اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | شرح أدعية متفرقة http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb شرح فقرة: "اللهم أسألك صبر الشاكرين وعمل الخائفين منك ويقين العابدين لك" - 55 2006-11-07 00:00:00 2006-11-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1458 http://arabic.irib.ir/programs/item/1458 السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته احييكم اطيب تحية ونتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة ونكات متنوعة في ميدان المعرفة العبادية ومن ذلك ما حدثناك عنه بالنسبة لأدعية شهر رجب المكرم حيث ورد فيه «اللهم اسألك صبر الشاكرين وعمل الخائفين منك ويقين العابدين لك» وقد حدثناك عن هذا المقطع بعبارته القائلة «أسألك صبر الشاكرين» وعبارته «اسألك عمل الخائفين منك» ويبقى الآن ان نحدثك عن العبارة الثالثة وهي «أسألك يقين العابدين لك» فماذا نستخلص من هذا الدعاء؟ قد يسأل سائل فيقول، هل ان العابد من الممكن ان يمارس عمله العبادي وهو على غير يقين من ذلك؟ طبيعياً يمكن ان يكون الامر كذلك، بيد ان المطلوب هو تحديد الدلالة العبادية من حيث مصلحها، حتى نتبين من خلال ذلك معنى ظاهرة اليقين العبادي. ان العابد لله تعالى لا ينحصر في دلالته المغبوطة الى دعوى للناس بل يقصد به مطلق السلوك الصادر من العبد حيال الله تعالى فالصلاة والصوم والحج... الخ عبادة والاكل والشرب والنسوم عبادة والكسب والتعلم والسفر عبادة وكذلك التفكير والتخيل عبادة‌ في ضوء ذلك نتساءل هل ان العابدين لله تعالى‌ يملكون يقيناً كاملاً حيال ممارستهم العبادية؟ لقد مر الامام علي (عليه السلام) على حفنة من الخوارج ووجدهم قائمين الليل فعلق قائلاً ما معناه «نوم على يقين خير من عبادة مع شك» ترى ماذا يعني مثل هذا التعبير، واضح ان الامام علي (عليه السلام) اراد ان يبين ان الخوارج وسواهم مما لا ينتسب الى مصدر الحق النبي (صلى الله عليه وآله) واهل بيته (عليهم السلام) من حيث التلقي للمعرفة العبادية انما يمارسون عبادة مشكوكة، من جانب آخر من الممكن ان يحيا العابد يقيناً في بعض ممارساته ولا يحياه في ممارسات اخرى ان حفنة من الناس يمارسون عملهم العبادي وهم يشكون في صحة ذلك حتى ان البعض يمارس عبادته من خلال قناعته ان ممارسته هذه العبادة قد تنعكس معطياتها اخروياً وقد لا يكون ثمة اساساً للانعكاس النفسي ويكون مثله مثل من يعبد ان الحياة الآخرة لو تحققت لربح بعبادته ولو لم تتحقق لما خسر شيئاً، هذا وان نمطاً ثالثاً من الناس يشكك مثلاً في عصمة النبي (صلى الله عليه وآله) وآل بيته (عليهم السلام) مصافاً الى الغالبية من الناس ممن لا يملك يقيناً بظاهرة الرزق مثلاً او من لا يؤمن بظاهرة التوكل... الخ، ان امثلة هؤلاء لا يملكون يقين العابدين في الله تعالى، الذي يخيل اليه ان ذكاءه وقابليته مثلاً هي المحددة لرزقه متناسياً ان الله تعالى هو الذي وسع في رزق الحمقى حتى يعتبر الآخرون بذلك. نستخلص مما تقدم ان ظاهرة اليقين تعني على ان العبد على وعي حاد بما يمارسه من العمل العبادي، سواء كان ذلك في النطاق العقائدي او الاحكامي او الافعال الفردية والاجتماعية مع ملاحظة ان اليقين درجات متفاوتة فمثلاً ان ابراهيم (عليه السلام) حينما أعلم جبرئيل (عليه السلام) ان الله تعالى يعلم بحاله ولا حاجة لابراهيم بجبرئيل كان يمارس يقيناً لا يتوفر عند غالبية الناس بل ان اليقين يدفع الشخصية متعاملة مع قنوات الاعجاز وهذا من نحو ما المح اليه النبي صلى الله عليه وآله لان التعامل الحق مع الله تعالى يخترق الحجب تماماً، من هنا يمكننا ان نربط بين ظاهرة اليقين العبادي وبين ظاهرة عمل الخائفين فيما لاحظناها في لقاءاتنا السابقة حيث قلنا ان الخائف يتعامل مع الله تعالى من خلال ملاحظته لعظمة الله وهذا لا يحصل الا من خلال اليقين الكامل بمختلف مستويات العظمة ومنها المباديء التي رسمها الله تعالى لعباده وامرنا بممارستها حيث ان اليقين بها يقين بالحكمة الالهية كما هو واضح. المهم ان قاريء الدعاء ان يستثمر قراءته بهذه الفقرات من الدعاء وذلك بتدريب ذاته وشكره لله تعالى والصبر على ذلك ومن ثمة ممارسة عمله على الخوف منه تعالى اي ملاحظة عظمته تعالى ثم اليقين بجميع ما رسمه للعبد والتصاعد بهذا السلوك الى‌ النحو المطلوب. نرجو ان نلتقيكم في موعد لا حق حتى ذلك الموعد نستودعكم بحفظ الله ورعايته وفي امان الله. ******* علاقة العبادة الحقة بالخوف من الله تعالى - 54 2006-11-06 00:00:00 2006-11-06 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/429 http://arabic.irib.ir/programs/item/429 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة التعبير وثراء المعنى، فضلاً عن معطياتها الوجدانية والعبادية ولنا هذه الادعية ما سبق ان حدثناكم عنها ونعني بذلك الدعاء الذي يتلى يومياً في شهر رجب وهو (اللهم اني أسألك صبر الشاكرين لك، وعمل الخائفين منك، ويقين العابدين لك ...). وقد حدثناكم عن الفقرة الاولى منه وهي (اللهم اني أسألك صبر الشاكرين)، ونحدثكم الآن عن الفقرة الثانية وهي (وعمل الخائفين منك) فماذا تعني هذه العبارة؟ مما لا شك فيه ان العبد بالضرورة ينبغي ان يخاف الله تعالى لكن السؤال هو ما هي دلالة الخوف من حيث صياغتها او اصطلاحها الذي يستخدمه النص الشرعي؟ هل هو الخوف الذي ينصرف اليه الذهن العادي أي الخوف من العقاب مثلاً؟ اصحاب الجنة الى قسمين هما شخصيات السابقين وشخصيات اليمين تبعاً لقوله تعالى (والسابقون السابقون اولئك المقربون) وقوله تعالى (واصحاب اليمين ما اصحاب اليمين) وعندما ندقق في اوصاف الجنة المعدة للسابقين نجدها ارقى واترف نعيماً من الجنة المعدة لاصحاب اليمين، ونحن الان لسنا في مقام التفسير المفصل لمستويات الجنة بقدر ما نستهدف الاشارة الى ان الجنة التي اعدها الله تعالى للسابقين هي افضل المواقع بالقياس الى الدرجة المعدة للسابقين قد عرف القرآن الكريم اصحابها متمثلين في الشخصيات "المقربة" حيث قال تعالى (والسابقون السابقون اولئك المقربون) وهؤلاء الاشخاص خلع عليهم الله تعالى في سورة الرحمن طابع (الخائفين) فقال: (ولمن خاف مقام ربه جنتان) . هنا ايضاً لو دققت النظر في الاوصاف التي وردت في عرض البيئة التي تنتظم "الخائفين" لوجدتها بدورها ارقى واترف من النعيم الذي وصفه الله تعالى لمن هو دونهم، حيث قال تعالى (ومن دونهما جنتان) أي ثمة جنتان دون او ما يلي الجنتين الاوليين حيث نجد ان النعيم المعروض في وصف الجنتين الاعلى درجة هو: من نصيب الشخصيات "الخائفة". من هنا نستخلص بان "الخائف" هو الشخصية الاعلى درجة من الاخرين المؤمنين وهذا يؤدي بنا الى ملاحظة السمات التي تطيل هذه الشخصيات. من الواضح ان مجرد الخوف يظل كما لا حظنا من سمات الشخصيات التي يطلق عليها العبد، ولكن كما قلنا ايضاً ان الشخصيات الاعلى درجة هي التي تتعامل مع الله تعالى بما انه اصل للعبادة ولذلك هنا نجد ان الاصلاح الشرعي لظاهرة الخوف تتسع دلالتها لتشمل ارفع درجة عبادية للشخصية انها لا تعني الخوف من العقاب فحسب والا بم نفسر ما ورد عن المعصومين عليهم السلام من ان الشخصية ينبغي ان تعبد الله تعالى عبادة الاحرار أي ان تعبده لانه تعالى اهلٌ للعبادة وليس طمعاً في الثواب وخوفاً من العقاب. فالعبادة الطامحة الى الثواب هي عبادة التجار والعبادة الخائفة من العقاب هي عبادة العبيد واما العبادة الطامحة الى رضاه تعالى وممارسة العبادة حياله بما انه تعالى اهلٌ للعبادة فهي عبادة الاحرار وهم الصفوة البشرية دون ادنى شك ... هنا قبل ان نتحدث عن العبادة الحقة وصلتها بظاهرة الخوف، ينبغي ان نذكركم بان نستحضر النصوص القرآنية الكريمة واحاديث المعصومين عليهم السلام في هذا الميدان فمثلاً عندما نقرأ سورة الواقعة نجدها تقسم يمكن الذهاب الى ان "الخوف" عند الشخصيات العليا يجسد حالة خاصة هي شعورها بعظمة الله تعالى وهيبته وخوف احتجابه عنها أي الشخصيات التي تتعامل مع الله تعالى من خلال الوجه والقرب والذوبان في محبة الله تعالى ومن ثم فان الخوف يظل هو الخوف من تقصيرها في حق الله تعالى حيث ان الله تعالى لا يمكن ان يعبد حق عبادته، وهذا ما يفسر لنا القصور والتقصير في الممارسة العبادية تجاه الله تعالى مهما بلغت درجة الشخصية في اعلى مستوياتها الممكنة. اذن: عندما يقول الدعاء (اللهم اني أسألك عمل الخائفين منك) يعني ان يوفقنا الله تعالى بان نعمل عمل الخائفين من الله في ممارستنا العبادية وهو اثر يحملنا على ان ندرب ذواتنا دوماً على تحقيق ذلك والتصاعد به الى النحو المطلوب. ******* معنى الطلب من الله عزوجل أن يرزق المؤمن صبر الشاكرين - 53 2006-11-04 00:00:00 2006-11-04 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/428 http://arabic.irib.ir/programs/item/428 لا نزال نحدثكم عن الادعية المباركة وما تتضمنه من دقائق المعاني ونكاتها العميقة ومن ذلك ما حدثناكم عنه في لقاء سابق بالنسبة الى احد ادعية رجب المبارك حيث يتلى يومياً وهو (اللهم اني أسألك صبر الشاكرين لك، وعمل الخائفين منك، ويقين العابدين لك)، هذا المقطع من الدعاء يتناول ثلاث ظواهر او ثلاث سمات نفسية هي الصبر والعمل واليقين وقد حدثناكم عن العبارة الاولى وهي "أسألك صبر الشاكرين" وفصلنا الحديث عن ظاهرة "الشكر" لله تعالى ومطلق الشكر كونها سمة سوية من سمات الشخصية المتوازنة ولكننا لم نحدثكم عن "الصبر" بصفته ايضاً سمة سوية تجسد هرم السلوك السوي كما سنرى من حيث صلتها بظاهرة الشكر لله تعالى أي اننا نتساءل ونحسبكم تتساؤلون ايضاً عن الرابط بين الشكر والصبر، عليه وهل ان الشكر وحده يتطلب صبراً ام ينسحب الصبر على سلوك الشخصية باكملها؟ هذا ما سنجيبكم عليه الان ان شاء الله تعالى ... ان ظاهرة "الصبر" في الشريعة الاسلامية تظل اكثر السمات الحاحاً واهمية حتى ان القرآن الكريم يشير الى ان هذه السمة لا يوفق اليها الا ذو حظ عظيم ... كما ان الصبر من زاوية السلوك النفسي يعتبر هرم السلوك كما قلنا وذلك لسبب واضح هو ان تركيبة الانسان الثنائية التي تقوم على قطبي الخير والشر أي على وجود القابلية في ممارسة الخير والشر انما يتطلب السيطرة على الشر واختيار ظاهرة الخير والسيطرة في حد ذاتها هي عملية "صبر" وما يسميه علماء النفس بـ"التأجيل" في اشباع الحاجات فمثلاً لو واجهنا مثيراً جنسياً غير مشروع فان الموقف الاسلامي يفرض علينا ان نمارس عملية الصبر او تأجيل لاشباع الحاجة الجنسية غير المشروعة وكذلك جميع الحاجات الاخرى سواء كانت حاجات حيوية كالطعام والشراب الخ, او حاجات نفسية كالحاجة الى السيطرة والفوقية والتقدير والحب والجاه و.... من هنا فان عملية السيطرة على حاجاتنا غير المشروعة تتطلب صبراً على ذلك ومن هنا ايضاً يعتبر الصبر الهرم لجميع الظواهر او السمات السوية كالامانة والبر والاحسان والحلم والصفح .... والآن في ضوء معرفتنا باهمية الصبر نتجه الى العبارة الواردة في الدعاء أي العبارة القائلة (أسألك صبر الشاكرين) فماذا تعني؟ قبل ان نجيبكم عن السؤال المتقدم نلفت نظركم الى ان الصبر هو انماط منه الصبر عن المعصية كما لو صبرنا عن ممارسة عمل محرم وهناك نمط آخر هو الصبر على الطاعة وهذا كما لو صبرنا على الشدة المتمثلة في الصوم او الجهاد او .... وفي ضوء هذه الحقيقة نستطع الذهاب الى ان القول بان الصبر على الشكر او صبر الشكر يعني ان الصبر هنا يشمل النمطين المذكورين انما ينبغي علينا ان نشكره تعالى دواماً في الشدة وفي الرخاء بصفة ان الله تعالى لا تحصى نعمه وان الشدة بدورها تتطلب شكراً لله تعالى حيث ورد في هذا الميدان ما يشير الى المضمون القائل الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه احد سواه أي ان الشدة لا يحمد او يشكر عليها احد الا الله تعالى لانه خير للعبد في جميع الحالات أي ان الله تعالى لا يصنع بعبده الا الخير وهذا ما يتطلب الشكر كما هو واضح. اذن: اتضح لنا معنى الصبر على الشكر وهو امر يحملنا على ان نمارس هذه السمة دواماً في الحالات جميعاً في الرخاء والشدة ومن ثم ندرب ذواتنا على الطاعة مطلقاً والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* أهمية ترسيخ روح الشكر لله عزوجل - 52 2006-11-02 00:00:00 2006-11-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/427 http://arabic.irib.ir/programs/item/427 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من المعرفة العبادية في ميدان العقائد والاحكام والاخلاق وسواها، ومن ذلك ما يقرأ يومياً في شهر رجب المبارك (اللهم أني أسألك صبر الشاكرين لك، وعمل الخائفين منك، ويقين العابدين لك ...). هذا المقطع من الدعاء يتضمن ثلاث سمات للشخصية الاسلامية الملتزمة هي الشاكرة والخائفة والعابدة وكل واحدة من هذه السمات للشخصية تقترن بسمة نفسية هي "الصبر" وبالنسبة الى الشخصية الشاكرة و"العمل" بالنسبة الى الشخصية الخائفة واليقين بالنسبة الى الشخصية العابدة. اذن: ثلاث سمات عامة للشخصية هي الشاكرة والخائفة والعابدة وثلاث سمات مرتبطة بها من الزاوية النفسية هي الصبر والعمل واليقين ... واذن "للمرة الجديدة" نحن الآن امام ستة طوابع او ملامح للشخصية الاسلامية الملتزمة فيما يجدر بنا ملاحظة ذلك الآن... بالنسبة السمة الاولى او الشخصية الشاكرة حيث توسل الدعاء بالله تعالى ان يمنحها "صبراً"، هذه السمة أي الشخصية الشاكرة لله تعالى مقترنة بعملية الصبر تحتاج الى شيء من توضيح دلالتها .. فماذا تعني؟ من البين، ان الشريعة الاسلامية طالما تؤكد ومن خلال النصوص القرآنية والحديثية ظاهرة "الشكر" ولذلك ورد في القرآن الكريم ما يشير الى قلة الشخوص الشاكرة من خلال قوله تعالى: (وقليل من عبادي الشكور) ونتساءل اولاً عن المقصود من الشخصية الشاكرة؟ من البين ايضاً ان الشكر بمعناه اللغوي هو ان تتقدم الشخصية بعملية تقدير للجهة التي تحسن اليها بداءاً أكان التعامل مع الله تعالى او مع العباد مع ملاحظة ان الشكر لله تعالى لا يقاس مع سواه ولكن النصوص الشرعية حرصاً منها على ان تصوغ الشخصية الاسلامية سويةً لا تطبعها الامراض او السمات العصابية ترسلم لها مبادئ السلوك السوي من الزاوية النفسية والعبادية حيث ان الشخصية العبادية أي الملتزمة حقاً بمبادئ الاسلام لا يصبها مرض النفس ابداً فتكون سويةً بالضرورة المهم هو ان "الشكر" أي صدور التقدير من الشخص للجهة التي تحسن الى الشخص يعد من ابرز سمات الشخصية السوية، وذلك لسبب واضح هو ان النزعة الخيرة او الانسانية في اعماق الشخص تفرض عليه ان يقدر ويثمن أي احسان يقدم اليه لان الاحسان اساساً هو نزعة انسانية هذا في مقام السلوك البشر. واما بالنسبة الى "احسان" الله تعالى فهذا مما لا يقاس البتة بالاحسان المحدود بشرياً قبالة الله تعالى حيث لا حدود لاحسانه، وهو ما عبرت الآية الكريمة عنه عندما قالت (وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها). في ضوء الحقيقة المتقدمة نخلص الى ان الشخصية "الشاكرة" هي الشخصية التي تمتلك نزعة انسانية خيرة بحيث تقتادها الى ان تقدر وتثمن وتقر بعملية الاحسان المقدم اليها وهذا يعني ان العكس هو الصحيح بالنسبة الى الشخصية الجاحدة للاحسان حيث ان التنكر او النسيان او عدم المبالاة في سلوك الشخصية غير الشاكرة يعني: مجموعة سمات سلبية مثل اللؤم، والحقد، والنزعة العدوانية والبخل.... بيد ان الملفت للنظر حقاً هو ان الله تعالى لوح بمعاقبة هؤلاء الجاحدين بخاصة من يجحد نعمه تعالى حتى ان سورة قرآنية كريمة هي سورة سبأ قد استغرق غالبية مواقعها مآثرها من العقاب الدنيوي على عدم الشكر حيث يدل فراغها وطرق مواصلاتها من نعيم ملحوظ الى ابادة وتمزق. والان مع معرفتنا باهمية الشكر لله تعالى نتساءل لماذا قرن الامام الصادق(ع) وهو صاحب الدعاء المذكور سمة الشكر مع سمة الصبر حيث قال: (اللهم اني أسألك صبر الشاكرين لك)، هذا ما نحدثكم عنه لاحقاً ان شاء الله تعالى. اما الآن حسبنا ان نستثمر قراءة هذا الدعاء ونتذكر دواماً نعم الله تعالى علينا ومن ثم ان نشكره دواماً على ذلك وان ندرب ذواتنا على سائر الانماط من ا لطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* معنى السرور بقرب الله والاستغفار من كل سرور بغير قربه عزوجل - 51 2006-09-25 00:00:00 2006-09-25 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/416 http://arabic.irib.ir/programs/item/416 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تنطوي عليه من دقائق المعاني وطريفها... ومن ذلك ما حدثناكم عنه في لقاءات سابقة بالنسبة الى احد مقاطع الدعاء وهو مقطع يحصر العلاقة الحقة بين العبد وبين الله تعالى دون الناس، ودون سائر الحاجات التي يتطلع الانسان الى اشباعها والمقطع هو (استغفرك من كل لذة بغير ذكر، ومن كل راحة بغير انسك، ومن كل سرور بغير قربك، ومن كل شغل بغير طاعتك)... ان هذا المقطع الذي يتألف من اربعة استغفارات حدثناكم عن اثنين منها وهما: نستغفره تعالى من كل لذة بغير ذكره ونستغفره من كل راحة بغير انسه، اما الآن فنحدثكم عن الاستغفار الثالث وهو ان نطمح الى سرور بغير قربه تعالى... فماذا تعني هذه العبارة؟ العبارة تشير الى ان العبد ينبغي الا يطمح الى أي سرور بغير قرب الله تعالى الا ان هذه العبارة التي تبدو وكأنها بسيطة وواضحة تظل حافلة بجملة نكات واسرار يجدر بقارئ الدعاء ان يتبينها ... واول ما يستوقفنا هنا ملاحظة الفارق بين ظاهرة السرور الذي نطمح اليه، وبين الراحة التي نطمح اليها، وبين اللذة التي نطمح اليها ايضاً... فقد سبق لك ان لاحظت بان هذا المقطع من الدعاء قد استغفر الله تعالى من كل لذة ومن كل راحة ومن كل سرور، وهذا يعني وجود الفارق بين اللذة وبين الراحة وبين السرور واما الفارق بين اللذة وبين الراحة فقد سبق ان اوضحناه واما الآن فيعنينا ان نوضح الفارق بين السرور وبين ما سواه ... فما هو الفارق اذن؟ ان "اللذة" تقترن بما هو شهي أي بالشهوة مطلقاً اياً كان نمطها فالطعام مثلاً يقترن باللذة وحينما يخلع الدعاء طابع اللذة على امر معنوي هو ذكر الله تعالى، فهذا يعني ان المشتهيات جميعاً مهما كان نمطها لا قيمة لها بالقياس التي ذكر الله تعالى من قبل العبد، فالعبد الذاكر لله تعالى لا يجد لذة سوى التواصل مع الله تعالى بحيث تنطفئ مشتهاته جميعاً فلا البشر ولا الطبيعة ولا الاطعمة ولا الاشربة .... ولا أي شيء آخر يلذ له سوى ذكر الله تعالى. لكن بالنسبة الى الفته بالله تعالى أي الانس به بعد ان يكون قد ذكره يتناسب مع نمط آخر من الاشباع هو السكون الى الله تعالى بعد ان وجد الا لذة سواه ولذلك عبر الدعاء عن السكون بقوله "استغفرك من كل راحة بغير انسك..." لكن ثمة مرحلة ثالثة تجيء بعد الذكر وبعد الانس وهي القرب من الله تعالى فالعبد بعد ان يذكر الله تعالى يسكن اليه وبعد ان يسكن اليه لا يجد مناصاً من ان يبقى قريباً منه وهو ما عبر الدعاء عنه "واستغفرك من كل سرور بغير قربك". والسؤال الآن هو لماذا انتخب الدعاء عبارة السرور بدلاً من اللذة ومن الراحة بالنسبة الى القرب من الله تعالى؟ هنا تكمن نكتة مهمة هي ان "السرور" هو الفرح بكل ما تعنيه هذه الكلمة... فالعبد يجد لذة اولاً عندما يذكر الله تعالى ويجد راحة ثانياً عندما يسكن اليه ولكنه ثالثاً يفرح ويسر عندما يكون بقرب الله تعالى لا ينفصل عنه، حيث ان الفرح او السرور هو الاشباع الكامل لحاجات الشخصية بمعنى ان كل واحد منا قد يلتذ بشيء وقد يسكن الى شيء ولكن قد لا يتحقق السرور الكامل بذلك... ومن هناك نجد ان الدعاء جعل السرور وهو قمة الاشباع متمثلاً ومتحققاً في "القرب" من الله تعالى أي عدم انفصاله البتة عن الله تعالى. اذن: امكننا ان نتبين جانباً من اسرار هذا المقطع من الدعاء الحافل بنكات متنوعة حيث بين لنا مرات الاشباع من لذة ومن راحة ومن سرور، وحيث يتعين علينا ان نحيا هذه المبادئ من السلوك العبادي والتصاعد به الى النحو المطلوب. ******* الدعاء وتدريب المؤمن على ان تكون راحته وسكونه الى الأنس بالله - 50 2006-09-23 00:00:00 2006-09-23 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/415 http://arabic.irib.ir/programs/item/415 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة العبارة ونكاتها الدلالية المتنوعة ... ومن هذه النماذج ما حدثناكم عنه في لقاءات سابقة، تتصل باحد مقاطع الادعية، وهو المقطع الذي "يستغفر الله تعالى من كل لذة بغير ذكر الله تعالى ومن كل راحة بغير انس الله تعالى ..."، وقد حدثناكم عن الاستغفار الاول وهو اللذة بغير ذكر الله تعالى كما حدثناكم عابراً عن الاستغفار الثاني وهو الراحة بغير انس الله تعالى وواعدناكم بان نحدثكم مفصلاً عن هذا الجانب ... وها نحن نبدأ بالقاء الانارة على الموضوع ... قلنا ان الانس والسحر والراحة والفرح واللذة والمتعة وامثلتها من العبارات التي تتحدث عن الاشباع لحاجات الشخصية تظل متفاوتة في دلالاتها وان كانت في تصور الرجل العادي انها تحمل دلالة واحدة. ففي المقطع الذي نتحدث عنه نلاحظ بان الدعاء يستغفر الله تعالى من كل راحة بغير انس الله تعالى وهو امر قد يجعل قارئ الدعاء حائراً من حيث تصوره بان الانس مثلاً لا يختلف عن الراحة بصفته ان كليهما تعبير عن حالة الاشباع لحاجات الشخصية... لكن لو دققنا النظر لرأينا الفارق بين هاتين الظاهرتين وما تنطويان عليه من النكات الدلالية التي نعدك دوماً باستخلاصها وتوضيحها... ايضاً نذكرك باننا في لقاء سابق اوضحنا الدلالة اللغوية لعبارة الانس والدلالة اللغوية لعبارة الراحة ويهمنا الآن ان نوضح ذلك مفصلاً حتى يقف قارئ الدعاء عند النكات المتنوعة لهذا المقطع من الدعاء.... عندما تتجه الى الله تعالى وتقول استغفرك من كل راحة ماذا تستخلص منها؟ انك لتستخلص دلالة هي انه لا سكون للنفس تستريح اليه الا عند الله تعالى ... فانت هنا تبحث عن السكون الى شيء يحقق لك اشباعاً خاصاً، ولذلك فان الراحة هنا ليس بمعنى السرور او الفرح او اللذة بل بمعنى آخر هو السكون الى الشيء فمثلاً عندما تسكن نفسك الى صديق فهذا لا يعني انك تحس بانك فرحاً او مسروراً بقدر ما يعني انك تحس بهدوء وبقرار وباطمئنان الى الشيء والاطمئنان الى الشيء غير الفرح والسرور، وفي هذه الحقيقة نتساءل ما هي الدلالة التي نستخلصها من عبارة الدعاء عندما تقول واستغفرك من كل راحة بغير انسك هنا سوف يضطرب فهمك ايضاً للمعنى الرقيق بين الراحة وبين الانس ولعلك تتساءل أليس الانس هو الراحة ايضاً؟ ونجيبك كلاً! كيف ذلك؟ ان الانس هو الالفة بالشيء أي هو ضد التوحش، فمثلاً عندما يستشعر بحالة عدم العثور على صديق مخلص، او عندما تواجه شخصاً لا معرفة لك به، عندها سوف تستوحش ولكن عندما تعثر على الصديق المخلص، والشخص الذي لك صلة به، عندها سوف تأنس بهما أي سوف تألفهما ولاتستوحش منهما. والآن اذا نقلنا الحقيقة المتقدمة الى موضوع الدعاء الذي يستغفر من كل راحة بغير انس بالله تعالى نجد ان الدعاء قد استهدف الاشارة الى ان كل مألوف لدى البشر سواءاً أكان صديقاً او قريباً او أي مصدر اخر قد يألفه الشخص، تلك الالفة ينبغي الا تحصل الا من خلال التواصل مع الله تعالى... وبكلمة اكثر وضوحاً الدعاء المذكور يقرر الاستغفار من كل علاقة بين قارئ الدعاء وبين سواه، الا علاقة بالله تعالى، حيث ان النفس تسكن الى هذه العلاقة وحيث انها أي النفس تألف العلاقة المذكورة بينما تستوحش من غيرها وهذا ما نجده مذكوراً في كثير من النصوص الشرعية الذاهبة الى ان العبد اذا استأنس بالله تعالى فسوف يستوحش من الناس، وهذا المعنى نفسه قد عبر الدعاء عنه باسلوب دقيق ذكر فيه سكون النفس وذكر فيه الالفة وكيف ان العبد يسكن الى الله تعالى ويحقق بذلك انساً أي الفة بالله تعالى ويتحاشا من سواه. اذن: امكننا ان نتبين جانباً من دلالة الدعاء وهو امر ينبغي ان نستثمره وذلك بان نجعل راحتنا من خلال الانس به تعالى وان ندرب ذواتنا على ذلك، ونتصاعد به الى النحو المطلوب. ******* معنى الاستغفار من كل راحة بغير الأنس بالله - 49 2006-09-20 00:00:00 2006-09-20 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/414 http://arabic.irib.ir/programs/item/414 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من اساليب التعبير البلاغي، حيث تسهم العبارة البليغة في تعميق معاني الدعاء، والكشف عن النكات الدلالية المتنوعة فيه ... ومن جملة ذلك: ما ذكرناه في لقاء سابق وهو: مقطع الدعاء المتجه الى الله تعالى بهذا النحو (استغفرك من كل لذة بغير ذكرك، ومن كل راحة بغير انسك، ومن كل سرور بغير قربك، ومن كل شغل بغير طاعتك...). هذا المقطع يتضمن استغفاراً ويتضمن اشارة الى اربعة انماط من التواصل مع الله تعالى احدها التواصل من خلال الذكر، والآخر من خلال الانس، والثالث من خلال القرب، والرابع من خلال الطاعة... اما الاستغفار من اية ممارسة ليس فيها ذكر الله تعالى فقد حدثناكم في لقاء سابق عن دلالته ونكاته، حيث قلنا ان الاستغفارَ اعم من الاستغفارِ عن ذنب بل يشمل الاستغفار من غير ذنب كما هو طابع استغفار المعصومين عليهم السلام ... اما الان نحدثكم عن الاستغفار من الممارسة الاخرى وهي الاستغفار من كل راحة بغير انس الله تعالى فماذا تعني هذه العبارة؟ قبل ان نحدثكم عن هذا الجانب ينبغي ان نذكركم بان العبارات المتنوعة التي لاحظناها تبدو وكأنها متماثلة او متقاربة في دلالتها، ونحسب ان من الصعوبة ان يستطيع القارئ للدعاء ان يوضح لنا الفروق بين العبارات الاتية اللذة، السرور، الراحة، الانس، وحتى لو ان قارئ الدعاء تأمل بدقة وصرف وقتاً في تبيين الفروق بين هذه العبارات حينئذ سيقف حائراً في تحديد الفروق الدقيقة لكن حسبنا جميعاً ان نتبين ولو يسيراً ما تعنيه العبارات المذكورة. ولنقف اولاً كما اشرنا عند العبارة المستغفرة من كل راحة بغير الانس مع الله فماذا نستخلص منها؟ ان الانس هو ضد "التوحش" أي الالفة بالشيء هنا نلفت نظرك الى ان عملية "الاشباع" للحاجات البشرية تظل متنوعة فمثلاً اذا كنت جائعاً فان الاشباع كما كما يختلف عن الاشباع فيما لو كنت خائفاً ثم حصل الاطمئنان وذهب الخوف، وكذلك هذان النمطان من الاشباع يختلفان عن اشباع ثالث، وهذا كما لو كنت وحدك مثلاً وانت تتحس الملل ثم جاءك من يطرد الملل والوحشة عنك وهكذا... اذن: الاشباع وهو سد الحاجة يختلف من نمط الى آخر، وحيث تتجه الى ما اشرنا اليه من التوسل القائل بالاستغفار من كل راحة بغير الانس بالله تعالى، نجد ان الاشباع هو "الراحة" أي تحقق توازن الشخصية، واظنكم تسأءلون جديداً هل ان "الاشباع" يحقق توازنات متنوعة نقول: نعم، حيث ان الراحة هي غير السرور والسرور غير الفرح وهما غير اللذة وهكذا... اذن: ما المقصود من "الراحة" هنا؟ ثم ما المقصود من الانس هنا؟ المقصود من الراحة هو السكون الى الشيء فمثلاً اذا كنت جالساً وحدك ثم جاءك صديق كريم حينئذ سوف تسكن نفسك اليه وهذا هو الراحة. واما بالنسبة الى الانس فهو ضد الوحشة أي الالفة فمثلاً اذا كنت "متوحشاً" من البيئة الصحراوية، واليفاً مع البيئة الزراعية، حينئذ فان "الانس" بالبيئة الاخيرة أي الزراعة تعني انك تألف هذه البيئة وتتوحش من سواها. وفي ضوء من الحقيقة ماذا نستخلص من عبارة الدعاء القائلة "واستغفرك ... من كل راحة بغير أنسك"؟ هذا ما نحدثكم عنه في لقاء لاحق ان شاء الله تعالى. اما الآن فحسبنا ان نشير الى ضرورة استثمار هذه المواقف، أي قراءة الدعاء واستخلاص العظة منه وهو: التواصل مع الله تعالى على المستويات جميعاً، أي الا نحيا اية فعالية سواءاً كانت ذهنية ام قلبية ام عملية الا تغفل لحظة عن الله تعالى وان ندرب ذواتنا على ذلك والتصاعد به الى النحو المطلوب. ******* معنى دعاء السجاد(ع): (استغفرك من كل لذة بغير ذكرك) مراتب وانواع ذكر الله عزوجل - 48 2006-09-16 00:00:00 2006-09-16 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/413 http://arabic.irib.ir/programs/item/413 لا نزال نتحدث عن الادعية المباركة وما تنطوي عليه من الاهمية المعرفية حيث انها بالاضافة الى معطياتها الوجدانية تثري معرفتنا العبادية من ذلك مثلاً: ما نلاحظه في ادعية الامام السجاد(ع) حيث ورد في احدها (استغفرك من كل لذة بغير ذكرك، ومن كل راحة بغير انسك، ومن كل سرور بغير قربك، ومن كل شغل بغير طاعتك)... ان هذا المقطع من الدعاء يتضمن اربعة توسلات بالله تعالى، كل واحد منها ينطوي على ثروة معرفية بالنسبة الى علاقتنا بالله تعالى ووظيفتنا العبادية حياله.... اذن: لنتحدث عن كل توسل منها.... ونبدأ باولها وهو قوله(ع): والدعاء كما ذكرنا للامام السجاد(ع)... (استغفرك من كل لذة بغير ذكرك)... الاستغفار هنا يختلف بطبيعته عن الاستغفار من الذنوب او المعاصي... ولعلنا جميعاً نعرف بان النبي(ص) كما ورد في النصوص الشرعية كان يستغفر الله تعالى يومياً من غير ذنب... ولا نحسب ان عملية الاستغفار من غير ذنب يجهلها احد منا اذا اخذنا بنظر الاعتبار ان البشر يتفاوتون في درجات وعيهم العبادي فالمعصومون عليهم السلام مثلاً عندما يستغفرون الله تعالى فلانهم يعرفون تماماً ان الله تعالى لا يعبد حق عبادته، أي مهما اجهد الشخص ذاته في العبادة فان الله تعالى بصفته ذا كمال لا حدود له حينئذ فان نجد المحدود لا يمكن الوصول الى ساحة كماله ومعرفته حدودها، وهو امر يفسر لنا السر الكامن وراء عدم امكانية ان يعبد الله حق عبادته مما يترتب عليه الاستغفار المذكور... واذا اتجهنا الى المستوى الاخر من البشر غير المعصوم نجد انه يتفاوت بدوره في درجات معرفته ووعيه العبادي ولعل المقولة التي تتردد على الالسنة من ان طاعة بعض الاخيار هي ذنب عند من يتجاوزونهم في المعرفة، نلقي الاضاءة على هذا الجانب... حيث تكشف هذه المقولة ان المؤمنين هم على درجات متفاوتة بحيث تعد الطاعة عند من يمتلك وعياً محدوداً ذنباً عند من يمتلك وعياً عبادياً اكبر منه... وفي ضوء هذه الحقيقة يمكننا ان نفسر كلام الامام(ع) (استغفرك من كل لذة بغير ذكرك)... فهذا المقطع او الفقرة من الدعاء تتضمن عملية استغفار، وتتضمن الاشارة الى الذكر، والمطلوب الان ان نوضح الصلة بين مصطلح "الذكر" ومصطلح الاستغفار.. بالنسبة الى "الذكر" يعنينا ان نشير الى دلالته من جملة زوايا فمن جانب نجد ان الذكر قد يكون لفظياً "كقراءتنا للاذكار والاوراد والادعية ... الخ" وقد يكون قلبياً وهذا النوع الاخير أي القلبي قد يكون مجرد تذكر لامر ما، يتصل بحدود الله تعالى كما لو تذكرنا واجباً فحارسناه او محرماً فاجتنبناه أي ان مجرد عمل الواجب وترك المحرم مثلاً يعد ذكراً لله تعالى لانه عملية تذكر لمبادئ الله تعالى من حيث انه تعالى امرنا باشياء ونهانا عن اشياء وهكذا... وهذا هو احد اشكال الذكر القلبي... وهناك نمط اخر من الذكر القلبي الا وهو ان نحيا الله تعالى في قلوبنا واذهاننا أي: نذكره تعالى في الحالات جميعاً او بعضاً بقدر وعي الانسان العبادي، فالبعض من البشر قد يذكر الله تعالى في القلب لحظات او ساعات، والبعض يذكره في الاوقات جميعاً وهكذا ولكن السؤال هو ما هي مفردات هذا الذكر؟ ان الذكر القلبي بدوره يشبه الذكر اللفظي في دلالته فمثلاً ان الذكر اللفظي لعبارة "لا اله الا الله" قد يصبح ذكراً قلبياً في حالات متنوعة... فمثلاً ان مجرد تفكرك بدلالة "لا اله الا الله" يعد ذكراً حتى لو لم تنطق به وهذا ما يفسر لنا بعض الاتجاهات العلمية التي تذهب الى ان التفكير هو كلام غير منطوق، وهذا يعني انك قد تردد كلمة "لا اله الا الله" في قلبك دون ان تنطق بها سواءاً كنت وحدك ام كنت مع الاخرين وقد لا ترددها في قلبك بل تحيا او تعايش دلالتها ومعناها... وهناك ذكر قلبي اخر يجسد قمة الممارسة العبادية وهو ان لا ينسى العبد او يغفل الله تعالى البتة أي يذكر العبد الله تعالى في الحالات جميعاً، منذ ان يستيقظ من النوم الى ان يأوى الى فراشه. وهذا النمط من الذكر يشمل كل حالات الانسان سواءاً اكانت حالات تتصل بنشاط مادي او معنوي، او بنشاط لفظي او وجداني، أي يذكر الله تعالى ويستحضر عظمته ونعمه ليل نهار لا يفر عن ذلك البتة. وفي ضوء هذه الحقائق نتقدم الى بيان "الذكر" في فقرة الدعاء التي لاحظناها وهو ما نؤجل الحديث عنه الى لقاء لاحق ان شاء الله تعالى. اخيراً: يتعين علينا ان نستثمر قراءتنا لهذا الدعاء فندرب ذواتنا على الذكر وسائر الممارسات العبادية والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* تعميق شعور الانسان بالمسؤولية تجاه اعماله (دعاء تعقيب صلاة الليل) - 47 2006-09-14 00:00:00 2006-09-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/412 http://arabic.irib.ir/programs/item/412 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من دقائق المعاني وطريفها ومن ذلك ما حدثناكم عنه في لقاءات سابقة حيث استشهدنا بنموذج من الدعاء الذي يقرأ بعد صلاة الليل حيث ورد فيه (ارحمني يوم آتيك فرداً شاخصاً بصري مقلداً عملي...) وبالنسبة الى شخوص البصر حدثناكم في لقاءنا السابق عما يتضمنه من النكات المتنوعة حيث يرمز شخوص البصر أي عدم تحرك طرف العين من شدة قلق الشخصية من مصيرها الابدي... اما الان فنحدثكم عن الشطر الاخر من المقطع وهو الاستعارة او التمثيل الذاهب الى ان العبد "يقلد" عمله يوم القيامة حيث ان التقليد يجسد رمزاً طريفاً طالما اعتمد النص القرآني عليه عبر حديثه عن مجازاة المنحرفين... المهم هو ان نتحدث عن هذه الاستعارة او التمثيل او الرمز المتصل بالتقليد فماذا نستخلص من التقلد او التقليد؟ ان ابرز الدلالات التي تقفز الى ذهن قارئ الدعاء من عبارة "مقلداً عملي" هي ان الموضوع مأخوذ من القلادة والقلادة كما نعرف جميعاً تظل من نصيب المرأة بصفتها تعنى بالزينة ولكن السؤال هو ان الموضوع لا يختص بالرجل او المرأة وانما يختص بالشخصية المسلمة حينما تنبعث من القبر زنقف في عرصة القيامة للحساب... هنا نطرح سؤالاً هو بما ان القلاة هي زينة من جانب وبما انها توضع في الجسد حينئذ فان المظهر الخارجي للشخصية يفصح بوضوح عن ان هدفها متمثلة في ابراز مظاهر اللبس وهو مظهر جمالي بطبيعة الحال... والان اذا قدر لنا ان ننقل تجربة المرأة في قلادتها الى الرجل فهل تجد مانع من استخلاص دلالة خاصة تتصل بعمل الانسان؟ ان عمل الانسان اما ان يكون حسناً او يكون قبيحاً او يكون متأرجحاً بينهما وفي الحالات جميعاً فان القلاة او الكتابة او اية صحيفة كتب فيها مفردات الاعمال تظل هي المعبرة عن مصير الشخصية والدعاء الذي نتحدث عنه يشير بطبيعة الحال الى العمل المجهول مصيراً فاذا كانت القلاة صحيفة سوداء والعياذ بالله فالويل ثم الويل، واذا كانت بيضاء فطوبى ثم طوبى... لكن لا نزال نتحدث عن القلاة بصفتها زينة... والسؤال الجديد هو كيف ان النصوص الشرعية وظفت هذا الرمز لتشير من خلال السخرية الى مصائر المنحرفين... هذا ما نحاول القاء الاضاءة عليه... لنلاحظ مثلاً ان القرآن الكريم سخر من امرأة ابي لهب عندما قلدها حبلاً من مسد وكيف يسخر من المنحرفين عندما يشير الى ان الاغلال تظل في اعناقهم... والنكتة هنا هي ان الغل او القلادة او القيد او اية اداة في العنق انما يستخدمها النص الشرعي ليس من خلال كونها تتحول من اداة الزينة الى اداة الم بل بالاضافة الى ذلك نجد ان هذا الرمز قد وظف لجر الشخصية من عنقها ولا نغفل ان بعض النصوص تستخدم الناصية لجر المنحرف الى النار... اولئك جميعاً ينبغي ان نصعها في الاعتبار عندما نواجه عبارات استعارية في الدعاء ونحوه، حيث ينبغي ايضاً ان نعتبر بها، بصفة ان الرمز هو تعبير عن صور متنوعة غير محدودة فمثلاً القلادة وسواها من الرموز ترشح بما لا نهاية له من الصور حيث قد ترمز الى فضيحة جزئية بالنسبة الى مؤمن كتم معصيته في الدنيا، وقد ترمز الى فضيحة اكبر، بل حتى لو فرضنا ان الرمز المذكور يفضح المؤمن امام الآخرين... ولكن الله تعالى يغفر له ذنوبه فان مجرد ظهور الشخصية ملفعة بالذنب ينطوي على ما لا يتسق مع دافع التقدير الاجتماعي لدى الشخصية... اذن: امكننا ان نتبين جانباً من الاسرار البلاغية الكامنة وراء الرمز الذي رسمه الدعاء بالنسبة الى "تقلد" الشخصية سلسلة عملها في الدنيا... وهذا ما يقتادنا الى الانتباه ومحاسبة النفس والتصاعد بعملنا العبادي الى النحو المطلوب. ******* تذكير الداعي بالأتيان فرداً يوم القيامة واثرها في ترسيخ روح اللجوء الى الله (دعاء تعقيب صلاة الليل) - 46 2006-09-12 00:00:00 2006-09-12 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/411 http://arabic.irib.ir/programs/item/411 لا نزال نحدثكم عن الادعية المباركة وما تتضمنه من دقائق المعاني وطريفها، ومن ذلك ما سبق ان حدثناكم عنه، وهو الدعاء الذي يتلى بعد صلاة الليل، حيث عرضنا جملة مقاطع منه وبقي ان نحدثكم عن البعض الآخر، ومنه (ارحمني يوم آتيك فرداً شاخصاً بصري، مقلداً عملي، قد تبرأ جميع الخلق مني ...). هذا المقطع من الدعاء يتضمن صورتيه ترمزان الى الاستجابة القلقة لدى الفرد وهو يواجه اهوال اليوم الاخر، الصورة الاولى هي قوله(ع): (يوم آتيك فرداً شاخصاً بصري) والثانية هي: (مقلداً عملي) .... اذن: لنتحدث بالتفصيل عنهما.... بالنسبة الى الصورة الاولى وهي شخوص البصر، والمجيء فرداً يمكننا ان نشطرها الى قسمين: الشطر الاول وهو: الاتيان فرداً والقرآن الكريم ذكر هذا الجانب حينما المح الى اتيان الاشخاص كل واحد منهم فرداً لا جماعة... ونحسبك تتساءل عن السر الكامن وراء الذهاب الى ان البشر يأتون على سمة فردية وليس اجتماعية ونجيبك عن ذلك بالقول: "والفرد وليس الجماعة" هو: المسؤول عن عمله حتى لو كان ضمن الجماعة المشتركة في فعل واحد، بالاضافة الى ذلك ان المجيء فرداً يقترن بسمة "الهول" الذي يطبع مواقف القيامة بصفة ان الجماعة يتأثرون بالعقل الجمعي وتنتقل عدوى الايحاء المقترنة عادة بتضخيم او تخفيف الهول، فالخوف الجماعي مثلاً يزداد عادة في حالة المشاركة او الاستجابة حيال الهول ولكن قد يخف في حالة ما اذا احس الجميع بانهم مشتركون في المصيبة وبالنسبة الى عملية الحساب، فان الاتيان "فرداً" يحسس الشخصية بمزيد من الهول بخاصة ان الدعاء نفسه يقول بعد ذلك (قد تبرأ جميع الخلق مني، نعم وابي وابي ...)، فاذا كان الوالدان وهما يحملان في الحياة الدنيا تركيبة واقعية هي الابوة والامومة بحيث يستعدان للتضحية بحياتهما من اجل الولد، فان الامر لينعكس في الموقف بحيث يهرب الوالدان من الولد وهو امر يضاعف من الم الشخصية المنفردة في عرصة القيامة... وهذا فيما يتصل بالسر الكامن وراء الصورة التي ترسم والعبد وهو "فرد" امام عملية الحساب التي تنتظره... ولكن ماذا بالنسبة الى الشطر الاخر من الصورة وهو "شخوص البصر"؟ من الواضح، ان "شخوص البصر" يعني لغوياً النظر الى الشيء بدون ان تطرف العين وتتحرك ولكن ان تتصور شخصاً يسحقه القلق والتوتر والخوف والتمزق والحيرة والانشطار الخ حيال عملية الحساب وما يبثها ويواكبها ويلحقها من مصائر مجهولة لدى الشخصية ... عندئذ فان شخوص البصر يظل تعبيراً خارجياً عن حالة داخلية تفصح تماماً عن القلق والتمزق والانسحاق والرعب .... واهمية هذه الصورة هي ان جمود الطرف او توقف حركته يرمز تماماً الى الانفلات الداخلي للشخصية وعدم قدرتها على التحرك باية صورة نظراً لفداحة الموقف وهوله بالنحو الذي اوضحناه... وهذا فيما يتصل بالصورة الاولى في اتيان العبد "فرداً" الى عرصة القيامة وعملية الحساب وما نقترن بها من الاوصاف الخارجية المفصحة عن الداخل. ولكن ماذا عن الصورة الاستعارية الاخرى القائلة (مقلداً عملي) أي ان العبد الاتي فرداً والشاخص بصراً جاء وهو يتقلد عمله في الحياة الدنيا وينتظر الجزاء المترتب عليه. هذه العملية او الصورة الاستعارية تتطلب كلاماً مفصلاً نحدثكم عنه في لقاء لاحق ان شاء الله تعالى اما الان حسبنا ان نستثمر قراءة الدعاء المذكور وندرب ذواتنا على الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* الدعاء وتعميق الشعور بالنعم الالهية (دعاء تعقيب صلاة الليل) - 45 2006-09-10 00:00:00 2006-09-10 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/410 http://arabic.irib.ir/programs/item/410 لا نزال نحدثكم عن الادعية المباركة وما تتضمنه من الاساليب الفائقة في حقل التعبير عن الحقائق... ومن ذلك ما حدثناكم عنه في لقاء سابق عن احد مقاطع الدعاء الذي يتلى بعد صلاة الليل، حيث جاء فيه (ان كنت قبلت مثلي فاقبلني، يا قابل السحرة اقبلني)... وقد حدثناكم عن النكات الكامنة وراء الاستشهاد بالسحرة وصلة ذلك بتوسل صاحب الصلاة بالله تعالى بان يقبله... اما الان، نحدثكم عن المقطع التالي لما لاحظناه وهو (يا من لم ازل اتعرف منه الحسنى، يا من يغذيني بالنعم صباحاً ومساءً ارحمني يوم آتيك)... هذا المقطع من الدعاء حدثناكم ايضاً عن قسمه الاول وهو (يا من لم ازل اتعرف منه الحسنى) اما الان نحدثكم عن الفقرة التالية له وهي (يا من يغذيني بالنعم صباحاً ومساءً ...) وهذا ما نبدأ به الآن: لا يخفى عليك ان هذه العبارة هي عبارة استعارية لم تنسب الى الاستعارة بصفتها واحدة من التعبيرات الصورية المهمة، حيث انها تتضمن اعارة صفة ترتبط بعملية الغذاء وخلعها على ظاهرة اخرى تتصل بعملية رعاية الله تعالى لعبده وهي اغداقه النعم عليه ... والسؤال الان هو ما هي الدلالة المستخلصة من هذه العبارة الاستعارية؟ ان قارئ الدعاء يعرف بلا ريب الدلالة الاجمالية لهذه العبارة وهي ان الله تعالى صاحب النعم علينا دواماً ولكن هذه الدلالة الاجمالية تحتاج الى تفصيل لها ما دام الدعاء نفسه قد انتخب عنصر الاستعارة لها: مع انه كان بالمقدور ان يعبر عن الحقيقة المذكورة بالتعبير المباشر كما لو قال يا من ينعم علينا دواماً .... اذن: ثمة نقاط لابد من ملاحظتها.. ان النقطة المهمة في هذه العبارة من الدعاء هي انها استخدمت التغذية او الغذاء تعبيراً عن وصول النعم من الله تعالى الى عبده بدلاً من القول مثلاً (يا من ينعم علينا) قال (يا من يغذينا بالنعم)، وبدلاً من القول (ينعم علينا دواماً) قال "صباحاً ومساءً" لذلك فان التعبير عن استمرارية النعم بعملية (التغذية صباحاً ومساءً) يأخذ هنا طرافته وعمقه الدلالي كيف ذلك؟ من الواضح، ان "التغذية" تختلف عن العمليات الحيوية الاخرى بكونها تجسد غريزة بشرية لابد من الاشباع لها ولا تتحمل أي تأجيل والا يتعرض الانسان الى الموت ان دوافع الشخصية بعضها يمكن تأجيلها كالغريزة الجنسية مثلاً او الاحساس بالجمال ولكن البعض الآخر، الحاجة الى النوم، او الطعام ... الخ. لامناص من اشباعها من هنا، فان التعبير عن نعم الله تعالى بانها تغذية يعني ان العبد لا يستطيع البتة ان يعيش بلا تغذية من الله تعالى بنعمه بحيث اذا تخلى الله تعالى عن اغداق النعم على العبد فان العبد سيتلف بلا شك ولا يملك ان يستمر في ذلك. وهذا بالنسبة الى عملية التغذية. ولكن: ماذا بالنسبة الى تغذيته صباحاً ومساءً؟ هذا ايضاً يتصل بسابقة من حيث الضرورة التي لا يمكن غض النظر عنها فالتغذية كما هو واضح تتطلب استمرارية ومن ثم فان التعبير عن الاستمرارية المذكورة بعبارة صباحاً ومساءً يظل حافلاً بجملة نقاط بلاغية يجدر لقارئ الدعاء ان ينتبه اليها. من ذلك مثلاً: ان القرآن الكريم طالما يشير الى ان الرزق للعباد في الجنة بكرة وعشياً كما ان الاشارة الى وجبات الطعام مرتهن في الصباح والعشي في الدنيا يكسب الشخصية صحة عالية تلك وسواها وبوضوح ان الطعام او التغذية صباحاً ومساءً هو رمز لاستمرارية نعم الله تعالى على عبده وعدم انقطاع ذلك، وهو اثر له اهميته بالنسبة الى قارئ الدعاء عندما يتداعى ذهنه من خلال قراءته لعبارة انه تعالى يغذيه بالنعم صباحاً ومساءً حيث يهبه مزيداً من الوعي بعظمة الله تعالى ونعمه التي لا تحصى. اذن: امكننا ان نتبين لو سريعاً ما تتضمنه عبارة يا من يغذيني بالنعم صباحاً ومساءً، من دلالات ثرة يجرد بقارئ الدعاء ان يستثمرها وذلك بممارسة الشكر دواماً لله تعالى على نعمه المشار اليها ومن ثم مواصلة وظيفته العبادية والتصاعدية الى النحو المطلوب. ******* معنى إقراء الله لضيفه الداعي - 44 2006-09-05 00:00:00 2006-09-05 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/409 http://arabic.irib.ir/programs/item/409 لا نزال نتحدث عن الادعية المباركة وما تتضمنه من الدلالات المتنوعة حيث ان بعضها يوثق علاقة قارئ الدعاء بالله تعالى من حيث مناجاته، وبعضها يقدم لقارئ الدعاء ثراء معرفيا اي: يجهزه بمعلومات عبادية وسواها مما يجسد حاجات لدى الشخصية ومن ذلك ما سبق ان حدثناك سابقا عنه، وهو فقرة الدعاء المعروفة المتوسلة بالله تعالى ان يقري ضيوفه، حيث ان قارئ الدعاء هو ضيف عند الله تعالى لذلك يطلب من الله تعالى موضوعين هما: المغفرة والجنة وهذا ما ذكره الدعاء الذي نتحدث عنه. اما وقد حدثناك عن اهمية التوسل المذكور حيث انه – اي التوسل بالله تعالى ان يكرم ضيوفه، قد داعى ذهن قارئ الدعاء الى موضوع الضيافة واهميتها في تجاربنا الحياتية، ومساهمتها - كما اوضحنا سابقا - ان جعل الشخصية (سوية) اي: خالية من الاضطراب النفسي او العصاب (حسب لغة علم النفس المرضي) نقول: اما وقد حدثناك عن ظاهرة (الضيافة) بصفتها موضوعا له اهميته العبادية عند الله تعالى، حينئذ ننتقل الى نفس الدعاء المذكور في فقرته المتوسلة بالله تعالى ان يجعلنا ضيوفا عنده ويكرمنا اي يقربنا، وهو متمثل في التوسل بان يكون التكريم للضيف هو غفران ذنوبه وادخاله الجنة. اذن لنتحدث عن هذا الجانب... قبل ان نحدثك عن كلب قارئ الدعاء بان يجعل الله تعالى قرى الضيف: الجنة والمغفرة يجدر بنا ان نضيف الى ذلك ان ان نتوسل قبل ذلك بتوسل آخر هو ان يجعل قرانا - نحن القراء للادعية - هو رضاه تعالى حتى نصبح او نحاول ان نمارس سلوكنا العبادي وفق عبادة الاحرار الذين يعبدون الله تعالى لانه اهل للعبادة قبل ان يعبدوه عبادة التجار طلبا للجنة او العبيد هروبا من النار. نقول: ان قارئ الدعاء لابد وان يوفقه تعالى الى ان يصل الى مرحلة عبادة الاحرار، بيد ان ذلك يتكلب مزيداً من الوعي عباديا ومزيدا من التدريب على سحق الذات وتدريبا على التضحية من اجل الآخرين، وذلك لسبب واضح هو ان العبادة الحقة لله تعالى والمجردة عن الثواب المادي تعني في الآن ذاته امكانية ان تكون الشخصية قارئة الدعاء مدربة على التفكير الموضوعي المجرد عن المنفعة الذاتية الصرفة، والآن لنتجه الى فقرة الدعاء لملاحظة الآداب المواكبة للطلب او التوسل المذكور. ان الضيف عندما يطلب من الله تعالى ان يكرمه الا يستدعي ذلك بان يكون الضيف ذاته ملتزما بآداب التعامل مع المضيف. لذلك فان قارئ الدعاء عندما يطلب من الله تعالى ان يكرمه ويجعل قراه المغفرة والجنة حينئذ الا يتداعى ذهنه الى الربط بين الجنة او المغفرة وبين لزوم الطاعة وترك المعصية؟ هل من آداب الدعاء مثلا ان يتوسل العبد بالله تعالى ان يكرمه بالمغفرة والجنة، وهو (اي: العبد) مصر على ممارسة الذنب؟ كلا المفروض في امثلة هذه الحالة ان يكون المتوسل بالله تعالى بان يكرمه ويغفر له ويدخله الجنة، المفروض هو ان يصمم على ترك المعصية من جانب وان يدرب ذاته على الطاعة من جانب آخر، وحينئذ يتجانس طلب العبد مع سلوكه، اي يتوافق سلوكه العبادي مع توسله بالله تعالى بان يجعل قراه المغفرة والجنة (اللهم اجعلنا كذلك بمحمد وآله الطاهرين). ختاما: نرجو ان نكون قد القينا بعض الاضاءات على محتوى فقرة الدعاء المتوسلة بالله تعالى ان يجعلنا من ضيوفه وان يقرينا وان يكون قراه هو المغفرة والجنة وقبل ذلك هو رضاه عالى، لكن - كما اشرنا - ينبغي ان نستثمر هذا التوسل وان نعدل سلوكنا العبادي ونصاعد به الى النحو المطلوب. ******* الدعاء ومعنى ضيافة الله لعبده (القسم الثاني) - 43 2006-09-03 00:00:00 2006-09-03 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/408 http://arabic.irib.ir/programs/item/408 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من نكات متنوعة، فضلا عما تنطوي عليه من المعرفة في شتى ميادينها الفردية والاجتماعية مضافا الى المعرفة العقيدية والفقهية والاخلاقية ...، ومن ذلك ما حدثنا عنه - في لقاء سابق - عن احدى فقرات الدعاء المعروفة وهي العبارات المتوسلة بالله تعالى، بان يحتسبنا من ضيوفه، وان للضيوف قراهم اي تقديم الرعاية لهم من طعام واكرام ونحو ذلك، والتوسل - من ثم - بان يجعل الله تعالى قرى المؤمن - قارئ الدغاء - هو غفران الذنوب او دخول الجنة. وقد اوضحنا في حينه ان التشبيه او الاستعارة او التمثيل الذاهب في الدعاء الى ان القارئ الدعاء هو ضيف عند الله تعالى انما يداعي الى الذهن من خلال الآليات النفسية التي تنتقل من موضوع الى آخر بينهما تجانس كالانتقال من مفهوم الضيافة عند الله تعالى الى الضيافة بدلالاتها الاسلامية التي يندب الله تعالى اليها حيث قلنا ان هذا النوع من الدعاء يضطلع بوطيفة معرفية فضلا عن وظيفته الوجدانية، وواعدناك ان نتحدث عن الضيافة والتوصيات الاسلامية المرتبطة بها ومن ثم ملاحظة البعد التربوي في ظاهرة الضيافة من حيث كونها تسهم في صياغة الشخصية السوية (بحسب مصطلح علم النفس العبادي) وفي صياغة المبادئ الاجتماعية في تحقيق التوازن الاجتماعي (بحسب مصطلح علم النفس الاجتماعي) في هذا الميدان. من البين ان التوصيات الاسلامية تلح على توثيق العلاقات الاجتماعية بين الافرلااد والجماعات بنحو يلفت نظر الملاحظ الاجتماعي والتربوي، ومن ابرز المصاديق لهذا الجانب هو التوصيات الكثيرة بتكريم الضيف، حتى ان المشروع الاسلامي - كما ذكرنا في لقائنا الماضي - سمح للشخص ان يذكر مضيفه بالسوء اذا كان مقصرا في ضيافته، والسؤال هو: ما هي المعطيات النفسية والاجتماعية لاكرام الضيف؟ والجواب هو: ان فرز الشخصية السورية عن الشخصية المريضة او المضطربة او العصابئية هو ملاحظة مدى سحقها للذات ومدى انفتاحها على الآخر وتقديم الخدمات لها، فقضاء الحاجات مثلا طالما يؤكدها الشرع الاسلامي الى درجة الذهاب الى ان حاجات الناس الى الشخص من نعم الله تعالى عليه فلا يملها. ومن ذلك محبة الآخر، واحترامه وتقديره ومنه تكريمه من خلال ضيافته. والسؤال من جديد ما هي المعطيات المترتبة على ذلك. من الواضح ايضا ان الضيف يتحسس بالحاجة الى من يشبعه رغباته كالطعام والمحبة والاحترام ونحو ذلك، انه - الغريب - عندما يفد الى بيئة جديدة يحتاج خلالها الى من يأويه والى من يطعمه او الى من يحترمه ...، فاذا اتم ذلك بالنحو المطلوب حينئذ سيتم الاشباع لرغباته وهذا مما يعمق ويوثق ويحبب العلاقة بين الطرفين وهذا من جانب الضيف. ولكن ماذا من جانب مضيفه؟ بين ايضا ان المضيف - وهو يمتلك وسائل الاشباع - عندما يحقق رغبات الضيف من الطعام واكرام واحترام انما يدرب ذاته على الانفتاح نحو الخارج نحو الآخر، اي: يتنازل عن ذاته ويتجه الى ذات الآخرين وهذا هو الايثار بعينه، او هو: الخدمة بعينها، او قضاء الحاجات بذاتها، والتعليل النفسي لهذا الايثار او الخدمة هو ان الشخص عندما يعنى بحاجات الآخرين ينسى نفسه وهمومها اي: لا يملك وقتا ليصرفه في التفكير بذاته ورغباتها، بل في غمرة اهتمامه بحاجات الآخر: ينسى نفسه، ومن نسي نفسه، نسي همومه، وهذا هو قمة التوازن النفسي الذي يتحقق لدى الاسوياء من البشر. اذن: الضيافة تسهم بنحو ملحوظ في تدريب الشخصية على تعلم السلوك الغيري او التياري او السوي وهو امر يدرب الشخصية ايضا على الالتزام بمبادئ الله تعالى والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* الدعاء وحقيقة ضيافة الله عزوجل (القسم الاول) - 42 2006-08-30 00:00:00 2006-08-30 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/407 http://arabic.irib.ir/programs/item/407 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة وما تتضمنه من دقائق المعاني وطريفها، ومن ذلك فقرة الدعاء المعروفة لدى القراء الا وهي التوسل بالله تعالى عبر اكثر من مناسبة بهذا النحو (اللهم ان لك حقوقا فتصدق بها علي وللناس قبلي تبعات فتحملها عني وقد اوجبت لكل ضيف قرى وانا ضيفك فاجعل قراي الجنة ...). هذه الفقرة من الدعاء تتكرر - كما قلنا - في مناسبات شتى وهي من حيث الدلالة من الوضوح بمكان لكننا نعتقد بان قارئ الدعاء من الممكن ان يمر عابرا عليها دون ان يدقق في تفصيلاتها، اي في دقائق مضموناتها وما تنطوي عليه من الطرافة من جانب، وما لها - وهذا هو الاهم - من صلة بسلوكنا الاجتماعي والنفسي من حانب آخر، وهذا ما نحاول - في لقاءاتنا - ان نلقي الاثارة عليه. لنبدأ اولا بالطاهرة المعروفة اجتماعيا وهي طاهرة (الضيافة) حيث لاحطت بان فقرة الدعاء المذكورة ذكرت اولا ان قارئ الدعاء هو (ضيف) عند الله تعالى، ثم ذكرت بان الله تعالى هو الذي اوجب على عباده تكريم الضيف وتبعا لذلك طالب قارئ الدعاء او توسل بالله تعالى ان يجعل الجنة او المغفرة هي الكرامة للضيف. طبيعتا هذا التوسل في ضوء الذكر لظاهرة الضيافة ينطوي على طرافة في الموضوع، وهو في الآن ذاته منطو على التذكير بظاهرة الضيافة، عبر العملية النفسية التي يحيا قارئ الدعاء ونعني بها تداعي المعاني لا شعوريا الى الظاهرة الاجتماعية وهي قرى الضيف، فماذا يتداعى اليه الذهن؟ لا نتأمل طويلا حتى نعرف ان الاسلام قد عني بالضيافة بشكل يتطلب الوقوف عنده، فمثلا تعد الغيبة وهي ظاهرة قد حرمها الشرع تحريما قاطعا، حتى انه تعالى شبه ذلك بمن يأكل لحم اخيه ميتا، هذه الغيبة المتمثلة دلاليا في ذكر اخيك بما يكره او في كشف شيء مستور لدى الناس بالنسبة الى العيوب او الذنوب، نقول هذه الغيبة ببشاعتها المذكورة في النصوص الشرعية والمحرمة تحريما كبيرا لا سبيل الى وصف مداه، هذه الغيبة قد استثنى الشارع الاسلامي حرمتها بالنسبة الى جملة موارد، ومنها المورد الذي نتحدث عنه الآن الا وهو الضيافة حيث ذكرت النصوص الشرعية ان الحرمة المترتبة على الغيبة مرتفعة بالنسبة الى الشخص الذي لا يكرم ضيفه اي: لا يقدم له من الطعام او الاكرام النفسي ما هو لائق. اذن كم ان لعدم الضيافة من الاثر حتى ان غير الملتزم بآدابها مستثنى من الغيبة، اي يحق للشخص ان يذكر عيوبه المتمثلة في عدم اعتنائه بها. والسؤال الآن هو: لماذا هذه العناية الملحوظة بالضيف؟ والجواب هو لابد وان تنطوي عملية الضيافة على معطيات نفسية تتصل بسواء الشخصية او اضطرابها، اي بالصحة النفسية للشخص او بمرضه النفسي ومن ثم انعكاس ذلك على التركيبة الاجتماعية لهذا المجتمع او ذاك، اذن لنتحدث عن هذا الجانب... قارئ الدعاء قد يتساءل قائلا: هل نحن الآن امام بحث او علاج نفسي للامراض ام نحن حيال بحث لدعاء خاص لتوضيح دلالاته وآداب تلاوته ...؟ ونجبه: ان ظاهرة الدعاء - وهذا ما كررناه منذ ان بدأنا بأحاديثنا عن الدعاء - ليست مجرد صلة وجدانية العبد وبين الله تعالى، انه - بالاضافة الى بعده المذكور - يجسد ثقافة مكثفة، انه يعلمنا او يفدم لنا معرفة في شتى ضروبها معرفة تتصل بعلوم النفس والاجتماع والاقتصاد والسياسة و.... انه يعلمنا مبادئ التوحيد والمبادئ العقيدية مطلقا، كذلك يعلمنا مبادئ الاحكام الشرعية ويعلمنا المبادئ الاخلاقية وهكذا، واذا كان الامر كذلك الا يجدر بقارئ الدعاء ان يقف عند كل عبارة من الادعية وقفة تامل حتى يفيد منها غي اثراء معرفته بمبادئ الله تعالى في شتى الميادين. اذن للمرة الجديدة عندما نتحدث عن ظاهرة ترد في الدعاء ثم نستثمرها للحديث عن البعد الروحي والنفسي والاجتماعي للموضوع نكون بذلك قد حققنا فوائد متنوعة كما هو واضح. لكن بما ان الموضوع المرتبط بالضيافة يتطلب سعة من الوقت لذلك تؤجل الحديث عنه الى لقاء لاحق ان شاء الله تعالى. وقبل ذلك لابد لنا - كما كررنا - ان نستثمر موضوع الضيافة في الدعاء وان نعمل بمتطلباتها ومن ثم ان نعمل بمطلق مبادئ الله تعالى والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* دعاء مساجد الكوفة وتربية المؤمن على التحرك بين الخوف والرجاء - 41 2006-08-28 00:00:00 2006-08-28 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/406 http://arabic.irib.ir/programs/item/406 لا نزال نحدثك عن الادعية وما تتضمنه من طرائف المعاني ودقائقها، ومن ذلك ما حدثناك عنه في لقاء سابق عن احد ادعية مساجد الكوفة حيث ورد فيه (الهي هذا سروري بك خائفا فكيف سروري بك آمنا)، هذه الفقرة من الدعاء جاءت بعد فقرة تقول بما مؤداه ان الله تعالى اذا جمعني مع اعدائه في النار (لاخبرنهم اني كنت له محبّاً). والسؤال هو: ما هي النكات او الطرائف التي تتضمنها هذه الفقرة من الدعاء؟ اولا ينبغي لفت نظرك الى شيئين متماثلين او متجانسين شيئين متضادين، اما الشيئان المتماثلان او المتجانستان فهما سرور العبد القارئ للدعاء عبر ظاهرة الخوف من عقاب الله تعالى، وسروره عبر ظاهرة الامن من العقاب المذكور... واما الشيئان المتضادان فهما: الخوف من العقاب والامن فيه... وفي ضوء هذه الحقائق نتقدم لنحدثك عن التجانس والتضاد وما وما ينطويان عليه من النكات وطرائف الدلالة: اولاً: ماذا تعني الفقرة الذاهبة الى ان العبد اذا ألقي في النار اعاذنا الله تعالى جميعا منها سوف يخبر اهل النار - وهم اعداء الله تعالى - بانه يحب الله تعالى؟ مما لا شك فيه ان الفارق بين مثل هذا العبد المحب لله تعالى (حتى وهو في النار) يتمثل في كونه وليا لله تعالى مقابل اهل النار الذين يخبرهم بمحبته لله تعالى، وهذا فارق كبير بين نمطي اهل النار، النمط المحب والنمط العدو، كل ما في الامر ان المحب صدر عنه الذنب، والعدو لا طاعة لديه اصلا. من هنا فان العبد المذنب يظل (محبا) لله تعالى لانه يعترف بانه مذنب ويستحق العقاب المشار اليه، اي هو يحب الله تعالى، كل ما في الامر انه انتابته لحظات من الضعف فوسوس له الشيطان وجعله يرتكب المعصية وهو نادم بطبيعة الحال. والآن مع معرفتنا بهذا الموضوع نتجه الى فقرة الدعاء الذاهبة الى ان سرور العبد خائفا اي وهو يلقى في النار متحققا فكيف بسروره وهو آمن؟ من الحقائق الواضحة في ميدان العمليات النفسية التي يصدر البشر عنها ان اشباع الحاجة لدى الانسان لا يشترط فيها الاشباع المادي اي المتأتي من الطعام او الشراب او الجمال الطبيعي او .... بل ان الاشباع الروحي او المعنوي هو اشد فاعليه من الاشباع المادي، ولذلك على سبيل المثال نجد مثلا من يضرب عن الطعام انتصارا لقيم انسانية حيث ان الطعام حاجة اساسية اذا حرم منها المرء يتعرض الى الموت ومع ذلك فان الفاعلية تظل للجانب الروحي اي القيم الانسانية. وهذا كله في ميدان القيم الدنيوية المرتبطة بسلوك البشر المنعزلين عن السماء، فكيف اذن بسلوك الملتزمين بمبادئ السماء؟ لذلك فان قارئ الدعاء حتى وهو ملقى في النار - لا سمح الله تعالى بذلك - يظل (محبا) لله تعالى انتصارا للقيم الورحية المتمثلة في الاعتراف بعظمة الله تعالى وبرحمته وبغفرانه وبتبديله سيئات العبد الى حسنات (اللهم لا تخيب ظنوننا) كل ذلك بمعنى ان العبد مسرور بمحبته لله تعالى وهو خائف، فكيف بسروره وه آمن؟ لا اعتقد اننا تحاجة الى توضيح الحقيقة المتقدمة، اي مدى سرور الانسان وهو آمن يوم القيامة بان الله تعالى غافر لذنبه معرض عن سيئاته مبدل اياها حسنات. لذلك فان عملية الوصف لدرجة سرور الانسان بالله تعالى وهو آمن برحمته المتقدمة التي اشرنا اليها امر لا يمكن تحققه، انه سرور النعيم الابدي، سرور رضاه تعالى الابدي سروو مجاورته الابدية لله تعالى. اذن امكننا ان نستخلص جملة نكات وراء الفقرة المذكورة من الدعاء، والمهم هو ان نستثمر هذه المناسبة فندرب ذواتنا على طاعة الله تعالى ما دمنا محبين لله تعالى وان نتصاعد بسلوكنا العبادي الى النحو المطلوب. ******* دعاء مسجد الكوفة وحركة الانسان بين الخوف والرجاء - 40 2006-08-23 00:00:00 2006-08-23 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/405 http://arabic.irib.ir/programs/item/405 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من النكات المتنوعة، ودقائق المعاني وطرائف الصور، ومنها: هذا الدعاء الذي يقرأ في أحد مساجد الكوفة، حيث ورد فيه (الهي، كيف ادعوك وقد عصيتك، وكيف لا ادعوك وقد عرفتك ...) هذه الفقرة من الدعاء على بساطة لغتها تتضمن دلالات عميقة وطريفة وذات اهمية كبيرة في ميدان السلوك وطرائف التعديل للعمليات النفسية التي ينطلق منها قارئ الدعاء في تعامله مع الله تعالى ومع الآداب التي ينبغي ان يتوفر عليها. اذن لنتحدث عن الفقرة المتقدمة ... من الواضح لا اقل في ميدان التجربة الحياتية ان العلاقات بين طرف وآخر تعتمد في وثاقتها وفاعليتها على درجة التبادل بينهما من حيث المحبة او التقدير. واذا نقلنا هذه العلاقة الى العبد وصياغتها مع الله تعالى فان طرفي التعامل لا سبيل الى المقايسة بينهما ... ان الله تعالى وهو الكامل مطلقا وصاحب النعيم والمعطيات التي لا حدود لها لا يقاس بمحدودية العبد في درجة محبته، لكن مع ذلك فان الحب حيال الله تعالى يقترن عنده تعالى بما لا قياس له، ألم تذكر النصوص المتنوعة بان العبد اذا سار ميلا نحو الله تعالى فان الله تعالى يسير اليه عشرة اميال؟ ثم الم تذكر النصوص المتنوعة ان خير الله تعالى نازل الينا وان شرنا اليه صاعد؟ وهذا يعني ان الله تعالى من السعة في رحمته الى درجة ان العبد - مهما بلغ سوء معاملته - فانه لا ييأس من رحمة الله تعالى ... الن يقل الله تعالى (انه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون). في ضوء الدقائق المتقدمة نتجه الى فقرة الدعاء المتسائلة (الهي، كيف ادعوك وقد عصيتك) طبيعتا ينبغي ان نخجل من الله تعالى ونحن نمارس المعصية، بل اذا نقلنا الحقيقة المتقدمة الى تجربتنا مع الآخرين حينئذ لا سبيل امام احدنا بان يجرأ على الطلب من شخصية اسأنا اليه ان يحسن الينا، الم تصرح النصوص الشرعية بانه لا تطلب الصفا لمن كدرت عليه؟ أي: كيف تطلب الصفا من الآخر ونحن مارسنا ما هو الكدر حياله؟ لكن عندما نتجه الى الله تعالى ندل حيال طلبنا منه تعالى كل ذلك لانه تعالى لا حدود لرحمته ... من هنا فان الطبيعة النفسية كقارئ الدعاء - وهو عاصٍ - يحس بالخجل حيال الله تعالى عبر طلبه انجاز حاجاته ... ولذلك يتساءل كيف ادعوك وقد عصيتك؟ لكن كما قلنا، ان معرفتنا بعظمة الله تعالى وبحلمه وسعة رحمته تحملنا على الدعاء المذكور، وهذا ما نطق به القسم الثاني من فقرة الدعاء حيث قال (وكيف لا ادعوك وقد عرفتك؟) ان هذه العبارة تحتاج الى مزيد من التوضيح. ان قارئ الدعاء في نفس الوقت الذي يحمله على التوجه الى الله تعالى وهو خجل من المعصية يتجه الى الله تعالى وهو يعرف تماما عظمة الله تعالى وسعة رحمته. كيف ذلك؟ هنا لابد وان نلجأ الى التحليل النفسي لقارئ الدعاء وما يواكب سلوكه العاصي من جانب وامله الكبير من جانب آخر من عمليات نفسية صدر عنها، كيف ذلك للمرة الجديدة؟ ان عبارة (وقد عرفتك) عبارة مركزة وعميقة وطريفة وحية ومكتمزة وموحية بدلالات لا حدود لها من حيث ثراء ذلك وغناه. ماذا يقصد الدعاء بعبارة (وقد عرفتك) انه يقصد بان القارئ للدعاء يعرف الله تعالى تمام المعرفة من حيث انه تعالى عفو، غفور، حليم، محسن، شفيق، تواب الخ، انه تعالى لا يعفو عن السيئة فحسب بل يحولها الي حسنات، وهل ثمة رحمة وعطاء وكرم بمقدورنا ان نصف درجاتها كلها؟ اذن عندما يحدث صراع داخل النفس البشرية بين شعورها بالذنب وبين املها بغفران الذنب، عندئذ مع ان النصوص الشرعية تطالب الشخصية الاسلامية بان توازن بين الخوف والرجاء، بين الخوف من المعصية وعقابها، وبين الرجاء بالمغفرة والثواب مع ذلك كله فان عدم اليأس من سعة رحمة الله تعالى يطل هو المسيطر على النفس تبعا لقوله تعالى انه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون. اذن امكننا ان نلم ولو سريعا بأهمية الدعاء المذكور في تساؤله عن كيفية الدعاء الصادر من العصاة، والتساؤل عن معرفتهم بعظمة الله تعالى ... كل ذلك يحملنا على ضرورة محاسبة النفس وتدريبها على الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* تأملات بشأن دعاء غسل زيارة الحسين(ع) - 39 2006-08-20 00:00:00 2006-08-20 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/404 http://arabic.irib.ir/programs/item/404 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة وماتتضمنه من بلاغة رفيعة، حيث تسهم العناصر البلاغية كالتشبيه والاستعارة والرمز الخ، او استخدام التقابل او التجانس او نحوهما في تعميق معاني الدعاء واستكشاف نكاتها وطرافة دلالاتها، ومن ذلك مثلا ما حدثناك عنه سابقا وهو الدعاء الخاص بغسل الزيارة للامام الحسين(ع)، حيث جاء فيه (اللهم اجعله نوراً وطهوراً وحرزاً وشفاء من كل داء وآفة وسقم وعاهة، ...). لقد اوضحنا في حينه ما تعنيه كلمات او مصطلحات (النور) و(الطهور) و(الحرز) و(الشقاء)، اما الآن نحدثك عما تعنيه النتائج المترتبة على ان الغسل هو حرز وشفاء من هذه الاشياء الاربعة زهي الداء والآفة والسقم والعاهة. اذن هذه المفردات من الدعاء المذكور هي موضوع حديثنا الآن... ولعل اول ما يستوقفك هنا هو ان تسأل عن الفارق بين (الداء) و(السقم)؟ ان على واحد منا وهو ان يقرأ الدعاء لابد وان يسأل نفسه ما هو الفارق بين كلمو (الداء) و(السقم)؟ ألا يعنيان معنىً واحداً؟ طبيعتا، كلا، لاننا نكرر دائما ان النصوص الشعرية هي نصوص مقدسة ومعصومة من الخطأ والعبث ونحو ذلك، فلا يعقل ان امعصوم الذي نسج لنا هذا الدعاء ذكر كلمتين هما بمعنى واحد ونفي بها كلمتي: الداء والسقم، ان القارئ العادي قد يقول انهما بمعنى واحد هو (المرض) ولكن مع ان كلا من اللفظين المذكورين يعنيان (المرض) ولكن هناك اكثر من فارق بين الكلمتين، وقارئ الدعاء لابد له ان يعرف هذا افارق والا فانه عندما ينطق بهذا الكلام بعد الغسل يكون مجرد قال لالفاظ لا يفقهها وهذا ما لا يرتضيه الشرع. اذن ما هو الفارق بين الداء وبين السقم؟ التدقيق في اللغة، يشير الى ان الداء هو المرض مطلقا ولكن (السقم) هو اشد، أي: اذا طال المرض فحينئذ يصبح (سقما) كما ان الخوف يقترن مع (السقم)، وهذا يعني ان الدعاء المذكوروهو يحرص على جعل قارئ الدعاء في اتم الصحة والعافية انما اراد التأكيد على اهمية (الغسل) لزيارة الحسين(ع) بحيث انه يحقق معطيات متنوعة لمن يمارس الغسل المذكور، فبالاضافة الى كونه نوراً وطهوراً وحفظاً للشخصية من المخاوف فانه يسهم بدورهة في جعل الشخصية بمنأىً عن كل مرص سواء أكان مرضاً وقتياً ام دائمياً... ليس هذا فحسب بل ان الدعاء المذكور يحرص على تحقيق معطيات اخرى تتصل - ليس بالمرض فحسب - بل بمطلق شدائد الحياة من حيث انعكاساتها على بدن الشخصية المغتسلة لزيارة الحسين(ع)، ترى ما هي الانعكاسات المذكورة؟ لابد وانك لاحظت بان فقرة الدعاء المذكورة تقول (اللهم اجعله - أي الغسل - حرزاً وشفاءً من كل داءٍ وآفةٍ وسقم وعاهة) فهنا نواجه موضوعين احدهما الآفة، والآخر العاهة، والسؤال هو ما المقصود منهما؟ بالنسبة الى الآفقة فانها تعني ما يضر ... من الظواهر، واما العاهة فهي نمط من الامراض التي تختلف عن السقم وعن الداء، وانما تجسد مرضاً يتصل بنقصٍ جسمي كالعمى والصمم والبكم والعرج .... واذن نستخلص من الفوارق المذكورة ان الامراض بجميع مستوياتها يتكفل الغسل لزيارة الحسين(ع) بمسحها سواءً أكانت امراضاً وقتية او دائمية او نقصاً في الجسم، لكن بقي ان نعرف موضع الآفة من الظواهر المتصلة بسلامة بدن المغتسل لزيارة الحسين(ع)، ولا نتأمل طويلاً حتى نعرف بان الآفة ما دامت تجسد ما هو مفيد ومضر من الاشياء، حينئذ نستخلص بسهولة ان نمطا رابعاً من الامراض قد حرص الدعاء على انقاذ الشخصية منه الا وهو كل ما يجسد ضرراً وفساداً لجسم الانسان، فكما ان الآفة الزراعية مثلاً تأتي على نباتات المزرعة فكذلك الآفات الجسمية من الممكن ان تأتي على جهاز الشخصية سواء اكان جهازاً عصبياً او نفسياً او عقلياً حيث ان الامراض العقلية والنفسية والعصبية قد تكون اشد بلاءً على الشخصية من الامراض الجسمي الخالص. اذن امكننا ان نتبين جانبا من محتويات الدعاء المذكور وهو امر يقتادنا الى ان نستثمر صحتنا الجسمية والنفسية والعقلية والعصبية وتوظيفها من اجل الممارسة العبادية الى النحو المطلوب. ******* الدعاء وترسيخ روح الأمل بقبول التوبة (دعاء تعقيب الوتر من صلاة الليل) - 38 2006-08-17 00:00:00 2006-08-17 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/403 http://arabic.irib.ir/programs/item/403 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة فائقة تسهم بلا شك في تعميق المعاني وتقريب دلالتها الى الاذهان... ومن ذلك: ما حدثناكم عنه في لقاء سابق عن احد مقاطع الدعاء الذي يتلى بعد صلاة الليل "بعد صلاة الوتر" وهو المقطع القائل: (ان كنت رحمت مثلي فارحمني، وان كنت قبلت مثلي فاقبلني، يا قابل السحرة اقبلني)... ولقد حدثناكم عن المقطع المذكور في فقرتيه الاوليين ونحدثكم الآن عن فقرته الاخيرة وهي (يا قابل السحرة اقبلني) وفي حينه قلنا بما ان العبد اذا كان واعياً لمبادئ السلوك، فحينئذ يرى نفسه اصغر المخلوقين وينسج نظرة سلبية عن عمله حيث يرى نفسه مقصرة ولا يعجب بعمله وذلك اذا كان يجد نفسه اقل المخلوقين شأناً، عندئذ عندما يتوسل بالله تعالى بان يرحمه ويقبله في حالة ما اذا رحم وقبل مثله أي اذا رحم الله تعالى اردأ الناس حينئذ فان العبد القارئ لهذا الدعاء يتوسل به تعالى ان يرحمه ويقبله اذا كان قدر رحم مثله وقبله، والامر نفسه بالنسبة الى نمط اخر من المخلوقين المقصرين وهم: السحرة الذين عملوا لفرعون مدة طويلة، ثم اهتدوا بعدما رأوا المعجزة ... هنا نتساءل عن النكتة الكامنة في هذه العبارة الصورية الجميلة القائلة (يا قابل السحرة اقبلني) ... فماذا نستخلص؟ من الواضح ان "السحر" عمل محرم نظراً لما يترتب عليه من الاضرار بالآخرين من جانباً ولما ينطوي عليه من تشويه للحقائق من جانب آخر... فاذا اضفنا الى ذلك ان السحرة وظفوا عملهم لخدمة طاغية كبير مثل فرعون حينئذ ستضاعف حجم الجريمة ثم اذا اضفنا الى ذلك انهم وظفوا عملهم ليس في نطاق جزئي ومحدود وعابر بل ليقفوا امام رسالة موسى(ع) في عصره، حينئذ سيتحدد حجم الجريمة الى مدى لا سبيل الى تصوره أي ان عمل السحرة هو عمل تقف قبالة الله تعالى انهم يقفون بوجه رسالة السماء بامل النجاح الوهمي الا ان الله تعالى نصر عبده وابطل عمل السحرة... هنا، يتساءل قارئ الدعاء عن النكتة الكامنة وراء التوسل بالله تعالى بان يقبل العبد كما قبل السحرة. فماذا نستخلص من جديد؟ واضح ان الحجم الانحرافي الذي لاحظناه في شخصيات السحرة بلغ من السعة كما قلنا ما لا مجال لتصوره بخاصة وانه عمل وقف امام رسالة السماء وليس امام شخوص او مواقف عامة، من هنا، فان السحرة عندما تابوا الى الله تعالى فان الله تعالى قبل توبتهم ومن ثم قبلهم عباداً صالحين... واذا كان الامر انه تعالى قبل حتى من وقف حيال رسالته بأمل ابطالها امام الناس، حينئذ الا يتوقع قارئ الدعاء ان يقبله الله تعالى ما دام قبل حتى السحرة. واذا تابعنا المقطع المذكور ولاحظنا المقطع التالي له، لواجهتنا العبارة القائلة (يا من لم ازل اتعرف منه الحسنى) ... ان هذه العبارة هي في الواقع امتداد للمقطع السابق من حيث كونه يتوقع من الله تعالى قبولاً يصل الى حد يماثل قبول التوبة من السحرة وعلى سبيل الفرض وامثلة هذا التوقع لا تحصل الا في حالة ما اذا كان العبد يمتلك وعياً تاماً بتجربته الدنيوية وصلة ذلك بتدخل السماء ورعايتها للعبد ... وهذا ما يتمثل بوضوح في العبارة الذاهبة الى ان العبد لايزال في مختلف مراحل حياته يتعرف على ما هو حسن من الله تعالى أي ما زال يردد العبارة (يا من لم ازل اتعرف من الحسنى) فما دام العبد على استمرار يتعرف من الله تعالى (الحسن) عندئذ الا يتوقع بان يقبله؟ هذا ما يطمئن اليه العبد تماماً ما دام يعرف بان الله تعالى لا يصدر منه الا الحسن او الا الحسنى ... فما دام الحسن او الحسنى هو سمة الله تعالى دون ادنى شك ... اذن: امكننا ان نتبين النكات الكامنة وراء العبارة المتوسلة بالله تعالى بان يقبل عبده كما قبل السحرة... والاهم من ذلك هو ان نستثمر هذه القراءة فندرب ذواتنا على الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* الفرق بين رحمة الله لعبده وقبوله له دعاء تعقيب ركعة الوتر من صلاة الليل - 37 2006-08-16 00:00:00 2006-08-16 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/402 http://arabic.irib.ir/programs/item/402 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من النكات المتنوعة ودقائق المعاني، مما يتعين على قارئ الدعاء ان يلم بها وان يعيها خلال قراءته للدعاء، ومن ذلك مثلا ما ورد في الدعاء الذي يتلى بعد صلاة الليل، اي بعد ركعة الوتر، حيث ورد في تضاعيف الدعاء المذكور ما يلي: (ان كنت رحمت مثلي فارحمني، وان كنت قبلت مثلي فاقبلني، يا قابل السحرة اقبلني)... ان هذا المقطع من الدعاء يتسم بوضوح كبير انه يتوسل بالله تعالى ان يرحم قارئ الدعاء وان يقبله كما قبل السحرة عندما شاهدوا معجزة العصا لكن هل ان الوضوح المذكور كاف في جعل قارئ الدعاء واعيا لمختلف نكات الموضوع؟ نعتقد ان الامر يتطلب انارة متنوعة على هذا الجانب وهو ما نبدأ به الآن. ان اول ما يستوقفنا في هذا المقطع من الدعاء هو التوسل بالله تعالي بان (يرحم) قارئ الدعاء وبان (يقبله)، لنقرأ ثانية (ان كنت رحمت مثلي فارحمني، وان كنت قبلت مثلي فاقبلني)... ان قارئ الدعاء قد يمر على هذه العبارة ولم يلتفت الى نكاتها كيف ذلك؟ ينبغي ان نعرف اولا ان (الرحمة) هي غير (قبول الله تعالى للعبد) فالرحمة هي اغداق النعمة على العبد (كما لو شافاه من المرض او اغناه او آمنه من شدائد الحياة مثلا)، ولكن (القبول) شيء آخر... اي: من الممكن ان يرحم الله تعالى عبدا من خلال انقاذه من المرض والفقر والخوف ولكن قد لا (يقبله)، اي: لا ينال رضاه تعالى ... من هنا، فان قارئ الدعاء عندما يتوسل بالله تعالى ان (يرحمه) ، فان (الرحمة) هي اغداق النعمة عليه، ومنها غفران ذنوبه، ولكن غفران الذنب وحده غير كاف اذا قيس برضاه تعالى فمثلا ان العبد وهو يقترف ذنبا هل يتماثل مع العبد وهو لم يقترف ذنبا؟ كلا طبيعة من الممكن ان تتحول سيئات العبد الى حسنات ولكن ثمة معطى هو الاشد اهمية الا وهو رضاه تعالى، وهو قبوله للعبد كيف ذلك، هذا ما سنجيب عليه؟ ان قبول الله تعالى للعبد هو المطلوب اساسا والمهم هو تحقق ذلك سواءا اكان العبد اساسا لم يقترف ذنبا او اقترف ذنبا ثم تاب، الا ان بعض الحالات (كما المحنا) قد يقترن الغفران لذنوب العبد بقبوله عند الله تعالى (اي: رضاه تعالى) بقدر ما يرفع العقاب عنه، وهناك فارق بين من يرفع العقاب عنه وبين من يتنعم بلذائذ الاخرة (من رضاه تعالى) من جانب، ومن النعيم المادي الرفيع من جانب آخر. ومن هنا فان التوسل بالله تعالى بان (يرحم) الله تعالى عبده اولا ثم اردافه بان (يقبله) ثانيا يعني التوسل بالله تعالى بان يهب عبده ارقى منازل الاخرة. والان اذا عرفنا ان الرحمة هي غير القبول وان الذي يتطلع العبد اليه هو كلا الامرين: الرحمة والقبول... حينئذ نتساءل عن نكتة جديدة هي: لماذا توسل الدعاء بالله تعالى بصياغة خاصة عن الرحمة والقبول؟ اي: لماذا قال الدعاء (ان كنت رحمت مثلي فارحمني، وان كنت قبلت مثلي فاقبلني)؟ وبتعبير اشد وضوحا: اما كان يمكن ان يقول الدعاء اللهم ارحمني واقبلني؟ فلماذا قيد الرحمة وقيد القبول بعبارة مثلي؟ اي: لماذا قال الدعاء: اللهم ان رحمت شخصا قد اقترف ذنوبا مثل ذنوبي فارجمني كذلك، وان كنت قبلت شخصا قد اقترن برضاك بعد ممارسته للذنوب مثلي: فاقبلني كذلك؟ ان هذا السؤال يتسم باهمية كبيرة ، حيث نعتقد ان القارئ للدعاء من الممكن الا ينتبه على نكاته... اذن لنتحدث بوضوح... من البين ان العبد ينبغي لهان ينسج لنفسه تقديرا سلبيا وليس ايجابيا اي: ان يجد نفسه مقصرا حيال الله تعالى في ممارسته للعمل العبادي، ولا نحسبك بغافل عن النصوص الاسلامية النادبة الى ان لا يعجب العبد بعبادته بل العكس هو الصحيح تماما، فهناك توصيات تقول مثلا ان العبد اذا رأى شخصا يكبره يقول: قد سبقني بالطاعة واذا رأى اصغر منه يقول: سبقته بالمعصية... ان امثلة هذا التقويم لشخصية العبد يظل تدريبا على ممارسة الاحسن من العمل كما هو واضح، ومن ثم فان احساس العبد بانه اقل العباد ممارسة كوظيفة، سوف يحمله على التوسل بالله تعالى بان يرحمه ويقبله في حالة ما اذا كان العبد اسوأ عباد الله تعالى فكما ان هيرحم ويقبل الاسوأ من العباد كذلك يتوسل العبد بان يرحمه تعالى ويقبله ما دام قد رحم وقبل اسوأ العباد . اذن كم هي نكته عظيمة وخطيرة ومهمة كل الاهمية عندما يكون التوسل بالله تعالى منصبا على موضوع هو ان الله تعالى اذا كان راجحا ومتقبلا اسوأ العباد فان قارئ الدعاء مشمول بهذه الرحمة وبهذا القبول. لكن سوف تتساءل جديدا فتقول اذا كان الامر كذلك فما هي النكات الكامنة وراء العبارة التي تلت ما تقدم وهي: (يا قابل السحرة اقبلني)؟ هذا ما نجيبك عنه في لقاء لاحق ان شاء الله. المهم ان نستثمر قراءتنا لهذا الدعاء وتدرب ذواتنا على الطاعة حتى يرحمنا ويقبلنا ومن ثم ان نتصاعد بممارستنا العبادية الى النحو المطلوب. ******* الاغسال الشرعية حرز وشفاء - 36 2006-08-13 00:00:00 2006-08-13 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/401 http://arabic.irib.ir/programs/item/401 لا نزال نحدثكم عن الادعية المباركة وما تحفل به من بلاغة فائقة، وما تتضمنه من النكات، وما تزخر به من الموضوعات التي يعنى بها قراء الادعية وسواهم مما يتصل بالحاجات العقلية والنفسية والجسدية...الخ، ومن ذلك ما سبق ان حدثناكم عنه في لقاءات ماضية عن دعاء قصير يقرأ عند الغسل لزيارة الامام الحسين(ع) حيث ورد على هذا النحو (بسم الله وبالله اللهم اجعله نوراً وطهوراً وحرزاً وشفاءاً من كل داء وآفة وسقم وعاهة...). وقد حدثناكم عن الرمز الاول والثاني من هذا الدعاء وهما: النور والطهور.. ونحدثكم الان عن الرمزين الاخرين وهي الحرز والشفاء.. اذن لنتحدث عنه الآن... لاحظنا في لقاءاتنا السابقة صلة غسل الزيارة وسائر انماط الغسل بعبارة النور والطهور حيث تعنيان البعد الروحي او النفسي او البعد العام للشخصية... اما الآن فنواجه عبارتين تتحدثان عن الحرز وعن الشفاء من حيث صلتهما بعملية الغسل.. هنا يمكنكم ان تتساءلوا عن المعطيات المترتبة على الغسل في شتى مستوياتها حيث ان العطاء المتمثل في كونه نوراً والعطاء المتمثل في كونه طهوراً يتصلان بمطلق العطاءات بينما نجد ان الرمزين الاخرين يخصصان عطاءين محددين هما الحرز والشفاء هنا ينبغي الا نغفل عن الحقيقة المرتبطة بالامام الحسين(ع) حيث ان العطاءات المشار اليها منبثقة من الخصوصية التي منحها الله تعالى للحسين(ص) صحيح، ان النصوص الدعائية المتنوعة التي تقرأ عادة عند الاغسال مثل غسل الجمعة وغسل الاحرام وغسل الاعياد .... يتضمن بعضها ما لاحظناه في دعاء الغسل للامام الحسين(ع) الا ان تكثيفها أي العطاءات في الغسل الخاص بزيارة الحسين(ص) له دلالته فمثلاً سبق ان قلنا ان النصوص الشرعية تشير الى ان الدعاء يستجاب تحت قبة الامام الحسين(ص) وان الشفاء بتربته(ص)...الخ. من هنا يمكننا مثلاً ان نربط بين خصوصية الشفاء وبين خصوصية الامام الحسين(ص)، حيث ان الدعاء الذي نحدثكم عنه او ان السمة الرابعة من العطاءات وهي التوسل بالله تعالى ان يجعل الغسل المذكور شفاءً تؤشر الى خصوصية ينبغي الا تغفل عن المعطيات المترتبة على هذا الجانب والمهم هو متابعتنا لهذه السمة ولسابقتها وهي الحرز لملاحظة عطائهما في هذا الميدان. بالنسبة الى الحرز فان دلالته اللغوية تشير الى معنى الحفظ أي تحقق الحاجة اى ما يسميه علماء النفس بـالامن حيث ان الحاجة الى الامن تجسد ذروة ما تتطلع الشخصية اليه.. وما بالنسبة الى الشفاء فنعتقد ان قارئ الدعاء يعرف تماماً دلالته واهميته... الم تقل النصوص الشرعية ذاتها نعمتان مجهولتان الصحة والامان وها هما النعمتان المذكورتان يشير الدعاء اليهما فتمثلت في كون الغسل لزيارة الامام الحسين(ص) حرزاً وشفاءاً... اذن لم نلاحظ من التلاحم بين النصوص الشرعية في مختلف جهاتها من حيث توصياتها الى الكائن الآدمي فالصحة والامان نعمتان مجهولتان وهي توصية للبشر جميعاً والصحة والامان نعمتان سوف يحققهما غسل الزيارة للامام(ص)... اذن: ما اجدر بنا ان ننتبه على هذه العطاءات والطريقة او الاساليب التي تخطتها النصوص الشرعية لحملنا على الافاة منها... المهم لنعد ثانية الى ظاهرتي الحرز والشفاء فماذا نستخلص منهما مقارنة مع ظاهرتي النور والطهور؟ لا نطيل الاشارة الى هذه الجوانب طالما عرفنا ان العطاءات الشرعية لا تقتصر على مورد او موارد محدودة بل تتسع لتشمل ما لا حدود له من العطاءات الم يقل الله تعالى (وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها)... ان ما نعتزم الاشارة اليه سريعاً هو ان الصحة والأمان وهما النعمتان المجهولتان كما يقول المعصوم(ص) يرتبطان بتوازن الشخصية واستقرارها.. وهما يتحققان بواسطة غسل الزيارة ... واما العطاءان الاخران وهما النور والطهور فيرتبطان بالحالة الروحية كما اوضحنا في حينه والمهم ان النظر في المعطيات الاربعة المتقدمة يقتادنا الى القول بان الغسل كزيارة الحسين(ص) يحقق للشخصية كل طموحاتها اخروياً ودنيوياً عقلياً ونفسياً وجسمياً وروحياً ومادياً .... ختاماً: علينا ان نستثمر قراءتنا للدعاء المذكور وذلك بان نوفق لزيارة الامام الحسين(ص) وان نعني بما يقدمه الشرع من المبادئ وتوصيات التي ينبغي ان نحققها عملياً لا نظريةً وذلك بان ندرب ذواتنا على الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* الاغسال الشرعية والتطهير المعنوي - 35 2006-08-07 00:00:00 2006-08-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/400 http://arabic.irib.ir/programs/item/400 لا زلنا نحدثكم عن الادعية المباركة وما تنطوي عليه من نكات التعبير ودقائق المعاني .. وعن ذلك ماحدثناكم عنه في لقاء سابق وهو احد الادعية القصيرة يقرأ عند الغسل لزيارة الامام الحسين(ع)، وهو (بسم الله وبالله اللهم اجعله نوراً وطهوراً وحرزاً وشفاءاً من كل داء وآفة وسقم وعاهة...). لقد حدثناكم عن كلمة النور كما المحنا سريعاً الى كلمة الطهور وواعدناكم ان نفصل الحديث عنها وها نحن نتقدم الى ملاحظة ذلك... الطهور كا تحدده اللغة هو كل شيء يقابل ما هو قذر ونجس طبيعياً ثمة فارق بين القذر بمعناه العام وبين النجس حيث ان الاول يشمل الوسخ وسائر ما هو غير نظيف واما النجس فهو تعبير شرعي عن مواد حسية كما هو تعبير شرعي عن حقائق معنوية او نفسية... من هنا فأن قارئ الدعاء ومطلق الاسلاميين عندما يتعاملون مع الظواهر الطاهرة انما يخبرونها من خلال الفهم الشرعي والعرفي لها.. فالنظيف من الاشياء مثلاً يعتبر من الايمان كما هو صريح الحديث القائل "النظافة من الايمان" حيث ان النظافة تعني الجمال، والجمال كما هو معروف في لغة علم النفس احد الدوافع او الحاجات البشرية ولذلك تكتسب النظافة بعداً له اهميته في السلوك الشرعي... ولكن لندع ظاهرة النظافة مقابل القذارة او الوسخ او القبح ونتجه الى الطهارة بمعناها الشرعي حيث تعني نمطين من الظواهر الطهارة المادية او الجسمية والطهارة المعنوية او النفسية اما الطهارة المادية او الحسية فهي خلو الجسد من النجاسات المعروفة حيث يتم تطهيرها بواسطة الماء، أي تطهير الاجساد ... ولذلك فان النص القرآني الكريم عبر قوله تعالى: (وانزلنا من السماء ماءً طهوراً...) يعني كونه طاهراً ومطهراً وهذا ما ينسحب على تطهير الجسد بالماء المطهر من النجاسات ايضاً لندع هذا الجانب ونتجه الى ما هدف اليه الدعاء الذي نتحدث عنه وهو التوسل بالله تعالى بان يجعل الغسل طهوراً للمغتسل أي نحن الان امام الطهارة والتطهير بمعناه الآخر وهو التطهير المعنوي او الروحي او النفسي ... ولنتحدث عن الجانب المذكور... لا نحسب انك بحاجة الى ان نذكرك بما هو واضح في ذهنك من حيث معرفتنا جميعاً بمفهوم الغسل، حيث نعرف جميعاً بان التطهير المعنوي مرة يكون بواسطة الوضوء واخرى بواسطة الغسل والحديث الآن هو عن الغسل، من هنا عندما يتوسل الدعاء بالله تعالى بان يجعل غسلنا من ماء الفرات طهوراً فهذا يعني ان يطهرنا هذا الماء او هذا الغسل المعين غسل الزيارة من الاوساخ المعنوية او الروحية او النفسية... ان الانسان يتمارس الذنب، انه يمارس العيوب انه يمارس الخطايا .... انه عاجز الى تطهير ذاته من الاوضار المشار اليها الذنب وتبعاته. فان التطهير يتكفل بتحقيق ما نتطلع اليه من تصفية الذات وتحلتها بالفضائل والغسل هو واسطة او مقدمة لتحقيق ما نتطلع اليه ويتضاعف هذا الامل بتطهير الذات هو اننا نطلب ذلك من خلال زيارة الامام الحسين(ع)، ولا نعتقد اننا بحاجة الى تذكير قارئ الدعاء باهمية زيارة الحسين(ع) وما يترتب عليها من عطاءات روحية.. ويكفي ان الملائكة تطوف حوله، والدعاء يستجاب تحت قبته والشفاء يتم بواسطة تربة الحسين(ع) المهم: ان اقتران الغسل وهو عملية تطهير عامة مع زيارة الحسين(ع) وهو عملية تطهير خاصة نقول على هذا الاقتران تضخم اهمية الغسل ومن ثم اهمية التطهير الروحي للشخصية بما يتناسب واهمية زيارة الحسين(ع). الى هنا نكون قد حدثناكم عن الدعاء المذكور في عبارتيه منه هما النور والطهور عبر الفقرة القائلة (اللهم اجعله نوراً وطهوراً ...) ولكن لا نغفل ان للدعاء تكملة هي وحرزاً وشفاء .... وهذا ما نحدثكم عنه في لقاءات لاحقة ان شاء الله تعالى. لكن ينبغي الا نغفل ايضاً انه لا فائدة من معرفة هذا الدعاء وذاك الا من خلال ممارسته جانب وتطبيق مبادئه من جانب آخر، وهو الاشدة اهمية بطبيعة الحال لذلك يتعين علينا ان نغتسل من خطايانا وان نتدرب على ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* الاغسال الشرعية والتنوير - 34 2006-08-05 00:00:00 2006-08-05 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/399 http://arabic.irib.ir/programs/item/399 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تنطوي عليه من بلاغة العبارة ودقائقها وطرائفها، ثم ما تطرحه من المعرفة في مختلف ميادينها فضلاً عن تحقيقها لطموح الانسان واشباع حاجاته الروحية والمادية. ومن نماذج الادعية هذا الذكر القصير حيث يقرا عن الغسل لزيارة الحسين(ع) يقول الذكر: (بسم الله وبالله اللهم اجعله نوراً وطهوراً وحرزاً وشفاءً من كل داء وآفة وسقم وعاهة اللهم طهر به قلبي، واشرح به صدري، وسهل به امري). هذا الدعاء القصير كما سنرى يتضمن جملة من الحاجات الاخروية الدنيوية والروحية والمادية، وكل حاجة او ظاهرة منها تتناول ادقها بحيث يخيل لقارئ الدعاء انها حاجات متكررة في دلالتها كالداء والسقم والآفة والعاهة ... ولكن كلاً منها يجسد دلالة تختلف عن الاخرى، مضافاً الى ما ورد من النكتة المتصلة بعملية الغسل حيث وردت التوصية الاغتسال من ماء الفرات حيث استشهد(ع) على شاطئ الفرات... المهم لنتحدث عن النكات المشار اليها في الدعاء المذكور. ان اول ما يواجهنا من الدعاء القصير المشار اليه هو استهلاله بظاهرة النور حيث يقول: (اللهم اجعله نوراً...)، ومما لا ترديد فيه ان كلمة النور وهي عبارة طالما حدثناكم عنها في لقاءات متنوعة تترسخ بدلالات متنوعة فالله تعالى يصف ذاته المقدسة بانه (نور السماوات والارض)، كما ان القرآن الكريم في مواقع متنوعة من آياته المباركة يشير الى ظاهرة النور كقوله تعالى: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور..) ، ومثل (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي انزلنا..) ومثل (يسعى نورهم بين ايديهم...).... فانت ترى ان كلمة النور وردت في القرآن الكريم في سياقات متنوعة بعضها يتصل بالله تعالى وبعضها يتصل بما انزله تعالى وبعضها يتصل بالدنيا وبعضها يتصل بالاخرى وهكذا... والمهم هو ان النور يظل رمزاً حياً ينطوي على دلالات قد يتعذر حصرها في عدد بقدر ما تجعل قارئ النص مستخلصاً من الرمز المذكزر ما يتناسب مع جهازه المعرفي وتشكيلته الثقافية... ولكن في الحالات جميعاً ثمة دلالة عامة هي البعد او العطاء الالهي الذي نثره الله تعالى على عباده، انه يشمل دلالات العطاء والفيض والخير والايمان والاسلام والولاية البارئ التي رسمها الله تعالى على لسان القرآن الكريم، ولسان النبي(ص) ولسان العترة الطاهرة لذلك عندما يتوسل الدعاء المذكور بالله تعالى ان يجعل غسل القارئ للدعاء نوراً يعني ان يجعله وسيلة الى ان يحظى المغتسل بكل ما هو خير له، بكل ما هو عطاء من الله تعالى حيث ان عطاءه تعالى لا حدود له. اذن هذا الرمز يظل من الثراء ومن الاهمية بما لا يسع اللسان التحدث عنه مفصلاً... وبعد ان يكون القارئ للدعاء او المغتسل قد طلب من الله تعالى الخير الشامل العام يتجه الدعاء الى مفردات لها ايضاً سعة دلالاتها ومنها كلمة الطهور حيث يقول الدعاء (اللهم اجعله نوراً وطهراً) هنا يتعين علينا ان نتجه الى استخلاص دلالة الطهور فماذا تعني؟ "الطهور" بصفتها مفردة لغوية وردت في النصوص الشرعية عبر مواقف متنوعة منها ما ورد في القرآن الكريم كالاشارة المهمة جداً وهي التعريف باهل البيت عليهم السلام في النص القائل (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) يجب هنا الا نغفل عن الصياغة الخاصة لظاهرة الطهر حيث استخدم النص ويطهركم تطهيراً أي استخدم التعبير النحوي المعروف في تأكيد دلالة ما من خلال تكرارها كما لاحظنا... هذا بالاضافة الى سياقات اخرى متنوعة ورد فيها مصطلح الطهور وسائر المشتقات مثل (وانزلنا من السماء ماءً طهوراً) فضلاً عن عشرات النصوص الحديثية الواردة عن النبي(ص) واهل بيته عليهم السلام عبر الاشارة الى الطهر في ميدان الاغتسال او الطعام وسواها مما تفصح جميعاً عن دلالة خاصة نحدثكم عنها ان شاء الله تعالى في لقاء مقبل. لكن قبل ذلك يتعين علينا ان نستثمر هذه العبارة الطهور وندرب ذواتنا على ممارسة ما هو طاهر من مبادئ الطاعة والتصاعد بها على النحو المطلوب. ******* الاعزاز والاذلال بيد الله عزوجل - 33 2006-08-02 00:00:00 2006-08-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/398 http://arabic.irib.ir/programs/item/398 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة فائقة ونكات متنوعة وحقائق عميقة يجدر بقارئ الدعاء ان يستوعبها من جانب وان يعمل بها من جانب اخر وان يتجه بها الى الله تعالى متفاعلاً على دلالاتها وليس مجرد قارئ يعيها ذهنيا ولكنه لا يحياها وجدانياً... ومن النماذج التي تتسم بما هو واضح من الدلالات ولكنه عميق ومن ثم ينطوي على تقديم البعد المعرفي لقارئ الدعاء ... نقول من النماذج التي نعتزم تقديمها هذه العبارة الواردة ضمن زيارة سيد الشهداء الحسين(ع).. تقول العبارة (يا مذل كل جبار، ومعز كل ذليل...). ان قارئ الدعاء يقرأ العبارة المذكورة بلا اية ضبابية في دلالاتها ولكننا نعتزم تقديم تحليل لما ينتفع به قارئ الدعاء دون ادنى شك... اذن لنتحدث عن الموضوع... قبل ان نتجه الى تحليل العبارة نذكر بان الدعاء المذكور يتلى في حرم الامام الحسين(ع) .. واذا كان قارئ الدعاء مستحضراً لمعركة كربلاء وما يواكبها او يسبقها او يلحقها من ظواهر متنوعة سوف يتداعى ذهنه الى المنحرفين الجبارين ومنهم يزيد عليه اللعنة حيث يذله الله تعالى اليس العبارة تقول "يا مذل كل جبار"؟ .. اذن الجبارون ومنهم قتلة الحسين عليه السلام "يذلهم" الله تعالى وسنوضح بعد قليل فيما اذا كان اذلال الجبارين يقصد به في الدنيا او الاخرة او كليهما لكننا استهدفنا اولاً مجرد تذكير قارئ الدعاء بالمناسبة التي ترتبط بين زيارتنا للحسين(ع) وبين القتلة الطغاة الذين يلحقهم الاذلال من الله تعالى... لكن لندع هذه المناسبة ونتجه الى مدلول الدعاء او العبارة المذكورة (يا مذل كل جبار ومعز كل ذليل).. فماذا نستخلص جديداً منها؟ كلنا يعرف تماماً با العز يقابله الذل او ان الاعزاز يقابله الاذلال ولذلك فان قارئ الدعاء سوف يستخلص سريعاً بان الله تعالى هو المعز وهو المعذل ولكن هل ان هاتين الصفتين تتضادان في جميع الحالات؟ لنلاحظ عبارة الدعاء "يا مذل كل جبار ويا معز كل ذليل". فهنا تجد ان الله تعالى يعز الذليل ولكنه لا يذل العزيز بل يذل الجبار... لماذا؟ هذا يعني ان العزيز لا يحمل دائماً صفة سلبية لكي يذله الله تعالى بل ان الاسلام يؤكد ضرورة ان تصبح الشخصية الاسلامية عزيزة حتى ان التوصيات الاسلامية اكدت بان المؤمن فوض اليه الله تعالى كل شيء الا اذلال نفسه... اذن العز هو سمة ايجابية كما ان الذل في سياقات خاصة يكتسب سمة ايجابية وكما لو عاش المؤمن ذليلاً بسبب ايمانه وعاش المنحرف عزيزاً بسبب انحرافه لكن ما نستهدف الاشارة اليه هو ان الله تعالى هو المعز وهو المذل تبعاً لقوله تعالى "يعز من يشاء ويذل من يشاء" لكن السياق الذي نتحدث خلاله هو انه تعالى "مذل الجباري، ومعز الذليلين"، وهو ما نعتزم الان توضيحه. ينبغي ان نأخذ بنظر الاعتبار ان العز والذل قد يكونان في الدنيا وقد يكونان في الاخرى فالمنحرف او الجبار حيث خلع الدعاء طابع الجبار على من يستذل الآخرين او يفتك بهم تعالياً عليهم واحساساً بالعظمة الموهومة... فهذا الوهم بعظمة الجبار اشار الدعاء اليه بانه مجرد وهم لا حقيقة فيه، لان الله تعالى اما ان يذل الجبار في حياته وهذا ماحدث فعلاً قديماً وحديثاً او اما ان يذله في الاخرى، حيث ان النصوص القرآنية الكريمة طالما تسخر من الطغاة والمستكبرين حتى ان احد النصوص يستخدم صورة بلاغية ساخرة عندما يخاطب هؤلاء المنحرفين الذين توهموا ذات يوم انهم اعزاء مثلاً، واذا هم اذلاء في اليوم الاخر حيث يخاطبهم النص القرآني ساخراً اذق انك انت العزيز الكريم أي ذق نار جهنم اليها المتوهم بانه عزيز وكريم... والعكس هو الصحيح ايضاً حيث ان الله تعالى قد يعز المؤمن في دنياه وقد يعزه في الآخرة، حيث تشير الآية القرآنية مثلاً: ان المنحرفين في الدنيا كانوا يسخرون من المؤمنين ويضحكون منهم ولكن العكس هو الحادث تماماً في الاخرى، حيث تقرر الآية القرآنية المباركة ان المؤمنين اليوماي اليوم الآخر يضحكون من الكفار اذ يحتلون في القيامة موقعاً مهزلاً هو جهنم... اذن: العزة والذلة تضلان مفهومين لهما سياقات متنوعة ومن ثم فان الله تعالى هو المعز والمذل دنيوياً واخروياً تبعاً للطاعة او الانحراف والاهم من ذلك ان نستثمر نحن القراء للادعية هذا الجانب فنعمل بطاعة الله تعالى ونتصاعد بها الى النمو المطلوب. ******* معنى طلب الفوز ببرد المغفرة - 32 2006-07-30 00:00:00 2006-07-30 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/397 http://arabic.irib.ir/programs/item/397 لا نزال نحدثكم عن الادعية المباركة وما تتضمنه من النكات البلاغية من حيث دقائق المعاني وطرافتها ومن ذلك مثلاً ما حدثناكم عنه في لقائنا السابق، وهو عبارة الدعاء القائلة (اللهم اني أسألك حلاوة الايمان وبرد المغفرة) ... وفي حينه اوضحنا النكات الكامنة وراء الرمز وهو الحلاوة وعلاقته بالايمان اما الان فنحدثكم عن الرمز الاخر وهو التوسل بالله بان يمنحنا برد المغفرة حيث يحق لقارئ الدعاء ان يسأل عن السبب الكامن وراء الدعاء المذكور من حيث انه انتخب الحلاوة للايمان وانتخب البرد لملغفرة فما هو شر ذلك. بالنسبة الى البرد من حيث دلالية اللغوية هو ما يضاد الحر ونحن اذا انقلنا التجارب اليومية التي نحياها عن ظاهرة البرد والحر الى ما رسمه الدعاء من التوسل المذكور أي ان يمنحنا الله تعالى برد المغفرة حينئذ ستتضح دلالة الرمز المذكور.. ولعلك او لعل قارئ الدعاء يعلم جيداً ان الحر يجسد ظاهرةً مصحوبة بما هو شدة للشخصية لذلك فان الانتقال من الحر حر الظهر مثلاً الى الظل او أي مناخ بارد يجعل الشخصية متحسسة لما هو امتاع واشباع لحالتها الجسمية والنفسية طبيعياً من الممكن ان تحدث حالة مضادة وهي الانتقال من البرد الى الحر كما لو كنا في مناخ شتوي وانتقلنا منه الى الدفء حينئذ يتحقق نفس الامتاع والاشباع لكن بما ان الحر هو اكثر شدة من البرد حينئذ فان اتخاذه رمزاً أي البرد يظل مفسراً لنا سر الدعاء المذكور حينما توسل بالله تعالى ان يمنحنا برد الايمان طبيعياً البرد هنا ما يقابل الدفء أي ليس الحرارة الشديدة وليس البرد الشديد بل البرد بمعنى الاحساس بنعومة الجو ورقته كما هو طابع الظل مثلاًً ... والمهم الان هو ان نجيب عن السؤال القائل ما هو السر الكامن وراء استخدام الرمز البرد ليجسد معنى خاصاً بالمغفرة؟ هذا ما نحاول الحديث عنه الان... ينبغي ان نضع اولاً معنى المغفرة في اذهاننا فنقول بما ان الانسان يمارس ذنوباً فان التجاوز عن الذنوب ومغفرتها من جهة الله تعالى يظل املاً لا حدود في تصورنا لسعته ان كل واحد منا لو قدر له ان يستحضر اهوال القيامة او قد له ان يستحضر حر جهنم اعاذنا الله تعالى منها حينئذ سيتبلور لديه معنى البرد مقابل الشدة التي يستحضر صورها في اليوم الاخر عبر لحظات الوقوف في عرصة القيامة او لحظات الحالة النفسية التي ينخلع خلالها قلب الانسان مما يحتمله من المحاسبة الدقيقة التي تنتظره اليس النص القائل بان اليوم الاخر لا تقاس مدته باهوال تبلغ به الحالة الشخصية بان تحسبها سكرى وماهي بسكرى او تضع كل ذات حمل حملها.... ان تصور هذه الحالات من حيث استحضارها في الذهن يجعل الشدة النفسية التي يواجهها الانسا امراً لا سبيل الى وصفه لذلك فان انفراج الشدائد المذكورة وتحولها الى أمن نفسي لا سبيل الى تصوره ايضاً ويظل مرسوماً بحالات نفسية غير عادية.. كذلك ذلك؟ من البين ان الانسان حينما يستمتع بصحة جيدة فان رد الفعل حيال صحته تظل عادية أي ان استمتاعه ببعض الصحة يظل عادياً كحياته الاعتيادية التي يحياها ولكن لو مرض ثم عوفي حينئذ فان رد الفعل حيال صحته يصبح غير عادي بل يصبح على درجة عالية من الامتا ومن اللذة ومن الفرح ومن الاشباع ... والامر كذلك بالنسبة الى ردود الافعال في اليوم الاخر حيث ان الشدائد التي اشرنا اليها عبر مواجهة الانسان لعملية المحاسبة سوف تنقشع بنحو غير عادي لحظة غفران الله تعالى لذنوبه فحيث كان الانسان متوتراً قلقاً خائفاً مستوحشاً ... الخ. اذا به يفاجأ بغفران الذنب عندها سيكون رد الفعل من القوة ومن الضخامة الى درجة غير عادية ولذلك فان مواجهة حر يوم القيامة والانتقال منه عبر غفران الذنب الى البرد يظل تعبيراً دقيقاً وطريقاً يتناسب تماماً مع الموقف، حيث ان حر اليوم الآخر مادياً سواءً في الموقف او تصور جهنم ثم الحر نفسياً من خلال القلق والخوف من اهوال القيامة يتحول الى برد كالظل ينتقل به الشخص من حر الظهرة الى الخيمة التي تظله.... اذن امكننا ان نستخلص جملة من النكات الكامنة وراء التعبير عن غفران الذنوب بانها برد والاهم من ذلك ان نسارع الى التوبة حتى لا نتعرض الى اهوال الموقف ومن ثم ندرب ذواتنا على ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* حلاوة الايمان حالة وجدانية - 31 2006-07-25 00:00:00 2006-07-25 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/396 http://arabic.irib.ir/programs/item/396 لا نزال نحدثكم عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة فائقة، ودقائق المعاني وطريفها، حيث يتعين على قارئ الدعاء ان يتبين هذه النكات في الادعية حتى يصبح على وعي بقراءته ومناجاته لله تعالى... ومن امثلة العبارات المتسمة بما هو طريف من الدلالة هذه العبارة القائلة (اللهم اني أسألك حلاوة الايمان، وبرد المغفرة، ....). ان قارئ الدعاء يعرف بلا شك وضوح المصطلحات المتصلة بالايمان والمغفرة ولكنه من الممكن ان يجهل ما تعنيه عبارة حلاوة الايمان وعبارة برد المغفرة، أي ان الايمان والمغفرة واضحان كل الوضوح في دلالتهما، ولكن غير الواضح هو "الحلاوة" و"البرد" ... صحيح ان الحلاوة بدورها واضحة في دلالتها وكذلك كلمة البر ولكن غير الواضح هو ما يرمزان اليه من المعاني، حيث ان قارئ الدعاء قد يرى تماماً ما يرمز اليه عبارة الحلاوة بالنسبة الى الايمان والفارق بينهما وبين عبارة البرد بالنسبة الى المغفرة وها نحن نتقدم الان لتوضيح ذلك نحسبك تتساءل متردداً عن الحلاوة من حيث صلتها بالايمان طبيعياً الايمان بالله تعالى وبالنبي محمد(ص) وبالعترة الطاهرة، وبالمبادئ المرتبطة بهذه الجهات يظل من الامور الواضحة كما قلنا ولكن لماذا خلع الدعاء سمة الحلاوة على الايمان دون سواه من الرموز؟ لماذا لم يستخدم الدعاء كلمة البرد بالنسبة الى الدعاء مثلاً؟ قبل ان نتحدث عن الجانب المذكور نلفت نظركم الى ان الحلاوة تظل مرتبطة بحاسة التذوق ولكن بالنسبة الى البرد وهو الرمز للمغفرة يظل مرتبطاً بالاحساس الداخلي لاعضاء البدن... لذلك فان قارئ الدعاء يعنيه بلا شك ان يفهم هذه الفوارق بين ما ذكرناه.. فبالنسبة الى الحلاوة فان عملية التذوق لما هو طيب الطعم، تجعلنا نتداعى بالذهن الى ما هو جميل ايضاً، حيث ان الحلو من الاشياء قد يكون طعاماً وقد يكون لى سبيل المثال منظراً او شيئاً معنوياً ايضاً... فمثلاً الحلية بالنسبة الى النساء تعتبر زينة مادية ولكن الدنيا كما وصفها الامام علي(ع) في احد النصوص تجسد زينة اوحلية في اعين من نشبث بها حيث قال حليت الدنيا في اعينهم.. لكن ينبغي على قارئ الدعاء ان يصرف ذهنه عن الحلية او الحلو من الظواهر اتي اشرنا اليه، ويقتصر على المعنى المقصود وهو الحلاوة المتصلة بطيب الطعام وليس بما هو حلو او حلية ونحوهما... وفي هذا السياق ماذا نستخلص؟ من الواضح ان الطعام بصفته احد نماذج الاشباع الى دافع الجوع تظل الحاجة اليه من الحاجات التي لا يمكن تأجيلها بل لابد من توفرها، والا فان الكائن الآدمي يتعرض للموت في حالة عدم تناوله للطعام... وهناك مستوى ترف من الطعام هو الفاكهة مثلاً او المصنوعت من مواد حلوة كالسكر مثلاً، ولكنها جميعاً تظل من الحاجات المترفة وليست الضرورية التي لا مناص من اشباعها والآن في ضوء الحقيقة المتقدمة نرجو الا نبتعد عن جو الدعاء وما ينثره ويشيعه من التأملات الروحية، بل يتحتم علينا ايضاً ان نعرف مكان الحلاوة من الايمان متمثلة في ان الحلو من الطعام فاكهة كان او غيره يحسس الشخصية عند تناولها اياه بامتاع وبلذة يطرب لها ويهتز فرحاً بها ومن ثم يتحقق توازنه النفسي بالنحو المطلوب... ولو ربطنا الايمان بالحلاوة المذكورة ودققنا النظر فيما ترمز اليه نجد ان الايمان بالله تعالى وبالنبي(ص) وبأهل بيته عليهم السلام بالمبادئ العقائدية والاخلاقية والاجتماعية التي رسمها الله تعالى لنا وطالنا بالالتزام بها، اقول نجد ان الايمان بهذه المبادئ لم يتحقق الا لدى ثلة خاصة كالمصطفين مثلاً، ومن يسليهم في درجة الايمان والسر في ذلك من الوضوح، حيث ان زينة الحياة الدنيا وما يواكبه من مختلف المنبهات والمحركات التي تغري الشخصية كالجنس او الجاه او المال ... بالاضافة الى الشك او عدم يقين الشخصية عقلياً او قلبياً بهذا المبدأ او ذاك اولئك جميعاً تجعل ايمان هذه الشخصية او تلك معرضاً للزلزال او الهزة القوية او الخفيفة بحيث يتصدع ايمانه بمبادئ الله تعالى ... من هنا طالب الدعاء المذكور او توسل بالله تعالى ان يمنحنا نحن القراء للادعية ايماناً خلاله بحيث يطمئن الانسان الى ما يؤمن به ويجد لذته وامتاعه في ذلك تماماً على نحو ما يجده من اللذة او الامتاع لتناول ما هو الحلو من الاطعمة. اذن: امكننا ان نلم لو سريعاً ببعض ما يرمز اليه مصطلح حلاوة الايمان وهذا مما يحملنا فعلاً على تدريب ذواتنا على ممارسة مبادئ الايمان والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* ترسيخ الأمل المتوازن برحمة الله عزوجل - 30 2006-07-22 00:00:00 2006-07-22 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/395 http://arabic.irib.ir/programs/item/395 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من دقائق المعاني ونكاتها... ومن ذلك ما لاحظناه في لقاءاتنا السابقة عن دعاء الحزين وهو الدعاء الذي يقرأ بعد صلاة الليل حيث جاء فيه (اللهم ارحمني يوم آتيك فرداً، شاخصاً اليك بصري، مقلداً عملي قد تبرأ جميع الخلق مني نعم وابي وامي ومن كان له كدي وسعيي)... هذا المقطع من الدعاء حدثناكم عنه في لقاءات سابقة حيث اوضحنا الفقرة الاولى منه وهي ارحمني يوم آتيك فرداً هو قلنا ان مجيء الشخصية فرداً لها، نطاتها المتنوعة حيث تتحول وحدها مسؤولية سلوكها وحتى ان اقرب البشر اليها وهو الابوان والاسرة يتبرءان منهما عن ساحة الحساب في عرصة القيامة واوضحنا الاسرار الكامنة وراء الاشارة الى الاب والام والعائلة من حيث العواطف التي تشد ما بينهم ومن حيث الاشباع الذي يتحقق من خلالهم ... كل ذلك اوضحناه اما الان فنتحدث عن الفقرة الثانية من الدعاء وهي عبارة شاخصاً اليك بصري وحينئذ تتساءل ماذا نستخلص من النكات الكامنة هي في العبارة المتقدمة. من الواضح ان النصوص الشرعية عندما ترسم لنا ملامح الشخوص الفيزيقية فهذا يعني ان للرسم المذكور صلة بالحالة النفسية لصاحبه أي ان ما هو خارجي من الملامح يجسد تعبيراً عما هو داخلي، وهنا عندما نواجه رسماً لملامح العبد وهو في عرصة القيامة ينتظر مصيره الابدي عندئذ نستخلص الحالة النفسية التي يحياها... فما هي هذه الملامح المرسومة. انا شخوص البصر الى الله تعالى والسؤال هو لماذا الشخوص دون سواه؟ للاجابة عن السؤال المتقدم ينبغي ان نوضح اولاً معنى الشخوص شخوص البصر هو فتح الشخص لعينيه دون ان تطرفاً أي دون ان تتحركا ترى ماذا يستخلص المشاهد تخص يفتح عينيه ولا تتحركان لا نطيل التأمل حتى ندرك سريعاً بان العينين تخضعان لحركات متنوعة فقد تغوران مثلاً وقد تطرفان بنحو متلاحق اوبطيء وقد تحمران وقد تحدان النظر وقد تطرقان الى الارض... وكل من هذه الحالات تعبير عن حالة نفسية خاصة ويهمنا ان نحدثكم عن شخوص البصر وعم يعبر؟ في تصورنا ان شخوص العينين دون ان تتحركا يظل تعبيراً واضحاً عن اعتى واشد درجات القلق والتمزق والتوتر، لماذا؟ لان على حركتي الاجفان يعني عدم وجود ما يحدد بوضوح مصير الشخصية، فالشخصية المنحرفة مثلاً تنعكس عليها ملامح اليائس والعكس مثلاً تنعكس عليها ملامح الواثق والمتفائل والمطمئن... ولكن الجاهل تماماً لمصيره بخاصة انه يعرف تماماً مدى حجم معصيته طوال حياته، يظل ولا شك خائفاً كل الخوف.. صحيح انه يعرف تماماً ايضاً ان الله تعالى يغفر الذنوب جميعاً في حالة التوبة، الا ان مجرد التوصيات القائلة بان العين ينبغي الا يخيل اليه بانه قد كسب رضا الله تعالى حتعى لو جاء بعبادة الثقلين، وبالقائل ينبغي عليه الا يقنط من رحمة الله تعالى حتى لو جاء بذنوب الثقلين ان مجرد هذا التأرجح بين الامل والخوف كاف لجعل الشخصية منحرفة قلقة متصارعة.. وهذا بالنسبة الى الصورة المتمثلة في "شخوص البصر" ... ولكن ماذا بالنسبة الى الصورة الاخرى المتمثلة في ملداً عملي أي ان العبد يواجه في عرصات القيامة كتاباً يلقاه منشوراً، يواجه طائره في عنقه يواجه صحيفة اعماله يواجه حتى جوارحه منطقة بان تنطق بافعاله. هنا نجد الدعاء قد انتخب رمز القلادة وهي توضع في عنق الشخص في صدره لتكون مشيراً الى ان رقبته سوف تتجه الى الجنة او النار اعاذنا الله تعالى من النار ... والمهم ان العبد وهو يواجه انه قد اتقلد لبس قلادة اعماله فان قلقه يزداد ويتفاقم .. وبهذا يكون التقلد لعمله والشخوص بصره هما الرمز بحجم قلقه الكبير كما قلنا. اخيراً يتعين علينا ونحن نقرأ هذا المقطع من الدعاء ان نستثمره حتى يتعدل سلوكنا ونتصاعد به الى النحو المطلوب. ******* حول يوم القيامة واشعار الانسان بأن ما ينفعه فيها عمله لا نسبه واسرته ولا غير ذلك - 29 2006-07-22 00:00:00 2006-07-22 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/394 http://arabic.irib.ir/programs/item/394 لانزال نحدثكم عن الادعية المباركة ومنها دعاء الحزين وهو الدعاء الذي يتلى بعد صلاة الليل حيث جاء فيه (اللهم ارحمني يوم آتيك فرداً شاخصاً اليك بصري، مقلداً عملي).... وقد حدثناكم عن العبارة القائلة (ارحمني يوم آتيك فرداً)، حيث اوضحنا في لقاء سابق ان سبب اشارة الدعاء الى مجيء العبد "فرداً" وحده لا جماعة من قرابة او اصدقاء...، له دلالته المتمثلة في ان الفرد هو المسؤول عن سلوكه وان الاخرين كل واحد هو المسؤول بدوره عن نفسه، وبذلك لا ينفع العبد احد الا عمله، وهذا ما اشار الدعاء نفسه اليه فضلاً عما لاحظنا في لقاء سابق من النص القرآني على ذلك أي الآية المقررة بان اليوم الآخر يوم يفر المرء من ابيه وامه واخيه... وكذلك ما نلاحظه في الدعاء الذي نتحدث عنه حيث يقول معقباً قد تبرأ جميع الخلق مني نعم وابي وامي ومن كان له كدي وسعيي.. هذه الفقرة من الدعاء تلقي باضاءتها على ما نحن بصدده وهو ان الابوين والاولاد والزوجة الخ.. لا تنفع العبد عند محاسبته بل يتحمل المسؤولية وحده.. ويحسن بنا قبل ان نتجه الى القسم الآخر من الدعاء وهو قوله(ع) (شاخصاً اليك بصري، مقلداً عملي)، يحسن بنا ان نحدثكم سريعاً عن النكتة التي تتضمنها فقرة الدعاء المشيرة الى هؤلاء الانماط الثلاثة الاب الام الاسرة التي يتحمل نفقاتها... يلاحظ بان الدعاء قد انتخب اقرب البشر الى العبد رحماً وهم الاصناف التي اشار اليها الدعاء الاب والام الاشخاص الذين كان العبد من اجلهم يسعى ويكد... والسؤال هو: ما هي دلالة ذلك من الزاوية النفسية؟ واضح، ان الاب والام يشكلان طرفاً له فاعلية في تحقيق الاشباع لحاجات العبد مادياً وعاطفياً فيما عائلته الزوجة والاطفال على عكس ذلك هو الذي يحق لهم الاشباع حيث يسعى ويكد من اجلهم اذن: ثمة طرفان احدهما يجسد اشباعاً لحاجات الفرد والآخر يجسد له العبد اشباعاً لحاجاته... والسؤال من جديد ماذا يعني هذا؟ واضح ايضاً ان الانسان اياً كان نمط وثقافته واتجاهاته الفكرية لا يخلو من احدى الحالتين ان يكون هو طرفاً لاشباع الآخر، او يكون الآخر هو الطرف لاشباعه... وفي الحالتين تتحقق للانسان توازنه الداخلي فالشخصية وهي على كحالة كونها ولداً تحتاج الى ابويها مادياً وعاطفياً ومعنوياً، وحتى في حالة استقلالها عنهما، فان عاطفة البنوة وعاطفة الامومة تلعب دورها في تحسيس الشخصية باهميتهما وفاعليتهما... اضافة الى ذلك فان الشخصية في حالة وقوعها في الشدة فانها تنتظر من ابويها ان يهرعا اليها لانقاذها ومواساتها ولكن الدعاء يقول ان الام والاب ايضاً يتبرءان من ولدهما عند المحاسبة في عرصة القيامة، وهذا ما يجعل الشخصية قارئة الدعاء تتعط بهذا الجانب فتقول لنفسها اذا كان الاب والام وهما العاطفيان اللذان يستعدان للتضحية بحياتهما من اجل الولد اذا كانا يتبرءان في اليوم الآخر من ولدهما فحينئذ ما اشد الموقف هولاً؟ الا يحمل هذا الهول الشخصية على ان تتعظ فتمارس وظيفتها العبادية بالنحو المطلوب اهذا من حيث كوني الشخصية بحاجة الى مصدر اشباعها ولكنها ماذا بالنسبة الى كونها هي المصدر ولاشباع الاخر وهو اسرته؟ ... واضح ايضاً ان الشخص الذي هو مصدر الاشباع لاسرته بحيث يسعى ويكد من اجلها الا ينتظر من هؤلاء الذي حقق لهم الاشباع ان يهرعوا اليه ويسارعوا الى مساعدته في حالة شدته؟ ... ان هذا ما يتوقعه رب الاسرة دون ادنى شك حينئذ اذا لاحظنا بان الدعاء الفت نظر قارئه بان الاسرة التي اشبعها وانتظر منها مساعدة في اليوم الآخر سوف تحقق له املهن بل تهرب منه حينئذ سوف يتعظ بهذا الموقف ايضاً فيحمله على ممارسة مهمته العباية وتحمله للمسؤولية حيث سيتبر منه حتى اولئك الذين كان يعيلهم. اذن: ادركنا جملة نكات مهمة في هذه الفقرة من الدعاء وهي الفقرة التي تقرر بان الانسان هو المسؤول وحده عن سلوكه، حيث ان ابويه العاطفيين سوف يتبرءان منه، وان اسرته التي كان يعيلها تتبرأ منه ايضاً.. واذن ما اجدر بنا ان نعي هذا الجانب وذلك بان نتعظ بذلك فندرب ذواتنا على الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* استشعار النعم الالهية - 28 2006-07-22 00:00:00 2006-07-22 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/393 http://arabic.irib.ir/programs/item/393 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ما تتضمنه من النكات ودقائق المعاني، ومنها دعاء الحزين، وهو الدعاء الذي يقرأ بعد صلاة الليل حيث عرضنا بعض مقاطعه ونواصل ذلك من خلال الفقرة القائلة (واغوثاه ويا الله من هوى قد غلبني ومن عدوٍ قد استكلب عليَّ ومن دنيا قد تزينت لي، ومن نفسٍ امارة بالسوء الا ما رحم ربي)، الى ان يقول: (يا من يغذيني بالنعم صباحاً ومساءً ارحمني يوم آتيك فرداً شاخصاً اليك بصري مقلداً عملي). لقد حدثناكم عن هذه الفقرات من الدعاء ووقفنا عند قوله(ع) (ارحمني يوم آتيك فرداً شاخصاً اليك بصري مقلداً عملي) والآن نحدثكم عن هاتين العبارتين او الاستعارتين أي شخوص البصر وتقلد العمل... قبل ان نحدثكم عن هاتين العبارتين "شخوص البصر وتقلد العمل" ينبغي ان نذكركم بما سبقتهما من العبارة القائلة (يا من يغذيني بالنعم صباحاً ومساءاً).. هذه العبارة سبق ان شرحناها في لقائنا الماضي ونذكركم بها الان، فنقول ان هذه العبارة (يا من يغذيني بالنعم صباحاً ومساءاً) ليست عبارة تتحدث عن نعم الله تعالى فحسب بل تستهدف بالاضافة الى ذلك، أي الى نعم الله تعالى في حياتنا تستهدف الاشارة الى انسحاب هذه النعم على حياتنا الاخروية ايضاً وبنحو اكثر حجماً... كيف ذلك؟ انه من الواضح عندما ينطق قارئ الدعاء بكلمات تتحدث عن نعم الله تعالى (ليس بالنحو الاجمالي) بل بنحو مفصل حيث يذكر هذه النعم بانها غير منقطعة (صباحاً ومساءاً وكل وقت)، فكأنما يتداعى باذهاننا الى ان الله تعالى لم يقطع عطاءه ورحمته عنا في الدنيا ولذلك سوف لن يقطع عطاءه ورحمته عنا في الآخرة. اذن: ثمة نكتة مهمة هي ان الله تعالى سوف يشملنا بنعمه دواماً في الدنيا والآخرة ايضاً.. ولكن متى نتطلع اشد التطلع الى هذه النعم اننا نتطلع الى النعم في اشد الاوقات حرجاً وهولاً وقلقاً وتمزقاً وتوتراً الا وهو ساعة نحاسب امام الملأ في عرصة القيامة... من هنا يرسم الدعاء لنا موقف العبد "وهو في عرصة القيامة" بهذا النحو: ليس بالنحو الاجمالي (يوم آتيك فرداً شاخصاً بصري، مقلداً عملي).. ان كل واحدة من هذه المفردات لها دلالتها الحسية الكاشفة عن اشد الاهوال التي يعانيها العبد وهي كوننا يأتي كل فرد منا (وليس على هيئة جماعة) أي ان الواحد منا يأتي فرداً لا مع جماعته. وهو شاخص البصر، وهو مقلد بعمله الذي مارسه في الدنيا... والمطلوب الان ملاحظة هذه المفردات من الهيئة التي تغلف شخصية العبد في عرصة القيامة... ثمة سؤال هو لماذا يقرر الدعاء بان البشر يأتون افراداً لاجماعات امام الحساب؟ وبعد الاجابة عن السؤال المتفق نحدثكم عن الملامح التي تغلفه وهي: شخوص البصر؟ ثم تقلد العمل... بالنسبة الى السؤال الاول: يمكننا الذهاب الى ان هذه العبارة تتداعى بالذهن الى مسؤولية العبد عن نفسه وليس عن سواه، هذا من جانب، من جانب ثان فان مجيئه فرداً يضاعف من وحشته بخاصة ان القرآن الكريم يحدثنا بان الشخص يفرو من ابيه وامه واخيه وصاحبته... ومن جانب ثالث فان الآخر "الاب والام والاخ..." هو بدوره يفرو من الشخص مما يضاعف من الشدائد النفسية... اذن: قوله(ع) (ارحمني يوم آتيك فرداً) يمل جملة نكات يجدر لقارئ الدعاء ان يدقق النظر فيها حتى يحمله ذلك على التواصل الوجداني والفكري مع هول الموقف فيعدل سلوكه تبعاً لذلك... اخيراً: نذكر انفسنا ونذكركم بضرورة محاسبة انفسنا قبل ان نحاسب في عرصة القيامة علينا ان ندرب ذواتنا على الطاعة والتصاعد بها على النحو المطلوب. ******* ثمار التذكير بمواقف القيامة - 27 2006-07-22 00:00:00 2006-07-22 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/392 http://arabic.irib.ir/programs/item/392 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من النكات ودقائق المعاني، ومنها "دعاء الحزين" وهو الدعاء الذي يتلى بعد صلاة الليل حيث حدثناكم عن احد مقاطعه المهمة التي تثري معرفتنا بالنفس البشرية وتركيبتها وبالاساليب الشيطانية التي تستخدم لجر الشخصية الى المعصية... الخ. ونتقدم الان الى مقطع آخر يتصل باليوم الآخر، والاستجابة التي تصدر عن الانسان في غمرة المحاسبة لسلوكه الدنيوي وانكاس ذلك على ملامحه، حيث تواجهنا العبارات الاتية (يا من يغذيني بالنعم صباحاً ومساءاً ارحمني يوم آتيك فرداً شاخصاً بصري، مقلداً عملي...) . قبل ان نحدثكم عن المقطع الجديد من "دعاء الحزين" نذكركم بالمقطع الاسبق الذي ورد فيه (ياغوثا بك يا الله من هوى قد غلبني، ومن عدوٍ قد استكلب عليَّ، ومن دنيا قد تزينت لي، ومن نفس امارة بالسوء) هذا المقطع سبق ان حدثناكم عنه مفصلاً في لقاءات سابقة، ولكن استشهدنا من تذكيرنا واسترجاعنا لمضمونه ان نلفت نظرك الى ان هذا الدعاء ومثله ادعية متنوعة لا يتضمن لجرد الاستغاثة من الذنوب منفصلة عن تقديم المعرفة لطبيعة تركيبنا البشري والحركات او المنبهات الشيطانية التي تستثير كوامنه وشهواته هذا النمط من المعرفة لتركيبتنا ومحركاتها من عدو مستكلب ودنيا قد تزينت وهوى غالب ونفس أمارة يظل هذا النمط من التذكير المعرفي بالنفس واحداً من اساليب الدعاء، حيث ان التعرف على المنبع او الجذر يتكفل بتعديل سلوكنا، كذلك نجد ان المقطع الذي نعتزم ان نحدثكم عنه الان يجسد اسلوباً آخر من الادعية التي تحمل قارئ الدعاء على محاسبة نفسه قبل ان يحاسب عليها في اليوم الآخر، وهذا ما نلاحظه في المقطع الجديد من الدعاء ونعني به ما مر عليكم قبل قليل وهو (يا من يغذيني بالنعم صباحاً ومساءاً ارحمني يوم آتيك شاخصاً بصري، مقلداً عملي). اذن: لنتحدث عن هذا المقطع. العبارة الاولى من المقطع هي (يا من يغذيني بالنعم صباحاً ومساءاً) طبيعياً هذه العبارة هي معالجة لظاهرة في الدنيا وليس في الاخرة ولكنها تمهيد ومقدمة للحديث عن اليوم الآخر والحديث عن اليوم الآخر مقرون بشدائده المتمثلة في المحاسبة على سلوك الانسان فالدعاء حينما يقول (ارحمني يوم آتيك شاخصاً بصري مقلداً عملي) انما يستهدف لفت نظرنا الى الخوف او الهول المصاحب لهذا اليوم عند المحاسبة فشخوص البصر، وتقليد العمل، كما سنوضح رموزها فيما بعد يعد من المظاهر المادية الكاشفة عن هول الموقف آنذاك... من هنا فان الهول المذكور يتطلب تمهيداً له في الدنيا ليس من حيث الهول بل العكس من حيث الامن الذي وفره الله تعالى للشخصية حيث يذكر عبارة الدعاء قارئ الدعاء بنعم الله تعالى على العبد وهنا نحتمل بان قارئ الدعاء او المستمع له سوف يتساءل قائلاً ما هي الصلة بين هذه المقدمة التي تشير الى ان الله تعالى يغذينا بالنعم دائماً وبين الموضوع المرع القائل بان الانسان يأتي وهو شاخص بصره الى الله تعالى ومقلد لما عمله في دنياه... لا نتأمل طويلاً حتى ندرك سريعاً بان الصلة بين هذا التمهيد نعم الله تعالى في الدنيا وبين هذا الموضوع لا شخوص البصر وتقليد العمل اما الله تعالى ان الصلة بينهما من الوثاقة بمكان. كيف ذلك؟ واضح ان تغذية الله تعالى للانسان دواماً في الحياة الدنيا تعني ان الله تعالى رحيم بعباده بحيث يغدق عليهم بنعمه وهي بصريح القرآن الكريم الا تعد ولا تحصى... واذا كان الامر كذلك الا نتوقع ان رحمته تعالى سوف تنسحب ايضاً على الحياة الاخرة... ان الامر لذلك لكن بما ان انعكاسات اليوم الآخر على الشخصية ومنها شخوص البصر، وتقليد العمل تظل موضع قلق بالغ حينئذ فان التخفيف لهذا القلق، او التذكير بنعم الله تعالى في الدنيا تجعل قارئ الدعاء مطمئناً او متوازناً نفسياً على المستوى النسبي بطبيعة الحال حيث ان المؤمن يظل دائماً بين خوف ورجاء لا يطغى احدهما على الآخر. المهم ان التمهيد من خلال الاشارة الى الحياة الدنيا، ونعم الله تعالى على العبد، التمهيد بهذا للتخفيف من الاستجابات اليائسة نتيجة لذنوب العبد، يظل له فاعليته بالنحو الذي اوضحناه وهذا يدفعنا الى محاسبة انفسنا منذ الآن ونتدرب على ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "واغوثاه بك يا الله من هوى قد غلبني ومن عدو قد استكلب علي ومن دنيا قد تزينت لي ومن نفس امارة‌ بالسوء الا ما رحم ربي" - 26 2006-07-22 00:00:00 2006-07-22 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1457 http://arabic.irib.ir/programs/item/1457 السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، نحييكم اطيب تحية ونتابع معكم حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من النكات ودقائق المعاني ومن ذلك الدعاء المعروف الذي يقرأ بعد صلاة الليل والمسمى بدعاء ‌الحزين حيث ورد فيه «واغوثاه بك يا الله من هوى قد غلبني ومن عدو قد استكلب علي ومن دنيا قد تزينت لي ومن نفس امارة‌ بالسوء الا ما رحم ربي» هذا المقطع من الدعاء يتضمن اربع ظواهر تتصل بضعف الانسان حينما يسيطر عليه ابليس ويقتاده الى ركوب المعصية هذه الموضوعات او الظواهر مصدرها واحد وكما قلنا وسوسة الشيطان الا ان الدعاء وزعها في انماط اربعة هي عبارة عن هوى قد غلبني وعدو قد استكلب علي ودنيا قد تزينت لي ونفس امارة بالسوء، اذن ثمة هوى وثمة عدو وثمة دنيا وثمة نفس امارة بالسوء والسؤال الآن هو اذا كانت هذه الانماط الاربعة من مصادر الذنب تنتسب في واقعها الى مصدر واحد هو الشيطان فلماذا وزعها الدعاء الى الانماط الاربعة؟ السؤال المتقدم له اهميته الكبيرة لانه يرتبط بسلوكنا البشري والمسؤولية المترتبة عليه اي يرتبط بالمصدر الذي تتسبب ذنوبنا عليه الا وهو الشيطان ولكن كما لاحظت فأن العبارة‌ القائلة ومن عدو قد استكلب علي تظل هي المصدر الوحيد الذي يتسبب في ممارسة الذنب وحينئذ يثار السؤال من جديد لماذا اذن جاءت الاشارة الى الهوى والى الدنيا والى النفس بالاضافة الى المصدر الاصلي العدو الذي استكلب مما لاشك فيه ان للشيطان جنوده من سلالته ومن السلالة البشرية ايضاً الم تقل السورة‌ الكريمة في الآية الاولى من سورة الناس «قل اعوذ برب الناس» وتقول «من شر الوسواس الخناس / الذي يوسوس في صدور الناس / من الجنة‌ والناس» هذه الآية تشير بوضوح الى‌ ان الوسوسة تأتي من الجنة ومن البشر، كلما في الامر ان المصدر الاصلي هو ان الشيطان يتوكأ في وسوسته على جنود له على نحو مباشر او غير مباشر هذا من جهة‌ الا ان وسوسته من جهة ثانية تتخذ لها محركات او منبهات متنوعة تدفع الضحية، وهو الانسان الضعيف وعياً، الى الوقوع في شراكها فالشهوة الجنسية مثلاً تدفعه الى الممارسة غير المشروعة وحب المال مثلاً يدفعه الى السرقة والغش وهكذا، هذه النماذج وسواها اي ممارسة العمل الجنسي غير المشروع والسرقة وغيرها تعتبر محركات او منبهات تدفع الشخصية الى ممارسة ما هو معصية وهذا يعني ان ثمة مصدراً رئيسياً‌ هو المحرك لجميع السلوك وان ثمة مصادر ثانوية تتفرع من المصدر الاول لتشكل محركات ومنبهات لسلوك الانسان وراء المعصية وفي ضوء هذه الحقيقة نجد ان الدعاء الذي نتحدث عنه مشيراً الى اربعة‌ مصادر بضمنها المصدر الرئيس وهو الشيطان حيث عبر عنه العدو المستكلب واما المصادر الثانوية والفرعية فهي الهوى والدنيا والنفس الامارة بالسوء، اذن لنتحدث عن المصادر المشار اليها. قبل ان نحدثك عن المصادر التي تتسبب في حدوث المعصية يجدر بنا ان نلفت انتباهك الى جملة حقائق منها سبق ان اشرنا اليه، وهو ان احد هذه المصادر ان المصدر الرئيس هو ابليس وماعداه فهي محركات او منبهات منبثقة من المصدر الرئيس ومنها ان احد هذه المصارد الثانوية او الفرعية وما اسماه الدعاء بالنفس الامارة بالسوء حيث نعرف تماماً ان النفس هي المحل او الجهة التي تستجيب لوسوسة الشيطان وهذا يعني ان اثنين من المصادر الاربعة قد وضح موضوعه حيث ان الشيطان هو العدو المستكلب وان النفس هي المتأثرة بوسوسة هذا العدو ومن ثمة تبقى مصدران هما الهوى والدنيا يجسدان منبهات او محركات للسلوك العاصي، من هنا فإن الحديث عن هذه المصادر وتفصيلاتها الاجمالية التي ذكرناها تظل موضع حديثنا وهذ ما نؤجله الى لقاءات لا حقة ان شاء الله. اخيراً يتعين علينا ان نستثمر قراءتنا لهذا الدعاء المهم وذلك على مواظبتنا على صلاة الليل ثم بقراءة هذا الدعاء‌ بعدها ثم العمل بمضمونه والتصاعد بأعمالنا العبادية جميعاً الى النحو المطلوب. قدمنا لكم ينابيع الرحمة احاديث عن الدعاء وآثاره في مسيرة الانسان. ******* شرح فقرة: "واغوثاه بك يا الله من هوى قد غلبني ومن عدو قد استكلب علي ومن دنيا قد تزينت لي ومن نفس امارة‌ بالسوء الا ما رحم ربي" - 25 2006-07-22 00:00:00 2006-07-22 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1456 http://arabic.irib.ir/programs/item/1456 السلام عليكم ورحمه الله تعالى وبركاته، نحييكم اطيب تحيه ونتابع معكم حديثنا عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الذي يتلى بعد صلاة الليل حيث ورد فيه «واغوثاه بك يا الله من هوناً قد غلبني ومن عدو قد استكلب علي ومن دنيا قد تزينت لي ومن نفس امارة بالسوء الا ما رحم ربي». هذا المقطع من الدعاء حدثناك عنه اجمالاً في لقاء سابق وها نحن نحدثك عنه بالتفصيل في حديثنا هذا اليوم ولابد انك تتذكر اننا قد الفتنا نظرك الى حقائق وفي مقدمتها ان الشيطان يظل هو المصدر الرئيس لاغواء الانسان واقتياده الى المعصية وهذا ما عبر عنه الدعاء عبر توسله بالله تعالى بأن ينقذنا من عدو قد استكلب علينا حيث ان العدو يستكلب والشيطان، لكن اننا لا حظنا ايضاً ان هذا المقطع من الدعاء يستغيث ايضاً من نفس امارة بالسوء وهي النفس التي تتفعل وتستجيب للشيطان ولكن وردت الاستغاثة ايضاً من هوى النفس ومن دنيا تزين للانسان ممارسة المعصية وحينها تسائلنا اذا كان الشيطان هو مصدر المعصية فحينئذ ما معنى الاستغاثة - من المصادر الاخرى وهي النفس الامارة، الهوى، الدنيا، هذا ما نحاول الاجابة عنه الآن وفي لقاءات لا حقة، ان شاء الله. لنبدأ اولاً بعبارة الاستغاثة من هوى قد غلبنا فما معنى هذه العبارة، لا نحتاج الى تأمل طويل حتى ندرك بوضوح المقصود من الهوى هو هذه النزعة او الشهوة او الميل الى ممارسة المعصية، طبيعياً لسنا الآن في صدد ان نوضح ان تركيبة البشر هل انها تقوم على‌نزعة وراثية في ميلها الى ممارسة المعصية، طبيعياً كلا، ونحن سنوضح ذلك عندما نصل الى عبارة الدعاء القائلة او المستغيثة من النفس الامارة بالسوء، ويمكننا الآن ان نكتفي بالاشارة الى الهوى، هو هذا الميل الى المعصية كالشهوة الجنسية او حب المال او النزعة العدوانية... الخ، حيث ان الشهوة الجنسية قد تقتاد المرء الى ممارسة ما هو غير مشروع وحب المال قد يقتاد الشخص الى السرقة والنزعة العدوانية قد تقتاده الى قتل النفس البريئة او ممارسة العدوان اللفظي كالغيبة والبهتان والاهانة ... الخ. اذن الهوى هو حب ما هو غير مشروع من الاعمال والمواقف والافكار وفي ضوء هذا الفهم لعبارة الهوى ماذا قال الدعاء، قال مستغيثاً بالله تعالى «واغوثاه بك يا الله من هوى قد غلبني» هنا نحتاج الى تأمل قد يكون طويلاً الا وهو ان الهوى قد يغلب وقد لا يغلب فكيف ذلك؟ يمكننا ان نقرر بوضوح ان الانسان مادام مركباً من القابلية على ممارسة الخير وممارسة الشر حينئذ فأن الخير يسيطر على صاحبه كما ان الشر يسيطر والمطلوب هو سيطرة الخير على نحو ما نوضح ذلك ان شاء الله عندما نحدثك عن النفس الامارة بالسوء، الا اننا هنا نسارع الى الاستشهاد بالآية القرآنية الكريمة التي تقول ما معناه ان الله قد حبب الينا الايمان وكره الينا الفسوق والعصيان وهذا يعني ان الانسان مادام محباً للايمان فطرياً فإن بإمكانه ان ينصاع الى الخير ويتغلب على الشر ولكن بما ان الانسان في الآن ذاته له قابلية على الشر حينئذ قد ينصاع الى هواه غير المشروع ويتعجل الحصول على المتاع العاذر ويغفل عن الثواب الآجل وعندها يكون الهوى قد غلبه وهذا ما حذر الدعاء منه عندما استغاث بالله تعالى من هوى قد غلب الشخص فأوقعه في المعصية. اذن امكننا دلالة العبارة المستغيثة من هوى قد غلب الشخص واما كيفية تجلية الهوى فهو يتطلب تفصيله لقاء خاصاً وهو ما نؤجله الى لقاءاتنا اللاحقة ان شاء الله تعالى، وذلك عندما نحدثك عن العبارة المستغيثة بالله من النفس الامارة بالسوء. ختاماً ينبغي ان نستثمر قراءتنا هذه بهذا المقطع من الدعاء وذلك بأن لا نسمح لهوانا بأن يغلبنا وان ندرب ذواتنا دوماً على ممارسة الطاعة ومغالبة المعصية ونتصاعد بذلك الى النحو المطلوب. قدمنا لكم ينابيع الرحمة احاديث عن الدعاء‌ وآثاره في مسيرة الانسان. ******* معنى وصف النبي الخاتم(ص) بأنه الفاحص عن معرفة الله - 24 2006-06-24 00:00:00 2006-06-24 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/391 http://arabic.irib.ir/programs/item/391 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من نكات متنوعة، ومن ضروب للمعرفة متنوعة ايضاً حيث يضطلع الدعاء بجملة مهمات منها ما يتصل بالحقائق الوجدانية واخرى ما يتصل بحقائق موضوعية وهكذا... وقد سبق ان حدثناكم عن احد الادعية مما يتلى خلال احدى زيارات الجامعة للائمة عليهم السلام حيث ورد في احد مقاطعه التوسل بالله تعالى ان يصلي على محمد(ص)، وحيث وصفه بالسمات الآتية الخالص من صفوتك والفاحص من معرفتك، والغائص المأمون على مكنون سريرتك الخ.. لقد حدثناكم في لقاء سابق عن السمة الاولى وهي انه الخالص من صفوة الله تعالى واوضحنا ما تنطوي العبارة عليه من الدلالات المتنوعة. اما الان فنحدثكم عن السمة الثانية وهي انه (الفاحص عن معرفتك)... ترى ما المقصود من العبارة المتقدمة... في لقائنا السابق ذكرنا ان معرفة الله تعالى بما ستسلكه شخصية محمد(ص) من السلوك المرتبطة بخلافة الانسان، من حيث الالتزام بمبادئ الخلافة في اعلى صعده هذه المعرفة سلفاً بشخصية محمد(ص): هي الكامنة وراء انتخابه لرسالة الاسلام وعده افضل شخصية على وجه البسيطة وهو ما نطقت عبارة الدعاء بمفهومه حينما خلعت عليه(ص) سمة الخالص من الصفوة المباشرة. ومن الواضح ان الحرص على المعرفة التوحيدية أي توحيد الله تعالى يظل سبباً مهماً وراء وصول الشخصية الى مرتبة الصفوة والخلص من الصفوة البشرية. ومن يتأمل سيرة محمد(ص) قبل النبوة من حيث تفكره في التظاهرة الكونية ونظراته الى السماء وابداعها والى ما يحيط به من الظواهر والى مبدع ذلك جميعاً ومن ثم عزلته(ص) في حراء وسواه للظفر بالمزيد من معاني التوحيد اولئك جميعاً تلقي بظلالها على العبارة التي نتحدث عنها في مقطع الدعاء ونعي بها عبارة انه(ص) الفاحص عن معرفتك. ان عملية الفحص عن المعرفة المرتبطة بعظمة الله تعالى، ليست امراً هيناً بقدر ما تنصح عن نقاء الشخصية والحرص الشديد كل الشدة على الوصول الى المعرفة المشار اليها، مع ملاحظة ان المعرفة لا تعني الموقف النظري من الظاهرة بل العمل المترتب على ذلك أي: الالتزام التام بالمبادئ التي تفرزها عملية المعرفة بعظمة الله تعالى. واذ ننتقل الى الفقرة او العبارة الثالثة وهي والغائص المأمون على مكنون سريرته، نجد ان قارئ الدعاء من الصعب عليه ان يتجاوز العبارة المذكورة ليتبين دقائق دلالتها. ان قارئ الدعاء يمكنه ان يتبين بوضوح دلالة ما سبق ان لاحظنا وهو العبارة التي تصف محمداً(ص) بانه فاحص عن المعرفة التوحيدية أي الباذل كل جهده للوصول الى معرفة الحق ولكن الضبابية او الغموض سوف يلفه عندما يحاول فك الرمز او الايماءة الذاكرة بان محمداً(ص) غائص مأمون على مكنون سريرة الله تعالى. فقد يتبادر الى ذهنه اكثر من استخلاص او استلهام من ذلك مثلاً قد يسهل عليه ان يستخلص من عبارة مكنون سريرة الله تعالى ان محمد(ص) قد تغلغل في معرفته الى الاسرار التي لا تظهر لدى العادي من الناس من حيث ارادته للظواهر او للمبادئ التي رسمها الله تعالى للبشر مثلاً وطلب الالتزام بها ولكن ماذا يستخلص قارئ الدعاء من عبارة او سمة انه(ص) الغائص المأمون؟ ايضاً اذا قدر لقارئ الدعاء ان يدقق النظر طويلاً يمكنه ان يصل الى النتيجة القائلة ان محمد(ص) عندما يغوص الى اعماق المعرفة او الظاهرة التي يستهدف معرفتها وكشف اسرارها انما هو مأمون في معرفة ذلك، وبكلمة اكثر وضوحاً ليس كل واحد بمقدوره ان يصل الى كشف الاسرار بحث من حيث وصوله الى الصواب بل نجد من يقصر اساساً عن الوصول الى معرفة السر او نجد من يخطِ قليلاً او كثيراً في الوصول الى معرفة الاسرار .... ولا نحتاج الى اثبات هذه الحقيقة اكثر لكن النظر الى غالبية الآدميين قديماً وحديثاً فيما نجدهم بين جاهل صرف او منحرف او قاصر او مخطيء او متردد او ... بينما تظل شخصية محمد(ص) هي الغائصة المأمونة معرفياً أي هي الواصلة بحق وبصواب الى معرفة الحق تعالى. اذن: امكننا ولو سريعاً ان نستخلص جانباً من فقرة الدعاء المذكور من حيث دلالتها المحفوفة بشيء من الضبابية والغموض والاهم من ذلك هو ان نتوسل بالله تعالى بان يصلي على محمد وآل محمد من حيث الاتسام بالصفات المتفردة في المعرفة التوحيدية وان نتوسل به تعالى ان يرشدنا الى المعرفة الحقة، والعمل بها والتصاعد بذلك الى النحو المطلوب. ******* معنى وصف النبي الاكرم(ص) بأنه الخالص من صفوة الله عزوجل - 23 2006-06-24 00:00:00 2006-06-24 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/390 http://arabic.irib.ir/programs/item/390 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة فائقة، حيث تسهم هذه في تعميق معاني الدعاء وتقريب دلالتها الى الاذهان، ومن نماذج الادعية ما سبق ان عرضناه في لقاءات ماضية، وهو الدعاء الذي يتلى خلال احدى الزيارات الجامعة للائمة عليهم السلام حيث لاحظنا احد مقاطعه الذي يتضمن توسلاً بالله تعالى ان يصلي على آدم حيث وصفه بانه بديع فطرته تعالى وبكر حجته ولسان قدرته وخليفته في الارض وحيث اردف الدعاء ذلك بالصلاة على محمد(ص) وصفه بما يلي (وعلى محمد الخاص من صفوتك والفاحص عن معرفتك والغائص المأمون على مكنون سريرتك بما اوليته من نعمتك ...) هذه الاوصاف او السمات التي خلعها الدعاء على محمد(ص) لها دلالاتها ونكاتها المتنوعة فكما سبق ان لاحظنا اذا كنت متابعاً لاحاديثنا بان الاوصاف التي خلعها الدعاء على آدم(ع) من انه بديع فطرة الله تعالى ولسان قدرته وخليفته ... كانت منطوية على نكات ومعان دقيقة تتصل بوظيفة البشر في الحياة التي خلق الله تعالى البشر من اجلها وهي الممارسة الخلافية او العبادية كذلك نجد في هذه الاوصاف او السمات التي خلعها الدعاء على محمد(ص) جملة دلالات ونكات يجدر النظر فيها ... لذلك نبدأ بالقاء الاضاءة على هذا الجانب ... كما لاحظت فان الدعاء يتوسل بالله تعالى ان يصلي على محمد(ص) من خلال السمة الآتية فيه وهي الخالص من صفوتك والسؤال ماذا نستخلص من عبارة الخالص وعبارة الصفوة من البين ان الرسل والانبياء يجسدون شخصية متميزة تختلف عن الشخصيات العادية فاذا عرفنا بان الغالبية من البشر هم دون المتوسط من حيث الوعي العبادي او الالتزام العبادي ثم اذا عرفنا ان القلة من البشر يجسدون الشخصيات الملتزمة بمبادئ الله تعالى حينئذ فان نمطاً ثالثاً هم الاقل من القلة بحيث لا تتجاوز انفاراً في المجتمع او الجيل الخاص من الفترات الزمنية هم ما يطلق عليهم الصفوة البشرية وهم نماذج عرف الله تعالى درجة التزامهم بمبادئه تعالى أي انه تعالى تبعاً لمعرفته سلفاً بما سوف تسلكه تلك الشخصية من الالتزام بمبادئه عند ذلك ينتخبها لاداء سالته لهذا المجتمع او ذاك... من هنا فان الرسل والانبياء هم المجسدون للصفوة المشار اليها ولكن حتى هذه الصفوة تظل متفاوتة في درجاتها، ولذلك اشار القرآن الكريمالى انه تعالى فضل بعضهم على بعض ... ثم في مستوى ثالث فضل احدهم بنحو مطلق على الاخرين، وهو محمد(ص).. من هنا يمكننا ان نتبين معنى العبارة القائلة عن محمد(ص) بانه الخالص من الصفوة... كيف ذلك؟ من الواضح ايضاً ان الصفوة كما ذكرنا هم الرسل والانبياء وايضاً الخالص منهم هو محمد(ص)، لكن السؤال هو ما المقصود من الخالص؟ هل يقصد به الاخلاص مثلاً ام يقصد المنتقى والمنتخب والمستخلص من المجموع؟ لا يتردد اثنان من ان المقصود هو المعنى الثاني لان المخلصين تنسحب صفتهم على اكثر من رسول ونبي والقرآن الكريم طالما يشير الى صفوة من انبياء الله بعبارة انه من عبادنا المخلصين وهذا يعني ان الاخلاص او المخلص ينسحب على اكثر من شخصية ولكن اذا اتفقنا مع المعنى الثاني سمة الخالص من صفوة الله تعالى حينئذ نجد ان ههذ السمة ينفرد بها محمد(ص) واهل بيته عليهم السلام بصفته خاتم الرسل والانبياء ومن ثم بصفته التي صرح بها الكتاب والسنة من انه(ص) هو افضل شخصية بشرية ولكن السؤال هو ماذا نستثمر من وقوفنا نحن القراء للدعاء عند السمة المشار اليها؟ لا نتأمل طويلاً حتى ندرك بان السمة المميزة الى انه(ص) افضل البشر او الخالص من الصفوة البشرية انما حققت معناها فلان الممارسة العبادية التي خلق الله تعالى الانسان من اجلها انما جسدها محمد باعلى درجاتها المطلوبة ولذلك انتخبه الله تعالى. اذن: نستخلص بوضوح ان الشخصية الاسلامية ينبغي ان تمارس وظيفتها العبادية بالنحو الذي رسمه الله تعالى لها، وهو امر يقتادنا الى تدريب ذواتنا على اداء المهمة العبادية والتصاعد بها الى النحو المطلوب.******* معنى كون آدم (عليه السلام) خليفة الله في بسيطته / شرح دعاء (ان تصلي على آدم... وخليفتك في بسيطتك...) - 22 2006-06-19 00:00:00 2006-06-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/389 http://arabic.irib.ir/programs/item/389 لا نزال نحدثكم عن الادعية المباركة وما تتضمنه من فنون التعبير بخاصة النكات البلاغية وما تختزنه من طرائف المعاني ودقائقها وفلسفتها، ومن ذلك ما حدثناكم عن احد نماذج الادعية وهو الدعاء الذي يقرأ في احدى زيارات الجامعة للائمة عليهم السلام حيث يحفل هذا الدعاء بنكات متنوعة بالاضافة الى انه دعاء لا يختص بالمناجاة الوجدانية فحسب بل يتعداها الى التربية العلمية وهو امر طالما كررناه وقلنا ان الادعية هي ضرب من المعرفة التي تتناول مختلف شؤون الانسان سواءاً كانت فردية او اجتماعية وسواءً كانت اقتصادية او سياسية او اجتماعية، وسواء اكانت تتصل بامور الدنيا او الاخرة، أي الدعاء هو معرفة او تربية او موسوعة ثقافية وتربوية.. المهم ان الدعاء المذكور اكد احد القضايا المتصلة بقدرة الله تعالى ولكنه في هذا السياق تعرض الى قدرته تعالى في خلق البشر متمثلاً في آدم(ع) ولكن الدعاء استثمر هذا الجانب لكي يحدثنا ليس عن آدم(ع) بصفته مخلوقاً بشرياً بل تعداه الى طرح الوظيفة العبادية للبشر، وهذا يعني ان الدعاء المذكور انتقل من ظاهرة محددة هي قدرته الى ظاهرة عامة تتصل بفلسفة وجود البشر في الارض الا وهي خلافة البشر، وممارسة الوظيفة التي خلق الله تعالى البشر من اجلها. هذا الموضوع كما لاحظنا في لقاء سابق بدأ بالاشارة الى آدم(ع) بصفته بديع فطرته تعالى وبكر حجته ولسان قدرته تعالى.. وكلها معان دقيقه تتصل بفلسفة وجود آدم(ع) وذريته، وهو موضوع لا نكرر الحديث عنه ولكننا نتابع الفقرة الجديدة منه والتي تخاطب الله تعالى بان آدم(ع) هو الخليفة في بسيطتك وهذا ما نحدثكم عنه الآن... مما لاشك فيه ان هذه الفقرة الاخيرة من مقطع الدعاء والدعاء هو ذو مقاطع متنوعة ولكن المقطع الذي نتحدث عنه يتصل بآدم وهذه الفقرة الاخيرة منه تشير الى ان آدم(ع) هو خليفة الله تعالى والسؤال الآن هو ما هو السر الكامن وراء الاشارة الى ان آدم(ع) هو خليفة الله تعالى ولماذا جعل هذه الاشارة خاتمة لا تقدمها من الاشارة التي تحدثت عن كون آدم بديع فطرته تعالى، وبكر حجته تعالى، ولسان قدرته.. ونجيبك عن السؤال المتقدم الآن... لا يتردد اثنان ان الهدف من خلق آدم(ع) هو ان يصبح خليفة الله تعالى في الارض والخلافة تعني آدم وذريته بطبيعة الحال الم يقل الله تعالى واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة؟ ... اذن الخلافة هي الهدف من وراء خلق آدم وذريته ... لكن بما ان الدعاء المذكور كان يتناول من جملة ما تناوله ظاهرة قدرة الله تعالى حينئذ المح او انتقل من الحديث عن القدرة العامة التي تتصل بخلق الكون الى الحديث عن قدرته تعالى بالنسبة لاحد مخلوقاته الكونية وهو آدم(ع).... اذن بهذا الاسلوب من الانتقال من موضوع عام الى خاص، جعلنا نحن قراء الدعاء المذكور ننتبه على اهم ما يعنينا في حياتنا الا وهو اننا مخلوقون حتى نمارس خلافة في الارض ما دام تعالى صرح كما لحظنا عبر قوله للملائكة بانه تعالى جاعل في الارض خليفة... اذن: نحن القراء للدعاء المذكور نحيا الان فكرة اننا خلفاء الله تعالى في الارض ... ولكن ماذا تعني الخلافة؟ تعني اننا تبعاً لقدرته ايضاً ما خلقنا الجن والانس الا ليعبدون اننا خلقنا من اجل ان نمارس خلافتنا في الارض وهي ممارسة العمل العبادي المتمثل في الالتزام بالمبادئ التي رسمها الله تعالى لنا... وهي بالنسبة الينا نحن الاسلاميين تتمثل في الالتزام بالمبادئ التي انزلها تعالى على محمد(ص)، ومن ثم بما اوصاه النبي(ص) من الالتزام بالعترة الطاهرة التي جعلها الله مقرونة بالقرآن الكريم عبر ما نعرفه جميعاً من مقولة النبي(ص) الآمرة بالتمسك بالثقلين كتاب الله تعالى وعترة نبيه(ص)... اذن: امكننا نحن القراء للدعاء المذكور ان نفيد فائدة عظمى هي: التذكير بوظيفتنا في الحياة ما دام الدعاء قد اشار الى ان آدم(ع) هو خليفة الله تعالى في البسيطة، والاهم من هذا التذكير هو العمل فعلاً بمبادئ الله تعالى والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* معنى كون آدم (عليه السلام) لسان قدرة الله (اللهم صل على آدم... لسان قدرتك) - 21 2006-06-19 00:00:00 2006-06-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/388 http://arabic.irib.ir/programs/item/388 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من الاساليب الفنية كالاستعارة من التشبه او الاستعارة او الرمز في تعمق معاني الدعاء وبلورة دلالاته.. ومن ذلك ما سبق ان حدثناكم عنه في لقاء ماضي عن احد ادعية زيارة الجامعة للائمة عليهم السلام حين ورد فيها التوسل الاتي لله تعالى اسألك الى ان يقول ان تصلي على آدم بديع فطرتك وبكر حجتك ثم يقول ولسان قدرتك والخليفة في بسيطتك ... هذا المقطع من الدعاء حدثناكم عن فقرته القائلة عن آدم(ع) بانه: بديع فطرتك، وبكر حجتك .. وبقي ان نحدثك عن الفقرتين الآخرتين وهما "ولسان قدرتك، والخليفة في بسيطتك ..." اذا كنت متابعاً لاحاديثنا حينئذ تتذكر بان الاشارة الى ان آدم(ع) هو بديع فطرة الله تعالى وبكر حجته، هذه الاشارة قد انطوت على نكات متنوعة فضلاً عن انها امدتنا بمعلومات عن حقائق المولد البشري وما يترتب عليه من المهمة العبادية الى خلق الله تعالى البشر من اجل ممارستها... اذن نتابع هذه النكات والدلالات الى ان يرسم بها الدعاء المذكور.. والسؤال الاول هنا هو: ما المقصود من عبارة "ان آدم(ع) هو لسان قدرة الله" لقد قال الدعاء اولاً: ان آدم هو بديع فطرة الله وعرفنا علاقة ذلك بمفهوم التوجيه الذي فطرنا الله عليه.. كما عرفنا المقصود من عبارة انه(ع) بكر حجته من حيث كونه أي آدم(ع) هو: الابداع غير المسبوق بما يماثله من المخلوقات الواعية... ولكن نستهدف الان معرفة عبارة ثالثة هي: ان آدم هو لسان قدرة الله.. ترى ما المقصود من اللسان هنا؟ انه صورة تمثيلية بطبيعة الحال وقد يسميها البلاغيون بالاستعارة أي خلع طابع اللسان على قدرته ولذلك فان قارئ الدعاء تعنيه ولاشك ان يعرف ماذا تعني هذه العبارة التي يرددها حيث ...... لقارئ الدعاء ان يقرأ مالا يفهمه.. اذن لنتبين او نستكشف الرمز المخبوء وراء عبارة او صورة آدم لسان قدرة الله... ان قارئ الدعاء من الممكن ان يستخلص ويستنتج ويكتشف اكثر من دلالة من العبارة المذكورة منها مثلاً: بما ان الله تعالى خلق آدم من التراب ونفخ فيه من روحه، ثم جعله خليفة في الارض وطلب منه ان يمارس وظيفته العبادية أي خلق الله تعالى آدم وذريته حتى يتحقق للبشر بان يمارس عمله العبادي هذا كله يعني ان العملية المذكورة أي المولد البشري من خلال آدم(ع) يعتبر بمثابة لسان يتحدث عن قدرة الله تعالى... طبيعياً ان قدرته تعالى مطلقة لا حدود لها، بيد ان الاشارة الى ان آدم(ع) هو لسان لقدرته تعني اكثر دلالة فمن جانب ان مجرد قدرته على ان يخلق من التراب بشراً يفكر ويتحدث يظل من الظواهر التي تبهر المتأمل ولكن النكتة بالاضافة الى ذلك هي ان الانسان كائن ناطق بحسب التعريف المنطقي وهو ما يرفقه عن المخلوق الصامت.. ولذلك فان ذهن القارئ للدعاء سوف يتداعى الى دلالة جديدة هي ان الانسان مخلوق ناطق وهذا المخلوق الناطق يعني مخلوقاً ذا لسان يتكلم ولذلك فان التعبير عن ظاهرة خلق آدم(ع) بانه لسان قدرة الله تجعل الذهن يتداعى الى التجانس والملائمة بين مخلوق ذي لسان وبين كونه لساناً يفصح عن قدرة الله تعالى... اذن ثمة اكثر من نكتة في هذه الفقرة من الدعاء فاولاً ان آدم(ع) بما انه مخلوق من تراب فانه لسان يتكلم عن قدرة الله تعالى وثانياً بما ان الانسان اساساً هو مخلوق ناطق ذو لسان فان التعبير عن هذا المخلوق بانه لسا قدرة الله تعالى يظل تعبيراً لافتاً للنظر دون ادنى شك فضلاً عن ان السان يمتلك وحده جهازاً اعلامياً يستطيع ان يوصل الى الآخرين كلمة الحق فاذن لم نلحظ من الناس البلاغية في هذه العبارة التمثيلية او الاستعارية التي تقرر بان آدم(ع) هو لسان قدرة الله. اخيراً يتعين علينا ان نستثمر تلاوة الدعاء المذكور ونجعل لساننا ناطقاً بعظمة الله تعالى وذلك بتمجيده وبموالاة من امرنا بطاعتهم محمد(ص)واهل بيته عليهم السلام ومن ثم استثمار هذا اللسان او القول بالعمل أي بممارسة التطبيق لمبادئ الله تعالى وهي الالتزام بالوظيفة التي خلق الله تعالى البشر من اجلها والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* معنى كون آدم (عليه السلام) بديع فطرة الله وبكر حجته عزوجل (اللهم أسألك ان تصلي على آدم بديع فطرتك وبكر حجتك) - 20 2006-06-19 00:00:00 2006-06-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/387 http://arabic.irib.ir/programs/item/387 لا نزال نحدثكم عن الادعية المباركة وما تحفل به من النكات، ومن دقائق المعاني وطريفها ومن ذلك ما حدثناكم عن بعض نماذجه وهو الدعاء الذي يتلى خلال احدى الزيارات الجامعة للائمة عليهم السلام، حيث جاء في الدعاء المذكور (اللهم يا ذا القدرة التي صدر منها العالم) الى ان يقول (تصلي على آدم بديع فطرتك وبكر حجتك ولسان قدرتك ....) هذه الفقرة من الدعاء ـ كما تلاحظ ـ ترتبط بمقدمتها التي تتحدث عن قدرته تعالى وما نهدف اليه الآن هو تاكيد ما سبق ان كررناه من ان الادعية لا تنحصر في الحقل الوجداني او النفسي المرتبط بازاحة او تخفيف التوتر الناجم عن الشدائد في الحياة بل تتجاوزها الى الابعاد المعرفية المتنوعة ومنها مثلاً البعد المتصل بتركيبة الانسان المفطور على توحيد الله تعالى مضافاً الى ما ركب فيه من الاجهزة المعرفية المتنوعة ... وهذا ما يضطلع به المقطع من الدعاء الذي استشهدنا بنموذج منه، وفي مقدمته هذه الاشارة المومئة الى ان آدم(ع) هو بديع فطرته تعالى وهو امر لابد وان يقتاد قارئ الدعا الى استشفاف ما ينطوري عليه من النكات... اذن: لنتحدث عن هذا الجانب... من الواضح ان آدم(ع) هو الظاهرة المرتبطة بولادة الجنس البشري .. بيد ان هذه الولادة المتسمة باهمية كبيرة تظل متنوعة في معطياتها، وفي مقدمة ذلك اسجاد الملائكة لآدم(ع) وهو مؤشر واضح الى خطورة الميلاد المذكور ان الله تعالى كما يقول الامام علي(ع) بما معناه (ركب في الملائكة عقلاً بلا شهوة، وفي البهائم شهوة بلا عقل، وفي بني آدم(ع) كليهما، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة ...).. فافضلية البشر هنا تتأتي من ممارسة الانسان لوظيفته الخلافية كما هو واضح بالنحو الذي امر به الله تعالى.. لكن ما نعتزم الاشارة اليه عبر هذا الدعاء هو السمة التي ذكرها الدعاء بالنسبة الى آدم(ع) وهي انه (بديع فطرية الله تعالى)، والسؤال هو ماذا تعني هذه العبارة او السمة؟ ان النظرة هنا بمعنى الخلق والا فقد تتداعى الى ذهن قارئ الدعاء من خلال تجانس الحروف فطرة التوحيد مثل كل شيء حيث ورد في القرآن الكريم ما يشير الى انه تعالى فطرنا على التوحيد كما هو واضح... ويدلنا او يعزز التداعي الذهني المذكور ان نفس مفهوم الخلافة التي خلق الله تعالى الانسان من اجل ممارستها تقوم على توحيد الله تعالى... اذن: عندما ينتخب الدعاء مصطلح الفطرة دون سواها من العبارات المشير الى الخلق او الابداع انام يدعنا نحن القراء للادعية تتداعى باذهاننا الى فطرة التوحيد ومن ثم ترتيب الاثر عليها في سلوكنا اليومي العبادي... هذا فيما يتصل بالسمة الاولى... ولكن ماذا بالنسبة الى السمة التي تلتها وهي (بكر حجتك)؟ لو دققنا النظر قليلاً لوجدنا ان الاشارة الى ان آدم(ع) هو بكر بالنسبة الى حجة الله تعالى للاحظنا الصلة بين فطرة التوحيد وبين هذه السمة ايضاً...ولعلك تتساءل قائلاً ما هي الحجة ونجيبك سريعاً هي: الدليل الذي نصبه الله تعالى للمشروع الخلافي او العبادي الذي خلف الله تعالى الانسان من اجل ممارسته ... ولعلك تتساءل ايضاً: ما هي النكتة الكامنة وراء التسمية لآدم(ع) بانه البكر؟ .. نتقد ان الاجابة عن السؤال المتقدم واضحة في ذهن قارئ الدعاء، ولكنه ثمة نكتة هي بما ان اول كل شيء هو البكر حينئذ فان الذهن يتداعي الى ان اول كل سلوك عبادي هو الالتزام بالمبادئ التي رسمها الله تعالى أي مبادئ التوحيد الذي فطرنا عليه بصفة ان الدليل الذي نصبه الله تعالى علينا وبعد ان فطرنا على التوحيد هو ممارسة تفصيلاته عقائدياً بالتوحيد والنبوة والامامة...، واحكامياً بمبادئ الحلال والحرام واخلاقياً بمبادئ السلوك على الآخرين في شتى ضفة الحياة الاجتماعية... واذا تابعنا مقطع الدعاء المذكور فسنجد اوصافاً اخرى خلعها الدعاء على شخصية آدم(ع) من حيث كونه الاصل لفلسفة وجودنا ومن ثم استمرارية ذلك وختمها بالرسالة التي يرثها عباد الله تعالى رسالة محمد(ص) وامتداد الامامة خلالها فانني ساحدثكم عنه في لقاء لاحق ان شاء الله تعالى لكن يتعين علينا نحن القراء للدعاء المذكور ان نعتبر بدلالته المتمثلة في مهمتنا العبادية والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح دعاء (اللهم واجعل الفكرة والعبرة انسي وعمادي- القسم الثاني) - 19 2006-06-19 00:00:00 2006-06-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/386 http://arabic.irib.ir/programs/item/386 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة فائقة في حقل الاستعارات والتشبهات والرموز وسواها، حيث تسهم هذه الفنون التعبيرية في تعميق معاني الدعاء وتقريب دلالاتها الى الاذهان ومن ذلك مثلاً ما حدثناكم عنه في لقاء سابق، ونعني به فقرة دعاء يتلى في زيارات الجامعة للأئمة عليهم السلام حيث جاء فيه التوسل بالله تعالى بان يجعل فكرتنا وعبرتنا انسنا وعمادنا أي ان يجعل تعالى تفكيرنا منصباً على ما هو عبرة لنا في سلوكنا العبادي الذي خلقنا الله تعالى من اجله.. وفي حينه اوضحنا ان الفكرة هي النظر في مختلف ظواهر الكون واتخاذها عبرة لنا فما دام الله تعالى خلقنا من اجل الممارسة العبادية وانعكاسها من ثم على الحياة الابدية في اليوم الآخر حينئذ فان الوظيفة المهمة لكل شخصية اسلامية هي التفكر في هذا المجال واخذ العظة من ذلك حتى نضمن لانفسنا رضاه تعالى في ضوء الحقيقة المتقدمة أي جعل افكارنا منصبة على ما هو عظة لنا كما لو شاهدنا الظواهر الابداعية للكون وكما لاحظنا النهاية الحتمية لكل انسان حينئذ فان العظة او العبرة من ذلك هيان نخشع لعظمة الله تعالى وان نعمل من اجل الحياة الاخرة رضاه تعالى وجنانه وان شاء الله تعالى وقد واعدناكم في لقاء سابق ان نحدثكم عن نكتة بلاغية في هذا الشأن وهي ماذا نستخلص من العبارة المتوسلة بالله تعالى بان يجعل انسنا وعمادنا بالفكرة وبالعبرة أي نتدبر في خلق السماوات والارض، ومصائرنا ووظيفتنا ونأخذ عبرة من ذلك بحيث تصبح العبرة او العظة او التفكر في مظاهر الكون انساً وعماداً لنا اذن ما هو التفسير الواضح لهذه الاستعارة المتوسلة بالله تعالى بان يجعل فكرنا وعظتنا عماداً لنا فضلاً عن كونها انساً لنا...؟ بالنسبة الى الانس نعتقد ان احدنا لو قدر له ان يحمل نفسه ولو كرهاً في البداية على ان يفكر في خلق السماوات والارض ومصائرنا حينئذ سوف يتحول هذا الكره الى انس بالفعل وسبب ذلك هو ان الانسان بطبيعته التي ركبها الله وهي النزعة الخيرة تبعاً لقوله تعالى (حبب اليكم الايمان وزينه في قلوبكم) حينئذ فان التزيين المذكور في الآية هو الانس او المتعة النفسية التي نعايهشا في حالة ما اذا ادمنا النظر الى فلسفة وجودنا ووظيفتنا العبادية ... وهذا يعني ان تحقيق الانس انما يتم فلانه كما لاحظنا الآية الكريمة يجسد غريزة او فطرة كما هو واضح ... ولكنه ماذا بالنسبة الى الاستعارة المتوسلة بالله تعالى بان يجعل ذلك عماداً لنا ايضاً؟ لو دققنا النظر قليلاً الى ما لاحظناه قبل قليل بالنسبة الى تحويل الفكرة والعبرة انساً لنا نجد ان الاستمرارية على هذا السلوك سوف تصبح كياناً لسلوكنا الشخصي أي بمثابة عماد وهو ما يسند اليه من المواد وما يجسد بناءً عالياً فالعمد الذي نتكي عليه ونسند ظهورنا اليه او البناء العالي الذي تستند اليه ركائز وجودنا يجسد بلا ادنى شك قمة الاستقرار والطمأنينة التي ينشدها الشخص عبر مصارعته لشدائد الحياة... اذن: لا شيء اشد متانة من العماد ولا شيء اشد حفظاً للانسان من البناء العالي الذي يحجز الشخصية من وصول المكاره اليها. في ضوء الحقيقة المتقدمة يجدر بنا ونحن نقرأ امثلة هذا الدعاء ان نعتبر بمضمونه وهذا واحد من تجسيدات الدعاء نفسه الم يقل الدعاء اللهم اجعل تفكيرنا وما نتعظ به من العصايا بمثابة عماد او انس لنا؟ فاذن لنفكر ونتعظ فعلاً ونبدأ من لحظتنا هذه تطبيق الدعاء المذكور وندرس من خلاله ذواتنا على ممارسة وظيفتنا العبادية والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* الدعاء وفتح ابواب التفكر والاعتبار / شرح دعاء (اللهم واجعل الفكرة والعبرة انسى وعمادي- القسم الاول) - 18 2006-06-19 00:00:00 2006-06-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/385 http://arabic.irib.ir/programs/item/385 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة فائقة بخاصة في حقل الصور الاستعارية والرمزية والتشبيهية وسواها، حيث قدمنا لكم في لقاءات سابقة نماذج من الادعية المنطوية على هذه السمات ومنها الدعاء الذي يقرأ خلال احدى الزيارات الجامعة للائمة عليهم السلام، حيث ورد فيه (اللهم واجعل الصحة والنور في سمعي وبصري) أي ان يقول: "والفكرة والعبرة انسي وعمادي" هذه الفقرة هي امتداد لفقرات سابقة تعتمد عنصر الاستعارة بخاصة في تحديد الدلالات المتوسلة بالله تعالى ان يجلها متحققة لدى قارئ الدعاء والسؤال الآن هو ماذا نستخلص من هذه الفقرة المتوسلة بالله تعالى ان يجعلنا ذوي فكر وعبر اولاص وان يجعلهما انساً وعماداً لنا؟ .. هذا ما نحاول توضيحه ... اولاً: ما هي الفكرة وما هي العبرة؟ بالنسبة الى الفكرة لا نحسبكم بحاجة الى ان تنتظروا من يوضحها لكم... ولكن النكتة هي ان نحدد سياقها الذي وردت فيه او الاحرى ان نتبين الاصطلاح الذي تستخدمه النصوص الشرعية من خلاله ... لا نتأمل طويلاً حتى ندرك بان المقصود من الفكرة ليس هو دلالتها المطلقة التي تعني شريحة معرفته تخطر على ذهن الانسان بل معرفة خاصة ترتبط بمطالبة السماء ايانا ان نفكر في فلسفة هذه الحياة، ونرصد الاسباب الكامنة وراء الخلق لهذه البشرية ولسواها من المخلوقات ... طبيعياً الهدف من الخلق هو ما كررناه ولا نمل من تكراره هو ممارسة العمل العبادي تبعاً لقوله تعالى (وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون)، ولعلك تعرف تماماً بان العمل العبادي ينسحب على الالاف من مفردات السلوك البشري سواءاً كان شعائرياً كالصلاة والصوم ...، او اجتماعياً كالعلاقات المتنوعة بين الافراد والجماعات او اقتصادياً كالبيع والشراء، الخ... او ذهنياً كالتفكر في ابداع الله تعالى للسماوات والارض وما بينهما... وهذا الاخير أي المتفكر في ابداع الله تعالى عظمته وفلسفة خلقه ايانا الخ... يظل منسجماً على فقرة الدعاء التي تتوسل بالله تعالى بان يجعل فكرتنا بما يحيط بنا من ظواهر الكون المتنوعة موضع اهتمامنا على مستوى خاص هو ان نجعله انساً وعماداً لنا... اما لماذا نجعل التفكير بهذا الجانب بمثابة انس او بمثابة عماد وما ينطويان عليه من النكات الخاصة فسنحدثكم عنها لاحقاً ان شاء الله تعالى اما الان فهدفنا هو تحديد دلالة الفكرة التي وردت في الدعاء الذي نتحدث عنه او قد عرفناه الآن ولكن ماذا بالنسبة الى العبارة الاخرى وهي العبرة حيث لاحظنا ان الدعاء قد توسل بالله تعالى ان يجعلها أي العبرة انسنا وعمادنا ايضاً؟ ايضاً لا نتأمل طويلاً حتى ندرك بان الفكرة وحدها لا ينتفع بها الانسان... فالكثير من البشر يحمل فكرة عن الله تعالى وعظمته وابداعه لكنه لا يترجمها الى سلوك عبادي مطلوب ولذلك نجد ان الدعاء ما ان ذكر الفكرة حتى قرنها بـ العبرة أي بعملية الاعتبار او الموعظة وبكلمة اكثر وضوحاً العبرة هي ان نتعظ بما نفكر به من ظواهر الكون فاذا لاحظنا مثلاً عظمة ابداعه تم للطبيعة او استحضرنا رحمته او ... الخ... حينئذ يتعين علينا ان نعتبر بذلك كأن يملأ الخشوع جوارحنا لمجرد تصورنا لعظمته وكأن نشكره تعالى على ما يسكبه علينا من انواع الرحمة التي لا حدود لها كالنعم التي ان عددناها لا نحصيها تبعاً لقوله تعالى (وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها)... ومن جملة العبر ايضاً كان نتعظ بمشاهدتنا للجنازة فنغير سلوكنا سريعاً ونتلافى ما فاتنا من التفريط بوظيفتنا كأن نقلع عن الذنب وعن الحرص وعن الطمع وعن الجاه وعن الجنس غير المشروع وعن الكذب والغيبة والبهتان والعدوان واهل الشبهات.... اذن: الفكرة والعبرة يظلان متلازمين حيث لاقيمة لاية فكرة ما لم تقترن بأخذ العبرة منها وهذا ما يفسر لنا ورودهما في الدعاء المذكور مقترنين... واما التوسل بالله تعالى بان يجعلهما الفكرة والعبرة بمثابة انس وعماد فأمر يحتاج الى توضيح مفصل وهو ما نحدثكم عنه انشاء الله تعالى في لقائنا اللاحق.... اما الآن فحسبنا ان نستثمر ونعتبر بما قرأناه حالياً وهو ان نفكر بظواهر الكون وان نعتبر بها من حيث التعديل لسلوكنا العبادي والتصاعد به الى النحو المطلوب. ******* كيف يصبح الذكر والموعظة شعار المؤمن ودثاره - 17 2006-06-19 00:00:00 2006-06-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/384 http://arabic.irib.ir/programs/item/384 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة وما تنطوي عليه من التعبير البلاغي الفائق، حيث تسهم البلاغة في تعميق معاني الدعاء واستخلاص نكاته المختلفة ومن ذلك مثلاً ما سبق ان حدثناكم عنه بالنسبة الى احد الادعية الذي يقرأ خلال زيارة الجامعة للمعصومين عليهم السلام حيث جاء التوسل القائل (اللهم اجعل) الى ان يقول (الذكر والموعظة شعاري ودثاري) وقد تساءلنا في حينه عن النكتة الكامنة وراء الاستعارة المتوسلة بالله تعالى بان يجعل الذكر والموعظة كشعارنا ودثارنا. أي لماذا انتخب الدعاء استعارة الشعار واستعارة الدثار للتعبير عن الذكر وعن الموعظة؟ هذا ما نحاول الاجابة عنه الآن... قبل ان نجيبك عن المقصود بعبارة الشعار وكذلك الدثار ينبغي تذكيرك بان كلمة الذكر وكلمة الموعظة هما المطلوبان بان يصبحا شعاراً ودثاراً لنا... والسؤال الآن ما هو المقصود من الشعار هناك جملة معان لكلمة الشعار الا ان المقصود من ذلك هو: اللباس الداخلي مقابل اللباس الذي يليه، واما بالنسبة الى الدثار فهو بدوره يحمل اكثر من دلالة الا ان هناك دلالتين يمكن الاشارة اليهما الاولى هي اللباس الثاني الذي يلي اللباس الداخلي، أي هناك قطعة لباس ملتصقة بالبدن وعليها قطعة لباس اخر ملتصقة بالاول وهناك دلالة اخرى للدثار هي ما يغطي به الشخص بدنه، أي الغطاء بنحو عام ... وفي ضوء هذه المعاني او الدلالات التي تمت الاشارة اليها ما نستخلص؟ هناك جملة استخلاصات يمكن لك ان تنتخبها خلال قراءتك لهذا الدعاء.. منها: ان تفترض اولاً ان الدعاء يستهدف الاشارة الى ان نجعل الذكر بمثابة شعار لنا، أي اللباس الذي نلبسه وهو لصيق بنا لا نتخلى عنه وتقابله الموعظة وهي ان نجعلها بمثابة دثار لنا، أي: اللباس الخارجي الذي يلتصق بنا ايضاً الا ان الفارق هو بما ان الذكر هو ممارسة لفظية او قلبية نحياها من تلقاء انفسنا كما لو رددنا ذكر اللهم اغفر لنا ذنوبنا او استحضرنا عظمة الله تعالى في اذهاننا كما لو نظرنا الى ابداع الله تعالى للسماء والارض وللبشر وللحيوان وللنبات ... فهذا الذكر القلبي وكذلك الذكر اللفظي غفران الذنب تشكل جميعاً وعياً داخلياً نحياه ونعايشه من تلقاء انفسنا دون ان نتلقى ذلك من الآخرين وهو امر يتساوق ويتناسب مع الاردثية الداخلية اللصيقة بنا على العكس من مفهوم الموعظة حيث اننا نتلقاها من الاخرين فحينئذ تناسب مع الاردثة الخارجية لان المنبه لنا هو شخص اخر يعظنا بينما الذكر هو منبه داخلي نتنبه نحن عليه دون ان نتلقاه من الخارج أي من الاخرين... واذن الشعار والدثار هما رمزان او استعارتان نستخلص منهما ان العبد ينبغي عليه الا يفارق ابداً كلاً من الذكر والموعظة فبواسطة الذكر يواصل العبد باستمرار معايشته لوظيفته في الحياة وهي ممارسة العبادة في شتى مستوياتها سواءاً أكانت مذكراً للممارسات شعائرية كالصلاة او مماسات عامة كمساعدة الاخرين وسواءاً أكانت ممارسات لفظية كقراءة القرآن الكريم او الادعية او كانت ممارسات قلبية مثل ان نستحضر عظمة الله تعالى في اذهاننا كالنظر الى ملكوت السماوات والارض وابداع الله تعالى للظواهر جميعاً... او لتلك جميعاً يتعين علينا ان نتخذها بمثابة رداء داخلي لا ننفصل عنه... واما بالنسبة الى الموعظة فان قارئ الدعاء يستخلص منها ان وظيفتنا العبادية في جملة منها هي ان نتقبل نصيحة الآخرين لنا، كتذكيرهم ايانا ان ننتهي عن المعاصي وان نتجه الى الطاعت ونتخذ ذلك رداءً خارجياً لنا لا نفارقه أي لا نهمل نصائح الآخرين، بل نتدثر بها أي نجعلها غطاءً لنا، كما نتخذ الغطاء المادي ساتراً وحافظاً لنا من البرد والحر ونحو ذلك.... اذن: امكننا ان نتبين ولو سريعاً دلالة ما قصده الدعاء من التوسل بالله تعالى بان نجعل الموعظة والذكر دثاراً وشعاراً لنا بصيغة ان ذلك تعبيراً واضح عن ضرورة الا نصبح غافلين عنه بل نحيا باستمرار مفهوم العبودية لله تعالى وذلك بممارسة الطاعة والتصاعد الى النحو المطلوب. ******* حقيقة الذكر لله والاتعاظ - 16 2006-06-19 00:00:00 2006-06-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/383 http://arabic.irib.ir/programs/item/383 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة فائقة حيث تسهم العبارة البلاغية بتعميق المعنى واستخلاص نكاته المتنوعة ... ومن ذلك ما حدثناكم عنه في لقاءات سابقة ونعني به الدعاء الذي يتلى خلال زيارة المعصومين عليهم السلام في احدى زيارات الجامعة حيث ورد الدعاء باستهلال العبارة القائلة: (واجعل اللهم) الى ان يقول (الذكر والموعظة شعاري ودثاري) وقد حدثناك في لقائنا السابق عن المقصود من العبارات المتقابلة وهي (الذكر والموعظة)، ونحدثكم الان عنها مفصلاً.... قلنا في لقائنا السابق ان عبارة الذكر تنطوي على جملة دلالات فقد تعني الدعاء القصير او تعني كل ما هو يتلفظ به من العبارات المتضمنة لذكر الله تعالى وقد تعي الذكر القلبي أي استحضار عظمة الله تعالى في اذهاننا وقلوبنا والمهم هو ان نحيا عملية الذكر لله تعالى على شتى المستويات سواءاً كان ذلك على مستوى الكلمة الناطقة كقولنا مثلاً (الله نور السماوات والارض) او قولنا (اللهم صل على محمد وآل محمد) وقولنا (اللهم اجعل الذكر والموعظة شعارنا ودثارنا) الخ ... وهو عبارة الدعاء التي نحدثكم عنها الان... وسواءاً اكان ذلك على مستوى التفكير الصرف او الذكر القلبي كما لو استحضرنا نفس الالفاظ المشار اليها، المنطوق بها... هذا الى ان ثمة دلالات اخرى لعبارة الذكر وهي مثلاً ان نعمل بالطاعات وان نتجنب المعصية حيث ورد ان العبد مثلاً اذا واجه منبهاً حراماً حينئذ يتذكر الله تعالى فيمتنع عن ممارسته كما لو اراد ان يغتاب احداً، او ينظر الى الجنس الآخر، او يخوض في حديث باطل.... كل ذلك هو ذكر كذلك بالنسبة الى ممارسة الطاعة كالصلاة في اول وقتها مثلاً او مساعدة الآخرين وقضاء حوائجهم، ... حيث ان العبد اذا دخل وقت الصلاة مثلاً يكون الذكر لله تعالى في هذه الحالة هو اداء الصلاة فوراً واذا وجد ان اخاه المؤمن بحاجة الى المساعدة، فان الذكر لله تعالى هو ان يهرع الى مساعدته فوراً وهكذا. اذن: تبين معنى الذكر في الامثلة التي قدمناها في شتى مستوياته ولكن ماذا بالنسبة الى الموعظة؟ اذا كان الذكر يحتمل عدة دلالات فان الموعظة تظل محدودة المعنى وهو تقبل كل ما يذكرنا بالله تعالى وبممارسة الوظيفة العبادية التي خلقنا الله تعالى من اجلها... فاذا امرنا احد المؤمنين بممارسة المعروف ونهانا عن ممارسة المنكر، فان النهي والامر المذكورين هما: موعظة لنا، يتعين الالتزام بها. وفي ضوء هذه الحقائق المرتبطة بمعنى الذكر وبمعنى الموعظة ماذا نستخلص من عبارة الدعاء القائلة بما في معناه اللهم اجعل الذكر والموعظة شعاري الصلة بين الذكر والموعظة؟ ثم ثانياً: ما هي النكات الكامنة وراء الدعاء المذكور؟ أي لماذا جعل الذكر والموعظة شعاراً ودثاراً؟ .. وهذا يقودنا الىان نفهم معنى الشعار ومعنى الدثار وانا اذ نطرح امثلة هذه الاسئلة انا نستهدف لفت نظرك كما كررنا دائماً الى ان تستحضر في ذهنك معاني العبارات التي تدعو بها وتتحدث منه خلالها مع الله تعالى.... ولعل اهم الاسئلة والاجوبة منها هي: ان نتساءل اولاً عن الصياغة الفنية التي لجأ اليها الدعاء المذكور ونعني بها صياغة العبارات الاستعارية وهي: مصطلح الشعار والدثار فقد كان من الممكن مثلاً ان يقول الدعاء على سبيل المثال اللهم اجعل الذكر والموعظة همنا الاكبر بحيث لا ننساها ابداً لقد كان بمقدوره(ع) ان يصوغ المعنى المذكور بعبارات مباشرة ولكنه استخدم الاستعاريتين القائلتين بالشعار والدثار... اذن: لابد وان ينطوي الموقف على نكات خاصة وهاذ ما يدفعنا الى القاء الاضاءة عليه وهو ما نحدثكم عنه في لقاء لاحق ان شاء الله تعالى. اما الآن فحسبنا ان نذكر انفسنا ونذكركم بضرورة ان نستثمر قراءة الفقرة المذكورة من الدعاء وذلك بان نستحضر في اذهاننا وظيفتنا العبادية وان نتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* معاني "الذكر" و"الموعظة" والفارق بينهما - 15 2006-06-19 00:00:00 2006-06-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/382 http://arabic.irib.ir/programs/item/382 لا نزال نحدثكم عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة فائقة، حيث تسهم العبارة البلاغية في تعميق المعنى وتقريب دلالته الى الاذهان، ومن ذلك: ما سبق ان حدثناكم عنه وهو احد الادعية المرتبط بزيارات الجامعة حيث ورد فيه التوسل بالله تعالى بان يجعل الذكر والموعظة شعارنا ودثارنا حيث قال الدعاء واجعل اللهم الى ان يقول الذكر والموعظة شعاري ودثاري والمطلوب الان هو ملاحظة الذكر والموعظة من جانب والشعار والدثار من جانب اخر، حيث ان التشابه بين الذكر والموعظة والتشابه بين الشعار والدثار يظل بدرجة كبيرة كما هو ظاهر لغتنا التي نتحدث بها او نستخدمها بنحو مألوف كلنا لنتدبر جيداً هذا الموضوع ما دمنا نقرأ الدعاء المذكور عبر حرصنا على فهم دقائقه وخاصة مورد الدعاء هو ان نتضرع الى الله تعالى بحق المعصوم(ع) ان يستجيب لنا في انجاز حاجاتنا المتنوعة اخروياً ودنيوياً ومنها ما يرتبط بفلسفة الموعظة والذكر... اذن: لنتحدث عن هذه الجوانب ... ستتساءل اولاً عن معنى الذكر والموعظة والفارق بينهما، وهذا ما نحاول القاء الانارة عليه، فنقول: (الذكر) هو مطلق ما نتسحضره في اذهاننا من الادعية او المعاني المرتبطة بالله تعالى وبكلمة اكثر وضوحاً ان الذكر اولاً قد نقارنه بالاشكال الخاصة للادعية، وقد تقارنه بالمستويات التي نحيا بهابشكل او باخر حضور الله تعالى، ولعل الذكر لا يزال ملفعاً بالغموض من حيث معرفتنا بمصطلح الذكر، وهو ما يقتادنا الى طرحه بنحو اخر فنقول ان "الذكر" من زاوية ما قد يطلق ويراد به الدعاء القصير مقابل الدعاء المتسم بالطول او الوسط وقد يطلق ويراد به الدعاء المنطوق قبالة الذكر القلبي، فالذكر المنطوق قبالة الذكر القلبي فالذكر المنطوق كما لو رددت عبارة اللهم صل على محمد وآل محمد واما الذكر القلبي فهو معايشتك للصلاة المذكورة دون ان نتلفظ بها... اذن: هذا نمطان من الذكر احدهام ما تنتظمه ساعات قصار قبالة ما هو كبير او متوسط من الادعية والآخر، ما تتلفظ به عن الكلام قبالة ما تعايشه او تحياه في قلبك وذهنك... وهناك نمط ثالث من الفارق بين مستويات الذكر وهو الذكر بمعنى الموعظة مقابل الاشكال التي حدثناك عنها، وهذا المستوى من معاني الذكر لا يشمل موضوعنا الذي نحدثكم عنه، لان الدعاء الذي يتلى في زيارة الجامعة يتوسل بالله تعالى بان يجعل الذكر والموعظة شعارنا ودثارنا، وهذا يعني ان الذكر ليس بمعنى الموعظة ولابد ان يختلف احدهما عن الآخر، حيث كررنا دائماً بان كلام او مطلق التعبير الشرعي يظل متسماً بالاعجاز الفني ولا يمكن بان نلحظ ترادفاً في النص الشرعي لانه خلاف البلاغة وخلاف الحكمة فلا يعقل ان يحذرنا المعصوم(ع) او يحثنا على موضوع متكرر المعنى، بلى يكرر كلاماً واحداً من اجل التأكيد لاهميته ولكنه لا يكرر معنى واحداً فمثلاً: لايقول لك احذر الاسد والليث لانهما معنى واحد، ولكنه يكرر احدهما وهو الليث او الاسد بهدف التأكيد المهم هدفنا الان هو ملاحظة الدقة البلاغية في هذا الدعاء، من حيث الفارق بين الذكر والموعظة فنقول: بالنسبة الى الموعظة فانها تحمل دلالة واحدة بعكس كلمة الذكر كما اوضحناها، ولذلك يمكنك ان تستخلص من عبارة الموعظة معنى واضحاً هو ان نعتبر بما نسمعه او نراه من الكلمات او العينات او الظواهر بعامة، كما لو ذكرنا احدهم بالموت، وباليوم الاخر، وبالمحاسبة، وبغضب الله تعالى وبرضاه... فيكون هذا التذكير من خلال الكلمات او من خلال مشاهدتنا جنازة الميت باعثاً لنا على ان نعتبر بهذا الحدث وذلك بان نعدل سلوكنا فنصمم على ممارسة الطاعة ونتذكر بان الله تعالى انما خلقنا فلكي نمارس وظيفتنا العبادية في الحياة تبعاً لقوله تعالى (وما خلقنا الجن والانس الى ليعبدوني) ومن ثم يكون التذكر المشار اليه باعثاً على تعديل سلوكنا. وهذا هو المعنى بعبارة الموعظة ... واما الذكر فمن الممكن ان يكون بمعنى الموعظة ايضاً وهو غير مقصود في هذا الدعاء بل يكون موشحاً بجملة معان سبق ان اوضحناها في مقدمة لقاءنا الحالي، ولكن المهم هو ملاحظة هذه المعاني من جانب ثم ملاحظة الموعظة من جانب آخر ومن ثم ملاحظة ما ذكره الدعاء وهو: ان نجعل كلاً من الموعظة ومن الذكر شعارنا ودثارنا، وهذا ما نحدثكم عنه في لقاء لاحق ان شاء الله تعالى.... اما الآن حسبنا ان نذكر انفسنا باهمية الذكر وباهمية الموعظة حتى يحملنا ذلك على تعديل سلوكنا العبادي والتصاعد به الى النحو المطلوب. ******* طلب العدالة في السلوك اليومي - 14 2006-06-19 00:00:00 2006-06-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/381 http://arabic.irib.ir/programs/item/381 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ما تنطوي عليه من فنون البلاغة، حيث تسهم هذه في بلورة معاني الدعاء، والكشف عن طرافتها ونكاتها المتنوعة، ومن ذلك ما سبق ان حدثناكم عنه في لقاءات ماضية، وهو احد الادعية الذي يتلى بعد احدى الزيارات الجامعة للمعصومين عليهم السلام، حيث جاء فيه (اللهم واجعل الصحة والنور في سمعي وبصري) الى ان يقول: (والميزان ابداً نصب عيني، والذكر والموعظة شعاري ودثاري...). هذا المقطع من الدعاء يتضمن جملة من الاستعارات والصور الملفتة للنظر، فاولاً نجد صورة الميزان واستحضارها امام العين الباصرة، وثانياً صورة الشعار والدثار وهما استعارتان بطبيعة الحال، حيث خلع الدعاء على ظاهرة الذكر وظاهرة الموعظة طابع الشعار والدثار. والمهم ان هذه المجموعة من الصور تنطوي على اسرار دلالية وجمالية يجدر بنا ملاحظتها.. لنقف عن الصورة المتوسلة بالله تعالى بان يجعلنا نتصور الميزان وهو نصب اعيننا والسؤال الآن هو: ما المزيان اولاً، ثم ما هي النكتة التي تجعل من قارئ الدعاء قد وضع نصب عينه الميزان؟ الميزان سواءً اخذناه بمعناه المادي المتمثل في جهاز خاص او اخذناه بمعناه الصوري او الرمزي المتمثل في عملية المحاسبة او المحاكمة للشخصية في اليوم الاخر، فان الاستخلاص النهائي من تصوري هو ان الشخصية بما عملته في حياتها الدنيا من ممارسات خيرة او شريرة او محايدة، ستجد قائمة او كتاباً او ملفاً اذا صح التعبير امامها، وهو كتاب او ملف يتضمن احصاءً لاعمال الشخصية قد يتضخم العمل الخير او يضئول او يتماثل مع هذه أي العمل الشرير والمهم الان في ضوء الصورة التي رسمها الدعاء وهي: ان نضع ابداً نصب اعيننا الميزان المذكور هذه الصورةلها دلالتها الضخمة او رمزها الكبير في محاسبة النفس لسلوكها قبل ان تحاسب في اليوم الآخر... فانت تلحظ مثلاً ان الصورة المذكورة تطالب بان نجعل الميزان نصب اعيننا بحيث ننظر اليه وكأنه حاضر في الساحة أي ان هذه العبارة تتضمن كلاماً صورياً مختصراً كالاشارة او العلامة ولكنه يدع الشخصية مستحضرة ما هو غائب من الظواهر أي تجعل كلامنا قد تداعى بذهنه الى سلسلة من المواقف والاحداث على نحو ما سنوضحه على سبيل المثال ان أي واحد منا اذا استحضر الميزان في ذاكرته فسوف يتداعى ذهنه الى انبعاث الناس في اليوم الآخر من قبورهم، واستدعاء كل واحد منهم الى المحاكمة علنية او سرية احياناً وسوف يقف قلقاً متمزقاً خائفاًَ وكأنه سكران من شدة الساعة واهوالها، وبعدها قد يتصور ذاته وقد ثقل ميزانها بعملها الصالح، وقد يتصور عكس ذلك، ثم يتصور في الحالة الاولى دخوله الجنة وكسبه لرضاه تعالى، وقد يتصور العكس ايضاً والمهم في الحالات جميعاً اذا يترك للشخصية بان تستحضر القيامة واهوالها، حينئذ فان الاهوال المتصورة سوف تحمل الشخصية على مراجعة سلوكها.... ويلاحظ ان الفقرة المذكورة تقرر بان جعل الميزان نصب اعين الشخصية ينبغي ان يكون دواماً لنقرأ من جدية الميزان ابدأ بنصب عيني، أي ليس استحضار الميزان في حالات محدودة بل دواماً، أي منذ ان تستيقظ الشخصية من نومها والى ان تأوى الى فراشها ينبغي عليها ان تستحضر في ذهنها عملية الحساب واقتياد الناس الى الجنة او النار اعاذنا الله تعالى من ذلك. اذن: كم هو رائع ان يحملنا الدعاء المذكور ان نتخيل عملية المحاكمة دواماً حتى نمارس وظيفتنا العبادية دواماً ايضاً أي ثمة موازنة بين ديمومة استحضار اهوال اليوم الآخر وبين ديمومة عملنا العبادي وممارستنا للطاعة، والتصاعد بها الى الله تعالى الى النحو المطلوب. ******* معنى ومصاديق البصيرة في الدين - 13 2006-12-02 00:00:00 2006-12-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/380 http://arabic.irib.ir/programs/item/380 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة وما تنطوي عليه من دقائق المعاني ونكات البلاغة، ومن ذلك ما حدثناكم عنه في لقاءات سابقة بالنسبة الى احد الادعية التي تتلى في زيارة الجامعة، حيث ورد في الدعاء المذكور (اللهم اجعل الصحة والنور في سمعي وبصري، والجدة والخير في طرقي، والهدى والبصيرة في ديني ومذهبي)... ومع ان هذه الفقرة بالنسبة الى ما سبقتها تعتبر كلاماً غير مجازي الا انها تتضمن جملة نكات دقيقة يحسن بنا ان نحدثكم عنها... ان ما ينبغي لفت النظر اليه هو ان قارئ الدعاء سوف يواجه عبارتين يحسبها وكأنهما بمعنى واحد، وهما اولاً: الكلام المتوسل بالله تعالى بان يجعل الهدى والبصيرة في ديني قارئ الدعاء ومذهبه ان قارئ الدعاء قد يقول ما هو الفارق بين الهدى وبين البصيرة؟ ثم ما هو الفارق بين الدين والمذهب؟.. أليس الهدى هو ما يقود الشخص الى معرفة الحق؟ ثم أليس البصيرة كذلك، لانها تبصير بمعرفة الحق؟ ثم من الجانب الاخر اليس الدين هو المذهب؟ أي أليس كلاهما يعنيان الموقف الفكري من الله تعالى والوجود والكائن البشري، فمثلاً في الايمان بالاسلام؟ واذا كان الامر كذلك فما هي الفوارق بين الكلمات المذكورة؟ ان قارئ الدعاء من حقه ان يتساءل عن الفوارق بين الكلمات التي يتجه بها الى الله تعالى، حيث ان ادب الدعاء يفرض عليه ذلك كما ان مصلحته الشخصية في التعامل مع الله تعالى من خلال استجابة دعائه او كسب رضاه تعالى تفرض على قارئ الدعاء ان يفهم الكلام الذي يتجه به الى الله تعالى. والى ضوء هذه الحقائق سنتحدث عن الموضوع المتقدم... بالنسبة الى الفارق بين الهدى وبين البصيرة يمكننا ان نذهب الى ان البصيرة هي مرتبة اعلى من سابقتها الهدى او لنقل ان الهدى هو مرحلة اولى، والتبصير مرحلة تتعالى على سابقتها... كيف ذلك؟ من الواضح ان الهداية هي معرفة الحق، نتمثله في ان يرشد عقلنا الى الايمان بالله تعالى وبالاسلام وبمحمد(ص) وباهل البيت عليهم السلام .... لكن الايمان المتقدم متفاوت في درجاته من شخص الى آخر بصفة ان التطبيق او العمل بالمبادئ التي تجسد مفهومات الله تعالى والاسلام والنبي(ص) واهل البيت عليهم السلام قد تتم بمستوى عادي من الوعي وقد تتم بمستويات عالية حتى تصل الى قمة المعرفة التي يخص الله تعالى بها اولياءه المصطفين ... من هنا فان البصيرة تجسد هذا النمط من الوعي الصاعد ولذلك ورد في الزيارات الخاصة بالمعصومين عليهم السلام ومن يليهم من الشخصيات المقربة سمات البصيرة من حيث التقويم للشخصيات المذكورة. واما بالنسبة الى الفارق بين الدين والمذهب، فان الدين يظل العبارة الاوسع دلالة أي: هو الاعتقاد بمبادئ خاصة، كالاسلام بالنسبة الينا، تبعاً لقوله تعالى (ان الدين عند الله السلام) ولكن المذهب كما نحتمل ذلك هو الاتجاه الاكمل وعياً أي الخطوط المجسدة للوعي الكامل كمذهب اهل البيت عليهم السلام، من هنا يمكننا ان نقرر بان البصيرة هي مفضية الى المذهب الحق كما ان الهدى هو المنضي الى الدين الاسلامي... وبذلك نتبين عبر قراءتنا لهذه الفقرات من الدعاء ان التوسل بالله تعالى يظل حائماً على ذروة ما نتصوره او نتطلع اليه من المعرفة التي يريدها تعالى لنا، مقرونة بالعمل بطبيعة الحال... اذن: امكننا ان نتبين بوضوح ما ترمز اليه العبارات المتقدمة وهي الهدى والبصيرة من جانب والدين وكذلك المذهب من جانب آخر والاهم من ذلك هو ان نترجم قراءتنا في الدعاء الى عمل وذلك بتدريب ذواتنا على اداء وظيفتنا العبادية الواعية والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* أدب التوسل بالله تعالى وحقيقته - 12 2006-02-12 00:00:00 2006-02-12 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/379 http://arabic.irib.ir/programs/item/379 لا نزال نحدثكم عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة فائقة تسهم العبارات البلاغية في تعميق معنى الادعية والكشف عن نكاتها وطرافتها.. ومن ذلك: ما حدثناكم عنه سابقاً بالنسبة الى احد الادعية التي تتلى عند زيارة الجامعة، حيث ورد في الدعاء: (اللهم اجعل الصحة والنور في سمعي وبصري، والجدة والخير في طرقي، والهدى والبصيرة في ديني...). وقد حدثناكم عن الفقرة الاولى من هذا المقطع ونحدثكم الان عن الفقرة الثانية وهي: التوسل بالله تعالى بان يجعل الجدة والخير في طرق قارئ الدعاء... وطبيعياً سوف تساءل سريعاً عن هذه الفقرة من الدعاء التي تبدو انها تعبير مجازي خالص، او عبارات مليئة بالرموز فيما يحتاج الى فك ما استغلق، وهذا ما نبدأ به الان... العبارة التي نستهدف ملاحظتها الان هي قوله(ع) (اللهم اجعل) الى ان يقول: (الجدة والخير في طرقي)... والمطلوب هو: ملاحظة هذه الرموز الثلاثة او الاثنين وهما: الجدة، والطرق، اما عبارة الخير، فلا تحتاج الى توضيح .. فقارئ الدعاء قد يفهم على نحو مجمل بان الدعاء هو طلب للخير ... ولكن هذا المعنى الاجمالي ليس كافياً لمن يقرأ الدعاء ويحرص على فهم ما ينطق به، بخاصة ان الدعاء هو تواصل وجداني يتفاعل من خلاله قارئ الدعاء مع المضمون الذي ينطوي عليه، والأ هو بمقدور القارئ ان ينفعل ويتجاوب ويتوسل بالله تعالى دون ان يفهم ما يتوسل به... اذن لابد من ملاحظة العبارة الدعائية المذكورة أي العبارة المتوسلة بالله تعالى بان يجعل الجدة والخير في طرقنا... نبادر اولاً الى عبارة (الجدة) فماذا تعني لغوياً؟ المعجم اللغوي يشير الى ان "الجدة" هي: العلامة... واما بالنسبة الى الطرق فمعناها اللغوي واضح ولكن المطلوب هو معرفة ما ترنوا اليه من المعنى... ان قارئ الدعاء سوف يفهم في البداية انه يطلب من الله تعالى ان يجعل له العلامة والخير في طريقه الذي يسلكه ولكن اية علامة واية طرق؟ لا نتأمل طويلاً حتى ندرك سريعاً بان المطلوب هو: ان يتفضل الله تعالى علينا بان يرعانا وذلك بان ييسر لنا الاسباب الموصلة الى رضاه تعالى وذلك من خلال معرفتنا بالمبادئ أي التي رسمها الله تعالى لنا، وطلب منا ان نلتزم بها... ولعلك الان تطالبنا بان ندلل على هذه الحقيقة، فنقول من الواضح ان ممارستنا للوظيفة العبادية التي خلقنا الله تعالى من اجلها هي: ان نلتزم ـ كما قلنا ـ بالاحكام المرتبطة بما هو واجب وحلال او الخ...، وهذا الالتزام يتطلب معرفة تامة بحدوده... ولذلك ركز الدعاء الى جانب بعبارة "الطرق" أي: الحدود التي نتبين من خلالها معرفة ما يجب علينا ان نسلكه، لذلك توسل الدعاء بالله تعالى ان يجعل "الجدة" أي "العلامة" في طريقنا الذي نستهدف منه الوصول الى المعرفة، فاذا كان الطريق مثلاً متاهة او صحراء ... عندئذ لا نقوى على استمرارية السير فيه على غير هدى بل لابد من علامة او لافتة حتى نستطيع من خلالها ان نواصل مسيرنا الى النهاية... ولكن حتى الان، فان المعرفة لمعالم الطريق لا تعطي ثمارها الا في حالة ما اذا ارشدتنا العلامة الى ما هو "خير" لنا... ولذلك جاءت العبارة من الدعاء بهذا النحو: "واجعل الجدة والخير في طرقي"... اذن لنتحدث عن الخير وما يعنيه ... قلنا ان الخير كلمة لا تحتاج الى توضيح بقدر ما يستهدف الدعاء لفت نظرنا الى ان نوفق لاختيار ما هو خير لنا أي ما هو يقترن برضاه تعالى ... وكذلك اذا واصلنا بقية الدعاء المذكور، ومنه الفقرة القائلة (والهدى والبصيرة في ديني...)، نجد ان كلمة الهدى وكلمة البصيرة تعنيان الدرجة الاولى من فهمنا لمبادئ الله تعالى وليس مجرد المعرفة العادية... وهذا ما نحدثكم عنه في لقاء لاحق ان شاء الله تعالى. اما الان فحسبنا ان نذكر انفسنا بضرورة ان ننفعل بقراءتنا للادعية وذلك بان نعمل بما تطرحه من الامور ومن ذلك التوسل بالله تعالى بان يرشدنا الى ما فيه مرضاته وهو امر لابد وان يقترن بالعمل وليس بالقول فحسب، ولذلك يتعين علينا ان ندرب ذواتنا على ممارسة الواجب والمندوب وترك المحرم والمكروه وتحويل المباح الى مندوب والتصاعد بعملنا العبادي الى النحو المطلوب. ******* آثار سلامة السمع والبصر على حياة المؤمن شرح دعاء (اللهم واجعل الصحة والنور سمعي وبصري) - 11 2006-12-02 00:00:00 2006-12-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/378 http://arabic.irib.ir/programs/item/378 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من نكات التعبير وبلاغته.. ومن ذلك ما حدثناكم عنه في لقاء سابق، حيث استشهدنا باحد الادعية، فيما ورد فيه: (اللهم واجعل الصحة والنور في سمعي وبصري، والجدة والخير في طرقي...)، وقد حدثناكم عن هذا المقطع من الدعاء اجمالاً، حيث قلنا ان السمع والبصر هما الحاستان الاكثر أهمية من سواهما من حيث الانتفاع بهما دنيوياً، وقلنا ايضاً ان التوسل بالله تعالى بان يجعل سمعنا وابصارنا في الصحة وفي النور يعني: سلامتهما من المرض كالعمى والصمم مثلاً ولكننا تساءلنا عن صلة ذلك بسلوكنا العبادي والانعكاسات المتنوعة على السلوك المذكور وهذا ما نبدأ بتوضيحه الآن... اذا تجاوزنا التعبير او الفائدة الدنيوية لكل من البصر والسمع، واتجهنا الى القول بان المقصود منهما هو: الاستبصار او الوعي او الفهم حينئذ سيواجه قارئ الدعاء تعبيراً رمزياً يرتبط كما ـ كما قلنا ـ بوظيفتنا العبادية التي خلقنا الله تعالى من اجلها فالبصر والسمع هما الحاستان اللتان نستطيع من خلال الرؤية ومن خلال الاستماع ان نوظفهما في وظيفتنا العبادية المذكورة... ولنتحدث عن كل حاسة على حدة، ونقف اولاً عند حاسة السمع، فنقول: اذا قدر لنا ان نقرأ ما ورد من الاستشهاد بحاسة السمع والبصر، وكذلك جارحة النطق او اللسان في النصوص القرآنية الكريمة نجد ان الاستخدام الرمزي لها من الوضوح بمكان كبير... فمثلاً ان قوله تعالى بحق الكفار او المنافقين (صم بكم عمي) يرمز الى ان عدم سمعهم ليس هو فقدان الحاسة المذكورة بل هو عدم استماعهم لرسالة الاسلام التي جاء بها النبي(ص)... وهنا في الدعاء الذي نحدثكم عنه عندما نتوسل بالله بان يجعل سمعنا محتفظاً بصحته وبنوره فان المقصود من ذلك هو توظيف الحاسة المذكورة في ميدان الاستماع الى مبادئ الله تعالى والعمل بها وليس مجرد الاستماع اليها... فعندما نستمع الى قوله تعالى مثلاً: (لا يغتب بعضكم بعضاً) او (لا تصعر خدك للناس) او (تعاونوا على البر والتقوى).... فمعنى ذلك هو: ان نرتب اثراً على الاستماع المذكور فلا نمارس عملية "الغيبة"، ولا التكبر على الآخرين، وان نتعاون مع الآخرين بدلاً من التنافر.... وحينئذ تكون العبادة المتوسلة بالله تعالى بان يمنحنا صحة في اسماعنا أي ان نستخدمها في اداء وظيفتنا بالنحو المطلوب... طبيعياً، لا مانع من الذهاب الى ان الصحة في الاسماع تنسحب على الصحة الحقيقية أي: عدم الصمم، وحينئذ فان الدعاء المذكور يظل مرشحاً باكثر من دلالة واحدة، وهذا هو احد طوابع اللغة الشرعية، أي: تنطبق اللغة على ما هو حقيقي وعلى ما هو رمزي فنكون بذلك قد توسلنا بالله تعالى بان يمنحنا الصحة البدنية والصحة العبادية. لكن: قد يعترض احدنا فيقول: ان معنى الصحة هنا هو الصحة البدنية بدليل ان الدعاء المذكور توسل بالله تعالى بان يمنحنا الصحة ويمنحنا النور في السمع وحينئذ يكون "النور" هو المقصود من العبارة رمزياً وتكون عبارة "الصحة" هي المقصود من العبارة حقيقياً وللاجابة عن السؤال المذكور نقول: لا مانع من ذلك، وهذا هو ما قصدناه عندما قلنا ان العبارة الشرعية تحتمل اكثر من دلالة بمعنى انك بمقدورك ان تقول بان الدعاء التوسل بالله تعالى ان يمنحنا الصحة المادية والعبادية، ويمكنك ايضاً ان تستخلص الدلالة العبادية فحسب، فتكون عبارة الصحة هي الصحة العبادية وتكون عبارة النور هي الرمز للوعي الحاد وللفهم الاكثر استيعاباً لمبادئ الله تعالى... وما قلناه عن حاسة السمع ينسحب على حاسة البصر ايضاً حيث يمكننا من جانب بان نتوسل بالله تعالى ان يجعلنا متمتعين بحاسة البصر من حيث الانتفاع بها في امورنا الدنيوية وان نستثمرها ايضاً في امورنا العبادية فنجمع بذلك عطاء الدنيا والآخرة... كما يمكننا من الجانب الآخر ان نستخلص الدلالة العبادية المتمثلة في النظر الى ابداع الله تعالى للسماوات والارض وما بينهما فنتعض بذلك ونستحضر عظمة الله تعالى وكذلك أي ما رسمه الله من الاحكام واوامر ونواهي ومن ثم استيعابها بعمق حيث يرمز النور ليس الى البصر المادي وحده بل البصر بمعنى البصيرة في اعمق مستوياتها... اذن امكننا ان نتبين بوضوح دلالة توسلنا بالله تعالى بان يمتعنا باسماعنا وابصارنا حيث ينبغي استثمار قراءتنا لهذا الدعاء وذلك بان نوظف هاتين الحاستين من اجل الممارسة العبادية والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* معنى طلب صحة السمع والبصر / شرح دعاء (اللهم واجعل الصحة والنور في سمعي وبصري) - 10 2006-12-02 00:00:00 2006-12-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/377 http://arabic.irib.ir/programs/item/377 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من فنون العبارة وبلاغتها، حيث تسهم جميعاً في تعميق معاني الدعاء وفي توضيح دلالاته، ومختلف نكاته، واليك نماذج من الدعاء الاتي وهو من الادعية التي تتلى بعد الزيارة للمعصومين عليهم السلام حيث ورد فيه (اللهم واجعل الصحة والنور في سمعي وبصري، والجدة والخير في طرقي...). ونقف اولاً عند عبارته الاولى وهي التوسل بالله تعالى بان يجعل الصحة في سمعنا وابصارنا وكذلك النور... ولعل السؤال المهم هو: ان نلاحظ الاسرار الكامنة وراء انتخاب الحاستين المذكورتين (السمع والبصر)، ثم ظاهرة كل من طابع الصحة وطابع النور بالنسبة اليهما وهذا ما نبدأ بتوضيحه الآن... من البين ان ادوات الحس بنحو عام لها خطوتها في ميدان الانتفاع بها عند الشخصية من حيث استثمارها في تحقيق المعرفة اياً كان نمطها بيد ان المعرفة المرتبطة بمبادئ الله تعالى تظل اشد اهمية من غيرها، كما ان ادوات الحس تظل متفاوتة في عملية استثمارها، أي ان حاسة الذوق مثلاً تتفاوت مع حاسة البصر او السمع في توظيفها لتلقي مبادئ الله تعالى بصفة ان حاسة التذوق ننتفع بها في طعامنا وشرابنا مثلاً، بينما ننتفع بسمعنا وبصرنا في معرفة وظيفتنا العبادية التي خلقنا من اجل ممارستها... وهذا يعني ان الانتخاب في الادعية لهذه الحاسة دون سواها له دلالته المهمة بلا شك من هنا نتقدم الى الدعاء الذي نحدثك عنه لنبين الاهمية التي ينطوي عليها من حيث التوسل بالله تعالى بان يجعل الصحة وكذلك النور في سمعنا وابصارنا. واذا تبين لنا بان سمعنا وابصارنا قد استما باهمية خاصة بالنسبة الى تلقي المعرفة لمبادئ الله تعالى كما سنوضح ذلك لاحقاً ان انشاء الله تعالى، فان الطرف الاخر من الموضوع وهو التوسل بالله تعالى بان يجعل او بان يحقق لنا امليين او حاجتين هما الصحة والنور في البصر والسمع، دون غيرهما من الحاجات تتطلب بدورها كشفاً للاسرار التي تكمن وراء ذلك... فمثلاً ان قارئ الدعاء يستطيع بان يعرف بسهولة اهمية الصحة بالنسبة الى جميع الجوارح الحواس ولكنه قد يلفت نظره موضوع الحاجة الاخرى وهي النور حيث يمكنه بان يتساءل عن المقصود بكلمة النور حيث انه اذا انتقل ذهنه الى البصر وعلاقته بالنور حينئذ قد يربط مثلاً بين النور بصفته رمزاً للرؤية مقابل العمى والعياذ بالله تعالى مثلاً ولكنه قد يتوقف بالنسبة الى علاقة ذلك بسم الانسان مثلاً، أي علاقة سمة النور بحاسة السمع... من هنا، فان قارئ الدعاء بجد نفسه بحاجة الى القاء الاضاءة على هذا الجانب... اذن لنبدأ بهذه المهمة فنقول: لا نحتاج الى تأمل كبير حتى ندرك سريعاً بالنسبة الى السؤال الاول وهو انتخاب البصر والسمع دون غيرهما في تلقي المعرفة بان هاتين الحاستين هما: الاداتان الاشد اهمية وفاعلية في عملية التلقي للمعرفة بنحو عام، ليستوي في ذلك ان تكون المعرفة ذات طابع دنيوي فوائده الدنيوية لا يمكن لاحد ان يجهل اهميته وفاعليته حيث ان ابسط الظواهر من السلوك يتطلب الاعتماد على الرؤية وكذلك بالنسبة الى السمع وهذا الموضوعان هما لا يحتاجان الى توضيح لبداهية المعرفة بذلك... ولكن الاهم هو ان نربط بين هاتين الحاستين وبين انعكاسهما على السلوك العبادي للشخصية أي انعكاسهما على وظيفتنا العبادية التي خلقنا الله تعالى من اجل ممارستها... ونحن اذ نكرر المقولة أي الوظيفة العبادية للانسان نرجو الا يمل القارئ للدعاء منها أي من تكرارها نظراً لانها الحقيقة الوحيدة المفسرة لفلسفة وجودنا على هذه الارض. المهم هو ان نربط ـ كما قلنا ـ بين اهمية هاتين الحاستين السمع والبصر من حيث انعكاسهما على سلوكنا العبادي وهو امر يفسر لنا ايضاً سبب توسلنا بالله تعالى بان يمنحنا تعالى هذين الصحة والنور، حيث ان الصحة بدورها والنور بدوره يتطلبان تفسيراً خاصاً فوضح من خلالهما صلة ذلك بالسمع والبصر وانسحابهما من ثم على سلوك الشخصية عبادياً وهذا ما نؤجل الحديث عنه الى لقاء لاحق ان شاء الله تعالى. لكن يتعين علينا قبل ان نلتقي لاحقاً ان شاء الله تعالى ان نذكر انفسنا بضرورة ان نصبح دواماً ذاكرين لله تعالى مستحضرين دلالة وجودنا في الحياة وفلسفة ذلك حتى لا نكون من الغافلين ومن ثم ضرورة ان نستثمر سمعنا وبصرنا في مواصلة سلوكنا العبادي الذي خلقنا الله تعالى من اجله، وان نتصاعد بذلك الى النحو المطلوب. ******* معنى الطلب من الله بأن ينشر علينا خزائن الرحمة - 9 2006-12-02 00:00:00 2006-12-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/376 http://arabic.irib.ir/programs/item/376 لا نزال نحدثكم عن الادعية المباركة وما تتضمنه من النكات البلاغية كالتشبيه والاستعارة ونحوهما مما يسهم بلا شك في تعميق المعنى وبلورة دلالاته ومن ذلك ما حدثناكم عنه في لقاءات سابقة بالنسبة الى احد الاذكار وهو الذكر الخاص عنه المطالعة حيث ورد على هذا النحو (اللهم اخرجني من ظلمات الوهم، واكرمني بنورالنعم، اللهم افتح علينا ابواب رحمتك وانشر علينا خزائن علومك برحمتك يا ارحم الراحمين) عدا الفقرة او الاستعارة الاخيرة وهي (وانشر علينا خزائن علومك) وهذا ما نحدثكم عنه الآن... في لقائنا السابق اوضحنا العبارة او الاستعارة المتوسلة بالله تعالى ان يفتح لنا ابواب رحمته وبينا الاسرار الكامنة وراء الاستعارة المذكورة أي (فتح ابواب الرحمة) ونعتزم الان ان نحدد الفارق بين ابواب الرحمة وخزائن العلوم ما دام الامر متصلاً بالحديث عن صلة هذا الذكر اساساً بعملية القراءة او المطالعة لنص من النصوص او لموضوع من الموضوعات ولذلك نتساءل قائلين لماذا خلع هذا الذكر طابع الابواب المفتوحة بالنسبة الى رحمة الله تعالى وخلق طابع نشر الخزائن بالنسبة الى العلوم؟... قد يستخلص احدنا بان الفارق هو ان الذكر المشار اليه التوسل بالله تعالى ان نبشر علنياً رحمته اولاً وهي عامة تشمل جميع الموارد ومنها خزائن العلوم فيكون الدعاء المذكور قد توسل اولاً بالله تعالى بما هو عام ثم بما هو خاص أي توسل بالرحمة اولاً ثم بما هو احد مصاديقها ونعني به خزائن علومه تعالى ... وهذا الاستخلاص له وجاهته ومنطقه.. ولكن بما ان الدعاء ذكر قضية خزائن العلوم مفتوحة على ابواب الرحمة، فان الموضوع حينئذ سيكون له دلالة اخرى وهذا ما نستهدف الاشارة اليه الآن.... من الواضح انه لا تضاد بين ان نطلب من الله تعالى ان يشملنا برحمته في كل شيء ثم نطلب كذلك بان يتفضل علينا برحمة خاصة هي ان ينشر علينا خزائن علومه... والان مع معرفتنا بهذه النكتة نتجه الى طرح سؤال اخر، وهو ما نستهدفه من النكتة الكامنة وراء الاستعارة المتوسلة بالله تعالى بان ينشر علينا خزائن علومه أي لماذا خلع الدعاء طابع الخزائن على العلوم بينما خلع طابع الابواب على الرحمة وقد اجبناكم ـ في لقائنا السابق ـ على السؤال المذكور بالنسبة الى ابواب الرحمة ونحدثكم الان عن خزائن العلوم فنقول: بما ان الرحمة هي عامة حينئذ فان الابواب هي العبارة المناسبة لسعة رحمته كما لو فتح لنا باب الرزق او الصحة او الامن ... ومنها الباب الخاص بالحصول على المعرفة والعلوم والان بعد ان فتح باب الرحمة ومنها باب المعرفة عندئذ نتجه الى توسل اخر هو سعة المعرفة ايضاً أي بما ان رحمته تتسم بالسعة ولذلك توسل الدعاء بان ينشر علينا الله تعالى خزائن علومه والسؤال الجديد هو لماذا استخدم الدعاء استعارة الخزائن بالنسبة الى العلوم ولم يستخدم عبارة الابواب المفتوحة. الاجابة تتضح تماماً اذا اخذنا بنظر الاعتبار ان للعلم او المعرفة ضروباً متنوعة من جانب وانها ليست بمتاحة لكل واحد من جانب اخر حيث ان المواهب او الامكانات العلمية متفاوتة لدى الاشخاص تبعاً لدرجة ذكائهم بصفة ان الذكاء قد يتحدد غالياً في نسبته المتوسطة وقد يتجاوز المنحني المتوسط لدى البعض من الاشخاص الموهوبية هذا من جانب ومن الجانب الاخر قد يتاح لشخص من المعرفة ما هو بحدود وقد يوفق الى معرفة غير محدودة نسبياً او سعة لشخص اخر ولذلك فان الدعاء المذكور يتوسل بالله تعالى ان ينشر علينا خزائن علومه أي ليس المعرفة المحدودة يضرب من المعرفة بل الاكثر بالاضافة الى ان الخزائن بطبيعتها غير متاحة لاي شخص من هنا نتبين النكتة الكامنة وراء الاستعارة المتوسلة بالله تعالى بان ينشر علينا اولاً خزائن المعرفة أي يجعلها متاحة ثم بان يجعلها متنوعة وليس مقتصرة على معرفة واحدة. اذن: اتضح لنا جانباً من الاستعارة المتقدمة من حيث نكاتها بيد ان الاهم من ذلك هو ان نستثمر هذه المعرفة دواماً أي عندما تتوفر على القراءة او المطالعة لموضوع ما فان المفروض ان نستثمر هذه الخزائن التي نشرها الله تعالى علينا فنعمل بها من جانب ونرشد بها الاخرين من جانب وهذا ما يتطلب توفيقاً من الله تعالى وتصميماً منا على ممارسة وظيفتنا المذكورة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* تأثير الدعاء في تنوير معارف المؤمن وتقوية قدرته على التلقي - 8 2006-12-02 00:00:00 2006-12-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/375 http://arabic.irib.ir/programs/item/375 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من اساليب التعبير البلاغي، وبخاصة بلاغة الصور كالاستعارة وكالتشبيه وسواهما.. ومن ذلك: ما حدثناكم عنه في لقاء سابق بالنسبة الى احد الاذكار الخاصة بالتعامل مع النصوص، أي مطالعتها وما تتطلبه المطالعة او القراءة، من فهم واستيعاب لها، حيث وردت التوصية بقراءة الذكر الاتي قبل ممارستنا للقراءة وهو (اللهم اخرجني من ظلمات الوهم، واكرمني بنور الفهم وافتح علينا ابواب رحمتك، وانشر علينا خزائن علومك، برحمتك يا ارحم الراحمين...) هذا الذكر، سبق ان حدثناكم عن قسمته الاولى وهو (اللهم اخرجني من ظلمات الوهم، واكرمني بنور الفهم) حيث اوضحنا المقصود في حينه من عبارة "الوهم" وعبارة "الفهم"؟ ولكننا لم نحدثكم عن الاستعارتين اللتين تتصلان بالطاعات وبالنور حيث لاحظنا ان الذكر يخلع على "الوهم" سمة "الظلمات" ويخلع على "الفهم" سمة "النور" فماذا نستخلص منها؟ ... هذا ما نتحدث عنه الآن... بالنسبة الى النور والظلمات لعلك تتذكر اننا طالما اوضحنا رمزيهما، بحسب دورهما في القرآن الكريم وفي النصوص الواردة عن المعصومين عليهم السلام بصفة انهما يرمزان او يرشحان بجملة دلالات قابلة للتأويل مثل: الايمان، الطاعة، الخير... بالنسبة الى رمز النور ومثل الكفر المعصية الشر... الخ. بالنسبة الى رمز الظلمات... وما يعنينا الان هو ان كلها من الطاعات ومن النور قد استخدما استعارتين وليس رمزين وهذا يعني انهما يختصان بموضوع "الوهم" و"الفهم" وليس بنحو مطلق ... والسؤال هو ما دمنا نقرأ الدعاء المذكور او الذكر المتقدم فماذا يمكننا ان نستخلص منهما؟ بالنسبة الى "الوهم" فقد لاحظنا ان هذا الذكر يتوسل بالله تعالى بان يخرجنا عن مطالعتنا او قراءتنا لموضوع من الموضوعات من ظلمات "الوهم" ... ولذلك فان السؤال هو: لماذا انتخب الدعاء استعارة "الظلمات" الى "الوهم" دون غيرها من الاستعارات؟ لا نتأمل قليلاً حتى ندرك سريعاً بان "الوهم" هو ضد الحقيقة او ضد الادراك السليم لحقائق الاشياء، فالادراك السليم للشيء اذا لم يتحقق: فهذا يعني اننا لا نتلمس طريقاً الى الحقيقة ونكون بذلك قد سلكنا دروباً مظلمة لا نستطيع من خلالها ان نعثر على ما يقضي بنا الى نهاية او ما نطمح اليه من الوصول الى هدفنا... وفعلاً لو طبقنا هذه الاستعارة على ما نطالعه من الموضوعات التي لا ندرك فلسفتها اما لغموض عباراتها او لعمق دلالاتها، او لاستبطانها غير ما هو ظاهر، الخ... حينئذ يكون مثلنا مثل من يخبط في الظلمات حيث لا يقدر على استخلاص المعنى او العظمة من الموضوع الذي يطالعه بل من الممكن ان يستخلص دلالات وهمية لا علاقة بها بالموضوع وهذا يجسد خسارة كبيرة دون ادنى شك.... وعلى الضد مما لاحظناه من التوسل بالله تعالى بان يخرجنا من ظلمات "الوهم" نجد ان التوسل به تعالى بان يكرمنا بنور الفهم، يظل هو هدفنا الذي نتطلع اليه من وراء قراءتنا للموضوعات ... لذلك فان الدعاء المذكور توسل بالله تعالى بان يكرمنا بنور الفهم... وهنا نتساءل ايضاً: لماذا استخدم الدعاء استعارة "النور" دون سواها بالنسبة الى الفهم؟ ..هنا لا نعتقد اننا بحاجة الى توضيح ذلك حيث ندرك سريعاً بان "النور" هو الاداة الوحيدة لمن يواجه ظلاماً في طريقه، فبواسطة "النور" يقدر على تلمس الطريق والوصول الى هدفه... من هنا ايضاً استخدم الدعاء عبارة "اكرمنا" بنور الفهم أي: جعل فهمنا للموضوع هو "تكريم" من الله تعالى لقارئ الدعاء مما يفصح عن عظمة عطاء الله تعالى. اذن: أي الختام امكننا ان نتبين جملة من النكات الكامنة وراء الاستعارتين اللتين ذكرهما الدعاء بالنسبة الى توسلنا بالله تعالى بان يخرجنا من ظلمات الوهم ويكرمنا بنور الفهم، بالنسبة الى فرص مطالعتنا للنصوص وللموضوعات التي نستهدف من مطالعتنا اياها ان نفيد منها في تعديل سلوكنا العبادي والتصاعد به الى النحو المطلوب. ******* الدعاء والمعرفة الالهية الخاصة - 7 2006-12-02 00:00:00 2006-12-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/374 http://arabic.irib.ir/programs/item/374 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة وما تتضمنه من نكات ودقائق العبارة مما يتعين على قارئ الدعاء ان يلمَّ بها حتى يفقه خطابه الذي يتجه به الى الله تعالى ويتطلع الى اجابة دعائه.. ومن ذلك ما نلاحظه من التوصية الاتية المرتبطة بالقراءة او المطالعة للنص، حيث ورد هذا الذكر: (اللهم اخرجني من ظلمات الوهم، واكرمني بنور الفهم، اللهم افتح علينا ابواب رحمتك، وانشر علينا خزائن علومك برحمتك يا ارحم الراحمين...) ومن الواضح ان قراءة النص بخاصة اذا كان متسماً بما هو دقيق من التعبير او بما هو راسخ بتعدد الدلالة او ربما هو مضبب احياناً.. الخ.. ان امثلة هذه النصوص تتطلب حدة في الذكاء ويقظة في التلقي وسعة في ادوات المعرفة بنحو عام... لذلك، فان التعامل مع امثلة ذلك يحتاج الى توفيق من الله تعالى في تحقيق المعرفة... من هنا يجيء الذكر المتقدم واحداً من المعطيات المتنوعة التي ينطوي الدعاء عليها، حيث اتضح لنا في لقاءات متنوعة كيف ان الادعية لها معطياتها المتنوعة التي لا تقف عند حد خاص، بل تتناول قضايا الحياة جميعاً، سواءاً كان ذلك متصلاً بحاجات الانسان مادياً او حاجاته معرفياً وروحياً... المهم: نحن الان امام احد الاذكار القصيرة حيث وردت التوصية بقراءته في حالة قراءتنا لنص... اذن: لنتجه الى قراءته وفهمه... يقول الذكر والدعاء (اللهم اخرجني من ظلمات الوهم، واكرمني بنور الفهم...) في هذا الذكر نلاحظ موضوعية متضادين، واستعارتين متضادتين... فالموضوعان هما: الوهم والفهم... والاستعارتان هما: الظلمات والنور.... فبالنسبة الى الموضوعين وهما: "الوهم والفهم"، فان المقصود منهما من الوضوح بمكان ولكن مع ذلك من الممكن ان يثار السؤال حيالهما على النحو الآتي: ان "الفهم" لدلالة النص المقروء هو الموضوع الواضح او المطلوب تحققه أي: عندما نقرأ حديثاً عن المعصوم(ع) او حتى حينما نقرأ نصاً علمانياً ونستهدف من قراءته ان نرد على المنحرفين باطلهم، حينئذ فان الادراك لدلالة النص هو المطلوب في الحالتين أي: معرفة ما فيه من معنى او دقة او نكتة او طرافة او رمز الخ... ولكن الشطر الاخر المضاد للفهم هو المطلوب من قارئ الدعاء بان يتبينه وهو ما عبر الذكر المتقدم عنه بكلمة "الوهم" حيث التوسل بالله تعالى ان يخرجنا من ظلمات "الوهم" عند قراءتنا لنص من النصوص ... ترى ... ما هو المقصود من عبارة "الوهم"؟... لا نتأمل طويلاً حتى ندرك بان كلمة "الوهم" هي من العبارات الاكثر لصوقاً بدلالة "عدم المعرفة" فعدم المعرفة مثلاً ينسحب على "الخطأ" و"الظن" و"الشك" و"الوهم" والاحتمال او عدم ادراكنا اساساً لمعنى النص... ولكن الدعاء او الذكر الذي نتحدث عنه: استخدم عبارة "الوهم" للتعبير عن الحالات المذكورة "أي عدم الفهم" والخطأ او الشك ... لذلك نتساءل ماذا يمكن لقارئ الدعاء ان يستخلصه من عبارة "الوهم" حيث توسل الدعاء بالله تعالى بان يخرجنا من ظلمات الوهم؟... في تصورنا ان كلمة "الوهم" تعني ما يقابل الادراك او الفهم فالوهم هو: ان نتخيل، ما لا حقيقة له، أي ان نتصور مفهوماً او شيئاً بخلاف ما هو عليه في واقعه، او نفهمه اساساً، وحينئذ نتوسل بالله تعالى ان يخرجنا من الوهم المذكور، أي عدم الفهم الى الضد من ذلك.. غير ان ما نعتزم توضيحه في هذا الشأن هو: التعبير الاستعاري الذي لجأ اليه الذكر او الدعاء ونعني به عبارة "الظلمات" بالنسبة الى "الوهم" وعبارة "النور" بالنسبة الى الفهم. حيث ان احدنا من الممكن ان يتساءل قائلاً الا كان ممكناً مثلاً ان يقول الذكر اللهم اجعلنا نفهم ما يتضمنه النص من المعنى وابعدنا عن الوهم... فهنا قد تعبر الكلمات المذكورة عن مضمون الدعاء او الذكر ولكن ثمة نكتة او جملة نكات وراء الاستعارة القائلة "اللهم اخرجني من ظلمات الوهم" والاستعارة القائلة "واكرمني بنور الفهم" حيث سنرى كيف ان عبارتي "الظلمات" و"النور" تنطويان على دقائق العملية المواكبة للقراءة اومطالعة النص وهذا ما نحدثك عنه في لقاء لاحق ان شاء الله تعالى. اخيراً: يتعين علينا لكي نمتلك معرفة ما اراده الله تعالى لعباده ان نتوسل به تعالى بالدعاء المذكور ومن ثم ان نمارس تطبيقاً لما هو مطلوب منا وان ندرب ذواتنا عليه، ونتصاعد بوظيفتنا العبادية الى النحو المطلوب.******* الدعاء وتربية المؤمن على التوازن السلوكي - 6 2006-02-12 00:00:00 2006-02-12 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/373 http://arabic.irib.ir/programs/item/373 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من النكات ودقائق المعنى، واساليب الخطاب ونحو ذلك ومن النماذج التي نعرض لها: ما ورد عن الامام الصادق(ع)، حيث اتجه الى الله تعالى بالتوسل الآتي: (أسألك السعة في الرزق، والزهد في الكفاف، والمخرج بالبيان من كل شبهة...) هذا المقطع من الدعاء وما يتقدمه ويتعقبه من التوسل ينطوي على جملة نكات نستهدف لفت نظرك اليها، حيث انها تتصل بمختلف انماط سلوكنا مع الذات ومع الاخر، ومع الطبيعة او البيئة التي نحياها، وقبل ذلك، مع الله تعالى بطبيعة الحال حيث ان العلاقة اساساً ينبغي ان تقوم مع الله تعالى بصفة ان الله تعالى خلق الجن والانس ليعبدوه، وبعد ذلك تقوم العلاقة بنحو ثانوي مع انفسنا، والاخر، والوجود وظواهره. المهم الآن: نبدأ فنحدثك عن الدعاء المذكور، ونقف عند مقطعه القائل "أسألك السعة في الرزق والزهد في الكفاف"... طبيعياً حدثناك في لقاءات سابقة عن الرزق وعن الكفاف فيما لا حاجة الى الكلام عنهما، الا ان الجديد هنا هو ورود المتوسلين المذكورين في آن واحد أي السعة في الرزق والزهد في الكفاف حيث ان قارئ الدعاء قد يتساءل: اليس السعة في الزرق تعني: الرفاهية في الاستهلاك؟ وبكلمة اكثر وضوحاً: ان الشخصية الاسلامية اما ان تطلب رزقاً واسعاً او تقتنع بالكفاف أي الزهد، لذلك كيف يمكن ان بجمع بينهما؟ هذا ما ينطوي على نكتة دلالية، يحسن بنا ان نحدثك عنها... اذن: لنتحدث: نتساءل من جديد: هل يحسن بقارئ الدعاء ان يطلب من الله تعالى سعة الرزق وان يطلب الزهد او الكفاف؟ حيث ان السعة تعني الاشباع الكثير بينما الكفاف يعني الاشباع بقدر الحاجة ترى كيف نفسر ذلك؟ يمكننا ان نفسر ذلك بجملة امور، منها ان السعة في الرزق من الممكن ان تتناغم او تتلاءم مع الزهد، وذلك اذا اخذنا بنظر الاعتبار ان المعيار في التعامل هو: ان نستخدم الحاجة الاستهلاكية بقدر ما يتطلبه الموقف... فمثلاً: من الممكن ان يكون دخلنا الفردي من الكثرة بمكان وهو السعة في الرزق بحيث يكفينا الجزء القليل منه والباقي زائد عن الحاجة الفردية اوالعائلية... ولكن بمقدورنا ان ننفق الباقي منه في مساعدة الاخرين... وفي مثل هذه الحالة، نكون قد استهلكنا بقدر الكفاف وانفقنا في سبيل الله تعالى ما هو الزائد عن الحاجة... وثمة تفسير آخر ... يمكننا ان نزهد بالمال مع كثرته بحيث لا نجعله "يستخدمنا" بل نستخدمه نحن، فيكون الاستهلاك حتى مع كثرته غير حاجز من تعاملنا مع المال، من خلال الشكر على نعم الله تعالى وقد ورد الحديث عن المعصومين عليهما السلام ان جزاء النعمة من الله تعالى هو الشكر. وثم تفسير غير ما تقدم وهو ان التوسل المذكور يعني احد خيارين اولهما: السعة في الرزق والا اذا قتر الله تعالى علينا الرزق فليجعلنا زاهدين وهو ان نقنع بالكفاف أي بقدر سد الحاجة وبتعبير اكثر وضوحاً ان قارئ الدعاء اما ان يطلب من الله تعالى ان يوسع عليه رزقه حتى لا تلتاث عليه العيشة بصفة ان عدم السعة م الممكن ان تجعل الشخصية متوترة قلقة غير قادرة على ممارسة وظيفتها العبادية بالنحو المطلوب. واذا كان لا مناص من عدم السعة في الرزق فالقناعة او الزهد مع الحاجات بقدر الكفاف أي: بقدر ما يسد الحاجة دون التطلع الى الرفاهية... اذن: امكننا ان نتبين جانباً من النكات التي استخلصناها من مقطع الدعاء المذكور، أي المقطع المتوسل بالله تعالى بان يوسع في ارزاقنا، ويجعلنا زاهدين في الكفاف، والاهم عن ذلك هو: أن اقارئ الدعاء يتعين عليه في حالة سعة الرزق ان يشكر الله تعالى وينفق الزائد في مساعدة الآخرين... وفي حالة عدم ذلك: ان يزهد بما لديه ويقنع بالكفاف... وهو امر يقتادنا الى ان ندرب ذواتينا على ذلك وان نمارس وظيفتنا العبادية، ونتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* معنى طلب فتح ابواب الرحمة / شرح دعاء (اللهم افتح علينا ابواب رحمتك وانشر علينا خزائن علومك) - 5 2006-12-02 00:00:00 2006-12-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/372 http://arabic.irib.ir/programs/item/372 لا نزال نحدثكم عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة التعبير بخاصة التعبير بالصور كالتشبيه والاستعارة والرمز ونحوها، حيث تسهم هذه الاساليب في تعميق المعنى وتوضيح دلالاته ومن ذلك ما سبق ان حدثناكم عنه في لقاءات سابقة، وهو الدعاء او الذكر الوارد بالنسبة الى من يتجه الى المطالعة او قراءة النصوص من اجل فهمها والعمل بها، حيث جاءت التوصية بهذا النحو (اللهم اخرجني من ظلمات الوهم، واكرمني بنور الفهم) وهذا هو القسم الاول من الدعاء، وقد حدثناكم عنه سابقاً ... اما الان نحدثكم عن القسم الاخر وهو قوله(ع) : (اللهم افتح علينا ابواب رحمتك وانشر علينا خزائن علومك برحمتك يا ارحم الراحمين)... وهذا القسم من الذكر يحتاج الى توضيح مفصل بالنسبة الى ما ورد فيه من التوسل ... اذن: فلنتجه الى تحليله ان اول ما يلفت نظرنا في هذا الذكر هو توسله بالله تعالى بان يفتح علينا رحمته... وبما ان هذا الدعاء ورد بشأن المطالعة او القراءة فان قارئ الدعاء قد يتساءل قائلاً: ما هي العلاقة المرصودة في هذا القسم من الدعاء بين فهمنا لقراءة النص وبين التوسل بالله تعالى يفتح لنا ابواب رحمته؟.. ان امثلة هذا التساؤل تفرض على قارئ الدعاء ان يستكشف السر الكامن وراء اتوسل المذكور .... انه يعرف مثلاً ان الفقرة الاخيرة من الدعاء وهي قوله(ع) (وانشر علينا خزائن علومك) مرتبطة تماماً بموضوع الدعاء الخاص بمعرفة ما نطالعه من النصوص والموضوعات ... ولكنه يتساءل عن النكتة الكامنة وراء العبارة الاولى من الدعاء وهي: التوسل بالله تعالى بان يفتح لنا ابواب رحمته ... اذن: ما هي الاجابة عن التساؤل المذكور؟ من البين ان عملية المطالعة او القراءة ليست عملية عادية بقدر ما هي الوسيلة الى المعرفة ... ولذلك جاءت النصوص القرآنية والحديثية بطلب القراءة، ولكن النكتة المهمة هي ليست القراءة المطلقة هي المطلوبة بل القراءة "الهادفة" أي القراءة التي امرنا الله تعالى بها متمثلة في مطالعتنا للمبادئ التي رسمها الله تعالى أي معرفة المبادئ او الوظيفة العبادية التي خلق الله البشر من اجل ممارستها .. من هنا فان التوسل بالله تعالى جاء مقرناً بالعبارة الاستعارية القائلة (افتح علينا ابواب رحمتك)، فالرحمة هنا تعني عطاء الله تعالى وهو عطاء يستطيع قارئ الدعاء ان يظفر به في حالة ما اذا كانت مطالعته تقترن كما ذكر الدعاء سابقاً بالفهم بمبادئ الله تعالى وبالابتعاد عن الوهم أي خطأ القراءة او عدم فهم المطلوب منها. يبقى ان نتساءل عن النكتة البلاغية التي تضمنتها هذه الفقرة او الاستعارة القائلة او المتوسلة بان يفتح الله تعالى الابواب ... ابواب الرحمة، ونعتقد ان هذه الاستعارة تتناسب تماماً وحجج الرحمة او العطاء والذي يغدقه تعالى على قارئ الدعاء ... كيف ذلك؟ بين ان "الابواب" هي الوسائل او الاجهزة التي يستطيع الانسان ان يدخل من خلالها الى الساحة المفتوحة له ... وقد جاءت العبارة بصيغة "الجمع" أي الابواب وليس الباب كي نستكشف بوضوح كيف ان الله تعالى يسكب رحمته او يفتحها لمن يتعامل معه تعالى بصدق ... وهنا تجيء الشخصية الاسلامية الملتزمة الواعية لتجسد تماماً معنى الاستعارة المذكورة أي تتوفر على قراءة ومطالعة ما هو مطلوب منها عبادياً بحيث تستوعب وتتشرب وتهضم وتفهم تماماً ما هو المستهدف من المعرفة الشرعية بصفته ان فتح الابواب تسمح لقارئ الدعاء وبان يدخل الى ميدان المعرفة الشرعية باوسع مجالاتها... اذن: امكننا ان نتبين جانباً من النكات المتصلة بالاستعارة المتوسلة بالله تعالى بان يفتح لنا ابواب رحمته في فهمنا وادراكنا لما هو مطلوب منا من حيث ممارساتنا لوظيفتنا العبادية والتصاعدية الى النحو المطلوب. ******* ترسيخ أدعية أهل البيت (عليهم السلام) لحالة الأنس بالله تعالى في روح المؤمن - 4 2006-02-12 00:00:00 2006-02-12 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/371 http://arabic.irib.ir/programs/item/371 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تنطوي عليه من النكات البلاغية المتنوعة، حيث تسهم البلاغة في تعميق المعاني وطرافتها، ... ومن هذه النماذج يمكنك ملاحظة هذا الدعاء القصير: "يا مؤنس المستوحشين، ويا انيس المنفردين، ويا اظهر المنقطعين، ويا قوة المستضعفين، ويا كنز الفقراء، ويا موضع شكوى الغرباء ...". هذه الفقرات من الدعاء تنتسب الى احدى الصور البلاغية وهي الاستعارة ... واهميتها تتمثل في كونها تتناول الحاجات المتنوعة لقارئ الدعاء: كالمستوحش، والمنفرد، والمنقطع، والفقير... الخ... حيث يحتاج كل واحد من الانماط المذكورة الى اشباع خاص يتناسب مع الحاجة ... وبما ان هذه الحاجات متنوعة، عندئذ فان اللجوء الى اللغة الاستعارية يتكفل بتعميق دلالتها، وهذا ما نعتزم توضيحه بطيعة الحال... اذن: لنتجه الى تحليل العبارات المتقدمة... ان اول ما يواجهنا من الدعاء المذكور هو: هذان النمطان من الاشخاص، وهما المستوحش والمنفرد، حيث اتجه الدعاء الى الله تعالى، قائلاً (يا مؤنس المستوحشين، ويا أنيس المنفردين)... ومن الطبيعي، ان قارئ الدعاء سوف يلفت نظره هذان النمطان اللذان يبدوان وكأنهما يشتركان في صفة واحدة هي عدم وجود الأليف او الصاحب او الصديق او أي كانت آدمي يأنس به قارئ الدعاء، حيث أن المستوحش هو من لا يجد اليفاً، والمنفرد هو من لا يجد مشاركاً له في وحدته... ثم وهذا هو الاهم والمنطوي على نكات مهمة، ان الاول منهما "أي المستوحش" قد اتجه الى الله تعالى، ليصبح له "مؤنساً"، بينما الاخر وهو المنفرد قد اتجه الى الله تعالى ليصبح له "أنيساً".... ولعل قارئ الدعاء سيقف حائراً بين عبارتين ذا استعارتين يحسبهما بمعنى واحد وهو "المؤسن" و"الأنيس" .... ومن حقه ان يتساءل ويتحرى السر الكامن وراء هاتين السمتين "الانيس والمؤنس" حيث يراهما بمعنى واحد... ثم يتساءل ايضاً عن علاقة كل منهما بالمستوحش والمنفرد.... هذه الاسئلة تفرض اهميتها على قارئ الدعاء.. وعلينا ان نصطلح بتبيين الاسرار وراء ذلك، حتى يتاح لقارئ الدعاء ان يفهم ويتذوق ما يقرأ من العبارات... بالنسبة الى الفارق بين المستوحش وبين المنفرد، يمكننا الذهاب الى ان "المستوحش" هو من تلفُّهُ الوحشة، مقابل "الألفة"، ... بمعنى ان الوحشة هي احساس بعدم الالفة مع الشيء... وعدم الالفة تنشأ اما من عدم وجود احد من الناس مثلاً كمن يواجه الظلام او الصحراء او المتاهة بنحو عالم، حيث لا وجود للبشر وسواه.. او ينشأ الاستيعاش من البشر نفسه في حالة ما اذا كانت شخصية قارئ الدعاء لا تجد من تألفه من البشر من حيث الموافقة لها في الافكار والعادات والتقاليد والاعراف.... فتستوحش من الناس حينئذ.. اذن: المستوحش هو: اما ان لا يجد بشراً البتة مثلاً او لا يجد من يتكيف واياه... ولكن ما هو الفارق بينه وبين المنفرد؟ يتميز المنفرد عن المستوحش باكثر من سمة فمع انهما يشتركان في عدم حصولهما على من يأنسان به الا ان الفارق هو: ان المنفرد من الممكن الا يتحسس الوحشة بنفس الحجم الذي يتحسسه المستوحش، ولكنه يتجه الى العزلة، اما طواعية واما كرهاً... وفي الحالتين يحس بالحاجة الى الاخر، أي هو بنحو عام يمتلك قابلية على الألفة مع الاخر بعكس المستوحش ولكنه اما ان يجد بان العزلة هي الافضل له او يضطر الى ذلك،... وحينئذ يحس بالحاجز وهو منعزل منفرد عن الاخرين الى من يأنس به ايضاً... اذن: المستوحش والمنفرد يحتاج كلاهما الى من يأنس به ولذلك فان الدعاء: اتجه الى الله تعالى ليكون لكل منهما مؤنساً وأنيساً... ولكن السؤال هو: لماذا استخدم الدعاء عبارة "المؤنس" للمستوحشين، وانتخب عبارة "الأنيس" للمنفرد؟ هذا ما يحتاج الى توضيح، وهو ما نحدثك عنه في لقاء لاحق انشاء الله. ختاماً: يجدر بنا جميعاً ان نستثمر قراءنا لهذا الدعاء وذلك بان نتجه الى الله تعالى وليس الى البشر في التواصل، واشباع الحاجات اخروياً دونيوياً، وهو ما يتطلب مزيداً من الطاعة والتصاعد بها الى النمو المطلوب. ******* دلالات والفرق بين الكلمات الغير منسجمة - 3 2006-02-12 00:00:00 2006-02-12 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/362 http://arabic.irib.ir/programs/item/362 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من دقائق التعبير البلاغي ونكاته المتنوعة... ومن ذلك ما حدثناك عنه في لقاءات سابقة ونعني به احد ادعية النبي(ص) حيث قال (يا مؤنس المستوحشين ويا أنيس المنفردين، ويا ظهر المنقطعين ويا قوة المستضعفين، ويا كنز الفقراء، ويا موضع شكوى الغرباء...). هذه الفقرات من الدعاء حدثناك عنها في لقاءات سابقة عداً الفقرة الاخيرة وهي "يا موضع شكوى الغرباء".. وفي حينه اوضحنا لك النكات الكامنة وراء العبارات المذكورة او وراء الاستعارات المتقدمة، حيث تتضمن جملة نكات وفي مقدمتها ان الدعاء قد استعار لكل صنف من الناس ما يتناسب وحاجاتهم فالمستوحش يحتاج الى المؤنس، والمنفرد الى الأنيس والضعيف الى القوي، والفقير الى الكنز، وهكذا... اما بالنسبة الى "الغريب" وهذا ما نعتزم ان نحدثك عنه فيحتاج الى من يستمع الى شكواه... والسؤال الان هو: لماذا جعل الدعاء الغريب مقترناً بمن يستمع الى شكواه ولم يجعله بحاجة الى الكنز او المؤنس او الأنيس... الخ؟... هذا ما نحاول الاجابة عنه الآن.. من الواضح ونعتذر لتكرار ما سبق ان الكنز يتناسب مع حاجة الفقير مثلاً ولكنه لا يتناسب مع حاجة الفقير مثلاً، ولكنه لا يتناسب مع حاجة الغريب وهنا قد نتساءل فنقول: المستوحش والمنفرد يحتاجان الى المؤنس والأنيس، لكنهما يتحدان ويشتركان مع الغريب، فلماذا جعل الدعاء الغريب بحاجة الى من يشكو حاله اليه؟ ... انه سؤال في غاية الاهمية؟ وذلك لان "الغريب" فعلاً لا يفترق عن المستوحش والمنفرد في كونهم جميعاً لا جهة لهم يركنون اليها لطرد الوحشة والانفراد والغربة... واذن: ما هي النكتة الكامنة وراء الغريب. من حيث حاجته الى من يشكو اليه دون رفيقيه اللذين لا يشاركانه في الحاجة الى الشكوى؟... هذا ما سنوضحه الآن... الغريب يجسد نمطاً من الشخصيات التي تجد ذاتها غير منسجمة مع قومها او وطنها من حيث الانتماء العقائدي او العادات والتقاليد والاعراف السائدة لدى هذا الوطن او اولئك القوم... الخ. طبيعياً المنفرد والمستوحش هما كذلك من حيث عدم تكيفهم البيئي، الا ان الفارق هو ان الغريب حتى لو وجد من يتعاطف مع حالته الانفرادية فيصبح اليفاً او يطرد عنه وحشته فيصبح مؤنساً، فانه يبقى متمسساً الغربة لماذا؟... لان مشكلته ليست عدم وجود الشخص بل عدم وجود من يشاركه في افكاره وعواطفه و.... الخ... من هنا فان الغريب يظل في الحالات جميعاً غريباً حتى في احبابه واسرته ومجتمعه وامته ...الخ.. والى مثل هذه الحالة الا تكون الشكوى هي وسيلته الوحيدة في التعبير عن ازماته؟ ان الامر لكذلك... من هنا، فان الدعاء نسج هذه الفقرة القائلة "يا موضع شكوى الغربا"، بصفة ان الله تعالى هو المصدر الوحيد الذي يعلم تماماً ما يدور في خلد الغريب وما يحتاج اليه، ومن ثم وهذا هو الاهم انه "يستمع" الى شكوى الغريب، والاستماع له فاعليته العظيمة في التفريج عن ازمة الغريب.. فاذ اضفنا الى ذلك ان الاجابة لشكواه ليست ببعيدة: عندئذ فان توتر والأنس والتمزق وسائر مخلفات الشعور بالغربة سوف يتضاءل او يزول حتما من خلال الاستماع الى شكواه والاجابة لحاجاته. اذن: امكننا ان نتبين جانباً من الاسرار الكامنة وراء عبارة الدعاء القائلة "يا موضع شكوى الغربا" والمهم بعد ذلك ان نستثمر نحن القراء للادعية هذا الجانب وسواه فنتقدم بحاجاتنا الى الله تعالى ونتوسل به على ان يوفقنا لممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* الاستقواء بالله تعالى وسبل ذلك - 2 2006-02-12 00:00:00 2006-02-12 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/361 http://arabic.irib.ir/programs/item/361 لا زلنا نحدثك عن الادعية المباركة وما تتضمنه من فنون التعبير وبلاغته، .. ومن ذلك: ما حدثناك عنه في لقاءات سابقة عن احد ادعية النبي(ص) وهو "يا مؤنس المستوحشين ويا أنيس المنفردين، ويا ظهر المنقطعين، ويا قوة المستضعفين، ويا كنز الفقراء ... الخ. هذا القطع من الدعاء حدثناك عن فقراته واستعاراته الاولى الى عبارة "يا مؤنس المستوحشين" و"يا أنيس المنفردين" و"يا ظهر المنقطعين" ... ونحدثك الان عن فقراته الاخرى ومنها قوله(ص): "ويا قوة المستضعفين ويا كنز الفقراء..." وهاذ ما نبدأ به. قبل ان نحدثك عن هذا الموضوع، نلفت نظر من جديد الى ان هذا الدعاء يتميز بكونه مجموعة عبارات اسعارية تتخلع على كل موضوع ما يناسبه من اعارة هذه الصفة او تلك.. فقد لاحظت مثلاً ان "المستوحش" خلع على من يرعاه طابع "المؤنس"، و"المنفرد" خلع على من يرعاه طابع "الأنيس"، والمنقطع خلع على من يرعاه طابع "الظهر" بصفة ان المستوحش يحتاج الى من يطرد عنه وحشة الظلام، والمنفرد يحتاج الى من يألفه والمنقطع يحتاج الى من يسنده وهو الظهر وهكذا... وبالنسبة الى المستضعف نجد ان سمة القوة هي ما يحتاج اليها ...واما الفقر فيحتاج الى سمة هي "الكنز" والنكتة هي: ان نوضح لك الان طبيعة هذه السمات، فنقول: نعتقد ان "المستضعف" لا يحتاج الحديث عنه الى مزيد من التوضيح لان المستضعف هو الشخصية الضعيفة، والضعيف يحتاج الى "القوة" ولذلك عبر الدعاء عن ذلك بقوله(ص) (ويا قوة المستضعفين)... ولكننا سنفصل الحديث عن الاستعارة الاخيرة وهي قوله(ص) : (ويا كنز الفقراء)... هنا مع ان هذه العبارة او الاستعارة واضحة بدورها ولكن مع ذلك فان النكات الكامنة وراءها تحتاج الى تحليل او توضيح آخر، وهذا ما نبدأ به الان قد يقول قائل مثلاً: ان البعض يحتاج الى "المال" وحينئذ فان صفة "المغني" مثلاً تتناسب مع حاجة الفقير الى الغنى المالك للمال فيقال مثلاً: يا مغني الفقراء ولكن الدعاء لم يستخدم هذه العبارة بل استخدم عبارة "يا كنز الفقراء"... فما هو السبب وراء ذلك؟... من الواضح ان "الكنز" يتميز بكونه مصدراً مالياً يقع في باطن الارض... ويختلف عن سائر المصادر بكونه يحمل جملة نكات منها: ان العاثر على الكنز يبتهج وباكتشافه بنحو لا يتحقق له الا يحتاج بنفس القوة بمصادر المال الاخرى: كالمساعدة مثلاً او الارث او.... الخ.. وسبب ذلك هو انه مخفي ثم يظهر... ومن الطبيعي ان الشيء اذا كان ظاهراً من اصله فان الشخصية لا تستجيب له بنفس الاستجابة الكبيرة التي تصدر غماً في حالة ظهور الشيء بعد ان كان مخفياً... بالاضافة الى ذلك ثمة نكتة اخرى هي ان الكنز لا يقرن العثور عليه بطابع "الذل" فالفقير مثلاً يتحسس "الذل" لمجرد كونه يتسلم من الاخر، او لان الشخصية التي تساعده "تمن" عليه.. او لان المال الذي يحصل عليه يقترن بالعجل او ببذل الجهد ... الخ. بينما يظل عثوره على الكنز غير مقرن لا بالذل ولا بالمنّة ولا بالتعب... الخ. يضاف الى ذلك جميعاً الى ان "الكنز" غالباً ما يتميز بكونه مصدراً مالياً كبيراً وليس عادياً ... انه يقترن بمالية ضخمة كالمسكوكات الذهبية الكثيرة مثلاً، وهذا جميعاً يفسر لنا الاسرار الكامنة وراء الاستعارة التي نسجها النبي(ص) حينما قال "يا كنز الفقراء" دون ان يستخدم سواها من الاستعارات المعبرة عن الحاجة لدى العبد، حيث ان الكنز يظل متناسباً على حجم الحاجة وحجم المصدر لها... اخيراً يجدر بنا قراءة الدعاء ان نستثمر قراءتنا لهذا المقطع من الدعاء، وذلك بان نتجه الى الله تعالى وليس الى العبد بان يفتح لنا كنز رحمته في الآخرة والدنيا، وان يوفقنا الى طاعته والتصاعد الى النحو المطلوب. ******* بيان دلالات مناداة الله عزوجل بأسم يا أنيس المستوحشين - 1 2006-02-12 00:00:00 2006-02-12 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/360 http://arabic.irib.ir/programs/item/360 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من الاسرار ودقائق التعبير مما يتحتم على قارئ الدعاء ان يقف عندها حتى يعي ما يقرأ من الكلمات التي يتجه بها الى الله تعالى: بهدف تمجيده تعالى او بهدف تحقيق آماله هو اخروياً ودنيوياً. وقد سبق ـ لقاء ماض ـ ان حدثناك عن احد ادعية النبي(ص) وما عدناك ان نتناول جوانبه البلاغية وما تنطوي عليه الجوانب المذكورة من الدلالات الملفتة للنظر، منها: استهلال الدعاء بعبارة يا مؤنس المستوحشين، ويا أنيس المنفردين، حيث تتضمن هاتان الفقرتان من الدعاء جملة نكات نحدثك عنها الان. ان اول ما يلفت نظرك هنا هو: ان المقطع المذكور من الدعاء يستخدم عبارة "يا مؤنس المستوحشين" ثم عبارة "يا أنيس المنفردين" والسؤال الذي قد ينبثق على لسانك هو: ما هو الفارق اولاً بين "المؤنس" وبين "الأنيس"، ثم ما هو الفارق ثانياً بين "المستوحشين" و"المنفردين"؟ ومع اننا اجبنا عابراً على السؤال المتقدم الا ان الاجابة تفرض علينا تفصيلاً للسؤال فنقول: اما بالنسبة الى الفارق بين المؤنس وبين الانيس فان "المؤنس" بمعنى "المبصر" مثل قوله تعالى (آنس من جانب الطور الايمن) بمعنى ابصر، كما ورد في الادعية قوله(ع) يا مؤنس المستوحشين في الظلم، بمعنى الابصار في الظلمة، حيث ان المستوحش في الظلام، يتطلع الى من ينظر اليه ليطرد عنه الوحشة واما بالنسبة الى "الأنيس" فمعناه الذي نسكن اليه ونألفه وبذلك يتضح لك الفارق بين "المؤنس" وبين "الأنيس"، حيث انك في الحالة الاولى تتحسس بان الوحشة قد تبددت لان الله تعالى هو المؤنس، وفي الحالة الثانية، تتحسس بانك لست منفرداً بل هناك من تأنس به، أي تألفه وتسكن اليه. اذن للمرة الجديدة نكرر ما سبق ان قلناه من أن المؤنس بمعنى المبصر وان الانيس بمعنى من نألفه، ومن ثم فان الفارق بين "المستوحشين" وبين "المنفرد" يبدأ فيتضح بشكل اكثر جلاءاً. حيث قلنا سابقاً بان المستوحش هو الذي يغلفه الخوف من المكان الذي يحيا فيه، بينما المنفرد هو الذي يحيا منفرداً لا أليف له واذا اتضح هذا نتقدم الى فقرة جديدة من دعاء النبي(ص) المذكور وهي فقرة "ويا ظهر المنقطعين". ماذا نستخلص منها؟ لو دققنا النظر في العبارة المذكورة لامكننا ان ندرك دلالتها بوضوح عندما نأخذ بنظر الاعتبار اننا حيال استعارة طريفة وعميقة هي ان النبي(ص) خلع سمة "الظهر" على من نتجه اليه بالدعاء وجعل ذلك بالنسبة الى المنقطع. والسؤال اولاً، من هو "المنقطع"، المنقطع هو الذي ذهب منه ما يستند اليه من القوى، ومنه المنقطع في السفر مثلاً وهو من ذهب ماله فانقطع من المادة التي يستمد منها قوته في استمرارية المسير ومما لاشك فيه، ان الظهر هو: القوة التي يستطيع الشخص بواسطتها ان يحمل ما ثقل من المادة بواسطتها... فاذا نقلنا هذه الدلالة، التي تتصل بالتجربة البشرية الى اله تعالى او جعلناها تعبيراً مجازياً هو الاستعارة أي اعرنا ما هو مادي الى ما هو منزه عن التجسم وهو الله تعالى يكون المعنى حينئذ ان الله تعالى هو "القوة" التي يستند اليها كل من انقطع به الطريق أي كل من لا قوة له البتة الا بالله العلي العظيم، تبعاً لمقولة "لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم". اذن اتضح تماماً معنى قوله(ص) "يا ظهر المنقطعين"، والمهم بعد ذلك هو ان نستثمر هذه العبارة وننطق بها بصدق، ومن ثم لابد لنا ان نتصاعد بدرجة سلوكنا العبادي والتصاعد به الى النحو المطلوب. *******