اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | من فيض أهل المعرفة http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb اللجوء لامام العصر (عج) في وصية الفقيه الاصفهاني - 30 2011-12-17 09:43:17 2011-12-17 09:43:17 http://arabic.irib.ir/programs/item/8194 http://arabic.irib.ir/programs/item/8194 السلام عليكم إخوة الإيمان والولاء طابت أوقاتكم بكل خير وبركة، ان من مظاهر التمسك بولاية وإمامة الإمام المهدي في عصر غيبته عجل الله فرجه التوسل به الى الله عزوجل والإستغاثة به عليه السلام وعرض الحوائج عليه عجل الله فرجه. هذا هو موضوع الإضاءة المعرفية التي اخترناها لكم في هذا اللقاء ونعرفكم أولاً بصاحبها وهو الميرزا افتخار الدين أبو عبد الله محمد تقي بن عبد الرزاق بن عبد الجواغد بن محمد مهدي الموسوي الأصفهاني أحد أعلام العلماء النابغين في القرن الرابع عشر وشهد لذلك كثرة مؤلفاته وكتبه، الأخلاق الرفيعة والتلهج بذكر الله سبحانه وتعالى من الصفات التي كانت واضحة بشكل جلي على المترجم له رحمه الله، مما حدا به إلى اتخاذ طريق العرفان والسير والسلوك، ثم ظهرت صفة ثالثة أكثر جلاء من الأوليين وهي عشقه الكبير وتعلقه العجيب بصاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف حتى وصل إلى مرحلة الملاقاة مع الإمام عجل الله تعالى فرجه، وهذه مرحلة لا ينالها إلا ذو حظ عظيم. ونتيجة لهذا التأثر الكبير في حياته، انعكس الأثر في مؤلفاته ورسائله وأشعاره، وكان كثير الإشتغال بجمع الأحاديث والآثار الواردة في الإمام المهدي عليه السلام الى حين وفاته سنة 1348 للهجرة رضوان الله عليه. أما عن كتابه المذكور الذي إخترنا منه إضاءة هذه الحلقة فقد قال آية الله العظمى الشيخ لطف الله الصافي في كتابه منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر عليه السلام: إن كتاب (مكيال المكارم) كتاب كبير حسن نافع لم أر مثله في موضوعه، أفرده مصنفه (رضي الله عنه) لذكر فوائد الدعاء للقائم عليه السلام، وما ورد في الأدعية له ولفرجه وما يتقرب به إليه، وقد جمع فيه أدعية كثيرة جليلة من الكتب المفيدة، وذكر فيه من الآداب والفوائد أو الجهات الموجبة للدعاء له والآثار المترتبة عليه، والأوقات والحالات والأماكن التي يتأكد فيها الدعاء له ما لا يتسعه هذا الكتاب. مستمعينا الأكارم، ولهذا الكتاب قصة لها إرتباط بالوصية التي يوصي المؤمنين بها هذا العالم المهدوي المخلص والتي سننقلها لكم بعد أن نشير الى قصة تأليف هذا الكتاب، وملخصها هو أنه في عام 1330 سافر سيدنا التقي رحمه الله إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، واتفق أن ظهر الوباء الشديد الكوليرا بين الحجاج مما أدى إلى مقتل الكثير من أهل مكة والحجاج والزوار، وعندها توجه السيد التقي متضرعا الى الله سبحانه وتعالى متوسلاً اليه بالامام المهدي عجل الله تعالى فرجه طالبا أن يخلصه من هذا البلاء الكبير، معاهدا إياه أن يقوم بتأليف هذا الكتاب إذا عاد الى وطنه سالما، فاستجاب الله سبحانه وتعالى دعاءه ورجع سالما الى وطنه وأنجز ما عاهد الله عليه. وبسبب تعلقه الشديد وشوقه الذي لا يتوقف الى رحاب مولانا صاحب الزمان (عج) فقد تشرف برؤيته في المنام وأمره بإتمام هذا الكتاب وأن يسميه بـ "مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم عجل الله فرجه". مستمعينا الأكارم أما الوصية التي وجهها هذا العالم المهدوي التقي في كتابه المذكور فهي قوله قدس سره الشريف: فيا أخواني في الدين وخلاني على اليقين، أوصيكم بعرض حوائجكم اليه (يعني إمام العصر عجل الله فرجه) فلا يخفى شئ من أموركم عليه، فعن كشف المحجة عن الكليني في كتاب الرسائل عمن سماه قال: كتبت الى أبي الحسن الهادي عليه السلام: إن الرجل يحب أن يفضي إلى إمامه ما يحب أن يفضي به إلى ربه، قال: فكتب عليه السلام: "إن كانت لك حاجة فحرك شفتيك فإن الجواب يأتيك". وقال قدس سره الشريف أيضاً: وإعلم أن الإستغاثة به عليه السلام وعرض الحاجة عليه ليست مقيدة بلسان خاص وكيفية خاصة ووقت مخصوص، بل المهم في ذلك إصلاح القلب والتوجه التام والتوبة عن الآثام، واليقين الثابت والإعتقاد الراسخ، إنه عليه السلام الغوث وغياث المضطر المستكين، وهو الكهف الحصين وملجأ الهاربين، وإن وظيفة الرعية الرجوع في دفع أعدائهم الى رئيسهم في كل زمان كما كان ذلك عادة أهل الولاية والعرفان حيث كانوا يبثون شكواهم ويرفعون حوائجهم الى أئمتهم عليهم السلام، ولو تركنا الإقبال على صاحبنا ومولانا إمام العصر عليه السلام في مهماتنا وحوائجنا لم نأمن من الخذلان لأنا تركنا وظيفتنا التي أمرنا الله تعالى بها. شكراً لكم مستمعينا الأعزاء على جميل الإصغاء لهذه الحلقة من برنامج (من فيض أهل المعرفة)، وقد قرأنا لكم فيها وصية باللجوء في المهمات لإمام العصر أرواحنا فداه أوردها الفقيه السيد محمد تقي الإصفهاني في كتابه القيم مكيال المكارم، شكراً لكم ودمتم بكل خير. آداب الزيارة في كلام النراقي-2 - 29 2011-12-10 11:14:20 2011-12-10 11:14:20 http://arabic.irib.ir/programs/item/8193 http://arabic.irib.ir/programs/item/8193 السلام عليكم أيها الإخوة والأخوات، تحية طيبة وأهلا بكم في الإضاءات المعرفية في لقاء جديد، ننقل لكم فيه إضاءة عن الآداب التي ينبغي أن يراعيها المؤمن أثناء زيارة أئمة العترة المحمدية عليهم السلام. وهذه الإضاءة تتمة لما نقلناه في الحلقة السابقة عن آداب زيارة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وقد اخترناها من كتاب جامع السعادات للعبد الصالح والفقيه العارف والتقي الزاهد الشيخ محمد مهدي النراقي من أعلام علماء الإمامية في القرن الهجري الثالث عشر. قال رضوان الله عليه: إذا دخلت أرض النجف لزيارة أمير المؤمنين وسيد الوصيين عليه السلام، تذكر أنها وادي السلام، ومجمع أرواح المؤمنين، وقد شرفها الله وجعلها أشرف البقاع، وجنة المؤمنين. فما من مؤمن خالص إلا وبعد الموت يأتي روحه إليها، ويتنعم فيها مع سائر المؤمنين، إلى أن يدخلوا دار كرامته العظمى في القيامة الكبرى. وقد أكد شرافتها وعظم قدرتها، بأن جعلها مدفن وصي رسوله، بعد أن كانت مدفن آدم أبي البشر، ونوح شيخ المرسلين عليهما السلام. فاسأل الله أن يأتي بروحك إليها، ويدخلك في زمرة المؤمنين، ويجعلها محل دفنك، لتنالك شفاعة مولاك عليه السلام، ولا يحشرك مع الكفار والعصاة في وادي برهوت. وإذا أتيت لزيارته، تذكر عظيم مرتبته عند الله وعند رسوله، وراع الآداب التي ذكرناها في زيارة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم. ويتحدث آية الله الشيخ النراقي عن آداب زيارة سيد الشهداء عليه السلام قائلا: وإذا أردت أرض كربلاء، لزيارة سيد الشهداء عليه السلام، فتذكر أن هذه الأرض هي التي قتل فيها سبط الرسول وأولاده وأقاربه وأجناده، وأسرت فيه أهاليه وأهل بيته، فجدد الحزن على قلبك، وأدخلها أشعث أغبر، منكسر الحال، محزون القلب، كئيبا حزينا باكيا، وأحضر في قلبك حرمة هذه الأرض وشرافتها، فإنها الأرض التي في تربتها شفاء، ولايرد فيه الدعاء، وقد يجعلها الله يوم القيامة أرفع بقاع الجنة، فتردد فيها على سكينة ووجل. ثم إذا دخلت الحائر للزيارة، ووقع بصرك على ضريحه المنور، ثم على ضريح أصحابه المستشهدين معه، المجتمعين في موضع واحد في جواره، فمثل في قلبك أشخاصهم، وتذكر وقائعهم وما جرى عليهم من البلايا والمحن واحضر في نفسك أبا عبد الله الحسين عليه السلام واقفا في عرصة كربلاء، ويأتي أصحابه واحدا واحدا يستأذن منه للجهاد، قائلا: السلام عليك يا أبا عبد الله وهو يأذن له، ويلقي نفسه في الميدان على الجم الغفير، فيقتل في سبيله، وإذا أيس من حياته، ينادي بأعلى صوته: أدركني يا أبا عبد الله! هو عليه السلام يسرع أليه كالصقر المنقض، ويأخذ جثته من الميدان، ويلحقه بسائر إخوانه الشهداء. فمثل في نفسك أمثال ذلك، وجدد عليهم الحزن والبكاء، وتمن كونك معهم في تلك العرصة، وقل: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما! ثم راع الآداب الباطنة لزيارته عليه السلام وقس على ذلك زيارة كل واحد من الأئمة عليهم السلام، فإنه ينبغي لك أن تستحضر، عند حضورك كل واحد منهم، وجلال شأنه وعظمة قدرته، وعظيم حقه، وتتذكر ما يناسب حاله، وما جرى عليه، ثم تستشعر في قلبك ما يترتب عليه، من التعظيم، والإجلال، والخوف، والحزن، والفرح، وأمثال ذلك. أعزائنا المستمعين، أما الفقرة الختامية في هذا اللقاء، فنختارها من سيرة صاحب هذه الإضاءة المؤثرة وهو العارف الزاهد الشيخ محمد مهدي النراقي، فقد نقل الشيخ المظفر في مقدمة كتاب جامع السعادات عن أيام صبا الشيخ النراقي الحادثة التالية قال: إن أحد الكسبة الذي كان حانوته في طريق المدرسة بكاشان التي كان يسكنها الشيخ النراقي وهو طالب، إن هذا الكاسب المؤمن لاحظ عليه أنه رث الثياب، وكان معجبا به، إذ كان يشتري منه بعض الحاجيات كسائر الطلاب، فرأى أن يكسيه تقربا إلى الله، فهيأ له ملبوسا يليق بشأنه، وقدمه له عندما اجتاز عليه، فقبله الشيخ بعد إلحاح. ولكن هذا الطالب الأبي في اليوم الثاني رجع إلى رفيقه الكاسب وأرجع له الملبوس قائلا: إني لما لبسته لاحظت على نفسي ضعة لا أطيقها، لا سيما حينما أجتاز عليك، فلم أجد نفسي تتحمل هذا الشعور المؤلم، وألقاه عليه ومضى معتزا بكرامته. إنتهى أحباءنا لقاء اليوم من برنامج (من فيض أهل المعرفة)، قدمناه لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران، شكرا لكم وفي أمان الله. آداب الزيارة في كلام النراقي-1 - 28 2011-12-03 09:43:26 2011-12-03 09:43:26 http://arabic.irib.ir/programs/item/8192 http://arabic.irib.ir/programs/item/8192 السلام عليكم إخوة الإيمان ورحمة الله، تعد زيارة المشاهد المشرفة من أهم الوسائل الشرعية للتقرب الى الله جل جلاله كما أكدت الأحاديث الشريفة. ولكي تحقق هذه الوسيلة ثمارها المباركة ينبغي معرفة آدبها والإلتزام بها، وهذا هو ما تهدف له الإضاءة المعرفية التي إخترناها لكم من كتاب جامع السعادات للفقيه العارف والعالم التقي الزاهد الشيخ محمد مهدي النراقي من أعلام العلماء الربانيين في القرن الهجري الثاني عشر. تناول المولى النراقي التنبيه لآداب الزيارة من خلال عرض نموذج تطبيقي هو زيارة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله فقال رضوان الله عليه: إذا قربت من المدينة المنورة، ووقع بصرك على حيطانها، تذكر أنها البلدة التي اختارها الله لنبيه صلى الله عليه واله وسلم وجعل إليها هجرته، وأنها البلدة التي فيها شرع فرائض ربه وسننه، وجاهد عدوه، وأظهر بها دينه، ولم يزل قاطنا بها إلى أن توفاه الله، وجعل تربته فيها. ثم مثّل في نفسك أقدام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عند تردداتك فيها، وتذكر أنه ما من موضع قدم تطئه إلا وهو موضع قدمه العزيز، فلا تضع قدمك عليه إلا على سكينة ووجل، وكن متذكرا لمشيه وتخطيه في سككها، وتصور سكينته ووقاره، وخشوعه وتواضعه لعظمة ربه، وما استودع الله في قلبه من عظيم معرفته ورفعة ذكره، حتى قرنه بذكر نفسه، وأنزل عليه كلامه العزيز، وأهبط عليه الروح الأمين وسائر ملائكته المقربين، وأحبط عمل من هتك حرمته، ولو برفع صوته فوق صوته. ثم تذكر ما منّ الله به على الذين أدركوا صحبته، وسعدوا بمشاهدته واستماع كلامه، وأعظم تأسفك على ما فاتك من صحبته، وتضرع إلى الله ألا تفوتك صحبته في الآخرة، ولتعظم رجاؤك في ذلك، بعد أن رزقك الله الإيمان، وأشخصك من أرضك لأجل زيارته، محبة له، وتشوقا إليه. ويستمر العبد الصالح الفقيه الشيخ النراقي حديثه عن آداب زيارة المشهد النبوي بقوله رحمه الله: ثم إذا دخلت مسجده صلى الله عليه وآله فتذكر أن أول موضع أقيمت فيه فرائض الله تلك العرصة، وأنها تضمنت أفضل خلق الله حيا وميتا، فأرج الله غاية الرجاء أن يرحمك بدخولك إياه خاشعا معظما، وما أجدر ذلك المكان بأن يستدعي الخشوع من قلب كل مؤمن. ثم إذا أتيته للزيارة، فينبغي أن تقف بين يديه خاضعا خاشعا خائفا، وتزوره ميتا كما تزوره حيا، ولا تقرب من قبره إلا كما تقرب من شخصه الكريم لو كان حيا، إذ لا فرق بين ميته وحيه، ولو وجدت التفرقة في قلبك لما كنت مؤمنا، ولتعلم أنه عالم بحضورك وقيامك وزيارتك، وإنه يبلغه سلامك وصلواتك. فمثل صورته الكريمة في خيالك، جالسا على سرير العظمة بحذائك، وأحضر عظيم رتبته في قلبك، وقد ورد أن الله تعالى وكّل بقبره ملكا يبلغه سلام من سلم عليه من أمته. وهذا في حق من لم يحضر قبره، فكيف بمن فارق الأهل والوطن، وقطع البوادي شوقا إلى لقائه، واكتفى وقنع بمشاهدة مشهده المنور، إذ فاتته مشاهدة طلعته البهية، وغرته الكريمة. وقد قال صلى الله عليه واله وسلم: "من صلى علي مرة، صليت عليه عشرا". فهذا جزاؤه عليه في الصلاة عليه بلسانه، فكيف بالحضور لزيارته ببدنه؟. وإذا فرغت من زيارته، فأت المنبر وامسحه بيدك، وخذ برمانتيه، وامسح بهما وجهك وعينيك، وتضرع إلى الله، وابتهل إليه، واسأل حاجتك. وتوهم صعود النبي صلى الله عليه واله وسلم المنبر، ومثل في قلبك طلعته البهية، قائما على المنبر، وقد أحدق به المسلمون من المهاجرين والأنصار، وهو يحمد الله بأفصح الكلمات واللغات، ويحث الناس على طاعة الله. واسأل الله ألا يفرق في القيامة بينه وبينك، وان يجعلك في جواره، ويعطيك منزلا في قرب داره. بقي أن نشير مستمعينا الأكارم إن بعض هذه الآداب تصدق على زيارة النبي الأكرم وآله عليهم السلام من بعيد أيضا، خاصة ما يرتبط بالتمثل القلبي لمن نزوره منهم عليهم السلام. تقبل الله منكم أيها الإخوة والأخوات حسن الإصغاء لبرنامج (من فيض أهل المعرفة)، في حلقته لهذا اليوم كونوا معنا في الحلقة المقبلة بمشيئة الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. زيارة المشاهد المشرفة من اعظم القربات الالهية - 27 2011-11-26 08:50:32 2011-11-26 08:50:32 http://arabic.irib.ir/programs/item/8191 http://arabic.irib.ir/programs/item/8191 السلام عليكم إخوة الايمان والولاء ورحمة الله. تحية مباركة وطيبة نستهل بها لقاء اليوم من هذا البرنامج الذي نخصصه لإحدى أهم وسائل السير والسلوك الى الله والتقرب منه عزوجل، إنها زيارة المشاهد المشرفة التي عدتها النصوص الشريفة من أعظم الطاعات والقربات. والإضاءة المعرفية التي ننقلها لكم بشأن الزيارة هي من اجمع ما كتب عنها وأشده دقة مع إختصاره. وهي التي جاءت في الكتاب الأخلاقي القيم (جامع السعادات) للعارف الفقيه والزاهد التقي المولى محمد مهدي النراقي من أعلام علماء مدرسة أهل البيت عليهم السلام في القرن الهجري الثالث عشر، رضوان الله عليه. قال العبد الصالح المولى النراقي في كتابه الفريد جامع السعادات ضمن بيانه لعلة تأكيد النصوص الشريفة على زيارة المشاهد المشرفة قال: إعلم أن النفوس القوية القدسية، لا سيما نفوس الأنبياء والأئمة عليهم السلام، إذا نفضوا أبدانهم الشريفة، وتجردوا عنها، وصعدوا إلى عالم التجرد، كانوا في غاية الإحاطة والاستيلاء على هذا العالم، فأمور هذا العالم عندهم ظاهرة منكشفة، ولهم القوة والتمكن على التأثير والتصرف في مواد هذا العالم، فكل من يحضر مقابرهم لزيارتهم يطلعون عليه، لا سيما ومقابرهم مشاهد أرواحهم المقدسة العلية، ومحال حضور أشباحهم البرزخية النورية، فإنهم هناك يشهدون. بل أحياء عند ربهم يرزقون. وبما آتاهم الله من فضله فرحون. فلهم تمام العلم والاطلاع بزائري قبورهم، وحاضري مراقدهم، وما يصدر عنهم من السؤال والتوسل والاستشفاع والتضرع، فتهب عليهم نسمات الطافهم، وتفيض عليهم من رشحات انوارهم، ويشفعون الى الله في قضاء حوائجهم، وإنجاح مقاصدهم، وغفران ذنوبهم، وكشف كروبهم. مستمعينا الأفاضل يتضح اذن أن أولياء الله المقربين يبقون وسائل لإعانة السالكين على التقرب من الله عزوجل حتى بعد وفاتهم بل تزداد حركتهم حينئذ شدة وقوة، ولذلك دعا الله عباده للإهتمام بزيارتهم عليهم السلام. قال العبد الصالح المولى النراقي في تتمه حديثه المتقدم: فهذا هو السر في تأكد استحباب زيارة النبي والأئمة عليهم السلام مع ما فيه من صلتهم وبرهم وإجابتهم، وإدخال السرور عليهم، وتجديد عهد ولايتهم. وإحياء أمرهم، وإعلاء كلمتهم، وتبكيت أعدائهم. وكل واحد من هذه الأمور مما لا يخفى عظيم أجره وجزيل ثوابه. وكيف لا تكون زيارتهم أقرب القربات، وأشرف الطاعات مع أن زيارة المؤمن من جهة كونه مؤمنا فحسب أمر عظيم الأجر جزيل الثواب، وقد ورد به الحث والتوكيد والترغيب الشديد من الشريعة الطاهرة، وأيضا قد ثبت وتقرر جلالة قدر المؤمن عند الله، وثواب صلته وبره وإدخال السرور عليه. وإذا كان الحال في المؤمن من حيث أنه مؤمن فما ظنك بمن عصمه الله من الخطأ، وطهره من الرجس، وبعثه الله إلى الخلائق أجمعين، وجعله حجة على العالمين، وارتضاه إماما للمؤمنين، وقدوة للمسلمين، ولأجله خلق السماوات والأرضين، وجعله صراطه وسبيله، وعينه ودليله، وبابه الذي يؤتى منه ونوره الذي يستضاء به، وأمينه على بلاده، وحبله المتصل بينه وبين عباده، من رسل وأنبياء وأئمة وأولياء. ثم الأخبار الواردة في فضيلة زيارة النبي والأئمة عليهم السلام مما لا تحصى كثرة. مستمعينا الأكارم، ونختم هذا اللقاء بالأدب العام لزيارة مشاهد أولياء الله عليهم السلام الذي ذكره العبد الصالح والعارف الزاهد الشيخ محمد مهدي النراقي في نهاية كلامه حيث قال قدس سره الشريف: إذا عرفت فضل زيارتهم وسرها، وعظم قدرهم وجلالة شأنهم، فينبغي أن تكثر التواضع والتخضع والانكسار عند الدخول في بلادهم، ومراقدهم المنورة، ومشاهدهم المكرمة، وتستحضر في قلبك عظمتهم وجلالهم، وتعرف عظيم حقهم، وغاية جدهم وسعيهم في إرشاد الناس وإعلاء كلمة الله. اعزاءنا مستمعي إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، نشكركم على جميل متابعتكم لبرنامج (من فيض أهل المعرفة)، في حلقة اليوم، تقبل الله أعمالكم ودمتم بكل خير. التدبر في الإذكار (الشيخ البهائي) - 26 2011-11-19 08:34:00 2011-11-19 08:34:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/8190 http://arabic.irib.ir/programs/item/8190 السلام عليكم إخوتنا وأخواتنا ورحمة الله. تحية مباركة طيبة نحييكم بها في مفتتح لقاء آخر يسرنا أن يجمعنا بكم في هذا البرنامج الأخلاقي التربوي. مستمعينا الأفاضل الآيات الكريمة والأذكار والأدعية التي ورد تشريعها وجوباً أو إستحباباً ضمن أفعال الصلاة أو تعقيباتها، تشتمل على معادن هي لب لباب السير والسلوك الى الله عزوجل تنير قلب المصلي الذاكر بالمعرفة والعرفان والقرب وحقائق التوحيد الخالص. من هنا إهتم علماء العرفان الامامي النقي بحث السالكين على تفهم هذه المعاني والتوجه لها وهذا ما ترمي إليه الوصية المعرفية التي إخترناها لهذا اللقاء وهي كلام الحكيم الفقيه والعارف العامل الشيخ محمد بن الحسين العاملي، الملقب بالشيخ البهائي من أعلام علماء مدرسة أهل البيت عليهم السلام في القرن الهجري الحادي عشر. وقبل أن ننقل وصيته ننقل لكم قصة مؤثرة ترتبط بكتاب مفتاح الفلاح الذي وردت فيه هذه الوصية، تابعونا مشكورين. نقل المحدث القمي رحمة الله في كتاب الكنى والألقاب عن قطب الدين الإشكوري انه قال في ترجمة الشيخ البهائي: وحكى لي بعض الاعلام انه سمع من المولى الفاضل والحبر الكامل القاضي معز الدين محمد أقضى القضاة في مدينة أصبهان انه قال: رأيت ليلة من الليالي في المنام أحد أئمتنا عليهم السلام فقال لي: اكتب كتاب مفتاح الفلاح وداوم العمل بما فيه. فلما استيقظت ولم اسمع اسم الكتاب قط من أحد فتصفحت من علماء أصبهان فقالوا لم نسمع اسم الكتاب. وفي هذا الوقت كان الشيخ الجليل (يعني البهائي) مع معسكر السلطان في بعض نواحي ايران، فلما قدم الشيخ رحمه الله بعد مدة في أصبهان تصفحت، أي سألت منه أيضاً عن هذا الكتاب فقال: صنفت في هذا السفر كتاب دعاء سميته مفتاح الفلاح إلا اني لم أذكر اسمه لواحد من الأصحاب ولا أعطيت نسخته للاستنساخ لأحد من الأحباب. فذكرت للشيخ المنام فبكى الشيخ وناولني النسخة التي كانت بخطه وأنا أول من استنسخ ذلك الكتاب من خطه طاب ثراه. مستمعينا الأفاضل ومن هذا الكتاب المبارك أعني كتاب مفتاح الفلاح نختار وصية للشيخ البهائي بشأن أهمية إنتباه المصلي أو الداعي أو عموم الذاكر الى المعاني التي يتضمنها ما يقرأه قال رضوان الله عليه: "ينبغي للمصلي ملاحظة معاني أذكار الصلاة وأدعيتها وتعقيباتها وما يقرأ فيها وأن لا يكون ذكره ودعاؤه وقراءته مجرد تحريك اللسان من غير ملاحظة المعاني المقصودة منها فيكون حاله كحال العربي إذا تلفظ بكلام الفارسي من غير شعور بمعاني مايتلفظ به أو كحال الساهي أو المصروع إذا تكلم بشئ من دون أن يخطر معناه بباله، ويكفي تنبيه المصلي وحثه على ملاحظة معاني مايقول في الصلاة قوله تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ". وروى رئيس المحدثين عن الصادق عليه السلام أنه قال: (من صلى ركعتين يعلم ما يقول فيهما انصرف وليس بينه وبين الله ذنب إلا غفر له)". أيها الاخوة والأخوات وهنا ينبغي التنبيه الى ماذكره أهل المعرفة من أن المصلي أو الذاكر ينبغي أن يكون قد تأمل في معاني أذكار الصلاة والأدعية قبل أداء الصلاة بل وينبغي له أن يكون حفظ معانيها وما ترمي إليه لكي يعينه ذلك على التوجه الى الله بحضور القلب أثناء الصلاة وهو يتلو فيها ما قد عرف بعقله ورسخه في قلبه. قال الشيخ البهائي قدس سره في مقام آخر من كتابه (مفتاح الفلاح): "أن القراءة ينبغي أن تكون عن قلب حاضر وتوجه كامل بحيث كلما أجرى القارئ اسما من تلك الأسماء العليا والنعوت العظمى على لسانه أو نقشه على صفحة جنانه حصل للمطلوب مزيد انكشاف وانجلاء وأحس هو بتزايد قرب واعتلاء. وهكذا شيئا فشيئا إلى أن يترقى من مرتبة البرهان إلى درجة الحضور والعيان فيستدعي المقام حينئذ العدول إلى صيغة الخطاب والجري على هذا النمط المستطاب". والى هنا ينتهي أيها الأعزاء لقاءنا بكم اليوم ضمن برنامج (من فيض أهل المعرفة)، إستمعتم له من إذاعة طهران، صوت الجمهورية الإسلامية في ايران. تقبل الله منكم حسن الإصغاء وفي أمان الله. الطريق لحضور القلب في كلام الشيخ البهائي - 25 2011-11-05 11:22:19 2011-11-05 11:22:19 http://arabic.irib.ir/programs/item/8188 http://arabic.irib.ir/programs/item/8188 السلام عليكم أحبتنا ورحمة الله، طابت أوقاتكم بكل مايحبه الله ويرضاه. حضور القلب في العبادة أمنيةُ كل عابد فيما يجتهد أصحاب السير والسلوك الى الله أن يكون حضور القلب هو الغالب عليهم في جميع أحوالهم. ومعنى حضور القلب هو الإستشعار الوجداني بالله عزوجل عند التوجه إليه بالإذكار أو إثناء الصلاة. وهذه مستمعينا الأفاضل هي للإضاءة المعرفية التي إخترناها لهذا اللقاء من البرنامج وهي للعالم الموسوعي الحكيم والفقيه العارف الزاهد الشيخ البهائي رضوان الله عليه، قال عنه المحدث القمي رحمه الله في كتاب الكنى والإلقاب، شيخ الاسلام محمد بن الحسين بن عبد الصمد الجبعي العاملي الحارثي، قال صاحب السلافة في حقه ما ملخصه: هو علامة البشر ومجدد دين الائمة عليهم السلام على رأس القرن الحادي عشر، مولده بعلبك سنة 953، وانتقل به والده وهو صغير الى الديار العجمية فنشأ في حجره بتلك الاقمار المحمية، وأخذ عن والده وغيره من الجهابذ حتى اذعن له كل مناضل ومنابذ، فلما اشتد كاهله وصفت له من العلم مناهله ولى بها، أي ايران، مقام شيخ الاسلام وفوضت إليه أمور الشريعة على صاحبها الصلاة والسلام، ولم يزل آنفا من الانحياش إلى السلطان راغبا في العزلة عازفا عن الأوطان، وأخبرني بعض ثقاة الأصحاب ان الشيخ رضي الله عنه قصد قبل وفاته زيارة المقابر في جمع من الاجلاء الأكابر فما استقر بهم الجلوس حتى قال لمن معه اني سمعت شيئا فهل فيكم من سمعه؟ فأنكروا سؤاله واستغربوا مقاله، وسألوه عما سمعه فأوهم وعمى في جوابه، ثم رجع إلى داره فأغلق بابه فلم يلبث ان أصاب داعي الردى فأجابه، وكانت وفاته لاثنتي عشرة خلون من شوال المكرم سنة 1031 بأصبهان، ونقل قبل دفنه إلى طوس فدفن بها في داره قريبا من الحضرة الرضوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام والتحية. مستمعينا الأفاضل للشيخ البهائي حديث لطيف عن آداب القراءة في الصلاة اورده في كتابه الفقهي القيم (مشرق الشمسين) ننقل لكم منه ما أورده في ذكر أسرار تنوع الخطاب في قراءة الصلاة بين مخاطبة الغائب تارة والحاضرة تارة أخرى، قال قدس سره الشريف: "العبادة الشاملة عن القصور هي التي يكون العابد حال الاشتغال مستغرقا في بحر الحضور كأنه مشاهد لجلال معبوده مطالع لجمال مقصوده. ان المقام {فيها} مقام هائل عظيم يتلجلج فيه اللسان ويدهش عنده الإنسان، فإن الملك العظيم الشأن إذا أمر بعض عبيده بخدمة كقرائة كتاب مثلا بحضرته فربما غلبت مهابة ذلك الملك على قلبه واستولت على لبه وحصل له رعشة واعترى له دهشة فيتغير نسق كلامه ويخرج عن أسلوبه ونظامه فمن حق القاري أن يحصل له مثل ذلك الحال في مقام المقام عند سرادق العظمة والجلال. ومنها الإشارة إلى أن حق الكلام أن يجري من أول الأمر على طريق الخطاب لأنه سبحانه حاضر لايغيب بل هو أقرب من كل قريب ولكنه إنما جرى على طريق الغيبة نظرا إلى البعد عن مظان الزلفى رعاية لقانون الأدب الذي هو دأب السالكين وقانون العاشقين كما قيل طرق العشق كلها آداب". ثم ذكر الشيخ البهائي قدس سره الشريف أسراراً أخرى لأدب مخاطبة الله عزوجل، وقال: فلما حصل القيام بهذه الوظيفة جرى الكلام على ما كان حقه أن يجري عليه في ابتداء الذكر فقد قال سبحانه: "أنا جليس من ذكرني"، ومنها التنبيه على علو مرتبة القرآن المجيد واعتلاء شأنه وسمو آياته المتضمنة لذكر الله عز شأنه وأن العبد بإجراء هذا القدر منه على لسانه يصير أهلا للخطاب فائزا بسعادة الحضور والاقتراب فكيف لو لازم وظائف الاذكار وواظب على تلاوته بالليل والنهار فلاريب في ارتفاع الحجب من البين والوصل من الأثر إلى العين. وقد روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال: "لقد تجلى الله لعباده في كلامه ولكن لايبصرون". وروي عنه أنه خر مغشيا عليه وهو في الصلاة فسئل عن ذلك فقال: "مازلت أردد هذه الآية حتى سمعتها من قائلها"، قال بعض أصحاب الحقيقة أن لسان جعفر الصادق عليه السلام في ذلك الوقت كان كشجرة موسى على نبينا وآله وعليه السلام عند قول أنني أنا الله. مستمعينا الأكارم والنتيجة المحورية التي نصل إليها مما تقدم هي أن المؤمن كلما توجه بقلبه الى مظاهر كمالات الله عزوجل وآياته كلما إشتد في المقابل حضور قلبه أثناء ذكره جل جلاله في الصلاة وسائر الأذكار وهذا الحضور هو الذي يذيق المؤمن لذة عبادة ربه الجليل. وبهذه الملاحظه ننهي أعزاءنا حلقة اليوم من برنامج (من فيض أهل المعرفة)، تقبل الله منكم حسن الإصغاء والسلام عليكم. تحويل الأعمال العادية الى قربات وعبادات - 24 2011-10-29 08:15:28 2011-10-29 08:15:28 http://arabic.irib.ir/programs/item/8109 http://arabic.irib.ir/programs/item/8109 السلام عليكم إخوة الإيمان، تحية مباركة طيبة يسرنا أن نهديها لكم في مطلع لقاء اليوم من هذا البرنامج، وهدفنا من جعل هذه التحية هدية هو أن الإنسان يفرح بما يهدى له عادة، والله تعالى يحب إدخال السرور على الآخرين، لذلك يكون هذا العمل بحدَّ ذاته عبادة. وهذا مستمعينا الأفاضل مثال عملي للإضاءة المعرفية التي إخترناها لهذه الحلقة وهي ترتبط بأحد أهم المطالب التوحيدية الخالصة التي تعين السالك الى الله عزوجل في تسريع سلوكه الى الحق تعالى وتعبئة كل وجوده بيسر وعافية لهذه الغاية المقدسة. أما صاحب هذه الإضاءة، فهو فقيه عارف وعالم عامل من القرن الهجري العاشر، إنه والد الشيخ البهائي الشهير وهو الشيخ الزاهد عز الدين الحسين بن عبد الصمد العاملي صاحب الرسائل والمؤلفات القيمة في مختلف فنون المعرفة الإسلامية، كالأخلاق والعقائد والفقه والمواعظ وغير ذلك. وكان له تأثير مهم في تعرف أهل خراسان التي صار شيخ الإسلام فيها؛ تعرفهم على مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وبالتالي إنتشار التشيع لهم فيها. وقد إنتقل رحمه الله الى البحرين، وبها أقام حتى توفي فيها سنة 984 للهجرة رضوان الله عليه. قال الشيخ عز الدين الحسين العاملي رحمه الله في أوائل كتاب (العقد الحسيني): قال النبي صلى الله عليه وآله سلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرء ما نوى". وقد جاء هذا المعنى عن الأئمة عليهم السلام في أحاديث متكثرة، ورتب الفقهاء على الحديث من الفروع ما لايتناهى. ومن هنا لم يكفر الإنسان بالسجود للملوك والأبوين والاخوة كما في إخوة يوسف على قصد الأدب والتعظيم واعتقاد أنهم عبيد مخلوقون ويكفر لو سجد للصنم وأن قصد التعظيم لأنه لا عظمة له ولا يعظمه إلا أهل الكفر. فالسجود له لايقع إلا على وجه واحد ممنوع منه بخلاف الانسان، فإن السجود له يقع على وجه الادب والتعظيم فيكون راجحا إذا كان في العرف تركه إهانة والإنسان أهل التعظيم لأنه عبد الله فتعظيمه تعظيم لله. مستمعينا الأفاضل ونبقى مع العارف الجليل الشيخ عز الدين العاملي حيث قال في تتمة كلامه: ولهذا ورد في إكرام المؤمن خصوصا الأنقياء وأهل العلم عن أهل البيت مالايتناهى من الحث والثواب والاهتمام حتى ورد أنه من زار مؤمنا فكأنما زار الله تعالى وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من سر مؤمنا فقد سرني ومن سرني فقد سر الله"، وما ذلك إلا لما قلناه لأن تعظيم العبد تعظيم لمولاه وقال الباقر عليه السلام: "إذا أردت تعلم أن في قلبك خيرا فانظر إلى قلبك فإن كنت تحب أهل طاعة الله وتبغض أهل معصيته ففيك خير والله يحبك وإن كنت تبغض أهل طاعته وتحب أهل معصيته فليس فيك خير والله يبغضك والمرء مع من أحب". ومن الحديث السابق أوجب العلماء في العبادات النية لأنها قد تقع لغير القربة كالتبرد وإزالة الوسخ في الوضوء والرياء فيه وفي غيره من العبادات بخلاف ما لايقع إلا على وجه واحد، وما هو مقصود الشارع مجرد حصوله كإزالة النجاسة وحفر القبر وتكفين الميت وإراقة الخمور ونحو ذلك، فإن المقصود من إيجابه مجرد إيجاده لغرض أومصلحة تتعلق به فعلى أي وجه وقع أجزأ، لكنه لايكون لفاعله ثواب على فعله إذا وقع بغير نية وإن أجزأ، ولو نوى القربة أثيب لأنه يصير عبادة لأن الأعمال بالنيات كما تقدم. وبعد هذا البحث الفقهي يخلص الشيخ عز الدين العاملي الى النتيجة العملية المهمة التي لخصها بقوله في نهاية كلامه المتقدم: ينبغي للعاقل الرشيد أن ينوي في كل أفعاله القربة ليثاب عليها لأن الباري سبحانه كريم يقبل الحيلة لكرمه بل هو الذي دلنا عليها ووضع لنا طرقها حيث إن جميع عباداتنا حيل على كرمه لغناه عنها، وقد كلفنا بها فإذا أكل نوى بأكله القربة في تقوية جسمه على الصلاة والعبادة ودفع ضرر الجوع لأن دفع الضرر واجب، وكذا إذا شرب أو لبس ليقي جسمه من الحر أو البرد، أو نام ليدفع ضرر السهر ويقوم للصلاة نشيطا، أو جامع ليكسر الشهوة الحيوانية ويقبل على ما يهمه من أمور آخرته ودنياه، وعلى هذا المنهج فيصير أفعال الإنسان كلها عبادة ويثاب عليها من جزيل كرم الله تعالى، وهذا هو الرشد الكامل والتجارة التي لن تبور، وفقنا الله لذلك بمنه ويمنه أنه جواد كريم. ونحن أيضاً مستمعينا الأعزاء نقول اللهم آمين لنا ولجميع الاخوات والاخوة مستمعي إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، والذين رافقونا مشكورين في هذه الحلقة من برنامج (من فيض أهل المعرفة)، تقبل الله منكم والسلام عليكم. علاج الوساوس في كلام والد الشيخ البهائي - 23 2011-10-22 08:47:14 2011-10-22 08:47:14 http://arabic.irib.ir/programs/item/8108 http://arabic.irib.ir/programs/item/8108 السلام عليكم إخوة الإيمان، يُعد مرض الوسوسة من أهم الأخطار التي تهدد مسيرة المؤمن الصادق وسلوكه العرفاني الى الله عزوجل ولذلك فلا مناص له من الإهتمام بمعالجة هذا المرض إذا أصيب به والحذر منه إذا لم يصب به. وهذا هو موضوع الإضاءة المعرفية التي إخترناها لكم من كلام أحد أعلام عرفاء الإمامية الأتقياء في القرن الهجري العاشر قال عنه المحدث القمي في كتاب الكنى والألقاب: هو عز الدين الشيخ حسين بن عبد الصمد بن محمد العاملي، قال شيخنا الحر كان عالما ماهرا محققا مدققا متبحرا جامعا أديبا منشأ شاعرا عظيم الشأن جليل القدر ثقة من فضلاء تلامذة شيخنا الشهيد الثاني رحمه الله. له كتب منها كتاب الأربعين حديثا، ورسالة في الرد على أهل الوسواس سماها العقد الحسيني، وحاشية الارشاد، ورسالة رحلته وما أتفق في سفره، وديوان شعره ورسالة سماها تحفة أهل الإيمان، وله رسائل أخرى، وكان سافر إلى خراسان وأقام بهراة، وكان شيخ الاسلام بها، ثم انتقل إلى البحرين. وعن كتاب اللؤلؤة لشيخنا الاجل الشيخ يوسف البحراني قدس سره قال: أخبرني والدي ان الشيخ حسين بن عبد الصمد كان في مكة المشرفة قاصدا الجوار فيها إلى أن يموت، وانه رأى في المنام ان القيامة قد قامت وجاء الامر من الله عزوجل بأن ترفع ارض البحرين بما فيها إلى الجنة فلما رأى هذه الرؤيا آثر الجوار فيها والموت في أرضها ورجع من مكة وجاء إلى البحرين وأقام بها إلى أن توفي سنة 984. في مقدمة كتابه العقد الحسيني الذي ألفه في التحذير من مرض الوسوسة وطرق علاجه قال الشيخ عز الدين العاملي: أما الوسواس في الطاهر والنجس والنية في العبادات وأفعال الصلاة فقد قرر الأئمة عليهم السلام أنه من الشيطان وأجمع الناس على ذلك فلابد للمؤمن الرشيد من دفعه عنه، وذلك يكون بوجهين الأول ما بينه الله تعالى وورد عن الأئمة المعصومين من الدعاء لدفعه قال الله تعالى: "وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"، فأحسن مايقال لدفعه ما أمرنا الله بقوله وأدبنا به، ورويت بسندي المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من وجد من هذا الوسواس شيئا فليقل آمنت بالله ورسله ثلاثا، فإن ذلك يذهب عنه. وبعد أن ذكر الأحاديث الشريفة الواردة في علاج الوسواس قال الشيخ عز الدين العاملي: وقال العلماء أنفع علاج في دفع الوسوسة ذكر الله والإكثار منه لأن الشيطان إذا سمع ذكر الله خنس أي بعد وتأخر فينبغي الإكثار من قول لاإله إلا الله لأنها رأس الذكر. وقد ورد في فضلها وشرافتها واسرارها من طريق الخاصة والعامة ما لا يكاد يحصر ولهذا اختارها أهل السلوك لتربية السالكين وتهذيب المريدين. وقال بعض العارفين: إذا أردت أن تقطع الوسواس فأي وقت أحسست به فافرح فإنك إذا فرحت به انقطع عنك لأنه ليس شئ أبغض إلى الشيطان من سرور المؤمن، وإن غممت به زادك، قلت هذا يدل على أن الوسواس إنما يبتلي به المؤمن لأن اللص لايقصد بيتا خربا لكن دفعه يكون بكمال الإيمان بالله ورسوله والأئمة الراشدين صلوات الله عليهم أجمعين. وذكر الشيخ عز الدين العاملي علاجاً نفسياً مؤثراً للوسوسة حيث قال: الوجه الثاني في دفع الوسواس الفكر والتعقل وذلك أنه قد علم أنه من الشيطان عدوّنا وعدو أبينا من قبل، حيث وسوس له وأخرجه من الجنة، والباري عزوجل والأئمة المعصومون عليهم السلام قد بينوا ذلك وأمرونا بمخالفته واتباع ظاهر الشرع. قال تعالى: "لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ"، فإذا علمنا ذلك واتبعناه نكون قد خالفنا الله والأئمة المعصومين عليهم السلام واتبعنا عدونا الذي قصده إضرارنا ونكون قد أدخلنا الضرر على أنفسنا أما في الدنيا فبالتعب والعناء بغير نفع وأما في الآخرة فلمخالفتنا أوامر الله ورسوله والأئمة المعصومين وهذا لايفعله موفق رشيد، أجارنا الله وإياكم من ذلك، وكان بعض مشايخنا من السادات يؤدب بعض الموسوسين ويعظه فقال: له أنت تخالف الله ورسوله وتعبد الشيطان بغير فائدة بل للضرر، فقال كيف وأنا أؤمن بالله وألعن الشيطان، فقال السيد: لأن الله ورسوله والأئمة المعصومين قد قرروا للطهارة والنجاسة قدرا وحدوا لها حدودا وأنت تفعل ذلك كما قرروه ومقتضاه أن يكون صحيحا أو طاهرا فيقول لك الشيطان هذا باطل او نجس، فتتبعه وتترك ما قالوه فتعبده وأنت لاتدري فتاب ذلك الموسوس وترك الوسوسة ببركة السيد. كانت هذه كلمات نيرة في علاج الوسواس، إخترناها من كتاب العقد الحسيني للفقية العارف والحكيم الزاهد الشيخ عز الدين العاملي والد الشيخ البهائي رضوان الله عليهما، وبهذا ينتهي لقاء اليوم من برنامج (من فيض أهل المعرفة)، قدمناه لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، شكراً لكم ودمتم بكل خير. (حفظ العمر ونظم الأمور) العارف القطيفي - 22 2011-10-15 09:51:33 2011-10-15 09:51:33 http://arabic.irib.ir/programs/item/8107 http://arabic.irib.ir/programs/item/8107 السلام عليكم إخوة الإيمان ورحمة الله، من الوصايا النافعة والجامعة التي كتبها الأتقياء من أهل المعرفة تلكم الوصية التي ضمنها إجازته الروائية لأحد العلماء، العارف الإمامي الزاهد والفقيه العامل الورع الشيخ ابراهيم بن سليمان القطيفي، وهو رضوان الله عليه من أعلام علماء الإمامية في القرن الهجري العاشر. وقد كتب هذه الوصية بتأريخ السادس عشر من المحرم سنة 915 للهجرة في حرم مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، نعطر قلوبنا في هذا اللقاء بشطرٍ من فقرات هذه الوصية البالغة. قال رضوان الله عليه بعد الوصية بالتقوى على العموم: هذا في العموم أما الخصوص فهو أن تحافظ على أوقاتك ولا تضيع شيئاً منها فتخسر، فان فرغت فاذكر الله فان ذكر الله على كل حال يعدل أكثر الأعمال الصالحة، وإذا توجهت إلى عبادتك فاحرس نفسك عن وساوس الصدر، وأستح من ربك أن يراك إذا توجهت في حاجة من حاجات الدنيا الى غيره توجهت بقلبك، واذا توجهت اليه عزوجل أعرضت عنه حال توجهه إليك، فإنك مع ذلك حقيق بالمقت من الله تعالى. ولاتنس محاسبة نفسك يوما وليلة أبدا، فان النفس إذا أُرسلت استرسلت وإذا قيدت تقيدت. واختم على فمك لايخرج منه كلمة إلا وتحب أن تراها مكتوبة في عملك يوم القيامة، فما لا تحبه فاتركه، فقد روي أن رجلاً من المجاهدين قتل مع النبي صلى الله عليه وآله في بعض الغزوات، فأتته أمه وهو شهيد بين القتلى، فرأت في بطنه حجر المجاعة مربوطا لشدة صبره وقوة عزمه، فمسحت عليه وقالت هنيئا لك يابني، فسمعها رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لها : "لاتحتّمي على ربك لعله كان يتكلم فيما لايعنيه". وقال العارف القطيفي رضوان الله عليه في تتمة وصيته البالغة: وعليك بالمواظبة على الدعاء في كل حال والالحاح فيه فقد روي عنهم صلى الله عليهم ما فتح الله لأمر باب دعاء إلا وفتح له باب إجابة، واجهد في الدعاء لأخوانك، فان لك بالدعاء لهم مائة ألف ضعف ما تدعوه مضمونة، ودعاؤك لنفسك مظنون، فإذا صحت عقيدة امرء من الناس فلا يكن في قلبك عليه غل أبد لأن معاصيه تتعاظم على الله، فقد روي عنهم عليهم السلام أن رجلا قال "والله لايغفر الله لفلان"، فقال تعالى: "قد غفرت ذنوبه وحبطت عمل الذي تأبى عليّ أن أغفر لعبدي". وإياك ثم إياك ثم إياك أن تميل نفسك في أحد إلى حب الرياسة حتى بالحق، وذلك لأن الله تعالى إذا رضي منك بأن لاتكلف إلا نفسك كان خيرا لك من أن تسأل عن غيرك، ولاتخدعنك نفسك بأن ذلك لله، فان كراهة الرياسة لله، والنيات لها لله إذا اتفقت من غير حب لها، هو سبيل المعصومين الذين علموا أن تعريفهم عن الله وتوصيلهم من الله إلى الله. أيها الاخوة والأخوات وفي ختام وصيته أكد العارف القطيفي على التوسل بأولياء الله عليهم السلام والتواصل المستمر مع المواعظ الألهية وقال: واجعل لنفسك وردا من الليل تذكر فيه ربك، ولاتكن من الغافلين، فهذه وصيتي إلى نفسي أولا ثم إلى إخواني المؤمنين، وإليك خصوصا نفعك الله وإيانا والمؤمنين بها وبساير المواعظ، بمحمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد والحسن والحجة بن الحسن صلوات الله عليهم أجمعين وختم لنا ولكن بما يرضى به عنا إنه أهل ذلك. ولاتغفل عن معاودة المواعظ يوما قط فإن لم تستطع ففي الأسبوع فان بذلك يتجلى القلب، ويتذكر الآخرة، وعليك بالمداومة على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وصلة ذريته عليهم السلام. رحم الله الفقيه والعارف التقي الشيخ ابراهيم بن سليمان القطيفي وجزاه الله خيراً على هذه الوصية المخلصة والنافعة وجزاكم الله خيراً أعراءنا مستمعي إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، على طيب الإصغاء لبرنامج (من فيض أهل المعرفة)، في حلقته هذه فالى الحلقة المقبلة بأذن الله نستودعكم الله والسلام عليكم. (بعث التقوى) في كلام العارف القطيفي - 21 2011-10-08 09:44:17 2011-10-08 09:44:17 http://arabic.irib.ir/programs/item/8106 http://arabic.irib.ir/programs/item/8106 السلام عليكم أعزاءنا وأهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج وستكون لنا فيه وقفة مع إضاءة معرفية قيمة في مجال السبل العملية لبعث روح التقوى في النفس فكثير يقولون نعلم أن التقوى أمر مهم ولكن كيف نُصبح أتقياء؟ أما صاحب هذه الإضاءة، فهو الفقيه الإمامي العارف والعالم الولائي الزاهد الشيخ ابراهيم بن سليمان القطيفي من أعلام فقهاء الإمامية في القرن الهجري العاشر وصاحب الكرامات والعظات المؤثرة. وقد إخترنا كلماته الآتية من إجازته الحديثية التي كتبها لأحد العلماء الأبرار والتي نقل نصها العلامة المجلسي في الجزء 105 من موسوعة البحار. تابعونا مشكورين. قال العارف القطيفي في وصيته لأحد العلماء: الذي أعتمده لنفسي من الوصية ولك عموماً فما هو على العموم تقوى الله، ومعناه أن تتقيه اتقاء من علم أنه سبحانه وتعالى عالم بأن مابك من نعمة فمنه، وأنك متوصل بها إلى غير ما يرضيه، وأنه قادر على نزعك إياها، وعلى أن يستبدل بك غيرك، وتقوى من علم أن عمل أهل السماوات والأرض لايفي بنعمته، ولا ما أعد لطائعه من جنته. فإن لم يقدح في نفسك ذلك فعالجه بالحب فان من أحسن إليك من المخلوقين ولو بالبشاشة، وحن إليك أحببته بطبعك، تجده قطعا، فانظر لنفسك هل تجد حب الله تعالى فيك، فإن لم تجده فاعلم أنك لست ممن آمن به، لأنه تعالى يقول: "يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ" إشارة إلى المشركين، فأخبر أنهم يحبون الله أشد الحب لكن يحبون الأنداد كحبه، ثم قال: "وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ" لأنهم لايحبون أحدا محبته تعالى، وذلك هو الحق اليقين، فان من أحسن وأساء يحب لاحسانه، فكيف من أحسن ولم يسئ، وماظنك به إذا كان هو المالك للذات وتوابعها، وأنه المرجع والمآل، والوارث، وأنه الذي لا غناء لشئ عنه، ولابد لكل شئ في كل شئ منه. مستمعينا الأفاضل إذن فما يقوي روح التقوى في النفس تذكيرها المستمر بقبح عصيانه لكونه صاحب الإحسان القديم علينا، أو لأنه الجدير بكل حب وطاعة لكونه الجميل المطلق والمنعم ولحاجة الجميع لفيضه وإحسانه، ومن العوامل الأخرى لإيجاد التقوى مايذكر العارف الجليل الشيخ ابراهيم بن سليمان القطيفي في تتمة وصيته حيث يقول:فإن لم يقدح في نفسك ذلك فعالجها بالحياء فان من أحسن إليك وأنت تسئ إليه، ثم عاودك بالاحسان ثم أسأت، ثم عاودك بالاحسان، وفي كل ذلك هو حاضر معك، غني عنك راع لك يرى اللطف بك أجدر عساك أن ترجع إلى ما يصلحك، حقيق أن تستحي منه، قال تعالى: "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ". فإن لم يقدح في نفسك (أي لم يؤثر) فعالجها بالتجارة فيه، وأنه المتجر الذي لايخيب التاجر فيه، و المربح الذي لا خسران معه، والحفيظ الذي لا يعزب عنه ما تعمل له، والوكيل الذي يثمر الحسنة لعاملها، وانظر سعيك في يسير متجر الدنيا كم تشتغل له، وكم تبذل فيه من نفائس أوقاتك طيبة به نفسك، غير مخالط لها وسوسة ولاضجراً. فإن لم تتجر فيه، فقلبك في غمرة من توعده قال تعالى: "بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ"، وقال تعالى بعد أن حكى خبر يوسف: "وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ* وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ"، وقال في قصة قارون: "فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ* وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ". أيها الاخوة والأخوات وخلاصة القول هي أن مما يعزز روح التقوى في النفس تذكيرها المستمر بالأمور التي توجب على كل إنسان الورع عما حرم الله. إما خوفاً منه عزوجل أو حباً له أو حياءً منه وهو عظيم الإحسان تبارك وتعالى. وهذا ما رأيناه في الكلام المتقدم الذي إخترناه من إحدى وصايا العارف الإمامي التقي العلامة الشيخ ابراهيم بن سليمان القطيفي رضوان الله عليه. التأثر بالمواعظ الإلهية - 20 2011-10-01 10:00:16 2011-10-01 10:00:16 http://arabic.irib.ir/programs/item/8105 http://arabic.irib.ir/programs/item/8105 بسم الله وله خالص الحمد والثناء رب العالمين وأزكى صلوات المصلين على سفن النجاة والسادة الهداة محمد وآله الطاهرين. السلام عليكم إخوتنا المستمعين، من المشهود الملاحظ أن الناس مختلفين في شدة تأثرهم بالمواعظ الإلهية فما هو سر هذا الإختلاف؟ وكيف نجعل قلوبنا ونفوسنا أشد تأثراً بالمواعظ؟. عن هذين السؤالين تدور الوصايا التي إخترناها للقاء اليوم من برنامجكم هذا، وقد جاءت هذه الوصايا في ختام إحدى الإجازات الروائية التي كتبها الفقيه الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي البحراني مؤلف كتاب الفرقة الناجية، وشرح الأسماء الحسنى وغيرها من الكتب النافعة. والشيخ ابراهيم القطيفي هو من العلماء الأتقياء الذين فازوا برؤية الإمام عجل الله فرجه. وكان ممن عُرف بشدة تأثر مواعظه على الآخرين لشدة تقواه. توفي رضوان الله عليه في اواخر القرن العاشر للهجرة المباركة على صاحبها وآله أفضل السلام والتحية. مستمعينا الأكارم الشيخ إبراهيم القطيفي وفي إجازته الروائية المنقولة في الجزء (105) من موسوعة بحار الأنوار قال: "أما الوصية فأعلم وفقك الله وإيانا لمرضاته، وأعانك وإيانا على طاعاته أن قد قرع الأسماع من المواعظ في الكتاب والسنة، وأحاديث الصالحين ما فيه كفاية، بل في بعضه بل في أقل شئ منه كما هو مسطور مذكور خصوصا في كتاب الغيبة لمحمد بن بابويه وغيره، وقد سمعت خبر قاطع الطريق حيث تلى عليه الآية (فإهتدى وإرتدع عما كان فيه من قطع الطريق)، لكن بعض المسلمين حيث ألفت نفسه بالاسلام، ويكرر سماعه الآيات العظام، استأنس بها فلم يقع في نفسه موقعها، وذلك لقوة حجابه برؤية نفسه، وحبه للدنيا وأن أبى ذلك فهو مخدوع من حيث لايشعر. ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أنزلت (وجيء يومئذ بجهنم) لم يستطع أحد أن يكلمه لشدة خشيته حتى قام إليه أخوه المرتضى علي عليه السلام فقبل رأسه وسأله الخبر، وقال له: قد أتاني جبرئيل بهذه الآية مع أنه العالم بأنه الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر المشفع يوم القيامة في الأنبياء والملائكة والرسل"، كما ورد في الحث على التوسل بمحمد وعلي عليهما السلام. ففي الخبر فان يوم القيامة لا أحد إلا وهو محتاج إلى هذين من نبي مرسل أو ملك مقرب، وشدة خشية الرسول وخشية أخيه مشهورة، حتى أن الإمام المرتضى إذا صلى تغيب عنه نفسه المقدسة، فقد رئي في بعض المواقف ساجداً فسكن أنينه، فحرك فإذا ليس به حراك، فأتى الناعي إلى فاطمة يعزيها فيه، فقالت: "ليس هذا أوان أجله لكن على أي حالة هو؟ فقال: قضى وهو ساجد فقالت: اذهب فهذه عادته". وختم الشيخ إبراهيم القطيفي هذه الموعظة بالقول: فكيف بمن عصى الله بقلبه ولسانه ويديه ورجليه وبطنه وفرجه وجميع جوارحه ؟. إذن مستمعينا الأكارم كلما كان الإنسان أبعد عن التوجه الى النفس وزينتها متوجهاً الى الله عزوجل وعظمته كلما كان أشد تأثر بالمواعظ الإلهية وكلما إزداد يقيناً بأن الأمر كله بيد الله عزوجل كلما إزداد توجهه إليه. قال العارف الشيخ ابراهيم القطيفي في كلمة من وصية ثانية لأحد تلامذته: قد نظرت فلم أجد إلا الله نافعا وضارا، والاختيار لاينافي ذلك. قال الله تعالى: "أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ"، وقال سبحانه: "وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ" فلا تقصد إلا وجه الله الباقي ليبقى العمل لك ببقائه. نشكر لكم إخوتنا وأخواتنا مستمعي إذاعة صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، طيب الإستماع لحلقة اليوم من برنامج (من فيض أهل المعرفة)، تقبل الله أعمالكم ودمتم في رعاية الله. النجاة من إتباع الهوى - 19 2011-09-25 09:07:50 2011-09-25 09:07:50 http://arabic.irib.ir/programs/item/8104 http://arabic.irib.ir/programs/item/8104 السلام عليكم إخوة الإيمان والولاء، يُعد إتباع الهوى الخطر الرئيسي الذي يهدد حركة الإنسان نحو التكامل والرقي في منازل القرب الإلهي، ولذلك فقد حذرت النصوص الشريفة منه وإعتبرته من مصاديق الشرك الظاهر حيث يصبح فيها إلاهاً للإنسان يصده عن عبادة الله عزوجل فما هو السبيل للنجاة من هذا الخطر؟ الإجابة نعرضها مستمعينا الأكارم في هذا اللقاء من كلام لأحد أعلام علماء الإمامية في القرن الهجري العاشر هو الصالح العالم الرباني الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي البحراني صاحب تصنيفات فائقة وإجازات نافعة ومقامات عالية. ومن مؤلفاته كتاب الفرقة الناجية، والهادي إلى سبيل الرشاد في شرح الارشاد، ونفحات الفوائد وشرح على ألفية الشهيد، وشرح الأسماء الحسنى والأربعين، ونوادر الاخبار الطريفة وغيرها. قال المحدث الشيخ يوسف البحراني في كتاب لؤلؤة البحرين: وقد رأيت بخط بعض الفضلاء أنه حكى عن بعض أهل البحرين في حق الشيخ هذا قدس سره، ان هذا الشيخ قد دخل عليه الإمام الحجة عليه السلام في صورة رجل يعرفه الشيخ فسأله أي الآيات من القرآن في المواعظ أعظم فقال الشيخ: "ان الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمنا يوم القيمة اعملوا ما شئتم انه بما تعلمون بصير"، فقال عليه السلام: صدقت يا شيخ ثم خرج. فسأل أهل البيت خرج فلان فقالوا ما رأينا أحدا داخلا ولا خارجا. مستمعينا الأكارم وللشيخ ابراهيم القطيفي إجابة عن سؤالنا المتقدم في بداية اللقاء عن سبل النجاة من خطر إتباع الهوى، ففي إحدى إجازاته الروائية نقلها العلامة المجلسي في الجزء (105) من موسوعة بحار الانوار يبين الشيخ القطيفي أن النجاة من إتباع الهوى إنما تكون بأتباع حجتي الله على عباده، وهما الحجة الباطنية أي العقل السليم المتحرر من الأهواء، والحجة الخارجية وهم رسل الله وأولياؤه المقربون عليهم السلام. قال الشيخ العارف ابراهيم القطيفي في مقدمة إجازته الروائية المشار إليها: "الحمد لمن خلق العقل هاديا إلى النجاة من معاضل المشكلات، وجعله معصوما من الخطا والضلالات، فالمتبع له المنقاد لهدايته فائز برضوانه في الدارين فاضلا ملائكة القدس الأدنين، والمؤثر هواه هاو في الأخسرين، ناقصا عن مراتب الأسفلين. أحمده حمد من عرفه للعقول مسددا وإلى الصواب في المعاش والمآل مرشدا، وعلى الطاعات التي كلف بها عباده مسعدا أي مساعدا وعن مهاوي المعاصي لعباده بتوفيقه مبعدا. وأثنى عليه ثناء من أشار له إلى بدايع ألطافه، وأراه في مطالبه دقايق اسعافه ولم يمنعه من ذلك رؤيته على معاصيه بطول اعتكافه، وعلى نفسه المأمور بصيانتها بفرط إسرافه، وأتوكل عليه وأستعينه وأستهديه وأستغفره وأتوب إليه استغفار من علم أنه للعفو والرحمة خلق العباد". مستمعينا الأفاضل أما عن الحجة الظاهرية فيشير العارف الشيخ ابراهيم القطيفي الى حكمة وجود الصراع الداخلي في كل إنسان ودور الرسل والأولياء في إيصال العبد الى الله عزوجل قال قدس سره الشريف: "ان المحبة القدسية اقتضت ظهور كمالات الحق في النشأة الحسية وأعظمها جمعا وتفضلا الأنفس الانسية، حيث لم يتم لها الكمال الأعلى إلا بجعلها بطبعها نافرة عن الطاعات لتوفر دواعي الشهوة ثم يردعها الحب لباريها عن الاقتراف وتردها المربوبية والاعتراف، فسموا على الملائكة الدائبين على الطاعات من غير انصراف، كونها الحق كذلك. ثم شرع الشرايع الظاهرة فأبان بها ما خفى على العقول من الحكمة الباهرة، وألهمها ذوي الأنفس الباصرة والأعين الناظرة، وجعلهم النجوم الزاهرة يهدي بهم في ظلمات مدلهمات الدنيا والآخرة، ففاز الفائزون بالاتباع بالنعيم المقيم وخسر هناك المبطلون بالامتناع، فكان مسكنهم الجحيم، فبلغ الرسل أوامر الباعث مجدين، وبالغوا في النصح مجتهدين، وقربوا به الأبعدين وأبعدوا الأقربين، فلما توفاهم الله إليه أقام السفراء مقامهم للدلالة عليه، فجعل اتباعهم هو الطريق إليه عزوجل". مستمعينا الأفاضل إذن فالذي ينجي الإنسان من خطر إتباع الهوى هو إتباع حكم العقل السليم فيما عرف من الحق وإكماله بأتباع أولياء الله المقربين عليهم السلام الذين جعلهم الله سفراءه الى خلقه وحجته الظاهرية الذين يكملون دور حجته الظاهرية وهو العقل السليم. وبهذه النتيجة ننهي أعزاءنا مستمعي إذاعة طهران لقاء اليوم من برنامج (من فيض أهل المعرفة)، تقبل الله منكم حسن الإصغاء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تقوى القلب والجوارح - 18 2011-09-17 09:50:07 2011-09-17 09:50:07 http://arabic.irib.ir/programs/item/8103 http://arabic.irib.ir/programs/item/8103 السلام عليكم إخوة الإيمان، من أجمع الوصايا المبينة لأهمية التقوى وحقيقتها وآثارها في التقرب من الله وكيفية التحلي بها، هي الوصية الموسومة (بالنافعة) التي كتبها علم فقهاء الإمامية العرفاء في القرن الهجري العاشر الشيخ الأجل زين الدين العاملي الملقب بالشهيد الثاني. وقد كانت لنا عدة وقفات عند هذه الوصية نختمها في لقاء اليوم بوقفة عن التوضيحات القيمة بشأن تقوى الجوارح والقلب قال قدس سره الشريف: "القول في قسم الاكتساب (أي الواجبات) موكول إلى كتب العبادات وإن افتقرنا في ذلك إلى وظائف قلبية ودقائق علمية وعملية لم يدونها كثير من الفقهاء وإنما يفتح بها على من أخذ التوفيق بزمام قلبه إلى الهداية إلى الصراط المستقيم. وأما شطر الاجتناب فمنه ما يتعلق بالجوارح ومنه ما يتعلق بالقلب، فأما الجوارح التي تتعلق بها المعصية وهي السبعة التي هي بمقدار أبواب جهنم، فمن حفظها حرس من تلك الأبواب إن شاء الله تعالى، وهي العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل ". ثم يأخذ رضوان الله عليه ببيان إشارات إجمالية تفتح لنا طريق محاسبة كل جارجة من جوارحنا وتعرفنا بكيفية حفظها على الصراط المستقيم قال قدس سره: "فأما العين فإنها خلقت لك لتهتدي بها في الظلمات، وتستعين بها على قضاء الحاجات، وتنظر بها ملكوت الأرض والسماوات، وتعتبر بما فيها من الآيات، وللنظر في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله ومطالعة كتب الحكمة للاستيقاظ، فاحفظها أن تنظر بها إلى غير محرم وإلى مسلم بعين الاحتقار أو تطلع بها إلى عيب مسلم بل كل فضول مستغن عنه، فإن الله جل جلاله يسأل عن فضول النظر كما يسأل عن فضل الكلام. وأما الأذن فاحفظها أن تصغي بها إلى بدعة أو فحش أو غيبة أو خوض في الباطل أو ذكر مساوئ الناس، فإنها خلقت لك لتسمع كلام الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وأوليائه وتتوصل باستفادة العلم بها إلى الملك المقيم والنعيم الدائم". وقال العارف التقي الشيخ الشهيد الثاني قدس سره في تتمة وصيته: "وأما اللسان فإنه خلق لذكر الله وتلاوة كتابه العزيز وإرشاد خلق الله إليه وإظهار ما في الضمير من الحاجات للدين والدنيا، فإذا استعمل في غير ما خلق له فقد كفر به نعمة الله تعالى، وهو أغلب الأعضاء على سائر الخلق لأنه منطلق بالطبع ولا مؤونة عليه في الحركة، ومع ذلك فجنايته عظيمة بالغيبة والكذب وترك تزكية النفس وبمذمة الخلق والمماراة وغير ذلك من آفاته، ولا يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم فاستظهر عليه بغاية قوتك حتى لايكبك في جهنم، ففي الحديث: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة فيهوي بها في جهنم سبعين خريفا). وروي أن رجلا قتل شهيدا في المعركة فقال قائل: هنيئا له الجنة، فقال صلى الله عليه وآله: (ما يدريك لعله كان يتكلم فيما لايعنيه ويبخل بما لايغنيه)". ثم قال رحمه الله: "وأ ما البطن فكلفه ترك الشره واحرص على أن تقتصر من الحلال على ما دون الشبع، فإن الشبع يقسي القلب ويفسد الذهن ويبطل الحفظ ويثقل الاعضاء عن العبادة ويقوي الشبهات وينصر جنود الشيطان، والشبع من الحلال مبدأ كل شر، وهكذا تتفقد باقي جوارحك فطاعتها ومعاصيها لاتخفى". ثم قال رضوان الله عليه في ختام وصيته النافعة: "وأما ما يتعلق بالقلب فطرق تطهيره من رذائلها طويلة، والورع المتقي في زماننا من راعى السلامة من المحرمات الظاهرة المدونة في كتب الفقه، وقد أهملوا تفقد قلوبهم ليمحوا عنها الصفات المذمومة عند الله تعالى من الحسد والكبر والبغضاء والرياء وطلب الرئاسة والعلى وسوء الخلق مع القرناء وأرادة السوء للأقران والخلطاء، حتى أن كثيرا لايعدون ذلك من المعاصي مع أنها رأسها. كما أشار إليه صلى الله عليه وآله: (ادنى الرياء الشرك) وقوله صلى الله عليه واله وسلم: (لايدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر). وقوله صلى الله عليه وآله: (الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب). وقوله صلى الله عليه وآله: (حب المال والشرف ينبتان النفاق كما ينبت الماء البقل)، إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في هذه الباب وقد قال صلى الله عليه وآله: (إن الله لاي نظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)". رحم الله شيخنا الشهيد الثاني العلامة زين الدين العاملي وجزاه الله خيراً على هذه الوصية الخالدة التي أهداها لطلاب المعرفة والقرب الإلهي. وبهذا ينتهي أحباءنا لقاء اليوم من برنامج (من فيض أهل المعرفة)، إستمعتم له من إذاعة طهران، صوت الجمهورية الإسلامية في ايران. تقبل الله أعمالكم والسلام عليكم. الورع في بناء الشخصية الإيمانية - 17 2011-09-10 09:19:18 2011-09-10 09:19:18 http://arabic.irib.ir/programs/item/8102 http://arabic.irib.ir/programs/item/8102 السلام عليكم إخوة الولاء والإيمان تحية زاكية نبعثها عبر الأثير لكم ونحن نلتقيكم في حلقة اُخرى من هذا البرنامج. أعزاءنا إن بناء الشخصية الإلهية في العرفان الإسلامي الأصيل هو بناء متوازن مثلما يهتم بترسيخ دعائم وأسس قوتها يهتم أيضاً بتطهيرها مما يؤدي بها الى الإنحدار والدمار. هذه الحقيقة من أهم ما يميز المدراس العرفانية النقية عن المنحرفة التي شهدها التأريخ الإسلامي، وحولها يدور الموعظة المؤثرة التالية التي إخترناها من كلام علم فقهاء الإمامية في القرن الهجري التاسع الشيخ الأجل زين الدين العاملي الملقب بالشهيد الثاني رضوان الله عليه. في قسم من وصيته المسماة (الوصية النافعة) التي نشرتها مجلة تراثنا في عددها الرابع عشر يقول هذا الفقيه الزاهد: "أعلم أن التقوى شطران: اكتساب واجتناب، فالأول فعل الطاعات والثاني ترك المعاصي، وهذا الشطر هو الأشد ورعايته أولى، لأن الطاعة يقدر عليها كل أحد، وترك المعاصي لايقدر عليه إلا الصديقون. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (المهاجر من هاجر السوء، والمجاهد من جاهد هواه ). وكان صلى الله عليه وآله إذا رجع من الجهاد يقول: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)، يعني جهاد النفس. وأيضاً فإن شطر الاجتناب يزكو مع حصول ما يحصل معه من شطر الاكتساب وأن قل، ولا يزكو ما يحصل من شطر الاكتساب مع ما يفوت من شطر الاجتناب وان كثر، ولذلك قال صلى الله عليه وآله: (يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من الملح)، وقال صلى الله عليه وآله في جواب من قال: إن شجرنا في الجنة لكثير: (نعم، ولكن أياكم أن ترسلوا عليها نيرانا فتحرقوها). وقال (صلى الله عليه وآله): (الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب) إلى غير ذلك من الآثار الواردة بذلك". مستمعينا الأكارم وبتصوير بليغ يحذر العارف الشهيد الثاني من الإنخداع بمكائد النفس والغفلة عن أهمية الورع ومخاطر إرتكاب المعاصي، قال قدس سره الشريف: "فإن ظفرت بالشطرين فقد حصلت على التقوى حقا، وإن اقتصرت على الأول كنت مغرورا، ومثلك في ذلك كمثل من زرع زرعا فنبت ونبت معه حشيش يفسده فأمر بتنقيته من أصله فأخذ يجز رأسه ويترك أصله، فلا يزال ينبت ويقوى أصله حتى يفسده، أو كمريض ظهر به الجرب وقد أمر بالطلاء وشرب الدواء، فالطلاء ليزيل ما على ظاهره والدواء ليقلع مادته من باطنه، فقنع بالطلاء وترك الدواء وبقي يتناول ما يزيد المادة، فلا يزال يطلي الظاهر والجرب دائم به يتفجر من المادة في الباطن، أو كمن بنى دارا وأحكمها ولكن في داخلها حشرات ساكنة من الحيات والعقارب والجراد وغيرها، فأخذ في فرشها وسترها بالفرش الحسنة والستور الفاخرة، ولاتزال الحشرات تظهر من باطنها فتقطع الفرش وتخرق الستور وتصل إلى بدنه باللسع، ولو عقل لكان همه أولا دفع هذه المؤذيات قبل الاشتغال بفرشها ليحفظ ما يضعه فيها ويسلم هو من أذاها ولسعها، بل أي نسبة بين لسع الحيات في دار الدنيا الذي ينقضي ألمه في مدة يسيرة ولو بالموت الذي هو أقرب من لمح البصر وبين لسع حيات المعاصي التي يبقى ألمها في نار جهنم، نعوذ بالله تعالى منه ونسأله العفو والرحمة". إذن مستمعينا الأكارم فلا مناص لطالب القرب الإلهي من أن يجتهد في التورع عما لايحبه الله عزوجل من المعاصي بأندفاعةٍ أشد من اندفاعته للعمل بما أمر به من الطاعات فبذلك يتحقق له التوازن المطلوب في سيره في معارج الكمال. وهذه هي النتيجة المحورية لموضوع هذه الحلقة من برنامج (من فيض أهل المعرفة)، إستمعتم لها من صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، تقبل الله منكم حسن الإصغاء وفي أمان الله. حفظ العمر ومحاسبة النفس بعد العمل - 16 2011-09-07 09:08:40 2011-09-07 09:08:40 http://arabic.irib.ir/programs/item/8101 http://arabic.irib.ir/programs/item/8101 السلام عليكم إخوة الإيمان، كثرت في النصوص الدينية التحذيرات من تضييع العمر فيما لايبقى للإنسان خيره ونفعه. ومن الأساليب المهمة للحيلولة دون ضياع العمر فيما لاطائل منه محاسبة النفس بأستمرار على أعمالها، وهذا ما يبينه لنا الفقيه الإمامي العارف الشيخ الزاهد التقي زين الدين العاملي الملقب بالشهيد الثاني علم علماء الإمامية في القرن الهجري العاشر. وقد جاء كلامه بهذا الشأن في الوصية الموسومة بالوصية النافعة التي ورثها لإجيال المسلمين جزاه الله عنهم خير الجزاء. قال شيخنا الشهيد الثاني في كلام عن محاسبة النفس لكي لاتضيع العمر فيما لاينفع: "وأما محاسبتها بعده يعني بعد العمل، فليكن في آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها كما يفعل التاجر في الدنيا مع الشريك في آخر كل يوم أو شهر أو سنة خوفا ( من) أن يفوته منها ما لو فاته لكانت الخيرة في فواته، ولو حصل بخير لايبقى إلا أياما قليلة. وكيف لا يحاسب العاقل نفسه فيما يتعلق به خطر الشقاة أو السعادة أبد الآباد؟! قال تعالى: (ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد). وهي إشارة إلى المحاسبة على ما مضى من الأعمال. وقال صلى الله عليه وآله: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا)، وجاءه صلى الله عليه وآله رجل فقال: يارسول الله أوصني. فقال صلى الله عليه وآله (أمستوص أنت؟)، قال: نعم. قال صلى الله عليه وآله: (إذا هممت بأمر فتدبر عاقبته، فإن كان رشدا فامضه، وإن كان غيّاً فانته عنه)". أيها الاخوة والأخوات وبعد أن يبين الشيخ الشهيد الثاني أهمية محاسبة النفس بعد العمل يبين نموذجاً لكيفية هذه المحاسبة فيقول: "لما كانت محاسبة الشريك عبارة عن النظر في رأس المال أو في الربح أو الخسران ليتبين له الزيادة من النقصان، فكذلك رأس مال العبد في دينه الفرائض وربحه النوافل والفضائل، وخسرانه المعاصي، وموسم هذه التجارة جملة النهار، ومعاملة نفسه الأمارة بالسوء، فليحاسبها على الفرائض أولا، فإن أدتها على وجهها شكر الله تعالى على ذلك ورغبها في مثلها، وإن فوتتها طالبها بالقضاء، وإن أدتها ناقصة كلفها الجبران بالنوافل، وإن ارتكبت معصية عاقبها وعذبها ليستوفي منها ما يتدارك به كما يصنع التاجر بشريكه، وكما أنه يفتش في حساب الدنيا عن الدرهم والقيراط حتى لايغبن في شئ منها، فأولى أن يتقي غبن النفس ومكرها، فإنها خداعة مكارة فليطالبها أولا بتصحيح الجواب عن جميع ما يتكلم به طول نهاره، وليكلف نفسه في الخلوة ما يتولاه غيره بها في صعيد القيامة على رؤوس الأشهاد ويفضحه بينهم، وكما يكره أن يظهر عيبه لأصحابه وجيرانه فيترك النقص لأجلهم فأولى أن يفعل ما يظهر عليه في مشهد تجتمع فيه الأنبياء والأشقياء والأتباع من الأولين والآخرين فضلا عن الجيران والمعارف من أهل البلد وغيرهم، وهكذا يفعل في تفقد حركاته وسكناته بل جميع العمر في جميع الأعضاء الظاهرة والباطنة ". أعزاءنا المستمعين ونبقى مع الفقيه الإمامي العارف الشهيد الثاني وهو يصور لنا في نموذج حي أهمية هذه المحاسبة للحيلولة دون تضييع العمر، قال قدس سره في تتمة هذه الوصية: "وقد نقل عن بعض الأكابر وكان محاسبا لنفسه فحسب يوما وإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها فإذا هي واحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم، فصرخ وقال: يا ويلتي! ألقى الملك بواحد وعشرين ألف ذنب، كيف وفي كل يوم ذنوب، ثم خر مغشيا عليه فإذا هو ميت، فسمعوا قائلا يقول: يالها ركضة إلى الفردوس. فهكذا ينبغي المحاسبة على الأنفاس وعلى عمل القلب والجوارح في كل ساعة، ومن تساهل في حفظ المعاصي فالملكان يحفظان عليه: (أحصاه الله ونسوه) ". تقبل الله منكم اعزاءنا مستمعي إذاعة طهران حسن الإصغاء لهذه الحلقة من برنامج (من فيض أهل المعرفة). شكراً لكم ودمتم في كل خير. إستثمار العمر والمحاسبة قبل العمل - 15 2011-09-06 08:05:57 2011-09-06 08:05:57 http://arabic.irib.ir/programs/item/8100 http://arabic.irib.ir/programs/item/8100 السلام عليكم اخوة الإيمان ورحمة الله، من الوصايا المهمة التي إشتمل عليها سجل تراث علماء مدرسة أهل البيت عليهم السلام هي الوصية الموسومة (بالوصية النافعة) التي كتبها الفقيه الإمامي العارف الجليل الشيخ زين الدين العاملي الملقب بالشهيد الثاني. وقد إشتملت هذه الوصية على امهات الموضوعات التي يحتاجها السالك الى الله عزوجل كما رأينا في حلقات سابقة. ومن هذه الموضوعات المهمة قضية إستثمار العمر فيما يبقى للإنسان خيره ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بضبط النفس بالالتزام بالعمل الصالح، وهذا هو موضوع المقطع الذي إخترناه لهذا اللقاء من وصية الشهيد الثاني رضوان الله عليه، كونوا معنا. قال قدس سره الشريف: "حتم على كل ذي حزم آمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه في حركاتها وسكناتها وخطراتها، فإن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لاعوض لها، يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد، فانقضاء هذه الأنفاس ضائعة أو مصروفة إلى ما يجلب الهلاك خسران عظيم هائل لا تسمح به نفس عاقل. فإذا أصبح العبد وفرغ من فريضة الصبح ينبغي أن يفرغ قبله ساعة لمشارطة النفس كما أن التاجر عند تسليم البضاعة إلى الشريك العامل يفرغ المجلس لمشارطته فيقول: يانفس، ما لي بضاعة إلا العمر، ومهما فنى فقد فنى رأس المال ووقع اليأس عن التجارة وطلب الربح، وهذا اليوم الجديد قد أمهلني الله فيه وأنسأ في أجلي وأنعم به علي، ولو توفاني لكنت أتمنى أن يرجعني الى الدنيا يوما واحدا حتى أعمل فيه صالحا، واحسبي أنك توفيت ثم رددت فإياك ثم إياك! أن تضيعي هذا اليوم، فإن كل نفس من الأنفاس هو جوهرة". أعزاءنا المستمعين ونبقى مع هذا الفقيه الزاهد والعارف التقي وهو يعلمنا كيف نرغب النفس بحفظ العمر وعدم تضييعه حيث يقول في تتمة خطابه لها: "واعلمي يانفس! أن اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة، وقد ورد في الخبر أنه ينشر للعبد بكل يوم أربع وعشرون خزانة مصفوفة فيفتح له (منها) خزانة فيراها مملوءة نورا من حسناته التي عملها في تلك الساعة فيناله من الفرح والسرور والاستبشار بمشاهدة تلك الأنوار التي هي وسيلة عند الملك الجبار ما لو وزع على أهل النار لأدهشهم ذلك الفرح عن الاحساس بألم النار، وتفتح له خزانة أخرى سوداء مظلمة يفوح نتنها ويغشى ظلامها وهي الساعة التي عصى الله فيها، فيناله من الهول والفزع ما لو قسم على أهل الجنة لنغص عليهم نعيمها، وتفتح له خزانة أخرى فارغة ليس فيها ما يسره ولا ما يسوؤه وهي الساعة التي نام فيها أو غفل أو اشتغل بشيء من مباحات الدنيا فيتحسر على خلوها ويناله من غبن ذلك ما ينال القادر على الربح الكثير إذا أهمله وتساهل فيه حتى فاته وناهيك به حسرة وغبنا، وهكذا تعرض عليه خزائن أوقاته طول عمره فيقول لنفسه: اجتهدي اليوم في أن تعمري خزائنك ولا تدعيها فارغة عن كنوزك التي هي أسباب ملكك، ولا تميلي إلى الكسل والدعة والاستراحة فيفوتك من درجات عليين مايدركه غيرك وتبقى عندك حسرة لاتفارقك وإن دخلت الجنة فألم الغبن وحسرته لايطاق وإن كان دون ألم النار. وقد قال بعض الكاملين: (هب أن المسئ عفي عنه اليس قد فاته ثواب المحسنين)، أشار بذلك إلى الغبن والحسرة، وقال جل جلاله: (يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن) فهذا وما جرى مجراه أول مقام المرابطة مع النفس وهي المحاسبة قبل العمل". مستمعينا الأكارم هذا هو منهج إستثمار العمر من خلال حسن محاسبة النفس قبل العمل، والذي يكمل آثاره محاسبة النفس بعد العمل. وقد تحدث عنه فقيهنا العارف الشهيد الثاني في تتمة وصيته الموسومة بالوصية النافعة. وسنتوقف عند ذلك ان شاء الله في الحلقة المقبلة من برنامج (من فيض أهل المعرفة). نشكر لكم جميل الإصغاء لهذه الحلقة ودمتم في رعاية الله. معنى التقوى وكيفية التحلي بها - 14 2011-09-05 13:01:08 2011-09-05 13:01:08 http://arabic.irib.ir/programs/item/8099 http://arabic.irib.ir/programs/item/8099 بسم الله وله الحمد والمجد غاية آمال العارفين وحبيب قلوب الصادقين والصلاة والسلام على هداة عباده ووسائله التي أمر بابتغائها إليه المصطفى الأمين وآله الطاهرين. السلام عليكم إخوتنا وأخواتنا ورحمة الله وطابت أوقاتكم بكل خير، تعلمون جميعاً بكثرة ما ورد في مدح التقوى وذكر ثمارها وبركاتها في الدنيا والآخرة ترغيباً للإلتزام بها لأنها خير زاد السالك الى الله عزوجل، ولكن من الضروري للتمسك بالتقوى أن نعرف ما هي أولاً وكيف نجسدها عملياً في سلوكنا اليومي، وهذا الموضوع هو ما يبينه لنا المقطع الذي إخترناه لهذا اللقاء من الوصية الموسومة (بالنافعة) التي كتبها الفقيه العارف علم علماء الإمامية في القرن الهجري العاشر الشيخ الأجل زين الدين العاملي الملقب بالشهيد الثاني رضوان الله عليه، تابعونا مشكورين. في وصيته المشار إليها والتي نشرتها مجلة (تراثنا) في عددها الرابع عشر قال هذا العلامة الجليل: "المراد بالتقوى امتثال أو أمر الله تعالى واجتناب نواهيه ومن ثم كانت هذه الخصلة جامعة لجميع خلال الخير. وسئل الصادق عليه السلام عن تفسيرها (أي عن تفسير التقوى) فقال: (أن لايفقدك حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك)، فعليك يا أخي وفقك الله تعالى بمراعاة هذه الوصية الجامعة والتحلي بحليتها واغتنام عمرك القصير الذي هو متجر الدار الآخرة وسبب السعادة الأبدية والكرامة السرمدية وما أعظم هذا الربح وأقل رأس المال وأعظم الحسرة والندامة على تقدير التقصير في المعاملة والاكتساب في وقته إذا عاين المقصر درجات السابقين ومنازل الواصلين وثمرة أعمال المجتهدين وقد فات الوقت ولم يمكن الاستدراك". مستمعينا الأفاضل هذا عن معنى التقوى ولكن كيف نجسد مظهرها العملي في سلوكنا من خلال جعله متقيداً بها؟ يجيب عن هذا السؤال الشيخ الشهيد رضوان الله عليه، وهو يتابع وصيته قائلاً: "واعلم أن ضبط العمر في تحصيل السعادة لايتم إلا بمراعاة النفس كل يوم ومحاسبتها ثم مراقبتها ثم معاقبتها على تقدير التقصير أو الفتور كما هو اللازم مع معاملي الدنيا، القليل خطرها، التي لا يضر زوال ما زال منها ولا فوات ما فات منها، فكما أن التاجر يستعين بشريكه فيسلم إليه المال حتى يتجر ثم يحاسبه ويراقبه ويعاقبه إن قصر ويعاتبه إن غبن، فكذلك العقل هو التاجر في طريق الآخرة، ومطلبه وربحه تزكية النفس بتخليها عن الخصال الذميمة وتحليها بالخلال الحميدة فبذلك فلاحها، قال الله تعالى: (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها)، والعقل يستعين بالنفس في هذه التجارة ويستعملها فيما يزكيها كما يستعين التاجر بشريكه وغلامه الذي يتجر في ماله، وكما أن الشريك يصير خصما منازعا يجاذبه في الربح فيحتاج إلى أن يشارطه أولا ويراقبه ثانيا ويحاسبه ثالثا ويعاتبه أو يعاقبه رابعا، فكذلك العقل يحتاج إلى مشارطة النفس أولا فيوظف عليها الوظائف، ويشرط عليها الشروط ويرشدها إلى طريق الفلاح ثم لا يغفل عن مراقبتها فإنه من غفل عن مراقبتها لم ير إلا الخيانة وتضييع رأس المال كالعبد الخائن إذا انفرد بالمال". أيها الاخوة والاخوات ولايمكن للنفس أن تلتزم بمقتضيات التقوى بدون المحاسبة التي تكمل ثمار المشارطة والمراقبة. قال الشيخ الشهيد زين الدين العاملي رضوان الله عليه: "ينبغي أن يحاسبها ويطالبها بالوفاء بما شرط عليها، فإن هذه تجارة ربحها الفردوس الأعلى وبلوغ سدرة المنتهى مع الأنبياء والشهداء، وخسارتها والعياذ بالله عذاب جهنم مع الفراعنة والأشقياء، إذا ليس في تلك الدار إلا الجنة والنار، والجنة أعدت للمتقين كما أن النار أعدت للمقصرين، فتدقيق الحساب في هذا مع النفس أهم كثيرا من تدقيقه في أرباح الدنيا لأنها محتقرة بالإضافة إلى نعيم العقبى، ثم كيف ما كانت فمصيرها إلى التصرم والانقضاء، ولا خير في خير لايدوم، بل شر لا يدوم خير من خير لايدوم، لأن الشر الذي لايدوم إذا انقطع بقي الفرح بانقطاعه دائما وقد انقضى، والخير الذي لايدوم يبقى الأسف على انقطاعه دائما وقد انقضى الخير". أيها الاخوة والأخوات نكتفي بهذا المقدار مما جاء في الوصية الموسومة بالنافعة كلام الفقيه الإمامي العارف الشيخ زين الدين العاملي الملقب بالشهيد الثاني. وقد تبنى فيه أن معنى التقوى هو ضبط النفس وإستثمار العمر فيما أراده الله لنا، وأن التحلي بها يحتاج الى مشارطة النفس ومراقبتها ومحاسبتها ومجازاتها أيضاً بالتفصيل المتقدم. وها نحن نصل الى ختام حلقة أخرى من برنامج (من فيض أهل المعرفة) إستمعتم لها من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران. تقبل الله منكم حسن الإصغاء والسلام عليكم. فوائد التقوى في الدنيا والآخرة - 13 2011-09-04 08:27:35 2011-09-04 08:27:35 http://arabic.irib.ir/programs/item/8098 http://arabic.irib.ir/programs/item/8098 بسم الله وبالله والحمد لله والصلاة والسلام على أسوة أولياء الله صفوة الله من العالمين محمد وآله الطاهرين. السلام عليكم مستمعينا الأكارم تحية طيبة نهديها لكم في مطلع لقاء جديد من هذا البرنامج نخصصه لإشارات عن فوائد التقوى وآثارها في الدنيا والآخرة. وننظر أيها الاخوة والأخوات الى فوائد التقوى من خلال مقطع من وصية تربوية عرفانية مهمة إهتم العلماء بتناقلها فهي من إنشاء فقيه جليل وعارف أصيل من علماء مدرسة الثقلين إنه فقيه مدرسة أهل البيت عليهم السلام في القرن الهجري العاشر الشيخ الأجل زين الدين بن نور الدين علي العاملي الملقب بالشهيد الثاني قدس الله سره الشريف. وقد أجمع العلماء على تحلي الشهيد الثاني بمراتب سامية من الكمالات العلمية والعملية حتى صعب إحصاء محاسنه وفضائله في الزهد والتقوى والسعي في خدمة خلق الله عزوجل، ولد رضوان الله عليه سنة 911 للهجرة في جبل عامل، وختم القرآن الكريم وهو ابن تسع سنين. قال عنه تلميذه الشيخ الجليل ابن العودي في رسالة (بغية المريد) التي كتبها عن إستاذه الشيخ الأول: "لقد شاهدت منه سنة ورودي الى خدمته أنه كان ينقل الحطب في الليل لعياله ويصلي الصبح في المسجد ويجلس للتدريس والبحث كالبحر الزاخر ويأتي بمباحث غفل عنها الأوائل والأواخر". مستمعينا الأكارم، وقد تنوعت الخدمات التي قدمها الشهيد الثاني للإمة عبر أجيالها، وكان منها الوصية التي نقرأ لكم بعد قليل مطلعها فقد إشتملت على توضيحات دقيقة في حقيقة التقوى وبركاتها وثمارها وكيفية التحلي بها. ومما يزيد من أهمية هذه الوصية المرتبة الإيمانية السامية التي بلغها الشهيد الثاني والتي شهد له بها الأقربون والأبعدون بعد أن ختم حياته شهيداً مظلوماً بأيدي زمر التعصب والجهالة، وذلك سنة 954 للهجرة رضوان الله عليه. في مقدمة وصيته التي نشرتها مجلة (تراثنا) تحت عنوان (وصية نافعة للشهيد الثاني) قال هذا العارف الجليل قدس سره: أول ما أوصيك به تقوى الله تعالى فيما تأتي وتذر فإنها وصية رب العالمين إلى الأولين والآخرين قال جل جلاله في محكم كتابه: "ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله" وهذه الوصية أجمع كلام للخير وأوجزه ومن ثم خصها بالذكر وعمها بالنظر إلى الموصى بها من خلقه من الأولين والآخرين فلو كان من خصال الخير خصلة أصلح للعبد وأجمع للخير لكانت عناية الله تعالى ورأفته بخلقه تقتضي ذكرها دونها أو معها وقد مدح الله تعالى في كتابه التقوى، ووصفها بصفات ورتب عليها فوائد كثيرة. ثم يشرع الشهيد الثاني بذكر أهم فوائد التقوى طبق ما أشارت إليه الآيات الكريمة ترغيباً للقلوب والنفوس بها قال رضوان الله عليه: منها أي من فوائد التقوى غفران الذنب وإصلاح العمل قال الله عزوجل: "ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم". ومنها النجاة من النار، قال تعالى: "ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا". ومنها الخلود في الجنة، كما قال تعالى: "أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ". ومنها التأييد، حيث يقول تعالى: "أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ". ومنها الحفظ والتحصين من الأعداء، "وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً". ومنها وهي أجلها خصلة وأرفعها قدرا وأعظمها خطرا وجلالة محبة الله تعالى إياه كما في قوله سبحانه: "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ". ومنها النجاة من الشدائد وكفاية المهم في دار الدنيا وهي من أعظم أسباب التفرغ لعبادته، "...وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ..." إلى غير ذلك. مستمعينا الأكارم وكما تلاحظون فإن الشهيد الثاني رضوان الله عليه قد إختار من النصوص الشريفة ما يصحح التصور الشائع من أن بركات التقوى وفوائدها تنحصر بالفوائد الأخروية فهذه النصوص تصرح بأن ثمار التقوى تشمل الدنيا والآخرة معاً فإنها سبب لكي يصلح الله أعمالنا ويرزقنا من حيث لانحتسب ويكفينا المهم في دار الدنيا وكل ذلك بركات للتقوى نحصل عليها في عالم الدنيا تُضاف الى سجل فوائدها الأخروية الكثيرة. نسأل الله كامل التوفيق للتقوى الصالحة والفوز ببركاتها لنا ولكم اخوتنا مستمعي إذاعة طهران، صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، شكراً لكم على طيب المتابعة لهذه الحلقة من برنامج (من فيض أهل المعرفة). تقبل الله أعمالكم والسلام عليكم. ينابيع العرفان النقي - 12 2011-09-03 09:35:31 2011-09-03 09:35:31 http://arabic.irib.ir/programs/item/8097 http://arabic.irib.ir/programs/item/8097 بسم الله وله جزيل الشكر وكامل الحمد رب العالمين وأسنى صلوات المصلين على صفوته من العالمين محمد المختار وآله الأطهار. السلام عليكم إخوة الإيمان، كنا في الحلقة السابقة من هذا البرنامج قد نقلنا لكم القسم الأول من الوصية التي كتبها العلامة الحلي لولده في ختام كتابه قواعد الأحكام، وننقل لكم في هذا اللقاء تتمتها. والعلامة الحلي المتوفى سنة 726 للهجرة هو الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر من أعلام فقهاء مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وقد إمتاز بتبحره التحقيقي في النصوص الشريفة قرآناً وسنة وبأحاطته الموسوعية بمختلف فروع المعارف الإلهية إضافة الى زهده وتقواه وهذا الأمر يضفي على وصيته أهمية مضاعفة لأنها تمثل خلاصة ما أستنبطه من القرآن والسنة من أمهات ما ينبغي للسالك الى الله عزوجل أن يقوم به في سيره التكاملي. قال العلامة الحلي رضوان الله عليه في تتمة وصيته لولده: "وليكن يومك خيرا من أمسك، وعليك بالتوكل والصبر والرضا، وحاسب نفسك في كل يوم وليلة، وأكثر من الاستغفار لربك، واتق دعاء المظلوم، خصوصا اليتامى والعجائز، فإن الله تعالى لايسامح بكسر كسير. وعليك بصلاة الليل، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله حث عليها وندب إليها وقال: (من ختم له بقيام الليل ثم مات فله الجنة)، وعليك بصلة الرحم، فإنها تزيد في العمر، وعليك بحسن الخلق، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم) وعليك بصلة الذرية العلوية فإن الله تعالى قد أكد الوصية فيهم وجعل مودتهم أجر الرسالة والإرشاد فقال تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى)، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إني شافع يوم القيامة لأربعة أصناف ولو جاؤوا بذنوب أهل الدنيا: رجل نصر ذريتي، ورجل بذل ماله لذريتي عند المضيق، ورجل أحب ذريتي باللسان والقلب، ورجل سعى في حوائج ذريتي إذا طردوا أو شردوا". مستمعينا الأفاضل ونبقى مع العلامة الحلي وهو يوصي ولده بل وسائر المؤمنين بالإرتباط المستمر بينابيع العرفان الإلهي حيث يقول رصوان الله عليه: "وعليك بتلاوة الكتاب العزيز، والتفكر في معانيه، وامتثال أوامره ونواهيه، وتتبع الأخبار النبوية والآثار المحمدية، والبحث عن معانيها واستقصاء النظر فيها. وقد وضعت لك كتبا متعددة في ذلك كله. هذا ما يرجع إليك . وأما ما يرجع إلي ويعود نفعه علي، فان تتعهدني بالترحم في بعض الأوقات، وأن تهدي إليّ ثواب بعض الطاعات ولا تقلل من ذكري فينسبك أهل الوفاء إلى الغدر، ولا تكثر من ذكري فينسبك أهل الغرم إلى العجز، بل أذكرني في خلواتك وعقيب صلواتك، واقض ما علي من الديون الواجبة والتعهدات اللازمة، وزر قبري بقدر الإمكان واقرأ عليه شيئا من القرآن، وكل كتاب صنفته وحكم الله تعالى بأمره قبل إتمامه فأكمله وأصلح ما تجده من الخلل والنقصان والخطأ والنسيان. هذه وصيتي إليك، والله خليفتي عليك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمّان الأكملان على خير خلقه محمد وآله المعصومين وعترته الطيبين". وها نحن نصل أيها الاخوة والأخوات الى ختام حلقة أُخرى من برنامج (من فيض أهل المعرفة)، إستمعتم لها من إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران. تقبل الله منكم حسن الإصغاء ودمتم في رعاية الله. التقوى زاد السلوك الى الله - 11 2011-08-30 10:54:29 2011-08-30 10:54:29 http://arabic.irib.ir/programs/item/8088 http://arabic.irib.ir/programs/item/8088 بسم الله وله خالص الحمد والثناء رب العالمين وأزكى صلواته وتحياته على معادن حكمته ومجاري رحمته للخلائق أجمعين محمد وآله الطيبين. السلام عليكم أعزاءنا المستمعين، الوصايا النافعة التي تنير درب السعادة الحقيقية هي خير مايورثه الآباء المشفقون لأبنائهم، هذه الحقيقة هي مما تعلمه علماء الإمامية الأتقياء من النبي الأكرم وعترته الطاهرة صلوات الله عليهم أجمعين. ومن الوصايا الخالدة التي ورثها العلماء الأتقياء هي وصية العلامة الحلي رضوان الله عليه لولده، والتي جعلها مسك ختامٍ كتابه الفقهي قواعد الأحكام، والعلامة الحلي هوالحسن بن يوسف بن علي بن المطهر، علمُ الفقهاء الإمامية وصاحب الكثير من المؤلفات القيمة في مختلف أبواب المعارف الإلهية. وقد قضى رضوان الله عليه عمره الشريف مجاهداً بقلمهِ ولسانه في سبيل هداية المسترشدين الى الدين الحق، وشاء الله أن يهدي على يديه كثيراً من الخلق في حياتهِ وبعد وفاته ببركة ما كتبه بنية خالصة في العلوم الإسلامية ولازالت كتبه من المراجع الإسلامية المهمة لطلاب المعرفة. توفي رضوان الله عليه سنة 726 للهجرة المحمدية المباركة. قال رضوان الله عليه في مقدمة وصيته لولده: "إعلم يابني! أعانك الله تعالى على طاعته ووفقك لفعل الخير وملازمته وأرشدك إلى ما يحبه ويرضاه وبلغك ما تأمله من الخير وتتمناه، وأسعدك في الدارين، وحباك بكل ما تقر به العين، ومد لك في العمر السعيد والعيش الرغيد، وختم أعمالك بالصالحات ورزقك أسباب السعادات وأفاض عليك من عظائم البركات، ووقاك الله كل محذور ودفع عنك الشرور، إني قد لخصت لك في هذا الكتاب لب فتاوى الأحكام، وبينت لك فيه قواعد شرائع الإسلام بألفاظ مختصرة وعبارات محررة، وأوضحت لك فيه نهج الرشاد وطريق السداد، وذلك بعد أن بلغت من العمر الخمسين ودخلت في عشر الستين، وقد حكم سيد البرايا (صلى الله عليه وآله) بأنها مبدأ اعتراك المنايا. فإن حكم الله تعالى علي فيها بأمره وقضى فيها بقدره وأنفذ ما حكم به على العباد الحاضر منهم والباد". مستمعينا الأفاضل وها هنا نلتقي بأكثر من درس وعظة فيما يرتبط بمسؤولية الآباء تجاه الأبناء ومستقبلهم، هذه المسؤولية التي دفعت العلامة الحلي لتأليف كتاب كامل لولده في أحكام الشريعة ومن ثم تذكيره بأهم ما يحتاجه في سيره الى الله عزوجل، قال رحمه الله في تتمة وصيته: "فإني أوصيك كما افترض الله تعالى علي من الوصية وأمرني به حين إدراك المنية بملازمة تقوى الله تعالى، فإنها السنة القائمة والفريضة اللازمة والجنة الواقية والعدة الباقية وأنفع ما أعده الإنسان ليوم تشخص فيه الأبصار ويعدم عنه الأنصار. وعليك باتباع أوامر الله تعالى، وفعل ما يرضيه، واجتناب ما يكرهه، والانزجار عن نواهيه. وقطع زمانك في تحصيل الكمالات النفسانية، وصرف أوقاتك في اقتناء الفضائل العلمية، والارتقاء عن حضيض النقصان إلى ذروة الكمال، والارتفاع إلى أوج العرفان عن مهبط الجهال، وبذل المعروف ومساعدة الإخوان ومقابلة المسئ بالاحسان والمحسن بالامتنان. وإياك ومصاحبة الأرذال ومعاشرة الجهال، فإنها تفيد خلقا ذميما، وملكة ردية بل عليك بملازمة العلماء ومجالسة الفضلاء، فإنها تفيد استعدادا تاما لتحصيل الكمالات، وتثمر لك ملكة راسخة لاستنباط المجهولات". أعزاءنا المستمعين لعلكم لاحظتم أن هذا الفقيه المتبحر يصرح بأن الذي دفعه لكتابة هذه الوصية هو شعوره بأنها فرض عليه من الله عزوجل، وهذه إشارة مهمة لاينبغي للآباء الغفلة عنها فينبغي لهم أن ينيروا درب السعادة لأولادهم بتدوين أمثال هذه الوصايا لما لها من تأثير روحي بالغ على الأولاد بحكم علاقة الأبوة المقدسة. ونشير الى أن لهذه الوصية تتمة مهمة تأتيكم بأذن الله في الحلقة المقبلة من برنامج من فيض أهل المعرفة الذي تستمعون له من صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، شكراً لكم ودمتم في رعاية الله. الرياضة الشرعية ووسائلها - 10 2011-08-29 09:56:17 2011-08-29 09:56:17 http://arabic.irib.ir/programs/item/8049 http://arabic.irib.ir/programs/item/8049 السلام عليكم إخوة الإيمان ورحمة الله، الرياضات الروحية والنفسية هي الوسيلة الأهم في حركة السير والسلوك الی الله عزوجل لدی جميع المدارس السلوكية، وقد حرص عرفاء مدرسة الثقلين علی بيان خصوصية الرياضات الشرعية لطلاب القرب الإلهي تجنيباً لهم من مخاطر الرياضات غير الشرعية التي لاتزيد السالك إلا بعداً عن الله عزوجل، وهذا هو موضوع حلقة اليوم من البرنامج وقد إخترنا ما بينه بشأنه علم علماء الامامية في القرن الهجري السابع الفقيه المتبحر العالم الرباني كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني رضوان الله عليه تابعونا مشكورين. في كتابه القيم شرح المائة كلمة لأمير المؤمنين عليه السلام يُعرف هذا العالم الرباني الرياضة الشرعية بقوله: "الرياضة هاهنا هي نهي النفس عن هواها وأمرها بطاعة مولاها، واليهما أشير في التنزيل الإلهي (واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوی). واما متمماتها فإنه لما كان الغرض الأصلي منها هو نيل الكمال الحقيقي، وكان ذلك النيل موقوفا علی حصول الاستعداد له، وكان ذلك الاستعداد مشروطا بزوال الموانع، وكانت الموانع داخلية وخارجية كان ذلك الغرض مستلزما لأمور ثلاثة: أحدها إزالة ما عدا الحق الأول تبارك وتعالی وهي الموانع الخارجية. الثاني: تطويع النفس الامارة للنفس المطمئنة لينجذب الخيال والوهم إلى الجنبة العالية مستتبعين لسائر القوى الحيوانية وهي الموانع الداخلية. الثالث: اعداد النفس لأن تتمثل فيها التجليات القدسية بسرعة". أما أدوات هذه الرياضة الشرعية فهي الزهد والعبادة، يقول العارف الرباني الشيخ ميثم البحراني في بيان سبل تحقق هذه الأغراض الثلاثة: "ثم لما كان لهذه الأغراض متممات وأمور تعين عليها لاجرم كان الزهد الحقيقي مما يعين علی الغرض الأول، والعبادات الشرعية مما يعين علی الغرض الثاني وذلك هو الغرض منها بيان الأول ان الزهد الحقيقي هو اعراض النفس عما يشغل سرها عن التوجه إلی القبلة الحقيقية وظاهر كونه معينا علی الغرض الاول، وأما كون المواظبة على العبادات معينا على الغرض الثاني فظاهر أيضا لأنها رياضة لقوی العابد العارف المدركة والمحركة لتجرها بالتعويد عن الجنبة السافلة إلی جناب القدس الإلهي". مستمعينا الأكارم والمهم في العمل بهذه الرياضة الشرعية هو إخلاص النية لله عزوجل، هذا ما يؤكده العالم الرباني ميثم البحراني في تتمة كلامه السابق حيث يقول رضوان الله عليه عن زهد العارفين الأحرار وعبادتهم: "الزهد والعبادة عند غير العارف معاملتان، اما الزهد فلأن مطلوب غير العارف منه ان يشترى بمتاع الدنيا متاع الآخرة، واما العبادة فلان غرضه منها ان يأخذ الأجرة عليها في الآخرة، واما غرض العارف من الزهد فالتفات القلب عن ما سوی الله لئلا يمنعه ذلك من الاستغراق في محبته، وترك أخس المطلوبين لأشرفهما وأجب في أوائل العقول، واما من العبادة فان غرض العارف هو أن تصير القوی البدنية مراضة تحت قياد النفس في توجهها إلی مطلوبها الأصلي من الاستغراق في بحور الجلال لئلا يمنعها عن ذلك بالاشتغال بالأمور المضادة له". وهذا المعنی مستمعينا الأفاضل مستفاد من أحاديث أهل بيت النبوة عليهم السلام بشأن عبادة الأحرار وتمييزها عن عبادة التجار الطامعين أو العبيد الخائفين، وعبادة الأحرار هي أعلی مراتب العبادة فالهدف فيها هو إبتغاء مرضاة الله بصورة خالصة، وهذا الحكم يصدق أيضاً علی طلب العرفان نفسه، لاحظو أعزاءنا ما يقوله هذا العالم الرباني عن خصوصيات العارف الصادق قال قدس سره: "واما غرضه من عرفانه فليس ألا الحق لذاته لا غيره، حتی العرفان فإنه أمر إضافي يقال بالنسبة إلی المعروف، فهو مغاير للمعروف لامحالة، فلو كان غرض العارف نفس العرفان لم يكن من مخلصي التوحيد لأنه قد أراد مع الحق غيره وهذه حال المتبجح بزينة في ذاته، فاما من عرف الحق وغاب عن ذاته فهو لامحالة غائب عن العرفان واجد للمعروف فقط، وهو السابح لجّة الوصول وهناك درجات التحلية بالأمور الوجودية التي هي النعوت الإلهية وهي غير متناهية واليها أشير في الكتاب العزيز: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا)، والله ولي الخلاص وله منتهى الاخلاص". وفي العبارة الأخيرة إشارة الی سرعة تخلق العارف الحقيقي بالأخلاق الإلهية ببركة صدق توحيده لله وتوجهه إليه عزوجل. أما النتيجة المحورية التي نستفيدها من كلمات العالم الرباني العارف ميثم البحراني رضوان الله عليه فهي أن المهم في الرياضة الشرعية الموصلة للقرب الإلهي توفر أمرين: الأول، الإعراض عما سوی الله عزوجل والزهد فيه مهما كان. والثاني، الإلتزام بالعبادات الشرعية وأجتناب ماسواها. وبهذا ننهي حلقة اليوم من برنامج (من فيض أهل المعرفة)، إستمعتم لها من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران، سدمتم في رعاية الله. الزهد والعبادة جناحا العرفان - 9 2011-08-28 11:03:25 2011-08-28 11:03:25 http://arabic.irib.ir/programs/item/8048 http://arabic.irib.ir/programs/item/8048 السلام عليكم أحباءنا ورحمة الله، وأهلاً بكم في حلقة اخرى من هذا البرنامج نفتح فيها قلوبنا على إضاءات معرفية مقتبسه مما إستفاده أعلام العرفان النقي من نصوص القرآن والسنة. في هذا اللقاء إخترنا لكم كلمات نيّرة في بيان أثر الزهد والعبادة في طي المؤمن لمعارج الكمال والقرب الإلهي، هذه الكلمات وردت في كتاب شرح المئة كلمة المنتخبة من كلمات مولى الموحدين الإمام علي عليه السلام. وشارح الكتاب هو صاحب الشروح الثلاثة القيمة لنهج البلاغة وأكثر العلماء تبحراً في كلام أمير المؤمنين عليه السلام، إنه العارف الجليل والفقيه الزاهد ميثم البحراني، المتوفى سنة 679 للهجرة، ونكتفي في تعريفه بما قاله العلامة الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني عطر الله مرقده في رسالته المسماة بالسلافة البهية في الترجمة الميثمية والتي كتبها عن هذا العارف الجليل، قال: هو الفيلسوف المحقق والحكيم المدقق قدوة المتكلمين وزبدة الفقهاء والمحدثين كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني غواص بحر المعارف ومقتنص شوارد الحقائق واللطائف، ضم إلى الإحاطة بالعلوم الشرعية واحراز قصبات السبق في العلوم الحكمية والفنون العقلية ذوقا جيدا في العلوم الحقيقية والاسرار العرفانية كان ذا كرامات باهرة ومآثر زاهرة ويكفيك دليلا على جلالة شأنه وسطوع برهانه اتفاق كلمة أئمة الأعصار وأساطين الفضلاء في جميع الأمصار على تسميته بالعالم الرباني وشهادتهم له بأنه لم يوجد مثله في تحقيق الحقائق وتنقيح المباني. وبعد هذه المقدمة نعود الى كتاب شرح المئة كلمة لأمير المؤمنين عليه السلام، ونقرأ لهذا العالم الرباني بلورته لأجنحة السير والسلوك الى الله عزوجل، قال: "لما كان الكمال الذاتي للطالبين أنما هو شروق نور الحق سبحانه وتعالى في اسرارهم وكان الطالب لأمر عند توفيقه للطلب لابد وان يعرض عما يعتقد انه يبعده عن المطلوب ثم يقبل ويواظب على ما يعتقد انه يقربه إلى المطلوب ثم بعد ذلك يصل إلى المطلوب لاجرم لزم طالب ذلك الكمال في ابتداء امره ان يعرض عما يشغله عن المطلوب من متاع الدنيا وطيباتها، وصاحب هذا الأعراض يختص بأسم الزاهد، ثم يلزمه ان يواظب على ما يعتقد انه مقرب إلى الحق من أفعال مخصوصة هي العبادات كالصيام والقيام وبهذا الاعتبار بختص بأسم العابد، فإذا وجد الحق فأول درجات وجدانه هو المعرفة وحينئذ يختص بأسم العارف، وقد يتركب بعض هذه الأحوال مع بعض تركبا ثنائيا وثلاثيا فالأول زاهد عابد، زاهد عارف، عابد عارف" . مستمعينا الأكارم، والزهد الذي يحتاجه سالك طريق القرب الإلهي هو الزهد بمعناه الشامل كما ينبه لذلك العالم الرباني ميثم البحراني حيث يقول قدس سره: "وإنما اعتبرنا الزهد الحقيقي دون الظاهري لان الاعراض عن المشتهيات البدنية إذا كان بحسب الظاهر فقط مع ميل القلب إليها لم ينتفع به لقوله صلى الله عليه وآله ان الله لاينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم، نعم وإن كان لابد للسالك في مبدء الامر من الزهد الظاهري لان الزهد الحقيقي مشروط به واما العبادات فأجملها ما كان مشفوعا بالفكر المناسب، وفائدة ذلك أن الغرض من العبادة تذكر المعبود الحق والمجردين من الملائكة وذلك مما لايتأتى الا بالفكر فلا جرم وجب كونها مشفوعة به، وإن كان لتلك الأغراض متممات اخر ومعينات كالكلام الواعظ من قائل زكي معتقد فيه، وغير ذلك مما هو مذكور في مظانه فقد لاح حينئذ الغرض من الزهد والعبادة وكيفية تأديهما إلى المطلوب الأصلي" . أيها الاخوة والأخوات، والنتيجة المستخلصة من هذه الكلمات النيرة للعالم الرباني ميثم البحراني هي أن الزهد والعبادة هما جناحا القرب من الله وهو عزوجل غاية آمال العارفين. وبهذه النتيجة ننهي حلقة اليوم من برنامج (من فيض أهل المعرفة)، إستمعتم لها من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران، شكراً لكم ودمتم في رعاية الله. معرفة الله تؤخذ من العارفين به - 8 2011-08-27 08:52:45 2011-08-27 08:52:45 http://arabic.irib.ir/programs/item/8047 http://arabic.irib.ir/programs/item/8047 السلام عليكم أيها الأحباء ورحمة الله وبركاته، معرفة الله الخالية من الشوائب هي من أعز ما يطلبه المؤمنون الصادقون، فمن أين يحصلوا عليها؟ الفطرة السليمة في كل إنسان تجيب بوضوح أن فاقد الشيء لا يعطيه. فمن يملك معرفة الله الخالية من الشوائب هو القادر على إتحاف طلابها بها. أيها الإخوة والأخوات نتعرف على من يملك معرفة الله الخالية من جميع الشوائب من خلال التدبر في المقاطع التالية من مقدمة كتاب شرح المائة كلمة المختارة من كلام أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام، وشارحها هو الذي قال عنه العلماء بأنه كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني العالم الرباني والفيلسوف المتبحر المحقق والحكيم المتأله المدقق جامع المعقول والمنقول أستاذ الفضلاء صاحب الشروح الثلاثة على نهج البلاغة، المتوفى سنة 679 للهجرة رضوان الله عليه. مستمعينا الأعزاء، هذا العالم الرباني بدأ مقدمته لكتابه شرح المئة كلمة المنتخبة من الكلام العلوي بمناجاة مؤثرة لله عزوجل تشتمل على إشارات بليغة في بيان حقيقة الحمد لله ودور النبوة الخاتمة في هداية أحباء الله إليه عزوجل وإلى معرفته قال رضوان الله عليه: "اللهم يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قدوس يا سلام، يا مبدأ الجود ومنبعه وغاية كل موجود ومرجعه، يا نور الأنوار وعالم خفيات الأسرار، أحمدك على عواطف كرمك وسوابغ نعمك، لا مجازاة لفضلك وإحسانك بل خضوعا لعزتك وسلطانك، واستكانة لعظمتك وعلو شأنك، وأخلي ذاتي عن كل معبود بلا إله وأحليها بـ (إلا أنت) وبما أنت أهله، وأتمم زينتها بشهادة أن محمدا عبدك ورسولك، الجالي لصدء القلوب، الفاتح لخزائن الغيوب، الموري لقبس الهدى بعد أن غشى ظلام الجهل أبصار العقول، الرافع لموضحات الأعلام بعد أن ضل الدليل وتاه المدلول، اللهم وأسألك أن تتحفه شرائف صلواتك وتمنحه نوامي بركاتك، وأن تجعل لآله وخلفائه الراشدين من ذلك أجزل حظ وأوفاه وأوفر قسط وأنماه، وأسألك أن تنور قلبي بلوامع هدايتك وتلحظ وجودي بعين عنايتك، إنك أنت الوهاب". مستمعينا الأكارم، إذن فالله عزوجل هو الهدف الأسمى لكل سالك صادق، وإتباع رسوله الأكرم صلى الله عليه وآله هو الصراط المستقيم المؤدي إلى هذا المقصد الأسنى. وإتباعه صلى الله عليه وآله إنما يتحقق بالتمسك بولاية الوصي المرتضى وأولاده الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، لأنهم هم العارفون بهذا الصراط المستقيم، قال الشيخ ابن ميثم البحراني في تتمة كلامه: "أما بعد فلما كان أكمل السعادات وأتمها وأشرف الدرجات وأهمها هو الوصول إلى الواحد الحق والحصول في المقعد الصدق حيث تنمحق أبصار البصائر في تلك المشارق وتحترق القلوب في تلك المحارق، وكان مولانا وإمامنا سيد الوصيين أمير المؤمنين ذو الآيات الجلية والكرامات العلية علي بن أبي طالب سلام الله عليه ممن تسنم من تلك الدرجات أعلاها وفاز من تلك المقامات بأجلاها وأسماها حتى ظهرت ينابيع الحكمة على لسانه وسطع صبح الحق من أفق برهانه، فلاحت من وادي كماله أعلامه الزاهرة ولوحت إلى شرف قوته القدسية آياته الباهره وكان من جملة حكمه البالغه وشموسه البازغة مائة من الكلم جمعت لطائف الحكم أحببت أن أتحف بكشف أستار بعض تلك الكلمات ورموزها وابراز ما ظهر لي من دفائنها وكنوزها، وشرعت في ذلك معتصما بالله وملتمسا للعذر ممن عثر لي علي هفوة واطلع مني على زلة فإنى مع قصور استعدادي عن درك هذا المقام أحوالي الحاضرة جارية علي غير نظام، وعلى الله قصد السبيل وهو حسبي ونعم الوكيل". انتهى مستمعينا الأكارم ما اخترناه من كلام العالم الرباني أعلم شراح نهج البلاغة الشيخ ابن ميثم البحراني، وقد جاء في مقدمة كتابه القيم في شرح المائة كلمة المختارة من كلمات مولى الموحدين الإمام علي عليه السلام فما الذي نستفيده مما نقلناه؟ في الإجابة نقول: إن من أهم ما نستفيده من هذا الكلام البليغ هو أن معرفة الله عزوجل إنما تحصل للمؤمن السالك إليه بالأخذ بأقوال وسنة سادات العارفين به محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. وبهذا نختم حلقة اليوم من برنامج (من فيض أهل المعرفة)، شكرا لكم ودمتم في رعاية الله. أدعياء العرفان قطاع الطريق إلى الله - 7 2011-08-25 09:04:15 2011-08-25 09:04:15 http://arabic.irib.ir/programs/item/8046 http://arabic.irib.ir/programs/item/8046 بسم الله وله الحمد رب العالمين، وأفضل صلوات المصلين على صفوته المقربين الصادقين الذين أمرنا الله أن نكون معهم محمد وآله الطاهرين. السلام عليكم إخوتنا المستمعين، من أهم الأخطار التي تواجه السالكين إلى الله وطلاب قربه جل جلاله، هو خطر الأئمة المضلين وأدعياء الفقه والعرفان، فهؤلاء يصدون طلاب المعرفة عن سبيل الله وصراطه المستقيم تحت شعار هدايتهم إليه، وهذا منشأ شدة خطرهم، ولذلك تكررت التحذيرات منهم في الأحاديث الشريفة االمروية عن النبي الأكرم وعترته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. والوصية التي اخترناها لهذا اللقاء تشتمل على بيان هذا الخطر وسبل النجاة منه. وقد كتبها لولده أحد الفقهاء الأفذاذ هو جعفر بن الحسن المشهور بلقب المحقق الحلي. وقد لقبه بهذا اللقب كما نقل بعض العلماء الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، وهو صاحب كتاب شرائع الإسلام الذي يعد من أهم المتون التدرسية في الحوزات العلمية الإمامية. أما وصيته المشار إليها فقد كتبها ضمن كتابه الفقهي القيم المعتبر، والمحقق الحلي هو من أعلام فقهاء مدرسة أهل البيت عليهم السلام في القرن الهجري السابع. وقد توفي سنة 676 للهجرة رضوان الله عليه. قال المحقق الحلي في بداية وصيته: "ليكن تعلمك للنجاة، لتسلم من الرياء والمراء، وليكن بحثك لإصابة الحق لتخلص من قواطع الأهواء ومآلف النشاء وأكثر التطلع على الأقوال لتظفر بمزايا الإحتمال، واستقص البحث عن مستند المسائل لتكون على بصيرة فيما تتخيره وعليك بالحفظ فإنه أربط للعلم، وأضبط للفهم، ودوام البحث يعطيك استعدادا لتلقي النتائج النظرية بالفعل، واختر المباحث الصالح لتستفيد من خلقه ما يصير لك سجية" . مستمعينا الأفاضل، وبعد أن يوصي المحقق الحلي طالب العلم الإلهي بإخلاص النية لكي يتخلص من أن يتجول إلى المتاجرين بالعلم من أئمة الضلال، يبدأ بالتحذير من هؤلاء مبينا صفاتهم. قال قدس سره الشريف: "ثم أوصيك أن إياك و(الحشوية) من المتفقهة والمقلدة منهم، فربما خادعوك ليجذبوك إلى جهالتهم، وإنما يريدون جبر مقالتهم وستر ضلالتهم، ولا يغررك لو قال {يعني مدعي الفقه}: الحق لائح، فلا ارتياب، والطريق واضح ففيم الإسهاب، فإنه لا يصعب أن تجيبه بأن كل ممكن أن يعلم، يصلح أن يوصف بالوضوح وإن دق طريقه وشق تحقيقه، وليس إطلاق الوضوح عليه موجبا بالفعل، فأنت إذا اعتبرت خلاف الفضلاء في المسائل الفقهية، ذلك على صعوبة الظفر إلا بعد بحث ونظر، فيتحقق أنه دلس في عباراته، ولبس في إشارته" . ثم قال رضوان الله عليه: "إن في الناس المستبعد نفسه لشهوته، المستغرق وقته في أهويته {أي أهواءه النفسية} مع إيثاره الإشتهار بآثار الأبرار، واختياره الإتسام بسير الأخيار؛ أما لأن ذلك في جبلته، أو لأنه وسيلة إلى حطام عاجلته، فيثمر هذان الخلقان نفاقا غريزيا وحرصا على الرياسة الدينية طبيعيا، فإذا ظهرت لغيره فضيلة عليه خشي غلبة المزاحم، ومنافسة المقاوم، ثم يمنعه نفاقه من المكافحة، فيرسل القدح في ذي المناصحة، ويقول لو قال كذا، لكان أقوم، لو لم يقل كذا، لكان أسلم، موهما أنه أوضح كلاما وأرجح مقاما، فإذا ظفرت بمثله، فليشغلك الإستعاذة بالله من بليته عن الإشتغال بإجابته، فإنه شر الرجال، وأضر على الأمة من الدجال، كأني بكثير ممن ينتحل هذا الفن {يعني المعارف الدينية} يقف على شيء من مقاصد هذا الكتاب فيستشكله، ويحمل فكره فيه فلا يحصله، فحمله بذهنه الجامد على التأويل الفاسد، فعليك بإمعان النظر فيما يقال، مستفرغا وسعك في درء الإحتمال، فإذا تعين لك الوجه فهناك فقل، وإلا فاعتصم بالتوقف، فإنه ساحل النجاة من الهلكة" . مستمعينا الأفاضل، كانت هذه مقاطع من الوصية القيمة التي كتبها لطلاب المعرفة الإلهية علم فقهاء الإمامية العارفين في القرن الهجري السابع الشيخ جعفر بن الحسن الملقب بالمحقق الحلي، ونختم البرنامج بعرض خلاصة لمضمونها الأساسي وهو: أولاً، إن على طالب العرفان الإلهي أن يخلص نيته من طلبه من شوائب الرياء لكي لا يصبح من المتاجرين بالدين. ثانياً، أن يتحلى بالتعمق بالمعارف الإلهية ولا يكون سطحي الفهم. ثالثاً، أن يختار المباحثين الصالحين لكي ينتفع بعلمهم. رابعاً، أن يجتنب أدعياء الفقه والعرفان الذين يصدونه عن سبيل الله وقربه عزوجل بشعاراتهم المزيفة؛ وأهم ما يميزهم هو أنهم يستخدمون الرياء وسيلة لتحقيق أهوائهم. وبهذا ينتهي أيها الأعزاء لقاء اليوم من برنامج (من فيض أهل المعرفة)، استمعتم له من إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، تقبل الله منكم جميل المتابعة. ودمتم في رعايته عزوجل. وصية الفقيه عماد الدين الطوسي الى ولده - 6 2011-08-24 11:25:53 2011-08-24 11:25:53 http://arabic.irib.ir/programs/item/8045 http://arabic.irib.ir/programs/item/8045 السلام عليكم مستمعينا الأفاضل، فتح مولانا أمير المؤمنين سلام الله عليه للأباء باب التقرب الى الله عزوجل بتقديم خلاصة تجاربهم في طريق الوصول الى الله عزوجل الى أولادهم وذلك بوصيته الشهيرة الى ولده الإمام المجتبي سلام الله عليه. وعادة ما نتلمس في وصايا المتأسين بأمير المؤمنين عليه السلام في تدوين وصايا لأبنائهم، قوة روح النصيحة المشفقة الطبيعية في الأباء الصالحين، ولذلك فهي شديدة التأثير في القلوب. ومن نماذج هذه الوصايا المؤثرة، الوصية التي كتبها لولده الفقيه الفاضل والعالم الواعظ عماد الدين ابو جعفر محمد بن علي بن حمزة الطوسي صاحب المؤلفات القيمة، ومنها كتاب (ثاقب المناقب) في كرامات أئمة العترة المحمدية صلوات الله عليهم أجمعين.وهذا الفقيه هو من أعلام علماء الإمامية في القرن الهجري السادس ويعد كتابه الفقهي (الوسيلة) من المراجع الفقهية المهمة. وقد أورد وصيته لولده في كتابه هذا الذي ألفه أيضاً أداءً لحق ولده. قال هذا الفقيه التقي في وصيته: "أوصيك يا بني بتقوى الله، والاعتصام بحبله، والتمسك بطاعته، والتحرج عن معصيته، والإخلاص في العمل بما يرضيه، والتوفر على التفكر فيما يزيد في معرفتك ويقينك، ويعينك على أمور معادك ودينك، ويمنعك عن التورط في الشبهات، ويردعك عن التميل إلى الشهوات، ويزعك [أي يردعك] عن ركوب المحارم، ويكبحك عن التسرع الى المآثم. وإياك وغفلة الاغترار، وفترة الإصرار، وعليك بالاستعانة بالله سبحانه على أمور دينك ودنياك، فإنك إن توكلت عليه كفاك. وعليك بتلاوة كتابه في آناء ليلك ونهارك، وحالتي استقرارك وأسفارك، فإن ذلك شفاء لما في الصدور، ونور يوم النشور، ونجاة يوم تزل فيه الأقدام، وتقضى فيه الأحكام وعليك بالعمل بما فيه، والتنبه على ما في مطاويه". مستمعينا الأكارم، والتمسك بالقرآن الكريم وهو الثقل الأول محال بدون التمسك بالسنة النبوية المبينة لحقائق كتاب الله، والذين يبينون للناس سنة رسول الله صلى الله عليه وآله هم عترته الطاهرة وهم الثقل الثاني لا يفارقه كتاب الله، وهذا ما ينبه له الفقيه عماد الدين الطوسي في تتمة وصيته لولده قائلاً: "وعليك بسنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله فإنها جلاء القلوب، واستراحة الكروب، وعليك بما سن لك الأئمة الهداة. فإنهم إلى الجنة الدعاة، ومن النار الحماة. وعليك بسيرة الصالحين. والاقتناص من شواردهم. والاقتباس من فوائدهم. والاشتغال بنفسك عن غيرك. والتوفر على الإكثار من خيرك. وليكن ما تعرف من نفسك شاغلا لك عمن سواك". ونجد في وصية هذا الفقيه الورع لولده إشارة بليغة لعلاقة التفقه في الدين المطلوب شرعاً باخلاص النية وتطهير القلب للفوز بالعلم اللدني، قال رضوان الله عليه: "وعليك بالفقه، وعليك بالفقه، وعليك بالفقه. فإنه شرف لك في الدنيا، وذخر لك في الآخرة. ولن يتيسر لك ذلك إلا بحسن السيرة، ونقاء الجيب، وطهارة الأخلاق، والتوقي من العيب، وإقامة دعائم الإسلام. والإذعان لقواعد الأحكامم والتعظيم لأمر الله، فإن الله سبحانه لم يخلق الخلق عبثا، ولم يتركهم مهملا، بل خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا، وعلم ضمائرهم وخبر سرائرهم، وأحصى أعمالهم، وحفظ أحوالهم. واحتج عليهم بإرسال الرسل، مبشرا ومنذرا وبإنزال الكتب آمرا ومخبرا وداعيا، وزاجرا ولله الحجة البالغة، والنعمة السابغة، وله الحمد على نعمه. والشكر على فيض كرمه. حمدا وافيا، وشكرا كافيا". مستمعينا الأكارم، وفي نهاية وصيته يذكر هذا الفقيه لولده علة تأليفه لكتاب الوسيلة قائلاً: "ثم إني رأيت أن أجمع لك كتابا في الفقه لتحفظه على ترتيب يسهل على المتيقظ الشروع في الحفظ وقد سميته بـ (الوسيلة إلى نيل الفضيلة) مستمدا من الله تعالى التوفيق على الإتمام، والتيسير لدرك المرام. وأن يجعل ذلك خالصا لرضاه، فإنه لا يضيع من استكفاه، ولا يخيب من رجاه. وهو أكرم مسؤول، وأفضل مأمول". كانت هذه مستمعينا الأفاضل مقاطع من وصية الفقيه البارع والعارف الإمامي التقي عماد الدين أبي جعفر محمد بن علي الطوسي من أعلام القرن الهجري السادس. وقد قرأناها لكم في لقاء اليوم من برنامج (من فيض أهل المعرفة)، إستمعتم له من إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران. تقبل الله منكم حسن الإصغاء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. اتباع أهل البيت عليهم السلام والصراط المستقيم - 5 2011-08-23 10:29:11 2011-08-23 10:29:11 http://arabic.irib.ir/programs/item/8044 http://arabic.irib.ir/programs/item/8044 السلام عليكم إخوة الإيمان، إن أقرب الطرق للقرب الإلهي والفوز بحب الله جل جلاله هو السير على الصراط المستقيم، ولكن ما هو هذا الصراط وكيف نسير عليه؟ الإجابة عن هذا التساؤل قدمها لنا العلامة الجليل والفقيه التقي أبو محمد الحسن بن علي بن شعبة الحراني، وهم من أعلام الأمامية في القرن الهجري الرابع ونتلمس إجابته عن السؤال المتقدم في وصيته البليغة التي أوردها في مقدمة كتابه القيم (تحف العقول عن آل الرسول). كونوا معنا ومقاطع من هذه الوصية النبرة. قال رضوان الله عليه: "تأملوا معاشر شيعة المؤمنين ما قاله أئمتكم عليهم السلام وندبوا اليه وحضوا عليه. وانظروا اليه بعيون قلوبكم، واسمعوه بآذانها، وعوه من الوعي بما وهبه الله لكم واحتج به عليكم من العقول السليمة والافهام الصحيحة ولا تكونوا كاندادكم أي مخالفيكم الذين يسمعون الحجج اللازمة والحكم البالغة صفحا وينظرون فيها تصفحا ويستجيدونها قولا ويعجبون بها لفظا، فهم بالموعظة لا ينتفعون ولا فيما رغبوا يرغبون ولا عما حذروا ينزجرون، فالحجة لهم لازمة والحسرة عليهم دائمة. بل خذوا ما ورد إليكم عمن فرض الله طاعته عليكم وتلقوا ما نقله الثقات عن السادات بالسمع والطاعة والانتهاء اليه والعمل به، وكونوا من التقصير مشفقين وبالعجز مقرين. واجتهدوا في طلب ما لم تعلموا، واعملوا بما تعلمون ليوافق قولكم فعلكم، فبعلومهم النجاة وبها الحياة، فقد أقام الله بهم الحجة وأقام بمكانهم المحجة وقطع بموضعهم العذر، فلم يدعوا لله طريقا الى طاعته ولا سببا إلى مرضاته ولا سبيلا الى جنته إلا وقد أمروا به وندبوا اليه ودلوا عليه وذكروه وعرفوه ظاهرا وباطنا وتعريفا وتصريحا، ولا تركوا ما يقود الى معصية الله ويدني من سخطه ويقرب من عذابه إلا وقد حذروا منه ونهوا عنه وأشاروا اليه وخوّفوا منه لئلا يكون للناس على الله حجة". مستمعينا الأكارم : إذن فأتباع محمد واله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين هو السير على الصراط المستقيم الموصل الى الله تبارك وتعالى أما إتباع غيرهم فهو تراكض في السبل المتفرقة وتلاهث خلف سراب يحسبه الظمآن ماءً. نبقى أيها الأعزاء مع وصايا العارف الإمامي الجليل الشيخ ابن شعبة الحراني وهو يلخص نتيجة ما أستفاده من النصوص الشريفة قائلاً في تتمة وصيته: "السعيد من وفقه الله لأتباعهم عليهم السلام والاخذ عنهم والقبول منهم والشقي من خالفهم واتخذ من دونهم وليجة وترك أمرهم رغبة عنه إذ كانوا العروة الوثقى وحبل الله الذي أمرنا رسول الله صلى الله عليه واله بالاعتصام والتمسك به، وسفينة النجاة وولاة الامر، الذين فرض الله طاعتهم فقال: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، والصادقين الذين أمرنا بالكون معهم، فقال: (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين). اجتهدوا في العمل بما أمروا به صغيرا كان أو كبيرا واحذروا ما حذروا قليلا كان أو كثيرا، فإنه من عمل بصغار الطاعات ارتقى إلى كبارها، ومن لم يجتنب قليل الذنوب ارتكب كثيرها. وقد روي: اتقوا المحقرات من الذنوب وهي قول العبد: ليت لا يكون لي غير هذا الذنب. وروي: لا تنظر إلى الذنب وصغره ولكن انظر من تعصي به، فإنه الله العلي العظيم. فإن الله إذا علم من عبده صحة نيته وخلوص طويته في طاعته ومحبته لمرضاته وكراهته لسخطه وفقه وأعانه وفتح له مسامع قلبه وكان كل يوم في مزيد فإن الأعمال بالنيات". رحم الله العارف التقي أبا محمد الحسن بن شعبة الحراني على هذه الوصية الخالصة التي بين فيها للمؤمنين حقيقة أن السير على الصراط المستقيم إنما يتحقق بأتباع أهل بيت النبوة عليهم السلام، وإقتفاء آثارهم بنية مخلصة ففي ذلك الفوز بقرب الله ومحبته تبارك وتعالى وبالتالي سعادة الدنيا والآخرة. نشكر لكم اعزاءنا مستمعي إذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران، جميل المتابعة لحلقة اليوم من برنامج (من فيض أهل المعرفة)، تقبل الله أعمالكم ودمتم بكل خير. التواصل مع مواعظ أهل البيت عليهم السلام - 4 2011-08-21 08:48:26 2011-08-21 08:48:26 http://arabic.irib.ir/programs/item/8043 http://arabic.irib.ir/programs/item/8043 بسم الله وله جميل الحمد حبيب قلوب الصادقين وغاية آمال العارفين والصلاة والسلام على الأدلاء عليه والهداة الى مرضاته المصطفى الأمين محمد وآله الطاهرين. السلام عليكم إخوتنا وأخواتنا طابت أوقاتكم بكل ما تحبون وفوق ماتأملون، للموعظة أثرها البالغ في تقوية عزم السالك الى الله عزوجل ومكافحة الغفلة عن معارج التكامل. فالموعظة تحي القلب وتزيل عنه القسوة وتزوده بالوقود اللازم للتقرب من الله جل جلاله. لذلك فالمؤمن بحاجة مستمرة للموعظة لكي يحفظ حركته الدؤوبة على الصراط المستقيم. ولكن من اين يأخذ هذه الموعظة؟ ومن الذي تحقق موعظته هذه الآثار المباركة المطلوبة؟ الاجابة عن هذا التساؤل نتلمسها معاً في الإضاءة المعرفية التي إخترناها لهذا اللقاء لأحد أعلام خريجي مدرسة الثقلين القرآن الكريم وأهل بيت النبوة عليهم السلام. عالم هذه الحلقة هو الشيخ الزاهد التقي أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني الحلبي المعاصر للشيخ الصدوق الذي توفي سنة 381. كان رحمه الله من أعاظم علماء الإمامية في القرن الرابع وفذا من أفذاذ شيعة أهل البيت عليهم السلام، ومفخرا من مفاخرها وهو فقيه من فقهاء الطائفة محدث جليل القدر، عظيم الشأن، رفيع المنزلة كثير العلم، له فضله الواسع وأدبه الناصع وعلمه الناجع، ينم عن كل ذلك تأليفه القيم الذي هو عنوان عقله وعيار قدره بل لسان فضله وميزان علمه كتاب تحف العقول في ما جاء من الحكم والمواعظ عن آل الرسول، كتاب كريم لم يصنف مثله وهو يحوي من نظام عقود الغرر والدرر، ومحاسن الكتب والمواعظ والزواجر والعبر وكرائم الحكم والخطب وعقائل الكلم والأدب ما يروق اللبيب ويروي الغليل تزجر النفوس عن رداها وترشد القلوب إلى مستواها وتوحي إليها رشدها وكمالها وتبصرها عيوبها وتخلبها عن غاشيات هواها، وتقودها إلى الملكوت الاعلى وسنامها الأسنى وتسوقها إلى مشهد النور الاجلي، وهي الغاية المتحراة للعقل الرشيد وذلك لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. تحدث العالم الولائي الجليل ابن شعبة الحراني في مقدمة كتابه القيم تحف العقول عن علة جمعه فيه لمواعظ أهل بيت النبوة عليهم السلام فقال رضوان الله عليه: "فإني لما تأملت ما وصل إلي من علوم نبينا ووصيه والأئمة من ولدهما صلوات الله عليهم ورحمته وبركاته، وأدمت النظر فيه والتدبر له علمت أنه قليل مما خرج عنهم، يسير في جنب ما لم يخرج فوجدته مشتملا على أمر الدين والدنيا وجامعا لصلاح العاجل والآجل، لايوجد الحق إلا معهم ولايؤخذ الصواب إلا عنهم ولا يلتمس الصدق إلا منهم. ورأيت من تقدم من علماء الشيعة قد ألفوا عنهم في الحلال والحرام والفرائض والسنن ما قد كتب الله لهم ثوابه وأغنوا من بعدهم عن مؤونة التأليف وحملوا عنهم ثقل التصنيف ووقفت مما أنتهى إلي من علوم السادة عليهم السلام على حكم بالغة ومواعظ شافية وترغيب فيما يبقي، وتزهيد فيما يفني، ووعد ووعيد، وحض على مكارم الاخلاق والافعال ونهي عن مساويهما، وندب إلى الورع وحث على الزهد. ووجدت بعضهم عليهم السلام قد ذكروا جملا من ذلك فيما طال من وصاياهم وخطبهم ورسائلهم وعهودهم، وروي عنهم في مثل هذه المعاني ألفاظ قصرت وانفردت معانيها وكثرت فائدتها ولم ينته إلي لبعض علماء الشيعة في هذه المعاني تأليف أقف عنده ولا كتاب أعتمد عليه وأستغني به يأتي على ما في نفسي منه. فجمعت ما كانت هذه سبيله وأضفت إليه ما جانسه وضاهاه وشاكله وساواه من خبر غريب أو معنى حسن متوخيا بذلك وجه الله جل ثناؤه وطالبا ثوابه وحاملا لنفسي عليه ومؤدبا لها به وحملها منه على ما فيه نجاتها شوق الثواب وخوف العقاب، ومنبها لي وقت الغفلة ومذكرا حين النسيان ولعله أن ينظر فيه مؤمن مخلص فما علمه منه كان له درسا وما لم يعلمه استفاده فيشركني في ثواب من علّمه وعمل به". كانت هذه أيها الاخوة والأخوات إضاءة معرفية في ضرورة التواصل المستمر مع مواعظ أهل بيت النبوة عليهم السلام لحفظ تواصل حركة المؤمن على الصراط المستقيم. وقد نقلناها لكم من مقدمة كتاب (تحف العقول) للعالم الولائي التقي ابن شعبة الحراني رضوان الله عليه. وقد قدمناها لكم ضمن لقاء اليوم من برنامج (من فيض أهل المعرفة). شكراً لكم ودمتم في رعاية الله وحفظه. معرفة الله بمعرفة الرسول وأهله عليهم السلام - 3 2011-08-20 11:30:15 2011-08-20 11:30:15 http://arabic.irib.ir/programs/item/8042 http://arabic.irib.ir/programs/item/8042 بسم الله والحمد لله الذي جعلنا من المتقربين إليه بمودة وولاية أحب خلقه إليه المصطفى الأمين وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. السلام عليكم أحباءنا المستمعين، لاشك أن معرفة الله عزوجل هي المحور الأساسي الذي تقوم عليه حركة الإنسان نحو الوصول الى التكامل الذي قدّره الله عزوجل له والى السعادة التي دعاه لها، لكن الله تبارك هو الغيب المطلق الذي لايمكن معرفته إلا بواسطة رؤية آياته في الآفاق والأنفس. و أكبر هذه الآيات وأعظمها هم محمد وآله الطاهرون عليه وعليهم السلام فهو أكمل الخلائق وأقربهم الى الله عزوجل ولذلك لا يمكن معرفة الله عزوجل بالصورة المطلوبة إلا بمعرفتهم، من هنا كانت معرفتهم وموالاتهم واتباعهم من أعظم النعم الإلهية. ايها الاخوة والأخوات الحقيقة المعرفية المتقدمة هي نستفيدها من النص التالي الذي إخترناه لهذه الحلقة من برنامج (من فيض أهل المعرفة) وهو من كلام العلامة المتبحر في أحاديث أهل بيت النبوة عليهم السلام الشيخ محمد بن ابراهيم النعماني تلميذ ثقة الإسلام الكليني وأحد أعلام علماء مدرسة أهل البيت عليهم السلام في القرن الهجري الرابع، قال رضوان الله عليه في مقدمة كتابه (الغيبة): "الحمد لله الذي من علينا بمحمد صلى الله عليه وآله سبق بريته إلى الإقرار بربوبيته، وهو خاتم أصفيائه وأحب أحبائه إليه، وأكرم أنبيائه عليه، وأعلاهم رتبة لديه، وأخصهم منزلة منه، أعطاه جميع ما أعطاهم، وزاده أضعافا على ما أتاهم، وأحله المنزلة التي أظهر بها فضله عليهم، فصيره إماما لهم، إذ صلى في سمائه بجماعتهم، وشرف مقامه على كافتهم، وأعطاه الشفاعة دونهم، ورفعه مستسيرا إلى علو ملكوته حتى كلمه في محل جبروته بحيث جاز مراتب الملائكة المقربين، ومقامات الكروبيين والحافين وأنزل عليه كتابا جعله مهيمنا على كتبه المتقدمة، ومشتملا على ما حوته من العلوم الجمة وفاضلا عليها بأن جعله كما قال تعالى :(تبيانا لكل شيء) لم يفرط فيه من شيء، فهدانا الله عزوجل بمحمد (صلى الله عليه وآله) من الضلالة والعمى، وأنقذنا به من الجهالة والردى، وأغنانا به وبما جاء به من الكتاب المبين، وما أكمله لنا من الدين، ودلنا عليه من ولاية الأئمة الطاهرين الهادين أغنانا عن الآراء والاجتهاد، ووفقنا به وبهم إلى سبيل الرشاد" . مستمعينا الأفاضل : إذن فمن عرف محمداً صلى الله عليه وآله إستغنى بمعرفته عن الحاجة لغيره صلى الله عليه وآله لمعرفة الله والتقرب إليه وصولاً الى الكمال والسعادة الحقيقية. ومعرفة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله لاتتحقق بغير معرفة أهل بيته الذين إذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ولذلك هدانا صلى الله عليه وآله إليهم وأوصانا بمودتهم وولايتهم لأن الطريق الى معرفته وإتباعه وبالتالي الى معرفة الله والتقرب منه عزوجل، من هنا نلاحظ العلامة النعماني يتابع كلامه في مقدمة كتاب الغيبة قائلاً بعد ذكر الرسول الأكرم: "صلى الله عليه وعلى أخيه أمير المؤمنين تاليه في الفضل، ومؤازره في اللأواء وسيف الله على أهل الكفر والجهل، ويده المبسوطة بالإحسان والعدل، والسالك نهجه في كل حال، والزائل مع الحق حيث مازال، والخازن علمه، والمستودع سره، الظاهر على مكنون أمره، وعلى الأئمة من آله الطاهرين، الأخيار الطيبين الأبرار. معادن الرحمة، ومحل النعمة، وبدور الظلام، ونور الأنام، وبحور العلم، وباب السلام الذي ندب الله عزوجل خلقه إلى دخوله، وحذرهم النكوب عن سبيله حيث قال : (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين)، أفضل صلواته وأشرفها، وأزكاها وأنماها، وأتمها وأعلاها وأسناها، وسلم تسليما كثيرا كما هو أهله وكما محمد وآله عليهم السلام أهله منه" . مستمعينا الأفاضل ويختم العلامة النعماني كلامه ببيان أهمية إتباع الإمامة في السير والسلوك الى الله عزوجل حيث قال رضوان الله عليه: "الإمامة هي التي جعلها الله برحمته دين الحق، ولسان الصدق، وزينا لمن دخل فيها، ونجاة وجمالا لمن كان من أهلها، وفاز بذمتها، وتمسك بعقدتها، ووفى لها بشروطها، من المواظبة على الصلوات، وإيتاء الزكوات، والمسابقة إلى الخيرات، واجتناب الفواحش والمنكرات، والتنزه عن سائر المحظورات، ومراقبة الله تقدس ذكره في الملأ والخلوات وتشغيل القلوب وإتعاب الأنفس والأبدان في حيازة القربات". تقبل الله منكم إخوتنا مستمعي إذاعة طهران حسن الإستماع لهذه الحلقة من برنامج (من فيض أهل المعرفة). دمتم في رعاية الله والسلام عليكم. الشيخ النعماني ودعوة لعبادة الأحرار - 2 2011-08-18 08:08:37 2011-08-18 08:08:37 http://arabic.irib.ir/programs/item/8041 http://arabic.irib.ir/programs/item/8041 بسم الله والحمد لله الذي هدانا لمعرفته وحبب لنا طاعته والصلاة والسلام على أعلام هدايته وحججه على بريته سادة الحامدين محمد وآله الطاهرين. السلام عليكم إخوة الإيمان، على بركة الله نلتقيكم في حلقة أُخرى من هذا البرنامج نستنيرُ فيها بأضاءةٍ معرفية قيمة لأحد علماء مدرسة الثقلين في القرن الهجري الرابع. أما الإضاءة المعرفية التي ننتقيها من فيض أهل المعارف الإلهية فهي تشتمل على هداية قيمة الى الباب الذي يفضي الى أن تكون عبادة الإنسان لربه من نوع عبادة الأحرار لا عبادة التجار ولا عبادة العبيد والأجراء. وعبادة الأحرار هي التي يرتقي بها الإنسان الى مصاف الملائكة المقربين ويكون فيها مع أولياء الله الصادقين. أما صاحب هذه الإضاءة المعرفية فهو العلامة الجليل والعارف النبيل والمحدث المتبحر في أحاديث أهل بيت النبوة عليهم السلام الورع التقي الشيخ محمد بن ابراهيم النعماني الملقب بأبن أبي زينب. وقد ولد رضوان الله عليه في عصر الغيبة المهدوية الصغرى أواخر القرن الهجري الثالث في بلدة (النعمان) العراقية. ومما إمتاز به العالم الولائي التقي كثرة رحلاته في طلب العلم الإلهي، وقد سافر الى مدينة شيراز الايرانية من أجل ذلك سنة 313 للهجرة، والى بغداد سنة 327 للهجرة ثم الى طبرية في الأردن ثم الى دمشق وحلب، وقد سعى خلال رحلاته العلمية هذه الى أخذ أحاديث أهل بيت النبوة عليهم السلام من رواتها الثقاة، فكان يسعى الى من يسمع بحفظه لها، واختص أكثر بالمحدث الجليل ثقة الإسلام الكليني وحضر مجالسه في بغداد وصار كاتباً له يدون ما يرويه من الأحاديث الشريفة. وقد برع الشيخ النعماني في علم الحديث رواية ودراية وفقهاً، فكان خبيراً بأسانيده عارفاً بصحيحه من الحعرف أو الموضوع، وحرص على نشر الأحاديث النبوية الصحيحة متحملاً صعاب الغربة في سبيله حتى توفاه الله غريباً في دمشق رضوان الله عليه. وقد أورث الشيخ النعماني أجيال المسلمين عدةً من المؤلفات القيمة منها كتاب الفرائض وكتاب جامع الأخبار وكتاب التفسير (نثر اللئالئ) وكتاب الغيبة الذي نختار منه الإضاءة التالية قال قدس سره في مقدمة كتاب الغيبة: "الحمد لله رب العالمين، الهادي من يشاء إلى صراط مستقيم المستحق الشكر من عباده بإخراجه إياهم من العدم إلى الوجود وتصويره إياهم في أحسن الصور، وإسباغه عليهم النعم ظاهرة وباطنة لايحصيها العدد على طول الأمد كما قال عزوجل: (وإن تعدوا نعمت الله لاتحصوها) والحمد لله بما دلهم عليه وأرشدهم إليه من العلم بربوبيته والإقرار بوحدانيته بالعقول الزكية والحكمة البالغة والصنعة المتقنة والفطرة الصحيحة والصبغة الحسنة، والآيات الباهرة والبراهين الظاهرة وشفع ذلك ببعثه إليهم الخيرة من خلقه رسلا مصطفين، مبشرين ومنذرين، دالين هادين، مذكرين ومحذرين ومبلغين مؤدين، بالعلم ناطقين، وبروح القدس مؤدين، وبالحجج غالبين، وبالآيات لأهل الباطل قاهرين، وبالمعجزات لعقول ذوي الألباب باهرين، أبانهم من خلقه بما أولاهم من كرامته، وأطلعهم على غيبه، ومكنهم فيه من قدرته، كما قال عزوجل: (عالم الغيب فلا يظهر عليى غيبه أحدا، إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا) وذلك ترفعا لأقدارهم، وتعظيما لشأنهم، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ولتكون حجة الله عليهم تامة غير ناقصة" . مستمعينا الأكارم، وكما تلاحظون في هذه الإضاءة المعرفية، فإن الشيخ النعماني ينبه هنا قلوب المؤمنين الى أهمية معرفة الله عزوجل بصفة المنعم الذي أحاط الإنسان بأنواع النعم وأي نعم هي؟!. لقد ذكر رضوان الله عليه منها أصل خلق الإنسان في أحسن صورة وأكمل تقويم، بمعنى أن الله عزوجل خلق الإنسان وجهزه بكل ما يحتاجه لبلوغ أعلى مراتب الكمال والسعادة في الدنيا والآخرة، كالعقل والقوة وسائر الجوارح. إضافة لذلك أتم الله عزوجل النعمة على الإنسان بارسال أفضل خلقه من الأنبياء والمرسلين وأوصيائهم لكي يهدوه الى سبل السلام ويأخذوا بيده لطي مراتب الكمال والرقي والسعادة والفلاح. ومما لاشك فيه أعزاءنا المستمعين أن معرفة الله عزوجل بصفة ذي الفضل والإحسان والإنعام يبعث في وجود الإنسان فطرة شكر النعم فيندفع الى عبادة الله جل جلاله شكراً له على عظيم نعمائه لا خوفاً من عقابه ولا طمعاً في جنته وهذه هي عبادة الأحرار التي تصفها الأحاديث الشريفة بأنها أفضل العبادة. رزقنا الله وإياكم ذلك ببركة موالاة محمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. وبهذا أيها الأعزاء نصل الى ختام حلقة أخرى من برنامج (من فيض أهل المعرفة)، قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران. تقبل الله أعمالكم وفي أمان الله. البصيرة في التقرب الى الله عزوجل - 1 2011-08-16 09:03:22 2011-08-16 09:03:22 http://arabic.irib.ir/programs/item/8040 http://arabic.irib.ir/programs/item/8040 بسم الله وله الحمد غاية آمال العارفين ومنتهى رغبة الصادقين والصلاة والسلام على أعلام صراطه المستقيم مصطفاه الأمين وآله الأئمة الهادين. السلام عليكم أحباءنا المستمعين، أهلاً بكم في أولى حلقات هذا البرنامج الذي نسعى فيه لتلمس معالم العرفان الإلهي النقي وطريق الوصول الى الله عزوجل والتخلق بأخلاقه وطي معارج الكمال والقرب منه جل جلاله ومرجعنا في ذلك وصايا وكلمات أعلام علماء مدرسة الثقلين القرآن والعترة مُنذ بداية عصر الغيبة والى عصرنا الحاضر، إذ أن هذه الوصايا والكلمات تمثل عصارة وخلاصة ما أستنبطوه من ينابيع الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة تابعونا على بركة الله. مستمعينا الأطائب، صاحب وصية هذه الحلقة هو علم مشائخ الإمامية في الغيبة الصغرى والمتوفى في نهايتها وبدء الغيبة الكبرى. إنه ثقة الإسلام وملاذ المؤمنين ابو جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي، المتوفى في بغداد سنة تسع وعشرين وثلاثمائة للهجرة المباركة حيث قبره الشريف فيها معروف مشهور الى اليوم يزوره المؤمنون متقربين الى الله عزوجل ويقصده أرباب الحاجات متوسلين به الى الله لقضاء حوائجهم. والكليني رضوان الله عليه هو من الذين أجمع علماء الفريقين من السنة والشيعة على توثيقه وتعظيمه، فهو عند الشيعة أجل من أن يوصف بغير الخير والصلاح والوثاقة أما علماء السنة فقد ذكروه باجلال كأبن الأثير في الكامل وأخيه في جامع الأصول وابن حجر في لسان الميزان وابن عساكر في تأريخ دمشق والزبيدي في تاج العروس والزركلي في الأعلام، وغيرهم كثير يصعب إحصاؤهم. وكان مجلسه يحظى بحضور اكابر علماء عصره الذين كانوا ينتهلون من معين علمه الصافي خالص التفقه في الدين لما عرفوه به من الزهد والعبادة والمعرفة والتأله والإخلاص رضوان الله عليه. مستمعينا الأفاضل، ما تقدم كان مختصراً عن مقام صاحب وصية هذا اللقاء، أما قصة الوصية فهي أن جماعة من المؤمنين طلبوا منه أن يكون عندهم (كتاب كاف يجمع من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلم ويرجع إليه المسترشد) على حدّ تعبير ما ذكره ثقة الإسلام الكليني في مقدمة كتابه الموسوعي القيم الكافي. وإستجابة لهذا الطلب قضى الشيخ الكليني عشرين عاماً من عمره الشريف في تأليف وجمع كتابه المذكور وجمع فيه ما يزيد على مجموع ما أورده مؤلفوا الكتب الستة المعتمدة عند أهل السنة إذ بلغ عدد الأحاديث الشريفة التي أوردها في الكافي (16199) حديثاً. وقد أورد رضوان الله عليه هذه الوصية في مقدمة كتابه القيم هذا منبهاً فيها الى المنطلق الأساسي للقرب من الله عزوجل. أيها الاخوة والأخوات نقرأ أولاً نص هذه الوصية القيمة طبق ما جاء على الصفحتين السادسة والسابعة من الجزء الأول من كتاب الكافي، قال رضوان الله عليه: "أحق ما اقتبسه العاقل، والتمسه المتدبر الفطن، وسعى له الموفق المصيب، العلُم بالدين، ومعرفة ما أستعبد الله به خلقه من توحيده، وشرائعه وأحكامه، وأمره ونهيه وزواجره وآدابه، إذ كانت الحجة ثابتة، والتكليف لازماً، والعمر يسيراً، والتسويف غير مقبول، والشرط من الله جل ذكره فيما إستعبد به خلقه أن يؤدوا جميع فرائضه بعلم ويقين وبصيرة، ليكون المؤدي لها محموداً عند ربه، مستوجباً لثوابه، وعظيم جزائه، لأن الذي يؤدي بغير علم وبصيرة، لايدري ما يؤدي، ولايدري إلى من يؤدي، وإذا كان جاهلاً لم يكن على ثقة مما أدى، و لامصدقاً، لأن المصدق لايكون مصدقاً حتى يكون عارفاً بما صدق به من غير شك ولا شبهة، لأن الشاك لا يكون له من الرغبة والرهبة والخضوع والتقرب مثل ما يكون من العالم المستيقن، وقد قال الله عزوجل: (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) فصارت الشهادة مقبولة لعلة العلم بالشهادة، ولولا العلم بالشهادة، لم تكن الشهادة مقبولة، والأمر في الشاك المؤدي بغير علم وبصيرة، إلى الله جل ذكره، إن شاء تطّول عليه فَقبِلَ عمله، وإن شاء رد عليه، لأن الشرط عليه من الله أن يؤدي المفروض بعلم وبصيرة ويقين، كيلا يكونوا ممن وصفه الله فقال تبارك وتعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين)، لأنه كان داخلاً فيه بغير علم ولا يقين، فلذلك صار خروجه بغير علم ولايقين " . وقد قال العالم عليه السلام: "من دخل في الإيمان بعلم ثبت فيه، ونفعه إيمانه، ومن دخل فيه بغير علم خرج منه كما دخل فيه. وقال عليه السلام: من أخذ دينه من كتاب الله وسنة نبيه صلوات الله عليه وآله زالت الجبال قبل أن يزول ومن أخذ دينه من أفواه الرجال ردته الرجال". أيها الأخوات والاخوة، وبعد أن قرأنا لكم نص وصية ثقة الإسلام الكليني رضوان الله عليه نلخص المستفاد منها ضمن النقاط التالية: أولاً: إن الحجة الإلهية ثابتةُ على الإنسان بلزوم أن يستثمر عمره في الدنيا فيما يقربه الى الله عزوجل. ثانياً: إن هذا التقرب يكون بالعمل المخلص بالشريعة الإلهية وهذا الذي يصطلح عليه بعبادة الله بمفهومها الواسع الشامل لجميع شؤون الإنسان. ثالثاً: إن هذا العمل يجب أن يكون على أساس اليقين بأن ما يعمل به الإنسان هو شريعة الله النقية وليس ما يراه الاخرون. والنتيجة المحورية هي أن الموحد الحقيقي هو الذي يأخذ معارف الدين الإلهي من ينابيعها النقية التي عرفنا الله بها عزوجل وإلا كان عمله على غير علمِ ويقين ولابصيرة فلا يزيده عن الله عزوجل إلا بعداً. وبهذه النتيجة المحورية والمهمة ينتهي احباءنا لقاؤنا الأول من برنامج (من فيض أهل المعرفة)، استمعتم له من طهران صوت الجمهورية الإسلامية في إيران. شكراً لكم ودمتم بكل خير.