام بقاؤه) تعالی له تخيره عن انه تعالی لا نهاية لبقائه، اي في نفس الوقت الذي نجد ان العبارة مرتبطة بسابقتها نجدها متميزة عنها في الآن ذاته والمهم هو: استخلاص الدلالة متمثلة في دوام بقائه، وارتباط ذلك باستمرارية عطائه تعالی وعظمته. من هنا نجد ان العبارة الجديدة معد سابقتها هي: (يا من العظمة بهاؤه، يا من القدرة رداؤه). تری ما هي الصلة بين هاتين العبارتين وبين عبارة (يا من يدوم بقاؤه) ثم صلة العبارتين لبعضها مع الآخر؟ نعتقد بأن دوام بقائه تعالی في عبارة سابقة، ان لها صلتها بما قلناه من دلائل عظمته ورحمته وفعلاً نجد ان العبارتين اللتين تتحدثان عن البهاء والعظمة والقدرة، تتداعي فعلاً بالاذهان الی معطيات بقائه تعالی واذا ادركنا ذلك نتجه الی نكتة جديدة هي: الارتباط بين العبارتين المتقدمتين اي: (يا من العظمة بهاؤه، يا من الكبرياء رداؤه)؟ وبكلمة بديلة، ما هي الفوارق بين العظمة والكبرياء، وبين البهاء والرداء؟ بالنسبة الی الكبرياء يظل الجذر لها عبارة الكبر مقابل الصغر في القدر او الموقع وتقترن عادة بالقدرة وبالسلطة ونحوهما، واما العظمة فهي: خطورة الشيء مقابل مضاده وهي: انعدام القيمة للشيء، وبذلك يظهر الفارق بين الكبرياء وبين العظمة مع اشتراكهما في الدلالة العامة، افتاقهما في الدلالة الخاصة، والمهم هو: ان تمييزنا بين هذه الصفة او تلك يظل مرتبطا بوجوه صفاته الخطيرة المتنوعة بحيث ينتهي قارئ الدعاء الی انه تعالی عظيم ورحيم من جميع الوجوه والجهات. هنا لابد من الاشارة الی نكتة مهمة هي: ان صفة (العظمة) ربطها الدعاء بـ (البهاء) فقال: (يا من العظمة بهاؤه)، بينما ربط صفة (الكبرياء) بالرداء، فقال (يا من الكبرياء رداؤه)، فما هو السر؟ في تصورنا ان الكبرياء بما انها ترتبط لغوياً بما هو كبير مقابل الصغير، حينئذ فان صفة (الرداء) من حيث الاستعارة اكثر لصوقا بالموضوع، ولذا ورد في الاحاديث ان المتكبر من البشر ينازع الله تعالی في صفته لأن الكبرياء هي رداء الله تعالی. واما بالنسبة الی العظمة فان صفة (البهاء) اكثر لصوقا بها من حيث الاستعارة، حيث ان البهاء اصلها من حسن وظرف، فيكون الحسن اكثر لصوقا بالعظمة، فالشيء العظيم هو ما يبهر المتجه له سواء أكان الموضوع مادياً (كالبناء الضخم) او معنوياً كالاخلاق الحسنة، او خاصاً بما هو ازلي وابدي وهو ما يختص به تعالی. ******* شرح فقرة: "يا من تعالی جده، ..." - 236 2010-04-11 00:00:00 2010-04-11 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6157 http://arabic.irib.ir/programs/item/6157 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة ومنها دعاء (الجوشن الكبير) حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه والآن نحدثك عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا من تعالی جده، يا من لا اله غيره، يا من جل ثناؤه، ...) هذه العبارات تظل امتداداً لما سبقتها ونحدثك الان عن الاولی منها وهي (يا من تعالی جده) والسؤال مالمقصود من العبارة المذكورة؟ الجد، اصله من جد جداً، اي: اشتد وعظم، وهذا يعني ان الجد هو: العظمة، وبذلك يكون المعنی: يا من تعالت عظمته، كما ان ثمة دلالات اخری ينسحب عليها المصطلح المذكور، بيد ان هذا المعنی يتساوق مع عبارة سبق ان حدثناك عنها (في لقاء سابق) وهي: (يا من تبارك اسمه)، فالمباركة والتعالي يتجانسان اكثر مما لو اتسعنا الی المعاني الاخری لـ (الجد) مثل: الحظ، الحضوة، الرزق الى آخره. وايا كان الامر فان التعالي وهو السمة التي يتفرد بها تعالی يظل هو: الرفعة في الموقع المقام الذي يحتله تعالی في حظوته وتفرده وهيمنته الى آخره. بعد ذلك نواجه عبارة (يا من لا إله غير الله) تعالی، وذلك لبداهة ان العبارة المتقدمة من الوضوح بمكان دون أدنی شك، لكن مع ذلك نتساءل: لماذا مثلاً جاءت الصفة او المصطلح (اله) دون سواها من اسمائه تعالی؟ الجواب: من الواضح، ان (الرب) مثلاً يرتبط بالتربية، وان (الملك) يرتبط مثلاً بالادارة والسيطرة، ولكن كلمة (الاله) تعني: المعبود، من هنا فان المعبود لا معبود غير الله تعالی، وهذا يعني - من زاوية بلاغية - ان عبارة الدعاء تظل من الدقة بمكان، لانها تتحدث عما ينفرد به تعالی من حيث عبادة الاخرين اياه، ولا اله غيره البتة: كما هو واضح. بعدها نواجه عبارة (يا من جل ثناؤه). فماذا نستخلص منها؟ الجواب: الثناء هو المدح، وعندما نقول (يا من جل ثناؤه) يعني: يا من عظم مدحنا اياه، بحيث تتعذر الاحاطة او القدرة بما يستحقه تعالی من الثناء، بقدر ما يعظم الثناء، اي: يجل بمعنی يعظم ويكبر ونحو ذلك ثناؤنا او مدحنا حياله، وتعظيم المدح هو اعم من عظمة وكبير المدح بقدر الاستطاعة البيانية، او عدم امكان الاحاطة بذلك، والمهم في الحالات جميعاً ان عظمته تعالی تستدعي عظمة مدحنا اياه: بغض النظر عن حجم قدراتنا في التعبير عن ذلك، بعد ذلك نواجه عبارة (يا من تقدست اسماؤه). فماذا نستلهم منها؟ الجواب: التقديس هو المباركة والتطهير ونحوهما او التنزيه، وبذلك تكون الدلالة المذكورة بمعنی ان اسماؤه تعالی لها القدسية او التنزيه مما هو المماثل لها، فكما ان اسمه تعالی مبارك، وموقعه او مقامه متعال، ومدح ذلك عظيم، فان سائر اسمائه تعالی تظل مقدسة، مباركة، مطهرة الى آخره. هنا قد يثار سؤال: لماذا وردت العبارة الاولی بهذا النحو (يا من تبارك اسمه) ووردت الآن عبارة (يا من تقدست اسماؤه). الجواب: الاسم في النص الاول هو الاعم من جميع الصفات، اي: هو مطلق الصفات، بينما عبارة (اسماؤه) تعنی المصاديق المتنوعة لصفاته تعالی. ******* شرح فقرة: "يا من رزقه عموم للطائعين، ..." - 235 2010-04-10 00:00:00 2010-04-10 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6156 http://arabic.irib.ir/programs/item/6156 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك عن احد مقاطعه الذي ختم بهاتين الفقرتين: (يا من رزقه عموم للطائعين والعاصين)، ثم (يا من رحمته قريب من المحسنين). هاتان العبارتان يختم بهما مقطع الدعاء، وما يعنينا من ذلك، هو: الاشارة اولاً الی الرزق وانسحابه علی المطيعين والعاصين، حيث ذكر الدعاء في مقطعه الذي نحدثك عنه، اي السابق عليه وهو قوله (يا من طاعته نجاة للمطيعين)، بان المطيعين ناجون لسبب واضح هو: اطاعتهم لله تعالی، اي: العمل بمبادئ الله تعالی، بينما نجد ان الرزق يطال الجميع لا فرق بين الغني والفقير. فماذا يعني ذلك؟ ثمة مسوغات شرعية تجعل الرزق البشري، أمراً لامناص منه، لأن عملية الاختبار الإلهي نعرض ذلك، بمعنی ان العبد لامناص من استمرارية حياته حتی تمرر تجربة سلوك الانسان، ليستوي في ذلك ان يكون العبد طائعاً او منحرفاً الى آخره. اذن تختلف ظاهرة الرزق عن غيرها من حيث جعل تعالی الرزق وايصاله الی المخلوقات جميعاً امراً مقضياً وهو يفسر لنا دلالة معنی فقرة: (يا من رزقه عموم للطائعين والعاصين). بعد ذلك نجد ان المقطع يختم بعبارة: (يا من رحمته قريب من المحسنين)، وهو مقطع يقترن تصور دلالته (وهي الرحمة الإلهية) بالمطيع فحسب. ما هو سبب ذلك؟ الجواب: من البين، ان الطاعة لله تعالی تستتلي بالضرورة احساناً من الله تعالی، وذلك لان الله تعالی طالما ألمح الی مفهوم الطاعة وصلتها بالتجربة العبادية، اي عبارة «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ»، وحينئذ لابد من التمييز بين طائع يعني بأرضاء الله تعالی حياله، وبين عاص غير معترف بالله تعالی، ولذلك ورد قوله: «هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ»، وهذا امر لا يحتاج الی مزيد من التوضيح. بعد ذلك نتجه الی مقطع جديد من دعاء الجوشن، وهذا ما نلحظه علی النحو الآتي: (يا من تبارك اسمه، يا من تعالی جده، ...)، فماذا نستخلص من العبارات المشار اليها؟ الجواب: لقد استهلت احدی السور بعبارة «تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ»، كما وردت السمة المذكور متكررة في نصوص قرآنية متنوعة، يعيننا ان نشير الی دلالتها ومعطياتها. فما هي اسرار ذلك؟ ان (المباركة) هي: ثبوت الخير بنمائه (كما ورد في اللغة)، بمعنی انه تعالی لولاه لبطل كل شيء والنكتة هنا مرتبطة بان المباركة وردت مقترنة بالاسم وليس الدلالة. فما سر ذلك؟ ان اسمه تعالی - كما ورد في النصوص - دواء، (يا من اسمه دواء)، والدواء يعني: ازاحة المرض من الجسد، فكما ان الغذاء كيميائياً يكسب الانسان طابع الصحة، كذلك اسم الله تعالی يكسب الأثر ذاته، وذلك لان الله تعالی حينما اودع في النبات مثلاً مادة للشفاء من المرض، كذلك فإن الاسم المقدس او المبارك لله تعالی مودع فيه ما يحقق الشفاء من المرض. والامر في نطاق عام لا ينحصر في عملية المباركة المادية بقدر ما ينسحب علی الوجود الكوني والبشري، وهل ثمة مباركة او خير اشد ضخامة ولا محدودية من اسم الله تعالی خالق الخير؟ انه الله، مصدر الخير، مصدر البركة، انه الرحمة في لا محدوديتها. ******* شرح فقرة: "يا من آياته برهان للناظرين، ..." - 234 2010-04-07 00:00:00 2010-04-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6148 http://arabic.irib.ir/programs/item/6148 نتابع حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير) حيث حدثناك عن مقاطع متسلسة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا من آياته برهان للناظرين، يا من كتابه تَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ...). في لقاءات سابقة اوضحنا من جانب تجانس الموضوعات التي ترد في كل مقطع، وتجانس كل مقطعين او اكثر من زاوية اخری، فضلاً عن تجانس الصيغ الاشباعية والصورية. ويعنينا الآن ان نحدثك عن تجانس هاتين العبارتين اللتين استشهدنا بهما قبل قليل، وهما: (يا من آياته برهان للناظرين، يا من كتابه تَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ). ان هاتين العبارتين تتجانسان - كما هو واضح - في تذكيرهما قارئ الدعاء من حيث آياته الكونية تعالی وكتابه الكريم، ثم من حيث علاقة ذلك بالناظر علی الآيات المشار اليها، ثم بالمتقين القارئين لكتاب الله تعالی. والسؤال الآن هو: ما هي الاسرار الكامنة وراء الاشارة الی البرهان الذي يستخلصه الناظر الی آيات الله تعالی، والی كتابه تعالی؟ ان السؤال الاول هو: ما هي العلاقة بين الناظر الی آيات الله تعالی وكتاب الله تعالی؟ ثمة علاقة واضحة بين آيات الله تعالی الكونية: كالسماء والارض والشمس، وهي دلائل علی ابداعه تعالی وعظمته، وبين القرآن الكريم من حيث انطواؤه علی آيات ايضاً، وهي: المبادئ المطروحة فيه فيما تفصح بدورها عن عظمته ورحمته. ان القارئ للقرآن الكريم يتعظ بما هو مطروح فيه من الآيات المشيرة الی عظمته تعالی، والی المبادئ الموجود فيه وهي آيات بدورها ولكنها آيات مبادئ وافكار وسلوك، حيث يفيد منها القارئ للقرآن الكريم والسؤال الجديد هو: ما هي - ثانياً - العلاقة المستخلصة بين آياته تعالی بصفته برهاناً للناظر، وبين كتابه مع بصفته تَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ؟ ثم سؤال ثالث هو: العلاقة بين الناظر الی ظواهر الكون: الآيات، اي الشمس قبلاً أو السماء أو النبات، وبين التذكرة لمن اتقی الله من خلال قراءته وتدبّره للآيات القرآنية الكريمة اي: الآيات الكونية ويقابلها الآيات القرآنية؟ واضح كذلك، ان الناظر الی مظاهر الكون الابداعية سوف يتعمق يقينه بعظمته تعالی، لانها آيات تبهرالناظر الی السماء ونباتها وسعتها وطبقاتها، والامر كذلك حينما ينظر المتقي اي: المؤمن بآيات الكونية المشار اليها وبين ملاحظته لما ورد في القرآن من المبادئ. ثم نجد ان العلاقة بين المتقي وبيد الناظر الی آيات الله تعالی هي: ان المتقي (وليس الشخص العادي) هو الذي يتأثر وينفعل بما يقرأ من القرآن، بحيث تنفعه الذكری، وهو ما اشارت العبارة اليه بقولها: (يا من كتابه: تَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ)، والأمر كذلك بالنسبة الی الناظر الی مظاهر الكون، حيث ان رؤية المظاهر من سماء وارض وشمس لا تحتاج الی تقوی بقدر ما تحتاج الی من ينظر الی الظاهرة الاعجازية فيؤمن بها يجب تشكل برهاناً لدی من ينظر اليها، فيتعمق ايمانه بالله تعالی، وهذا ما عبّرت الفقرة من المقطع عن بقولها: (يا من آياته برهان للناظرين). اذن اتضح لنا جانب او اكثر من العلاقات المتجانسة بين العبارة المشيرة الی ان آيات الله تعالی هي برهان للناظر اليها، وبين العبارة المشيرة الی ان كتاب الله تعالی هو تَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ. ******* شرح فقرة: "يا من حمده عز للحامدين، ..." - 233 2010-04-06 00:00:00 2010-04-06 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6147 http://arabic.irib.ir/programs/item/6147 نواصل حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد في: (يا من حمده عز للحامدين، يا من طاعته نجاة للمطيعين، يا من بابه مفتوح للطالبين، ...). هذه العبارات او الظاهرامتداد لما سبق من العبارات حيث تتناول كل واحدة منها مظهراً من عظمة الله تعالی ورحمته، وتتناول العطاء المترتب علی ذلك، والملاحظ هنا - وهذا ما نستهدف الاشارة اليه - هو: ان العطاء المترتب علی سمات الله تعالی من حيث انعكاساته علی الشخص، يظل متفاوتا من جانب ومجانسا لطبيعة المظهر من جانب آخر. فمثلاً ورد ان العطاء المنسحب علی المطيع هو (النجاة). تری: ما هو السر الكامن وراء ذلك؟ من الواضح، ان من يطيع الله تعالی فاطاعته (نجاة) له في الآخرة، اي: يظفر برضاه تعالی والجنة، حيث ان ثواب الطاعة هو: الجزاء المشار اليه ولكن بالنسبة الی الحامد حيث تقول العبارة بان الحمد لله من قبل الشخص هو عز له يتناول جانباً آخر من العطاء متجانسا مع طبيعة الحمد، فالحمد هو الثناء علی الله تعالی وهو غير ممارسة الافعال المفصحة عن الالتزام من حيث الجزاء المترتب علی الطاعة مقابل الجزاء السلبي المترتب علی المعصية، بينما (الحمد) هو ثناء علی عظمة الله تعالی، وهو احد وجوه الطاعة حيث يختص بالصلة الوجدانية بين العبد والله تعالی، ان العبد يحمد الله تعالی وهو تعبير عن وعي العبد بعظمة الله تعالی والله تعالی حينما يحمده الحامدون انما يرفع درجتهم، والحامدون بذلك يحصلون علی موقع اجتماعي (اذا صح التعبير) أو علی موقع الهي هو عز لهم لانه الموقع بوضوح هو: موضع فخر واعتزاز ومجد للشخصية: كما هو واضح. بعد ذلك نتجه الی عبارة (يا من بابه مفتوح للطالبين)، ماذا نستخلص منه؟ ان الطالب لحاجة عند الله تعالی يعني: ان العبد يتجه الی الله تعالی ملتمسا منه ان يتفضل عليه باجابة دعائه وتحقيق حاجته، وهذا يستتبع - بطبيعة الحال - ان يكون الله تعالی عند حسن ظن عبده، بمعنی انه يستجيب له دعاءه ويقض حاجته، وهذا ما عبرت الفقرة عنه حينما قالت: (يا من بابه مفتوح للطالبين). فهنا قد استخدم الدعاء اسلوب الاستعارة حيث خلع علی الاجابة طابع الباب وفتحه، اي: جعل للاجابة بابا، وجعل الباب مفتوحاً فهذا يعني ان الله تعالی يسمع دعاء عبده وحاجته التي التمسها منه. بعدها نواجه عبارة (يا من سبيله واضح للمنيبين). تری: ماذا نستلهم من هذه العبارة وصلتها بسابقتها؟ الانابة هي الرجوع مرة بعد اخری، اي: ان المنيب هو من يرجع في اموره جميعاً الی الله تعالی، مرة بعد أخری، ومن ان ينقطع عن الله تعالی ومن الواضح، ان من يرجع الی الله تعالی في جميع اموره ويكلها الی الله تعالی: حينئذ فان اشباع حاجاته يتحقق بدون حساب. من هنا، نجد ان فقرة الدعاء قد استهدفت الاشارة الی ان الامر من الوضوح بمكان كبير لمن يرجع باموره الی الله تعالی، حيث ان هذا السبيل - وهو الانابه وما يترتب عليها من العطاء - تتضح تماما بما لا ترديد فيه، من حيث ان التوجه الی الله تعالی دون سواه يعني: حتمية قضاء حوائج المنيب: كما هو بين. بعد ذلك نواجه عبارة (يا من آياته برهان للناظرين)، ثم عبارة (يا من كتابه تذكرة للمتقين)، هاتان العبارتان متجانستان ومتفاوتتان في آن واحد، حيث نحدثك عنهما في لقاء لاحق ان شاء الله تعالی. ******* شرح فقرة: "يا من شكره فوز للشاكرين، ..." - 232 2010-04-05 00:00:00 2010-04-05 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6146 http://arabic.irib.ir/programs/item/6146 لا نزال نحدّثك عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء الجوشن الكبير، حيث حدّثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدّثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا من شكره فوز للشاكرين، يا من حمده عزّ للحامدين، يا من طاعته نجاة للمطيعين، ...). هذه العبارات هي امتداد لسابقتها من حيث انصبابها في صياغة موحّدة متجانسة متزاوجة من حيث الربط بين المظهر الإلهي وبين انعكاساته، اي: معطياته على قارئ الدعاء، ولنقف عند هذه العبارات او المظاهر، ومنها فقرة: (يا من شكره فوز للشاكرين). فماذا نستلهم من السمة او المظهر أو الصفة وانعكاساتها على القارىء للدعاء؟ من البيّن، ان النصوص الشرعية المتنوّعة طالما تندب الشخصية الى الشكر لله تعالى على نعمه التي لا تحصى والسؤال هو: ما هي المعطيات المترتبة على الشكر لله تعالى؟ الجواب: ثمة معطيات متنوّعة منها انّ الشكر نفسه يحتاج الى شكر: كما ورد في بعض النصوص سرّ ذلك، ان العبد عندما يشكر الله تعالى فإنّ المعطى المترتـّب على ذلك، هو زيادة النعمة، فاذا شكرناه تعالى مثلاًَ في توفيقه إيّانا للعمل العبادي أو للصحة أو الرزق وسعته، فإنّ الشكر المذكور يتسبّب في زيادة النعمة، وهذا ما عبّرت عنه الآية الكريمة «لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ». اذن الشكر يتسبّب في زيادة نعمه تعالى، وهذا معطى لا حدّ لتصوّره. هنا يتعيّن علينا ان نشير من جانب الى اهمية الشكر وصلة ذلك، ليس بالنعيم فحسب اي زيادته، بل بتقدير الله تعالى ذلك، حتى إنه تعالى كما نعرف ذلك جميعاً طالما يسم انبياءه كلّا بحسب ما يغلب على سلوكه من سمات مثل (الشكور)، (الصابر)، (الخليل)، (الكليم)، من هنا انه تعالى يصف عبده النبيّ نوحاً (عليه السَّلام) بأنه «كَانَ عَبْدًا شَكُورًا» ممّا يعني ان الشكر يقترن عند الله تعالى بتقدير فائق: كما هو واضح. هنا - يتعيّن علينا - من جهة جديدة ان نشير الى انّ الشكر (من زاوية نفسية) ينطوي على سلوك في غاية السواء، اي: السلامة النفسية مقابل المرض النفسي، كيف ذلك؟ ان الشاكر لله تعالى يعني: انه يثمّن ما يمنحه تعالى من النعمة، وليس يجحدها، وهذا على العكس ممّن يجحد نعمه تعالى، لأنّ الجحد هو: غيمومة للنبض الانساني بحيث يسلخ الشخصية من إنسانيتـّها مادامت لا تقدّر من يسبغ عليها النعم ولعلّ السمة السوية التي اشرنا اليها الآن تتضح بجلاء اكثر حينما نربط (ليس بين شكر العبد لله تعالى) فحسب، بل حتى شكره لمن يحسن اليه من البشر، ولذلك ورد في الحديث: أنّ من لا يشكر المخلوق لا يشكر الخالق، وهذا بدوره ينطوي على معطىً آخر من الزاوية النفسية والعبادية، كيف ذلك؟ ان المخلوق عندما يقدّم مساعدة لأخيه، انما ينطلق من دافع فطري هو: انسانيته التي ركبها تعالى في الشخصية، وهذا الحسّ الانساني يتصاعد عندما يشعر المحسن بأنّ الآخر ثمن مساعدته، طبيعياً: الشخصيات المصطفاة لا تنتظر شكراً من المخلوق تبعاً لقوله تعالى على لسان علي (عليه السَّلام) وفاطمة (عليها السَّلام) والحسنين (عليهما السَّلام): «إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا» ولكن بنحو عامّ فإنّ الشكر للآخر يفرز عطاءاته دون ادنى شك، على الأقل، فإنّ الشاكر يظلّ هو الفائز بهذا المعطى وليس المعطي، وذلك لأنّ الشكر - كما ذكرنا - هو تقدير وليس جحداً للنعمة، والتقدير للنعمة وحده له عطاؤه الكبير - كما اسلفنا- من حيث الصحة النفسية للشخص. اذن ادركنا بوضوح مدى أهمية الشكر لله تعالى من جانب، وحتى للمخلوق من جانب آخر، من حيث انعكاساته العبادية والنفسية، سائلين الله تعالى ان يوفقنا للسلوك المذكور، وان يوفقنا للطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "يا من ذكره شرف للذاكرين، ..." - 231 2010-04-04 00:00:00 2010-04-04 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6145 http://arabic.irib.ir/programs/item/6145 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء الجوشن الكبير، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الجديدة، حيث يبدأ على هذا النحو: (يا من ذكره شرف للذاكرين، يا من شكره نور للشاكرين، يا من حمده عز للحامدين، ...). ونبدأ نتحدث عن المظهر الاول أو العبارة الاولى: (يا من ذكره شرف للذاكرين). فماذا نستلهم منها؟ اولاً ما هو الذكر؟ الجواب: الذكر هو أن تستحضره تعالى في الاوقات جميعاً، وهو سلوك لا يوفـّق اليه الاّ الخاصّة من المؤمنين، ولكننا جميعاً لدينا القابلية على ذلك دون أن نوفـّق الى بلوغ الدرجة المطلوبة. والمهمّ ان نشير اولاً الى مستويات (الذكر)، فنقول: الذكر على انماط، الذكر اللفظيّ اي: العبارات التي نذكر بها الله تعالى مثل: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر) ومثل (لا إله الا الله الملك الحقّ المبين)، ومثل (أستغفر الله وأتوب إليه). ومن الطبيعي أنّ المثلة هذا الذكر ينبغي أن يتمّ عبر الوعي بما نذكره وليس مجرّد نشاط لساني. وأمّا النمط او المستوى الآخر من الذكر هو (الذكر القلبي)، اي: انك تستحضر عظمة الله تعالى ورحمته في قلبك بحيث تتذكر ذلك وتتفاعل مع ما تذكره في القلب تماماً كما لو تلفّظت بالذكر ووعيت ما تذكره كلّ ما في الأمر انّ الذكر القلبيّ هو كلام خفيّ مقابل الذكر اللّساني الذي هو كلام منطوق به. النمط الثالث من الذكر هو: ان يستحضر الذاكر ما ينبغي عليه من الممارسات التي اوجبها تعالى أو جعلها مندوبة، او يمتنع من الممارسات المحرمة والمكروهة، اي ان الذاكر هو: من يمارس الصلاة عندما يحين وقتها، فيتذكّر هذه الوظيفة ويقوم بها اوّل الوقت مثلاً، وكذلك ان يمتنع عن فعل المحرّم او المكروه عندما يواجهه مثير من ذلك: كالتعامل الجنسيّ غير المشروع، أو الغيبة او العدوان او أكل الحرام بمعنى انه يتذكر ما نهاه تعالى عنه من الفعل فيمتنع من ممارسته. طبيعياً، ثمّة مستويات متنوّعة من الذكر، بعضها يتمّ في وقت محدّد، بعضها يتمّ مطلق الوقت: بحسب درجة الشخصية العبادية ووعيها. بيد ان المطلوب في الحالات جميعاً ان يكون الذكر - كما المحنا - مقروناً بالوعي وليس مجرّد نشاط حركي كالصلاة غير المقترنة بالخشوع، او القراءة غير المقترنة بالموعظة والاعتبار. وفي ضوء هذه الحقائق نتـّجه الى عبارة (يا من ذكره شرف للذاكرين) ونتساءل: ماذا نستخلص منها؟ من البيّن ان (الشرف) هو: المجد او الفخر أو الدرجة العليا التي يطمح اليها الانسان في بلوغها، لذلك فان عنوان الشخصية أو سمة الشخصية العامّة تظلّ مرتبطة بمدى توفيقها لنيل الموقع الذي تطمح اليه. وبالنسبة الى الشخصية العبادية المرتبطة بالله تعالى، يظلّ ذكرها لله تعالى هو الموقع الذي تطمح الى بلوغه، اي كسب رضاه تعالى، وهل ثمّة شرف اعلى من ان تظفر الشخصية برضاه تعالى؟ انّ المعصومين (عليهم السَّلام) والانبياء والاصفياء والنخبة البشرية والملائكة لا يعنيها أيّ طموح غير ان تكسب رضاه تعالى، إنها لا تفتر عن العمل العبادي، فمثلاً في (الذكر) القلبي واللّساني والحركي والذهن، ولا تعرف احداً إلاّ الله تعالى وهذا هو منتهى العمل العبادي المطلوب، فيما خلق الله تعالى الجنّ والانس من أجله. ******* شرح فقرة: "يا من هو عزيز بلا ذل، ..." - 230 2010-03-31 00:00:00 2010-03-31 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6144 http://arabic.irib.ir/programs/item/6144 نواصل حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا من هو عزيز بلا ذل، يا من هو غني بلا فقر، يا من هو ملك بلا عزل). هذه الفقرات امتدادٌ لما سبقها من النصوص التي تضمّنها احد مقاطع الدعاء، حيث يذكر الصفة الإلهية وما يضادّها من المظاهر او ما ينفي عنها المقابل. تأكيداً لوحدانيّته تعالى. ولنبدأ مع فقرة (يا من هو عزيز بلا ذل). فماذا نستلهم منها؟ من الواضح ان علماء الكلام طالما يشيرون الى الصفات الكمالية وما يضادّها ممّا يطلق عليها: الصفات الجلالية، اي التي يجلّ عنها: تأكيداً لوحدانيته تعالى وفي ضوء هذه الحقيقة يستطيع قارىء الدعاء ان يستلهم اكثر من نكتة او دلالة في هذه الصفة او تلك، ففي ميدان العبارة القائلة: (يا من هو عزيز بلاذل) نستلهم اوّلاً انّ العزة الله تعالى وحده، بدليل ان (الذلّ) وهو المقابل للعزّ لا ينسحب الا على البشر وسائر المخلوقات، لذلك فإنّ عبارة (بلا ذلّ) تعني: كماله تعالى وتفرّده بالصفة من جانب، وما يترتـّب على هذه الصفة الكمالية او الجمالية من دلالات جمّة من حيث علاقتنا بالله تعالى واعتزازنا بعزّته التي ننتمي إليها من جانب آخر، لذلك ورد ان اولياء الله تعالى يتعزّزون بعزّته، وبذلك يرتفعون في درجاتهم أو إشباع طموحاتهم العبادية الى مالا نهاية له. بعد ذلك نواجه عبارة: (يا من هو غنيّ بلا فقر). فماذا نستلهم منها؟ طبيعياً الغنى هنا أعمّ من التصوّر المحدود لمفهوم الغنى، حيث ينصرف الذهن الى مطلق الغنى، بمعنى عدم الحاجة الى الآخر، سواء أكانت الحاجات مادّية أم معنوية والنكتة هنا تتمثـّل في العبارة النافية، أي عبارة (بلا فقر) حيث تعني: ان غناه تعالى متفـّرد بلا حدود لا يطرأ عليه فقر كطروئه بالنسبة للبشر والنكتة الأخرى بالاضافة الى سابقتها هي ان عبارة: (بلا فقر) تجعل ذهن قارئ الدعاء منصرفاً الى ان طموحات الداعي لا تتلكأ أو تتوقف عن الإستمرارية بقدر ما تظلّ واثقة خزائنه تعالى لا تفنى وان عطاءه غير المحدود لا ينقص من غناه: كما هو واضح. بعد ذلك نوجه عبارة (يا من هو ملك بلا عزل). هنا قبل ان نحدثك عن هذه الصفة نذكّرك بأنّ مقطع الدعاء قد ذكر عبارة سابقة: (يا من هو ربّ بلا وزير). اي ورد في المقطع مظهران من اسمائه تعالى هما: الربّ، والملك، وهناك اسماء اخرى مثل (إله) وان هذه الأسماء جميعاً تحوم على مفهوم الخالقية، اي: المبدع للمخلوقات، إلاّ ان صفة (المبدع) تنسحب على مظاهر متنوعة من المصطلحات التي ينبغي على قارىء الدعاء أن يعرفها مثل الفارق بين الملك وبين الربّ وبين الإله. فقد لاحظنا (في لقاء سابق) عبارة: (يا من هو ربّ بلا وزير) في حينه قلنا: ان الربّ هنا بمعنى التربية، بينما الملك في العبارة الحاليّة التي نحدثك عنها تكون بمعنى ان الناس يفزعون اليه لانه المبرّر لشؤونهم، بينما تعني عبارة (إله) المعبود وبهذا نتبيّن دلالة فقرة: (يا من هو ملك بلا عزل) وافتراق ذلك عن عبارة: (يا من هو ربّ بلا وزير)، فالمربّي هنا لايحتاج الى من يؤازره، بينما عبارة (ملك بلا عزل) تعني: انه تعالى لا يخضع لسلطة اعلى من حيث تدبيره لامور مخلوقاته، فمعنى (بلا عزل) هو: سلطته المطلقة وهيمنته المطلقة على المخلوقات: كما هو واضح. اخيراً يختتم مقطع الدعاء بعبارة (يا من هو موصوف بلا شبيه) وهذه العبارة الختامية هي تتويج للعبارات السابقة، فمادام الله تعالى: احداً بلا ضدّ، وفرداً بلا ندّ، وصمداً بلا عيب، ووتراً بلا كيف، وقاضياً بلا حيف، وربّا بلا وزير، وعزيزاً بلا ذلّ، وغنيّاً بلا فقر وملكاً بلا عزل فلابدّ ان يكون موصوفاً بغير شبيه، وهذا هو منتهى التعبير البلاغيّ الفائق. ******* شرح فقرة: "يا من هو قاض بلا حيف، ..." - 229 2010-03-30 00:00:00 2010-03-30 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6143 http://arabic.irib.ir/programs/item/6143 لا نزال نحدّثك عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الجديدة، حيث ورد فيه: (يا من هو قاض بلا حيف، يا من هو ربّ بلا وزير، يا من هو عزيز بلا ذلّ، ...) والآن فإنّ العبارات او المظاهر المتقدمة تظل امتداداً لما سبقها من الصياغة المتجانسة في اسلوبها، أي: ذكر الصفة او المظهر ثمّ نفي ما يضادّه، وهو أحد اساليب الصياغة الفنّية التي تتناول الظاهرة من خلال تأكيدها بهدف ترسيخ الدلالة والمهمّ الآن هو: ملاحظة هذه العبارات فيما نبدأ اوّلاً بالتعقيب على فقرة: (يا من هو قاض بلا حيف). فماذا نستلهم منها؟ القاضي او الحاكم وما يماثلهما تعني: إصدار الحكم حيال هذا الشيء او الشخصية، والمعروف في نطاق التجربة البشرية ان القضاء لم يكتسب طابعه الموضوعيّ: كما هو واضح، بمعنى: انه يتأثّر بما هو ذاتيّ او بما هو مخطىء او بما هو غير نزيه. فما دام السلوك البشري ينزع الى ابراز (الأنا) من جانب وإمكان صدور الحكم مقرناً بعدم العصمة من جانب آخر، حينئذ فإنّ الحيف او الظلم او الإجحاف بحقّ الشخصية أو الشىء يظلّ من الظواهر المعروفة في عالم القضاء. من هنا، فإنّ الظاهرة حينما ننقلها الى السماء، حينئذ فإنّ الله تعالى هو المكسب كمالاً لها، على العكس من البشر، لذلك فإنّ فقرة الدعاء القائلة: (يا من هو قاض بلا حيف) تعني: ان الاحكام الصادرة من الله تعالى هي احكام موضوعية لا ظلم فيها بل هي العدالة بذاتها ولذلك أيضاً وردت النصوص الشرعية المتنوعة بالإشارة الى انه تعالى (عادل) في احكامه الصادرة والنكتة هنا تفرض علينا ان نعقـّب على ظاهرة (العدالة) والتعامل الإلهي مع عباده. فماذا نستلهم؟ لعلّ القارىء لهذا الدعاء وسواه، يواجه فقرة بهذا المعنى وهو: (اللّهمّ عاملني برحمتك لا بعدلك) هو دعاء أو توسّل له دلالته الكبيرة، حيث تعني اوّلاً ان الله تعالى (عادل)، وتعني وهذا هو موضوع النكتة، أنّ الرحمة هي التي نتطلّع اليها وليس العدل الإلهي. لماذا؟ الجواب: ان الانسان بعامّة مقصّر مذنب ومخطىء، ولذلك يستحقّ العقاب بقدر تقصيره وذنبه، فإذا اراد الله تعالى ان يحاسبنا وفق العدالة فهذا يعني انّنا نعاقب سلبياً وهو ما يحملنا الى ان نتوسّل بالله تعالى بألا يحاسبنا بالعدل بل بالرحمة، لأنّ الرحمة هي اوسع من العدالة بالنسبة الى مانطمح اليه من الإشباع لحاجاتنا الاخروية والدنيوية. اذن عبارة (يا من هو قاض بلا حيف)، لا تعني ان الله تعالى هو عادل فحسب، بل تجعل اذهاننا متداعية الى (رحمته تعالى) وليس إلى (عدله)، لأنّ الرحمة تعني انه تعالى يتعامل مع عباده: بالشفقة والحنان والرأفة والإحسان والتجاوز والسماح والصفح والعفو. بعد ذلك نواجه عبارة (يا من هو ربّ بلا وزير). فماذا نستلهم منها؟ الجواب: الوزير هو المؤازر او المعين او الناصر، في نطاق التجربة البشرية انّ السيد أو الملك أو الرئيس للدولة أو إدارة ملكه، وقد طلب - على سبيل المثال- موسى (عليه السَّلام) من الله تعالى ان يجعل له وزيراً (وهو هارون) في مواجهته لفرعون، ممّا يعني: احتياج البشر إلى من يؤازر بعضهم البعض الآخر: كما هو واضح. بيد ان الدعاء وهو يستهدف عرض صفات الله تعالى وتعميق دلالاتها في اذهاننا يلفت نظرنا الى عظمة الله تعالى وتفرّده في الصفات جميعاً، ومنها: إدارته تعالى للكون حيث إنّ قدرته المطلقة، وعلمه المطلق، وإرادته المطلقة بلا حدود، وكماله المطلق بلا حدود لا يحتاج بطبيعة الحال الى أية مؤازرة، لأنه مستغن بنفسه: كما هو واضح. اذن امكننا ان نتبيّن دلالة ماتعنية عبارة: (يا من هو ربّ بلا وزير) مع ملاحظة ان الدعاء هنا قد استخدم عبارة (رب) وليس عبارة (ملك) للتدليل على ظاهرة التربية الإلهية لمخلوقاته، بصفة ان (الربّ) بمعنى (المربّي) ممّا يفصح عن احد مظاهر عظمته المتمثـّلة في مبادئه التي رسمها للبشر، وضرورة التزامنا بالعمل وفقها: كما هو بيّن. ******* شرح فقرة: "يا من هو احد بلا ضد، ..." - 228 2010-03-29 00:00:00 2010-03-29 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6142 http://arabic.irib.ir/programs/item/6142 نتابع حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن أحد مقاطعه الجديدة وهو: (يا من هو احد بلا ضد، يا من هو فرد بلا ند، يا من هو صمد بلا عيب، ...). هذا المقطع من الدعاء يتضمن فقرات منتظمة وفق مبنی هندسي يقوم علی اثبات المظهر ونفي المضاد او المخالف له مثل احديته تعالی ونفي الضد، وفرديته تعالی ونفي الند، والمهم الآن هو ملاحظة هذه المظاهر من عظمته تعالی، ونقف اولاً عند الاوليين من الفقرات، وهما: يا من هو احد بلا ضد، يا من هو فرد بلا ند. فماذا نستلهم منهما، وماذا يتضمنان من النكات الدلالية المتنوعة؟ ينطوي هذان المظهران علی جملة نكات ينبغي لفت النظر اليها، منها: الفارق بين (احد) و (فرد)، والفارق بين (ضد) و (ند)، ومنها: التقابل بين العبارتين نفسهما فضلاً عن مفرداتهما ومنها: النكات الكامنة وراء ذلك، ونقف عند العبارة الاولی نجدها علی هذا النحو، (يا من هو أحد)، ونتساءل: ما هو الفارق بين (احد) و (واحد)، حيث استخدم هنا مصطلح (احد) كما هو ملاحظ؟ الجواب: ان مصطلح (احد) يعني: ما لا يتجزأ ولا ينقسم، كما يعني: نفي الشريك في ذاته وصفاته، واما (الواحد) فيعني: نفي التركيب والاجزاء، كما يعني نفي المشركة في الصفات، بينما (احد) هو تفرد الذات. طبيعياً، ان قارئ الدعاء قد يلتبس عليه الامر، فيضطرب في تحديد ما هو مقصود في هذه الصفة وتلك، حيث ان الواحد والاحد والفرد تتشابه في دلالاتها، ولكننا نعتزم لفت النظر الی ما هو الواضح من ذلك فنقول: ان عبارة (يا من هو احد بلا ضد) تعني: انه تعالی لا شريك له في ذاته وصفاته، اما ذاته فلتفرده بها بحيث لا يمكن لأي من المخلوقات ان تدرك كنه ذلك البتة، ولذلك ورد النهي عن البحث عن هذا الموضوع واما الصفات فلوضوح عدم المشارك لله تعالی، فقدرته مثلاً أوعلمه مثلاً او ارادته لا يمكن تصور مشاركة لها لانها مطلقة لا حدود ذلك ومن البين ان ما هو مطلق لا حدود له لا وجود لذلك في عالم المخلوقات، بل يتفرد به تعالی: كما هو واضح. ونتقدم الی معنی (احد بلا ضد). فما هو المقصود من (الضد)؟ ان الضد هو مايقابله من الصفة، فأذا اخذناه في استخدامه اللغوي العادي: كالتقابل بين الليل والنهار، والابيض والاسود، حينئذ فان الدلالة المذكورة لا يمكن ان نتصورها في هذا الموقف، لانه تعالی يتفرد بصفته، لذلك فان الدلالة المقصودة هي عدم وجود المقابل لله تعالی، فيكون معنی مصطلح (الضد) هنا: مصطلح (المقابل) وبذلك يتم المعنی، اي: ان الله تعالی لا مقابل له بل هو المتفرد في وجوده. ونتجه الی العبارة الثانية وهي: (يا من هو فرد بلا ند) فماذا نستلهم منها؟ من الواضح ان (الفرد) كمصطلح يعني: ما يقابل الزوج، وبهذه الدلالة فان الله تعالی هو فرد لا يلحق به فرد آخر ليكون زوجاً، بل ينفرد بذلك ولا يمكن تصور وجود آخر يلتحق به واما عبارة (الند) فمعناها: (المثل)، وهذا يعني ان الله تعالی منفرد لا مثيل له. اذن امكننا ان نبين الفوارق بين الأحد، والضد، والفرد، والند من حيث الصفات الالهية التي يتناول المقطع: تفرده تعالی بها، وعدم امكانية تصور المقابل او المثل لها. ******* شرح فقرة: "يا مقيت، يا مغيث، يا معز، ..." - 227 2010-03-28 00:00:00 2010-03-28 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6141 http://arabic.irib.ir/programs/item/6141 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة، ومنها (دعاء الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن أحد مقاطعه الذي ينتهي بهذا النحو: (يا مقيت، يا مغيث، يا معز، يا مذل، يا مبدیء، يا معيد) ونحدثك الآن عن هذه الفقرات، وهي فقرات ثنائية متجانسة، اي: المبدئ يتقابل مع المعيد والمعز يتقابل مع المذل، واما المقيت فيتجانس أو يتوافق مع المغيث، وهي فقرات لها جماليتها ودلالتها العميقة. بالنسبة الی صفة (مقيت) تعني اعطاء القوت اي: ان الله تعالی يتكفل بايصال الرزق او القوت للانسان (وهو امر حدثناك عنه في لقاء سابق). اما الآن فيعنينا ان نحدثك عن (يا مغيث) ومجانستها مع (يا مقيت) ويمكننا ان نوضح ذلك من خلال ذهابنا الی القوت هو امر لامناص من توفره للانسان والا تعرض الی الموت، وهو امر يتلائم مع المهمة العبادية التي او كلها تعالی للانسان، حيث ان تجربة العبادة او الخلافة في الارض تتطلب استمرارية العمر، وهذا ما يتسق تماماً مع ضرورة تهيئة القوت حتی يمكن تحقيق المهمة المذكورة. بيد ان السؤال هو: ما هي علاقة (يا مغيث) مع عبارة (يا مقيت)؟ في تصورنا ان ممارسة الخلافة في الارض أو التجربة العبادية التي تنطق بها الآية المباركة: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ» كما انها تتطلب توفر (القوت) لاستمرارية العمر، كذلك (وان كان بدرجة اقل) تتطلب نمطا من التوازن الداخلي للشخصية ونقصه بالتوازن الداخلي (بحسب المصطلح النفسي) هو: ازاحة القلق او التمزق او الشدة غير القابلة للتحمل، حيث ان الممارسة العبادية لا يمكن ان تتحقق فاعليتها الا مع قدر من التوازن والا فان الحياة اساسا هي مكابدة للشدائد كما في قوله تعالی: «لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ». المهم ان الله تعالی عندما (يغيث) الانسان من الشدائد غير القابلة للتحمل، انما يهئ بذلك قابلية تتماثل مع أهمية القوت بالنسبة الی استمرارية العمر وامكانية توظيفه للعمل العبادي. بعد ذلك نواجه عبارة (يا معز) او (يا مذل) وهما عبارتان متضادان، اي ان العز يضاد الذل، فماذا نستلهم منهما؟ ان هاتين العبارتين مقتبستان من القرآن الكريم اي: هي مانطلق عليه (التناص) بحسب المصطلح الحديث المعاصر لهذا النمط من الاستخدام اللغوي. ان النصوص القرآنية الكريمة طالما تشير الی ان الله تعالی يعز من يشاء ويذل من يشاء. فما هو السر الكامن وراء ذلك؟ تشير النصوص المفسرة الی ان المقصود من ذلك ان الله تعالی يعز المؤمن مثلاً ويذل الكافر، سواءاً كان ذلك في الدنيا او في الاخرة: علی شتی المستويات التي يتعامل فيها الله تعالی مع أوليائه ومع اعدائه. ونتجه الی الفقرة الاخيرة من المقطع وهي: (يا مبدئ، يا معيد) فنجدها تتناول ظاهرة الخلق من حيث الابتداء والاماتة والاحياء، بصفة انه تعالی يبدئ الخلق، في غمرة ممارستهم العبادية، ثم يميتهم، ثم يعيدهم، والمهم هو: ان نستلهم من العبارتين المتقدمتين: مدی عظمته تعالی من جانب، ومدی ما ينبغي علينا ان نستثمره من العظات بالنسبة الی وظيفتنا العبادية وضرورة استثمار ذلك في ميدان الطاعة وتلافي ما بقي من العمر بالتوبة، واستثماره بما هو في صالحنا بما ينتظرنا من اليوم الآخر. ******* شرح فقرة: "يا حفيظ، يا محيط، يا مقيت، ..." - 226 2010-03-27 00:00:00 2010-03-27 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6140 http://arabic.irib.ir/programs/item/6140 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا حفيظ، يا محيط، يا مقيت،...)، والآن نتحدث عن الاول منها وهو: احد اًسمائه تعالی الحفيظ. فمذا نستلهم؟ بشير المعينون بهذا الشأن الی ان صفة (الحفيظ) تنسحب علی جملة ظواهر، منها: انه تعالی حافظ السماوات والارض وما بينهما، ومنها: انه تعالی حافظ للانسان من المكاره، ومنها: انه تعالی يزن الاشياء وبمقاديرها، اي: من حيث الحفظ او المقدار الذي يحقق حفظها من اي خلل مثلاً، وهذا فيما يرتبط بكلمة (الحفيظ). ولكن ماذا بالنسبة الی صفة (المحيط)؟ يقول احد النصوص المعني بشرح الأسماء الحسنی ان (المحيط) يعني: انه تعالی (هو المستولي والمتمكن من الأشياء، الواسع لها علماً وقدرةً، فهو محيط اي مسئول علی جميع الأشياء علماً فلا يغرب عنه مثقال ذرةٍ في السماوات ولا في الارض، ...). يبقی ان نحدثك عن الصفة الثالثة وهي: (المقيت) ونتساءل من جديد: ما المقصود منها؟ الشروح تشير الی ان (المقيت) يعني الذي يعطي القوت، وايضاً بمعنی: الحافظ الرقيب. ان قارئ الدعاء من الممكن ان يقرأ هذه العبارات دون ان يربط بين الوشائج التي تحكمها، مع ان ملاحظة هذه الوشائج من الأهمية بمكان: مادام قارئ الدعاء معنياً بان يعني ما يقرأ. ان اسماء الله الحسنی يحمل كل واحد منها دلالة او دلالات يتداعي الذهن خلالها الی توليد دلالات جديدة فمثلاً: الصفة الثالثة القائلة بان (المقيت) هو: من يعظي القوت، هذه الصفة ليست من الدلالات العابرة بقدرما نتطلب تأملاً دقيقاً وتداعياً الی مصاديق متنوعة من رحمته تعالی: ان القوت هو المادة التي تقوم عليها حياة الانسان، فاذا فقدها فقد حياته. اذن ما اشدّ رحمته تعالی عندما نستخصر في اذهاننا انه تعالی هو صاحب القوت بل صاحب استمرارية حياتنا. وعن الحقائق التي يتعين استخصارها في الذهن ان القوت اذا اضطرب او تعسر تحققه فان البناء النفسي للشخصية ينهار وتتحول الشخصية الی شخصية عصابية مريضة متوترة متمزقة منشطرة داخلياً. اذن للمرة الجديدة، ان صفة (المقيت) هي: تجسيد لرحمته تعالی في أحد مصاديقها: كاوضحنا. والآن ماذا بالنسبة الی صفتي (الحفيظ) و (المحيط)، ايضاً: ان صفة (الحفيظ) في احد مصاديقها المرتبطة بحفظ الانسان، تظل بدورها تجسيداً لاحد مصاديق الرحمة، انه تعالی حفظ الانسان من المكروه دون ان يشعر احدنا بذلك، ان الشخص معرّض للكارثة في اية لحظة من حياته، ولكن الله تعالی هو الحفيظ لهذا الشخص، والّا فيسحترق ويتوتر ويصبح عصابياً في حالة ما اذا بقی اسير الكارثة والمكروه. والامر نفسه بالنسبة الی مظهر (المحيط)، قد يخيّل القارئ الدعاء ان (المحيط) هو خاص بعلم الله تعالی دون انعكاساته علی الانسان، ولكن هذا التصور مخطئ دون اي ريب، ان الله تعالی مسئول علی الوجود وعلی ما فيه من مصادر الاشباع لحاجاتنا، انه تعالی هو المهيئ لها، والموزّع لها، والمقدّر لها، فتكون النتيجة هي ان هذه الصفة بدورها احد مصاديق الرحمة من الله تعالی. ******* شرح فقرة: "يا من يحب المحسنين، ..." - 225 2010-03-17 00:00:00 2010-03-17 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6139 http://arabic.irib.ir/programs/item/6139 نوصل حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير) حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن أحد مقاطعه الذي ختم بما يأتي: (يا من يحب المحسنين، يا من هو أعلم بالمهتدين)، ونقف عند العبارة الاولی وهي: (يا من يحب المحسنين). فماذا نستلهم منها؟ المحسن هو: كل شخصية تمارس طاعة، سواء اكانت الطاعة سلوكاً اقتصادياً: كالانفاق، أو سلوكاً شعائرياً، كالصلاة ونحوها، او سلوكاً اجتماعياً: كالتعاون والتواصل. ومما ينبغي لفت النظر اليه، ان هذه العبارة جاءت بعد عبارة حدثنلك عنها في لقاء سابق، وهي: (يا من يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) وعبارة (يا من يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)، حيث قلنا ان التائب من الذنب يتطهر، وحيث نقول الآن: ان المتطهر: يحسن في سلوكه في شتی الميادين التي اشرنا اليها ولعل النص القرآني الكريم الذي يخلع صفة (المحسن) علی أنبيائه يفصح بوضوح عن العبارة المذكورة وهذا من نحو تعقيبه علی الأنبياء الآتية اسمائهم بعبارة «وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» حيث خلعها علی نوح وإبراهيم وموسی وهارون والياسين (عليهم السلام). اخيراً نجد ان المقطع الذي حدثناك عنه، حيث يصدر كل فقرة منه بعبارة (يا من يُحِبُّ) نجده يختم الفقرة الاخيرة بعبارة استثنائية هي: (يا من هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). والسؤال الآن هو: لماذا ختم هذا المقطع بعبارة مستقلة استثنائية، حيث خلع المقطع صفة (الاعلم)، بينما خلع صفة (الحب) علی الفقرات الاخری من المقطع؟ في تصورنا، ان كلا من السمات الاخلاقية التي ربطها المقطع بمحبة الله تعالی اياها بالنسبة الی عباده. مثل: التوبة، الصبر التطهير، الاحسان: هذه السمات الاخلاقية من الممكن ان ينتحلها من لا تتوفر فيه باطناً، الا انها في الظاهر قد تنسحب علی من لا تتوفر فيه الهداية التي ينشدها تعالی لعباده الصالحين. لذلك، فان التزكية تظل لله تعالی وحده بصفته هو أعلم بباطن الامور. من هنا وردت النصوص الشرعية الناهية عن تزكية الأشخاص المطلقة لهذه الشخصية اوتلك، وحصرت التزكية بالله تعالی من حيث اشارتها الی ان الله تعالی هو المزكي للانفس: كما هو واضح. والآن نتجه الی مقطع جديد من دعاء (الجوشن الكبير) حيث يبدأ علی النحو الآتي: (اللهم اني أسالك باسمك يا شفيق، يا رفيق، ...)، هنا يتحتم علينا ان نحدثك عن العبارات المتجانسة في دلالتها مثل هاتين الصفتين من رحمته تعالی وهما: الشفيق والرفيق، حيث ان كلتيهما تعني: مصاديق من الرحمة الی جانب مصاديق اخری مثل: يا رؤؤف، يا عطوف، يا حنان، يا منان، يا لطيف، يا حليم. اذن لنتحدث عن الفارق بين صفتي (الشفيق) و (الرفيق). فماذا نستلهم منهما؟ ان الشفقة ترتبط بالحنو والعطف، بينما الرفق يرتبط بالنفع والاعانة، وهذا ما تقرره النصوص اللغوية، بيد ان ما نعتزم توضيحه هو: بما ان الله تعالی رحيم مطلقا حيث لا حدود لرحمته، فان الانماط المتنوعة من الرحمة تظل هي: ما يفيضه تعالی علی عباده، ان العبد نجده في موقف ما بحاجة الی من ينفعه ويعينه، وفي موقف آخر بحاجة الی من يحنو ويعطف عليه، فالشدة المادية مثلاً تحتاج الی الاعانة، بينما الشدة النفسية تحتاج الی العطف، وهكذا. اذن تبين لنا - ولو عابراً - الفارق بين الشفقة والرفق، سائلين الله تعالی ان يرفق بنا ويشفق علينا، وان يوفقنا الی الطاعة، والتصاعد بها الی النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "يا من يحب الصابرين، ..." - 224 2010-03-15 00:00:00 2010-03-15 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6138 http://arabic.irib.ir/programs/item/6138 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن أحد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا من يُحِبُّ الصَّابِرِينَ، يا من يُحِبُّ التَّوَّابِينَ، يا من يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، ...). ان هذه العبارات وما شابهها وما يلحقها تظل خاضعة لمحور هو عبارة (يا من يحب) حيث يطرح المقطع جملة من انماط السلوك المرتبط بما يحبه الله تعالی، ومنه (يا من يُحِبُّ الصَّابِرِينَ). اذن لنقف عند هذه العبارة اولاً من البين، ان السلوك البشري قائم علی الصراع بين الخير والشر، بين ما يطالبنا به الله تعالی من الممارسات الايجابية، وبين ما يوسوس به الشيطان لاغواء الشخصية وحملها علی الممارسة السلبية وبين ايضاً، ان الممارسات السلبية تقترن باغراءات تتطلب من الشخصية الواعية والسليمة (تأجيلاً) لشهواتها، وهذا التأجيل للشهوات يتمثل في عملية (الصبر) حيالها، اي: الصبر علی الشدة، وهو مبدأ قد اقرته الاتجاهات المنعزلة عن الله تعالی ايضاً، حيث لامناص من تأجيل الشهوات لمطلق الاشخاص فيما لا يمكن البتة بان تحقق السخصية اشباعاًَ لجميع حاجاتها المشروعة وغير المشروعة والمهم هو: بصفتنا أسلاميين يتعين علينا الصبر حيال الشدائد في ضوء مارسمه الاسلام من المبادئ المرتبطة بهذا الجانب، من هنا فان العبارة القائلة: (يا من يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) تعني ان الله تعالی يحب الشخصية الصابرة، المؤجلة لشهواتها، المتحملة لشدائد الحياة، حتی يثيبها في الأخرة، وحتی في الحياة الدنيا، بصفة ان مع العسر يسراً: كما هو واضح. بعد ذلك تواجهنا عبارة (يا من يُحِبُّ التَّوَّابِينَ)، فماذا نستلهم منها؟ من البين ايضاً، ان التوبة هي ندم علی ماصدر من الانسان من المعصية اي: الانصياع للشهوات الممنوع اشباعها مادامت غير مشروعة وهوامر يتصل بما سبق ان اوضحناه الآن من ان تأجيل الشهوات المتمثل في الصبر قد لايوفق اليه الانسان: فيمارس المعصية، ولكن بما ان الانسان في الآن ذاته له قابلية ومرونة علی تلافي ما يصدر عنه من المعصية: حينئذ فان التوبة هي خياره الذي رسمه الله تعالی حتی يقلع عن الذنب، وعندئذ فا الرحمة من الله تعالی - وهي رحمة لا تصور لحدودها - سوف تلحقه، ومن ثم يصبح التائب من الذنب وكأنه لاذنب له. وهنا يحسن بنا ان نحلل ظاهرة الندم علی المعصية ومعطياتها التي تفسر لنا سببية قبول التوبة وانعكاساتها علی الشخصية. من الحقائق الواضحة في ميدان السلوك، ان الشخصية تمتلك جهازا قيميا فيها لقوله تعالی «فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا» مضافاً الی ان هذا الجهاز اساساً ينزع الی الخير، تبعاً لقوله تعالی «حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ»، اذن الشخصية تبعاً لهذه الآية المباركة تنزع الی الخير، وتكره الشر، وهذا ما يجعلها - في لحظة ضعفها الذي جرها الی الشر - تسارع الی عمل الخير فيما بعد، وتندم علی ما صدر منها من الشر، وعندها: تتطهر الشخصية من الذنب، وتتوب الی الله تعالی لذلك نجد ان العبارة التي تعقب عبارة (يا من يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) هي: (يا من يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)s، بصفة ان التائب هو يتطهر من الذنب، وهذا احد أسرار البلاغة التعبيرية في الادعية، حيث تترابط العبارات عضوياً، بالنحو الذي اوضحناه. ******* شرح فقرة: "يا رب العالمين، ..." - 223 2010-03-14 00:00:00 2010-03-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6137 http://arabic.irib.ir/programs/item/6137 نتابع حديثنا عن الأدعية المباركة ومنها دعاء الجوشن الكبير، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الجديدة، حيث بدأ بهذا النحو: (يا رَبِّ الْعَالَمِينَ، يا مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، يا غاية الطالبين، ...). ونبدأ بالحديث عن العبارة الاولی من المقطع وهي: (يا رَبِّ الْعَالَمِينَ). فماذا نستلهم منها؟ لا اعتقد ان احداً منا يجهل دلالة مصطلح (رَبِّ الْعَالَمِينَ) بمعنی رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وما بينهما، وهذا ما يتسبب علی المخلوقات جميعاً من انس وجن، بمافي ذلك المخلوقات جميعاً من انس وجن، بمافي ذلك المخلوقات المادية أو الكون وما ينتظمه من الموجودات. واما عبارة (يا مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) فنحتاج الی توضيح سريع. فماذا نستخلص منها؟ سبقتها من عبارتي رَبِّ الْعَالَمِينَ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ؟ ان عبارة (يا غاية الطالبين) تعني: ان الله تعالی هو المحقق لإشباع حاجات الطالبين، فاذا كان الطالبون يقرون بالحمد وبالثناء والشكر لله تعالی، من خلال عبارة (يا رَبِّ الْعَالَمِينَ)، ومن ثم ينتظرون من المالك ليوم الدين أن يتفضّل عليهم بإحسانه وبرحمته وبغفرانه، حينئذ فان املهم بالله تعالی هو الغاية لهؤلاء الطالبين لمغفرته ورحمته تعالی. وهذا الاستخلاص يتناسب وما نلحظه ايضاً من العبارات اللاحقة، وهي: (يا ظهر اللاجين، يا مدرك الهاربين). كيف ذلك؟ نحن الآن اولاً امام عبارة بلاغية هي (يا ظهر اللاجين)، حيث تعني ان الله تعالی يسند ويدعم ويساعد من يلجأ إليه في المهمات، وهذه الاستعارة تعني: ان ما سبقها من معنی (يا غاية الطالبين)، ان الطالبين انما يلجأون الی الله تعالی. تشير النصوص المفسرة عن المعصوم (عليه السلام) وآخرين بان «يَوْمِ الدِّينِ» هو يوم الجزاء او يوم الحساب، اي: اليوم الآخر، ويبقی السؤال عن النكتة الكامنة وراء مصطلح «الدِّينِ» لليوم الآخر، فما هي؟ في تصورنا بما ان «الدِّينِ» هو مجموعة المبادئ التي رسمها الله تعالی، وطلب منا ان نعمل بها، حينئذ فان التجربة الخلافية في الارض تفضي الی نجاح الشخصية أو فشلها في الالتزام بمبادئ الله تعالی، لذلك فان النجاح او الفشل هو ما يترتب علی المحاسبة في اليوم الآخر من حيث المصائر التي ينتهي البشر وسواه اليها، وبهذا يكون «يَوْمِ الدِّينِ» هو: اليوم الذي تتحدد فيه المصائر المترتبة لكي كلما التعامل مع «الدِّينِ». بعد ذلك نواجه عبارة (يا غاية الطالبين)، فماذا نستخلص منها؟ قبل الاجابة عن السؤال المتقدم نتساءل أولاً عن صلة هذه العبارة (يا غاية الطالبين) لاشباع حاجاتهم، مما يعني من جديد ان الله تعالی سوف يساعد هؤلاء اللاجئين ويكون سنداً لهم في حمايتهم من الشدائد. ايضاً، لا نفعل عن العبارة الاخری وهي: (يا مدرك الهاربين) من حيث علاقتها بما سبقها من التوسّل. كيف ذلك؟ ان العبارة القائلة: (يا ظهر اللاجين)، تتداعي بذهن قارئ الدعاء الی ان هذا اللاجئ انما يقوم برحلة الی ساحة الله تعالی، اي: انه يهرب من الشدائد التي تقلقه، وحينئذ يتجه الی الله تعالی، ويتوقع ان يدركه الله تعالی برحمته، وهذا ما عبرت المقولة المشار اليها عن اي عبارة (يا مدرك الهاربين) اي: ان الله تعالی سيكون في عون الهارب اليه. ******* شرح فقرة: "يا من له قضاء لا يرد، ..." - 222 2010-03-13 00:00:00 2010-03-13 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6136 http://arabic.irib.ir/programs/item/6136 نواصل حديثنا عن الأدعية المباركة، منها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن أحد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا من له قضاء لا يرد، يا من له صفات لا تبدل، يا من له نعوت لا تغير، ...). والآن نقف عند عبارة (يا من له قضاء لا يرد). فماذا نستلهم منه؟ من الواضح، ان لكلمة (القضاء) أكثر من دلالة، الا ان الدلالة الابرز وضوحاً هي: ما يقضي به الله تعالی من الامور: اتساقاً مع عبارة «إِذَا أَرَادَ الله تعالی لشيء أَنْ يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ»، اي: لا يتخلف عن ارادته شيء وهذا من الوضوح بمكان، بيد ان ما نستهدف الاشارة اليه هو عبارة (يا من له قضاء لا يرد) هو: اتساق هذه العبارة مع سابقاتها ولاحقاتها من حيث عدم ما يضاد ارادته تعالی أو عدم نهاية ذلك مثل (يا من له ملك لا يزول)، (نور لايطفأ)، وصفات لا تبدل، نعم لا تعد، والمهم ايضا ان قارئ الدعاء سوف يتداعي بذهنه الی ان عبارة (يا من له قضاء لايرد) هو: ان ما يحكم به تعالی لاراد له البتة. لكن يجدر بنا قبل ان نغادر عبارة (يا من له قضاء لا يرد) والذهاب الی ان ما يحكم به أو يقض لاراد له، ان نشير الی ان القضاء - من حيث دلالته المتقدمة - ينسحب علی حالتين، احداهما: ما ورد من النصوص الشرعية من ان الدعاء يرد القضاء والاخری: ان الله تعالی اذا أمضی ذلك فلا يتبدل القضاء، وهذان الموضوعان يحملان أهمية كبيرة اذا اخذنا بنظر الاعتبار ان الحكمة الالهية تقتضي ان تتسم الظواهر و(الثبات)، وان يقترن البعض منها بالتبدل بحسب متطلبات الحكمة الالهية وهذا ما أوضحناه بالنسبة الی الدعاء: كما هو واضح. بعد ذلك تواجهنا عبارة (يا من له صفات لا تبدل) وعبارة (يا من له نعوت لا تغير) وبهاتين العبارتين يختم المقطع. اذن لنقف عندها، ونستخلص دلالتها قبل ان نعرض لهاتين العبارتين، ينبغي ان نشير الی ورود كلمتين تبدوان وكأنهما مترادفتان، وهما: (النعوت) و(الصفات) في عبارة (يا من له صفات لا تغير) وعبارة (يا من له نعوت لا تغير) حيث يزعم بعض اللغويين ان (النعت) و (الصفة) مترادفان ولكن الامر ليس كذلك، مادمنا قد اوضحنا في لقاءات سابقة ان النص الشرعي هو نص معصوم من الخطأ، ومن المحال ان يستخدم الدعاء كلمتين مترادفتين لان ذلك من العبث اللفظي وهذا ما لا يمكن صدور النص الشرعي عنه والأمر كذلك بالنسبة الی كلمتين هما (تغير)، (وتبدل) حيث ان التغيير والتبديل يتفاوتان من حيث الدلالة: خلافا لما يزعمه بعض اللغويين. اذن لنتحدث عن الفوارق المشار اليها اولاً: يقول الإمام السجاد (عليه السلام): يا من عجزت عن نعته اوصاف الواصفين وفي ضوء هذه المقولة يمكننا الذهاب الی ان (النعت) هو (السمة) او (العلامة)، واما (الصفة) فهي: ما يوصف به الموضوع، لذلك نستخدم مصطلح (المظهر) لعظمة الله تعالی، حتی لا يختلط علينا الموضوعان، فنقول: مظاهر عظمة الله تعالی تتجلی حينا من خلال ما نقدمه من الوصف لها فينسحب عليها مصطلح (الصفة)، وحينا من خلال السمة الموصوفة ذاتها: لذلك جاءت العبارة (يا من له صفات لا تبدل) بمعنی: لا تبديل لكلماته، وجاءت عبارة (يا من له نعوت لا تغير) بمعنی لا تغير من حال الی آخر في مظاهر عظمته المرتبطة بالعلم وبالقدرة وبالارادة. اذن من خلال عدم (التبدل) وعدم (التغير) امكننا ان نثبت الفارق بين صفاته تعالی ونعوته تعالی بالنحو الذي اوضحناه. ******* شرح فقرة: "يا من له ثناء لا يحصی، ..." - 221 2010-03-09 00:00:00 2010-03-09 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6135 http://arabic.irib.ir/programs/item/6135 لا نزال نحدثك عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن مقاطعه الذي ورد فيه: (يا من له ثناء لا يحصی، يا من له جلال لا يكيف، يا من له كمال لا يدرك، ...). والآن نبدأ حديثنا بملاحظة العبارة الاولی وهي: (يا من له ثناء لا يحصی)، فماذا نستلهم منها؟ الثناء هو المدح: فاذا نقلنا الظاهرة الی الله تعالی حينئذ نستخلص بان الثناء لله تعالی لايحصی، بمعنی اننا مهما حاولنا او بذلنا طاقة لساننا فمن المستحيل ان نتمكن من اعطاء الله تعالی حقه من الثناء، والسر واضح في ذلك، فمادام الله تعالی موجوداً مطلقاً حينئذ لا حدود للمطلق، فكيف نستطيع ان نخضع للاحصاء لساننا إزاءه تعالی؟ وهذا يتداعي بأذهاننا الی ظاهرة متجانسة هي: ان الله تعالی ذكر في كتابه الكريم باننا لا نستطيع ان نحصي نعم الله تعالی، حيث ذكر «وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا»، فالنعم مادامت لا تحصی: كذلك فان الشكر عليها أو المدح لها لا يحصی وهذا من الوضوح بمكان. بعد ذلك نواجه عبارة (يا من له جلال لا يكيف). فماذا نستلهم منها؟ الجلال هو العظمة، والعظمة بدورها لا حدود لتصورها بالنسبة الی الله تعالی، بيد ان الملاحظ هنا، ان العبارة لم ترسم عظمته تعالی من خلال عدم الاحصاء بل رسمها من خلال (الكيف)، اي: عندما تحدث النص عن الثناء لله تعالی اخظعه لعدم الاحصاء اي (الكم) ولكن عندما تحدث عن (الجلال) اخضعه لعدم (الكيف). فما هو السر الكامن وراء ذلك؟ في تصورنا ان العظمة او الجلال ليست خاضعة لامكانية الاحصاء بقدر خضوعها لكيفية ذلك، بمعنی ان تصورنا لما هو عظيم يرتبط بكيفية العظمة وتصور ماهيتها وليس تصور الاعداد الارقام لها: كما هو واضح، من هنا ذكر النص باننا لا يمكننا البتة ان نخضع عظمته تعالی (الكيف) مادامت العظمة لا حدود لتصورها من جانب وقصورنا - بطبيعة الحال - عن ادراك ذلك بطريق اولی. بعد ذلك نواجه عبارة (يا من له كمال لا يدرك). فماذا نستلهم منها؟ الكمال هو لله تعالی بمعنی عدم تصور النقص او السلب، فما دمنا من جانب لا يمكننا بان نحصي الثناء لله تعالی، ومن جانب آخر لا يمكننا ان نتصور كيفية الجلال او العظمة لله تعالی حينئذ فان (الكمال) لله تعالی، يظل بدوره غير ممكن: تصوره البتة، بمعنی اننا لا نستطيع ان ندرك مدی عظمته تعالی من خلال (الكمال) الذي يتسم به تعالی، بخاصة ان القاصر أو الناقص (وهو البشر) لا يمكن تصور امكانية ادراكه لما هو (كامل)، وهكذا نجد تجانسا بين عدم الادراك مما هو كامل، وعدم الكيفية لما هو عظيم، وعدم الاحصاء لما هو ثناء لله تعالی، وكذلك فيما نلاحظه من السمات او مظاهر عظمته تعالی في هذا المقطع الذي استشهدنا بجملة من عباراته، ونستشهد بما تبقی من المقطع مثل: (يا من له قضاء لا يرد، يا من له صفات لا تبدل، يا من له نعوت لا تغير). ******* شرح فقرة: "يا من له نور لا يطفأ، ..." - 220 2010-03-08 00:00:00 2010-03-08 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6134 http://arabic.irib.ir/programs/item/6134 نتابع حديثنا عن الأدعية المباركة ومنها: دعاء الجوشن الكبير، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا من له نور لا يطفأ، يا من له نعم لا تعد، يا من له ملك لا يزول، ...). هذه العبارات تتحدث عن الصفة وعدم النهاية لها، كالنور، والنعم، والملك، ونتحدث الآن عن كلّ من المظاهر المتقدمة، واولها مظهر (يا من له نور لا يطفأ). فماذا نستخلص من ذلك؟ ان عبارة (يا من له نور لا يطفأ) مستقاة من القرآن الكريم في ذهابه الی ان الله تعالی هو: نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، والنور هنا رمز يتسع لدلالات متنوعة، بعضها ورد لها تفسير، والبعض الآخر يستطيع كل قارئ بأن يستخلص هذه الدلالة او تلك الا ان الدلالة العامة التي تجسد مفهوم (الخير) تظل هي الابرز في الاستخلاص ان الاسلام والايمان والطاعة ومئات المصاديق من السلوك والقيم الإيجابية تظل مرشحة من عبارة او رمز (النور) مما لا حاجة الی التعقيب علی ذلك مادمنا نعرف تماماً بان الله تعالی هو خير محض: كما هو واضح. والمهم هو ان هذا النور لا سبيل الی انطفائه، انه استمرار لعظمة الله تعالی التي لا حدود لها، ولذلك فان التعقيب علی هذه الصفة وردت من خلال عبارة (لا يطفأ)، اي: النور وهذا ما يتسق مع مفهوم النور الذي يعني ان استمرارية هو عدم تصور حصول الانطفاء لـه. بعد ذلك تواجهنا عباره (يا من له نعم لا تعد)، هذه الصفة لا تحتاج بدورها الی ايضاح، انها كذلك اقتباس او تناص من القرآن الكريم، حيث ورد بان نعم الله تعالی لا تحصی تبعاً لقوله تعالی. «وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا» والحق، ان النعم وهي: المصاديق المتنوعة للرحمة الإلهية، لا سبيل الی احصائها مادام النور - وهو مصدر الخير الذي تفرع منه مصاديق الرحمة بلا حدود. ان كل ما في الارض (الجود) والبحر يظل حافلاً بالنعم فيما لا ينتبه الانسان عليها، ولعل الايمان بالله تعالی وما يواكبه من الحياة الابدية الخالدة التي تحفل بما لا عين رأت ولا إذن سمعت يظل من ابرز النعم: كما هو واضح. بعد ذلك نواجه عبارة (يا من له ملك لا يزول). تری ما المقصود من الملك؟ لا نحتاج الی تأمل حتی ندرك سريعاً السماوات والارض هو ملكه تعالی، تبعاً لقوله تعالی: «لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ». و قد يتساءل قارئ الدعاء عن النكتة الكامنة وراء الاشارات الی ان الله تعالی له ملك السماوات والارض ونجيبه قائلين: ان هذا الموضوع يحفل بنكات كثيرة، منها: ان العبد لا ملك له البتة، وانما الملك لله تعالی وحدة، وهو أمر يعكس اثره علی سلوك الانسان من حيث حمله علی عدم الحرص أو الابتزاز او الغصب او السرقة او أكل الاموال بالباطل، حيث يقتنع العبد بان ما يملكه هو في الواقع عارية وليس مالكاً. يضاف الی ذلك الی ان الملك يتداعي بذهن الانسان الی ان الله تعالی مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، اي: الآخرة، وهل الّا الاخرة هي الحياة الحقة؟ ان الآخرة هي المقر الابدي للانسان، وهي موقع رضاه تعالی عن عبده، وحينئذ اذا عرف العبد ان الآخرة بما فيها من نعم روحيهو رضاه تعالی ونعم مادي هو الجنة: حينئذ فان المالك لهذه الحياة الأبدية لحریّ بان يعبد ويطاع ويشكر. ******* شرح فقرة: "يا من له ذكر لا ينسی، ..." - 219 2010-03-06 00:00:00 2010-03-06 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6133 http://arabic.irib.ir/programs/item/6133 لا نزال نحدثك عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن أحد مقاطعة الجديدة، حيث بدأ بهذا النحو: (يا من له ذكر لا ينسی، يا من له نور لا يطفأ، يا من له نعم لا تعد ...). هذا المقطع الجديد من الدعاء يتناول مجموعة جديدة من مظاهر عظمته تعالی، يبدأ بعبارة (يا من له ذكر لا ينسی). تری ماذا نستلهم من هذه العبارة المشحونة بدلالات متنوعة؟ الذكر هو مقابل النسيان، ولكن المقصود هنا من مصطلح (الذكر) هل هو دلالته اللغوية ام يتجاوزه الی ما هو عبادي ومعرفي وهنا لا مناص لنا من تذكيرك بان الهدف من إبداعه تعالی للانس والجن هو: العمل العبادي: تبعاً لقوله تعالی «مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ». والعبادة هنا تعني: كل ما أمر الله تعالی به من الاحكام والعقائد والاخلاق بل كل ما يسلكه الانسان من ممارسة فكرية او نفسية او لفظية أوعملية، انه يشمل السلوك باكمله وهذا هو معنی (العمل العبادي)، ولكن السؤال هو: ماذا تعني كلمة الذكر في عبارة: (يا من له ذكر لا ينسی). هل (الذكر) هو الممارسة اللفظية كما لو قرأت الدعاء مثلاً؟ او هو مطلق الممارسة اللفظية والذهنية والعملية؟ الظاهر ان (الذكر) هنا يشمل الدلالة الاخيرة بمعنی ان الانسان (يذكر) الله من خلال الصلاة أو الجهاد أوالحج أو الانفاق أو القراءة أو الكتابة او المشي أو الاكل أو النوم. هذا هو ماتوحيه كلمة (الذكر) ولكن السؤال الجديد هو: ما المقصود بعدم النسيان من عبارة (ذكر لا ينسی)؟ ان الانسان يستحضر عظمة الله تعالی مثلاً عندما يمارس الصلاة ويستحضر ثواب الله عند الانفاق، ويستحضر رحمة الله تعالی عند دعائه بالشفاء من مرض او السعة في الرزق ولكن هل هذا هو المقصود من عبارة (ذكر لا ينسی)؟ ان الانسان ينسی دون ادنی شك، وهذا هو غالبية الناس، فكيف نوفق بين عبارة (لا ينسی) وبين نسيان الانسان الا عندما يمارس صلاته أو انفاقه؟ في تصورنا ان للكلمة المذكورة أكثر من دلالة منها: ان العارفين - بعد المعصومين عليهم السلام والانبياء - لا ينسون الله لحظة، وكذلك الملائكة حيث ورد انهم لا يفترون عن الذكر اي لا يتوقفون لحظة ولكن هؤلاء المصطفين من المعصومين والانبياء والصالحين والملائكة: يشكلون قسما من المخلوقات وهم وحدهم يستحضرون ذكر الله تعالی، وهذا يعني: ان قسما من المخلوقات ينطبق عليهم مفهوم (يا من له ذكر لا ينسی) اي: لا ينساه هؤلاء بل يذكرونه في لحظات عمرهم دون توقف ولكن السؤال من جديد: هل هناك دلالة اخری في عبارة (يا من له ذكر لا ينسی)؟ في تصورنا ان دلالة اخری يمكننا ان نستخلصها من عبارة (يا من له ذكر لا ينسی) هي: ان الله حاضر، له فاعليته في الوجود لا يمكن للحظة ان يخلو الوجود من الفاعلية المذكورة، وهي (الذكر) الذي لا ينسی اي: لا يمكن تجاهله لانه حقيقة لامناص من التسليم بها: بغض النظر عن الانسان العادي يستحضرها أولاً يستحضرها انها الفاعلية الالهية التي لا وجود اللوجود لولاها: كما هو واضح. اذن امكننا ان نستخلص بان عبارة (يا من له ذكر لا ينسی) بانها تنسحب علی المعصومين (عليهم السلام) والانبياء (عليهم السلام) والملائكة والصالحين، حيث يذكرون الله تعالی في الحالات جميعاً واما الدلالة الاخری فتنسحب علی العبارة بالقوة ومن ثم فان المطلوب هو: الا نغفل عن الله تعالی لحظة، سائلين الله تعالی ان يوفقنا الی ممارسة الطاعة والتصاعد بها الی النحو المطلوب، انه سميع مجيب. ******* شرح فقرة: "يا حي الذي يحيي الموتی، ..." - 218 2010-03-01 00:00:00 2010-03-01 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6132 http://arabic.irib.ir/programs/item/6132 لا نزال نحدثك عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن أحد مقاطعه الذي ختم بما يأتي: (يا حي الذي يحيي الموتی، يا حي يا قيوم لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ). هاتان العبارتان امتداد لعبارات متقدمة تحوم بأكملها علی أحد المحاور وهو (الحياة) أو (الحي) الذي تكرر بعشر عبارات تتحدث عن مظاهر عظمته تعالی، مثل يا حياً قبل كل حي، يا حياً بعد كل حي، حيث ختم المقطع بعبارة (يا حي الذي يحيي الموتی) وعبارة (يا حي يا قيوم، لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ). العبارة الاولی تقول: (يا حي الذي يحي الموتی). هذه العبارة تقترن بجملة نكات ينبغي ان ننتبه عليها، منها: انها جاءت متقابلة مع عبارة تتحدث عن (حي) وهو الله تعالی يميت كل حي، اما الآن فالعبارة هي: أحياء الميت. اذن التقابل هنا له طرافته ودلالته الكبيرة، حيث ان الاماتة والاحياء تظل أحد مظاهر عظمته تعالی، ويكفينا مثلاً ان نلحظ اطول سورة قرآنية كريمة وهي سورة البقرة فيما تعتمد في أحد محاورها الرئيسة علی ظاهرة الاماتة والاحياء، او مثل: احياء الميت المقتول واخباءه عند القاتل من خلال ضربه بذيل البقرة، ومثل اماتة احدهم 100 سنة واحيائه، ومثل اماتة الاربعة من الطير واحيائها، اولئك جميعا لها دلالتها في استكناه عظمته تعالی. من جانب آخر نجد نمطا من التقابل هو: التجانس بين (حي) وهو الله تعالی، وبين إحيائه تعالی للموتی، اي: التجانس بين الحي والاحياء، وهو تجانس له طرافته، اي: استكناه وجه آخر من العظمة وهو: الإحياء لمخلوقين من قبل خالق حي لا يموت. اخيراً ثمة مظاهر من العظمة يختم بها المقطع وهو: سمة (الحي) واقترانه بسمة (القيوم) ثم اقتران ذلك بسمة (عدم النوم) وسمة (عدم السنة)، اي: عدم النعاس والنوم، اوما يرمز الی عدم الغفلة وعدم النسيان: كما ورد في بعض النصوص المفسرة، والمهم هو: ابراز احد مظاهر العظمة مقترنا بمظاهر هي: القيومية التي تعني: القائم بأمر المخلوقات من انشائهم وتدبير ارزاقهم، أوقيامه علی انفسهم الی آخر ما ورد من النصوص المفسرة التي تعني: اما ابدية وجوده تعالی أو تدبيره لشؤؤن المخلوقات. اخيراً سمة «لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ» وهي: عدم النعاس وعدم النوم، حيث ترمز هاتان السمتان الی نكتة مهمة وهي: عدم الغفلة وعدم السهو، حيث يمكن بأن يتساءل قارئ الدعاء او قارئ النص القرآني عن دلالة سمتين هما: عدم النوم وعدم النعاس، مع ان (عدم النوم) من الممكن ان ينسحب علی عدم النعاس ايضاً؟ الجواب: ان النكتة هنا هي: ان النص يستهدف الاشارة الی ان اية تصورات دقت عن مفهوم عدم الحياة ولو لحظات عابرة فان ذلك لا يجوز علی الله تعالی، انه (حي) لا يغفل ولا يسهو ابداً، وهو: تعبير بالغ الدلالة في تجسيد مفهوم (القيوم) الذي ورد سمة للحي: كما لاحظنا. اذن امكنا ان نبين جانبا من الاسرار الكامنة وراء مقطع الدعاء، في تأكيده لمفهوم (الحي) وما يواكبه من النكات التي لاحظناها. ******* شرح فقرة: "يا حي الذي يميت كل حي، ..." - 217 2010-02-27 00:00:00 2010-02-27 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6131 http://arabic.irib.ir/programs/item/6131 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه ونحدثك الآن عن أحد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا حي الذي يميت كل حي، يا حي الذي يرزق كل حي، يا حياً لم يرث الحياة من حي، ...). هذه العبارات امتداد لما لاحظناه في لقاءات سابقة من المظاهر المتصلة بعظمة الله تعالی متمثلة في احدی صفاته تعالی (الحياة)، حيث كانت عبارة (الحي) أو عبارة (حي) أو (حياً) هي المحور للمقطع بأكمله، ويعنينا الآن ان نلاحظ ما هو الجديد في الموضوع، وأوله مظهر: (يا حي الذي يميت كل حي) ثم يليه (يا حي الذي يرزق كل حي). هنا يجدر بنا ان نقف عند هاتين العبارتين، أي: العبارة المشيرة الی انه تعالی يميت الاحياء، وانه تعالی يرزق الاحياء، وهما عبارتان تتحدث احداهما عن حي يموت، والاخری عن حي يرزق، بينما يتوقع قارئ الدعاء أن تتقابل عبارة اخری سنوجها لاحقا ان شا الله تعالی وهي عبارة: (يا حي الذي يحي الموتی) حيث الاحياء والاماتة تتقابلان في كثير من النصوص القرآنية والحديثية، وهو أمر يدعنا متسائلين: ما هو السر الكامن في هذا المقطع من الدعاء، حيث قابل بين عبارة (يا حي الذي يميت كل حي) واروائها بعبارة (يا حي الذي يرزق كل حي)؟ في الاجابة عن السؤال المتقدم، يخيل الينا ان كلا من الاحياء والاماتة يردان في سياق الحديث عن قدرته تعالی في ايجاد الشيء واعدامه، اما الحديث عن انه تعالی (حي) وان الاحياء الذين خلقهم انما يستمدون فاعليتهم من الله تعالی، فأنه سياق آخر: كما هو واضح. السياق هو: كما قلنا فاعليته تعالی بصفته (حياً) لا قبل له ول ابعد، بالنسبة الی مختلف شؤؤن الاحياء الذين خلقهم، ومن ذلك: الموت والرزق، والسؤال الان جديداً هو: ما هي العلاقة المتجانسة أو المتضادة في موضوعي الحي الذي يميت الأحياء، والحي الذي يرزق الاحياء؟ في تصورنا ان العبارة الاولی تجعل اذهاننا متداعية الی جملة حقائق يستهدف مقطع الدعاء توصيلها الينا، منها: ان الله الذي هو (حي)، (يميت) الاحياء، وهو موضوع له دلالته في ازلية الله تعالی وابديته مقابل حدوث الانسان من حيث كونه يتعرض الی الموت بعد الحياة ومنها: ما يرتبط بالعبارة التالية لها وهي: (يا حي الذي يرزق كل حي)، والنكتة هي: ان الرزق هو مادة الحياة، فكما انه تعالی يعيد حياة الانسان، فهو: يمد حياته من حيث الاستمرارية المؤقتة: حتی يمارس وظيفته التي خلق الله تعالی الانسان من أجلها وهي: العبادة بالاضافة الی ان موضوع الرزق يظل ذا أهمية اقتصادية. من البين، ان أهم ما يرتبط بالدوافع المركبة في الانسان - وهذا ما أوضحناه في لقاء اسبق - هو: الدافع الی الحياة، وهذا الدافع لا يتحقق إشباعه الا من خلال الرزق الاستمراري أي: تهيئة الوسائل التي تمد الانسان باستمرارية وجوده الدنيوي من: مال وطعام ومسكن، متمثلاً في ظاهرة (الرزق) الذي يتم بواسطته تدفق واستمرارية العيش. بعد ذلك نواجه عبارة (يا حياً لم يرث الحياة من حي). فماذا نستلهم منها؟ من البين ان العبارة المذكورة سوف تجعل اذهاننا متداعية الی التقابل بين المطلق وبين النسبي او بين الموجود الازلي وبين الموجود الحادث اي بين الخالق تعالی وبين المخلوق، بين القادر والعاجز، فما دام محور المقطع هو (الحي) حينئذ فان التقابل بين القادر وبين العاجز، او بين الحي الذي يحقق الحيوة للمخلوق وبن المخلوق الذي لا قدرة له علی ذلك: يظل من الوضوح بمكان. ******* شرح فقرة: "يا حياً قبل كل حيّ، ..." - 216 2010-02-24 00:00:00 2010-02-24 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/6130 http://arabic.irib.ir/programs/item/6130 نواصل حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء الجوشن الكبير، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي استهل بالعبارات الآتية: (يا حياً قبل كل حيّ، يا حيّاً بعد كلّ حيّ، يا حيّ الذي ليس كثله حيّ، يا حي اذي لا يشاركه حيّ، ...). هذه العبارات تمثل احد انماط الصياغة الفنيه للدعاء، حيث اعتمدت مظهر (الحيّ) محوراً للمقطع بدأ بعبارة: (يا حياً قبل كل حي، يا حيّاً بعد كل حيّ) حيث تشير العبارتان الی ازليته تعالی وأبديته، وهو ما يتفرد بدقه، ولذلك ورد بعد هاتين العبارتين: (يا حي الذي ليس كمثله حيّ)، بمعنی تفرده تعالی بهذه الصفة، وبسائر الصفات التي ترد في المقطع وغيره. اذن نقف عند عبارة (يا حيّ الذي ليس كمثله حيّ)، حيث ان السابقة عليها (يا حياً قبل كلّ حي، يا حياً بعد كل حي) تشير ان - كما هو واضح - الی انه لم يسبق ببداية ولم يلحق بنهاية وهي: معنی الازلية والابدية: كما قلنا. السؤال الآن هو: ماذا نستلهم من عبارة أو مظهر (يا حيّاً او يا حيّ الذي ليس كمثله حيّ)؟ العبارة - كما نلاحظ - تتضمن تشبيهاً ملفتاً للنظر، اي ان التشبيه بعامة يتضمن اداة هي (الكاف) ونحوها، ولكن الملاحظ ان هذه الكاف قد التحمت باداة تشبيه معروفة مثل قوله تعالی علی لسان أحد ابني آدم (عليه السلام) «....أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ...». لذلك نتساءل: ما هي النكات الكامنة وراء التحام أداتين من التشبيه في عبارة «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»؟ عند ما يتفرد الله تعالی بصفاته او بوجوده، حينئذ فان التشبيه اياً كان نمطه ينتفي بطبيعة الحال، اننا عندما نشبّه مثلاً مواراة الجسد الآدمي بمواراة الجسد الحيواني وهو «الْغُرَابِ»: حينئذ فان طرفي التشبيه ينتميان الی العضوية الواحدة وهي: الانسان والطائر، وهكذا سائر التشبيهات ولكن بالنسبة الی الله تعالی فان (تفردّه) وعدم وجود طرف آخر يشترك مع الله تعالی في الوجود او الصفة يعني عدم امكان تصوّر للتشبيه اساساً، من هنا جاءت عبارة (مثل) - وهي اداة تشبيه - نافية وجود المماثل، ولكن تصوّر المماثل ايضاً منتفٍ اساساً، ولذلك جاءت اداة التشبيه (الكاف) تنفي حتی التصوّر وليس الاشتراك فحسب، وهذا هو احد وجوه النكتة وراء العبارة المذكورة. بعد ذلك نواجه عبارة (يا حيّ الذي لا يشاركه حيّ). فماذا نستلهم منها؟ الجواب: يتضح مما قدمناه قبل قليل من الكلام، اي: عدم امكانية وجود او تصور للماثل لله تعالی وهذا ما اوضحته عبارة (يا حي الذي لا يشاركه حي)، فما دام الله تعالی لا مثل له: وجوداً وتصوراً: حينئذ لا يشاركه احد في الوجود والصفة: كما هو واضح اذن: عبارة (يا حي الذي لا يشاركه حي) هي: نتيجة منطقية لعبارة (يا حي الذي ليس كمثله حيّ). بعد ذلك نواجه عبارة (يا حي الذي لا يحتاج الی حيّ)، هذه العبارة بدورها تجسد جواباً آخر لتفردّه تعالی. اي بما انه تعالی لا يشاركه احد في صفة (الحبّ) وسائر صفات وجوده، حينئذ فان الحاجة تنتفي الی المشاركة، ويبقی التفرد هو: مصدر الحاجة بالنسبة الی مخلوقاته تعالی. اذن ادركنا جانباً من النكات الكامنة وراء التعبيرات المذكورة، وسواها من المظاهر الی سنحدثك عنها لاحقاً ان شاء الله تعالی. ******* شرح فقرة: "يا قدير، يا خبير، يا مجير، ..." - 215 2010-02-22 00:00:00 2010-02-22 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5878 http://arabic.irib.ir/programs/item/5878 لانزال نحدثك عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء الجوشن الكبير، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن أحد مقاطعه الذي ختم بما يأتي: (يا قدير، يا خبير، يا مجير). فماذا نستلهم منها؟ بالنسبة الی (قدير) لا نحسب أن أحداً منا لا يدرك دلالة ذلك، ان الله تعالی قدير علی كل شيء ولاحدود لقدرته، بيد أن ما نعتزم توضيحه هو: الرابط بين هذه السمة وبين ما يلحقها مادمنا قد كررنا الاشارة الی ان المظاهر العشرة التي ترد في كل مقطع لابد وأن يكون التجانس بينها: من خلال (التماثل) أو(التضاد) ايضاً، بالاضافة الی خصوصية أكثر من مظهر بسمة تختلف عن الأخری ونعود الآن لنتساءل: ما هو التجانس (يا قدير) وعبارة (يا منير) التي ترد بعدها؟ ان (القدرة) اذا سلخناها من الصفات المتجانسة مع هذه الظاهرة: كالرحمة مثلاً أو العلم، حينئذ حدثتك قارئ الدعاء في الوصول الی ما يتعين علينا من معرفة عظمة الله تعالی ورحمته من هنا، فان (القدير) هو بالضرورة (خبير) بما تفرزه المقدرة من تصرفات في الكون، فالله تعالی قادر علی ان يبدع الشمس مثلاً، ولكنه (خبير) ايضاً بما يتطلبه هذا الابداع من طاقة حرارية أو نورية بحيث يتحقق التوازن، وإلا لا نجمد الوجود أو احترق في حالة نقصان او زيادة الطاقة المشار اليها. اذن الخبير هو المظهر المتمم لمظهر (القدير) بالنحو الذي اوضحناه عاجلاً. والسؤال الآخر هو: ما هو المظهر الذي ختم به المقطع وهو عبارة (يا مجير) بما تقدمه؟ واضح، ان الله تعالی عندما يكون (قادراً) علی إبداع الظاهرة، وخبيراً بما تتطلبه المصلحة بتحديد ذلك، فانه تعالی يحقق بهذا اشباعاً لحاجات الخلائق، وبذلك يجيرها أي: ينقذها من الآثار التي تترتب علی التعامل مع ظواهر الوجود في حالة ما اذا لم يتكييف أو تتكيف هي مع مصالحه، بالاضافة الی هذا المعطی الدنيوي وهو: الاجارة من الاذی (والاجارة هنا بالنسبة الی الشمس مثلاً هو: انقاذه من الحر في حالة ما إذا كانت الطاقة بحجم أكثر، وانقاذه من البرد في حالة النقصان). اذن، هذا المعطی الدنيوي في اجارة الانسان من الاذی، يتداعي ايضاً ذهن قارئ الدعاء الی الاجارة من الاذی الاخروي ايضاً وبهذا يتحقق الاشباع لحاجات الشخصية دنيوياً واخروياً. بعد ذلك يواجهنا مقطع جديد من الدعاء، يبدأ علی النحو الآتي: (يا حيا قبل كل حي، يا حيا بعد كل حي، يا حي الذي ليس كمثله حي). ان هذا المقطع من الدعاء يتميز بكونه متجانساً في عرض مظاهر عظمة الله تعالی، من خلال نمط جديد من انماط التجانس، حيث يتميز بارتكازه الی محور خاص تشترك فيه مظاهر المقطع جميعاً الا وهو عبارة (يا حي) أو (حي)، ان هذه العبارة تتكرر في أجزاء المقطع جميعاً، الا ان تكررها - كما قلنا - تعبير عن نمط آخر من الصياغة البلاغية للمقطع، ولعل لدلالة كلمة (الحي) أو (حي) علی أنه تعالی حضور دائم لا قبل له ولا بعد، لا بدء له ولا نهاية، أي: الحضور الذي يتسم بالابدية، بالازلية، يفسر لنا ركون المقطع بأجمعه الی التوكؤ علی العبارة المذكورة حيث سنحدثك عن تفصيلات ذلك في لقاء لاحق ان شاء الله تعالی. ******* شرح فقرة: "يا منيع، يا سريع، يا بديع، ..." - 214 2010-02-20 00:00:00 2010-02-20 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5877 http://arabic.irib.ir/programs/item/5877 نتابع حديثنا عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الان عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا منيع، يا سريع، يا بديع)، هذه الصفات تتطب حيدثاً مشفوعاً بشيء من الوضوح فنقول بالنسبة الی صفة (منيع)، فان الكلمة مستلهمة من (المناعة) وهي تعني: القوة والعزة الشديدة التي لا يقدر عليها اي الممتنع الوصول إليها، وهي: صفة ينفرد بها الله تعالی: كما هو واضح، وقد جاءت في سياق سبقها وهي كلمة (رفيع) حيث حدثناك عنها في لقاء سابق فيما تعني: الرفعة التي تعلو علی كل شيء وتتجانس مع كلمة (منيع) من حيث دلالتها لما هو: تفرّد في القوة، وتعالٍ في الموقع، وهيمنة علی الاشياء جميعاً. بعد ذلك نواجه عبارة (يا سريع) وهي: صفة تعني السرعة او عدم التلكؤ او التباطء في حسم الأمور وقد وردت الصفة - في جملة ما وردت فيه - في سياق هو: الحساب في اليوم الآخر مثل «سَرِيعُ الْحِسَابِ»، حيث ترمز السرعة هنا الی الحسم والنفاذ والقوة ايضاً في اعطاء كل ذي حق حقه، ومن ثم تتجانس الكلمة مع سابقتيها ايضاً لان السرعة في اتخاذ القرار يعني عدم التلكؤ او التردد الخ، بما هو تعبير واضح عن القدرة المطلقة غير المحدودة. بعد ذلك نواجه عبارة (يا بديع)، فماذا نسلتهم منها؟ الكلمة او الصفة تشير الی (الابتداع) وهو: انشاء الشيء أو ايجاده علی غير مثال سابق له: وهل ثمه ابتداع عند غير الله تعالی في انشائه السماوات والارض وما بينهما، وما يواكب ذلك من المخلوقات الوجودية؟ اذن صفة (البديع) تتداعي بذهن قارئ الدعاء الی تصور مدی عظمته تعالی في ايجاده للكون وما يحويه حيث يقف ذهنه منبهراً بما لا يمكن تصوره من العظمة غير المحدودة، وهي صفة لا نغفل تجانسها مع سابقاتها كما هو واضح من حيث العظمة في مصاديقها المتنوعة غير المحدودة. بعد ذلك نواجه عبارات جديدة يختم بها المقطع، وهي ذات قرارات تختلف عن سابقتها، اي: كانت الصفات التي حدثناك عنها الآن، وحدثناك ايضاً عنها في لقاء سابق تشترك في فواصلها التعبيرية، اي: تتحد في انتهائه بحرفي الياء والعين مثل بديع، سريع، منيع، بينما نجد الآن عبارات تنتهي بحرفي الياء والراء مما نستكشف من خلال ذلك: تجانساً بينهما من جانب، وتفاوتاً عما سبقها من جانب آخر، وهو احد وجوه البلاغة الشرعية: كما هو واضح. تقول الكلمة الاولی او العبارة الاولي (يا كبير)، فماذا نستخلص منها؟ طبيعياً ان الكلمة من الوضوح بمكان، ولكنها من العمق بمكان اكبر، انها (الكبير) قبالة الصغير اي: الظاهرة التي لا يعلوها شيء من جانب، ويصغر ما دونها: اي ما هو غير الله تعالی من جانب آخر. هنا مع ان الموضوع قد تفاوت مع العبارت السابقة في دلالاته لان السابق من المظاهر يرتبط بما هو قوي وشديد ومنيع، بينما يعني الآن ما هو: سعة واحاطة ونحوهما، الا ان التجانس بدوره مع مظاهر عظمته تعالی في العبارات السابقة يظل من الوضوح بمكان. ويكفي ان كلمة (الاكبر) التي تستخدم في افتتاح الصلوات وسواها بتداعي الاذهان الی العظمة الی يعجز الذهن بطبيعة الحال عن تصور مداها غير المحدود وهواثر تعميّق - بلا شك - ايماننا بالله تعالت عظمته. ******* شرح فقرة: "يا سميع، يا شفيع، ..." - 213 2010-02-16 00:00:00 2010-02-16 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5876 http://arabic.irib.ir/programs/item/5876 لانزال نحدثك عن الادعية المباركة، ومنها دعاء الجوشن الكبير، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن مقاطعه الجديدة حيث يبدأ علی هذا النحو: (اللهم اني أسالك باسمك يا سميع، يا شفيع، يا رفيع، يا منيع، يا سريع، يا بديع، ...). هذا المقطع من الدعاء يظل - كسائر مقاطعه - حافلاً بالاسماء الحسنی وسائر مظاهر عظمة الله تعالی، واولها مظهر او عبارة (يا سميع). فماذا نستخلص من الكلمة؟ من الطبيعي، ان (السميع) هو: صيغة المبالغة بالنسبة الی صاحب الصفة، وهي من السمات المعروفة بدلالتها وشيوعها في النصوص الشرعية، ان الله تعالی هو السميع والبصير، يسمع جميع ما يدور علی الالسنة من المخلوقات وما تخفيه الصدور ايضاً، اي: انه يسمع كل مايدور من الحوارات الصامتة والناطقة، حيث نعرف جميعاً ان الافكار بدورها هي - كما يؤكد ذلك المعنيون باللغة وفنونها - تعتبر كلاماً، ولكنه كلام صامت، وهذا يعني انه تعالی يسمع النجوی كما يسمع السر. ويقول المعنيون باسماء الله الحسنی بان (السميع) تنسحب دلالته الواسعة علی جملة ظواهر مثل العليم بالمسموعات من اصوات وحروف، والسميع للدعاء، بل وينسحب علی دلالة القبول، اي: الاجابة وبين ايضاً، ان هذه الصفة حينما يتأملها قارئ الدعاء، حينئذ لا تتعمق قناعته بعظمة الله تعالی من حيث قدراته غير المحدودة في الاحاطة بما يصدر من المخلوقات فحسب، بل برحمته تعالی في سماعه لمناجاتنا وادعيتنا وطموحاتنا وآمالنا، حيث يستجيب لها ويحققها بفضل منه ورحمته. بعد ذلك نواجه عبارة (يا شفيع) ، فماذا تعني؟ الجواب: الشفيع من حيث دلالته اللغوية قد يرتبط بالشفع اي: الزرح قبالة الفرد، وقد يعني: من يتوسط الی الله تعالی في رعايته وغفرانه ورحمته للمؤمنين، وهذا كشفاعة الاربعة عشر معصوماً (عليهم السلام) مثلا أو الانبياء أو الصالحين ولكن عندما ترتبط هذه السمة بالله تعالی فان الدلالة حينئذ ستختلف بطبيعة الحال ولكن مع ذلك فان السياقات التي يرد فيها مصطلح (الشفاعة) تشير الی انه تعالی (اشفع الشافعين) بمعنی انه يتدخل في رعاية عبده، وشموله برحمته، وغفرانه للذنب بل حمل عباده المظلومين علی التنازل عن حقوقهم حيال الآخر: رحمة منه بكليهما، اي: العفو والتنازل عن حق احدهم حيال الآخر مقابل ما يتفضل به تعالی من العفو حيال عبده المتنازل عن الآخر. المهم ان الشفاعة تظل بالنسبة الی الله تعالی ومقايستها بالنسبة الی الشافعين من عباده، تظل صريح العبارة القائلة بأنه تعالی (اشفع الشافعين). بعد ذلك نواجه عبارة (يا رفيع)، فماذا نستلهم منها؟ الجواب: من الواضح، ان (الرفيع) هو من (الرفعة) اي العلو، والله تعالی هو الاعلی والارفع في الحالات جميعاً، انه الرفيع في صفاته، اي: العالي في الصفات، فضلاً عما ورد في القرآن الكريم من الاشارة الی انه تعالی (رفيع الدرجات) بمعنی انه ذو الصفات العالية من جانب، وانه (الرافع) لدرجات الانبياء والصالحين في منازلهم الاخروية، أوانه رافع السماوات والارض، حيث وردت النصوص المفسرة لعبارة (الرفيع) بالدلالات التي تمت الاشارة اليها. ختاماً نسأله تعالی ان يرفع درجاتنا جميعاً، وان يستجيب لدعائنا، انه (السميع)، وان يرحمنا بشفاعته التي هي (اشفع) من الشفاعات، وان يوفقنا الی ممارسه الطاعة، والتصاعد بها الی النحو المطلوب، انه سميع جيب. ******* شرح فقرة: "يا من جعل السماء بناءً، ..." - 212 2010-02-14 00:00:00 2010-02-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5875 http://arabic.irib.ir/programs/item/5875 لانزال نحدثك عن الادعية المباركة، ومنها دعاء الجوشن الكبير، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن أحد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا من جعل السماء بناء، يا من جعل الاشيا ء ازواجاً، يامن جعل النار مرصاداً) بهذه العبارات ينتهي احد مقاطع الدعاء، ويعنينا الآن ان نحدثك عنها، ونبدأ بالحديث عن عبارة (يامن جعل السماء بناءاً)، فماذا نستخلص من ذلك؟ من الواضح ان عبارة (يا من جعل السماء بناءاً) هي مقابل أو قبالة ما ورد في المقطع بالنسبة الی الارض حيث قال: (يا من جعل الارض مهاداً)، فالارض مهاد والسماء بناء من حيث تقابل أحدهما للاخر: اي الادنی والاعلی، وقد ورد في نصوص أخری ان السماء بمثابة سقف للحفظ، كما ان الارض بمثابة مهد للسكن، بيد ان ما نعتزم ملاحظته الآن هو ان العبارات التي ختم بها المقطع بخاصة المقطع القائل: (يا من جعل الاشياء أزواجاً) حيث ختم ذلك بعبارة (يا من جعل النار مرصاداً)؟ قبل ان نجيبك عن السؤال المتقدم، يجدر بنا ان نذكرك بان عبارة (يا من خلق الاشياء أزواجاً) لم نحدثك عنها، فماذا تعني؟ من الواضح ان الاشياء الوجودية الكونية - كما ورد في نصوص قرآنية كريمة - تظل موضع أشارة الی زوجيتها نباتاً كانت أو جماداً أو بشراً، بمعنی ان كل واحد منها شكل للاخر، ومنها: زوجية الذكر والانثی. لكن خارجاً عن ذلك نتساءل: ما هو السر الكامن وراء ختم المقطع الذي جعلت العبارات فيه - ما عدا الاخرة - تذكيرا بعظمة الله تعالی ونعمه، ثم جعلت الارض بهذا التعبير (يا من جعل النار مرصاداً)؟ في تصورنا ان المقطع قد استهدف الاشارة الی عطاء الله تعالی من جانب ونعمه من جانب آخر، وهما كافيان لجعل الداعي مقتنعاً بوحدانية الله تعالی، ولذلك جاءت العبارة الاخيرة لتقول لمن يكفر بالنعم، ومن يجسد عظمة الله تعالی، فان النار هي ترصده، أي: سيكون مقره النار والآن ينبثق سؤال جديد وهو خاص ببلاغة العبارة الاخيرة، حيث جعلت النار (مرصاداً) للكافر بينما في نصوص قرآنية متنوعة ترد أوصاف جهنم للكافرين بأنماط متنوعة؟ يلاحظ ان عبارة (يا من جعل النار مرصاداً) جاءت (تناصا) أو اقتباساً من القرآن الكريم وهو «إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا» وهذه العبارة هي صياغة فنية أي: صورة جمالية أوصورة مجازية تتمثل في كلمة مرصاد التي تعني لغوياً المكان الذي يرصد فيه العدو، اي المعد لامر مرتقب الوقوع، وبهذا يكون رمزاً أو استعارة لمصير الكافر، أي: مصيره الی النار. النكتة هي ان الكافر وقد ثبت له هذا العطاء، كما ثبت له: هذه العظمة ولكنه - مع ذلك - يجحد ما رآه ويثبت لديه، لذلك كما انه شهد هذه القدرات ورصد مصاديقها المتنوعة، فأن النار بدورها سترصده وتستعد له ما يتناسب وسلوكه المشار اليه. ******* شرح فقرة: "يا من جعل الليل لباساً، ..." - 211 2010-02-10 00:00:00 2010-02-10 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5874 http://arabic.irib.ir/programs/item/5874 لا نزال نحدثك عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء الجوشن الكبير، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا من جعل الليل لباساً، يا من جعل النهار معاشاً، يا من جعل النوم سباتاً). ان هذه الفقرات الثلاث متجانسة في ارتباطها بظاهرتي الليل والنهار، لذلك يحسن بنا ان نحدثك عن النكات المتصلة بهذا الجانب، فتقول: بالنسبة الی العبارة الاولی (يا من جعل الليل لباساً) سبق ان حدثناك عنها، وقلنا: انها صورة فنية تخلع علی الليل طابعاً من الملبس بحيث يغطي الملبس ويستر ضوء الشمس: تعبيراً عن الظلام الذي يتميز به الليل ويفترق فيه عن النهار واما النهار فقد جعله الله تعالی وقتاً للحركة الاقتصادية وهي: معاش الناس. واما العبارة الثالثة فهي: تتصل بالنوم، وقد رسمه النص بكونه راحة ولكن دون ان يربط بالليل او بالنهار وهذا يتطلب كلاماً مفصّلاً لان الكثير من الاشخاص يلتبس عليهم الأمر حتی انهم لم يلتفتوا الی العبارة الدقيقة والفنية التي يستخدمها النص الشرعي، بل يخيّل اليهم ان النوم هو من نصيب الليل، في حين انهم يقعون في تصور وهمي يتنافی مع التصور الشرعي للظاهرة. يقول الله تعالی في كتابه الكريم «وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ» وهذا النص لا يحتاج الی توضيح، انه يقرر بان النوم هو في الليل وفي النهار وليس خاصاً بأحدهما، اذن كيف يستنتج الكثير من الناس بان الليل هو: وقت النوم وليس النهار؟ هذا من جانب، من جانب آخر وردت النصوص الشرعية بقيام الليل وباحيائه في مناسبات كثيرة في شهر رمضان المبارك وفي الاشهر الاخری في ليال خاصة، بالاضافة الی النصوص النادبة الی قيام الليل، بحيث ورد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بما مؤداه: لا يزال جبرئيل يوصيني بقيام الليل حتی ظننت ان المؤمنين لا ينامون، وفضلاً عن النصوص الشرعية التي تصف المؤمنين بانهم: عمش العيون، اي من السهر وحيال ذلك جميعاً، هل يبقی ترديد بان النوم هو ليس من الصفات المحمودة ليلاً الّا قليلاً في الايام العادية، واما سائر الليالي الخاصة، فان السهر وليس النوم هو الممدوح أو المندوب إليه، مضافاً الی ما قلناه من ان الآية الكريمة «مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ» تنفي النوم بالليل وحده. ولذلك يرد السؤال الآتي لماذا يتوهم الكثير بان النصوص الشرعية تقرر بان النوم هو في الليل؟ ان الكثير يخيّل إليه ان الآيات الكريمة المشيرة الی انه تعالی جعل نومنا سباتاً، ان المقصود من (السبات) هو النوم بينما السبات هو: الراحة او الاستراحة في احدی دلالاته، وهذا ما يتعين علينا ان نلفت النظر إليه حتی لا يقع الآخرون في الوهم المذكور. ******* شرح فقرة: "يا من جعل الشمس سراجاً، ..." - 210 2010-02-08 00:00:00 2010-02-08 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5873 http://arabic.irib.ir/programs/item/5873 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها دعاء الجوشن الكبير، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن أحد مقاطعه البادئة بما يأتي: (يا من جعل الارض مهاداً، يا من جعل الجبال أوتاداً، يا من جعل الشمس سراجاً، يا من جعل القمر نوراً، يا من جعل الليل لباساً، يا من جعل النهار معاشاً). هذا المقطع، حدثناك عن بعض عباراته، وانتهينا في احاديث سابقة الی عبارة (يا من جعل الشمس سراجاً، يا من جعل القمر نوراً)، وواعدناك بان نحدثك عن النكات البلاغية في العبارتين اللتين تتضمنان (السراج) و (النور)، اي النكتة الكامنة وراء التعبير عن الشمس بـ (السراج) وعن القمر بـ (النور). انّ التعبير عن (الشمس) بـ (السراج)، أي: جعل السراج، رمزاً للشمس، يدعنا نتساءل: لماذا يتحسس قارئ النص القرآني الكريم او الدعاء الذي نتحدث عنه بان الشمس وهي الكوكب الضخم: يرمز له بـ (السراج)؟ السراج في اللغة هو المصباح والمصباح أو السراج جهاز بسيط يعتمد علی الزيت والخيط في الانارة، تری ما هي النكتة الكامنة وراء تشبيه الشمس بالسراج. الجواب: في تصورنا الاحتمالي بطبيعة الحال، ولكل متذوق ان يستخلص ما تسمح به خبراته، وحينئذ نقول: ان الشمس حينما ننظر الی حجمها نجدها بحجم السراج تقريباً، ولكن الفارق هو: ان الشمس تضئ الوجود باكمله، والسراج يضئ مكاناً محدوداً، ولكن حتی المكان المحدود يظل حجم انارته كبيراً يعد بالامتار مثلاً قبالة السراج الذي يعد بالسنتمترات مثلاً، اذن النسبة بين حجم السراج وحجم الانارة كبيرة، وهو ما يتناسب - من حيث الرمز او الاستعارة او التشبيه - مع النسبة الكبيرة بين حجم الشمس بالنسبة الی الرائي بطبيعة الحال وليس بالنسبة الی حجمها الواقعي، اذن التجانس بين السراج والشمس قد اتضح علی النحو الذي لاحظناه. بعد ذلك نواجه عبارة (يا من جعل الليل لباساً) وعبارة (يا من جعل النهار معاشاً). فماذا نستخلص منها؟ بالنسبة الی عبارة (يا من جعل الليل لباساً) فان الرمز الفني لهذه الصورة الادبية هو: ان اللباس هو ما يغطي الشيء ويستره، وبالنسبة الی الليل، فان الظلام الذي يلفة يظل بمثابة الساتر لضوء النهار، وحينئذ فان النكتة الفنية أو البلاغية تتضح بجلاء من حيث العلاقة بين الليل ولباسة، وبين النهار وضوئه. بقي ان نشير الی نكتة اخری وهي: الصلة بين العبارة اللاحقة لسابقتها وهي: (يا من جعل النهار معاشاً) وبين (الليل ولباسه)؟ هذا من جهة ومن جهة اخری سنلاحظ عبارة ثالثة وهي (وجعلنا نومكم سباتاً) وهذه العبارة مع عبارة (يا من جعل الليل لباساً) لابد وان نكشف عن نكتة اخری، ثم ان صلة كل منهما اي: الليل ولباسه، والليل ونومه، او النوم مطلقاً وعلاقته بالليل وبالنهار وليس بالليل وحده. هذه الظواهر واستكشاف نكاتها تتطلب حديثاً خاصاً نؤجله الی لقاءات لاحقة ان شاء الله تعالی. ******* شرح فقرة: "يا من جعل الجبال أوتاداً، ..." - 209 2010-02-06 00:00:00 2010-02-06 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5872 http://arabic.irib.ir/programs/item/5872 نتابع حدیثنا عن الادعیة المباركة ومنها دعاء الجوشن الكبیر، حیث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن أحد مقاطعة الذي ورد فیه: (يا من جعل الجبال أوتاداً، يا من جعل الشمس سراجاً، يا من جعل القمر نوراً). والآن نحدثك عن الفقرات المتقدمة، ونبدأ ذلك بعبارة: (يا من جعل الجبال أوتاداً)، فماذا نستلهم من ذلك؟ قلنا في حديث سابق - ان هذا المقطع من الدعاء يتناول الاشارة الی احد مظاهر عظمته تعالی وهو: عظمة الخلق أوالابداع أوالايجاد للظواهر الكونية، ومنها: الارض وقد حدثناك عنها، ومنها: (الجبال) - ونحدثك الآن عنها، فنقول: لقد استخدم الدعاء: صورة فنية هي: (التمثيل) أو (الاستعارة) حيث استخدم عبارة (الوتد) وهو المسمار الكبير، وخلعه علی (الجبل)، فجعله وتداً أو (أوتاداً) ثبتها تعالی في الارض حتی لا تميد، أي: جعلها أداة توازن: كما هو واضح. طبيعياً، ان هذه الصور التمثيلية أو الاستعارية، تظل حافلة بجمالها التعبيري والموضوعي، فأما (التعبيريّ) فلانها تركيب صوري أي: المجاز، وأما (الموضوعي) فلان التشبيه او استعارة المسمار الكبير، الذي يثبت في الحائط، وخلعه علی الارض فأن جمالية تصوره تظل مقترنة بالانبهار لمن يتأمل المنظر أو المرأئ الطبيعي للجبال وطريقة وجودها علی الارض، أي: تصور الارض المنبسطة وقد تخللتها الجبال، وهو مرأئ له جماليته الخارجية فضلاً عن فائدته العمارية. ونتجه الی العبارة القائلة: (يا من جعل الشمس سراجاً) ثم عبارة (يا من جعل القمر نوراً). فماذا نستلهم منها؟ الجواب: الشمس والقمر: كوكبان يستمد الثاني من الاول نوره وهذا هو المرأئ أو الصورة الطبيعية ولكن يتعين علينا ايضاً ان نعرض لجمالية المرأئ، فضلاً عن العطاء العظيم للشمس والقمر. أما الشمس فلا نحتاج الی الحديث عنها من حيث معطياتها التي تتطلب حديثاً طويلاً لا يجهل احد منا معطيات ذلك، حيث يكفي ان نقرر بان زيادة او نقص حرارتها كافية لان تشل البشرية. ان القران الكريم طالما تحدث عن الشمس وعن صلتها بالنهار ومعطيات ذلك، ونكرر بأن الحديث عن ذلك لا يتناسب وحجم الاحاديث التي نعرضها سريعاً عبر قرائتنا للادعية المباركة ولكن: لنعرض إشارة جمالية كما عرضنا ذلك في مرأئ الجبال والارض والاوتاد. لقد عبرت الفقرة القائلة: (يا من جعل الشمس سراجاً) عن اضاءة الشمس بصفة ان السراج هو المصباح وهو امر يتصل بالاضاءة النهارية مع ملاحظة أنّ النصّ الدعائي لم يعرض للمعطيات التي أشرنا الی عظمتها وتوقف الحياة واستمراريتها علی ذلك. واما استعارة (السراج) للشمس واستعارة الانارة للقمر، لان المعطی الجمالي سهل ويسير في تصوره بينما المعطی الانتفاعيّ يحتاج الی دراسة علمية لا يسمح لنا المجال ولا التخصص العلمي بذلك. ******* شرح فقرة: "يا من جعل الارض مهاداً، ..." - 208 2010-01-31 00:00:00 2010-01-31 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5871 http://arabic.irib.ir/programs/item/5871 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة ومنها دعاء الجوشن الكبير، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الجديدة، حيث بدأ علی النحو الآتي: (يا من جعل الارض مهاداً، يا من جعل الجبال اوتاداً، يا من جعل الشمس سراجاً، وجعل القمر نوراً). ان هذا المقطع من الدعاء يتميز بكونه خاصاً بالسمات او المظاهر الطبيعية التي خلقها الله تعالی، كالارض، والجبال والشمس والقمر، ثم يتميز بكونه (تناصاً) اي: اقتباساً في معظمه من القرآن الكريم او الحديث، والمهمّ الآن: ان نحدثك عن كل مظهر من ذلك، ونبدأ بالحديث عن العبارة الاولی وهي: (يا من جعل الأَرْضَ مِهَادًا). فماذا نستخلص منها؟ طبيعياً، ثمة نصوص مفسّرة موضوعياً، وهو ما ينبغي الوقوف عنده، ثم نواجه في بعض العبارات بعداً بلاغياً فيما يتـّعين علينا ان نتناوله في ضوء المعاير الفنية: مادمنا نعرف تماماً ان النصوص الشرعية قرآناً واحاديث تتميز ببلاغتها: كما هو واضح. اذن لنتحدث عن عبارة (يا من جعل الأَرْضَ مِهَادًا) ونتساءل من جديد: ماذا نستلهم منها؟ النصوص المفسرة تقول ان المقصود من ذلك هو: جعلها قراراً أو بساطاً، طبيعياً ثمه نصوص قرآنية تتحدث عن جوانب متنوعة من الارض من نحو: «وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا» ومن نحو: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولا». والمهمّ ايضاً ان نشير - كما قلنا - اولاً الی الدلالة التفسيرية، ثم الی الدلالة الفنية، لا نحتاج الی توضيح الدلالة اللغوية لمفهوم الارض بقدر ما نحتاج الی الاعتبار بذلك، اي: ان الله تعالی يذكرنا اولاً بابداعه للظواهر الكونية حتی تتعمق قناعتنا بعظمته تعالی، ثم بما تحمله هذه الظواهر من النعم حتی نشكره تعالی عليها، وهذه هي وظيفة المؤمنين الذين خلقهم الله تعالی کي يمارسوا الوظيفة العبادية، ومنها: التفكر في خلق الله تعالی. ونتساءل الآن اذا تجاوزنا مفهوم الارض وجعلها (مِهَادًا)، تری ماذا نستلهم من كلمة (المهاد) فنياً بالاضافة الی دلالتها الموضوعية؟ في تصورنا ان (المهاد) او المهد مادام لغوياً يعني في احد مصاديقه (الفراش) من حيث بسطه بطبيعة الحال، او يعني بالنسبة الی الطفل (وهو العاجز) موضعاً يوطأ له، او يعني: الارض المنخفضة: حينئذ ففي الحالات جميعاً نتداعي بالذهن الی احد مصاديق [الأرض ]وهو (الذلول) اي: المطيع والميسر، حينئذ فان القرآن الكريم نفسه: فسّر لنا بلاغياً معنی الارض من حيث كونها (ذلولاً)، والسؤال من جديد: ماذا نستخلص من عبارة (الذلول) التي تعني: الطواعية واليسر؟ ان ما نستخلص من ذلك، من المنتج من عبارة (الذي جعل لكم الأَرْضَ مِهَادًا) هو: اولاً ان الارض (فراش) يستريح الانسان إليه في حالات النوم والجلوس حينئذ فان الحاجة الی النوم تظل من اهم الدوافع التركيبية في الانسان بحيث اذا خرج منه تعرض للموت والامر كذلك بالنسبة الی من يريد ان يجد له موضعاً يجلس فيه بعد العمل في حياة الانسان اليومية، بالاضافة الی ما يواكب عملية الجلوس والاستراحة من زينة ونحو ذلك. ******* شرح فقرة: "يا من لا معقب لحكمه، ..." - 207 2010-01-27 00:00:00 2010-01-27 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5870 http://arabic.irib.ir/programs/item/5870 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير) حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا من لا معقب لحكمه، يا من لا راد لقضائه، يا من انقاد كلشيء لامره). ونبدأ فنحدثك عن العبارة الاولی والثانية وهما: (يا من لا معقب لحكمه، يا من لا راد لقضائه)، فماذا نستخلص منهما؟ النص المفسر يشير الی ان الله تعالی حينما يحكم بشيء أو يقضي بشيء فلا راد لحكمه وقضائه، ولا أحد ينقض ذلك، وقد يتساءل قارئ الدعاء: ما هي الاسرار الكامنة وراء هاتين العبارتين المتجاورتين في مقطع الدعاء؟ الجواب: لقد لاحظنا طيلة حديثنا عن مقاطع الدعاء ان كل مقطع يتناول عبارات متجانسة: أما جميعاً أو بعضها مع الآخر، وهو ما يطبع الادعية بطابع الاحكام البلاغي والفني فما يفصح بوضوح عن ان الادعية وسائر النصوص الشرعية تتسم ببلاغتها الفائقة، وبعصمتها من الخطأ. والمهم الآن ان نلاحظ بأن العبارتين الواردتين واحدة بعد الاخری يطبعهما رافد واحد هو: حكم الله تعالی وقضاؤه، حيث انهما - اي الحكم والقضاء - يتجانسان في دلالتهما من حيث كونهما يعنيان ان كل ما صدر من الله تعالی من مبادئ وأحكام وكل ما صدر من الله تعالی من قضاء مبرم أو يخضع للبداء هو بحسب ماتتطلبه المصلحة الالهية فيما نجهلها بطبيعة الحال. من هنا ايضاً ورد نص مفسر بان عبارة (لا معقب لحكمه) تشمل ما هو الحكم وما هو القضاء من حيث لا أحد يرد أو ينقضهما. بعد ذلك نواجه عبارة تقول: (يا من انقاد كل شيء لامره) وهذه العبارة امتداد - في الواقع - لسابقتيها، وقد تسأل عن ذلك فنقول: ان أنقياد كل شيء لامر الله تعالی، يعني: انه حينما يحكم بشيء او يقض بشيء: فان الحكم والقضاء يتحققان بارادته تعالی وان الاشياء جميعاً تنقاد الی ما يأمر به تعالی: كما هو واضح. بعد ذلك نواجه عبارتين يختم بهما الدعاء وهي: (يا من السموات مطويات بيمينه، يا من يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته). تری ما هي الدلالات التي ترشح العبارتان المتقدمتان بهما؟ ان اول ما يواجهنا منهما هو: التعبير الرمزي أو الكنائي الذي يطبعهما، اي: الرمز القائل بان السموات مطويات بيمينه والرمز القائل بان (الرياح بشراً بين يدي رحمته) اي: ان اليمين، واليدهما رمزان يشيران الی سيطرة الله تعالی وهيمنته علی الكون، وفي مقدمة ذلك: السماوات والريح والنكتة هنا ان العبارة المتحدثة عن السماوات ترمز الی عظمته تعالی من حيث القدرة المطلقة التي لاحدود لها واما العبارة المتحدثة عن الرياح فانها ترمز الی رحمته تعالی حيث وردت الكلمة بشراً كما وردت كلمة رحمته لتشير الی عطاء الله تعالی والی رحمته غير المحدودة هنا يتعين علينا ان نذكرك بان كثيراً من النصوص الواردة في مختلف شؤون الحياة الدنيا او الحياة الاخرة تظل مؤكدة ومبرزة لظاهرتي (القدرة) و(الرحمة) وهذا لدلالته المهمة، حيث ان القوة حينما لا تنفصل عن الرحمة: حينئذ فان النعمة أو النعم تظل هي المبرزة لعظمة الله تعالی وهي نعم لا تحصی، كما ورد النص القرآني الكريم بذلك. ******* شرح فقرة: "يا من يحول بين المرء وقلبه، ..." - 206 2010-01-25 00:00:00 2010-01-25 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5869 http://arabic.irib.ir/programs/item/5869 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير) حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه ونحدثك الآن عن أحد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا من يحول بين المرء وقلبه، يا من لا تنفع الشفاعة الا بإذنه) ونقف عند عبارة: (يا من يحول بين المرء وقلبه) وهنا نتساءل: مالمقصود من العبارة المتقدمة؟ من الممكن ان يستخلص قارئ العبارة القائلة: (يا من يحول بين المرء وقلبه) جملة دلالات عرض لها المعنيون بهذا الشأن ولكن بحسب تصورنا القاصر بأن المقصود من ذلك هو: ان الله تعالی يمنع أو يحجز الشخصية من ان تحقق ما تتمناه من الظواهر. كيف ذلك؟ ان المرء ينوي او يعتزم بان يقوم بعمل ما ولكن الله تعالی يتدخل فيمنع تحقق ذلك. لماذا؟ الجواب: ان الله تعالی هو الحكيم العارف بمصلحة عبده فقد يحب العبد شيئاً ما ولكن الله تعالی يكره ذلك لمعرفته تعالی بما هو في صالح العبد المذكور وقد يكره العبد شيئاً ما ولكن الله تعالی يعلم بان المصلحة او الخير في العكس من ذلك. والمهم ان الله تعالی وهو يحب عباده لا يصنع لهم ولا يقسم لهم إلا ما هو الخير، لذلك اذا كان العبد قد عزم علی شيء ليس من مصلحته، فان الله تعالی يحول بين العبد وبين ما عزمه او نواه من العمل. بعد ذلك نواجه عبارة (يا من لا تنفع الشفاعة الا بأذنه) وهذا النص هو تناص أو اقتباس او تضمين للنص القرآني الكريم الذاهب الی انه تعالی لا يشفع الا باذنه تبعاً لقوله تعالی «مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ» كما ورد في نص آخر انه لا يقبل الشفاعة الا ممن ارتضی والمهم الآن هو: مفهوم الشفاعة وما تعنيه من الدلالات. فماذا نستلهم من ذلك! الشفاعة هي باختصار: التوسط لدی الله تعالی لصالح هذا العبد او ذاك، ومن الطبيعي ان الله تعالی مادام عارفاً بما تتطلبه المصلحة من الامر فأن الشفاعة لا تتم الا بأذنه تعالی في حالة ما اذا ناسب الموقف شفاعته تعالی ولعل اهم المعطيات المترتبة علی الشفاعة هي: الشفاعة التي يتولاها الاربعة عشر معصوماً فيما تكشف عن مدی محبتهم (عليهم السلام) لمن والاهم والتزم بمبادئهم التي رسمها تعالی. كما لا نغفل عن الدور الذي أشارت النصوص الی بعض اصحابه: كالشخصيات الخيرة او الاصدقاء حيث اشارت النصوص الواردة عنهم (عليهم السلام) ان هؤلاء الاتقياء أو الاصدقاء وسواهم يشفعون لدی الله تعالی للمئات والالاف: تيمّناً من الله تعالی اشخصياتهم الملتزمة بطاعته تعالی. بعد ذلك نواجه عبارة (يا من هو اعلم بمن ضل عن سبيله) وبالقابل هو ايضاً اعلم بمن اهتدی: كما وردت النصوص بذلك وما يعنينا الان هو: ماذا نستلهم من العبارة المتقدمة؟ لا نحتاج الی كثير تأمل حتی ندرك سريعاً بان الله تعالی هو العالم مطلقاً بكل شيء، ومن ذلك الاشخاص الذين ضلوا عن سبيل الله تعالی وانحرفوا عن الالتزام بمبادئ الله تعالی ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) واهل بيته، حيث ان المنحرف عنهم انما هو ضال دون ادنی شك كما نطقت النصوص الشرعية المتنوعة بذلك. ******* شرح فقرة: "يا من يقبل التوبة من عباده، ..." - 205 2010-01-23 00:00:00 2010-01-23 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/5868 http://arabic.irib.ir/programs/item/5868 لانزال نحدثك عن الأدعية المباركة، ومنها دعاء (الجوشن الكبير)، حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الآن عن احد مقاطعه الذي ورد فيه: (يا من يقبل التوبة عن عباده، يا من يحول بين المرء وقلبه، يا من لا تنفع الشفاعة الابأذنه). ونقف اولاً عند فقرة (يا من يقبل التوبة عن عباده)، وهي فقرة من الوضوح بمكان، ولكنها تحفل بما ينبغي ان نستحضره الآن من دلالاته المثيرة والمذكرة بوجوب الطاعة والتوبة، وعدم العود الی الذنب. العبارة- كما نلاحظ - تشير الی ان الله تعالی بلغ من رحمته التي لا حدود لها أن يقبل التوبة من العباد مع انهم خالفوا اوامره ومارسوا ما منعهم وحذرهم منه، لكنهم مع ذلك واصلوا الممارسات المنهي عنها او تخلوا عن الممارسات التي آمرهم بها. نقول مع ذلك فان الله تعالی يقبل التوبه عن العباد. فماذا نستلهم من قبوله التوبة؟ وماذا نستلهم من دلالات التوبة؟ نتحدث أولاً عن دلالة التوبة. فماذا نستخلص منها؟ الجواب: من البين ان التوبة تعني: عزم الشخصية علی عدم العود الی الذنب، بشرط أن تكون التوبة صادقة: بطبيعة الحال. والسؤال المهم هو: ان عدم العود الی الذنب يقترن بتعديل في السلوك النفسي للشخصية وذلك لأن ممارسة الذنب هي: سلوك منحرف أو سلوك شاذ او سلوك عصابي: كما هو واضح ولكن الشخصية التي تعتزم وتقرر عدم العودة الی الذنب فان هذا يعني: تحولاً في السلوك، اي: التحول من المرض النفسي الی الصحة النفسية، وهو معطی ضخم، حيث ان العبادات النفسية والارشادية لا يعنيها الّا أن تحولّ الاشخاص العصابين الی أسوياء وهذا ما يتحقق في التصور الاسلامي للسلوك في أحد انماطه، ألا وهو: التحول من ممارسة الذنب الی الطاعة. اذن مادام العبد قد ندم علی سلوكه، واطاع الله تعالی: حينئذ فان الرحمة الالهية تتدخل فتقبل التوبة. ليس هذا فحسب، بل تحوّل السيئة الی حسنة، وهذا هو منتهی ما نتصور من الرحمة الالهية: كما هو واضح. ومن مستويات الرحمة غير المحدودة لله تعالی، هو: ان نتصور مدی عطاء الله تعالی حيال عبده حينما يبشّره ويعده بقبول التوبة قبالة ما يتصوره المذنب من اليأس - لا سمح الله تعالی - من رحمته تعالی وذلك لان اليأس يعني: ان يتوقف العبد عن ممارسة وظيفته العبادية فيقول او يتحدث عن نفسه قائلاً: ما معنی ان امارس الطاعة اذا كنت من اصحاب النار؟ لذلك، فان بث الأمل بدلا من اليأس يسهم في تصعيد السلوك وتعديله، وتشجيع الشخصية علی ممارسة ما هو الاحسن من السلوك، وهذا بدوره معطی ضخم من الزاوية النفسية التي تحقق توازناً داخلياً للشخصية من حيث تركيبتها العامة، فضلاً عما يحققه قبول التوبة من معطيات عبادية يجد جزاءها في اليوم الآخر. اذن ما اضخم ما تتضمنه عبارة (يا من يقبل التوبة) من المعطيات الدنيوية والأخروية؟ سائلين الله تعالی ان يوفقنا الی التوبة، والی ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الی النحو المطلوب. *******