اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | شرح دعاء يستشير http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb شرح فقرة: "انت الله الذي لا اله الا انت، الخلاق المعين، او الخلاق العليم" - 54 2007-06-25 00:00:00 2007-06-25 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2979 http://arabic.irib.ir/programs/item/2979 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ "يستشير" حيث حدثناك عن مقاطع منه في لقاءات سابقة، ونحدثك الان عن مقطع جديد وهو (انت الله الذي لا اله الا انت، الخلاق المعين، او الخلاق العليم) هذا المقطع هو امتداد او لنقل ابتداء لمقاطع جديدة تتحدث عن الله تعالى عبر سلسلة من صفاته عز وجل قدرته ورحمته وما يدور في المحور المشار اليه ... ونقف عنده الان ... طبيعياً الشطر الاول من العبارة وهي (انت الله الذي لا اله الا انت) يتحدث عن التوحيد او الوحدانية وهو امر مألوف في النصوص الدعائية وغيرها غير ان الملفت للنظر هو ان الدعاء الذي نتحدث عنه يتميز بخصائص ونكات متنوعة بحيث ان النبي(ص) علم الامام علياً(ع) هذا الدعاء واوصاه بقراءته يومياً طيلة العمر مما يكشف عن الحقيقة المذكورة ولعل ما تمكن ملاحظته بالنسبة الى الوحدانية اوالتوحيد هو ظاهرة التكرار لكلمة انت في بداية العبارة ونهايتها حيث قال(ص) (انت الله الذي لا اله الا انت) ان هذا التكرار له دلالته البلاغية الكبيرة دون ادنى شك حيث تستهدف التعميق لمفهوم الوحدانية واستحضاره في ذهن قارئ الدعاء وتثبيته وهو المطلوب لكن السؤال هو ماذا بعد العبارة المذكورة ان قارئ الدعاء لابد وان يتساءل عن السر الكامن وراء التمهيد بتكرار عبارة "انت" بحيث ان ما يأتي بعدها لابد وان ينطوي على نكتة خاصة الا وهي السمة القائلة (انت الخلاق العليم) او المعين، اذن لنتحدث عن هذه السمة. الملاحظ ان نسخ الدعاء تتردد بين عبارة او سمة الخلاق المعين والخلاق العليم وفي تصورنا ان كليهما يحمل دلالته ونكاته. المهم ان كلمة الخلاق هي المستهدفة اولاً وقد صاغها الدعاء بصيغة المبالغة وهو امر يتجانس تماماً مع ما سبقها من العبارات مثل قوله(ص) (انت الله لا اله الا انت كنت اذ لم تكن سماء مبنية ولا ارض مدحية ولا شمس مضنية ولا ليل مظلم)، ان هذه الظواهر المتصلة بخلق الارض والسماء والشمس والنهار والليل والقمر والرياح والسحاب، انها جميعاً ظواهر خلقها الله تعالى ولذلك عندما جاءت عبارة الخلاق بصيغة المبالغة فانما لتتجانس مع الظواهر المتسلسلة التي عرضها الدعاء. وهذا فيما يتصل بنكتة العبارة القائلة بان الله تعالى هو الخلاق ولكن ماذا بعد العباراة المتقدمة، العبارة الجديدة او بالاحرى الصفة او السمة التي الحقها الدعاء بكلمة الخلاق هي المعين او العليم وفي نظرنا ان كليهما تتجانسان مع الموقف مع احتمالنا بان كلمة العليم هي الاكثر لصوقاً بسياق الدعاء، لماذا؟ السبب هو ان الدعاء يتحدث عن خلق الله تعالى بحيث استخدم صيغة الخلاق كما قلنا وهذه السمة تقترن كما هو واضح بظاهرة العليم أي الخلق او الابداع من حيث كونه مرتبطاً بسمة العلم بهذا او تلك الظاهرة وهذه الصياغة وردت بدورها في النص القرآني الكريم مثل قوله تعالى «وهو الخلاق العليم» مما يعزز ذهابنا الى ان عبارة الخلاق العليم هي اكثر تجانساً مع سياق الدعاء الذي يتحدث عن خلق الله تعالى للظواهر الكونية المختلفة. اذن امكننا ان نتبين ولو سريعاً جملة من النكات الكامنة وراء الفقرة المتقدمة ونعني بها (انت الله الذي لا اله الا انت الخلاق العليم) سائلين الله تعالى ان يوفقنا الى الشكر لنعمه تعالى والى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "فتباركت يا الله وتعاليت" - 53 2007-06-23 00:00:00 2007-06-23 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2978 http://arabic.irib.ir/programs/item/2978 لازلنا نحدثك عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" وهو الدعاء الذي علمه النبي(ص) الامام علياً(ع) واوصاه بقراءته يومياً طيلة العمر، وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه وانتهينا من ذلك الى مقطع ورد فيه التعقيب التي عن عظمة الله تعالى (فتباركت يا الله وتعاليت)، ان هذه العبارة الواردة في نهاية المقطع الذي يتحدث عن عظمة الله تعالى وقدرته الابداعية المطلقة وهيمنته على الوجود هذه العبارة لها دلالتها ونكاتها التي يحسن بنا ان نعرض لها الان. العبارة تقول اولاً فتباركت يا الله ثم تقول وتعاليت والسؤال هو ماذا تعني هاتان العبارتان؟ الجواب انهما تلخصان لنا عظمة الله تعالى مشفوعة بما هو خير والسؤال من جديد ما معنى عظمته مشفوعة بما هو خير طبيعياً ان قارئ الدعاء من الممكن ان يتساءل قائلاً عرفنا من عبارة تباركت معنى الخير ولكن هل نعرف بان عبارة تعاليت تعني العظمة؟ ونجيبك بكلمة نعم وهو امر يقتادنا الى القاء الانارة على هذين الموضوعين. لنتحدث اولاً عن التجربة البشرية في نطاقاتها المحدودة تدلنا على ان الشخصية الاجتماعية التي تمتلك صنع القرارات مثلاً هذه الشخصية او المؤسسة او الحكومة او الخ، من الممكن ان تمتلك القوة او السيطرة على الاخرين الا انها تفتقر الى الاخلاق الى عمل الخير الى ما هو انساني، وفي امثلة هذه الحالة هل ينتفع الاخرون بقوة او سيطرة الشخصية او الحكومة او غيرها؟ طبيعياً كلا اذاً ما فائدة ان يمتلك شخص ما قوة ولكنه لا يمتلك نزعة انسانية!! ولكن ماذا لو عكس الامر؟ لو افترضنا ان شخصية ما او حكومة ما تمتلك نزعة انسانية الا انها من الضعف بمكان بحيث لا يمكن لها ان تقود مجتمعها الى هدفها الخير ترى هل ينتفع مجتمعها بذلك؟ طبيعياً كلا والسبب هو ان القوة لا مناص منها لتثبيت معاني الخير. اذن نستخلص من التجربة البشرية ان الشخصية او الدولة القوية اذا لم تمتلك الخير فلا فائدة منها والعكس هو الصحيح ايضاً أي اذا لم تستطع فرض نزعتها الانسانية فلا فائدة من ذلك ايضاً من هنا فان الشخصية اوالدولة الحقة هي من تمتلك قوة او تمتلك نزعة انسانية وحينئذ تستطيع تحقيق هدفها الانساني. والان لنتجه الى ما نحن بصدده وهو عظمة الله تعالى متمثلة في عبارة تعاليت ورحمته الخيرة متمثلة في عبارة تباركت فماذا نستلهم منهما؟ لا نحتاج الى كبير من التأمل حتى ندرك سريعاً بان عظمة الله تعالى تتمثل في كونه هو الخير المطلق هو الرحمة المطلقة هو المباركة الم يقل الدعاء فتباركت اليست المباركة هي ثبوت الخير ونماؤه كما تقرر المصادر اللغوية؟ من هنا يمكننا ان نفهم لماذا استهل الحديث عن عظمة الله تعالى اولاً بعبارة تباركت لانها تعني ثبوت الخير ونماءه؟ ثم يمكننا ان نفهم لماذا جاءت العبارة الثانية وتعاليت تعبيراً عن السيطرة والغنيمة والقوة وهذا يعني ان عظمة الله تعالى تتمثل في انهما الخير او الرحمة المطلقة مشفوعة بقوته غير المحدودة أي المطلقة اذن القوة المطلقة مشفوعة بالخير المطلق هو التجسيد لعظمة الله تعالى. ختاماً امكننا ان نستخلص النكات الدلالية الكامنة وراء العبارتين القائلتين فتباركت يا الله وتعاليت وهو امر يقتادنا الى تعميق معرفتنا بعظمة الله تعالى ومن ثم ضرورة ممارسة الطاعة لله تعالى والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "واضحكت وابكيت وعلى العرش استويت" - 52 2007-06-20 00:00:00 2007-06-20 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2977 http://arabic.irib.ir/programs/item/2977 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" وهو دعاء علمه النبي(ص) علياً(ع) واوصاه بقراءته يومياً طوال العمر وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه وانتهينا من ذلك الى مقطع يقول عن الله تعالى (واضحكت وابكيت وعلى العرش استويت)، ان العبارة او الفقرة الاولى القائلة بان الله تعالى اضحك وابكى تظل من العبارات الرمزية المعروفة في القرآن الكريم لانها تترشح بدلالات متنوعة وهذا احد الوجوه البلاغية التي تتسم النصوص الشرعية والسؤال الان هو ماذا نستلهم من عبارة واضحكت وابكيت؟ هذا ما نحاول القاء الاضاءة عليه الان. قلنا ان الضحك والبكاء عندما يردان في النصوص الشرعية فانهما يقترنان بما هو رمزي والرمز هو التعبير عن اشياء غير محدودة بعبارة محدودة وهذا ما ينسحب على ما نحن بصدده، لكن ينبغي التذكير بان النصوص الشرعية ذاتها بخاصة النصوص الواردة عن النبي(ص) والمعصومين عليهم السلام قد اوضحت منها جملة من الدلالات التي ترشح بها هاتان العبارتان من ذلك مثلاً قوله تعالى «فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً»، حيث فسرت بالجزاءات المترتبة على سلوك الانسان بصفة ان الدنيا تتسم بالمتاع العابر، وان المتاع هو قليل بالقياس الى الجزاءات السلبية المترتبة على سلوك الانسان الدنيوي، انه استمتع قليلاً بمتاع الحياة الدنيا، ولكنه سيبكي كثيراً في آخرته. لكن لنتجاوز الان هذه الآية الكريمة ونتجه الى الآية الاخرى القائلة «وانه هو اضحك وابكى»، حيث اقتبسها الدعاء، واستخدمها في عبارة واضحكت وابكيت، فماذا نستلهم منها؟ قلنا ان الاحاديث الواردة عن المعصومين عليهم السلام تقدم لنا جملة اجابات عن الموضوع المذكور، منها ان ظاهرة الاضحاك والابكاء او الضحك والبكاء لا تختلف عن اية اجهزة جسيمة كالعين والاذن او الصدر او القلب، أي ثمة جهازان مسؤولان عن عملية الضحك التي تفصح عن الرخاء قبالة البكاء الذي يفصح عن الشدة وما دام الدعاء يتعرض الى الظواهر الابداعية لله تعالى فكذلك التعرض الى الضحك والبكاء يتناول الاشارة الى قدراته تعالى. ومن الاجوبة الاخرى ان الله تعالى اضحك المطيعين بالرحمة وابكى العاصين بالغضب عليهم. ومن الاجوبة ايضاً ان الضحك والبكاء ينسحبان على الاشجار المثمرة والسحب الممطرة حيث تضحك الاولى وتبكي الاخرى. نقول ثمة اجوبة اخرى بالنسبة الى هذين الرمزين ولكننا كما هو دأبنا دائماً نقول ان كل ما يمكن لقارئ الدعاء ان يستخلصه ويفسره يظل واحداً من السمات البلاغية للنصوص الشرعية حيث ان تعدد المعنى هو احد وجوه البلاغة من هنا يمكننا ان نقر بان جميع ما ورد حياله من تفسير للضحك والبكاء يظل له مشروعيته. اخيراً ختم مقطع الدعاء بعبارة «على العرش استوى» وبما ان هذه العبارة حدثناك عنها مكرراً في لقاءات متنوعة لذلك لا ضرورة لاعادة الحديث عنها بقدر ما نشير عابراً الى ان هذه الفقرة هي نص قرآني كريم، وهو نص بلاغي رمزي أي ان عبارة استوى على العرش ترمز الى القدرة والهيمنة والسيطرة التي يتميز بها الله تعالى في عظمته غير المحدودة أي ان الله تعالى هيمن على الوجود وسيطر عليه وانها القدرة غير المحدودة لله تعالى انها الامتلاك لناصية الوجود بنحوه المطلق. اذن تبين لنا ما ترمز اليه عبارة استوى على العرش وقبل ذلك عبارة اضحكت وابكيت حيث تنطوي على جملة دلالات والمهم هو ان العبارات المتقدمة تتحدث عن عظمته تعالى وهنا نسأله تعالى ان يوفقنا للطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح الفقرة الختامية لدعاء يستشير بصورة إجمالية - 51 2007-06-16 00:00:00 2007-06-16 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2976 http://arabic.irib.ir/programs/item/2976 لا زلنا نحدثك عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه وانتهينا من ذلك الى مقطع ورد فيه (اشهد بانك انت الله الواحد الاحد المتفرد الصمد الفرد)، وهذا المقطع كما نلاحظ يتضمن مجموعة صفات واسماء للمبدع تعالى أي هي اسماء وصفات توحيدية حدثناك عنها في لقاءاتنا السابقة عدا كلمة الصمد حيث نحدثك عنها الان فنقول، كلمة الصمد ترد في سورة التوحيد كما هو واضح وترد في الادعية المتنوعة وقد نقل المعنيون بالتفسير في دلالتها الموشحة جملة معان منها ما ورد عن الامام الباقر(ع) بان الصمد هو المنتهى من السؤدد وهو الدائم الذي لم يزل ولا يزال، وهو من لا يتناول الطعام والشراب وهو السيد المطاع الذي لا آمر فوقه ولا ناه، واما زين العابدين(ع) فقد ورد عنه بالنسبة الى الصمد فقال هو لا شريك له ولا يؤوده حفظ شيء ولا يعزب عنه شيء واما الحسين(ع) فقد فسر الصمد بقوله(ع) عن النبي(ص) ان الله تعالى قد فسر كلمة الصمد فقال لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً احد، واما المفسرون من غير المعصومين عليهم السلام فقد ورد عن احدهم قوله بان الصمد هو من ابدع الاشياء فخلقها اضداداً واشكالاً وازواجاً وتفرد بالوحدة بلا ضد. هنا نلفت نظرك الى ان هذه النصوص التفسيرية لا تتعارض بطبيعة الحال بل انها تتحدث عن التنوع او الكلمة المرشحة بعدة دلالات وهي أي الترشح او التعدد في التأويلات ظاهرة بلاغية ذات اثر كبير في اثراء المعرفة لدى قارئ النص القرآني الكريم. نتجه بعد ذلك الى المقطع الاخر من الدعاء وهو يتضمن جملة عبارات او فقرات منها الاشارة الى انه تعالى اليه المصير ومنها الصلاة على محمد وآله ومنها التوسل بالله تعالى بغفران الذنب وستر العيب، وطلب الرحمة، وسعة الرزق ثم اختتام ذلك بعبارة ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. ان هذه العبارات المتنوعة والموزعة بين موضوعات مختلفة كل واحدة منها تحمل دلالة خاصة مشفوعة بجملة نكات يجدر بنا ان نمر خلالها سريعاً منها مثلاً التوسل بالله تعالى بغفران الذنب وستر العيب، هنا قد تسأل قائلاً، ما هو الفارق بين غفران الذنب وبين ستر العيب؟ الجواب هو ان الذنب هو ممارسة المعصية واما العيب فهو اعم من ذلك حيث ينسحب على الذنب وعلى سواه من الممارسات التي تقرب بما هو غير مقبول عند الله تعالى وعند الناس بدورهم وهذا انما يتصل بالفارق بين الذنب وبين العيب واما الفارق بين التوسل بالله تعالى بان يغفر الذنب ويستر العيب، فان الغفران للذنب هو عدم ترتيب عقاب عليه، بينما ستر العيب هو عدم اطلاع الاخر عليه حيث ان الدافع الى التقدير الاجتماعي او الانتماء الذاتي والاحترام للذات يتطلبان عدم تعريض الذات الى الهوان او الذل الاجتماعي كما هو واضح. يبقى ان نشير الى مفردات اخرى وردت في ختام النص المتقدم مثل طلب الرحمة وسعة الرزق حيث يدفعنا مثل هذا الطلب الثنائي أي الرحمة والرزق الى التساؤل عن العلاقة بينهما؟ والجواب هو ان الرحمة هي العطاء الاشمل والاهم بحيث تتسع لكل شيء في الدنيا والاخرة بحيث يكون طلبها محققاً لجميع حاجات العبد ولكن الرزق وسعته عندما يقترن بطلب الرحمة فهذا يعني ان الرزق يكتسب اهمية خاصة هي ان العبد لا يستطيع ان يحتفظ بتوازنه النفسي اذا كان رزقه غير واسع كما هو واضح. اخيراً نجد ان الدعاء المذكور ختم فقراته بعبارة (لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم)، ونعتقد ان احداً منا لا يجهل اهمية هذه العبارة بخاصة انها وردت في ختام النص المذكور مما تعني ان الامر كله بيد الله تعالى وان العبد لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً وان الختام لكل ما يتطلع اليه العبد هو ان يتوكل على الله تعالى وحده وان كل ما يعمله ويخيل اليه بان ذلك هو جهة شخص انما هو كلام لا حقيقة له لان الحقيقة هي انه لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم وحده. ختاماً نسأله تعالى ان يوفقنا للطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "أشهد أنك الله الواحد الاحد المتفرد الصمد..." - 50 2007-06-10 00:00:00 2007-06-10 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2975 http://arabic.irib.ir/programs/item/2975 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها دعاء يستشير وهو دعاء علمه رسول الله(ص) الامام علياً(ع) وامره بتلاوته يومياً طوال حياته، وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه وانتهينا الى مقاطعه الاخيرة حيث ورد فيها (اشهد بانك انت الله الواحد الاحد المتفرد الصمد الفرد) وهذا المقطع من الدعاء يتسم باهمية كبيرة حيث يتضمن مفردات توحيدية متماثلة في عرضها لاسمائه وصفاته تعالى ولكنها متفاوتة في دلالاتها من جانب آخر فمثلاً يبدأ المقطع بكلمة الله تعالى وهي مفردة تعني الاسم العام له عز وجل اما الاسماء التي تليها فهي خاصة بدلالة محددة تفترق عن الاخرى مع ملاحظة الدلالة المشتركة ايضاً والمهم ان نحدثك الان عن الاسماء او الصفات المذكورة وفي مقدمتها مفردة الاحد ومفردة الواحد حيث وردتا متجاورتين عبر هذه الفقرة (انت الله الواحد الاحد)، والسؤال المهم هو ما الفارق بين الواحد وبين الاحد؟ هنا نكرر بان قارئ الدعاء ينبغي الا يمل من حرصنا على بيان امثلة هذه الفوارق بين الكلمات لان المطلوب من قارئ الدعاء ان يعي ما يقرأ حتى يعطي الدعاء ثمره بالنسبة الى قارئه والا اصبحت قراءته مجرد نشاط لساني. اذن لنتحدث اولاً عن الفارق بين عبارة الواحد وبين عبارة او كلمة الاحد. من الافضل ان نحيل قارئ الدعاء الى المصادر اللغوية التي تعنى بفوارق اللغة حتى يطمئن الى ما يقرأ من الادعية تقول المصادر اللغوية بان الفوارق بين كلمة الواحد وبين الاحد كثيرة منها مثلاً ان الواحد هو من لا يزال وحده ولم يكن معه آخر واما الاحد فهو الذي لا يتجزأ ولا يقبل الانقسام. هذا فارق وهناك فوارق منها كما مثل بطبيعة الحال المراد بالواحد نعني التركيب عنه تعالى واما الاحد فنفي الشريك عنه أي صفاته وذاته، وايضاً ورد من الفوارق ان الواحد يعني نفي المشاركة في الصفات بينما الاحد يعني التفرد في الذات ومنها فوارق متنوعة اخرى تتصل بالاستخدام حيث ان الواحد يستخدم مطلقاً بينما الاحد لا يستخدم الا في الحديث عن الله تعالى. وما يعنينا الان هو ان اياً من المقولات المتقدمة يرشدنا الى دقائق دلالية مثل تثري معرفتنا بالله تعالى مثل نفي التركيب والاجزاء الخارجية والذهنية عنه تعالى حيث يختلف عن معنى نفي الشريك عنه والاول هو ما تعنيه كلمة الواحد والاخر هو ما تعنيه كلمة الاحد واذن عندما ننفي عنه الشريك في الخلق وفي أي شيء آخر نكون قد حددنا دلالة خاصة تختلف عن دلالة اخرى هي نفينا لما هو تركيب او اجزاء خارجية وذهنية عنه تعالى. وهكذا بالنسبة الاسماء او الصفات الاخرى الواردة في المقطع ومنها الفارق بين كلمة المتفرد وبين كلمة الفرد وهذا ما نوضحه الان. كلمة الفرد عندما تطلق على الله تعالى انما تعني كما تقول المصادر اللغوية هو من لا نظير له، هنا قد تسأل قائلاً اذن ما الفارق بين عبارة الاحد التي تعني نفي الشريك لله تعالى؟ والجواب هو ثمة فارق بين نفي الشريك وبين نفي النظير فالشريك يعني المشارك للغير في ذاته وقدراته بينما النظير هو المماثل أي المشابه والفرق واضح بين ان تقول هذا مشارك وهذا مماثل لان الشريك يتساوى مع الاخر بينما النظير يتشابه مع الاخر. وهذا فيما يتصل بكلمة ان الله تعالى فرد ولكن ماذا بالنسبة الى الله تعالى متفرد. المتفرد كما تقول اللغة هو البليغ في الفردانية بمعنى تفرده ازلاً وابداً هنا قد تتساءل ايضاً كيف نفرق اذن بين الفرد والمتفرد والجواب هو ان الفرد يتداعى منه الذهن الى عدم مشابه له كما قلنا واما المتفرد فكذلك ولكن مع تداعي الذهن الى ما هو اكثر بلاغاً امعاناً في جعل ذهننا يتداعى الى تغلغل في عظمة هذا التفرد من حيث جوانبه جميعاً ومنها الازلية والابدية وهذا يستاقنا الى كلمة الصمد التي وردت في المقطع حيث لم نعرض لها ولكنها ترتبط كما نرى انشاء الله تعالى بالازلية من جانب وبدلالات اخرى ذكرها المعصومون عليهم السلام حيث نحدثك عن ذلك في لقاء لاحق انشاء الله تعالى. اخيراً نسأله تعالى ان يوفقنا لادراك معاني التوحيد وان يوفقنا الى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "أنت المجيب وأنا المضطر" - 49 2007-06-06 00:00:00 2007-06-06 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2974 http://arabic.irib.ir/programs/item/2974 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ "يستشير" حيث قدمنا مقاطع متسلسلة منه ونتابع تقديم مقطع آخر من الدعاء ولكننا قبل ذلك نود لفت نظرك الى فقرة لم نحدثك عنها وهي الفقرة القائلة (وانت المجيب وانا المضطر)، هذه الفقرة من الدعاء جاءت ختامية لمقطع طويل يضطلع بمقابلات بين عظمة الله تعالى وبين ضعف العبد وحاجته الى الله تعالى مثل (انت الرازق وانا المرزوق وانت المعطي وانا السائل، وانت الجواد وانا البخيل)، حيث يختم ذلك بعبارة وانت المجيب وانا المضطر، هنا نلفت انتباهك على هذه العبارة التي تتسم بوضوحها ولكنها تنطوي في الواقع على نكات مهمة نبدأ بتوضيحها الان. من البين ان اهم محاور الدعاء المتنوعة بالنسبة الى قارئ الدعاء هو تمجيد الله تعالى وطلب الحاجات منه، طبيعياً التمجيد مقدم على الحاجات الا في حالة ما اذا كانت حاجة العبد هي ان يوفقه الله تعالى الى تمجيده والعبادة الخالصة له تعالى دون اية حاجة اخرى وهذا هو طابع الشخصيات المصطفاة التي تعبد الله تعالى لا من اجل الثواب وهو الجنة ولا من اجل الهروب من العقاب وهو النار، اعاذنا الله تعالى منها ولكن من اجل انه تعالى اهلاً للعبادة أي يبتغون رضاه تعالى فحسب، لكننا في الآن ذاته ثمة حاجات متنوعة تتفاوت درجتها من شخص الى آخر. هذا من جهة ومن جهة اخرى فان الاشخاص بعامة او الغالبية منها تظل موضع توصيات شرعية تطالب نفسها أي التوصيات الشرعية بان يدعو العبد وان يطلب حاجاته المشروعة من الله تعالى حتى لو كانت صغيرة وفي ضوء هذه الحقيقة سوف نلقي الاضاءة على فقرة (انت المجيب وانا المضطر)، لتثبيت دلالاتها ونكاتها، من الواضح ان حاجات العبد متنوعة بعضها حاجات صغيرة وبعضها حاجات كبيرة وبعضها حاجات حتى في نطاق ما هو كبير منها تتسم بخطورة خاصة هي ما يطلق عليها بالحاجات الاضطرارية أي الحاجات التي لا يقوى العبد على تحمل احباطاتها أي عدم قضائها وهذا كالفقر المدقع او مرض العضال او فقدان الامن ان امثلة هذه الشدائد لا يتحملها العادي من الناس، ولذلك يتجه العبد الى الله تعالى لينقذه منها، وهذا ما تكفلت عبارة انت المجيب وانا المضطر به والنكتة هنا هي ان المضطر حينما تجاب دعوته أي تنكشف عنه الشدة كما لو زال الفقر او المرض او الخوف، حينئذ فان سروره بهذا الانفراج لا يقاس بالسرور العادي الذي يقترن يزوال التوتر او الشدة البسيطة التي لا يخلو منها احد، لذلك فان الله تعالى هو المنقذ الوحيد لكشف الضر عن عباده وهذا ما عبرت الفقرة المذكورة عنه. بعد ذلك نتجه الى مقطع جديد لعله مع عبارتين او اكثر يختم به الدعاء وهذا ما نلحظه في العبارة الاتية اشهد بانك انت الله الواحد الاحد المتفرد الصمد الفرد، واليك المصير، وصلى الله على محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين، هنا في هذا المقطع من الدعاء ثمة عبارات توحيدية هي الله الواحد، الاحد المتفرد الصمد الفرد ونحسب بان ملاحظة هذه المفردات من العبارات التوحيدية تفرض ضرورتها حتى يعرف قارئ الدعاء دلالة كل منها وافتراقها عن العبارة الاخرى بخاصة ان البعض منها يتجانس لفظياً مثلاً مع الاخر مثل الواحد والاحد حيث ان ثمة فوارق بينهما مع انهما يشيران الى دلالة مشتركة هي الاوحدية وكذلك نلاحظ كلمتي المتفرد والفرد حيث يشيران الى معنى مشترك هو عدم مشاركة الاخر من هنا يتعين علينا ملاحظة هذه المفردات وهو ما نحدثك عنه في لقاء لاحق انشاء الله تعالى. ختاماً نسأله تعالى ان يوفقنا الى تمجيده في المقام الاول وان يجيب دعاءنا وهذا يستلزم منا ان نمارس الطاعة أي الالتزام بمبادئ الله تعالى والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "وأنت المعافي وأنا المبتلى، وأنت المجيب وأنا المضطر..." - 48 2007-06-02 00:00:00 2007-06-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2973 http://arabic.irib.ir/programs/item/2973 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ (يستشير) وهو الدعاء الذي علمه رسول الله(ص) الامام علياً(ع) واوصاه بقراءته يومياً طيلة العمر، وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه وانتهينا من ذلك الى مقطع يتضمن مقابلات بين عظمة الله تعالى وبين ضعف العبد وحاجاته الى الله تعالى حيث نقف عند الفقرات القائلة (وانت المعافي وانا المبتلى وانت المجيب وانا المضطر). ونقف عند هاتين العبارتين اللتين ينتهي بهما مقطع الدعاء تقول العبارة الاولى من مقطع الدعاء انت المعافي وانا المبتلى، هذه الفقرة مثل سائر الفقرات التي حدثناك عنها في لقاءات سابقة من حيث وضوحها والفتها ولكن كما كررنا ان امثلة هذه العبارات المألوفة والواضحة تتضمن في الان ذاته جملة نكات لها عمقها وطرافتها دون ادنى شك. اذن لنتحدث عن هذا الجانب فتقول العبارة الاولى بانه تعالى معافي وتقول عن العبد انه مبتلى والسؤال المهم هو هل يقصد بالعافية وبالابتلاء المعافاة من المرض والابتلاء به؟ والسؤال من جديد هل المعافات او المرض يقصد بهما الجانب الصحي؟ ام يقصد بهما الاعم من ذلك؟ هذه الاسئلة لها اهميتها دون ادنى شك. ان تأملاً دقيقاً للعبارة المذكورة وملاحظتها في ضوء نصوص دعائية اخرى نستلهم منها انها لمطلق المعافاة ومقابلة الابتلاء ولعلك تتساءل عن الدليل الذي تستند اليه في هذا؟ ونجيبك ان جملة نكات نستخلصها من العبارة المتقدمة نتساءل اولاً هل ان التقابل بين الله تعالى وهو المعافي وبين العبد وهو المبتلى ينحصر في الجانب الصحي كما تعنينا ذلك؟ كلا بطبيعة الحال لماذا؟ ان ابسط ما يمكن ملاحظته هو ان المسألة تتصل بمطلق ما هو عافية ومرض فاذا قلنا بان الله تعالى معافى فهذا ينسحب على معافاته تعالى للمرض بنمطيه الصحي والعبادي والسبب كما قلنا هو ملاحظة نصوص اخرى تتعرض لهذا الجانب ولكن ثمة نكتة في غاية الاهمية وهي ان مقطع الدعاء لم يقل انت المعافى وانا المريض بل قال وانا المبتلى، فلماذا؟ من الواضح ان المرض مع كونه يشتمل الامراض الجسمية والمعنوية حيث ان المرض المعنوي او النفسي طالما اشار النص الشرعي اليه مثل قوله تعالى عن المنافقين (في قلوبهم مرض) حيث يعني المرض النفسي كما هو واضح، ولكن النكتة الاشد اهمية هي ان الدعاء او الكلمة التي استخدمها مقطع الدعاء بالنسبة الى العبد هي الابتلاء وليس المرض وهذا يجسد قرينة واضحة على ان المقصود من قوله(ص) انت المعافي وانا المبتلى هو الاعم من المرض الجسمي والعبادي، كيف ذلك؟ من البين ان كلمة الابتلاء بطبيعتها لا تخص ما هو جسمي او معنوي بل يستطيع القول بان الجانب المعنوي هو الاشد بروزاً في دلالة الكلمة لماذ؟ نتساءل من جديد، السبب هو ان النصوص الشرعية طالما تشير الى كلمات مثل الامتحان، الاختبار، الابتلاء، لنعني بها السلوك العبادي الذي يختبر به الله تعالى عباده من حيث ممارساتهم الى خلقهم من اجلها، الم يقل تعالى الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم احسن عملاً؟ اذن ان الذهن لينصرف الى ان المقصود من ان الله تعالى هو المعافي وان العبد هو المبتلى، الابتلاء معنوياً ولكن مع ذلك فان السياقات التي وردت فيها هذه الكلمة ونحوها تدل على ما هو اعم من الابتلاء العبادي او الصحي. اذن امكننا ان نتبين جانباً من الدلالة التي استخلصناها من عبارة انت المعافي وانا المبتلى، والاهم من ذلك هو ان نسأله تعالى بان يعافينا من الامراض النفسية والجسمية والفعلية والعبادية، وان يوفقنا الى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "وأنت الحليم وأنا العجول، وأنت الرحمن وأنا المرحوم" - 47 2007-05-30 00:00:00 2007-05-30 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2910 http://arabic.irib.ir/programs/item/2910 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ (يستشير) حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه وانتهينا من ذلك الى العبارة القائلة (وانت الحليم وانا العجول)، وهو ما نحدثك عنه الان فنقول: بالنسبة الى كلمة الحليم نجدها تنسحب على مجموعة سمات هي الصبر والاناة والسكون مع القدرة والقوة، هكذا تنقل لنا المصادر اللغوية لمعنى الحليم والمطالب الان هو ملاحظة هذه الصفة التي يقابل بها الدعاء بين الله تعالى وبين العبد من حيث عظمته تعالى وصغر العبد ولعل السؤال المهم هو ما هي النكات الكامنة وراء هذه الفقرة او التقابل بين الحلم وبين العجلة؟ لقد كان من الممكن ان يقابل الدعاء بين عجلة العبد واناة الله تعالى، حيث ان الاناة تقابل العجلة ولكن كما تلاحظ قابل الدعاء بين الحلم وليس الاناة وحدها وبين العجلة فما هو السر الكامن وراء ذلك؟ لا نحتاج الى تأمل طويل حتى ندرك سريعاً بان الحلم هو مجموعة صفات ولكنها مصحوبة بدلالة خاصة هنا قد تسأل عن هذه الصفات والدلالة المقترنة بها؟ ونبدأ بتذكيرك بما لاحظناه الان حيث قلنا الحلم هو اولاً الاناة والصبر والسكون، وكل واحدة منها لها دلالتها الخاصة فالاناة غير الصبر وهما غير ما تعنيه كلمة السكون، هذا من جانب ومن جانب آخر وهذا ما نعتزم توضيحه الان وهو ان الصفات المتقدمة الاناة والصبر والسكون قد تتحقق لدى شخص مثلاً ولكنها لا تقترن بقدرة العبد أي ان العبد من الممكن حينما يواجه الاساءة من شخص آخر ان يصر على الاساءة دون ان يمتلك قدرة على الرد أي ان صبره مضطر اليه حيث لا يملك سواه ما دام لا يملك قوة على الرد، ومن الممكن ان يجزع مثلاً مقابل من يصبر على الاساءة ولكنه لا يمتلك صفة الحلم التي تعني الصبر مع القدرة على الرد. اذن العبارة التي تتحدث عن الله تعالى بانه حليم تظل موشحة بدلالة كبيرة هي انه تعالى يحلم مع القوة على المعاقبة للمسيء مثلاً وبذلك ندرك مدى سعة رحمته تعالى، بعد ذلك نواجه عبارة جديدة وهي انت الرحمن وانا المرحوم والسؤال الان هو ان الرحمان من الالفاظ الواضحة من دلالتها ولذلك المرحوم ولكن ثمة نكات ايضاً في هذا التقابل بين رحمة الله تعالى وبين العبد المشمول برحمته فما هي هذه النكات؟ هنا نلفت نظرك الى ما ورد عن اهل البيت عليهم السلام بالنسبة الى كلمة الرحمان وافتراقها عن كلمة الرحيم ان كلا منها يقرأ يومياً مرات عديدة عبارة بسم الله الرحمن الرحيم كما يقرأ عبارة الرحمن الرحيم في سورة الحمد فضلاً عما يقرأ في النصوص القرآنية والحديثية هذه العبارة الثنائية الرحمن والرحيم ونسأل اما سأل احدنا عن الفارق بين هاتين الصفتين؟ اهل البيت عليهم السلام كما قلنا اجابوا عن السؤال المتقدم بان عبارة الرحمان تشمل مطلق الرحمة بالمخلوقات ولكن عبارة الرحيم تشمل المؤمن بخاصة والان مع ملاحظة الفارق المتقدم نتساءل لماذا انتخب الدعاء عبارة الرحمن بدلاً من الرحيم في عبارة انت الرحمان وانا المرحوم؟ هذا ما يحتاج الى القاء الانارة عليه، من الواضح ان هذا الدعاء الذي لاحظنا عباراته المختلفة ينظر الى الصفات المركزة على ما هو الاعم من الظواهر فقد لاحظنا مثلاً ان العبارة القائلة في مقطع سابق (انت الغافر وانا المسيء) لاحظنا ان الغافر يشمل التجاوز عن ذنب الانسان والستر عليه وكذلك عبارة المسيء تشمل مطلق ما يصدر عن الانسان من عمل سلبي هنا نلاحظ بان الرحمان تشمل مطلق الرحمة بمخلوقاته مما يعني ان الدعاء يستهدف لفت انتباهنا على هذه السمة وهي الرحمة المطلقة التي تشمل المخلوقات جميعاً ومنها العبد القارئ للدعاء بطيعة الحال ولذلك عندما يقول الدعاء بالنسبة الى العبد وانا المرحوم انما يعني ذلك انه مشمول بالرحمة قطعاً حتى لو كان من غير الخاصة من المؤمنين وهذا هو منتهى ما يتصوره العبد من رحمته تعالى غير المحدودة. اذن امكننا ان نتبين جانباً من النكات التي تتضمنها عبارة انت الرحمن وانا المرحوم والمهم هو ان نتجه الى الله تعالى بان يشملنا برحمته وان يوفقنا الى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "أنت الغافر وأنا المسيء وأنت العالم وأنا الجاهل" - 46 2007-05-28 00:00:00 2007-05-28 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2909 http://arabic.irib.ir/programs/item/2909 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ (يستشير) حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه ونتابع سائر مقاطعه ومنها المقطع الذي يقابل عظمة الله تعالى وحاجات العبد اليه حيث ورد فيه (وانت الغافر وانا المسيء، وانت العالم وانا الجاهل، وانت الحليم وانا العجول). هذه العبارات ونحوها تتسم بوضوحها كما كررنا ذلك في لقاءات سابقة ولكنها في الآن ذاته تتضمن جملة نكات يتعين على قارئ الدعاء ان ينتبه عليها وهذا ما نبدأ به الان. العبارة او الفقرة الاولى هي (انت الغافر وانا المسيء)، بالنسبة الى كلمة (الغافر) فهي تحتاج الى شيء من التوضيح فمثلاً قوله تعالى: (وان تعفوا وتصفحوا وتغفروا)، هذه العبارات الثلاث مع انها تحوم على دلالة مشتركة هي التنازل عن العقاب ولكن كلاً منها يختلف عن الآخر حيث ان العفو يتفاوت دلالة عن الصفح وكليهما يختلفان عن الغفران وهكذا والسؤال هو ان فقرة الدعاء تقول: (انت الغافر وانا المسيء) وحينئذ ماذا تعني هذه الكلمة من حيث الدقة وبلاغتها؟ ان الغفران يختلف عن سواه من العبارات المتقدمة أي العفو والصفح والتجاوز بكونها تعني التغطية والستر لذلك فان دلالة انه تعالى غافرتعني انه يغطي او يستر على العبد ما مارسه من العمل السلبي وهذا بطبيعة الحال يوضح عن الرحمة اللهية في مداها الواسع لان الفضيحة او الهتك للعبد عند المحاسبة في اليوم الآخر او حتى في الدنيا تظل من الامور التي لا يتحملها الانسان عادة ما دام الشخص بطبيعة تركيبته يحرص على عدم فضح نفسه اذن قوله(ص) (انت الغافر) له دلالته الخاصة وهي الستر او التغطية على العمل السيء. وهذا بالنسبة الى كلمة الغافر ولكن ماذا بالنسبة الى عبارة وانا المسيء؟ هنا يثور السؤال السابق ايضاً وهو ان الاساءة من حيث دلالتها واضحة ولكن ما هي النكات الدقيقة الكامنة وراءها؟ فمثلاً لماذا لم تقل العبارة (انت الغافر وانا المذنب)؟ بل قالت انت الغافر وانا المسيء؟ لماذا؟ هذا ما يتطلب توضيحه ايضاً، ان السيئة تشمل كل ما هو ممارسة سلبية بغض النظر عن كونها ذات دلالة شرعية او عرفية فالدلالة الشرعية تعني الذنب او الخطيئة التي تترتب عليها العقوبات ولكن الدلالة العرفية قد تعني مطلق الممارسة السلبية كما لو كانت عيباً وليس ذنباً فمثلاً الممارسة التي تتم خطأ وليس عمداً او الممارسة التي تحدث بين الطرفين تطلق عليها السيئة مقابل ما يتم عمداً او ما يرتبط بعلاقة العبد مع الله تعالى المهم نستطيع ان نستخلص مما تقدم بان العبارة القائلة (انت الغافر وانا المسيء) نستخلص من كلمة المسيء مطلق ما يصدر من العبد من الاعمال السلبية وهو امر يتوافق مع ما يستهدفه الدعاء من الاشارة الى ان الله تعالى يستر على عبده كل ما صدر عنه من الاساءات او الاعمال السلبية. ونتجه الى عبارة جديدة هي (وانت العالم وانا الجاهل)، هنا نحسبك لا تحتاج الى توضيح النكات الكامنة وراء العبارة المتقدمة لماذا؟ السبب هو ان العالم هو ما يشمل جميع الانماط المعرفية المحدودة وغير المحدودة مقابل الجاهل الذي يشمل جميع الانماط المرتبطة بعدم العلم وهو امر من الوضوح بمكان فالعبد اذا ما قسناه الى الله تعالى جاهل بمعنى الكلمة تماماً انه يجهل كل شيء ما دام الله تعالى هو الذي يمنحه المعرفة المحدودة بطبيعة الحال وانه يجهل كل شيء الا النادر تبعاً لقوله تعالى: (وما اوتيتم من العلم الا قليلاً) هذا فضلاً عن ان العلم القليل حتى لو تحقق في نطاق محدد فان التفصيلات او الاسرار الكامنة وراء ذلك كاسرار الكون مثلاً او الروح، فان الجهل بدقائق ذلك يظل من الوضوح بمكان. بعد ذلك نتجه الى عبارة جديدة وهي وانت الحليم وانا العجول هنا نحسب بان الوقت لا يسمح لنا الان بالحديث عن العبارة المتقدمة وهذا ما نعدك به في لقاء لاحق ان شاء الله تعالى. المهم هو ان نستثمر نحن القراء لهذا الدعاء هذه القراءة لنوثق علاقتنا بالله تعالى ونكل امورنا اليه تعالى ومن ثم نتوفر على ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "أنت الغني وأنا الفقير وأنت السيد وأنا العبد" - 45 2007-05-26 00:00:00 2007-05-26 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2908 http://arabic.irib.ir/programs/item/2908 لا زلنا نحدثك عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ (يستشير) حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه ونتابع ذلك بفقرة جديدة هي (انت الغني وانا الفقير، وانت السيد وانا العبد)، ونقف اولاً مع عبارة (انت الغني وانا الفقير)، فماذا نستخلص منها؟ طبيعياً ان قارئ الدعاء لا ينتقل بذهنه من عبارة ان الله تعالى الغني وان العبد فقير من الغنى والفقر بمعنيهما الاقتصاديين بل ينتقل ذهنه الى مطلق الغنى أي ان قارئ الدعاء يتداعى بذهنه من كلمة ان الله تعالى غني وان العبد فقير كل ما يتصل بالتملك مادياً ومعنوياً كالعلم مثلاً او الخزائن. ان بساطة هذه العبارة وانت الغني وانا الفقير تتضمن في الآن دلالات طريفة وعميقة فالغني هو من يستغني عن غيره واما الفقير فيحتاج الى غيره وهذا ينسحب على كل شيء ولكن الاهمية التي تنسحب على هذه الفقرة هي ان العبد ما دام لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، حينئذ فان التسليم بهذه الحقيقة يجعل العبد في مرافقته غنياً وليس فقيراً أي يجعله غنياً بتسليم اموره الى الله تعالى وقد ورد في الحديث ما مضمونه ان الفقراء مادياً مثلاً يدلون ويباهون الاغنياء بتوكلهم على الله بمعنى انهم يطلبون من الله تعالى حاجاتهم ويستغنون عن العباد. وبطبيعة الحال من يتوكل على الله فهو حسبه. بعد ذلك تواجهنا عبارة (وانت السيد وانا العبد)، هنا قبل ان نحدثك عن هذه العبارة نود لفت نظرك الى ظاهرة هي اننا لا حظنا في فقرة سبق ان حدثناك عنها وهي (وانت الرب وانا العبد) ان كلمة العبد وردت في الفقرة المذكورة مقابل الرب ووردت في العبارة التي نتحدث عنها الان وهي انت السيد وانا العبد وبتعبير آخر نتوقع منك بان تثير السؤال الاتي، ما هو الفارق بين كلمة العبد عندما ترد مقابل الرب وبين كلمة العبد عندما ترد مقابل السيد؟ وهذا السؤال له اهمية دون شك ولذلك سوف نفصل الحديث عنه الان. من الحقائق التي الفتنا نظرك اليها في لقاءاتنا هي ان القرآن الكريم واحاديث المعصومين تتسم بالاعجاز وبالكمال أي اعجاز القرآن وكمال الحديث لذلك لا يعقل ان نتصور امكانية ان يستخدم الشرع كلمة مترادفة مع اختها بمعنى واحد، من هنا ينبغي علينا ان نوضح الفارق بين العبد مقابل الرب وبين العبد مقابل السيد. ولعل ابرز الحقائق ظهوراً هو ان العبد مقابل السيد ينتقل باذهاننا الى العلاقات البشرية بين الشخصية المستقلة في تصرفاتها وبين الشخصية غير المستقلة فالاولى هي السيد والاخرى هي العبد وكذلك ينتقل ذهن قارئ الدعاء الى ان العبد بالنسبة الى الله تعالى تعني دلالة اخرى هي ان الرب هو المعبود وان العبد هو من يعبد الرب، وحيئنذ فان العلاقة بين العبد والرب هي علاقة بين المعبود وعبده بينما العلاقة بين العبد والسيد هي علاقة بين الشخص وخادمه مثلاً لكن ينبغي ان نضع في الاعتبار ان العبارة القائلة بان الله تعالى هو الرب وان قارئ الدعاء هو العبد هذه العبارة حقيقية ولكن بالنسبة الى عبارة وانت السيد وانا العبد، عبارة مجازية صورية أي ان الدعاء المذكور يستعير صفة معينة ليسحبها على ظاهرة اخرى حتى يتعمق لدى قارئ الدعاء المعنى المستهدف في الدعاء ويكون المعنى حينئذ ان الله تعالى هو المسيطر والمتحكم في امر قارئ الدعاء بينما العبارة الاولى تعني ان الله تعالى هو المعبود الذي يتجه اليه العبد او العابد اذا صح التعبير. اذن اتضح لنا جانب من النكات التي لاحظناها من حيث الفارق بين العبد وصلته بالمعبود وبين العبد وصلته بالسيد ونسأله تعالى ان يجعلنا عباداً له وان يوفقنا الى طاعته والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "أنت القوي وأنا الضعيف، وأنت العزيز وأنا الذليل" - 44 2007-05-23 00:00:00 2007-05-23 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2907 http://arabic.irib.ir/programs/item/2907 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الان عن فقرات جديدة لعلك تتذكر باننا حدثناك في السابق عن مقطع يتضمن جملة مقابلات بين عظمة الله تعالى وصغر المخلوق حيث بدأ المقطع بقوله(ص) نذكرك بان الدعاء المذكور من انشاء النبي(ص) وعلمه الامام علياً(ع) يقول: المقطع بدءاً بالقول: انت الخالق وانا المخلوق، ثم يقول: وانت القوي وانا الضعيف، وهذه الفقرة جديدة نحدثك عنها الان. ان هذه الفقرة وما قبلها وما بعدها تظل ـ كما المحنا ـ في لقاء سابق من الفقرات الواضحة التي لا تحتاج الى توضيح ولكن في الآن ذاته تنطوي هذه الفقرات الواضحة على نكات متنوعة الفتنا نظرك اليها في لقاءات سابقة ونلفت نظرك الى عبارتنا الحالية وهي (انت القوي وانا الضعيف)، فنقول: القوة هنا تشمل جميع الظواهر ويقابلها الضعف عند المخلوقات ان عظمة الله تعالى تتمثل في ان القوة لديه وهي مطلق القدرات مصحوبة بالرحمة حيث قلنا في لقاءات سابقة ان الفارق بين المخلوقات من حيث القدرة النسبية التي منحها الله تعالى لعباده لملاحظة مدى استخدامها في الاختبار الالهي تتمثل بالنسبة الى المخلوقين في جوانبها السلبية في الاستخدام لان القوة وحدها في التجربة البشرية تقترن كما نلاحظ مدى التأريخ تستتبع الحاق الضرر بالاضعف بينما قدرات الله تعالى تقترن بالرحمة ولا تنفصل عنها لذلك عندما يقول الدعاء بان الله تعالى قوي والعبد ضعيف انما يشير كما قلنا الى مطلق القوة. والسؤال هو ما هي التداعيات الذهنية لدى قارئ الدعاء عندما يواجه عبارة انت القوي وانا الضعيف؟ طبيعياً القوي يعني امتلاكه تعالى قدرة لا حدود لها والقارئ بمقدوره ان يستخلص من العبارة المذكورة ما يتناسب وعظمة الله مقرونة كما قلنا بالرحمة فمثلاً ما دام العبد محتاجاً الى من يعنه في اشباع حاجاته او ازاحة الشدائد عنه حينئذ فان القوة الوحيدة التي تستطيع تحقيق الاشباع هي الله تعالى لان القدرات البشرية التي منحها الله تعالى لعباده محدودة فضلاً عن ان القوى السلبية عند البشر لا قابلية لديها على ممارسة الرحمة. لكن الاهم من ذلك هو ملاحظة قوة الله تعالى من حيث كونها قوة مطلقة بغض النظر عن انعكاساتها على البشر أي بغض النظر عن البعد النفعي للبشر من القوة المذكورة بمعنى ان ابداعه تعالى للوجود وان قصمه لظهور الجبارين، تظل تعبيراً عن القوة غير المحدودة، كل ما في الامر بما ان الدعاء ذكر قوة الله تعالى مقابل ضعف عبده حينئذ فان قارئ الدعاء بمقدوره ان يستخلص منها كلاً من البعد الموضوعي والبعد الذاتي أي الاشارة الى قوة الله تعالى بنحو عام وقوته تعالى مقابل ضعف العبد. نتجه الى عبارة جديدة وهي (وانت العزيز وانا الذليل)، والسؤال ما هي التداعيات الذهنية لدى القارئ للدعاء بالنسبة الى الفقرة المذكورة؟ من الواضح ان العزة هي لله تعالى كما ان العبد هو الذليل امام العزة الالهية والذل هنا يختلف في دلالته عن الذل لغوياً لان الذل بالنسبة الى العلاقات البشرية يكتسب دلالتين احداهما الدلالة الايجابية اذا كانت بين المؤمنين تبعاً لقوله تعالى (أذلة على المؤمنين) واما الدلالة السلبية فهي مرفوضة لان الله تعالى يسمح للعبد بان يقبل أي شيء الا اذلال نفسه، وهذا كله في نطاق العلاقات البشرية. اما في نطاق العلاقة مع الله تعالى فان ذل العبد يكتسب صفة ايجابية وهي الذلة في واقعها عزة للشخصية لان المؤمن يتعزز بعزة الله تعالى فتكون الذلة لله تعالى عزة وهذا من الوضوح بمكان. اذن امكننا ان نتبين جانباً من النكات المرتبطة بما تقدم من العبارات سائلين الله تعالى ان يوفقنا للطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "اللهم أنت الرب وأنا العبد، وأنت الرازق وأنا المرزوق وأنت المعطي وأنا السائل..." - 43 2007-05-21 00:00:00 2007-05-21 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2719 http://arabic.irib.ir/programs/item/2719 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة ومنها دعاء "يستشير" وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه ونقدم جديداً منها حيث انتهينا في لقائنا السابق الى فقرات تعتمد على التقابل بين عظمة الله تعالى وصغر المخلوق وهي سلسلة بدأت بعبارة (انت الخالق وانا المخلوق، وانت المالك وانا المملوك)، وهذا ماحدثناك عنه سابقاً ونواجه بعدما تقدم عبارات من نحو (وانت الرب وانا العبد، وانت الرازق وانا المرزوق، وانت المعطي وانا السائل)، ونبدأ لنحدثك عن الاولى وهي: (انت الرب وانا المربوب). لو كنت متابعاً لاحاديثنا لتذكرت باننا اوضحنا الفوارق بين اسماء الله تعالى وصفاته مثل الرب الملك الاله، هنا نذكرك بان كلمة الرب في فقرة انت الرب وانا المربوب تظل متصلة بظاهرة تنظيم الله تعالى لشؤون عبده قبالة صفات مثل الملك حيث تتصل بادارته تعالى للكون، ومثل الاله حيث تتصل بمعبوديته تعالى أي عبادتنا ـ نحن المخلوقات ـ لله تعالى وهو المعبود وقد سبق ان لاحظنا في هذا المقطع عبارة انت الخالق وانا المخلوق حيث ينبغي لفت نظرك الى ان العبارة انت الخالق تفترق عن العبارة انت الرب حيث تلفت الاولى نظرنا الى انه تعالى هو المبدع للبشر بينما الثانية أي انت الرب تعني تنظيمه عز وجل شؤون البشر. ونواجه من ثم العبارة القائلة (وانت الرازق وانا المرزوق)، طبيعياً لا تحتاج هذه العبارة الى التوضيح لكن بما ان ظاهرة الرزق حيث ينتقل ذهننا منها الى الرزق المادي تظل من اهم ما يعنى البشر به من حيث استمرارية حياته، ولذلك فان الاشارة اليها في سياق تنظيم الله تعالى لشؤون عبده تنتقل باذهاننا الى ان الله تعالى يتكفل باشباع هذه الحاجة الملحة للبشر وهو امر طالما تشير التوصيات الاسلامية اليه من خلال النصوص القرآنية والحديثية مؤكدة بان الرزق هو بيد الله تعالى فكما ان الموت هو امر بيد الله تعالى كذلك فان الرزق يتكفل به كل ما في الامر ان الرزق رزقان رزق يطلبنا ورزق نطلبه، كما ان الرزق بنحو عام يتنوع بين ما هو واسع او وسط او اقل بحسب ما تتطلبه الحكمة الالهية في توزيع ذلك. ثم نواجه عبارة (وانت المعطي وانا السائل)، هذه العبارة بدورها واضحة ولكننا نلفت نظرك الى امكانية ان يقول قائل بان الرازق والمعطي يتماثلان وان المرزوق والسائل يتماثلان ايضاً، فما هو الفارق اذن بين عبارة انت الرازق وانا المرزوق، وبين عبارة انت المعطي وانا السائل؟ وللاجابة عن السؤال المتقدم نقول ان الرازقية ـ كما اشرنا ـ تجعل اذهاننا متداعية الى الرزق المادي بينما يتداعى الذهن من عبارة انت المعطي وانا السائل الى مطلق الحاجات البشرية اعم من الرزق المادي وغيره، واعم من حاجات الدنيا والآخرة، فالسائل وهو العبد قد يسأل غفران ذنبه، او يسأله رحمته تعالى في تحقيق الامن او الصحة وهكذا. بعدها نواجه عبارة (وانت الجواد وانا البخيل)، هنا نحسبك ستتساءل مستفسراً ماذا نستخلص من العبارة الجديدة؟ هل نستخلص بعد ان عرفنا ان الله تعالى هوالمعطي بانه جواد في عطائه وبانه العبد بخيل في عطائه؟ اكبر الظن ان قارئ الدعاء يستنتج ذلك بخاصة ان فقرة انت المعطي وانا السائل تأتي بعدها فقرة وانت الجواد وانا البخيل. اذن نحن الان امام فقرات او عبارات متسلسلة في موضوعاتها ومتدرجة من موضوع الى آخر بحيث يترتب اللاحق على سابقه كما لحظنا. بقي ان نحدثك عن سائر العبارات الواردة في هذا المقطع وهو ما نحدثك عنها لاحقاً ان شاء الله تعالى. اما الان فحسبنا ان نذكرك وانفسنا بتأكيد عبوديتنا لله تعالى وممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "أنت الله لا اله الا انت رب العالمين، أنت الخالق وأنا المخلوق..." - 42 2007-05-19 00:00:00 2007-05-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2718 http://arabic.irib.ir/programs/item/2718 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير"، وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك الان عن مقطع جديد هو (انت الله لا اله الا انت رب العالمين، انت الخالق وانا المخلوق وانت المالك وانا المملوك، وانت الرب وانا العبد، وانت الرازق وانا المرزوق)، هذه السلسلة من انت وانا ترد في ادعية متنوعة وهي تجسد احد اساليب التعبير البلاغي حيث ينطوي على معطيات نفسية وعبادية يحسن بقارئ الدعاء ان يلم بها وهذا ما نبدأ بالحديث عنه الان. بنحو عام قبل ان نحدثك عن كل عبارة من المقطع المتقدم يجدر بنا ان نلفت نظرك الى ان هذا التقابل بين الله تعالى وبين العبد يحسس العبد ويذكره بعظمة الله تعالى من جانب او بوظيفة العبد من جانب آخر بحسب ما تتنوع فيه هذه المقابلات بين الله تعالى وعبده ونحاول ان نحدثك عن هذه الجوانب من خلال الوقوف عند كل مفردة من السلسلة المذكورة ونبدأ بعبارة انت الخالق وانا المخلوق، لكن ينبغي لفت نظرك الى ان هذه المفردة التي تقابل بين الخالق وبين المخلوق وما يتبعها من المفردات الاخرى قد مهد لها مقطع الدعاء بعبارة عامة لا تقابل بين الله والعبد، بل تمهد لهذه التقابلات بعبارة عامة هي انت الله لا اله الا انت رب العالمين، ولهذه العبارة نكات ينبغي ان تقف عليها وهو ما نطرحه ضمن سؤال هو ماذا نستخلص او نستلهم من العبارة المذكورة؟ من الواضح ان الله تعالى هو مما ينبغي ان تقر به بداية حيث يتفرد الله تعالى بوجوده وبمخلوقاته انه تعالى لا اله سواه كما تقول العبارة انت الله لا اله الا انت ثم انه تعالى رب العالمين كما تقول عبارة لا اله الا انت رب العالمين، واذن عندما يقر العبد بانه لا اله الا هو تعالى دون سواه وانه تعالى هو الرب للوجود الذي خلقه حينئذ يحصل لديه يقين معرفي بانه يتعامل الان مع الله الذي لا اله سواه لهذا الوجود الذي نحن البشر احد انماطه. والان بعد ان تتعمق في قلوبنا هذه الحقيقة الوحدانية لله تعالى وللعالمين حينئذ تواجهنا المفردة الاولى من الحقيقة المذكورة وهي انه تعالى هو الخالق للبشر وان البشر هو المخلوق حيث تقول العبارة الاولى من المقطع انت الخالق وانا المخلوق اذن عبارة انت الخالق وانا المخلوق هي تجسيد او تعبير عن الحقيقة التي ايقنا بها من خلال اعترافنا بان الله تعالى هو وحده وهو رب العالمين وها نحن البشر او وها انا قارئ الدعاء اقر بان الله تعالى هو الخالق وانا المخلوق لكن ما دمت مقراً بهذه الحقيقة حينئذ ما هي الحقائق الاخرى المترتبة على هذا الاعتراف؟ الجواب: ان الحقائق المترتبة على هذا من الكثرة بحيث لا تحصى ولكن مقطع الدعاء يطلعنا على جملة من ذلك، ومنها عبارة وانت المالك وانا المملوك ترى ماذا نستخلص من هذه العبارة؟ من البين ان الله تعالى عندما يكون هو الرب حيث كانت العبارة الاستهلالية للمقطع هي لا اله الا انت رب العالمين، تقول: عندما يكون الله تعالى هو الرب حينئذ فان المالك لهذا الوجود ومنه ان قارئ الدعاء أي الموجود الذي ملكه الله تعالى، يكون هو المسيطر او المهيمن عليَّ فاكون مملوكاً له حيث يتعين على المملوك ان يكون خدمة المالك يطيعه في اوامره ونواهيه. اذن نحن الان امام المفردة الجديدة من المفردات التي طرحها مقطع الدعاء حيث يستهدف الدعاء تعميق معنى الوحدانية او التوحيد في اذهاننا وهذا ما حققه مقطع الدعاء بالعبارة التمهيدية الاولى وهي انه تعالى لا اله الا هو رب العالمين ثم العبارة التطبيقية المتمثلة بانه تعالى هو المالك وانا العبد المملوك لله تعالى. وسنرى ان المفردة التي تلي فيما بعد هي عبارة انت الرب وانا العبد، وسنوضح الفارق بين هذه العبارة المشيرة الى الله تعالى بانه الرب والمشيرة الى قارئ الدعاء بانه العبد وبين عبارة انه تعالى هو المالك وان العبد هو المملوك، وهذا ما نحدثك عنه في لقاء لاحق ان شاء الله تعالى. ختاماً نسأله تعالى ان يوفقنا الى تعميق المعرفة بوحدانيته وبعبوديتنا ومن ثم ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "أرحم الراحمين، خير الغافرين، قاضي حوائج المؤمنين مغيث الصالحين..." - 41 2007-05-16 00:00:00 2007-05-16 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2717 http://arabic.irib.ir/programs/item/2717 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، وانتهينا من ذلك الى مقطع ورد فيه من صفاته تعالى: (اسمع السامعين ابصر الناظرين، احكم الحاكمين، اسرع الحاسبين)، ثم يقول: (ارحم الراحمين، خير الغافرين)، هاتان العبارتان الاخيرتان وتعني بهما ارحم الراحمين، خير الغافرين، من حيث دلالتهما من الوضوح بمكان فيما يتحدثان عن انه تعالى ارحم الراحمين لعبده وخير الغافرين لذنوب عبده وبعد ذلك نواجه عبارتين يختم بهما المقطع من الدعاء وهما: (قاضي حوائج المؤمنين مغيث الصالحين)، هنا نعتقد ان هاتين العبارتين هما تتويج او تلخيص لمقطع الدعاء الذي بدأ بقوله(ص) حيث ان النبي(ص) علم الامام علياً(ع) هذا الدعاء نقول: لقد بدأ مقطع الدعاء بعبارة انت يا رب موضع كل شكوى، واستمر المقطع بعبارات متنوعة تصب جميعاً في هذا الميدان مثل صريخ المستصرخين، منفس عن المكروبين، حيث يختم مقطع الدعاء بالعبارتين اللتين ذكرناهما وهما: قاضي حوائج المؤمنين، مغيث الصالحين، وقلنا ان هاتين العبارتين هما لتتويج او الخلاصة او الحصيلة الاشد اهمية بحيث يفسران لنا معنى العبارات المتقدمة جميعاً وهذا يحتاج الى توضيح فنقول: ان الكثير من قراء الادعية يتساءلون احياناً عن عدم اجابة الدعاء، وهو سؤال في غاية الاهمية، ولعلك تتذكر اذا كنت متابعاً لاحاديثنا ما ورد من التوضيح لمسألة الدعاء من حيث الاجابة حيث ذكرت النصوص الواردة عن المعصومين عليهم السلام ان العبد اذا توسل الله تعالى فان الدعاء اما ان يعجل بالاستجابة؟ او يؤجل الى اليوم الآخر من حيث ثوابه او يدفع به الشر ولكن في الآن ذاته، طالما تشير النصوص الى ان من اسباب عدم اجابة الدعاء ما يمارسه الانسان من الذنوب. من هنا نستطيع ان نوضح لك معنى العبارتين الاخيرتين اللتين ختم بهما مقطع الدعاء وهما قاضي حوائج المؤمنين، مغيث الصالحين، فهنا نلفت نظرك الى ان هاتين العبارتين تشير الاولى منهما الى ان قضاء الحوائج أي استجابة الدعاء تنسحب على المؤمنين وليس الغير أي الاشخاص المتسمين بسمة الايمان وهذا بالنسبة الى العبارة الاولى واما العبارة الثانية فتقول: (مغيث الصالحين) ايضاً انها تحصر اجابة الدعاء للاشخاص الذين يتسمون بالصلاح وليس بغير ذلك، وحينئذ ماذا نستخلص؟ نستخلص بان المؤمن والصالح هما اللذان يقضي الله تعالى حوائجهما ويغيثهما من الشدائد. والسؤال الجديد هو ما هي النكات الكامنة وراء هذين النمطين من الناس أي المؤمن والصالح حيث قصر الدعاء الاستجابة لهما؟ أي من هو المؤمن ومن هو الصالح، وما الفارق بينهما؟ لا نتأمل طويلاً حتى نعرف بان المؤمن هو الشخصية التي تتسم بسمات الايمان بعامة أي المؤمنة بالله تعالى وبرسوله(ص) وبالائمة عليهم السلام بغض النظر عن درجة ايمانها وهذاعلى العكس من المقصود من الشخصية الصالحة حيث ينصرف ذهن قارئ الدعاء الى الشخصية التي تتسم بسمات التقوى بحيث تجتنب كبائر الاثم الا اللمم لذلك فانها افضل من المؤمن بعامة أي ان الشخصية التي يطلق عليها المؤمن هي اقل درجة من الشخصية التي يطلق عليها الصالح لذلك فان مقطع الدعاء ربط قضاء الحوائج بالشخصية المؤمنة أي انه تعالى يحقق اشباعاً للمؤمنين بعامة ولكنه بالنسبة الى الصالحين فانه يغنيهم أي ينقذهم من الشدائد وهناك فارق بين من تقضى حوائجه العادية وبين من يغيثه تعالى من الكرب والشدائد فهذا الاخير هو الشخصية الصالحة التي تغلب عليها سمة التقوى بينهما المؤمن هو اقل درجة من ذلك. اذن امكننا ان نتبين جملة من الاسرار الكامنة وراء العبارتين اللتين ختم بهما مقطع الدعاء وهما عبارتا قاضي حوائج المؤمنين ومغيث الصالحين. اخيراً نسأله تعالى ان يوفقنا الى ان نصبح صالحين وان نمارس الطاعة ونتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "يا أسمع السامعين ويا أبصر الناظرين، أحكم الحاكمين، أسرع الحاسبين" - 40 2007-05-14 00:00:00 2007-05-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2716 http://arabic.irib.ir/programs/item/2716 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه ونتابع ذلك من خلال تقديمنا لمقطع جديد جاء فيه عن صفات الله تعالى (اسمع السامعين، ابصر الناظرين، احكم الحاكمين، اسرع الحاسبين، ارحم الراحمين، خير الغافرين، قاضي حوائج المؤمنين مغيث الصالحين)، هذه الفقرات من الدعاء او هذه المفردات من الصفات هي امتداد لما سبقها من فقرات تتحدث بدورها عن صفاته تعالى حيث كانت تتناول جانباً من حاجات العبد من حيث الشدائد التي يواجهها وحيث جاءت المفردات تعبيراً عن ذلك مثل مجيب دعوة المضطرين، المهم هو ان نتابع ملاحظة هذه الصفات وهي في الواقع تتناول ما يرتبط بعظمته تبارك وتعالى الكاشفة عن معرفته المطلقة بما هو دائر في خليد العباد وحاجتهم. اذن لنتحدث عنها بحسب تسلسلها ونبدأ ذلك بفقرة اسمع السامعين وابصر الناظرين. من الحقائق التي لا تخفى عليك هي ان السمع والبصر بالنسبة الى التجربة البشرية يعدان من اهم الاجهزة المعرفية بل تكاد المعرفة تنحصر بهما بصفة ان ما يسمع به الشخص وما يبصره هما اللذان يمدانه بالخبرة ويشكلان معرفته بما يدور حوله لكن بما ان الله تعالى منزه عن الحدوث فحينئذ يظل التعبير عن السمع والبصر مجازياً بمعنى انه تعالى على معرفة تامة بما يتلفظ به الشخص من كلمات وما يمارسه من حركات عندما يتجه اليه العبد بالدعاء او مطلقاً. وبهذا نستخلص بانه تعالى هو اسمع من سواه من المخلوقات وابصر من سواه بما يدور في خلد عبده من حاجات وطموحات واشباع، ويظل كلاً من عبارة اسمع السامعين وابصر الناظرين تعبيراً عن انه تعالى كما قلنا يسمع دعاء عبده ويبصر حركاته المعبرة عن حاجاته. وهذا فيما يتصل بعبارتي اسمع السامعين وابصر الناظرين، ولكن ماذا بالنسبة الى الفقرات الاخرى من مقطع الدعاء، يقول الدعاء بانه تعالى احكم الحاكمين اسرع الحاسبين ترى ماذا نستخلص منهما؟ أي من هاتين العبارتين؟ لعلك تنقل ذهنك الى اليوم الاخر لتواجه هذه الصفات التي تتحدث عن الله تعالى فما دامت الفقرات السابقة تتناول شدائد الحياة بالنسبة الى العبد، وما يستتبع ذلك من لجوء العبد الى الله تعالى بالدعاء وما يرتبه الله تعالى على ذلك من اجابة تقول بانه تعالى مجيب دعوة المضطرين حينئذ نتوقع بان الدعاء قد انتقل من حاجات العبد الدنيوية الى حاجاته الاخروية لكن عندما نتابع الدعاء نجد مثلاً فقرة تقول بانه تعالى قاضي حوائج المؤمنين وهذه العبارة تشمل الحاجات الدنيوية ايضاً لذلك نتوقع منك ان تتساءل عن الاسرار الكامنة وراء هذه الفقرات من الدعاء ما دمت مطالباً بان تقرأ ادعيتك وانت محيط بمعانيها. اذن ماذا نستخلص من عبارة انه تعالى احكم الحاكمين واسرع الحاسبين؟ هذا ما نكرر سؤاله الان، للاجابة عن السؤال المتقدم نقول لا مانع من ان نستخلص بان عبارتي احكم الحاكمين، اسرع الحاسبين بانهما تتناولان البيئة الاخروية ولكن في الوقت نفسه لا مانع من انهما تتناولان البيئة الدنيوية ايضاً، هنا يجدر بنا اولاً ان نعرف دلالة هاتين العبارتين نقول ان عبارة احكم الحاكمين تعنيانه يحكم على عبده بما هو عدل وصائب بمعنى انه تعالى عندما يسمع وينظر الى دعاء عبده فانه يحكم عليه بقضاء حوائجه بما هو عدل وصائب والامر كذلك بالنسبة الى عبارة انه اسرع الحاسبين، حيث تعني انه لا يتردد البتة في حكمه عندما يقوم تعالى بمحاسبة عبده انه اسرع ما يكون في حسم المواقف حيث ان عبارة الحاسب معناها العالم بالحساب فيكون المعنى انه تعالى اسرع ما نتصوره من تقويم الموقف وتقديم الحكم سواءاً كان ذلك يتعلق بامور الدنيا او الحساب في اليوم الآخر. اذن امكننا ان نتبين جانباً من دلالة ما تعنيه العبارتان المذكورتان والمهم هو ان نتجه الى الله تعالى بالدعاء، وان نخلص له في ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "صريخ المستصرخين، منفس عن المكروبين، مجيب دعوة المضطرين..." - 39 2007-05-12 00:00:00 2007-05-12 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2715 http://arabic.irib.ir/programs/item/2715 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة، ومنها دعاء يستشير وهو دعاء علمه النبي (صلى الله عليه وآله) الامام علياً(ع) وامره بقراءته ليلاً ونهاراً طوال حياته، وقد حدثناك عن مقاطعه متسلسلة منه، وانتهينا من ذلك الى مقطع يقول عن الله تعالى (صريخ المستصرخين منفس عن المكروبين، مجيب دعوة المضطرين، اسمع السامعين)، هذا المقطع من الدعاء جاء بعد مقطع يتحدث عن عظمة الله تعالى وقدرته وهيمنته وملكوته، وهي صفات تعبر عن العظمة وقد اردفها الدعاء بمقطع يعبر في عباراته عن الرحمة وصلة العبد بالله تعالى واللجوء اليه في الشدائد ونواجه هنا ثلاث عبارت كل واحدة منها تفصح عن احد اشكال الشدة الاولى من العبارات تقول بانه تعالى صريخ المستصرخين والثانية تقول: منفس عن المكروبين والثالثة تقول: مجيب دعوة المضطرين، والسؤال الان هو ما المقصود من هذه العبارات الثلاث؟ انها عبارات تفصح عن الشدائد التي يعانيها العبد فهو أي العبد مستصرخ ومكروب ومضطر والسؤال من جديد ما هي الفوارق بين هذه الشدائد العبارة الاولى القائلة عن الله تعالى بانه صريخ المستصرخين، تعني انه تعالى هو الجهة التي يتجه اليه العبد في احر اشكال شدته وهي شدة عظيمة بحيث تستدعي الصراخ أي الاستغاثة المصحوبة بصوت عال هنا لعل القارئ للدعاء يتساءل عن النكتة الكامنة وراء الصراخ فمثلاً لما يصرخ صاحب الشدة بدلاً من البكاء مثلاً؟ لماذا يصرخ مثلاً بدلاً من الانكسار القلبي المتمثل في التعبير بكلام وجداني ومنكسر؟ والاجابة عن السؤال المتقدم توضح بجلاء ان الصراخ هو التعبير عن احد اشكال الشدة من نحو من يبلغ به المرض مثلاً كالكسر ونحوه درجة لا يطيق معها الا التوجع بصوت عالي تعبيراً عن شدة الالم. من هنا فان العبارة المذكورة عن احد اشكال الشدة والتعبير المناسب لها. ولكن ماذا عن العبارة الثانية وهي انه تعالى منفس عن المكروبين. المكروب هو الشخص الذي يعاني شدة خاصة تعني استتلاءها الحزن المصحوب بالمشقة وليس الحزن العادي ولعل النبي ايوب عليه السلام يجسد قمة ما يطلق عليه مصطلح المكروب حيث ورد في القرآن الكريم وسمه بهذه الصفة الا ان القرآن الكريم وصف حالة الانبياء ايضاً بالسمة المذكورة أي الكرب حيث تكررت عبارة ونجيناه من الكرب العظيم، ونستطيع ان نستخلص بسهولة معنى الكرب هنا وهو كما قلنا الحزن المصحوب بالمشقة حيث ان الانبياء عليهم السلام حينما يدعون مجتمعهم الى الايمان بالله تعالى مثل مجتمع نوح وابراهيم ولوط ثم لم يستجيب الناس الى كلامهم وحيث يسخر الناس منهم او يؤذونهم اولئك جميعاً يستتلي الحزن المصحوب بمشقة السخرية من الناس والرفض منهم والايذاء للانبياء عليهم السلام. اذن اتضح معنى المكروبين، ولكن اخيراً ماذا عن الشدة من النمط الثالث الا وهي عبارة مجيب دعوة المضطرين؟ المضطر هو من تبلغ به الشدة الى درجة انه لا مجال للصبر لديه كالفقير الذي لا يملك قوت يومه مثلاً فان الحالة التي يصدر عنها هي حالة اضطرارية تدفعه الى البحث عن الاشباع بنحو ملح بحيث لا مجال للاصطبار فيه. من هنا جاءت عبارة مجيب دعوة المضطرين تختلف عن العبارات السابقة عليها حيث جاء الجواب بعبارة مجيب أي انه تعالى يستجيب لدعاء المضطر بحيث يتحقق له الاشباع لحاجاته وتزول عنه الحالة الاضطرارية. هنا قد يتساءل قارئ الدعاء فيقول ما هو الفارق بين صفة مجيب دعوة المضطر وبين الصفة السابقة وهي منفس عن المكروب؟ الجواب هو ان الحزن حالة نفسية تتراكم في الاعماق بحيث تحتاج الى من يبدد طبقة التراكم بحيث ينقشع ويزول الحزن او الشدة بينما الاضطرار لا يناسبه مجرد التخفيف عن الشدة بل يحتاج الى اجابة تتناسب مع حالة الاضطرار وهذا ما يتواءم مع الاستجابة للحالة المذكورة. اذن اتضح لقارئ الدعاء جانب من التعبير الذي ورد في مقطع الدعاء بالنسبة الى المستصرخ والمكروب والمضطر ونسأله تعالى ان يفرج عن عباده المؤمنين جميع شدائدهم وان يوفقنا الى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "عظيم العظماء، كبير الكبراء، سيد السادات مولى الموالي..." - 38 2007-05-09 00:00:00 2007-05-09 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2714 http://arabic.irib.ir/programs/item/2714 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" وقد حدثناك عن مقاطع متسللة منه ونواصل حديثنا عن فقرات جديدة منه جاء فيها: (انت يا رب موضع كل شكوى)، الى ان يقول: (جبار الجبابرة، عظيم العظماء كبير الكبراء، سيد السادات مولى الموالي)، وقد حدثناك عن العبارة الاولى وهي جبار الجبابرة وبينا في حينه النكات الكامنة وراء هذه العبارات التي صيغت بالتفصيل وواعدناك بان نحدثك عن الفوارق بين الصفات الواردة في المقطع وهي الجبار والعظيم والكبير والسيد والمولى، وهذا ما نبدأ الحديث عنه الان. لنتحدث اولاً عن الفارق بين عبارة عظيم العظماء وكبير الكبراء ثم عن الفارق بين سيد السادات، ومولى الموالي. طبيعياً لا يحس قارئ الدعاء بالفارق ظاهراً بين من هو عظيم وبين من هو كبير لكن لو دققنا في الامر لوجدنا ان العظيم يقابله المعادي او الحقير، بينما الكبير يقابله الصغير هذا من جانب ومن جانب آخر فان النصوص اللغوية تشير مثلاً الى ان الكبر هو الشرف والرفعة بينما العظمة هي التضخيم والتبجيل، والان في ضوء ما لاحظناه نستطيع ان نقرر بان الدعاء عندما يصف الله تعالى بانه عظيم العظماء حينئذ نستخلص عظمته المطلقة بالقياس الى ما هو نسبي عند المخلوقين ونستخلص الدلالة الذاهبة الى ان الله تعالى يحمل صفة التضخيم والتبجيل بصفة ان قدرته المطلقة تستتلي بالضرورة تضخيمها وبصفة ان رحمته تعالى تستتلي تبجيله بالضرورة. ولكن ماذا بالنسبة الى انه تعالى كبير الكبراء؟ قلنا ان الكبير او صفة الكبر تعني الشرف والرفعة لغوياً كما تعني من هو الكبير مقابل الصغير وفي الحالتين فان صفة الشرف والرفعة وكبرهما تظل مختلفة عن صفة من له التضخيم والتبجيل بمعنى ان الله تعالى محل للتبجيل ومحل للرفعة واحدهما غير الاخر فعندما تبجله فهذا يعني انك تنطلق من التقدير لعظمته وادراك حجمها غير المحدود واما عندما تكبره كما لو قلت الله اكبر مثلاً فهذا يعني انك تنظر الى جانب آخر هو انه تعالى لا يكبره شيء أي من حيث سعة هيمنته على الكون لا يكبره شيء قبال هيمنته المذكورة. يبقى ان نحدثك عن صفتي سيد السادات ومولى الموالي هنا قد ينتقل ذهنك الى المعنى الظاهري الذي يتحدث عن السيد مقابل المسود والمولى مقابل العبد، ولكن الامر ليس كذلك فحسب بل يتجاوزه الى دلالة اخرى هي ان السيد يشير الى معنى السؤدد ومعنى المجد ويشير الى التسلط على الغير وهو معنى السيطرة على الكون وهذا يختلف بطبيعة الحال عن معنى المولى فالمولى في اللغة له معان متنوعة مثل النصير الحليف المحب، ولكن بالنظر الى السياق الذي وردت الصفة المذكورة فيه فان المولى ينصرف الى معنى آخر هو الحاكم والذي يتولى الامر. اذن نحن الان امام عبارات متقاربة المعنى ولكن الاختلاف بينها يشير الى تعدد صفات الله تعالى من حيث النوع او الكيف فمثلاً من يتولى الامر فهذا يعني انه لا سواه يقوم بالتولية بينما من يسود القوم فهذا يعني التسلط والسيطرة عليهم فالاول يشير الى ما هو اداري والاخر الى ما هو حاكمي مثلاً . اذن اتضح لنا ولو عابراً بعض ما لاحظناه من الفروق بين عبارات متشابهة هي انه تعالى عظيم العظماء كبير الكبراء سيد السادات مولى الموالي وهي عبارات يتعين على قارئ الدعاء ان يعيها ويتبين دقائق معانيها والا فان قراءته للدعاء دون ان يميز بين فقرات متماثلة في ظواهرها يظل امراً غير مقبول طالما تشير التوصيات الاسلامية الى ضرورة ان يكون قارئ الدعاء واعياً بما يدعو حتى يستجيب الله تعالى له او حتى يتواصل وجدانياً مع الله تعالى والا اصبحت القراءة مجرد نشاط لساني لا معنى له. اخيراً سنحدثك في لقاءات لاحقة ان شاء الله تعالى عن صفات اخرى ذكرها الدعاء ولكنها تتصل برحمته تعالى وسعتها غير المحدودة والى ذلك الحين نسأله تعالى ان يوفقنا الى معرفة الدعاء وقيمته ودلالاته ومن ثم الى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "حصن كل هارب، امان كل خائف، حرز الضعفاء" - 37 2007-05-07 00:00:00 2007-05-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2519 http://arabic.irib.ir/programs/item/2519 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من الزاد المعرفي في حقل العقائد والاخلاق والاحكام وقد حدثناك في لقاءات سابقة عن احد الادعية وهو الدعاء الذي يطلق عليه اسم "يستشير" حيث علمه النبي(ص) الامام علياً(ع) واوصاه بقراءته طيلة الحياة، واذا كنت متابعاً لهذا الدعاء فلابد وان تتذكر باننا قدمنا مقاطع متسلسلة منه وانتهينا من ذلك الى مقطع يقول: (انت يا رب موضع كل شكوى) الى ان يقول: (حصن كل هارب، امان كل خائف، حرز الضعفاء) ، هذه الفقرات من مقطع الدعاء امتداد لفقرات متجانسة فيما بينها من حيث الدلالة والاسلوب ويجدر بنا الان ان نبدأ بتوضيح ذلك. الاولى من العبارات المتقدمة هي عبارة "حصن كل هارب" الحصن هو المكان الذي ينطوي على المنعة أي المكان المحمي والمنيع الذي يحجز صاحبه عن وصول الضرر اليه، ولذلك عندما يقول الدعاء عن الله تعالى بانه حصن كل هارب فلابد وان يتضمن هذا الكلام البليغ نكتة مهمة وهي ان العبد في حياته وآخرته يتعرض لشدائد متنوعة بعضها بسبب من سلوكه وبعضها بسبب من سلوك الاخرين وبعضها بسبب طبيعة الحياة المحفوفة بالشدائد ولذلك فان فقرة الدعاء التي نتحدث عنها تعرض لشدائد العبد وكيفية الهروب منها وذلك عبر لغة استعارية جميلة هي الهروب من الشدائد الى الله تعالى ولكن الهروب المذكور صيغ وفق صورة استعارية هي ظاهرة الحصن الذي يلجأ اليه الهارب وهو حصن الله تعالى. والمطلوب هو الان ان نحدثك عن جمال هذه الاستعارة ونكاتها. من البين ان الهارب من شدة ما لابد وان يلتجيء الى مكان يتحصن فيه بحيث لا تصل اليه اضرار الشدة التي هرب منها فاذا افترضنا ان الشدة التي تطال العبد هي الفقر او المرض او الاضطراب او انعدام الامن او الشدة العبادية كالهروب من الذنب وتبعاته، نقول ان امثلة هذه الشدائد لامناص للعبد من السعي لتلافيها او الهروب منها وحينئذ فان الجهة التي تستطيع حماية العبد من شدته هي الله تعالى وذلك لان قدرات الناس محدودة وان الله تعالى وحده هو القادر على فعل كل شيء ومن ذلك قدرته على حماية عبده من الشدة التي يعاني منها. من هنا تجيء الاستعارة القائلة بان الله تعالى هو حصن الهارب متجانسة تماماً مع الموقف الذي اوضحناه الا وهو ارادة عبده بان يتخلص من الشدة المذكورة وحينئذ ماذا يصنع العبد مما يكابده لايملك حينئذ الا الهروب منها الى جهة تقدر بان تحميه من شدته الا وهو الله تعالى. ان جمالية الاستعارة المذكورة تتمثل في كونها قد انتخبت الهروب والحصن مادة لتوضيح الدلالة وذلك بان الهارب هو الباحث عن مكان يحميه كما لو هرب شخص من حر او برد او وحش كاسر، وهو في الصحراء مثلاً حينئذ فان المكان المحمي والمحصن بسور مثلاً او بسقف او بجدران او ابواب تحجز وصول الضرر الى الشخص امثلة هذا الحصن هي المنقذ للشخص المذكور من شدائده التي يعاني منها. اذن امكننا ان نتبين جمالية واهمية الاستعارة المذكورة وهي ان الله تعالى هو حصن كل هارب وهذا ما يحملنا ان نتمسك بالله تعالى وبممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "تغفر الذنوب لمن استغفرك" - 36 2007-05-05 00:00:00 2007-05-05 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2518 http://arabic.irib.ir/programs/item/2518 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة، وما تتضمنه من العطاء المتصل بالمعرفة العبادية وسائر ما يفيد الانسان منه في غمرة ممارسته العبادية التي خلق الله تعالى البشر من اجل ذلك ومن جملة الادعية دعاء له معطياته الكبيرة وهو دعاء علمه النبي(ص) الامام علياً(ع) واوصاه بقراءته صباحاً ومساءً طيلة الحياة وهو دعاء يطلق عليه اسم يستشير وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه ونقدم لك الان مقطعاً جديداً هو قوله(ص) عن الله تعالى: (تغفر الذنوب لمن استغفرك) ان هذه العبارة من العبارات التي لا نظن ان احداً منا لم يألفها او لم يدرك دلالتها بل لعلها من العبارت التي قد نرددها يومياً عدة مرات، ولكن الملفت للنظر ونحن نحدثك عن دعاء يستشير ان هذه العبارة وردت بين مقطعين كل واحد منهما مستقل عن الآخر بحيث يحسب قارئ الدعاء بان عبارة تغفر الذنوب لمن استغفرك جاءت وكأنها غريبة او منفردة لا علاقة لها بما تقدم من مقاطع الدعاء وما تأخر عنها وهو امر نستهدف في لقائنا الان ان نحدثك عنه وعن النكات الكامنة فيه اذا كنت متابعاً لدعاء يستشير وتتذكر مقاطعه حينئذ سوف تتذكر بان احد مقاطعه يتحدث عن الشدة وان الله تعالى جار من لاذ به وتضرع اليه وانه تعالى عصمة من اعتصم به، وناصر من انتصر به، ولعل قارئ الدعاء يستخلص من هذه الفقرات بان المقصود منها هو ان العبد يلجأ الى الله تعالى في الشدائد جميعاً سواءاً كانت دنيوية او اخروية اما دنيوياً فلان عبارة ناصر من انتصر بك، فنستفيد منها ان الشخص مثلاً اذا لحقه ظلم من احد فان الله تعالى ينصره وهكذا وكذلك عبارة جار من لاذ بك، او عبارة عصمة من اعتصم بك، واذا تركنا هذه العبارات واتجهنا الى ما بعدها نجد عبارة تغفر الذنوب لمن استغفرك ثم نجد مقطعاً جديداً لا علاقة له بما تقدم بل يطرح موضوعاً على هذا النحو جبار الجبابرة عظيم العظماء كبير الكبراء، والان فان قارئ الدعاء اذا كان لا يمتلك معرفة ادبية او ثقافة عبادية عامة فانه لن يستوعب اهمية هذه العبارات المتنوعة من الدعاء والصلات الموجودة بين عباراتها ومقاطعها ولذلك فان المفروض علينا نحن نتحدث عن الادعية ومعطياتها ان نوضح لك النكات او الاسرار الكامنة وراء هذه العبارات الواردة في الدعاء والصلة الموجودة بين كل عبارة بما قبلها وبما بعدها وهذا ما نبدأ بتوضيحه الان. مما لا شك فيه ان شدائد الحياة مهما كانت حجومها لا تقاس بالشدائد المترتبة على ممارسة الذنوب فاذا كان قارئ الدعاء يتجه الى الله تعالى لرفع الشدة في حياته ويصفه بانه تعالى جار من لاذ به وعصمة من اعتصم به فان التوسل به من اجل الغفران لذنوبه يظل اشد اهمية من شدائد الحياة جميعاً من هنا يستخلص قارئ الدعاء بانه اذا فرغ من توسله بالله تعالى بان يرفع عنه شدائد الحياة حينئذ فان التوسل به بان يرفع عنه شدائد الذنوب يكون بذلك اولى واجدر برحمته تعالى. هذا فيما يتصل بشدائد الحياة بشدائد الذنوب ولكن ماذا بالنسبة الى ما يلاحظه قارئ الدعاء بان الدعاء ينتقل بعد ذلك الى مقطع جديد يصف به الله تعالى بصفات تختلف عن سابقتها ففي السابق وصف الدعاء الله تعالى بانه المجير والعصمة والناصر اما الان فيصفه على النحو الاتي. يقول الدعاء عن الله تعالى جبار الجبابرة عظيم العظماء كبير الكبراء ولسوف نحدثك ان شاء الله تعالى عن هذه الصفات في لقاء لاحق الا اننا الان في صدد ان نوضح لك علاقة هذه الصفات بما تقدمها من صفات الاجارة والنصرة وغير ذلك، فما هي هذه الصلات؟ لا نتأمل طويلاً حتى ندرك سريعاً بان الله تعالى ما دام هو المجير لمن لاذ به وهو العصمة لمن اعتصم به وهو الناصر لمن انتصر به، فحينئذ لابد وان تكون الصفات التي تقدمت ترتبط بمن يمتلك قدرة لا حدود لها الا وهي قدرته المتمثلة في عبارة جبار الجبابرة التي وردت مباشرة بعد عبارات التوسل به بان يرفع شدائد الحياة وشدائد الذنوب ان الجبار في اللغة عندما يطلق على الله تعالى فمعناه القدرة والسلطة والعظمة، هذه الصفات الثلاث أي القدرة والسلطة والعظمة تعني بوضوح ان الله تعالى هو الجدير بان يكون مجيراً وعاصماً وناصراً لمن انتصر به كما ورد في الدعاء. اذن ادركنا جانباً من هذه العبارات الواردة في دعاء يستشير وهذا ما يدفعنا الى التوسل بالله تعالى بان يجيرنا من شدائد الحياة ومن شدائد الذنوب والاهم من ذلك هو ان يوفقنا لممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "وأنت ... عصمة من اعتصم بك، ناصر من انتصر بك" - 35 2007-05-02 00:00:00 2007-05-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2517 http://arabic.irib.ir/programs/item/2517 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" وهو دعاء علمه النبي (صلى الله عليه وآله) الامام علياً(ع) واوصاه بقراءته طيلة العمر، وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه في لقاءات سابقة ونتابع ذلك في مقطع جديد بدأ بقوله (صلى الله عليه وآله): (تكفي من عبادك من توكل عليك، وانت جار من لاذ بك وتضرع اليك)، ثم يقول: (عصمة من اعتصم بك ناصر من انتصر بك) والعبارة الاخيرة أي قوله(ص): عصمة من اعتصم بك ناصر من انتصر بك، هي ان النبي(ص) يحدثنا عن الله تعالى من حيث التوجه اليه عند الشدائد والظواهر هي ان الله تعالى جار من لاذ به وتضرع اليه وهذا ما حدثناك عنه في لقاء سابق، واما الظاهرة الثانية فهي انه تعالى عصمة من اعتصم به والثالثة هي انه تعالى ناصر من انتصر به، والان فان ما نستهدف لفت نظرك اليه هو ان الجار والعصمة والناصر هي صفات خاصة حضرها الدعاء واكدها في سياق خاص هو لجوء العبد الى الله تعالى في الشدة حيث انتخب النبي(ص) هذه الصفات دون سواها لنكات خاصة والا فان الصفات الاخرى المرتبطة بلجوء العبد الى الله تعالى في الشدة من الكثرة بمكان ولكن النكتة هي ان هذه الصفات الثلاث هي الطروحة هنا مما يتعين علينا ملاحظتها حيث حدثناك كما قلنا عن الصفة الاولى وهي انه تعالى جار من لاذ وتضرع اليه؟ وفي حينه اوضحنا لك معنى جار وانها تعني المجير او المنقذ كما اوضحنا النكتة الدلالية في ذلك وقلنا ان من آداب الدعاء شروطه عند الشدة ان يبدأ قارئ الدعاء اولاً بذكر الصفة المرتبطة برفع الشدة الا وهي صفة المنقذ او المجير ثم يتبعها بانكسار القلب وخضوعه لله تعالى حتى يعطي الدعاء نتيجته وهي رفع الشدة لان الدعاء دون ان ينكسر قلب الداعي يظل مجرد عبارات لا فاعلية لها والان بعد ان اتضح ذلك نتقدم ونحدثك عن صفتين آخريين ترتبطان ايضاً باللجوء الى الله تعالى عند الشدة وهما انه تعالى وعصمة وناصر للعبد حيث قالت عبارة الدعاء عصمة من اعتصم بك وناصر من انتصر بك والسؤال المهم الان هو ما هي النكات الكامنة وراء هاتين الصفتين دون سواهما أي صفة انه تعالى عصمة من اعتصم به وناصر من انتصر به؟ هذا ما نحدثك به الان. مما لا شك منه ان احدنا اذا وقع في الشدة فان تطلعنا الى الله تعالى في التخلص من الشدة يقترن بظواهر من اللجوء تعد الاقوى من غيرها في تصورنا للموضوع والاولى من هذه الظواهر هي عملية الاجارة او الانقاذ ذاتها من حيث كوننا نحتاج الى من نحتمي به للفرار من الشدة وهذا ما ينطبق على صفة الجار او المجير الذي نحتمي به ثم نحتمي الى سياج او حاجز مانع شديد بحيث لا نتعرض خلاله الى أي خطر محتمل الوقوع وهذا ما يتمثل في صفة العصمة حيث قال الدعاء عن الله تعالى بانه عصمة من اعتصم به أي الجهة المنيعة التي تمنع من هجم الخطر علينا، وهذا كمن لجأ الى حصن منيع ليتقي به من الاخطار الخارجية اذن الصفة الثانية في هذا المقطع من الدعاء هي الاعتصام بالله تعالى بعد اللجوء اليه بنحو عام. بعد ذلك تبقى الصفة الثالثة التي يستكمل بها العبد رحلة توجهه الى الله تعالى وطلبه رفع الشدة الا وهي ان الله تعالى ناصر من انتصر به، فما هي دلالة ذلك؟ هنا نلفت نظرك الى نكتة جديدة وهي انك عندما تلتجيء اولاً الى الله تعالى بقلب منكسر ثم عندما تعرف تماماً من جهة ثانية بان من التجأت اليه هو العصمة او الجهة المنيعة التي تقيك من وصول الخطر اليك، عندئذ تتوقع ثالثاً بان هذه الجهة سوف تنصرك ولا تخذلك ولذلك ورد في الدعاء هذا المعنى عندما قالت العبارة او الصفة الثالثة لله تعالى بانه تعالى ناصر من انتصر به حيث ان لجوءك الى الله تعالى ودخولك الى حصنه المنيع، وان تترتب عليه نتائج كبيرة وهي نصرة الله تعالى لعبده فلا يعقل ان تتجه الى الله تعالى بقلب منكسر وندخل الى ساحته المنيعة ثم لا نخرج بنتيجة بل لابد وان ينصرنا الله ويخلصنا من الشدة التي رفعناها الى الله تعالى وتوسلنا به تعالى لازالتها. اذن امكننا ان ندرك النكات الكامنة وراء هذا المقطع من الدعاء فمع وضوحه ووضوح معانيه الا انه وضوح يقترن بعمق الوعي وبعظمة الله تعالى ورحمته وآداب الدعاء والتوسل به عند الشدائد ومن ثم ضرورة ان نتمسك به تعالى بعامة من حيث الالتزام بمبادئه التي رسمها أي ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "تكفي من عبادك من توكل عليك وانت جار من لاذبك وتضرع اليك..." - 34 2007-04-30 00:00:00 2007-04-30 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2516 http://arabic.irib.ir/programs/item/2516 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الذي يطلق عليه اسم "يستشير" وهو دعاء علمه رسول الله(ص) الامام علياً(ع) واوصاه بقراءته طوال العمر في الشدة وفي الرخاء وقد حدثناك عن مقاطعه متسلسلة وانتهينا من ذلك الى مقطع يقول: تكفي من عبادك من توكل عليك، ثم يقول: وانت جار من لاذ بك وتضرع اليك، عصمة من اعتصم بك، المهم هو ان نحدثك الان عن الفقرة الاولى من المقطع وهي وانت جار من لاذ بك وتضرع اليك، وهذا ما نبدأ به الان. ان قوله(ص) عن الله تعالى جار من لاذ بك وتضرع اليك يعد من التوصيات او المعاني الواضحة كل الوضوح بحيث يخيل الى قارئ الدعاء انه لا يحتاج الى القاء الاضاءة عليه، وهذا التصور او التخيل صائب بلا شك ولكن في الآن ذاته ينبغي ان نضع في الاعتبار ان ما هو سهل ويسير وواضح من الدلالات ينطوي على ما هو عميق وطريف منها ومن ذلك هذه الفقرة التي نتحدث عنها ونعني بها فقرة انت جار من لاذ بك وتضرع اليك فماذا نستخلص منها. يقول النص اولاً ان الله تعالى هو جار والجار معناه المجير أي من ينقذ من استغاثه وطلب العون منه وهذا يعني ان فقرة الدعاء تقول بان الله تعالى ينقذ عبده من الشدة اذا طلب منه الاغاثة. طبيعياً عندما ننطق بهذه العبارة بوعي ويقين تامين فان الامر العظيم المترتب على ذلك هو ان العبد لا يغني من الشدة الا الله تعالى وبالفعل يتحقق ذلك. وهذا من حيث الفقرة الاولى القائلة بان الله تعالى ينقذ من استجار به، ولكن ماذا نستخلص من الجملة التي تعطف على سابقتها وهي قوله(ص) وتضرع اليك؟ أي ان من يستجير بالله تعالى يحقق دعاءه ولكن لماذا نواجه عبارة جديدة وهي ان من يتضرع اليه كذلك فان الله تعالى يجيره من الشدة؟ السؤال اولاً هو ما الفارق بين عبارة (انت جار من لاذ بك) وبين عبارة تضرع اليك؟ نعتقد ان الاجابة عن السؤال تتضح تماماً اذا اخذنا بنظر الاعتبار ان التوجه الى الله تعالى والتوسل به بان ينقذنا من الشدة يتطلب مرحلتين الاولى هي ان يلوذ العبد بالله تعالى أي ان يلتجيء اليه ثم بعد ان يلتجيء اليه ينبغي ان يكون في حالة انكسار وهذا ما عبرت الفقرة الثانية عنه حينما قالت: (وتضرع اليك)، فالتضرع معناه الخضوع والتذلل لله تعالى حتى يصفو من شوائب القسوة والغفلة وحكام الدنيا من هنا فان الدعاء اذا ورد على لسان العبد مجرداً من الانكسار القلبي ونحوه يظل في الواقع تعبيراً عن الحالة العادية التي لا تنسجم مع المناخ الروحي الذي ينبغي ان يحياه العبد مع الله تعالى ان عظمة الله تعالى عندما يتصورها الواعي وغير الغافل تجعله في غشية او صعقة ونحوهما مما يحياها السالكون والعارفون والاتقياء. اذن نستخلص مما تقدم ان العبد اذا اراد ان يتحقق طموحه أي التخلص من الشدة فعليه اولاً ان يتجه الى الله تعالى ويلتجيء اليه ويلوذ به ثم ينبغي عليه ان يتضرع بمعنى ان يخضع ويتذلل وينكسر قلبه حتى يحقق تعالى له زوال الشدة. والان مع معرفتنا بهذه الحقيقة ماذا نتوقع من الدعاء المذكور؟ أي ما هي العبارات الآتية المرتبطة بهذا المعنى؟ يقول الدعاء: (عصمة من اعتصم بك، ناصر من انتصر بك، تغفر الذنوب لمن استغفرك)، هذه الفقرة من الدعاء هي امتداد لسابقتها ولذلك ينبغي ان نحدثك عنها وهذا ما نعدك به في لقاء لاحق ان شاء الله تعالى. اخيراً ينبغي ان نستثمر تلاوتنا لهذا الدعاء الذي امرنا النبي(ص) بان نستمر على قراءته طيلة العمر في الشدة والرخاء نقول علينا ان نستثمر تلاوته نتعض بفقراته ومنها الفقرات التي تقرر بان الله تعالى جار من لاذ به وتضرع اليه اذن علينا ان نلوذ بالله تعالى ونتضرع اليه ومن ثم نتوسل به ان يوفقنا لممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "وأنت يا رب... أمان كل خائف، حرز الضعفاء" - 33 2007-04-28 00:00:00 2007-04-28 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2515 http://arabic.irib.ir/programs/item/2515 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" وهو الدعاء الذي علمه النبي(ص) الامام علياً(ع) واوصاه بقراءته طيلة العمر وقد حدثناك عن مقاطعه المتسلسلة وانتهينا من ذلك الى مقطع يقول: (انت يا رب موضع كل شكوى) وينتهي بهذه الفقرات (مفرج الغماء معين الصالحين وذلك الله ربنا لا اله الا هو) ، عن هذه الفقرات التي ينتهي به احد مقاطع الدعاء نحدثك الان. تقول العبارة عن الله تعالى انه "مفرج الغماء" والغماء والغمى والغم، كلها بمعنى واحد هو الحزن وبأدنى تأمل لهذه الفقرة نستخلص بسهولة ان الله تعالى يفرج الغم ولكن السؤال هو لماذا يستخدم الدعاء عبارة مفرج ولم يستخدم عبارة مزيل الغم مثلاً او مذهب الغم؟ هنا تكمن بلاغة الدعاء والدقة المتوخاة فيها، فالغم هو من حيث الحذر هو الغطاء او تغطية الشيء ولذلك مثلاً يطلق الغمام على ما يغطيه على الافق من اجنحته واما الانفراج فيعني الانفتاح والتوسعة ونحوهما ولذلك فان قارئ الدعاء يتعين عليه ان يتأمل بدقة هذا التعبير أي ان الله تعالى مفرج الغماء بمعنى انه يفتح ما هو مغطى او يكشف ما هو مغطى من الشدائد لدى العبد أي ما هو متراكم في قلبه من الاحزان بحيث يفتح قلبه وتزول غمائم الحزن عنه. اذن عبارة مفرج الغماء تعني ان الله تعالى دون سواه هو الكاشف لكل غم على قلب عبده وكفانا بذلك رباً. ونتجه الى العبارة الاخرى من نهاية المقطع وهي عبارة معين الصالحين وهي عبارة لا تحتاج الى توضيح بقدر ما تحتاج الى ملاحظة نلفت نظر قارئ الدعاء اليها الا وهي ان مقطع الدعاء كان يحدثنا منذ البداية بجملة عبارات تصب جميعاً في دلالة واحدة هي انه تعالى يزيل شدائد الحياة عن عبده ولكن بما ان الشدائد متنوعة لذلك خصص الدعاء لكل منها فقرة خاصة مثل مفرج كل حزن غنى كل مسكين حصن كل هارب امان كل خائف حرز الضعفاء كنز الفقراء ثم ختم ذلك بعبارة عامة تشكل تتويجاً لما تقدم أي لما هو مصدر لازالة شدائد الحياة وشدائد الاخرة وهو الله تعالى حيث عبر بذلك من خلال فقرة واضحة هي انه تعالى معين الصالحين فماذا نستخلص منها؟ من البين ان فقرة معين الصالحين تعني مسألتين احداهما انه تعالى يعين عبده في ازالة شدائده ولكن بما ان المطلوب من العبد هو ان يمارس الطاعة لذلك خصص الدعاء من هو صالح من العباد أي المطيعين لله تعالى. واخيراً ختم مقطع الدعاء بعبارة "ذلك الله ربنا لا اله الا هو"، ليشير بهذه العبارة الى انه تعالى هو الاوحد في تفضله على عباده بازالة شدائدهم ومن البين ان النكتة البلاغية في هذا الموقف هي عنصر التأكيد او التكرار لعبارات تشير الى وحدانية الله تعالى في ازالته لشدائد العبد الصالح وهذا مثل استهلال المقطع بعبارة انت يا رب ثم اختتامه بعبارة ذلك الله حيث ان الاستهلال والاختتام بالاشارة الى الله تعالى يعني من الزاوية البلاغية ان الامر اولاً واخيراً هو بيد الله تعالى. اذن امكننا ان نتبين جانباً من الدلالات التي حفل بها مقطع الدعاء لنحدثكم في لقاء لاحق ان شاء الله تعالى عن مقطع جديد والمهم هو ان نستثمر قراءة هذه الادعية ونتمسك بالله تعالى ونمارس الطاعة ونتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "أنت يا رب ... حصن كل هارب..." - 32 2007-04-23 00:00:00 2007-04-23 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2514 http://arabic.irib.ir/programs/item/2514 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" وهو الدعاء الذي علمه النبي(ص) الامام علياً(ع) واوصاه بقراءته طيلة الحياة، وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه وانتهينا من ذلك الى مقطع يقول: (انت يا رب موضع كل شكوى) الى ان يقول: (كنز الفقراء مفرج الغماء معين الصالحين) ، ان هذه الفقرات من الدعاء هي جزء من المقطع الذي يخاطب الله تعالى بانه تعالى "شاهد كل نجوى، منتهى كل حاجة" الى ان يصل الى عبارة "كنز الفقراء" وهذا ما نحاول التحدث عنه الان. لعل قارئ الدعاء يكاد يتأمل هذه العبارة الدقيقة ونعني بها ان الله تعالى هو كنز الفقراء حتى يصل الى ما فيها من النكات والعمق والطرافة انها عبارة مألوفة ولكنها تحفل بما هو مثير ومدهش ولعلك تتساءل عن كيفية ذلك؟ فنقول، ان عبارة كنز الفقراء تجسد في اللغة الادبية او الفنية ما نسميه نحن بالصورة التمثيلية مقابل ما يسمى بالصورة الاستعارية او التشبيهية ونحوهما. طبيعياً ان التمثيل هنا يعني ان هذه الصورة تضطلع بمهمة فنية هي التعريف بالشيء فمثلاً اذا كنت تستخدم عبارة تشبيه للعلم تقول العلم كالنور، واذا اردت ان تستخدم عبارة استعارية تقول نور العلم ولكن اذا اردت ان تستخدم عبارة تمثيلية تقول العلم نور وهكذا بالنسبة الى العبارة التي نلفت نظرك اليها وهي عبارة كنز الفقراء حيث يمكنك ان تعدها تمثيلاً اذا كنت تستهدف الاشارة الى ان الله تعالى كنز وايضاً عليكم ان تعدها استعارة اذا اردت ان تخلع على ذلك طابع الكنز أي الكنز بالنسبة الى الفقراء ولكن في الحالتين هناك نكتة او طرافة مهمة هي ان نتبين الدلالات التي يمكن استلهامها من العبارة المذكورة، فما هي؟ مما لا ريب فيه ان الكنز يختلف عن المال العادي فانت قد تعطي للفقير مالاً فيفرح به لانك اشبعت حاجته ولكن اذا قدمت له كنزاً فان الامر ليختلف اختلافاً كبيراً كيف ذلك؟ من الواضح الكنز يختلف عن المال العادي مال كثير وليس قليلاً ثم ان الكنز هو مال لم يحلم به الانسان بقدر ما يواجه فجأة مالم يكن في حسبانه او يدور في خلده وذلك لان الكنز يختلف حتى عن المال الكثير بكونه مخزوناً في مكان مجهول ثم يعثر المرء عليه او حتى لو افترضنا معناه الاعم وهو مجرد المال المدخر فان الادخار ذاته وسيلة من الوسائل التي ينتفع من خلالها المرء عند حاجته. اذن امكننا ان نتبين اهمية هذه الاستعارة او الصورة التمثيلية القائلة بان الله تعالى هو كنز الفقراء حيث جاءت متجانسة مع حالة الفقير الذي لا يملك شيئاً ثم يعثر على كنز لم يحلم به وتزداد اهمية مثل هذه العبارات التي يتجانس فيها موقف الاشخاص مع طبيعة السمة التي يخلعها الدعاء على الموقف فمثلاً لاحظنا ان الدعاء الذي نتحدث عنه قال بالنسبة الى الضعيف بان الله تعالى حرز له وذلك من خلال قوله(ص) حرز الضعفاء وعندما قال بالنسبة الى المساكين بان الله تعالى غنى كل مسكين فالضعيف والمسكين والفقير كل واحد تتناسب حالته مع ما رسمه الدعاء له والمسكين هو المحتاج مطلقاً فيحتاج الى الغنى بينما الفقير يحتاج الى ما هو طارئ فيفاجأ بالكنز وما تعنيه الفارقية بين المسكين الذي هو اشد فقراً من الفقير. المهم ان قارئ الدعاء يتعين عليه ان يتجه الى الله تعالى لاشباع حاجاته المختلفة وهذا ما يقتاده الى التمسك بحبل الله تعالى وممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "أنت يا رب... منتهى كل حاجه ومفرج كل حزن" - 31 2007-04-21 00:00:00 2007-04-21 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2513 http://arabic.irib.ir/programs/item/2513 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" وهو الدعاء الذي علمه النبي(ص) الامام علياً(ع) واوصاه بقراءته طيلة الحياة، وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه ونواصل حديثنا عن احد مقاطعه البادئ بقوله(ص) (انت يا رب موضع كل شكوى) الى ان يقول: (امان كل خائف، حرز الضعفاء كنز الفقراء)، ونقف الان عند العبارة الاولى وهي امان كل خائف، لنتحدث عنها. يجدر بنا ان نذكرك قبل ان نحدثك عن عبارة "امان كل خائف" ونذكرك بعبارة سبقتها حدثناك عنها في لقاء سابق وهي حصن كل هارب، فهنا نحسبك ستتساءل قائلاً: ما هو الفارق بين قوله(ص) بان الله تعالى هو "حصن كل هارب"، وبين قوله(ص) بان الله تعالى هو امان كل خائف؟ ونجيبك قائلين صحيح يمكن القول بان العبارة القائلة بان الله تعالى هو حصن كل هارب يمكن ان تنطبق ايضاً على عبارة ان الله تعالى هو امان كل خائف حيث ان الخائف قد يكون هارباً من الشدة التي يعاني منها بيد ان الفارق بينهما من جانب آخر يفرض ضرورة كما سنبين الان حيث ينبغي تذكيرك بان النصوص الشرعية تتسم ببلاغتها الفائقة ولذلك فلا يصوغ النبي(ص) كلاماً بمعنى واحد مع كلام آخر بنفس الدلالة، وهذا ما يدفعنا الى ملاحظة الفارق بين ذهابنا الى ان الله تعالى هو حصن الهارب وبين ذهابنا الى ان الله تعالى هو امان الخائف، فما هو الفارق اذن بينهما؟ ان الحصن كما ذكرنا لك في لقائنا السابق هو المكان الذي يمنع من وصول الضرر اليه كما لو سور المكان بحائط لا يمكن مثلاً ان يخترق ولذلك تجانس هذا المعنى مع شخصية الهارب لان الهارب من القتل مثلاً عندما يدخل الحصن او المكان الحصين حينئذ لا يصل اليه ضرر واما الخائف فله شدته التي تختلف عن الهارب، فالخائف مثلاً من القتل ايضاً ينتابه نمط آخر من الشدة الا وهي الشدة النفسية ولذلك يحتاج الى الامن من الخوف المذكور من هنا تكون عبارة ان الله تعالى حصن كل هارب تتمثل في الخلاص من الشدة المادية بينما عبارة ان الله تعالى امان كل خائف تتمثل في الشدة النفسية. ونتجه الى العبارة الاخرى الواردة في المقطع وهي ان الله تعالى هو حرز الضعفاء فماذا نستلهم منها؟ هنا يتعين علينا ان نفهم معنى الحرز اولاً وهو بدوره يتجانس مع ما سبقه من الاصطلاح المرتبط بما هو ملاذ من الشدة فالحصن مكان للهارب والامان طمأنينة للخائف او الحرز هو المكان الذي يحفظ فيه الشيء وهذا يعني انه ايضاً الجهة التي يتخلص في اللجوء اليها من الشدة ولكن السؤال هنا هو اية شدة تقصدها هذه العبارة حرز الضعفاء؟ الشدة هنا هي الصعف البشري سواءاً كان ضعفاً بدنياً او ضعفاً نفسياً او غيرهما لذلك نتساءل ماذا نستلهم من الدلالات من عبارة ان الله تعالى هو حرز الضعفاء؟ لا نتأمل طويلاً حتى ندرك تماماً ان الضعف اياً كان نمطه المادي او المعنوي يحتاج الى القوة ليقابل بها الضعف او ليطرد بها الضعف وهي قدرته تعالى، حيث ان الضعيف في نطاق التجربة البشرية يخشى من القوي بطبيعة الحال، ولا يأمن اذاه بعكس الله تعالى حيث انه ينتصر بقوته للضعيف وبذلك يصبح له حرزاً أي قوة يحفظ بها الضعيف بشرياً أي ما يمنع بواسطته من الضياع او الهلاك حيث ان الحرز لغوياً بالاضافة الى ما قلنا من الحفظ للشيء هو ما يمنع من الضياع او التلف وبذلك يكون الله تعالى للضعفاء حرزاً يحتمون به من هلاك الاقوياء بشرياً او مطلق الهلاك دنيوياً واخروياً. اذن امكننا ان نلقي اضاءات على ما تقدم من فقرات الدعاء سائلين الله تعالى ان يكون لنا حرزاً وحصناً واماناً من الشدائد دنيوياً واخروياً وان يوفقنا لممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "أنت يا رب ... حصن كل هارب..." - 30 2007-04-18 00:00:00 2007-04-18 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2512 http://arabic.irib.ir/programs/item/2512 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من الزاد المعرفي في حقل العقائد والاخلاق والاحكام وقد حدثناك في لقاءات سابقة عن احد الادعية وهو الدعاء الذي يطلق عليه اسم "يستشير" حيث علمه النبي(ص) الامام علياً(ع) واوصاه بقراءته طيلة الحياة، واذا كنت متابعاً لهذا الدعاء فلابد وان تتذكر باننا قدمنا مقاطع متسلسلة منه وانتهينا من ذلك الى مقطع يقول: (انت يا رب موضع كل شكوى)، الى ان يقول: (حصن كل هارب، امان كل خائف حرز الضعفاء). هذه الفقرات من مقطع الدعاء امتداد لفقرات متجانسة فيما بينها من حيث الدلالة والاسلوب ويجدر بنا الان ان نبدأ بتوضيح ذلك. الاولى من العبارات المتقدمة هي عبارة (حصن كل هارب)، الحصن هو المكان الذي ينطوي المنعة أي المكان المحمي المنيع الذي يحجز صاحبه عن وصول الضرر اليه، ولذلك عندما يقول الدعاء عن الله تعالى بانه حصن كل هارب فلابد وان يتضمن هذا الكلام البليغ نكتة مهة وهي ان العبد في حياته وآخرته يتعرض لشدائد متنوعة بعضها بسبب من سلوكه وبعضها بسبب من سلوك الاخرين وبعضها بسبب طبيعة الحياة المحفوفة بالشدائد ولذلك فان فقرة الدعاء التي نتحدث عنها تعرض لشدائد العبد وكيفية الهروب منها وذلك عبر لغة استعارية جميلة هي الهروب من الشدائد الى الله تعالى ولكن الهروب المذكور صيغ وفق صورة استعارية هي ظاهرة الحصن الذي يلجأ اليه الهارب وهو حصن الله تعالى. والمطلوب هو الان ان نحدثك عن جمال هذه الاستعارة ونكاتها. من البين ان الهارب من شدة ما لابد وان يلجأ الى مكان يتحصن فيه، بحيث لا تصل اليه اضرار الشدة التي هرب منها، فاذا افترضنا ان الشدة التي تطال العبد هي الفقر او المرض او الاضطراب او انعدام الامن او الشدة العبادية كالهروب من الذنب وتبعاته نقول ان امثلة هذه الشدائد لا مناص للعبد من السعي لتلاقيها او الهروب منها وحينئذ فان الجهة التي تستطيع حماية العبد من شدته هي الله تعالى وذلك لان قدرات الناس محدودة وان الله تعالى وحده هو القادر على فعل كل شيء ومن ذلك قدرته على حماية عبده من الشدة التي يعاني منها. من هنا تجيء الاستعارة القائلة بان الله تعالى هو حصن الهارب متجانسة تماماً مع الموقف الذي اوضحناه الا وهو ارادة عبده بان يتخلص من الشدة المذكورة وحينئذ ماذا يصنع العبد مما يكابده لا يملك حينئذ الا الهروب منها الى جهة تقدر بان تحميه من شدته الا وهو الله تعالى. ان جمالية الاستعارة المذكورة تتمثل في كونها قد انتخبت الهروب والحصن مادة لتوضيح الدلالة وذلك بان الهارب هو الباحث عن مكان يحميه كما لو هرب شخص من حر او برد او وحش كاسر، وهو في الصحراء مثلاً حينئذ فان المكان المحمي والمحصن بسور مثلاً او بسقف او بجدران او ابواب تحجز وصول الضرر الى الشخص امثلة هذا الحصن هي المنقذ للشخص المذكور من شدائده التي يعاني منها. اذن امكننا ان نتبين جمالية واهمية الاستعارة المذكورة وهي ان الله تعالى هو حصن كل هارب وهذا ما يحملنا ان نتمسك بالله تعالى وبممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "أنت يا رب... منتهى كل حاجه ومفرج كل حزن" - 29 2007-04-16 00:00:00 2007-04-16 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2511 http://arabic.irib.ir/programs/item/2511 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة وما تتضمنه من النكات ومن المعرفة العبادية وسواها ومن ذلك الدعاء الموسوم بـ"يستشير" وهو الدعاء الذي علمه النبي(ص) الامام علياً(ع) واوصاه بقراءته طيلة العمر، وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه وانتهينا من ذلك الى مقطع يقول: (انت يا رب موضع كل شكوى) الى ان يقول: (منتهى كل حاجة، مفرج كل حزن غنى كل مسكين)، هذه الفقرات الاخيرة هي موضوع حديثنا ونبدأ ذلك بعبارة منتهى كل حاجة فماذا نستلهم منها؟ طبيعياً لا نعتقد ان احداً مهما كانت معرفته ضئيلة الا وهو يعرف تماماً ماذا تعنيه عبارة ان الله تعالى هو منتهى كل حاجة ولكن مع ذلك فان العبارة تحتاج الى مزيد من القاء الاضاءة عليها وهذا ما نحاول التوفر عليه. من البين ان حاجات الانسان لا يمكن في الحالات كلها ان تتحقق من خلال الاخرين نظراً لمحدودية طاقة الاخرين سواءاً كانت محدوديتهم في نطاق ما هو نفسي او نطاق ما هو مادي، فمثلاً لو كررت الطلب من صديق لك مرات عديدة فلابد وان يمل من طلبك وحتى لو فرضنا استعداده لانجاز طلبك المتكرر فان الطلب في حالة زيادته أي تنوع الحاجات لا يتناسب والطاقة البشرية المحدودة في امكاناتها والعاجزة عن اشباع حاجاتك جميعاً وهذا بالعكس تماماً من طلبك حاجاتك الى الله حيث انه تعالى لا يمل ولا من تكرار الطلب بل يحب الله تعالى صوت عبده تكراراً ولذلك وجد من النصوص الشرعية ما يشير الى ان الله تعالى اذا احب عبداً فانه يؤجل قضاء حاجاته حتى يسمع دعاء عبده متكرراً وهذا حيث عدم الملل، ولكن ماذا من حيث عدم محدودية حاجات الانسان؟ ايضاً ان الله تعالى يختلف عن البشر في كونه قادراً على كل شيء ولذلك فهو قادر على ان يحقق جميع الحاجات التي يطلبها العبد مهما كثر عددها بعكس البشر المحدود الطاقات من هنا يمكننا ان نفهم معنى عبارة الدعاء القائلة بان الله تعالىمنتهى كل حاجة بمعنى ان تنتهي حاجات العبد من خلال توكيلها الى الله تعالى مهما بلغ عددها وحجمها. بعد ذلك نتجه الى عبارة مفرج كل حزن فماذا نستخلص منها؟ ايضاً هذه العبارة من المألوف سماعها ومعناها ولكنها ايضاً تحتاج الى القاء الانارة عليها فماذا نستلهم منها؟ ان الحزن هو مقابل السرور مقابل الفرح وطبيعياً ان الشخصية الحزينة بعامة بحاجة الى من يذهب حزنها بيد ان السؤال هو ان الدعاء قد استخدم عبارة مفرج أي ان الله كاشف الحزن عن عبده وهو نكتة ينبغي لفت النظر اليها وذلك لان الحزن هو احساس قلبي داخلي والداخل يحتاج الى من يعرضه الى الخارج ليزول وهذا ما ينسحب على كلمة مفرج كل حزن بمعنى ان الله يخرج من اعماق عبده ما يتحسسه ويخزنه من الحزن وبذلك يتم الخلاص منه ويغمر الفرح صاحبه. والان لنتجه الى فقرة او عبارة غنى كل مسكين فماذا نستخلص منها؟ ايضاً هذه العبارة تتسم بألفتها وسهولتها ووضوحها، ولكن مع ذلك نتساءل فنقول لماذا انتخب الدعاء كلمة مسكين بدلاً من فقير حيث ان عبارة انه تعالى غنى كل مسكين معناها غنى كل فقير فلماذا لم تستعمل كلمة فقير واستخدمت كلمة مسكين من الواضح ان المسكين هو اسوأ حالاً من الفقير أي ان المسكين اشد حاجة من الفقير ولذلك استخدم الدعاء كلمة مسكين ليشير بها الى الحاجة او الفقر الشديد لدى العبد وان الله تعالى هو المغني لهذا المسكين. اذن ادركنا جانباً من الدلالات التي استوحيناها من العبارات في الدعاء كالحاجة لدى المسكين او الحزين وسواهما وان الله تعالى هو المفرج والمغني والقاضي لحاجات عباده. والاهم من ذلك هو ان نستثمر هذا الدعاء لنتوسل بالله تعالى بان ينجز جميع حاجاتنا ويوفقنا الى الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "أنت يا رب... وشاهد كل نجوى" - 28 2007-04-14 00:00:00 2007-04-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2510 http://arabic.irib.ir/programs/item/2510 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" وهو الدعاء الذي علمه النبي(ص) الامام علياً(ع) واوصاه بقراءته طيلة الحياة. وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه وانتهينا من ذلك الى مقطع يقول (انت يا رب موضع كل شكوى) الى ان يقول، (وشاهد كل نجوى، ومنتهى كل حاجة)، ان فقرة (وشاهد كل نجوى) هي التي نعتزم الان الحديث عنها. اذن لنبدأ بذلك، النجوى او المناجاة وامثلتها تعني الكلام السري الذي يبثه الشخص الى من يثق به وهذا ما ينسحب على الكلام الصادر من العبد ويتجه به الى الله تعالى وما يعنينا من ذلك هو ان الدعاء الذي نتحدث عنه يشير الى انه تعالى شاهد على كل نجوى أي كل كلام يصدر من العبد. هنا ثمة نكتة في غاية الاهمية وهي هاتان العبارتان او الكلمتان اللتان تعنيان الشيء الكثير والمهم في المناجاة بين الله تعالى وعبده الكلمة الاولى هي كلمة شاهد ترى ماذا تعني؟ الجواب هو: ما دام الحديث السري او ما دامت المناجاة هي حديث من العبد يتجه به الى الله تعالى حينئذ فانه من الطبيعي ان يكون الطرفان كل واحد منهما شاهداً فكما انك لو تناجيت مع احد اصدقائك تكون وصديقك قد شاهد كل واحد الاخر، اذن فلماذا يخص الدعاء الله تعالى بانه شاهد دون ان يضيف ذلك الى العبد؟ هنا تكمن النكتة، كيف ذلك؟ من الواضح ان الصلة بين الله تعالى وعبده ليست كما هي بين شخصين يرى كل واحد منهما الاخر، بل هي بين طرفين احدهما العبد والاخر هو الله تعالى حيث لا يراه احد ولكنه تعالى موجود في كل مكان، من هنا فلابد وان يركز الدعاء على كلمة شاهد حتى يعرف قارئ الدعاء ان الله تعالى يشهد ويرى ويسمع عبده عندما يناجيه بكلمات الدعاء. اذن كلمة الشاهد لها دلالتها المهمة وهي تؤدي وظيفة نفسية لقارئ الدعاء حتى يعي ولو لاشعورياً ان الله تعالى يسمع ويرى كلام العبد. وهذا فيما يتصل بكلمة شاهد ولكن ماذا بالنسبة الى الكلمة الثانية وهي كل في عبارة شاهد كل نجوى؟ هذا بدوره يتضمن نكتة مهمة يجدر بنا ان نلاحظها ذلك انك عندما تتناجى مع غيرك من الاشخاص مثلاً فمن الممكن ان يغفل صديقك عن كلمة تقولها او شكوى تقدمها ونحو ذلك ولكن عندما يتصل كلامك او مناجاتك مع الله تعالى فان الامر يختلف تماماً ان الله تعالى يسمع كل كلامك انه يسمع جميع كلامك ولا يفوته شيء من ذلك، ان العبد وهو حريص على بث كلامه الى الله تعالى انما يتجه بكل كيانه الى جهة هي الله تعالى وحينئذ حريص على ان يسمع تعالى كل كلامه كل ما ينطوي عليه ضميره كل ما يتطلع اليه من هنا فان الدعاء ينطوي على معطى نفسي هو ان يوحي الى العبد بان الله تعالى يرى ويسمع كل كلام العبد ولا يفوته شيء ولذلك على العبد ان يطمئن الى ان مناجاته مسموعة من الله تعالى دون ان يخشى العبد فواته من الاستماع لكلامه. اذن كم هو العطاء الذي يتحسسه العبد وهو يناجي الله تعالى حيث يستمع الله تعالى لكل كلمات عبده دون ملل من ذلك على العكس من التناجي بين شخصين قد لا يعنى الشخص بكلام مناجيه والمهم بعد ذلك هو ان نستثمر نحن القراء للدعاء هذا الجانب ونتجه الى الله تعالى بكل كلماتنا التي تعنينا وبكل همومنا التي نحملها وبكل ثقتنا بالله تعالى بان يشهد نجاوانا ومن ثم لابد وان نذكر انفسنا بضرورة الطاعة وممارستها والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "أنت يا رب... وحاضر كل ملاء" - 27 2007-04-11 00:00:00 2007-04-11 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2509 http://arabic.irib.ir/programs/item/2509 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" وهو الدعاء الذي علمه النبي(ص) الامام علياً(ع) واوصاه بقراءته يومياً طيلة العمر وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه وانتهينا من ذلك الى مقطع يقول: (انت يا رب موضع كل شكوى وحاضر كل ملاء وشاهد كل نجوى)، هذا المقطع من الدعاء حدثناك عن عبارته الاولى وهي (انت يارب موضع كل شكوى)، ونحدثك الان عن عبارته الثانية وهي (وحاضر كل ملاء)، وهذا ما نبدأ به، ان فقرة حاضر كل ملاء تعني ببساطة ان الله تعالى ليس بغائب عن كل جماعة او حشد او جمهور يجتمع في مكان ما، والسؤال هو ما معنى انه تعالى ليس بغائب عن الجماعة او لنستخدم نفس العبارة الواردة في الدعاء وهي ان الله تعالى حاضر كل ملاء أي المطلوب هو ان نفهم معنى ان الله تعالى حاضر في كل مكان يجتمع فيه حشد من الناس، طبيعياً ثمة فارق بين كون الانسان مفرداً يتعامل مع الله تعالى وبين كونه مع جماعة حيث نعرف ان الجماعة او الحشد وهذا ما يتحدث عنه عادة علماء الاجتماع نقول ان الحشد او الجماعة يمتازون عن الحياة الفردية بكونهم يخضعون للايحاء الجمعي أي تتكون لديهم حالة خاصة يفقدون بها فرديتهم ويندمجون مع الجو الاجتماعي العام بما يوحيه هذا الجو من تواصل وتأثر وايحاء يفرزه على الافراد ويعنينا من ذلك هو ان الدعاء عندما يقول عن الله تعالى انه حاضر في كل ملاء هل يقصد بذلك انه تعالى ليس بغائب عن الجماعة او الافراد بحيث يطلع على كلامهم وسلوكهم ونياتهم؟ ام يقصد بذلك انه يستجيب للجماعة عندما يجتمعون في مكان ما ويدعون الله تعالى؟ في تصورنا ان النص يدل على كلا المعنيين كيف ذلك؟ لو دققنا النظر في العبارة الاولى من المقطع وهي ان الله تعالى موضع كل شكوى حينئذ نستخلص بان المقصود من عبارة الله تعالى حاضر كل ملأ هو ان الله تعالى يستمع لما يبثه المجتمعون من حاجات ويمكننا تقريب هذه الدلالة من خلال ما ورد من التوصيات الاسلامية الذاهبة الى ان جماعة ما لو اجتمعت في مكان ما سواء كان ذلك لاجل قضاء الحاجات كما لو اجتمعوا في المسجد او كان على مائدة طعام او سوى ذلك فان مجرد اجتماعهم في مكان ما وتوسلاتهم جميعاً بالله تعالى بقضاء حاجة ما فان الله تعالى يستجيب دعاء الجماعة. اذن عندما يقول الدعاء ان الله تعالى حاضر كل ملأ نستخلص من ان الله تعالى يستجيب لدعاء الجماعة الذين يجتمعون من اجل الدعاء وطلب الحاجة. ايضاً علينا ان نستخلص اونستلهم دلالة اخرى من الفقرة المتقدمة أي فقرة ان الله تعالى حاضر كل ملأ نستطيع ان نستلهم منها ان الله تعالى ليس بغائب عن الجماعة لانه مطلع على الاعلان والاسرار وما يهدف اليه الحشد من آمال وسواها طبيعياً ان المعنى الاول هو الاقرب الى سياق الدعاء طالما نلحظ بان العبارة التي سبقت ذلك تتضمن الاشارة الى انه تعالى سامع كل شكوى كما ان العبارة التي تليها وهي انه تعالى شاهد كل نجوى تتناسب مع المعنى الذي ذهبنا اليه، ولكن في الحالات جميعاً فان قارئ الدعاء يستطيع ان يستلهم جملة دلالات في آن واحد بحيث يتداعى ذهنه الى ان الله تعالى مطلع على العباد وانه تعالى يستمع الى نجواهم ويقدر شكواهم الى ما ورد في مقطع الدعاء وهو ما نحدثك عنه في لقاءات لاحقة ان شاء الله تعالى. ختاماً نذكرك بضرورة ان تستثمر او لنقل ان نستثمر جميعاً امثلة هذه الادعية وذلك بان نجعلها اداة تذكر تشدنا الى الله تعالى بصفة انه تعالى حاضر في كل ملأ وسامع لكل شكوى ومن ثم فان تداعي الذهن لامثلة هذا التذكر تحملنا على المزيد من ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "أنت يا رب موضع كل شكوى" - 26 2007-04-09 00:00:00 2007-04-09 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2508 http://arabic.irib.ir/programs/item/2508 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" وهو الدعاء الذي علمه النبي(ص) الامام علياً عليه السلام واوصاه بقراءته طيلة الحياة وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه ونحدثك الان عن مقطع جديد هو قوله(ص): (انت يا رب موضع كل شكوى، وحاضر كل ملاء وشاهد كل نجوى)، هذا المقطع الجديد من الدعاء يتناول شريحة اخرى من اقسام الدعاء الملفتة للنظر حيث ان كل مقطع من الدعاء يختص بدلالات وصياغات فائقة حيث لاحظنا مثلاً ان مقطعاً يرد هذه الظواهر المتتابعة واحدة بعد الاخرى لم تكن سماء مبنية ولا ارض مدحية ولا شمس مضيئة ولا ليل مظلم ولا نهار مضيء، ثم يواجهك مقطع بهذا التتابع الاخر اغنيت وافقرت امت واحييت اضحكت وابكيت ثم يواجهك مقطع بهذا التتابع امرك غالب علمك نافذ كيدك غريب، وعدك صادق، قولك حق، حكمك عدل، ثم يواجهنا مقطع نتحدث عنه الان وهو ما قدمناه قبل قليل ان ما نستهدف الاشارة اليه هو بغض النظر عن جمالية الدعاء من حيث مقاطعه المتتابعة وتنويعاتها المتفاوتة والمتجانسة في آن واحد، بغض النظر عن ذلك فان المطلوب هو ملاحظة الدلالات في الدعاء وهذا ما نبدأ بتوضيحها. تقول العبارة الاولى "انت يا رب موضع كل شكوى" طبيعياً هذه العبارة وامثلتها تكرر في الادعية المتنوعة حيث تتسم بوضوحها والفتها ولكن المطلوب هو ملاحظتها بدقة وبتأمل حيث ان ما هو واضح ومألوف في الادعية هو في واقعه عميق ونادر من حيث الوعي بنكاته وطرافته والبعد المعرفي فيه. ولنقف مثلاً عند العبارة المتقدمة القائلة بان الله تعالى هو موضع كل شكوى. صحيح ان القارئ للدعاء طالما يتجه الى الله تعالى فيشكو اليه شدائد الحياة ولكن الشكوى ذاتها والجهة المتجهة اليها والنتيجة المترتبة عليها ليست بالبساطة التي نتصورها، كيف ذلك؟ اولاً، الشكوى ذاتها ليست بنحوها المطلق موضع قبول او مشروعية حيث ان النصوص الشرعية طالما تشير الى ان المؤمن حقاً هو من لا يبث شكواه الى احد حتى ان بعض الشخصيات المصطفاة تخفي شدائدها حتى الموت بحيث لا يعرف اقرب البشر اليها ذلك. طبيعياً ايضاً ثمة نصوص شرعية تشير الى مشروعية الشكوى اذا كانت الى الشخصية المؤمنة ولكن مع ذلك فان الاخفاء هو الافضل. هذا الى ان ثمة فوارق بين نمط الكلام الذي يتردد بين كونه شكوى وبين كونه اخباراً عادياً لا يستخلص او يشم منه الشكوى او الجزع او عدم الرضى فقد ورد مثلاً ان القائل لقد اصبت بالحمى ليلة امس وان مثل هذه المقولة ليست شكوى بل هي مجرد اخبار. اذن ثمة مستويات متنوعة من السلوك المتصل بمفهوم الشكوى من ان الشكوى الى الله تعالى دون سواه تأخذ مشروعيتها بالنحو الذي ورد في عبارة الدعاء القائلة بان الله تعالى هو موضع كل شكوى من هنا يمكن الذهاب الى توضيح ذلك من خلال مايأتي: ان عبارة موضع كل شكوى نستخلص منها جملة نقاط منها: ان الله تعالى وحده هو موضع الشكوى ومنها ان كل شكوى صغيرة كانت او كبيرة تأخذ مشروعيتها اذا كانت الى الله تعالى دون سواه. ومنها ان الشكوى اليه تعالى تأخذ نسقاً من الفهم يتمثل في كونها أي الشكوى تجد من يفهمها بكل وثائقها ويقدرها تماماً على العكس من الشكوى الى غير الله تعالى الي البشر حيث ان محدودية البشر وعدم تعاطفه التام مع الشاكي تجعل الشكوى غير متسمة بالادراك لخطورتها ومنها: ان الشكوى مثل سائر ما ورد من الحديث عن الدعاء واجابته يتحقق عطاؤها اما دنيوياً بان يفرج تعالى عن الشاكي او يدفع بها بلاء اشد او يدخر ذلك الى يوم القيامة. اذن في الحالات جميعاً تظل الشكوى الى الله تعالى محفوفة بعطاءات جمة نفسية وعبادية ودنيوية واخروية والاهم من ذلك هو ان الله تعالى في حسن ظن عبده حيث يتعين علينا ان نسعى لممارسة طاعته تعالى والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "وحبلك متين..." - 25 2007-04-07 00:00:00 2007-04-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2507 http://arabic.irib.ir/programs/item/2507 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة وما تضمنه من النكات والمعرفة ومن ذلك الدعاء الموسوم بـ"يستشير" وهو دعاء علمه النبي(ص) للامام علياً(ع) واوصاه بقراءته يومياً طيلة الحياة، وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه في لقاءات سابقة وانتهينا من ذلك الى مقطع طويل يبدأ بفقرة (انت الله الذي لا اله الا انت)، الى ان يقول: (حبلك متين، ومكانك عتيد وجارك عزيز، وباسك شديد). هذه الفقرات من الدعاء تحتاج بلا ادنى ريب الى القاء الاضاءة عليها نظراً لاشتمال بعضها على اللغة الاستعارية والبعض الآخر الى اللغة المكثفة بحيث تحتاج الى توضيح. ونبدأ بالفقرة الاولى الاستعارية القائلة بان حبل الله المتين، فماذا نستلهم منها؟ الحبل هو رمز او استعارة لشد الشيء به او شده للآخر او العكس، وفي الحالات جميعاً فان الحبل حيث يكون متيناً فان الشد به يعني قوة الشيء والسؤال هو كيف استعير هذا التعبير او لنقل ما يرمز هذا الرمز؟ وللاجابة نقول الذي نعتقده ان كل واحد منا حر على اذنه مصطلح التمسك بالحبل حيث يرمز التمسك به الى الانشداد اليه بحيث لا ينفلت منه الحبل ولا يتفلت هو منه، وبتحليل هذا المصطلح نصل الى معنى هو ان التمسك بحبل الله تعالى لا يخسر ابداً لا ديناً ولا اخرة، بل يربح كليهما كيف ذلك؟ ان الحبل يجر به الشيء فاذا كان الحبل واهياً مثلاً فقد يتقطع وتنفلت خيوطه ولكنه اذا كان متيناً حينئذ لا سبيل الى تقطيعه كما هو واضح والسؤال هو ماذا نستلهم من الاستعارة المذكورة؟ انه من الممكن ان لا يتمسك انسان بالحبل اساساً كما لو كان الشخص لامنتمياً مثلاً ولكن حتى المنتمي من الممكن ان يتراخى في التمسك بالحبل او لا يتراخى ولكنه يتمسك بحبل آخر يشارك به حبل الله تعالى، فمثلاً هناك الشخصية المرائية التي تشرك رضى غير الله تعالى برضاه تعالى، وهنالك الشخصية التي يضعف وعيها العبادي فتتوكل على الاسباب الطبيعية دون ان تربطها بالله تعالى وهناك الشخصية المؤمنة بالله تعالى ولكنها لا تستقي معرفتها التوحيدية والعقائدية من الله تعالى بشكل تام بل تأخذ ببعض وتترك الآخر وهذا كمن يؤمن بالقرآن الكريم ولكنه لا يؤمن بالثقل الآخر وهو العترة الطاهرة وهكذا. ان هذه الحالات جميعاً لا ترتكن الى تمسك تام بحبل الله تعالى بل تتمسك بشكل واه او بنحو خاطئ فيكون تمسكها بالحبل هو التمسك بالواهي من الحبل بينما حبل الله تعالى متين كماورد في هذه الفقرة من الدعاء. اذن ماذا نستخلص في النتيجة او نهاية المطاف الذي نستنتجه هو في غاية الاهمية ويتمثل في ما يأتي: 1- ان عبارة وحبلك متين تعني ان التمسك بالله تعالى تمسكاً تاماً وصحيحاً هو الذي يتحسس بان حبل الله تعالى متين، والا فالاخرون غير متمسكين بالحبل. 2- ان عبارة وحبلك متين تعني من زاوية اخرى ان المتمسك بالله تعالى تمسكاً تاماً هو الملتزم بالطاعة تماماً فيتحسس فعلاً بان حبل الله متين. 3- ان عبارة وحبلك متين تعني من زاوية غير ما تقدم ان من لا يلتزم باوامر الله تعالى بالنحو الصحيح وهذا كمن لا يؤمن بالعترة الطاهرة او يأخذ مصادر معرفته من غيرهم، او يتردد في التمسك بهم، سوف يتحسسون بان الحبل الذي تمسكوا به غير متين، لانه غير حبل الله تعالى الحقيقي. اذن في الختام لاحظنا ما تعنيه الاستعارة القائلة بان حبل الله تعالى متين وهذا يقتادنا الى التمسك تماماً بحبل الله تعالى وان يوفقنا الى الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "عفوك عظيم وفضلك كثير وعطاؤك جزيل" - 24 2007-04-04 00:00:00 2007-04-04 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2506 http://arabic.irib.ir/programs/item/2506 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها الدعاء الموسوم بـ (يستشير) حيث حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه في لقاءات سابقة وانتهينا من ذلك الى مقطع ورد فيه عن الله تعالى (عفوك عظيم وفضلك كثير وعطاؤك جزيل)، ان هذه العبارات تتحدث بوضوح عن العفو والفضل والعطاء، وكل واحد منها يتضمن الاشارة الى ما منحه الله تعالى لعباده من النعم التي لا تحصى والمطلوب الان هو ملاحظة هذه العبارات واستخلاص نكاتها وهذا ما نبدأ به الان. المفردة الاولى من السمات المذكورة تقول عن الله تعالى بان عفوه عظيم، والسؤال هو مع اننا نعرف تماماً معنى العفو (وهو التجاوز عن الاساءة) الا ان التجاوز عن الاساءة له مفردات متنوعة لاتنحصر في عبارة "العفو" وهذا من نحو قوله تعالى مثلاً «وان تعفوا وتصفحوا وتغفروا» فهنا نلحظ كلمة "الصفح" ونلحظ كلمة "الغفران" وهما يعنيان ايضاً التجاوز عن الاساءة لذلك فان من حق قارئ الدعاء ان يميز بين هذه الانماط من العبارات التي تتقارب فيها المعاني لكن بما ان الدعاء الذي نحن بصدده قد اكتفى بعبارة وعفوك عظيم حينئذ تقتصر على ملاحظة دلالتها فحسب والسؤال الان هو ما المقصود بدقة من العبارة المتقدمة. قلنا العفو هو التجاوز عن الاساءة ولكن المعنى الاكثر دقة للتجاوز هو ان ذنب العبد مثلاً قد يتجاوز عنه من خلال مسحه اساساً بحيث يبدو وكأن العبد لا ذنب له، وهذا ما نستخلصه من عبارة العفو التي تنتسب بجذرها الى تعفي التراب والاثر مثلاً فلو مشى احد على الارض الترابية مثلاً حينئذ فان الرياح تمسح اثر المشي بحيث لا يبقى شيء منه وهذا بالنسبة الى ذنب العبد يعني ان الله تعالى يتجاوز عن ذنوب عباده الى درجة المحو لها، وهذا هو منتهى النعمة دون ادنى شك. لكن الامر لا يقف عند مجرد عدم ترتب اثر على الذنب بل نجد ان عبارة الدعاء تقول (وعفوك عظيم) أي ان الله تعالى لا يصدر منه العفو عن ذنوب العباد فحسب بل ان العفو المذكور يتسم بالعظمة أي ان عفو الله تعالى يتعاظم الى درجة هي الغاية في التعاظم وهو ما لا يستطيع الانسان تصدر درجته المذكورة مما يعني ان عظمة الله في عفوه عن ذنوب العبد من العظمة بمكان لا تحديد لدرجاتها. ونتجه الى المفردة الاخرى وهي عبارة (وفضلك كثير) ثم عبارة (وعطاءك جزيل) هنا قد يتساءل قارئ الدعاء عن الفارق ايضاً بين الفضل وبين العطاء من جانب ثم الفرق بين ما هو (جزيل) وبين ما هو (كثير) حيث لاحظنا ان فقرة الدعاء تقول بالنسبة الى الفضل بانه كثير وبالنسبة الى العطاء بانه جزيل؟ بالنسبة الى الفضل فان معناه هو اغداق النعمة على الانسان بدون تحديد لنمطها فالفضل قد يكون مادياً او معنوياً وقد يكون بذلاً أي اعطاء وقد يكون اعم من ذلك فمثلاً الفضل قد يكون تجسداً في ابرائك من المرض او اعطائك الرزق الواسع او غيرهما بينما العطاء هو منح الشيء اياك كما لو اعطاك الله تعالى رزقاً واسعاً او نحو ذلك من الظواهر المادية غالباً وان كان من الممكن ان يتجاوزه الى المعنويات الا ان ذلك ينسحب على العبارة المجازية غالباً. يتبقى ان نوضح لك الفارق بين ما هو كثير من الفضل وبين ما هو جزيل من العطاء، وهذا يمكن توضيحه من خلال الذهاب الى ان الكثرة تعني الوافر والعدد الكبير من اشكال الفضل بينما الجزيل من العطاء يعني العظيم من الشيء وحينئذ يكون الفارق هو كمياً ونوعياً فالكثير هو ما يشمل الكمية من الفضل بينما الجزيل يشمل النوعية من العطاء وبذلك يكون الله تعالى قد منح عباده ما هو الكثير وما هو العظيم من النعم التي لا تحصى كما هو واضح. اذن امكننا ان نتبين ما تعنيه عبارات من امثال فضلك كثير، وعطاؤك جزيل، والمهم هو ان نسأله تعالى بان يمنحنا ذلك جميعاً ويوفقنا الى طاعته والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "رحمتك واسعة وعفوك عظيم..." - 23 2007-04-01 00:00:00 2007-04-01 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2505 http://arabic.irib.ir/programs/item/2505 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" وهو الدعاء الذي علمه النبي(ص) الامام علياً(ع)، واوصاه بقراءته طيلة العمر وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونتابع احد مقاطعه الباديء بقوله(ص): (انت الله الذي لااله الا انت) الى ان يقول: (رحمتك واسعة، وعفوك عظيم وفضلك كثير وعطاؤك جزيل) لنلاحظ ان هذه السلسلة من نعمه تعالى تتصل بجانب خاص هو الرحمة والعفو والفضل والعطاء، أي هي مفردات من نعمه تعالى خاصة بما يمنحه تعالى لعباده والان لنتحدث عن كل منها، ونبدأ ذلك بالحديث عن (الرحمة الواسعة)، فماذا نستلهم منها؟ قد يقول قارئ الدعاء ان هذه الفقرة او العبارة لا تحتاج الى توضيح نظراً لبساطة دلالتها ووضوحها وسنجيب قارئ الدعاء بان العبارة مع وضوحها تحتاج الى اضاءات كثيرة هذا من جانب، من جانب آخر ندعو قارئ الدعاء الى ملاحظة العبارات اللاحقة بها وهي عبارات تتحدث عن العفو والفضل والعطاء وكلها عبارات متقاربة في المعنى، وهذا يدلنا على ان لهذه العبارات الواضحة والمألوفة نكاتها وطرافتها وعمقها وثراء دلالاتها وهذا ما نتوفر على توضيحه ان شاء الله تعالى. اذن لنعد الى العبارة الاولى وهي رحمتك واسعة فماذا نستلهم منها؟ نقول ان الرحمة بشكل عام هي السمة الاشد لصوقاً بظاهرة الخير وهو القابل او المرتبط بظاهرة القدرة الالهية أي ان القدرة والخير لا ينفصم احدهما عن الاخر طالما نعرف في تجاربنا البشرية ان القوة وحدها قد تسيطر على مجتمع ما، ولكن الخير قد يغيب عنها، وهذا ما لا فائدة فيه حيث ان البشر اذا سيطر بقوته دون ان يردفه بنبض انساني وهو الخير حينئذ يسود ظلم الانسان لاخيه واذا سيطر عليه الخير ولكنه لا يملك قوة حينئذ لا يستطيع ان ينشر العدل في مجتمعه لذلك فان المجتمع السعيد هو المجتمع الذي يجمع بين الخير وبين القوة لتحقيق سعادته. والان لننتقل الى الساحة المقدسة فماذا نجد؟ نجد ان الخيروالقوة هما الفيض الزاخر من الله تعالى، مع ملاحظة ان الرحمة هي المفردة الاشد لصوقاً بمفهوم الخير، كيف ذلك؟ لنلاحظ ان الله تعالى يصف ذاته المقدسة بـ "الرحمان الرحيم" وكما ورد في النصوص المفسرة بان الرحيم خاصة للمؤمنين وصفة الرحمان عامة للكون جميعاً. واذن عندما يصف تعالى ذاته بالرحمن الرحيم من خلال البسملة التي تستهل بها جميع الاعمال، حينئذ نستكشف بان مفهوم الرحمة هو المفهوم الاشد لصوقاً بالخير، من هنا نتجه الى تحليل العبارة القائلة رحمتك واسعة. ولا ندقق طويلاً حتى نستكشف سريعاً بان الله تعالى ما دام كاملاً كمالاً مطلقاً حينئذ فان الرحمة منه تظل مطلقة لا حدود لها ولا نهاية وهذا مايفسر لنا قوله(ص) رحمتك واسعة أي ان النبي(ص) خلع على الرحمة الالهية سمة السعة ليشير بها الى ما ذكرناه من ان الرحمة الالهية من السعة الى درجة لا يمكن تحديدها وهذا هو منتهى الخير الذي يسم ذات الله تعالى. اذن امكننا ان نتبين ولو سريعاً جانباً من النكات المرتبطة بالعبارة الواضحة عبارة ورحمتك واسعة والامر كذلك بالنسبة الى السمات الاخرى الواردة في مقطع الدعاء وهو ما نحدثك عنها في لقاءات لاحقة ان شاء الله تعالى. اما الان فحسبنا ان نتجه الى الله تعالى ليشملنا برحمته الواسعة ويوفقنا الى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "ووحيك نور..." - 22 2007-03-28 00:00:00 2007-03-28 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2504 http://arabic.irib.ir/programs/item/2504 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" وهو الدعاء الذي علمه النبي (صلى الله عليه وآله) الامام علياً(ع) واوصاه بقراءته طيلة العمر. وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه وانتهينا من ذلك الى مقطع يتحدث عن الله تعالى بقوله(ص): (قولك حق وحكمك عدل، وكلامك هدى، ووحيك نور)، هذا المقطع حدثناك عنه مفصلاً ووقفنا عند الفقرة الاخيرة وهي قوله(ص) (وحيك نور)، وواعدناك بالحديث عنها الان وهذا ما نبدأ به. قلنا ان هذا المقطع المدهش بدلالته وبلاغته ونكاته ينطوي على اربعة انماط من التعبير او اللغة او الكلمات هي القول الحكم الكلام، الوحي، ان كلاً منها هو مصداق من المصاديق المعبرة عن الدلالة بكلام كل ما في الامر ان القول هو الكلام المنطوق والكلام يشمل المنطوق والمكتوب. والحكم هو كلمات تصدر بحق الآخر، والوحي هو الهام من الله تعالى للعبد يتجسد في معان او عبارت تصل الى الموحى له من خلال الملك جبرئيل مثلاً وقد اوضحنا في حينه النكات المرتبطة بهذه الانماط من اللغة ونقتصر الان على النمط الرابع وهو الوحي فماذا نستلهم من ذلك؟ ان الوحي يختلف عن غيره من انماط الكلام او اللغة بكونه يشمل التعليمات الكاملة التي يلهم بها الله تعالى انبياءه ورسله الخاصة من عباده ولعلك تسأل عن السبب الذي عبر النبي(ص) عن الوحي بانه نور بينما عبر عن الانماط الاخرى من الكلمات بان القول منها هو حق وان الحكم منها هو القول منها هو حق وان الحكم منها هو عدل وان الكلام منها هو الهدى بينما عبر عن الوحي بانه نور فلماذا؟‍ هذا ما نحاول القاء الانارة عليه الان. اننا ندعوك بان تتأمل بدقة كلاً من التعبيرات التي وردت في مقطع الدعاء. فمثلاً نجد ان النبي(ص) ذكر بان القول الصادر من الله تعالى هو حق أي ان ما يقوله تعالى هو حق لا ترديد فيه، كما لو قال تعالى مثلاً: «انني انا الله لا اله الا انا»، فهذا القول هو حق لا ترديد فيه، كما نجد ان النبي(ص) ذكر بان الحكم الصادر من الله تعالى هو عدل لا ترديد فيه كما لو حكم بالقصاص من القاتل مثلاً فانه حكم عادل بحقه لانه قتل شخصاً آخر فيكون القتل بالقتل هو عين العدل وكذلك نجد ان النبي(ص) ذكر بان الكلام الصادر من الله تعالى هو هدى وبالفعل ان ما صدر عنه تعالى هدى للبشرية جميعاً لان الالتزام بمبادئ الله تعالى في مختلف مجالات الحياة انما هو هدى لهم وليس ظلالاً او تيهاً كما هو طابع المبادئ العلمانية والامر كذلك حينما يقول النبي(ص) بان وحي الله تعالى نور فان النور المشار اليه هو كذلك لكن بما ان كلمة النور هي رمز يحتاج الى توضيح فهذا ما يتعين علينا توضيحه، ان الفارق بين ظاهرة النور الذي هو تعبير عن وحيه تعالى لانبياءه ورسله ومن ظواهر الحق والعدل والهدى حيث لاحظنا مصاديقها المتمثلة في اقواله تعالى واحكامه وكلامه الا ان النور يختلف عنها بكونه رمزاً كما هو خير وبركة وسعادة وراحة، ان النور لا ينحصر في ما هو حق كقوله تعالى: «لا اله الا انا»، ولا ينحصر في ما هو عدل كاحكامه الفقهية والقضائية ولا ينحصر فيما هو هدى لمبادئه التي امرنا بان نلتزم بها بل ان النور يشتمل بالاضافة الى ما هو سعادة ايضاً بصفة ان السعادة هي المتوخاة اساساً في سلوك الانسان الى الاخرة ان الاخرة هي الحيوان الحقيقي هي السعادة المتمثلة في رضى الله تعالى عن عبده وفي الجنة التي اعدها له، وهذا يعني ان النبي(ص) عندما قال بان وحي الله تعالى نور أي ان المبادئ التي انزلها تعالى على انبياءه ورسله هي مبادئ تفضي الى سعادة الانسان وهو المطلوب. اذن امكننا ان نتبين جانباً من النكات التي حفل بها مقطع الدعاء والمهم هو ان نوفق الى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "حكمك عدل..." - 21 2007-03-25 00:00:00 2007-03-25 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2503 http://arabic.irib.ir/programs/item/2503 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" وهو الدعاء الذي علمه النبي(ص) الامام علياً(ع) واوصاه بقراءته طيلة الحياة، وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه في لقاءات سابقة، ونحدثك الان عن الجديد منها ومن ذلك قوله(ص) عن الله تعالى: (قولك حق، وحكمك عدل، وكلامك هدى، ووحيك نور) وقد قلنا في لقاء سابق ان هذا المقطع من الدعاء يتضمن اربعة انماط من التعبير هي القول والحكم والكلام والوحي حيث اوضحنا الفارق بين الكلام والقول ونحدثك الان عن الفارق بين الحكم والوحي من جانب ثم بين العدل والنور من جانب آخر حتى نصبح على معرفة بما نقرأ من الادعية لذلك نطلب منك ان تتحمل هذه الملاحظات والا تسمح للملل بان يغلب عليك اذا كنت ممن يحرص على التعامل مع الله تعالى بما تتطلبه آداب الدعاء وفي مقدمتها معرفة ما تنطق به من الكلام الذي تتجه به الى الله تعالى من خلال الادعية اذن لنتحدث عن هذا الموضوع امامنا اربع عبارات تتحدث عن الله تعالى منها: العبارة القائلة عن الله تعالى "حكمك عدل" ووحيك نور، ترى ماذا نستلهم من تلك العبارتين؟ ان الحكم هو العبارة الصادرة من الشخص لتقرير حقيقة ما، واما الوحي فهو ما يلهم به الشخص من كلام او معنى يلج الى ذهنه او قلبه، وهذا فيما يتصل بالسلوك البشري ولكننا نحن الان مع صفات الله تعالى فماذا نستلهم من الحكم والوحي من المعاني؟ لا ندخل في التفصيلات بل نقول ببساطة ان المقصود من ان احكام الله تعالى عدل هو ان الله عندما يقدم لنا توصياته او عندما يرتب جزاءات على سلوكنا انما هي عدل لا حيف فيها، كيف ذلك؟ هنا ندعوك الى ان تتأمل اولاً التوصيات او الاحكام الشرعية او السلوكية بعامة حيث ان الامر مثلاً بان تمارس واجباً كالصلاة او تمارس مندوباً كمساعدة الاخرين مثلاً انما هي اوامر او احكام تتسم بسمة العدل وليس الظلم او التجاوز كيف ذلك؟ نطرح التساؤل من جديد؟ الامر بالصلاة هو مقابلة العبد مع الله تعالى اليس من العبودية في ابسط قضاياها ان يتجه العبد الى الله تعالى ولو في وقت من اوقاته من خلال تحقيق التواصل؟ السنا في نطاقنا الاجتماعي نحقق تواصلاً فيما بيننا نحن البشر؟ ان التواصل مع الله تعالى هو اشد بلا شك، طالما نعرف بان حق الله تعالى علينا لا يقاس بحق الناس مثلاً، والامر كذلك بالنسبة الى مساعدة الاخرين اليس كل واحد منا بحاجة الى اشباع ما يحتاج اليه؟ اذن عندما نشبع حاجات الاخرين انما تصدر من سلوك عادل لا حيف فيه. من هنا فان احكام الله تعالى وهي الآمرة بان نمارس الصلاة مثلاً او نساعد الاخرين انما هي احكام يسودها العدل لا غير. وهذا فيما يتصل بالاحكام المرتبطة بالسلوك، والامر نفسه فيما يتصل بالاحكام المرتبطة بالجزاءات المترتبة على السلوك، كيف ذلك؟ ان الجزاءات المترتبة على السلوك البشري سواء كانت دنيوية او اخروية تظل متسمة بالعدل من الله تعالى، فمثلاً عندما نسىء لاحد ثم نواجه اساءة من الاخرين عندئذ تكون الاساءة التي لحقت بنا هي جزاءاً عادلاً على الاساءة التي الحقناها نحن بسوانا وهكذا. والامر نفسه بالنسبة الى الجزاءات الاخروية سواءاً أكانت في نطاق ما هو ثواب او عقاب، أي سواء أكان الجزاء الذي يرتبه الله تعالى في الاخرة هو رضاه والجنة او غضبه والنار، (اعاذنا الله تعالى من ذلك). اذن نستخلص مما تقدم بان عبارة وحكمك عدل هو ان الله تعالى بما رسم لنا من احكام في سلوكنا الدنيوي او رتب على سلوكنا الدنيوي احكاماً اخروية انما تتسم جميعاً بما هو عدل لان الله تعالى هو الكامل كمالاً مطلقاً لا مجال لتصور الظلم او النقص في الساحة الالهية. يبقى ان نحدثك عن العبارة الاخرى الواردة في مقطع الدعاء وهو ووحيك نور وهذا ما نعدك به في لقاء لاحق ان شاء الله تعالى. اما الان فحسبنا ان نتجه الى الله تعالى بالدعاء الى ان يوفقنا الى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "قولك حق وحكمك عدل..." - 20 2007-03-14 00:00:00 2007-03-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2502 http://arabic.irib.ir/programs/item/2502 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" وهو الدعاء الذي علمه النبي(ص) الامام علياً(ع)، واوصاه بقراءته يومياً طيلة الحياة، وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه وانتهينا الى مقطع ورد فيه قوله(ص): (لا اله الا انت) الى ان يقول: (قولك حق وحكمك عدل، وكلامك هدى، ووحيك نور) ، هذا المقطع من الدعاء يتضمن اربع عبارات تتناول موضوعاً واحداً او ظاهرة واحدة هي ما يصدر عن الله تعالى من تعبير طبيعياً عندما تقول ان ما يصدر عنه من تعبير لا يقصد به التعبير المادي الصادر عن البشر بل يقصد به المجاز او الرمز عن التعبير بصفة ان الله تعالى منزه عن الحدوث، والامر كذلك بالنسبة الى الانماط الاربعة من التعبير وهي الانماط الواردة في مقطع الدعاء الذي لاحظناه الان ونعني بها المصطلحات الآتية وهي القول الحكم الكلام الوحي حيث قال الدعاء عن الله تعالى بان قولك حق وحكمك عدل وكلامك هدى ووحيك نور ان هذه المصطلحات تحتاج الى لقاء الانارة عليها لملاحظة الفوارق بينها ما دام هدفنا من هذه الاحاديث هو ملاحظة دلالتها حتى نكن على معرفة ووعي بما نقرأ من الادعية، اذن لنبدأ بهذه الملاحظة، هنالك اولاً ملاحظة الفارق بين القول والكلام والسؤال هو هل ثمة فارق ملحوظ بينهما؟ طبيعياً لا مناص من الفوارق لان الدعاء هو صياغة تصدر عن المعصوم فلابد وان تكون الصياغة التعبيرية من البلاغة بمكان والسؤال من جديد ما هو الفارق بين الكلام والقول؟ تقول المصادر اللغوية ان القول دال على الحكاية أي النطق بينما الكلام هو اعم من ذلك، وفي ضوء هذه الفارقية يمكننا في حالة ما اذا اردنا التجربة البشرية في لغتها ان نقول القول هو النطق بالحروف او الاصوات والكلام هو الكتابة والنطق ومطلق ما يصدر من التعبير عن الحقائق ولكن فيما يتصل بالله تعالى فان الفارقية المذكورة لا يمكن ان نسحبها، بينما يصدر عن الله تعالى الا مجازاً او رمزاً كما قلنا لذلك نتساءل ما هو الفارق بين ما ورد في الدعاء الذي نتحدث عنه من عبارة قولك حق وكلامك هدى؟ هنا سوف ننقلك الى محور آخر هو نحسبك بانك ستتساءل قائلاً ما هو الفارق بين كلمة حق في جملة قولك حق وبين كلمة هدى في جملة كلامك هدى؟ وهكذا سوف تتساءل عن العبارات الاخرى وهي كلمة نور في قوله(ص) ووحيك نور وكلمة عدل في قوله(ص) حكمك عدل؟ اذن نحن الان في محاور آفاق وحقول متنوعة تتطلب منا ومن قارئ الدعاء تأملات لاتسمح به هذه الشريحة من احاديثنا عن الادعية وقد تحس بنمط من الملل احياناً اذا قدر لك بان تنتقل الى هذه الظواهر اللغوية ولكننا نضطر الى ذلك اذا كنا حريصين على قراءة الادعية على وجهها الافضل والا الا تحس معنا اننا مقصرون في تعاملنا مع الله تعالى حيث نتحدث مع الله تعالى من خلال الادعية ثم نجهل ما نتحدث به أليس ذلك من العيب؟ والان لندع هذه الملاحظة ولنواصل حديثنا عن الفوارق المتنوعة التي يحفل بها مقطع الدعاء القائل: (قولك حق وحكمك عدل وكلامك هدى ووحيك نور)، ونبدأ ذلك بالسؤال عن الفارق بين القول والكلام حيث قلنا ان القول هو النطق بالشيء بينما الكلام هو اعم من ذلك وهذا يستاقنا الى ان نسأل ماذا يقصد النبي(ص) بعبارة قولك حق؟ ثم عبارة كلامك هدى؟ ونجيب قائلين: الحق هو احد مفردات الهدى، أي الهدى هو مجموعة من الظواهر التي يستكمل بها الانسان درجة ما يريده الله تعالى لعبده، اما الحق فهو احدى درجات ذلك فكما ان الفارق بين الكلام وبين القول هو ان الكلام اعم من القول كذلك فان الهدى اعم من الحق فتكون النتيجة ان ما يصدر عن الله تعالى هو يرتبط بما هو حق ويرتبط بما هو هدى يربتط بما ينبغي ان نمارسه في مجالات تشخيص ما هو حق مقابل الباطل، وتشخيص ما هو هدى للبشرية بعامة مقابل ما هو ضلال. اذن امكننا ان نتبين جانباً من الفوارق المذكورة الى ان نواصل ملاحظة الفوارق الاخرى لاحقاً ان شاء الله تعالى، ومن ثم يتعين علينا استثمار ذلك لممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "ووعدك صادق..." - 19 2007-03-11 00:00:00 2007-03-11 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2501 http://arabic.irib.ir/programs/item/2501 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" وهو الدعاء الذي علمه النبي(ص) الامام علياً(ع) واوصاه بقراءته يومياً طيلة العمر وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه وانتهينا من ذلك الى مقطع يقول (امرك غالب وعلمك نافذ وكيدك غريب) ثم يقول (ووعدك صادق وقولك حق، وحكمك عدل، وكلامك هدى) ، هذا المقطع وما يليه يتضمن سلسلة من السمات التي تبلور لنا حقائق فعل الله تعالى في مختلف المجالات، امن ذلك مثلاً عبارة وعدك صادق وهي عبارة من الوضوح بمكان ولكن الظاهرة تحتاج الى اضاءة كبيرة وذلك لانسحابها على السلوك البشري بدوره حيث نعرف جميعاً ان النصوص الشرعية حينما ترسم لنا ملامح الظاهرة انما تستهدف من ذلك تعميق معرفتنا بها من جانب وضرورة الافادة منها في تعديل سلوكنا من جانب آخر. ولنحدثك عن عبارة وعدك صادق في ضوء الحقيقة المتقدمة ان الوعد يجسد واحدة من مفردات الحقائق المتصلة بالله تعالى من جانب وبالبشر من جانب آخر، طبيعياً ان السمات المتصلة بالله تعالى تتميز بكونها متفردة منحصرة به تعالى وبكونها في حالة ما اذا كانت من السمات المأمور بالافادة منها معياراً يهتدي به البشر ان النصوص الشرعية تطالبنا بان نتخلق باخلاق الله تعالى ومن ذلك ظاهرة الوعد من حيث الالتزام به حتى انك تلاحظ بان القرآن الكريم مثلاً يخلع على كل نبي من انبياء الله صفة خاصة مثل صفة الصبر بالنسبة الى ايوب(ع) وصفة الشكر بالنسبة الى نوح(ع) وهكذا، وهنا نجد ان صفة الصدق في الوعد برسمها بالنسبة الى اسماعيل(ع) فيقول (واذكر في الكتاب اسماعيل انه كان صادق الوعد)، من هنا نستكشف مدى اهمية وخطورة هذه الصفة بحيث يرسم بها القرآن الكريم شخصية نبوية كشخصية اسماعيل(ع) من هنا ايضاً يتعين علينا ان نحدثك عن المعطيات المترتبة على هذه السمة في ميدان السلوك الاجتماعي. لو دققنا النظر في التوصيات الاسلامية لوجدنا ان احد احاديث المعصومين عليهم السلام يشير الى ان صفة الخلف في الوعد وصفة الكذب في الكلام وصفة الخيانة في الامانة تعد من النفاق أي ان الشخصية التي لا تصدق في وعدها هي شخصية منافقة وهذه مأساة دون ادنى شك بالنسبة الى امثلة هذه الشخصيات غير الصادقة في وعدها ولعلك تتساءل عن السبب الكامن وراء سمة النفاق التي تطيع الشخصية غير الصادقة في وعدها وهذا ما يمكننا توضيحه من خلال ما يأتي: نتساءل اولاً ما هو النفاق؟ النفاق هو سلوك ازدواجي يقوم على اظهار الشيء بخلاف حقيقته كالشخصية التي تتظاهر بالايمان وهي كافرة وهدفها من ذلك هو ان تشبع حاجاتها الدنيوية من وراء السلوك المذكور ولعل المنافقين المعاصرين لزمن الرسول(ص) مثال واضح للشخصيات المذكورة حيث ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم مما لا حاجة الى الاستشهاد بنصوصها. بيد ان النفاق ينسحب على مطلق السلوك غيرالصادق في حقيقته وفي مقدمته الكذب حيث نعرف جميعاً بان الكذب في التصور الاسلامي هو مفتاح المعاصي جميعاً وكذلك الخلف في الوعد، كيف ذلك؟ من البين ان الكاذب في سلوكه الظاهري انما يكذب بدوره في علاقته مع الله تعالى ولذلك ينسحب كذبه على مفردات سلوكه في مختلف الميادين وتتحقق المعصية بذلك والخلف في الوعد هو واحد من المفردات المنطوية على الكذب، كيف ذلك؟ من الواضح ايضاً ان الخلف في الوعد هو كذب صريح لان الشخصية التي تعد بان تصنع شيئاً ما ثم لا تصنع ذلك انما تكون كاذبة في كلامها المذكور فتصبح منافقة لانها تظهر بخلاف ما تبطنه انها لا تلتزم بالوعد وهو باطن سلوكياً ولكنها تعد لفظياً وهو ظاهر سلوكياً فتصبح بذلك منافقة. اذن امكننا ان نتبين مدى اهمية السلوك المرتبط بالصدق في الوعد حيث يتعين علينا ان نستثمر قراءتنا لهذا الدعاء فنعمق معرفتنا بالله تعالى من جانب ونبدل سلوكنا او نعد له من جانب آخر، بحيث تتخذ من سمة الصدق في ما نعد به مثالاً ندرب ذواتنا عليه ومن ثم ندرب ذواتنا على مطلق الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "وعلمك نافذ وكيدك غريب" - 18 2007-03-06 00:00:00 2007-03-06 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2500 http://arabic.irib.ir/programs/item/2500 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" وهو الدعاء الذي علمه النبي(ص) الامام علياً(ع) واوصاه بقراءته يومياً طيلة العمر. وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه ونتابع الان سائر مقاطعه ومنها المقطع القائل (امرك غالب وعلمك نافذ وكيدك غريب)، وفي لقاء سابق حدثناك عن العبارة الاولى وهي امرك غالب حيث انتهينا من ذلك الى ان الهدف او النكتة الكامنة وراء العبارة المتقدمة هي ان الله تعالى هو الفعال لما يريد دون ان يحجزه سلوك الاخرة بمعنى ان العبد لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ونحدثك الان عن العبارة الثانية وهي علمك نافذ فماذا نستخلص منها؟ العبارة كما تلاحظ من الوضوح بمكان ولكنها كالعبارة التي سبقتها تنطوي على نكات يجدر بنا ملاحظتها اننا نعتقد بوضوح بان الله تعالى عالم بلا حدود أي العلم المطلق وهو المانح لعباده ما شاء من المعرفة بيد ان السؤال هو ماذا نستلهم من كلمة النفاذ؟ النفاذ هو اجراء الشيء وقضاؤه، وبالنسبة الى العلم فان المقصود من ذلك بالنسبة الى الله تعالى ان علمه وهو المطلق بلا حدود ينفذه في فاعليته الكونية دون ان يحجزه قصور او تردية او توقف في اجرائه للاشياء، وتجدر الاشارة هنا الى مفهوم واصطلاح هو البداء حيث ان نفاذ علمه تعالى ينسحب حتى على البداء بصفة انه تعالى عالم بما يتطلبه الموقف من تنفيذ حكم ما في مرحلة معينة ورفعه في مرحلة اخرى بحسب ما تقتضيه المصلحة الاجتماعية او الفردية ففي الحالات جميعاً يظل الانفاذ لعلمه هو المتحكم في المواقف ونتجه الى العبارة الثالثة وهي وكيدك غريب، ولعل هذه العبارة تقترن بشيء من التساؤل حيال دلالتها او نكاتها والا فان المعنى اللغوي واضح بطبيعة الحال والسؤال هو ما المقصود بالكيد اولاً ثم المقصود من غرابته بالنسبة الى الكيد يعني المكر او الخداع او الاحتيال ومن الطبيعي ان الله تعالى وهو الكامل مطلقاً لا يصدر منه الا ما هو ايجابي من الفعالية ولذلك من الممكن ان يتساءل قارئ الدعاء اذا كان متسرعاً كيف نجمع بين ظاهرة الكيد وبين صفات الله تعالى؟ الجواب ببساطة هو ان الله تعالى يتعامل مع الكفار والمنحرفين بما يتساوق والعقاب الذي يطالهم فمثلاً نقرأ في النصوص القرآنية ان الكفار يكيدون ويقول الله تعالى «انهم يكيدون كيداً / واكيد كيداً» ويقول عن المنافقين «واذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا واذا خلوا الى شياطينهم قالوا انا معكم انما نحن مستهزؤون / الله يستهزئ بهم» ويقول تعالى: «والله خير الماكرين»، ان هذه النصوص القرآنية الكريمة تحدد لنا بوضوح بان الله تعالى يعامل المنحرفين بما يدفعهم به حيث يخيل اليهم ان المكر والخداع والاستهزاء وما الى ذلك مما يصدر عنهم انما هو ذكاء منهم بينما يجيبهم الله تعالى بلغتهم التي صدروا عنها حتى يكون العقاب اشد الماً عليهم. نستخلص مما تقدم ان السخرية من المنحرفين مثل قوله تعالى مثلاً عنهم: «ذق انك انت العزيز» حيث يسخر من المنحرف ويقول له «ذق العذاب» ويقول له انت العزيز في قومك بينما هو غارق في اشد العذاب عذاب جهنم وهو امر يزيد من العذاب النفسي للمنحرف بالاضافة الى العذاب الجسدي. ختاماً قبل ان نواصل حديثنا في لقاءات لاحقة ان شاء الله تعالى عن سائر ما ورد في مقطع الدعاء يجدر بنا ان نذكر انفسنا بضرورة استثمارنا لهذا الدعاء وذلك بان نتجه الى الله تعالى بالدعاء بان يوفقنا لطاعته والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "أمرك غالب وعلمك نافذ..." - 17 2007-03-04 00:00:00 2007-03-04 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2499 http://arabic.irib.ir/programs/item/2499 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" وهو الدعاء الذي علمه النبي(ص) الامام علياً(ع) واوصاه بقراءته يومياً طيلة العمر وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه وانتهينا من ذلك الى مقطع ورد فيه خطاب لله تعالى بهذه الاوصاف (امرك غالب، وعلمك نافذ، وكيدك غريب، ووعدك صادق)، ان هذه المفردات تحتاج الى القاء الاضاءة عليها وهو ما نحاول التوفر عليه الان. المفردة الاولى تقول (امرك غالب) فماذا نستلهم منها؟ طبيعياً المعنى اللغوي لهاتين الكلمتين واضح الا ان المطلوب هو ملاحظة الدلالة المستخلصة من ذلك، ولهذا نقول عندما يقررالدعاء بان امر الله غالب انما يلفت نظرنا الى نكتة في غاية الاهمية الا وهي ان الامور اياً كان نمطها وحجمها هي بيد الله تعالى وليس بيد العبد مهما خيل للبعض بان جهد العبد هو المحدد لحصول الامر، طبيعياً ثمة مواقف تشير التوصيات الاسلامية الى ان العبد هو الذي يضطلع بجهده في تحقيقها وهذا قد يتنافى مع التوصيات التي تقرر بان الامر هو لله تعالى وليس للعبد فكيف نوفق بين القولين؟ لنستشهد ببعض الامثلة اولاً، حتى يتضح الامر يقول الله تعالى «وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى»، هنا الا يتساءل قارئ هذه العبارة القرآنية الكريمة قائلاً، ان الموضوع يتصل بالمعركة حيث يقاتل العبد بسلاح ويرمي بسهامه العدو اذن الرمي هومن المقاتل فكيف يكون من الله تعالى حيث يقول وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى، لا نعتقد اننا نحتاج الى تأمل كبير حتى ندرك سريعاً بان المقصود هو ان الله هو المساعد لعبده في حركاته فلولا نصر الله تعالى لعبده لما استطاع ان يرمي بسهم في المعركة، وهذا فيما يتصل بالتوصيات القائلة بان الله تعالى وليس العبد هو الممارس لهذا الامر او ذاك، ولكن ماذا بالنسبة الى العبارة الواردة في الدعاء بان امر الله تعالى هو الغالب؟ هذا ما نوضحه الان. ثمة توصية اسلامية تقول بما مؤداه ان الله تعالى اذا اراد انفاذ ارم يسلب عقول العباد ممن بيدهم القرار فينفذ امره اثم يرجع العقول الى عباده فيقولون كيف حصل هذا وكيف، ومعنى هذه التوصية ان الله تعالى غالب امره بالقياس الى امر العبد، فمثلاً لو فرضنا ان الله تعالى يريد ان يوفر لعبده وظيفة ادارية في هذه المؤسسة او تلك ولكن المسؤول عن المؤسسة يمتنع عن ذلك، حينئذ يسلب الله تعالى عقل هذا المسؤول في لحظة طلب العبد لوظيفة ما، فيوافق على ذلك دون ان يعي هذا الامر كما لو ذهل عن الموضوع تماماً، ثم يعي الموقف فيعجب كيف وافق على طلب هذا الرجل مع انه معارض اساساً لطلبه المذكور. ان ما نهدف الى توضيحه هو ان امر الله تعالى هو الغالب كما ورد في الدعاء امرك غالب، وهذا في حالة ما اذا فرضنا ان ثمة غالباً ومغلوباً في الموقف وكذلك في الحالات المطلقة كما لاحظنا مثلاً في النص القرآني الكريم القائل وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى، حيث نستخلص مما تقدم بانالامر هو لله تعالى طبيعياً من الممكن ان يتخلى الله تعالى عن عبده في حالة ما اذا كان العبد عاصياً ومستاهلاً للعقاب بحيث لا ينصره في المواقف ولكن حتى في هذا السياق فان امر الله وليس امر العبد يظل هو الغالب وهذا مما يحملنا على ضرورة ان نعي بان الله تعالى هو الفعال لما يريد وان العبد لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً. اذن امكننا ان نتبين جانباً من الاسرار الكامنة وراء العبارة الواضحة القائلة عن الله تعالى بان امره هو الغالب حيث تعني بان الله تعالى هو الفعال للامور جميعاً كل ما في الامر ان نمط الممارسة العبادية للعبد تحدد ما اذا كان الله تعالى في عون عبده في انجاز هذا الامر او عدمه بالنحو الذي اوضحناه الان والمهم هو ان نسأله تعالى بان يوفقنا لممارسة العمل العبادي والتصاعد به الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "انت الله الذي لا اله الا انت الخلاق المعين" - 16 2007-02-26 00:00:00 2007-02-26 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2308 http://arabic.irib.ir/programs/item/2308 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ "يستشير" حيث حدثناك عن مقاطع منه في لقاءات سابقة، ونحدثك الان عن مقطع جديد وهو (انت الله الذي لا اله الا انت، الخلاق المعين، او الخلاق العليم) هذا المقطع هو امتداد او لنقل ابتداء لمقاطع جديدة تتحدث عن الله تعالى عبر سلسلة من صفاته عز وجل قدرته ورحمته وما يدور في المحور المشار اليه ... ونقف عنده الان ... طبيعياً الشطر الاول من العبارة وهي (انت الله الذي لا اله الا انت) يتحدث عن التوحيد او الوحدانية وهو امر مألوف في النصوص الدعائية وغيرها غير ان الملفت للنظر هو ان الدعاء الذي نتحدث عنه يتميز بخصائص ونكات متنوعة بحيث ان النبي(ص) علم الامام علياً(ع) هذا الدعاء واوصاه بقراءته يومياً طيلة العمر مما يكشف عن الحقيقة المذكورة ولعل ما تمكن ملاحظته بالنسبة الى الوحدانية اوالتوحيد هو ظاهرة التكرار لكلمة انت في بداية العبارة ونهايتها حيث قال(ص) (انت الله الذي لا اله الا انت) ان هذا التكرار له دلالته البلاغية الكبيرة دون ادنى شك حيث تستهدف التعميق لمفهوم الوحدانية واستحضاره في ذهن قارئ الدعاء وتثبيته وهو المطلوب لكن السؤال هو ماذا بعد العبارة المذكورة ان قارئ الدعاء لابد وان يتساءل عن السر الكامن وراء التمهيد بتكرار عبارة "انت" بحيث ان ما يأتي بعدها لابد وان ينطوي على نكتة خاصة الا وهي السمة القائلة (انت الخلاق العليم) او المعين، اذن لنتحدث عن هذه السمة. الملاحظ ان نسخ الدعاء تتردد بين عبارة او سمة الخلاق المعين والخلاق العليم وفي تصورنا ان كليهما يحمل دلالته ونكاته. المهم ان كلمة الخلاق هي المستهدفة اولاً وقد صاغها الدعاء بصيغة المبالغة وهو امر يتجانس تماماً مع ما سبقها من العبارات مثل قوله(ص) (انت الله لا اله الا انت كنت اذ لم تكن سماء مبنية ولا ارض مدحية ولا شمس مضنية ولا ليل مظلم)، ان هذه الظواهر المتصلة بخلق الارض والسماء والشمس والنهار والليل والقمر والرياح والسحاب، انها جميعاً ظواهر خلقها الله تعالى ولذلك عندما جاءت عبارة الخلاق بصيغة المبالغة فانما لتتجانس مع الظواهر المتسلسلة التي عرضها الدعاء. وهذا فيما يتصل بنكتة العبارة القائلة بان الله تعالى هو الخلاق ولكن ماذا بعد العباراة المتقدمة، العبارة الجديدة او بالاحرى الصفة او السمة التي الحقها الدعاء بكلمة الخلاق هي المعين او العليم وفي نظرنا ان كليهما تتجانسان مع الموقف مع احتمالنا بان كلمة العليم هي الاكثر لصوقاً بسياق الدعاء، لماذا؟ السبب هو ان الدعاء يتحدث عن خلق الله تعالى بحيث استخدم صيغة الخلاق كما قلنا وهذه السمة تقترن كما هو واضح بظاهرة العليم أي الخلق او الابداع من حيث كونه مرتبطاً بسمة العلم بهذا او تلك الظاهرة وهذه الصياغة وردت بدورها في النص القرآني الكريم مثل قوله تعالى (وهو الخلاق العليم) مما يعزز ذهابنا الى ان عبارة الخلاق العليم هي اكثر تجانساً مع سياق الدعاء الذي يتحدث عن خلق الله تعالى للظواهر الكونية المختلفة. اذن امكننا ان نتبين ولو سريعاً جملة من النكات الكامنة وراء الفقرة المتقدمة ونعني بها (انت الله الذي لا اله الا انت الخلاق العليم) سائلين الله تعالى ان يوفقنا الى الشكر لنعمه تعالى والى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "فتبارك يا الله وتعاليت" - 15 2007-02-19 00:00:00 2007-02-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2307 http://arabic.irib.ir/programs/item/2307 لازلنا نحدثك عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" وهو الدعاء الذي علمه النبي(ص) الامام علياً(ع) واوصاه بقراءته يومياً طيلة العمر، وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه وانتهينا من ذلك الى مقطع ورد فيه التعقيب الاتي عن عظمة الله تعالى (فتباركت يا الله وتعاليت)، ان هذه العبارة الواردة في نهاية المقطع الذي يتحدث عن عظمة الله تعالى وقدرته الابداعية المطلقة وهيمنته على الوجود هذه العبارة لها دلالتها ونكاتها التي يحسن بنا ان نعرض لها الان. العبارة تقول اولاً فتباركت يا الله ثم تقول وتعاليت والسؤال هو ماذا تعني هاتان العبارتان؟ الجواب انهما تلخصان لنا عظمة الله تعالى مشفوعة بما هو خير والسؤال من جديد ما معنى عظمته مشفوعة بما هو خير طبيعياً ان قارئ الدعاء من الممكن ان يتساءل قائلاً عرفنا من عبارة تباركت معنى الخير ولكن هل نعرف بان عبارة تعاليت تعني العظمة؟ ونجيبك بكلمة نعم وهو امر يقتادنا الى القاء الانارة على هذين الموضوعين. لنتحدث اولاً عن التجربة البشرية في نطاقاتها المحدودة تدلنا على ان الشخصية الاجتماعية التي تمتلك صنع القرارات مثلاً هذه الشخصية او المؤسسة او الحكومة او الخ، من الممكن ان تمتلك القوة او السيطرة على الاخرين الا انها تفتقر الى الاخلاق الى عمل الخير الى ما هو انساني، وفي امثلة هذه الحالة هل ينتفع الاخرون بقوة او سيطرة الشخصية او الحكومة او غيرها؟ طبيعياً كلا اذاً ما فائدة ان يمتلك شخص ما قوة ولكنه لا يمتلك نزعة انسانية!! ولكن ماذا لو عكس الامر؟ لو افترضنا ان شخصية ما او حكومة ما تمتلك نزعة انسانية الا انها من الضعف بمكان بحيث لا يمكن لها ان تقود مجتمعها الى هدفها الخير ترى هل ينتفع مجتمعها بذلك؟ طبيعياً كلا والسبب هو ان القوة لا مناص منها لتثبيت معاني الخير. اذن نستخلص من التجربة البشرية ان الشخصية او الدولة القوية اذا لم تمتلك الخير فلا فائدة منها والعكس هو الصحيح ايضاً أي اذا لم تستطع فرض نزعتها الانسانية فلا فائدة من ذلك ايضاً من هنا فان الشخصية اوالدولة الحقة هي من تمتلك قوة او تمتلك نزعة انسانية وحينئذ تستطيع تحقيق هدفها الانساني. والان لنتجه الى ما نحن بصدده وهو عظمة الله تعالى متمثلة في عبارة تعاليت ورحمته الخيرة متمثلة في عبارة تباركت فماذا نستلهم منهما؟ لا نحتاج الى كبير من التأمل حتى ندرك سريعاً بان عظمة الله تعالى تتمثل في كونه هو الخير المطلق هو الرحمة المطلقة هو المباركة الم يقل الدعاء فتباركت اليست المباركة هي ثبوت الخير ونماؤه كما تقرر المصادر اللغوية؟ من هنا يمكننا ان نفهم لماذا استهل الحديث عن عظمة الله تعالى اولاً بعبارة تباركت لانها تعني ثبوت الخير ونماءه؟ ثم يمكننا ان نفهم لماذا جاءت العبارة الثانية وتعاليت تعبيراً عن السيطرة والغنيمة والقوة وهذا يعني ان عظمة الله تعالى تتمثل في انهما الخير او الرحمة المطلقة مشفوعة بقوته غير المحدودة أي المطلقة اذن القوة المطلقة مشفوعة بالخير المطلق هو التجسيد لعظمة الله تعالى. ختاماً امكننا ان نستخلص النكات الدلالية الكامنة وراء العبارتين القائلتين فتباركت يا الله وتعاليت وهو امر يقتادنا الى تعميق معرفتنا بعظمة الله تعالى ومن ثم ضرورة ممارسة الطاعة لله تعالى والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "واضحكت وابكيت وعلى العرش استويت" - 14 2007-02-17 00:00:00 2007-02-17 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2306 http://arabic.irib.ir/programs/item/2306 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" وهو دعاء علمه النبي(ص) علياً(ع) واوصاه بقراءته يومياً طوال العمر وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه وانتهينا من ذلك الى مقطع يقول عن الله تعالى (واضحكت وابكيت وعلى العرش استويت)، ان العبارة او الفقرة الاولى القائلة بان الله تعالى اضحك وابكى تظل من العبارات الرمزية المعروفة في القرآن الكريم لانها تترشح بدلالات متنوعة وهذا احد الوجوه البلاغية التي تتسم النصوص الشرعية والسؤال الان هو ماذا نستلهم من عبارة واضحكت وابكيت؟ هذا ما نحاول القاء الاضاءة عليه الان. قلنا ان الضحك والبكاء عندما يردان في النصوص الشرعية فانهما يقترنان بما هو رمزي والرمز هو التعبير عن اشياء غير محدودة بعبارة محدودة وهذا ما ينسحب على ما نحن بصدده، لكن ينبغي التذكير بان النصوص الشرعية ذاتها بخاصة النصوص الواردة عن النبي(ص) والمعصومين عليهم السلام قد اوضحت منها جملة من الدلالات التي ترشح بها هاتان العبارتان من ذلك مثلاً قوله تعالى «فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً»، حيث فسرت بالجزاءات المترتبة على سلوك الانسان بصفة ان الدنيا تتسم بالمتاع العابر، وان المتاع هو قليل بالقياس الى الجزاءات السلبية المترتبة على سلوك الانسان الدنيوي، انه استمتع قليلاً بمتاع الحياة الدنيا، ولكنه سيبكي كثيراً في آخرته. لكن لنتجاوز الان هذه الآية الكريمة ونتجه الى الآية الاخرى القائلة «وانه هو اضحك وابكى»، حيث اقتبسها الدعاء، واستخدمها في عبارة واضحكت وابكيت، فماذا نستلهم منها؟ قلنا ان الاحاديث الواردة عن المعصومين عليهم السلام تقدم لنا جملة اجابات عن الموضوع المذكور، منها ان ظاهرة الاضحاك والابكاء او الضحك والبكاء لا تختلف عن اية اجهزة جسيمة كالعين والاذن او الصدر او القلب، أي ثمة جهازان مسؤولان عن عملية الضحك التي تفصح عن الرخاء قبالة البكاء الذي يفصح عن الشدة وما دام الدعاء يتعرض الى الظواهر الابداعية لله تعالى فكذلك التعرض الى الضحك والبكاء يتناول الاشارة الى قدراته تعالى. ومن الاجوبة الاخرى ان الله تعالى اضحك المطيعين بالرحمة وابكى العاصين بالغضب عليهم. ومن الاجوبة ايضاً ان الضحك والبكاء ينسحبان على الاشجار المثمرة والسحب الممطرة حيث تضحك الاولى وتبكي الاخرى. نقول ثمة اجوبة اخرى بالنسبة الى هذين الرمزين ولكننا كما هو دأبنا دائماً نقول ان كل ما يمكن لقارئ الدعاء ان يستخلصه ويفسره يظل واحداً من السمات البلاغية للنصوص الشرعية حيث ان تعدد المعنى هو احد وجوه البلاغة من هنا يمكننا ان نقر بان جميع ما ورد حياله من تفسير للضحك والبكاء يظل له مشروعيته. اخيراً ختم مقطع الدعاء بعبارة (على العرش استوى) وبما ان هذه العبارة حدثناك عنها مكرراً في لقاءات متنوعة لذلك لا ضرورة لاعادة الحديث عنها بقدر ما نشير عابراً الى ان هذه الفقرة هي نص قرآني كريم، وهو نص بلاغي رمزي أي ان عبارة استوى على العرش ترمز الى القدرة والهيمنة والسيطرة التي يتميز بها الله تعالى في عظمته غير المحدودة أي ان الله تعالى هيمن على الوجود وسيطر عليه وانها القدرة غير المحدودة لله تعالى انها الامتلاك لناصية الوجود بنحوه المطلق. اذن تبين لنا ما ترمز اليه عبارة استوى على العرش وقبل ذلك عبارة اضحكت وابكيت حيث تنطوي على جملة دلالات والمهم هو ان العبارات المتقدمة تتحدث عن عظمته تعالى وهنا نسأله تعالى ان يوفقنا للطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "واغنيت وافقرت وامت واحييت..." - 13 2007-02-07 00:00:00 2007-02-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2305 http://arabic.irib.ir/programs/item/2305 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" وهو دعاء علمه النبي(ص) الامام علياً(ع) واوصاه بقراءته طيلة العمر، وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، وانتهينا من ذلك الى مقطع جديد جاء فيه (واغنيت وافقرت وامت واحييت واضحكت وابكيت). هذا المقطع يتضمن جملة ظواهر تتصل بعظمة الله تعالى ورحمته ونقف اولاً عند الفقرة القائلة (واغنيت وافقرت) ونظراً لاهمية هذه العبارة من حيث اثرها الاقتصادي الذي يحتل مساحة كبيرة في نظر الشرع والعرف لذلك سنحدثك عنها وان كنا حدثناك سابقاً عن ذلك. من الواضح ان الله تعالى يعامل عباده بما تتطلبه الحكمة ومع ان كل ما يحدث للعباد انما يتم وفق تكيف خاص من الله تعالى من حيث ما يترتب على سلوك العبد من نتائج دنيوية وكذلك اخروية نقول مع ان كل ما يحدث للعباد انما يتم من خلال الله تعالى في عطائه غير المحدود الا ان ظاهرة الرزق لها موقع خاص طالما يكرره الشرع متمثلاً في ان الرزق من الله تعالى، وتبعاً لذلك، فان السعة في الرزق او القتر او حتى الفقر كل ذلك انما يتم لمصلحة العبد، فمثلاً ان بعض العباد يكون الرزق الواسع من صالحهم والبعض يكون الرزق المحدود من صالحهم، والبعض الثالث يكون الفقر من صالحهم وهكذا. لكن ينبغي ان نضع في الاعتبار ان السعة او القتر او الفقر قد تكون اختباراً للعبد أي ملاحظة كيفية السلوك الصادر من العبد في حالة ما اذا اغناه الله تعالى او قتر عليه رزقه او افقره ... كيف ذلك؟ بالنسبة الى سعة الرزق فان الله تعالى يختبر عبده في حالة ما اذا كان هذا الرزق الواسع قد استثمره العبد في طاعة الله تعالى من انفاق او نحوه او صرفه في ما لا ينبغي وهكذا بالنسبة الى الاقتار او الفقر حيث يختبر الله تعالى عباده في كيفية السلوك الصادر عنهم، هل هو الرضى بقدر الله تعالى؟ هل هو السخط؟ هل هو التأرجح بين الرضا وعدمه؟ من هنا يمكننا ان نتبين النكتة الكامنة وراء قوله(ص) (وغنيت وافقرت) أي ان الله تعالى اغنى بعض عباده وافقر بعضهم تبعاً لما تتطلبه مصلحة العبد حيث ان الفقر هو من صالح البعض وحيث ان الغنى من صالح البعض الآخر، ثم اغناء العبد وافقاره لملاحظة كيفية تصرفه الخاضع لعملية اختبار. ونتجه الى الفقرة الثانية وهي قوله(ص) (وامتَّ واحييت) فماذا نستلهم منها؟ من البين ان الله تعالى يحيي ويميت سواءً أكان الاحياء والاماتة للبشر او لسواهم وسواء كان الاحياء او الاماتة كمرة واحدة او مرات متعددة. وظاهرة الاحياء والاماتة لها اثرها الخاص في تعميق معرفتنا بالله تعالى لذلك نجد مثلاً ان سورة البقرة وهي اطول سور القرآن الكريم يظل احد محاورها هو الاماتة والاحياء مثل احياء القتيل الذي قتله الاسرائيليون ومثل احياء الطيور الاربعة بعد تقطيعها ومثل احياء الميت بعد مئة عام ومثل امره تعالى للناس فقال لهم الله تعالى: موتوا ثم احياهم، هذه الظواهر وامثلتها عقَّب تعالى عليها قائلاً: «كذلك يحيي الله الموتى، ويريكم آياته لعلكم تعقلون»، ومثل تعقيبه على اماتة واحياء الآخرين «ان الله لذو فضل على الناس» اذن قوله(ص) (وامتَّ واحييت) ينطوي على معطيات معرفية تعمق من وعي الانسان بعظمة الله ورحمته. ختاماً وقبل ان ننتقل في لقاء لاحق ان شاء الله تعالى الى فقرات اخرى من الدعاء نسأله ان يوفقنا الى طاعته والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "كنت قبل كل شيء وكونت كل شيء..." - 12 2007-01-22 00:00:00 2007-01-22 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2304 http://arabic.irib.ir/programs/item/2304 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" حيث علمه النبي(ص) الامام علياً(ع) واوصاه بقراءته طوال العمر. وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه وانتهينا من ذلك الى مقطع يقول عن الله تعالى (كنت قبل كل شيء وكونت كل شيء، وقدرت على كل شيء، وابتدعت كل شيء) ان هذه الفقرات الاربع ونعني بها الفقرات التي تنتهي بعبارة (كل شيء) تنطوي على نكات متنوعة يجدر بقارئ الدعاء ان يلم بها وهذا ما نبدأ بتوضيحه الان. ان مقطع الدعاء كما تلاحظ يتحدث عن الله تعالى ومن الطبيعي ان يتحدث عن الله تعالى اولاً عن وجوده القدسي وهو ما عبر عنه بفقرة (كنت قبل كل شيء) ولكن النكتة هي ان الاشارة الى انه تعالى كان قبل كل شيء قد اعقبها بعبارة وكونت كل شيء وهذا التقابل له نكتته كما هو واضح فان الله تعالى ما دام موجوداً ازلياً قبل كل شيء حينئذ فان كل شيء موجود لابد وان يكون بفعل من الله تعالى وهذا ما عبر عنه الدعاء بعبارة وكونت كل شيء فتكون الدلالة في نهاية المطاف هي ان كل شيء هو من الله تعالى بفاعلية من الله تعالى بحيث اذا لم تكن الفاعلية المذكورة متحققة حينئذ لا وجود لاي شيء، اذن كل شيء هو من الله تعالى وهذا ما يجعل ذهن قارئ الدعاء متداعياً الى التفكير بعظمة الله تعالى من جانب او بحضوره تعالى من جانب آخر بحيث لايمكن ان نتصور أي شيء خارجاً عن فاعليته تعالى وعن معطيات هذه الفاعلية. ونتجه الى العبارة الثالثة والرابعة فماذا نستلهم منهما؟ العبارة الثالثة تقول: (وقدرت على كل شيء) والعبارة الرابعة تقول: (وابتدعت كل شيء) هنا تكمن نكات متنوعة نعرض الى البعض منها فنقول ان قارئ الدعاء عندما يقرأ اولاً عبارة وكونت كل شيء حينئذ قد يتساءل عن معنى قوله(ص) بعد ذلك (وقدرت على كل شيء) اليس معنى انه تعالى عندما كون كل شيء انما قدر على كل شيء فلماذا هذه العبارة وماذا تعني؟ هذا سؤال وهذا سؤال آخر عندما يقول الدعاء (وكونت كل شيء) فلماذا القول ايضاً وابتدعت كل شيء؟ اليس تكوين الشيء هو ابتداعه ايضاً؟ اذن هذان السؤالان يحتاجان الى جواب ... فماذا هو؟ ان النصوص الشرعية تتميز بكونها كلاماً من وحي الله تعالى حيث يتسم بالكمال المعرفي لذلك فان قارئ الدعاء عليه قبل ان يسأل ان يفكر قليلاً او كثيراً بنكات الدعاء حتى يصل الى المعرفة المطلوبة وفي هذا السياق نقول عندما يقرر الدعاء بداية ان الله تعالى كون كل شيء ثم يقول قدر على كل شيء فان النكتة هي ان تكوين كل شيء اعم من القدرة المطلقة عليه ففي التجربة البشرية مثلاً قد يكون الانسان هذه الظاهرة او تلك ولكنه لا يقدر على اشياء اخرى او عندما يكون اشياء اخرى لا يقدر على اتمامها كاملة بل يكونها من خلال قدرات محدودة وهذا على العكس من الله تعالى حيث ان قدراته غير محدودة وهو ما يستهدف الدعاء لفت النظر اليه. بقي ان نجيب على السؤال القائل اخيراً ان الدعاء يقول في البداية وكونت كل شيء ويقول في النهاية وابتدعت كل شيء فما هو الفارق بين التكوين للشيء وبين ابتداعه؟ الجواب هو ان الشيء قد يكون في نطاق التجربة البشرية مسبوقاً بنموذج مشابه له ولكن في نطاق الله تعالى فان الابتداع هو السمة لتكوين الشيء أي لا وجود يماثله لا قبل ولا بعد. وهذه هي النكتة التي تنبغي ملاحظتها أي انعدام النموذج لقدرات الله تعالى بالنسبة الى اي شيء يمكن تصوره بل الابتداع أي الايجاد المبتكر للشيء هو السمة لخلق الله تعالى وهذا من الوضوح بمكان كبير. اذن ادركنا جانباً من النكات التي يتضمنها مقطع الدعاء المذكور والمهم هو ان نعمق معرفتنا بعظمة الله تعالى وان نمارس الطاعة التي طالبنا تعالى بها والتصاعد بذلك الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "وانت الله لا اله الا انت..." - 11 2007-01-15 00:00:00 2007-01-15 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2303 http://arabic.irib.ir/programs/item/2303 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" حيث علمه النبي(ص) الامام علياً(ع) وامره ان يقرأه مدى عمره. وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه ونحدثك الان عن الجديد منه وهو المقطع البادئ بقوله(ص) (وانت الله لا اله الا انت كنت اذ لم تكن سماء مبنية ولا ارض مدحية ولا شمس مضنية ولا ليل مظلم ولا نهار مضيء ولا بحر لجّي ولا جبل راسي ولا نجم سار، ولا قمر منير ولا ريح تهب ولا سحاب يسكب ولا برق يلمع ولا رعد يسبح ولا روح تنفس ولا طائر يطير، ولا نار تتوقد ولا ماء يطرد). ان هذا المقطع يتضمن سرداً او سلسلة من الظواهر الابداعية لله تعالى انه يشير الى السماء والارض والشمس والليل والنهار والبحر والجبل والنجم والقمر والريح والسحاب والبرق والرعد والروح والطائر والنار والماء، هذه الظواهر الابداعية لا نحدثك عنها لسبب واضح هو انها سيقت من اجل استحضار عظمة الله تعالى وتذكيرنا بذلك انها مجموعة ظواهر لو دققنا النظر فيها لوجدناها تجسد قراءتي او مشاهد او مناظر تنتسب الى الطبيعة والى الفلك الى ظواهر فيزيائية وكيميائية. انها جميعاً لو استحضرناها في ملمح جمالي لوجدناها تتناغم مع الحس الجمالي لدى الانسان في تعامله مع الظواهر المذكورة. هناك اولاً السماء والشمس والنهار والليل والقمر والنجم، وهناك سحاب وبرق ورعد وهناك بحر وهناك ماء ثم هناك نار ثم هناك طائر ثم هناك روح ان هذه الظواهر الفلكية من سماء وشمس ونهار وليل وقمر ونجم ثم الظواهر الفضائية من سحاب وبرق ورعد ثم الظواهر المتنوعة من مياه ونار وروح. نقول ان استحضار هذه الظواهر امام اعيننا تحقق امتاعاً دون ادنى شك ولكن بغض النظر عن الامتاع فان عرضها بهذا النحو المتتابع وتجانس بعضها على الآخر والنقلة من محور الى آخر وهكذا اولئك جميعاً تحقق فائدتين جمالية ودلالية. طبيعياً لا نستهدف وراء العرض لهذه الظواهر ان نتحدث عنها واحدة فواحدة لانها تتطلب من جانب بحوثاً علمية ينبغي تناولها من قبل المختصين. وتتطلب من جانب آخر سعة بحثية لا تتناسب مع احاديثنا القصيرة هذه كل ما في الامر ان عرضها وفق التسلسل المذكور وتنوع محاوره أي عرض كل مجموعة متجانسة مثل السماء والشمس والقمر، والنهار والليل ومثل السحاب والبرق والرعد، اولئك جميعاً يحقق امتاعاً علمياً وتعميقاً لوعينا بعظمة الله تعالى من جانب وبعطائه الثر من جانب آخر حيث ان هذه الظواهر ليست مجرد مشاهد او مناظر جمالية وليست مجرد اشارة الى كونها من خلق الله تعالى بل هي وسائل للتذكير بعظمة الله تعالى وبعطائه وبنعمه التي لا تعد ولا تحصى. ان قارئ الدعاء بمقدوره بالاضافة الى ما ذكرناه من امكانية ان يستوحي من العرض للظواهر الابداعية المذكورة عظمة الله تعالى وعطاءه يستطيع ايضاً ان يعمق ايمانه والتصاعد به الى الذرى بخاصة ان كل ظاهرة مطروحة لم تطرح مجزأة عن معطاها بل مشفوعة بالعطاء المنصوص عليه او بالسمة التي تفرزها الظاهرة الابداعية.انك تجد مثلاً ان الدعاء المذكور يسرد لك الظواهر بمعناها او فائدتها مثل النهار المضيء القمر المنير البرق اللامع النار المتوقدة وحيناً يسرد لك الظواهر بسماتها الحركية مثل النجم الساري والارض المدحية والسماء المبنية. طبيعياً كل ظاهرة من ذلك تجعل اذهاننا تتداعى الى ما لا يستطيع التعبير ان يلم بحقائقها ولكنه تتجلى امام عظمة الله تعالى ورحمته وهو المطلوب. ختاماً نسأله تعالى ان يوفقنا الى الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "انت الله... لا مانع لما اعطيت ولا معطي لما منعت" - 10 2006-12-14 00:00:00 2006-12-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2302 http://arabic.irib.ir/programs/item/2302 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة ومنها دعاء "يستشير" وهو دعاء علمه النبي(ص) الامام علياً(ع) واوصاه بقراءته طيلة العمر، وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه، ونحدثك عن مقطع جديد وهو المقطع القائل (انت الله لا رافع لما وضعت ولا واضع لما رفعت) الى ان يقول (ولا مانع لما اعطيت ولا معطي لما منعت) ان هذه العبارة الاخيرة ونعني بها، (لا مانع لما اعطيت ولا معطي لما منعت) ، هي ما نحدثك عنها الان لننتقل منها الى مقطع آخر ان شاء الله تعالى والسؤال هو ماذا نستلهم من العبارة المذكورة؟ طبيعياً العبارة من حيث دلالتها واضحة ولكن من حيث استلهام نكاتها المختلفة تحتاج الى تفصيل في ذلك، ان النص يقول ان الله تعالى اذا اعطى عبده شيئاً فلا يستطيع احد منع ذلك والعكس هو الصحيح أي اذا اراد الله تعالى ان يمنع عبده من شيء فلا يستطيع احد اعطاءه والسؤال هو كيف ذلك وما حدوده؟ لنضرب مثلاً على الرزق ان الله تعالى هو الرازق لعباده وهذا من المبادئ التي لا يجهلها احد بمعنى ان الله تعالى وليس العبد بجهده هو المحقق لرزقه طبيعياً ثمة حقيقة هي ان كل شيء هو بفاعلية الله تعالى حيث لا يمكن تصور حركة في الكون الا وان الله تعالى هو المفعل لها او لنقل ان الكون باكمله هو من خلق الله تعالى بحيث اذا اراد ان يوقف حركة الكون لفعل ذلك والعكس هو الصحيح كل ما في الامر ان الله تعالى يفعل ذلك مباشرة حيناً ويسمح لعبده فعل ذلك حيناً آخر كيف ذلك؟ ان الله تعالى هو الخالق لعقولنا المفكرة ولكنه تعالى هو الذي يسمح لنا بان نستخدمها وفق ما تمليه علينا تجاربنا في الحياة، وفي سياق آخر ان السلوك الصادر منا هو من حيث القوة من عند الله تعالى ولكن من حيث الفعل هو باختيارنا لكن لندع هذا الان ونتجه الى مفردة (الرزق المادي) لنحدثك عنه بصفته واحداً من الابعاد الاقتصادية التي نخبرها بوضوح ايضاً نتساءل قائلين كيف ذلك؟ ثمة توصية تقول بما مؤداه ان الله تعالى وسع في رزق الحمقى حتى يفهم الخلق بان الرزق ليس بسبب مهارة الانسان بل بسبب ما يقدره الله تعالى لهذا العبد او ذاك من رزق يتلاءم ومصلحة العبد ولذلك نجد مثلاً ان بعض الحمقى ممن لا خبرة له في الحياة التجارية يدر الله تعالى الرزق عليه والعكس هو الصحيح أي كم من تاجر يمتلك وعياً وخبرة تجارية الا ان رزقه يظل محدوداً وترى ما الذي ينبغي ان نستخلصه من الحقيقة المذكورة؟ العظة او العبرة التي ينبغي ان نستخلصها هي ان الله تعالى اذا اراد لعبده ان يوسع عليه رزقه لوسعه فعلاً ولن يستطيع أي شخص او قوة ايقاف الرزق المشار اليه لذلك وردت التوصية القائلة بان نطلب الرزق والا نحرص عليه بمعنى ان وظيفتنا هي ان نسعى باستحضار ما يتطلبه السياق التجاري وان نترك حصول الرزق ومداه الى الله تعالى لا ان نعتقد بان مهارتنا تتدخل في ذلك، من هنا وردت التوصية ايضاً بما مؤداه اذا بسطت بساطك فقد قضيت ما عليك أي اذا فتحت محلك التجاري مثلاً فقد مارست ما يجب عليك فعله اما ان تتخيل بان الحرص مثلاً على ممارسة الاعلان التجاري لتوسعة رزقك كفيل بتوسيع الرزق في كل الاحوال فهذا من الخطأ بمكان حيث ان استخدامك للاعلان التجاري مثلاً ليس امراً حتمياً في حصول رزقك بل بما قدره تعالى لك سواء استخدمت الاعلان او لم تستخدم. نخلص مما تقدم الى حقيقة لها معطاها العبادي والنفسي وهي ان نقتنع تماماً بان الله تعالى اذا اراد ان يعطينا من عطاءاته المتنوعة فان القوى الخارجية لا مجال لها في منع ذلك، والعكس هو الصحيح ولذلك فان الموقف يفرض علينا ان نسعى بمقدار ما يجسد مقدمة لهذا الفعل او ذاك، ندع تحقيقه ومداه او عدمهما الى الله تعالى. ختاماً نسأله تعالى ان يوفقنا الى ممارسة الطاعة وفق مارسمه لنا وان نتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: " فانا اشهد بانك انت الله لا رافع لما وضعت..." - 9 2006-12-14 00:00:00 2006-12-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2301 http://arabic.irib.ir/programs/item/2301 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الذي علمه الرسول(ص) علياً(ع) وهو ما يطلق عليه اسم "يستشير" وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه ونحدثك الان عن مقطع جديد يبدأ بقوله(ص) (فأنا اشهد بانك انت الله لا رافع لما وضعت ولا واضع لما رفعت ولا معز لمن ذللت ولا مذل لمن اعززت ولا مانع لما اعطيت ولا معطي لما منعت) هذا المقطع من الدعاء يتضمن كما تلاحظ ثلاثة موضوعات او ثلاث ظواهر هي الرفعة ومقابلها الضعة والعز ومقابله الذل والعطاء مقابله المنع ونظراً لاهمية هذه الظواهر من حيث صلتها بحياتنا اليومية التي نحياها وانعكاسات ذلك على المصائر الاخروية والدنيوية للشخصية لذلك يحسن بنا ان نتناولها بالتفصيل ما دام الدعاء يضطلع بمنافع كثيرة لقارئه. ان الظاهرة الاولى التي عرض لها مقطع الدعاء هي ظاهرة الرفعة ومقابلها الضعة وقبل ان نتحدث عن صلة هذه الظاهرة باشاءة الله تعالى يجدر بنا ان نناقشها من حيث السلوك ودوافعه لذلك نقول ثمة فارق بين الضعة والتواضع وكذلك بين الرفعة والاحساس بالعلو فالضعة هي تدني السلوك من جانب والنظرة الصادرة عن الناس حيال الوضيع من جانب آخر ان الشخصية قد تكون وضيعة بسبب طمعها وجشعها وحبها للذائذ الحياتية وقد لا تكون كذلك الا ان الناس يجدونها وضيعة لمجرد انها فقيرة مثلاً او انها تمارس عملاً اجتماعياً يحسبه الاخرون وضيعاً كالخادم مثلاً. طبيعياً ان الفارق بين الشخصية المؤمنة الملتزمة وبين غيرها من الشخصيات العادية او قليلة الوعي الديني هذا الفارق بينهما هو ان الشخصية المؤمنة لا تتحسس البتة الضعة لو كانت خادماً او اقل من ذلك لان المهم هو ممارستها للطاعة بحيث تعني برضاه تعالى عنها وليس رضى الناس والعكس هو الصحيح ايضاً أي اذا كانت الشخصية المؤمنة تحتل موقعاً اجتماعياً رفيعاً حينئذ لا تعنيها هذه الرفعة امام الناس بل يعنيها ان تقترن برضى الله تعالى أي ان الله تعالى هو المحدد لرفعة الشخصية او عدمها وفي ضوء هذه الفارقية نتجه الى مقطع الدعاء القائل لا رافع لما وضعت ولا واضع لمن رفعت. ترى ماذا نستخلص من العبارة المذكورة؟ العبارة تقول ان الله تعالى اذا حكم على الشخصية بالوضاعة حينئذ لا قيمة لرأي الناس وبكلمة اكثر وضوحاً نقول اذا جعل الله تعالى شخصية ما وضيعة نتيجة معصيتها مثلاً لا ينفع هذه الشخصية نظر الناس اليها اذا كانوا يعتبرونها رفيعة فالرفيع هو ما رفعه الله والوضيع ما وضعه الله تعالى وهذا هو المعيار الاسلامي في سمات الشخصية الرفيعة او الوضيعة. والامر كذلك بالنسبة الى الشخصية الذليلة او العزيزة فالشخصية قد تكون ذليلة في نظره تعالى بسبب معصيتها ولكنها عزيزة في نظر الناس، لذلك لا قيمة البتة لنظر الناس بالنسبة الى حكمهم عليها بالعز والعكس هو الصحيح ايضاً أي ان الله تعالى اعز المؤمن بسبب طاعته لله تعالى فان نظر الاخرين اليه ذليلاً لا قيمة للنظر الاخير أي نظر الناس فالعز او الذل هو ما يتحقق من خلال حكم الله تعالى على الشخصية وليس من خلال حكم الناس لذلك نجد من يعتبره الاخرون يسقط متاع مثلاً نجده عند الله تعالى محتلاً ارفع الدرجات وكذلك نجد من يعتبره الاخرون عزيز القوم نجده عند الله ذليلاً لا قيمة له البتة. والامر كذلك بالنسبة الى الظاهرة الثالثة وهي العبارة القائلة (لا مانع لما اعطيت ولا معطي لما منعت) لكن بما ان هذه الظاهرة ترتبط بالبعد الاقتصادي وما يواكبه من تصورات متنوعة نجد ان الحديث عنه يتطلب تفصيلاً وهو ما نحدثك عنه في لقاء لاحق ان شاء الله تعالى. ختاماً نسأله تعالى ان يوفقنا الى طاعته والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "الرحمن على العرش استوى له ما في السموات وما في الارض..." - 8 2006-12-14 00:00:00 2006-12-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2300 http://arabic.irib.ir/programs/item/2300 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" حيث يعد الدعاء المذكور من الاهمية بمكان كبير نظراً لان النبي(ص) اوصى الامام علي بن ابي طالب(ع) بقراءته والادمان عليه الى آخر العمر. وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه وانتهينا من ذلك الى مقطع يقول في تمجيد الله تعالى (وعلا ربنا في السماوات العلى الرحمن على العرش استوى له ما في السماوات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى). لقد حدثناك عن الفقرتين الاوليتين من هذا المقطع في لقاء سابق ونعني بهما قوله(ص) (ربنا في السماوات العلى الرحمن على العرش استوى) الا اننا تساءلنا في حينه عن النكتة الموجودة في انتخاب عبارة الرحمن بدلاً من عبارات اخرى من اسماء الله تعالى وواعدناك بالاجابة عن السؤال وها نحن نجيبك عن النكتة المذكورة فنقول: طبيعياً الجواب هو مجرد احتمال ذوقي ولكننا نجده متناسباً مع سياق الآية الكريمة القائلة الرحمن على العرش استوى، ان الاستواء على العرش كما سبقت الاشارة اليه يعني السيطرة والهيمنة والقدرة غير المحدودة لله تعالى فيكون الاستواء رمزاً للقدرة وللهيمنة ونحوهما ولكن بما ان الله تعالى يتسم بالكمال المطلق حينئذ فان هيمنته على الكون ليست كما هي الهيمنة الجزئية لدى البشر مثلاً حيث يستغل البشر ما منحه الله من القدرة للاستعلاء على الاخرين والحاق الظلم بهم، من هنا فان الآية الكريمة كما نحتمل تهدف الى لفت الانتباه على ان هيمنة الله تعالى وقدرته انما هي مصحوبة بالرحمة ولذلك انتخبت كلمة الرحمان لتشير الى هذا المعنى والا لكان بالمقدور ان يقال مثلاً (الله على العرش استوى). اذن ثمة نكتة في غاية الاهمية هي ان الله تعالى رحيم وان قوته ورحمته من الصفات الذاتية له تعالى وهو امر يتصاعد او يسهم في تعميق وعينا بعظمته تعالى المصحوبة برحمته. بعد ذلك نتجه الى العبارتين او الفقرتين الاخريتين فماذا نستخلص منهما؟ والعبارتان هما له ما في السماوات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى. ان العبارة الاولى منهما تشير الى انه تعالى له السماوات والارض وما بينهما والاخرى تشير الى ان له ما تحت الثرى والسؤال المهم جداً هو انك لاحظت من جانب بان الدعاء من خلال الآية التي اقتبسها من القرآن الكريم يشير الى ان الله تعالى علا في السماوات ولاحظت ان له السماوات والارض وما بينهم ثم لاحظت بان له ما تحت الثرى نقول ان الاشارة الى السماوات والارض وما بينهما وما تحت الثرى لابد وان تنطوي على نكات والا فان الاشارة الى انه تعالى له السماوات والارض تتناغم ومع الاشارة الى هيمنته المطلقة المتمثلة في انه تعالى قد استوى على العرش فما هو السر الكامن وراء ذلك؟ من الواضح ان الدعاء يستهدف تعميق وعينا بالمفردات التي تفصح عن عظمة الله تعالى ومنها ما يتصل بالتفصيلات المرتبطة بابداعه تعالى فهو من جانب يهيمن على الكون كله (الرحمن على العرض استوى)، ولكن من جانب آخر فان الدعاء يستهدف تقديم التفصيلات لمفردة الهيمنة حيث اشار الى السماوات بصفتها وجوداً مادياً بينهما كانت عبارة استوى على العرش رمزاً معنوياً لانه تعالى منزه عن الحدوث من جانب ثالث استهدف الدعاء الاشارة الى مفردات الوجود متمثلة في السماوات الارض ما بينهما تحت الثرى أي ان الوجود العيني لنا كمادة الكون نتصورها حسياً في السماوات ثم في الارض التي نحياها ثم ما بين السماوات والارض وهو الجو ثم ما تحت الارض اذن الوجود الحسي للكون كما نتصوره يستقطب هذه الوجودات الاربع وهو امر يعمق كما قلنا الاحساس بعظمته تعالى وبهيمنته الرحيمة. ختاماً نسأله تعالى ان يوفقنا الى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "ثم علا ربنا في السموات العلى، الرحمن..." - 7 2006-12-14 00:00:00 2006-12-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2299 http://arabic.irib.ir/programs/item/2299 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها دعاء "يستشير" حيث يتسم هذا الدعاء باهمية كبيرة ذلك بان النبي(ص) علم علياً(ع) هذا الدعاء واوصاه بقراءته يومياً طيلة العمر. وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه ونحدثك الان عن مقطع جديد هو قوله(ص) في تمجيد الله تعالى (ثم علا ربنا في السماوات العلى الرحمن على العرش استوى له ما في السماوات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى)، ان هذا المقطع من الدعاء يحفل بخصائص متنوعة منها انه يقتبس من القرآن الكريم عباراته ودلالاته ويجمع بين التعبير الصوري المستند الى الرمز او الاستعارة وبين التعبير الواقعي فضلاً عما ينطوي عليه من التمجيد لله تعالى في دلالات ثرة وعميقة ونحاول الان ان نتبسط في الحديث عن الجوانب المذكورة. العبارة الاولى والثانية من المقطع الذي لاحظناه تنطويان على لغة رمزية او استعارية وليست واقعية او حقيقة بالمعنى الحرفي او لنقل ان العبارتين الاوليين لغة صورية وما بعدهما لغة حرفية واقعية. ومن الطبيعي ان التعبير الصوري له اسهامه في تعميق المعنى كما ان التعبير الحرفي له وظيفته في تقديم الدلالة الواضحة. واذ نقف مع التعبير الصوري اولاً ونعني به قوله(ص) (ثم علا ربنا في السماوات العلى) وقوله(ص) الرحمن على العرش استوى يتبادر هذا السؤال هو ماذا نستخلص من العبارتين المتقدمتين؟ بالنسبة الى العبارة الاولى نقول مما لا شك فيه ان الله تعالى يمثل دلالة العلو بكل ما تحمله من الاستيحاءات المتصلة بالعلو ان الله تعالى عال واما مخلوقاته فتمثل ما يقابل العلو بيد ان كونه عالياً لا يعني العلو المادي بل العلو المعنوي كما لو قلنا مثلاً في تعبيراتنا العادية فيما بيننا بان فلاناً يحمل اخلاقاً عالية فالعلو هنا ليس مادياً كعلو البناية مثلاً بل هو المعنى الرمزي الذي يشير الى الاقصى من درجات الاخلاق والامر اذا نقلناه الى الله تعالى فان العلو هنا يعني الهيمنة والقوة والتمكن والسيطرة على السماوات العلى، هنا يجدر بنا ان نلتفت الى نكتة اخرى وهي ان السماوات بطبيعتها المادية هي المكان الاعلى فيكون التعبير بانه تعالى علا في السماوات بمعنى انه هيمن عليها وهي جزء من الهيمنة العامة أي الهيمنة على الوجود باكمله، بيد ان النكتة هي لماذا عبر الدعاء بالنسبة الى السماوات بعبارة العلى فقال ثم علا ربنا في السماوات العلى؟ صحيح ان السماوات بطبيعتها تجسد ما هو الاعلى بالنسبة الى الجو والارض ولكن كلمة العلى هي بمعنى الرفعة والمجد وحينئذ عندما يخلع الدعاء على السماوات هذه السمة عندها يكون قد منح السماوات اعلى ما يتصور من الرفعة ومن ثم يكون المعنى انه تعالى المهيمن هيمنة لا حدود لها في تملكه للمخلوقات جميعاً مادة وبشراً وملائكة وقيماً. يبقى بعد ذلك ان نشير الى العبارة الثانية وهي انه تعالى استوى على العرش ترى ماذا تعني هذه العبارة الرمزية؟ ان العرش بدوره رمز لقدرة الله تعالى وسيطرته على الكون كل ما في الامر ان العبارة القائلة بانه تعالى استوى على العرش تعني ان من له السماوات العلى وهي رمز للرفعة انما يسيطر بقوته على الكون جميعاً بصفة ان العرش رمز لمطلق قدراته تعالى في ادارة الوجود. تبقى نقطة مهمة هي ان العبارة ذكرت ان الله تعالى هو الرحمن ولم تقل مثلاً (الله استوى على العرش) فما هو السر الكامن وراء ذلك؟ هذا ما نحدثك به ان شاء الله تعالى في لقاء لاحق. ختاماً نسأله تعالى ان يوفقنا الى طاعته والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "فقامت السموات طائعات بامره واستقرت الارضون بأوتادها فوق الماء" - 6 2006-12-11 00:00:00 2006-12-11 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2298 http://arabic.irib.ir/programs/item/2298 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة ومنها دعاء "يستشير" وهو دعاء علمه رسول الله(ص) علياً(ع) وامره ان يقرأه طوال عمره، وقد حدثناك عن مقدمته وانتهينا من ذلك الى مقطع يقول بالنسبة الى ابداع الله تعالى للسماوات والارضيين (فقامت السماوات طائعات بامره واستقرت الارضون باوتادها فوق الماء). ان هاتين الفقرتين تتحدثان عن السماوات والارضيين طبيعياً ان قيام السماوات واستقرار الارضيين بامر الله تعالى قد مهد لها الدعاء بعبارات هي انه تعالى: (نور السماوات والارضين وفاطرهما ومبتدعهما بغير عمد خلقها وفتقها فتقاً) ويعنينا من هذا ان نوضح النكات الكامنة وراء الصياغة الفنية التي توفر النبي(ص) عليها حينما استخدم الصورة الاستعارية في تقرير الحقائق المتصلة بعظمة الله تعالى من حيث قدراته غير المحدودة ومنها قيام السماوات والارضين. والنكتة التي نعتزم توضيحها هي اولاً ملاحظة الاستعارة التي تقول بان السماوات قامت طائعات بامره فما هي النكات الكامنة وراء ذلك؟ من الواضح ان ابداع الله تعالى للظواهر يتم من خلال مجرد ارادته لخلق هذه الظواهر او تلك الا ان النصوص الشرعية طالما تستخدم العبارة المجازية او الصورية التي تعمق من المعنى المستهدف فتصور ارادته من خلال ما يطلق عليه مصطلح الحور الانفرادي أي الكلام الذي يوجهه احد الطرفين الى الاخر وبالنسبة الى الله تعالى فانه منزه عن الحدوث بطبيعة الحال أي لا تنسحب عليه التجارب التي نألفها نحن البشر لذلك فان الله تعالى عندما يخاطب الشيء بقوله كن مثلاً فيكون او عندما يقول مثلاً يا ارض ابلعي ماءك انما يتم ذلك من خلال مجرد ارادته لان تبلع الارض الماء ولكن النص القرآني الكريم وكذلك الدعاء عبر عن الحقيقة المذكورة بحوار أي بكلمة توجه الى الماء او الى السماوات ثم يتحقق الامر او الطلب. من هنا يمكننا ان نفسر قول النبي(ص) بالنسبة الى عبارة فقامت السماوات طائعات بأمره هنا لم يضع النبي(ص) عبارة آمرة بل قال بان السماوات قامت طائعات بأمره حيث نستنتج انه تعالى امرها ولذلك طاعته للامر المذكور. طبيعياً ايضاً ان هذا المنحى من الصياغة الفنية أي عدم صدور العبارة الآمرة ولكن السماح للقارئ بان يستخلص هو ان الله امر وان السماوات أطاعت وهذا اسلوب فني لا نستهدف التفصيل بجماليته بقدر ما نستهدف الاشارة الى انه تعالى خلق السماوات فتحقق وجودها هنا يمكن لبعض القراء للادعية ان يعترضوا قائلين ان امر الله تعالى للسماوات بان تظهر الى الوجود من الممكن ان يعبر عن امر حقيقي كالالهام او الايحاء وان الطرف الآخر وهو السماوات امتثلت لاوامره تعالى طائعات أي ان السماوات مع كونها ظواهر مادية الا انها تعي وتتكلم بالتسبيح اليس القرآن الكريم ذاته يصرح بان السماوات والارض وكل شيء يسبح بحمد الله تعالى ولكن لا نفقه تسبيحهم؟ فاذا كان الامر كذلك فلماذا نعتبر عبارة النبي(ص) القائلة: (فقامت السماوات طائعات بامره)، عبارة مجازية. ان التساؤل المذكور يظل بدوره صائباً مادمنا نعرف تماماً بان النصوص الشرعية قابلة لمختلف التأويلات والاستخلاصات وهذا هو احد وجوه الاعجاز الفني فيها يبقى ان نشير الى نكتة جديدة تتصل بالعبارة القائلة (فقامت السماوات) والعبارة القائلة واستوت الارضون. ان قارئ الدعاء قد يسأل قائلاً لماذا عبر الدعاء عن السماوات بكلمة فقامت بينما عبر عن الارضين بكلمة فاستوت؟ الاجابة عن السؤال المتقدم تتضح تماماً اذا اخذنا بنظر الاعتبار ان السماوات تختلف عن الارضين بعلوها بينما تتحدد الارض بدنوها من هنا فان الاعلى من الشيء ينسجم مع القيام لان العلو يتطلب حركة قيام والعكس هو الصحيح بالنسبة الى الارض حيث انها لم تقم نحو الاعلى بل استقرت نحو الادنى من المسافة. اذن امكننا ان نتبين جانباً من النكات الكامنة وراء عبارات الدعاء المذكورة والمهم هو ان نستثمر قراءتنا للدعاء وان نعمق معرفتنا بالله تعالى وان ندرب ذواتنا على الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "نور السموات والارضين وهو فاطرهما ومبتدعهما بغير عمد خلقهما وفتقهما فتقاً" - 5 2006-12-06 00:00:00 2006-12-06 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2297 http://arabic.irib.ir/programs/item/2297 نواصل الحديث عن الادعية المباركة ومنها الدعاء المعروف بدعاء يستشير وهو دعاء علمه رسول الله صلى‌ الله عليه وآله الامام علياً وامره قراءته طوال عمره، وقد تحدثت عن بداياته في الحلقة السابقة ونتابع فقراته الجديدة ومنها الفقرة القائلة بأن الله تعالى «نور السموات والارضين وهو فاطرهما ومبتدعهما بغير عمد خلقهما وفتقهما فتقاً»، ان هذا المقطع من الدعاء‌ يتضمن اشارات متنوعة الى ابداع الله تعالى الى الظواهر الكونية طبيعياً لانتحدث الى الظواهر المشار اليها من ناحية ارتباطها بالعلوم الطبيعية بل نتحدث عن الابداع فحسب وهو ما يستهدفه الدعاء لمجمل المعرفة بصفة ان البعد الفيزيقي للظاهرة لا يخبره الا المختص بالمعرفة المذكورة بينما المطلوب هو المعرفة العامة لقدرات الله المطلقة مما تعمق ايمان الشخصية بالله تعالى اذن لنتحدث عن الابداع الالهي للكون فحسب. الفقرات المتقدمة‌ كما لاحظت تتضمن الاشارة الى السموات والارضين وابداع الله تعالى لتينك الظاهرتين بيد ان الملاحظ هو ان الدعاء‌ استخدم جملة من المصطلحات التي تتحدث عن ابداع تعالى للسموات والارضين انه الله تعالى استخدم عبارة فاطر واستخدم عبارة‌ مبتدع واستخدم عبارة خالق والسؤال المهم هو لماذا هذا التنوع للكلمات المتقدمة‌ مع انها تشير الى معنى مشترك وان الله تعالى هو المنشأ والمبدع او الخالق للسموات والارضين؟ اننا نطرح السؤال المتقدم وهدفنا هو ان قاريء الدعاء الذي سيواظب على قراءته يومياً لابد له ان يعي دقائق المعاني التي يواجهها عبر قراءته اليومية، اذن لنتحدث عن الفوارق بين العبارات التي استخدمها الدعاء حينما قال عن السموات والارضين بأنه تعالى فاطرهما ومبتدعهما بغير عمد خلقهما وفتقهما فتقاً. قلنا اننا لا نتحدث عن المصطلح العلمي للفتق ونحوه بل نتحدث عن الفارق بين كلمة فاطر وكلمة مبتدع وكلمة خلق وفي هذا الميدان نقول ان الله تعالى حينما او جد السموات والارضين بعد ان كان في العدم اي لا وجود لهما حينئذ فأن الايجاد لهمايتم عبر صور متنوعة تفصح عن القدرة الالهية ‌الغير محدودة لمطلق ظواهر الكون ومنها ايجاد السماء والارض، فماذا نستخلص من التعبيرات الثلاثة‌ القائلة بأن الله تعالى فاطر السموات والارض ومبتدعهما وخالقهما، لا تتأمل طويلاً حتى نكتشف بأن المقصود من عبارة فاطر هو الشق عن الشيء لاظهاره للعيان انه عملية ايجاد ولكن الفارق بينه وبين الخلق شيء كما سنرى وان الدعاء ذكر بأن الله تعالى عندما فطر السماء‌ والارض انما فتقهما فتقاً‌ والفتق هو فصل خيوط الشيء عن بعضها الاخر فتكون النتيجة هي ان الله تعالى اوجد السماء والارض من العدم بنحو جعلهما بصفة خاصة‌ لها تماسكها بحيث اصبحت اصلاً طبيعياً لما هو مادي تماماً كما جعل عقيدة البشر مفطورة على التوحيد فتكون كلمة الفطرة حينئذ هي الطبيعة المادية‌ والمعنوية لصياغة ‌الشيء من حيث الاصل. السؤال الان ماذا نستخلص من الصفة المذكوره من حيث الفارق بينها وبين العبارة الواردة في الدعاء بأنه تعالى فاطرهما ومبتدعهما اي السماء والارض. ايضاً لا نتأمل طويلاً حتى نعرف بأن المقصود هو ان الله تعالى عندما اوجد السماء‌ والارض انما اوجدهما على نحو الاختراع والابداع للشيء بدون ان يكون له مثال سابق ومعنى عبارة ابتدعهما حيث ان الايجاد للشيء قد يكون ابتداءاً من دون مثال سابق له وقد يكون استمرارياً وامتدادياً لما هو سابق ففي التجربة البشرية مثلاً من الممكن ان يبتدع ويخترع جهاز للطيران او الابحار او السير كالطائرة او الباخرة او العربة وقد يصنعها صانعها بعد ان يقف على النموذج السابق لها وفي ضوء هذه الحقيقة ان الدعاء يستهدف الى اشارة من الله تعالى من خلال قدرته المطلقة غير المحدودة قد اوجد السماوات والارضين دون ان يكون هناك مثال سابق وهذا يكشف عن القدرة‌ المتفردة لانه ينفرد بقدرته ولا يشاركه احد في ذلك، يبقى ان نحدثك عن العبارة الثالثة القائلة بأن الله تعالى خلق السموات والارض وفتقهما اي ان قاريء الدعاء قد يتساءل قائلاً ما هو الفارق بين انه تعالى فطر السموات والارضين وابتدعهما وبين انه تعالى خلقهما ايضاً لا نتأمل طويلاً حتى يتبين لنا بأن الفارق هو ان نترجم حصيلة مقطع الدعاء‌ بما يلي ان الله تعالى اوجد السموات والارضين وفق طبيعة خاصة وكان ذلك على نحو لا سابق له وانه تعالى اوجد ذلك ابتداء حيث انشاءه من عدم وليس من اصل له مادة ما. الى هنا تبين لنا جملة نكات من النص المتقدم بحيث يقف قاريء الدعاء على معرفة دقيقة توضح له ان الله تعالى ليس قادراً فحسب بل ان قدرته متنوعة من حيث اصل وفطرة الاشياء وابتداعها وانشاءها من العدم، اخيراً نسأله تعالى ان يوفقنا الى مزيد من معرفة عظمته وان يوفقنا الى ممارسة طاعته والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "العظيم الربوبية نور السموات والارضين وفاطرهما" - 4 2006-11-27 00:00:00 2006-11-27 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2296 http://arabic.irib.ir/programs/item/2296 نتابع معكم الحديث عن الادعية المباركة ومنها دعاء يستشير وهو دعاء علمه النبي (صلى الله عليه) علياً (عليه السلام) وامره بقراءته طول عمره، وقد حدثناك في لقاء‌ سابق عن بدايته ونتابع فقراته المتسلسلة حيث وصلنا الى مقطع منه يقول عن صفات الله تعالى: «الاول غير موصوف والباقي بعد فناء الخلق»، ثم يقول: «العظيم الربوبية نور السموات والارضين وفاطرهما»، هذه الفقرات من الدعاء تحتاج الى القاء نظرة على دلالاتها ونكاتها، ونقف مع الفقرة الاولى وهي «العظيم الربوبية» فماذا نستخلص منها؟ نحسب ان هذه الفقرة من الوضوح بمكان كبير حتى يخيل الينا بأنها لا تحتاج الى تعقيب ولكن مع ذلك فأن الاشارة ولو عابرة اليها لا تخلو من فائدة فنقول بما ان الربوبيه منحصرة في الله تعالى حينئذ فأن القاريء او المستمع للدعاء لا يحسب صفة العظيم من الضرورة بمكان لاننا نجيب قائلين ان العظمة تعني ما هو غير عادي لذلك فأن النبي صلى الله عليه وآله عندما يصف الله بأنه عظيم الربوبية فان لانه يجعلنا نتداعى بأذهاننا بأن الرب الذي نعبده ليس عادياً بل يتسم بالعظمة‌ وهل ثمة‌ عظمة يتصورها الانسان اكثر من الظواهر الابداعية العظيمة التي انشأها تعالى وهذا وحده كاف بأن يفسر لنا معنى العظمة. ونتجه الى الفقرة الثانية وهي «نور السموات والارضين» هذه الفقرة بدورها لا نقول انها تتسم بوضوح ولكنها مؤلوفة القراءة حيث ان القرآن الكريم طالما استخدم عبارة النور ليرفربها الى‌ احد اشكال عظمته تعالى، الم نقل ان الله تعالى عظيم الربوبية اذن لنتحدث عن احد انماط العظمة وهي انه تعالى نور فماذا يعني هذا الرمز، اذا كنت متابعاً للقاءاننا قديماً وحديثاً لابد وان تتذكر بأننا تحدثنا عن رمز النور مرات كثيرة ولكن في الاعادة والتذكير فيها فائدة دون ادنى شك، اذن النور بصفته المطلقة يشكل كما قلنا رمزاً وهذا الرمز يتمثل في جميع ما نتصوره من القيم الايجابية كالتوحيد والنبوة‌ والعدل والخير بعم مثل العلم والصدق والاخلاص والامانة والوفاء... الخ لذلك عندما يقول تعالى: «الله ولي الذين امنوا يخرجهم من الظلمات الى النور» انما يعني جميع ما نتصوره من الدلالات حيث انه تعالى يخرج الذين امنوا من ظلمات الجهل والكفر والمعصية والشر ... الخ الى العلم والايمان والطاعة والخير... الخ ايضاً، الامر كذلك عندما تقول الاية‌ المباركة: «الله نور السموات والارض» او عندما يقول الدعاء‌ الذي نتحدث عنه انه تعالى نور السموات والارضين، اقول عندما تصف النصوص الشرعية‌ بأن الله تعالى نور السموات والارضين فأن الذهن يتداعى الى كل ما هو خير، يتصوره الذهن بصفة ان الخير هو الايجابية في كل شيء، ان هذا الفيض من الوجود هو من الله تعالى، انه حركة الحياة في السموات والارضين انه الخير والرحمة والبركة والعطاء، انه الفاعلية ومددها غير المنقطع عن الله تعالى حيث انه تعالى لو تخلى لحظة عن الوجود لتحول الى عدم كما هو واضح. اذن نحن الله امام صفة وسمت الله تعالى بأنه عظيم الربوبية ثم امام سمة بأنه تعالى نور السموات والارضين ونتجه الى السمة الثالثة وهي انه تعالى فاطر السموات والارضين ومبتدعهما وهذه الصفة نحتاج الى مزيد من التوضيح وهو ما نعدك به في لقاء لا حق ان شاء الله، ام الان فحسبنا نذكرك بأن الدعاء الذي نتحدث عنه لا ينبغي ان تغفل عن قراءته لانه من الادعية المهمة كما لا حظت والاهم من ذلك هو ان ندرب ذواتنا على الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. حتى نلتقيكم ثانية نستودعكم بحفظ الله ورعايته وفي امانه. ******* شرح فقرة: "المدبر بلا وزير، ولا خلق من عباده يستشير" - 3 2006-11-21 00:00:00 2006-11-21 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2188 http://arabic.irib.ir/programs/item/2188 لا زلنا نحدثك عن الادعية المباركة ومنها الدعاء المعروف بـ(يستشير) وهو دعاء علمه رسول الله(ص) الامام علي(ع) وامره ان يعلمه من بعده، وان يواظب على قراءته صباحاً ومساءاً طيلة حياة الانسان، ووصف بانه احد كنوز العرش، وقد حدثناك عن العبارة الاستهلالية للدعاء وهي: (الحمد لله الذي لا اله الا هو الملك الحق المبين) ونحدثك الان عن الفقرة الجديدة من الدعاء وهي: (المدبر بلا وزير، ولا خلق من عباده يستشير)، ان هذه الفقرة من الدعاء تتضمن جوهر الدعاء الا وهو مفهوم الاستشارة والتدبير حيث يستهدف الدعاء لفت نظرنا الى ادارة الله لخلقه فيما لا يستعين باحد في ذلك، بحيث لا يحتاج الى مستشار او وزير يعضده، ان ما يعنينا من هذه الفقرة هي ارتباطها بما سبقها من الاستهلال وهو انه تعالى الملك الحق المبين، حيث قلنا في لقائنا السابق ان سمة الملك تعني تدبير الظواهر الكونية أي الملوكية او السيطرة او الهيمنة على الخلق وادارة ذلك، من هنا جاءت العبارة من الدعاء بهذا النحو المدبر بلا وزير ولا خلق من عباده يستشير والسؤال الملح الان هو ماذا نستخلص من السمتين المذكورتين وهما انه تعالى مدبر بلا وزير وبلا خلق من عباده يستشيرهم؟ من الحقائق المعروفة في التجارب البشرية بان ادارة الدولة لاتتم الا بمنظومة من المتخصصين وهو امر لا تشكيك في حقيقته ولكن الامر بالنسبة الى الله تعالى يختلف تماماً عن التجربة البشرية انه تعالى هو القوة الوحيدة وهو الخالق الوحيد، وهو المدبر الوحيد في ادارة الكون وهذا المعنى التوحيدي او الوحداني عبر الدعاء عنه بالفقرتين المذكورتين وهما انه تعالى بلا وزير ولا مستشار والسؤال المكرر هو لماذا نواجه امثلة هاتين الفقرتين؟ الجواب هو بالنسبة الى التجربة البشرية فان رئيس الدولة يحتاج الى وزراء يديرون مختلف شؤون البلد بحسب تخصصهم والى مستشار عام يستعين به في ادارة الدولة خارجياً وداخلياً وبدون هاتين القوتين لا يمكن لرئيس الدولة ان يحكم بلاده نظراً لعدم قدرته التخصصية من جانب وعدم امتلاكه للرأي الصائب بنحو مطلق من جانب آخر، والدعاء عندما يعرض لهاتين الظاهرتين يستهدف من ذلك لفت نظرنا الى مطلقية الله تعالى في قدرته بحيث ينفرد في خلقه للكون وادارته بخاصة ان الادارة الكونية بهذا النحو الذي نعجز جميعاً عن الاحاطة بمستوياته تتطلب تعميقاً لوعينا بحقيقته تعالى، بوحدانيته كما هو واضح. بعد ذلك نتجه الى فقرة جديد هي (الاول غير موصوف، والباقي بعد فناء الخلق) والسؤال الجديد هو ماذا تعني هاتان الفقرتان؟ والجواب هو ان الدعاء يستهدف تعميق وعينا بعظمة الله تعالى بوحدانيته كما قلنا واذا كانت التجربة البشرية تقوم على مبدأ لخلق الانسان ونهاية له فان الدعاء يستهدف دائماً الاشارة او المقارنة بين بشر خلقه الله تعالى محدود القدرات وبين مبدع للخلق لا حدود لقدراته تعالى، يستوي في ذلك ان تكون الوحدانية مرتبطة بالخلق او بظواهر اخرى. الا ان الملاحظ هنا هو ان الدعاء مستهدف للفت نظرنا الى ازلية الله تعالى حيث لم يسبق بعدله ولم يلحق بعدله بل هو الاول بنحو لا يمكن تصور وصفه والآخر او الباقي دوماً بعد فناء المخلوقات. اذن المستهدف هو تعميق وعينا بازلية الله تعالى وهو مفهوم تعميق بلا ادنى شك معرفتنا بعظمة الله تعالى وبمفهوم التوحيد او الوحدانية كما هو واضح. ختاماً قبل ان نواصل في لقاءات لاحقة متابعة الدعاء المذكور نسأله ان يوفقنا الى تعميق معرفتنا بعظمته وان يوفقنا الى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: "الحمد لله الذي لا اله الا هو الملك الحق المبين" - 2 2006-11-19 00:00:00 2006-11-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2187 http://arabic.irib.ir/programs/item/2187 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها ما يعرف بدعاء يستشير وهو دعاء علَّمه رسول الله(ص) الامام علياً عليه السلام وامره ان يعلمه خلفاءه بعده، وان يدعو به في الشدة والرخاء، والا يفارقه طول حياته، وان يقرأ ذلك صباحاً ومساءاً، وقد حدثناك في لقاء سابق عن النكات الكامنة وراء الدعاء المذكور من حيث تسميته وصياغته ونبدأ بحديثنا عن مضمونه حيث يستهل بعبارة (الحمد لله الذي لا اله الا هو الملك الحق المبين). اذن لنتحدث عن العبارة الاستهلالية اولاً عندما يبدأ دعاء بالحمد لله تعالى حينئذ يتوقع قارئ الدعاء ان يواجه معطيات حجة في هذا الدعاء او ذاك وعندما يتكرر بعد ذلك عبارة خاصة في ادعية متنوعة نتوقع عندها ان تكون العبارة المتقدمة ذات اهمية خاصة، وهذا ما نلحظه في عبارة تصفه تعالى بانه الملك الحق المبين انها عبارة تتضمن ثلاث سمات هي الملك الحق المبين، ولو كنت متابعاً لاحاديثنا في لقاءات سابقة، لتذكرت باننا حدثناك عن العبارة المذكورة في اوصافها الثلاث ولكن نعد الحديث عنها الان ولو بالنحو المختصر. تبدأ فقرة الدعاء بعبارة الملك والسؤال هو ماذا تعني العبارة المتقدمة؟ هنا يحسن بنا ان نحيلك الى سورة قرآنية كريمة هي سورة الناس حيث تبدأ بعبارة بسم الله الرحمن الرحيم / قل اعوذ برب الناس / ملك الناس / اله الناس، فهنا تواجهك ثلاث صفات الرب الملك الاله. طبيعياً يمكنك ان تقول بان السورة من الممكن ان تكتفي باحدى العبارات كأن تقول اعوذ برب الناس او ملك الناس او اله الناس، ولكن عندما تستخدم ثلاث صفات فهذا يعني ان السورة تستهدف الاشارة الى سمات تستجمع قدرات مرتبطة بالاستعانة بالله تعالى من شرور الشيطان، فالرب يرتبط بقوة التربية ونحوها والاله يرتبط بالعبودية لله تعالى، والملك يرتبط بما هو اداري وسياسي وحكمي، ولذلك فان الاستعانة بالله تعالى من خلال السمات المتقدمة يستخلص منها قارئ السورة المباركة بانها تستهدف اشارة الى ان الاستعانة بالله تعالى او الاستعاذة به من الشيطان تعني قدرته تعالى بان ينقذ عبده من الشيطان في شتى اساليبه التي يستخدمها في غواية العبد. والان اذا عرفنا ذلك نتجه الى الدعاء الذي نتحدث عنه لنجده مكتفياً بسمة واحدة هي الملك ولكنها مشفوعة بسمات ترتبط بالملك نفسه وهو امر يدعونا الى ملاحظته ما دمنا معنيين بان نقرأ الادعية بتدبر ووعي. والسؤال الان هو ماذا تعني عبارة الملك الحق المبين؟ في تصورنا ان سمة الملك ما دامت تعني ادارته تعالى للكون فان الذهن يتداعى من خلال جحدنا اياه تعالى الى ان المقصود هنا هو لفت نظرنا الى وحدانيته تعالى وتفرده بخلق الكون وادارته، وهو امر سنلاحظه في فقرات قادمة حينما تشير الى انه تعالى لا يحتاج الى وزير او مستشار في هذا الميدان وسواه، بل يتفرد بنحو مطلق في خلق الكون وادارته. وهذا فيما يتصل بسمة الملك ولكن ماذا بالنسبة الى عبارتي الحق والمبين؟ في تصورنا ان عبارة الحق وعبارة المبين تعنيان انه تعالى في ادارته الكونية انما يتم ذلك حقاً هو لمصلحة المخلوقين وان الحق المذكور هو واضح مبين لا ترديد فيه. اذن استخلصنا من العبارة الاستهلالية للدعاء المذكور جملة نكات والمهم هو ان نستثمر هذا الدعاء فنحمده تعالى على ما وصف به ذاته وان نمارس وظيفتنا حيال ذلك والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* مقدمة وبيان علة تسمية الدعاء بدعاء يستشير - 1 2006-11-11 00:00:00 2006-11-11 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/2186 http://arabic.irib.ir/programs/item/2186 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من النكات ودقائق المعاني، ومن ذلك الدعاء الموسوم بـ"يستشير" وهو دعاء علَّمه رسول الله(ص) علياً(ع) وأمره ان يدعو به لكل شدة ورخاء وان يعلمه خليفته من بعده والا يفارقه طول حياته حتى يلقى الله عز وجل وان يقرأ ذلك حين يصبح ويمسي وانه من كنوز العرش. اذن لنبدأ بملاحظة هذا الدعاء ونقف عند عنوانه وهو عنوان يلفت النظر من حيث كونه فعلاً مضارعاً خلافاً لما هو مألوف في الادعية وعناوينها. ان قارئ الدعاء قد يندهش من عنوان الدعاء وذلك لسببين احدهما هو صياغته فعلاً مضارعاً وهو يستشير وثانياً، مضمونه المرتبط بالاستشارة حيث تتوقع منه ان يتساءل قائلاً ما هو سبب تسميته او سبب كونه مرتبطاً بمفهوم الاستشارة وهذا ما نحاول الاجابة عنه الان. ان القارئ للادعية بعامة يجد بعضها مشيراً الى مضمونه مثل دعاء المشلول حيث خصص لمن اصابه الشلل مثلاً وبعض الادعية تشير الى عدد فقراتها المقروءة مثل دعاء العشرات حيث يتضمن فقرات تقرأ بهذا العدد أي عشر مرات وبعضها يتضمن اسماً لزمن قراءته مثل دعاء الصباح وبعضها لمن علم الدعاء مثل دعاء كميل حيث علَّمه الامام علي(ع) كميلاً وهكذا. وحين نتجه الى دعاء يستشير يستوقفنا سبب تسميته من جانب وسبب صياغته فعلاً مضارعاً من جانب آخر. ولنقف اولاً عند تسميته المرتبطة بمفهوم الاستشارة وهذا ما نبدأ به الان. بمقدور قارئ الدعاء ان يقرأ الفقرة الثانية من الدعاء ليستكشف اولاً سبب التسمية يقول الدعاء (الحمد لله الذي لا اله الا هو الملك الحق المبين المدبر بلا وزير ولا خلق من عباده يستشير) اذن القارئ يواجه عبارة توضح له بان الله تعالى هو ملك ولكنه لا وزير له ولا مستشار طبيعياً سنحدثك عن دلالة الوزير ودلالة المستشار وهما مصطلحان نحياهما في حياتنا المعاصرة من حيث رئاسة الدولة ووزرائها ومن حيث خصوصية المستشار لرئيس الدولة ولكننا الان نكتفي بمجرد الملاحظة للتسمية المرتبطة بمفهوم الاستشارة ونفصل الحديث عنها في لقاء لاحق ان شاء الله تعالى. ان رئاسة الدولة تقترن غالباً بشخص خاص يمتلك معلومات وتجارب شتى في ميدان المعرفة السياسية بصفة ان الملك او رئيس الجمهورية ونحوهما بحاجة الى من يستعان بآرائه في ادارة الدولة نظراً لضخامة المسؤولية التي يتحملها الرئيس. وحين ننقل هذه التجربة من ميدان التجربة البشرية ساحة الله تعالى نجد ان الامر ليس كذلك بصفة ان الله تعالى خالق الوجود وانه تعالى متفرد في ذلك وفي مطلق ادارته أي انه تعالى قادر بنحو مطلق وعالم بنحو مطلق فلا يحتاج الى مساعدة احد ولا يحتاج الى استشارة احد وهذا من الوضوح بمكان كبير. ونتجه بعد ذلك الى ملاحظة سبب صياغة عنوان الدعاء بصيغة المضارع من الافعال وهو يستشير، طبيعياً لا نملك معلومات مطلقة حيال الصياغة المتقدمة ولكننا نحتمل فحسب ان يكون سبب ذلك هو ان الفعل المضارع يتسم بكونه فعلاً استمرارياً لا يقف عند الماضي ولا المستقبل بل الحاضر وما قبله وما بعده من هنا فان الديمومة والاستمرارية لملك الله تعالى وادارته قد تفسر لنا معنى صياغة العنوان بفعله المضارع. اذن امكننا ان نتبين ولو سريعاً ما نحتاجه من معنى للعنوان وصياغته والمهم هو ملاحظة الدعاء ذاته وهذا ما نبدأ به لاحقاً ان شاء الله تعالى، اما الان فحسبنا ان نتوسل بالله تعالى بان يوفقنا الى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. *******