اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | همسات في شغاف القلب http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb الاحسان الى الناس - 28 2006-10-10 00:00:00 2006-10-10 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1386 http://arabic.irib.ir/programs/item/1386 الحمد لله المحسن المجمل، المنعم المفضل، والصلاة والسلام على المصطفى الهادي الامين، وعلى آله الميامين. ايها الاخوة المستمعون الاكارم... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، واهلاً بكم في هذا اللقاء الطيب معكم، وحديث آخر يدور حول «الاحسان» الذي يعبر عن الانسانية‌ والايمان معاً، وعن مستوىً رفيع من الاخلاق الفاضلة يقول امير المومنين علي (عليه السلام): الاحسان غريزة الاخيار. الاحسان محبة. افضل الايمان، الاحسان. رأس الايمان، الاحسان الى الناس، أجل فان الله تبارك وتعالى أمر بهذه الخصلة الطيبة، لتسود المحبة والوئام في المجتمع، فقال جل وعلا: «ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى...» (سورة النحل، 90). فاذا كان العدل هو الانصاف، فالاحسان هو التفضل، وقد خاطب الله عزوجل نبيه الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) قائلاً له: «قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم، للذين احسنوا في هذه الدنيا حسنة..» (الزمر، 10). ويكفي المحسن شرفاً وفخراً ان الله تعالى معه، وانه سبحانه يحبه... وهو القائل عز من قائل: «ان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون» (النحل، 128)، «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين». (العنكبوت، 69) «واحسنوا ان الله يحب المحسنين» (سورة البقرة، 195). والى هذا التكريم، فان المحسن مثاب، لأن احسانه يعود عليه بالخير، في الدنيا والآخرة، فالله تعالى يقول: «ان احسنتم احسنتم لأنفسكم» (الاسراء، 7) ويقول امير المومنين (عليه السلام): «انك ان احسنت فنفسك تكرم، واليها تحسن»، .. يروى ان رجلاً جاء الى الامام علي (عليه السلام) فقال له: يا أمير المومنين، ان لي اليك حاجة، قال: اكتبها في الأرض، فاني أرى الضر فيك بيناً. فكتب في الأرض: انا فقير محتاج. فقال الامام علي (عليه السلام) لقنبر خادمه: يا قنبر، اكسه حلتين، فأنشأ الفقير يقول: كسوتني حلةً تبلى محاسنهافسوف اكسوك من حسن الثنا حللاان نلت حسن ثنائي نلت مكرمةًولست تبغي بما قد نلته بدلاان الثناء ليحيي ذكر صاحبهكالغيث يحيي نداه السهل والجبلالا تزهد الدهر في عرف بدأت بهفكل عبد سيجزى بالذي فعلافقال (عليه السلام): أعطوه مئة دينار، فقيل: يا أمير المومنين، لقد أغنيته، فقال: اني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أنزل الناس منازلهم. ثم قال (عليه السلام): «اني لأعجب من أقوام يشترون المماليك بأموالهم، ولا يشترون الاحرار بمعروفهم!». وقد يسهل الاحسان في موارد ومواضع - ايها الاخوة الافاضل- ولكنه يصعب احياناً، لا سيما مع المسيء، فالنبي (صلى الله عليه وآله) يأمر قائلاً: «احسن الى من أساء اليك»، ولعل ذلك يثقل على كثير من النفوس، لكن المرء اذا ارتقى ايمانه، وآثر طاعة الله ورسوله على طاعة نوازع نفسه، وعرف فضيلة ذلك الاحسان، قدم عليه بطيب قلب ونال خيرا... تعالوا - اخوتنا الاعزة- نتأمل في كلمات الامام علي (عليه السلام) هذه، حيث يقول: «الاحسان الى المسيء، يستصلح العدو. اجعل جزاء النعمة عليك، الاحسان الى من أساء اليك. احسن الى المسيء تملكه. لا يجوز الغفران، الا من قابل الاساءة بالاحسان». اجل ... فكلنا نحتاج الى احسان الله تعالى علينا، وهذا انما يتأتى اذا احسنا الى الآخرين، ارحم من في الارض يرحمك من في السماء، وفي كتاب الله العزيز: «احسن كما أحسن الله اليك» (القصص، 77)، فالله «جل وعلا» من اخلاقه العظمى: الاحسان، ابتداءً وانتهاءً، حيث جاء بنا الى الوجود ولم نكن شيئاً مذكوراً، وذلك منه تعالى تكريم، ثم خلق لنا العقل والحواس، وخلقنا في احسن تقويم، وبعث لنا انبياءه ورسله، وانزل لنا كتبه وصحفه، ودعانا الى هدايته ورحمته، ثم رغبنا في نعيمه وجنته... فلنتعلم هذا الخلق الالهي، وهو الاحسان الذي وعد الله تعالى عليه كل خير... وهو القائل جل من قائل: «ان رحمت الله قريب من المحسنين» (الاعراف، 56)، «للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين» (سورة النحل: 30)، «ان المتقين في ظلال وعيون / وفواكه مما يشتهون / كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون / انا كذلك نجزي المحسنين» (سورة المرسلات، 41-44). واي جزاء ذلك وهو من الله المنعم الكريم! يقول الامام جعفر الصادق (عليه السلام): اذا احسن العبد المومن، ضاعف الله له عمله، لكل حسنة سبعمائة ضعف، وذلك قول الله عزوجل: «مثل الذين ينفقون اموالهم في سبيل الله كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم» (البقرة 261). في احدى كلماته الحكيمة ... قال امير المومنين (عليه السلام): «لو رأيتم الاحسان شخصاً، لرأيتموه شكلاً جميلاً يفوق العالمين».. ونحن نعلم - أيها الاخوة الأحبة ـ أن الاشياء الجميلة تجذب القلوب، كذلك الاحسان، فانه سبب للمودة والاخاء، بل سبب لإبدال العداوة بالمحبة والانسجام... قال تعالى: «ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم / وما يلقاها الا الذين صبروا وما يلقاها الا ذو حظ عظيم» (سورة فصلت، 34-35). وجاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله: «جبلت القلوب على حب من احسن اليها»، وعن الامام علي (عليه السلام) قوله: «بالاحسان تملك القلوب». روي أن رجلاً بالمدينة كان يؤذي الامام الكاظم (عليه السلام) ويسبه اذا راه ويشتم علي بن ابي طالب (عليه السلام)، فقال أصحاب الكاظم (عليه السلام) له: دعنا نقتل هذا الفاجر، فنهاهم عن ذلك وزجرهم اشد الزجر، ثم سأل (عليه السلام) عن الرجل فأخبر انه خرج الى ‌زرع له، فدخل عليه واكرمه الامام (عليه السلام) بصلة وهدية.. ثم ذهب الى المسجد فوجد الرجل جالساً هناك، فلما راه الرجل قال: الله اعلم حيث يجعل رسالته، فوثب اصحاب الامام الكاظم (عليه السلام) وقالوا للرجل: ما قصتك؟! قد كنت تقول غير هذا! فأخذ يدعو للامام الكاظم (عليه السلام)، فلما رجع الامام الى ‌داره قال لأصحابه الذين اشاروا بقتل الرجل: كيف رأيتم؟! اصلحت امره، وكفيت شره. الراوي: الاحسان الى الناس خلق سام، ويسمو الاحسان اذا كان الى ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو القائل: من اكرم اولادي فقد اكرمني. وقد وعد (صلى الله عليه وآله) - ووعده الصدق- أن يكافىء المحسنين الى ذريته... روي أن رجلاً رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في منامه وهو يقول له: امض الى فلان المجوسي وقل له: قد أجيبت الدعوة. فتردد الرجل أن يبلغ المجوسي بما أمره النبي (صلى الله عليه وآله) في المنام، خشية ان يظن المجوسي به سوءاً، فرأى الرجل رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرةً ثانيةً وثالثةً في الرؤيا وهو يأمره بابلاغ عبارته الى ‌المجوسي.. فقرر الرجل الذهاب الى المجوسي وابلاغه له. المجوسي: اتعرفني يا رجل؟! فانا مجوسي، وانكر دين الاسلام. الرجل: اجل ... أعرف ذلك، ولكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الذي ارسلني اليك، وكرر علي ذلك... فها انا ابلغتك قوله: قد اجيبت الدعوة. المجوسي (بخشوع): أشهد ان لا اله الا الله، وان محمداً رسول الله. المجوسي: يا اعزتي، لقد كنت على ضلال، وها انا على الحق، فاسلموا كما اسلمت انا، ومن اسلم فقد وهبته ما عندي في يده، ومن أبى فلينزع ما لي عنده من يده. المجوسي: يا أخي، أتدري ما الدعوة التي أبلغك رسول الله انها قد اجيبت؟ الرجل: لا والله، واني اردت ان اسالك عنها ثم استحييت. المجوسي: اني لما زوجت ابنتي صنعت طعاماً ودعوت الناس فلبوا، وكان الى جانبنا قوم اشراف فقراء، قيل هم من ذرية النبي محمد، فأمرت غلماني ان يبسطوا في وسط الدار حصيراً، فسمعت صبياً من بيت جارنا الاشراف يقول لامه: الصبي: يا اماه لقد آذانا جارنا المجوسي برائحة طعامه، فجعلنا نشتهيه وحالنا لا يسع ان نقتنيه! المجوسي: فأرسلت الى بيت جارنا ذرية رسول الله بطعام كثير، ودنانير، فلما نظروا الى ذلك قال الصبي لاخوته: والله ما نأكل من طعام المجوسي حتى ندعو له. المجوسي: فرفعوا ايديهم وقالوا حشرك الله مع جدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله). آمين... يا رب العالمين. المجوسي: فتلك هي الدعوة التي قد أجيبت،‌ والحمد لله على نعمائه. ******* خلق الألفة - 27 2006-10-08 00:00:00 2006-10-08 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1087 http://arabic.irib.ir/programs/item/1087 الحمد لله على جميع نعمائه وازكى صلواته على افضل رسله وانبيائه وعلى ‌آله سادة اوليائه. اخوتنا المستمعين الاكارم... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته واهلاً ومرحباً بكم في لقاء جديد وحديث جديد يدور هذه المرة حول «الالفة» هذه الحالة النفسية - الاجتماعية، وهي من الف الشيء: اي انس به واحبه، والتآلف هو الاجتماع مع الانسجام والمحبة والارتياح. ولعل الالفة امر مغروس في طبيعة الانسان وطينته، فهو يميل الى معايشة بني اصله واهل آدميته، يألفهم ويألفونه، وهكذا تستمر الحياة ليس لبعض أن يستغني عن بعض، وما حصل من خصام بين بني البشر فانه من استفزازات الشيطان باساليبه العجيبة المعددة، وقد نبه الى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: «انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء...» (المائدة:91). فارادة ‌الشيطان متجهة دائماً الى ايجاد اسباب الفرقة والنفرة والخلاف والعداوة ‌بين الناس، لينشغلوا عن ذكر الله تعالى وعبادته، فالآية تقول بعد ذلك: «ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ‌فهل انتم منتهون». فالخصومات من شأنها ان تجر الى المعاصي اولاً، والى نسيان ذكر الباري تبارك و تعالى ثانياً... بينما تمهد الالفة اجواءً طيبةً ‌للتوجه الى الله جل وعلا وطاعته، لاسيما اذا كانت الالفة ايمانيةً، حيث تسود حالة المحبة في الله بين الاخوان، وتلك هي خصلة في المؤمنين الواعين مشهودة... تعالوا - ايها الاخوة الاعزة- نتأمل في هذه الاحاديث النبوية الشريفة التالية: «المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف خياركم احسنكم اخلاقاً، الذين يألفون، ويؤلفون خير المؤمنين، من كان مألفة للمؤمنين»... وجاء عن الامام علي (عليه السلام) قوله: «طوبى لمن يألف الناس ويألفونه على طاعة الله». بعد هذا - ايها الاخوة الاكارم- نستطيع القول ان هنالك الفتين: الاولى تعقد على ‌اساس المصالح الذاتية، والمنافع الشخصية، عنصرها الاساس هو الانانية، فاذا انتهت المصالح انتهت معها الروابط... وهي اقرب ما تكون شبيهةً بعلاقة المنافقين الذين يتظاهرون فيما بينهم بالمودة ‌ويضمرون اهدافاً اخرى‌ في دواخلهم، قال تعالى في كفشهم: «المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون ايديهم...» (التوبة: 67). اما الالفة الثانية فهي معقودة على حب الله تعالى، وعنصرها الاساس هو الايمان، وهي لا تنفصم حتى بعد الموت... تعالوا معنا - اخوتنا الاحبة- ننظر في هذه الآيات الكريمة: «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض..» (سورة التوبة: 71) «الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو الا المتقين» (سورة الزخرف: 67) «ان المتقين في جنات وعيون / ادخلوها بسلام ءامنين / ونزعنا ما في صدورهم من غل اخواناً على سرر متقابلين» (سورة الحجر: 45-47) اجل .. لأن النوازع طيبة سليمة، وقد جاء عن امير المؤمنين (عليه السلام) قوله: «رب اخ لك لم تلده امك»، وقوله: «اخوان الدين ابقى مودة...». ذلك - ايها الاخوة الاماجد- ان الله تعالى يرعى هذه الرابطة الشريفة، اذ هي معقودة وعلى محبته وطاعته، فجعل سبحانه لها اصولاً وآداباً خاصة، وعنون لها عناوين شرعية، حتى صنفها العلماء‌ والفقهاء في ابواب وفصول ضمن مولفاتهم، بل افرد البعض لها كتباً خاصة، كما نقرأ: كتاب (مصادقة الاخوان) للشيخ الصدوق، وكتاب (اصول الكافي) للشيخ الكليني وكتاب (ثواب الاعمال وعقاب الاعمال) للشيخ الصدوق، وكتاب (المؤمن) للحسين بن سعيد الكوفي... وكثيراً من كتب الاخلاق التي تفرد عنوان حقوق المؤمن او باب حق المؤمن على اخيه واداء حقه، وما يوجب الحق لمن انتحل الايمان... ثم تأتي العناوين الفرعية-وهي كثيرة- منها: باب: التراحم والتعاطف، وزيارة الاخوان، والمصافحة والمعانقة، وادخال السرور على المؤمنين، وقضاء حاجة‌ المؤمن وتفريج كربه، واطعامه واكسائه والالطاف به واكرامه وخدمته، ونصيحته، واحيائه.. كيف؟ يقول الامام الصادق (عليه السلام) في ظل قوله تعالى: «من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن احياها فكأنما احيا الناس جميعاً»: من اخرجها من ضلال الى هديً فكانما احياها، ومن اخرجها من هديً الى ضلال فقد قتلها. نعم - ايها الاخوة الاعزة- فقد جعل الله تعالى للالفة الايمانية دواعيها واسبابها، فهي تدوم مادامت، فالمؤمنون متحابون في الله وعلى هدى الله، وعلى طاعته فيما امر ونهى، وقد حفلت كتب الاخلاق بآداب المجالس اذا عقدت بين المؤمنين وهي تزيدهم الفةً واخوة، ودعت الى التواضع والعفو والشكر والمداراة، واداء الحقوق والواجبات الملقاة على عاتق كل مؤمن تجاه اخوانه المؤمنين، وفي رسالة الحقوق للامام زين العابدين (عليه السلام) تفصيل واف في ذلك. وفي التجربة التاريخية الفريدة بين المهاجرين والانصار، مثل سام على عمق الالفة التي كانت بين المؤمنين، حيث تشاطروا اموالهم ودورهم بينهم، ليعيشوا معاً متعاضدين متكافلين متآفلين، وكانوا بحق «يحبون من هاجر اليهم» كما قال تعالى. (الحشر : 9) واما سيرة النبي المصطفى صلى ‌الله عليه وآله، فهي مفعمة بصور الالفة الايمانية والانسانية حتى وصفه رب العزة بقوله عز من قائل: «وانك لعلى خلق عظيم» (سورة القلم: 4) وقوله جل وعلا: «فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك» (سورة آل عمران: 159) فاجتمع اليه صلى الله عليه وآله اهله ذووه، وحتى الاجلاف من الاعراب، بل انضم اليه اعداؤه وقد اخذهم الاعجاب باخلاقه الكريمة، فالفوه... وعلى سيرته الطاهرة مضى آله ائمة الحق والهدى صلوات الله عليهم، فكانوا يألفون الناس حتى يألفوهم... حتى ألفهم خدمهم وعبيدهم فتعلقوا بهم، وألفهم عامة الناس، بل وحتى اعداؤهم وقد تابوا على ايديهم وقرأوا في وجوههم: «الله اعلم حيث يجعل رسالته». الراوي: ان من السمات الطيبة الظاهرة في شخصية المصطفى محمد )صلى الله عليه وآله(... تواضعه، وعدم حبه لأن يتميز على الآخرين، لذا كان آلفاً لأمته، وكانت امته آلفةً له. في كتاب «مكارم الاخلاق» لرضي الدين الحسن بن الفضل الطبرسي، أن النبي صلى الله عليه وآله كان في سفر مع عدة من اصحابه فامر بذبح شاة فقام رجل من الاصحاب وقال: 1- على ذبحها. 2- على سلخها. 3- على تقطيعها. 4- على طبخها. الراوي: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): على ان القط لكم الحطب. يا رسول الله... لا تتعبن - بآبائنا وامهاتنا أنت- نحن نكفيك الراوي: فقال لهم رسول الله (صلى‌ الله عليه وآله): عرفت انكم تكفوني ولكن الله عزوجل يكره من عبده اذا كان مع اصحابه ان ينفرد من بينهم. فقام (صلى الله عليه وآله) يلقط الحطب لهم. الراوي: في (قرب الاسناد) للحميري عن الامام الباقر (عليه السلام)... ان امير المؤمنين علياً عليه السلام صاحب رجلاً ذمياً في سفر له. فقال له الذمي: الذمي: أين تريد يا عبد الله؟ الراوي: فاجابه امير المؤمنين (عليه السلام): اريد الكوفة. الذمي: ألست زعمت انك تريد الكوفة؟! الراوي: فأجابه عليه السلام: بلى. الذمي: اذن فقد تركت الطريق! الراوي: قال له الامام علي (عليه السلام): قد علمت. الذمي: اذن لم عدلت معي وقد علمت ذلك؟! الراوي: فاجابه الامام سلام الله عليه: هذا من تمام حسن الصحبة، ان يشيع الرجل صاحبه هنيئة اذا فارقه، وكذلك امر نبينا. الذمي: اهكذا؟! الراوي: قال له عليه السلام: نعم. الذمي: لا عجب اذن، فانما تبع محمداً من تبعه لأفعاله الكريمة... الراوي: فرجع الذمي مع الامام على (عليه السلام)، فلما عرفه أسلم. ******* المواقع الممدوحة للعزلة عن الناس للإختلاط بهم - 26 2006-10-05 00:00:00 2006-10-05 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1086 http://arabic.irib.ir/programs/item/1086 الحمد لله الهادي الى الخير والرشاد، وافضل صلواته على رسوله المصطفى وآله الامجاد. اخوتنا واعزتنا المستمعين المؤمنين... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، واهلاً بكم في همسة جديدة، حديثها يدور حول العزلة والاختلاط، كمفهومين اجتماعيين، ولكل مجتمع ظروفه وحالاته، كذا لكل اسرة او فرد تربيته واحواله، من خلالها يتبنى المرء احياناً موقفاً اجتماعياً، فيختار الاختلاط بالمجتمع والاندماج معه، او يختار العزلة منشغلاً ببعض شؤونه ومهامه... وللاسلام موقفه الخاص، اذ يتبني الجوانب الايجابية لكل حالة في ظرف خاص، ويحذر من سلبياتها. لنأتي ايها - الاخوة الاكارم- اولاً الى اهل العزلة، فنراهم يصححون موقفهم مستدلين بآيات واحاديث، ان العزلة من علامات الوصلة بالله والانس به، والوحشة من الناس وملهياتهم، ودواعي الشر فيهم... جاء في القرآن الكريم على لسان ابراهيم الخليل عليه السلام قوله: «واعتزلكم وما تدعون من دون الله» (سوره مريم: 48) ثم قال تعالى: «فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له اسحاق ويعقوب وكلاً جعلنا نبياً» (مريم: 49)، ولعل الآيتين تشيران ان لافائدة من مخالطة الكافرين الا بمقدار دعوتهم الى حقائق الدين ويؤكد ذلك قول موسى عليه السلام: «وان لم تؤمنوا لي فاعتزلون» (الدخان:21) فانه عليه السلام فزع الى العزلة بعد الياس منهم. وفي اهل الكهف جاء قوله تعالى: «واذ اعتزلتموهم وما يعبدون الا الله فأوا الى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من امركم مرفقاً» (سورة الكهف: 16). وقد اعتزل رسول الله صلى الله عليه وآله ودخل في شعب ابي طالب هو والمسلمون الاوائل مبتعداً عن قريش واذاها. وجاءت العزلة ممدوحةً في اقتطاع فرص العمر للطاعات والعبادات، او للابتعاد عن مفاسد المجتمع اذا طغت وعجز المؤمنون عن انكارها باليد واللسان، وممدوحةً في اكتساب حالة النومة التي يراد بها الابتعاد عن اضواء الشهرة واسمعة والرياء، ودواعي الغرور والعجب والتسابق على حطام الدنيا ونسيان الآخرة والغفلة عن التكاليف الشرعية، وترك الخوض مع الناس في شرورهم وانحرافاتهم، ومن هنا جاء عن امير المؤمنين علي (عليه السلام) قوله: العزلة افضل شيم الاكياس (اي العقلاء) وقوله: «في اعتزال ابناء الدنيا (اي طلابها وحبابوها) جماع الصلاح». ولعل في العزلة القلبية عن التعلق بالناس والعزلة النسبية عن المجتمع فوائد كثيرةً منها: التخلص من الذنوب والمهلكات والاخلاق الذميمة كالحسد والغيبة والرياء والكذب والبذاء وغيرها من المآثم، اذا كان الغالب على الناس الشر والفساد، فالامام علي (عليه السلام) يقول: «لا سلامة لمن اكثر مخالطة الناس» ويقول: «سلامة الذين في اعتزال الناس. من اعتزل الناس سلم من شرهم»... ثم في العزلة - أيها الاخوة الافاضل- فرصة لاداء العبادات، وللتفكر والتدبر ومحاسبة النفس واصلاحها، بعيداً عن دوامة الاختلاط بالمجتمع... حتى جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله: «العزلة عبادة»، وعن الامام علي سلام الله عليه قوله: «الوصلة‌ بالله في الانقطاع عن الناس». كذلك ايها الاخوة الاحبة لاهل الاختلاط دلائلهم على تصحيح موقفهم، فهم يستدلون على ضرورة الاختلاط الاخوي بقوله تعالى: «اذ كنتم اعداءً فالف بين قلوبكم فاصبحتم بنعمته اخوانا» (آل عمران: 103) وقوله تعالى: «والف بين قلوبهم لو انفقت ما في الارض جميعاً ما الفت بين قلوبهم ولكن الله الف بينهم» (الانفال: 63) فامتن الله جل وعلا على عباده ان الف بينهم وقيل: المراد هناك بالتأليف هو نزع الغوائل والاحقاد من الصدور. وقد احتج هولاء بأن النبي الاكرم )صلى الله عليه وآله وسلم( قال: «المؤمن الف مألوف، ولا خير فمن لايألف، ولا يؤلف!».. وانه صلى الله عليه وآله قال: «من فارق الجماعة فمات مات ميتةً جاهلية!» اجل، اذ لابد للمؤمن ان يتضامن مع اخوانه المؤمنين في بعض الظروف والمواقف، ويتوحد الى صفوفهم، بل ويندمج معهم في العبادات كصلاة الجمعة والجماعة ومناسك الحج .. ثم كيف هو يتعلم المعارف ويعلمها، ويهتدي بالنصائح ويرشد بها، ويقضي حوائج اخوانه ويقضون حوائجه، ويرعى حقوق الناس والجواب والاخوان في التزاور وعيادة المرضى، وصلة الارحام والاصدقاء وتشييع الجنائز واصلاح ذات البين، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر... اذا ثم يدخل في غمار المجتمع؟! اذ لا يتم النفع والانتفاع، ولا التأدب والتأديب ولا الايناس والاستئناس، ولا نيل الثواب وانالته، ولا اكتساب التجارب والمقامات الا من خلال المعاشرات والمخالطات ... التي ينبغي ان يراعى فيها الثوابت الشرعية والمحاذير العقلية، ‌فلا ينسى المرء انه عبد لله تعالى، فلا يتلف نفسه ووقته وحياته كلها مع الناس وينسى عبادته وشؤون اسرته، ومهامه الخاصة، ومشاريعه الشخصية. وختاماً - ايها الاخوه الافاضل- لكل ظروفه، ولكل من العزلة والمخالطة فوائدهما واضرارهما، فالعاقل من اجتنى العوائد الطيبة واخذ لنفسه حظه منها، وتجنب كل ما يجر عليه وعلى ذويه سوءاً، فلله تبارك و تعالى علينا حق، وللازواج حق، وللعيال حق، ثم النفوس حق، فلابد من اعطاء كل ذي حق حقه، لا افراط ولا تفريط، ولا ضرر ولاضرار... فالمعاشرة المطلوبة‌ما امر الله عزوجل بها اداءً للتكاليف واصابة للحسنات وتطييباً لأجواء العائلة والمجتمع من خلال الصلات الطيبة وتبادل الخيرات كذا العزلة المطلوبة ما امر الله جل وعلا للتفرغ الى طاعته واكتساب المعارف وانجاز المهام والابتعاد عن المساوئ والرذائل. واخيراً: مع هاتين الروايتين: قال الامام الحسن المجتبي صلوات الله عليه: «اصحب من اذا صحبته زانك، واذا خدمته صانك واذا اردت منه معونة اعانك، واذا قلت صدق قولك، واذا صلت شد صولك وان مددت يدك بفضل مدها، وان بدت عنك ثلمه سدها...» وسأل الحواريون عيسي ابن مريم (عليهما السلام): يا روح الله، من نجالس؟ فقال: «من يذكركم الله رؤيته، ويزيد في عملكم منطقه، ويرغبكم في الآخرة عمله». الراوي: لما رأي ابن ميثم البحراني العالم الفاضل ان اهل زمانه لا يقدرون العلم ويفضلون عليه المال ومظاهر الدنيا، اخذ بشيء من العزلة، فكتب اليه اهل العراق: علماء العراق: شخص: العجب منك يا ابن ميثم، انك مع شدة مهارتك في جميع المعارف والعلوم قاطن في ظلوع الاعتزال، ومخيم في زواية موجبة لخمود نار الكمال! الراوي: فكتب اليهم في جوابهم: الراوي: طلبت فنون العلم ابغي بها العلى فقصر بي عما سموت به القلتبين لي ان المحاسن كلهافروع ... وان المال فيها هو الاصلالراوي: وكان ابن ميثم يذم اهل زمانه بهذا اذ تقييمهم اصبح ميزانه المال، فكتب علماء ‌العراق اليه يعاتبونه: شخص: اخطأت في ذلك- يا ابن ميثم- خطاً ظاهراً، وحكمك بأصالة المال عجب بل اقبل تصب. الراوي: فكتب ابن ميثم هذه الابيات وهي لاحد الشعراء‌ المتقدمين: قد قال قوم على قديمما المرء الا باكبريهفقلت قوله امري حكيمما المرء الا بدرهميهمن لم يكن درهم لديهلم تلتفت عرسه اليهالراوي: وهو بذلك يحكي حالة المجتمع يومذاك، ولكنه رأي أن المراسلات معهم غير مقنعة، فذهب الى العراق بلباس خشنة وهيئة رثة ودخل بعض المدارس المشحونة بالعلماء‌ فسلم عليهم فجاء الرد ضعيفاً اذ لم يعرفوه واثناء المباحثه وقعت بينهم مسألة صعبة كلت فيها افها مهم، فأجاب عنها بتسعة اجوبة في غاية ‌الدقة‌ حتى اذا احضر الطعام لم يواكلوه بل افردوه بشء قليل على حدة. ثم عاد اليوم الثاني وقد لبس ملابس فاخرة بهيةً، فقاموا له تعظيماً، واستقبلوه تكريماً ووقروه واجلسوه في صدر المجلس مع الافاضل والاكابر، فلما شرعوا في المذاكرة تكلم معهم بكلمات عليلة لا وجه لها من العقل او الشرع، فلم يسمع الا كلمات التحسين والاذعان، والتعظيم... فلما حضرت مائدة الطعام قدم بانواع الادب، فالقى ‌الشيخ ابن ميثم البحراني عن كمه (اواخر ردن جبته) في ذلك الطعام وهو يقول: البحراني: كلي يا كمي.. كلي يا كمي البحراني: لقد اتيتم بهذه الاطعمة النفيسة لاجل اكمامي الواسعة، لا لنفسي اللامعة! والا فانا صاحبكم بالامس، ما رايت منكم تكريماً وتعظيماً‌ عندما جئتكم بهيئة الفقراء، وبعلم العلماء، واليوم جئتكم بلباس المترفين، وتحدثت بكلام الجاهلين، فرجحتم الجهل على العلم، والغنى على الفقر، وانا صاحب الابيات في اصالة المال عند الناس وقد قابلتموها بالتخطئة اليس كذلك؟! الراوي: فاعترفوا بخطأهم، واعتذروا عن تقصيرهم معه، وادركوا ان اغلب الناس لايقدرون الا المظهر الخارجي، فالاولى اعتزالهم الا في الضرورات. ******* المواقع الممدوحة للصمت والكلام - 25 2006-10-03 00:00:00 2006-10-03 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1085 http://arabic.irib.ir/programs/item/1085 الحمد لله الذي علمنا ما لا نعلم من الكلام، وافضل الصلاة وازكى التحية والسلام، على محمد وآله الطيبين الكرام. اخوتنا المستمعين الافاضل... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، رعاكم الله واهلاً بكم في همسة جديدة، تدور حول موضوع الكلام والصمت... فان لكل واحد منهما مواقعه وضروراته وان كان الصمت تغلب مواضعه وتزيد على الكلام، اذ لو خير احدنا بين الصمت مع انتظار الحقيقة، وبين الكلام متخبطاً لا يصل الى نفع ولا ينجو به مما يحذر فماذا سيختار؟ تعالوا ايها الاخوة ‌الاعزة نتأمل في هذا الحديث النبوي الشريف. يعذب الله اللسان بعذاب لا يعذب به شيئاً من الجوارح، فيقول: اي رب، عذبتني بعذاب لم تعذب به شيئاً! فيقال له: خرجت منك كلمة فبلغت مشارق الارض ومغاربها، فسفك بها الدم الحرام، وانتبها المال الحرام، وانتهك بها الفرج الحرام. وعزتي وجلالي لا عذبنك بعذاب لا اعذب به شيئاً من الجوارح. اذن فللكلام محاذير كثيرة وخطيرة... دنيوية واخروية، يأتي رجل الى رسول الله (صلي الله عليه وآله) فيقول: يا رسول الله اوصني، قال: احفظ لسانك. ثم كرر طلبه هذا ثلاث مرات وفي كل يوصيه النبي (صلي الله عليه وآله) بالوصية نفسها حتى قال له: «احفظ لسانك ويحك! وهل يكب الناس على مناخرهم في النار الا حصائد السنتهم؟!». اخوتنا الاكارم... ان الانسان خطاء كثير الزلل، وان نفسه لأمارة بالسوء، واكثر سوئه يتأتى من لسانه حين يطلقه ليل نهار في كل موضوع وحديث، وقد قال امير المؤمنين علي (عليه السلام): «من كثر كلامه كثر خطأه، ومن كثر خطأه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار»... وسمع الصحابي عبد الله بن مسعود وهو على جبل الصفا يلبي ثم يقول: يا لسان! قل خيراً تغنم او اصمت تسلم من قبل ان تندم فقيل له: اهذا شيء تقوله، أو شيء سمعته؟ قال: بل سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله يقول: ان اكثر خطايا ابن آدم في لسانه. وكان الامام علي (سلام الله عليه) يلفت القلوب الى رقابة الله تعالى على عباده، فينبغي ان يعلم العبد انه محاسب على ما يفعل ويقول، فكان (عليه السلام) يوصي: «تأمل ما تتحدث به، فانما تملي علي كاتبيك صحيفة يوصلانها الى ربك، فانظر على من تملي والى من تكتب». اجل ...والله تعالى يقول: «ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد» (سورة ق: 18) فهل راقبنا انفسنا، والسنتنا، اذا انساقت نحو آفة من آفات اللسان: كالغيبة والنميمة، والفحش والبذاء، والفضول والمراء، والخوض في المخاصمة والباطل، واللعن والسب، والمزاح المحرم والاستهزاء، وافشاء السر والوعد الكاذب، واليمين الكاذبة والقول الكاذب، وما يستشعر منه السخط على قضاء الله وقدره.. وغير ذلك مما ينجر اليه اللسان ويجر الى غضب الله تعالى وسوء حسابه، وشديد عقابه، وحرمان جنته وثوابه. اخوتنا الاحبة.... ان للكلام ضروراته وفوائده، هذا لا شك فيه، وكذا له اضراره ومخاطره، فيكون الصمت نجاةً وسلامةً من آفات اللسان، فالصمت ممدوح لانه باعث علي الحكمة وذلك حين ينتظر المرء فيتأمل في اسباب الامور ونتائجها، ويعطي فرصةً كافيةً للعقل ان يفكر ويختار الموقف الصحيح، والمنطق السليم. ولهذا من كان كثير الصمت كان مهيباً محترماً ‌محبوباً لدى الناس، لا يسيء ولا يظلم ولا يستعجل الامور فيخطأ مع الآخرين... وتلك هي السلامة، والله تعالى يقول: «يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً / يصلح لكم اعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم» (سورة الاحزاب: 70-71) ويقول عزوجل: «يا ايها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين» (الحجرات:6) ... فالصمت غالباً ما يكون منجاةً للانسان من الزلل والمحذور ولذا يسمع امير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «صمت يكسبك الوقار خير من كلام يكسوك العار صمت يعقبك السلامة، خير من نطق يعقبك الملامة صمت يكسوك الكرامة خير من قول يكسبك الندامة». فكم ينبغي على المرء ان يراقب نطقه ولسانه، ويحاسب نفسه ويمسكها عن الخوض في كل حديث والاستغراق في كل موضوع، لئلا يكون همها الكرم فتلك آفة كبرى اذا ابتلي بها المرء اطلق عنان لسانه، فجاء عليه بكل سوء... والعاقل كما يعرفه امير المؤمنين عليه السلام لا يتكلم الابحاجته اوحجته. نعم يتفكر اولاً قبل ان يتكلم فان رأى في كلامه موضعاً مناسباً، واصابةً لمرضاة الله تكلم والا صمت، فقد يكون سكوته واجباً وقد يكون كلامه واجباً هذا يحدده موقفه لا شهوته في الكلام فربما قال قولاً جر الى مقتلة، او قال كلمةً اخمدت فتنة وربما سكت عن حق حتى اضيع او قتل به مظلوم، وربما صدع بكلمة دوت فآتت ثمار الخير والسعادة فاحقت حقاً وابطلت باطلاً وكشفت حقيقةً اذهبت كل وهم وتدليس وعرفت بسبيل الهدى. فالرأي الصحيح اولاً والنطق السليم ثانياً... فاذا جاء الكلام في محله جاء بالحكمة الحسنة، وقد يكون لا بد منه. الراوي: في (حلية الاولياء) لأبي نعيم، و(مناقب آل ابي طالب) لابن شهر آشوب، ان هشام بن عبد الملك حاكم بني امية حج سنةً، فلم يقدر علي استلام الحجر الاسود، لازدحام الناس، فنصب له منبر وجلس عليه، واطاف به اهل الشام، فبينما هو كذلك اذ اقبل الامام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام وهو احسن الناس وجهاً واطيبهم ريحاً فجعل يطوف حول الكعبة فاذا بلغ موضع الحجر الاسود تنحى الناس حتى استلمه هيبةً له عليه السلام... فقال شامي متعجباً مستاءً وهو يسأل هشاماً: الشامي: من هذا يا امير المؤمنين؟ ولماذا تنحى الناس وفسحوله هشام: لا اعرفه... لم اره من قبل... اني لا اعرفه. الفرزدق: ولكني اعرفه... نعم انا اعرفه. الشامي: ومن هو يا فرزدق؟! يا سائلي: اين حل الجود والكرمعندي بيان اذا طلابه قدمواهذا الذي تعرف البطحاء وطاتهوالبيت يعرفه... والحل والحرمهذا ابن خير عباد الله كلهمهذا التقي النقي الطاهر العلمهذا الذي احمد المختار والده صلى عليه الهي ما جري القلمهذا ابن سيدة النسوان فاطمة وابن الوصي الذي في سيفه نقماذا رأته قريش قال قائلها: الى مكارم هذا ينتهي الكرموليس قولك: من هذا؟ بضائرهالعرب تعرف من انكرت والعجمهذا ابن فاطمة ان كنت جهاهلهبجده انبياء الله قد ختمواالله فضله قدماً وشرفهجرى بذاك له في لوحه القلممن جده دان فضل الانبياء لهوفضل امته دانت له الاممكلتا يديه غياث عم نفعهماتستوكفان ولا يعروهما عدمسهل الخليقة لا تخشى بوادرهيزينه خصلتان: الحلم والكرممن معشر حبهم دين، وبغضهمكفر، وقربهم منجى ومعتصميستدفع السوء والبلوى بحبهمويستزاد به الاحسان والنعممقدم بعد ذكر الله ذكرهمفي كل فرض ومختوم به الكلمان عد اهل التقى كانوا ائمتهماو قيل: من خير اهل الارض قيل: هم... الراوي: الى آخر ابياته التي تجاوزت الاربعين بيتاً، فغضب هشام ابن عبد الملك ومنع جائزته وقال للفرزدق: هشام: الا قلت فينا مثلها يا فرزدق؟ الفرزدق: هات جداً كجده، واباً كابيه، واماً كامه ... حتى اقول فيك مثلها. الراوي: فحبسه هشام بعسفان بين مكة والمدينة فبلغ ذلك علي بن الحسين سلام الله عليه فبعث اليه باثني عشر الف درهم وقال (اعذرنا يا ابا فراس فلو كان عندنا اكثر من هذا لوصلناك به). فاعتذر الفرزدق عن قبول ذلك وقال: يا ابن رسول الله ما قلت هذا الذي قلت الا غضباً لله ولرسوله، فردها اليه الامام زين العابدين (عليه السلام) وقال :‌ «بحقي عليك لما قبلتها فقد رأى الله مكانك وعلم نيتك» فقبلها وجعل الفرزدق يهجو هشام بن عبد الملك وهو في السجن فكان مما هجاه به قوله: اتحبسنى بين المدينة والتياليها قلوب الناس يهوى منيبهاتقلب رأساً لم يكن راس سيدوعيناً له حولاء باد عيوبهافاخبر هشام بذلك، فاطلقه من السجن، واخرجه الى البصرة. ******* خلق الايثار - 24 2006-09-28 00:00:00 2006-09-28 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1084 http://arabic.irib.ir/programs/item/1084 الحمد لله باريء الخلائق أجمعين وأزكي الصلاة على حبيب الله العالمين، المصطفى الامين، وعلى آله الهداة الميامين. اخوتنا المستمعين الاعزاء... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، واهلاً بكم في همسة اخرى يدور حديثها حول خصلة هي أسمى درجات الكرم، وأرفع مفاهيمة، الا وهي خصلة «الايثار» التي هي فوق السخاء واعلى من الجود، لأن الايثار هو العطاء مع الحاجة، سئل الامام الصادق عليه السلام عن افضل الصدقة، فاجاب: جهد المقل، اما سمعت الله تعالى يقول: «ويؤثرون على‌ انفسهم ولو كان بهم خصاصة» (سورة الحشر: 9) والايثار هو تقديم الغير علي النفس، اما الخصاصة فهي الحاجة والفقر، وتوضيح الصورة لصفة الايثار يكون في هذه الرواية التي ينقلها لنا ابان بن تغلب انه سال الامام جعفر الصادق (عليه السلام) عن حق المؤمن على المؤمن، فاجابه: يا ابان دعه لاترده، قلت: بلى جعلت فداك. فلم ازل اردد عليه فقال: يا ابان، تقاسيمه شطر مالك. ثم نظر عليه السلام الي فرأى مادخلني فقال: يا ابان، اما تعلم ان الله عزوجل قد ذكر الموثرين على انفسهم؟ قلت: بلى جعلت فداك، فقال: اما اذا انت قاسمته فلم تؤثره بعد، انما انت وهو سواء، انما توثره اذا انت اعطيته من النصف الآخر. فالايثار ايها الاخوة الاكارم يحتل مرتبةً متميزةً في جدول الاخلاق الفاضلة، فالى كونه احساناً الي الغير، هو تفضيل للآخرين علي النفس، عطفاً عليهم وحباً للخير لهم. وهو صورة سامية من صور المشاركة الوجدانية والحسية بين المؤمن واخيه. ومن هنا سمع امير المؤمنين علي (عليه السلام) يصفه فيقول: «الايثار اعلى المكارم الايثار احسن الاحسان، واعلى مراتب الايمان. الايثار سجية الابرار، وشيمة الاخيار. كفى بالايثار مكرمة من آثر على نفسه استحق اسم الفضيلة». وجاء عن الامام محمد الباقر (عليه السلام) قوله: «لله تعالى جنة لا يدخلها الا ثلاثة: الي ان قال: ورجل آثر اخاه المؤمن في الله تعالى». والايثار بعد ذلك ايها الاخوة الافاضل سجية الانبياء والاوصياء (عليهم السلام) وهي تتجلى في النبي وآله صلوات الله عليه وعليهم، فقد قال موسي (عليه السلام): يا رب ارني درجات محمد وامته، ‌فقال يا موسى انك لن تطيق ذلك، ولكن اريك منزلة من منازله جليلة عظيمة، فضلته بها عليك وعلى جميع خلقي... فكشف سبحانه وتعالى لموسى (عليه السلام) عن ملكوت السماء فنظر الى منزلة كادت تتلف نفسه من انوارها وقربها من الله عزوجل، فقال يارب بماذا بلغته الى هذه الكرامة؟ قال: «بخلق اختصصته به من بينهم وهو الايثار. يا موسى، لا يأتيني احد منهم قد عمل به وقتاً من عمره الا استحييت من محاسبته، وبواته من جنتي حيث يشاء». اجل ايها الاخوة فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) المثل الاعلى في الايثار، فما سئل شيئاً فقال لا، وقد اقبل الى الجعرانة فقسم فيها الاموال وجعل الناس يسألونه فيعطيهم حتي الجاوه الي شجرة فاخذت برده وخدشت ظهره، وهم يسألونه فقال: ايها الناس، ردوا علي بردي، والله لو كان عندي عدد شجر «تهامة» نعماً لقسمته بينكم، ثم ما الفيتموني جباناً ولا بخيلاً. وكان صلي الله عليه وآله يؤثر علي نفسه البائسين والمساكين، فيجود عليهم بما عنده من مال وقوت، ويظل هو طاوياً، وربما شد حجر المجاعة على بطنه من شدة الجوع. وروي انه صلي الله عليه وآله ما شبع من خبز البر ثلاثة ايام حتي قبضه الله تعالى اليه. وكان الامام علي (سلام الله عليه) اشبه الناس برسول الله (صلي الله عليه وآله) فكان يأكل الخبز بالزيت او الملح ويطعم الناس الخبز واللحم. وهو الذي آثر فقيراً علي نفسه حين مد يده وهو في صلاته ليتناول الفقير خاتم الامام (عليه السلام) فنزلت الآية المباركة كما اجمع المفسرون في اسباب نزولها وهي قوله تعالى: «انما وليكم الله ورسوله والذين امنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون» (المائدة: 55). ومرض الحسنان عليهما السلام يوماً فنذر امير المؤمنين وفاطمة الزهراء (عليهما السلام) ان يصوما ثلاثة ايام لله تعالى شكراً اذا عوفي ولداهما، فلما عوفيا صاما اليوم الاول فاذا وضع الخوان وقف رجل علي بابهما يقول: السلام عليكم يا اهل بيت محمد انا مسكين من مساكين المسلمين، اطعموني مما تاكلون اطعمكم الله على موائد الجنة. فوضع الامام علي (عليه السلام) اللقمة من يده وقدم الخوان الي المسكين ليبيتوا تلك الليلة جياعاً لم يذوقوا الا الماء، ويصوموا غداً، فيأتيهم يتيم فيقدموا ما عندهم له، فيبيتوا على جرعة ماء، وهكذا اليوم الثالث ياتيهم اسير فيؤثرونه على انفسهم ويطوون تلك الليلة جياعاً ايضاً لم يذوقوا غير الماء، اتماماً للنذر بعدها يهب الامين جبرئيل عليه السلام بوسام الهي يتلوه علي النبي الاكرم (صلي الله عليه وآله وسلم) فيبشر به آل علي (عليهم السلام)، وهو قوله تعالى: «ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً واسيراً / انما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً / انا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً / فوقاهم الله شرّ ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسروراً / وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً» (سورة الانسان: 8-12). والايثار الاعظم... كان يوم بات الامام علي صلوات الله عليه ليلة هجرة النبي صلي الله عليه وآله في فراش المصطفى، وقد عرض نفسه الشريفة للقتل اذ هجم طغاة قريش عليه وهم يظنون انه رسول الله فنزل جبرئيل فرحاً بقوله تعالى: «ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله، والله رؤوف بالعباد» (سورة البقرة: 207) وقد باهى الله تعالي بعلي (عليه السلام) ملائكته قائلاً لهم: «انظروا الى حجتي بعد نبيي وقد بذل نفسه، وعفر خده في التراب تواضعاً لعظمتي اشهدكم انه امام خلقي ومولى بريتي». وعلى سر ابيهم كان ابناء امير المؤمنين (عليه السلام)... سئل الامام الحسن المجتبى(ع): لاي شي نراك لا ترد سائلاً وان كنت على فاقة؟! فقال: اني لله سائل وفيه راغب وانا استحيي ان اكون سائلاً، وارد سائلاً.. وروي عن الامام زين العابدين (عليه السلام) ان عمته العقيلة زينب (عليها السلام) كانت تودي صلواتها من الفرائض والنوافل عند سيرها في قافلة الاساري من الكوفة الى الشام، وفي بعض المنازل كانت تصلي من جلوس لشدة الجوع والضعف لانها كانت تقسم ما يصيبها من الطعام على الاطفال. الراوي: نقل الخوارزمي الشافعي في كتابه (مقتل الحسين عليه السلام) ان الامام الحسين عليه السلام ذهب يوماً الي بستان له، ومعه اصحابه جاء بهم ليطعمهم من ثمار بستانه، فلما دخل رأى غلاماً له اسمه «صافي» وهو ياكل خبزاً، فاخذ الامام الحسين عليه السلام ينظر اليه مستتراً من وراء نخلة و «صافي» يرفع رغيفه ويرمي بنصفه الى الكلب، ويذلك هو النصف الآخر، فاكبر الامام الحسين عليه السلام هذا الايثار من غلامه وخادمه «صافي» الذي قال بعد ان اكمل اكل قرصة. صافي: الحمد لله رب العالمين، الله اغفر لي واغفر لسيدي، وبارك له كما باركت على ابويه (علي وفاطمة) برحمتك يا ارحم الراحمين. الراوي: فقام الامام الحسين عليه السلام واقبل على «صافي» يناديه، يا صافي يا صافي صافي: يا سيدي وسيد المؤمنين اني ما رأيتك فاعف عني. الراوي: فقال له الحسين سلام الله عليه: اجعلني في حل يا صافي، لاني دخلت بستانك بغير اذنك. فقال «صافي»: صافي (بحياء): بفضلك يا سيدي وكرمك وسؤددك تقول هذا. الراوي: فسأله الامام الحسين (عليه السلام): رأيتك ترمي بنصف الرغيف للكلب، وتأكل النصف الآخر فما معنى ذلك؟ صافي: سيدي، ان هذا الكلب ينظر الى حين آكل، فاستحيي منه يا سيدي لنظره الي، وهو كلبك الذي يحرس بستانك من اللصوص، فانا يا سيدي مملوكك وهذا كلبك فاكلنا رزقك معاً. الراوي: فبكى الامام الحسين (عليه السلام) وقال لغلامه: انت عتيق الله وقد وهبت لك الفي دينار بطيبة من قلبي. صافي: سيدي ان اعتقتني فانا اريد القيام ببستانك. الراوي: فقال له الامام الحسين (عليه السلام) ان الرجل اذا تكلم بكلام فينبغي ان يصدقه بالفعل، فانا قد قلت: دخلت بستانك بغير اذنك، فصدقت قولي ووهبت البستان وما فيه لك، غير ان اصحابي هؤلاء جاووا لأكل الثمار والرطب، فاجعلهم اضيافاً لك، واكرمهم من اجلي اكرمك الله يوم القيامة، وبارك الله لك في حسن خلقك وادبك. صافي: سيدي يا ابن رسول الله ان وهبت لي بستانك، فانا قد جعلته سبيلاً مباحاً لاصحابك وشيعتك ومحبيك كرامة لك يا سيدي. ******* الخوف والرجاء - 23 2006-09-26 00:00:00 2006-09-26 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1083 http://arabic.irib.ir/programs/item/1083 الحمد لله الاول قبل الانشاء والاحياء، والآخر بعد فناء الاشياء، وافضل صلواته على سيد الانبياء، وعلى آله الاوصياء. ايها الاخوة الاعزة... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، واهلاً بكم في هذا اللقاء الطيب معكم، وحديث آخر في موضوع مهم، وهو: الخوف والرجاء. والخوف من الله تعالى هو تألم النفس خشية من سخط الله وعقابه من جراء معصية او مخالفة. وهو من خصائص الاولياء وسمات المتقين، وباعث على الصلاح والتوبة. قال الرسول المصطفى صلى الله عليه وآله: «اعلى الناس منزلةً عند الله اخوفهم منه»، وقال امير المومنين عليه السلام: «الخوف جلباب العارفين». ومن هنا ايها الاخوة الاكارم نقرأ قوله تعالى: «انما يخشى الله من عباده العلماء» (سورة ‌فاطر: 28) ونسمع النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: «من كان بالله اعرف، كان من الله اخوف». وقد تكرر مدح الخائفين في كتاب الله العزيز، وكان من ذلك قوله جل وعلا: «ان الذين يخشون ربهم بالغيب، لهم مغفرة واجر كبير» (سورة الملك). «واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى / فان الجنة هي الماوى» (النازعات: 40-41) وفي ظل قوله تعالى: «ولمن خاف مقام ربه جنتان» (سورة الرحمان: 46). قال الامام الصادق (عليه السلام): «من علم ان الله يراه ويسمع ما يقول، ويعلم ما يعمله من خير او شر، فيحجزه ذلك عن القبيح من الاعمال فذلك الذي خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى». وهنا لابد ايها الاخوة‌ من الاشارة الى ضرورة الاعتدال في الخوف، حسناً للظن بالله عزوجل، فالافراط في الخوف يودي الى الياس والتفريط يبعث على الاهمال والتقصير والتمرد على طاعة الباري جل جلاله... لذا يوصي الامام جعفر الصادق سلام الله عليه فيقول: «ارج الله رجاءً لا يجرئك على معاصيه، وخف الله خوفاً لا يؤيسك من رحمته». اخوتنا الافاضل... قد يرغب احدنا بعد هذا ان يتعرف على النصائح التي لو عمل بها استشعر الخوف من الله جلت عظمته، نعم... يوصي علماء الاخلاق ان يسعى المومن في تركيز الاعتقادات الحقة في قلبه... من الايمان بالله تعالى ومفهوم المعاد والحساب والثواب والعقاب والتأمل في آيات الجنة والنار، فالله تعالى يقول: «انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم، واذا تليت عليهم آياته زادتهم ايماناً وعلى ربهم يتوكلون» (الانفال: 2). ولابد لمن يريد ان يستشعر الخشية من الله جلت قدرته ان ينصت بقلبه الى المواعظ البليغة للقرآن الكريم والاحاديث النبوية الشريفة، وحكم اهل البيت عليهم السلام ووصاياهم... وان يتفكر في حالات الانبياء والاوصياء عليهم السلام وكذا الصالحين والاولياء، كيف كانت ضراعاتهم وتلك مناجاة الامام زين العابدين علي بن الحسين صلوات الله عليهما اذ يقول فيها: «ما لي لا ابكي! ولا ادري ما يكون مصيري، وارى نفسي تخادعني، وايامي تخاتلني، وقد خفقت عند راسي اجنحة الموت، فما لي لا ابكي، ابكي لخروج نفسي، ابكي لظلمة قبري، أبكي لضيق لحدي، ابكي لسوال منكر ونكير اياي، ابكي لخروجي من قبري عرياناً ذليلاً، حاملاً ثقلي على ظهري...». والسؤال المطروح ما هو مصداق الخوف من الباري تعالى، وما علامته؟ قال الامام علي (عليه السلام): «من رجا شيئاً طلبه، ومن خاف شيئاً هرب منه ما ادري ما خوف رجل عرضت له شهوة فلم يدعها لما خاف منه! وما ادري ما رجاء رجل نزل به بلاء فلم يصبر عليه لما يرجو!». وقال الامام الصادق (عليه السلام): «لا يكون العبد مومناً حتى يكون خائفاً راجياً، ولا يكون خائفاً راجياً حتى يكون عاملاً لما يخاف ويرجو». واما الرجاء ايها الاخوة الاحبة فهو انتظار امر محبوب تمهدت اسباب حصوله كمن زرع بذراً في ارض طيبة ورعى ذلك البذر بالسقي والمداراة فرجا منه النتاج والنفع. وهذا الرجاء‌ اذا تساند مع الخوف، تعادلت حالة الانسان وتوازنت فلا يجرؤ على الذنوب خوفاً من سخط الله وعذابه ولا ييأس من رحمة الله تعالى املاً برحمته ورافته بعباده.. وهو بين هذا وذاك يعمل بالطاعات وينتهي عن المحرمات. وقد قيل: ان الرجاء اعذب مورداً واحلى مذاقاً من الخوف، لصدور الرجاء وانبعاثه عن الثقة بالله جل وعلا، وقد جاء في محكم التنزيل المجيد قوله عز من قائل: «قل يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعاً، انه هو الغفور الرحيم» (سورة ‌الرمز: 53). «ولا تيأسوا من روح الله انه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون» (سورة يوسف: 87) وقد رأى امير المومنين عليه السلام رجلاً اخرجه الخوف الى القنوط لكثرة ذنوبه، فقال عليه السلام له: «ايا هذا! يأسك من رحمة ‌الله، اعظم من ذنوبك». ونقرأ في سورة الانعام قوله تعالى: «واذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة‌ انه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فانه غفور رحيم» (الانعام: 54). فالرجاء علامة الاعتقاد بسعة رحمة الله وعظيم عفوه، وعلامة‌ حسن الظن بالله الكريم وهو القائل في حديث قدسي جليل: «انا عند ظن عبدي بي ان خيراً فخير وان شراً فشر». ثم ان المؤمن الموالي له عظيم رجاء بشفاعة من يحب ويكرم ويوالي، وهم محمد وآل محمد صلوات الله عليه وعليهم. روى الزمخشري في (الكشاف) والفخر الرازي في (التفسير الكبير) والثعلبي في (عرائس المجالس) ... ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «الا من مات على حب آل محمد مات شهيداً. الا ومن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له.. الا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة، ثم منكر ونكير». نعم ايها الاخوة الحذر الحذر من ان ياخذنا الغرور او التمادي في المعاصي بسبب الرجاء، فعلينا الاعتدال والتوازن والعمل في الطاعات والخوف من الذنوب ثم عقد الآمال برحمة الله تعالى وعطفه... فقد جاء قول الله تعالى في الحديث القدسي: «لا يتكل العاملون على اعمالهم التي يعملون بها لثوابي، فانهم لو اجتهدوا واتعبوا انفسهم اعمارهم في عبادتي كانوا مقصرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون من كرامتي والنعيم في جناتي، ورفيع الدرجات العلى في جواري... ولكن برحمتي فليثقوا، وفضلي فليرجوا، والى حسن الظن بي فليطمئنوا فان رحمتي عند ذلك تدركهم، وبمني ابلغهم رضواني والبسهم عفوي فاني انا الله الرحمان الرحيم، بذلك سميت». الراوي: دخل احد الحكماء على الحاكم المهدي العباسي وكان ظالماً قاسياً، فتظاهر انه يحب الموعظة ... فقال له الحكيم: الحكيم: أليس هذا الكرسي الذي تحكم عليه، قد جلس عليه ابوك وعمك قبلك؟! العباسي (باذعان): نعم.. نعم الحكيم: الم تكن لهم اعمال تخاف انت عليهم الهلكة منها؟ العباسي: اجل .. اجل الحكيم: اذن، فانظر ما خفت عليهم منه فاجتنبه، وما رجوت لهم فآته... والا فما رجاؤك؟! ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها!ان السفينة لا تجري على اليبسالراوي: كان عبد الله بن عباس الصحابي المعروف، يكرم شاباً يعمل في حفر القبور للمسلمين فعوتب على ذلك، لان العمل في حفر القبور مكروه فقال ابن عباس لهم اذا خرج هذا الشاب الى القبور فاعلموني. فخرج الشاب في بعض الليالي يتخلل القبور، فاخبر ابن عباس بذلك، فذهب خلفه لينظر ما يكون من امره. الشاب (بخشوع): ويا ويحي اذا دخلت لحدي وحدي! ونطقت الارض من تحتي فقالت: لا مرحباً بك ولا اهلا! قد كنت ابغضك وانت على ظهري فكيف وقد صرت في بطني! بل ويحي اذا نظرت الى الانبياء وقوفاً، والملائكة صفوفاً، فمن عدلك غداً من يخلصني، ومن الذين ظلمتهم من يستنقذني، ومن عذاب النار من يجيرني؟! عصيت من ليس بأهل ان يعصى، وعاهدت ربي مرةً بعد اخرى، فلم يجد عندي وفاء ولاصدقا.. آه آه! الشاب: ها من انت. ابن عباس: نعم النباش! نعم النباش! ما انبشك للذنوب والخطايا! الراوي: ثم تفرقا، وحفار القبور ياخذه الخوف الى ترك المعاصي والخشية من عقاب الجبار، ودخول النار. وياخذه الرجاء الى رحمة العطوف الغفار! ******* العُجب - 22 2006-09-19 00:00:00 2006-09-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1082 http://arabic.irib.ir/programs/item/1082 الحمد لله المتفضل المنان، وازكى صلواته على المصطفى حبيب الرحمان، وعلى آله الهداة الى‌ التقى والايمان. اخوتنا الاعزة الافاضل... السلام عليكم ورحمة‌ الله وبركاته، حياكم الله واهلاً ومرحباً بكم في همسة اخرى حول «العجب»، ذلك الداء الخطير، الذي عرفه علماء ‌الاخلاق بانه استعظام الانسان نفسه، لاتصافه بخلة كريمة، او مزية مشرفة، كالعلم والمال والجاه والعمل الصالح. وعرف العجب آخرون فقالوا: هو تعظيم العمل الصالح واستكثاره والتغنج والادلال بواسطته واعتبار الانسان نفسه غير مقصر ولا قاصر. وليس بالضرورة ان يصاحب العجب تعال على الآخرين، فان التعالى من شأن التكبر. وتنشأ رذيلة العجب - ايها الاخوة الاعزة- من حب المرء لنفسه وذاته، ومنه يكون اساس الاخطاء والمعاصي والرذائل الاخلاقية، فيرى اعماله الصغيرة كبيرة، والناقصة ‌كاملة، ويعتقد انه من الصالحين الذين يستحقون كل ثناء ومدح. وللعجب في نظر علماء الاخلاق اربع مراتب: الاولى: ‌يمن فيها المعجب بنفسه في قلبه بايمانه على الله تعالى، حتى يتخيل ان دين الله عزوجل قد اكتسب رونقاً بايمانه واعماله. وهذا اخطر العجب واهلكه. الثانية: يدلي فيها المعجب على الله تعالى باعماله فيتصور انه المقرب عند ربه عزوجل. الثالثة: يرى فيها المعجب انه دائن لله ومستحق لثوابه، وليس مديناً او ان الله تعالى تفضل عليه ووفقه للطاعة‌ والخير. الرابعة: يرى المعجب انه متميز على سائر الناس، وافضل منهم بالايمان، واكمل من عامة‌ الناس، فيخدش اعمالهم الصالحة فيما يرى اعماله خالصةً لاتناقش. وقيل ايضاً ايها الاخوة الاكارم ان للعجب درجات: الاولى: العجب بالايمان والمعارف الحقة. الثانية: العجب بالملكات الفاضلة والخصال الحميدة. الثالثة: العجب بالاعمال الصالحة والافعال الحسنة ووراء كل ذلك تزيين خادع... فقد سئل الامام الكاظم عليه السلام عن العجب الذي يفسد العمل، فقال: العجب درجات، منها: ان يزين للعبد سوء عمله فيراه حسناً، فيعجبه ويحسب انه يحسن صنعاً، ومنها: ان يومن بربه فيمن على الله عزوجل، ولله عليه فيه المن! وللعجب مساوئه الخطيرة - ايها الاخوة- منها: انه يجر صاحبه الى الكبر والتعالى والتجبر على الآخرين ومقتهم. ومنها: انه يعمي صاحبه عن نقائصه واخطائه وذنوبه مهما عظمت. ومنها: انه يفسد الاعمال الصالحة ويردي صاحبه الى الحضيض والانحطاط. رأى موسى عليه السلام ابليس وعليه برنس، فسأله: ما هذا البرنس؟ قال: به اختطف قلوب بني آدم. فقال له موسى: فاخبرني بالذنب الذي اذا اذنبه ابن آدم استحوذت عليه. قال ابليس: اذا اعجبته نفسه، واستكثر عمله، وصغر في عينيه ذنبه! وفي الرواية: قال ابليس لجنوده: اذا استمكنت من ابن آدم في ثلاث لم ابال ما عمل فانه غير مقبول منه: ‌اذا استكثر عمله ونسي ذنبه ودخله العجب. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، واعجاب المرء بنفسه... وهو محبط للعمل، وهو داعية المقت من الله سبحانه». وخاطب السيد المسيح (عليه السلام): يا معشر الحواريين، كم من سراج اطفاته الريح، وكم من عابد افسده العجب! ولما مر علينا ايها الاخوة الاحبة ورد النهي والذم معاً في العجب فقال تعالى: «فلا تزكوا انفسكم، هو اعلم بمن اتقى» (سورة النجم). وجاء عن امير المومنين عليه السلام في غرر حكمه، ودرر كلمه، قوله: «العجب يفسد العقل. العجب رأس الحماقة. العجب هلاك هلك من رضي عن نفسه ووثق بما تسوله له». والجدير بالذكر ايها الاخوة الاعزة هو ان العجب المذموم ما كان استكثاراً للعمل الصالح وادلالاً به، واما السرور به مع التواضع لله تعالى والشكر له على توفيقه لطاعته، فذلك ليس من العجب ولا ضير فيه. اما ان يخرج المرء نفسه من التقصير والنقص، ويدعي الكمال والصلاح ويمن بما وهبه الله على الله وعلى العباد فذلك هو العجب المذموم الذي يفضل عليه الذنب مع التوبة والاستغفار... لان العجب اشد من ذنوب الجوارح، فان العجب ذنب من ذنوب القلب وهو خطير فذنب الجارحة يزول بالتوبة ويكفر بالطاعات، ‌والعجب خلق ذميم يصعب ازالته، وهو مفسد للطاعات مهبطها عن درجة القبول. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «لولا ان الذنب خير للمومن من العجب، ما خلى الله بين عبده المومن وبين ذنب ابداً». يفسر ذلك الامام الصادق (عليه السلام) فيقول: «ان الرجل ليذنب الذنب فيندم عليه ويعمل العمل فيسره ذلك فيتراخى عن حاله تلك، فلأن يكون على حاله تلك خير له مما دخل فيه» اي من العجب. ويروى انه دخل رجلان المسجد، احدهما عابد، والآخر فاسق.. فخرجا من المسجد والفاسق قد اصبح صديقاً، والعابد فاسقاً! وذلك ان العابد دخل مدلاً بعبادته ممتنا معجباً، ودخل الفاسق نادماً على فسقه مستغفراً مما اتى من الذنوب. واخيراً... لخطورة العجب، لابد من التفكير بعلاجه على نحو جدي، بان يتفكر المعجب ان كل ما عنده من الملكات هي هبات ربانية تدعوه الى التواضع والى الشكر، وانه معرض بعدها الى الضعف والاقدار والموت فليس من العقل ان يعجب بنفسه وملاكها الهوان والهلاك. قال امير المومنين علي (عليه السلام): ما لابن آدم وللعجب! اوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وهو بين ذلك يحمل العذرة! وقال الامام الباقر (عليه السلام) ناصحاً: سد سبيل العجب، بمعرفة النفس. الراوي: اتي عالم عارف، الى عابد متنسك فقال العالم يسأل العابد: العالم: ايها العابد كيف صلاتك؟ العابد (باعجاب): امثلي يسأل عن عبادته؟ وانا اعبد الله هذه السنين الطويلة! العالم: اذن ايها العابد كيف بكاؤك؟ العابد: أبكي .. حتي تجري دموعي جرياناً. العالم: احب ان اقول لك ايها العابد: ان ضحكك وانت خائف من الله تعالى، افضل من بكائك وانت مدل ممتن على الله تعالى، فان المدل لا يصعد من عمله شيء! الراوي: روي عن الامام جعفر الصادق (عليه السلام)... ان عيسى ابن مريم عليهما السلام كان من شرائعه السياحة في البلاد، فخرج في بعض سيحه ومعه رجل من اصحابه كان كثير اللزوم لعيسى عليه السلام فلما انتهى عليسى عليه السلام الى البحر قال: بسم الله، بصحة يقين منه عليه السلام، فمشى على ظهر الماء فقال الرجل حين نظر الى عيسى عليه السلام جازه: بسم الله، بصحة يقين منه، فمشى الرجل على الماء حتى لحق بعيسى عليه السلام وهنا دخله العجب بنفسه فقال في نفسه: الرجل(هامساً): هذا عيسى روح الله يمشي على الماء، وانا امشي على الماء فما فضله علي؟! الراوي: ثم قال عيسى (ع) له: ما قلت؟! الرجل (بخجل): قلت: هذا روح الله يمشي على الماء،‌ وانا امشي على الماء، فدخلني من ذلك عجب. الراوي: فقال له عيسى (عليه السلام): لقد وضعت نفسك في غير الموضع الذي وضعك الله فمقتك الله على ما قلت، فتب الى الله عزوجل مما قلت. فتاب الرجل، وعاد الى مرتبته التي وضعه الله فيها. الراوي: وعن الامام علي بن موسى الرضا (عليه السلام): ان رجلاً كان في بني اسرائيل عبد الله تبارك وتعالى اربعين سنة فلم يقبل منه فقال لنفسه: العابد: ما اتيت الا منك ولا اكديت الا لك. الراوي: فاوحى الله تبارك وتعالى اليه: ذمك نفسك افضل من عبادتك اربعين سنة! ******* برُّ الوالدين - 21 2006-09-13 00:00:00 2006-09-13 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1081 http://arabic.irib.ir/programs/item/1081 الحمد لله في آناء الليل واطراف النهار، وازكى الصلاة والسلام على النبي المختار، وعلى آله الهداة الاخيار. اخوتنا الافاضل... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وتحياته، واهلاً بكم في هذا اللقاء ‌الذي يسعدنا ان نتحدث فيه حول خلق كريم، وامر الهي عظيم، الا وهو «بر الوالدين» فان الوالدين قد حظيا في كتاب الله تعالى بتوصيات الهية عديدة، منها قوله جل وعلا: «وقضى ربك الا تعبدوا الا اياه وبالوالدين احساناً، اما يبلغن عندك الكبر احدهما او كلاهما فلا تقل لهما اف ولا تنهرهما، وقل لهما قولاً كريماً / واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً». قال الامام جعفر الصادق عليه السلام في ظل قوله تعالى «وبالوالدين احساناً»: «الاحسان ان تحسن صحبتهما، وان لا تكلفهما ان يسألاك شيئاً مما يحتاجان اليه وان كانا مستغنيين»... ثم قال عليه السلام: ان اضجراك فلا تقل لهما اف ولا تنهرهما ان ضرباك... ان ضرباك فقل لهما: غفر الله لكما، فذلك منك قول كريم.. «واخفض لهما جناح الذل من الرحمة» قال: «لا تملأ عينيك من النظر اليهما الا برحمة ورقة، ولا ترفع صوتك فوق اصواتهما، ولا يدك فوق ايديهما، ولا تقدم قدامهما». وفي سورة لقمان، نقرأ قوله تعالى: «ووصينا الانسان بوالديه حملته امه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك الي المصير». قال الامام الرضا عليه السلام: «ان الله عزوجل ... امر بالشكر له وللوالدين فمن لم يشكر والديه لم يشكر الله». وفي اكرام البار بوالديه، ورد عن الامام الصادق عليه السلام، ان رسول الله صلى الله عليه وآله أتته أخت له من الرضاعة، فلما نظر اليها سر بها، وبسط ملحفته لها فأجلسها عليها، ثم اقبل يحدثها ويضحك في وجهها ثم قامت فذهبت وجاء اخوها فلم يصنع رسول الله به ما صنع بها، فقيل له في ذلك، فقال صلى الله عليه وآله: «لأنها كانت أبر بوالديها منه». ولذا كان الامام السجاد علي بن الحسين عليه السلام يدعو قائلاً: «اللهم اجعلني اهابهما هيبة السلطان العسوف وابرهما بر الام الرؤوف واجعل طاعتي لوالدي وبري بهما اقر لعيني من رقدة الوسنان، واثلج لصدري من شربة الظمان، حتى اوثر على هواي هواهما، واقدم على رضاي رضاهما». وفي رسالة الحقوق... كتب الامام زين العابدين علي بن الحسين صلوات الله عليهما: «اما حق ابيك، فان تعلم انه اصلك وانه لولاه لم تكن فمهما رايت في نفسك مما يعجبك فاعلم ان اباك اصل النعمة عليك فيه، فاحمد الله واشكره على قدر ذلك». اذن ايها الاخوة الاعزة ما احرانا بالحذر من الوقوع في عقوق الوالدين وفيما نهى الله عزوجل في شأنهما حتى قال الامام الصادق عليه السلام: أدنى العقوق: «اف، ولو علم الله شيئاً اهون منه لنهى عنه». وقال عليه السلام: «عقوق الوالدين من الكبائر، لان الله عزوجل جعل العاق عصياً شقياً»، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله: يقال للعاق: «اعمل ما شئت، فاني لا اغفر لك». وورد - اخوتنا الاكارم- ان عقوق الوالدين من الذنوب التي تظلم الهواء، وانه يعقب القلة ويودي الى الذلة ويأتي بالفقر المعنوي، ويحرم المرء من التوفيق لطاعة الله عزوجل... والى ما ذلك من الآثار الخطيرة. ولعل احدنا يتساءل: ما هي صور العقوق؟ والجواب على ذلك انها عديدة، منها: ان يحد المرء نظره الى والديه، او ينظر اليهما نظر ماقت كاره، او ان يحزنها ويوذيهما بقول او فعل اولا يوقرهما ولا يتأدب معهما في كلام او تصرف. فاذا اراد برهما فعليه ان يشكرهما على كل حال. ويوقرهما وان يطيعهما فيما يامرانه وينهيانه عنه، في غير معصية الله تعالى. بل ورد وجوب برهما في حياتهما وبعد وفاتهما... كيف؟ هذا ما نتبينه بعد هذه الوقفة القصيرة. جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله هل بقي من بر ابوي شي ابرهما به بعد موتهما؟ قال: «نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وانفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل الا بهما، واكرام صديقهما». وعن الامام الصادق عليه السلام قال: «ما يمنع الرجل منكم ان يبر والديه، حيين او ميتين: يصلي عنهما ويتصدق عنهما، ويحج عنهما، ويصوم عنهما فيكون الذي صنع لهما وله مثل ذلك، فيزيده الله عزوجل ببره وصلته خيراً كثيراً». وعن الامام الباقر عليه السلام: «ان العبد ليكون باراً بوالديه في حياتهما ثم يموتان فلا يقضي عنهما دينهما ولا يستغفر لهما فيكتبه الله عز وجل عاقاً وانه ليكون عاقاً لهما في حياتهما، غير بار بهما، فاذا ماتا قضى دينهما، واستغفر لهما، فيكتبه الله عزوجل باراً». ويصل بر الوالدين درجة ايها الاخوة الاحبة ان الله تعالى يامر باكرامهما ولو لم يكونا موحدين ولا بارين لقول الامام الباقر عليه السلام: «ثلاث ولم يجعل الله عزوجل لاحد فيهن رخصة: أداء الامانة الى البر والفاجر، والوفاء بالعهد للبر والفاجر، وبر الوالدين: برين كانا او فاجرين». وقال رجل للامام الصادق عليه السلام: «ان لي ابوين مخالفين، فقال عليه السلام: برهما كما تبر المسلمين ممن يتولانا». وروي عن الامام الرضا عليه السلام قوله: «بر الوالدين واجب، وان كانا مشركين، ولا طاعة لهما في معصية الخالق». وعن معمر بن خلاد قال: قلت لابي الحسن الرضا عليه السلام: ادعو لوالدي اذا كانا لا يعرفان الحق؟ فقال: أدع لهما، وتصدق عنهما، وان كانا حيين لا يعرفان الحق فدارهما، فان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «ان الله بعثني بالرحمة، لا بالعقوق». الراوي: يروي زكريا بن ابراهيم عن نفسه هذه الواقعة فيقول: كنت نصرانياً فاسلمت وحججت فدخلت على ابن عبد الله الصادق عليه السلام فقلت: زكريا: اني كنت على النصرانية واني اسلمت. الراوي: فسأله الامام الصادق عليه السلام: واي شيء رأيت في الاسلام؟ زكريا: قول الله عز وجل: «ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا، وانك لتهدي الى‌ صراط مستقيم» (الشوري:52). الراوي: فقال له الامام الصادق عليه السلام: لقد هداك الله. ثم قال: اللهم اهده، اللهم اهده، اللهم اهده. سل عما شئت. زكريا: يا ابن رسول الله ان ابي وامي على النصرانية، واهل بيتي، وامي مكفوفة البصر، فاكون معهم وآكل في آنيتهم؟ الراوي: فسأله الامام عليه السلام: يأكلون لحم الخنزير؟ زكريا: لا، ولا يمسونه. الراوي: فقال عليه السلام: لاباس، فانظر امك فبرها، فاذا ماتت فلا تكلها الى غيرك، كن انت الذي تقوم بشأنها، ولا تخبرن احداً انك اتيتني حتى تاتيني بـ (منى) ان شاء الله. الراوي: فأتيته بـ (منى) والناس حوله كأنه معلم صبيان، هذا يسأله وهذا يسأله. فلما قدمت الكوفة الطفت لامي، وكنت اطعمها وافلي ثوبها ورأسها، واخدمها، فقالت لي: الام: يا بني، يا زكريا، ما كنت تصنع بي هذا وانت على ديني دين النصرانية، فما الذي ارى منك منذ هاجرت فدخلت في الحنيفية؟! زكريا: يا اماه، رجل من ولد نبينا امرني بهذا. الام: هذا الرجل هو نبي؟ زكريا: لا ولكنه ابن نبي. الام: يا بني هذا نبي، ان هذه وصايا الانبياء! زكريا: يا اماه، انه ليس يكون بعد نبينا نبي، ولكنه ابنه. الام: يا بني دينك هذا خير دين، فاعرضه علي. زكريا: فعرض عليها الاسلام فدخلت فيه، وعلمها الصلاة‌ فصلت الظهر والعصر والمغرب والعشاء الاخرة، ثم عرض لها عارض بالليل فقالت: الام (وهي في حالة احتضار): يا بني يا زكريا... زكريا: نعم يا اماه، لبيك يا اماه. الام: اعد علي ما علمتني. زكريا: فاعاده عليها، فاقرت بحقائق الاسلام ثم ماتت رحمها الله. فلما اصبح كان المسلمون معه فتولى امرها، وكان هو الذي صلى عليها و انزلها في قبرها. ******* السخاء - 20 2006-09-06 00:00:00 2006-09-06 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/164 http://arabic.irib.ir/programs/item/164 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والسلام على سيد الانبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين. اخوتنا الاكارم ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، اهلاً بكم في موضوع جديد حول صفة يحبها الله تعالى، حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: «ان الله جواد، يحب الجود، ويحب معالي الأخلاق، ويكره سفاسفها». وفي ظل قوله تعالى: «وانك لعلى خلق عظيم» (سورة القلم: 4) يفسر الامام الصادق عليه السلام الخلق العظيم بـ: السخاء، وحسن الخلق. اما حد السخاء، فقد سئل الامام الصادق عليه السلام فبينه بقوله: «تخرج من مالك الحق الذي أوجبه الله عليك، فتضعه في موضعه». وفي رواية أخرى قال سلام الله عليه: «ليس السخي المبذر الذي ينفق ماله في غير حقه، ولكنه الذي يؤدي الى الله عزوجل ما فرض عليه في ماله، من الزكاة وغيرها». والسخاء - أيها الاخوة الاعزة- صفة حميدة، تعبر عن شجاعة القلب، وعن الرحمة بالآخرين وحب الخير لهم، كما تعبر عن انعتاق النفس من شدة تعلقها بحطام الدنيا من الأموال وغيرها. والسخي المؤمن انسان متق ملب لأمر الله تعالي، فهو يؤدي الزكاة والخمس وما عليه، وما يستطيعه من الصدقات والهبات، يقدمها للمحتاجين والمعوزين من غير امتنان أو ايذاء، كذا يصفه الله تبارك وتعالى في كتابه المجيد: «الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذىً، لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون / قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم» (سورة البقرة : 262-263). والسخي اخوتنا الافاضل انسان عاقل، يعلم ان ما بيده هو عطاء من الله تبارك وتعالى فكيف يقبل عطاء الله عزوجل ثم لا يقبل امره بالانفاق منه على المساكين والفقراء؟! ان السخي المؤمن يرى ان الملك الحقيقي للأموال هو لله جل وعلا، وانما للانسان ملك اعتباري، يمتحن فيه... فالخطاب الالهي القادم: «ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم اول مرّة وتركتم ما خَوَّلناكم وراء ظهوركم» (الانعام: 94). فالانسان مخول في الاموال مدة، فاذا كان سخياً فقد عبر عن ايمانه اولاً، وعن تخلقه بالاخلاق الرفيعة ثانية، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله: «السخاء خلق الله الاعظم»، وعن الامام جعفر الصادق عليه السلام قوله: «السخاء من اخلاق الانبياء، وهو عماد الايمان، ولا يكون مؤمن الا سخي، ولا يكون سخياً الا ذو يقين وهمة‌ عالية، لان السخاء شعاع نور اليقين، ومن عرف ما قصد، هان عليه ما بذل». اخوتنا الاعزة الكرام ... اذا كان لكل خلق شرفه، فما هو شرف السخاء يا ترى؟ ان السخاء احد أبواب البر، وهو معبر عن سمو النفس وحبها باشراك المحرومين في التمتع بنعم الله تبارك وتعالى، فالسخي متخلص من حالة الانانية وايثار الخير لنفسه دون الآخرين ولذا فهو محبب الى القلوب موقر بين الناس، وهو عند الله تعالى مكرم مقرب.. قال النبي صلى الله عليه وآله: «السخي قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة... والبخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، قريب من النار». وفي كتاب الله تعالى نقرأ: «فأما من اعطى واتقى / وصدق بالحسنى / فسنيسره لليسرى / واما من بخل واستغنى / وكذب بالحسنى / فسنيسره للعسرى / وما يغني عنه ماله اذا تردى» (سورة الليل: 5-11). والسخي تضفى عليه صفة‌ الكرامة، اضافةً الى محبة الناس له لانه حيي، يستحي أن يسأل فلا يجيب، بل يستحي أن يرى سائلاً او محتاجاً ثم لا يبادر الى اعانته، وهذا هو السخاء الحق، لقول الامام الصادق عليه السلام: «السخاء ما كان ابتداءً، فأما ما كان من مسألة فحياء وتذمم»، فيقدم السخي على الخير، فيما ينكمش البخيل فلا يكرم نفسه وان ازدرته العيون، ولذا يقول أمير المؤمنين علي عليه السلام: «السخي شجاع القلب، والبخيل شجاع الوجه». وفي الآخرة - ايها الاخوة الاحبة- الى أين مآل السخاء؟ يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: «السخاء شجرة في الجنة أصلها، وهي مطلة على الدنيا، من تعلق بغصن منها اجتره الى الجنة». ويقول صلى الله عليه وآله: يؤتى يوم القيامة برجل فيقال: احتج، فيقول: يارب، خلقتني وهديتني، وأوسعت علي.. فلم ازل أوسع على خلقك وأنشر عليهم لكي تنشر علي هذا اليوم رحمتك وتيسره، فيقول الرب تعالى: صدق عبدي، ادخلوه الجنة. ويقول صلى الله عليه وآله: «ان السخاء من الايمان، والايمان في الجنة». وعن الامام الكاظم عليه السلام قال: «السخي الحسن الخلق في كنف الله، لا يستخلي الله منه حتى يدخله الجنة، وما بعث الله نبياً ولا وصياً الا سخياً، ولا كان أحد من الصالحين الا سخياً». وكان من شرف السخاء ان اصبح سبيلاً للهداية او النجاة، فقد رأى النبي صلى الله عليه وآله عدي بن حاتم الطائي فقال له: ان الله دفع عن أبيك العذاب الشديد، لسخاء نفسه. وكان صلى الله عليه وآله يوصي بمسامحة الكريم اذا أخطأ، تكريماً لسخائه، فيقول: «تجافوا عن ذنب السخي، فان الله اخذ بيده كلما عثر، وفاتح له كلما افتقر». وقد قدم محارب يهودي لرسول الله صلى الله عليه وآله، فنزل جبرئيل عليه السلام يقول: يا محمد، ربك يقرئك السلام ويقول: لا تقتله، فإنه حسن الخلق، سخي في قومه. فأسلم اليهودي. وعن الامام الباقر عليه السلام: أتي النبي صلى الله عليه وآله بمجموعة من المشركين المحاربين فأمر بقتلهم وخلى رجلاً من بينهم. فقال الرجل: كيف أطلقت عني من بينهم؟ فقال: اخبرني جبرئيل عن الله جل جلاله، ان فيك خمس خصال يحبها الله ورسوله: الغيرة على حرمك، والسخاء، وحسن الخلق، وصدق اللسان، والشجاعة. فلما سمعها الرجل أسلم وحسن اسلامه، وقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وآله قتالاً شديداً... حتى استشهد. الراوي: جاء رجل من الانصار الى الامام الحسين عليه السلام يسأله حاجة، فقال له الحسين عليه السلام: يا أخا الانصار، صن وجهك عن بذلة المسألة، وارفع حاجتك في رقعة، فاني آت فيها ما سارك ان شاء الله. فكتب الرجل: الرجل: يا أبا عبد الله، ان لفلان علي خمسمائة دينار، وقد ألح بي، فكلمه ينظرني الى ميسرة. الراوي: فلما قرأ الامام الحسين عليه السلام الرقعة دخل الى منزله، فأخرج صرةً فيها ألف دينار وقال له: اما خمسمائة فاقض بها دينك، وأما خمسمائة فاستعن بها على دهرك. ولا ترفع حاجتك الا الى أحد ثلاثة: الى ذي دين، أو مروة، أو حسب... فأما ذو الدين، فيصون دينه. وأما ذو المروة، فإنه يستحيي لمروته. وأما ذو الحسب فيعلم انك لم تكرم وجهك ان تبذله له في حاجتك، فهو يصون وجهك ان يردك بغير قضاء حاجتك. الراوي: ووفد اعرابي الى المدينة المنورة، فسأل عن أجود الناس وأسخاهم واكرمهم، فدل على الامام الحسين عليه السلام، فدخل فوجده مصلياً، فوقف الاعرابي بازائه وانشأ يقول: لم يخب اليوم من رجاك ومن حرك من دون بابك الحلقةأنت جواد وانت معتمدأبوك قد كان قاتل الفسقةلولا الذي كان من اوائلكمكانت علينا الجحيم منطبقةالراوي: وبعد السلام... قال الامام الحسين عليه السلام لخادمه قنبر: هل بقي من مال الحجاز شيء؟ قال قنبر: نعم، أربعة آلاف دينار. قال عليه السلام: هاتها، فقد جاء من هو أحق بها منا. ثم نزع عليه السلام برديه من على ظهره الشريف ولف بهما الدنانير الاربعة آلاف، وأخرج يده الكريمة من شق الباب حياءً من الاعرابي، وأنشأ يخاطبه: خذها... فاني اليك معتذرواعلم بأني عليك ذو شفقةلو كان في سيرنا الغداة عصاًامست سمانا عليك مندفقةلكن ريب الزمان ذو غيروالكف مني قليلة النفقةفأخذها الاعرابي وبكى.. فقال له الامام الحسين عليه السلام: لعلك استقللت ما أعطيناك. الرجل: لا، ولكن كيف يأكل التراب جودك؟! الراوي: بكى الاعرابي حسرة من أن يدفن مثل هذا السخي الجواد تحت التراب، ولم يعلم ان التراب لم يأكل جوده، ولا بدنه، وانما اكلته سيوف أعداء الله ورماحهم، فأعملوا في بدنه القدسي حرابهم وسهامهم، وسيوف الحقد والكفر، والخبث والغدر. ******* النصيحة - 19 2006-08-21 00:00:00 2006-08-21 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/163 http://arabic.irib.ir/programs/item/163 الحمد لله المنعم الوهاب، وافضل الصلاة وأزكاها على النبي المصطفى وآله الأطياب. اخوتنا المستمعين الاعزاء ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في لقائنا المتجدد هذا معكم، وحديث جديد آخر، يدور حول خلق كريم ينم عن محبة الانسان للآخرين، وحرصه على‌ خيرهم وصلاحهم وسلامتهم من الآفات والذنوب والنكبات، ذلك هو «النصيحة» و هي تنطوي عن معان طيبة، عن المودة والاخلاص، والحكمة. فالنصيحة - أيها الاخوة الاكارم- هي التحذير من الخطأ أو تداركه لازالة الحالة القبيحة أو سترها، واعادة ‌السلامة الى السلوك القويم، فردياً او اجتماعياً. والناصح الذي يهتم بصلاح الآخرين، يحقق مصداق اسلاميته، لقول النبي الاكرم «صلى الله عليه وآله»: من اصبح ولم يهتم بأمور المسلمين، فليس منهم. والنصيحة - الى ذلك- معبرة عن الايمان والتقوى، لأنها استجابة لداعي الله تبارك وتعالى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبالنصيحة يودي الناصح فريضةً واجبةً وتكليفاً شرعياً يقع على عاتقه تجاه أسرته واخوته في الله تعالى. قال الامام محمد الباقر عليه السلام: «يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة».. ومن قبل كانت النصيحة مهمة الانبياء والاوصياء صلوات الله عليهم أجمعين. قال تعالى على‌ لسان نوح(ع): «أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم» (الاعراف: 62) وعلى لسان هود(ع): «ابلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح امين» (الاعراف: 68) وعلى يلسان صالح(ع): «لقد ابلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم» (الاعراف: 79) والنصيحة في كل ذلك هي الاخلاص، وهي أيضاً اشفاق على الناس... قال امير المؤمنين علي عليه السلام: «أشفق الناس عليك، أعونهم لك على صلاح نفسك، وأنصحهم لك في دينك». *******وفي داخل الأسرة - أيها الاخوة الافاضل- حيث المحبة والاخلاص والغيرة، لابد من التناصح، فلا يبخل الاب باسداء نصائحه الى أولاده، يعلمهم الآداب والاحكام الشرعية، وينبه زوجته الى المسائل التربوية المهمة، وكذا يكون التناصح بين الاخوة والاخوات، وبين الاقرباء والاصدقاء.. ولكن هنا - اخوتنا الاعزة الكرام- لابد أن يتحلى الناصح ببعض الصفات والشروط، لكي تكون نصيحته نافعةً ومؤثرةً ومثمرة، له ولاخوانه... من ذلك: أن يكون صادقاً حسن النية في نصيحته، لا يبتغي اهانة ‌المقابل او تضعيف شخصيته، أو الانتقام منه والتسلط عليه. وان يسبق الناصح نصيحته، بأن يحاسب نفسه وينصحها قبل الآخرين، يقول الامام علي عليه السلام: «من نصب نفسه للناس اماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه». فيكون النصح بالعمل - أيها الاخوة- قبل النصح باللسان. وعلى الناصح أن يكون عالماً بصحة ما ينصح به، مميزاً بين الحق والباطل، والخير والشر، والحرام والحلال، قبل أن يبادر الى النصيحة، والا أمر بالمنكر ونهى عن المعروف جهلاً منه بالاحكام والآداب. ثم عليه أن يكون عاقلاً ‌حكيماً، يعرف متى وأين يسدي نصيحته ويدلي بتوجيهه، وفي أي حالة، فربما أخطأ في التوقيت فلم تقبل منه نصيحته، يقول الشاعر: تعمدني بنصحك في انفراديوجنبني النصيحة في الجماعةفإن النصح بين الناس نوعمن التوبيخ.. لا أرضى استماعهفإن خالفتني وعصيت أمريفلا تغضب اذا لم تعط طاعة! والاسلوب ايها - الاخوة الاحبة- له دور مهم وكبير في نجاح النصيحة وابلاغها الى قلوب الآخرين، فاذا كان الناصح ذا اسلوب ذكي حكيم، عرف كيف يبدأ ويدخل في الموضوع، وكيف يختار المبادرة ومتي، وكيف يختار العبارات المناسبة للمنصوح ما يتلائم مع الموضوع المطروح، فيفتح قلبه، ثم يصب فيه الحكمة والموعظة الحسنة... فالقلب هو الطريق الاسهل الى العقل، هذا مع مراعاة الامزجة والاعتبارات الخاصة للناس ومستوى عقولهم وأخلاقهم. اما المنصوح، فينبغي عليه أن يتحلى بخصال تعينه على الاستفادة من النصيحة التي يقدمها له والده أو اخوانه وأصدقاؤه، من ذلك: أن يقبل النصيحة من كل أحد، اذا شعر أنها تنفعه، فلا يهمه ان كان الناصح غريباً او صغيراً، او غير مؤمن متقي ... قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «كلمة الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو احق بها». وقال الامام علي عليه السلام: «الحكمة ضالة كل مؤمن، فخذوها ولو من أفواه المنافقين». ثم على المنصوح أن يكون صابراً متواضعاً، لكي ينتفع بالنصائح الملقاة. وأن يكون رحب الصدر وسيعه، مهياً النفس لقبول النصيحة، كيما يوفق لأخذها... قال الامام الصادق عليه السلام: لا يستغني المؤمن عن خصلة وبه الحاجة الى ثلاث خصال: توفيق من الله عزوجل، وواعظ من نفسه، وقبول ممن ينصحه. تلك هي الغنيمة يحصل عليها ويفوز بها من كان منصتاً لناصحه، مطيعاً لتوجيهاته، ينصح أمير المؤمنين عليه السلام فيقول: «عليك بمجالسة أصحاب التجارب، فانها تقوم عليهم بأغلى الغلاء، وتأخذها منهم بأرخص الرخص». ويقول عليه السلام: «من أمرك باصلاح نفسك، فهو احق من تطيعه». وفي احدى وصاياه... قال الامام الهادي عليه السلام: «من جمع لك وده ورأيه، فاجمع له طاعتك». وكم من نصيحة - أيها الاخوة المؤمنون- أقالت عثرة، وسترت عيباً، وتداركت خطأً، وحلت مشكلة، وطردت وهماً وشكاً وشبهة واقامت حجة‌ وابعدت نظرةً سقيمة، وفتحت آفاقاً في سماء الخير والهداية، وزرعت محبةً الفةً بين الأهل والاخوان والأرحام، واصلحت ذات البين، وقربت بين الغرباء والمتخاصمين، ودفعت الى العلم النافع والعمل الصالح، وأنعشت القلوب والنفوس بالايمان والتقوى. *******الراوي: لما وصل هارون الرشيد الكوفة... خرج أهلها للنظر اليه وهو في هودج عال في ابهة السلطة وغطرستها، لكن بهلول لم يعبأ به. بهلول: يا هارون! يا هارون! هارون: من هذا المتجري علينا؟! الحرس: انه البهلول يا أمير المؤمنين. هارون: لأرى من هو بهلول. بهلول: يا أمير المؤمنين، روينا بالاسناد الى قدامة عن عبدالله العامري قال:‌ رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يرمي جمرة العقبة، لا ضرب أحداً ولاطرد، ولا قال للناس: اليك اليك. وتواضعك يا هارون في سفرك هذا، خير لك من أن تتكبر. هارون: نعم جيد ما تقوله يا بهلول. بهلول: أيما رجل آتاه الله مالاً وسلطاناً، وأنفق ماله، وعدل في سلطانه كتب في ديوان الله من الابرار. هارون: خذ هذه جائزتك. بهلول: لا حاجة لي في جائزتك، ردها الى من أخذتها منه. هارون: أفنجري لك يا بهلول رزقاً شهرياً يقوم بحالك؟ بهلول: يا هارون، انا وانت عيال الله فمحال أن يذكرك وينساني! الراوي: بنى بعض ملوك بني اسرائيل داراً، تكلف في سعتها وزينتها، ثم أمر ان يسأل عن عيبها، فلم يعبها أحد الا ثلاثة من العباد، وكان أحدهم قد أدخل عليه، فسأله الملك: الملك: ايها العابد، ما في هذا القصر من عيب؟ العابد: أيها الملك، ان في قصرك هذا عيبين. الملك: وما هما بالله عليك؟! العابد: الاول: أنه يخرب، والثاني: أن صاحبه يموت! الملك: وهل يسلم من هذين العيبين دار؟! العابد: أجل ايها الملك، يسلم منهما دار الآخرة. الراوي: فترك الملك ملكه، وتعبد مع اولئك العباد الثلاثة، ثم ودعهم بعد مدة، فتعجبوا وسألوه عن سبب رغبته في فراقهم، وهل رأى منهم ما يكره؟ فأجابهم: ولكنكم عرفتموني، فأنتم تكرمونني، وقد رغبت في صحبة من لا يعرفني! ******* الشُّـكر - 18 2006-08-16 00:00:00 2006-08-16 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1080 http://arabic.irib.ir/programs/item/1080 الحمد لله على جميع النعم والآلاء، والصلاة والسلام على المصطفى سيد المرسلين والانبياء، وعلى آله الهداة الامناء. اخوتنا المستمعين الافاضل... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله تعالى في هذا اللقاء وموضوع آخر جديد يدور حول «الشكر» الذي عرف بانه معرفة الاحسان والتحدث به، او الاعتراف بالنعمة على جهة تعظيم المنعم. وشكر العبد ربه هو من العبادات القلبية، يستشعر العبد فيها عظمة المعبود ويقر فيها المخلوق بعظيم فضل الخالق تبارك وتعالى... وذلك امر واجب لقول الله عزوجل في محكم تنزيله: «واعبدوه واشكروا له اليه ترجعون» (سورة العنكبوت: 17) وقوله عز من قائل: «فاذكروني اذكركم واشكروا لي ولا تكفرون» (سورة البقرة: 152).. وخاطب رب العزة نبيه الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له: «بل الله فاعبد وكن من الشاكرين» (سورة الزمر: 66) وكما ان الله تعالى خلقنا لعبادته فقال: «وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون» (الذاريات:56) كذا جعل سبحانه من العبادة شكره، وجعل ترك الشكر معصيةً تستوجب كفر النعم وغيره فقال عزوجل: «لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم ان عذابي لشديد» (ابراهيم: 7) «انا هديناه السبيل اما شاكراً واما كفوراً» (سورة الانسان: 3) فالشكر - ايها الاخوة الاكارم- فريضة واجبة اوجبها العقل والضمير والشرع وهو امر ممدوح ومطلوب يعطي للانسان انسانيته وكرامته... قال امير المومنين علي عليه السلام: «الشكر زينة الغنى. شكر النعمة، أمان من حلول النقمة. ما انعم الله على عبد نعمةً فشكرها بقلبه، ‌الا استوجب المزيد فيها قبل ان يظهر شكرها على لسانه». وجاء عن الامام علي الهادي عليه السلام: «الشاكر اسعد بالشكر منه بالنعمة التي أوجبت الشكر، لأن النعم متاع، والشكر متاع وعقبى». اجل.. فالله تعالى غني عن شكرنا، انما الشكر ينفعنا نحن العباد، فهو مدعاة الامان، وسبب لحصول الرحمة ودخول الجنان. اخوتنا الاعزة... اذا كان لكل امر مدعىً مقتضياته فما هي مقتضيات الشكر؟ يقول علماء الاخلاق: يقتضي للشاكر ان يكون طائعاً لله عزوجل، غير عاص له... قال الامام علي عليه السلام: «لو لم يتوعد الله سبحانه على معصيته، لكان يجب ان لا يعصى، شكراً لنعمه»، وقال الامام الصادق (عليه السلام): «شكر النعمة اجتناب المحارم...». ويتقضي للشاكر ان يكون قانعاً راضياً بما اعطاه الله تعالى، واثقاً بما عند الله سبحانه، صابراً على قضاء الله. وينبغي له ان يعلم، بان النعم التي تصله انما تأتيه بلطف الله ورحمته ورافته، وليس باستحقاق منه. ويجب على الشاكر ان يستيقن انه عاجز عن اداء الشكر حق الاداء، قال امير المومنين عليه السلام: «من شكر الله سبحانه وجب عليه شكر ثان، اذ وفقه لشكره، وهو شكر الشكر»، وفي احدى مناجاته يقول الامام علي ابن الحسين زين العابدين عليه السلام: «فكيف لي بتحصيل الشكر، وشكري اياك يفتقر الى شكر؟! فكلما قلت: لك الحمد، وجب علي لذلك ان اقول: لك الحمد». وقد اوحى الله تعالى الى موسى عليه السلام: يا موسى اشكرني حق شكري، فقال: يارب كيف اشكرك حق شكرك، وليس من شكر اشكرك به الا وانت انعمت به علي؟! فقال: «يا موسى شكرتني حق شكري حين علمت ان ذلك مني». وجاء عن الامام الصادق عليه السلام قوله: «تماما لشكر اعتراف لسان الستر خاضعاً لله تعالى بالعجز عن بلوغ ادنى شكره، لان التوفيق للشكر نعمة حادثة يجب الشكر عليها...». ومن هنا ايها الاخوة الاعزة نفهم بعض اسباب بكاء المعصومين عليهم السلام، من الانبياء والاوصياء، في دعواتهم، فيستغفرون ربهم اذ يشعرون بالعجز عن تادية شكره تبارك وتعالى. وتلك مناجاة الامام السجاد عليه السلام يقول فيها: «الهي... اذهلني عن اقامة شكرك تتابع طولك، واعجزني عن احصاء ثنائك فيض فضلك، وشغلني عن ذكر محامدك ترادف عوائدك، واعياني عن نشر عوارفك توالي اياديك...». واخيراً... ايها الاخوة الاحبة لا ينبغي للشاكر ان يكتفي بشكر اللسان، فالشكر الاهم هو شكر العمل، كما قال سبحانه في توجيه آل داود عليه السلام: «اعملوا آل داوود شكراً» (سبأ: 13) وشكر النعم وضعها في المواضع التي يرتضيها الله عزوجل، من خلال أداء الحقوق الشرعية، واعانة الفقراء والمساكين والمحرومين.. قيل للامام الصادق عليه السلام: هل للشكر حد اذا فعله العبد كان شاكراً؟ قال: «نعم.. يحمد الله على كل نعمة عليه في اهل ومال، وان كان في ماله حق اداه...». وتتعدد صور الشكر لله جل وعلا، فتكون في ادعية ومناجاة، وفي صلوات وسجدات وفي هبات ومساعدات واحياناً يكون في حسن الخلق كالعفو... يقول الامام علي عليه السلام: «اذا قدرت على عدوك، فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه». هكذا يشكر الله تعالى في صور عديدة، ومجالات كثيرة ومجالات شتى، حتى يكون الشكر لله سبحانه من خلال شكر عباده المحسنين... عن الامام علي بن الحسين عليه السلام قال: يقول الله تبارك وتعالى لعبد من عبيده يوم القيامة: اشكرت فلاناً؟ فيقول: بل شكرتك يارب، فيقول: «لم تشكرني اذ لم تشكره!» وجاء عن الامام علي بن موسى الرضا صلوات الله عليه: ان الله عزوجل... امر بالشكر له وللوالدين فمن لم يشكر والديه لم يشكر الله. وقال عليه السلام: «من لم يشكر المنعم من المخلوقين، لم يشكر الله عزوجل». الراوي: اتي الحجاج بن يوسف الثقفي بقوم اسرى كانوا قد خرجوا عليه فامر بقتلهم وبقي منهم واحد اجل قتله الى اليوم الثاني قال الحجاج لقتبة بن مسلم - وكان سجاناً عنده-: الحجاج: ليكن عندك، هذه الاسير وتغدو به علينا. الاسير: هل لك في خير؟ قتيبة: وما هو يا هذا؟! الاسير: ان عندي ودائع للناس، وان صاحبك الحجاج لقاتلي غداً، فهل لك ان تخلي سبيلي لأودع اهلي واطفالي، واعطي كل ذي حق حقه، وأوصى بما علي ومالي، والله تعالى كفيل لي ان ارجع اليك بكرةً قبل طلوع الشمس. قتيبة: ما هذا الهواء الذي تقوله يا رجل. الاسير: ارجوك يا هذا، لله على ان اعود اليك. قتيبة (بحسرة): اذهب، اذهب يا رجل، على ان تعود الى مبكراً غداً. الراوي: وما ان توارى الاسير حتى ندم قتيبة وكأنه انتبه الى خطاً كبير قد يودي بحياته عند الحجاج اذا لم يعد الاسير... وبات اطول ليلة لم يفارقه فيها الهم والقلق، فلما اصبح سمع طرقات على الباب. قتيبة (بعد فتحه الباب): من؟! انت هذا؟! ارجعت ايها الاسير؟! الاسير: اجل، اتريد الا ارجع وقد جعلت الله تعالى كفيلاً لي؟! قتيبة: هيا هيا لنذهب الى الحجاج. الاسير: حسناً حسناً لنذهب. الراوي: فأحضر قتيبة الاسير الي الحجاج وقص على الحجاج قصته، فاراد الحجاج ان يكا فيء سجانه قتيبة فاق له: الحجاج: يا قتيبة، هذا الاسير وهبته لك، فهو عبد مملوك لك. قتيبة: ايها الرجل، اذهب اين شئت فانت حر طليق ولا حاجة لي اليك. الاسير: اللهم لك الحمد... اللهم لك الحمد... قتيبة (مع نفسه): عجيب هذا الرجل، لا قالس لي: شكراً ولا قال لي: احسنت! انه مجنون ورب الكعبة. الراوي: فلما كان اليوم الثاني جاء الاسير الى قتيبة فقال له: يا قتيبة بن مسلم جزاك الله عني افضل الجزاء والله ما نسيت امس ان اشكر لك ما صنعت معي من احسان ولكني كرهت ان اشرك مع شكري لله تعالى شكر احد غيره!. ******* التواضع - 17 2006-08-10 00:00:00 2006-08-10 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/162 http://arabic.irib.ir/programs/item/162 الحمدلله ولي الاحسان، والصلاة والسلام على محمد وآله الهداة الى الجنان. اخوتنا وأعزتنا المستمعين الأكارم... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في همسة اخرى سيكون موضوعها حول «التواضع» الذي يعرفه الامام جعفر الصادق عليه السلام بقوله: التواضع اصل كل شرف نفيس ومرتبة رفيعة... والتواضع ما يكون لله، وفي الله، وما سواه مكر، ومن تواضع لله، شرفه الله على كثير من عباده، ولأهل التواضع سيماء يعرفها أهل السماوات من الملائكة، وأهل الارض من العارفين، قال الله عزوجل: «وعلى الاعراف رجال يعرفون كلاً بسيماهم» (الأعراف: 46). واصل التواضع من اجلال الله وهيبته وعظمته وليس لله عزوجل عبادة يرضاها ويقبلها الا وبابها التواضع، ولا يعرف ما في حقيقة التواضع الا المقربون من عباده المتصلين بوحدانيته، قال الله عزوجل: «وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هوناً، واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما» (الفرقان: 63). وقد امر الله عزوجل خير خلقه، وسيد بريته، محمداً صلى الله عليه وآله فقال عزوجل: «واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين» (الشعراء: 215). والتواضع مزرعة الخشوع والخضوع، والخشية والحياء،... ولا يسلم الشرف التام الحقيقي الا للمتواضع في ذات الله تعالى. *******اخوتنا الأكارم، اذا كان للأشياء صور، فإن للتواضع صوره، منها: أن يرضى المرء بالجلوس دون صدر المجلس وشرفه وان يسلم على من يلقى، وأن يترك المراء وان كان محقاً، فلا يجادل ليغلب المقابل وان كان أعلم منه، وان لا يحب ان يحمد على التقوى، وأن يعطي الناس ما يحب ان يعطوه. وقد سئل الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام عن حد التواضع الذي اذا فعله العبد كان متواضعاً فأجاب: التواضع درجات، منها: أن يعرف المرء قدر نفسه، فينزلها منزلتها بقلب سليم، لا يحب أن يأتي الى أحد الا مثل ما يؤتى اليه، ان رأى سيئةً درأها بالحسنة، كاظم الغيظ، عاف عن الناس، والله يحب المحسنين. اجل أيها - الاخوة الأعزة- وقد مدح الله تعالى المؤمنين، فكان مما عدده من صفاتهم: التواضع، فقال عز من قائل: «يا ايها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، اذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين» (المائدة: 54). وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله: لا حسب الا بتواضع وعن امير المؤمنين عليه السلام قوله: التواضع أفضل الشرفين. عليك بالتواضع فانه من أعظم العبادة. وفيما أوحى الله تعالى الى داود عليه السلام: «يا داود، كما أقرب الناس الى الله المتواضعون، كذلك أبعد الناس من الله المتكبرون» واذا كان لكل خلق ثمرته، فما ثمرة التواضع - أيها الاخوة-؟ قال النبي صلى الله عليه وآله: «تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد. ان التواضع يزيد صاحبه رفعة، فتواضعوا يرفعكم الله». وقال الامام علي عليه السلام: «بخفض الجناح تنتظم الامور. التواضع يكسوك المهابة. التواضع يكسبك السلامة. ثمرة التواضع المحبة». وعن الامام موسى الكاظم عليه السلام قال: «ان الزرع ينبت في السهل ولا ينبت في الصفا (أي الصخر) فكذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع، ولا تعمر في قلب المتكبر الجبار، لأن الله جعل التواضع آلة العقل، وجعل التكبر من آلة الجهل». *******وهنا - أيها الاخوة الاحبة- لابد أن نعلم أن التواضع صفة حسنة ممدوحة بشرط ألا يكون التواضع مع المتكبرين والكافرين والفاسقين والظالمين، انما يكون التواضع لله تعالى اولاً، وثانياً يكون في الله تعالى، أي يتواضع المرء لوالديه ولمن هو اكبر منه، وعلى الخصوص للمؤمنين، والآية واضحة في ذلك، وهي قوله تبارك وتعالى: «اذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين» وقد جاء عن النبي المصطفى صلى الله عليه وآله: «طوبى لمن تواضع لله تعالى في غير منقصة»... كما جاء ‌عن الامام علي عليه السلام قوله: «من أتى غنياً فتواضع له لغناه، ذهب ثلثا دينه». ولنا أيها الاخوة المؤمنون أسوة حسنة برسول الله صلى الله عليه وآله، فقد واجه طغاة قريش وجبابرتها، وحارب المستكبرين والظالمين، ولكنه كان بين المسلمين: يعود المريض، ويشيع الجنائز، ويجيب دعوة المملوك.. وفي بيته كان يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويحلب الشاه، ويكنس فناء الدار، ويأكل مع خادمه ويطحن معه، وكان يحمل بضاعته من السوق الى أهله، ويجالس الفقراء، ويحادث المستضعفين، ويصافح الاطفال ويرفق بالناس جميعاً، ويسلم على كل من يلقاه، ويمشي على الارض هوناً خافض الطرف... وعلى سيرته كان أهل البيت عليهم السلام، فمما روي: أن امير المؤمنين علياً عليه السلام زاره أخوان له مؤمنان: أب وابنه فقام عليه السلام اليهما وأكرمهما، وأجلسهما في صدر مجلسه وجلس بين أيديهما، ثم أمر لهما بطعام فأحضر، فأكل معهما، ثم جاء خادمه «قنبر» بطست وإبريق ومنديل، ليصب على يد الرجل الضيف، فوثب امير المؤمنين عليه السلام وأخذ الابريق ليصب على يد الرجل، فتمرغ الرجل في التراب وقال: يا امير المؤمنين الله يراني وأنت تصب على يدي؟ قال: اقعد واغسل، فان الله عزوجل يراك واخوك الذي لا يتميز منك ولا يتفضل عليك يخدمك، يريد بذلك في خدمته في الجنة، مثل عشرة أضعاف عدد أهل الدنيا، وعلى حسب مماليكه فيها. ثم أقسم عليه السلام على ضيفه أن يغسل يده مطمئناً كما لو كان الصاب عليه قنبر، ففعل الرجل، فلما فرغ، ناول الامام عليه السلام الابريق ابنه محمد بن الحنفية وقال له: يا بني، لو كان هذا الابن حضرني دون أبيه لصببت على يده، ولكن الله عزوجل يأبى أن يسوى بين ابن وأبيه اذا جمعهما مكان، ولكن قد صب الاب على الأب، فليصب الابن على الابن. فصب محمد بن الحنفية على الابن الضيف. *******الراوي: يحتاج المتكبر أحياناً الى تذكرة خاصة، فمن طريف ما يحكى في ذلك، أن مطرف بن عبد الله رأى المهلب وهو يتبختر في جبة خز فاخرة، فصاح عليه: مطرف: يا عبد الله، اما علمت بان هذه مشية يبغضها الله ورسوله؟! المهلب: أما تعرفني يا هذا؟! مطرف: بلى بلى، أعرفك... أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وانت فيما بين ذلك تحمل العذرة! الملبب: فذهب المهلب خجلاً، وترك هذه مشيته تلك. *******الراوي: أرسل النجاشي ملك الحبشة رضوان الله عليه الى جعفر الطيار بن أبي طالب رضي الله عليه وأصحابه، فدخلوا عليه وهو في غرفة له جالس على التراب، وعليه ثياب بسيطة جداً... النجاشي: الحمدلله الذي نصر محمداً وأقر عينه، الا أبشركم؟ جعفر: بلى، بلى أيها الملك؟ بماذا؟! النجاشي: انه جاء في هذه الساعة من نحو أرضكم مخبر من مخبرينا هناك، فأخبرني أن الله عزوجل قد نصر نبيه محمداً وأهلك عدوه.. التقوا بواد يقال له «بدر» كثير الاراك،‌لكأني أنظر اليه حيث كنت أرعى لسيدي هناك. جعفر: أيها الملك، فمالي أراك جالساً على التراب، وعليك هذه الخلقان من الثياب؟! النجاشي: يا جعفر، انا نجد فيما أنزل الله على عيسى،‌ أن من حق الله على عباده أن يحدثوا له تواضعاً عندما يحدث لهم من نعمة فلما أحدث الله تعالى لي نعمةً بمحمد أحدثت لله هذا التواضع. الراوي: وكان النجاشي رحمة الله قد أسلم، وتعلق قلبه بالنبي صلى الله عليه وآله وآوى المهاجرين الى الحبشة، جعفراً واصحابه، وأكرمهم وحماهم من كيد قريش ومكرها ... فلما بلغ النبي صلى الله عليه وآله ما قاله النجاشي رضوان الله عليه، قال صلي الله عليه وآله لأصحابه: ان الصدقة تزيد صاحبها كثرة، فتصدقوا يرحمكم الله. وان التواضع يزيد صاحبه رفعة، فتواضعوا يرحمكم الله . وان العفو يزيد صاحبه عزاً فاعفوا يعزكم الله. ******* الكذب - 16 2006-07-26 00:00:00 2006-07-26 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/161 http://arabic.irib.ir/programs/item/161 الحمدلله، وأفضل الصلاة على محمد حبيب الله، وعلى آله الهداة أولياء الله. اخوتنا الأفاضل... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، واهلاً بكم في لقائنا المتجدد هذا معكم، وحديث آخر حول صفة خطيرة، وخطيرة جداً ... هي الكذب. وابتداءً، لابد ان نعلم ايها الاخوة أن اللسان من نعم الله الكبرى، وهو أداة التعبير ووسيلة التفاهم، لكنه في الوقت نفسه أخطر عضو في الانسان، لأنه رحب الميدان، فمنه تنطلق أسباب الهداية والخير، أو أسباب الغواية والشر.... قال الامام محمد الباقر عليه السلام: «إن هذا اللسان مفتاح كل خير وشر...». واللسان لهذا السبب، ينبغي أن لا يطلق في كل مجال وكل حديث،... وأن يحفظ من الآفات الخطيرة: كالغيبة والنميمة، والكذب. والكذب يعرف بأنه الاخبار عن الامور بخلاف واقعها، منبعثاً عن العداوة أو الحسد أو الغضب أو الطمع، أو العادة الحاصلة من مخالطة الكذابين ... أو منبعثاً أحياناً عن المزاح! ويكون الكذب وسيلةً لازواء الحقيقة واخفائها، وأسلوباً لتضليل السامع وخداعه وايقاعه في الجهل والتوهم، حتى يجره ذلك الى العداوة، أو اتخاذ موقف ظالم حسب تصوره بناءً على تصديقه للأكاذيب التي تصدر بأشكال مختلفة، منها: قول الزور، وهو الباطل المضلل، وقد قرنه الله تعالى مع الشرك في النهي، فقال جل وعلا: «واجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور» (الحج: 30). واليمين الكاذبة، وغالباً ما يبتلى بها المتاجرون الذين يحلفون فيكذبون ويأثمون، من أجل أن تروج بضاعتهم، ويقتطعوا أموال الناس بهذه اليمين الكاذبة، وقد عبر الرسول صلى الله عليه وآله بأنهم الفجار. والبهتان هو الآخر من صور الكذب وألوانه، يكون باتهام الآخرين والاساءة الى سمعتهم، وسمي البهتان لأنه يحير السامع ويدهشه... وعقوبته هكذا: قال النبي صلى الله عليه وآله: «من بهت مؤمناً او مومنة، او قال فيه ما ليس فيه، أقامه الله على تل من نار، حتى يخرج مما قاله فيه». والوعد الكاذب، وهو صفة المنافقين، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: «ثلاث من كن فيه فهو منافق، وان صام وصلى وزعم انه مسلم: اذا حدث كذب، واذا وعد أخلف واذا ائتمن خان». ومن الكذب الخطير.. الكذب على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله، وعلى الائمة عليهم السلام، اما بنقل غير دقيق أو تحريف لمعنى عقائدي، او حكم شرعي... وهو من الكبائر العظمى، وفي الحديث النبوي الشريف: «من كذب علي متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار». *******ومن الصور الأخرى للكذب - اخوتنا الأعزة الاكارم- زخرف القول، وهو من عمل شياطين الجن والانس، وفيه الخداع والتضليل والتمويه، لقلب الحقائق وتشويه الوقائع. ويرافق هذا نوع آخر من الكذب يدعى بـ«الأراجيف» يطلقها أعداء الحق، لإحداث التزعزع، وتمكين الشكوك والبلبلة في نفوس المؤمنين، وهو من عمل المنافقين وأساليهم. بعد هذا - ايها الاخوة الاحبة - نتساءل: بماذا يتصف الكذاب؟! قيل: انه خائن، لقول النبي الاكرم «صلى الله عليه وآله وسلم» كبرت خيانة ان تحدث اخاك حديثاً، هو لك مصدق، وانت له به كاذب. وقد حذر منه امير المؤمنين عليه السلام فأوصى: «اياك ومصادقة الكذاب، فإنه كالسراب، يقرب عليك البعيد، ويبعد عنك القريب». والكاذب منافق، يعتقد بشي ويظهر بلسانه خلافه، وقد قال رسول الله صلي الله عليه وآله: الكذب باب من أبواب النفاق. والى ذلك فهو ظالم، فربما بكذبه افترى وشهد على مظلوم شهادة‌ زور، وبهت بريئاً واتهم مؤمناً، وربما كان الأظلم كما في قوله تعالى: «فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه، أليس في جهنم مثوىً للكافرين»؟! (سورة الزمر:32) والكاذب مريب، يشك في كلامه، ويرتاب من نواياه وقد دفعه الكذب الى التشكيك والتضليل والبهتان والتهمة والظلم والانتقام... وهو الجري بذلك على هتك الحرمات، وارتكاب المعاصي والموبقات، والمتخذ بين الناس أساليب الحيل والمخادعات! فهو شرير مريب: قال الامام الباقر عليه السلام: «ان الله عزوجل جعل للشر أقفالاً، وجعل مفاتيح تلك الاقفال الشراب (أي الخمر)، والكذب شر من الشراب»، وقال الامام العسكري عليه السلام: «حطت الخبائث في بيت، وجعل مفتاحه الكذب». *******واما آثار الكذب - أيها الاخوة- فكثيرة، وخطيرة... أخروية، ودنيوية. منها: مقت الله سبحانه وعقابه للكاذب... منها نقصان الرزق، واحتقار المجتمع للكاذب، وربما افتضح فأهين وازدريت شخصيته بين الناس ورفعت الثقة عنه، ولهذا يقول الامام امير المؤمنين عليه السلام: «دع الكذب تكرما ان لم تدعه تأثماً». والآن... وصلنا الى المحطة المهمة في الكذب، وهي كيف علاجه وهو الداء الخبيث الخطير؟! قيل: لابد من التأمل في أسباب الكذب للعمل على التخلص منها، وفي آثار الكذب للتهيب منها... وهنا لابد من مراجعة النصوص الشريفة في ذلك: آيات وروايات، للوقوف على‌ حقائق الكذب الرهيبة، ونتائجه المدمرة، فكم من مصائب كبرى، ونكبات عظمى، جرها الكذب على الناس ومازال ... فهل من متذكر، ومتعظ مدكر؟! فليوقر كل نفسه،‌ وينزه شخصيته، ويحفظ كرامته، ويخشى عاقبته، بامتناعه عن أذم الخصال وأرذلها... فقد عبر عنها الامام علي عليه السلام بقوله: «علة الكذب اقبح علة»، والامام الصادق عليه السلام بقوله: «لاداء أدوى من الكذب». نعم يجوز الكذب - أيها الاخوة الاعزة- في حالات، بل يرجح على الصدق في بعض المواقف، متى؟ في مكيدة الحرب ضد أعداء الدين، وفي الاصلاح بين اثنين، ومع الزوجة في موارد تدفع المشاكل من خلال عدة لاتتم، يرضيها اذا نزعت في مطامع دنيوية، أو حالات غيرة غير طبيعية. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «كل الكذب يكتب على ابن آدم، الا رجل كذب بين رجلين يصلح بينهما»، وقال الامام الصادق عليه السلام: الكلام ثلاثة: «صدق، وكذب، واصلاح بين الناس... تسمع من الرجل كلاماً يبلغه فتخبث نفسه، فتلقاه فتقول: سمعت من فلان قال فيك من الخير كذا وكذا، خلاف ما سمعت منه». كذا يجوز الكذب والانكار في مجال حفظ السر، وستر العيوب والفواحش وكتمانها، والاصلاح بين الضرات، والحفاظ على الأبرياء والمظلومين من شرور الظلمة، ودرء النميمة والضغينة... وكل ذلك في حدود وشروط خاصة، تحتاج في بعض الموارد الى استعمال التورية والكناية، وحتى القسم لحفظ النفوس من المخاطر الكبيرة كالهتك والقتل. وفي عداها فالكذب ذو ابعاد مخربة، وربما أدى بصاحبه قبل أن يودي بالمكذوب عليهم! *******الراوي: من ظريف ما يروى أن رجلاً كان يتسلى بالكذب، يتخذه وسيلةً للضحك على البسطاء... اسمه «سعيد»، ولكنه لم يحاول أن يسعد نفسه بالصدق والتقوى، وكان يشتغل في رعي أغنام له يسوقها كل يوم الى أطراف القرية التي يعيش فيها. فأراد يوماً ما أن يسخر من عقول أهل القرية ويضحك نفسه، فعمل مكيدة بأن نادى من أطراف الأكواخ من بعيد. الراعي: يا أهل القرية، النجدة النجدة! أنقذوني من الذئب، إنه سيفترسني. اهل القرية: ها هذا سعيد يطلب النجدة فلنسرع اليه هيا هيا يا رجال. الراعي: ها ها ها ... اني أحببت ان امزح معكم، فلا ذئب هناك، ولا حاجة الى كل هذا الاستعداد للحرب (ها ها ها يضحك). الراوي: فوبخه بعض ذويه، أن ذلك كذب لا مزاح، وانهم لا يثقون به بعد اليوم. ولكن ذلك لم ينفع مع سعيد، فحدث نفسه مرةً أخرى أن يكذب مازحاً، فصدقه بعضهم وهرع لنجدته، فرأوه يضحك ويقهقه انه اراد أن يمازحهم. وفي يوم من الايام، فاجأ سعيداً ذئب شرس، فأخذه الهلع ونادى بأعلى صوته: الراعي: يا اهل القرية! الذئب، الذئب... رجل1: لقد انقطعت انفاس سعيد ونداءاته، ولم يهرع اليه أحد. رجل2: انه يكذب، ولم يصدقه بعد أحد. رجل1: ولكنه لم يرجع بأغنامه. رجل2: ربما أكله ذئبه. رجل1: أو ربما أكله كذبه! ******* القناعة - 15 2006-07-09 00:00:00 2006-07-09 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/160 http://arabic.irib.ir/programs/item/160 بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله على جميع نعمه وآلائه، وأشرف صلواته على سيد رسله وأنبيائه، وعلى آله الهداة خلفائه وأوصيائه. اخوتنا المستمعين الطيبين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، واهلاً بكم في موضوع هامس آخر، يهتف بالقلوب الى فضيلة اخلاقية عالية وهي «القناعة»... وليست هذه الخصلة باليسيرة، فالله تعالى يقول: «ان الانسان خلق هلوعا/ اذا مسه الشر جزوعا/ واذا مسه الخير منوعا/ الا المصلين/ الذين هم على صلاتهم دائمون/ والذين في أموالهم حق معلوم/ للسائل والمحروم/ والذين يصدقون بيوم الدين/ والذين هم من عذاب ربهم مشفقون..» صدق الله العلي العظيم (سورة المعارج 19-27). ان كل ما في الوجود - أيها الاخوة- هو ملك لله تعالى، يهب منه ما يشاء، الى من يشاء، الى متى يشاء، لحكمة وامتحان، وهو القائل عز من قائل: «تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير/ الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور» (سورة الملك:1-2). فمشيئة الباري جل وعلا اقتضت أن يمتحن العباد في أرزاقهم، أيشكرون ام يكفرون؟ ايبذرون ام يقترون ام يقتصدون؟ أيعطون أم يبخلون؟ ثم أيقنعون أم يسخطون؟ ان الله تبارك وتعالى - اخوتنا الافاضل- ارادنا أن نكون له شاكرين، ومن معاني الشكر أن نكون بقسمه راضين، متزنين في مجرى الاقدار الالهية، بعيدين عن الحرص والتبذير، وكل افراط او تفريط... يدعو الامام زين العابدين عليه السلام ربه سبحانه فيقول: اللهم صل على محمد وآله، واحجبني عن السرف والازدياد (أي عن تجاوز حد الاعتدال)، وقومني بالبذل والاقتصاد، وعلمني حسن التقدير، واقبضني بلطفلك عن التبذير... *******ان المال - أيها الاخوة الاعزة- امر مرغوب، يجب أن نسعى‌ في تحصيله لقضاء الحوائج ومستلزمات المعيشة، ولكن ليكن سعينا في جمعه مجملين، نتحرى مسائل الحلال والحرام، ثم نقنع بكل ما يقدر الله تعالى لنا. واذا قدر لنا رزق وجهناه في مرضاة الله تعالى، وادينا حقوقه، وانفقناه في محله، فلا نهلع حريصين على جمع الاموال بشكل طائش، ولا نجزع ان قتر الرزق علينا ولا نمنع اذا وصل الخير الينا. فاذا سعينا في ذلك هبطت علينا الهبة الربانية، قال تعالى: «من عمل صالحاً من ذكر أو انثى فلنحيينه حياةً طيبة» (سورة النحل: 97). روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال في معنى الحياة الطيبة، انها القناعة والرضى بما قسم الله تعالى. وتتجسد حالة القناعة عند المؤمن في: التفاؤل وبسط الوجه، وعدم الشكوى او التفاقر، كذا وصف الله تعالى أهل القناعة والعفة فقال: «يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس الحافاً» (سورة البقرة: 273). والقانع - أيها الاخوة- على درجة من الايمان وحسن الظن بالله تعالى، والثقة به في كل احواله، فهو يعلم ان الله عزوجل لا يمنع الا لمصلحة العبد وهو العزيز الحكيم، يهب لحكمة، ويمنع لحكمة، ويقدر الأرزاق لحكمة، فلا داعي للهم والضجر والاعتراض والسخط، انما المرء مأمور بالسعي، والامور تجري بأمر الله تعالى وارادته وحكمته. سئل الامام الصادق عليه السلام: على ماذا بنيت امرك يا ابن رسول الله؟ فقال: على أربع: الاولى: علمت ان عملي لا يعمله غيري، فاجتهدت. الثانية: علمت ان الله مطلع علي، فاستحييت. الثالثة: علمت ان رزقي لا يأكله غيري، فاطمأننت. الرابعة: علمت أن آخر امري الموت، فاستعددت. *******ومن صفات القانع - أيها الاخوة الاحبة- انه انسان متزن، لا تقلقه الوساوس الشيطانية، ولا الأوهام النفسية بل قلبه مطمئن بالله تعالى وهو أرحم بعباده من أنفسهم، وروحه متوجهة الي الآخرة، ليس للدنيا سلطان حاكم على قلبه في جميع أموره، فالدنيا زائلة عما قريب، وانما المعول عليه تلك الحياة الأبدية، والربح فيها بالايمان، ومن الايمان القناعة والرضى عن الله تعالى. يقول امير المؤمنين علي عليه السلام: نعم حظ المرء القناعة. طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف، ورضي عن الله. ثم القناعة - ايها الاخوة الافاضل- تأتي بخصال أخرى كريمة، تبينها النصوص الشريفة التالية: قال الامام علي عليه السلام: «من قنعت نفسه، اعانته على النزاهة والعفاف. القناعة رأس الغنى. كفي بالقناعة ملكاً. من عز النفس لزوم القناعة. ثمرة القناعة العز. أعون شئ على صلاح النفس: القناعة». وقد سئل الامام الرضا عليه السلام عن القناعة فقال: القناعة تجتمع الى صيانة النفس، وعز القدر... ولا يسلك طريق القناعة‌ الا رجلان: اما متعبد يريد أجر الآخرة، أو كريم متنزه عن لئام الناس. كتب المنصور العباسي يوماً الى الامام الصادق عليه السلام: لم لا تغشانا كما يغشانا الناس؟ فأجابه عليه السلام: ليس لنا من الدنيا ما نخافك عليه، ولا عندك من الآخرة ما نرجوك له، ولا انت في نعمة فنهنيك بها، ولا في نقمة فنعزيك بها. فكتب المنصور: تصحبنا لتنصحنا. فقال الامام الصادق عليه السلام: «من يطلب الدنيا لا ينصحك، ومن يطلب الآخرة لا يصحبك». وفي القناعة قال أبوفراس الحمداني: ان الغني هو الغني بنفسهولو انه عاري المناكب حافيما كل ما فوق البسيطة كافياًفاذا قنعت فكل شيء كافالراوي: نفى الخليفة الثالث الصحابي الجليل أباذر الغفاري الى الربذة بعيداً عن الناس، فعاش غريباً وحيداً حتى توفاه الأجل. وقد أراد يوماً ما أن يجذبه الى أجواء حاكميته، إلا أن أباذر كان مع شديد فقره قنوعاً ابياً عزيز النفس. أرسل عثمان عبداً مملوكاً له بكيس من الدراهم الى أبي ذر وقال للعبد: ان قبل أبوذر منك هذا فأنت حر طليق. العبد: السلام عليك يا اباذر. اباذر: وعليك السلام. العبد: ارسل الخليفة الثالث عثمان لك هذا الكيس من الدراهم، ارجو ان تقبل منه. اباذر: لا والله لا اقبله. العبد: اقبل هذا مني يا اباذر، فان فيه عتقي. ابوذر: نعم ولكن فيه رقي! الراوي: كان الخليل بن احمد الفراهيدي يعاني الضر والفقر بين حساده في البصرة وقد وجه سليمان بن علي العباسي اليه ولده من الأهواز لتأديبه. الخليل: اهلاً اهلاً بضيفنا الغريز تفضل كل. فما عندي غير هذا الخبز، وما دمت اجد مثل هذا الخبز فاني قانع والحمدلله فلاحاجة‌ لي الى سليمان. المبعوث: اذن قل لي يا خليل ما ابلغ مولاي سليمان العباسي. الخليل: أبلغ سليمان أني عنه في سعةوفي غنى غير اني لست ذا مالوالفقر في النفس لا في المال أعرفهومثل ذاك الغنى في النفس لا المالفالرزق عن قدر لا العجز ينقصهولا يزيدك فيه حول محتال!الراوي: كان ديوجانيس من أساطين حكماء اليونان، وكان قانعاً زاهداً، لا يقتني شيئاً، فدعاه يوماً الاسكندر الى مجلسه قائلاً لمبعوثه: الاسكندر: أيها الرجل، قل لديوجانيس أن يأتينا. الرجل: حسناً يا سيدي. الراوي: فذهب مبعوث الاسكندر الى ديوجانيس وبلغه رسالة قائده فأجابه. ديوجانيس: أيها الرجل، قل لسيدك: ان الذي منعك من المسير الينا، هو الذي منعنا من المسير اليك. منعك استغناؤك عنا بسلطانك، ومنعنا استغناؤنا عنك بقناعتنا! ******* التوبة - 14 2006-06-24 00:00:00 2006-06-24 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/159 http://arabic.irib.ir/programs/item/159 الحمد لله على جميع فضله، واشرف صلواته على خاتم رسله، وعلى الائمة من اهل بيته وآله. اخوتنا الاكارم .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، واهلاً بكم في همسةٍ مهمةٍ جداً، وهي حول "التوبة"، اذ كلنا خطّاؤون مذنبون، وخير الخطّائين التوابون. وحقيقة التوبة ـ ايها الاعزة ـ هي يقظة الضمير، وشعور المذنب بالندم والاسى، وهي الانابة الى الباري تبارك وتعالى، والعزم الصادق على نبذ عصيانه، وهي تصفية النفس من رواسب الآثام والموبقات.. وليست التوبة لقلقة لسان. يسأل كميل بن زياد أمير المؤمنين علياً عليه السلام: ما حدُّ الاستغفار، اجابه عليه السلام: التوبة، ثم استدرك له: ان العبد اذا اصاب ذنباً يقول: استغفر الله، بالتحريك .. الشفتان واللسان، يريد ان يتبع ذلك بالحقيقة. سأل كميل: ما الحقيقة؟ قال عليه السلام: (تصديق في القلب، واضمار ان لا يعود الى الذنب الذي استغفر منه). سأل كميل: فاذا فعل ذلك، فانه من المستغفرين؟ قال: لا.. لانك لم تبلغ الى الاصل بعد .. الرجوع الى التوبة من الذنب الذي استغفرت منه، وهي اول درجة العابدين، وترك الذنب، والاستغفار اسم واقع لمعانٍ ستة: اولها الندم على ما مضى، والثاني العزم على ترك العود ابداً، والثالث ان تؤدي حقوق المخلوقين التي بينك وبينهم، والرابع ان تؤدي حق الله في كل فرض، والخامس ان تذيب اللحم الذي نبت على السحت والحرام حتى يرجع الجلد الى عظمه، ثم تنشىء فيما بينهما لحماً جديداً، والسادس ان تذيق البدن ألم الطاعات كما اذقته لذات المعاضي. قال تعالى: "وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات" (سورة الشورى: 25)، اذن فالتوبة ـ ايها الاخوة ـ فرج للعباد، والقاء للتبعات الثقال عن كاهلم، فرسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (التوبة تجبُّ ما قبلها) . وأمير المؤمنين عليه السلام يقول: (التوبة تطهر القلوب، وتغسل الذنوب) . والتائب .. يكفيه شرفاً انه موضع محبة الله تعالى وعنايته وستره، فالله جل وعلا يقول في محكم كتابه: "ان الله يحب التوابيين ويحب المتطهرين" (سورة البقرة: 222). وورد عن الامام جعفر الصادق عليه السلام انه قال: (اذا تاب العبد توبة نصوحاً احبه الله فستر عليه في الدنيا والاخرة .. ينسي ملكيه ما كتبا عليه من الذنوب، ثم يوحي الى جوارحه: اكتمي عليه ذنوبه، ويوحي الى بقاع الارض: اكتمي عليه ما كان يعمل عليك من الذنوب .. فيلقى الله حين يلقاه وليس شيء يشهد عليه بشيء من الذنوب). ومن قبل ورد عن المصطفى صلى الله عليه وآله انه قال: (ليس شيء احب الى الله من مؤمن تائب، او مؤمنة تائبة) .. ومن لطف الباري تعالى ان ينقل التائب مما كان يخوض فيه من الذنوب، الى مواضع يوفق فيها للطاعات، اذا صحت توبته.. وقد قال عز من قائل: "الا من تاب وآمن وعمل صالحاً، فاولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات، وكان الله غفوراً رحيماً" (الفرقان: 70). والمهم في التوبة ـ ايها الاخوة الافاضل ـ انها واجبة، وينبغي ان يتعجل فيها العبد يسابق بذلك اجله، اما التسويف فيها فهو من مكائد الشيطان، يستدرج به الانسان حتى يبلغ به حالة العجز عن التوبة، او يوصله الى الموت قبل ان يستغفر ويؤوب الى رشده، وينوب الى ربه عز وجل. قال رسول الله صلى الله عليه وآله لابن مسعود: يا ابن مسعود، لا تقدم الذنب، ولا تؤخر التوبة، ولكن قدم التوبة وأخّر الذنب، فان الله تعالى يقول في كتابه: "بل يريد الانسان ليفجر امامه" (القيامة: 5). ومن اهم شروط التوبة واركانها: الندم على الذنوب والتقصير، والعزم على عدم العودة الى الذنوب نهائياً، ليوفق العبد بعد ذلك الى التوبة وقبولها والله من رحمته يقول: "ألم يعلموا ان الله هو يقبل التوبة عن عباده.." (التوبة: 104)، هذا ـ ايها الاخوة ـ اذا استوفت التوبة شروطها، واستدرك العبد نفسه قبل ان يخطفه الموت وهو لاه او مصر، قال تعالى: "انما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب، فأولئك يتوب الله عليهم، وكان الله عليماً حكيماً، وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى اذا حضر احدهم الموت قال اني تبت الان، ولا الذين يموتون وهم كفار، اولئك اعتدنا لهم عذاباً اليماً" (النساء:17-18). والذين لا يوفقون للتوبة، اما ان يكونوا مأخوذين بحالة الغرور والطيش، فلا يفكرون بالتوبة بعد ان هيمنت الشهوات على قلوبهم، او انهم يسوفون راجين ان يعمروا، فاذا ماتت نزواتهم ونزعاتهم، ولم يقدروا على ان يقترفوا المعاصي التي اعتادوا عليها ايام عافيتهم وشبابهم، ربما فكروا بالتوبة، فهم يؤجلونها، وقد لا يؤجلهم الموت الى ذلك الحين، والدهر ذو نكبات ومفاجآت، مع ان الله عز وجل يدعو عباده كل آن للتوبة، وينتظرهم عليها، يقول نبي الرحمة صلى الله عليه وآله: (والله باسط يديه عند كل فجر لمذنب الليل، هل يتوب فيغفر له؟! ويبسط يديه عند مغيب الشمس لمذنب النهار، هل يتوب فيغفر له؟!). اخوتنا الاحبة .. صحيح ان التوبة فضيلة، ولكنها ليست بالهينة بعد ان يتورط المرء بالذنب، لان الذنب لابد ان يترك اثره، وازالة ذلك الاثر عمل شاق، ولذا يقول الامام علي عليه السلام: (ترك الذنب، اهون من طلب التوبة) .. وجاء عن السيد المسيح عيسى ابن مريم عليهما السلام قوله: (ان من ليس عليه دين من الناس، أروحُ وأقلُّ هماً ممن عليه الدين، وان احسن القضاء وكذلك من لم يعمل الخطيئة، اروحُ هماً ممن عمل الخطيئة، وان اخلص التوبة واناب). اما اذا ابتلي العبد بذنب ما، فليعجل توبته، وليسارع في طلب المغفرة، قال امير المؤمنين عليه السلام مرة: (العجب ممن يقنط ومعه الممحاة! فقيل له: وما الممحاة؟ قال الاستغفار) . واوصى عليه السلام فقال: (تعطروا بالاستغفار، لا تفضحكم روائح الذنوب) . *******الراوي: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله مستظل بظل شجرة في يوم شديد الحر، اذ جاء رجل فجعل يتمرغ في الرمضاء يكوي ظهره مرة، وبطنه مرة، وجبهته مرة، ويقول: التائب: يا نفس ذوقي .. فما عند الله عز وجل من العذاب اعظم مما صنعت بك. حضرت الرسول صلى الله عليه وآله: يا عبد الله، لقد رأيتك صنعت شيئاً، مارأيت احداً من الناس صنعه، فما حملك على ما صنعت؟ التائب: حملني على ذلك ـ يا رسول الله ـ مخافة الله عز وجل .. وقلت لنفسي: يا نفس ذوقي، فما عند الله اعظم مما صنعت بك. الراوي: فقال له النبي صلى الله عليه وآله: (ان ربك ليباهي بك اهل السماء) . ثم قال لاصحابه: (يا معشر من حضر، ادنوا من صاحبكم حتى يدعو لكم فدنوا منه..) فدعا لهم يقول: التائب: اللهم اجمع امرنا على الهدى، واجعل التقوى زادنا، والجنة مآبنا. رجل: حدثنا يا محمد بن رافع عن ما رأيته في النوم عن ابي نؤاس: ابن رافع: كنت صديقاً لأبي نؤاس .. فلما مات جزعت عليه من عذاب الله، فرأيته في النوم على هيئة حسنة، فقلت له ابن رافع يا أبا نؤاس، ما فعل الله بك؟ ابو نؤاس: غفر الله لي. ابن رافع: وكيف؟! ابو نؤاس: لأبيات قلتها. ابن رافع: وما هي يا أبا نؤاس؟ ابو نؤاس: هي عند امي، خذها ان اردتها منها يا ابن رافع. الراوي: فمضى محمد بن رافع الى ام أبي نؤاس، واخبرها بما رأى من حال ابنها، وسألها عن الأبيات، فاحضرتها له، وكانت في كتابٍ مكتوبٍ بخط ابي نؤاس نفسه، يعرب فيه عن توبته، وعن رجائه بعظيم رحمة ربه "تبارك وتعالى". فأخذ ابن رافع الكتاب وأخذ يقرأ أبيات أبي نؤاس: رجل: اقرأ لنا تلك الابيات يابن رافع .. ابن رافع: يا رب ان عظمت ذنوبي كثرةًفلقد علمت بان عفوك اعظمُان كان لا يرجوك الا محسنٌفبمن يلوذ ويستجير المجرمُادعوك يا رب كما امرت تضرعاًفاذا رددت يدي فمن ذا يرحمُ؟!مالي اليك وسيلة الا الرجاوجميل عفوك ثم أني مسلم******* حسن الجوار - 13 2006-06-19 00:00:00 2006-06-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/158 http://arabic.irib.ir/programs/item/158 الحمد الله المخرج عباده من الظلام، وافضل صلواته على رسوله اشرف الانام، وعلى آله الائمة الكرام. اخوتنا واعزتنا المستمعين الافاضل.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، واهلاً ومرحباً بكم في همسة جديدة، وعنوان جديد هو "حسن الجوار"، الذي يعتبر من المواضيع الحيوية التي نعايشها يومياً، بل وكل ساعة، فهو امر اجتماعي حساس، واخلاقي مهم، حتى ان رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وآله اين يشتري داراً اذا خيِّر، فأجابه: الجار، ثم الدار.. الرفيق، ثم السفر. ومن مؤشرات حسن الجوار التقوى، بل والايمان ايضاً، لان المؤمن هو الذي يعي حرمة الجوار ويرعاها، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله: حرمة الجار على الانسان كحرمة امِّه. ما تأكدت الحرمة بمثل المصاحبة والمجاورة، كذا جاء قوله صلى الله عليه وآله آمراً: "احسن مجاورة من جاورك، تكن مؤمناً".. فحسن الجوار اذن احدى علامات الايمان. ولعل سائلاً يقول: ما هو حد الجوار؟ نعم، جواب ذلك نتلقاه من أمير المؤمنين علي عليه السلام حيث يقول: "حريم المسجد اربعون ذراعاً، والجوار اربعون داراً من اربعة جوانبها". اجل.. هؤلاء هم جيران المرء، يعني ان يحسن معهم جواره، فقد تأكدت فيهم وصية الله تعالى ورسوله الذي قال: "ما زال جبرئيل يوصيني بالجار.. حتى ظننت انه سيورثهم"، وكان من آخر وصايا الامام علي عليه السلام وهو على فراش الشهادة قوله: "الله الله في جيرانكم، فانه وصية نبيكم، مازال يوصي بهم حتى ظننا انه سيورثهم". اخوتنا الاعزة الاكارم.. بعد ان عرفنا ان الله تعالى امر بحسن الجوار، تعين علينا ان نعرف ما هي حقوق الجار اولاً، وكيف يكون حسن الجوار ثانياً.. يقول علماء الاخلاق: من حقوق الجوار ان يساس الجار باللطف وحسن المداراة، كأبتدائه بالسلام، وعيادته في مرضه، وتهنئته في افراحه، وتعزيته في مصائبه، وعدم التطلع الى حرمه، والاغضاء عن هفواته، وكف الاذى عنه، واعانته ونصحه، والتعامل معه بالاخلاق الطيبة الحميدة. وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله هذه الوصايا في حقوق الجار: "ان استغاثك اغثه، وان استقرضك اقرضه، وان افتقر عدت اليه، وان اصابه خير هنأته، وان مرض عدته، وان اصابته مصيبة عزيته، وان مات تبعت جنازته، ولا تستطيع عليه بالبناء فتحجب عنه الريح الا باذنه، وان اشتريت فاكهة فاهدها له، وان لم تفعل فادخلها سراً ولا يخرج بها ولدك يغيط بها ولده، ولا تؤذه بريح قدرك الا ان تغرف له منها". وفي "رسالة الحقوق" نقرأ قول الامام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام: "اما حق جارك، فحفظه غائباً، واكرامه شاهداً، ونصرته اذا كان مظلوماً، ولا تتبع له عورة، فان علمت عليه سوءً سترته عليه، وان علمت انه يقبل نصيحتك نصحته فيما بينك وبينه، ولا تسلمه عند شديدة، وتقيل عثرته، وتغفر ذنبه، وتعاشره معاشرة كريمة". واما حسن الجوار، فذلك اسمى.. جاء رجل الى النبي صلى الله عليه وآله يقول: ان فلانا جاري يؤذيني، فاوصاه صلى الله عليه وآله: اصبر على أذاه كف اذاك عنه. وعن الامام علي عليه السلام قال: "من حسن الجوار، تفقد الجار". اما الامام موسى الكاظم عليه السلام فيقول: "ليس حسن الجوار كف الاذى، ولكن حسن الجوار الصبر على الاذى". والان اخوتنا الاحبة، لنعلم ان كل الذي جاء في الوصية بالجار عائد بالخير علينا وعلى من يجاورنا قريباً او بعيداً، وعلى المجتمع والامة، فمراعاة الامر الالهي في الجار يضمن الامان والاطمئنان، وياتي بالعوائد الطيبة.. فالامام الصادق عليه السلام يقول: "حسن الجوار يزيد في الرزق. حسن الجوار يعمر الديار، ويزيد في الاعمار". ويبلغ الامر بحسن الجوار درجة عالية، تنزل فيها الرحمة، فقد روي ان عابداً مؤمناً في بني اسرائيل كان له جار كافر، ولكن هذا الكافر كان يرفق بالمؤمن ويوليه المعروف، فلما مات الكافر بنى الله له بيتاً في النار من طين، فكان يقيه حرها، ويأتيه رزقه من غيرها.. وقيل له: هذا بما كنت تدخل على جارك من الرفق، وتوليه من المعروف في الدنيا. وفي المقابل ايها الاخوة الاكارم، لابد ان نعلم ان ايذاء الجار فيه حرمة كبيرة.. حتى قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلايؤذ جاره". وقد شكا رجل من الانصار انه لا يرجو خير جاره، ولا يأمن شره، فأمر النبي صلى الله عليه وآله بعض اصحابه ان ينادوا في المسجد باعلى اصواتهم "ان لا ايمان لمن لم يأمن جاره بوائقه"!. بل جاء عن الامام الصادق عليه السلام انه قال: "ملعون ملعون من آذى جاره". وعن الامام الرضا سلام الله عليه انه قال: "ليس منا من لم يأمن جاره بوائقه" أي شروره. نعم، والله تعالى يوصي بالاحسان مع الجار قائلاً: "وبالوالدين احساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين، والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت ايمانكم.." (النساء: 36). قيل: الجار ذو القربى: أي الجار القريب، اما الجار الجنب: فهو الجار البعيد. الراوي: من طريف ما يحكى في حسن الجوار .. ان رجلاً كان جاراً لابي دلف ببغداد، فادركته فاقة، وركبه دين فادح احتاج معه الى بيع داره، فساومه المشترون.. رجل: كم سعر دارك. البائع الف دينار *******رجل: ان دارك لا تساوي الا خمسمائة دينار، فكيف تطلب الفاً؟ هذا من الانصاف؟ البائع: نعم.. هي تساوي خمسمائة دينار حقاً، ولكن جوار جاري ابي دلف ابيعه بخمسمائة دينار ايضاً، فيكون الدار يساوي الفاً. اجل، فان مشتري داري سيكون له جار خير. ابو دلف: سمعت ما قلته يا جاري لا تنتقل يا رجل من جوارنا، ما دمت احسنت الظن بنا. الراوي: كان رجل اسمه "بهلول" قد اصابه الجوع ثلاثة ايام، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال: "ما آمن بي من بات شبعاناً وجاره جائع". فوسوس الشيطان لبهلول ان جارك رجل ذو مال كثير، فتسلق عليه داره وخذ كيساً من دراهمه، ثم تب بعد ذلك الى الله تعالى.. فقام بهلول فتسلق دار جاره ودخل بيته، ثم اخذ كيساً من الدراهم، وهنا رجع الى نفسه.. *******بهلول "مع نفسه": سؤةً لك يا بهلول سوءةً لك! بهلول: يا اهل الدار، خذوا اللص قبل ان يهرب! صاحب الدار: اين اللص يا هذا؟ بهلول: ها انا ذا يا رجل اللص انا! بهلول: اذهبوا بي الى السلطان. صاحب الدار: معاذ الله.. معاذ الله يا بهلول ان يكون مني ذلك، ولكن أسألك: ما الذي حملك على هذا؟! بهلول: حملني على هذا جوع ثلاثة ايام عجاف، ووسوسة شيطان من الله لا يخاف! صاحب الدار: والله انه ليعز عليّ ـ يا بهلول ـ ان يصيب جاراً مثلك جوع.. اعذرني وانت جاري. *******الراوي: ثم قدم صاحب الدار مالذّ وطاب من الطعام لبهلول، واجرى له راتباً شهرياً بعد ان طيب خاطره. ******* الحرص - 12 2006-06-19 00:00:00 2006-06-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/157 http://arabic.irib.ir/programs/item/157 الحمد لله المفضل المنعم، وازكى صلواته على رسوله الاكرم، وعلى آله سادة الامم. اخوتنا المستمعين الافاضل .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، طابت اوقاتكم، واهلاً بكم في حديث اخر يدور حول "الحرص" ذلك الداء الخطير، نبتدئه بقوله تعالى: "ونفس ما سواها، فالهمها فجورها وتقواها، قد افلح من زكاها، وقد خاب من دساها" صدق الله العلي العظيم (سورة الشمس). ان القلب حصن الانسان، والشيطان عدوٌ يريد اقتحام ذلك الحصن ويستولي عليه، فتكون بذلك حماية القلب واجبة، بغلق جميع الابواب والمنافذ التي يتسرب منها الشيطان .. ومنها "الحرص"، وباعثه الاساس: حب الدنيا والتعلق بها، وشهوة جمع الاموال، وعدم الاكتفاء بالموجود لسيطرة حالة النهم والجشع والطمع على النفس .. ومن هنا يتسلل الشيطان ليبث وساوس القلق والشك والهم الوهمي بالفقر في المستقبل، وقد نبه الى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: "الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء" (سورة البقرة: 268). وقد اقتضت السنة الالهية ان يمتحن العباد في هذه الدنيا، كيف يتعاملون معها: ام بالحرص والانسياق مع الاهواء والوساوس، ام بالقناعة والاجمال في الطلب؟ ولكل آثاره، تعالوا ـ ايها الاخوة ـ نتبين ذلك بعد هذه الوقفة القصيرة. *******الحرص ـ اخوتنا الاكارم ـ يبدأ اول ما يبدأ به يأكل ثقة العبد بربه جل وعلا، فاذا حصل الحريص على شيء من الدنيا رد ذلك الى نفسه ومثابرته، واذا خاب سعيه ذاع شكواه وجد بحرص اكثر على تحصيل ما يرغب فيه باية وسيلة ممكنة دون اعتماد على الله تبارك وتعالى، او توكل او ثقة به عز وجل، حتى نراه لا يثق بتقدير الله للارزاق، ولا بمشيئة الله تعالى في خلقه، وحتى ينسى او يتناسى ان الامور كلها بيد الله جلت عظمته، وهو القائل عز من قائل: "قل اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير انك على كل شيء قدير" (آل عمران: 25). ويغمس الحريص نفسه في هموم الدنيا حتى ينسى آخرته، فلا يعمل لها اولاً، ولا يتحرج من الحرام ثانياً.. فيفني عمره في ما لا يجني منه الا الحساب الطويل، وربما العقاب الاليم، ويترك بعد حين كل ما جمعه للاخرين، ولا يخرج من هذه الدنيا الا بكفن زهيد، وكومة تراب تمحو اثره وتسلمه الى عالم البرزخ الرهيب.. وقف الامام موسى الكاظم عليه السلام عند قبر حضره فقال: "ان شيئاً هذا آخره، لحقيق ان يزهد في اوله. وان شيئاً هذا اوله، لحقيق ان يخاف آخره". اخوتنا الاعزة .. ان الحرص يجعل المرء في ظمأ دنيوي مذل ومضني فالحريص يقضي عمره بالجهد والهم والوهم، حتى يصفه الامام الصادق عليه السلام بقوله: "من تعلق قلبه بالدنيا، تعلق قلبه بثلاث خصال: هم لا يفنى، وامل لا يدرك، ورجاء لا ينال". والحريص في مجهدة وارهاق وقلق، كلما جمع قال في نفسه: قد لا يكفي ذلك للمستقبل، ويمتلئ ثم هو يرى نفسه في اشد الفقر والحاجة، لانه محروم من نعمة القناعة، فلا يحس بالاكتفاء مع غناه لشدة حرصه وفقدان ثقته بالله جل وعلا، يقول امير المؤمنين علي عليه السلام: "ابن آدم، ان كنت تريد من الدنيا ما يكفيك فان ايسر ما فيها يكفيك، وان كنت انما تريد ما لا يكفيك، فان كل ما فيها لا يكفيك". والحرص بعد ذلك ـ ايها الاخوة الاكارم ـ يزج صاحبه في الشبهات والمحرمات فلا يبالي الحريص من اين اغترف وباي وسيلة اكتسب، ثم الحرص معوق عن اداء الحقوق الشرعية والانفاق في طريق المبرات، والتصدق على البؤساء والمحرومين والمعوزين. وكم من حريص مات غماً اذ اصابته انتكاسة او مات هماً لكثرة حرصه على ممتلكاته! قال الامام الباقر عليه السلام: مثل الحرص على الدنيا مثل دودة القز، كلما ازدادت من القز على نفسها لفاً كان ابعد لها من الخروج .. حتى تموت غماً". ثم قال الشاعر: يفني البخيل بجمع المال مدتهوللحوادث والايام ما يدعكدودة القز ما تبنيه يقتلهاوغيرها بالذي تبنيه ينتفعوالآن ـ اخوتنا الاحبة ـ نصل الى موضوع علاج الحرص، قيل: هو علاجان: الاول: علمي، يقوم فيه الحريص بمراجعة علمية منطقية للحقائق، فينظر في مخاطر الحرص وآثاره السيئة وعواقبه الخطيرة، فيردع نفسه عن هذا الذل والخضوع للدنيا، ويسمو بشخصيته عن اللهث وراء المصالح الشخصية وجمع الاموال بطرق وضيعة غير سليمة، ثم يتركها لمن بعده يتنحى بها، ويذهب هو الى محكمة العدل الالهي ليحاسب عليها!. اجل.. فلا ينبغي للمرء ان يغفل هكذا طوال حياته عن كرامته، وعن راحته، وعن آخرته.. ولابد من الوفود على الله تعالى ليلقى جزاءه بما فرط وافرط، افرط وبالغ في حب الدنيا، وفرط بدينه وعمره، والله تعالى يقول: "وان ليس للانسان الا ما سعى، وان سعيه سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الاوفى" (سورة النجم: 39-41). ويقول الامام زين العابدين عليه السلام: "ابن آدم انك ميت ومبعوث وموقوف بين يدي الله جل وعلا فاعد جواباً". فأيُّ للحريص وقد افنى حياته غافلاً عن الآخرة والسعي اليها، وصارفاً جهوده وسنين عمره في الركض وراء الدنيا والسعي لها. واما العلاج العملي .. فان يخطو الحريص في درجات الايمان والتقوى والعلم والعمل الصالح، ممعناً فكره في سيرة الانبياء والمرسلين والاوصياء والاولياء الصالحين، قانعاً بما يرزقه الله تعالى من الحلال الطيب، مجملاً في السعي، مقتطعاً شيئاً من اوقاته للطاعات والعبادات مقدماً على البذل والعطاء والاحسان الى المحرومين والفقراء راكناً الى الاطمئنان بالله تعالى طارداً وساوس الشيطان عن قلبه، متوجهاً الى الآخرة عاملاً لها، متذكراً الموت مؤدياً ما يخففه عليه ويهون الحساب بعده. الراوي: فيما روي عن الامام جعفر الصادق عليه السلام في قصص الانبياء عليهم السلام، ان عيسى بن مريم عليه السلام توجه يوماً في بعض حوائجه ومعه ثلاثة نفر من اصحابه، فمر بلبنات ثلاث من ذهب على ظهر الطريق، فقال لاصحابه: "ان هذا يقتل الناس" ثم مضى عليه السلام مشيراً الى ان الذهب اذا صادف حرصاً عليه، فانه ينتظر القتل بعد ذلك. *******رجل1: ان لي حاجة. رجل 2: ان لي حاجة. رجل 3: ان لي حاجة. 1-2: ياصاحبنا اشتر لنا طعاماً.. رجل3: حسناً حسناً ساذهب اشتري لكم طعاماً واضع سماً في الطعام ليقتلهما، كي لا يشاركني في الذهب. 1-2: اذا جاء صاحبنا قتلناه كي لا يشاركنا في الذهب. الراوي: رجع السيد المسيح عليه السلام فرآهم موتى حول الذهب، فاحياهم باذن الله تعالى ذكره ثم قال لهم: "الم اقل لكم ان هذا يقتل الناس"؟. الراوي: كان هارون الرشيد احد حكام بني العباس حريصاً غاية الحرص على بناء قصوره وتشييدها، فسأل الامام الكاظم عليه السلام يوماً: هارون: ما هذه الدار؟ الراوي: فأجابه الامام الكاظم عليه السلام: هذه دار الفاسقين، قال تعالى: "ساصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق وان يروا كل آية لا يؤمنوا بها، وان يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً، وان يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً، ذلك بانهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين" (سورة الاعراف: 146). الراوي: وسأل هارون الرشيد ابا العتاهية الشاعر ان يمرح مجلسه قائلاً له: هارون: صف لنا ـ يا ابا العتاهية ـ ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيا. ابو العتاهية: عش ما بدا لك سالماًفي ظل شاهقة القصورهارون: احسنت احسنت ثم ماذا؟ ابو العتاهية: يسعى اليك بما اشتهيت لدى الرواح وفي البكورهارون: حسن حسن هذا .. ثم ماذا؟ ابو العتاهية: واذا النفوس تقعقعتفي ضيق حشرجة الصدورفهناك تعلم موقناًما انت الا في غرور ******* الكبر - 11 2006-02-07 00:00:00 2006-02-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/156 http://arabic.irib.ir/programs/item/156 الحمد لله أناء الليل والنهار، واشرف الصلاة على النبي المصطفى المختار، وعلى آله الهداة الابرار. اخوتنا الاكارم .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، واهلاً بكم في لقاء جديد، وموضوع جديد، في خصلة خطيرة بل هي من اخطر ما يبتلى به المرء في اخلاقه .. الا وهي الكبر فاذا كان في النفس الانسانية درجات في السمو كالتقوى والخير والتواضع، فان فيها درجات في التنازل كالشر والحسد والتكبر، وتعريف الكبر نتبينه ـ ايها الاخو الاعزة ـ من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله حيث قال: "ان اعظم الكبر غمص الخلق، وسفه الحق، فسئل عن معنى ذلك فقال: يجهل الحق ويطعن عليه اهله، فمن فعل ذلك فقد نازع الله عز وجل رداءه". ونتبين حالة الكبر من تعريف للامام جعفر الصادق عليه السلام حيث يقول: "من ذهب ان له على الآخرة فضلاً فهو من المستكبرين"، قال الراوي: قلت: انما يرى ان له عليه فضلاً بالعافية اذا رآه مرتكباً للمعاصي، فقال عليه السلام: "هيهات هيهات! فلعله ان يكون غفر له ما اتى وانت موقوف محاسب، اما تلوت قصة سحرة موسى عليه السلام"؟ قيل: الغمص: هو الاحتقار والاستصغار والسفه: هو الاستخفاف وعدم رؤية الامر على ما هو عليه من الرجحان والرزانة، اذاً فالكبر ايها الاخوة حالتان متلازمتان: الاول: استعظام النفس، والثانية: الاستخفاف بالآخرين والتعالي عليهم، ورؤية النفس فوق المتكبر عليه، وهو من نتائج العجب. وقد تتفاقم رذيلة الكبر حتى تتجاوز حدوداً يشعر معها المتكبر انه يتصف ببعض صفات الالوهية، فينظر الى نفسه انه فوق الخلق، وانه يفضل عليهم، ويتفضل بكل شيء عليهم .. فيستحق بذلك العذاب الالهي الرهيب، يقول الله تعالى في حديثين قدسيين شريفين: "الكبرياء ردائي، والعظمة ازراري فمن نازعني واحداً منهما القيته في جهنم ولا ابالي"ونقرأ في كتاب الله تعالى كيف يهدد المستكبرين عن عبادة الله وعباده: "فادخلوا ابواب جهنم خالدين فيها، فلبئس مثوى المتكبرين" (سورة النحل: 29). "ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين" (المؤمن: 60). وفي حديث للامام الصادق عليه السلام يقول فيه: "ان المتكبرين يجعلون في صور الذر يتوطأهم الناس.. حتى يفرغ الله من الحساب". وفي حديث آخر قال عليه السلام: "ان في جهنم لوادياً للمتكبرين يقال له "سقر"، شكا الى الله عز وجل شدة حره، وسأله ان يأذن له ان يتنفس، فتنفس فاحرق جهنم". ايها الاخوة الافاضل .. ان الكبر خلق نفسي، وعلة باطنية في اعماق الانسان تنعكس على سلوكه، فما هي بواعث الكبر يا ترى: في غرر حكمه، ودرر كلمه .. يقول الامام علي عليه السلام: كل متكبر حقير. لا يتكبر الا وضيع خامل. وفي بيان خفايا الكبر وباعثه، قال الامام جعفر الصادق سلام الله عليه: "ما من رجل تكبر او تجبر الا لذلة وجدها في نفسه". وهنا يطرح علماء الاخلاق هذه التساؤلات: اذا كان الانسان كبيراً فلماذا يتكبر؟ واذا كان عظيماً فلماذا يتعاظم؟ لابد ان ذلك منبعث من نقص يشعر به وضعة بينة في نفسه يعانيها، فيسد ذلك بالتكبر والتعاظم لكنه لا يدري انه انما اضاف الى نقصه نقصاً آخر، وانه جنح في ارتقاء رقاب الناس سلم الخيال لا الواقع.. وانه افرز ـ وهو لا يعلم ـ نوازع العجب والرياء والحقد والحسد معاً، فرأى نفسه اقصر همة من نوال الفضائل فتقمصها خيالاً بالكبر .. وقد يكون الخيال ضرباً من الجنون. مر رسول الله صلى الله عليه وآله يوماً على جماعة ينظرون الى رجل يصرع قالوا انه مجنون، فرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله قائلاً: "ليس هذا بمجنون ولكنه المبتلى.. الا اخبركم بالمجنون حق المجنون"؟! قالوا: بلى يا رسول الله، قال: المتبختر في مشيه، الناظر في عطفيه، المحرك بمنكبيه، يتمنى على الله جنته وهو يعصيه، الذي لا يؤمن شره ولا يرجى خيره.. اخوتنا الاحبة، جاء عن امير المؤمنين عليه السلام في تحذيره من الكبر، قوله: "اياك والكبر فانه اعظم الذنوب، والام العيوب، وهو حلية ابليس". وهنا يتساءل امرؤٌ عاقل: كيف الخلاص من الكبر بعد ان علمنا مذموميته، وخطورته؟ قال علماء الاخلاق: علاجه في جانبين: نظري وعملي.. الاول: ان يتفكر الانسان انه مخلوق ضعيف، وانه اقل من ان يتكبر ومآله الى الموت. يقول الامام علي صلوات الله عليه: عجبت لابن آدم اوله نطفة وآخره جيفة، وهو قائم بينهما وعاءً للغائط، ثم يتكبر. وقد قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله: ما اعظم كبر فلان فقال: اليس بعده الموت؟. وما يدرينا ايها الاخوة الاعزة ما الموت وما بعد الموت؟! وما البرزخ وعوالمه وما بعد البرزخ وما اهواله؟! أمر هارون الرشيد ـ وكان ذا كبر وجبروت ـ باخراج سجلات له، فاذا بهذه الابيات لا يدري من وضعها له: هل انت معتبر بمن خليتمنه غداة مضى دساكرهوبمن اذل الموت مصرعهفتبرأت منه عشائرهوبمن خلت منه اسرتهوبمن خلت منه منابرهيا مؤثر الدنيا بلذتهوالمستعد لمن يفاخرهنل ما بدا لك ان تنال منالدنيا فان الموت آخرهوالجانب العملي في علاج الكبر ان يتواضع الانسان للاخرين مقتدياً بالانبياء والاولياء(ع) ويلوم نفسه ولا يراها تخرج يوماً عن التقصير والقصور، ولا يرى احداً اقل منه ويتعامل مع الناس بروح الاخوة واللين والرفق، ويدعو الله تعالى بدعاء مكارم الاخلاق للامام السجاد عليه السلام وفيه يقول: "اللهم صل على محمد وآله، واكفني ما يشغلني الاهتمام به، واستعدادي بما تسألني غداً عنه، واستفرغ ايامي في ما خلقتني له، واغنني واوسع عليَّ في رزقك ولا تفتنني بالنظر واعزني ولا تبتلني بالكبر وعبدلي لك ولا تفسد عبادتي بالعجب، واجر للناس على يدي الخير، ولا تمحقه بالمن وهب لي معالي الاخلاق واعصمني من الفخر.اللهم صل على محمد وآله ولا ترفعني في الناس درجة الا حططتني عند نفسي مثلها، ولا تحدث لي عزاً ظاهراً الا احدثت لي ذلة باطنة عند نفسي بقدرها". الراوي: روي ان رجلاً في بني اسرائيل كان يقال له "خليع بني اسرائيل" لكثرة فساده، مر يوماً برجل يقال له "عابد بني اسرائيل" لكثرة عبادته، وكانت على رأس العابد غمامة تظله، فلما مر الخليع به قال في نفسه: العابد: انا خليع بني اسرائيل وهذا عابد بني اسرائيل، فلو جلست اليه.. لعل الله يرحمني به. العابد: انا عابد بني اسرائيل، وهذا خليع بني اسرائيل كيف يجلس هذا الي؟! العابد: قم عني ايها الخليع. *******الراوي: فاوحى الله تعالى الى نبي ذلك الزمان ان مرهما فليستأنفا العمل، فقد غفرت للخليع، واحبطت عمل العابد. الراوي: روي ان ملكاً تسلط على احدى البلدان بالظلم والجور، وكان جباراً متكبراً فورد عليه احد الفضلاء يعظه وينصحه: الواعظ: ايها الملك اذا كنت في صحراء منقطعة عن الناس، واشرفت على الموت من شدة الظمأ اتبيع نصف ملكك وسلطانك باناء من الماء؟ الملك: اجل هذا لا شك فيه، سابيع نصف ملكي لانقذ بذلك حياتي من الهلاك. الواعظ: حسناً ولو كنت بعد ذلك قد اصبت باحتباس البول، وكدت ان تهلك من ذلك، اكنت تبيع نصف ملكك الآخر، لطبيب يعالجك؟ الملك: نعم نعم، لا شك في ذلك، سابيع النصف الاخر من ملكي لابقي على حياتي، فما قيمة الملك مع الموت؟ ماذا تريد ان تقول يا رجل؟ الواعظ: اردت ان اقول ـ ايها الملك ـ ان ملكك هذا كله لا يساوي الا: شربة ماء وبركة من بول! الراوي: عند ذاك انتبه الملك الى نفسه واتعظ بما نبهه اليه ذلك الواعظ الذي لما رأى من ضعفه الذي لا يناسبه الكبر والغرور. ******* العفو - 10 2006-02-07 00:00:00 2006-02-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/155 http://arabic.irib.ir/programs/item/155 الحمد لله الاول قبل الانشاء والاحياء والاخر بعد فناء الاشياء، وافضل الصلاة على سيد الانبياء وعلى آله الائمة الامناء. اخوتنا واعزتنا المستمعين الاكارم .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته واهلاً بكم في حديث حول خصلة تكاد تكون من ضرورات الخصال في معاشراتنا مع الناس، تلك هي خصلة "العفو"، فنحن نعيش في اوساط تتغاير فيه الافهام، وتختلف النفوس وتتباين الامزجة، وتتعارض الطباع والصفات .. فلابد حسن الخلق، كما لابد من العفو والمسامحة كلما حصل سوء تفاهم، او اساءات واخطاء، لكي تستمر الروابط الانسانية، والصلات الاخوانية، والاواصر الرحمية فيما بيننا.. والا فقد يجر العتاب الى الهجرة والخصومة والقطيعة، يقول الشاعر: اذا كنت في كل الامور معاتباًصديقك لم تلق الذي لا تعاتبهفعش واحداً، او صل اخاك فانهمقارف ذنب مرة ومجانبهقيل ـ ايها الاخوة الاحبة ـ العفو: هو انك تستحق حقاً فتسقطه وتبرأ عنه، وقيل: العفو هو ضد الانتقام، او هو ترك معاقبة المذنب والعافي لابد ان يكون مقتدراً ثم يعفو.. فقد جاء في كلام للامام امير المؤمنين علي عليه السلام "احسن افعال المقتدر.. العفو. احسن العفو ما كان عن قدرة. عند كمال القدرة تظهر فضيلة العفو. وليس العفو ان يترك العافي عقوبة المسيء اليه فسحب بل يترك عتابه وتوبيخه ايضاً.. ففي قوله تعالى: "فاصفح الصفح الجميل" (سورة الحجر:85)، قال الامام علي بن موسى الرضا صلوات الله عليه مبيناً معنى الصفح الجميل: "العفو من غير عتاب". وقد يتسامى العافي فلا يكتفي بالتنازل عن عقوبة المسيء ولا بترك تعنيفه وعتابه، بل يقابله بالدعاء له، فقد اذت قريش رسول الله صلى الله عليه وآله اشد الايذاء، فما كان منه الا ان توجه لله تبارك وتعالى بقوله: رب "اهدِ امتي، فانهم لا يعلمون". وقد يتساءل احدنا ـ ايها الاخوة الافاضل ـ هل يصح العفو في كل وقت، ومع كل شخص، وعلى كل ذنب؟! الجواب: طبعاً لا، فانما يجوز العفو اذا كان الامر خارجاً عن اطار الحد الشرعي والقصاص، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "تجاوزوا عن الذنب ما لم يكن حداً". وقال الامام علي صلوات الله عليه: تجاوز عن السيئة ما لم يكن ثلماً في الدين او وهناً في سلطان الاسلام. فلا يعفى عن القاتل والسارق والخائن للاسلام والمسلمين، والهاتك لحرمات الدين والمسلمين. هذا اولاً، وثانياً: انما يجوز العفو اذا كان الامر متعلقاً بالعافي، فلايجوز لنا ان نعفوا عمن ظلم غيرنا، ولكن غيرنا هو الذي يحق له ان يعفو عن مسيئه، وثالثاً: يكون العفو جائزاً اذا لم يؤد الى مفسدة كأن يغري العفو المسيء في ان يطمئن فيكرر اساءته او يشوق العفو المذنب في ارتكاب الافضع والاكبر من الذنوب بل يفسح المجال لغير المسيئين في ان يسيئوا فمن امن العقوبة أساء الادب ـ كما قيل. اجل ـ ايها الاخوة ـ هنالك من يصلحه العفو، ويعطيه فرصة لاعادة النظر واستدراك الخطأ، والاعتذار عما صدر منه من الاساءة، ولكن هنالك من يغريه العفو، فيتمادى ويتجاوز ولا يوقر للاخرين حرمة او حقاً فلابد لهذا من عقوبة، تنبهه وتوقفه عند حده وتردعه عما تسول له نفسه من العدوان. وصدق امير المؤمنين سلام الله عليه حيث يقول: العفو يفسد من اللئيم، بقدر اصلاحه من الكريم. وفي رسالة الحقوق .. قال الامام السجاد علي بن الحسين سلام الله عليهما: "وحق من ساءك ان تعفوا عنه، وان علمت ان العفو يضر انتصرت"، قال الله تبارك وتعالى: "ولمن انتصر من بعد ظلمه فاولئك ما عليهم من سبيل" (سورة الشورى: 41). في احدى حكمه الغراء.. قال الامام علي عليه السلام: "اذا كان في الرجل خلة رائعة فانتظر اخواتها"، اجل.. فنحن اذ نلتقي مع خصلة "العفو" نجد الى جانبها هذه الخصال الطيبة: المحبة، والاخاء واسلم واحياناً كظم الغيظ، والصبر، والاناة، والترفع، والرحمة والاحسان، قال الامام الصادق عليه السلام: "اذا وقع بين رجلين منازعة نزل ملكان فيقولان للسفيه: قلت وقلت، وانت اهل لما قلت، ستجزى بما قلت، ويقولان للحليم منهما: صبرت وحلمت سيغفر الله لك ان اتممت ذلك". وقد اقترن العفو بالشرف الرفيع ايها الاخوة الاعزة لانه خلق من اخلاق الله تعالى، وهو القائل عز من قائل: "ان تبدوا خيراً او تخفوه او تعفوا عن سوء فان الله كان عفواً قديراً" (سورة النساء: 149). ثم العفوكان خلقاً ظاهراً في سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله حتى خاطبه الله تعالى بقوله: "وانك لعلى خلق عظيم" (سورة القلم: 4)، وكان سبحانه يوصيه: "فاعف عنهم واستغفر لهم" (سورة آل عمران: 159)، كما كان عز وجل يوصي عباده المؤمنين "وليعفوا وليصفحوا الا تحبون ان يغفر الله لكم، والله غفور رحيم" (سورة النور: 22). وقد جاءت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله عاطرة بالعفو والصفح عمن أساء اليه، حتى اذا فتح مكة نادى اهلها وكانوا قد اخرجوه منها: "ماذا تظنون اني فاعل بكم؟ قالوا: نظن خيراً، اخ كريم، وابن اخ كريم، فقال: فاني اقول لكم كما قال اخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو ارحم الراحمين، اذهبوا فانتم الطلقاء". وجرت هذه الخصلة الشريفة في سيرة امير المؤمنين عليه السلام، فكم عفا عن اعدائه بعد ان ظفر بهم، وكذا في سيرة ابناءه الائمة الميامين، صلوات الله عليهم اجمعين، وتربى على ذلك اصحابهم رضوان الله عليهم. الراوي: كان مالك الاشتر رضوان الله عليه يمشي ذات يوم في سوق الكوفة، واذا باحد السوقة تحدثه نفسه بالازدراء والاستهزاء بزي مالك ـ وهو لا يعرفه فيقول في نفسه: *******السوقي: من يكون هذا الرجل الذي طرق مدينتا هذا اليوم؟ لارمينه بهذه البندقة هه "يرمي" هآ هآ هآ "يضحك وصوت بندقة طق". الراوي: هذا ولم يكن السوقي يدري من رمى اما مالك الاشتر ذلك البطل المغوار الذي شهدت له الحروب صولات وجولات عجيبة.. فلم يكن ليعير من ضربة بالبندقة اية التفاتة، اذ لم يرد ان يعرفه، كي لا يبقى في قلبه شيء عليه يتجدد كلما رآه. واصل مالك الاشتر سيره حتى توارى عن الانظار عندها صاح رجل على ذلك السوقي: السوقي2: ويحك يا رجل اتعرف من رميت؟ 1: باستخفاف وعدم اعتناء لا لم اعرفه ومن عسى ان يكون؟ انه عابر مثل الاف المارة يمرون من هنا كل يوم. 2: ويلك يا رجل انه مالك. 1: انه مالك الاشتر النخعي صاحب امير المؤمنين علي عليه السلام وقائد جيشه. 1: "بخوف ووجل" هيه.. حقاً تقول يا هذا؟ بالله عليكم اهذا مالك الذي ترتعد منه فرائض الاسد خوفاً منه، ويرتجف العدو من اسمه؟ 2:نعم نعم.. هو بعينه، مالك الاشتر ومن يقوى على انكاره وانكار بطولته. *******الراوي: فهرول الرجل من ساعته راكضاً خلف مالك الاشتر وكان مالك قد غاب في اوساط الناس والرجل يمد بصره في السوق يبحث عنه ليعتذر له عما بدر منه وقد استولى عليه الخوف والحياء والاسف معاً. 1: اين مالك؟ مالك الاشتر؟ اين هو يا ترى؟ ها، هوذا يدخل المسجد لاراقبه عسى ان تسنح لي فرصة مناسبة للاعتذار منه، ان شاء الله تعالى "مع نفسه". مالك: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته "في الصلاة خاتمتها". مالك ما هذا؟ مالك يا رجل؟ من تكون يا اخي وانت تقبلني وتنكب على قدمي؟ استغفر الله ربي واتوب اليه. 1: انا .. انا يا سيدي ذلك الذي استهزأ بك وتجرأ عليك، فرماك في السوق ببندقة. مالك: لا بأس عليك يا اخي فقد عفوت عنك فو الله ما دخلت المسجد الا لاستغفر الله لك. ******* الرياء - 9 2006-02-07 00:00:00 2006-02-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/154 http://arabic.irib.ir/programs/item/154 الحمد لله رب العالمين وافضل الصلاة وازكاها على النبي الهادي الامين وعلى آله الهداة الكرام الميامين. اخوتنا واعزتنا المستمعين الافاضل.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله في لقاء اخر وحديث حول صفة خطيرة مفسدة لاعمال المرء، ومسقطة لشخصيته تلك هي صفة الرياء.. فما هو يا ترى ذلك الرياء؟ الرياء ـ ايها الاخوة ـ هو عبارة عن اظهار وابراز شيء من الاعمال الصالحة او الصفات الحميدة، او العقائد الحقة الصحيحة لاجل الحصول على منزلة في قلوب الناس، والاشتهار بينهم بالصلاح والاستقامة والتدين بدون نية الهية صحيحة. والرياء مشتق من الرؤية واصله طلب المنزلة باراءة الناس خصال الخير باعمال شتى منها العبادات وكل رياء شرك كما يقول الامام جعفر الصادق عليه السلام لانه لا يراد به وجه الله تبارك وتعالى خالصاً وان كان ظاهره عبادة او طاعة لله جل وعلا.. فتظهر على المرائي علامات تفضحه انه لم يكن ينوي مرضات الله عز شأنه. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "اما علامة المرائي فاربع: يحرص في العمل اذا كان عنده احد، ويكسل اذا كان وحده، ويحرص في كل امره على المحمد، ويحسن بجهده". وقال امير المؤمنين علي عليه السلام: "للمرائي اربع علامات: يكسل اذا كان وحده، وينشط اذا كان في الناس، ويزيد في العمل اذا اثني عليه، وينقص منه اذا لم يثن عليه". وقد جاء التنبيه من النبي صلى الله عليه وآله الا يغفل المرء فيرائي ويظن انه يحسن صنعاً.. فقال لابن مسعود: ـ يا ابن مسعود وانت فيما بينك وبين ربك مصرٌّ على المعاصي والذنوب، يقول الله تعالى: "يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور" (سورة غافر: 19). قد يتساءل احدنا ـ ايها الاخوة الاعزة ـ كيف النجاة من الرياء؟ والحقيقة ان الرياء مرة يكون امراً قد نقع فيه، فلابد من الحذر، ومرة نكون قد وقعنا فيه، فكيف الخلاص والعلاج منه؟ ان علماء الاخلاق يشيرون الى ناحيتين في العلاج: الاولى: علمية، بان نتصور مذمومية الرياء وسوء عاقبته، والثانية: عملية، بان نحذر من نية التظاهر ونمنع انفسنا وقلوبنا عن طلب المنزلة في قلوب الاخرين، ونصدق مع الله تعالى في نياتنا وعبادتنا، واقوالنا وافعالنا. وهنا لابد ان نعلم جميعاً ـ ايها الاخوة الاكارم ـ ان الرياء صفة رذيلة، اذ يحاول المرء التمثيل يخادع من خلاله ربه، وفي الحقيقة انما يخدع المرء بذلك نفسه، فالله تعالى يعلم السرائر، وهو اقرب الينا من حبل الوريد، وسيحاسب كل مراء حساباً مراً. يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: "ان الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجاً به فاذا صعد بحسناته يقول الله عز وجل: اجعلوها في سجين انه ليس اياي اراد به". وقال صلى الله عليه وآله لابن مسعود يا ابن مسعود، اذا عملت من البر وانت تريد بذلك غير الله فلا ترج بذلك منه ثواباً فانه يقول: "فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً" (سور الكهف: 105). وقال صلى الله عليه وآله ايضاً: ان المرائي يدعى يوم القيامة باربعة اسماء: يا كافر يا فاجر يا غادر يا خاسر احبط عملك وبطل اجرك ولا خلاق لك اليوم، فالتمس اجرك ممن كنت تعمل له. اجل.. ايها الاخوة الاحبة، تلك هي الحسرة العظمى، حيث يخيب المرء وتذهب نفسه على اعماله حسرات اذ هي هباء منثور، لم يرد بها وجه الباري تبارك وتعالى بل طلب بها الجاه والسمعة وشؤوناً اخرى من توافه الحياة الدنيا، ونسي الاخرة، وغفل ان الله سبحانه كان مطلعاً على سرائره ونواياه وخفاياه. اذن.. كيف الخلاص.. سئل رسول الله صلى الله عليه وآله: فيما النجاة غداً؟ فقال: ان النجاة في: ان لا تخدعوا الله فيخدعكم فانه من يخادع الله يخدعه ويخلع منه الايمان، ونفسه يخدع لو يشعر، فقيل: يا رسول الله وكيف يخدع المرء الله تعالى؟ قال: يعمل بما امر الله به ثم يريد به غيره. وقال الامام الصادق عليه السلام: يجاء بعبد يوم القيامة قد صلى فيقول: يا رب صليت ابتغاء وجهك فيقال له: بل صليت ليقال: ما احسن صلاة فلان، اذهبوا به الى النار. فالحذر ـ ايها الاخوة ـ كل يذكر نفسه واخوته من الرياء الذي يفسد اعمالنا، ويسيء عواقبنا ويفضحنا في آخرتنا ودنيانا فما احرانا ان نتعلم الاخلاص ونحسن النية، ونتخفى في اعمال البر والاحسان وجميع عباداتنا ما امكننا. يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: اعظم العبادة اجراً اخفاها. ويقول الامام علي عليه السلام: من كنوز الجنة اخفاء العمل والصبر على الرزايا وكتمان المصائب. ويقول الامام الصادق سلام الله عليه: اذا كان يوم القيامة نظر رضوان خازن الجنة الى قوم لم يمروا به، فيقول: من انتم؟ ومن اين دخلتم؟ قال: يقولون: اياك عنا فانا قوم عبدنا الله سراً فادخلنا الله سراً. الراوي: ان لكتاب "منازل الآخرة" قصة مهمة تكشف عن اخلاص الشيخ عباس القمي رضوان الله عليه وبعده عن الرياء فهو مؤلفه. فعندما الَّف هذا الكتاب وطبعه، ووصل الى مدينة "قم" المقدسة، وقعت نسخة منه بيد الشيخ الخطيب عبد الرزاق.. وكان هذا الشيخ غالباً ما يبين الاحكام الشرعية كل يوم قبل صلاة الظهر، وذلك في دار حرم السيدة المعصومة "فاطمة بنت الامام موسى الكاظم عليهما السلام". وكان والد الشيخ عباس القمي، وهو المرحوم محمد رضا، من مريدي الشيخ عبد الرزاق والمعجبين به، وكان يحضر مجلسه يومياً. وذات يوم اخذ الشيخ عبد الرزاق يفتح كتاب "منازل الاخرة" ويقرأ منه مقاطع حول الموت وحياة البرزخ ومنازل الرحيل الى عالم الاخرة، والناس وفيهم والد الشيخ القمي "محمد رضا" كلهم خشوع وانصات وتوجه: الشيخ عبد الرزاق: ضغطة القبر، صعبة جداً تذكرها وحدها يضيق الدنيا على الانسان، قال امير المؤمنين عليه السلام: يا عباد الله ما بعد الموت لمن لا يغفر له اشد من الموت.. القبر فاحذروا ضيقه وضنكه وظلمته وغربته، ان القبر يقول كل يوم: انا بيت الغربة انا بيت الوحشة انا بيت الدود. القبر روضة من رياض الجنة او حفرة من حفر النار "بخشوع". الراوي: ويخشع الحضور كله، بعد ان يستمعوا الى ما يقرأه الشيخ عبد الرزاق من كتاب "منازل الاخرة" دون ان يذكر اسم مؤلفه ويعود محمد رضا الى بيته في حال اخرى، وقد تأثر كثيراً بما سمع فنادى على ولده الشيخ عباس وهو لا يعلم انه مؤلف هذا الكتاب: محمد رضا: يا شيخ عباس. الشيخ القمي: لبيك يا ابه. محمد رضا: يا ليت انك يا ولدي مثل هذا الشيخ.. الشيخ عبد الرزاق تصعد المنبر وتقرأ لنا من هذا الكتاب حول منازل الاخرة. الشيخ عباس: ان شاء الله يا ابه، تكرم عليَّ بالدعاء لي ليوفقني الله تعالى ان اقرأ في مثل هذا الكتاب على مسامعكم الكريمة. محمد رضا: ما زلت موفقاً مؤيداً رزقك الله ذلك. الراوي: وكان في امكان الشيخ عباس القمي رضوان الله عليه ان يستثمر فرصة اعجاب الناس بكتابه "منازل الاخرة" فيعلن انه من تأليفاته ونتاج براعه .. الا انه آثر الاخلاص على الرياء. ******* الصبر - 8 2006-02-07 00:00:00 2006-02-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/153 http://arabic.irib.ir/programs/item/153 الحمد لله ولي الانعام وازكى الصلاة على اشرف الانام، المصطفى، وعلى آله الميامين الكرام. اخوتنا الاكارم.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. قال الله تبارك وتعالى في محكم كتابه المجيد: "وان تصبروا وتتقوا، فان ذلك من عزم الامور" صدق الله العلي العظيم )سورة آل عمران: 186). خصلة فاضلة يعجب بها الناس ويجلونا ويكبرون صاحبها، بل ويتمنونها، وقليل من يحظى بها، الا وهي فضيلة "الصبر" وهي تنطوي على معاني رفيعة: الايمان بالله تعالى، والتسليم لقضاء الله تعالى، والرضى بامر الله تعالى، والشكر على ما يريده الله ويحبه سبحانه وتعالى.. كما ينطوي الصبر على: قوة الجنان ورجاحة العقل، وثبات القلب، وهدوء النفس.. ويشير الى: الزهد في الدنيا، وحسن التوكل على الله عز وجل، والثقة بالباري جلت عظمته، والتصديق بوعده، وهو القائل، عز من قائل: "انما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب" (سورة الزمر: 10). هذا هو الصبر.. احتمال المكاره من غير جزع وقسر النفس على مقتضيات الشرع والعقل، اوامر كانت او نواهي.. بعد ذلك تكون من الله عز شأنه مرضاة ومغفرة ورحمة، وقد وصف الحق تبارك وتعالى الصابرين في كتابه العزيز فقال: "الذين اذا اصابهم مصيبة قالوا انا لله وانا اليه راجعون، اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة واولئك هم المهتدون" (سورة البقرة: 156-157). ويتنوع الصبر ـ اخوتنا الاعزة ـ كما تنوع المواقف الصعبة، فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله: "الصبر ثلاثة: صبر على المعصية، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية..". ويقول امير المؤمنين علي عليه السلام: "الصبر صبران: صبر عند المعصية.. حسن جميل، واحسن من ذلك الصبر عند ما حرم الله عليك، والذكر ذكران: ذكر الله عز وجل عند المصيبة وافضل من ذلك ذكر الله عند ما حرم عليك فيكون حاجزاً". ونعم الصبر ـ ايها الاخوة الاحبة ـ هو الصبر الجميل جاء على لسان النبي يعقوب عليه السلام في قوله تعالى: "قال بل سوّلت لكم انفسكم امراً فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون" (سورة يوسف: 18). وقد سئل الامام الباقر عليه السلام: "ما الصبر الجميل؟ فقال: ذلك صبر ليس فيه شكوى الى الناس". وهنا يحسن بنا ـ اخوتنا الافاضل ـ ان نقول: ان اهل الصبر على ثلاثة مقامات المقام الاول - ترك الشكوى.. قال الله تعالى في الحديث القدسي: "اذا ابتليت عبدي ببلائي فصبر ولم يشكني الى عواده، ابدلته لحماً خيراً من لحمه، ودماً خيراً من دمه، فان ابرأته ابرأته ولا ذنب له، وان توفيته فالى رحمتي". والمقام الثاني ايها الاخوة من الصبر هو الرضى بالمقدور وهذه هي درجة الزاهدين قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "اذا احب الله عبداً ابتلاه، فان صبر اجتباه وان رضي اصطفاه". اما المقام الثالث: فهو يرقى الى درجة الصديقين الذين يبتهجون بكل ما يقدر الله لهم من شدة او رخاء اذ يعتبرون ذلك التفاتاً من المحبوب تعالى اليهم: وكل ما يفعله المحبوب محبوب. قد يتساءل احدنا ـ ايها الاخوة الاحبة ـ: كيف لنا بتحصيل حالة الصبر؟ والجواب: هنالك امور كثيرة يكتسب المرء من خلالها ملكة الصبر فيحظى بالطمأنينة في الحياة الدنيا والتكريم الالهي في الحياة الاخرى، منها: نزع حب الدنيا من القلب فالمرء انما يجزع غالباً على شيء يخسره من اشياء الدنيا والمؤمنون الصابرون الواعون منطقهم "انا لله وانا اليه راجعون" فكل ما عندنا من الله تعالى، وعائد اليه تبارك وتعالى ولسنا مالكين لشيء في هذه الدنيا، فيكون الزهد عاملاً مهماً في تحصيل فضيلة الصبر، كذلك التسليم لامر الله عز وجل والرضى بكل قضائه وحسن الظن به جل وعلا في ما يقضيه بحكمته.. كل ذلك يعطي القلب حالة من الصبر.. لا سيما اذا صاحب ذلك تذكر الموت وان كل شيء سيؤول الى الفناء "ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام"، ويبقى الايمان الصادق والعمل الصالح، وكلاهما يثبتان بالصبر. قال الامام الصادق عليه السلام: "الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد فاذا ذهب الرأس ذهب الجسد، كذلك اذا ذهب الصبر ذهب الايمان". وكان امير المؤمنين عليه السلام يؤكد: "ايها الناس عليكم بالصبر، فانه لا دين لمن لا صبر له". واما علامة الصابر ففي ثلاث.. يبينها النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم فيقول: اولها: ان لا يكسل والثانية: ان لا يضجر، والثالثة: ان لايشكو من ربه عز وجل.. لانه اذا كسل فقد ضيع الحق واذا ضجر لم يؤد الشكر، واذا شكا من ربه عز وجل فقد عصاه. "اللهم اجعلنا لك من الشاكرين وبقضائك راضين ولرحمتك راجين، بحق محمد وآله الطيبين صلواتك عليهم اجمعين". الراوي: خرج ياسر وزهير في سفر الى البادية فضلا الطريق وتاها "ريح عاصف" فصاح ياسر على صاحبه.. ياسر: يا زهير انظر تلك خيمة. زهير: لنقصدها اذن قبل ان نهلك في تيهنا هذا. كلاهما: السلام عليكم يا اهل الخيمة ورحمة الله وبركاته. أمرأة "كبيرة السن": وعليكما السلام ورحمة الله وبركاته من انتما؟ زهير: تائهان في هذه البادية. العجوز: اصبرا حتى اهيء لكما الخيمة، فاقضي من حقكما ما انتما له اهل. العجوز: اجلسا ايها الرجلان على هذا البساط حتى يأتي ابني. الراوي: جلس الرجلان والعجوز ترفع طرف الخيمة بين الاونة والاخرى لترقب رجوع ولدها ثم قالت. العجوز: هآ.. أسأل الله بركة المقبل، اما البعير فبعير ابني، واما الراكب فليس هو. رجل ينادي: يا اما عقيل.. عظم الله اجرك في عقيل. العجوز: ويحك مات؟ "بتلهف وحيرة". الرجل: اجل يا اما عقيل. المرأة: لا اله الا الله الحي الذي لا يموت "بحسرة وعبرة" اذن انزل يا هذا عن البعير واقضى ذمام القوم وحق الضيف. *******الراوي: ودفعت العجوم كبشاً الى صديق عقيل فذبحه واصلحه، وقرب الى الضيفين الطعام، واخذت المرأة تلح عليهما بالاكل، فجلاً ياكلان وهما متعجبان من صبرها فلما فرغا خرجت اليهما قائلة: يا قوم هل فيكم من يحسن شيئاً من كتاب الله؟ ياسر: نعم يا ابتاه. المرأة: فاقرأ علي آيات من كتاب الله اتعزى بها عن ولدي. ياسر بخشوع: يقول الله تبارك وتعالى: "وبشر الصابرين الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا اليه راجعون، اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة واولئك هم المهتدون". المرأة: بالله عليك يا رجل ان هذا في كتاب الله هكذا؟ "بتعجب وتساؤل". ياسر: أي والله يا ابتاه انها في كتاب الله هكذا. المراة: اذن السلام عليكم ايها الضيوف "تخنقها العبرة". المرأة: اللهم اني قد فعلت ما امرتني به فانجز لي ما وعدتني به ولو بقي احد لاحد لبقي محمد صلى الله عليه وآله لامته "تخنقها العبرة". الراوي: وخرج ياسر وزهير معجبين بهذه العجوز الصابرة، وزهير يقول لصاحبه. زهير: يا ياسر ما اجزل هذا العجوز واوفر عقلها، لقد ذكرت ربها باكمل خصاله، واجمل خلاله ثم انه لما علمت ان الموت لا دافع له ولا محيص عنه، وان الجزع لا يجدي نفعاً، والبكاء لايرد هالكاً، ورجع الى الصبر الجميل، واحتسبت ابنها عند الله جلت رحمته، ذخيرة نافعة ليوم الفقر والفاقة. ياسر: آيه "بحسرة".. الا يكفي الصابرين شرفاً ان يقول الله تعالى في كتابه المجيد "والله يحب الصابرين" (سورة آل عمران: 146). زهير: او لا يكفيهم عوناً ان يكون تبارك وتعالى معهم وهو العلي العظيم، والقائل في كتابه الكريم: "واصبروا ان الله مع الصابرين" (سورة الانفال: 46). كلاهما بخشوع: صدق الله العلي العظيم. ******* الرفق - 7 2006-02-07 00:00:00 2006-02-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/152 http://arabic.irib.ir/programs/item/152 الحمد لله بجميع محامده كلها، على جميع نعمه كلها، وافضل صلواته وازكاها على حبيبه المصطفى الاكرم وعلى آله اولى الحجى والكرم. اخوتنا المستمعين الاكارم .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته واهلاً بكم في لقاء اخر، وحديث اخر، وقد اخترنا ان يكون موضوعنا هذه المرة دائراً حول الرفق وهو موضوع عملي حياتي، اذ كل يواجهه في علاقاته مع اسرته واصدقائه وعامة الناس في تعاملهم معه وتعامله معهم. ويعني الرفق ان تكن لنا ملائمة مع الناس وحسن صحبة وحسن كلام وعدم تشدد معهم.. وقد يحتاج الرفق ـ ايها الاخوة الافاضل ـ الى شيء من الصبر والتحمل وغض النظر عن بعض الاساءات وتقبل المعذرة من المخطئين واستمالة للاخوان بالعتب الرقيق.. مشفوع بالموعظة والتذكير، وخال من الغلظة والتجريح. ويكفي الرفق شرفاً ـ ايها الاخوة ـ ان يكون خلقاً من اخلاق الله جل وعلا مع عباده يقول الامام الباقر عليه السلام: "ان الله عز وجل رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف". ثم الرفق ـ اخوتنا الاعزاء ـ من اظهر اخلاق النبي محمد المصطفى (صلى الله عليه وآله).. قال انس بن مالك: كنت امشي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وعليه برد غليظ الحاشية فادركه اعرابي فجذبه من ردائه جذبة شديدة، حتى نظرت الى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وآله قد اثرت بها الحاشية من شدة جذبته، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك.. فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله في وجهه ثم امر له بعطاء. وبعد فتح مكة.. يحدث فضالة نفسه قائلاً: لادخلن المسجد ولاطوفن بالبيت فاذا وقعت عيناي على محمد ضربته بسيفي هذا وهو يطوف. ويدخل النبي صلى الله عليه وآله ليطوف، ويدخل فضالة ليقتله فاذا التقيا وجهاً لوجه، قال الحبيب المصطفى: يا فضالة: بم كانت تحدثك نفسك؟ قال فضالة: كانت تحدثني بذكر الله فقال صلى الله عليه وآله: بل كانت تحدثك بقتل محمد بن عبد الله. قال فضالة يحدث: "فضرب رسول الله بيده على صدري فشعرت ببرد السكينة في قلبي.. فما رفع يده عن صدري الا كان احب الناس الى محمد بن عبد الله". فكان المسلمون يجلون رسول الله صلى الله عليه وآله لخلقه العظيم.. حتى قال عروة بن مسعود وقد اوفدته قريش في الحديبية: والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله ما رأيت ملكاً قط يعظمه اصحابه ما يعظم اصحاب محمد محمداً. ذلك ـ ايها الاخوة الاحبة ـ هو الرفق، وقد حظي هذا الخلق الكريم بشرف خاص يبينه لنا رسول الله صلى الله عليه وآله في احاديث شريفة عدة، يقول فيها: "ما من عمل احب الى الله تعالى والى رسوله من الايمان بالله، والرفق بعباده وما من عمل ابغض الى الله تعالى من: الشرك بالله تعالى والعنف على عباده". ما اصطحب اثنان.. الا كان اعظمهما اجراً عند الله تعالى، واحبهما عند الله تعالى ارفقهما بصاحبه. نعم وزير الايمان العلم ونعم وزير العلم الحلم، ونعم وزير الحلم الرفق، ونعم وزير الرفق اللين. الرفق يمن والخرق شؤم. ما وضع الرفق على شيء الا زانه، ولا وضع الخرق على شيء الا شانه فمن اعطي الرفق اعطي خير الدنيا والاخرة ومن حرمه حرم خير الدنيا والاخرة. وهنا كلمة للامام محمد الباقر عليه السلام يجدر الوقوف عندها بتأمل اذ يقول: "ان لكل شيء قفلاً وقفل الايمان الرفق".. كيف ايها الاخوة الاعزة؟ يقول الشيخ المجلسي: "اعلا الله مقامه": "ان لكل شيء قفلاً" ـ أي حافظاً له من ورود امر فاسد عليه، او خروج امر صالح منه، "وقفل الايمان الرفق": وهو لين الجانب والرأفة وترك العنف والغلظة في الافعال والاقوال على الخلق في جميع الاحوال. وفي ثمار الرفق.. يروي النبي المصطفى صلى الله عليه وآله انه قال: "ان في الرفق الزيادة والبركة، ومن يحرم الرفق يحرم الخير". اجل.. فالرفق فيه زيادة في جميع الخيرات، ومنها الرزق .. كما في الرفق البركة بثبات تلك الخيرات وديمومتها وزيادتها فمن لم يوفق للرفق كان قد حرم خيرات الدنيا والاخرة. وفي شأن ثمرات الرفق ايضاً قال امير المؤمنين عليه السلام: "الرفق ييسر الصعاب ويسهل شديد الاسباب". الرفق لقاح الصلاح، وعنوان النجاح، الرفق يؤدي الى السلم. وعن الامام جعفر الصادق عليه السلام قال: "من كان رفيقاً في امره، نال ما يريد من الناس". اجل .. فالمرء يريد امرين مهمين من الناس: الاول ان تجري معاملاته وشؤونه المعاشية بيسر وتفاهم وعدالة، وذلك يتأتى بالرفق والطيبة والاخاء مع المنطق السليم والامر الثاني يريد المرء ان تحفظ بين الناس كرامته والرفق يضمن ذلك، فمن كان رفيقاً حسن الكلام والصحبة احترمه الناس واجلوا شخصيته ومن هنا يقول الامام الصادق عليه السلام: "ان شئت ان تكرم فلن وان شئت ان تهان فاخشن". الراوي: قال احد الفضلاء: الفاضل: ذهبنا برفقة عريس الى قرية في اطراف احدى المدن وفي الطريق فوجئنا برجل اعترضنا وكانت عليه علامات السذاجة والغباء فقال لنا بلغظة: العنيف: انا عالم القرية، وينبغي على كل من يطلب يد فتاة من قريتنا ان يدفع لي رسماً مالياً قدره ثلاثون الف دينار. الفاضل: فاخذت اناقشه في تصرفه هذا لكنه كان يصر على موقفه حتى كان يلوح لنا انه سيحبسنا في قريته ان لم ندفع له المبلغ الذي يريده واخيراً تقدمت له بهذا الاقتراح، وانا اتكلم معه برفق: *******أسألك ثلاثة اسئلة ان اجبت على كل واحد منها اعطيتك عشرة الاف دينار ولك سؤال لم تجب عليه اسقطنا عن حقك بعشرة الاف دينار .. ها هل انت موافق؟ العنيف: لا بأس.. اسأل. الفاضل: لماذا يضع المؤذن يديه على اذنيه اثناء الاذان؟ العنيف: هآ .. لا ادري. الفاضل: اذن خسرت عشرة الاف دينار الاولى .. والان السؤال الثاني: لماذا يفتح الصياد عيناً ويغمض الاخرى عندما يريد ان يرمي الطائر؟ العنيف: ها.. دعني افكر جيداً .. هآ .. لا اعلم. الفاضل: اذن خسرت العشرة الاف دينار الثانية، أليس كذلك؟ العنيف: والان.. اطرح عليَّ سؤالك الثالث لعلي اجيبك عليه واحظى بالعشرة الاف دينار الثالثة. الفاضل: السؤال الثالث في فصل الشتاء ترى الدجاجة في البيت تقف على رجل واحدة، فهل تعرف السبب في ذلك؟ العنيف: هآ.. "مع نفسه" تقف على رجل واحدة هذا صحيح، ولكن لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ .. "ثم قال": لا ادري يا اخي، ومن اين لك هذه الاسئلة الغريبة؟ الفاضل: ايها الرجل العالم انت رجل مفكر، ففتش في ثنايا فكرك لعلك تجد جواباً تحظى بعده بما طلبت منا. *******الراوي: وسكت الرجل العنيف بعد ان كان العالم الفاضل يتكلم معه بأدب ورفق وظل سارحاً في خيالاته عله يجد جواباً لتلك الاسئلة التي حيرته.. فيما تحركت قافلة العريس لتخرج من القرية وهو غافل عنهم، وفجأة صحا على نفسه، فوجد ان القوم قد ذهبوا عنه ولم يحصل منهم على شيء.. حينها هرع خلفهم حتى لحق بهم فنادى: ******* العنيف: وهو يقترب بعد خطوات وهو يلهث: اين ذهبت عني يا شيخ؟ الفاضل: ذهبنا عنك بعد ان عجزت عن الاجابة فلم تستحق شيئاً منا. العنيف: "بلين" صحيح يا رجل ان كنت قد تركتني ولم ترد ان تعطيني مالأً فلا اقل ان تعطيني اجابات اسئلتك الثلاثة. الفاضل: اجل معك حق وكل الحق.. اما المؤذن فانه يضع يديه على اذنيه لانه اذا وضعهما على فمه انقطع صوته. العنيف: احسنت احسنت صحيح "بهدوء" والصياد؟ الفاضل: والصياد يغمض عيناً واحدة عند الرمي لماذا؟ لانه اذا اغمض كلتا عينيه فانه لا يرى الطائر ابداً، فكيف يرميه؟ العنيف: "بصوت معه اعجاب" صحيح صحيح اجل كيف يرميه وهو مغمض عينيه كالاعمى؟ بالله عليك والدجاجة .. لماذا تقف في الشتاء على رجل واحدة؟ الفاضل: لانها اذا رفعت كلتا رجليها فانها.. ستسقط.. ستسقط حتماً يا رجل. الفاضل: اذن هاك عشرة الاف دينار وانصرف موفقاً. العنيف: هاتها لتبقى عندنا ذكرى هذا اللقاء السعيد. الفاضل: وذكرى اجابتك الذكية يا شيخ القرية. ******* المداراة - 6 2006-02-07 00:00:00 2006-02-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/151 http://arabic.irib.ir/programs/item/151 الحمد لله والحمد حقه، كما يستحقه وافضل الصلاة والسلام على رسول رب العالمين وعلى آله الهداة الميامين. اخوتنا واعزتنا المستمعين الاكارم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته واهلاً بكم في لقائنا الطيب هذا معكم وخلق اخر يهمس في شغاف القلب، يدور حول "المداراة"، وهي الخصلة القريبة من الرفق معنى، لانها تعني ملائمة الناس، وحسن صحبتهم واحتمال اذاهم، وربما فرق بينهما ان في المداراة تحملاً اكثر للاذى.. فالمؤمن يرفق باخوانه المؤمنين ويخالصهم مخالصة، ويتقي الاشرار ويخالقهم مخالقة، وتلك هي المدارة من اجل ان يحفظ المؤمن دينه ونفسه واخوانه متجنباً كل فتنة حذراً من كل كيد ووقيعة. قال تعالى في وصف المدارين: "وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هوناً واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً" (سورة الفرقان: 63). قيل: اذا خاطبهم الجاهلون خطاباً ناشئاً عن الجهل، مما يكره عباد الرحمن ان يخاطبوا به، او يثقل عليهم، اجابوا بما هو سالم من القول، وقالوا لهم قولاً سلاماً خاليا ًمن اللغو والاثم. والمداراة - ايها الاخوة الاعزة - من الايمان، وهي مجلبة للعيش الطيب مع الناس، اذ يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: "مداراة الناس نصف الايمان، والرفق بهم نصف العيش". ثم ان المداراة ـ اخوتنا الافاضل ـ ادعى الى تحابب الناس، وتقبل تعاليم الدين ومفاهيم الرسالة، واوفق في تقارب القلوب وتجنب الخصومات. وقد قال تعالى مخاطباً نبيه الاعظم صلى الله عليه وآله: "فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الامر..". وفي غرر حكمه، ودرر كلمه.. قال امير المؤمنين علي عليه السلام: "رأس الحكمة مداراة الناس". ثمرة العقل، مداراة الناس، عنوان العقل، مداراة الناس فللمداراة عوائدها المحمودة ومنها: ان يكون المرء في سلامة من دينه ودنياه، وتلك كلمة الامام علي عليه السلام جلية واضحة: "سلامة الدين والدنيا في مداراة الناس".. ففي الناس ـ ايها الاخوة الافاضل ـ طامع وحاسد، وشرير وغادر، فلا منجاة احياناً الا بالمداراة، حتى لقد اوصى امير المؤمنين عليه السلام مرة فقال لاحدهم، دار الناس تأمن غوائلهم، وتسلم من مكائدهم ومن عوائد المداراة ايضاً: المحافظة على الاخوان من جهتين: من جهة اعدائهم فنجد ان امير المؤمنين عليه السلام يقول: "انا لنبشر في وجوه قوم، وان قلوبنا تقليهم اولئك اعداء الله نتقيهم على اخواننا لا على انفسنا". ومن جهة اهوائهم فقد يخطأ اخواننا معنا، فنداريهم فيبقون لنا اخواناً ولا نخسرهم. وقد كان امير المؤمنين سلام الله عليه يوصي ولده الحسن عليه السلام بمداراة اخوانه فيقول له: احمل نفسك من اخيك عند صرفه، على الصلة.. وعند صدوده على اللطف والمقاربة.. وعند جموده، على البذل.. وعند تباعده على الدنو، وعند شدته على اللين، وعند جرمه على العذر ويخاطب ابو فراس الحمداني احد اخوانه فيقول له: لم اواخذك بالجفاء لانيواثق منك بالوداد الصريحفجميل العدو غير جميلوقبيح الصديق غير قبيحومن عوائد المداراة ـ اخوتنا الاحبة ـ ان نبلغ من خلالها الحق، وندعو الى القيم العليا، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد ارشد فقال: ثلاث.. من لم يكن فيه، لم يتم له عمل: ورع يحجزه عن معاصي الله، وخلق يداري به الناس، وحلم يرد به جهل الجاهل. وفي محكم التنزيل المجيد نقرأ قوله تعالى: "وبالوالدين احساناً وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسناً" (سورة البقرة: 83). وكانت المداراة امراً من الله تعالى ان يتحلى بها انبياؤه ورسله عليهم افضل الصلاة والسلام فناجى سبحانه موسى عليه السلام فكان مما قاله له: "واظهر في علانيتك المداراة عني لعدوي وعدوك من خلقي.. وجاء جبرئيل عليه السلام مرة رسول الله صلى الله عليه وآله يقول له: يا محمد، ربك يقرئك السلام ويقول لك: دار خلقي. فكان صلى الله عليه وآله يقول: امرني ربي بمداراة الناس، كما امرني بتبليغ الرسالة امرني ربي بمداراة الناس كما امرني باداء بالفرائض. واخيراً.. ايها الاخوة الواعون، لا يفوتنا ان نقول: ان المداراة وسيلة وليست غاية، فينبغي فيها مراعاة مرضاة الله تعالى وطاعته، وتكون النية فيها جذب القلوب الى الايمان والمحبة او دفع الشر عن الدين والمؤمنين فلا تكون المداراة تواطؤاً ولامداهنة على حساب المبادئ والكرامة. فقد اوحى الله تعالى الى شعيب النبي عليه السلام اني معذب من قومك مئة الف، اربعين الفاً من شرارهم وستين الفاً من خيارهم، فقال: يا رب هؤلاء الاشرار، فما بال الاخيار؟ فاوحى الله عز وجل اليه: "داهنوا اهل المعاصي فلم يغضبوا لغضبي". الراوي: روي ان اسحاق الكندي كان فيلسوف العراق في زمانه وقد اخذ في كتابة شيء تخيله ان القرآن متناقض، فدخل بعض تلامذة الكندي يوماً من الايام على الامام الحسن العسكري عليه السلام فقال له الامام يعاتبه: اما فيكم رجل رشيد يردع استاذكم الكندي عما اخذ فيه من تشاغله بالقرآن؟ فاجابه التلميذ: التلميذ: "بتحرج": نحن ـ ياسيدي ـ تلامذته كيف يجوز منا الاعتراض عليه في هذا او في غيره؟ قال: اتؤدي اليه ما القيه عليك؟ التلميذ: نعم، نعم، ياسيدي، ان شاء الله تعالى. فقال الامام له صر اليه وتلطف في مؤانسته ومعونته على ما هو بسبيله فاذا وقعت الانسة في ذلك فقل: قد حضرتني مسألة اسألك عنها، فانه يستدعي ذلك منك فقل له: ان اتاك هذا المتكلم بهذا القرآن هل يجوز ان يكون مراده بما تكلم منه غير المعاني التي قد ظننتها انك ذهبت اليها؟ فانه سيقول: من الجايز، لانه رجل يفهم اذا سمع فاذا اوجب ذلك فقل له: فما يدريك لعله اراد غير الذي ذهبت انت اليه فتكن واضعاً بغير معانيه. *******الراوي: فصار التلميذ الى استاذه الكندي، واخذ يتطلف معه ويداريه الى ان القى عليه المسألة كما امره الامام الحسن العسكري عليه السلام، حينها اخذ الكندي يتأمل ويفكر بعمق، حتى قال له: الكندي اعد عليَّ. الراوي: فاعاد التلميذ على استاذه وهو وجل، ولكنه كان يداريه اما الكندي فقد سرح في تفكير مع نفسه، فرأى هذا الاحتمال الذي طرحه تلميذه عليه امراً منطقياً محتملاً في اللغة، كما هو سائغ في الراي والنظر.. لم لا، ثم التفت الى تلميذه يسأله: الكندي: اقسمت عليك الا اخبرتني من اين لك هذا التساؤل؟ التلميذ "مرتبكاً": لا .. ليس بشيء انه شيء عرض بقلبي يا استاذ فاحببت ان اطرحه، وقد اوردته عليك، ارجو العفو عما صدر مني من جسارة يا استاذ. الكندي: كلا كلا يا ولدي، ما يمثلك من اهتدى الى هذا حتى الان، ولا من بلغ هذه المنزلة، فعرفني من اين لك هذا؟ التلميذ: الحقيقة يا استاذ.. امرني به ابو محمد الحسن العسكري. الكندي: هآ.. الان جئت بالحقيقة. التلميذ: وكيف علمت يا استاذ؟ الكندي: اجل.. فما كان ليخرج مثل هذا الا من ذلك البيت. الراوي: ثم ان الكندي دعا بالنار فاحرق ما كان كتبه من تخيلاته في ان القرآن متناقض. وكان للمداراة التي اداها ذلك التلميذ كما اوصاه الامام العسكري عليه السلام دورها في تهيئة الاجواء المناسبة للكندي وهو الذي تصور نفسه استاذ الفلاسفة ان يتقبل تساؤل تلميذه المنبه وقد علمه اياه الامام العسكري صلوات الله عليه. ******* الوفاء - 5 2006-02-07 00:00:00 2006-02-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/150 http://arabic.irib.ir/programs/item/150 الحمد لله واهب النعم، وافضل الصلاة والسلام على سيد البشر والامم، وعلى آله الهداة اصول الكرم. اخوتنا المستمعين الاكارم.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله، واهلاً بكم في هذا الحديث الطيب معكم، وهو دائر حول صفة يحبها كل الناس، وخلق يحترمه جميع البشر ذلك هو "الوفاء". والوفاء خصلة يتعامل بها الانسان مع الله تعالى فنجده يلبي نداء الله جل وعلا في عبادته، وفي الاوامر الالهية والاحكام الشرعية، ويتعامل بها مع اسرته واقربائه، واخوانه وعامة الناس، لا يعطي عهداً الا ويفي به، ولا يبرم عقداً الا ويؤدي شروطه كاملة، ولا يعد احداً الا ويصدقه وعده.. بل يتعامل الانسان بالوفاء حتى مع نفسه، فيوردها موارد الخير والصلاح، ولا يخونها بان يرديها في مواقع الشر والهلكة والرذيلة. وللوفاء فضله وشرفه، حتى قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد: "ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، واقام الصلاة وآتى الزكاة، والموفون بعهدهم اذا عاهدوا، والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، اولئك الذين صدقوا واولئك هم المتقون" صدق الله العلي العظيم (سورة البقرة: 177). فالاوفياء ـ ايها الاخوة ـ هم اهل البر واهل الصدق وهم المتقون ويبلغ الوفاء من الشرف ان يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: اقربكم غداً مني في الموقف: "اصدقكم للحديث، واداكم للامانة، واوفاكم بالعهد، واحسنكم خلقاً، واقربكم من الناس". لماذا كل هذا التمجيد ـ ياترى ـ بخصلة الوفاء؟ لابد ان للوفاء اثراً في باطن المرء وسلوكه وتوجهه الروحي، وهو في ذاته علامة مهمة في شخصيته الدينية.. فالنبي صلى الله عليه وآله يقول: السعاية - 4 2006-02-07 00:00:00 2006-02-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/149 http://arabic.irib.ir/programs/item/149 الحمد لله والحمد حقه، كما يستحقه، وافضل صلواته وازكاها على رسوله المصطفى الامين، وعلى آله الهداة الميامين. اخوتنا واعزتنا المستمعين الاكارم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، واهلاً بكم في لقاء طيب اخر معكم، وهمسات اخرى في شغاف القلب، وحديث يتناول هذه المرة موضوع "السعاية".. يقول فيه الشهيد الثاني قدس الله روحه في رسالة الغيبة، في عد ما يلحق بالغيبة: احدها "النميمة"، وهي نقل قول الغير الى المقول فيه، كما تقول: فلان تكلم فيك بكذا وكذا.. فان تضمن النقل نقصاً او عيباً في المحكي عنه، كان ذلك راجعاً الى الغيبة ايضاً، فيكون قد جمع بين معصية الغيبة والنميمة، وهي احدى المعاصي الكبائر، قال الله تعالى: "ولا تطع كل حلاف مهين، هماء مشاء بنميم" (سورة القلم:10-11). قال المفسرون: المشاء بنميم: الماشي في الناس بالسعاية وافساد علاقاتهم وهو نقال الحديث من قوم الى قوم على وجه افساد اخوتهم وخلق العداوة بينهم. فهذا الساعي بالتخريب، ينبغي كما في وصية الآية الشريفة ـ الا يطاع: وقد كان في وصايا امير المؤمنين عليه السلام قوله: اكذب السعاية والنميمة، باطلة كانت ام صحيحة، ورفع رجل يوماً الى امير المؤمنين عليه السلام كتاباً فيه سعاية، فنظر اليه امير المؤمنين عليه السلام ثم قال: يا هذا ان كنت صادقاً مقتناك، وان كنت كاذباً عاقبناك، وان احسنت القيلة "أي الاعتذار والتبرؤ من فعلتك السيئة" اقلناك، قال الرجل: بل تقيلني يا امير المؤمنين. ولهذه الصفة الذميمة ـ اخوتنا الافاضل ـ آثارها السيئة لذا جاء التحذير منها على وجه مشدد فيه.. حتى روي ان موسى الكليم عليه السلام استسقى لبني اسرائيل حين اصابهم قحط، فاوحى الله تعالى اليه اني لا استجيب لك ولا لمن معك وفيكم نمام قد اصر على النميمة، فقال موسى عليه السلام يا رب من هو حتى نخرج من بيننا؟ فقال: يا موسى انهاكم عن النميمة، واكون نماماً؟ فتابوا باجمعهم فسقوا. *******وفي جملة وصايا الامام جعفر الصادق عليه السلام، جاءت هذه الوصية الشريفة احذر من ثلاثة: الخائن والظلوم والنمام، لان من خان لك خانك، ومن ظلم لك سيظلمك، ومن نم اليك سينم عليك. وفي تعريفه للساعي الخراب بين الاخوان، قال الامام علي سلام الله عليه: "شر الناس من سعى بالاخوان ونسي الاحسان". الساعي كاذب لمن سعى اليه، ظالم لمن سعى عليه. وهكذا يجمع الساعي صفات سيئة، بين الغيبة اذ يزري بمن ينقل عنهم، والنميمة الذي يوقع العداوة والبغضاء بين الاخوان، والظلم اذ يسيء الى الناقل اليه والمنقول عنه، والكذب اذ يدعي الحرص والمحبة لمن ينقل له وهو يوقع الكراهية بينه وبين اصدقائه او ذويه، فيفرقهم، وقد يهلكهم. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: شرار الناس من يبغض المؤمنين وتبغضه قلوبهم: المشاؤون بالنميمة، والمفرقون بين الاحبة، الباغون للبراء الغيب.. اولئك لا ينظر الله اليهم يوم القيامة ولا يزكيهم. وقال صلى الله عليه وآله: ان شر الناس يوم القيامة المثلث، قيل: يا رسول الله، وما المثلث؟ قال: الرجل يسعى باخيه الى امامه "أي سلطانه"، فيقتله، فيهلك نفسه واخاه وامامه. وفي رواية اخرى: الذي يسعى باخيه الى السلطان، فيهلك نفسه ويهلك اخاه، ويهلك السلطان. وعن الامام الصادق صلوات الله عليه قال في تعريفه للساعي: الساعي قاتل ثلاثة: قاتل نفسه، وقاتل من يسعى به، وقاتل من يسعى اليه. نستجير بالله تعالى من صفة السعاية الذميمة، والتي قد تجر الى عداوة الاخوان وتفرق الخلان، بل والى القتل والهلاك، والعياذ بالله فما احرانا ان نراقب السنتنا وقلوبنا، وما اجدرنا ان نطرد النمام الساعي من بيننا لنبقى اخوة متحابين على حب الله ورسوله وآله. في كتاب (الفصول المهمة في معرفة الائمة عليهم السلام) للمؤرخ الشيخ المالكي المذهبي علي بن محمد المكي الشهير "ابن الصباغ": ان هارون الرشيد العباسي حلم الى علي بن يقطين وكان من الشيعة متخفياً في تشيعه ثياباً فاخرة من ضمنها دراعه منسوجة بالذهب فارسلها علي بن يقطين خفية الى الامام موسى الكاظم عليه السلام، الا ان الامام ردها اليه وكتب له: احتفظ بها ولا تخرجها عن يدك، فسيكون لك بها شأن تحتاج معه اليها. احتفظ علي بن يقطين بالدراعة وهو لم يعرف السبب في رد الامام اياها له، وجعلها في سفطر وختم عليها، وبعد مدة، تغير علي بن يقطين على بعض غلمانه من الخدم فطرده فسعى ذلك الغلام بعلي بن يقطين الى هارون الرشيد قائلاً: الغلام: يا امير المؤمنين ان علي بن يقطين يقول بامامه موسى الكاظم وانه يحمل اليه كل سنة زكاة ماله والهدايا والتحف، وقد حمل اليه في هذه السنة ذلك، ومن ذلك الدراعة السوداء التي اكرمته بها يا امير المؤمنين. هارون: "وهو يصك اسنانه غضباً" لاكشفن عن ذلك، فان كان الامر على ماذكرت ازهقت روحه، وذلك من بعض جزائه. *******هارون: يا ابن يقطين، مافعلت بالدراعة السوداء التي كسوتكها، واختصصتك من مدة من بين سائر خواصي؟ ابن يقطين: هي عندي يا امير المؤمنين في سفط في طيب مختوم عليه. هارون: بشي من الغضب والتعجب، احضرها الساعة. ابن يقطين: نعم يا امير المؤمنين سمعاً وطاعة. ابن يقطين: يا غلام امض وخذ مفتاح البيت الداخلي من داري وافتح الصندوق الذي في داخله وائتني بالسفط الذي فيه على حال بختمه.. افهمت؟ الغلام: اجل .. اجل سآتيك به حالاً. *******الراوي: فلم يلبث الخادم الا قليلاً حتى عاد وفي صحبته السفط، وهو وعاء يوضع فيه الطيب ونحوه، مختوماً على حالته بختمه، فوضع بين يدي هارون الرشيد، فأمر بفك ختمه، ففك وفتح السفط فاذا بالدراعة مطوية ومدفونة بالطيب على حالها لم تلبس ولم يصيبها شيء.. فقال هارون في نفسه؟ وهو يتنفس الصعداء ويهمس مع نفسه: هي نفسها تلك الدراع التي وهبتها له، اين هذا من كلام الغلام الساعي؟ ردها يا علي بن يقطين، ردها مكانها وخذها وانصرف راشداً فلن نصدق عليك بعد اليوم ساعياً. ثم امر هارون الرشيد ان يتبع علي بن يقطين بجائزة سنية كبيرة، وصاح بين جنده. هارون: اين ذلك الغلام الذي سعى بصاحبنا علي بن يقطين؟ الراوي: فجيء بالغلام فامر هارون ان يضرب ذلك الساعي الف سوط. وبعد ذلك فهم علي بن يقطين حكمة رد الامام الكاظم عليه السلام للدراعة السوداء، لانه عليه السلام كان مطلعاً على الغيب من عند الله تبارك وتعالى وان علي بن يقطين سيحتاج الى الدراعة يوماً ما لينقذ بها حياته. ******* الورع - 3 2006-02-07 00:00:00 2006-02-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/148 http://arabic.irib.ir/programs/item/148 الحمد لله اناء الليل والنهار، واشرف الصلوات على النبي المختار، وعلى آله الهداة الابرار. اخوتنا الاعزة المؤمنين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، واهلاً بكم في رحلة فكرية روحية، اخرى، نصنت فيها معاً الى همسات اخرى في شغاف القلب، وحديث جديد يتناول موضوع "الورع". ابتداءاً ـ ايها الاخوة ـ نقف على رواية يرويها الشيخ الكليني في كتابه "الكافي" عن الامام جعفر الصادق عليه السلام انه قال: "انما الامور ثلاثة: امر بين رشده فيتبع، وامر بين غيه فيجتنب، امر مشكل يرد علمه الى الله ورسوله.. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حلال بين، وحرام بين، وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن اخذ بالشبهات ارتكب المحرمات.. وهلك من حيث لا يعلم"، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله ايضاً قوله: "ان لكل ملك حمى وان حمى الله حلاله وحرامه، والمشتبهات بين ذلك، كما لو ان راعياً رعى الى جانب الحمى، لم تلبث غنمه ان تقع في وسطه، فرعوا المشتبهات". اجل ـ ايها الاخوة الاكارم ـ ففي الشبهات يتبين الورع عند المرء يتجلى ذلك في وصية للامام الصادق عليه السلام، اذ يقول فيها لاحد اصحابه: "اوصيك بتقوى الله والورع والاجتهاد، واعلم انه لا ينفع اجتهاد لا ورع فيه". وهنا لعله يتبين ان الورع غير التقوى، لذا نقرأ للشيخ المجلسي بيانه بعد ذكره لهذا الحديث الشريف، حيث كتب: لعل المراد بالتقوى ترك المحرمات، وبالورع ترك الشبهات، بل وبعض المباحات، فالورع في الاصل هو الكف عن المحارم والتحرج منها واكثر من ذلك، لان امير المؤمنين علياً عليه السلام يقول: "الورع الوقوف عند الشبهة". ويعرف الامام الصادق عليه السلام الورع فيقول: "الذي يتورع عن محارم الله ويجتنب هؤلاء (وأشار الى جماعة)"، ثم قال: "واذا لم يتق الشبهات وقع في الحرام وهو لا يعرفه". ومن هنا لا تنفع العبادة ولا الاجتهاد فيها اذا لم يصحبها ورع يصد عن الحرام، ويجنب عن الشبهة، لان الورع هو اشد العبادة كما يعرفه الامام الباقر عليه السلام، وبدونه لاينفع اجتهاد فيها كما يصرح الامام الصادق عليه السلام. وقد ناجى الله تعالى موسى عليه السلام فقال له: "يا موسى ابلغ قومك انه ما تعبد لي المتعبدون بمثل الورع عن محارمي". بل ترك الورع لا يهدد العبادة فحسب، انما يهدد الايمان ايضاً، فقد سئل الامام علي عليه السلام: ما ثبات الايمان؟ فقال: "الورع". ومن بعده قال الامام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام: "الورع نظام العبادة فاذا انقطع الورع ذهبت الديانة". فالورع ـ اخوتنا الافاضل ـ ميزان التدين، وهو الوقوف عند الشبهة، والتحرج من الامور التي لم يتضح فيها حكم، فيتوقف الورع هنا ويحتاط ويتجنب ويتنزه، ويتقي ويبتعد، ويعطي من امواله ونفسه ما يبرئ به ذمته، ويفرغ عنها تكليفاً محتملاً او يتخلص من اثم مظنون في مأكل او مشرب، او ملبس او مسكن او مكسب، فلا يهجم على شيء من ذلك قبل ان يسأل ويثبت ويتأكد حتى يطمئن صيانة لدينه، وحفاظاً على ايمانه، وتجنباً من كل حرام ولو كان مظنوناً او محتملاً. وقد كان من وصايا الامام جعفر الصادق سلام الله عليه قوله: "اتقوا الله وصونوا دينكم بالورع". قال الشيخ المجلسي: يدل هذا على ان بترك الورع عن المحرمات، يصير الايمان في معرض الضياع والزوال، فان فعل الطاعات وترك المعاصي حصون للايمان من ان يذهب به الشيطان. الراوي: اقبل شاب على جدول ماء ليملأ قربته منها فرأى تفاحة تجري مع الماء، فالتقطها واكل بعضها.. ولكنه توقف عن الاكل فجأة، واخذ يفكر.. الشاب يهمس مع نفسه: كيف سمحت لنفسي ان آكل هذه التفاحة ولم اكن استأذنت من صاحب البستان؟ الراوي: واخذ يعاتب ضميره على عمل لا ينبغي صدوره من متدين ورع، لذا فكر ان يمشي بالاتجاه المعاكس لجريان الماء كي يتعرف على صاحب التفاحة، حتى لقي صاحب المزرعة وكان عليه سيماء الصالحين. الشاب "بتردد": السلام عليكم يا عم. الرجل: وعليك السلام يا ولدي ورحمة الله وبركاته تفضل. الرجل: عفواً يا عم، كنت قد عثرت على تفاحة منسابة مع الماء، فاكلتها، لا، اكلت بعضها، وهذا ما تبقى، ولم اكن قد استاذنتك يا عم ارجو ان تغفر لي ذلك وترضى عني. الرجل: كلا.. لا ارضى عنك حتى.. الرجل: اعطيك ثمنها. الرجل: لا لا اقبل بذلك..حتى.. الراوي: وبعد اصرار الشاب والحاحه على معرفة ما يبرئ ذمته وافق المزارع ان يرضى بشرط واحد. الرجل: وما هو هذا الشرط يا عم؟ الرجل عندي ابنة: : عمياء صماء خرساء، عرجاء.. لابد ان تتزوجها حتى ارضى عنك، والا لا ارضى. الراوي: واحس الشاب بورطة قد وقع فيها، وكان لابد له من الموافقة. فخطب البنت وهو لا يستطيع ان يرفع طرفه نحوها، اذ اخذ الحياء منه مأخذه، فلم يتعرف على وجهها هل هي عمياء؟ ولم يكلمها لانه اخبر انها صماء خرساء ثم لم تسنح له الفرصة ليرى قوامها فيعرف كيف هي عرجاء. ولكنه بعد ان عقد عليها عقداً شرعياً، نظر اليها فاذا هي ذات قوام ممشوق، ليس فيها أي عيب مما ذكر والدها المزارع، فخرج من غرفته مسرعاً خشية ان يكون قد حصل اشتباه في الفتاة واذا بالرجل المزارع "يبتسم". الرجل: بابتسامة خيراً يا ولدي.. الى اين؟ الشاب وهو مضطرب: ان البنت التي وصفتها لي يا عم ليست هذه العروس هل حصل شيء؟ الرجل يضحك: لا يا ولدي، لم يكن الاخيراً انها هي هي يا ولدي، فقد وجدتك شاباً ورعاً، الححت علي بالرضى عنك لاكلك بعض تفاحة لقيتها كانت قد سقطت من يدي وساقها الماء اليك في جدول المزرعة، فعلمت انك الشاب الذي كنت انتظره لابنتي الصالحة الورعة. الرجل: ولكن كنت اخبرتني انها عمياء خرساء صماء، عرجاء، وهذه ليست كما وصفت لي. الرجل: اجل هي كذلك وانت لا تعلم. الرجل: كيف ذلك يا عم؟ الرجل: انها لم تنظر الى ما عند الناس بعين الفضول، ولم تتجسس بعينيها، فهي من الحياء، كأنها عمياء، وهي لا تختلط بالرجال ولم تكلم اجنبياً منهم، فكأنها خرساء، ولم تكن تعير اذنيها الى غيبة او غناء او كلام محرم وكأنها صماء. الرجل: اما كيف هي ـ كما وصفت ـ عرجاء. الرجل: لم اجدها تسرح في الطرقات، او تكثر من الخروج من منزلنا، وكأنها عرجاء، اليست هذه الفتاة المؤمنة لا يستحقها الا شاب ورع مثلك يا ولدي بارك الله لك فيها وبارك الله لها فيك.. اتمنى لكما حياة طيبة سعيدة. والحمد لله رب العالمين. ******* الغضب - 2 2006-02-07 00:00:00 2006-02-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/147 http://arabic.irib.ir/programs/item/147 الحمد لله حقه، كما يستحقه وافضل صلاته وازكاها على رسوله الاكرم، وآله قادة الامم. اخوتنا الافاضل .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، واهلاً بكم في لقاء جديد، وحديث جديد، وقع فيه اختيارنا على موضوع "الغضب"، ذلك الامر الخطير الذي تعاني منه البشرية، وتحصد منه النكبات والويلات على مدى حياة الانسانية، فالنفس ـ ايها الاخوة الاعزة - تعيش حالات من الانفعال، تحكمها ضوابط من العقل والضمير والتقوى، وقد تخفق تلك الضوابط عند الانسان فينفجر غضباً في كلام بعيد عن الحكمة والاخلاق او في سلوك غريب عن الشخصية الانسانية، فضلاً عن الدينية الروحية. يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: "الا ان الغضب جمرة في قلب ابن آدم.." ويقول امير المؤمنين عليه السلام: الحدة ضرب من الجنون، لان صاحبها يندم، فان لم يندم، فجنونه مستحكم. وفي ذلك - ايها الاخوة الاكارم - آثار خطيرة منها: الاخلال بالشخصية والاضرار بكرامتها التي وهبها الله تعالى للعبد، كي يعيش خليفته في الارض، يعمل بطاعته، ويتعامل بشريعته، والغضب مدعاة التهور والتجاوز، وقد جاء في كتاب الله العزيز: "ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى، وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون" (سورة النحل:90). ولا شك ان الغاضب لا يستطيع تحكيم العدل، ولا يتمكن من الاحسان، وايتاء ذي القربى، وهو يحمل قلباً يغلي بالحقد، ونفساً تفور بالانتقام، بل لا يستطيع امساك نوازعه عن ارتكاب المنكر والبغي والظلم، وهو يتأجج بلهيب الشيطان، وقد نبه الى ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ان هذا الغضب جمرة من الشيطان تتوقد في قلب ابن آدم، وان احدكم اذا غضب احمرت عيناه، وانتفخت اوداجه، ودخل الشيطان فيه. ثم من آثار الغضب الخطيرة ـ ايها الاخوة الاحبة ـ ان ينساق المرء الى امور تجره فيما بعد الى سوء العواقب، فيقول ما يتهم به الاعراض، ويتلفظ بعبارات هي في محضر الله تعالى بمقام الاعتراض، وقد يضرب احد الناس في حالة غاضبة فيؤدي بحياته.. وحقاً ما قاله الامام محمد الباقر سلام الله عليه: "ان الرجل ليغضب حتى ما يرضى ابداً.. حتى يدخل بذلك النار". اذن.. فمن تحكم فيه الغضب وتمكن من قلبه ونفسه، كان اقرب ما يكون من المعصية، وكان اقرب ما يكون من غضب الله تعالى وعقابه.. وكيف لا والغضب يهد قوى العقل والنفس معاً، ويجعل المرء مساقاً من قبل الشيطان الرجيم، وقد جانب الحكمة، وفارق الرحمة، ونسي الادب، وغفل عن الحق، واخفى الضمير، يحذر الامام الباقر عليه السلام من نتائج الغضب فيقول: أي شيء اشد من الغضب؟ ان الرجل ليغضب.. فيقتل النفس التي حرم الله، ويقذف المحصنة. وهنا يستدعينا الحق ان نفكر بجد ـ ايها الاخوة ـ في علاج هذا الداء الخطير وهو "الغضب"، وهو على طورين: علاج علمي، واخر عملي، فالعلمي ان يتفكر المرء في فضيلة كظم الغيظ من جهة، ورذيلة الغضب ونتائجه الوخيمة من جهة اخرى.. فهناك العفو والحلم والكرامة والمحبة، وهنا في الغضب الحقد والكراهية والانتقام والاثم، والكل عائد الى الله جل وعلا، اذ اليه الرجعى والمنتهى، والكل هناك خائف من غضب الله وعذابه فكيف النجاة. سئل عيسى المسيح عليه السلام: أي الاشياء اشد؟ قال: اشد الاشياء غضب الله عز وجل. قالوا: فبم يتقى غضب الله فقال: بان لا تغضبوا. وسأل رجل رسول الله صلى الله عليه وآله: احب ان اكون آمناً من غضب الله وسخطه، قال: لا تغضب على احد، تأمن غضب الله وسخطه. واما العلاج العملي للغضب.. فالصبر، واجتناب الهوى، وتحكيم العقل، وذكر الله تعالى، قلباً ولساناً، ذكراً وعملاً، تذكروا يمنع من الغضب. ومن العلاج ايضاً: الحلم والعفو..ما اجمل ما يقول الشاعر حين يقول: سألزم نفسي الصفح عن كل مذنبوان كثرت منه عليَّ الجرائموما الناس الا واحد من ثلاثةشريف ومشروف ومثل مقاومفأما الذي فوق فأعرف فضلهواتبع فيه الحق والحق لازموأما الذي دوني، فان قال صنت عناجابته عرضي، وان لام لائموأما الذي مثلي فان زل او هفاتفضلت ان الفضل بالخير حاكمولابد من ترويض النفس، والابتعاد عن اسباب الغضب ومهيجاته، فاذا دب الينا: استعذنا بالله تعالى، وكان منا الدعاء، والوضوء بالماء البارد، والسجود لله تعالى ولزوم الارض، والسكوت وقتاً طويلاً، وتغيير الحال، ومس المغضوب عليه اذا كان رحماً ويمقت الغضب.. الا ما كان لله تعالى، فهو قوة وليس انهياراً، قال الامام علي عليه السلام من احد سنان الغضب لله، قوي على قتل اشداء الباطل. الراوي: كان هنالك عابد يعبد الله دهراً طويلاً فجاءه قوم وقالوا له: ان ها هنا قوماً يعبدون شجرة من دون الله تعالى، فغضب العابد لذلك، فأخذ فاسه على عاتقه وقصد الشجرة ليقطعها، فاستقبله ابليس في صورة شيخ: ابليس: اين تريد رحمك الله؟ العابد: اريد ان اقطع هذه الشجرة. ابليس: وما انت وذاك؟ تركت عبادتك وتفرغت لغير ذلك؟ العابد: ان هذا من عبادتي *******فاعترضه ابليس ومنعه، فاصطرعا، فغلب العابد ابليس وصرعه وقعد على صدره فعجز ابليس عنه فقال له: ابليس: اطلقني حتى اقول لك ما هو خير لك وانفع. ابليس: انت رجل فقير وتحب ان تتفضل على اخوانك وتعين الفقراء والمساكين، فارجع عن امر الشجرة وساجعل لك عند رأسك كل ليلة دينارين، ان اصبحت اخذتهما فانفقتهما على نفسك وعيالك وتصدقت بالباقي، فيكون ذلك انفع لك وللمؤمنين من قطع هذه الشجرة. الراوي: ففكر العابد بما وسوس له ابليس بان الامر لايعنيه فهو ليس نبياً كي يقطع شجرة تعبد، وامل ان يفي ذلك الشيخ، ـ وهو ابليس ـ ان يفي بما وعده.. فعاد الى بيته، ومحراب عبادته، وكلما اصبح وجد تحت وسادته دينارين، فيأخذهما ويتصرف بهما، وقد اصبح في اليوم الثالث فلم يجد شيئاً فغضب، ولكن هذه المرة غضب للدينارين، لا لله سبحانه، فأخذ فأسه على عاتقه، ليقطع تلك الشجرة، فاستقبله ابليس بصورة ذلك الشيخ قائلاً له: ابليس: الى اين ايها العابد؟ العابد: لقد قررت ان اقطع الشجرة هذه المرة. ابليس: كذبت، والله ما انت بقادر على ذلك، ولا سبيل لك اليها. العابد: يا هذا غلبتني فخل عني.. واخبرني كيف غلبتك اولاً، وغلبتني الآن؟ ابليس وهو يضحك ويقول ساخراً: لانك غضبت لله اول مرة، وكانت نيتك الاخرة، فسخرني الله لك فغلبتني وصرعتني، وهذه المرة غضبت لنفسك وللدنيا، فصرعتك..هيه هيه يضحك. ******* الضيافة - 1 2006-02-07 00:00:00 2006-02-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/146 http://arabic.irib.ir/programs/item/146 الحمد لله في الاولين والآخرين، واشرف الصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلن، وعلى آله الهداة الميامين. اخوتنا المستمعين الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، واهلاً ومرحباً بكم في رحاب هذه اللقاءات الطيبة، واحاديث متتابعة نأمل ان تحسن شغاف قلوبنا ان شاء الله تعالى وتنير لنا طريق التخلق بالاخلاق الفاضلة. تخصيص اللقاء الاول - احباءنا - لخلق حب الضيافة. *******الضيافة في اسمى معانيها خلق من اخلاق الله تبارك وتعالى، اذ استضاف مخلوقاته في عالم الوجود، وهو يرزقهم كل يوم في مملكته، كما يستضيف عباده في الطاعات والمناسك آناء الليل والنهار، وكل ساعة وكل آن.. ويستضيفهم في شهره المبارك رمضان، وفي موسم الحج الاكبر عند بيته الحرام. والمؤمن يتعلم هذا الخلق الرفيع "الضيافة" من بارئه الكريم الرحيم، فيدعوا الى بيته ومائدته اخوانه واحبته، ويستضيف الفقراء والمحوجين، ويكرم المحرومين والمساكين، ويتأسى المؤمن بالانبياء والاوصياء صلوات الله عليهم، فذاك شيخ الانبياء خليل الرحمان ابراهيم عليه السلام، كان اول من اضاف الضيف، حتى كان يسمى "ابا الاضياف"، وحتى اتخذه الله تعالى خليلاً: لاطعامه الطعام، وصلاته بالليل والناس نيام، ولكثرة صلاته على النبي محممد وآله الكرام "صلوات الله عليهم اجمعين". وللضيافة ـ ايها الاخوة الاعزة ـ شأن كبير اذ بها تعقد الاخوة بين المؤمنين، ويدور خلال لقائهم ذكر الله فيه رضى، ولهم اجر وثواب ومعرفة وفي الضيافة تقضى حوائج الاخوان، ويكرم الفقراء والمحرومون، وتقام مجالس الذكر، ومن هنا نسمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لا تزال امتي بخير: ما تحابوا، وادوا الامانة، واجتبنوا الحرام، واقروا الضيف، واقاموا الصلاة وآتوا الزكاة. كل بيت لا يدخل فيه الضيف، لا تدخل الملائكة. اذا اراد الله بقوم خيراً اهدى اليهم هدية، قالوا: وما تلك الهدية يا رسول الله؟ قال: الضيف.. ينزل برزقه، ويرتحل بذنوب اهل البيت. ويروي الامام الصادق عليه السلام انه: اتي رسول الله صلى الله عليه وآله ببعض المشركين كانوا قد حاربوا فقدم رجلاً ليضرب عنقه، فقال جبريل: يا محمد، ربك يقرئك السلام ويقول: ان اسيرك هذا: يطعم الطعام، ويقري الضيف، ويصبر على النائبة، ويحتمل الحملات. فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ان جبريل اخبرني عنك، عن الله بكذا وكذا، وقد اعتقتك، فقال له الاسير وهو متعجب: وان ربك ليحب هذا؟ قال: نعم. فقال الاسير: اشهد ان لا اله الا الله وانك رسول الله، والذي بعثك بالحق، لارددت عن مالي احداً ابداً. وبعد ـ ايها الاخوة الاحبة ـ فان للضيافة آدابها.. منها آداب الضيف، وهي: الاستجابة لدعوة المؤمنين، ومراعاة آداب المجلس في الضيافة، والحضور في الوقت المناسب، والتخفيف على صاحب الدار، والدعاء للمضيف، ودعوته في المقابل الى ضيافة مكرمة، والخروج من بيته والقلب معقود على حفظ اسراره. ومنها ـ ايها الاخوة ـ آداب المضيف صاحب البيت والضيافة، ينبغي ان يراعيها مع ضيوفه، وهي: دعوة المؤمنين من غير ان يفرق بين غني وفقير، ووجيه وبسيط، وحسن الاستقبال ببشر حسن، وتليين الجناح وتطيب الكلام، وفي ذلك يقول الشاعر: اضاحك ضيفي قبل انزال رحلهويخصب عندي والمحل جديبوما الخصب للاضياف ان يكثر القرىولكنما وجه الكريم خصيبومن آداب المضيف رفع الحرج والعناء عن ضيفه، وعدم تكليفه او استخدامه، او التعامل معه بما يشق عليه من الالحاح، او التكلف وكثير ما يكون في الضيافة اطعام، ومن آداب الاطعام عرض الماء والوضوء على الضيف، وتعجيل احضار الطعام وتقديمه امامه، وخدمة الضيف بنفس المضيف، ومواكلته وترغيبه في مزيد الاكل، وتحديثه بما تميل اليه نفسه، وتوديعه باكرام واحترام. فاذا وفق المؤمن الى ذلك، كان هنالك شرف خاص ينتظره يقول امير المؤمنين علي عليه السلام: ما من مؤمن يحب الضيف الا ويقوم من قبره ووجهه كالقمر ليلة البدر، فينظر اهل الجمع فيقولون: ما هذا الا نبي مرسل فيقول ملك: هذا مؤمن يحب الضيف، ويكرم الضيف، ولا سبيل له الا ان يدخل الجنة. وعن الامام علي عليه السلام ايضاً، قال: ما من مؤمن يسمع بهمس الضيف ويفرح بذلك الا غفرت له خطاياه وان كانت مطبقة ما بين السماء والارض. وذاك الشاعر المضياف يقول: الله يعلم انه ماسرنيشيء كطارقة الضيوف النزلمازلت بالترحيب حتى خلتنيضيفاً له والضيف رب المنزلواخيراً.. تعالوا ـ ايها الاخوة الاعزة ـ ننظر ضيافة امير المؤمنين عليه السلام وقد جمع فيها اسمى معاني الايثار والاكرام.. فعن ابي هريرة وابن عباس قالا: جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وآله فشكا اليه الجوع، فبعثه الى ازواجه فقلن: ما عندنا الا الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من لهذا الرجل الليلة؟ فقام امير المؤمنين علي سلام الله عليه قائلاً: انا له يا رسول الله. فاتى عليه السلام فاطمة سلام الله عليها وسألها: ما عندك يا بنت رسول الله؟ فقالت: ما عندنا الا قوت الصبية، لكنا نؤثر ضيفنا، فقال علي عليه السلام: يا بنت محمد صلى الله عليه وآله، نومي الصبية واطفي المصباح. وجعلا يمضغان بالسنتهما، فلما فرغ الضيف من الاكل، اتت فاطمة بسراج فوجدت الجفنة مملوءة من فضل الله. فلما اصبح الضيف، صلى مع النبي صلى الله عليه وآله، فلما سلم النبي صلى الله عليه وآله من صلاته، نظر الى امير المؤمنين عليه السلام فبكى بكاءاً شديداً وقال: لقد عجب الرب من فعلكم البارحة، إقرأ: "ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون". الراوي: في حياة البشرية طرائف ولطائف، وحكايات عجيبة، بعضها بقي محيراً للعقول والنفوس، ذلك حينما يرقى المرء الى مستويات رفيعة، يتخلى فيها عن نوازعه المادية، فيجنح نحو المثل العالية والاخلاق السامية. وكان مما كتب لنا التاريخ، ان رجلاً يعرف باسم "معن بن زائدة"، كان يحارب وينتصر ويظفر بمجموعة من الاسرى وفي احدى معاركه قبض على عدة من الاسرى وقد حاربوه وقتلوا جمعاً من انصاره، فحدث نفسه يقول: معن: ايه.. لابد ان اعرضهم على السيف، فقد احرقوا قلبي اذ قتلوا انصاري واعواني. "بشيء من الحدة". الاسير: اصلح الله الامير، نحن بشر مثلك فلا تجمع علينا الجوع والقتل معاً، فوالله ان كرم الامير ليبعد عن ذلك. معن: لقد قال الحق ايها الحراس احضروا بسرعة طعاماً وشراباً لاسرائكم. الحراس: سمعاً وطاعة ايها الامير. *******الراوي: قام احد الاسرى فقال لمعن: الاسير بانكسار: ايها الامير اطال الله بقاءك، اننا قبل ساعة كنا اسراك، اما الان فقد اصبحنا ضيوفك. معن: "بشيء من الخشونة والتعجب": وكيف؟ كيف اصبحتم ضيوفنا يا هذا؟ الاسير: "بتلعثم" اجل ايها الامير، فقد تفضلت علينا ولطفت بنا، واكرمتنا باطعامنا من زادك الكريم، فاصبحنا ضيوفك، نعم ضيوفك ايها الامير، فانظر كيف تصنع بضيوفك؟ الراوي: واثرت هذه العبارات ايضاً في قلب معن ونفسه، فلم يمتلك جوارحه حتى اضطرب وخجل كيف يقتل ضيوفه، فما صبر حتى صاح باسراه: معن: ايها الاسرى لقد عفوت عنكم. الراوي: وظن معن بن زائدة ان الامر بلغ خاتمته وانتهى، الا انه ما كاد يلتفت ليذهب حتى ناداه اسير: الاسير: والله ـ ايها الامير ـ ان عفوك عنا، اشرف من يوم ظفرك بنا. الراوي: فسر معن بن زائدة سروراً كبيراً بهذه العبارة، حتى انتشى، وامر لكل من الاسرى بكسوة ومال فلامه احد اصحابه فقال له معن مجيباً متسائلاً.. معن: ماذا اصنع اذن وقد اصبحوا يوفي. *******