اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | شرح دعاء الصباح http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb شرح فقرة الختامية: (فكيف حيلتي يا ستار العيوب ويا علام الغيوب ويا كاشف الكروب...) - 47 2006-03-28 00:00:00 2006-03-28 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/732 http://arabic.irib.ir/programs/item/732 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من المعرفة العبادية المتصلة بمختلف سلوك الانسان ومن ذلك: دعاء الصباح للأمام علي(ع) حيث حدثناك عنه في لقاءات سابقة، ونختم حديثنا عنه الان في لقائنا الحالي الا وهو القسم الاخير من دعاء الصباح حيث ختم كما لاحظنا سابقاً بفقرات تقرأ في السجود وحيث تتناول اقراراً من العبد قارئ الدعاء بتصوره وتقصيره وذنوبه وعيوبه ...، وهو ما عبر الدعاء عنه بتعبيرات مثل محجوبية القلب ومعيوبية النفس ومغلوبية العقل، وغلبة الهوى، واخيراً "وهذا ما نتحدث عنه الآن" الاقرار بقلة الطاعة وكثرة المعصية والتساؤل من ثم بهذا النحو (فكيف حيلتي يا ستار العيوب ويا علام الغيوب، ويا كاشف الكروب...)، هذه الفقرات من الدعاء لعلها من الفقرات التي تتكرر في غالبية الادعية، ولكنها في الواقع ذات فاعلية كبيرة في ميدان الدعاء وآدابه ومعطياته المتنوعة.. واذن: لنتحدث عن الفقرات المذكورة الفقرات التي لاحظناها تتضمن ثلاثة توسلات بالله تعالى، مشفوعة بسمات خاصة هي ان الله تعالى ستار العيوب، وانه تعالى علام الغيوب، وانه تعالى كاشف الكروب... ترى ماذا تعني هذه الفقرات؟ انها من جانب تتصل بما عليه العبد من الشدائد وتتصل من جانبما عليه الله تعالى من الصفات غير المحدودة في عطائها العظيم. واما ما يتصل بالعبد وشدائده فهي الكروب التي توسل قارئ الدعاء بالله تعالى بان يكشفها عنه ولانحتاج الى كبير تأمل حتى ندرك سريعاً بان الكروب التي يشكو العبد منها هي الذنوب وفعلاً لا كربة اشد من كون العبد يمارس المعصية لكن: ما ينبغي لفت الانتباه عليه هو ملاحظة صفات الله تعالى أي ملاحظة عظمة الله تعالى قبالة ذنوب العبد، ونعني بذلك ما ذكره الدعاء من الصفات المتمثلة في انه تعالى كاشف الكروب المشار اليها وانه تعالى علام الغيوب فضلاً عن انه تعالى ستار العيوب هنا نتساءل قائلين ان صفات الله تعالى متنوعة فما هي النكات الكامنة وراء التشدد في الصفات الثلاث التي لاحظناها؟ أي ستر العيب وكشف الكرب والعلم بالغيب هذا ما نحاول الاجابة عنه الآن ... من الواضح ان العبد ما دام يشكو او يتمزق الماً او كربة من كثرة ذنوبه حينئذ فان الكشف لتلكم الكروب هو الجواب الذي يتوقعه العبد فما دام العبد مكروباً فان الامل هو كشف كروبه وهذا ما يفسر لنا سبب تشدد الدعاء في صفة كشاف الكروب ولكن ماذا بالنسبة الى صفة ستار العيوب؟ ايضاً المسألة من الوضوح بمكان فمادام الذنب يجسد تضحية للعبد امام الناس وما دام العبد بحسب تركيبته العامة التي ركبها تعالى تقوم على البعد الاجتماعي المرتبط بحاجة العبد الى الاحترام والتقدير والحب حينه لا يتحمل العبد البتة اية حالة تتصل بهوائه الاجتماعي أي لا يتحمل البتة بان يحيا في وسط اجتماعي يحتقره ويهينه ويعيره بذنوبه التي كانت مختصة عن الآخرين ثم ظهرت الملأ ساعة الحساب في اليوم الآخر لذلك فان الحاجة الشديدة التي يتطلع العبد الى ان يشبعها هي عدم فضيحته امام الملأ وهذا ما يتناسب تماماً مع الصفة التي ذكرها الدعاء بالنسبة الى الله تعالى وهو يحاسب عباده الا وهي انه تعالى "ستار العيوب" أي انه تعالى بسبب من عظمته التي لا حدود لها انها عظمة الرحمة بعباده يتفضل بستر عيوبهم حتى يحتفظوا بماء وجوههم امام الملأ. اذن: امكننا ان نتبين بوضوح فلسفة هذه السمات التي ذكرها الدعاء دون سواها في هذا القسم من دعاء الصباح. والمهم هو: ان قارئ الدعاء يتعين عليه ان يستثمر قراءته للدعاء المذكور وان يدعو الله تعالى بان يكشف كروبه ويستر عيوبه وهو العالم بالغيب أي ممارسة الانسان لهذا السلوك او غيره وهذا ايضاً يفسر لنا دلالة ما تعنيه صفة "علام الغيوب" والمهم، كما قلنا يتعين على قارئ الدعاء ان يستثمر هذا الجانب وذلك لمحاسبة نفسه وممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح قوله (عليه السلام): (الهي قلبي محجوب ونفسي معيوب...) - 46 2007-04-17 00:00:00 2007-04-17 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/475 http://arabic.irib.ir/programs/item/475 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة العبارة وطرافة الدلالة، وثراء المعرفة العبادية في ميدان العقائد والاخلاق وسواهما، ومن ذلك: دعاء الصباح للامام علي(ع) حيث حدثناك عنه في لقاءات سابقة، وانتهينا الى القسم الاخير منه، وهو الخاص بالسجدة حيث قلنا: ان قارئ الدعاء تقدم الى الله تعالى بالافصاح عن اقراره بالذنب، من خلال جملة مفردات من السلوك المقصر حيال الله تعالى، فيما ذكر منه: ان قلبه محجوب عن الله تعالى، وهذا ما حدثناك عنه في لقائنا السابق، وذكر بعد ذلك انه نفسيا معيوب، أي: يتحسس بعيوبه امام الله تعالى ثم ذكر سمة ثالثة وهي: ان عقله مغلوب بينما ذكر سمة رابعة هي: ان هواه غالب، أي: ذكر سمتين متضادتين هما المغلوبية والغلبة، فالغلبة للهوى والمغلوبية للعقل، وهذه هي المأساة بلا شك... فماذا نستخلص من السمات المشار اليها؟ قلنا ان سمة (العيب) هي ذكرها الدعاء تنسحب على نفس قارئه، فما هي دلالة ما ذكره الدعاء من النفس المعيوبة ؟ لا نتأمل قليلا حتى نعرف بان (العيب) هو: اعم من الذنب، ومن المرض النفسي، ومن سائر ما يجسد سلوكا سلبيا، فالمحرم هو عيب، والمكروه عيب ايضاً، والمباح بدوره عيب في حالة ما اذا عاش العبد وهو غير ذاكر الله تعالى... هذا من جانب، ومن جانب آخر يمكننا ان نذهب الى ما تقرره المبادئ التي يطرحها علماء النفس بالنسبة الى خلخلة او ضعف الجهاز النفسي للشخصية كأن تتلكأ في تأدية وظائفها الحيوية العادية، فالحساسية او الركود النفسي او الصياح او... الخ تعدّ (عيوبا) في الجهاز النفسي للشخصية، من هنا فان القارئ الدعاء عندما يواجه عبارة تقرر بان سمة (العيب) منسحبة على النفس عندئذ سوف يستخلص بان المقصود من ذلك - والله اعلم - هو: اضطراب الجهاز النفسي لدى الشخصية، وبذلك يصح اطلاق العيب عليه، فكما ان جهاز الانسان حيويا او عضويا يتعرض للعيب كالعمى او العرج او الصمم او الامراض التي تصيب المعدة او القلب او الرئة او... اولئك جميعا تجسد عيوبا جسمية، مقابل العيوب النفسية التي اشرنا اليها... اذن عندما يشكو قارئ الدعاء من معيوبية نفسه، فهذا يعني ان الجهاز النفسي لديه غير سليم بحيث لا يستطيع ان يؤدي وظائفه التي اوكل الله تعالى اليه تأديتها... وهذا فيما يتصل بالسمة النفسية... ولكن ماذا بالنسبة الى السمة الثالثة والرابعة، وهما: مغلوبية العقل وغلبة الهوى؟ نعتقد ان هذه الظاهرة او هاتين الظاهرتين تحتاجان الى مزيد من القاء الانارة عليهما... اذن لنتحدث عن ذلك... ثمة (عقل) وثمة (هوى) والسؤال: ما المقصود بـ (العقل)؟ وما المقصود بـ (الهوى)؟ لو قدّر لك ان تتوفر على قرائة النصوص الواردة عن المعصومين عليهم السلام بالنسبة الى تركيبة الانسان لامكنك ان تستخلص منها ما يأتي: ان الله تعالى ركب في الانسان عقلا وشهوة، وركب في الملائكة عقلا بلا شهوة، وركب في الحيوان شهوة بلا عقل، هذه المقولة للامام علي(ع)، يقدر من خلالها ان الانسان يحمل قابلية على ان يسلك سلوكاً ايجابياً (اسماه بالعقل)، وان يسلك سلوكاً سلبياً (اسماه بالشهوة) في حين ان الملائكة منحوا قابلية واحدة هي: العقل، وعكس ذلك الحيوانات فقد منحوا قابلية واحدة هي الشهوة. والمطلوب من الانسان وهو يواجه هاتين القوتين ان يقاوم (الشهوة) وينتصر بـ (عقله)، ولذلك اوضح الامام علي(ع) من ان الانسان اذا غلب عقله على شهوته اصبح افضل من الملائكة، واذا غلبت شهوته على عقله اصبح احط ّ من الحيوانات... وفي ضوء هذه الحقيقة نعود الى الدعاء الذي نتحدث عنه، حيث المح الى ان العبد عقله مغلوب وهواه غالب، والمفروض ان يكون العكس هو المطلوب من العبد. اذن هذا ما يسوغ لقارئ الدعاء ان يشكو الى الله تعالى حاله، حيث ان (عقله) مغلوب، و(هواه) غالب، ولذلك نسأله تعالى ان ينتصر لنا فيجعل عقلنا ليس مغلوباً بل الغالب، وهوانا هو المغلوب وليس الغالب. اخيراً: لا مناص من التذكير جديداً بضرورة ان نستثمر تلاوة الدعاء المذكور، وذلك بمحاسبة انفسنا، وتوطينها على ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح قوله (عليه السلام): (الهي قلبي محجوب...) - 45 2007-04-15 00:00:00 2007-04-15 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/474 http://arabic.irib.ir/programs/item/474 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة العبارة، وطرافة المعنى، وثراء الدلالة من دعاء الصباح، حيث حدثناك عنه في لقاءات سابقة، وبقي الجزء الاخير منه، وهو: الجزء الخاص الذي يقرأ في السجدة التي يختتم بها الدعاء. هذه الخاتمة من الدعاء تتضمن جملة عبارات مشيرة الى قلب قارئ الدعاء بانه محجوب، والى نفس قارئ الدعاء بانها معيوبة، والى عقله بانه مغلوب والى هواه بانه غالب، والى طاعته بانها قليلة، والى معصيته بانها كثيرة، والى لسانه بانه مقر بالذنوب... ثم يتساءل قارئ الدعاء (فكيف حيلتي يا ستار العيوب، ويا علام الغيوب، ويا كاشف الكروب)، ثم يتوسل بالفقرة الآتية في ختام السجدة قائلا: (اغفر ذنوبي كلها بحرمة محمد وآل محمد ياغفار ياغفار ياغفار برحمتك يا ارحم الراحمين)... هذا هو مضمون الدعاء في ختامه... وقد آن لنا ان نحدثك عنه بشيء من التوضيح. *******ان اول ما يلفت نظرنا في هذه النقطة من الدعاء هو: ارتكانه الى الاسلوب القرآني في شكوى العبد من ذنوبه... ولعلك - اذا كنت مواظبا على قراءة القرآن الكريم - تنصرف بذهنك الى شكوى نوح(ع) من قومه عندما اتجه الى الله تعالى قائلاً: (اني مغلوب)، وها هو قارئ الدعاء يشكو - ليس من قومه - بل من نفسه، او من الشيطان الذي يزيّن له المعصية، حيث يتبين بان عقله (مغلوب) بسبب سيطرة الوسوسة الشيطانية عليه، بحيث لم يترك له مجالا للتفكير السليم او المتعظ او الذاكر دواما لله تعالى، مضافاً الى اول طابع طبع قلبه الا وهو انه (محجوب) ثك: طابع نفسه التي غالب عليها العيب.... ويعنينا الآن ان نحدثك عن كل واحدة من السمات السلبية التي يشكو قارئ الدعاء منها حيث يستهلها بالاشارة الى القلب المحجوب... فماذا نستخ لص منها؟ *******عندما يشيد الدعاء - على لسان قارئه - بان قلبه (محجوب) فهذا يعني انه يحس بوجود (حجاب) بينه وبين الله تعالى... والحجاب رمز للذنوب كما هو واضح، او هو (غفلة) عن ادراك العبد لوظيفته التي خلقه الله تعالى من اجلها... وحتى لو افترضنا ان قلب قارئ الدعاء محجوب عن الله تعالى: (ليس بسبب من الذنوب) بل بسبب من الغفلة عن ادراك وظيفته العبادية كما لو كان مشغولا بجمع المال، او منصرفا الى اللهو والعبث، او ساهيا عن الله تعالى بحيث يحضر مجالس البطالين الذين لا يذكرون الله تعالى قياما وقعودا، ولا يتفكرون في خلق السماوات والارض، ولا يقولون: سبحانك ما خلقت هذا باطلاً فقنا عذاب النار. انهم لم (يذكروا) الله تعالى، وهذه هي (الغفلة) بعينها حيث تعد خسارا، وبحيث يتحسر العبد يوم القيامة على ما فاته من التفريط باوقاته ونشاطاته المتنوعة الى (غفل) فيها عن الله تعالى، وتركها فراغا لم يمتلئ بـ (ذكر) الله تعالى. *******المهم: ان استهلال الخاتمة للدعاء (اي: استهلال السجدة) بالاعتراف بان قارئ الدعاء (قلبه محجوب) يظل - في الواقع - مقدمة لامكانية ان يعدل قارئ الدعاء سلوكه، فيستيقظ من نومه (وهو: الغفلة التي جعلت قلبه محجوباً عن الله تعالى)، ويتجه الى الله تعالى (ذاكراً)، (ونحن نسأله تعالى ان يجعلنا من الذاكرين، وان يفتح قلوبنا - بعد ان حجبها الشيطان - نحو الله تعالى، وذلك بان نحاسب انفسنا لحظة بلحظة، وان نملأ حياتنا بـ(ذكر) الله تعالى دواما، بحيث لا تجد قلوبنا الى (الغفلة) مجالا وهذا ما يحملنا على متابعة التفكير بهدف وجودنا في الحياة، حيث خلقنا الله تعالى لكي نمارس عملنا العبادي (تبعاً لقوله تعالى: وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون)، ومن ثم ندرب ذواتنا دواما على ممارسة الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح قوله (عليه السلام): (ياخير من دعي لكشف الضر، والمأمول لكل عسر ويسر...) - 44 2007-04-12 00:00:00 2007-04-12 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/473 http://arabic.irib.ir/programs/item/473 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة، ومنها دعاء الصباح للامام علي(ع)، حيث قدمنا - في لقاءات سابقة - غالبية مقاطعه، ونقدم اخيرا المقطع الذي اختتم به الدعاء، مع ملاحظة ان الدعاء يتضمن بالاضافة الى ذلك ختاما آخر هو جملة مقاطع تقرأ سجوداً (حيث سنحدثك عنها ان شاء الله تعالى لاحقاً). اما الآن، فنحدثك عن المقطع الاخير من الدعاء، وهو (ياخير من دُعي لكشف الضرّ، والمأمول لكل عسر ويُسر، بك أنزلت حاجتي، فلا تردّني من سني مواهبك خائباً...). هذا المقطع من الدعاء يتضمن موضوعات لا تحتاج الى القاء الانارة عليها، نظرا لوضوحها وتكرار دلالاتها في غالبية الادعية، ولكن - مع ذلك - ثمة نكات لا مناص لقارئ الدعاء من النظر اليها، وفي مقدمتها العبارة القائلة (والمأمول لكل عسر ويُسر)، حيث ان قارئ الدعاء من الممكن ان يتساءل قائلا: نحن نعرف بأن العسر او الشدة التي يواجهها الانسان هي: موضوع السؤال من الله تعالى بان يكشفها الله تعالى عن قارئ الدعاء، واما التوسل بالله تعالى بانه المأمول لكل يسر ايضاً، هو امر يحتاج الى اضاءة الموقف... فماذا تعني هذه العبارة؟ لا نعلم - اذا ما كنت متذكرا بدايات لقاءاتنا عن الدعاء - عندما كنا نتحدث عن آداب الدعاء وشروطه و...، حيث قلنا ان النصوص الواردة عن المعصومين عليهم السلام طالما تؤكد ضرورة أن يدعو العبد، عبر توسله بالله تعالى بقضاء حوائجه وازاحة الشدائد عنه، يدعو الله تعالى في اليسر حتى يفرج عنه في العسر. والسؤال الآن: ما هي الفلسلفة الكامنة وراء الشرط المذكور، اي: ان ندعوه تعالى في حالات يسرنا حتى يستجيب لنا في حالات عسرنا؟ ان الاجابة عن السؤال المتقدم لها اهمية كبيرة في ميدان المعرفة العقائدية، او ميدان التعامل مع الله تعالى. ان العبد ما دام محتاجا في جميع حالاته الى الله تعالى حينئذ، فان التعامل مع الله تعالى ينبغي ان يتم في الحالات جميعا، هذا من جانب... من جانب آخر ان تعاملنا مع الله تعالى هل هو منحصر في الشدة بحيث لا نعرفه الا في الشدائد، واما في الرخاء فنغفل عنه تعالى، اذا كان الله تعالى هو المتصرف في شؤوننا، ونعبده دون سواه، ولا نملك لانفسنا نفعا ولا ضرا ولاموتا ولاحياة...، عندئذ أليس الاجدر بنا ان نعرفه في الحالات جميعا؟ لا يتردد اثنان ان الانسان اذا ما تعامل حتى في نطاق تجربته مع بشر مثله تعاملاً ذاتياً وفردياً وانانياً بحيث لا يتجاوب مع الآخر الا بقدر ما يقدم له من الاشباع ثم لا يعرفه في الحالات الاعتيادية التي لا ترتبط بالفائدة الشخصية، هل ان امثلة هذا الانسان ينتسب حقا الى الانسانية التي تعين محبة الانسان لاخيه الانسان؟ لو كان الناس يتعاملون وفق مصالحهم الشخصية فحسب لتعذرت استمرارية الحياة. لذلك نجد علماء الاجتماع - وهم منعزلون عن مبادئ السماء - يحاولون تفسير المجتمعات وامكان قيامها واستمراريتها، على مبدأ التبادل بين المصالح، ومبدأ التنازل عن مقدار من حاجاتهم، حتى يمكن لهم ان يتعايشوا، والا اذا كان كل واحد منهم يسعى لاشباع حاجاته وحده، فسيرتطم بحاجات الآخر، وهذا يستتلي حرب كل واحد مع الآخر، وبذلك تتهدم الحياة، ويتعذر مجراها بل ويمتنع امكان التعايش بين البشر. وهذا كله في ميدان التعامل مع البشر بعضهم مع الآخر... واما اذا نقلنا هذه التجربة الى تعاملنا مع الله تعالى، حينئذ نستطيع الذهاب الى القول: ان العبد اذا تعامل مع الله في الشدة فحسب، فهذا يعني انه لا يعرف الله تعالى في حالات الرخاء، فهل يتناسب مثل هذا الموقف مع مفهوم العبودية؟ هل يتناسب مع معرفتنا بان الله تعالى هو السبب في رخائنا، فكيف نغفل عنه تعالى في حالة رخائنا؟ اننا سنلقي المزيد من الاضواء على هذا الجانب (في لقاء لاحق ان شاء الله تعالى) ولكننا الآن نذكر بضرورة ان نتعرف على الله تعالى في اليسر حتى يعرفنا في العسر، كما نطقت النصوص الشرعية بذلك. اخيراً يتعين علينا ان نفيد من هذا الدعاء من حيث تعاملنا مع الله تعالى، وممارسة عملنا العبادي والتصاعد به الى النحو المطلوب. ******* شرح قوله عليه السلام (صل على محمد وآله الأتقياء وأسمع ندائي واستجب دعائي وحقق بفضلك أملي ورجائي) - 43 2007-04-10 00:00:00 2007-04-10 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/472 http://arabic.irib.ir/programs/item/472 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة وما تتضمنه من النكات البلاغية ودقائق المعاني، وصنوف المعرفة، ومن ذلك: دعاء الصباح للامام علي(ع)، حيث حدثناك عن جملة مقاطع منه، ونحدثك الآن عن موضوع جديد طالما ندعو به، حيث يتسم بكل وضوح، ويتكرر دواماً، ألا وهو العبارات الآتية: (صلّ على محمد وآله الاتقياء، واسمع ندائي واستجب دعائي، وحقق بفضلك أملي ورجائي)، وهذا المقطع من الدعاء - كما قلنا - مطبوع بسهولة مفرداته، ووضوح معانيه، وكثرة تردده على الالسنة، ولكن هل تساءل قارئ الدعاء مع نفسه، عن النكات الكامنة فيه؟ هل سأل مثلا عن الفارق بين النداء وبين الدعاء حينما قال (واسمع ندائي واستجب دعائي)؟ ثم هل سأل مثلا عن الفارق بين الامل والرجاء حينما قال (وحقق بفضلك املي ورجائي)؟ نعتقد ان القلة من قراء الادعية طرحوا امثلة هذه الاسئلة... وهذا ما نحاول ان نتحدث عنه... لنقرأ فقرة الدعاء الاولى (واسمع ندائي واستجب دعائي) هنا، فسارع الى القول بان العبارة الاولى تتوسل بالله تعالى بان (يسمع) لكلام العبد، وكذلك نسارع هنا ونقول بالنسبة الى العبارة الثانية من المقطع وهي (استجب دعائي)، حيث نستخلص بسهولة دلالة ما تعنيه العبارة المذكورة، وهي: ان العبد يدعو الله تعالى فيستجيب الله تعالى دعاء الشخصية المذكورة. اذن: العبارة الاولى تتوسل بالله تعالى بان (يسمع) تعالى كلام العبد، والثانية تتوسل بالله تعالى بأن (يستجيب) دعاء العبد، اي: ان المسآلة هي: ان يسمع تعالى دعاء عبده ويحقق له مضمون دعائه. ولكن هذا المعنى العام ليس هو بلاغة المقطع المتقدم، بل بلاغته تتمثل في ان الدعاء استخدم كلمة (ندائي). في عبارته القائلة (واسمع ندائي) لماذا لم يقل على سبيل المثال (اسمع دعائي) ؟ بل في عبارة (النداء)؟ هنا تكمن النكتة وطرافة الدلالة... كيف؟ من الواضح ان كلمة (النداء) تعني لغوياً: مناداة الطرف الآخر كما لو قال (يا فلان) مثلا... وحينما نتجه الى التعامل مع الله تعالى فهذا يعني اننا نتوسل به بأن يسمع كلامنا الذي اتجهنا به اليه وقلنا (يا الله) ومن الواضح كذلك ان (النداء) هو غير (الكلام) المألوف، بل هو اسلوب لغوي، يعبر عن الحالة الداخلية للانسان حينما يتطلع الى تحقيق ما يحتاج اليه، فينادي، اي: يصيح بصوت عالٍ يا فلان.... والصياح بصوتٍ عالٍ: له دلالته المهمة، وحينئذ نستخلص بأن قارئ الدعاء عندما يمارس عملية (نداء) الى الله تعالى، فهذا يعني: ان العبد بحاجة حادة... انه يتطلع الى اشباع حاجته، ان حاجته ملحة، ولذلك (ينادي: يصيح بصوت عال)، ويقول (يا الله) اسمع توسلي غير العادي، وهذا يعني - كما كررنا - حاجته الملحة. ولذلك قال بعد ذلك: (وحقق بفضلك املي ورجائي) وهنا نتساءل: ما هو الفارق بين الرجاء وبين الامل؟ الرجاء هو: ما يتطلع الانسان اليه مع اقربية الوصول الى اشباع الحاجة كقوله (من كان يرجو لقاء الله...)، حيث ان معناه: ان العبد يتطلع الى ما هو قريب من التحقق. واما الامل فهو ابعد من ذلك، اي: ان الامل ابعد حصولا من الرجاء، ولكنه ممكن الحصول...، لذلك فان الدعاء المذكور: اراد الاشارة الى ان الله تعالى يستجيب لدعاء العبد، سواء أكان ما يدعو به هو حاجة قريبة او حاجة بعيدة، حيث ان كلتيهما من الممكن ان تتحققا ما دام الله تعالى لا حدود في رحمته. اذن: امكنا ان نتبين الفارق بين الامل وبين الرجاء، وانعكاسات ذلك على حاجاتنا، وهو امر يدعونا الى نتعظ بما قرأناه، وان نتوسل بالله تعالى بأن يوفقنا لمرضاته، وان نمارس الطاعة ونتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح قوله عليه السلام (فيامن توحد بالعز والبقاء وقهر عباده بالموت والفناء) - 42 2007-04-08 00:00:00 2007-04-08 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/471 http://arabic.irib.ir/programs/item/471 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة العبارة، وطرافة المعنى، وعظمة الدلالة، ومن ذلك دعاء الصباح للامام علي(ع)، حيث يحفل الدعاء المذكور بما قلناه، وبما هو بالغ الاهمية من حيث البعد المعرفي الذي ينتظم الدعاء المذكور، وقد قدمنا غالبية مقاطع الدعاء في لقاءات سابقة، نقدم فقرة جديدة من ذلك، وهي الفقرة القائلة (فيامن توحد بالعز والبقاء، وقهر عباده بالموت والفناء). هذه الفقرة أتت بعد مقاطع تتحدث عن ابداع الله تعالى للظواهر الكونية، ولذلك نتساءل قائلين: ما هي النكات الكامنة وراء الفقرة المتقدمة التي تتحدث عن انّ الله تعالى قد انفرد بالعز والبقاء، وقهر عباده بالموت والفناء، بعد ان كانت المقاطع السابقة عليها تتحدث عن ابداعه تعالى لليل والنهار وللشمس والقمر .... هذا ما نحاول توضيحه... ان اول ما يلفت نظرنا هو: ان فقرة الدعاء قالت (فيامن توحد بالعز والبقاء)، أي: استخدمت عبارة (توحد) بمعنى ان وجـدانية الله تعـالى او توحيده تعالى قد تجسدت - في جملة ما تجسدت فيه، حيث لا نهاية لعظمته تعالى - في ظاهرتي العز والبقاء. والسؤال من جديد: ما هي النكتة الكامنة وراء التأكيد على العز والبقاء دون سواهما من مصاديق وجدانيته تعالى؟ لا نتأمل طويلا حتى ندرك سريعا ان ظاهرة (العز) تتداعى بالذهن الى معنىً يتجانس مع الموقف، وهو: ان اشارة مقاطع الدعاء الى ابداع الله تعالى للشمس والقمر ولليل والنهار و... في الخطاب السابق ينتقل بالذهن الى تفرده تعالى بعظمة الابداع، بحيث لا مثيل له تعالى في الكون، وهو (عزته) تعالى، أي: انفراده وعدم وجود المثل له، حيث ان معنى كلمة (عزّ) لغوياً تنسحب على ما هو منبع لا يغالب، وعلى من لا يعجزه شيء، وعلى من لا مثيل له، وهي صفات الله تعالى... لذلك فان العزّ هنا يتجانس مع عظمته تعالى في ابداعه المشار اليها. لكن: يبقى ان نوضح لك ما تعنيه الصفة الملازمة للعزّ، وهي البقاء، حيث قال الدعاء (فيامن توحد بالعز والبقاء)... فماذا تعني ظاهرة (البقاء) هنا؟ قبل ان نجيبك عن السؤال المتقدم، ندعوك الى قرائة الشطر الآخر من فقرة الدعاء وهي (وقهر عباده بالموت والفناء) أي: الدعاء بعد ان رسمَ سمة (البقاء) لله تعالى قابل بين ذلك وبين ما يضادها وهي الفقرات التي تقول بأنه تعالى قهر عباده بالموت والفناء، حيث ان الموت والفناء يضادان البقاء ، كما هو واضح. ولكن السؤال المهم هو: لماذا ذكرَ الدعاء سمتين هما: الموت والفناء للمخلوقات مقابل البقاء لله تعالى؟ ايضاً لا نتأمل طويلاً حتى ندرك سريعا، بان المخلوقات الكونية تتسم بطابعي مضادين للبقاء، هما: الموت والفناء، اما الموت فيعني الوفاة، ولكن (الفناء) اعمّ منه ومن الموت، اي: زوال الشيء، ولذلك ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام)، فهنا نلاحظ بأن الآية الكريمة قد استخدمت كلمة (الفناء) للتعبير عن زوال المخلوقات جميعا مقابل (بقاء) الله تعالى. يبقى أن نتساءل ايضا: اذا كان المخلوق البشري يتسم بالموت، وسائر المخلوقات بالفناء، فلماذا قال الدعاء (وقهر عباده بالموت والفناء)؟ ايضا لا نتأمل طويلا حتى ندرك سريعا بأن الاشياء (غير الجن والانس) تسبّح بحمد الله تعالى ولكن لا نفقه تسبيحها، فهي من هذه الزاوية تتماثل مع البشر والجن في تقديس الله تعالى وتمجيده. اذن: استطعنا ان نتبين جانبا من اسرار الدعاء (في فقرته المذكورة) والاهم من ذلك هو ان نستثمر قراءتنا للدعاء، ونتعظ بمضمونه وهو: توحيد الله تعالى وتمجيده، ومن ثم الالتزام بالطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح قوله عليه السلام (وأدب اللهم نزق الخرق مني بأزمة القنوع) - 41 2007-04-05 00:00:00 2007-04-05 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/470 http://arabic.irib.ir/programs/item/470 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة التعبير بخاصة في حقل الاستعارات والرموز ونحو ذلك من الصور التي تسهم في تعميق المعنى واستكشاف نكاته، ومن ذلك دعاء الصباح للأمام علي(ع) حيث قدمنا في لقاءات سابقة مجموعة مقاطع من الدعاء المذكور ونقدم فقرة جديدة الان وهي (وأدب اللهم نزق الخرق مني بأزمة القنوع) هذه الفقرة او الاستعارة فيها قسط من ضبابية جميلة تحتاج الى القاء انارة عليها وهذا ما نبدأ به الآن ... ماذا تستهدف العبارة من الدلالة العامة؟ نتحدث اولاً عن معاني الكلمات ومنها: (الخرق) وهذه الكلمة تعني ما هو المضاد للرفق أي الشدة والغلظة في السلوك، كما تعني دلالات متشابهة مثل الحماقة سوء التصرف، الجهل ...، واما معنى (نزق) فهو: الخفة في كل امر، او العجلة في جهل وحماقة .... واما كلمة (الازمة) فهي جمع للزمام وهو مقود الدابة واما كلمة (القنوع) فتعني هنا التذلل والتخشع ...، وحينئذ ماذا يكون المعنى؟ المعنى العام هو التوسل بالله تعالى بان يجعلنا متذللين لينين في سلوكنا وليس حمقى واشداء وغلاظاً ان هذا المعنى يصوغه الدعاء عبر استعارات فائقة تهبه عمقاً وطرافة حيث يقول (وأدب اللهم نزق الخرق مني بأزمة القنوع)... ولنتحدث اذن بلغة الاستعارة لنستكشف النكات الكامنة وراء ذلك ... اولاً: يتوسل النص بالله تعالى بان يؤدبنا نحن القراء للدعاء وان يربينا التربية العبادية المطلوبة فما هي هذه التربية؟ هذه التربية تتصل بصياغة مسألةً ذات نزعة خيرة قبالة احد انماط السلوك العدواني لدى الشخصية حيث نعرف بان الشخص الذي يحمل نزعة عدوانية مثل الغلظة والشدة والشتم والاهانة و...، انما هو شخصية لا وجود للنبض الانساني لديها، انها عديمة الرحمة والشفقة والحنان والرفق والمحبة ...، او لنقل ان الناس متفاوتون في درجتهم العدوانية ضخامة وضالة، ولكن بنحو عام فان الغلظة والشدة والفظاظة ...، بغض النظر عن درجاتها تظل سلوكاً سلبياً لابد وان تتملص الشخصية منها بخاصة الشخصية الاسلامية التي تخضع لمبدأ (المؤمنون أخوة) ولمبدأ (رحماء بينهم)، ولذلك تظل الغلظة والفظاظة والشدة في التعامل مع الاخرين منافية تماماً للمبادئ الاسلامية المشار اليها... وهذا ما توفر عليه الدعاء حينما نتوسل بالله تعالى بان يربينا على عدم الحمق والخفة في تصرفاتنا قبالة الآخر، وكذلك على عدم الغلظة وعدم الشدة، وبنحو عام، يمسح النزعة العدوانية من اعماقنا وهي (نزق الخرق) سوء التصرف وخصة المفضية الى سوء الخلق وفظاظته وغلظته وجفافه .... يبقى ان نحدثكم عن الاستعارة التي صاغت المعنى المذكور وهي ان تكون التربية او التأديب من الله تعالى لنا متمثلاً في توجيه سلوكنا نحو اللين والشفقة والرحمة والرفق ...، ولذلك شبه الدعاء سوء الخلق بزمام الدابة في حالة ما اذا لم يسيطر راكبها على الزمام او المقود ولكن اذا سيطر راكب الدابة على زمامها حينئذ يكتم من جماح الدابة، ويوجهها الوجهة الصحيحة التي يستهدفها.. ولعلكم لاحظتم بان التعبير عن سيطرة الشخصية على زمام الدابة ... قد انتخب له الدعاء عبارة (القنوع) وهي كما قلنا تعني التذلل، بمعنى انك اذا تعاملت مع اطراف اجتماعية ينبغي ان تخفض لهم جناح الرحمة، ان تكون رؤوفاً بهم ان ترفق بهم ...، او كما عبر القرآن الكريم عن ذلك بقوله تعالى (أذلة على المؤمنين) مقابل (اعزة على الكافرين). اذن: انتخبت فقرة الدعاء عبارة (القنوع) لتشير الى التذلل، أي الليونة او الرفق .... اخيراً يجدر بنا ونحن نقرأ دعاء الصباح ان نستلهم منه مبادئ السلوك الاسلامي المطلوب، و في مقدمته ان نتعامل مع اخوتنا في الايمان بنحويتسم باللين والرفق وبالشفقة وبالحنان ...، وذلك بان ندرب ذواتنا على تنمية نزعة المسالمة بدلاً من العدوان وان نمارس مبادئ الطاعة بعامة وان نتصاعد بذلك الى النحو المطلوب. ******* شرح قوله عليه السلام (وأجرِّ اللهم لهيبتك من آماقي زفرات الدموع) - 40 2007-04-03 00:00:00 2007-04-03 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/469 http://arabic.irib.ir/programs/item/469 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة العبارة ونكاتها الدلالية وفي مقدمة ذلك دعاء الصباح للأمام علي(ع)، حيث يحفل الدعاء المذكور باستعارات ورموز وصور متنوعة تسهم بلا شك في تعميق معاني الدعاء وهو امر لا مناص لقارئ الدعاء من التوفر على معرفته حتى يصبح الدعاء محتفظاً لدى قارئه بفاعليته المطلوبة. المهم: نتقدم الان بعرض فقرات منه، بعد ان قدمنا مقاطع متنوعة من الدعاء المذكور تقول فقرة الدعاء (وأجر اللهم لهيبتك من آماقي زفرات الدموع، وأدب اللهم نزف الخرق مني بأزمة القنوع ...). هذا النص يتضمن فقرة هي (وأجر اللهم لهيبتك من آماقي زفرات الدموع) ... ومع ان هذه الفقرة بالقياس الى الفقرة اللاحقة اوالفقرات السابقة عليها تتميز بوضوحها التام وببساطة الصورة الاستعارية فيها الا انها في الآنِ ذاته تحفل بمعان عميقة وهو ما نبدأ بالقاء الاضاءة عليه الآن ... يقول النص - كما لاحظتم - بما معناه (اللهم اجعلني باكياً من هيبتك بكاءاً شديداً) ... لكن كيف عبر النص عن الدلالة المذكورة؟ اولاً: جعل ظاهرة الدموع هي التعبير عن البكاء ولكناية دموع؟ واية كيفية منها؟ لقد اختار الدعاء كلمة "الآماق" وهي المجاري التي ينطلق منها الدمع هي التعبير الادق عن معنى البكاء حيث ان مجاري الدمع ما دامت هي منبع الدمع، حينئذ فان الدعاء يستهدف تأكيداً كبيراً على مسألة الدمع، هذا من جانب. ومن جانب آخر عبر عن جريان الدمع باستعارة طريفة هي: زفرات الدموع ... وهذا تعبير عميق وطريف كما قلنا كيف ذلك؟ الزفير كما نعرف جمعياً هو التنفس مع مد النفس أي التنفس المقصود ولكن ثمة معنى آخر هوالتنفس الحار وليس العادي وهناك دلالة ثالثة هي النار التي يسمع صوتها. والآن مع ملاحظتنا لهذه الدلالات ماذا نستخلص؟ لا نحتاج الى تأمل كبير حتى نتبين طرافة الدلالة وعمقها فالدموع عنما تكون بمثابة نفس حار او ممدود حينئذ تعني اننا امام استعارة ذات طرافة وهي خلع سمة الحرارة على الدمع وكونه مصحوباً بمدة حرارية بل اكثر من ذلك يسمع الصوت المنبعث من الدموع كما يسمع الصوت المنبعث من النار في حالة توقدها. اذن: العبارة المذكورة تعبير عميق كل العمق عن حالة البكاء التي يتمناها كل قارئ للدعاء. والسؤال هو: هل هذا البكاء الحاد من اجل الخوف من العقاب؟ ام هو تعبير عن الاحساس بعظمة الله تعالى؟ الدعاء يقرر التفسير الاخير أي الاحساس بعظمته تعالى ولكن الملاحظ ان النص قد اختار عنصر "الهيبة" لدى الله تعالى وطلب بان تجري دموعاً ساخنة حيال الظاهرة أي هيبة الله تعالى. ومن ا لواضح ان قدراً من التفكير بعظمة الله تعالى بنحو دقيق يجعل الشخصية مذهولة ولا ادل على ذلك ما نعرفه من المعصومين عليهم السلام ومن الانبياء ومن الشخصيات السالكة عن حالات خاصة تصدر عنهم من خلال مجرد وقوفهم امام الله تعالى للوضوء او الصلاة او مجرد التفكير بعظمة الله تعالى. اذن: لا عجب بان يكون الدمع الحار، والمنبثق من مجرى العين الخاص بالدمع، والمتسم بصوت مسموع من شدة حرارته لا عجب ان يكون هو التعبير الاشد لصوقاً بمفهوم الخشية من الله تعالى. ولا نغفل اخيراً من الاشارة الى ان البكاء بنحو عام يعبر بوضوح عن البعد الانساني النبيل في الشخصية ما عدا البكاء الساذج المنبعث من الذاتية. لذلك، فان توسل الدعاء المذكور بالله تعالى بان يجعل دموعنا حارة بنحو يتناسب مع حرارة ايماننا بالله تعالى (وهذا يقتادنا الى ان نستثمر قراءتنا للدعاء) وذلك بأخذ العظة منه تمثلاً في التفكر بعظمة الله تعالى ونجسد ذلك في البكاء الحار ومن ثم الحرص الحار على ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح قوله عليه السلام (فيامن توحد بالعز والبقاء وقهر عباده بالموت والفناء...) بعد قوله (من غير أن تمارس فيما إبتدأت به لغوباً ولاعلاجاً) - 39 2007-03-31 00:00:00 2007-03-31 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/468 http://arabic.irib.ir/programs/item/468 لا نزال نحدثكم عن الادعية المباركة وما تنطوي عليه من نكات متنوعة ودلالات معمقة ومن ذلك: دعاء الصباح للأمام علي(ع) حيث يحفل بما قلناه وهذا ما حدثناكم عنه في لقاءات سابقة ونقدم حديثاً جديداً عن احد مقاطعه او فقراته ونعني بذلك المقطع الذي يتحدث عن ابداع الله تعالى، لليل وللنهار وللشمس وللقمر وللمطر حيث يعقب على ذلك بهذه العبارة "من غير ان تمارس فيها ابتدأت به لغوياً ولا علاجاً" ثم يقول (فيامن توحَّد بالعز والبقاء وقهر عباده بالموت والفناء، صلِّ على محمدٍ وآله ...). ان هذا النص وما سبقه يحتاج الى القاء الاضاءة عليه من حيث النكات الدلالية التي يزخر بها وهو ما نحاول ان نحدثكم عنه ... طبيعياً ان الابداع "اذا كان بشرياً او غير بشري من المخلوقات الاخرى" يظل ممارسةً تتطلب تعباً فكرياً او مادياً...، ولكن بالنسبة الى الله تعالى وهذا ما يحرص على الاشارة اليه والتذكير به مقطع الدعاء يظل الامر على الضد من ذلك، من هنا عندما يشير الدعاء الى ان الله تعالى "الفَّ الفرق" و"انار الغسق" و"انهر المياه" و"انزل المطر" و"خلق الشمس والقمر": عندما اشار الدعاء الى ذلك عقب عليه بان الله تعالى لم "يمارس فيما ابتدأ به لغوياً ولا علاجاًَ" والسؤال الآن هو ما هي النكات الكامنة وراء الاشارة الى ان الله تعالى لم يمارس فيما ابتدأ به من الابداع لغوياً ولا علاجاً؟ ان المعنى العام لهذا الموضوع من الوضوح بمكان كبير، وهو ان الله تعالى لم يتعب ولم يتكيء على المراس ومعالجة الشيء في ايداعه ... الا ان النكتة هي هاتان السمتان أي التعب والعلاج فماذا نستخلص منهما؟ لنقرأ العبارة من جديد (من غير ان تمارس فيما ابتدأت به لغوياً ولا علاجاً) ... هنا نلفت نظركم الى العبارة المشيرة الى ان الله تعالى عندما "ابتدأ" في خلق الظواهر الكونية من ليل ونهار ومطر ... والخ، لم يصدر عنه "لغوب" وهو التعب المصحوب بالشدة ولا "علاجاً" أي المراس او المزاولة الخ، وهذا يعني انه تعالى مبدع "لا كالآخرين" حيث يتطلب الابداع ممارسة سابقة اوتعباً يتناسب مع حجم الابداع، في حين ان الله تعالى ابدع الظواهر بارادته القائلة للشيء "كن فيكون" بلا مقدمات وعناصر مليونية من الاشياء... ويترتب على ذلك هذا التعقيب من الدعاء وهو (فيامن توحَّد بالعز والبقاء وقهر عباده بالموت والفناء، صلِّ على محمد وآله ...). ان هذا التعقيب هو الدلالة المستهدف لفت النظر اليها وهي توحده وتفرده تعالى في ظاهرتي العز والبقاء، ثم في قهر عباده بالموت وبالفناء والسؤال الشديد اهمية هو ان النص اشار الى ان الله تعالى ينفرد بالعز وبالبقاء قبالة قهر عباده بالموت وبالفناء أي هنا ثمة ظاهرتان هما العز والبقاء تتصلان بصفات الله تعالى ويقابل ذلك انه تعالى فرض على عباده او قهرهم بالموت وبالفناء، فما هي النكات الثاوية خلف هذه الاشارات؟ بالنسبة الى السمتين اللتين ترتبطان بالله تعالى أي العز والبقاء فتعنيان انه تعالى وبالنسبة الى العزة بانه مع هذا المنبع والغالب والذي لا يعجزه شيء ولا مثال له ولا يوجد له مثيل ...، واما بالنسبة الى البقاء فالأمر من الموضوح بمكان والسؤال المكرر هو: ان التأكيد على انه تعالى "عزيز" و"باق" وان المخلوقات تموت وتفنى يعني ان ثمة نكتة او مجموعة نكات وراء ذلك وهو ما يتطلب لقاءاً آخر ان شاء الله تعالى. المهم الآن هو: ان نستثمر نحن القراء للدعاء هذه اللقاءات ونرتب اثراً عليها أي التعديل في سلوكنا وذلك بالتفكر في عظمة الله تعالى، وملاحظة قدراته ثم ملاحظة وظيفتنا العبادية التي خلقنا الله تعالى من اجلها، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح قوله عليه السلام (وجعلت الشمس والقمر للبرية سراجاً وهاجاً من غير أن تمارس فيما إبتدأت به لغوباً ولاعلاجاً - 38 2007-03-26 00:00:00 2007-03-26 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/467 http://arabic.irib.ir/programs/item/467 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة فائقة ومن ذلك دعاء الصباح للامام علي(ع) حيث حدثناكم عن مقاطع كثيرة منه، ومنها المقطع الذي يتحدث عن ابداع الله تعالى، للصبح وللغسق وللمطر ...والخ، ومنها هذه الفقرة التي تتحدث عن الشمس وعن القمر، حيث تقول عبر تمجيد الله تعالى (وجعلت الشمس والقمر للبرية سراجاً وهاجاً، من غير ان تمارس فيما ابتدأت به لغوباً ولا علاجاً) . طبيعياً كما سبق ان قلنا في لقاءات متقدمة ان تمجيد الله تعالى من خلال ابداعه الكوني لالآف الظواهر قد لا يحتاج الحديث عنها الى توضيح، فالشمس والقمر مثلاً "وقد ورد في فقرة الدعاء التي لاحظناها الآن" لا يجهل معطياتهما "من حيث الانارة" احد والا فان الاسرار التي يتحدث الاخصائيون عنها مذهلة دون ادنى شك، وكنا في صدد الكشف او العرض حيث يستطيع كل واحد منا ان يرجع الى المصادر العلمية للتعرف على ذلك. ان ما نستهدفه هذا ما نبدأ به الآن. ملاحظة: الدلالة العقائدية العامة وما تنطوي عليه العبارة البلاغية من نكات. لعلكم تتذكروا في لقائنا السابق اننا عندما حدثناكم عن الظاهرة المرتبطة بالمطر حيث عبر الدعاء عنها بالماء الثجاج، لعلكم تتذكروا ما حاولنا استخلاص نكاته المرتبطة بطبيعة المطر وعلاقته بالنبات وكيفية ذلك ... والامر نفسه بمقدورنا ان نلحظه بالنسبة الى الشمس والقمر من حيث كونهما قد خلع عليهما الدعاء مصطلح او عبارة السراج الوهاج حيث يمكنكم ان تتساؤلوا عن النكات الكامنة وراء ذلك، بخاصة ان نصوصاً قرآنية كريمة وسواها اوضحت في مواقع اخرى بان الشمس مثلاً مرتبطة بالابصار وبفائدته مثل قوله تعالى (وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً ...)، هنا نجد ان الدعاء قد عبر عن الشمس والقمر بعبارة السراج وهي استعارة بطبيعة الحال ... حيث نعرف بان السراج هو اناء فيه مادة قابلة للاشتعال بعد ان يجعل فيها الزيت ونحوه فيضيء الموقع واما الوهاج فتعني الاتقاد مصحوباً بحرارة شديدة، من هنا يمكنكم ان تظفروا بالنكات الكامنة وراء ذلك ... من هي نكاته؟ النكتة تتمثل اولاً في السر الكامن وراء الصفة التي خلعها الدعاء على "السراج" حيث قال (سراجاً وهاجاً)، أي: خلع صفة "الوهاج" مع ان السراج وحده كافٍ بان يوضح لنا مفهوم الانارة ما دام السراج هو جهاز اناري اساساً؟ هذا مع ملاحظة ان النص القرآني الكريم لا يذكر صفات الانارة في مواقع اخرى من القرآن الكريم وهذا مثل قوله تعالى في سورة "المُلك" (ولقد زيّنا السماء الدنيا بمصابيح ...) فالمصباح هنا بدوره جهاز اناري، ولكن النص كان في صدد حديثه عن السماوات وعدم وجود تفاوت وسواه فيما بينها أي من الزاوية الجمالية، اما في سورة "النبأ" فسياقها الحديث عن الزاوية المادية أي المنفعة الانارية وهنا في دعاء الصباح جاءت الظواهر الابداعية متناسقة مع الصباح ذاته من حيث كونه ظاهرة ابداعية خاصة ترتبط من جانب بما هو مادي ومن جانب آخر بما هو روحي، حيث لاحظنا بأن الدعاء يتوسل بالله تعالى ان يجعله نازلاً بالهدى علينا. المهم نستهدف لفت نظركم الى بلاغة الاستعارة القائلة بان الشمس والقمر "سراج وهاج" فما هي نكتته؟ باختصار: السراج من الزاوية الجمالية والمادية جهاز اناري ذو حجم خاص ولو نظرنا الى الشمس والقمر باعيننا للاحظناهما من حيث الحجم يتماثلان فهنا يتماثل حجم السراج مع حجم الشمش والقمر... هذا من جانب ومن جانب آخر جعل الدعاء السراج "وهاجاً" أي متقداً مصحوباً بالحرارة، ولا يخفى ما نلحظه من حرارة الشمس وضيائها ونور القمر، فيكون النور الخاص بالقمر والحرارة او الضياء المصحوب بالحرارة الخاصان بالشمس متوافقتين مع دلالة "الوهاج" لان الوهج كما يقرر اللغويين هو النور والحر مجتمعين. اذن: جاءت الصفة متناسقة مع الموصوف، وجاءتا متناسقتين في الدلالة المادية والجمالية أي الحجم ومادة الانارة ومادة الحرارة. والأهم من ذلك كله هو ضرورة ان يستثمر قارئ الدعاء هذه القراءة ويوظفها للممارسته العبادية أي التفكير بعظمة الله تعالى والشكر على معطياته ومن ثم مواصلة الممارسة العبادية الموكولة الينا والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح قوله عليه السلام (وأنزلت من المعصرات ماءً ثجاجاً) - 37 2007-03-17 00:00:00 2007-03-17 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/466 http://arabic.irib.ir/programs/item/466 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تنطوي عليه من بلاغة فائقة ومن ذلك ما حدثناكم عنه في لقاءات سابقة الا وهو دعاء الصباح للأمام علي(ع)، حيث عرضنا جملة مقاطع منه، وها نحن نقدم مقطعاً جديداً حدثناكم ايضاً عن بعض فقراته في لقاءات سابقة ونحدثكم عن فقرة جديدة منه وهي قوله(ع) في التمجيد بعظمة الله تعالى في ابداعه للمطر وللشمس والقمر، يقول الدعاء (وانزلت من المعصرات ماءاً ثجاجاً وجعلت الشمس والقمر للبرية سراجاً وهاجاً...)، وقبل ان نحدثكم عن الصياغة البلاغية لهذه الفقرات، يجدر بنا تذكيركم بان الادعية ليست منحصرة في المناجاة او التواصل الروحي فحسب، بل تتناول مفردات معرفية كبيرة في ميدان السلوك الفردي والاجتماعي فضلاً عن تذكيرك بعظمة الله في الابداع الكوني بعامة ومنه الموضوعات التي وردت في مقطع الدعاء المذكور وهي مفردة المطر والشمس والقمر ... هنا يمكنكم ان تقولوا مثلاً هل ان الحديث عن الظواهر المتقدمة تتطلب تفسيراً مع وضوح الموضوع تماماً حيث يعرف الجميع ان المطر والشمس والقمر لها معطياتها المتنوعة؟.. ونجيبك بالايجاب وهو ما نعتزم الحديث عنه الآن ... بالنسبة الى الفقرة الاولى او الظاهرة الابداعية الاولى وهي المطر نجد ان الدعاء قد اقتبس من النص القرآني الكريم عبارة (وانزلنا من المعصرات ماءً ثجاجاً)، حيث ان الآية القرآنية الكريمة وردت في سورة النبأ بهذا النحو (وانزلنا من المعصرات ماءً ثجاجاً)... أي نفس الآية مع ابدال كلمة "انزلنا" بكلمة "انزلت"... والسؤال المهم هو لماذا عبر النص القرآني الكريم ومن ثم نص الدعاء عن الظاهرة المذكورة بعبارة "والمعصرات" "وماءً ثجاجاً"، بدلاً من كلمة "المطر" مثلاً او كما ورد في مكان اخر مثلاً والذي نزَّل من السماء ماءً بقدر ...؟. في تصورنا ان جملة نكات تكمن هنا وهي تخضع لعملية تذوق فحسب، والا فان النصوص المفسرة لا تشير الى اكثر من التفسير اللغوي للآية الكريمة وهي ان "المعصرات" هي "السحب" وان "الثجاج" هو الماء الدفاع في انصبابه. ولكن كما قلنا هل لنا من خلال تذوقنا وهو خاضع للخطأ والصواب ان نستكشف جانباً من نكات النص المتقدم؟ فماذا نستخلص اذن؟ في تصورنا ان النص يتحدث عن عطاءات الله تعالى اتساقاً مع موصوعات المقطع التي تقول بان الله تعالى فلق الفلق بلطفه، وانار الظلمات بكرمه الخ. كذلك هنا يشير النص الى احد عطاءاته تعالى وهو انزال المطر .. ولكن ماذا يقترن مع انزال المطر؟ الآيات القرآنية الكريمة التي وردت بعد آية (وانزلنا من المعصرات ماءً ثجاجاً) تقول (لنخرج به حباً ونباتاً وجنات الفافاً)... اذن: واضح ان العطاءات تتمثل في الحب والنبات والجنات ذات الخصوصية الغذائية والجمالية. وفي ضوء هذه الحقيقة الا يمكن الذهاب الى ان النص عندما ينتخب مفردة المعصرات بدلاً من السحاب، وينتخب مفردة ثجاجاً بدلاً من الماء العادي انما يجعل اذهاننا تتداعى الى معان ثانوية هي بما ان السحب تحمل الماء، ثم تعصر الرياح الماء المذكور وترسله دفاعاً متدفقاً فهذا يعني ان عملية حمل السحاب للماء تتناسب مع عملية حمل الارض للنبات وان الماء الثجاج وهو المتدفق والدفاع يتناسب مع ضخامة المعطى من جانب ومع كونه يتسبب في ايناع الزرع بالنحو الكثير نظراً لارتوائه بالماء الغزير. وهذا الاستخلاص يظل كما اشرنا مجرد تذوق من قارئ النص القرآني والدعائي ولكنه خاضع للصواب او الخطأ كما قلنا ولكنه بعامة يترك لنا مجالاً للتفكير بعظمة الله وكشف الكثير من نعمه التي لا تحصى. اخيراً: ينبغي الا نغفل عن ضرورة ان نستثمر هذه القراءة للدعاء وان نوظفها لتعديل سلوكنا وذلك بان نشكر نعم الله تعالى وان نمارس الطاعة ونتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح قوله عليه السلام (وأنهمرت المياه من الصمّ الصياخيد عذباً وأجاجاً) - 36 2007-03-14 00:00:00 2007-03-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/465 http://arabic.irib.ir/programs/item/465 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة فائقة، حيث حدثناكم عن احدها في لقاءات سابقة، وهو دعاء الصباح للأمام علي(ع)، ووصل بنا الموقف الى مقطع يتحدث عن ابداعه تعالى لمختلف ظواهر الكون من ليل ونهار وشمس ومطر والخ، وبالنسبة الى الماء نجد عبارة تتحدث عن الماء من خلال ربطه بما هو مضاد له حيث قال الدعاء عن الله تعالى وابداعه لظاهرة الماء (وانهمرت المياه من الصم الصياخيد عذباً وأجاجاً) ... هذه العبارة يجدر بنا ان نقف عندها لملاحظة ما تقترن بها من نكات متنوعة ... فماذا نستخلص منها؟ اذا دعوتم بذاكرتكم الى لقاءاتنا السابقة، وكنتم متابعين لها، حينئذ ستتذكروا باننا حدثناكم عن ظواهر متنوعة مثل الفلق والغسق ونحوهما، ولاحظنا ان كل ظاهرة ابداعية قد ربطها الدعاء باحد مصاديق عظمة الله تعالى، وذكر جانباً من معطياتها. وحين نتجه الى العبارة التي نتحدث عنها الان نجد ان المعطيات التي يرسمها الدعاء مشفوعة بعظمة الله تعالى الابداعية تتمثل في ان الله تعالى قد اجرى الانهار او المياه من خلال ما اسماه الامام(ع) بالصم الصياخيد فهي جمع للصيخد أي ما هو شديد الحر. لذلك نستخلص من معنى الكلمتين المتقدمتين ان ثمة صخوراً او احجاراً صلبة متماسكة وليس رخوة او لينة، وان ثمة صخوراً او احجاراً شديدة الحر نتيجة لطبيعة المناخ الذي يحيط بها .. هذه الصخور او الاحجار قد اجرى الله تعالى المياه منها ... هذا جانب والجانب الاخر ان هذه المياه التي اجراها الله تعالى ذات نمطين العذب والاجاج، الي المالح والسؤال الان هو: ما هي النكات التي ينبغي ان نستخلصها مما تقدم؟ النكتة الاولى تتمثل في التساؤل عن الصخور او الاحجار المتمثلة في كونها صلبة ومتينة ... والنكتة الثانية هي انها شديدة الحر.. ويترتب على ما تقدم ما يلي: 1- الماء الذي يتسم بكونه سائلاً لا مادة اكثر منه خاوة وليونة وسيولة هذا الماء قد اجراه الله تعالى من خلال مادة مضادة لها تماماً هي الاحجار او الصخور وأنها احجار وصخور؟ ليست عادية في درجة تماسكها وصلابتها بل هناك ما هو الصلب والمتين والمتماسك. 2- يتسم الماء كما هو واضح بكونه في احد نمطين عذباً ويتسم بكونه من جانب آخر بارداً في طبيعة مادية. الآن اذا كان الصلب والحار من الصخور هو ما ينشق من خلاله ما هو رخو وبارد حينئذ الا يشكل هذا اعجازاً... لكن لندع الاعجاز الان ونتجه الى المعطيات فماذا نجد؟ تتجسد المعطيات بوضوح في ظاهرة الماء ذاته حيث يقول النص القرآني الكريم (وجعلنا من الماء كل شيء ...)، هذا من جانب ومن جانب آخر اشار الدعاء الى نمطي الماء العذب والاجاج... طبيعياً كل نمط له معطياته الخاصة به وهي ظواهر يحدثنا الكيمائيون عنها وكفى ... لكن ما ينبغي لفت الانتباه عليه هو ان الدعاء يستهدف الموضوعية الابداعية من جانب وهو احد وجوه العظمة لله تعالى، والرحمة من جانب آخر حيث لا تنفصل الرحمة عن القدرة بصفة ان القدرة اذا لم تعجن بالرحمة تلغى فاعليتها وهذا ما تحرص النصوص الشرعية عليه حينما لا تفصل بين ما هو ابداع وبين ما هو منطوٍ على الخير والعطاء والنعمة .... اذن: امكننا ان نتبين جانباً من النكات الكامنة وراء فقرة الدعاء المذكورة الأ وهو ان نستثمر هذا الجانب وان نشكره تعالى على معطياته وان نمارس الطاعة ونتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح قوله (وأنرت بكرمك دياجي الغسق) - 35 2007-03-07 00:00:00 2007-03-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/464 http://arabic.irib.ir/programs/item/464 لا نزال نحدثكم عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة فائقة تسهم بلا شك في تعميق معاني الدعاء واستكشاف نكاته، ومن ذلك دعاء الصباح للأمام علي(ع) حيث لاحظنا في لقاءات سابقة جوانب متنوعة من بلاغة الدعاء المذكورة ومنه هذا المقطع القائل عبر التوجه الى الله تعالى والعرض لعظمته وابداعه ورحمته يقول النص: (ألفت بقدرتك الفرق، وفلقت بلطفك الفلق وانرت بكرمك دياجي الغسق …) لقد حدثناكم عن العبارتين الاوليتين من هذا النص، وهما (الفت بقدرتك الفرق، وفلقت بلطفك الفلق) وفي حينه اوضحنا لماذا عبر الدعاء عن تأليف الله تعالى للفرق بقدرته تعالى بينما عبر عن الفلق او الصبح بلطفه تعالى، بينما تخصه جميعاً لقدرته وقلنا ان التأليف بين المتفرق يتناسب مع القدرة على جمع ما تفرق بينما انبثاق الصباح يتناسب مع الطاف الله تعالى في جعل النهار مبصراً لنبتغي من فضل الله تعالى اتساقاً مع قوله تعالى (الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً) والفضل من الله هو لطف منه كما هو واضح. اما الان فينبغي ان نحدثكم عن العبارة الثالثة وهي (وانرت بكرمك داجي الغسق) حيث عبر عن الانارة للغسق بانه (كرم) من الله تعالى ... والسؤال ما هي النكات الكامنة وراء ذلك؟ لنتحدث اولاً عن انارته تعالى لدياجي الغسق كما ورد في الدعاء (وانرت بكرمك دياجي الغسق) حتى يتسارع الى القول بان الدياجي هي الظلمات والغسق هو الليل، فتكون العبارة في دلالتها العامة ان الله تعالى انار ظلمات الليل بكرمه ... والسؤال كما طرحناه ونكرره الان ما هي النكات الكامنة اولاً وراء الرمز او الاستعارة التي تتحدث عن الانارة وعن الظلمات وعن الليل؟ والسؤال ثانياً: ما هي النكات الكامنة وراء انتخاب كلمة "الكرم" للتعبير عن ان الله تعالى انار ظلمات الليل؟ هذان سؤالان من الأهمية بمكان كبير ... فلنبحث عن الاجابة ... السؤال كما كررنا هو ما المقصود من ان الله تعالى انار بكرمه ظلمات الليل؟ هل يقصد بذلك هو الليل المادي اتساقاً مع قوله(ع) في العبارة التي سبقت هذا الكلام وهي: (وفلقت بلطفك الفلق)؟ مما لاشك فيه ان الذهن يتداعى بوضوح الى ان المقصود هو الليل بمعناه المادي حتى ينسجم مع ما سبق من الاشارة الى الصبح ومع ما يلحق من الاشارة الى انه تعالى انزل من المعصرات ماءً ثجاجاً. ولكن اذا اتسقتا مع هذا الاستخلاص والتفسير حينئ نتساءل اذن ما هي موقعية ومعنى الانارة لليل، لان الليل هو مظلم فاذا اناره معناه الاشارة الى الصباح وهذا غير مقصود البتة كما هو واضح؟ بالاضافة الى ذلك اننا لو لاحظنا النصوص القرآنية المتنوعة التي تتحدث عن الليل والنهار دائماً تتحدث عن النهار بصفته مجالاً للعمل كما لاحظنا وعندما تتحدث عن الليل بصفته مجالاً للسكون وللراحة مثل قوله تعالى (وجعلنا الليل لباساً). ولذلك نتساءل اذا كان الليل مقترناً بما هو سكون وراحة حينئذ ما علاقة ذلك بالانارة بل العكس هو المتبادر الى الذهن ... اذن: ما هي النكتة التي تقف وراء ذلك؟ ... هل يقصد بذلك القمر مثلاً؟ اذا كان الامر كذلك، فان القمر لا ينير الا ليالي معدودة وليس دواماً. هل يقصد بذلك الرمز او الاستعارة وليس الحقيقة المادية؟ اذا كان الامر كذلك فهذا لا يتسق مع سياق العبارات التي تحدثت في هذا المقطع عن الظواهر الابداعية المادية كالصبح وكالمطر .... (هذا ما نحدثكم عن في لقاء لاحق ان شاء الله).. اما الآن: فنختم حديثنا بالاشارة الى ضرورة ان نستثمر قراءة الدعاء، وان نشكر الله تعالى على نعمه التي لا تحصى من خلال ابداعه للظواهر المتنوعة وان ندرب انفسنا على طاعته تعالى والتصاعد بذلك الى النحو المطلوب. ******* تكملة شرح قول الدعاء (ألفت بقدرتك الفرق وفلقت بلطفك الفلق وأنرت بكرمك دياجي الغسق) - 34 2007-03-03 00:00:00 2007-03-03 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/463 http://arabic.irib.ir/programs/item/463 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة العبارة ودقائق المعاني وطريفها ومن ذلك دعاء الصباح للامام علي(ع) حيث حدثناكم عن جملة مقاطع منه ونحدثكم عن مقطع جديد من ذلك وهو (ألفت بقدرتك الفرق، وفلقت بلطفك الفلق، وانرت بكرمك دياجي الغسق ...). هذا المقطع من الدعاء وما بعده يتحدث عن الظواهر الابداعية لله تعالى كالصباح والمساء، والامطار، والشمس والقمر ...، الا ان حديثه عن الظواهر المتقدمة قد اعتمد اللغة الفنية من جانب وربط ذلك بعظمة الله تعالى والطافه ونعمه من جانب ... ونحاول القاء الانارة على هذه الموضوعات ... ان اول موضوع من سلسلة هذه الظواهر هو قوله(ع): (ألفت بقدرتك الفرق) ... هذه العبارة تنفرد عن العبارات الاخرى بكونها تحمل دلالتين احداهما: بشرية واخرى طبيعية كسائر ما ورد من العبارات التي تتحدث عن الفلق والغسق ... حيث سنرى ان شاء الله الاشارة الى الانهار المنبثقة من الصخور والمياه النازلة من المعصرات، والسراج الوهاج المنبعث من الشمس والقمر ... لكن بالنسبة الى العبارة الاولى القائلة (الفت بقدرتك الفرق) فان الدلالة التي نرمي الى استخلاصها تظل مترددة بحيث الظواهر الطبيعية المتمثلة في مطلق ما مقسم الى اجزاء او اقسام من الظواهر المادية وبين الظواهر البشرية المتمثلة في الطوائف الاجتماعية مثلاً ... وقد قلنا مكرراً ان النصوص الشرعية تظل في احد انماطها مستمر بما هو واضح تماماً مثل ما ورد في الدعاء نفسه (يا ستار العيوب، ويا علام الغيوب، ويا كاشف الكروب ...)، ومثل (وصلى الله على خير خلقه محمد وآله ...). وقد تتسم بما هو مضبب او متشابه وقد تتسم بما هو بين بين الخ، وقد تتسم بما هو مفصح عن دلالة واحدة وبين ما هو مفصح عن تعدد الدلالات، ومنها هذه العبارة التي اشرنا اليها وهي (ألفت بقدرتك الفرق) حيث تتردد الدلالة بين ما هو سلوك بشري، وبين ما هو ظاهرة طبيعية كما قلنا.. ولنقف مع كل منهما ... بالنسبة الى الاستخلاص الاول قد يحتمل الدلالة الذاهبة الى ان الله تعالى "الف" بين مختلف طوائف البشر حيث ان البشر من ناحية لا يتماثل الواحد منه مع الاخر، ومن حيث انه من ناحية ثانية هو شعوب وقبائل، ومن حيث انه من ناحية ثالثة ذو فوارق متباينة الخ، كالاشارة الواردة مثلاً في القرآن الكريم في ذهابها الى ان الله تعالى هو الذي الف بين قلوب المعاصرين للنبي(ص) .... لذلك يمكن الذهاب الى الاستخلاص القائل ان الله تعالى الف بين الطوائف المتنوعة المتباينة في سلوكها على مختلف الصعد، حيث ان التعايش بين البشر في نطاق المجتمعات المتنوعة، مع انهم متنافرون يظل متحققاً من خلال قدرته تعالى بان يجعلهم متعايشين بالرغم من التنافر الموجود بينهم، وهو أثر طالما يطرحه علماء الاجتماع الارضيون عبر دراساتهم عن نشأة المجتمعات وكيفية تعايشها مع كونها تصدر جميعاً عن الذاتية والعدوان، وفيما فسروا ذلك بمختلف التفسيرات التي لا مجال لذكرها الان، بقدر ما ينبغي الاشارة الى ان الله تعالى هو الذي ألف بين هذه المجتمعات او الجماعات او الافراد حتى تستمر الحياة وتتحقق التجربة التي خلق الله تعالى الانسان من اجلها وهي الاختبار او الامتحان .... قبالة الرأي المتقدم ثمة احتمال آخر هو مجانسة هذه العبارة (ألفت بقدرتك بين الفرق) مجانستها مع سائر الظواهر التي اشار الدعاء اليها مثل قوله(ع) (وفلقت بلطفك الفلق، وانرت بكرمك دياجي الغسق ...). وحينئذ تتمثل الدلالة بان الله تعالى بقدرته الابداعية "ألف" بين ما هو متفرق من الاجسام او الاشياء او بين مختلف اقسام الموجودات المتفاوتة فيما بينها بحيث انتظمت وهي اجزاء في مظهر كوني مؤتلف هو هذا الكون او الوجود... اذن: ثمة اكثر من استخلاص لدلالة العبارة المذكورة فيما ان الاهم هو انها جميعاً تصب في معنى واحد هو قدرته تعالى ونعمه التي لا تحصى بطبيعة الحال ... والأهم من ذلك ايضاً هو ان نعتبر بهذه الظواهر وذلك بتدريب ذواتنا على ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح قول الدعاء (ألفت بقدرتك الفرق وفلقت بلطفك الفلق وانرت بكرمك دياجي الغسق) - 33 2007-02-28 00:00:00 2007-02-28 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/462 http://arabic.irib.ir/programs/item/462 لا نزال نحدثكم عن الادعية المباركة وما تتضمنه من نكات الدلالة وطرافتها وعمقها وبلاغتها، ومن ذلك دعاء الصباح للأمام علي(ع) أمير البلاغة حيث قدمنا لكم مقاطع متنوعة من الدعاء المذكور، ونواصل تقديم مقاطع جديدة منه، ومن ذلك المقطع القائل (ألفت بقدرتك الفرق، وفلقت بلطفك الفلق، وانرت بكرمك دياجي الغسق ...). هنا، نلفت نظركم الى ان هذا المقطع من الدعاء يتحدث بوضوح عن الظواهر الابداعية لله تعالى، ولكن الملاحظ ان طابع او سمة (القدرة الالهية) قد خصصها الدعاء لظاهرة (تأليف الفرق) حيث حدثناكم عن المقصود من ان الله تعالى قد الّف بقدرته الفرق .. حدثناكم عن ذلك في لقاء سابق، ولكن ما ينبغي تذكيره هنا هو ان باقي الظواهر الابداعية كالفلق وكالغسق الخ، لم يحدثنا الدعاء عنها من خلال القدرة الالهية بل من خلال القيمة الرحمانية لهذه الظواهر.. فمثلاً نلاحظ ان الدعاء يقرر بان الله تعالى من خلال (اللطف) فلق الفلق، ومن خلال (الكرم) انار الغسق ... ترى ما هي النكات او الاسرار الكامنة وراء هذه الصياغة للموضوعات هذا ما نحاول الحديث عنه ... لنقرأ اولاً هذه الفقرة "وفلقت بلطفك الفلق" والسؤال هو: ما معنى "فلقت"؟ وما معنى "الفلق"؟ اللغة تقول "فلق" يعني "شق" واما معنى "الفلق" فهو "الصبح" وله معانِ اخرى كالفلق مثلاً ولكن قارئ الدعاء يستخلص بان المقصود هو الصبح بدليل وروده في سياق ما هو طبيعي من الكون كالغسق ونحوه ... ونتساءل: ماذا يستهدف الدعاء من هذه الفقرة القائلة "وفلقت بلطفك الفلق"؟... اذا كان معنى "فلق" هو "شق" فهذا يعني ان المقصود من ذلك هو ان الله تعالى شق الصبح، هذا اذا اخذنا "الفلق" بمعنى "الصبح" .. ولكن ماذا يستخلص قارئ الدعاء من عبارة "شق الله تعالى الصبح"؟ الحق ان هذه العبارة لها جانبان الاول هو ايقاعها او تجانس اصواتها، فلفلق هو الصبح ولكن الملاحظ ان الدعاء قد انتخب الفلق بدلاً من الصباح "مع ان الدعاء اساساً هو دعاء الصباح" ولكنه استخدم "الفلق" هنا واستخدم كلمة "الصباح" في مكان آخر، كما لاحظنا ذلك في لقاءات سابقة ... هنا: لا نستهدف وضع قارئ الدعاء في دوامة البحث عن اسرار البلاغة هنا حيث ان الهدف هو معرفة دلالات الدعاء قبل كل شيء ولكننا اضطررنا الى ملاحظة هذه الجوانب البلاغية لان النص نفسه بلاغي في قمة العبارة البلاغية ... ولذلك ندعكم الان لنتجه الى الدلالة فحسب ... الدلالة التي نستخلصها من عبارة "وفلقت بلطفك الفلق" هي ان الله تعالى كشف ظلام الافق بواسطة دخول الصباح، او كشف الظلام بنور الصبح .... وهنا نكتة عابرة نود لفت نظركم اليها وهي ان استخدام الدعاء لكلمة "فلق" بمعنى "شق" لها ارتباط واضح بطبيعة مجيء الصباح بعد الليل، حيث نعرف جميعاً ان علامة دخول الفجر عبر ظلام الليل هو تبين الخيط الابيض من الخيط الاسود حيث يعترض الافق بياض يتماثل تماماً مع عملية "الشق". ولكن الاهم من ذلك هو تساؤلنا عن السبب الذي جعل الدعاء يربط بين "اللطف" وبين "مجيء الصبح" فيقول: "وفلقت بلطفك الفلق" بينما لاحظنا الدعاء يقول بالنسبة الى الظواهر الابداعية بانها تعبير عن "قدرة الله تعالى" فلماذا انتخب الدعاء مفهوم "اللطف" وترك مفهوم "القدرة"؟ في تصورنا ان الصبح بما انه انارة لنا حيث جعله الله مبصراً لنبتغي فضلاً من الله تعالى كما هو صريح الآية القرآنية الكريمة: (وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً)، حينئذ فان "الفضل" المذكور يتجانس مع "اللطف" أي ان الله تعالى من "لطفه" سكب علينا "الفضل". اذن: امكننا ولو عابراً جداً ان نوضح جانباً من الدلالات المرتبطة بفقرة الدعاء الذاهبة الى ان الله تعالى كشف لنا ظلام الليل بواسطة مجيء النهار والاهم هو ان نشكره تعالى على فضله ومن ثم ان نمارس الطاعة له تعالى والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* حبس النفس على طاعة الامام المهدي(عج) - 32 2007-02-24 00:00:00 2007-02-24 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/461 http://arabic.irib.ir/programs/item/461 لا نزال نحدثكم عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة العبارة وعمق الدلالة وطرافتها، ومن ذلك احد ادعية الامام السجاد(ع) حيث يتلى ظهر الجمعة ... وقد حدثناكم عن مقطعه الاول الذي استهل الدعاء به وهو قوله(ع) (اللهم اشترِ مني نفسِِ الموقوفة عليك، المحبوسة لامرك، بالجنة مع معصوم من عترة نبيك صلى الله عليه وآله، مخزون لظلامته، منسوب بولادته، تملأ به الارض عدلاً ...). ان هذا المقطع حدثناكم عن فقراته الثلاث ونعني بها اشتراءَ الله تعالى للنفس، وموقوفيتها ومحبوسيتها اما الموقوفية فتعني - كما اشرنا - ان العبد جعل نفسه وقفاً لله تعالى على نحو ما تجعل سائر الاوقاف التي تجرُّ منفعةً طيلة وجودها، واما المحبوسية لامر الله تعالى فتعني ان النفس حبست ذاتها منتظرة لأمر الله تعالى، هنا نحسبكم ستسألون عن النكتة الكامنة وراء الفارق بين عبارة "نفسي الموقوفة عليك" وعبارة "المحبوسة لأمرك"؟ والجواب هو: ان الوقف يرمز الى النفس المستعدة للاستشهاد بين يدي الامام المهدي المنتظر(عج) للمساهمة في معركته ضد الجور والظلم، واما الحبس فرمز الى عملية الانتظار لصدور الاوامر من الله تعالى واعلانه للظهور، ولذلك قال الدعاء بان العبد محبوسة نفسه لامر الله، أي الى الوقت الذي يأذن به الله تعالى للامام بالظهور وخوض المعركة ضد المنحرفين الذين اغرقوا الحياة بالجور والظلم. والان خارجاً عن هذه الملاحظات نتجه الى الامام المهدي(عج) لملاحظة ما رسمه الدعاء من المهمة الملقاة على الامام(ع)، حيث رسم ذلك على النحو الآتي: (مع معصوم من عترة نبيك صلىَّ الله عليه وآله، مخزون لظلامته، منسوب بولادته، تملأ به الارض...). ان قارئ الدعاء قد يقف مستخلصاً اكثر من دلالة من العبارة المذكورة او بالاحرى من العبارتين القائلتين بان الامام(ع) (مخزن للظلامة، منسوب بالولادة) او كما يقول النص (مخزون لظلامته، منسوب بولادته) ... ان شيئاً من الضبابية المحببة تطبع العبارتين المتقدمتين... كيف ذلك؟ يقول النص بان قارئ الدعاء اوقف نفسه على الله تعالى وحبسها لأمره مع معصوم من عترة نبيه، مخزون لظلامته، منسوب بولادته، والسؤال هو: ما المقصود من عبارة (مخزون لظلامته)؟ هل يعني ذلك ان الامام المهدي(ع) يتحمل هذا الظلم الذي نجده قد ملأ الدنيا، ولذلك فهو "مخزون" بالظلامة المذكورة لحين الاذن بظهوره؟ هل يعني ايضاً انه(ع) منذ ولادته قد ذكر ونسب الى مهمته التي سيضطلع بها؟ هذا استخلاص وتساؤل: وهناك استخلاص وتساؤل آخر هو هل ان المقصود ان النبي(ص) لوح بولادته وحزنه لهذا الامر؟ وهناك استخلاص وتساؤل ثالث ورابع .... الا ان الاستخلاص العام او الاجمالي هو ان الامام المهدي(ع) منذ ولادته مكتوب له بممارسة مهمته الاصلاحية في غمرة فساد العالم وامتلائه بالظلم وبالجور، وهو يتحمل منذ ولادته ولحد الان، الظلامة التي تنتظر ان تنقشع لكي يملأ الارض عدلاً وقسطاً... ان هذا الاستخلاص وامثلته يظل مفصحاً عن اهمية ما رسمه الدعاء من الدلالات تاركاً لقارئ الدعاء ان يستخلص من العبارة ما يتناسب وخلفيته الثقافية ... والمهم هو: ملاحظة اسهام قارئ الدعاء في المعركة التي ننتظرها جميعاً لنكون ملتحقين بموكب الامام(ع) والاستشهاد بين يده ... بعد ذلك، يعرض الدعاء توسلاً آخر هو (ولا تجعلني ممن تقدم فمرق او تأخر فمحق ...). وهذا التوسل سنحدثكم عن نكاته في لقاء لاحق ان شاء الله تعالى. اما الآن فحسبنا ان نشارك نحن القراء للدعاء صاحب الدعاء في التوفيق الى الاستشهاد مع الامام المهدي(عج) في معركته، وان ندرب ذواتنا على الطاعة التامة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* بيع النفس لله تبارك وتعالى تحت رأية الامام المهدي(عج) - 31 2007-02-17 00:00:00 2007-02-17 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/460 http://arabic.irib.ir/programs/item/460 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة العبارة وثراء الدلالة وطرافتها ومن ذلك الدعاء الذي حدثناكم عنه في لقاء سابق حيث استهل بقول الامام(ع) (اللهم اشتر مني نفسي الموقوفة عليك المحبوسة لامرك بالجنة مع معصوم من عترة نبيك(ص) مخزون لظلامته منسوب بولادته تملأ به الارض عدلاً وقسطاً ...). هذا المقطع الاستهلالي من الدعاء الذي يقرأ بعد ظهر يوم الجمعة، يتضمن كما لاحظت استعارة تتوسل بالله تعالى ان يشتري من قارئ الدعاء نفسه وقد حدثناكم في حينه عن طرافة هذه الاستعارة وهي في الواقع تضمين فني للآية القرآنية الكريمة التي تشير الى ان الله تعالى اشترى من المؤمنين انفسهم بان لهم الجنة ...، فماذا نستخلص من هذا التضمين ... التضمين من الزاوية الفنية يسمى تناصاً في احد اشكاله بحسب المصطلح الادبي المعاصر، كما يطلق عليه مصطلح الاقتباس في اللغة الموروثة ولكنه بعامة يحمل اهمية كبيرة نظراً لانه ينقل لنا بعداً معرفياً يستثمره صاحب النص لتوظيفه في صياغة افكاره وبذلك يمنح افكاره عمقاً وطرافة بخاصة اذا كان اقتباساً قرآنياً ومن الواضح ان النص القرآني المتقدم يتحدث عن الشهادة ومعطياتها بحيث جعلها الله تعالى اشتراء من العبد ليدفع له ثمنها وهي الجنة وقبل ذلك رضاه تعالى بطبيعة الحال وهو الاهم لدى الواعين من العباد أي رضاه تعالى ... المهم ان هذه الدلالة المرتبطة بالاشتراء من الله تعالى من خلال الشهادة نقلها الدعاء الينا، ليوظفها في معركة مقبلة هي معركة الامام المهدي(عج) مع اعداء الله تعالى الامام الذي تنتظره الطائفة الاسلامية المحقة حتى ترث الارض بعد ان زرعها الظالمون جوراً وظلماً و.... المهم حدثناكم في حينه عن ظاهرة الاشتراء من الله تعالى للنفس واهمية هذا الاشتراء لانه موضوع اشتراء من الله تعالى وليس من طرف عادي ولكن الامر لم يضعه صاحب الدعاء في النطاق المذكور بل اردفه برسم لسمتين او ظاهرتين او استعارتين هما: الوقف والحبس أي ان قارئ الدعاء الذي رسمه الامام السجاد(ع) على لسانه قد ربط بين نفس قارئ الدعاء الذي يتوسل بالله تعالى بان يشتريها وبين طبيعة هذه النفس حيث ان البائع عندما يعلن عن بضاعته او خدمته عليه ان يحدد طبيعتها وجنسها ونوعها الخ... وهنا نجد ان الدعاء يصف لنا هذه النفس بانها تحمل خصيصتين مرتبطتين بالله تعالى هما الوقف والحبس ... فماذا تعنيان؟ هاتان الخصيصتان الوقف والحبس اذا نقلناهما الى اللغة الفقهية او اللغة العادية ففي الحالتين ترجع الدلالة الى عملية خاصة هي ان الانسان يتبرع بتقديم شيء له منفعة للآخرين كالمسجد او البستان او الدار او ...، ويجعله بمثابة منفعة استمرارية طيلة الزمان الذي يمكن الانتفاع بها واهمية هذه الممارسة تمثل في ان المنفعة التي يفرزها الشيء الموقوف والمحبوس بانها كما هو المعنى اللغوي للحبس وللوقف أي تتمخض المنفعة لهذا المورد او ذاك دون ان تخرج عن نطاق ذلك... وبالنسبة الى ما نتحدث عنه فان الاقتباس او التضمين او التناص الذي يتضمن مفهوم الاشتراء من الله تعالى لنفس قارئ الدعاء انما يعن ان قارئ الدعاء يتوسل بالله تعالى بان يوفقه الى الشهادة في معركة الامام المهدي(عج) حيث يقترن ظهوره بجملة معارك في الارض، وحيث ان جنده يسهمون في المعركة كما هو واضح وحيث ان مقارعة المنحرفين اعداء الله تعالى تقترن مع التضحية بالنفس وبكل ما هو مطلوب في المعركة. لذلك، عندما يقرر صاحب الدعاء على لسان القارئ بان نفسه موقوفة ومحبوسة على الله تعالى ولا هدف لها سوى ذلك، حينئذ فان عملية الاشتراء للنفس المذكورة تظل حاملة لدلالتها الضخمة حيث نتمنى جميعاً ان يوفقنا الله تعالى للاسهام في المعركة والاستشهاد بين يدي الامام(عج). اذن: امكننا ان نتبين جانباً من النكات الكامنة وراء الاستعارات التي حفل بها المقطع الاستهلالي من الدعاء وهو امر يحملنا على ان نستثمر هذه القراءة لنتوسل بالله تعالى ايضاً بان يوفقنا لهذه الشهادة وان يوفقنا لممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* معنى بيع الانسان نفسه لله عز وجل - 30 2007-02-17 00:00:00 2007-02-17 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/459 http://arabic.irib.ir/programs/item/459 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها دعاء الامام السجاد عليه السلام الذي يقرأ بعد ظهر الجمعة، حيث استهل بقوله: (اللهم اشتر مني نفسي الموقوفة عليك المحبوسة لامرك بالجنة مع معصوم من عترة نبيك(ص) مخزون لظلامته منسوب بولادته تملأ به الارض عدلاً ...). هذا الاستهلال من الدعاء يتضمن مقطعاً يرتبط بقارئ الدعاء من جانب وبالامام المهدي(عج) من جانب والمطلوب هو ملاحظة هذا الارتباط او العلاقة واستخلاص نكاته المتنوعة ... وهذا ما نبدأ به .. بالنسبة الى العبارة او الفقرة الاولى نجد انها تتوسل بالله تعالى بان يشتري نفس قارئ الدعاء بثمن هو الجنة، ولكن الملاحظ في هذه النفس هو انها اولاً موقوفة على الله تعالى، وثانياً انها محبوسة لامره، والمطلوب هو الكشف عن النكات الدلالية الكامنة وراء الاستعارات المذكورة وهي عملية الاشتراء وعملية الوقف وعملية الحبس .... ونبدأ بالحديث عن الاولى وهي اشتراء الله تعالى النفس من قارئ ادعاء ... فماذا تعني عملية الاشتراء؟ .. ان عملية الشراء والبيع امر نألفه يومياً فهناك سلعة او خدمة وهناك ثمن حيالها وهنا البائع هو قارئ الدعاء واما المشتري فهو الله تعالى ... هنا سوف يصعق المتأمل لهذه العملية عملية اشتراء الله تعالى نفس قارئ الدعاء ان المشتري حيث يكون هو الله تعالى فان القلم او اللسان ليعجز تماماً عن بيان الأهمية العظمى لهذا الاشتراء ان المشتري هو الله تعالى ... اذن: ما اسعد قارئ الدعاء اذا كان المشتري هو الله تعالى الا يضطرب قارئ الدعاء الا يذهل فعلاً عندما يجد نفسه انه يتحدث مع الله تعالى ويطلب منه ان يشتري نفسه؟ هذا ما يعجز الملاحظ عن تحديد اهميته التي لا تحد في الواقع... ان المشتري العادي يقدم ثمن السلعة او الخدمة ويمضي الى سبيله وتقطع وتحسم العلاقة الوقتية المستغرقة لزمن البيع والشراء وتنتهي ... الخ، لكن العلاقة مع الله تعالى هل تتسم ايضاً بهذه الازمان الطارئة ... كلا: بطبيعة الحال ... كيف ذلك؟ عندما يشتري الله تعالى نفس قارئ الدعاء فهذا يعني ان نفس قارئ الدعاء هي حاضرة عند الله تعالى دواماً أي خلودها الى ما لا نهاية له فكم اذن هو الفارق بين مشتر للسلعة اوالخدمة تنتهي علاقة ذلك بانتهاء المعاملة وبين مشتر تخلد العلاقة بينه وبين الله تعالى الى ما لا نهاية له. اذن: كم هو سعيد قارئ الدعاء حينما يشتري الله تعالى منه نفسه الى الابد انه الله الذي لا اله سواه انه الله الذي لا نهاية لعطاءاته انه الله الذي لا يقاس البتة بسواه وهذا يعني ان قارئ الدعاء مغبوط الى درجة ان البيان او اللسان عاجز عن الافصاح عن ذلك.. وهذا كله بالنسبة الى عملية الاشتراء؟ ولكن ماذا بالنسبة الى العلاقتين الآخريين ونعني بهما: علاقة قارئ الدعاء بالله تعالى من خلال جعل نفسه وفقاً وخلال جعلها حبساً؟ ان الوقف والحبس موضوعان مشتركان دلالة ولكنهما ليسا مترادفتين بل يحمل كل واحد منهما دلالة تفترق عن الاخرى... ولكن بما ان الوقف والحبس هنا ليسا وقفاً او حبساً ماديين وانما هما معنويان حينئذ فان الموقف يتطلب القاء مزيد من الانارة لتوضيح النكات الكامنة وراء الاستعارتين المذكورتين وهو امر نحدثكم عنه في لقاء لاحق ان شاء الله. اخيراً: يتعين علينا ان نستثمر قراءة هذا الاستهلال من الدعاء وذلك بان نجعل انفسنا فعلاً وقفاً وحبساً لله تعالى لا نتطلع البتة الى سواه. وهو امر يقتادنا بطبيعة الحال الى ان نمارس وظيفتنا العبادية باخلاص وان نتصاعد بسلوكنا العبادي الى النحو المطلوب. ******* شرح قوله (عليه السلام): (صل اللهم ... وعلى آله الأخيار المصطفين) - 29 2007-02-17 00:00:00 2007-02-17 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/458 http://arabic.irib.ir/programs/item/458 لا نزال نحدثكم عن الادعية المباركة ومنها دعاء الصباح للامام علي(ع) حيث يحفل الدعاء المذكور بصياغة بلاغية فائقة لاحظنا مستوياتها المتنوعة في الدعاء الذي نتحدث عنه حيث قدمنا مقاطع متعددة منه، ونحاول متابعة مقاطعه الاخرى، ومنها المقطع الذي احتشد بلغة استعارية متعاقبة مثل قوله(ع) عن النبي(ص) بان: (الدليل الى الله في الليل الاليل، والماسك بحبل الشرف، والناصع حسباً)، والثابت قدماً في الاضطلاع برسالة السماء ... حيث ختم المقطع بعبارة الصلاة (على محمد(ص) وعلى آله الاخيار، المصطفين الابرار)... طبيعياً هذه الفقرة الاخيرة أي الصلاة على آل محمد(ص) ثم توصيفهم بالسمات الثلاث وهي: الاخيار المصطفين الابرار .. لا تتضمن عبارات استعارية كالعبارات الاربع التي لاحظناها بالنسبة الى سمات النبي(ص) ولكنها من حيث اللغة البلاغية واساليبها نلاحظ بان الدعاء المذكور حينما يتوسل بالله تعالى بان يصلي على آل محمد(ص) ايضاً، فان ذلك يعن امتداد سماتهم لسمات النبي(ص) ولكن مع ذكر سمات سياقية تفرض ضرورتها من حيث انهم عليهم السلام امتداد للنبي(ص) ومن ثم لابد من الاشارة الى هوياتهم الخاصة وهي: السمات الثلاث التي ذكرها الدعاء ونعني بها الاخيار المصطفين الابرار ... والسؤال ما هي النكات الكامنة وراء السمات الثلاث المتقدمة؟ بالنسبة الى السمة الاولى وهي الاخيار نعتقد باننا لسنا بحاجة الى القاء الاضاءة على هذه السمة لانها ببساطة تعني الشخصية الخيرة مقابل الشريرة أي المستجمعة لكل الصفات الايجابية وهو عنوان عام يندرج ضمنه كل فعل ايجابي كالصدق وكالامانة وكالاخلاص .... لكن بما ان الخير من البشر تتفاوت درجة من شخص الى آخر حينئذ فلابد من عملية انتخاب تؤشر الى هذا الشخص او ذاك دون سواهما وهذا ما اضطلع به الدعاء حينما رسم لنا السمة الثانية وهي ان آل النبي(ص) مصطفون أي قد انتخبهم الله تعالى دون سائر البرايا وهذا يعني ان "خيرتهم" اعلى الدرجات ولذلك فان الله تعالى اصطفاهم دون سواهم... هنا يتعين علينا ان نشدد في ملاحظتنا المنصبة على ان آل النبي(ص) يحملون صفة "الاصطفاء" وهي صفة تتناغم مع الصفة التي خلها الله على النبي محمد(ص) وسائر من اصطفاهم وهذا ايضاً يتناغم مع جعلهم امتداداً للنبي(ص) بخاصة بيد ان الملاحظ هنا ان مقطع الدعاء الذي نتحدث عنه قد رسم صفة ثالثة هي ان آل النبي(ص) هم "الابرار" والسؤال هو: ما هو الموع الدلالي لهذه الصفة او السمة؟ .. ان قارئ الدعاء قد يقول بان الدعاء قد ذكر بان آل النبي(ص) هم الاخيار وبذلك يصطفيهم الله تعالى وهو امر قد وصفهم الدعاء به ونعني سمة الاصطفاء حيث قال الدعاء (وعلى آله الاخيار المصطفين)، ولكن لماذا ذكر صفة فرعية هي انهم (ابرار) مع ان الابرار هي صفة تندرج ضمن الصفة العامة الاخيار؟ والاجابة عن السؤال المتقدم هي ان "البر" وهي مفرد الابرار هو المطيع لله الحسن في افعاله والممارس للواجب وللمندوب .. الخ، وهي سمات تتناسب بشكل اوسع نطاقاً مع الاخيار المصطفين، وهي من جانب اخر فرز او اشعار لفرز خاص يتسم به اهل البيت عليهم السلام وهذا ما نلاحظه بوضوح عندما وصف النص القرآني الكريم علياً وفاطمة والحسنين عليهم السلام بانهم "ابرار" عبر قوله تعالى في سورة الدهر: (ان الابرار يشربون ...)، حيث اجمع المفسرون على ان المقصود بهم هم الشخصيات المذكورة حيث تجسد قمة المعصومين عليهم السلام من آل محمد(ص). اذن: امكننا ان نتبين جانباً من الاسرار الكامنة وراء التوسل بالله تعالى من حيث الصلاة على محمد(ص) وآله عليه حيث رسم النص بسمات الخير والمصطفى والبر. والأهم من ذلك هو ضرورة ان نقتدي بهم في السلوك وذلك بان نمارس الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب.******* شرح قوله (عليه السلام): (اللهم وصل... والثابت القدم على زحاليفها في الزمن الأول) - 28 2007-02-17 00:00:00 2007-02-17 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/457 http://arabic.irib.ir/programs/item/457 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها دعاء الصباح للامام علي(ع) حيث يحفل الدعاء المذكور بصياغة بلاغية فائقة من حيث احتشاده بعنصر صوري خاصة الصور الاستعارية وقد حدثناكم عن مقاطع متنوعة من الدعاء المذكور ونحدثكم الان عن مقطع جديد منه وهو قوله(ع) (صلِّ اللهم على الدليل اليك في الليل الاليل، والماسك من اسبابك بحبل الشرف الاطول، والناصع الحسب في ذروة الكاهل الاعبل، والثابت القدم على زحاليفها في الزمن الاول) .... هذا المقطع من الدعاء حدثناكم عن فقراته ما عدا الفقرة الاخيرة وهي قوله(ع) عن النبي(ص) (والثابت القدم على زحاليفها في الزمن الاول) ... ان هذه العبارة او الاستعارة تتضمن صياغة محفوفة بضبابية اتساقاً مع العبارات التي سبقتها، حيث تتلفع بغموض نسبي ولكنه غموض او ضبابية لها شفافيتها، حيث كررنا سابقاً بان النصوص الشرعية سواءاً كانت نصوصاً قرآنية او نبوية او علوية، او نصوص المعصومين عليهم السلام مطلقاً تظل اما متسمة بالوضوح والمباشرة، او متسمة بالعنصر الصوري او متسمة بشيء من الغموض تبعاً لما يتطلبه السياق من جانب، وحرصاً على مشاركة قارئ الدعاء في اكتشاف الدلالات المستهدفة ... والمهم الان هو ملاحظة ما تنطوي الاستعارة المذكورة عليه، ونعني بها عبارة (والثابت القدم على زحاليفها في الزمن الاول) ... فماذا نستكشف منها؟ سبق ان لاحظنا بان هذا المقطع خاص برسم السمات الظاهرة للنبي(ص) حيث وصفه المقطع في عبارته الاولى بانه(ص) الدليل الى الله تعالى ووصفه في عبارته الثانية بانه(ص) هو الماسك من اسباب الله تعالى بحبل الشرف، ووصفه في العبارة الثالثة بانه(ص) الناصع الحسب ووصفه الان أي في العبارة الرابعة التي نتحدث عنها بانه(ص) الثابت القدم على زحاليفها في الزمن الاول... وهذا الوصف ـ كما قلنا ـ يتسم بشيء من الضبابية لا مناص لنا من القاء الانارة عليها ... ونتساءل من جديد ماذا نستخلص من الصورة السابقة.. بداية ينبغي ان نتبين بعض المفردات الغامضة في الاستعارة المذكورة بخاصة مفردة الزحاليف فما هي دلالتها؟ تقول النصوص اللغوية بان "زحلف" بمعنى تدحرج او بمعنى المكان المنحدر الاملس، او بمعنى الميلاني الى المغيب بالنسبة الى الشمس، او بمعنى التنحي او التنائي عن الشيء...، وفي الحالات جميعاً نستخلص بان هذه المفردة تعني الحركة مقابل السكون او الثبات والدليل على ذلك بالاضافة الى ما لاحظناه من النصوص اللغوية هو نفس فقرة الدعاء التي تشير الى ان النبي(ص) "ثابت القدم" حيث ان ثبات القدم يظل مقابلاً لحركتها، من هنا فان الثبات هنا يَرِد استعارة للقدم حيال مواجهة الشخصية لشدائد الموقف او ضخامة المسؤولية .... لنقرأ من جديد: (والثابت القدم على زحاليفها)... أي ان النبي(ص) ثابت القدم لا تزال قدمه في الطرق الملتوية او الملساء او المنحدرة او مطلق ما تواجهه القدم من مواضع تزل القدم "تتزحلق" فيها والحصيلة النهائية لهذه الاستعارة واضحة انها تستهدف الاشارة الى ان النبي(ص) ثبت على اداء الرسالة التي اوكلها الله تعالى اليه وهو "ثبات" يتناسب تماماً مع الاوصاف او السمات التي ذكرها مقطع الدعاء سابقاً أي ان الدليل والماسك بحبل الرسالة والجدير حسباً بذلك ومن ثم ثبات قدمه على مواصلة اداء الرسالة دون ان تنحرف عن الطريق التي رسمها الله تعالى لهذه الشخصية شخصية (محمد(ص)). اذا امكننا ان نتبين ولو سريعاً جانباً من الاسرار البلاغية الكامنة وراء الاستعارة المذكورة بل وراء المقطع باكمله حيث يتعين على قارئ الدعاء ان يستثمر قراءته لهذا المقطع او ذلك بان يواصل ممارسته العبادية من حيث الالتزام بمبادئ الرسالة والتصاعد بذلك الى النحو المطلوب.******* شرح قوله (عليه السلام): (اللهم صل على ... الناصع الحسب في ذروة الكاهل الأعبل..) - 27 2007-02-03 00:00:00 2007-02-03 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/456 http://arabic.irib.ir/programs/item/456 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة فائقة ومنها ما حدثناكم عنه في لقاءات سابقة ونعني بذلك دعاء الصباح للأمام علي(ع) حيث حدثناكم عن مقاطع منه ونحدثكم الآن عن مقطع آخر وهو قوله(ع) (اللهم صلِّ على الدليل اليك في الليل الأليل والماسك من اسبابك بحبل الشرف الاطول والناصع الحسب في ذروة الكاهل الأعبل...). هذا المقطع حدثناكم عن الفقرة الاولى والثانية منه ونحدثكم الان عن الفقرة او العبارة او الاستعارة الثالثة منه، ونقصد بها قوله(ع) عن النبي(ص) بانه: (الناصع الحسب في ذروة الكاهل الأعبل)... فماذا نستخلص منها؟ ان العبارة او الاستعارة المتقدمة تتسم كما ذكرنا في لقائنا سابقاً بشيء من الضبابية ونحسبكم اذا كنتم متابعين للقاءاتنا تتذكرون باننا قلنا ان النصوص الشرعية كتاباً وسنة تعتمد ثلاثة انماط من الاساليب هي اللغة المباشرة والواضحة واللغة الصورية واللغة المتسمة بالضبابية (وهي الاقل استخداماً حيث يفرض السياق ضرورتها لاسباب اوضحناها في حينه)... لعل الاستعارة التي نحدثكم عنها في هذا المقطع من الدعاء بل ان جميع الاستعارات الواردة في هذا المقطع من الدعاء تنتسب الى اللغة المضببة ولكنها ضبابية شفافة تجعل القارئ للدعاء مكتشفاً للامتاع العقلي الذي يصاحب تفسيره للرمز الكامن وراء العبارات المذكورة ... والمهم الآن هو ملاحظة هذا الجانب فنقول الاولى ان نحدثكم ابتداءاًَ عن المفردات اللغوية للاستعارة المذكورة ونعني بها قوله(ع) (والناصع الحسب في ذروة الكاهل الاعبل)، حين يجدر بنا ان نستحضر معاني الكلمات الاتية: الحسب الكاهل الاعبل ... فما هي معانيها؟ الحسب هو شرف الاصل ... والكاهل هو اعلى الظهر ويطلق عادة على سيد القوم ... والاعبل هو الضخم وفي ضوء معرفتنا بهذه الدلالات ماذا نستخلص من الاستعارة المذكورة؟ نستطيع الاجابة عن السؤال المتقدم بما يلي: العبارة تتحدث عن شخصية النبي(ص) حيث وصفها المقطع اولاً بانها الدليل الى الله تعالى في معرفته، وثانياً بانها الماسكة بحبل الله تعالى من خلال اضطلاعها بحمل الرسالة، وثالثاً: وهذا هو موضوع العبارة التي نحدثكم عنها الان، بانه(ص) يحمل حسباً ناصعاً يتسم بالعلو والضخامة والسؤال هو ماذا تعني هذه العبارات من حيث الرمز الكامن وراءها؟ نعتقد بان الدلالة الكامنة وراء الاستعارة المذكورة تتضح تماماً اذا قدر لنا بان نربط بين الرسالة التي يحملها النبي(ص) للبشرية وبين الشخصية التي اصطفاها الله تعالى لذلك ... فبالنسبة الى الصفة او السمة الاولى لهذه الشخصية نجد ان الحديث ربما يتصل بـ"الاصل" الذي تنتسب اليه ... فماذا حدثنا الدعاء عنها؟ الدعاء ذكر بان النبي(ص) ينتسب الى شرف الاصل او الاصل الشريف حيث تسلسل نسبه من خلال شخصيات مصطفاة طوال التاريخ البشري لا تقترن البتة بظاهرة الظلم او الانحراف تبعاً لما قرره تعالى بانه لا ينال عهده الظالمين. اذاً من حيث الاصل الذي ينتسب اليه النبي(ص) يظل(ص) متصلاً بما هو ناصع من الحسب والنصاعة كما هو بين تعني كل ما هو فقي وخالص وواضح...، وهو أمر يتناسب تماماً مع طبيعة ما تحمله الرسالة الاسلامية. واما سمتا (الكاهل الاعبل) فتعنيان بان الانتساب المذكور هو في ذروة ما يتصوره قارئ الدعاء حيث يرمز الكاهل الى اعلى الظهر وهو ما يتناسب مع عملية الحمل وهنا الحمل هو للرسالة كما هو واضح، بالاضافة الى ان العبارة المذكورة قد استخدمت بالنسبة الى سيد القوم مطلقاً وبذلك تكون العبارة مشيرة الى ذروة الانتساب المذكور ليس هذا فحسب فان الذروة او الرفعة تجسد طرفاً من المجد، واما الطرف الاخر فهو الضخامة "الاعبل"، حيث تجسد الجانب الافقي للمجد مقابل الجانب العمودي له "أي الرفعة" الذورة... اذن: اسباب المجد جميعاً قد انتسب اليها النبي(ص). اخيراً: لا مناص لقارئ الدعاء من ضرورة افادته من هذه القراءة وذلك من حيث استثمارها في حمله على الالتزام بمبادئ الرسالة الاسلامية والتصاعد بسلوكه الى النحو المطلوب. ******* شرح قوله (عليه السلام): اللهم صلّ... والماسك من أسبابك بحبل الشرف الأطول) - 26 2007-02-07 00:00:00 2007-02-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/455 http://arabic.irib.ir/programs/item/455 لا نزال نحدثكم عن الادعية المباركة وما تتضمنه من النكات البلاغية المتنوعة مما تسهم بلا شك في تعميق معاني الدعاء ومن ذلك دعاء الصباح المعروف للامام علي(ع) حيث قدمنا جملة مقاطع منه في لقاءات سابقة، ونقدم مقاطع جديدة، منها هذا المقطع القائل (اللهم صلِّ على الدليل اليك في الليل الأليل والماسك من اسبابك بحبل الشرف الاطول، والناصع الحسب في ذروة الكاهل الاعبل ...). وهذا المقطع سبق ان حدثناكم عن فقرته الاولى وهي (اللهم صلِّ على الدليل اليك في الليل الأليل) ونتحدث الان عن فقرته الثانية وهي (والماسك من اسبابك حبل الشرف الاطول). فماذا تعني هذه العبارة او الاستعارة من البين ان مقطع الدعاء الذي نتحدث عنه يتضمن التوسل بالله تعالى بالصلاة على محمد(ص) حيث ذكر سمة خاصة من سماته(ص) وهي كونه دليلاً الى الله تعالى في غمرة ضلال الناس وها هو يرسم سمة ثانية وهي أنه(ص) ماسك من اسباب الله تعالى بحبل الشرف ... هنا من الممكن ان يتساءل قارئ الدعاء عن شيء من الضبابية التي تطبع المقطع بالنسبة الى هذه العبارة او الاستعارة التي تتحدث عن التمسك ود الحبل ونحوهما، فضلاً عما نجده في الاستعارة الثالثة التي تتحدث عن الكاهل والاعبل وغيرهما مما قد يدع قارئ الدعاء بمنأى عن معرفة هذه المفردات اللغوية. وفي هذا السياق يتعين علينا ان نذكركم باساليب المعصومين في صياغة الافكار بل مطلق النصوص الشرعية وفي مقدمتها القرآن الكريم حيث نلحظ مستويات ثلاثة تطبع النصوص الشرعية سواءاً كانت نصوصاً قرآنية او نبوية او علوية او سائر النصوص الواردة عن المعصومين عليهم السلام ... هذه المستويات الثلاثة هي اللغة الواضحة واللغة المشفوعة بشيء من الضبابية ثم اللغة الفنية او المجازية مقابل اللغة المباشرة... وفي الحالات جميعاً ثمة سياقات متنوعة تفرض هذا الاسلوب وذاك. من هنا عندما نتجه الى دعاء الصباح نجد هذه المستويات الثلاثة متحققة فيه مع ملاحظة ان اللغة المضببة هي الاقل عدداً من سواها ومن جملة ذلك ما تلوناه عليكم الان من الاستعارات المتقدمة. المهم ان نتحدث عنها بعد الاشارة الى ان النص الشرعي يتجه في حالات خاصة الى جعل قارئ النصوص عنصراً مساهماً في الكشف عن الدلالات الكامنة فيه أي غير المتسمة بالوضوح من اجل جعله متحسساً بمتعة الكشف المعرفي بصفة ان الانسان عندما يستكشف ما هو المجهول امامه عندئذ يحس بالامتاع العقلي في العملية المذكورة ولندع هذه الاشارة لنتجه الى ما نحن بصدده فماذا نستكشف من العبارة القائلة عن النبي(ص) بانه الماسك من اسباب الله تعالى بحبل الشرف الاطول؟ لا نتأمل طويلاً حتى ندرك بان الاستعارة المذكورة تتحدث عن النبي(ص) بانه الشخصية المتمكنة او الموفقة الى تبليغ رسالة السماء الى البشر ... كيف ذلك؟ اولاً: جعل النص عملية التبليغ او توصيل الرسالة بمثابة الحبل الذي تمسكه الشخصية. ثانياً: جعل هذه العملية شرفاً للشخصية. ثالثاً: جعل ذلك شرفاً اطول بالقياس الى سائر الشخصيات التي اضطلعت برسالة السماء وهذا يعني ان محمداً هو الشخصية التي فضلها الله تعالى على سائر الانبياء وانه الشخصية المتمكنة من توصيل مبادئ الله تعالى بالنحو الافضل. هذه الدلالات كما لاحظنا تمت من خلال الاستعارة التي رمزت بالحبل الى موفقية الشخص في اضطلاعها بمهمة تبليغ رسالة الاسلام من حيث تمسكها القوي بذلك، وان الله تعالى هو الاعلم من حيث يجعل رسالته... والأهم من ذلك هو ان نستثمر نحن القراء للادعية هذا الجانب ونتمسك بحبل الله تعالى أي نلتزم بالمبادئ التي اوصلها النبي(ص) الينا وتدريب ذواتنا على ذلك والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: (وهذه أهوائي المضلة وكلتها الى جناب لطفك ورأفتك...) - 25 2007-01-27 00:00:00 2007-01-27 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/454 http://arabic.irib.ir/programs/item/454 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها دعاء الصباح للأمام علي(ع) حيث حدثناكم عن جملة مقاطع منه .. ومنه ذلك المقطع القائل (الهي هذه ازمة نفسي عقلتها بعقال مشيتك) الى ان يقول (وهذه اهوائي المضلة وكلتها الى جناب لطفك ورأفتك) هذه الفقرة الاخيرة هي موضع حديثنا الان فلنبدأ بذلك ... السؤال اولاً: ما هي الاهواء المضلة؟ هل هي الهوى او الرغبة او الميل المتسم بما هو محرم، ام هو المكروه ام هما؟ مما لاشك ان الهوى يتسم مرة بما هو ايجابي كمن يهوى الشخصية الملتزمة بمبادئ الله تعالى او بهوى القيم او السلوك الخير بعامة، ويقابل ذلك الهوى السلبي وهو كل رغبة او ميل او شهوة او الخ، غير مقترنة بالخير يستوي في ذلك ان يكون الهوى محرماً كالشهوة الجنسية المحرمة او العدوان على الابرياء او الغناء او القمار او...الخ، او يكون مكروهاً كاللعب او المحادثة غير الضرورية بين الجنسين، واذا كان الامر كذلك فان فقرة الدعاء التي نتحدث عنها تشمل الاهواء السلبية بكل انماطها المحرم والمكروه وحتى المباح احياناً فما هو سر ذلك؟ من البين ان الله تعالى حينما طالبنا بان ننتخب الاحسن من العمل بموجب قوله تعالى (ليبلوكم ايكم احسن عملاً)، معناه ان الاحسن من العمل هو المطلوب وما عداه لا قيمة له او له قيمة ضئيلة لماذا؟ مما لا شك فيه، ان كل ممارسة لا تصب في الايجاب فهي خسارة للانسان وهذا ما اوضحته النصوص الواردة في القرآن الكريم وفي النصوص المأثورة عن اهل البيت عليهم السلام حينما ذكرت بان الانسان يتحسر في اليوم الآخر على ما اضاعه من فرص في الحياة الدنيا، حيث يتمنى ان يملأ كل لحظة زمنية بما ينفعه في اليوم الآخر... واذا كان الامر كذلك حينئذ فان أي هوى او ميل او رغبة يتطلع الى تحقيقها دون ان تصبح هادفة من الزاوية العبادية تكون حينئذ حسرة يوم القيامة... وفي ضوء هذه الحقيقة فان فقرة الدعاء حينما تصف اهواء العبد بانها مضلة انما تشمل جميع الرغبات والميول والحاجات غير الموظفة توظيفاً شرعياً بمعنى ان الشخصية الذكية هي التي تستثمر كل سلوكها بما في ذلك المباح وتحوله الى عمل مندوب قربة الى الله تعالى... والآن مع اقرارنا بالحقيقة المتقدمة يمكننا ان نفسر النكات الكامنة وراء العبارة القائلة بان العبد يكل اهواءه المضلة الى لطف الله ورأفته بمعنى انه قد اضاع فرص عمره من خلال الاهواء التي اضلته عن الوظيفة المطلوبة في الحياة الا وهي الاحسن من العمل بموجب قوله تعالى كما ذكرنا (ليبلوكم ايكم احسن عملاً) ... نقول مع تسليمنا بالحقيقة المتقدمة يمكننا ان نفهم السر الكامن وراء فقرة الدعاء التي تكل الاهواء المضلة من العبد الى لطف الله ورأفته حتى يرأف الله تعالى بالعبد ويتلطف عليه بالمغفرة لما صدر منه من الاهواء المضلة في شتى مستوياتها... اذن: امكننا ان نتبين جانباً من النكات الكامنة وراء فقرة الدعاء المذكورة، والأهم من ذلك هو ان نستثمر قراءتنا لهذا الجانب وذلك بايكال امورنا الى الله تعالى جميعاً وان ندرب ذواتنا على الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب.******* شرح فقرة: (هذه أعباء ذنوبي درأها بعفوك ورحمتك...) - 24 2007-01-24 00:00:00 2007-01-24 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/453 http://arabic.irib.ir/programs/item/453 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها دعاء الصباح للامام علي(ع) حيث قدمنا لكم مقاطع متنوعة ونقدم مقطعاً جديداً وهو: (الهي هذه ازمة نفسي عقلتها بعقال مشيتك، وهذه اعباء ذنوبي درأتها بعفوك ورحمتك، وهذه اهوائي المضلة وكلتها الى جناب لطفك ورأفتك)... هذا المقطع يتضمن ثلاث عبارات او استعارات هي (هذه ازمة نفسي عقلتها بعقال مشيتك)... وهذه الفقرة حدثناكم عنها في لقاء سابق، وقلنا انها وما بعدها أي الفقرة القائلة بان (اعباء ذنوبي درأتها بعفوك ورحمتك) والفقرة القائلة (هذه اهوائي المضلة وكلتها الى جناب لطفك ورأفتك) هذه الفقرات الثلاث نتناول ثلاثة مستويات من السلوك الصادر من العبد الاول منها وهو التركيبة النفسية للانسان حيث تتنازعها قوى الخير والشر، وحيث المطلوب هو ممارسة الخير ومقاومة الشر، نقول الدعاء اوكل هذه التركيبة النفسية الى الله تعالى حتى يهديه الى طريق الخير ويجنبه طريق الشر، وفي حينه اوضحنا اهمية هذه الاستعارة القائلة (هذه ازمة نفسي عقلتها بعقال مشيتك) حيث اوضحنا النكات المتنوعة منها... اما الان فنتحدث عن الاستعارة الثانية وهي (وهذه اعباء ذنوبي درأتها بعفوك ورحمتك) ونعتقد ان هذه الاستعارة من الوضوح بمكان حيث تقول ان الذنوب بمثابة اعباء يحملها العبد، وقد دفعها العبد او درأها من خلال العفو ومن خلال الرحمة التي يطلبها من الله تعالى والسؤال والذي يطرح ما هي النكات الكامنة وراء التعبير المذكور؟ ونقول الجواب: بما ان الذنب تترتب المسؤولية عليه لذلك فان الدعاء جعله عبئاً او ثقلاً على العبد لا يتخلص منه الا في حالة رفعه بدعاء عنه وهذا لا يتم الا من خلال التوسل بالله برفعها ولذلك ارتكن الدعاء الى صفتين من صفات الله تعالى وانتخبها متناسبة تماماً مع عملية رفع الاعباء وهاتان الصفتان هما العفو والرحمة وقد تتساءل قائلاً ان الرحمة تشمل جميع الصفات التي تتفرع منها مثل العفو الشفقة الرفق الحلم التسامح التنازل ...، فلماذا ذكرها الدعاء ثم ذكر واحداً من مصاديقها وهو العفو؟ ان هذا السؤال يتسم باهمية كبيرة ولذلك سنجيبكم عنه مفصلاً ... مما لا شك فيه ان العفو له موارد خاصة فمثلاً عندما تساعد فقيراً فهذا لا علاقة له بالعفو ولهذه له علاقة بالرحمة ... فاذا اساء اليك شخص ثم عفوت عنه، فهذه لا علاقة له بالموضوع الاولى أي ان مساعدتك لشخص ما غير عفوك عن شخص آخر فالرجل الاول لا ذنب له بل يحتاج الى المال، واما الثاني فقد صدر عن الذنب لذلك يحتاج الى العفو فاذاً العفو صفة تختلف في اسبابها عن العطف او الرحمة الخاصة ولكن مع ذلك تندرج ضمن مصاديق الرحمة العامة التي تشمل جميع الصفات المرتبطة بتقديم العون الى الآخرين. من هنا ندرك اهمية الاستعارة التي تتحدث عنها حينها نوضح بان اعباء الذنوب بحاجة الى عفو الله تعالى حتى يتخلص العبد منها. ولكن في الآن ذاته بما ان الرحمة هي الصفة العامة التي تندرج ضمنها صفة العفو من جانب آخر وان الذنب من جانب ثالث يحتاج ليس الى العبد وحده بل الرحمة لذلك جمع الدعاء بينهما بصفة ان الله تعالى قد يعفوا عن العبد أي لا يرتب عقاباً عليه ولكنه قد لا يحول ذنبه الى حسنة مثلاً حيث ان التحويل المذكور يرتبط بصفة الرحمة التي تعني المساعدة بلا حدود وبلا سياقات خاصة، وهذا ما نطقت النصوص الشرعية به حينما صاغت على الالسنة بان ندعو الله تعالى بان يحول او يبدل سيئاتنا حسنات، الى غير ذلك من اشكال الرحمة. اذن: امكننا ان نتبين جملة نكات في الاستعارة المذكورة ... الا ان الاهم من ذلك هو ان نستثمر هذه المناسبة فنتوسل بالله تعالى ان يغفر ذنوبنا ويبدلها حسنات ويوفقنا الى الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح قوله (عليه السلام): (الهي هذه أزمة نفسي عقلتها بعقال مشيتك...) - 23 2007-01-20 00:00:00 2007-01-20 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/452 http://arabic.irib.ir/programs/item/452 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة ومنها دعاء الصباح للامام علي(ع) حيث حدثناكم عن جملة مقاطع منه، ونحدثكم الآن عن مقطع جديد منه وهو (الهي هذه ازمة نفسي عقلتها بعقال مشيتك، وهذه اعباء ذنوبي درأتها بعفوك ورحمتك، وهذه اهوائي المضلة وكلتها الى جناب لطفك ورحمتك) ... هذا المقطع من الدعاء يتضمن ثلاث ظواهر تتصل بسلوك العبد من حيث علاقته بالوظيفة العبادية التي خلق الله تعالى الانسان من اجل ممارستها، فهناك اولاً: ظاهرة "الذنوب" التي تصدر من العبد عبر اخفاقه او عدم نجاحه في الاختبار العبادي، وهناك ثانياً: ازمات نفسية متمثلة في الاهواء التي تعصف بالعبد سواءاً كانت ذات أثر شرعي الحرمة او ذات غفلة للعبد بحيث يتلهى بمتاع الحياة الدنيا، وهناك ثالثاً: الطبيعة البشرية العامة متمثلة في تركيبة النفس بغض النظر عن مستويات السلوك الصادر عنها، حيث بدأ الدعاء بالاشارة الى هذا الجانب واتجه الى الله تعالى قائلاً: (هذه ازمة نفسي عقلتها بعقال مشيتك)، وهو ما نبدأ الحديث عنه الآن .. فماذا نستخلص من العبارة او الاستعارة المذكورة؟ من الواضح ان التركيبة النفسية للبشر تبقى محتفظة بحيادها حيال الفجور او التقوى، حيال الخير والشر، أي ان الشخصية هي التي تختار سلوكها الايجابي او السلبي بقدر وعيها وتعاملها مع وظيفتها العبادية حيث ان الله تعالى امرنا ان نتجه الى ممارسة السلوك الايجابي المتمثل بالالتزام بمبادئ الله تعالى، وامرنا بعدم ممارسة السلوك السلبي المتمثل في نواهيه تعالى. والمهم ان مقطع الدعاء الذي نتحدث عنه بدأ بالاشارة الى ان العبد فوض امره الى الله تعالى طالباً منه التوفيق لممارسة المهمة العبادية بنحوها المطلوب طبيعياً الدعاء لم يتحدث بهذا التفصيل بل قدم لنا استعارة هي ان العبد ترك امره الى مشية الله تعالى ومن الطبيعي عندما يترك العبد الى الله تعالى نفسه فهذا يعني ضمناً انه يطلب الخير.. وهذه سمة او قاعدة بلاغية تترك قارئ الدعاء تستخلص دلالات محذوفة نظراً لوضوحها في الذهن، والمهم ان مقطع الدعاء قدم لنا هذه الظاهرة "أي ان العبد يكل امره الى مشيئة الله تعالى" قدم لنا هذه الظاهرة من خلال استعارة واضحة وعميقة وطريفة هي استعارته من الابل "زمامها" أي المقود، ثم شدة وربطة بالجبل الذي يشد ذراع الابل ومستاقه... والسؤال الان ماذا نستخلص من الاستعارة المذكورة لا نحتاج الى تأمل طويل حتى ندرك بان الدلالة التي نستخلصها من الاستعارة المذكورة هي ان العبد ترك قيادة نفسه الى الله تعالى، وبما ان العبد في الغالب لا يدعه الشيطان بمنأى عن الانصياع الى الاهواء او الحاجات الملحة غير المشروعة لذلك يحتاج العبد الى من يكبح جماح هواه ويمسك بمقوده ويحجزه عن الاندفاع نحو هواه الدنيوي. من هنا فان العبد بحاجة كبيرة الى توفيق من الله تعالى وتصميم من نفسه على منع نفسه من الانصياع لمتاع الدنيا العابر، وهذا ما اضطلع به مقطع الدعاء عندما توسل بالله تعالى بان يوفقه لما يرضيه تعالى، وهذا التوفيق استعار له ما لاحظناه من الزمام وضبطه حتى لا يجمح به هواه الى ما لا يرضى الله تعالى. اذن: اتضح بجلاء ما تضمنه التعبير القائل (هذه ازمة نفسي عقلتها بعقال مشيتك) حيث ترمز الى ايكال العبد اموره الى الله تعالى. والاهم من ذلك هو اننا نحن القراء للادعية ان نستثمر هذه الدلالات ونتجه فعلاً الى الله تعالى بان يوفقنا للطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح قوله (عليه السلام): (وبابك مفتوح للطلب والوغول...) - 22 2007-01-17 00:00:00 2007-01-17 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/451 http://arabic.irib.ir/programs/item/451 لا نزال نحدثكم عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة العبارة وعمق دلالاتها ونكاتها وفي مقدمة ذلك دعاء الصباح للامام علي(ع) حيث قلنا في لقاءات سابقة جملة مقاطع منه ونقدم مقطعاً جديداً الآن وهو المقطع القائل (الهي كيف تطرد مسكيناً التجأ اليك من الذنوب هارباً) الى ان يقول: (وبابك مفتوح للطلب والوغول، وانت غاية المسؤول ونهاية المأمول ...)، هذه الفقرات من الدعاء نحدثكم عنها الان فنقول: الفقرات المتقدمة تتساءل متوسلة بالله تعالى قائلة بما معناه كيف يطرد الله تعالى عبداً التجأ اليه طالباً شرب الماء وهو ظمآن، او التجأ هارباً الى الله تعالى ...، ثم يقول (وهذا ما نستهدف الحديث عنه الآن) ان باب الله تعالى مفتوح للطلب والوغول مع انه تعالى هو غاية المسؤول ونهاية المأمول؟ هذا النمط من التساؤل والتوسل ينطوي على نكات متنوعة نبدأ اولاً نحدثكم عن الفقرة الاولى منه وهي (بابك مفتوح للطلب والوغول)، ولعل قارئ الدعاء يحرص على معرفة عبارة قد تبدو غامضة بالقياس الى باقي العبارات ونعني بذلك العبارة التي تتضمن مفردة الوغول أي ان قارئ الدعاء يفهم بوضوح بان الدعاء يتوسل بالله تعالى او يتجه اليه مستفهماً كيف يطرد الله تعالى عبداً لجأ اليه هارباً او ظمآن محتاجاً الى الماء على ان باب الله مفتوح للطلب أي لمن طلبه الله ان يتجه اليه وايضاً لمن يدخل الى موضع الشراب او الطعام دون ان يدعى او يطلب منه، وهذه الفقرة الاخيرة أي المفردة التي تقول بان باب الله مفتوح للوغول معناها الدخول دون ان يدعى العبد والان اذا اتضح معنى "الوغول" حينئذ تكون الاستعارة على نحو ما ذكرناه قبل قليل وهي ان باب الله تعالى مفتوح لمن طلبه ولمن لم يطلبه أي انه مأذون للدخول من الباب الى ساحة الطعام والشراب لكل من يرغب الى ذلك، سواءاً ادعى للطعام والشراب او لم يدع ولا نعتقد ان قارئ الدعاء بحاجة الى ان نوضح له النكتة العميقة التي تتضمنها منه الاستعارة، أي ان قارئ الدعاء يعرف بان الله تعالى حينما يقول لعبده ادعني استجب لك مثلاً فهذا يعني انه تعالى قد رحم عبده واعتنى به كثيراً ولكن حينما يقول الدعاء بان باب الله مفتوح حتى لمن لم يدع الى الدخول فهذا يعني ان رحمته تعالى بلغت ن السعة بحيث لا يستطيع احد ان يحدد مداها غير المحدود. ولندع هذا الجانب ولنتجه الى ما بعد الاستعارة المذكورة وهي عبارة (وانت غاية المسؤول ونهاية المأمول)، نحن الان امام الله تعالى من جانب وامام العبد المذنب من الجانب الاخر، ولنر كيف ان الدعاء قد تناول هذين الجانبين فمن الجانب الاول اشار الدعاء الى ان الله تعالى هو "غاية المسؤول" ومن الجانب الاخر اشار الدعاء الى انه تعالى نهاية المأمول ولكن المأمول هنا يرتبط كما هو واضح بالعبد المذنب فماذا نستخلص من النكات. من البين عندما نذكر الدعاء بان الله تعالى هو غاية المسؤول انما يشير الى ما لا حد له من الجهة التي يقصدها العبد المذنب وهي المعنى ان الله تعالى هو الغاية التي ما بعدها غاية بغفران الذنب. واما ما ذكره الدعاء بانه تعالى هو "نهاية المأمول" فمعنى ذلك ان الامل الذي رتبه العبد على الله تعالى هو نهاية ما يطمح ويتطلع العبد اليه حيث لا مأمول بعد ذلك أي يتحقق الاشباع لدى العبد ما دام الامل الذي علقه هو نهاية ما يمكن تصوره من التطلع والتشوق والتوجه والتوقع لحاجات العبد وتحققها بواسطة الله تعالى. اذن: امكننا ان نتبين جملة من النكات الكامنة وراء الفقرات الثلاث أي ان باب الله تعالى مفتوح لمن طلبه ولمن لم يطلبه وانه تعالى غاية المسؤول وانه تعالى نهاية المأمول.... والاهم من ذلك هو ان نستثمر هذه الدلالات ونتجه الى الله تعالى بان يغمرنا برحمته التي لا حدود لها وان يوفقنا لممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: (الهي كيف تطرد مسكيناً إلتجأ اليك...) - 21 2006-12-14 00:00:00 2006-12-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/450 http://arabic.irib.ir/programs/item/450 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها دعاء الصباح للامام علي(ع) حيث حدثناكم عن مقاطع متنوعة منه ونحدثكم عن مقطع جديد هو: (الهي كيف تطرد مسكيناً التجأ اليك من الذنوب هارباً، ام كيف تخيب مسترشداً قصد الى جنابك ساعياً، ام كيف ترد ظمآن ورد الى حياضك شارباً، كلا وحياضك مترعة في ضنك المحول ...). هذا المقطع من الدعاء يتضمن كما تلاحظون جملة استعارات تتحدث عن اللجوء الى الله تعالى وكل وحدة منها تنطوي على دلالة خاصة مع الاشتراك جميعاً في رافد واحد هو اللجوء الى الله تعالى والتوسل به بالا يرد القارئ للدعاء خائباً. اذن: لنتحدث عن كل واحدة من الاستعارات المذكورة ... العبارة الاولى تقول (الهي كيف تطرد مسكيناً التجأ اليك من الذنوب هارباً) هنا نجد ان هذه العبارة او الاستعارة واضحة ومألوفة من حيث دلالتها لكن مع ان الوضوح والالفة تكفيان القارئ للدعاء ولا تدعانه بحاجة الى مزيد من التوضيح الا ان اكثر من نكتة نجدها في النص المذكور ولعل الاهم فيها هو ملاحظة المفردات او الكلمات المألوفة ذاتها، مثل عبارة المسكين وعبارة الهروب ونحو ذلك ... ان قارئ الدعاء يجد ان المتوسل بالله تعالى قد اطلق عليه مصطلح المسكين وحينئذ قد يتساءل لماذا انتخب هذا المصطلح دون سواه؟ وللاجابة نقول المسكين هو الشخص الذي لا يملك شيئاً بالاضافة الى كونه مقهوراً وذليلاً ومن البين ان المقهور والذليل والمعدم الذي لا يمكن شيئاً مضطر الى ان يلجأ الى جهة ما لتطرد عنه القهر والفقر..الخ، هنا ينبغ الا يغيب عن اذهاننا بان اللجوء هنا ليس بطراً بل ضرورة لا مناص منها والا يتعرض المسكين الى الهلاك حيث ان عدم وجود المال لديه يقتاده نحو النهاية الى المصير المذكور وهذا ما ينسحب على المذنب حيث ان ممارسة الشخص للذنب ليست عملاً عادياً بل انه عمل خطير حتى لو كان الذنب صغيراً لذلك ورد في الحديث المأثور عن المعصومين عليهم السلام ما معناه انظروا الى عظمة الخالق وليس الى صغر الذنب وهذا ما يفسر مجانسة المسكين الذي لا يمكن شيئاً والمقهور الذليل الذي لا يقدره الاخرون مع ممارس الذنب حيث لا يملك الا ان يلجأ الى الله تعالى وهو المطلع والمحاسب ومن ثم الغافر للذنب والا يتعرض الى الهلاك وهو هلاك ليس دنيوياً بل هو الهلاك الاخروي الذي لا يطاق البتة ولا يقاس بهلاك الدنيا ... وهذا كله يرتبط بكلمة المسكين .. ولكن ماذا بالنسبة الى كلمة الهارب، حيث لاحظنا ان المقطع يقول (الهي كيف تطرد مسكيناً التجأ اليك من الذنوب هارباً)؟ هذا ما يحتاج بدوره الى توضيح ... قد يتساءل قارئ الدعاء قائلاً الممارس للذنب مضطر الى ان يلتجيء الى الله تعالى ولكن لماذا وسمه الدعاء بالهارب أي الفار من مكان الى آخر؟ من البين ايضاً ان المسكين اذا كان معرضاً للهلاك بسبب عدم وجود ما يقوم حياته حينئذ يضطر الى الفرار من الهلاك حتى ينجو منه فيكون الفرار او الهروب هو قدره الوحيد ولا يملك خياراً غيره، وذلك بسبب ان الحاجة الى الحياة والحاجة الى الامن والحاجة الى الطعام...، تشكل جميعاً دوافع مركبة في الشخصية لابد من اشباعها فاذا وقعت الشخصية في الشدة المذكورة عندئذ لا مناص لها من عملية هروب من الشدة او الاحباط الى جهة تحقق لها الاشباع للحاجات المذكورة أي الحاجة الى الحياة والأمن والطعام ... اذن: امكننا ان نتبين بوضوح ما تحمله كلمات الدعاء المذكورة من دلالات عميقة مع كونها متسمة بكل وضوح وهو امر يحمل قارئ الدعاء على ان يتدبر جيداً في الدلالات التي ترشح بها العبارات او الاستعارات حتى لو كانت في تصوره واضحة ومألوفة. والأهم من ذلك هو ان نستثمر قرائتنا للدعاء وهو ان نهرب فعلاً الى الله تعالى من ذنوبنا وان نتوب منها وان نعوض ذلك بممارسة المزيد من الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: (كيف ترد ظمآنا ورد الى حياضك شارباً) - 20 2006-12-14 00:00:00 2006-12-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/449 http://arabic.irib.ir/programs/item/449 لا نزال نحدثكم عن الادعية المباركة ومنها دعاء الصباح للامام علي(ع) حيث حدثناكم عن جملة مقاطع منه ونواصل تقديمنا لمقطع جديد وهو: (الهي كيف تطرد مسكيناً التجأ اليك). الى ان يقول (ام كيف ترد ظمآن ورد الى حياضك شارباً، كلا وحياضك مترعة في ضنك المحول)... هذه الفقرة او العبارات الاستعارية التي يحفل بها الدعاء تجسدت كما المحنا في لقاء سابق انتخاباً لأهم دافع بشري هو الحاجة الى الشراب حيث تتوقف حياة الانسان عليه لذلك فان الدعاء حينما يربط بين التوسل بالله تعالى لغفران الذنب وبين الاستعارات التي تتحدث عن الظمأ والحياض ونحو ذلك، انما تنتخب استعارات متجانسة مع الموقف فكما الحاجة الى الماء بالنسبة الى الشارب ملحة كذلك الحاجة الى غفران الذنب بالنسبة الى العبد المذنب بمعنى ان العبد اذا لم يغفر له فانه سيهلك تماماً كما ان الظمآن لو لم يسمح له بشرب الماء فانه سيهلك. اذن: الاستعارة التي تتحدث عن الماء وحياضه وشربه كما سنوضح ذلك الآن، انما تفصح عن اهمية هذه الاستعارة من حيث صلتها بذنوب العبد، والتوسل بالله تعالى الى غفرانها ... ندعوكم اولاً الى ملاحظة ان الاستعارة تتحدث عن الحياض أي احواض الماء ولا تتحدث عن الماء فحسب فتقول: (كيف ترد ظمآن ورد الى حياضك)، وهذا يفصح عن نكتة مهمة وهي ان عطاء الله تعالى ليس محدوداً بشربة ماء مثلاً بل بحياض، والحياض هي مجتمع الماء، حيث يفصح وجودها عن سعة عطاء الله تعالى كما هو واضح ... هذا اولاً. اما ثانياً: فان الاستعارة المذكورة تشير الى ان هذه الحياض مترعة أي ملأى وهذا بدوره افصاح عن كثرة المياه وليس محدوديتها أي كثرة عطاء الله تعالى وليس محدوديته. واما ثالثاً: فهناك نكتة في غاية الاهمية هي: ان هذه الحياض المترعة بالماء قد اقترن وجودها مع جرب الشيء أي ان الارض مثلاً اذا كانتا مجربة فان الحاجة الى الماء تظل اشد من الحاجة بالنسبة الى الارض الخصبة ... وهذا يعني ان الدعاء يستهدف الاشارة الى شدة الازمة النفسية التي يعاني منها العبد المذنب .. فكيف ذلك؟ لنلاحظ: ان الاستعارة تقول: (حياضك مترعة في ضنك المحول)، أي ان العبد المذنب الغارق في ذنبه او المعاني لشدائد جمة انما يتطلع الى عطاء لا حد له فمثلاً في كثرة ما ينظر اليه من مصادر اشباعه لحاجته وهي غفران الذنب، وبتعبير بديل ان الاستعارة التي تقول (الحياض مترعة في ضنك المحول)، انما تعبر عن اشد الحاجة لدى العبد الى الغفران للذنب، فالضنك معناه الضيق وشدة الازمة النفسية التي عاني منها العبد، واما المحول فمعناه ان نفسه بلغت من شدة الازمة الى درجة الصفر حيث محلت النفس واجربت من كل خير الا في حالة ما اذا انقذها الله تعالى بغفران الذنب. اذن: لنلاحظ مدى الشدة النفسية وحجمها لدى العبد المذنب بحيث ان نفسه اجربت من الحر، ثم انه بسبب من الجرب المذكور يحيا في ازمة حادة لا فكاك منها، لان الضنك هو رمز لاشد ما يمكن تصوره والمحول رمز لانعدام الامل او الخير او الحاجة الى سقي مكتف من الماء وهو ما يتمثل في الأمل الكبير الذي يعلقه صاحب الذنب على غفران الله تعالى لذنبه ... اذن: امكننا ان نستخلص من الاستعارات الواضحة المألوفة المتصلة بالماء وشربه ومحاله، ومن ثم رمزيته لعطاء الله تعالى وتوسل العبد به على صيغة التساؤل كيف ترد ظمآن ورد الى حياضك؟ ... ونفي العبد تماماً لاستحالة ذلك بعبارة كلا، اولئك جميعاً تفصح عن دقة العبارة ونكاتها الدلالية المتنوعة بالنحو الذي اوضحناه بين ان الاهم من ذلك كله هو ان نستثمر نحن القراء للدعاء هذا السياق وذلك بالعزم على ترك الذنوب وتدريب ذواتنا على الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: (كيف تخيب مسترشداً قصد الى جنابك ساعياً...) - 19 2006-12-14 00:00:00 2006-12-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/448 http://arabic.irib.ir/programs/item/448 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة ومنها دعاء الصباح للأمام علي(ع) حيث حدثناكم عن جملة مقاطع منه، ونواصل حديثنا عن مقاطع جديدة ومنها قوله(ع): (الهي كيف تطرد مسكيناً التجأ اليك من الذنوب هارباً، ام كيف تخيب مسترشداً قصد الى جنابك ساعياً، ام كيف ترد ظمآن ورد الى حياضك شارباً، كلا وحياضك مترعة في ضنك المحول ...). هذا المقطع يتضمن كما لاحظتم ثلاث فقرات او استعارات ثلاث او اربع حدثناكم عن اولاها في لقاء سابق، وهي الفقرة القائلة (كيف تطرد مسكيناً ...) ونحدثكم الان عن باقي فقراته، وهي: (كيف تخيب مسترشداً قصد الى جنابك ساعياً ام كيف ترد ظمآن ورد الى حياضك شارباً ...) هاتان الفقرتان تتضمن اولاهما توسلاً بالله تعالى بالا يخيب أمل مسترشد قصده ساعياً ... ولا يرد ظمآن ورد الى حياضه شارباً، اما الفقرة الاولى فلا تحتاج الى تحليل او تعقيب بصفة انها تتحدث عن مذنب يأمل من الله تعالى بالا يخيبه، بعد ان قصده ساعياً، حيث ان السعي الى جهة قصدها الانسان يعني: ان له املاً بقضاء حاجته، فكيف اذا كان السعي الى الله تعالى. اذاً الامل بغفران الذنب يفرض فاعليته في هذه الفقرة من الدعاء .. بينما الفقرة الثانية وهي التساؤل او التوسل بعدم رد الظمآن الى حياض الماء لغرض الشرب منها.. هنا الفقرة تتضمن صياغة استعارية تتطلب منّا ان نحللها تفصيلاً ... فقرة الدعاء المذكورة تجسد استعارة واضحة ومألوفة كما هو طابع الكثير من النصوص الشرعية التي ينطوي بعضها على صور واضحة واخرى على صور ذات ضبابية ولكنها ضبابية شفافة لا التواء فيها والمهم ان كلاً من النمطين ينطوي على دلالات عميقة، وبالنسبة الى ما نحن فيه تجد ان الصورة الاستعارية المتوسلة بالله تعالى بان يغفر ذنوبنا قد انتخبت صياغة هي ان العبد المذنب بمثابة ظمآن وهذا الظمآن ورد الى حياض الله تعالى ليشرب منها والحياض هي جمع للحوض وهو مجتمع المياه وحينئذ هل يمكن بان يتصور بان الله تعالى يرد الظمآن المذكور ويمنعه من شرب الماء، الصورة الاستعارية تقول كلا أي لا يمكن تصور ذلك ... لماذا؟ تقول الصورة لان حياض الله تعالى مترعة اي ملأى وهي ملأى امام العبد الذي يحيا في شدة كبيرة هي وجود المحل او الجرب في نفسه او في اراضيه التي تتطلع الى سقي الماء .... هنا نلاحظ بان الصورة الاستعارية المذكورة متشابكة الفروع بحيث تفصح بوضوح عن مدى ثقة العبد المذنب بالله تعالى من جانب ومدى الشدة النفسية التي يعاني منها من جانب آخر. اذن: لنتحدث تفصيلاً عن الجانب المشار اليه ... من الحقائق المألوفة في ميدان علم النفس، ان الدوافع او الحاجات البشرية المودعة في تركيبة الانسان تتفاوت الحاحاً او تزامناً فالحاجة الى الشراب والطعام والنوم مثلاً تختلف عن الحاجة الى الجمال وسواه كما ان الحاجات الحيوية التي تتوقف عليها حياة الانسان كالشراب مثلاً تختلف عن الحاجات الملحة الاخرى كالجنس مثلاً حيث ان عدم الاشباع الجنس لا يفضي الى الهلاك بينما يفضي عدم وجود الماء والطعام الى الهلاك كما هو واضح من هنا فان الدعاء الذي نتحدث عنه حينما ينتخب لنا دافعاً ملحاً هو العطش ويربطه بالحاجة الى غفران الذنب فهذا يعني الاهمية العظمى لدى العبد من حيث احاسيسه بوطأة الذنوب ... من هنا ايضاً انتخب الدعاء فروعاً متنوعة لعملية الظمأ وصلتها بالشدة النفسية فيما نحدثكم عنها في لقاء لاحق ان شاء الله تعالى. اما الآن فحسبنا ان نشير الى ضرورة ان نستثمر تلاوتنا للدعاء، ونوظف انفسنا على ترك الذنوب وتدريب ذواتنا على الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة (فمن السالك بي في واضح الطريق) - 18 2006-12-14 00:00:00 2006-12-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/447 http://arabic.irib.ir/programs/item/447 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من دقائق الغنى ونكاته وطرائفه ومن ذلك دعاء الصباح حيث قدمنا مقاطع متسلسلة منه، ورقفنا عند المقطع القائل (الهي ان لم تبتدئني الرحمة منك بحسن التوفيق فمن السالك بي اليك في واضح الطريق) ... وقد حدثناكم عن الشطر الاول من هذا المقطع وهو (الهي ان لم تبتدئني الرحمة منك بحسن التوفيق...) ونحدثكم الان عن الشطر الاخر منه وهو (فمن السالك بي اليك في واضح الطريق)؟ .. اذن: لنتحدث عن هذا الجانب ... ان هذا المقطع من الدعاء استعارة واضحة ترمز الى ممارسة الطاعة ولكن لنر كيف ان الاستعارة المذكورة قد عبرت عن ادق المعنى وطريفه؟ لنقرأ من جديد: (فمن السالك بي اليك في واضح الطريق)... ان قارئ الدعاء سوف يمر بشكل عابر حيال الاستعارة المذكورة ولكننا ندعوه الى ان يتأمل بدقة هذا الجانب حتى يفيد منه في تعديل السلوك ... لقد رسم الله تعالى مبادئ التوحيد او مبادئ الاسلام، او المبادئ التي بشّر بها محمد(ص) وخلفاؤه المعصومين وصفها تعالى بانها واضحة لا تعقيد فيها .. مع العلم ان الامر اذا كان واضحاً حينئذ لا مسوغ البتة الى عدم الايمان به ولذلك فان الموضوع يجسد حجة دامغة لكل من ينحرف عن المبادئ الواضحة، وهذا يعني ان المنحرفين عن مبادئ الله تعالى ليسوا معذورين في ذلك، يعني انهم على معرفة بهذه المبادئ ولكنهم جحوداً وعناداً وايثاراً لمتاع الحياة الدنيا يتخلون عنها. من هنا يمكنكم ان تلحظوا النكتة او الطرافة في الاستعارة المذكورة عندما تصرح بان الوضوح هو السمة التي تتسم بها مبادئ الله تعالى حيث لا ينبغي عذر للمنحرف عن مبادئ الله تعالى لكن لندع الوضوح ونتجه الى الاستعارة ذاتها من حيث السمات التي خلها الدعاء على هذا الجانب فماذا نجد؟ ... لقد انتخب الدعاء استعارة المشي في الطريق للتعبير عن مقصوده انه قال: (فمن السالك بي اليك في واضح الطريق).... هنا قد يتساءل قارئ الدعاء عن النكتة او الطرافة في هذا الموضوع ونقول له: ان كل ماش في طريق ما لابد ان يصل ال مكان يستهدفه، ونقول ايضاً ان عملية المشي لا مفر منها حيث ان الله تعالى خلق جوارحنا للافادة منها في كل شيء فللوجه وللعين وللفم ولليد وللرجل و...، وظائف خاصة بكل منها وهذا يعني ان المشي هو احد انماط السلوك الجسمي للعبد يستخدمه لتحقيق مختلف اهدافه. واذا نقلنا عملية المشي الى ظاهرة الوظيفة العبادية للانسان نجد ان الانسان لا مناص له من الاعتقاد بمبدأ فكري اياً كان نمطه كل ما في الامر ان البعض ينتخب طريقاً يحقق له اهدافه القريبة والبعيدة مما يكشف عن ذكائه فما دام الانسان اساساً ينطلق في سلوكه من المبدء القائل بان السلوك هو تحقيق لاشباع الحاجة، أي ان كلاً منا عندما ينتخب سلوكاً ما انما ينتخبه بناءاً على ما يحقق له من اشباع عاجل او آجل، بيد ان الذكي هو الذي ينتخب ما يحقق الاشباع آجلاً حتى لو كان على حساب الاحباط العاجل، وبكلمة اكثر وضوحاً الذي ينتخب الاشباع الآجل وهو الحياة الآخرة او الطاعة مطلقاً بغض النظر عن الثواب والعقاب بينما ينتخب الغبي الاشباع العاجل وهو متاع الحياة الدنيا... اذن: عملية الانتخاب قد استعار لها الدعاء طابع المشي فجعل المشي واضحاً الى الطريق الذي رسمه الله تعالى وجعله غير واضح بالنسبة الى من انتخب الاشباع الدنيوي العاجل وبهذا نجد تناسباً واضحاً بين الهدف العبادي للانسان وبين عملية المشي الى الهدف المذكور حيث يصبح واضحاً للذكي من العباد وغير واضح للاغبياء منهم حيث وصفهم الله تعالى بانهم كالانعام او اقل سبيلاً... اذن: امكننا ان نتبين جانباً من النكات او الطرائف الدلالية التي حظي بها هذا المقطع من الدعاء. والمهم هو ان نستثمرها في سلوكنا العبادي ونتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة: (ومسائي جنة من كيد العدى...) - 17 2006-12-14 00:00:00 2006-12-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/446 http://arabic.irib.ir/programs/item/446 لا زلنا نحدثكم عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة فائقة فضلاً عما تنطوي عليه من ثقافة عبادية لا مناص لقارئ الدعاء من الالمام بها في غمرة ممارسته للوظيفة العبادية الملقاة عليه ... ومن ذلك الدعاء المعروف بدعاء الصباح للامام علي(ع) حيث حدثناكم عن مقاطع متسلسلة منه، ونتابع الآن تقديم مقطع جديد هو: (فاجعل اللهم صباحي هذا نازلاً عليَّ بضياء الهدى، وبالسلامة في الدين والدنيا، ومسائي جنة من كيد العدى، ووقاية من مرديات الهدى ...) .. هذا المقطع من الدعاء حدثناكم عن فقرته الاولى الخاصة بالصباح، ونحدثكم الان عن فقرته الثانية الخاصة بالمساء ... اذن: لنتحدث عن الموضوع .... من الواضح ان الدعاء الذي نتحدث عنه هو الدعاء الخاص باشراقة الصباح من حيث كونه بداية ليوم جديد يستقبله قارئ الدعاء ليكون امتداداً لهذا اليوم، ولذلك نجد جملة ادعية خاصة ببداية كل يوم قبل طلوع الشمس وبعدها تعبيراً عن الحقيقة المتقدمة لكن بما ان المساء هو الشطر الآخر من اليوم، حينئذ فان الادعية الخاصة بالمساء تفرض وجودها ايضاً وهذا ما نلحظ نموذجه في الدعاء الذي نتحدث عنه حيث يشير الى ظاهرة تتصل بالليل وهي التوسل بالله تعالى بان يجعل المساء ستراً يتقي به قارئ الدعاء من كيد الاعداء، وقاية له من الشرور المختلفة وهذا ما عبر عنه الدعاء بالعبارات الآتية: (ومسائي جنة من كيد العدى ووقاية من مرديات الهدى)... والسؤال الآن هو ما المقصود من مرديات الهدى؟ فضلاً عن الاعداء وصلتهم بالليل؟ ... لعلك مقتنع بان الليل ما دام متسماً بالظلام فان اية ممارسة سلبية من الممكن ان تحدث فيه بخاصة فيما يتصل بشخصيات الاعداء ومحاولاتهم استغلال الظلام لتمرير نشاطهم العدواني سواءاً كان النشاط متمثلاً بالضرر البدني كالقتل وسواه، او بالضرر المادي كالسرقة وسواها...، من هنا نجد ان الليل يتخذه النص الادبي رمزاً لكل ما هو مثير ومقابل النهار الذي يتخذ رمزاً للخير ويكفي ان القرآن الكريم يشير الى هذا الجانب حينما يستخدم عبارتي الظلمات والنور مثل قوله: (يخرجهم من الظلمات الى النور...). المهم الآن هو ان نقف اولاً عند فقرة التوسل بالله تعالى بان يجعل المساء جنة من كيد الاعداء ثم نحدثكم عن الفقرة الثانية المتوسلة بالله تعالى بان يجعله وقاية من المرديات أي مرديات الهدى .. ونقف الان عند الفقرة الاولى ... فماذا نستخلص؟ من البين ان الاعداء كما ذكرنا يتخذون من المساء وسيلة لتمرير مؤامراتهم بيد ان المؤامرة تتنوع ظروفها، وهذا ما عبر الدعاء عنه بظاهرة الكيد ولعل قارئ الدعاء يتساءل عن سبب انتخاب كلمة الكيد دون سواها للتعبير عن الحقيقة المذكورة ونجيب قائلين: ان الكيد هو الاسلوب الملتوي القائم على الخداع ونحوه وهو امر يتساوق مع طبيعة الليل المظلم الذي يجعل منه ستاراً يختفي خلفه الكيد، وقد انتخب الدعاء كلمة جنة ليشير بذلك الى معنى الستار وهو كلمة منتقاة لانها تتضمن معنى الستر ومعنى النجاة من الشر الكامن من خلف الستار وبهذا يكون المعنى هو التوسل بالله تعالى بان يجعل من المساء وسيلة تحفظ قارئ الدعاء من الكيد الذي يمارسه الاعداء في شتى مستويات الكيد ... وبهذا يستكمل قارئ الدعاء امنه وامانه وحفظه من كل سوء سواءاً اكانت تتصل بما هو فسوق وضلال او بما هو كيد عدو أي ما هو دنيوي واخروي.... وسنرى عندما نقف عند الفقرة الثانية المتوسلة بالله تعالى بان يجعل المساء وقاية من المرديات، مزيداً من تحقيق الامن والحفظ والدين في الميدان المذكور. ختاماً: يتعين علينا ان نستثمر تلاوتنا لهذا الدعاء وذلك بان ندرب ذواتنا على الطاعة واستثمار تحقق الامن والتصاعد بالطاعة الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة (فأجعل اللهم صباحي هذا نازلاً عليّ بضياء الهدى...) - 16 2007-01-13 00:00:00 2007-01-13 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/445 http://arabic.irib.ir/programs/item/445 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من موضوعات متنوعة تتصل بالسلوك العبادي للانسان، ومنها الدعاء المعروف بـ (دعاء الصباح) للأمام علي(ع) حيث يحفل الدعاء المذكور ببلاغة فائقة وبمحتوى غني بما هو ضروري لقارئ الدعاء ... وقد حدثناكم عن الدعاء المذكور في لقاءات سابقة ونواصل حديثنا عن مقاطع جديدة من الدعاء ومن ذلك المقطع القائل: (فاجعل اللهم صباحي هذا نازلاً عليَّ بضياء الهدى وبالسلامة من الدين والدنيا ومسائي جنةً من كيد العدى، ووقايةً من مرديات الهدى).. هذا المقطع مؤلف من ثلاث فقرات حدثناكم عن اثنتين منها ونحدثكم الان عن الفقرة الثالثة وهي: الفقرة التي تتوسل بالله تعالى بان يجعل مساءنا بمثابة وقاية من الهوى المردي او مرديات الهوى وهو ما نبدأ بالقاء الانارة عليه ... لقد سبق ان لاحظنا بان الدعاء المذكور في فقرته المتوسلة بالله تعالى بان يجعل مساءنا جنةً من كيد العدى، انما يتحدث عن العدو وما نتوقع من كيده اياً كان نمط هذا العدو ... ولكننا الآن في هذا المقطع الذي يتحدث عن مرديات الهوى نجد ان التوسل بالله تعالى ينطوي على موضوع اخر لا علاقة له بالعدو المعلوم، بل بعدوٍ آخر هو: هوى النفس، ولذلك عبر الدعاء عن ذلك بـ (مرديات الهوى) فما هو المقصود من العبارة والاستعارة المذكورة؟ بالنسبة الى عبارة "المرديات" تعني "المهلكات" أي: الممارسات المهلكة او المميتة للانسان والموت هنا او الردى ليس الموت البدني بل هو رمز للموت المعنوي المتمثل في ممارسة المعصية. والان اذا عرفنا المقصود من "مرديات الهوى" وهو: المهلكات او المميتات حينئذ نتساءل عن "الهوى" وهو: المهلكات او المميتات حينئذ نتساءل عن "الهوى" وماذا يرمز اليه ... لا نحتاج الى تأمل طويل حتى ندرك سريعاً بان المقصود من "الهوى" هو: كل رغبة او ميل غير مشروع لا يرتضيه الله تعالى يستوي في ذلك ان يكون الهدى متصلاً بما هو رغبة عضوية كالشهوة الجنسية المحرمة او الطعام غير المذكى .... او يكون الهوى متصلاً برغبة نفسية كالكذب والغيبة والبهتان والعدوان و..الخ. فالدعاء هنا يتوسل بالله تعالى ان يجنبنا الوقوع في الهوى غير المشروع حيث سماه بالهوى المردي أي المهلك، وهي تسمية تتسم بالدقة ولك لان ممارسة المعاصي تهلك الشخصية انه الهلاك البدني والنفسي، اما الهلاك البدني فهو النار "اعاذنا الله تعالى منها" واما الهلاك الروحي فهو غضب الله تعالى "اعاذنا الله تعالى منها". بيد ان السؤال الان هو: كيف عبر الدعاء عن الهلاك المذكور؟ نتأمل بدقة حيث نجد ان الدعاء المذكور توسل بالله تعالى بان "يقينا" او كما قال الدعاء بان يجعل مساءنا وقايتها ... ولو لاحظت الفرق بين فقرة سابقة تتحدث عن كيد العدو لامكنك ان تجد فارقاً بين ما توسل به الدعاء بان يجعل الله تعالى مساءنا "جنة" أي ستراً من كيد العدو وبين ان يجعل مساءنا "وقايةً" من الاهواء المردية ... فالستر هناك يعني حاجزاً يحجز العدو من الوصول الينا ... اما الوقاية هنا فتعني ان نقي نحن انفسنا من الوقوع في مرديات الاهواء، أي هناك عدو لا يصل الينا وهنا نفس لا تجنح الى الهوى، وهذا فارق مهم يتجسد في ضرورة ان يتخلص قارئ الدعاء من هجوم خارجي او نزعة داخلية داخل انفسنا، وهي ممارسة المعصية والنجاة من شدائد الحياة ... اذن: امكننا ان نتبين النكات المتنوعة في فقرة الدعاء وهو امر يدعونا الى المزيد من ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة (فاجعل اللهم صباحي هذا نازلاً عليّ بضياء الهدى) - 15 2006-12-09 00:00:00 2006-12-09 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/444 http://arabic.irib.ir/programs/item/444 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة وما تنطوي عليه من البلاغة الفائقة من حيث العبارة ودقائق المعنى وطرافته ومن نماذج ذلك: دعاء الصباح للامام علي(ع) حيث قدمنا في لقاءات سابقة مقاطع متسلسلة من الدعاء المذكور، ونتابع الان مقاطع جديدة منه، ومنها هذا المقطع القائل عن الصباح (فاجعل اللهم صباحي هذا نازلاً عليَّ بضياء الهدى، وبالسلامة في الدين والدنيا، ومسائي جنةً من كيد العدى ...). وهذا المقطع من الدعاء يتضمن كما نلاحظ اشارة الى الصباح والى المساء فما دام الصباح هو المضمون الفكري للدعاء فان المساء يظل هو الامتداد له ماداما يتناوبان ... اذن: لنتحدث عن المقطع المشار اليه ... المقطع يتضمن ـ كما سمعتم ـ جملة فقرات او عبارات او صور، نبدأ باولاها وهي الفقرة القائلة: (فاجعل اللهم صباحي هذا نازلاً عليَّ بضياء الهدى) ... فماذا نستخلص؟ من الواضح ان طبيعة الصباح تقترن بالضياء ونزوله تريجياً ... وهذا ما استثمره الدعاء لكي يقدم لنا صورة جمالية تتحدث عن الصباح وضياءه ولكنها الصورة المعنوية أي استثمار ظاهرة الصباح الحسية وتحويلها الى الظاهرة المعنوية وهي "الهدى" ... طبيعياً الهدى هو الهدف الذي يتطلع العبد اليه في غمرة اضطلاعه بممارسة وظيفته العبادية التي خلق الله تعالى العبد من اجل ممارستها أي الوصول الى معرفة المبادئ التي رسمها الله تعالى وامرنا بان نعمل بموجبها وفق ما هو مطلوب، حيث لا تتحقق المعرفة المذكورة "أي الهدى" الا من خلال مارسمه الله تعالى واوصله النبي(ص) الينا وشرحه المعصومون عليهم السلام لنا. من هنا يتعين علينا ان نستخلص النكات الكامنة وراء التعبير المذكور وهو ان يجعل تعالى صباحنا هذا نازلاً علينا بضياء الهدى ... فماذا نستخلص؟ لا نحتاج الى تأمل طويل حتى ندرك سريعاً بان الدعاء يتحدث عن الصباح الحالي الذي يحياه قارئ الدعاء أي ان كل صباح له شأنه وهو ان ينزله الله تعالى علينا بضياء الهدى ... وهذا اسلوب له فاعليته في توعية العبد وجعله ذاكر الله تعالى دوماً، حيث ان كل صباح ينزل علينا بالهدى ويستمر الى الليل حيث لا يفصله الدعاء عن الصباح وذلك بان يتوسل العبد بالله تعالى ان يجعل مساءه ستراً من الشر على نحو ما سنحدثكم عنه في لقاء لاحق انشاء الله تعالى لكن هدفنا الان هو ملاحظة ظاهرة الصباح وضيائه ونزوله فكيف استثمره الدعاء؟ لقد استثمر الدعاء ظاهرة "ضياء" الصباح، فاستعاره اوجعله رمزاً للهدى وهو هدف العبد، ويلاحظ ان الدعاء عبر عن المعنى المذكور بعملية "النزول" وهو امر قد تسألوا عن نكاته وطرافته فنقول: النزل هو: المجيء الى مكان ما للاستقرار فيه مؤقتاً او دائماً .... ولذلك عندما ينزل ضياء الهدى فهذا يعني انه يستقر في شخصية العبد القارئ للدعاء بمعنى ان العبد سوف تغمر شخصيته اشعة الهدى وبذلك يوفق الى ممارسة وظيفته العبادية وهو المطلوب. اذن: عملية نزل الضياء تعني عملية توفيق الشخصية الى ان ترتدي رداء الهدى وهو امر له اهميته الكبيرة اخذنا بنظر الاعتبار ان "الهدى" قد رمز له بـ"الضياء" والضياء لا يحتاج الى التعريف باهميته التي تتمثل في اضاءة الشيء وجعله لا اشكالية فيه، أي: تجسيد الهدى في اعلى مستوياته المطلوبة. اذن: امكننا ان نتبين جملة من النكات المرتبطة بفقرة الدعاء المذكورة وهو امر يدعونا الى استثمار ذلك والافادة من ضياء الهدى لانارة طريقنا الى ممارسة وظيفتنا والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة (وعلقت بأطراف حبالك أنامل ولائي...) - 14 2006-12-04 00:00:00 2006-12-04 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/443 http://arabic.irib.ir/programs/item/443 لا نزال نحدثكم عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة فائقة في ميدان التعبير عن الحقائق العبادية ومن ذلك دعاء الصباح للامام علي(ع) حيث قدمنا في لقاءات سابقة مقاطع متسلسلة منه ووقفنا عند المقطع القائل (الهي قرعت باب رحمتك بيد رجائي، وهربت اليك لاجئاً من فرط اهوائي، وعلقت باطراف حبالك أنامل ولائي ...)، هذا المقطع من الدعاء يتضمن ثلاث فقرات او عبارات استعارية حدثناكم عن اثنتين منها ونحدثكم الان عن الثالثة، وهي (وعلقت باطراف حبالك أنامل ولائي)... اذن: لنتجه الى ملاحظة هذه العبارة واستخلاص دلالاتها ونكاتها وطرافتها ... لو دققت النظر في هذه الصورة الاستعارية لأمكنكم ملاحظة ما يلي: ان هذه الصورة هي امتداد لا سبقها من الصور فلو عدتم بذاكرتكم الى الصورة الاولى من المقطع لرأيتم بانها تتحدث عن الرجاء لرحمة الله تعالى، واما الصورة الثانية فكانت تتحدث عن الهروب من الذنب واللجوء الى الله تعالى، واما الصورة الثالثة فهي تقف عند محطة خاصة بعد هروب العبد ولجوئه الى الله تعالى، حيث لابد من الوصول الى الهدف بعد الرحلة او الهروب ... وها هو الموقف اوالمحطة التي يقف عندها العبد فما هي املامح السلوك الذي يسم هذه المرحلة انا صورة طريفة ندوعوكم الى مشاهدتها لنستمتع بها ... انها صورة العبد المذنب وقد مدت امامه حبال الله تعالى حبال الرحمة ... اليست الرحمة هي التي تسبق غضب الله تعالى؟ اليست الرحمة هي الباب التي قرعها العبد؟ وها هي الرحمة قد مدت السماء حبالها الى العبد حتى يتشبث بها ... هنا ندعوكم الى ملاحظة المرآة او المنظر من جديد حيث مدت السماء حبالها، وحيث اتاحت للعبد ان يمسك بهذا الحبل ولكن كيف ذلك؟. الصورة تقدم لنا حادثاً طريفاً هو: ان العبد يعلق أنامل يديه باطراف الحبال المذكورة ولكن اية أنامل؟ انها أنامل ولائه لله تعالى، انه العبد المذنب ولكنه ليس المتمرد على اوامر الله تعالى بل هو الموالي لله تعالى ولكنه في لحظة ضعف مارس ذنوباً وها هو يندم عليها ويرجو من الله تعالى ان يغفرها ... هنا يتعين علينا ان نحدثكم عن الرمز المتمثل في ظاهرة "الحبال" والرمز المتمثل في "الانامل"، فماذا يعني كل منهما؟ من البين ان "الحبل" هو الوسيلة التي يعلق عليها الثوب المغسول مثلاً، وعملية الغسل تعني تطهير الثوب من الوسخ، وسخ الذنب، ولذلك فان الرحمة الممتدة من السماء الى العبد سوف يتم بواسطتها تحقيق الطهارة من وسخ الذنوب ... اذن: كم هي طرافة هذه الملامح؟ ثم نواجه رموز "الانامل" وعلاقتها بالتطهير من الذنوب ... الأنامل هي انامل "الولاء" كما ذكر الدعاء ذلك ... فيما ان العبد حينما مارس الذنب لم يكن متمرداً بل كان فريسة للحظات الضعف حينئذ فان عواطفه او اعماقه الحقيقية انما تتمثل في ولائه لله تعالى، وهذا الولاء هو الذي سمح للعبد ان يجسده بمثابة أنامل تتكفل بتعليق الثوب على الحبل "حبل الرحمة" حتى يتطهر وينظف من وسخ الذنب ... اذن: للمرة الجديدة كم نلاحظ من الطرافة التعبيرية هنا ...؟ انها بلاغة الدعاء بلاغة الامام علي(ع). المهم: بعد ذلك هو ان نستثمر نحن قراء الادعية هذا الموضوع وذلك بان نغسل انفسنا من الذنوب ونتشبث برحمته تعالى ونعمق من ولائنا لله تعالى وللنبي(ص) وللمعصومين عليهم السلام ونتصاعد بممارسة الطاعة الى النحو المطلوب. ******* شرح قوله: (وهربتُ اليك لاجئاً من فرط أهوائي) - 13 2006-12-02 00:00:00 2006-12-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/442 http://arabic.irib.ir/programs/item/442 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة العبارة ودقائق المعنى وطرائفه ... ومن ذلك: (دعاء الصباح) للامام علي(ع) حيث يحفل ببلاغة فائقة وقد حدثناكم عن الدعاء المذكور عبر مقاطع متسلسلة منه، ووفقنا عند المقطع القائل: (الهي قرعت باب رحمتك بيد رجائي، وهربت اليك لاجئاً من فرط اهوائي، وعلقت باطراف حبالك انامل ولائي) ... وهذا المقطع كما لاحظناه في لقاء سابق يتضمن ثلاثة عبارات استعارية حدثناكم عن اولاها وهي العبارة القائلة (الهي قرعت باب رحمتك بيد رجائي) ونحدثكم الان عن الفقرة الثانية منه وهي العبارة القائلة: (وهربت اليك لاجئاً من فرط اهوائي) ... فماذا نستخلص منها؟ تتضمن هذه العبارة استعارة واضحة هي هروب العبد من اهوائه الكثيرة واللجوء الى الله تعالى ... ومع ان هذه الاستعارة تتسم كما اشرنا بالوضوح الا ان جملة نكات يمكن ان نستخلصها من ذلك ... والنكتة المهمة هنا هي عملية الهروب الى الله تعالى واللجوء واليه ... والنكتة الاخرى تتمثل في سبب عملية الهروب الا وهي الاهواء الكثيرة التي صدر عنها العبد ... ولنتحدث اولاً عن الاهواء فنقول: الاهواء جمع هوى وهو كل ما ينصاع اليه الانسان من المتاع او اللذة التي يحصل عليها هنا ينبغي ان نفرق بين نمطين من الميول او الرغبات او الاهواء التي ينصاع اليها الانسان، ونحن نعلم بان البحث عن اللذة او المتعة تشكل التركيبة البشرية حيث لا يمكن لاي انسان ان يصدر في سلوكه الا عن اللذة او متعة؟ كل ما في الامر ان اللذة تتحدد في نمطين احدهما اللذة الموضوعية أي اللذة المشروعة التي سمح لنا الله تعالى بتحقيقها كاللذة الحاصلة من الطعام والشراب والجنس وغيرها، حيث رسم لنا الله تعالى طرائق اشباعها من خلال ما هو محلل من الطعام والشراب والجنس "كما الزواج المشروع" ... واما النمط الاخر فهو الاشباع المطلق أي غير المقيد بمبادئ الله تعالى كالطعام غير المذكى او الجنس غير المشروع او السرقة او العدوان او .... والان مع معرفتنا البديهية بهذين النمطين من الاشباع يمكننا ان نتبين معنى قوله(ع): (وهربت اليك لاجئاً من فرط اهوائي) حيث يقصد بالاهواء الرغبات او الميول او الاشباع غير المشروع من اللذة وهو ما ينسحب عليه من مصطلح المحرمات أي ما حرمه الله تعالى وحتى ما كرهه تعالى في بعض الممارسات واذا كان الامر كذلك أي اذا كان العبد قد مارس سلوكاً يقوم على الاهواء والميول غير الشرعية فماذا نتوقع من العبد. نتوقع من العبد ان يتوب من ممارساته المذكورة ويتجه الى الله تعالى ليغفر الله له. وهذا ما عبرت الفقرة من الدعاء عنه بالقول: (وهربت اليك لاجئاً) ... فماذا نستخلص منها؟ من البين ان عملية الهروب هي سلوك اضطراري يصدر الانسان عادة عنه كما لو هرب من النار المشتعلة او السلاح او ...، حيث ان عدم الهروب يسبب هلاكه كالاحتراق بالنار او القتل بواسطة السلاح .... من هنا نفهم دلالة قول الامام(ع) على لسان العبد: (وهربت اليك لاجئاً) حيث ان المذنب مضطر الى الهروب من غضب الله تعالى وعقابه ومضطر الى ان يلجأ الى الله في الشدائد. اذن: عملية الهروب من الذنب اولاً، ثم عملية اللجوء الى الله تعالى ثانياً، قد جسدها الامام علي(ع) في الاستعارة القائلة: (وهربت اليك لاجئاً من فرط اهوائي)... اذن: امكننا ان نتبين النكات الكامنة وراء العبارة المذكورة .... بيد ان الاهم هو: ان نستثمر هذه المناسبة فنهرب الى الله تعالى لاجئين وان نتلافى الماضي بممارسة الطاعة، والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة (الهي قرعتُ باب رحمتك بيد رجائي...) - 12 2006-11-27 00:00:00 2006-11-27 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/441 http://arabic.irib.ir/programs/item/441 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة وما تنطوي عليه من المعرفة العبادية بالاضافة الى خصائصها البلاغية من حيث عباراتها المتسمة بدقائق المعنى وطرافته ونكاته ... من نماذج ذلك ما سبق ان حدثناكم عنه في لقاءات ماضية تمثيلاً في دعاء الصباح للامام علي بن ابطالب(ع) حيث قدمنا مقاطع متسلسلة منه وها نحن الان نتابع احد مقاطعه الجديدة عبر قوله(ع): (الهي قرعت باب رحمتك بيد رجائي، وهربت اليك لاجئاً من فرط اهوائي وعلقت باطراف حبالك انامل ولائي ...). هذا المقطع من الدعاء يتضمن كما نلاحظ ثلاثة عبارات استعارية تتناول كل واحدة منها ظاهرة نفسية او عبادية تتصل بالرجاء من الله تعالى والهروب الى الله تعالى والولاء له تعالى. العبارة او الاستعارة الاخرى تتمثل كما مر عليكم بقوله(ع): (الهي قرعت باب رحمتك بيد رجائي)، ونحسبكم مستوعبين بوضوح دلالة الاستعارة المذكورة لانها ببساطة تقول ان العبد طرق باب الرحمة بيد الرجاء من الله تعالى فنحن الان امام الرحمة من الله تعالى وامام الاسلوب الذي نتبعه في طلب الرحمة من الله تعلى من جانب آخر، ولعلكم تتذكرون في لقاءات سابقة ان مفهوم "الرحمة" قد تناوله هذا الدعاء ولكنه ورد في سياق مختلف عن السياق الذي ورد فيه الآن وهذا هو احد اساليب البلاغة في طرح مختلف الموضوعات من خلال ما هو مشترك فيما بينها مثل مفهوم الرحمة كما سنلاحظ الان ... ان مفهوم الرحمة طرحه الدعاء سابقاً في سياق خاص هو ان الله تعالى يبادر عباده بالرحمة ابتداء من غير سؤال من العبد او من غير جزاء له على عمل طاعة اما الان فان "الرحمة" تتناول موضوعاً آخر هو ان العبد يطلب من الله تعالى ان يمده بالرحمة ... اذن: السياقان مختلفان كل الاختلاف السياق الاول للرحمة هو انه تعالى يبتدئ عبده بالرحمة اما السياق الآخر فان العبد هو يطلب الرحمة والفرق واضح بينهما كما هو بين ... لكن لندع هذا الجانب الفني ونتجه الى الدلالة فماذا نلحظ؟ كما قلنا العبارة هنا استعارية تتصل بطلب الرحمة من الله تعالى ولكن الطلب يتم بصورة فنية هي ان الامام علياً(ع) جعل للرحمة "باباً" وجعل لطلبها "يداً" ولكنه ليس الطلب العادي بل الطلب المتمثل في "الرجاء" من الله تعلى أي ان العبد يطرق باب الرحمة بيد من رجاء والسؤال الان هو ما هي النكات التي نستطيع استكشافها من الاستعارة المذكورة؟ من الواضح ان الباب هي الوسيلة للدخول الى المكان المطلوب، ومن الواضع ايضاً ان الباب لا يمكن ان تخترقها الى في حالة كونها مفتوحة، ومن الواضح ثالثاً ان فتح الباب قد يتم بعد طرقها، وقد يتم احياناً فتحها ابتداءاً ولكن كما قلنا بما ان العبد في سياق طلب الرحمة فلابد وان يطرق الباب حتى لو كانت مفتوحة وذلك باذن الدخول ... اذن: طرق الباب لامناص منه للدخول الى ساحة الرحمة من الله تعالى. وها هو العبد القارئ للدعاء يطرق باب الرحمة ولكن كيف تطرق الباب؟ الطرق هنا بيد الرجاء لا بمطلق السلوك فما دام العبد القارئ للدعاء يقر بتصوره وتقصيره امام الله تعالى فلابد وان يركن الى الرجاء والى الام والى التوقع ...، كي يظفر بما يطمح اليه ... وحتى العبد اذا كان في مقام الطاعة المطلوبة فلابد من ان يرجو بصفة ان الله تعالى يتسم بالعظمة حيث ان مجرد تصورنا لله تعالى يظل مصحوباً بالخشوع والرهبة بل كما هو دأب الصالحين يقترن وقوفهم امام الله تعالى بالرجفة كالسعفة او الخشوع كالخشبة .... والمهم في الحالات جميعاً يظل التوسل بالله تعالى بان يشملنا برحمته مقروناً بعملية نفسية هي الرجاء من الله تعالى بان يغدقها علينا وهذا ما تكفلت الاستعارة المذكورة بتجسيده.. ختاماً: لامناص لقارئ الدعاء من ان يستثمر تلاوته لهذا المقطع من الدعاء وذلك بان يطرق باب الرحمة من الله تعالى وهو امر يتطلب بدوره ان يحرص على ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة (الهي ان لم تبتدئني منك الرحمة بحسن التوفيق) - 11 2006-11-25 00:00:00 2006-11-25 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/440 http://arabic.irib.ir/programs/item/440 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من دقائق المعاني ونكاتها وطرافتها ومن ذلك ما حدثناكم عنه في لقاءات سابقة، ونعني به دعاء الصباح للامام علي(ع) حيث مرت بنا مقاطع متسلسلة منه ووقفنا عند المقطع القائل (الهي ان لم تبتدئني الرحمة منك بحسن التوفيق فمن السالك بي اليك في واضح الطريق)، وفي حينه حدثناكم عن القسم الاول من المقطع وهو الفقرة القائلة (الهي ان لم تبتدئني الرحمة منك بحسن التوفيق)، وقلنا ان هذه الفقرة قد استهلت الكلام بالاشارة الى رحمة الله تعالى واوضحنا ان الرحمة هي الصفة المفسرة لنا احد جوانب العظمة لله تعالى وانها تشمل العام والخاص ولا تقتصر على الاجر ... ولكننا تساءلنا قائلين: لماذا سبقت الرحمة كل شيء بالنسبة الى سلوكنا بحيث ابتدأ الله تعالى بها قبل ان نسأله ذلك؟ ونحاول الاجابة على السؤال المتقدم فنقول: مما لاشك فيه ان الله تعالى يتعامل مع العبد بمقدار ما يمارس من الطاعة أي بمقدار ما يعرفه سلفاً مما يصدر عن العبد من الطاعة بالاضافة الى انه تعالى يرتب اثراً على العبد ايضاً بعدما يمارس الطاعة، ونضرب مثلاً على ذلك ... لنفترض ان الله تعالى قد عرف سلفاً قبل ولادة العبد او قبل بلوغه انه سيمارس الطاعة بنحوها المطلوب، حينئذ سوف يكيف شخصيته بما يتناسب مع الطاعة المذكورة وسوف يفتح له طرقاً تيسر له ممارسة العبادة ويهديه الى ما هو خير له من اقصر الطرق الى بلوغ ذلك ... والعكس هو الصحيح ايضاً وهو ما يفسر لنا قوله تعالى (يضل من يشاء) أي بما ان العبد قد اختار السلبي من السلوك فان الله تعالى سوف لا يفتح له طرق الخير كأن يختم على قلبه بحيث لا يفلح ابداً وهو امر اشارت التوصيات الاسلامية اليه ... لكن: بغض النظر عن ذلك كله نجد ان رحمة الله تعالى تبدأ مع العبد حتى في حالته السلبية ... كيف ذلك؟ ان العبد ليذنب ويتوب او يذنب ولا يتوب بداية بل يؤجل ذلك، او يذنب ويتوب ويستمر في ذلك .. لكن مع هذا الاستمرار نجد ان الله تعالى يفسح له المجال ليتوب في النهاية او يهيء له سبلاً لادراك الخير فيتوب في النهاية، وهذا يعني ان الله تعالى قد ابتدأ بالرحمة قبل ان يصدر من العبد ما يستحقه من ذلك. اذن: الرحمة عندما تسبق السلوك سواءً أكان العبد ابتداءً قد مارس الطاعة او مارسها بعد المعصية ففي الحالتين نجدا ن الرحمة هي السابقة من الله تعالى للعبد وهو امر يكشف ـ كما قلنا ـ عن احد جوانب عظمة الله تعالى بالاضافة الى الجانب الذي يتمثل في وجود الرحمة المطلقة اساساً للعامة وللخاصة. واذا عرفنا ذلك نتجه الى الفقرة ذاتها لنواجه موضوعاً هو التوفيق ... فماذا تعني هذه العبارة؟ لنقرأ من جديد (الهي ان لم تبتدئني الرحمة منك بحسن التوفيق ...). الرحمة هنا يحددها الدعاء في موضوع خاص هو التوفيق لممارسة الطاعة وكما سنرى عندما نصل الى الفقرة الثانية القائلة فمن السالك بي اليك في واضح الطريق. هنا لا نجدها بحاجة الى التذكير بان نجاح العبد في ممارسة وظيفته العبادية تبعاً لقوله تعالى: (وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون) انما يعتمد على توصيفه الى الممارسة المذكورة ... ان الله تعالى طالما يؤكد لنا بان اكثر الناس (لا يعلمون، لايفهمون، لا يشكرون ...)، مما يعني ان القلة من الناس وليس "الكثرة" هم الذين يوفقون الى ممارسة الطاعة بنحوها المطلوب. لذلك: فان "التوفيق" الى الطاعة يجسد اهمية عظمى بل هي المطلوب الرئيس من العبد في تجربة خلقه اساساً وهذا يقتادنا الى ادراك الاهمية العظمى للرحمة من الله تعالى حيث تتجسد الرحمة هنا في تحقيق التوفيق الى الطاعة ... وهل ثمة مطلوب آخر غير الطاعة؟ اذن: تبين لنا جانباً من النكات الكامنة وراء الفقرة المقررة بان الله تعالى هو البادئ برحمته بالنسبة الى جعل عبده يوفق الى ممارسة الطاعة، وهو امر يدعونا الى مزيد من عمليات الشكر لله تعالى وتدريب ذواتنا على مزيد من الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شمولية الرحمة الالهية وحاكميتها على العلم والقدرة / شرح قوله (عليه السلام): (الهي ان لم تبتدئني الرحمة بحسن التوفيق...) - 10 2006-11-22 00:00:00 2006-11-22 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/439 http://arabic.irib.ir/programs/item/439 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة العبارة ودقائق المعاني فضلاً عما تنطوي عليه من تقديم المعرفة العبادية في مختلف الميادين ... ومن ذلك ما حدثناكم عنه من "دعاء الصباح" لامير المؤمنين علي(ع) حيث قدمنا في لقاءات سابقة مقاطع متسلسلة من الدعاء المذكور، ونقف الان عند مقطع جديد منه وهو قوله(ع): (الهي ان لم تبتدئني الرحمة منك بحسن التوفيق فمن السالك بي اليك في واضح الطريق ...)، هذه العبارة او الفقرة من الدعاء تتضمن استعارة واضحة تتحدث عن الرحمة والتوفيق والسلوك، وهي دلالات لا تحتاج الى توضيح من حيث المعنى العام لها، ولكن من المفيد القاء الانارة على جوانب متنوعة منها، حيث ان النكات التي يمكن ان نستخلصها من ذلك، تظل متسمة بالاهمية ... اذن: لنتحدث عن ذلك، ان الفقرة المتقدمة من الدعاء تتضمن التوسل بالله تعالى بان يوفقنا الى معرفة الطريق الواضح لمبادئ الشريعة والا فان العبد اذا لم يتفضل الله تعالى بهدايته حينئذ يضل طريقه دون ادنى شك هذا المعنى العام للفقرة المذكورة قد صيغ بعبارة استعارية هي ان الله تعالى اذا لم يبتدئ بحسن التوفيق لعبده حينئذ لا سبيل الى ان يسلك طريقاً للوصول الى الله تعالى في واضح الطريق ولنقرأ العبارة من جديد: (الهي ان لم تبتدئني الرحمة منك بحسن التوفيق، فمن السالك بي اليك في واضح الطريق...). ان قارئ الدعاء مدعو الى ان يدقق نظره في العبارة المذكورة حيث سيظفر بدلالات ونكات تتسم بالاهمية الكبيرة في ميدان السلوك العبادي الذي خلقنا الله تعالى من اجله ... كيف ذلك؟ ان اول ملاحظة في هذا النص هي الاشارة الى رحمة الله تعالى حيث قال الدعاء (الهي ان لم تبتدئني الرحمة منك بحسن التوفيق)، ان قارئ الدعاء من الممكن ان تمر الاشارة المذكورة عليه دون ان يمعن النظر فيها حيث ان مفهوم الرحمة من الله تعالى يظل هو المفسر لنا عظمة الله تعالى فيما لا حدود لرحمته، وهو امر ينبغي ان نتبينه في غمرة بحثنا عن مفهوم التوحيد ان الله تعالى "قادر" على كل شيء وعالم بكل شيء، ولكن القدرة والعلم حينما لا ينفصلان عن الرحمة عندئذ نتبين العظمة من الله تعالى ... كيف ذلك؟ لو لاحظنا التجربة البشرية في ميدان السلوك نجد ان القوي لا يرحم الضعيف وان العلم لا يوظف من اجل الخير فاذا كان الامر كذلك فان العدوان او الشر يظل هو السائد وهذا ما نشاهده تجربياً على العكس مما لو اقترن العلم بالخير واقترنت القوة كذلك به عندئذ يعم السلام بدلاً من العدوان كما هو واضح من عنا حينما تتداعى باذهاننا الى عظمة الله تعالى نجد ان الرحمة هي التي تسبق غضبه تعالى، وانها تعم الجميع بما فيهم المنحرف عن مبادئ الله تعالى حيث نعرف بان الله تعالى وصف ذاته المقدسة بانه "الرحمان الرحيم" والرحمان كما ورد عن اهل البيت عليهم السلام تعني الرحمة العامة للبشر، واما الرحيم، تعني الرحمة الخاصة للمؤمنين ... اذن: نستخلص مما تقدم اهمية هذه الصفة التي بدأ بها الدعاء حينما اشار الى رحمة الله تعالى قبل كل شيء. ليس هذا فحسب بل نجد ان الرحمة هنا لا تأتي بعد الاختبار للبشر بل قبل ذلك، وهو ما اشارت الفقرة اليه عندما قالت (الهي ان لم تبتدئني منك الرحمة ...)، وهذا ما سنحدثكم به مفصلاً في لقاء لاحق ان شاء الله. اخيراً: يتعين علينا ان نستثمر رحمته فنشكره على ذلك ونتصاعد بممارسة الطاعة الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة (صلّ على الدليل اليك في الليل الأليل) - 9 2006-11-20 00:00:00 2006-11-20 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/438 http://arabic.irib.ir/programs/item/438 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة فائقة ونكات متنوعة ومعرفة مكثفة ومن ذلك الدعاء المعروف بـ"دعاء الصباح" للامام علي(ع) حيث حدثناكم عن هذا الدعاء بنحو متسلسل ووصلنا الى مقطع جديد يبدأ بقوله(ع): (صلِِِّ اللهم على الدليل اليك في الليل الأليل ...). هنا قد يجد قارئ الدعاء جملة عبارات تتسم بشيء من الغموض الا ان النصوص الشرعية بنحو عام تجنح الى الوضوح من جانب ولكنها في سياقات خاصة تجنح الى الغموض، وهو "الغموض" المحبب بطبيعة الحال حيث يتطلب تأملاً بعض الشيء ... وهذا النمط من العبارة يجب كما قلنا في سياق نادر والهدف منه هو مشاركة القارئ في استخلاص الدلالة بصفة ان قارئ الدعاء او أي نص آخر يجد امتاعاً حينما يسهم في محاولته لكشف المعنى بالاضافة الى ان امثلة هذه المحاولة تثري ذهنه وتنمي القابلية الفكرية لديه فتزداد مهارته العقلية دون ادنى شك. المهم: نحاول في لقاءنا ان نسهم بدورنا في اكتشاف الدلالات التي يختزنها الدعاء في عباراته المشفوعة بشيء من الضبابية المحببة. ونبدأ بالفقرة المتقدمة أي فقرة (وصلِّ اللهم على الدليل اليك في الليل الأليل ...) فماذا نستخلص منها؟ قبل ان نجيبكم عن السؤال المتقدم نذكركم باننا امام دعاء خاص يتصل بالصباح والصباح هنا كما كررنا ليس مجرد وصف لظاهرة كونية من ابداع الله تعالى فحسب بل هو تذكر لنا بمهماتنا العبادية التي خلقنا من اجلها وسنرى كيف ان الدعاء يستثمر شروق الصباح ليدعو الله تعالى بان يفتح لنا مع افتتاحه الرحمة والصلاح وسائر ما نعنى بامثلته في غمرة ممارستنا العبادية ... ومادام الامر كذلك، فان الدعاء حينما يقارن بين الصباح وبين المساء مثلاً كما لاحظنا ذلك في مقطع اسبق انما يلفت نظرنا من جانب الى ان الليل بدوره ظاهرة ابداعه ولكن من جانب آخر يستخدم الامام ظاهرة الليل يجعلها رمزاً لما هو سلبي كاستخدام القرآن الكريم مثلاً للظلمات والنور حينما يستخدم الرمز الاول وهو الظلمات يشير الى الكفر والضلال او مطلق ما هو سلبي مقابل النور الذي يشير الى ما هو ايجابي كالايمان والخير و.... المهم هو: ان نتجه الان الى ما يقدمه دعاء الصباح من فقرة جديدة تتصل بما هو مضاد للصباح او النور فيقول (صلِّ اللهم على الدليل اليك في الليل الاليل...)، حيث آن لنا ان نتحدث عن هذا الرمز ... واضح ان الدعاء يتوسل بالله تعالى ان يصلي على محمد(ص) ولكنه انتخب رمزاً قد استثمره في هذا الجانب الا وان محمداً(ص) دليل الى الله تعالى ... ولكن متى انه دليل في (الليل الاليل). هنا يتعين علينا ان نتأمل قليلاً لنستخلص جملة دلالات من الرمز المذكور فأولاً نجد ان الامام علياً(ع) وصف "الليل" بانه "أليل" هذا اولاً لكن قبل ذلك، توسل بالله تعالى ان يصلي على محمد(ص) في الليل الاليل ... والسؤال هو لماذا خصص الصلاة في الليل الأليل مع ان الصلوات على محمد وآله تطلق في سياقات متنوعة غالبها هو مطلق الصلوات تذكيراً لنا بأهمية رسول الله تعالى بصفته رسولاً يوصل الى الآخرين مبادئ الله تعالى. للمرة الجديدة نقول: ان الامام علياً(ع) استثمر ظاهرة الصباح واتجه الى ضدها وهو الليل، ووصفه بـ"الأليل" وذلك ليذكرنا بان محمداً(ص) هو الدليل الذي ارسله تعالى للبشرية وسواهما وذلك في بيئة الضلال التي خيمت على الوجود فجعله دليلاً يسترشد به السائرون في الظلام حتى يصلوا الى مواقع النور، وهو الايمان بالله تعالى، وبرسوله، وبعترته الطاهرة وبالمبادئ التي جاءت الشريعة بها ... وواضح ان التعبير بصيغة "الأليل" تعني الظلم الشديدة والطويلة فيكون الرسول(ص) رمزاً ليبدد هذه الانحرافات كما هو واضح والمهم هو ان نستثمر نحن القراء للدعاء المذكور هذا الجانب وذلك بالتمسك بمبادئ الرسول(ص) وبمبادئ العترة الطاهرة وذلك بممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة (يا من أرقدني في مهاد أمنه ... بيده وسلطانه) - 8 2006-11-18 00:00:00 2006-11-18 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/437 http://arabic.irib.ir/programs/item/437 لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة وما تحفل به من بلاغة فائقة بخاصة فيما يتصل بالصور الاستعارية والرمزية وسواها مما تسهم جميعاً في تعميق المعنى وفي اثراء معرفتنا بالحقائق العبادية في ميدان العقائد والاحكام والاخلاق ومن النماذج التي نلاحظها في هذا الميدان هو "دعاء الصباح" للامام علي(ع) حيث حدثناكم عن مقاطع من الدعاء المذكور ووقفنا عند المقطع القائل: (يا من ارقدني في مهاد أمنه وأمانه وايقظني الى ما منحني من مننه واحسانه، وكفَّ أكفَّ السوء عني بيده وسلطانه...). هذا المقطع من الدعاء يتضمن ثلاثة فقرات كل واحدة منها تجسد صورة استعارية عميقة وطريفة... وقد حدثناكم عن الصورة الاولى وهي: (يا من ارقدني في مهاد امنه وامانه) .. حدثناكم عن هذه الصورة الاستعارية في لقاء سابق ونحدثكم الان عن الصورة التالية لها وهي: (وايقظني الى ما منحني به من منه واحسانه) ... فهذه الصورة كما نلاحظ تشكل مقابلاً للصورة السابقة من حيث النكات التي تتضمنها وهذا ما نرمي الى القاء الانارة عليه الآن ... لعلكم تتذكرون بان الفقرة الاولى من هذا المقطع أي القائل: (يا من ارقدني في مهاد امنه وامانه) قد تضمن ظاهرة هي الرقاد أي تحدثت عن ظاهرة الرقاد في فراش الامن ... واما الظاهرة الثانية فقد تحدثت عن الايقاظ عكس الرقاد أي ان الله تعالى ارقدنا على فراش الامن ثم ايقظنا على ما تفضل به علينا من المن والاحسان .. فهنا ايقاظ وهناك انامة، هنا رقاد وهناك النوم. اننا ندعوكم الى ان تتأملوا بدقة طرافة المعنى من حيث التضا والتماثل فالتضاد هو في النوم واليقظة والتماثل هنا العطاء من الله تعالى لكن النوم هو على الامن والامان واما اليقظة فعلى المن والاحسان.. أي انه تعالى بعد ان جعلنا راقدين من حيث الامن لا يعكر من صفونا أي اذى تفضل بعد ذلك وايقظنا على عطاء جديد هو المن والاحسان. ونتساءل ما هو المن وما هو الاحسان؟ المن هو ما ينعم به الله تعلى على العبد من دون تعب صادر من العبد، واما الاحسان فهو الانعام مطلقاً من الله تعالى. هنا يستهدف الدعاء لفت نظرنا الى ان الله تعالى متفضل علينا في الحالات جميعاً سواء اصدر منا جهد في ممارسة الطاعة او كان ذلك اعم. فالمنعم على العبد وهو الله تعالى لا يقف عطاؤه عند حد محدود بل يتجاوز ذلك الى ما لا يحصى من النعم. واخيراً: نواجه الصورة او الفقرة الثالثة وهي: انه تعالى (وكفَّ اكفَّ السوء عني بيده وسلطانه) ... هذه الصورة الاستعارية بدورها تحمل عطاءً من نمط اخر من عطاءات الله تعالى ... فالله تعالى لم يرقدنا في فراش الأمن فحسب ولم يوقظنا على الأحسان فحسب، بل تفضل ودفع عنا كل سوء يصدر من الناس او سواهم، حيث كفَّ عنا اكفَّ السوء من خلال يده التي هي فوق ايدي الناس ومن خلال سلطته التي يهيمن بها على الموجودات جميعاً ... ختاماً: نلفت نظركم الى جمالة هذه الصورة من حيث تجانسها الصوتي ايضاً، حيث عليك ان تتحسس جماليتها حينما تلاحظ ان عبارة (كفَّ أكفَّ السوء) انها تشمل على لغة مشتركة والحروف الاربعة "الاكف" ثم مقابلتها أي: "الأكف" من "السوء" باليد من الله تعالى وسلطانه حيث جانست الصورة وقابلت بين يد الله تعالى التي تدفع السوء وبين يد الاخرين الذين يمارسون السوء. اذن: ينبغي ان نتوقف امام هذه الصياغات الغنية التي نسبها الدعاء للتعبير عن نعم الله تعالى على عبده ومن ثم ينبغي ان نشكره تعالى على ذلك وان نواصل الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة (يا من أرقدني في مهاد أمنه وأمانه وأيقظني الى ما منحني به من مننه وإحسانه وكف أكف السوء عني بيده وسلطانه) - 7 2006-11-15 00:00:00 2006-11-15 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/436 http://arabic.irib.ir/programs/item/436 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة العبارة ونكاتها، فضلاً عما تنطوي عليه من مخزون معرفي يمد القارئ للدعاء بما يعمق من معرفته بمعاني التوحيد وعظمة الله تعالى ومن جملة ذلك الدعاء المعروف بدعاء الصباح لأمير المؤمنين (ع) حيث حدثناكم عن مقاطع متسلسلة منه ووصلنا الى مقطع جديد هو (يا من ارقدني في مهاد امنه وامانه، وايقظني الى ما منحني به من مننه واحسانه وكفَّ اكفَّ السوء عني بيده وسلطانه...) ان هذا المقطع من الدعاء يحفل بنكات متنوعة من طرافة المعنى ودقائقه مضافاً الى ما يطبعه من الجمال الفني المتمثل في تجانس اصواته من نحو قوله (ع) (امنه وامانه)، مثل قوله (ع): (وكفَّ اكفَّ السوء)، وفي توازن عباراته مثل (يده وسلطانه، مننه واحسانه، امنه وامانه) .. وهكذا والمهم الآن هو ان نتجه الى طرافة مضموناته حيث يتعين علينا ان نلقي الاضاءات المتنوعة عليه وهذا ما نبدأ به ... ان اول ما يستوقفنا من الدعاء هو الاستعارة التي تتحدث عن رحمته تعالى متمثلة في انه تعالى ارقد عبده في مهاد امنه وامانه.. فهنا نواجه ثلاث ظواهر هي: المهاد، والامن، والامان... والسؤال هو اولاً: ما هو الفارق بين الامن والامان؟ ثم قبل ذلك ماذا نستخلص من عملية الرقاد في المهاد؟ بالنسبة الى المهاد، فان المقصود به هو الفراش، وحينما يقول الدعاء: (يا من ارقدني في مهاد امنه وامانه) فهذا يعني ان الله تعالى جعل عبده نائماً في فراش خاص هو الامن والامان.... ولا نعتقد اننا بحاجة الى ان نتحدث عن الفراش والنوم، وما تحققه هاتان الظاهرتان من اشباع كبير لحاجات الشخصية فالرقاد اساساً هو عملية تحقيق لتوازن الشخصية بحيث ذكر علماء النفس بان الحرمان من النوم لايام معدودة يسبب اضطرابات نفسية وعقلية تنتهي بالشخصية الى الجنون او الموت ... واما الفراش او المهاد فلا يحتاج الى توضيح لمعطياته حيث يجسد ترفاً في عملية النوم معمقاً بذلك توازن الشخصية... والآن اذا انقلنا هذه الحاجة وهي النوم وادانة المترفة وهو الفراش الى تحقيقه لامن الشخصية وامانها حينئذ سنظفر بمعاني عميقة او مستويات العطاء الكبير من الله تعالى في توفير الامن والامان للشخصية. اذن: نتحدث عن الامن والامان ... الامن او الامان او كلاهما يرتبطان باحد دوافع الشخصية وهو ما يسمى بالحاجة الى الامن ولكن ينبغي ان نتحدث عن الامن والامان بمصطلحهما وقبل ذلك ينبغي ان نوضح دلالتهما والفارق بينهما ... يشير اللغويون الى ان الامان يعني الاطمئنان واما الامن فيعني الوثوق والركون ...، فاذا جمعنا بينهما حينئذ تظل النتيجة هي ان الشخصية تحيا آمنة لا يعكر صفوها قلق او خوف او اضطراب او تهديد لحياتها فهي من جانب آمنة من حيث عدم نزل الشدة عليها وهي آمنة من جانب آخر من حيث ركونها الى جهة تثق بها أي السماء التي تتكفل بحمايتها. وبمقدور أي شخص ان يستكشف اهمية الدافع الى الامن واعتباره واحداً من اهم دوافع الشخصية التي يجمع علماء النفس على ذروة اهميتها حيث ان عدم الامن وعدم المان يفضيان الى عدم استقرار الشخصية بحيث لا تجد طعماً لحياتها ما دامام يتهددها عدو بالقتل، او الضرب او الاذى النفسي وفي ضوء ذلك جميعاً يمكننا ان نتبين مدى رحمته تعالى في جعله الشخصية راقدة في فراش الامن والامان بحيث تحقق الذرى من اشباع حاجاتها وبذلك يتحقق التوازن النفسي الذي يطمح الى بلوغه البشر جميعاً. اخيراً: يتعين على قارئ الدعاء ان يستثمر تلاوته للدعاء في مقطعه الذي تحدثنا عنه وذلك بان يشكره تعالى على تحقيقه للأمان والأمن وان يواصل طاعته لله تعالى ويتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة (يا من قرب من خطرات الظنون وبَعُدَ عن لحظات العيون) - 6 2006-11-13 00:00:00 2006-11-13 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/435 http://arabic.irib.ir/programs/item/435 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من دقائق المعاني فضلاً عن الثروة المعرفية بمبادئ التوحيد ومبادئ النبوة ومبادئ الامامة وسائر المعرفة العقائدية، ومن ذلك ما يتصل بالظواهر الكونية ومنها ظاهرة ابداع الله تعالى لحركة الشمس وانعكاساتها على حركة الليل والنهار حيث تكفل احد ادعية امير المؤمنين(ع) المسمى بدعاء الصباح بمسألة او ظاهرة الصباح بصفته اول النهار واول اليوم الجديد من عمر الانسان وصلته بمهمة الانسان اساساً وهي ممارسة وظيفته العبادية وقد حدثناكم عن مقطع متنوعة من هذا الدعاء بحسب تسلسله ونواصل الان تناولنا لمقطع جديد منه وهو المقطع القائل (يا من قرب من خطرات الظنون وبعد عن لحظات العيون ...)، هذا المقطع مقدمة للحديث عن الصباح ودعاء الانسان وتوسله بالله تعالى بان يفتح لنا الرحمة مع اطلالته أي اطلالة الصباح ولسوف نتحدث عن هذا الجانب ان شاء الله تعالى الا اننا في هذه الفقرة من الدعاء نتناول المقدمة التي تتحدث عن الله تعالى من حيث تصوراتنا او استجاباتنا لله تعالى وهو امر يتطلب مزيد من التوضيح بصفة ان الله تعالى منزه عن مقارنته بمخلوقاته وهو ما عرض له الدعاء قبل هذا المقطع وحدثناكم عنه في لقاء سابق عندما اوضحنا معنى قوله(ع) (يا من دل على ذاته بذاته وتنزه عن مجانسة مخلوقاته ...)، وها هو الدعاء يحدثنا عن كيفية التدليل على ذاته وكيفية عدم مجانسته لمخلوقاته حيث يقول عن الله تعالى بانه (قرب من خطرات الظنون وبعد عن لحظات العيون)، وهذا يعني ان الامام علياً(ع) يقدم لنا جواباً عن المقطع المتقدم الذي ينزه الله تعالى عن مجانسة مخلوقاته، ونعتقد بانكم ستطالبوننا الان بتقديم الاضاءة لهذا الجانب فنقول: ان عدم مجانسة الله تعالى لمخلوقات يعني انه ازليٌّ لم يلد ولم يولد، ولذلك كيف يمكننا تصوره تعالى وهذا هو السؤال ... واما الجواب فهو ما قرره الدعاء عندما قال: (يا من قرب من خطرات الظنون وبعد عن لحظات العيون)، ان الفقرة الاخيرة توضح بجلاء ان الله تعالى لا يرى بالعين أي هو غير حسي غير حادث بل هو ازليٌّ كما كررنا. ولكن اذا كان شيء كذلك، فكيف نتعامل مع الله تعالى؟ الفقرة الاولى تجيبنا عن السؤال المتقدم ... فماذا تقرر؟ الفقرة تقرر ما يلي (يا من قرب من خطرات الظنون)، ترى ما المقصود من قرب وما المقصود من الخطرات وما المقصود من الظنون؟ بالنسبة الى الخطرات وما تعنيه من الدلالة يظل الامر من الوضوح بمكان وذلك لان الخطرات تعني ما يخطر ويمر على ذهن الانسان من معاني ولكن دون ان يكتسب هذا الخطور الذهني ثباتاً للمعنى بل يظل حائماً حوله ... من هنا قرر الامام علي(ع) من اننا اذا اردنا ان نفكر في الله تعالى يظل المتفكر حائماً على خطرات الذهن لان التفكير المحدود وهو تفكير الانسان لا يمكن ان يتجاوز ما لا حدود له وهو الله تعالى ان عظمته لا حدود لها ورحمته تعالى لا حدود لها وعلمه تعالى لا حدود له وهكذا. واما ذاته المقدسة فلا يمكن الحديث عنها لاستحالة ذلك .. لكن هذا لا يحتجز الانسان من ان يتصور العظمة والرحمة والعلم في حدود قابلياته ويصل الى اليقين المعرفي بالله تعالى وذلك من خلال فطرته على التوحيد اولاً ومن خلال استدلاله العقلي ثانياً. اذن: ماذا نستخلص من هاتين العبارتين: (يا من قرب من خطرات الظنون وبعد عن لحظات العيون)، بالنسبة الى "الظنون" نجد ان المصادر اللغوية تشطرها الى قسمين احدهما ان الظن بمعنى العلم والاخر ان الظن بمعنى الاحتمال بين ان السياق الذي ورد في الدعاء يشير الى ما قلناه من ان العملية الذهنية او المهارة العقلية للانسان بصفتها تتعامل مع ما هو محدود من البيئة والوراثة لا يمكنها ان تتجاوز ذلك الى ما هو غير محدود من الظنون بمعنيهما وتكون النتيجة على النحو الآتي: ان الله تعالى من خلال العقل تتمكن من الايمان به وانه تعالى ازلي غير حادث ولا يمكن التعامل الحسي من خلاله للسبب المتقدم.. والمهم بعد ذلك هو ان الدعاء عندما يتحدث بهذه المقدمة عن الله تعالى وابداعه الكوني "ومن ذلك ابداعه للصباح"، انما يربط بين عظمته المشار اليها وبين انعكاساتها على قارئ الدعاء ومنه ما يتصل باطلالة الصباح والتوسل بالله تعالى بان ينشر لنا رحمته مع نشر شعاعه، وهذا يتقادنا الى ان نتوسل به تعالى بان يوفقنا لممارسة وظيفتنا العبادية والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة (يا من دلَّ على ذاته بذاته، وتنزه عن مجانسة مخلوقاته وجل عن ملائمة كيفياته) - 5 2006-11-11 00:00:00 2006-11-11 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/434 http://arabic.irib.ir/programs/item/434 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة ومنها دعاء الصباح للامام علي بن ابي طالب(ع) حيث يحفل هذا الدعاء بكثافة صوره الاستعارية والرمزية وسواهما من فنون التعبير البلاغي مما تسهم جميعاً في تعميق المعاني واستكشاف نكاتها واستخلاص دلالاتها التي ترشح بجملة تفسيرات وتأويلات تضاعف من معرفتنا العبادية في معاني التوحيد والتواصل مع الله تعالى... المهم: نواصل تقديم الفقرات الجديدة من الدعاء المذكور حيث نتسلسل مع الدعاء مقطعاً بمقطع وحيث وصلنا الآن الى المقطع الآتي (يا من دل على ذاته بذاته، وتنزه عن مجانسة مخلوقاته، وجل عن ملاءمة كيفياته...) هذا المقطع من الدعاء يتناول ايماءة الى ذات الله تعالى وتفردها عن مخلوقاته وهذا ما نبدأ بالحديث عنه ... نتناول العبارة الاولى من مقطع الدعاء المذكور ظاهرة المعرفة لذات الله تعالى (يا من دل على ذاته بذاته).. ان هذه الفقرة او العبارة تحتمل اكثر من تفسير او تأويل انها من جانب تشير الى ان الله تعالى عرف ذاته الى مخلوقاته أي انه تعالى هو المصدر لمعرفته والا لم يتم لمخلوق ان يتعرف عليه لو لا انه تعالى هو الذي ارشد المخلوق الى معرفته. من جانب آخر من الممكن ان يستخلص قارئ الدعاء ان نفسك وجود الله تعالى دالٌ على معرفته بصفة ان الانسان مفطور على الايمان بخالقه او ان العقل اساساً يهتدي من خلال مبدأ العلية الى معرفته تعالى ... وفي الحالات جميعاً نخلص الى القول بان الله تعالى قد عرف المخلوقات بذاته وهو بطبيعة الحال أي التعريف او المعرفة حجة عليهم عبر تكليفهم بممارسة العمل العبادي من الانس والجن...، واذ نتجه الى العبارتين الآخريين وهما (وتنزه عن مجانسة مخلوقاته، وجل عن ملاءمة كيفياته) نجد ان هاتين العبارتين تتحدثان عن الفارق بين المخلوقات التي عرفها الله تعالى بذاته عن ذاته، وبين تفرده عنهم من حيث ازليته تعالى، وحدوث المخلوقات... لذلك يمكنكم ملاحظة هذا الجانب حينما يقرر اولاً انه تعالى منزه عن مماثلة او شاكلة مخلوقاته أي بصفته تعالى لم يلد ولم يولد، وبصفته مخلوقين ومولودين...، وهذا فيما يتصل بالعبارة التي تتحدث عن تنزهه تعالى عن الجانسة للمخلوقات بعامة... ولكن ماذا بالنسبة الى العبارة التي تجل الله تعالى عن ملاءمة الكيفيات أي الاشارة الى الكيفية بعد الاشارة الى الاصل. بالنسبة الى الكيفيات ايضاً فان الله تعالى هو اعظم من من ان يقارن بالكيفيات التي تطيح مخلوقاته لكن ثمة نكات هنا ينبغي لفت النظر اليها فبغض النظر عن عدم امكانية المقارنة بين الله تعالى ومخلوقاته من حيث الاصل ومن حيث الكيف نجد ان الدعاء المذكور قد استخدم عبارات متنوعة ومتقاربة في دلالاتها أي انها تتماثل وتشترك في دلالاتها من جانب وتفترق الان ذاته في دلالاتها من جانب آخر. فالامام(ع) يستخدم عبارة التنزه ويستخدم عبارة الملاءمة والاجلال في الفقرة الثانية.. فما هو السر الكامن وراء ذلك؟ هذا ما ينبغي على قارئ الدعاء ان يتبينه .... في تصورنا الاحتمالي بطبيعة الحال ان النص عندما تحدث عن المخلوقات من حيث الاصل، فان الموقف الدلالي يتطلب التعبير عن الفارق بين الخالق والمخلوق، بعبارة التنزه لان التنزه هو التقديس والتبعيد ايضاً أي انه تعالى يباعد او بعد عن ان يكون من جنس مخلوقاته وبعبارة اوضح بما انه أي الامام(ع) تحدث عن المقارنة في الاصل بين الله تعالى ومخلوقاته لذلك استخدم عبارة المجانسة فقال: (يا من تنزه على مجانسة مخلوقاته)، أي عن المماثلة في الجنس وهو الاصل. ولكن عندما تحدث عن الكيفيات استخدم عبارة جل عن ملاءمة كيفياته، فالاجلال هنا و الترفع والملاءمة هنا هي التوافق والتصالح بين الاشياء ولذلك فان المعنى سيكون على هذا النحو يا من ترفع عن التوافق في الكيفيات بين مخلوقاته وبينه تعالى فيكون بذلك قد انفرد في رفعته من هنا يستطيع قارئ الدعاء ان يستخلص بالاضافة الى ما تقدم بان الله تعالى ينزه ويجل او يقدس ويترفع عن المماثلة اصلاً وكيفية بينه وبين المخلوقات. والمهم بعد ذلك هو استثمار قارئ الدعاء لهذا الجانب وذلك بان يثري معرفته بمعاني التوحيد ومنها تقديسه تعالى وترفعه عن المماثلة بينه وبين المخلوقات وهو امر يضاعف من حرص الانسان على ممارسة وظيفته العبادية تجاه الله تعالى والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة (وأتقن صنع الفلك الدوار في مقادير تبرجه وشعشع ضياء الشمس بنور تأججه) - 4 2006-02-13 00:00:00 2006-02-13 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/433 http://arabic.irib.ir/programs/item/433 لا نزال نحدثكم عن الادعية المباركة ومنها دعاء الصباح للامام امير المؤمنين(ع)، حيث يطفح الدعاء المذكور بالصور الاستعارية والرمزية المتنوعة بشكل ملحوظ وهو عنصر له اهمية في تعميق معاني الدعاء وفي جعل دلالاته ترشح باكثر من تفسيير وتأويل وقد تابعنا هذا الدعاء في لقاءاتنا السابقة بحسب تسلسله حيث بدأ الدعاء بالحديث عن الله تعالى من حيث ابداعه لظاهرة الصباح واردفها بالحديث عن ظاهرة المساء أي حدثنا عن اقبال النهار وادبار الليل.... واما الآن فيحدثنا الدعاء عن ظواهر اخرى ترتبط بشكل او بآخر بظاهرة الصباح وهذا في العبارة القائلة عن الله تعالى (وأتقن صنع الفلك الدوار في مقادير تبرجه) وفي العبارة القائلة (وشعشع ضياء الشمس بنور تأججه)... هنا نلفت نظركم الى ان عملية الوصف لاية ظاهرة كونية تقترن بجملة مهمات منها الاشارة الى عظمته تعالى ومنها اشباع الحسي الجمالي لدى قارئ الدعاء حيث لاحظنا كيف ان الصباح يتحدث بلسان شروقه وكيف ان الليل يتوارى قطعاً قطعاً بظلامه ... والآن نرى كيف ان الفلك تتحرك في ابراجه والشمس تنشر شعاعها .... لكن الجمالية تظل في الواقع مجرد وسيلة لهدف اكبر هو عظمته تعالى في ابداعه كما انها من جانب آخر تتداعى بالذهن الى الهدف الاشد لصوقاً بممارستنا العبادية الا وهو تعميق دلالة التوحيد والتواصل مع الله تعالى. والآن الى هاتين الظاهرتين ظاهرة الفلك وظاهرة الشمس فماذا نلحظ ونستخلص ونستهدف؟ بالنسبة الى اشارة الدعاء حيال الفلك الدوار في مقادير تبرجه نستطيع ان نستخلص اكثر من دلالة واكثر من تفسير فقد يقصد الدعاء من اشارته الى دور الفلك منازلة المقسمة الى اثني عشر منزلاً بحيث نستخلص من عبارة التبرج المصطلح الفلكي البرج وقد نستخلص منها أي التبرج اظهار المحاسن وفي الحالتين فان المعطيات المترتبة على دوران الفلك لا تحتاج الى توضيح ما دامت حركة الوجود اساساً ينتظمها دوران الفلك ولذلك اذا اخذنا عبارة التبرج بمعناها الجماليا واظهار الجمال فان الاشباع لحاجتنا للجمال يتحقق من خلال ذلك... وهذا كله فيما يرتبط بالفلك. واما ما يرتبط بالشمس فان الموضوع نتبينه على النحو الآتي ... بالنسبة الى الشمس من حيث معطياتها المادية والجمالية فضلاً عن توليدها في الاذهان الاحساس بعظمة الله تعالى علينا ان نتبين ما يلي: تقول العبارة عن الله تعالى في ابداعه لظاهرة الشمس وشعشع ضياء الشمس بنور تأججه. هنا نلحظ المصطلحات الآتية الشعاع الضياء النور التأجج وهي المصطلحات تتصل جميعاً بظاهرة الشمس ولكننا نتوقع منكم ان تثيروا تساؤلاً حول ما يمكنان نستفيد منه بالنسبة الى هذه الظاهرة. ونجيبكم قائلين: الشمس ظاهرة لا تحتاج الى بيان من حيث صلتها بالوجود وبحياتنا نحن البشر من حيث دلالة حياتنا بالنسبة الى ممارسة الوظيفة العبادية فاذا كانت الشمس ترتبط باستمرارية حياتنا فان الامر ليتضح بجلاء من حيث انعكاساته على وظيفتنا العبادية لكن لنتجه الى البعد الجمالي للظاهرة ... يقول النص: ان الله تعالى شعشع ضياء الشمس بنور تأججه... والسمة الجمالية الاولى هنا هي انه تعالى نشر شعاع الشمس وهو على هيئة خطوط ممتدة... شعشع الضياء المذكور بنور تأججه. هنا: نحسبكم ايضاً تتساؤلون عن المقصود من الضياء والنور والتأجج .. ونجيبكم اما الضياء فهو ما يجسد مباشرة طاقة الانارة واما النور فهو يستمد بنحو غير مباشر من الله تعالى من الضياء ولهذا يكون المقصود هو انه تعالى نشر ضياء الشمس بما التهبا او بما اشتد من حر من خلال النور المتأجج بهذا الشأن بهذا نستخلص اكثر من دلالة منها ظاهرة تأجج النور أي ظاهرة الحرارة ومعطياتها ومنها معطى النور ذاته بما انه انارة وليس حرارة فحسب ... اذن: الظاهرة الجمالية المتمثلة في نشر اشعة الشمس خيوطاً ممتدة في الافاق ثم الظاهرتان الزاخرتان بالعطاء الكبير المرتبط بحركة الوجود من انارة ومن حرارة او لتلك جميعاً تحمل قارئ الدعاء على تمجيد الله تعالى في عظمة ابداعه وفي معطيات الابداع المذكور ومن ثم تحملنا على مواصلة وظيفتنا العبادية والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة (وسرح قطع الليل المظلم بغياهب تلجلجه) - 3 2006-02-13 00:00:00 2006-02-13 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/432 http://arabic.irib.ir/programs/item/432 نواصل حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من اسرار البلاغة ونكاتها المتنوعة، وفي مقدمة ذلك صورها التنبيهية والاستعارية والرمزية ونحوها وهذا ما نجده ملحوظاً في احد ادعية الامام علي(ع) وهو دعاء الصباح حيث حدثناكم عن العبارة الافتتاحية للدعاء المذكور وهي الفقرة القائلة: (يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلجه)، حيث اوضحنا اهمية هذه العبارة الاستعارية ووظيفتها المتمثلة في تذكير قارئ الدعاء بعظمة الله تعالى في احد ابداعاته وهو الصباح وفي تذكيره بوظيفة العبد حيال الله تعالى من خلال ملاحظته ليوم جديد من عمره حيث يبدأ اليوم لينتهي في نهاية المطاف الى فناء العمر، وهذا ما يجعله مستثمراً لايام عمره. المهم: نواصل الان سائر فقرات الدعاء بحسب تسلسله حيث بدأ بقول الامام(ع) (اللهم يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلجه) ثم اردفه بقوله(ع) (وسرح بقطع الليل المظلم بغياهب تلجلجله) فماذا نستخلص من ذلك؟ من الواضح ان الليل والنهار هما آيتان من آيات الله تعالى أي هما ظاهرتان ابداعيتان لا تختلفان عن الظواهر الاخرى من حيث خضوعهما لقدرات الله تعالى ... لكن الملاحظ ان استخدام الليل والنهار يجيء في سياقات متنوعة فحيناً يجيء الليل والنهار مجرد تذكير بآيات الله تعالى كما نلاحظ ذلك مثلاً عبر قوله تعالى (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل...)، ويجيء الاستخدام تارة اخرى في سياق طبيعتهما الوظيفية حيث يضطلع الليل بمهمة تختلف عن مهمة النهار، مثل قوله تعالى: (وجعلنا الليل لباساً) (وجلعنا النهار معاشاً) الى غير ذلك من النصوص التي توضح بان النهار مثلاً، هو للعمل والليل هو للراحة. ويجيء الاستخدام في سياق ثالث رمزين احدهما يجسد ما هو ايجابي (وهو النهار) والآخر ما هو سلبي (وهو الليل) مثل قوله تعالى: (كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً)... ويجيء الاستخدام في سياق رابع بمثابة صياغة جمالية ودلالية تتحدث عن كيفية طلوع النهار وكيفية زوال الليل، وهذا ما نلحظه الان في سياق الحديث عن مجيء الصباح وادبار النهار، وهذا ايضاً يذكرنا بنصوصن دعائية تقول: (سبحان الله على ادبار الليل واقبال النهار)... اذن: نحن الان مع المقطع الذي يتحدث عن ادبار الليل ... فماذا نجد؟ لقد حدثنا الدعاء عن اقبال النهار من خلال العبارة الاستعارية (يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلجه)، وها هو يحدثنا عن ادبار الليل في نفس الزمان الذي يحدث فيه اقبال النهار... كيف ذلك؟ واضح ان الصبح عندما يتنفس وكما جاء في القرآن الكريم او ان الصبح حيناً يظهر لسانه ناطقاً بالاشراق او بطلوع الضوء كما جاء في الدعاء، حينئذ فان اقبال النهار وادبار الليل يتعاصران أي يتزامنان في آن واحد فكلما ظهر خيط من الصباح ذهب خيط من الظلام وهكذا أي كما ان الصبح يظهر تدريجياً كذلك الظلام يختفي تدريجياً ولكن الدعاء استعار لمجيء النهار اللسان الذي دلع بنطق الضوء، واستعار لذهاب الليل تسريح قطعه المظلمة على نحو التردد أي ان قطع الليل وهي قطع الظلام الذي يختفي تدريجياً استعار له ظاهرة التردد أي التلكؤ في الذهاب فيكون التلكؤ رمزاً لعملية اختفاء الظلام تدريجياً على عكس اقبال النهار تدريجياً ايضاً ولكن مجيء النهار تدريجياً جاء بالنور، في حين ان ادبار الليل تدريجياً جاء قطعاً قطعاً تتردد في عملية اختفائها وهذا ما يتناسب مع ظاهرة الظلام مقابل النور.. اذن: جاءت الاستعارة لادبار الليل متناسبة مع ظاهرة الظلام بينما جاءت الاستعارة لاقبال النهار متناسبة مع ظاهرة النور بالنحو الذي اوضحناه... والمهم هو: ان قارئ الدعاء عليه ان يستثمر هذا الجانب وان يستحضر من خلال الاقبال والادبار للنهار والليل ما ينبغي ان يوظفه في ممارساته العبادية وذلك بتدريب ذاته على الطاعة وعدم ضياع عمره فيما لا غناء فيه ومن ثم التصاعد بعمله العبادي الى النحو المطلوب.******* بيان بعض اسرار فقرة (يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلجه) - 2 2006-11-11 00:00:00 2006-11-11 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/431 http://arabic.irib.ir/programs/item/431 نتابع حديثنا عن الادعية المباركة وما تتضمنه من فنون التعبير البلاغي حيث تسهم الصياغة البلاغية في تعميق معاني الدعاء واستكشاف نكاته المتنوعة، ومن جملة الادعية التي يتكثف فيها عنصر الصياغة البلاغية هو دعاء الصباح لأمير المؤمنين(ع) حيث حدثناكم في لقاء سابق عن العبارة الاستهلالية للدعاء وهي: (يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلجه)، وواعدناكم ان نفصل الحديث عنه، كما ذكرناكم بان هذه الفقرة من الدعاء ونعني بها الاستعارة التي تتناول اطلالة الصباح وشروقه، تتداعى بأذهاننا الى الآية القرآنية الكريمة "والصبح اذا تنفس" حيث ان الاطلالة للصباح او لليوم الجديد من العمر تنطوي على نكتة مهمة هي: الوقوف عند الظواهر الابداعية في الوجود بما تحمله من التذكير بعظمة الله تعالى ثم بما يحمله الصباح من دلالة تتصل باليوم الجديد من عمر الانسان الذي جعله الله تعالى عمراً لممارسة العمل العبادي وضرورة توظيفه في هذا الميدان. اذن: لنتحدث عن الصورتين الاستعاريتين الصورة القرآنية الكريمة، والصورة العلوية ... ونقف عند الاولى اولاً: لا نطيل وقوفنا عند هذه الصورة الزاخرة بجمال العبارة ودلالتها "ان الصبح هو ميلاد لليوم الجديد" ولكن الصبح كما نعرف ذلك جميعاً لا يقبل مرة واحدة باشراقته بل يبدأ مع الخيوط الرقيقة من الضوء "الخيط الابيض"، ثم تتولى الخطوط وتتكثف حتى ينتشر الضوء على الاف وساحة الوجود ... وهذه العمليةيتعذر على العبارة ان تفصح عن تفصيلاتها بقدر ما يسمح "التخيل" باستخصار جمالها ولكن ما نرمي اليه الآن هو خلع طابع "التنفس" على الصبح وملاحظة دلالته متمثلة في ان "التنفس" اساساً هو عملية منح الحياة للانسان من حيث محتواها، ومن حيث شكلها حركة تتسم بالبطء وبالرشابة. من هنا فان ولادة صباح جديد تعني ولادة حياة او عمر جديد من سلسلة ايام العمر للانسان وهذا ما يكسب الصورة الاستعارية المذكورة جمالية ودهشة من حيث دلالتها، انها تذكرنا بنفس الانسان، أي بحياته المتتالية في ايامها والمقضية في النهاية الى نهاية عمر الانسان وتذكرنا من الجانب الاخر بوظيفة الانسان الواعي عبادياً فضلاً عن تذكيرنا بجمالية الصباح وجمالية الوجود وجمالية النعم التي سخرها تعالى للانسان... والان لنرى كيف ان الامام علياً(ع) قد افاد من هذه الصورة القرآنية الكريمة، فنسج صورة للصبح على النحو الذي سنوضحه الآن ... تقول الصورة "يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلجه" وها هو الامام(ع) يربط بداية بين قوله تعالى والصبح اذا تنفس بصفته ابداعاً من الله تعالى يربط بين هذا الابداع وبين مبدعه بعبارة "يا من"، ثم يبدأ الامام(ع) ليحدثنا عن هذا الابداع وهو "الصباح" لكن الامام(ع) لا يحدثنا عن حركة الصباح المتنفسة بل ينتقل الى المرحلة التي تليها وهي الاعلان او الافصاح عنها، ونحن نعرف بان الافصاح والاعلان عن الشيء يتم عادة بواسطة النطق او العبارة او اللسان الذي هو جهاز النطق ولذلك فان الامام(ع) يصوغ لنا هذه الدلالة من خلال استعارته لجهاز اللسان المفصح عن ابداع الله تعالى والناقل لنا هذا الابداع الكوني حيث قال "يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلجه" أي يا من اخرج اللسان المذكور بكلام منطوق هو: الضوء الذي ظهر على مجيء الصباح وهذا الضوء المنبلج "أي المشرق والبادي" هو عبارة عن نطق بعظمة الله تعالى وابداعه فكما هو نطق عن مجيء الصباح لذلك هو نطق عن بيان الابداع الكوني لله تعالى. اذن: استعارة اللسان للصباح هي تعبير عن اظهار هذا الابداع الكوني بصفة ان الاظهار يحتاج الى كلام منطوق وهو ما تحقق بولادة الصباح الجديد من ايام الحياة اوايام عمر الانسان على نحو ما سنرى دلالة هذا الاستخلاص متوفرة في سائر عبارات الدعاء المذكور وهو ما نحدثكم عنه في لقاءات لاحقة ان شاء الله تعالى. اخيراً: لا مناص لنا من التذكير بضرورة استثمار الدعاء، وذلك بجعله وسيلة تذكرنا يومياً بوظيفتنا في الحياة حيث ان الصباح هو ولادة يوم جديد من اعمارنا ومن ثم فأن استثمار هذ العمر من اجل ما خلقنا له من الضرورة بمكان آمن يقتادنا الى تدريب ذواتنا على مزيد من الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب. ******* شرح فقرة (يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلجه) - 1 2006-11-11 00:00:00 2006-11-11 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/430 http://arabic.irib.ir/programs/item/430 لا نزال نحدثكم عن الادعية المباركة وما تتضمنه من بلاغة فائقة ونكات متنوعة فضلاً عما تنطوي عليه من معرفة عبادية في ميدان العقائد والاخلاق والسلوك العام، وقد اخترنا في هذا اللقاء وما بعده احد الادعية للامام علي بن ابي طالب(ع) وهو الدعاء الموسوم بدعاء الصباح، حيث يحفل هذا الدعاء من حيث المضمون بتمجيد الله تعالى ويحفل من حيث التعبير ببلاغة رفيعة من حيث صوره الاستعارية والرمزية وما الى ذلك. اذن: لنتحدث عن هذا الدعاء ... قبل ان نحدثكم مفصلاً عن الدعاء المذكور ينبغي ان نلفت نظركم الى الاساليب التي يسلكها المعصومون عليه في صياغتهم للادعية وسواها من النصوص الشرعية وفي مقدمتهم امام البلاغة علي بن ابي طالب(ع) حيث يسلكون جملة اساليب منها الاسلوب المباشر الذي يتسم بالوضوح وبالعبارات المألوفة ومنها ما يتصل بالاسلوب الصوري أي الاسلوب غير المباشر كالتوكؤ على التشبيه والاستعارة والتمثيل والرمز وسواها ومنها أي الاساليب التي يتبعها المعصومون عليهم السلام صياغة نصوص تتسم بشيء من الغموض استخلاص الدلالة حتى يستمتع بما يكشفه او يتذوقه من المعاني ودعاء الصباح يتناول هذه الاقسام الثلاثة من الاساليب وهو امر سنبدأ بمواصلة عرضه وفق الاساليب المذكورة ... يبدأ دعاء الصباح بمقطع من العبارات الصورية الاستعارية بشكل مكثف على النحو الآتي: (بسم الله الرحمن الرحيم يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلجه وسرح قطع الليل المظلم بغياهب تلجلجه واتقن صنع الفلك الدوار في مقادير تبرجه، وشعشع ضياء الشمس بنور تأججه ...). هنا يمكنكم ان تلاحظوا بوضوح حشداً مكثفاً بالصور المتتابعة وهي صور استعارية تبدأ بعبارة "يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلجه" وهذه الصورة تظل مرتبطة بموضوع الدعاء او بزمنه الذي يتحدث عن الصباح من حيث كونه ظاهرة ابداعية من ظواهر الكون، وبصفته استهلالاً زمنياً ليوم جديد حيث ان الزمن متمثلاً في ايامه ليس الا سلسلة من عمر الانسان الذي وظفه تعالى لممارسة العمل العبادي وبصفته استهلالاً لليوم، أي بصفته ان الصباح هو الاستهلال ليوم جديد من عمر الانسان الذي خلقه الله تعالى ليمارس وظيفته العبادية تبعاً لقوله تعالى (وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون) ... اذن: الاهمية لهذا الاستهلال من الدعاء او تخصيصه اساساً لزمن خاص هو استفتاح يوم جديد من عمر الانسان هذه الاهمية ينبغي الا تغيب عن اذهاننا لانها ببساطة تذكير بوظيفة الانسان اولاً ثم تذكير بعظمة الله تعالى ثانياً من حيث الظواهر الابداعية للكون من صباح ومساء وشمس وقمر، وارض وسماء ..الخ. تأسياً على ما تقدمت الاشارة اليه نبدأ حديثنا عن العبارة الاستهلالية لهذا الدعاء وهي القائلة (يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلجه) ... ولعل هذا الاستهلال للدعاء من حيث الاشارة الى اطلالة الصباح وشروقه تذكرنا باحدى الآيات القرآنية الكريمة، حيث تتعرض للصباح وفق صورة استعارية مدهشة ومثيرة وممتعة وهي قوله تعالى: (والصبح اذا تنفس)، حيث عبر عن الصباح من حيث شروقه واطلالته بعبارة "التنفس" وهي استعارة ملفتة يحسن بنا ان نحدثكم عنها ما دامت ذات صلة بما قدمه الامام علي(ع) من عبارات تتحدث عن الصباح ... لكن: نحدثكم عن هذا الموضوع في لقاء لاحق ان شاء الله تعالى. بيد انه ينبغي تذكير انفسنا قبل ان نختم لقاءنا الحالي بضرورة ان نستثمر موضوع الدعاء وذلك بان نمجده من خلال عظمته الابداعية كما ينبغي ان نتذكر وظيفتنا العبادية المتمثلة في عدم ضياع اليوم الجديد من العمر، وذلك بان نستهله بالطاعة ونختمه بالطاعة وان ندرب ذواتنا دوماً على ممارسة وظيفتنا العبادية والتصاعد بها الى النحو المطلوب. *******