اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | لقاء في الهواء الطلق http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb فن عمارة المآذن والقباب الاسلامي - 240 2009-05-13 00:00:00 2009-05-13 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4323 http://arabic.irib.ir/programs/item/4323 كان بلال بن الرباح يؤذن في المدينة المنورة من اعلى سطح مجاور المسجد، ثم كان اتخاذ المآذن اولاً في دمشق ثم كان استعمال الحجر او الطوب في بناء المآذن يتوقف على مادة البناء المستعملة في الاقليم، ففي الاندلس استخدم الحجر في بلاد العرب والشام وآسيا الصغرى وبلاد الجزيرة، واستعمل الطوب في العراق وغلب ايضاً في ايران وافغانستان، وفي الهند كان بناء المآذن من الحجر والطوب على السواء. والثابت ان المآذن الاولى كانت ابراجاً مربعة ثم انتقل هذا الطراز السوري في بناء المآذن الى سائر انحاء العالم الاسلامي ولا سيما بلاد الجزيرة ومصر والمغرب والاندلس، ثم اتيح له البقاء في غرب العالم الاسلامي وما يزال هذا الطراز سائداً فيه اضافة الى وجوده في الشام وفي بعض اجزاء بلاد المسلمين، واقدمها في المغرب مأذنة جامع سيدي عقبة في القيروان وهي برج مربع ضخم يضيق قليلاً كلما ارتفع وتعلوه شرفات وطابقان، اما في مصر فقد عرف الطرز المختلفة من المآذن حتى ليمكن اعتبار القاهرة معرضاً لمعظم انواع المآذن التي شهدتها العمارة الاسلامية واقدم ما في مصر من هذه الانواع مأذنة جامع ابن طولون وهي تقع في الرواق الخارجي ولا تكاد تتصل بسائر بناء الجامع وتتألف من قاعدة مربعة تقوم عليها طبقة اسطوانية عليها اخرى مثمنة ومراقبها من الخارج على شكل مدرج حلزوني وليس لهذه المآذن نظير الا في المسجد الجامع وفي مسجد ابي دلف في سامراء، ونشأت في مصر في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري منارات ذات رؤوس مزدوجة ومن امثلتها مأذنة الغوري في الجامع الازهر، امتازت هذه المأذنة بتلبيس القاشاني في دورتها الثانية، وكان لبعض المساجد الكبيرة في مصر مأذنتان كما في جامع الحاكم وجامع المؤيد. وكانت في ايران معظمها مثمنة الشكل ثم غلبت المآذن الاسطوانية منذ القرن الخامس الهجري وغدت تجمل بالزخارف الهندسيه وكانت المأذنة الايرانية دقيقة الاطراف قليلاً وتنتهي في اعلاها بدرهة تقوم على مقرنصات تكسبها شكل الكنار كما في عمارة مزار السيدة‌ فاطمة بنت الامام الكاظم (عليه السلام) في مدينة قم وتختلف المآذن الايرانية عن سائر المآذن الشامية والمصرية والمغربية في انها لا طبقات لها ولا نوافذ، اما الهند فقد ظلت المساجد تشيد فيها بغير مآذن مدة طويلة ثم شاع استعمال المآذن منذ القرن التاسع الهجري وسار الهنود على نهج الايرانيين في ترتيبها مزدوجة بحيث يكون للمسجد مآذنتان يحفان بمدخله وكانت المآذن الهندية في غالب الاحيان اسطوانية تضيق كلما ارتفعت وتزينها شرفات وتضليعات ومن اجمل المآذن الهندية القديمة قطب منار في مسجد قوة الاسلام بمدينة دلهي القديمة. والعقود هي مجالاً آخراً من مجالات فن العمارة الاسلامي التراثي، والعقود او اقواس المداخل انواع شتى، اشهرها ما كان على هيئة حدوة الفرس كما هو الحال في الاندلس وبلاد المغرب، ومنها كذلك العقد المخموس ويتألف من قوس دائري وهو يشبه عقد حدوة الفرس غير انه مدبب الرأس وكثر استعماله ايضاً في المغرب والاندلس، وعرف الفن الاسلامي العقد ذا الفصوص الذي يتكون من سلسلة عقود صغيرة ‌او اقواس متتالية وكان الاقبال عليه كبيراً في بلاد المغرب ايضاً، اما العقد المزين باطنه بالمقرنصات فقد ذاع في الاندلس ولا سيما في قصر الحمراء وفي بلاد المغرب، وكان الاقبال في ايران على عقد مدبب مرتفع منه امثلة بديعة في مسجد الشاه في اصفهان فما استعمل هذا العقد في بعض العمائر المصرية. ومن مظاهر العمارة الاسلامية المقرنصات او الدللايات وهي حليات معمارية تشبه خلايا النحل وترى في العمائر مدللات في طبقات مصفوفة بعضها فوق بعض وتستعمل للزخرفة المعمارية او للدرج من شكل الى آخر ولا سيما من السطح المربع الى سطح دائري تقوم عليه القباب. ويظهر ان بدأ استعمال المقرنصات في العمارة الاسلامية يعود الى القرن الخامس الهجري، ثم اقبل المسلمون على استخدامها كثيراً حتى صارت من اظهر مزايا العمارة الاسلامية في واجهات المساجد والمآذن وتحت القباب وفي تيجان الاعمدة وفي السقف الخشبية وبلغ استعمال المقرنصات اوسع مداه في قصر الحمراء بغرناطة. وكان الاصل في المقرنصات الطاقة المفردة في ركن كل حجرة مربعة يراد ان يبنى فوقها رقبة قبة مستديرة او مثمنة ثم تطورت المقرنصات بمضاعفة هذه الطاقات، وقد ظلت المقرنصات عنصراً رئيساً في العمائر الاسلامية حتى العصر الحديث. اما الاعمدة والتيجان في العمارة الاسلامية فقد عرف الفن الاسلامي في البداية الاعمدة التي كانت تنقل من المعابد والعمائر المخربة،‌ ثم اتخذ المسلمون اعمدة وتيجان من مبتكراتهم فعرفوا الاعمدة ذات البدن الاسطواني وذات البدن المضلع تضليعاً حلزونياً وذات البدن المثمن الشكل وعرفوا من تيجان الاعمدة نوعاً بصلي الشكل واخرى تتضمن صفاً من الوريقات النباتية الجميلة كما عرفوا تيجاناً من المقرنصات واخرى على هيئة الناقوس، وكانت تيجان الاعمدة يتصل بعضها ببعض عند بدء العقود بروابط خشبية متينة وكثيراً ما كانت الاعمدة تتمنطق بحزام او حزامين. وفي ايران استعملت اعمدة من الخشب المذهب ابدانها مضلعة ومزينة بمرايا مقطوعة على هيئة معينات، من ذلك ما نراه في قصر جهل ستون بأصفهان وكان المهندسون في بعض الاحيان يتجنبون استعمال الاعمدة فيقيمون السقف على اكتاف من البناء كما في جامع ابن طولون وكانت الاعمدة الرخامية تستخدم احياناً في سمك الجدران كأربطة لها، ومن امثلتها ما نراه في اسوار القاهرة وابوابها وما في جامع الصالح طلائع وجامع الظاهر بيبرس، وكانت ايران تعنى بأستعمال الاكتاف في العمارة اكثر من سائر اقاليم العالم الاسلامي. وانتشرت ظاهرة القباب في العالم الاسلامي، وكانت على انواع شتى ولعل ابدع القباب الاسلامية موجودة في مصر وسوريا ويرجع اقدمها الى العصر الفاطمي وفي العصر الايوبي زادت الزخارف الجصية في قواعد القباب وامتازت القباب المصرية بأرتفاعها وتناصف ابعادها وبما على سطحها الخارجي من زخارف جميلة يمكن رؤيتها من مسافة بعيدة، وعمد المهندسون في عصر المماليك البحرية الى زيارة ارتفاع القبة عن طريق رفع رقبة القبة التي تقوم عليها ، ومن انواع القباب القباب نصف الكروية المضلعة والبيضوية بل انهم عرفوا قبة كبيرة تنتهي في اعلاها بمنور فوقه مثمنة تحمل قبة ‌صغيرة مضلعة، تلك هي قبة الشيخ عبدالله المنوخي ذي الظرافة الشرقية في القاهرة وترجع الى القرن السابع او الثامن بعد الهجرة. وعرفت مصر القباب الخشبية ولعل اجملها قبة الامام الشافعي التي انشأت سنة ‌608 للهجرة وهي قبة خشبية مكسوة بالرصاص وتميزت بأبداع زخارفها وبالشرفات المسناة في خارجها. ولم يكن تجميل القباب يقف عند نقشها من الداخل وتغطية قطبها وجوانبها بالزخارف والكتابات الكوفية بل كانت تكسى رقبة القبة او تكسى كل القبة بالقاشاني كما كان سطحها يغطى في كثير من الاحيان بشبكة من الزخارف النباتية الانيقة، اما في بلاد المغرب فقد كانت القباب في معظمها نصف كروية تقريباً ولم تكن فيها زخارف خارجية الا في القليل النادر والواقع ان تشييد القباب في المغرب لم يشهد اقبالاً كبيراً وقد عرفت الجزائر نوعاً من القباب البيضوية الشكل وكان معظم القباب في ايران بيضوية او بصلية، تغطى بلوحات من القاشاني البراق وينسب الى سمرقند نوع من القباب ذو رقبة طويلة وله غطاءان فيبدو تكوير القبة من الداخل من عقد شباك الرقبة اما من الخارج قباب على مسافة كبيرة من عقب الشباك المذكور، وكانت قباب الطراز العثماني على شكل نصف كرة غير كامل كما كانت هناك في معظم الاحيان قبة رئيسية تحيط بها قباب صغيرة او انصاف قباب. ******* أزمة العقل الغربي - 239 2009-05-12 00:00:00 2009-05-12 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4322 http://arabic.irib.ir/programs/item/4322 في هذا اللقاء ندخل في بعض قضايا الانسان، الانسان يحتل في الرؤية الاسلامية موقعاً كريماً عالياً عذا به اغلى الكائنات واكرم الموجودات لا يكون حديثنا الان عن الانسان في الرؤية الاسلامية بل سننظر اليه كما تصوره المناهج الغربية وما جر هذا التصور على الانسان من ويلات ودمار، فما هي هذه الرؤية الغربية للانسان؟ ان اخطر مفاهيم الفكر الغربي هي النظرة الى الانسان بمفهوم مادي وهذه ازمة ما تزال قائمة، وما تزال تزداد تأزماً تحت تأثير الفلسفات المادية ومدرسة التحليل النفسي الفرويدي وعلم اجتماع الدوغايني، لقد طرح الفكر الغربي بعد ان تخلى تماماً عن الدين ايدولوجيات مختلفة ما تتزال تتصارع، ديمقراطية، ليبرالية، ماركسية، وجودية، نفعية، نازية، فرويدية، هيبية، وما يزال هذا الفكر يتلقى الموجات الواحدة بعد الاخرى وقد عجز الفلاسفة عن الوصول الى الضوء الكاشف لانهم تجاهلوا النفس الانسانية والوحي والتوحيد والايمان بالبعث والجزاء. لاريب ان ازمة الانسان الغربي المعاصر هي ازمة فكر وخلق ذلك ان مذاهب التحلل والاباحة قد استطاعت ان تنفخ في الدعوة ‌الى الحرية بغير ضوابط والى الاخلاق والقيم بغير ثبات، والى ازدراء الغيب والقيم المتصلة بالدين، وعمدت هذه المذاهب الاباحية المتحللة الى تغطية كل هذه المناطق الفارغة والناقصة من الفكر بمفاهيم بشرية مادية وصلت الى حد التضخم والصراع متصلة بحركات الوجوديين والهيبيين والتي عرفتها اوروبا في السنوات الاخيرة بصورة‌ عاصفة تصدر عن التمزق النفسي وعن القلق الاجتماعي، ولا ريب ايضاً ان مصدر ذلك كله هو اعلاء العلم المادي والعقل التجريبي وفقدان التوازن الانساني السوي بين العقل والقلب والروح والمادة والنفس والجسم، وانحراف البشرية عن الدين الالهي الحق وعن قيمه واخلاقه، وبناء نهج من الفكر البشري القاصر الذي ما يزال يضطرم بالاضطراب والفساد والتبدل والاضافة والحذف، دون ان يحقق شيئاً من الطمأنينة للمجتمع او السكينة للنفس. يمر الفكر الغربي الان بمرحلة الانحلال والفساد بعد ان قطع اكثر من اربعمئة عام، مر خلالها بمراحل التكوين والقوة والتمزق ثم الانحلال، وهو في هذه المرحلة الاخيرة له سمات اربعة هي التجزيئية والشك والاباحة والتشاؤم، ونستطيع ان نقول ان التجزيئية هي مصدر الاخطار كلها، ذلك ان ابرز سمات الفكر الغربي التي هي نفسها اكبر مكاتبه وابرز عوامل اضطرابه هي فصل القيم والعزل عن اقامة‌ الترابط بينها واعلاء واحدة من هذه القيم اعلاءاً شاملاً مما جعل هذا الفكر ورجاله عاجزين عن الانتقال الى التوسط او الجمع والتكامل بين القيم. اجل لقد مر الفكر الغربي بمرحلتين منفصلتين تماماً وعجز عن الجمع بينهما وهما مرحلة الثبات المطلق او الوجدان الاعلى او المرحلة المثالية ثم انتقل بعنف الى مرحلة التحول المطلق او المادية العالية او مرحلة التحلل الكامل، تحت اسم الحرية ونسبية الاخلاق والتصور، فكيف تم هذا التحول من المثالية الصارمة الى المادية المستعلية. نعم، مر الفكر الغربي بالمرحلتين تباعاً دون ان يفطن الى التكامل بينهم، ذهب الى اقصى اليمين ثم ذهب الى اقصى اليسار، وجد هذا الفكر الازمة الخانقة في المرحلة الاولى‌ عندما اعلا شأن الروح وبلغ اقصى درجات الرهبانية والزهادة والانصراف عن الحياة والعزوف عن التزوج والعمل والارتزاق واثر الاعتكاف في الاديرة، وكانت تلك هي ازمته الاولى، ثم لم يلبث الفكر الغربي ان انتقل الى النقيض فآثر المتعة والحسيات واعلا شأن الجنس والاباحة واللذة وبلغ كذلك اقصى مدى، وانكر انكاراً عنيفاً كلما يتعلق بالروح او الوجدان او ماوراء الكون وانكر الخالق تبارك وتعالى والرسالات والوحي والدين عامة، وتلك ازمته القائمة الان في اخطر مراحلها، هنا مصدر الخطر ومصدر الانحراف ذلك ان هذه الايدولوجية المادية الصرفة انما تقوم على انكار جذر عميق الاثر في النفس الانسانية وهو العقيدة والروح والعالم الداخلي وعالم الغيب كله، هذا العالم الذي اختفى تماماً في الكفر الغربي واتى بالشك والقلق والتمزق والتدمير النفسي فقد رفعت الايدولوجية التلمودية‌ المعاول لتهديمه وتدميره فكرياً بالفلسفات وعملياً بالاباحة فتحطم في الغرب الانسان، وما من شك ان العالم العقائدي الروحي المعنوي كامن في عمق الكينونة البشرية ولا سبيل الى الغاءه او انكارة، ومما شك ايضاً ان هذه الحملة المستمرة مصطنعة ومضادة لطبيعة الانسان والمعاكسة للفطرة سوف تنفجر يوماً ما لانها تحاول ان تقتل كائناً حياً نابضاً في كيان كل انسان هذا الكائن الذي لا يمكن ابداً الغاءه او تجاهله. الكفر الغربي حاول ان يطرح هذه القضية في افق الفكر الاسلامي لكن الفكر الاسلامي بطبيعته فكر انساني الطابع الهي المصدر قائم على الفطرة التي فطر الله الناس عليها لا تبديل لخلق الله، فهو متكامل يفيض بالرحمة والطمأنينة والسكينة والسماح والسلام ولا يقبل التبديلية ولا التشاؤم اذ انه يقوم على توازن القيم وانسجامها ولا يفترض ان كان قيام جزء منها دون جزء آخر، ومن نقطة التجزئة هذه سقط الفكر الغربي في ازمة مادية عن طريق اعلاء العلم وتقديس العقل ومن ثم انكاره لجوانب اخرى من الحياة والنفس غير المادة والعقل، وكان لهذا الانحراف اثره فقد عمت ظاهرة التشاؤم في وجدانه وفكره كله ووسمته بسمة الملل والتمزق والتمرد والصراع والخوف من الموت والرغبة في اعتصار الحياة وانكار الاخرة والجزاء وهكذا سادت ظاهرة التشاؤم ايدولوجية النظام الغربي بكل ابعادها ومظاهرها في الاداب والفنون والفلسفة والاخلاق والسيادة. المفكرون المتشائمون في الغرب صاروا يشنون هجمات هستيرية على كل فكر يؤمن بالتصور الانساني، من هذا كانت الوجودية والهيبية آخر صيحات الفلسفة التشائمية ويرد كثير من الباحثين هذه الظاهرة من التشاؤم الى القول بالخطيئة التي تطارد كل انسان في الغرب واذا كان لنا ان نتعمق في هذه الظاهرة وان نبحث عن خلفياتها فأننا نجدها ترجع الى الايدولوجية التلمودية التي استطاعت في هذا الوقت من تاريخ العالم ان تحتوي الفكر الغربي بشطريه وان تسيطر عليه وتوجهه الى غاياتها، والايدولوجية التلمودية هي فكر وفلسفة ونهج حياة معارض تمام المعارضة للفكر الاسلامي ذي المصدر الالهي الذي جاءت به رسالات السماء. ******* بين العلم والعقل والوحي -3 - 238 2009-05-07 00:00:00 2009-05-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4321 http://arabic.irib.ir/programs/item/4321 قضية من قضايا الفكر المعاصر نحاول ان نلقي عليها نظرة في هذه الدقائق، انها قضية اثيرت في الكفر الاوربي والحياة الاوروبية بين العلم والدين، فما هي حقيقة هذه العلاقة وما هي جذور الموقف؟ منذ البداية لابد من الاشارة الى ان موقف الخلاف بين العلم والدين هي قضية غربية خاصة بالاوربيين وبموقفهم من الكنيسة وتفسيرات الدين، ثم نقلت هذه القضية الى افق الفكر الاسلامي نقلاً باطلاً وزائفاً بغير منهج حق ولا موضوعية صادقة، وموقف الاسلام من العلم شاخص معروف فليس في تاريخ الاسلام او الفكر الاسلامي ما يشير الى انه هناك مناهضة او مناقضة بين العلم والدين، ان علماء الغرب قد وجدوا في كتبهم المقدسة ما يتعارض مع كشوف العلم فأختلفوا اما القرآن الكريم وهو كتاب المسلمين المقدس فليس فيه ما يخالف او يتعارض مع اي رأي من اراء العلم بل ان كثيراً من المفاهيم العلمية الثابتة يوجد لها مدلول في القرآن الكريم. ان الدين بمفهوم العقائد له مجاله واسلوبه في المعرفة، والعلم بمفهوم الكشف عن الطبيعة له مجاله واسلوبه، والاسلام يجمعهما معاً في كل متكامل دون تعارض حيث يقرر في منهج المعرفة انه يربط بين اسلوب العقل واسلوب القلب، والاسلام هو الذي دعا الى حرية البحث والصراحة والتفكير والتسامح الذهني وفي احضانه تكامل معنى الدين والعلم، والاسلام كما يقرر المثل الاعلى لقواعد الايمان يقرر المثل الاعلى لقواعد العلم، ويربط بين العلم والعمل ويقرر طلب البرهان والدليل ولا يقرر المفاهيم والافكار بمعزل عن العمل والتطبيق وانما يرى المفاهيم والافكار مقدمات دافعة لبناء حياة كاملة. اجل ان العلم اليوم قد اصبح يسلم لوجود ما ليس قائماً امام الحس فقد ذهب عصر البديهيات وتغير واقع القواعد العلمية واصبح عصرنا عصر يقين واعتقاد بالقوة الخفية، ومن المنتظر ان يخطو العلم خطوات واسعة‌ نحو دين الحق، ان الاساس الذي قامت عليه المذاهب العلمية في القرن التاسع عشر قد انهار، والعلماء الان اذا تكلموا عن الكون وعن الانسانية وعن الحياة يتفوهون بعبارات صوفية ان العلم ليس كل شيء من الوجود وان الدين وسيلة للسمو بالانسانية الى مرتبة ارفع. واتسع نطاق التحقيق العلمي اليوم واخذ العلماء يعترفون بأن الحقيقة كامنة وراء المظاهر وان الكون ليس حقيقة في ذاته بل هو المظهر الوحيد للتعبير عن الحقيقة. وفي الغرب يرى الباحثون ان النزاع السابق كما يقرر اميل بوترو لم يكن بين العلم والدين وانما بين الفلسفة والدين، ويقول بريجستون ان فصل الدين عن العلم هو فناء محتوم للاثنين معاً، ان الانسان لا يستطيع بعد الان الارتفاع فوق الارض ما لم يستند الى خالق جبار، ان الجوهر الاساس هو تحرير الانسان من كابوس المادة، وهذا التحرر من المادة يحتاج الى دين، وفي هذا السياق يقول بوترو ان المفكرين الغربيين يرون اليوم ان العلم والدين هما اساس الحياة الانسانية ويقررون عجز العلم عن حل المشاكل وان العلم مهما تقدم فهو محدود وبذلك لابد من الرجوع الى ما يسد الفراغ باللجوء الى الدين. من اهم القضايا التي يثيرها العلم والفلسفة قضية العقل وفي الفكر الغربي صراع بين التجريب والعقل وبين العقليين والتجربيين، وفي العالم فلسفات تقوم على الوجدان والحدس والعاطفة وحدها في مقابل الدعوة الى العقلانية بيد ان الاسلام يحسم الموقف كله حين يقرر ان له منهجاً جامعاً بين العقل والقلب وبين الروح والمادة وانه لا سبيل الى اعلاء العقل وافراده ولا الى اعلاء الوجدان وحده، لقد اعتمد منهج العقلانية على‌ العلم وعلى المحسوس وعلى الماديات وعلى كل ما يدخل في انابيب الاختبار، واغضى اغضاءاً تاماً عن عالم الغيب وماوراء الطبيعة وكل ما يتصل به من وحي ونبوة وعوامل كاملة تكمل العلم المحسوس والمعقول، وبذلك تجاهل الفكر الغربي جانباً كبيراً من المعرفة الحقيقية لا سبيل الى فهم الحياة فهماً صحيحاً بدون الاعتراف بها وتقديرها كبعد اساسي في المعرفة والاعتقاد والفهم. الفكر الاسلامي يقوم على كمال النظرة وشمولها فالفكر عنده اداة من ادوات المعرفة لها مجالها وميدانها وطريقها الذي استطاعت ان تنطلق فيه وفي حدود هذه المقدرة استطاع ان يقدم الكثير، غير ان هناك ميادين عجز عن اقتحامها وهناك مناطق اكتشف ان قدرته لا تؤهله لاختراقها وهناك قضايا وجد انه قاصر عن الحكم فيها، هذا الجانب هو عالم الغيب الذي صوره الخالق سبحانه وتعالى في القرآن الكريم وامدنا بحقيقته عن طريق الوحي وامرنا ان نؤمن به، هذا الجانب يقبله العقل لكنه لا يقوى ان يبت فيه بحكم قاطع، لان اداة العقل غير مؤهلة لهذا الغرض اذ العقل ليس مستقلاً للاحاطة بجميع القضايا ولا كاشفاً للغطاء في جميع المعضلات ومن هنا يبدو خطر الدعوة الى تقديس العقل وتأليه العقل واعلاء العقل واعتباره سبيلاً وحيداً في البحث او مصدراً للحكم على الاشياء وهذه واحدة من الدعاوى العريضة التي يحمل لواءها الماديون ويهدفون بها الى هدم عالم كامل هو عالم الغيب او ماوراء الطبيعة. والواقع ان العقل وحده لم يستطع ان يصل بالذي اعتمدوا عليه وحده الى معرفة كل الحقيقة وادى الى انحرافهم وزيفهم لانه اي العقل جزء من حقيقة كاملة لا تتم الا بأمور اخرى، وكذلك اخطأ الذين نحوا العقل نهائياً ومالوا الى الحدس او الوجدان وحده ومن هنا جاء اكتمال الرؤية الاسلامية للمعرفة ‌جامعاً بين العقل والقلب بين عالم الغيب وعالم الشهادة. لا شك ان العقل مجاله في ميدان العلوم والتجريب وافاق الكيمياء والتكنولوجيا وغيرها وكان له دوره الضخم الذي استطاع به المسلمون بناء المنهج التجريبي حين تخطوا المرحلة النظرية التي وقفت عندها دراسات ما قبل الاسلام، وقد كانت نظرية المعرفة الاسلامية الجامعة بين العقل والقلب مصدر النصر الذي حققه المسلمون حين وصلوا الى قاعدة لم يسبقهم اليها سابق، هي قاعدة جرب واحكم في مجال الطب والفلك والهندسة والكيمياء، من هنا سار العقل والقلب في الفكر الاسلامي في اطار واحد دون ان يقع بينهما الصدام الذي عرفه الفكر الغربي ودون ان تتمزق الجبهة الواحدة المتكاملة الى محورين منفصلين متصارعين على النحو الذي نراه في الفكر الغربي بين العلم والدين. ******* بين العلم والعقل والوحي -2 - 237 2009-05-04 00:00:00 2009-05-04 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4320 http://arabic.irib.ir/programs/item/4320 لا شك ان الغرب قد قدم في مجال العلوم والابحاث معطيات كثيرة وانجازات ضخمة مكنت البشرية من التقدم نحو التحضر والتمدن وحررتها من كثير من معوقات البداوة والجهل ولا شك ان هذه كلها معطيات مادية صرفة لم تقدم للروح ولا للنفس شيئاً من القوة ومن هنا يتضح الموقف من الحضارة الغربية وهو موقف مزدوج يتم فيه قبول ما يتصل بالماديات والالات والتكنولوجيا بأعتبار التقدم العلمي موضوعاً بشرياً مشاعاً بخلاف ما يتصل بالنظرية الخاصة بالنفس والاجتماع والاخلاق والتربية والقانون والفن فأن للمسلمين منها موقف الحذر الشديد، وهذا الحذر انما ينطلق من ان للمسلمين منهج حياة الهي محكم، ابرز مزاياه معالجة النفوس والمجتمعات معالجة واقعية ترتفع بها في الوقت نفسه في مدارج الانسانية درجات. لقد مر بالمسلمين زمن كانوا ينبهرون فيه امام حضارة اوروبا المادية وامام تلك المعطيات البراقة الزاهية التي تمثلت في فخامة المباني وسرعة الانتقال والاتصال والاضاءة والترف والملاعب والازياء وغيرها من الجوانب المادية فظنوا انها هي علامات التقدم والرقي، ثم انكشف لهم بعد قليل ان الغرب لا يقدم الا جوانب الاستهلاك والترف وانه يخفي عنهم جوانب العلم واسرار التكنولوجيا وهو الذي يحتاجونه، ولقد كان المسلمون فيما مضى قد وضعوا اصول المنهج التجريبي الاسلامي وجعلوه انسانياً عاماً قدموه للبشرية كلها ولم يقصروه على انفسهم ولم يجعلوه من الاسرار الخفية. اجل كان المسلمون يؤمنون بالانسانية كلها ويندمجون في الاجناس والامم ولا ينفصلون عنها ويجعلون العلم خالصاً لله تعالى ومشاعاً للناس جميعاً، اما الغرب فأنه عندما علا على موجة القوة اقام وصاية على العلم والحضارة وجعلهما كما جعل القانون والحرية وكل شيء خاصاً بالجنس الابيض وحدة، وجعل الناس كلهم عبيداً لا يستحقون العدالة ولا الحرية ولا العلم، فأذا قدم له شيئاً فأنما يقدم لهم حصاد الهشيم لمذاهب الشك والتشاؤم والهوى والتحلل والاباحة ويقدم لهم الجوانب المادية التي تدمر داخلهم وتذهب بقدراتهم وتقضي على ثرواتهم فضلاً عن اقتصاده لمصادر هذه الثروات اصلاً من نفط وذهب ومتغنيز وكوبالت وغيرها. اجل، ان الغرب واصل منهجه الذي اقتفا فيه اثر العبودية اليونانية الرومانية وحمل لواء الاستعباد للشعوب واصطنع اساليب سفك الدماء والاذلال مما هو معارض تماماً للعقيدة المسيحية التي امن بها والتي جاءته من الشرق، ان الغرب سرعان ما انكر معطيات حضارة الاسلام وتجاوز عن طابع الرحمة الذي جاءته به المسيحية فعاد الى الوثنية والعبودية الرومانية واقام حياته على الترف والتحلل والاباحية وانشأ حضارة الربا وعبد الذهب والمصارف واقام المسارح في مقام الكنائس ودور العبادة وبذلك خرج الغرب عن مضمون الدين والخلق جميعاً، وكان لليهودية التلمودية آثارها البعيدة في هذا التحول بالحضارة الى الترف وبالفكر الى المادية وبذلك سقط في ازمة التمزق والقلق والانهيار النفسي والروحي الذي لا سبيل الى التخلص منه. نعم، شاء الغرب ان يقيم لنفسه منهج حياة وحين عارض طابع الدين كما وصل اليه وجد الطريق مسدوداً امامه ويذلك سقط صريع خصومة الدين كله وعجزت الفلسفة بمذاهبها المختلفة وايدولوجيتها المتعددة من مادية ووجوديه وليبرالية وماركسية ان تعيد اليه الطمأنينة الروحية والسكينة القلبية، وقد حاول بعض المفكرين عندما اضطرب حضارة اوروبا ان يتجهوا الى عنصر الروحية يطعمون به الحضارة المادية من هنا دعا بعض فلاسفتهم من امثال هارمن كارمنج وجيبون وجان كان وموريس مادرلنح الى تحرير الحضارة والفكر الغربيين من المادة الصارخة ولكنهم ضلوا الطريق وتخطوا الاسلام وهو امامهم الى دراسة اداب الهند والبحث في البرهمة والبوذية وعندئذ سقطوا في خطر جديد هو اشد خطراً من المادية الخالصة، ان الاتيوصوفية الشرقية الهندية لا تقدر ان تمد الحضارة الغربية المادية والفكر الاوربي المنقسم على نفسه بين الليبرالية والماركسية ان تمد بزيت يضيء النفس الانسانية او يحل ازمة الانسان الغربي او الفكر الغربي ذلك ان مثل هذه الفلسفات الشرقية قد نبض عطاءها ولم تعد قادرة على ان تمد احداً بشيء. اما البوذية والبرهمية فأنهما يلتقيان مع الوثنية اليونانية القديمة في اصول كثيرة ولها مع الفكر الغربي الثاني تشابه وصلات منذ كانت الاطلوطونية الحديثة، اما الاسلام فأنه يمتاز بالذاتية الخاصة والطابع المتفرد القائم على التوحيد الخالص الذي ينكر كل زيوف التعدد والوثنية والشرك والاباحية والالحاد. مازال التاريخ يقدم كل يوم تجارب وصوراً ووقائع لمن ما يزالون مبهورين بالفكر الغربي، قدم التاريخ صور الواقع الغربي الاليم الذي يكشف عن تخلخل هذا الفكر وفساد حضارته وفساد مجتمعه واضطرابه ذلك ان الفكر الغربي ابتعد منذ اليوم الاول عن الانصاف والحق في النظر الى الغير وقد استعلى بالعرق والجنس الابيض واعتبر الغرب مصدراً اولياً للبشرية والعالم كله انما هو متلقي واخذ، والتاريخ في الرؤية الغربية يبدأ من الغرب وينتهي في الغرب وليس للعالم كله حساب كأنه لم تقم دول في العالم والحضارة كلها حضارة الغرب بدأها اليونان والروم ثم عادت بعد الف سنة الى اوروبا وحدها اما ما بين ذلك من غير امر البشرية فلا حساب له ولا ذكر. اجل ان كل وقائع التاريخ تثبت بطلان هذه الدعوى وزيفها فلن يزل الغرب يصطرع بين الطبقات والدعوات وبين الفردية والجماعية وبين الفوضوية والوجودية ولقد كان يعيش في نظام اقطاعي ثم في نطاق الارقاء ثم تحول الى محاكم التفتيش وهو الذي اصر على ان لا يبقي في اوروبا مسلم واحد، وهو الذي شن الحروب الصليبية على الشرق وحروب الافرنج على الاندلس وما يسمى بحروب الفتح على افريقيا وحروباً على الجزائر والمغرب، وطلق العالم الاسلامي كله في سبيل السيطرة عليه، والغرب بعد ذلك هو الذي عايش صراعات القوميات بعد صراع المذاهب الدينية ثم لم يلبث ان واجه صراع الايدولوجيات بعد صراع القوميات، وهو الذي وقع تحت سيطرة الالات واخطار الحرب العالمية والذرة بعد ان عجزت الايدولوجيات ان تقيم له مجتمعاً ناجحاً وعجز العلم ان يقدم له الرحمة والانسانية والحب. ******* بين العلم والعقل والوحي -1 - 236 2009-05-02 00:00:00 2009-05-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4319 http://arabic.irib.ir/programs/item/4319 كان الاختلاف الذي يصل الى حد التناقض بين الدين والعلم قضية غربية صرفة ومشكلة من مشاكل الفكر الاوروبي خاصة به اوجدتها ظروف تاريخية معينة، والخطأ الفادح الذي وقع فيه البعض هو نقل القضية الى محيط العالم الاسلامي الذي يختلف في واقعه وجذوره التاريخية عن البيئات الغربية كل الاختلاف، لقد اقام المسلمون تجاربهم العقلية والعلمية تحت راية التوحيد وفي ظلال مفهوم الاسلام الجامع بين العقل والقلب والروح والمادة، من هنا كان منطق المسلمين في الترابط بين العلم والدين واضحاً لاخفاء فيه، الاصل في العلم هو العقل ورائده التجربة الحسية ومن ثم فالعلم يمتد الى مجال واسع ويحقق نتائج كبيرة لكنه يقصر عن سائر حقائق العلوم وخاصة عالم الغيب، والعلم في الرؤية الاسلامية يرفض ان يعادي الناس ما يجهلون من الحقائق وليس العلم الصحيح ان يتكر الدين فيحكم عندئذ على شيء ليس من اختصاصه وهو داخل في دائرة نظريته التجريبية والحسية وما كان للعلم التجريبي ان يخرج عن وظيفته وهي الاستطلاع والبحث والملاحظة للظواهر الطبيعية وليس له ان يواجه بالنفي او الاثبات ما يجهله من الحقائق الكامنة وراء الظواهر. وكل ما يقرره علماء المختبرات يؤكد عجز العلم ومن ثم العقل ان يكون قادراً على الاحاطة الكاملة او الفهم المستقل للكون والحياة. لقد قرر العلماء في رأي شبه موحد ان العلم يعجز ان يفسر ظواهر الاشياء ويعللها لكنه يصفها ويقررها، معنى هذا ان مهمة العلم قاصرة على وصف الظواهر وتقريرها لا تعليلها وتفسيرها، في اول النهضة الاوروبية كانوا يهتمون بمعرفة لماذا ولكنهم اخذوا يتخلون عنها بعد ان تبين لهم عبث هذه المحاولات وعقم نتائجها فرجعوا بتواضع الى الاقرار بالحقيقة ذلك ان العلم عندهم لا يفسر شيئاً وانما يربط وينسق ويلاحقه ملاحظة منهجية ثم يصف ويقرر، ويعترف العلماء الان ان المعرفة العلمية تقتصر على ظواهر الطبيعة وسلوك البشر وعلاقاته الذي يمكن بأستخدام المشاهدة والتجربة اكتشاف قوانينها وهم يعترفون ايضاً بأن العقل البشري لا يقدر ان يدرك شيئاً الا عن طريق الحواس ولذلك فأن كلما يقع وراء دائرة الحس والعقل لا يستطيع العلم ان يبحث فيه او يعرف عنه شيئاً. وقد آمن العلماء الطبيعيون ايضاً ان حقائق العلم التجريبي ليست مطلقة ولا ابدية وانما هي حقائق نسبية وما يزال العلماء يتسائلون هل يستطيع العلم ان يدرك الحقيقة؟ ومعنى هذا ان العلم على رغم تقدمه من ان يقوى على حل المشاكل الكبرى المتمثلة بالتعرف على اصل الكون ونهايته وطبيعته المادية ومنشأ الحياة وخلود الروح. ان العقل جهاز له مقدرته المحدودة وطاقته التي تقف على اعتاب عالم الغيب، هكذا يقرر العلماء التجريبيون فلماذا اذن يسرف الفلاسفة في حمل لواء المادية والوثنية؟ ولماذا لا يقرون بالحقيقة الدينية ويصرون على‌ ان العقل هو الواسطة الوحيدة للمعرفة الانسانية؟ الواقع ان هؤلاء الذين يحملون هذه الدعوة ليسوا بعلماء وان ما يقولونه ليس علماً وانما هو موقف فلسفي مبيت من قبل لا يريد ان يؤمن بالله سبحانه وتعالى والنبوة والرسالة الالهية والعالم الاخر وهو موقف غير علمي وغير موضوعي كما ترى! في الغرب اشار عمانوئيل كامس في كتابه نقد العقل المحض الى انه لا يوجد لدى الانسان من حيث الاساس قوة قادرة تدفعه عن دائرة ما يلفظه عقله الضعيف من التفكير، وان الشعوب التي ناقضت الاديان المنزلة كانت لا تخرج في تفكيرها عن التخيلات التي تتبعها عقول المفكرين فيها من العقائد الباطلة والالحاد والانحطاط الخلقي، وقد وجه الفيلسوف الغربي برسون مذهب داروين وسربنسل وقال ان العقل يستحيل عليه ان يبلغ الحق وان العقل ليس اداة صالحة لادراك حقيقة الكون وان نهاية مجهوده ان يقف عند ظواهر الاشياء وهو يجزأ الوجود ليتمكن من دراسته جزءاً جزءاً مع ان الوجود في حقيقته وحدة متكاملة، وان الوسيلة التي تدرك بها الشاة ما يتهددها من خطر الذئب هي اقرب كثيراً الى اليقين من كل ما عجز ان يصل اليه العقل بعد الدراسة والتحليل. وفي هذا السياق ايضاً قال الفيلسوف البريطاني بريت راندراسل ان التعارض بين احكام العقل واحكام الغريزة وهم من الاوهام ليس له وجود حقيقي وان كليهما ضروري لوصول الانسان الى الحقائق فالبصيرة تخلق الرأي والعقل يرعاه. وعندما بدأ التمرد على‌ العقل في الغرب تحول الاتجاه الى الغريزة وعبادة القوة، فثار على العقل فاخت وكارليل وينتشه وشمبرلن وبرحستون وكانت دعوتهم متوجهة الى طلب القوة والقسوة لا الرحمة، وهكذا تأرجح الفكر الغربي بين عقل صارم وبين غريزة مستعرية في حين، وجرت الرؤية الاسلامية بواقعيتها الاصيلة بين قوى‌ الانسان فلا يجنح الى التطرف الى هذه الناحية ولا الى تلك، وانما يسير في نطاق التكامل والوسطية والفهم لكل الابعاد. ويذهب جمع من العلماء الى ان العلم في تغير مستمر وقد سقطت نظرية ثبوت العلم او كمال العلم وكل ما جمع العلم من حقائق انما هي وسيلة الى ان تثبت حقائق اخرى، فالتغير لا الثبوت هو الطابع الذي يتميز به العلم وهذا يعني ان العلم القلق المتغير هل يمكن ان يكون قاعدة ثابتة لفهم الحياة او منهجاً وحيداً لفهمها؟ هذه هي القضية الكبرى التي تواجه العلماء الان فقد عجز العلم عن تقديم اجابة شافية مثلاً عن السؤال، لماذا نوجد على ظهر الارض؟ واذ عجز العلم عن مثل هذه المشاكل نحتم اللجوء الى قوة في المعرفة اخرى اكبر واوسع واعمق قوة قادرة على ذلك وهي الوحي الالهي الحق والدين والحق، ان ما يحجب الحقائق عن البشرية الان ويردها الى الالحاد والشك ليس هو العلم ولكن الفلسفة المادية، وخطوات العلم القائمة الان كلها تتجه الى تزييف الدعاوى الباطلة التي ظلت المادية تروجها عشرات السنين، وتتجه ايضاً الى الاعتراف بالطريق الصحيح ووضع العلم في حجمه الطبيعي بالنسبة الى الوحي ودين الله تعالى، ان الاصل في الدين هو الوحي ورائدة التفكير من نور العقل ولا يتناقض في الاسلام العلم والدين وان كانا متغايرين فأسلوب العلم في بحثه تجريبي اما الوحي فأنه حقائق ثابتة راسخة في عمق الوجود حياكم الله. ******* مصادر الفكر الغربي - 235 2009-04-28 00:00:00 2009-04-28 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4318 http://arabic.irib.ir/programs/item/4318 اجمع الباحثون في تاريخ الفكر البشري وفلسفته على ان الفكر الغربي يقوم على ثلاثة مصادر هي الادب اليوناني والفكر الروماني والتفسيرات المسيحية كما عرفها الغرب، وحين جاءت النهضة الاوروبية في القرن الخامس عشر الميلادي كانت قد حدثت مرحله انقطاع بين سقوط الدولة الرومانية سنة 450 ميلادي وبين النهضة لا تقل عن الف عام، كان قد جاء خلالها الاسلام الذي اشرق ضوءه على آسيا وآفريقيا وامتد الى اوروبا حين دخل الاندلس عام 712 ميلادي، وانطلق منها الى جنوب فرنسا وايطاليا واستمر وجوده بها حتى اجلي عن غرناطة سنة 1492 للميلاد، وقد وجدت النهضة الغربية بعد نزول الدين المسيحي بخمسة عشر قرناً وبعد نزول الاسلام ببضعة قرون وكانت معطيات الاسلام فكره وعلمه ومفاهيمه قد دخلت اوروبا مع دخول الاسلام وقيام جامعات قرطبة واشبيلية وطليطلة وغرناطة. مما لا ريب فيه ان الفكر الغربي اعتمد على التراث اليوناني في مجال الادب والفن وعلى الفكر الاسلامي في مجال العلم والعلوم الاجتماعية وعلى المسيحية في مجال الاخلاق والسلوك ثم كانت هناك ظاهرتان هامتان احدثتا تغيراً شاملاً في الاتجاه، هاتان الظاهرتان هما الاستعمار والحضارة وهما من منتجات العلوم التي مكنت اوروبا من انشاء العلوم الميكانيكية والبحث عن الخامات واسواق الانتاج، ومع الاستعمار انتج العلم وسائل الرفاهية والترف المادي في اساليب العيش وصحب ذلك كله فلسفة جديدة تقوم على‌ الاستعلاء بالعنصر الابيض الاوروبي صانع الحضارة وسيد الاجناس الملونة وصاحب الحق في السيطرة عليها، من هنا بدأ ذلك المنحى الخطر في الفكر الغربي الذي اعتمد اعتماداً كلياً على مفاهيم الحضارة الرومانية في الاستعمار ومفاهيم الفلسفة اليونانية في اسلوب العيش فجمع بين نظرية العبودية الرومانية في سيطرته على البلدان ونظرية الاباحية في اسلوب العيش. وكانت منتجات العلم الاولى التي صدرت عن المنهج التجريبي الاسلامي قد اسيء استخدامها في الغرب فكانت اكبر عامل في تقويض نظرية التدين الغربي ذلك ان العلم والعقل قد استعلى كل منهما حتى لم يفسح مجالاً لاي قوة اخرى موجة. وكانت اليهودية التلمودية وراء ذلك التحول الخطير وتلك الحملة الضخمة على الدين وعلى الكنيسة، من هنا احتضنت اراء داروين وينتشة وشكلت فلسفة جديدة مادية خالصة ظلت تنمو وتضطرد حتى سيطرت تماماً على الفكر الغربي الان واحتوته بعدد من النظريات الاساسية، ترى ما هي هذه النظريات؟ هذه النظريات التي هيمنت على الفكر في الغرب وطبعته بطابعها تتمثل: اولاً: في نظرية ماركس في تفسير التاريخ مادياً التي وجدت قبولاً حتى في غير البيئات الشيوعية، والتي تكاد تصبغ كل وجهات النظر في الفن والادب والفكر ولا تقف عند الاقتصاد وحده. النظرية الثانية: هي نظرية فرويد في التفسير الجنسي في التاريخ والحياة وتعد الان من دعامات الفكر الغربي بحيث سيطرت على القصة والفن والنفس والاخلاق. اما ثالثة النظريات: التي سيطرت على الفكر الغربي فهي نظريات المدرسة الاجتماعية الفرنسية دوركاين وليغي بربل والتي ادت الى تحطم فطرية الدين والاسرة والفردية واعلت شأن الجماعية على نحو مادي خالص ينكر وجود الدين والوحي وضحت بالاسرة في سبيل القضاء على‌ الجماعة كلها، وقد استطاع الفكر التلمودي الوثني الاباحي المادي ان يستقطب عدداً كبيراً من الباحثين والفلاسفة من غير اليهود ببناء قاعدته الفكرية، كان في مقدمتهم اسبينسر وهيكلي ورنانس ووليتر وراسل وقد استطاع هذا الفكر ان يشق طريقه الى الحد الذي ادى الى استيعابه الفكر الغربي كله واحتواءه. الواقع ان الخلاف بين المذهب الفردي الليبرالي والمذهب الجماعي الماركسي انما هو اختلاف اقتصادي، ذلك ان المذهب الفردي رأسمالي له نظمه الطليقة في مجال الاقتصاد اما المذهب الجماعي فهو ماركسي له نظريته القائمة على تملك الدولة كل وسائل الانتاج، بيد ان المتعمق في النظرية يرى ان المذهبين قائمان على اساس واحد هو الاساس المادي الصرف وان الماركسية ليست الا رد فعل الى الرأسمالية ومنشقة عنها، فهي فكر غربي ايضاً جاء نتيجة بعض التحديات والظروف الخاصة بالعلاقة بين اصحاب رأس المال والعاملين وقد اوشكت نظرية التفسير المادي للتاريخ ان تكون اساساً للرأسمالية والماركسية على‌ السواء، وان كان الغرب لا يعتمدها وحدها بل يضيف اليها تفسيراً نفسياً ويعد فرويد مفكراً‌ ليبرالياً خالصاً اتخذت نظريته اساساً لدعم المجتمع الغربي الليبرالي، كذلك اعتمد الغرب على نظرية داروين في القول بتنازع البقاء وبقاء الاصلح واتخذها لتبرير استعمار الشعوب، ومن داروين خرجت على ايدي هربرت سبينسل نظريات التطور الاجتماعي المطلق التي هي اساس في المذهبين معاً. ومن الفكر الغربي ايضاً ظهرت نظرية العنصرية ثم تجلت في الدعوة الجرمانية التي حملتها المانيا وكانت مقدمة الدعوة الى فكرة شعب الله المختار والعنصرية اليهودية ومن ثم بدأ الصدام بين العنصرية اليهودية والعنصرية الجرمانية، ومن الفكر الغربي كذلك نشأت فكرة القوميات الضيقة التي مزقت اوروبا على اثر الثورة الفرنسية الى قوميات تستعلي بالعنصر وتصارع العنصريات الاخرى، وتولدت من هذا الفكر المادي الاستعلائي الدعوة العالمية التي تعتمد على سيطرة اصحاب التقدم المادي والفكر الغالب على الامم المستعمرة والمستضعفة وصهرها في داخل فكرها والقضاء على مقوماتها الاصيلة. اما غلبة الطابع المادي على الفكر الغربي فأنها واضحة منذ دعا بنتام الى مذهب المنفعة الذي كانت له امتداداته في ميادين السياسة والاقتصاد والاخلاق وارتفعت في الغرب صيحات ثلاث اللقمة التي نادى بها ماركس والجنس الذي دعا اليه فرويد والعنصر الذي تحمس له جوبنيو، وحاولت هذه الصيحات السيطرة‌ على الحياة سيطرة تامة، ونقل هذا التحول كله الفكر الغربي الى دائرة مغلقة هي الدائرة المادية الوثنية، حتى قال عنها محمد اقبال ان اوروبا اليوم هي اكبر عائق للرقي الاخلاقي عند الانسان ويقول جورود انه لم يزل سائداً في عقلية انجلترا منذ قرون شره المالك والتملك، ويرى جون جانتز ان الانجليز انما يعبدون بنك انجلترا ستة ايام في الاسبوع ويتوجهون الى الكنيسة في اليوم السابع، هذا وقد اكد غير واحد ان الفلسفة التي ازدهرت في جو من الانحلال الديني في الغرب فعلاً هي فلسفة المنفعة وكان من نتيجتها انهيار الاخلاق تحت سيطرة الاتجاه الوثني المادي. ******* التطور بين الفكر المادي والاسلامي - 234 2009-04-26 00:00:00 2009-04-26 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4317 http://arabic.irib.ir/programs/item/4317 في حلقة اليوم سنتعرف على تيار من تيارات الفكر في الثقافة الغربية المعاصرة الا وهو تيار كان في البدء نظرية في البايولوجيا ثم اريد لها ان تهيمن على مجمل الفكر الاوربي في نظرته الى قضايا الانسان والمجتمع والاعتقاد، فما هي قصة هذا التيار؟ في مجال العلوم البايلوجية نشأت فكرة التطور لكنها سرعان ما نقلت الى مجال الفلسفة وسيطرت على الفكر والثقافة، هذه الخطوة جاءت نتيجة للاعمال التي نفذها خلفاء داروين صاحب النظرية من امثال هيربرت سبينسل الذي حاول ان يطبق التطور على القضايا الانسانية والاخلاق والتاريخ وقد ظهرت قوى ذات اهداف معينة فركزت على فكرة التطور واعلنها اعلاءاً خطيراً دفعها الى التأثير في مجال العقائد الثابتة مع بسط نفوذها على كل القيم والمقدرات الاخلاقية والاجتماعية، وهذا انما كان جرياً مع الاتجاه المادي الصرف الذي حاول ان يتنكر لكل ما سوى الحس والمادة من قيم، ومعن هذا ان نظرية وضعت ليمكن استخدامها في معارضة الاديان والعقائد والشرائع. الواقع ان فكرة التطور المادي والمعنوي لا يمكن ان تسير في غير نطاق واضح واطار محدد وفلك معلوم وهناك استحالة علمية في ان تحدث حركة التطور عشوائياً في غير نظام او قانون يحكمها، ومن هنا يبدو الخالق بين الاتجاه العلمي وبين اهواء القوى التي تتخذ من النظريات العلمية والفلسفية اسلحة لتحقيق اغراض بعيدة المدى، والمفهوم العلمي الصحيح هو ان هناك قيماً ثابتة وعناصر تجري عليها سمنة الحركة والتغير والتطور وان هناك تناسقاً يحدث بين اسس الثبات وعناصر التطور وان هذا التناسق انما يتم في دائرة الثبات وهذا المفهوم العلمي يطابق الرؤية الاسلامية في التطور والثبات فالاسلام يؤمن بثبات الاصول العامة والقيم العليا مع تطور في الجزئيات والتفاصيل والمصاديق. وعلى الرغم من تفشي فلسفة التطور الاجتماعي التي دعا اليها سبينسل الى ان العلم كانت له وجهة نظر مختلفة تماماً، في هذا السياق نقتبس عبارات من الدكتور اكريس موريسون كتب يقول ان حقائق الاشياء ثابتة لا تتغير وان التطور تطور في الصور والهيئات لا في الحقائق لان الحقائق ثابتة لا تتغير وان القول بأن لا شيء ثابت على الاطلاق نظرية زائفة، فنزعة الطعام ثابتة لكن الذي يتغير هو صورة الطعام، ونزعة اتخاذ المسكن ثابتة والذي يتغير هو صور السكن ونزعة الملبس ثابتة وما يتغير هو صور اللباس وكذلك نزعة القتال والصراع فطرة بشرية وصور القتال هي التي تتغير، وقد كشفت الدراسات الاصيلة ان التطور لا يمكن ان يكون قانوناً اخلاقياً وليس كل طور افضل من الطور الذي سبقه كما يزعم سبينسل بل ان التطور قانون اجتماعي ووافعي ولا يقتضي تفضيل الطور الاخير على الاطوار السابقة ذلك ان فكرة التطور الاجتماعي اخذت من فكرة التطور البايلوجي اي الحيوي والتطور في الحياة يكون تحسناً وارتقاءاً وقد يكون انقراضاً. وكذلك كشفت الابحاث خطأ الرأي القائل بأن التطور والتقدم هو الاستجابة لنزعات النفس في السلوك في الحركة في اي اتجاه دون رعاية لاستقامة الحركة وبدون حاجة الى ارادة وانبان وهذا يؤدي الى العودة الى العصور الاولى بما فيها من خلل ومن تحلل، وتبين كذلك خطأ الرأي القائل بأن التقدم هو اهدار الاحكام السابقة وتقديرات الاشياء التي قد قررها وحكم بها الانسان في عصر مضى فقد انتقل الفكر البشري من الطفولة الى الرشد الانساني. يستند الفكر الاسلامي في مفهومه عن التطور والثبات الى قانون التوازن الذي يحكم الموجودات جميعاً فلا سبيل الى الغاء احدهما ولا سبيل كذلك الى القول بالتطور المطلق وانكار قاعدة الثبات ولابد من الربط بين الثبات والتطور ومن قيام التوازن بينهما وانه لمن المستحيل عقلاً ومن المناقضة لقوانين الوجود والحياة ان يتوقف احدهما او ان ينفصل او ان يستعلي احدهما ويسيطر ذلك ان الثبات والاستقرار هو الجمود والتطور المستمر هو الفناء، وهناك ترابط منظم بين الجمود والحركة وبين القديم والجديد وبين الميت والحي، فالحياة مسبوقة بالموت والجديد منبثق من القديم، وعامة بتطور لكنه يظل ثابت الاصول والمقومات، والفكر الاسلامي ثايت الجوهر متغير الصورة، وفي الفقه يجري التطور بالنسبة الى الاحكام الفرعية وارتباطها بالزمان والمكان دون الاصول، وفي الشريعة اصول قائمة لا تخضع للتبدل والتغير كالصلاة والزكاة وفي الشريعة حدود ثابتة ازاء الربا والزنا والقتل لا تتأثر بالتطور والتغير، وفي نظام الكون ايضاً نجد القوى الثابتة والقوى التي تتحرك وتتحول، اما الاصول الثابتة فهي ليست خاضعة للتطور، اما المفهوم المطروح في اسواق الفكر الغربي عن التطور فهو مفهوم فلسفي خطير لم يقم على اساس علمي وقد اخذ منطلقه من نظرية داروين في التطور البايلوجي ثم نقل الى ميدان الاجتماع والفكر، ولا شك ان بهذه النقلة انما يستهدف غاية خطيرة هي واحدة من اهداف الفلسفة المادية الوثنية التي تحاول ان تسيطر على الفكر البشري كله وتفرغه من مفاهيم الايمان والاديان والرسالات السماوية وتدفع به بعيداً الى نهاية خطيرة نجدها واضحة وضوحاً صارخاً في بروتوكولات صهيون او نصوص التلمود او نجدها متصلة بالمحاورات التي جرت منذ عصر التنوير لاخراج الفكر الغربي المسيحي الاصل من كل القيم ولدفعه الى الماديات الحسيات المغرقة. وتشكل هذه المحاولة فلسفة واضحة متكاملة تهدف الى تدمير قوى الاديان والاخلاق والايمان بالله تعالى ودفع الانسانية كلها الى الدمار بتحطيم قيمها ومعنوياتها وتفريغها من كل العناصر الايجابية التي تحملها على التماسك. وقد كانت نظرية التطور هي المنطلق الخطير للقول بأن كل شيء يتحول ويتغير ولا يبقى على حاله وانه يبدأ في اول امره ضعيفاً ثم ينمو ثم جرت محاولات تطبيق ذلك على الاديان والاخلاق ومنها انطلقت النظرية التي تقول ان الاخلاق تتطور مع العصور وان الاديان تتطور مع البيئات، ان مثل هذا الكلام مخالف كل المخالفة مع الحقائق العلمية الصحيحة ومعارض لنواميس الكون والحياة وقد كان الترويج لمذهب التطور على هذا النحو خروجاً به عن المجال العلمي الموضوعي الى المجال الفلسفي المنحاز الذي لا يخضع لاي سند علمي او عقلي. ******* المادية ومعطيات العلم التجريبي -2 - 233 2009-04-23 00:00:00 2009-04-23 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4316 http://arabic.irib.ir/programs/item/4316 طرحت قضية التطور في الفكر الغربي المعاصر على نطاق واسع شمل كافة ابعاد الحياة الطبيعية والاجتماعية على السواء وكان لهذا دوافعه ومخاطره. انطلقت فكرة التطور الغربية من نظرية داروين في التطور البايولوجي ثم تم نقلها عملاً الى الاجتماع لتحقيق غاية خطيرة فما هي هذه الغاية؟ انها الفلسفة المادية الوثنية الجذور، هي التي تسعى للهيمنة على الفكر البشري كله وافراغه من مضامين الايمان والرسالات السماوية، وهي التي تريد ان ترمي بالفكر الى غاية خطيرة قوامها تدمير القيم والاخلاق والمعنويات وتفقد المجتمعات البشرية قدرتها على التماسك والمقاومة ازاء هجمات الاعداء التاريخيين. القضية انه قد استغلت نظرية التطور البايلوجي في الاحياء على‌ ما بها من نقص واشتباه، استغلت لتطبق على الاديان والاخلاق، منها اوجدوا نظرية تقول ان الاخلاق تتطور مع العصور وان الاديان تتطور مع البيئات وهذا كما ترى يناقض الحقائق العلمية ويعاكس قوانين الكون والحياة، مما يعني ان اخراج مذهب التطور المادي اي هذا المجال المعنوي انما انحراف من المجال العلمي الى المجال الفلسفي الذي يخضع لآراء الافراد وتصوراتهم مما لا يضبطه ضابط علمي. ومن مذهب التطور هذا انطلقت كل المذهب والدعوات والفلسفات المادية فقد اعتبره المتشبثون به قاعدة ‌لعلوم جديدة هي مقارنة الاديان وتفسير التاريخ وعلم النفس والاخلاق والاقتصاد وعلم الاجتماع. ان هذا هو ما جعل هذه العلوم تخضع للمناهج التي تخضع لها العلوم المادية ‌في حين كان هذا تناقضاً مع ابسط قواعد المنطق والعقل لان ميدان هذه العلوم غير ميدان تلك والمناهج غير المناهج. ولقد كان القول بالتطور المطلق وسيلة الى نزع القداسة عن الاديان والقوانين والقيم والاخلاق وسبيلاً الى السخرية منها كما كان نهجاً يدعو الى التحلل والاباحية وانكار مقومات المجتمعات والعقائد على النحو الذي ظهرت في نظريات فرويد ودوركايم وغيرهما. هجمت نظرية التطور المطلق في المحيط الاجتماعي والفكري هجوماً علمياً ودحضت بمنطق عقلي واضح، بيد ان اصوات دعاتها المسرفين في استغلالها ظلت اعلى الاصوات لانها لم تكن اصوات طبيعية وانما هي اصوات تدفعها قوى بالغة القدرة في مجال النشر والاعلان، وقد جرى كثير من الكتاب وراء بريق نظرية التطور وربما بحسن نية دون تتبين لهم ابعاد الخطر الذي يبشه القول بالتطور على اطلاقه بعيداً عن المفهوم الاسلامي الجامع بين الثبات في الخطوط الاساسية‌ والتطور في بعض التفصيلات وفقاً للزمان والمكان وهو جمع يقوم على اساس علمي وواقعي صحيح. اجل ان لمن السذاجة النظر الى التطور بعيداً عن القيم الثابتة وبمعزل عن الاصول الاساسية لفكر الامة ودينها، والدعوة المسمومة الى التطور انما تحاول ان تقضي على التراث ومن ضمنه العقائد والاديان والاخلاق. وقد عرض الباحثون المسلمون بين التطور والتطوير وعرضوا القول بأن التطور معناه تفضيل الطور الاخير على الطور السابق له. التطور يشمل اي تغير يحدث في اوضاع الجماعة سواء في اتجاه تصاعدي او عكسي تنازلي ثم هو فوق ذلك ينبأ عن ان دوافع هذا التغيير وعوامله انما يكون منشأه ذات الشيء ومردها الى ما فيه من طاقات طبيعية، اما التطوير فهو عكس ذلك يختص اولاً بالتغيير التصاعدي الذي يرمي دائماً الى طلب الكمال والحياة الفضلى ويتأثر بدوافع خارجة عن طبيعته، هي الدعوة الاصلاحية وهذا يعني الموائمة بين الاصول التي يقوم عليها الفكر من تشريعات وقيم وبين ما يتجدد تحت الحاح من عوامل التطوير الضروري في مختلف المناحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من هنا يتهافت ويسقط القول بأن التطور يمثل قانوناً تقدمياً، اي ان اي طور افضل من الطور الذي سبقه. الفكر الاسلامي واجه الاخطاء التي انطوت عليها نظريه التطور التي ارتبطت اساساً‌ بالمفهوم المادي الذي حاول بعض المتفلسفين استخلاصه من نظرية داروين، وهذا المفهوم قام على فكرة انكار وجود خالق العالم والقول بنشأة الكائنات الحية نشأة طبيعية من غير منشأ. ان الفكر الاسلامي يثبت الخلق لله عزوجل لا للطبيعة العاجزة القاصرة قصوراً ذاتياً، ويقرر وقوع البعث في الاخرة مع الايمان الكامل بالغيب. وقد ظهر الان في مجال العلم ما ينقض نظرية داروين في التطور وما نسج حولها من اعتراضات فلسفية، في هذا الصدد مثلاً يقول الدكتور كورلس مورسون ان نظرية ان الانسان قرد قد كذبها العلم الحديث لما بين النوعين من بعد شاسع ففي الانسان خواص لا توجد في القرد، منها قدرته على التفكير ووجود الوحدات الاجتماعية في القبيلة والامة والحزب والدين، ومنها خواص بايلوجية ايضاً تميز الانسان وتفرده بين الكائنات. وفي السياق نقض القول بالتطور الدارويني قال العالم الغربي اغسير ان النشؤ لا يتم الا وفقاً لخطة الهية محكمة وان الاصطفاء الطبيعي اذا ما حل محل الخلق الالهي فأن الانسان يكون قد جرد من روحه وغدا آلة صماء، وغير هذا وذاك فأن التفسير الحرفي لنظرية داروين قد فسح المجال في تأليه سوبرمن نيتشه وتمجيد القوى البدنية على انها السلوك الصحيح بين الناس، ويقرر العلم الان بوضوح بأن الفكرة التي يعتنقها الداروينيون عن تناسل نوع جديد بواسطة نوع سابق ليست الا افتراضاً اعتباطياً يتعارض مع الاراء الفاسيولوجية الرصينة، ويقرر العلم ايضاً ان الاجماع بين العلماء لا الفلاسفة هو ان الحياة لم تحدث مصادفة وانها حدثت بقوة الله وارادته، وهكذا يكتشف زيف النظرية وما ساقها اليه الماديون وعلى رأسهم لانمارك وهيغل الذي دعا الى تأليه الطبيعة. ومن بعده انتقلت الى مجال الاجتماع والفكر على يد هيربرت سبينسل الذي حاول تطبيق نظرية التطور على العوالم والمجتمعات ونقلها من نظرية بايلوجية الى نظرية اجتماعية. ومما يتصل بنظرية التطور كشفت الابحاث عن استغلال رجال السياسة لمبدأ بقاء الاصلح في استعمار الشعوب وابادة الاجناس المغلوبة على امرها وظهرت من خلالها نظرية القوة والتمييز العنصري والشعوب المختارة، كما نشأت نظرية القوة عند ينتشيه واتخذت مبرراً للغزو الاستعماري والاستعلاء العنصري واستعلاء اللون والدعوة الى الجنس الابيض. واخيراً فقد تلقف النظرية معلنوا الحرب على الاديان فأتخذوها سبيلاً الى الانتقاص من الدين واعلاء شأن العلم المادي الاصم. ******* المادية ومعطيات العلم التجريبي -1 - 232 2009-04-21 00:00:00 2009-04-21 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4315 http://arabic.irib.ir/programs/item/4315 في سياحتنا الماضية من البرنامج تعرفنا على جانب من الفكر الغربي وبالتحديد توقفنا عند نظرية المادية في التفكير تلك النظرية التي سادت في اوروبا خلال القرون الثلاثة الاخيرة منذ ما عرف هناك بعصر النهضة، والنظرية المادية ترى ان جميع ما في الكون مادي بحت من هنا انكرت الجانب الروحي في الانسان ولم تؤمن بالغيب والقيم ورسالات السماء، وفي العقود الاخيرة عذت نظرية داروين في التطور وتنازع البقاء منطلقاً جديداً للرؤية المادية اذ عمل الفلاسفة والمفكرون الغربيون على‌ تحويل نظرية داروين من نظرية بايلوجية محددة الاطار الى نظرية اجتماعية شاملة تطبق جوراً على كل شيء. اجل ان العلم الحديث نظر في المحسوسات والماديات وقطع شوطاً كبيراً في هذا المضمار لكنه حين تعرض لما وراء المادة‌ عجز بأدواته المادية القاصرة عن تحقيق اي نجاح فحاول ان يعلل ما ليس مادياً بتعليل مادي وهذا دعا المشتغلين بالفلسفة الى تجاوز حدودهم فأعلنوا انه لا وجود لغير المادة بل ان الحياة نفسها اعتبروها سمة من سمات المادة وفي هذا تجاوز على الحقائق كبير. وقد شهدت العقود الستة الاخيرة من هذا القرن تراجعاً في مواقع النظرية المادية وانكسر غلواء العلم التجريبي فما كان يقيناً في نظر الماديين غدا موضع شك وترديد وتغيرت اللهجة الخطابية من الاعتداد بالعلم ونظرياته الى الشعور بالضعف والعجز في كثير من الميادين، فأذا هم يعترفون بأن الوجود مشحون بالمجاهيل حتى فيما يقال انه قد فرغ من بحثه وهكذا بدأت مرحلة جديدة من التفكير في اروقة العلماء الماديين ظهرت في الاعتقاد بالحاجة الى العقل والى الروح وفق اسلوب علمي وكانت قضية تجزء المادة الى وحدات اصغر واصغر بمثابة صفعة للاعتقاد السائد بأن المادة لا تنقسم الى ما لا نهاية ثم ان المادة قد غدت طاقة والطاقة تتحول الى مادة وقال العلماء ان الاعتقاد بالمادية المطلقة يعني الايمان بأزلية المادة وابديتها وانها كاملة لا تتطور وهذا يتنافى والقوانين العلمية نفسها. ان قوانين الديناميكا الحرارية لا تدل بوضوح على ان العالم له بداية انطلق منها بعد ان لم يكن ولابد لهذه البداية من خالق مبدع له اراده غير متناهية لابد ان يكون غير مادي ولا يتصف بشيء من صفات المادة. ان الايمان الذي وجد العلم انه مضطر للاذعان به انما يستمد تأييداً من الدلائل التي شير الى وجود سبب اول منذ القدم ولا شك ان الايمان بالله تعالى يعد ضرورة لا كتمال وجود الانسان وفلسفته في الحياة ولا شك ايضاً ان الاعتقاد بوجود اله خالق للعالم يعطينا تفسيراً سليماً مقبولاً في النشأة والابداع والفرض والحكمة ويعيننا في تفسير ما يحدث من ظواهر اما النظريات التي ترمي الى تفسير الكون تفسيراً آلياً فأنها تعجز عن تفسير كيف بدأ الكون ثم ترجع ما حدث من الظواهر التالية للنشأة الاولى الى محض المصادفة، فالمصادفة هنا هي فكرة يستعاض بها عن الايمان بوجود الله تعالى بقصد اكمال الصورة والبعد عن التشوية، ومما لا ريب فيه ان هذا النظام البديع الذي يسود الكون من اصغر شيء فيه الى اكبر ما فيه انما يدل دلالة حتمية الى وجود اله خالق منظم ولا يدل ابداً على وجود مصادفة عمياء. الواقع ان هناك ظواهر عديدة لا يمكن تفسيرها او ادراك معناها الا اذا سلمنا بوجود الله تعالى لذلك مثلاً الفراغ اللانهائي وما يسبح فيه من النجوم والكواكب وبلايين المجرات العملاقة ومن ذلك التشابه الذي نشاهده في جميع الكائنات الحية التي نعرفها مع اتصاف كل فرد بل كل نبات بل كل ورقة من اوراق الشجر وكل قطرة من قطرات الماء بصفات تميزها عن غيرها واذا كان هذا العالم المادي عاجزاً عن خلق نفسه او تحديد القوانين التي يخضع لها فالنتيجة المنطقية الحتمية التي يفرضها علينا العقل لابد ان يكون الخلق بقدرة كائن غير مادي ولابد ان يكون هذا الخالق دائم الوجود تتجلى آياته في كل زمان ومكان. وفي سياق نقض نظرية المادة كتب لوثر كيل احد كبار الباحثين الكيمياويين ان العلوم تثبت بكل وضوح ان هذا الكون لا يمكن ان يكون ازلياً فهناك انتقال حراري مستمر من الاجسام الحارة الى الاجسام الباردة ولا يمكن ان يحدث العكس بقوة ذاتية بحيث تعود الحرارة فترتد من الاجسام الباردة الى الحارة معنى هذا ان الكون يتجه الى درجة تتساوى فيها حرارة جميع الاجسام وينضب فيها معين الطاقة ويومئذ لم يكون هناك عمليات كمياوية‌ او طبيعية ولن يكون هناك اثر للحياة نفسها في هذا الكون، ويضيف الكيمياوي لوثركيل لما كانت الحياة ما تزال قائمة وما تزال العمليات الكيمياوية والطبيعية تسير في طريقها فأننا نستطيع ان نستنتج ان هذا الكون لا يمكن ان يكون ازلياً والا استهلكت طاقته منذ زمن بعيد وتوقف كل نشاط في الوجود. اجل هكذا توصلت العلوم دون قصد ان لهذا الكون بداية وهي بذلك تثبت وجود الله سبحانه وتعالى لان ما له بداية لا يمكن ان يكون قد بدأ نفسه بنفسه ولابد له من مبدأ او محرك او خالق وهو الله عزوجل. ان هذا الكون ما يزال في عملية اتساع وانتشار تبدأ من مركز نشأته، واليوم لابد لمن يؤمنون بنتائج العلوم ان يؤمنوا بفكرة الخلق ايضاً وهي فكرة تستشرف على سنن الطبيعة لان هذه السنن انما هي ثمرة الخلق ولابد لهم ان يسلموا بفكرة الخالق الذي وضع قوانين هذا الكون لان هذه القوانين ذاتها مخلوقة وليس من المعقول ان يكون هناك خلق دون خالق. والواقع ان العلماء الطبيعيين لا يقدرون ان ينقوا وجود الله تعالى فكل واحد منهم يشعر في قرارة نفسه بقوة الاحساس والاراء‌ التي تصدر كلها عن ذلك الكيان الذي نسميه بالروح، وهم جميعاً يعلمون ان الالهام لا يأتي من المادة وليس للعلم حق في ان تكون له الكلمة الاخيرة بشأن وجود الخالق. ان كون الانسان في كل مكان ومنذ بدء الخليقة حتى الان قد شعر بحافز يدفعه الى ان يستنجد بمن هو اسمى منه واقوى واعظم، ان ما يدل بجلاء على ان الدين فطرياً في صميم الانسان وعلى العلم ان احترم منهجه ان يقر بهذه الحقيقة ولا ريب ان كل هذه الحقائق العلمية من شأنها ان تنسف شبهات الفلسفة المادية الالحادية وتقضي عليها الى الابد. ******* المادية وتحدي الفطرة والعقل - 231 2009-04-18 00:00:00 2009-04-18 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4314 http://arabic.irib.ir/programs/item/4314 جولة المام سريع في بعض الاتجاهات الفكرية التي سادت في عالم الغرب، جولة اطلاع وتبصر ونقد نخلص منها الى معرفة العصر والزمان ذلك ان العارف بزمانه كما يقول امير المؤمنين علي (عليه السلام): لا تهجم عليه اللوابس فأين نتجه في جولتنا هذه؟ نمر هذه المرة بالاتجاه المادي في الحياة الغربية وبالنظرة المادية الى الحياة والنظرية المادية ترى ان جميع ما في الكون مؤلف من المادة فلا وجود لشيء غير مادي في هذا العالم وقد تعددت مذاهب الفلسفة المادية‌ منذ ايام ديمقريطس اليوناني الذي قال بأن لا شيء موجوداً الا المادة‌ ثم تجددت هذه النظرية في العصر الحديث، ان كل المذاهب المادية ترى ان المادة هي الوجود الاصلي للاشياء وهي بهذا تعارض حقائق الفطرة والطبيعة‌ والعقل والدين وهي تعارض ايضاً عادة من المذاهب الفلسفية كالمذهب الروحي في الفلسفة لان المادية لا تؤمن بالروح وما يؤمن بوجود الروح والعقل من الماديين فأنه يرى انهما متوالدان من الوجود المادي او انهما صفة طارئة لبعض حالات المادة. كما تعارض النظرية المادية الفلسفة المثالية التي ترى انه بالعقل يمكن تفسير سلوك المادة وتفهم حالاتها واوضاعها لكننا لا نفهم العقل بالمادة لانها خالية من الوعي والادراك، وخلاصة النظرية المادية انها لا تؤمن بوجود غير مادي وتعتقد بسيطرة القوانين الطبيعية واضطرادها المستمر وهي ايضاً تنكر الغائية وتنكر الغيب. ظهرت النظرية المادية في ابان عصر العلم وفتوحاته وكان منطلقها تحول نظرية دارون من نظرية بايولوجية الى نظرية اجتماعية عامة حين تلقفتها الفلسفة وقد حدث ذلك بعد ان وهنت تفسيرات الكنيسة وانقسمت الفلسفة الغربية الى مثالية روحية ومادية. ثم سيطر المذهب المادي واستعلى نتيجة لسيطرة العقليات والحسيات والمبالغة في التصور بأنهما وحدهما عنصر الوجود، اما الجانب الاخر غير الظاهر فقد صرف النظر عنه نهائياً وهذه النزعة العلمية التي هيمنت على‌ الفكر الغربي فرضت العقل والحس منطلقاً للفكر وتجاهلت ما سواهما خاصة ما يتصل بالعلم عن طريق الوحي والنبوة ورسالات السماء. هذا وبعد الفيلسوف ديكارت اول من فصل الروح عن المادة‌ فصلاً بيناً ومن ثم تراجعت مفاهيم الغيب وماوراء الطبيعة والروح والفكر. ولا ريب ان العلم الحديث قد نظر في المحسوسات والماديات وقطع شوطاً كبيراً من الانتصارات، فلما تعرض لما وراء المادة عجز بأدواته القاصرة عن تحقيق اي نجاح، ومن هنا اغفل هذا الجانب وحاول تعليله تعليلاً مادياً، ويرد الباحثون غلبة النظرية المادية ‌الى الانتصارات المادية التي ظهرت في الغرب مما دعا الفلاسفة الى الاعلان بأن لا يوجد غير المادة حتى الحياة نفسها اعتبرت صفة من صفات المادة ومعنى هذا انكار وجود الروح ومعنى انكار وجود الروح انكار وجود الله تبارك وتعالى. والحقيقة ان العلماء الطبيعيين لم يفعلوا شيئاً من هذا ولم يقروه وانما استحدث هذا وركز عليه ونشره في كل مكان الفلاسفة دون غيرهم. النظرية المادية كانت جزءاً من المعركة التي شنها العلم الحديث ضد المسلمات الجامدة والتفسيرات التي حاول رجال الدين في الغرب ان يقدموها للحياة مصورين تعارض الكشوف العلمية مع ارادة الباري تعالى ومعارضين لاقتحام الحياة ومنكرين للرغبات البشرية من ما يقوم عليه فهمهم للروحية. تلك هي صورة التي تجمعت للدين في نظر كل اصحاب الدعوات المادية فقد بدأ الدين وكأنه عقوبة قاسية او قيد مرهق او مضاد للفطرة البشرية. وفي مواجهة دعوة عنيفة للروحية الخالصة المتمثلة في انكار حق الحياة وفي قسر رغبات البشرية برزت المادية رد فعل عنيفاً طاغياً ولا ريب ان الذي يطالع المذهب المادي على النحو الذي قدمه المتطرفون يجده حرباً ضارية على تفسيرات الدين ومعارضة لكل ما قدمته هذه التفسيرات حتى لا يكاد دعاة المذهب المادي ان يذهب اساساً الى معارضة الاجتماع والوضع البشري، ويبدو هذا واضحاً في محاولة شبري شميل حين ترجم مذهب النشؤ والارتقاء الى اللغة العربية بعد الاحتلال البريطاني لمصر فأنه لم يقف عند عرض المذهب الفلسفي وحده بل حاول اتخاذه اساساً للمجتمع والاسرة والمدرسة والشريعة والقضاء والسياسة، فأعتبر المذهب المادي ديناً جديداً هو دين البشرية وعلى المسلمين ان يعتنقوه بدلاً عن عقائدهم كما فعل الغربيون حين عارضوا رؤساء الدين. وقد كان هذا الاقتباس خاطئاً تماماً فأنما استغل الفلاسفة مذهب داروين في الغرب وحولوه الى ما اسموه دين البشرية وهو العلم والعقل لانهم كانوا على خلاف مع تفسيرات الكنيسة للدين ولذلك ارادوا التحرر من اثاره الباقية في المجتمع والمدرسة، وليس كذلك الاسلام في افق العالم الاسلامي ولكن هكذا هدفت القوى الاستكبارية ان تفسد الفكر وتثير الشبهات وتنقل ما هو واقع في بيئة مختلفة الى بيئة اخرى ليست لها بها من صلة. اجل، لم يكن من المعقول ان يقبل بسهولة ما دعا اليه فلاسفة المادية من الاقتصار على العلوم المادية دون التعاليم الدينية او من القول بأن الدين قد اضر بالانسان والمجتمع او ان العلوم الطبيعية هي اهم العلوم البشرية فقد كان ذلك كله نقلاً غير موفق لما يجري في محيط له ظروفه الخاصة وتحدياته الواقعة مما ليس موجوداً في البيئة الاسلامية على الاطلاق ولا هي في حاجة اليه في اي وجه من الوجوه، والمذهب المادي فلسفة لا علم ولا فرق بينهما كبير فالعلم يكشف بوسائله مجاهيل هذا الوجود الضخم ويدون العلاقات الموجودة بينها ويشخص الاشباه والنظائر ثم يبذل وسعه ليجد النواميس العاملة في كل طائفة منها وهو يحلل المواد ليعرف عناصرها الاولية، اما الفلسفة وهو جهد عقلي لادراك الحقيقة اللكية للوجود وقد دخلت منذ نشؤها في اطوار كثيرة فبعد ان كانت تعتمد على العقل وحده غدت تعتمد عليه وعلى العلم المادي، من هنا ذهب الاتجاه المادي الى الحكم على الوجود بأنه مادة محضة مجانباً في ذلك الفطرة والعقل النزيه، وما اجمعت عليه البشرية في كل الازمنة من الاعتقاد بعالم ارفع من المادة واسمى منها هو عالم الغيب العظيم. ******* أفق جديد للوصول الى الحقيقة - 230 2009-04-14 00:00:00 2009-04-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4313 http://arabic.irib.ir/programs/item/4313 في سياق الحديث عن النظرية المادية الغربية لابد من التفرقة بين رؤية العلم للاشياء ورؤية الفلسفة، وقد رأينا في لقاء سابق ان العلم كاشف عن الظواهر وترابطاتها المحايدة يقوم على المنهج الوصفي لكن المشتغلين بالفلسفة هم الذين اطغوا على العلم التجريبي سمة اكبر من طاقته وحولوه من المنهج الوصفي الى المنهج التقويمي فقالوا ان العلم لا يؤمن بغير المادة بل ينفي ماوراء المادة، وفي هذا تحميل للعلم فوق ما يتحمل لمنهجه واسلوبه وغايته في غير حق. ان العلم من خلال تجربته ومعامله ومقاييسه لم يتعرض للقول بمادتية الكون لكنه قال انه يجهل ماوراء الطبيعة ولم يتعرض ايضاً للقول بأن الحياة نشأت عن مصادقة وما كان له ان يقول مثل هذا وهو يرى دقة التركيب والتوقيت لكنه قال من واقع معامله وتجربته انه يجهل الجواب عن سؤال لماذا، ومن اين جاء، والى اين يتجه؟ وتلك هي حدود العلم. ان الذين حاولوا ان يقتحموا الفراغ الذي وقف عنده العلم بحكم وظيفته المحدودة وادواته القاصرة انما هم الفلاسفة الماديون الذين قدسوا العلم والعقل واصروا على انه لا توجد وراءهما وسائل للمعرفة وانكروا وسيلة المعرفة الكبرى التي كانت منذ عرف الانسان وجوده على الارض وهي وسيلة الوحي والنبوة والرسالة وكتب الله ومنهج الله وآياته، ان الله سبحانه وتعالى قد قدم للبشرية منهجاً كاملاً لهذا الجانب الذي يسمى عالم الغيب والذي يطلق عليه اسم الميتافيزيق او ماوراء الطبيعة، قدمه للانسان من خلال كتبه ورسله، لتطمأن النفس الانسانية لهذه المعرفة عن الغيب فتتجه الى اكتشاف قوانين الطبيعة والمادة‌ والافادة منها في بناء الحياة وعمران الكون واداء رسالة الانسان المستخلف في الارض. الانسان الغربي حين ابعد تفسيرات الدين الحق ولم يكلف نفسه ان يبحث عن حقائق الغيب حاول ان يجتهد، اما العلم فقد توقف عند قدراته وادواته، واما الفلاسفة فقد اندفعوا لسد الثغرة بالعجز المتمثل بالقول بأن كل ما ليس تحت السمع والبصر فأنه غير موجود ومن ثم فأن الحكمة في ظنهم من وراء خلق الكون والانسان وانما هي المصادفة العمياء واذن فلا غائية ولا بعث ولا هدف من هذه الحياة البشرية على الارض، ومن حق الانسان والحالة هذه ان يسارع الى اقتناص متعه والاندفاع وراء رغباته فيها قبل ان يدركه الموت او يدركه تفجير الذرة والحرب المدمرة، من هنا كان المذهب المادي فلسفة لا علم وفرق بين العلم الموضوعي والفلسفة المنحازة. في العقود الستة الاخيرة دخل العلم التجريبي طوراً جديداً من التشكيك دفع اقطابه الى ان يضعوا يقينياته السابقة في الميزان من جديد وتغيرت لهجة ممثليه، فأصبحوا يكثرون من قولهم ان الوجود مليء بالمجاهيل حتى فيما يدعى انه قد فرغ من بحثه، وقد استبان من اقوال العلماء الحسيين في هذا الصدر ان المذهب العلمي قد اثيرت حوله شبهات من اهله انفسهم وان فتوحات جديدة وصل اليها العلم في مجال المباحث النفسية والروحية وان عهداً جديداً بدأت تتجلى فيه حاجة العقل وجاجة الروح وفق اسلوب علمي صرف، وقد اعلن العلم ان الاصل الروحي ضروري لبناء مذهب يحل معضلات فهم الكون بيد ان الفلسفة المادية سارعت الى اثارة الشكوك حول هذا الانفتاح العلمي على عالم الغيب وحولت المباحث الروحية الى غايات بعيدة الخطر، وكان على العلم ان يبحث مرة اخرى على افاق جديدة للفهم الصحيح وقد جاء هذا في قضية انشطار الذرة اذ كان الظن الى عهد قريب ان المادة لا تنقسم الى ما لا نهاية ‌بل تقف عند حد لا يتجزأ وهو الذي سموه الذرة ثم اثبت العلماء ان الذرة قابلة للتجزئة، فبعض الذرات تنفجر من تلقاء ذاتها مثل ذرات الراديوم واليورانيوم واتضح ان الذرة تتحلل الى ثلاثة اجزاء وبذلك انطلقت المادة الذرية واصبحت طاقة يمكن استخدامها في اغراض الحرب واغراض السلم. معنى هذا ان افقاً جديداً قد كشفه الله تعالى للانسان من اجل ان يصل الى الحقيقة ان مفهوم المادة القديم قد تغير واصبحت المادة طاقة واصبحت المادة تتحول الى طاقة والطاقة الى مادة وغدت المادة والطاقة مظهرين لشيء واحد، وفي هذا السياق يقول العلماء الطبيعيون ان القول بالمادية المطلقة يستتبع القول بأن المادة ازلية ابدية وانها كاملة غير متطورة وهذا يتنافى والقوانين العلمية كما يستلزم انكار العقل وهو غير مادي وان الحتمية تفرض وجود نظام في المادة هو نفسه دليل على وجود قوانين تحكم حركة المادة التي قيل انها ثابتة لانها كاملة، والقوانين هي علاقات عقلية لا تصنعها المادة بنفسها لانها غير عاقلة والحتمية تقتضي ان تسير المادة وفق غاية مرسومة والغاية توضع قبل ان يوجد الشيء الذي يحققها، فالنحاة قبل ان يعمل ازميله في قطعة الحجر يكون قد رسم لنفسه الغاية التي يبتغيها من عمله معنى هذا ان الغاية سابقة على وجود الشيء وهي فكرة عقلية تحكم المادة وتواجهها فهي اذن تستلزم وجود فوة روحية عاقلة. والواقع ان اخطر مرحلة في تاريخ العلم الحديث وهي التي سوف تقاهر مصيره لاجيال بعيدة وتفتح له صفحة جديدة بعد هذه الاعوام الثلاثمئة من الصراع مع الدين انما هي مرحلة انطلاق الذرة، هذه المرحلة التي الغت نظرية الانفصال بين المادة والطاقة فأصبح معلوماً ان المادة تصبح طاقة وان الطاقة تصبح مادة، وبهذا دخل عالم الغيب صميم العلم، هذا العالم الذي ظل العلم المادي وما تزال الفلسفة المادية تنكره ان فروع العلم كافه تثبت ان هناك نظاماً معاجزاً يسود هذا الكون اساسه القوانين والسنن الكونية الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل والتي يسعى العلماء جاهدين لا كتشافها والاحاطة بها، واخيراً فأن علماء المادة يقولون ان الاله الذي ينبغي ان نسلم بوجوده لا ينتمي الى عالم الماديات ولا تستطيع حواسنا المحدودة ان ندركه وعلى هذا يكون من العبث ان نحاول اثبات وجوده بأستخدام العلوم الطبيعية لانه يشغل دائرة غير دائرته المحدودة الضيقة، اجل ينبغي ان نسلم بأن هذا الكون المادي الذي يخضع لقيود الزمان والمكان ليس الا جزءاً من الحقيقة الكبرى التي ينطوي عليها هذا الوجود. ******* علماء الطبيعة ودلالات النظام الكوني - 229 2009-04-12 00:00:00 2009-04-12 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4312 http://arabic.irib.ir/programs/item/4312 مرة اخرى مع الاتجاه العلمي التجريبي الذي سيطر على طريقة التفكير في الغرب منذ ثلاثة قرون، نلتقي بالنظرية المادية التي حرص الفلاسفة الماديون على هيمنتها على العلم فأخرجوه من الحياد الموضوعي الى الموقف المذهبي المحدد من قبل وغيروا صبغة العلم من الملاحظة والوصف والاستنتاج الى صفة التقويم والحكم على قضايا ليست من اختصاصه ولا من وسعه وقدرته. اجل ان الماديين من الفلاسفة والمفكرين قد مارسوا ارهابياً فكرياً عنيفاً لجعل العلماء الطبيعيين ينكرون ماوراء المادة ويصدرون الايمان بالغيب مطلقاً حتى بدأ العلم الذي لا يؤمن بغير المادة المحسوسة، اشبه بالاله الذي يخضع امامه ولا يملك احد حق التفوه بغير نظرياته، وهذا كما ترى مخالف للفطرة الانسانية ومجانب للعقل السليم وهو يستدبر التجربة البشرية الطويلة على الارض والتي اثبتت ان العالم مخلوق من قبل خالق مدبر حكيم في صنعه ليس من جنس المادة بل هو الحاكم في العالم كله وهو الذي يتحكم في النواميس الطبيعية والقوانين المادية لانه خالقها وموجدها والقادر على تبديلها. كانت النظرية المادية تعتمد على فكرة ان المادة‌ لا تنقسم الى ما لا نهاية‌ بل انها تقف عند حد لا يقبل التجزئة، وقد دفعهم هذا الى القول بأزلية المادة وابديتها بيد ان التجارب العلمية اثبتت فيما بعد ان الذرة هي ايضاً تتجزأ ذلك ان من الذرات ما يتفجر تلقائياً كالراديوم واليورانيوم، ومن هنا ظهرت الطاقة الذرية فتغير مفهوم المادة القديم وانكشف امام الانسان الارضي افق جديد كسر الجمود العلمي السابق واقترب من الايمان بالغيب وبالقدرة القديرة الالهية الخالقة. ان اكبر فتح توصل اليه العلم في هذا السياق انفلاق الذرة هذا الانفلاق الغى والى الابد نظرية انفصال المادة عن الطاقة فأذا هما متداخلتان متبادلتان اذ يمكن للمادة ان تغدو طاقة ويمكن للطاقة ان تتحول الى مادة، يقول العلامة هايدن في كتابه المادية، ماتت النظرية المادية بالنظرية القائلة بأن الذرات مركبة من الكهرباء والبروتونات موجبة والكترونات سالبة وطغت عليها نظرية الكواتوم التي تقول ان الكهربائية تجيء شحوناتها من المجهول اي الغيب وتذهب الى المجهول ايضاً، ويكتب هايدن ايضاً ان الحقيقة التي اخذ الانسان يبحث عنها دهوراً عديدة هي روحية في جوهرها والروح لا يدركها العقل، وقد توالت في هذا السبيل ابحاثاً منها حقائق مغايرة تماماً لما هو سائد في بيئات العلم وكأنما هو من المسلمات، والعلماء الان يكتشفون حقائق جديدة ويعلنون ان قوانين الدينميكا الحرارية قد بدأت تدلهم على ان لهذا الكون بداية وان اذا كان للكون بداية فلابد له من مبدأ من صفاته العقل والارادة اللانهائية. وعن موجد العالم ومبدأه يقول الباحثون، ان هذا الخالق لابد ان يكون من طبيعة تخالف طبيعة المادة التي تتكون من هذا الراد تتآلف في شحنات او طاقات لا يمكن يحكم العلم ان تكون ابدية او ازلية وعلى هذا فلابد ان يكون هذا الخالق غير مادي وغير كثيف ولابد ان يكون لطيفاً متناهياً في اللطف، خبيراً لا نهاية لخبرته، لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار. ويقول هؤلاء العلماء واذا كنا نريد ان نصل اليه فسبيلنا الى ذلك لا يكون بحواسنا التي لا تستطيع ان ترى الا الماديات الصماء، واذا كنا نريد ان نلمس وجوده فأن ذلك لا يمكن ان يتم داخل المعامل او انابيب الاختبار او بأستعمال المناظير المقربة او المكبرة وانما يكون بأستخدام العنصر غير المادي في الانسان كالعقل والبصيرة. ان فروع العلم كافة تثبت ان هناك نظاماً معاجزاً يسود هذا الكون، اساسة القوانين والسنن الكونية الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل والتي يعمل العلماء جاهدين على كشفها والاحاطة بها وقد بلغت الكشوف من الدقة قدراً يمكن التنبأ فيه بالكسوف والخسوف وغيرهما من الظواهر قبل وقوعها في مئات السنين. والسؤال هنا من الذي وضع هذا النظام وسن هذه القوانين واقام هذه السنن الكونية الراسخة؟ يوجه العلماء هذا السؤال ويجيبون عنه، هل نشأ الكون مصادفة؟ العلماء يشرحون معنى المصادفة ويشيرون الى استخدام الرياضيات وقوانين المصادفة لمعرفة مدى‌ احتمال حدوث ظاهرة من الظواهر، لقد حسب العلماء احتمال اجتماع الذرات التي يتكون منها جزيء واحد من الاحماض الانيمية وهي المادة الاولية التي تدخل في بناء البروتينات واللحوم، فوجدوا ان تكون هذا الجزيء المتناهي في الصغر يحتاج الى بلايين عديدة من السنين والى مادة لا يتسع لها هذا الكون المتراحي الاطراف، هذا التركيب هو جزيء واحد ضئيل، فما بالك بأجسام الكائنات الحية من نبات وحيوان وما بالك بما لا يحصى من المركبات المعقدة الاخرى، وماذا يقال بنشاءة الحياة وملكوت السموات والارض؟ كانت الاجابة انه يستحيل عقلاً ان يكون ذلك قد تم عن طريق المصادفة العمياء او الخبطة العشواء بأي حال من الاحوال. ان علماء الطبيعيات قد اذعنوا انه لابد للكون العجيب الرائع من خالق مبدع عليم خبير، احاط بكل شيء علماً وقدر كل شيء، ان الانسان لا يستطيع ان يدرس اعمال اي صانع من الصناع دون ان يحيط بقدر من المعلومات عن الصانع الذي ابدع تلك الاعمال وكذلك نجد اننا كلما تعمقنا في دراسة اسرار هذا الكون وسكانه ازددنا معرفة‌ بصفات الخالق الاعلى الذي ابدعه، يقول العلماء ان الارض والسموات وسائر تعقيداتها والحياة ‌في شتى صورها واخيراً الانسان بكل قدراته العالية، كل ذلك اشد تعقيداً من ان يكون او يتصور المرء انه حدث بمحض المصادقة، فلابد اذن من عقل مسيطر ومن اله خالق، ويؤكد العلماء رؤية الاسلام في ان المعرفة ستتم بواسطة العقل والقلب، يقول روبرت هولنن كاميون ان الانسان يحصل على العلم بطريقتين البصر والبصيرة، اما البصر فهو ما تعلمه في حياتنا وما نكتسبه عن طريق حواسنا من الخبرة بأمور الحياة، والبصيرة هي ذلك النور الذي يفرغه الله سبحانه وتعالى في قلوبنا فيكشف لنا ما لا نعلم، واخيراً يقول العالم الكيميائي وايل اولد يقول ان الله سبحانه وتعالى ليس مادة ولا طاقة وليس محدداً لنخضعه للتجربة والعقل المحدود بل على العكس، نجد التصديق بوجود الله تعالى يقول على الايمان وهو ايمان يستمد تأييده علمياً من الدلائل غير المباشرة التي تشير الى وجود سبب اول، الايمان بالله تعالى ويعد لازماً لاكتمال وجود الانسان وتمام فلسفة في الحياة وسبحان الله الغدير العليم الجليل. ******* من المميزات المغيبة للثقافة الاسلامية - 228 2009-04-09 00:00:00 2009-04-09 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4311 http://arabic.irib.ir/programs/item/4311 لقاء اليوم يحكي عن قضية معاصرة هي موضع اهتمام من اتجاهات جمة. انها قضية الثقافة، والثقافة انما تعني رؤية في السلوك الذي يحدد طرائق العيش التي تحدد شخصية الامة وتميزها عن غيرها في العقائد والقيم والمباديء والسلوك والمقدسات والقوانين والتجارب. من هنا كان لكل امة ثقافتها المتميزة التي تحدد شخصيتها ومن هنا اختلفت الثقافة الاسلامية عن الحضارات الغربية كافة فالثقافة الاسلامية اسلامية المصدر تستمد كيانها من الاسلام والقرآن واللغه العربية بالدرجة الاولى لكن الثقافة الغربية تأخذ مصادرها من الفكر اليوناني والقانون الروماني واللغة اللاتينية وتفسيرات المسيحية التي وصلتها. تمتاز الثقافة الاسلامية بأنها ثقافة محررة فقد كانت وما تزال وسيلة لتحرير الامم والشعوب من الخرافات والوثنيات والعصبيات والمظالم، وطريقاً الى ايقاظ الوعي والوجدان وتحرير العقل والنفس، وقد استقامت على كلمة الله الحق بالتوحيد واستمدت من القرآن الكريم قيمها الاساسية، عبادات ومعاملات واخلاقاً ونظام مجتمع ومنهج حياة جامعة بين العقل والقلب والروح والجسم والدين والعلم والدنيا والاخرة. والثقافة الاسلامية تختلف عن الثقافات الغربية التي قامت على اساس الفصل بين اللاهوت والحياة وعزل القضايا الروحية عن القضايا الجسدية، وتقوم على الانشطارية في عالم الفكر والانقسامية في عالم الحياة، وتمتاز الثقافة الاسلامية بأنها لا تضحي بالخلقي من اجل الجمالي كما تصنع الثقافة الغربية بل انها تقدم الخلفية على الجمالية وتوازن بين الروح والمادي وتتسم بالضبط للرغبات الحسية وبالانسجام بين معطيات العقل ومعطيات العقيدة. والثقافة الاسلامية ليست شرقية ولا غربية وليست مركبة من الثقافتين ولكنها ثقافة مستقلة لها ذاتيها الخاصة التي استمدت وجودها من القرآن والاسلام وقامت على اساس التكامل بين القيم. اجل، ان الثقافة الاسلامية تقوم على مفهوم الحرية والحرية هي التحرر من الوثنية وعبودية الانسان والنظر في الكون وصولاً الى الملاحظة والتجريب والتكامل بما يحقق الشمول والاحاطة والشعور بكرامة الانسان والاخوة العالمية، ووحدة الجنس البشري والاحساس بالزمن، وفي حين تمزق الثقافة الغربية عوامل الصراع بين الروح والمادة وتعصف بها نوبات القلق والضياع، تتسم الثقافة الاسلامية بسكينة النفس وسلامة العقل وامن الوجدان. وبهذا تختلف مع الثقافات الغربية التي تناقصها نموها المعنوي وتزايدت قواها المادية فأدى ذلك الى اضطراب موازين الانسان. وقد وازنت الثقافة الاسلامية بين جوانب العقل وجوانب الوجدان ورفضت اعلاء المعتزلة للعقل واعلاء الوجدان وحدة وحافظت على المفهوم المتكامل الجامع وحرصت على ارتباطها بالمصدر الاول اي القرآن الكريم والسنة على مدى مراحلها. وليست كذلك الثقافة الغربية التي اعلت شأن العقل وتجاهلت الجوانب الاخرى من المعرفة وانفصلت في عصرها الحديث عن العصور السابقة لها خاصة بعد ان انفصلت الثقافات الغربية عن اللغة اللاتينية الام وقامت اللهجات القومية كلغات خاصة. ترى هل ثمة مزايا اخرى للثقافة الاسلامية الاصيلة؟ اجل، امتازت هذه الثقافة ايضاً بالقدرة على التكيف مع مختلف العصور والبيئات دون ان تفقد خصائصها الاصيلة وسماتها الثابتة وبهذا استطاعت الثبات في وجه تقلبات الزمن وتغيرات البيئة اما الثقافات الغربية فقد انتقلت من مفهوم المسيحية الى الفلسفة المثالية ثم الى الفلسفة المادية دون ارتباط بالاصل الاول، ثم هي تواجه اليوم صراع العلم والادب من ناحية وصراع الجماعية والفردية من ناحية اخرى على ان ابرز ما يميز الثقافة الاسلامية‌هو طابعها الاخلاقي الذي لا ينفك عنها، وتقوم هذه الروح الاخلاقية البارزة على اساس الارادة الفردية التي قررها الاسلام ومنح بها الانسان حرية الاختيار وهي اساس المسؤولية والجزاء. وقد قام هذا في الاسلام على الاعتراف بأن الانسان خلق طاهراً متقبلاً الخير والشر وان رسالة السماء انما جاءت لتوجيهه الى الخير وتحصينه من مهاوي الشر، الانسان في الاسلام مكلف وصاحب رسالة ومسؤولية وارادته الحرة هي مصدر مسؤوليته الفردية والتزامة الخلقي. ان الثقافة الاسلامية لها مقومات اساسية فكرية وروحية اهمها العقيدة الاسلامية والتاريخ واللغة والتراث ووحدة العقلية والمزاج، ولقد تأكد انه لا يمكن لاي ثقافة من الثقافات ان تنمو الا اذا كانت ذات صلة بدين من الاديان ذلك ان الدين هو الذي يكسب الحياة الاجتماعية‌معناها ويمدها بالاطار الذي تصوغ فيه اتجاهاتها وامالها ويحمي الجماهير البشرية من اليأس والملل. واهم ماتتسم به الثقافة الاسلامية وحدة العقلية والمزاج النفسي ويرجع هذا الى اصالة الدين في هذه التربة التي نزلت بها الاديان وجاء بها الانبياء وما يزال اثرهم قائماً في اصول الفكر والثقافة، فقد صاغ التوحيد هذه الامة‌ منذ اجيال بعيدة وكون لها عقليتها ومزاجها بما عرف فيه من التوازن بين النفس والجسم والتكامل بين الروح والمادة وهو تشكيل عام كامل ملتزم عميق الجذور يمتاز بأحاطته واتساع افقه وتعدد ابعاده. وحيث ان الثقافة الاسلامية ثقافة متميزة عن ثقافات الشرق والغرب فأن معالمها وخصائصها مما لا يقع تحت حصر، ويمكن ان نستوعب ابرز خطوطها في نقاط رئيسية هي التوحيد، التكامل، الاخلاقية، استقلال السمات، التوازن بين الروحي والمادي، الترابط بين الماضي والحاضر، الجمع بين الدنيا والاخرة، الحرية المنضبطة، القدرة على التطور، القدرة على التصحيح، الطابع الانساني، مفهوم التقدم ومفهوم الوسطية. وقد عاشت الثقافة الاسلامية حياتها في النمو والحركة من خلال مصادرها ومقوماتها ومن خلال الانفتاح على الثقافات الاخرى مع المحافظة على الاصول الثابتة، وواجهت هذه الثقافة العديد من التحديات خلال تاريخها الطويل وهي تحديات المذاهب الفلسفية والاديان والدعوات المختلفة التي كان يسخر بها العالم ابان الاسلام من بوذية ومحسوسية ووثنية وهيلينية وهندية، هذه المذاهب والاتجاهات حاولت اثارة الشبهات وتحريف القيم الاساسية، وقد واجه المفكرون المسلمون هذه الشبهات والمحاولات وسيطروا عليها، واليوم تواجه الثقافة الاسلامية تحدياً اشد خطراً يتمثل في النظريات والدعوات التي تستهدف نفس الغرض عن طريق الغزو الفكري الاستعماري لتغيير مناهج التربية والتعليم والثقافة وبازالة منطلقات الشريعة الاسلامية في مجال السياسة والاجتماع والاقتصاد وفرض الانظمة الغربية، ومن اخطر هذه التحديات محاولة انتزاع الثقافة من جذورها وفصلها عن ماضيها والادعاء بأن الثقافة انسانية وعامة وعالمية فلا معنى اذن لوجود ثقافة اسلامية مستقلة. ******* أزمة الغرب وحاكمية العلم التجريبي - 227 2009-04-07 00:00:00 2009-04-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4310 http://arabic.irib.ir/programs/item/4310 لقد تعرفنا في لقاءنا الماضي على طبيعة النهضة الغربية وعلى جذورها وعلى اتجاهاتها واتساع ميادينها وقد وعدنا انا نقف قليلاً عند طائفة من المحاذير التي رافقت هذا التقدم العلمي وتكاد توصل الانسان الى حافات خطيرة ربما تئول به الى السقوط، فما هي اهم هذه المحاذير؟ نعم، كان اختلاف العلم مع الكنيسة في الغرب مصدراً من مصادر خلافه مع الدين ووقوع الخلاف والصراع على النحو الذي فصل العلم عن روح الدين وعن اخلاقياته فاندفع في طريقه لانتاج آلات الدمار والذرة واخطارها في الحروب وفي الاستعمار واثارها على الشعوب المستضعفة المغلوبة، اجل ان العلم قد اعطى سره للقوى‌ الكبرى وحجبه عن عامة الناس فلم يكن اداة رفاه للبشرية على النحو المطلوب واتجه الى الجانب الحربي المتصارع اكثر من اتجاهه الى تخفيف الام الانسانية اضف الى ذلك انحرافه الى جانب الترف والغرائز والاهواء الهابطة، وقد حاول العلم السيطرة بأساليبه المادية على العلوم الانسانية وقضايا الاخلاق والنفس والمجتمع في حين لم تكن ادوات العلم صالحة لهذه المواجهة ولا قادرة على معالجة مثل هذه القضايا المعنوية. واعان التقدم المادي في الغرب على ظهور الفلسفة المادية فانحرف بالبشر الى اخطر الازمات حين اعلا شأن الجوانب المادية وانكر الجوانب المعنوية في حياة الانسان، وكان من اخطر سمات التقدم العلمي المادي انكاره مصدر القوانين والنواميس الطبيعية والعزف عن نسبتها الى صانعها الاول الحق تبارك وتعالى. كانت نظرية التطور التي جاء بها داروين هي اول نقاط تحول العلم الغربي الى المادية وسيطرة المفهوم المادي على الاجتماع الانساني فلقد كانت نظرية داروين ان جميع الكائنات الحية التي كانت تعيش على الارض قد نشأت من اصل واحد او من عدة‌ اصول، ولم يزعم داروين ان الانسان قد انحدر من القرد مباشرة ولكن من نوع من الكائنات اقل مرتبة من الانسان ثم اجتاز مرحلة التطور الفائقة اكتسب فيها القامة المعتدلة والعقل، والواقع ان ما قدمه داروين لم يكن الا نظرية والنظرية تقوم اساساً على فروض تتجمع لترجح وجهة نظر معينة، وقد افترض داروين فرضيته هذه بحكم ما وصل الى علمه وما اطلع عليه من جماجم وحفريات، والغريب ان نظرية داروين القابلة للنقض بحكم كونها نظرية الى ان الفلسفة قد حولتها الي ظاهرة اجتماعية هي التطور الاجتماعي بيد ان كثيراً من العلماء لم يقبلوا افتراض داروين وكشفت ابحاث هيكس لي وغيره ان الانسان مخلوق فريد من الناحية البايلوجية ومن النواحي العقلية والنفسية وانه في هذا يتميز تميزاً واضحاً عن الحيوانات. ولقد ناقض داروين تلاميذه واقرب الناس اليه واوجدت مفاهيم داروين في تنازع البقاء في السلالات اختلافاً كبيراً في خلفاءه فعدلت النظرية عشرات المرات وابرز من عارض داروين هو لالاند في كتابه خداع التطور فهو اثبت خطأ نظرية التطور من الاساس. الابحاث التي اجريت فيما يتعلق بنظرية داروين من الوجهة البايلوجية الخالصة اثبتت ان الانسان لم يتطور من كائن آخر ومازال هو الانسان منذ عرف بصورته هذه وقد مرت عليه عشرات الالوف من السنين ولا ريب ان هذا الثبات سينفي القول بتطوره قبل ذلك الى صورته الحالية، وكان البروفسور جوهان هولتزبر العالم الذري بسويسرا قد اذاع بياناً في عام 56 عارض فيه نظرية داروين بشدة وقال انه لا يوجد دليل واحد من الف على ان الانسان من سلالة القرود وان التجارب الواسعة التي اجراها دلت على ان الانسان منذ عشرة ملايين سنة يعيش منفرداً وبعيداً جداً. واعلن الدكتور رويتر المشرف على ابحاث جامعة كولومبيا ان نظرية داروين لا اصل علمياً لها وان الكائنات انما خلقت مستقلة الانواع استقلالاً تاماً. ان ما يهمنا هنا هو ان نظرية التطور التي قال بها داروين قد اتخذت سبيلاً الى القول بالتطور المطلق اي التطور في مجال الاخلاق والعقائد وهو ما يجعل مباديء الدين الراسخة مجموعة من الافكار النسبية التي ليس لها حظ من الثبات بل هي يمكن ان تتطور وتتبدل بأستمرار وهذا كما ترى ينطوي على غايات خطيرة وقد سجلت بروتوكولات صهيون طرفاً‌ من هذه الغايات في عبارة تقول ان داروين ليس يهودياً ولكننا عرفنا كيف ننشر آراءه على نطاق واسع ونستغلها في تحطيم الدين. واخيراً فقد كان لفتوحات العلم اثرها في الفكر الغربي وبلغ هذا الاثر غاية عنفه في مواجهة الدين ورجال الكنيسة وتفسيرات الكتب المقدسة كذلك كان للعلم اثره في الفلسفة اذ طغت نظريات العلم على الفكر كله وكانت الفلسفة هي البديلة عن الدين اعتماداً على العقل الذي اضفيت عليه قداسة مبالغ فيها، ثم كانت هناك محاولة سيطرة العلم بمنهجه المادي التجريبي على العلوم الانسانية ثم كانت تلك النزعة المادية التي وضعت الطبيعة في موضع الله سبحانه وتعالى واعطتها كل اسباب الارادة والقوة والحركة، كل هذا كان من اكبر الاخطار التي واجهت العالم المعاصر، وسر ما اطلق عليه ازمة الانسان الحديث. اجل كان سر ذلك هو العجز عن التوازن بين الفكر والمادة والروح والجسم واتساع النظرة العلمية والعقلية وقصور العطاء النفسي والروحي وهو ما عبر عنه كثير من الباحثين بالعجز عن تطوير قلب الانسانية كما طور عقله، وقد تأكد الان تماماً ان العلم سوف يعجز عن القضاء عن الدين بل انه سوف يؤكد الدين، واذا كان الدين الحق لا يفسر كل ظواهر الكون كالعلم فأنه يضع الاطار الاخلاقي للحياة ويرسم المنهج الذي تقوم عليه العلاقة بين الله سبحانه وتعالى والانسان، والاسلام هو الذي وضع العلم في اطار اخلاقية القيم والتقوى حتى لا يستعلي بنفسه او يستعلي به طائفة من الناس وحتى لا يكون اداة لابادة الامم واثارة القلق والاضطراب بل ليكون اداة لسلام البشرية جمعاء. ******* أزمة التحجيم في المذهب المادي الغربي - 226 2009-04-04 00:00:00 2009-04-04 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4309 http://arabic.irib.ir/programs/item/4309 المذهب المادي الذي ظهر في الغرب هو احد افرازات الحياة الغربية فيما حمله تاريخها من تناقضات ومن تحديات، وهذا المذهب الذي يرى ان كل ما في الوجود انما هو مكون من مادة ولا شيء غير المادة، هذا المذهب يناقض حقائق الفطرة الانسانية ويناقض العقل السليم المعافى ويناقض حقائق الدين، وتتلخص اعتقاد النظرية المادية بأنه لا وجود لغير المادة وان قوام العالم عنصر واحد هو المادة، وترى السيطرة كاملة للقوانين المادية في الطبيعة والعالم كما تنكر الغائية والهدفية في حركة الحياة واخيراً تنكر الغيب اي تنكر عالم ماوراء الطبيعة او ما سمي بالميتا فيزيقا. في اللقاء السابق تعرفنا على اصول النظرية المادية وظروف استحداثها مركزين على الغرور العلمي الذي اصاب اوربا بعد عصر النهضة وعلى الموقف الكنيسي المتشدد حيال تفسير ظواهر الطبيعة اعتماداً على اراء رجال الدين الكنيسي في الغرب والعزوف عن الحياة البشرية الواقعية، مما جعل ردة الفعل عنيفة حادثة اجترحت انكار المعنويات والغيب وابتدعت الايمان بالعلم المادي والتجربة دون الايمان بالمعاني الانسانية المستكنة في اعماق الانسان. واسوء من هذا ان بعضهم حاول ان يستعير هذه النظرية الغربية ليطبقها على الحياة الاسلامية في الشرق متجاهلاً انه يستعير بذلك قالباً هو نتاج بيئة بعينها لا يمكن ان تطبق في بيئة اخرى غريبة. اما ما يتصل بالهدفية او الغائية في الوجود فأنه لا سبيل ابداً الى انكار الحقيقة الاساسية التي تقرر ان للكون غاية مقصودة هي خير خالص، وليس هناك ما يؤكد ان شيئاً في هذا الكون يجري بطريقة عشوائية وانما يجري كل شيء فيه وفق تقدير دقيق محكم بل مذهل في دقته واحكامه، وليس من حادث يحدث فيه دون غرض يخدمه سواء كان خفياً او ظاهراً وكل ما في عالم الانسان وكل ما في الكون بأسره انما يتحرك وفق تقدير محسوب لا يحيد عنه، وكل حدث يجري بقضاء وقدر لا يرد ولا يقهر الغائية تعني الحكمة التي ارتآها وقدرها خالق الكون سبحانه وتعالى واجرى حوادث الكون بمقتضاها، فقد اوجد الانسان لغاية وركب الكون لغاية وليس ثمة من سبيل عن طريق العلم او العقل او الفطرة لقبول ما يقوله الماديون من ان الكون جاء عن طريق المصادفة وانه لا هدف له ذلك ان العلم التجريبي والنظرة المادية لا تستطيعان مهما اوتيا من قوة ان يقولا مثل هذا القول اذ هما محدودان بحدود المادة المحسوسة، ولقد تأكد تماماً ان العلم التجريبي ليس من شأنه ولا في طاقته ان يفسر الاهداف والكيفيات بل هو قاصر على ملاحظة الظواهر ومحاولة فهمها، انه ربما استطاع ان يجيب عن كيف ولكنه يعجز ان يجيب عن لماذا؟ والاجابة عن لماذا سواء في خلق الكون او خلق الانسان انما تقتضي الاعتقاد بوجود قوة خارج هذا الكون خالقة ومدبرة هي التي رسمت ومازالت ترسم وتخطط مصير الكون والانسان لحظة بلحظة. اما القول بسيطرة القوانين الطبيعية واضطرادها واستمرارها فهو قول قاصر، لان هذه القوانين كما هو بين ليست من صنع نفسها وليست مصادفة ولو كانت كذلك لما جاءت بمثل هذه الدقة وبمثل هذا الاستمرار العجيب لكن من صنع الخالق القادر المدبر وصاحب هذه القوانين وخالقها قادر على خرقها وتعطيلها متى شاء، فلا سبيل الى القول بجبرية استمرار القوانين على نحو مطلق، ومعنى هذا هو فساد القول بالحتمية ذلك ان الماديين يعتقدون بأن التطور يجري على طباق قانون الانتخاب الطبيعي الذي يسعى دائماً الى بقاء الاصلح وفق ضرورات محيطية ومعاشية وليس لها غاية سابقة وضعف قبل خلق الكون والانسان. ولا ريب ان النظرة الايمانية للطبيعة تكشف عن قوانين مذهلة توحي بأن وضعها في هذه الصورة كان لغاية حكيمة، من ذلك ان الماء هو السائل الوحيد في العالم الذي تكبر كتلته عندما تتجمد اي تقل كثافته بالتجمد ولهذه المزية الفريدة اهمية عظيمة في هذا العالم، فلو ان الماء تزداد كثافته عند انجماده لرسبت الثلوج في قاع الانهار والمحيطات وبقيت هناك بعيدة عن اشعة الشمس فلا تذوب وفي هذه الحالة تنقص كمية الماء سنة بعد سنة حين تجمد وتنتقص كمية ما في الارض من مياه ولكن كتل الجليد تظل طافية على سطوح الانهار والمحيطات فلا يتجمد ما تحتها من مياه، كما ان طبقة الثلج التي تنشأ فوق الانهار والبحار تحمي حيوانات تلك المياه من البرد ولولاها لماتت من شدة البرد او صعب عليها ان تعيش، كذلك فأن الماء لو لم يكن مذيباً لكثير من المواد الغذائية في التربة لما استطاع النبات ان ينمو على وجه الارض، فهل يمكن القول بأن صفات الماء هذه قد حدثت بالمصادفة ام انها وضعت لغاية‌ مقصودة وحكمة كبرى؟ ثمة قضية اخرى مهمة اثارتها النظرية، حين زعمت ان الموت هو نهاية الحياة وهذا المفهوم هو اخطر المفاهيم في التربية والاخلاق وابعدها اثراً في افساد الحياة واخلاءها من الغايات العالية الرشيدة وحسن التصرف، وهي تشجع المرأة على التكالب من اجل الاستمتاع بالحياة الدنيا فضلاً عن التنصل من الواجبات والمسؤوليات فلا وجود حينئذ للامانة والاخلاص والرحمة، وهذا شأنه ان يقضي تماماً على مسؤولية الانسان في الحياة وينسي التزامه فيها، اما المسلم فأنه يؤمن بأن هناك بعثاً وحساباً ومسؤولية وجزاء للعمل الدنيوي كله، ذلك ان الانسان مستخلف في الارض وعليه التزام وفي عنقه امانة وله ارادة حرة هي مصدر مسؤوليته وجزاءه وانه مطالب ان يعمل على اشاعة الحياة الايمانية وانهاض المجتمع العادل الرحيم بكل ما يمكنه من قوة وارادة وفي حدود عمله وقدره. ان الموت في الرؤية الايمانية انما هو انتقال وعبور الى عالم آخر دائم لا يزول بل هو ولادة جديده في عالم جديد اتي بلا ريب، وذلك هو الفارق العظيم بين الاعتقاد الايماني والاعتقاد المادي في هذا السبيل. ******* الغيب والبحث العلمي في الغرب - 225 2009-04-01 00:00:00 2009-04-01 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4308 http://arabic.irib.ir/programs/item/4308 حيث تحاول مواصلة الرحلة في الجذور التي نبت منها العلم التجريبي في الحياة الغربية تلك الجذور التي ظهرت اثارها في النتاجات العلمية والعقلية التي سيطرت على اوربا في مراحل تطورها منذ عصر النهضة او ما يعرف بأسم الرنسانز، ولا ريب ان النهضة الغربية الحديثة قد استمدت غير قليل من عناصرها مما فاضت به عبقرية المسلمين العلمية خلال القرون عن طريق الاتصال بوسائل شتى. والواقع ان الاتجاه العلمي قد اعلا من شأن المادة والعقل واعرض عن الجوانب الاخرى في الحياة الانسانية فأنكر الغيب والنبوة والدين، من هنا قامت فرضيات نشوء المجتمع على اساس مادي منفصل تماماً عن القيم الدينية ورسالات السماء، وقد قرر العلماء ان العلم انما يقدم مجموعة من الفرضيات الظنية لتفسير الطبيعة وان هذه الفرضيات تتحول بالتجربة الى قوانين، كما قرر العلماء ان العلم لا يفسر شيئاً بل وظيفته الربط والتنسيق والملاحظة المنهجية ومن ثم هو اي العلم يصف ويقرر وهذا ليس فهماً للاشياء ولكنه تعرف عليها، ويقرر العلماء ايضاً ان العلمية تقتصر على الظواهر الطبيعية وعلى اعمال البشر وعلاقاتهم التي يمكن ان تستخدم المشاهد والتجربة لاكتشاف قوانينها. ومن هنا وصل العلم الى تقرير ان العقل البشري لا يستطيع ان يدرك شيئاً الا عن طريق الحواس ولذلك فكل ما يقع وراء الحس والعقل فلا يمكن للعلم ان يبحث فيه او ان يعرف عنه شيئاً، وتقرر كذلك ان حقائق العلم كانت مطلقة ولا ابدية بل هي تحكي الحقيقة النسبية. اجل، ما يزال البحث العلمي في الغرب ينظر الى العلاقة بين الانسان والطبيعة على انها علاقة صراع وليست علاقة تعارف واكتشاف وتسخير، وهذا البحث يرى انه كلما ازداد الانسان معرفة بالقوانين الطبيعية ازدادت سيطرته عليها وما يزال العلماء يتسائلون، هل يستطيع العقل ان يدرك الحقيقة؟ لقد قطع اشواطاً بعيدة خلال ثلاثمئة سنة فهل استطاع الوصول الى الحقيقة؟ وعلى الرغم من تقدم العلم فأنه عجز عن حل المشاكل الكبرى المتمثلة في اصول الكون ونهايته وطبيعة المادة ومنشأ الحياة وخلود الروح وسواها من القضايا الحيوية الملحة على العقل البشري. يقول مارتين ستانلي ان نتائج العلوم تبدأ بالاحتمالات وتنتهي بالاحتمالات وليس باليقين، معنى هذا ان نتائج العلوم تقريبية وهي عرضة للاخطاء في القياس والمقارنات ونتائجها اجتهادية وقابلة للتعديل بالاضافة والحذف، وقد اضطر العلم منذ اجيال ان يترك البحث في كنه الاشياء بعد ان تبين له ان لا سبيل الى معرفة الكنه المغيب عن الحواس والاكتفاء بدراسة الظواهر. لا ريب ان لغلبة المادية الصرفة على‌ العلم ولاتصاله عن الروح ولتجاهله الدين والوحي ورسالة السماء التي قدمت للانسان عالم ما وراء المادة بوضوح تام لا ريب ان لكل هذا اثره في عزف العلم عن فهم كنه الاشياء ووقوفه عند المحسوس وحده، يقول ارنست ان كل الجهود التي بذلت في الحصول على المادة الحية قد باءت بالفشل والخذلان الكبير ومع ذلك فمن ينكر وجود الله سبحانه وتعالى لا يستطيع ان يقيم الدليل المباشر المتطلع الى العالم الى ان مجرد تجمع الذرات والجزئيات عن طريق المصادفة ان يؤدي الى ظهور الحياة واستمرارها وتوجيهها بالصورة التي نشاهدها في الخلايا الحية. لقد هاجم روجر بيكون ومن بعد ديكارت المنطق الارسطي وما يضفي اليه من اعتماد العلم على طريقة القياس وقال انه ينبغي ان نعتمد قبل كل شيء على التجربة، وكان المنهج العلمي الصحيح هو الذي يجمع بين التجربة والقياس اي بين الاستقراء القائم على التجارب وبين القياس المحكم واطلق على هذا المنطق الحديث، ولم يكن هذا الجمع في الحقيقة الى ما دعا اليه البيروني وابن الهيثم وجابر بن حيان من علماء المسلمين، ثم جاء مفكرو الغرب من بعد ذلك يعلنون ان المنطق الارسطي قد انتهى زمنه وحل بدلاً عنه المنهج العلمي الذي يعتمد دراسة الظواهر ورصدها مع الجمع بين التفكير النظري وبين الملاحظة والتجربة. وجاءت اراء كانت وديكارت ونيوتن في الطبيعة وانكسار الضوء والابصار، فهللت لها اوربا ثم تبين من بعد ان اغلبها مأخوذ من ابن الهيثم، وهلل الغرب لوليام هارفي ووصف بأنه مكتشف الدورة الدموية مع ان مكتشفها المسلم الذي سبق هارفي بقرون هو ابن النفيس. وما نادى به لا مارك من اثر الطبيعة والبيئة في الاحياء قد سبقه اليه ابن خلدون حيث قال ان العادة قد تغير من صفات العضويات كما يغير المناخ، وقبل كبلر وغاليلو وكوبر نيك وضع العلماء المسلمون علم حساب المثلثات بطريقة منظمة واعتبر علماً اسلامياً وعملوا الارصاد واقاموا المراصد وقدروا ابعاد النجوم والكواكب وقالوا بأستدارة الارض وقاسوا محيطها وحسبوا طول السنة الشمسية ورصدوا الاعتدالين وكتبوا عن البقع الشمسية وعن الخسوف والكسوف ووضعوا اسماء كثر من الكواكب التي ما تزال تستعمل حتى اليوم من مثل الدب الاكبر والدب الاصغر والحوت والعقرب. هذا كله يعني ان الاصول العامة التي تفرعت من بعد قد ارسى دعائمها المسلمون حتى جاءت النهضة الحديثة فأندفعت الى افاق بعيدة واتسعت مجالات العلم من كيمائية وفيزيائية وجيولوجية ورياضية وفلكية وطبيعية ونبات وحيوان، وصلت الى المفاعلات الذرية والتفاعلات الكيميائية المختلفة وارسال القذائف الصاروخية والاقمار الصناعية وسفن الفضاء، هذا كله وغيره مما ابدعه الانطلاق العلمي الحديث غير ان الملاحظة ان هذا التقدم العلمي قد اعترضته مجموعة من المحاذير الخطيرة فما هي هذه المحاذير؟ ******* من عطاءات الفكر الاسلامي لحضارة الغرب - 224 2009-03-29 00:00:00 2009-03-29 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4307 http://arabic.irib.ir/programs/item/4307 وفي هذه الجولة ان شاء الله نتعرف على قضايا معاصرة تهم الانسان في حياته وفي تفكيره وتطلعاته لكن الشيء المهم ان نتتبع هذه القضايا في مسيرها التاريخي حتى نصل الى جذورها، ولاشك ان الوقوف على الجذور والاصول يجعلنا نفهم بيسر واقع القضية وسماتها واهدافها وحتى مستقبلها فالى اين تكون سياحتنا في لقاء اليوم؟ انتقل نتاج الفكر الاسلامي الى اوروبا واستقر في الاندلس حوالي ثمانمئة عام فكانت منار الغرب كله وكانت جامعاتها موئل المثقفين مختلف البلدان الاوربية وهذه البلدان كانت قد سقطت في ظلمات القرون الوسطى منذ عام 400 للميلاد وظلت سادرة في ظلامها حتى اوائل القرن الخامس عشر، بعد ان قطعت اكثر من الف سنة، كانت اضواء الحضارة الاسلامية خلالها قد غمرت الافاق، كان المسلمون قد وصلوا الى شواطيء اوروبا في اوائل القرن الثامن الميلادي اي بعد اربعمئة سنة تقريباً من سقوط روما ومنذ ذلك الوقت وحتى سقوط غرناطة في اواخر القرن الرابع عشر الميلادي كان وجود الحضارة الاسلامية في اوروبا وجوداً مشهوداً مؤثراً تركز في الاندلس وجنوب فرنسا وايطاليا. وكان انهاء هذا الوجود على النحو الذي تجمع عليه كتب التاريخ الاسلامي والغربي جميعاً هو اشبه بمؤامرة ضخمة ‌حاصرت العلم والجامعات والنتاج الاسلامي كله ثم اخرجت المسلمين من هناك الى شاطيء افريقيا تحت شعار اوروبا للاوروبيين. خلال الفترة الخصبة التي استمرت من سنة 722 الميلادية الى سقوط غرناطة عام 1492 تحول الى اوروبا كل نتاج العلم الاسلامي داخل اطار فكره الجامع وهي فترة تربو على 770 سنة كاملة، ومن هذا النتاج وادواته ومصادره قامت النهضة الغربية الحديثة التي عرف بأسم الريمسامز والتي تمثلت في مصادر كثيرة ابرزها اولئك العلماء الذين تعلموا في جامعات الاندلس ثم انتشروا في جامعات فرنسا وانجلترا وايطاليا فكانوا نواة النهضة الاوروبية الحديثة وتناولوا الخيط من نقطة توقف المسلمين وساروا به حتى بلغوا بالعلم والحضارة المبلغ الذي نراه اليوم. لكن النهضة الاوروبية لم تتخذ الفكر الاسلامي مصدراً لها وان كان قد فتح لها الافاق الى المدنية وكان اول ما اعطاها الفكر الاسلامي مفهوم الارادة الانسانية الحرة، هذا المفهوم الذي حطم مفهوم العزلة عن الدنيا والعكوف في الاديرة، ثم اعطاه حرية فهم النص المقدس والاتصال بالله تعالى دون توسط القساوسة، وهذا ما دعا اليه لورثر وكانتن. ثم كان المنهج التجريبي الذي وصل الى نقطة اساسية هي معرفة اسلوب الوصول الى كشف قوانين الطبيعة بالاضافة الى ذلك التراث الضخم في عالم الفلك والبحر والطب والصناعة الذي عاشت عليه اوروبا بعد ذلك ثلاثة قرون كاملة حتى استطاعت ان تقيم به النهضة الصناعية المدنية. ان الاسلام لم تتقبله اوروبا منهجاً للحياة لكنها اخذت منه الاسلوب العلمي في حين ان هذا الدينا طلق العقل الانساني من قيوده التي كبلته بها الوثنية غير ان اوروبا صاغت فكرها الجديد من اصول قديمة قوامها الفلسفة اليونانية والقانون الروماني وطابع المسيحية في تفسيراتها التي لم تكن تمثل الدين الذي انزل على بني الله عيسى (عليه السلام)، وكان من نتيجة ذلك ان العلم لم يتخذ موضعه الصحيح الذي رسمه له الاسلام او الدين بشكل عام، فكان ان تقدمت اوروبا في مجال العلم التجريبي وانحرفت في مجال الفكر الفلسفي والاجتماعي والسياسي على النحو الذي اسلمها من الفلسفة المثالية الى الفلسفة المادية التي يعيش الان الغرب فيها حياته كلها، وكان لذلك اثره في اتجاه العلم ونتاجاته وخططه في المجتمع والحضارة وتلك هي ازمة العلم والحضارة في الغرب. والعلم في الغرب حينما بدأ يقدم اكتشافاته وقع الصدام بينه وبين رجال الكنيسة فقد كانت الكتب القديمة قد وضعت مقررات على الطبيعة والارض والزمان اختلفت مع ما حاول العلم ان يثبتها فكيف كانت نتيجة هذا الصراع؟ لقد انتهى الصراع بموقف عداء مع رجال الدين بل ومع الدين نفسه، وفي هذه المراحل استعلى العلم بكشوفه وحاول ان يشق الطريق بعيداً عن الدين وظهرت مفاهيم مختلفة منها الدين البشري والالحاد والخصومة بين الدين والعلم، غير ان العلم الذي اصابه الغرور الشديد حين اعلا مفاهيم المادة والعقل وانكر الجوانب الاخرى في الحياة الانسانية كالروحية والغيب والوحي والدين انما يكون قد شق طريقاً صعباً يتمثل واضحاً في كتابات ارنس رنلت واربست سبنسل وغيرهم من الفلاسفة لا العلماء، اجل ان هؤلاء‌قد حاولوا تفسير الحياة تفسيراً مادياً صرفاً وبلغ الايمان بالعلم درجة كبرى حتى وصفه ارنست في كتابه مستقبل العلم بأنه سينقذ الانسانية وان العصر الذي يسود فيه العقل وتصل فيه الانسانية‌الى الكمال آتي بلا ريب، من هنا ظهر مفهوم ان العلم هو كل شيء ولا شيء غيره وانه هو الذي ينظم المعرفة على اختلاف انواعها. ومن ثم نشأت نظرية قيام المجتمع على اساس المحسوس والمعقول وحدهما وانكار ما سوى ذلك من دين وغيب ووحي ورسالات السماء، والواقع ان العلم قد اكتشف بعد ان قطع اشواطاً طويلة انه غير قادر على الاجابة عن كثير من الاسئلة المهمة والحياتية ومن ثم فقد تقرر بصورة عامة ان العلم لا يفسر الاشياء ولا يعللها ولكنه يصفها ويقررها اي ان مهمة‌العلم قاصرة على وصف الظواهر وتقريرها وبهذا خفف العلم من غلواء النظرة الاولى التي كانت في اذهان الاوائل وهي تفسير الوجود بحيث يصبح العلم هو المنهج الوحيد للمعرفة سواء في مجال العلوم الطبيعية والرياضية او مجال العلوم الانسانية، وقد تخلى العلم عن الاجابة عن لماذا بعد ان تبين عبث هذه المحاولات وعقم نتائجها وهكذا ترك العلم للفلسفة مهمة البحث عن العلل النهائية للوجود بعد ان عجز في هذا المضمار ولم يسفر بحثه عن شيء. وكانت تلك خطوة هامة في تصدع هيمنة العلم الذي اضفوا عليه في الغرب صفة الهية مطلقة ومعبوداً متبعاً في كل ما يقول، وسنواصل ان شاء الله متابعة تاريخ العلم المادي الذي بدأ يقضي على سلطانه بنفسه. ******* أخطار تواجه أصالة الفكر الاسلامي - 223 2009-03-27 00:00:00 2009-03-27 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4306 http://arabic.irib.ir/programs/item/4306 يجري في الاوساط الثقافية والادبية الحديث عن الاصالة بأعتبارها حالة جديدة تحتاج الى موقف واضح ومحدد والواقع ان الاصالة في الفكر الاسلامي لها مفهوم يقوم على اساس الحركة الى المعاصرة دون افتقاد نقطة البدء ودون الانفصال عن المتابع والضوابط والاطر الثابتة التي هي عماد ذاتية المسلمين ومنطلقهم، والنظرة الى الاصالة هنا هي من خلال السمة الاسلامية المتكاملة القيم والموازنة بين القدرات المتحركة دائماً الى الامام مع صون الهوية والاطار الاصيل، ولا ريب ان اي انفصال بين المعاصرة والاصالة من شأنه ان يولد تمزقاً وانفصاماً في الشخصية المتماسكة وامامنا التجربة التركية التي خسرت الاصالة وحرمت في الوقت نفسه من الدخول في المعاصرة فكانت كالغراب الذي ضيع المشيتين. المعاصرة تستهدف اعطاء المجتمعات قدراً من التحسن المادي والتقدم في اساليب المعيشة ولكن هذا لا يصح ان يكون مصدراً لتعريض النفس المسلمة الى الاضطراب والانحراف بأن يفرض عليها التخلف عن تكاملها او غض النظر عن اخلاقياتها التي يجب ان تظل تحكم حركاتها في العطاء والاخذ دوماً. الاصالة ليست وصايا على المعاصرة ولكنها حامية لها من محاذير الخطر الذي اجتاح الامم الغربية حين انفصلت عن المنابع واعطت نفسها حق التطور المطلق والاعتقاد بنسبية الاخلاق وتبرير الواقع العصري بما فيه من فساد وانحراف وتخلف انساني واضح، واذا كانت المجتمعات الغربية قد ضعفت امام تيارات الالحاد والاباحية العارمة ففقدت اصالتها ومقدرتها فأن المجتمعات المسلمة ما تزال تقاوم مستعينة بقيمها التي تمنح القدرة على الثبات في وجه هذه التيارات طالما يؤمن المسلمون بأنهم لا يقبلون الحضارة الحديثة الا كوسائل ومواد خام ولا يقبلون منها الا ما هو مشاع للبشرية من علم وتكنولوجيا ليصهروها في قوائم فكرهم وفي هذه الحالة تظل محاولات التغريب عاجزة عن احتواء المسلمين وتذويب هويتهم وكينونتهم الذاتية المتميزة الاصيلة. اجل، ان الخطر الذي يواجه الاصالة في كثير من بلدان المسلمين انما يأتي من عجز نظم التعليم والقانون والثقافة، هذه النظم التي مازالت تستمد اصولها واتجاهاتها من افرازات الفكر الدخيل فتحول دون قيام الاجيال بتحمل مسؤوليتها عن طريق الثقة بهويتها الاصيلة وسماتها العميقة الاصيلة، ولقد قصد الاستكبار ان يفرض لغته وعاداته واسلوب تفكيره وحجب كثيراً من الصفات المميزة والسمات الاصيلة لهذه الامة، من هنا بدا في وقت ما اننا نفقد اصالتنا تدريجياً واننا نذوب في ثقافة غريبة عنا ولا نستطيع لها مساغاً، وما تزال النظم والاخطار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتربوية تحمل ادران هذا الخطر الغربي. ان من اخطر المحاذير ان نضحي بذاتيتنا العميقة ومقوماتنا الخاصة في سبيل الحصول على الشكل الغربي والتماس الغثاء الاجنبي ظناً انه سيحقق لنا ان نكون على قدم المساواة مع الغرب فأذا تحقق هذا فعلاً فاننا سوف نجد انفسنا عالة على هامش الحضارة لا قدرة لنا على ان نقدم فيها اضافة جديدة وسوف نصطبغ بصبغة باهتة لا تسمن ولا تغني من جوع، ونكون في نفس الوقت قد خسرنا اعظم ما نملك، ذاتيتنا واصالتنا وطابعنا الخاص الذي هو رأسمالنا الاصلي والذي نستطيع بالمحافظة عليه ان نحقق العصرية ومن الحضور الحضاري ما يجعلنا في صف الامم الحديثة دون ان ننصهر او نذوب في وجود غريب وعندها نستطيع ان نقدم للبشرية ما لدينا من قيم ومناهج ومن حلول للمشاكل البشرية هي اشد ما تكون حاجة اليه. الاقتباس ضرورة بين الامم ومحيط الثقافات والنظم والمدنية، وهذا الاقتباس ينبغي ان يتم بأرادة كاملة وفي حالة من حالات الرشد التام مع الايمان العميق بالجذور والقيم الاساسية دون ان تفرض فرضاً او تلتزم تحت ضغط سياسي او استعماري او اية سيطرة من اي نوع، نعم ان قوام الاقتباس والمعرفة الكاملة بالفروق الواضحة والعميقة بين العقائد والمعارف وبين العلم والفلسفة وبين المدنية والثقافة وان تجري في اطار كيان الامة وشخصيتها ومزاجها وسماتها الاساسية ودون ان يتعرض اي مقوم من مقوماتها للخطر او الاختلاط او الاضطراب، ومن المعروف ان المسلمين قد تعرضوا للاقتباس وهم تحت ضغط النفوذ الاستعماري المعادي الذي جاء ليستهدف تحويل الامة عن قيمها واخراجها من مقوماتها وصهرها في بوتقة ما يسمونه العالمية والاممية مستهدفاً افقادها قدراتها وكيانها الخاص حتى تستسلم عن طريق الفكر للاحتواء وتقع في دائرة النفوذ الاجنبي. ان ابرز محاذير الاقتباس فقدان المعاصرة وفقدان الاصالة ذلك ان المعطيات التي يراد اقتباسها من الفكر الاخر تختلف من حيث الزمن ومن حيث المكان ومن حيث العوامل التي دعت الى استعمالها، كذلك تختلف العقائد والقيم والاخلاق بين مجتمعين مختلفين ديناً ولغة وتقاليد، ومن هنا فأن عملية الاقتباس التي تمت في هذا القرن لن تكن عن ارادة حرة للمسلمين وانما فرضت فرضاً بتغيير انظمة التعليم والقانون والثقافة وانها لم تجد اجابة‌حقيقية لانها لم تكن الحل الحقيقي للموقف، عملية الاقتباس بجانبيها الغربي والماركسي قد منيت بالفشل ولم تستطع حل قضايا المجتمع الاسلامي بل عقدت الامور ونقلت هذا المجتمع الى حافة الازمة بل كانت من اسباب الهزائم المتتابعة ازاء الصهيونية والاستعمار لانها افقدت المجتمع ذاتيته في النظر الى الامور واحالته الى منهج آخر مادي صرف وتبدو روح القرب واعرافه واضحة من قوانين ونظم وتشريعات مجافية للاخلاق والتي تتجاهل الجزاء الاخروي ومنها اباحة الربا واباحة العلاقات الجنسية المحرمة ومنها صيرورة المال غاية بدل ان يكون وسيلة للحياة الطيبة الكريمة، بل لقد نشأت الليبرالية والماركسية معاً وانكشف المجتمع المسلم امام نفسه وتبين له انه لا يستطيع الانتصار الا بتأكيد ذاته واقامة منهجه الاسلامي الاصيل. ******* الاقتباس في الفكر الاسلامي - 222 2009-03-25 00:00:00 2009-03-25 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4305 http://arabic.irib.ir/programs/item/4305 من التحديات التي يواجهها الفكر الاسلامي هي الدعوات التي تتعالى بين وقت وآخر بأسم المعاصرة والتقدم والتفتح والحداثة، لتخدم التغريب والتبعية للغرب التي تريد ان تقضي على القيم الاخلاقية والانسانية التي بشر بها الانسان، الاصالة ليست تشبثاً بالماضي او تعصباً له وليست تقديساً للتاريخ لكل ما فيه ومن فيه لكنها ايمان بالقيم القرآنية الثابتة ومحافظة على كيان الامة وذاتيتها الاصيلة، والعصرية انما هي محاولة لفرض مباديء واهداف غربية تريد احتواء الفكر الاسلامي واخضاعه للواقع الغربي في قيمه ومذاهبه مع تجاهل واضح لما بين الفكر الاسلامي والفكر الغربي من تباين عميق في قضايا كثيرة، اما اذا كانت العصرية يراد بها دفع الاسلام والفكر الاسلامي الى الالتقاء بالمدنية العالمية والفكر البشري اخذاً وعطاءاً ورفضاً فهذا مما لم يتوقف في يوم من الايام، فقد كان الفكر الاسلامي دائماً فكراً مفتوحاً يمتلك قدرة الاخذ والعطاء بأختيار يتوافق مع مضامينه الاصيلة ومبادئه الاساسية التي لا تحول ولا تزول. وقضية الاقتباس امر لا مفر منه في محيط الثقافات والنظم والمدنية، وهذا الاقتباس لابد ان يجري بأرادة واعية حرة تفهم ما تفعل وما تترك اي ضغط او اكراه، ولابد ان يقوم الاقتباس على معرفة كاملة للفوارق الواضحة والعميقة بين العقائد والمعارف وبين العلم والفلسفة وبين المدنية والثقافة وان تتم في اطار كيان الامة وشخصيتها ومزاجها وسماتها دون ان يصاب اي مقوم من مقوماتها بالخطر او العطب او الاضطراب. ان اهم شروط الاقتباس هو نقل الايجاب الصالح والتوسع في نقل العلم التكنولوجي مع التحفظ في نقل الثقافة والادب، ذلك ان العلم ليس ملكاً للغرب ولا للشرق لكن الثقافة والادب جزء منها هي ملك خالص لكل امة قيمها الاجتماعية والاخلاقية والمدنية وتلك هي المجالات التي تبرز فيها طبائع الامم والمعروف ان القيم الاساسية بالنسبة الى اية امة او اية ثقافة هي كالتربة للنبات وللجذور ذلك ان كل تربة لها مقوماتها التي تستطيع ان تستقبل حضانة نبات معين او بذرة بعينها في حين لا تقبل عشرات البذور الاخرى التي تموت. في هذا الصدد الى رأي كاتب غربي اذ يقول، ان البشر والشعوب لا يقبلون من التأثيرات والعوامل الا ما كان ملائما للخلاصة الخاصة من عقليتهم، وسايراً لما فيها من حركة وتوثب وبعبارة موجزة لا يجوز ان يقتبس الناس من غيرهم ولا الشعوب من بعضها الا ما كان حياً في قرارة انفسهم متوثباً للوجود، واذا كان هذا هو مفهوم باحث غربي بالنسبة الى موقف الفكر الغربي من الاقتباس فلماذا يكون مفهوم الاقتباس عندنا عاقاً للفطرة خارجاً عن القوانين الطبيعية والاجتماعية التي تسلكها الامم، كان حقاً ان يكون مفهوم الاصالة التي عرفها الفكر الاسلامي حاضراً في وعينا يفرض علينا ان نرفض نظرية الخضوع التي ينادي بها دعاة التغريب والتي تقوم بقبول الحضارة الغربية بفكرها وخيرها وشرها ما يحمد منها وما يعاب. امامنا تجربة اصيلة، هي تجربة المسلمين في القرن الرابع الهجري في الاقتباس والترجمة فقد اخذوا ما يتفق مع مقوماتهم الاصيلة وقيمهم الاساسية وردوا ما يختلفوا معها ولم يقف الامر عند هذا الحد بل انهم صهروا ما اقتبسوه في بوتقتهم وحولوه الى كيانهم فلم يغير من معالم شخصيتهم شيئاً انما اضاف قوة جديدة الى حياتهم، وكذلك فعل توماس الاكويني في مطلع نهضة الغرب حينما ترجمت اثار الفكر الاسلامي الى اللغات الاوروبية فأنه عمد الى غربلة اثار الفكر الاسلامي ولم يقبل منها الا ما يسيغه الفكر الغربي، وعندما ننظر نظرة موضوعية منصفة الى الذين يفرضون علينا الاقتباس غير المشروط نجد باحث كبيراً مثل هنري بوردو يقول لقومه لاشيء اقتل من تغلغل الافكار الاجنبية لان الغاية التي تصل اليها هذه الافكار انما هي جرح مواطن حسنا وشعورنا، فأذا اردنا ان تكون ثقافتنا نوعاً من النمو لا التشويه لجدنا ان نجعل هذه الثقافة عاجزة عن تغيير طبيعتنا وروح عنصرنا، من هنا يجب قبل كل شيء ان ندرس انفسنا فأذا وثقنا بأنفسنا بعد هذه الدراسة تمكنا من استخدام قلوبنا وافكارنا كما يستخدم القائد جيشه الامين الذي يرتفع عن الانضمام الى العدو فحينئذ نستطيع فتح العالم اي الاتصال بآداب الامم. اجل، ان خطر الاقتباس والاستعارة يبدو واضحاً حين نرى امماً كبرى تخشى على انفسها منه وهي قد بلغت الذروة في التقدم والترقي وليس لها من محاذير الاستعمار وتحديات التغريب والغزو الثقافي التي تهدد المجتمعات المسلمة وتحاصرها، نعجب لان مثل هذه الامم حذرة ونعجب لاننا ونحن بين شقي الرحى وفي قلب خطر الصراع نستهين بالامر وننظر اليه ببساطة بل ربما عده البعض امراً لا اهمية له ولا يستوجب الحذر والاحتياط، في هذا السياق يقول جان بول سارتر، لو افترضنا ان شعباً اوربياً صغيراً اضطر ان يستعير من الايدولوجية الامريكية او الروسية شيئاً فهذا الشيء المستعار لن يبدل جوهره بعد الاستعارة الا بعملية هضم صحيحة وسليمة، ذلك لان اصولهم مستمدة من طبيعة الاقتصاد والوضع الاجتماعي والسياسي في امريكا او روسيا والمستعير حين يكون سطحي الثقافة لن يستطيع ان يبدل طبيعة هذا الوضع فيبقى الشيء المستعار في جوهره امريكياً او روسياً يفرض على ثقافة صغيرة لا قبل لها بتحويله او طبخه من جديد وذلك لاسباب متعلقة بطبيعة ضعفه السياسي والحاجة الاقتصادية والفقر الثقافي. اذن هكذا ينظرون في الغرب الى الاقتباس في ساحة فكر واحد الاصل والمصدر بينما لا نقدر نحن محاذير الاقتباس ونحن من امة اخرى لها سماتها المتميزة وذاتيتها المتفردة ولا ريب ان التقليد ادنى درجة من الاصالة واضعف شخصية والمقلد لا يستطيع ان يكون ذلك الاجنبي ولا يستطيع ايضاً ان يعود الى اصله وينابيعه. من هنا تنسخ ذاته نسخاً تاماً وتضيع في اوهام الاممية والعالمية التي تنصهر فيها الامم الضعيفة بعد ان تساهل في مقوماتها واعراقها الخاصة. واخيراً فأن الاصالة تحتم علينا ان نواجه الاقتباس بحكمة بالغة وان يكون لنا موقف واضح من بقية القيم. ******* معرفة النفس الانسانية -3 - 221 2009-03-22 00:00:00 2009-03-22 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4304 http://arabic.irib.ir/programs/item/4304 في مجال فهم النفس الانسانية، قدم علماء المسلمين طائفة من العناصر العامة تمثل الرؤية الخاصة في هذا السياق، وهي رؤية تختلف تماماً عن الرؤية الغربية المادية وان النظرة الاسلامية هي نظرة جامعة كاملة متوازنة تقوم على‌ تقدير الجوانب المعنوية والجانب المادي في الانسان، وتهذيب الاخلاق انما يقوم على معرفة عيوب النفس التي ينبغي تجنبها، والنفس ليست جسماً وانما كالعرض بالقياس الى الجوهر وبها يحيى البدن الذي هو مظهر كمالاتها في هذا العالم المحسوس، والغاية من السلوك الانساني في الرؤية الاسلامية معرفة الباري تبارك وتعالى وانتهاج رسالته في الحياة في الايمان والعمل الصالح، ولا يستطيع المرء ان يفهم حقيقة النفس ما لم يستمسك بالخيط الذي كشف عنه الدين وما لم يؤمن ان الدين هو العامل الذي رفع الانسان من الضعف البشري الى افاق السمو واعتلى به من البهيمية المادية الى الروحانية والسمو، والواقع ان النهج الالهي في الانسان والنفس هو المصباح المنير الذي يضيء طريق الانسانية متفرداً من بين كل المناهج الارضية الاخرى. الباحث النفسي كارل يونج كشف عن الخطر الذي يواجه النفس الانسانية في هذا العصر من التمزق والمرض، يقول في كتابه النفس غير المكتشفة استشارني خلال الاعوام الثلاثين الماضية اشخاص من مختلف شعوب العالم المتحضرة وعالجت مئات من المرضى فلم اجد مشكلة واحدة من مشاكل اولئك الذين بلغوا منتصف العمر لا ترجع في اساسها الى افتقارهم الى الايمان وخروجهم عن تعاليم الدين، ويضيف يونج يصح القول بأن كل واحد من هؤلاء قد وقع فريسة المرض لانه قد حرم سكينة النفس التي يولدها الدين ولم يبرأ واحد من هؤلاء المرضى الا عندما استعاد ايمانه واستعان بتعاليم الدين في مواجهة الحياة. ان سر ازمة الانسان كما يرى يونج هو انه لم يستكشف ذاته وتحرر الانسان من التحديات التي تواجهه انما يرجع الى فهم النفس والتغلغل في اعماقها والوصول الى معرفة كافية للانسان والى اقامة تقويم له سليم لدى الانسان الذي يسحقه الان التطور المادي ويعصف بقلاعه، يقول ان النظريات العلمية لا نفع فيها فبقدر ما تكون النظرية الشاملة تعجز عن الايمان بالواقع الخاص للذات وكل نظرية تعتمد على التجربة هي بالضرورة نظرية احصائية فهي لا تقدم الا متوسطاً حسابياً. ويقرر هذا الباحث النفسي المعروف ان النفس الانساني كائن مستقل هو نقيض للمادة والجسم وعنه تصدر ظواهر الوعي والشعور والارادة وله وجوده القائم بذاته وقوانينه الخاصة المميزة، ثم يقف يونج على مفترق الطريق ليرى المنهج الصالح لدراسة النفس الانسانية، فهو يرى انه ليس مذهب زميله وصديق شبابه فرويد وليس مذهب الفكر الغربي وليس مذهب الماركسية وكان لابد ان يصل الباحث المتبصر الى المنهج الاسلامي الاصيل في معرفة حقيقة النفس، اما الدعوة الى الوجودية او منهج الاستبطان الذاتي او منهج البوذية او غيرها من الدعوات المادية الخالصة او الروحية الخالصة في الشرق ام من الغرب فأنها لم تؤدي الى فهم حقيقة النفس لانها غالباً ما تحجب ذلك الترابط الاصيل بين الروح والمادة وبين النفس والجسم كما يتجلى في المنهج الاسلامي المنقذ. ولا ريب ان مفهوم الاسلام عن النفس الانسانية اساسه الاعتراف بحقوق الانسان وميوله وعواطفه، اما ما يعرف اليوم بأسم علم النفس فهو مجرد نظريات وفروض وليس حقائق ثابتة، وهذه النظريات قد قامت على تجارب خاصة بالباحثين ومنهم من له ظروفه الخاصة العقلية والاجتماعية من اضطراب عقلي او اضطهاد، ومن اللائق من الوجهة الموضوعية الحذر من اهواء الباحثين التي لا ترتقي الى مستوى القيم الثابتة التي لا تتغير بتغير الظروف والازمان والبيئات. في هذا الصدد نتعرف على طرف مما كتبه جون كارل فلوجل في كتابه الانسان والاخلاق والمجتمع كتب فلوجل يقول، عجزت العلوم الحديثة عن الوصول الى الحقيقة وموقف علم النفس الان اشبه بموقف الطبيب يشاهد مريضاً بين الموت والحياة دون ان يستطيع تشخيص الداء عن طريق الحدس والتخمين وان مكتشفات التحليل النفسي ونظرياته في ميدان الغريزة الجنسية قد صدمت شعور كثير من الناس فهم يشعرون ان علماء النفس حين يحاولون فهم البواعث التي ترتكز عليها القيم الخلقية والدينية قد يحطمون هذه القيم نفسها بل لعلهم يعمدون فعلاً على تحطيمها، وحذر فلوجل من نتائج هذه الابحاث وخاصة ما يتعارض منها مع النظم والعقائد ويقول ربما كان علماء النفس هم انفسهم من المصابين بتلك العقد التي يحلو لهم الحديث عنها ومنها جاءت معظم احكامهم مشوبة بالهوى قائمة على معرفة مبتثرة. اجل، من كل هذه المراجعات في موقف الاديان والفلسفات والمذاهب نجد ان الرؤية الاسلامية هي اعمق الرؤى واوسعها واكثرها واقعية واصدقها تعرفاً الى الفطرة واقربها الى العلم والعقل. الانسان في نظر الاسلام هو كائن كين لاهو بالملاك ولا هو بالشيطان له مطامح تشده الى الارض وله اشواق تربطه بالسماء، والاسلام من اجل اقامة التوازن بين نوازع الانسان واشواقه يرسم لها طريقاً وسطاً ويعمد الى ايجاد الموائمة في نفس الفرد بين قواه المختلفة، مما يفضي الى سلامة الكيان البشري والى تناسق رائع بين الفرد والجماعة ‌فهو يحفظه دون ان يجمد بالرهبانية ودون ان يتمزق بالاباحية حتى يستطيع ان يكون قادراً على اداء رسالته وتحمل مسؤوليته. الاسلام يحقق للانسان رغبات جسده وعقله وروحه وان اعتراف الاسلام بالروح البشرية وبحق ممارستها مع وضع الضوابط والحدود لها انما يحول دون ما يسمى بالكبت والتمزق والضياع، هذا الدين يقوي الامل الانساني برحمة الباري تعالى، فليس في الاسلام اي ملمح لليأس او انهزامية او ضعف او تشاؤم وكذلك فأن هذا الاتجاه الجامع الوسط يحول دون طوابع الوثنية او عبادة الشهوة، الى جوار ذلك كله يوجه نحو قيم التضحية والتقوى والبذل والبناء، حياكم الله شكراً لحسن استماعكم. ******* معرفة النفس الانسانية -2 - 220 2009-03-18 00:00:00 2009-03-18 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4303 http://arabic.irib.ir/programs/item/4303 النفس الانسانية مؤهلة في الخلقة لطريق الخير وطريق الشر، وارادتها الحرة هي التي تتجه بها الى احد الطريقين. من اجل هذا جاء الدين الحق عن طريق الوحي الالهي ليهدي الانسان الى خير السبل واهداها وليحذره من الطريق المنحرف، وللنفس اثارها في الجسم نتيجة الارتباط الوثيق بينهما فأن ما يصيب النفس من الشك او الملل او القلق او الخوف له اثره في الجسم والاسلام يدعو الانسان الى ان يفهم ذاته ويفهم الكون وعالم الغيب الذي صدر منه الكون بمنطلق رسالة الدين، اما فكرة اكتشاف الفرد لنفسه بغير معين او دليل او علم اصيل فأنها وسيلة لتدميره، وقد هدى الدين الحق الانسان الى مكانه في الكون والى رسالته ومسؤوليته وامانته، وعلمه فهم العلاقة بين العوالم الثلاثة، عالم الطبيعة وعالم الانسان وعالم الغيب ودعاه الى الحذر من ان تبهره الكشوف الطبيعية. فأن في نفسه ما هو ادق من ذلك صنعاً، «وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ» ولا يستطيع الانسان ان يفهم حقيقة النفس الا اذا التمس الخيط الذي كشف عنه الدين وهو انه مخلوق لغاية ورسالة ولم يخلق عبثاً او سدى وان الدين هو العامل الذي رفع الانسان من ضعف البشر الى سمو الانسان وارتقى به من الحيوانية المتصلة بتركيبه الجسماني الى الروحانية المتصلة بتركيبه المعنوي. ان النفس الانسانية فيما قدم الدين هي واضحة المعالم والاتجاه تمام الوضوح، لو ان الانسان المعاصر التمس هذا العلم، اما العلم التجريبي فأنه ما يزال قاصراً عن فهم الانسان وسيظل قاصراً الا في المجال المادي فقط، لان فهم النفس الانسانية لا يوصل اليه بالادوات الموجودة الان في ايدي العلماء وهي ادوات العقل والتجربة والعمل، نقرأ هنا للدكتور الكسس كارل قوله ان اغلب الاسئلة التي يلقيها على انفسهم اولئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جواب لان هناك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنة ما تزال غير معروفة، فنحن لا نعرف الاجابة عن اسئلة كثيرة مثل، كيف تتحد جزئيات المواد الكيمياوية التي تكون المركب والاعضاء المكونة للخلية؟ كيف تتقرر الجينيس ناقلات الوراثة الموجودة في نواة البويضة؟ كيف تنتظم الخلايا في جماعات من تلقاء نفسها، مثل الانسجة والاعضاء ثم ما هي طبيعة تكويننا النفسي والفاسيولوجي؟ نحن نعرف اننا مركب من الانسجة والاعضاء والسوائل والشعور ولكن العلاقات بين الشعور والمخ ما تزال لغزاً، اننا ما نزال بحاجة الى معلومات كاملة تقريباً عن فاسيولوجية الخلايا العصبية اي الى اي مدى تؤثر الارادة في الجسم؟ كيف يتأثر العقل بحالة الاعضاء؟ على اي وجه تستطيع الخصائص العضوية والعقلية التي يرثها كل فرد ان تتغير بواسطة الحياة والمواد الكيمياوية الموجودة في الطعام والمناخ؟ ان هذا التعقيد في تركيب الكائن الانساني في وظائفه واوجه نشاطه هو الذي يتسق مع ضخامة وتشعب وظيفته الاساسية في خلافة هذه الارض تعقيداً ما يزال مستعصياً على العقل البشري لانه فوقه واكبر منه. اجل، ان الكسس كارل يرد دراسة الانسان المعقدة الى انه انسان كائن له عالمه الفرد الخاص الذي لا مثيل له في سائر افراده وله عالم جامع للخصائص البشرية المشتركة، يقول ان الفردية جوهرية في الانسان، انها ليست مجرد جانب معين من الجسم اذ انها تنفذ الى كل كياننا وهي تجعل الذات حدثاً فريداً في تاريخ العالم، انها تطبع الجسم والشعور كما تطبع كل مركب في الكل بطابعها الخاص وان ظلت غير منظورة، ومن المحتمل انه لم يوجد فردان بين ملايين البشر الذين استوطنوا الارض قد كان تركيبهم الكيمياوي متماثلاً، وترتبط شخصية الانسجة التي تدخل في تركيب الخلايا بطريقة ما تزال غير معروفة حتى الآن، ومن هنا فأن فرديتنا تتأصل جذورها في اعماق ذاتنا، اننا عاجزون عن اكتشاف الصفات الجوهرية لشخص بعينه فضلاً عن عجزنا لاكتشاف امكانياته. ان هذه الحقائق تقتضي منهجاً للحياة الانسانية يرعى تلك الاعتبارات كلها، يرعى تفرد الانسان في طبيعته وتركيبه وتفرده في وظيفته وغاية وجوده، وتفرده في مآله ومصيره، كما يرعى تعقده الشديد وتنوع اوجه نشاطه ثم يرعى فرديته هذه مع حياته الجماعية، وبعد هذا كله تضمن له ان يزاول نشاطه كله وفق طاقاته كلها بحيث لا يسحق ولا يكبت كما لا يسرف ولا يفرط وبحيث لا يدع طاقة تطغى على طاقة ولا وظيفة تطغى على وظيفة، ثم يسمح لكل فرد بمزاولة فرديته الاصيلة مع كونه عضواً حياً في الجماعة الحية، من هنا فالمناهج التي اتخذها البشر لا نفسهم لن تستطع وضع شيء مناسب لانها لم تصل بعد الى اغوار حقائق هذا الكائن، والمنهج الوحيد لهذه الاعتبارات كلها هو المنهج الذي وضعه للانسان خالقه العليم في تكوينه وفطرته، الخبير بطاقاته ووظائفه، المنهج الذي يحقق للانسان غاية وجوده ويحقق التوازن في اوجه نشاطه ويحقق فرديته وجماعيته. والخلل الذي مني به العلم انما جاء من اعتقاده بقدراته على ان يكتشف الانسان في حين لم يكن ذلك بمقدوره، وقد وجد المنهج الخاص بالانسان والنفس الانسانية كاملاً وعميقاً متدفقاً بالحياة منذ جاء به الاسلام واخيراً فأن المنهج الالهي في الانسان والنفس هو الامل الوحيد الان للبشرية كلها بعد ان تساقطت المذاهب والنظريات كما تتساقط اوراق الخريف. ******* معرفة النفس الانسانية -1 - 219 2009-03-14 00:00:00 2009-03-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4302 http://arabic.irib.ir/programs/item/4302 النفس الانسانية في آفاقها وقيمتها وما يصيبها انما هي موضوع حظي بأهتمام واسع في القديم والحديث، فما هي قصة هذه النفس في هذه الميادين كلها؟ هذا ما ستمر فيه فيما يأتي من الدقائق الآتية من البرنامج. الواقع ان فهم النفس الانسانية هو جزء من فهم الانسان، من اجل هذا اختلف مفهوم هذه النفس تبعاً لاختلاف الرؤى والثقافات والنظريات والفلسفات، وموقف الاسلام من النفس الانسانية شأنه في موقفه من الانسان من ارحب هذه المناهج نظرة واوسعها افقاً واعرفها بميول الانسان وغرائزه وحاجاته واكثرها للنفس تحريراً ودعوة الى الخير والهدى والارتفاع عن الدنايا. من اجل ذلك كان للاسلام علم نفس خاص يختلف عن المفاهيم التي طرحتها بعض النظريات التي قامت على فكرة الخطيئة والخلاص واذلال النفس بتحريم الطيبات وكراهية الرغبات وسد باب الغرائز، ثم ان هذه المفاهيم الاسلامية في مجموعة تختلف عما يطلق عليه في العصر الحديث علم النفس الذي هو في غالب شأنه مجموعة من العقائد والاتجاهات التلمودية المصوغة بأسلوب له طابع علمي خادع. ولاريب ان فيما طرح من افكار ونظريات نفسية عن طريق المدارس الموجودة الان انما هو حقائق واخطاء تصورات صحيحة واخرى فاسدة وفرضيات قد تصدق في بعض المجتمعات ولا تصدق في البعض الاخر الواقع ان الاصول الاصيلة للمفاهيم النفسية انما هي ميراث النبوة وما قدمه القرآن الكريم وصاغه علماء المسلمين في هذا السياق، لقد قدم علماء المسلمين مجموعة من الاصول العامة لفهم النفس الانسانية تمثل نظرة جامعة كاملة متوازنة قائمة على المجاهدة والكظم في مواجهة الرغبات المذلة وقائمة ايضاً على التماس الفطرة والاعتدال في الرغبات المباحة. يقول الغزالي ان الاعتدال هو الميزان الصحيح لجميع انواع السلوك والخروج عن حد الاعتدال الى الافراط والتفريط هو مصدر الامراض النفسية والعلاج هو العودة الى الاعتدال الواجب، والغاية من كل سلوك معرفة الله سبحانه وتعالى. ومراعاة ما امر به سبحانه في كتابه المجيد ليهتدي الناس الى الصراط المستقيم واتباع منهاج التقوى. والغزالي يرى ان للغريزة مراحل ثلاث، افراطاً وتفريطاً واعتدالاً، الافراط يقهر العقل حتى يصرف همة الرجل الى اصطياد اللذائد فيحرم من سلوك سبيل الاخرة او يقهر الدين حتى يجر الى اقتحام الفواحش والتفريط في هذه الغريزة هو الضعف وهو مذموم، اما المحمود فهو ان تكون معتدلة ومتجانسة مع العقل السليم والتشريع، وقد رسم الغزالي لعلاج هذا الامر اشياء ثلاثة هي الجوع وغض البصر والاشتغال بشيء يستولي على القلب، واذا نظرنا الى مفاهيم علم النفس المطروحة الان نجد ان فرويد رد السلوك الانساني الى الغريزة الجنسية ونجد ادلر قد رد السلوك الانساني الى غريزة السيطره بيد ان الاسلام ينظر الى النفس في اطار التوازن بعيداً عن طرفي الاسراف والجمود معاً وقد اباح الاسلام شهوة الطعام والاستمتاع بطيبات الحياة لكنه وضعها في اطار يحمي بها النفس الانسانية من الانحراف وحفظها لكي تكون قادرة على التماس طريقها الى اشواقها الروحية دون ان يغلق عنها هذا الباب، الذي هو احد بابيها الاصليين من حيث هي سلالة من طين ونفخة من الروح. وفي كل نفس منطقة للخوف ومنطقة للامان يتوازيان في الحالة السوية فاذا طغت احداهما على الاخرى حدث ما يخالف الاستواء، والايمان هو مصدر السكينة والطمأنينة والامن فأذا تنكرت له النفس وانساقت للاهواء عاشت في الخوف والقلق والتمزق حتى تعود اليه مرة اخرى، واذا كانت ازمة الانسان المعاصر الان هي الخوف والقلق وما احدثت به من تدمير خطير فأنما يرجع ذلك الى ان النفس انكرت وجودها الحقيقي، والخوف اذا تغلب على الانسان فقد اتزانه وقدرته واصبح انساناً خائفاً من الحقيقة ومن الخيال، خائفاً من الممكن ومن غير الممكن. وقد اعلن القرآن الكريم وجود الحارس الرقيب اليقظ في النفس الانسانية يذودها عن الشر ويدعوها الى الخير وينقلها من الخطأ الى الصحيح، ويسمي القرآن الكريم هذا الرقيب بأسم النفس اللوامة: «وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ» وهذا ما يسمى في العصر الحديث بالضمير، وقد اودع الباري تعالى في النفس البشرية هذه الملكة او الرقيب الحارس اليقظ لتحاسب الانسان على تصرفاته، وقد تؤرق نومه اذا تساهل في اصلاح امره، لكن هذا الرقيب مما يمكن تنميته وتقويته وقد يتركه الانسان فيضعف عن المقاومة وقد يتلاشى امام التبريرات الوهمية المستمرة. ******* مركزية الأصالة في الفكر الاسلامي -2 - 218 2009-03-10 00:00:00 2009-03-10 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4301 http://arabic.irib.ir/programs/item/4301 الاصالة تعني تطلب القيم الاساسية للامة في مجال الحركة صيانة لكيانها من الذوبان والاضمحلال مع الاستفادة من التجارب الانسانية دونما اضاعة للهوية، وهذا يعني تكامل الحاضر مرتبطاً بالماضي ومتصلاً بالمستقبل، وليست الدعوة للاصالة تستهدف الجمود ولا تقليد الماضي وانما هي الارتباط بالخطوط الممتدة بين ماضي هذه الامة ومستقبلها مروراً بالحاضر اي الارتباط بالمنابع الاصلية الاصيلة التي انطلق منها الفكر الاسلامي في نقاءه الناصع الحي. اجل، ان مفهوم الاصالة في الفكر الاسلامي يختلف عنه في الفكر الغربي ذلك الفكر الذي ساقته نظرية التطور سوقاً الى الاعتقاد بالتغير المستمر الشامل فلم يعد يهمه قضية الاصالة الا ضلالها، من هنا تختلط نظرة الغرب الى الماضي بكثير من الاحساس بالاستغناء عنه او محاولة التمرد على القديم وذلك انطلاقاً مع التاريخ الطويل الذي واجه به الغرب ماضيه اللاهوتي وتراثه المتصل بالدين والزهادة والرهبانية، والواقع ان الدعوة الى تغليب العصرية على الاصالة في حياة الامة المسلمة انما هي دعوة مضللة زائفة، كيف؟ ان كلمة العصرية في الفكر الغربي تحمل صورة الانسلاخ من العقائد والتحرر من القيم وعلى حد تعبير الكاتبة الامريكية المسلمة مريم جميلة، ان البلاد الاسلامية قد وقعت فريسة مصطلحات خاطئة منها مصطلح العصرية وقد جنى هذا المصطلح على الاسلام جناية كبرى، وقد اشيع ان الرجل العصري يراد به رجل لا يرتضي الاسلام ديناً، كما يراد به رجل يحاول ان يفسر الدين والعقيدة تفسيراً حدثاً يثبت به ان ليس هناك تعارض بين القيم الاسلامية وقيم الحضارة الغربية ولا شك ان العصرية او العصرنة بهذا المعنى هي فكرة تغريبية خطيرة تهدف الى تحريف الاصول الاسلامية لتبرير الواقع الحضاري المتغرب بما فيه من مخالفات ومعارضات لمفهوم الاسلام او مفهوم الدين عامة. هذه العصرية التي يراد لها ان تشيع انما هي محاولة لفرض مباديء واهداف غربية ترمي الى احتواء الفكر الاسلامي وجعله خاضعاً للواقع الغربي في قيمه ومذاهبه مع تجاهل واضح لما بين الفكر الاسلامي والغربي من تباين عميق في قضايا كثيرة وانه لا سبيل الى تحقيق هذه العصرنة المزعومة الا بأخضاع للفكر الاسلامي الفكر الغربي وهو مما لا يمكن ان يحدث. ان الفكر الاسلامي بأصوله القائمة على التوحيد كان دائماً قادراً على ان يحتفظ بذاتيته الخاصة وبأصالته المتميزة، وقد عجزت كل القوى حتى في احلك الظروف ان تصهره او تخضعه او تفقده مقوماته، واذا كانت الفلسفة اليونانية قد استطاعت ان تحتوي الديانة والفكر اليهودي ثم احتوت الديانة والفكر المسيحي فأنها قد عجزت عن احتواء الاسلام والفكر الاسلامي الذي استطاع ان يتحرر منها وان يكشف عن منطقه وذاته مستمداً اصول ذلك كله من القرآن الكريم نفسه، ومتى وقف الاسلام موقف الثبات والصمود امام محاولات احتواءه او صهره وصف ذلك دعاة التغريب انه جمود وتعصب وهي كلمات ظالمة لا تستطيع بما تحمل من ارعاب وتشهير ان تخضع الاسلام وفكره للسيطرة الغربية. وقد تنبه العديد من المفكرين الغربيين المنصفين الى استقلالية الثقافة الاسلامية وتميزها فكراً وتاريخاً وبلاغة بحيث لا يمكن تفسيرها وفق قوالب المناهج الغربية التي وضعت لفكر اخر بل لابد من تفسيرها وفق المنهج الاسلامي الاصيل، اما اذا كانت المعاصرة تعني حركة الفكر الاسلامي الى مواجهة الحياة العصرية والالتقاء بالحضارات الاخرى والفكر البشري اخذاً وعطاءاً ورفضاً فأن هذا الامر لا يتوقف في يوم من الايام، فقد كان الفكر الاسلامي منفتحاً دائماً قادراً على الاخذ والعطاء وكانت له من اثاره المتطورة ما يمكنه من الالتقاء بالمفاهيم البناءة في مختلف الميادين والمجالات. ان الاسلام بقيمه الاصيلة الثابتة لم يكن عاجزاً عن الحركة والتقدم والعطاء بل ان هذه القيم الاساسية من عقيدة وشريعة واخلاق هي اقوى الحوافز لاعطاء البشرية قيمة انسانية اعلى من مفهومها المادي المحض، وليس من شأن الاسلام على الاطلاق ان يبرر انحراف الفكر الغربي او الحضارة الغربية القائمة او ان يقبل من مفاهيمها ما يتعارض مع جوهر التوحيد او ما يضاد اصوله القائمة على شجب الربا والاباحية والالحاد والوثنية. نعم، استطاع الاسلام ان يحرر الانسانية من اعظم اغلالها وهي العبودية للبشرية واستطاع ان يحرر الفكر البشري من اقسى قيوده وهي الوثنية، وبهذا اطلق مفاهيم الحرية والعدالة التي عجزت الحضارة الغربية اطلاقها والتي باتت معضلة العصر وازمة الانسان المعاصر، يضاف الى هذا ان تكامل الاسلام يجمع بين الروح والمادة والعقل والقلب والدنيا والاخرة مما جعل له قيماً عقلية ونفسية وسعت مجال انسانيته وسماحته وقضت على كثير من الصراعات والازمات خاصة ازمة القلق والضياع والتمزق التي يعيشها الفكر الغربي، اما الميراث الاسلامي فهو ليس تراثاً قديماً متخفياً منفصلاً عن الواقع ولا عن المجتمعات بل هو ميراث حي مليء بالحيوية ولم يتوقف عن التفاعل في المجتمع والفكر خلال اربعة عشر قرناً كاملة دون انفصال وهو تراث بناء ما تزال مفاهيمه نابضة بالحياة قادرة على انقاذ البشرية من المحن والمعضلات. ان مفهوم الاصالة في الفكر الاسلامي انما يقوم على اساس الحركة الى المعاصرة دون افتقاد نقطة البدء ودون الانفصال عن المتابع والضوابط والحقائق الاصيلة التي منحت المسلمين ذاتيتهم ومنطلقهم ولا ريب ان التجارب القاسية التي مر بها المسلمون في مواجهة الاستعمار والغزو الثقافي تجعلهم اليوم اشد حذراً من الاستسلام للاطر الوافدة وتجعلهم اشد حرصاً على ان لا تحتويهم المناهج والمذاهب الغربية، بعد ان تبين لهم ان كل الازمات التي وقعوا فيها والاخطار التي تتصل بنكساتهم المتكررة انما جاءت من ارخاء قبضتهم عن الاصول الاصيلة ظناً منهم ان الجديد الوافد سيكون وحده الذي يهب القدرة على الابداع ويمنح موهبة التقدم المستمر ونحييكم، شكراً لاستماعكم. ******* مركزية الأصالة في الفكر الاسلامي -1 - 217 2009-03-07 00:00:00 2009-03-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4300 http://arabic.irib.ir/programs/item/4300 في لقاء اليوم نمضي في قضايا معاصرة تهم الفكر والثقافة واصالة الامة من اجل الكشف عن جوانب واضاءة ما يمكن اضاءته، اجل ان اخطر التحديات التي يواجهها الفكر الاسلامي هي فقدان الاصالة في مواجهة دعوات عديدة هي المعاصرة والتقدم والتفتح والحداثة، ان هذه الدعوات ذات الاسماء البراقة لا يعجز الفكر الاسلامي عن التعامل معها وفق طريقته الخاصة التي تقوم على اساس عطفها على اصله الاصيل وميزاته وسماته الواقعية الصحيحة، ذلك ان هناك اخطاراً تعترض الاصالة دائماً في هذا العصر بالذات وتختفي وراء اساليب براقة اهمها التغريب والتبعية الذائبة في بوتقة التطور المطلق، وهي كما هو واضح بوتقة غربية تريد ان لا تترك قيمة ثابتة على الاطلاق. ولا ريب ان المنطلق الى الحركة لابد ان يكون من نقطة مركزية ثابتة تظل كالمنار المضيء في ظلمات الليل تهدينا الى الطريق وتكون نقطة البدء كما هي نقطة نهاية الجولة. ان الاصالة هي التي تدعونا الى التماس قيمنا الاساسية في مجال الحركة صيانة للكيان من الذوبان والمحافظة على الذاتية وتحقيقاً للنفع والاستفادة من التجارب الانسانية من دون ان نفقد الهوية، هذا يعني تكامل الحاضر مرتبطاً بالماضي ومتصلاً بالمستقبل، الاتجاه نحو الاصالة لا يعني الجمود ولا تقليد الماضي وانما هي ارتباط بالخطوط الممتدة بين ماضي هذه الامة الى مستقبلها مروراً بحاضرها، انه الارتباط بالمنابع الاصيلة الثرة الصافية التي انطلق منها الفكر الاسلامي نقياً غاية النقاء قبل ان يختلط بأوشاب الفلسفات والفكر البشري وذلك ايماناً بأنه لا حركة الى الامام في التقدم بمعزل عن الضوء الممتد على الطريق من الاسلام نفسه. مفهوم الاصالة في الفكر الاسلامي يختلف عنه في الفكر الغربي ذلك الفكر الذي ساقته نظرية التطور الدارونية سوقاً الى الايمان بالتغير الكامل فلم تعد تهمه من قضية الاصالة الا ظلالها وهو يركز تركيزاً شديداً على التجدد والتحول دون نقطة عودة الى شيء ما، فلا يرى ان الاصالة تمثل اكثر من البعد التاريخي للتحول ولذلك فأن نظرته الى الماضي يختلط بها كثير من الاحساس بالاستغناء او محاولة التمرد على القديم او الاحساس بأنه ليس اكثر من مرحلة عبرت وغيرت وذلك جرياً مع التاريخ الطويل الذي واجه به الغرب ماضيه اللاهوتي وتراثه المتصل بالدين والزهادة والرهبانية، هذا المعنى الذي تنتقضه كل المذاهب الحديثة من نفسية واقتصادية ووجودية واقتصادية. من هنا كان احساس الفكر الغربي بالاصالة ضعيفاً خافتاً لانه فصل تماماً بين فكره الحديث وبين ذلك التراث واقام عازلاً حقيقياً في التحول الى الفلسفة المادية بعد مرحلتي الدين والفلسفة المثالية التين ينظر اليهما على انهما من القديم المتخلف. لقد فصل الفكر الغربي بينه وبين هذا التراث القريب وارتد مرة اخرى الى الارتباط بالوثنية الغربية واحياءها في مذاهب وفلسفات جديدة، تقوم نظرياتها على الاساطير اليونانية الخرافية فقد اتخذ من هذه الاساطير الخيالية البائدة اصولاً لنظريات علم النفس والوجودية كما فعل فرويد وسارتر. الاصالة في الرؤية الاسلامية هي دائماً اساس البناء والتجدد المنضبط بالاصول قد اعترف به الاسلام من خلال عنصر الاجتهاد، وهو وعلامة على الحركة واليقظة امتداداً من الاصالة وارتباطاً بالواقع الحاضر. الاصالة مستمعي الكريم اذن هي ذلك التراث النقي والميراث الحي الذي تشكل عليه الفكر الاسلامي من القرآن الكريم والسنة الصحيحة تفسيراً له وتطبيقاً، انها تجدد متصل يتجه نحو الكمال ويحسب القيم الاساسية ويحرسها وينميها ثم هي اي الاصالة مقاومة دائمة لدوافع الانحراف والتخلف معاً. ان الاصالة ترتبط بالتجدد في نفس الوقت الذي ترتبط فيه بمقاومة التبعية، والفكر الاسلامي حين ينفتح على المعاصرة لا ينسى ابداً قيمه وذاتيه التي لا تذوب او تنصهر في معرض النقل والاقتباس، الاصالة له تحد من المعاصرة والتجديد ولكنها تتعامل على تحرير الحركة من التبعية والتقليد. بعض التيارات المشبوهة في تاريخ الاسلام القديم وتيارات التغريب في تاريخه الحديث كانت تحاول توزيع مجال المعاصرة بحيث تقضي على الاصالة او تذيب القيم الاصيلة للفكر الاسلامي بذريعة الاممية او تقطع ذلك الخيط لكي تضيع القافلة في صحراء الحياة، ولقد كان الاسلام في تاريخه كله قادراً على تحقيق الالتزام بالعصر والتجديد دون ان يفقد الاصالة او يقبل كل ما في العصر او يتجاوز اصوله الاساسية، ارضاءاً او تبريراً او تقبلاً لغير ما يتفق مع التوحيد والحق والعدل وانسانية الانسان. الاصالة ليست تشبثاً بالماضي او تعصباً له وليست تقديساً للتاريخ بحوادثه واشخاصه جميعاً ولكنها ايمان بالقيم القرآنية الثابتة والحقائق الواقعية الباقية التي قام عليها الاسلام كله ومحافظة على كيان الامة في اصالة فكرها، واللافت للنظر حقاً ان الاخطار والتحديات التي واجهت الفكر الاسلامي كانت جميعها تحاول ان تقضي على مضمون الاصالة والارتباط بالجذور والاتصال بالمنابع في محاولة لتصوير العصر على انها نهضة منفصلة قائمة بحد ذاتها سواء في مجال الاداب والاجتماع. وفي طريق القضاء على الاصالة كانت الدعوة الى التساهل والتسامح وتحرير الفكر وهي دعوات حمل لواءها اتباع الفكر الوافد ولا تستهدف الا التسامح في الاصالة او التساهل في الحدود والضوابط او تحرير الفكر من اهم قواعده وهي الدين بمعنى الوحي والنبوة ورسالة السماء واخيراً فأن الدعوة‌ الى تغليب العصرية على الاصالة انما هي دعوة مسمومة وان القول بأن الاصالة هي التاريخ قول زائف مضلل، ذلك ان الاصالة في الفكر الاسلامي انما تمثل تلك الحصيلة الضخمة التي اقامها القرآن الكريم واحاديث النبي واهل بيته الاطهار (عليهم السلام) ونماها علماء الاسلام المرتبطون بالاصول الاصيلة، انها ليست تراثاً قديماً بل ميراث حي لم يتوقف عن الحياة لحظة واحدة في مقابلة المجتمعات والحضارات وسيظل قادراً على العطاء بسخاء. ******* تمايز الثقافة الاسلامية عن الثقافات الغربية -2 - 216 2009-03-04 00:00:00 2009-03-04 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4299 http://arabic.irib.ir/programs/item/4299 تعني الثقافة مجموعة من المعارف والعقائد والفنون والاخلاق والقوانين والعادات التي تميز امة من الامم عن سواها، الثقافة ليست مجموعة من الافكار والمعلومات بل نظرية في السلوك وطريقة حياة يتمثل بالطابع العام الذي ينطبع عليه شعب من الشعوب، وهي من العناصر المميزة لمقومات الامة التي تميز بها عن غيرها من الجماعات فيما تعتمد عليه من العقائد والقيم والسلوك والمقدسات والتجارب والقوانين، من هنا يكون لكل مجتمع ثقافته الخاصة التي تحدد شخصيته، ومن هنا ايضاً تختلف الثقافة الاسلامية اختلافاً جوهرياً عن الثقافة الغربية لاختلاف مقومات كل منهما، فالثقافة الاسلامية تستمد كيانها من القرآن الكريم واللغة العربية وتراث الامة وتاريخها، لكن ثقافة الغرب هي من نتاج الفكر اليوناني والقانون الروماني واللغة اللاتينية وما وصل اليها من تفسيرات المسيحية، وقد اشرنا في لقاء الماضي من البرنامج الى عدد من الفوارق الجوهرية بين ثقافة العالم الاسلامي الاصيل وثقافة الغرب على ما فيها من تعدد وتنوع وايضاً بين روح الجانب الديني الانساني والاخلاق والعلم الحيوي في الثقافة الاسلامية، على حين تؤمن الثقافة الغربية بالمادي الميكافيلي الذي يلغي الدين والقيم ويدفع الانسان نحو الغرائز الحيوانية الفردية ونحو استعلاء الرجل الابيض وتبرير الاستعمار. وغير هذا وذاك فأن الثقافات الغربية تدعو الى اطلاق الحياة وتحريرها كاملاً من كل القيود وقد امسى طابع الاباحية هو ابرز الطوابع لمجتمعاتها بالاضافة الى الالحاد الذي هو سمة ثقافتها، ويستتبع ذلك تعرية كاملة للنفس الانسانية واعلاء جانب الغرائز والملذات واطلاقها الى اخر مدى، والعمل على كشف الجوانب الحيوية والمادية والجنسية وتبرير حريتها وتوجيه كافة المفاهيم والقيم لخدمة هذا الاتجاه، وتختلف الثقافة الاسلامية اختلافاً اساسياً مع الثقافات الغربية بهذا المعنى، وترى ان لكل حرية ضوابط وان المجتمعات لا تستطيع ان تخرج عن مقومات اساسية قائمة على الاخلاق وترى ان هذا فيه حماية للانسان من الانهيار والانحلال وترى ان الانسان القوي الصادق هو انسان الثقافة الاسلامية وان نظرة هذه الثقافة متفتحة خصبة لكن لا تفك العنان للغرائز ولا توقع الانسان في مستنقع اللذات والشهوات. ولا ريب ان اوجه الاختلاف في الثقافة الاسلامية والغربية عميقة جداً وبهذا لا يكون معنى للدعوة الى وحدة الثقافة العالمية، تلك الدعوة التي تطلقها بعض القوى لاحتواء الثقافة الاسلامية والسيطرة عليها وصهرها في الثقافة المسيطرة الان في العالم. قد تلتقي الثقافة الغربية والثقافة الماركسية في جذور متعددة ذلك ان الفكر الماركسي ليس الا فكراً غربياً انبثق من الفكر الليبرالي وجاء رد فعل لبعض تحدياته، وقد نجد بين بعض الثفاقات الشرقية والثقافات الغربية جذوراً وصلات ولكن عندما يتصل الامر بالثقافة الاسلامية فأن الامر يختلف ويظهر مجال التباين وعمق الفوارق، وربما تحدث الكثير عن الصلة بين الفكر الاسلامي الذي ابدعه المسلمون والفكر اليوناني ويظن انها يمكن ان تكون ركيزة لقيام عملية انصهار بين الفكر الاسلامي الحديث وبين الفكر الغربي لكن محاذير كثيرة تقوم في وجه هذا النوع من التفكير، فما هي هذه المحاذير؟ اولاً ان الفكر الاسلامي لم يستسلم مطلقاً وخلال اكثر من قرنين كاملين للفكر اليوناني ولا لما ترجم من الفكر الفارسي او الهندي القديم، فقد واجه العلماء المسلمون هذا الامر بقوة وكشفوا عن الخلافات بين منطلق التوحيد ومنطلق الوثنية، وحين حاول بعض الفلاسفة امثال الكندي والفارابي وابن رشد اقامة جسور بين الفكرين ما لبثت هذه الجسور ان انهارت وكشفت عن عدم قدرتها على ادخال الفكر الوثني في اطار الفكر الاسلامي او احتواءه للفكر الاسلامي، وقد ظل الفكر الاسلامي يقاوم بشدة حتى استصفى اصوله واستعاد تماسكه وكشف عن اصالته وامتص كل ما وجده صالحاً نافعاً دون ان يتأثر في كيانه او طابعه، وهذا الموقف يتكرر الان بصورة او بأخرى مع اختلاف التحدي ذلك ان القوى الاستعمارية وقوى التغريب والغزو الثقافي قد استطاعت ان تحرث الارض وان تبذر فيها كثيراً من البذور ولكن العبرة في الحصاد، فأن كل ما زرع لم ينبت في الارض الاسلامية بل كشفت الثقافة الاسلامية عن اصالتها فرفضت هذه البذور وتمسكت بأصالتها وما تزال المعركة قائمة والنصر فيها للحق. ان غاية الثقافة الاسلامية هي المحافظة على الخصائص والمقومات الجوهرية مع القدرة على الحركة والاختيار والاخذ والعطاء، وقد كانت هذه الثقافة قادرة على الحركة والتطور والنمو دوماً دون ان تفقد عنصر الوحدة والاتصال بالماضي والتراث والموازنة بين الروح والمادة مع الحرص على الجوهر الذي لا تطغى عليه الاهواء ولا تجتاحها العواصف ولا تقع في ازمات التمزق والصراع والضياع. ان المشكلة الثقافية تتمثل في ان جانباً من المفاهيم المطروحة في افق العالم الاسلامي سواء عن طريق التعليم او النشر في الصحافة او الكتاب ليست اصيلة المصدر وهي معرضة للقيم الاساسية الاسلامية ولا سيما في التاريخ والاجتماع والتربية وفي المواد الفلسفية تتجلى اتجاهات فكرية ومفاهيم مشتقة من عقائد ومذاهب فكرية مخالفة للاسلام، وهذه المواد لدى اصحابها قد اسست على مفاهيم فلسفية واسس فكرية نتيجة تطورهم الفكري وظروفهم الخاصة ومن هذا الصراع بين العلم والدين او بين الدين والعقل ذلك الصراع الذي وقع لديهم في الغرب نتيجة للتشوه الديني والانحراف الى وثنية جامدة ومناصرة رجاله لاهل الظلم والاستبداد. ولقد تجلى هذا في نزعات فكرية تخالف الاسلام، اهمها النزعة الالحادية بشتى صورها والمذهب الطبيعي والمادية الجدلية والدعوة الى تقديس العقل الغربي واعلاء الغرائز والنزعة الاقليمية وتعصب العرق، حتى اخذت هذه النزعة العنصرية تحل محل الدين وتزاحمه ويحاول اصحابها ان يجعلوا منها الرابطة الاساسية وان يجعلوا من رابطة العقيدة رابطة ثانوية. ومن البين مدى خطر هذه النزعة على تفكيك وحدة الفكر والثقافة والعقيدة الانسانية التي اقامها الاسلام وجعل لها المقام الاول وبذلك غدا دين الانسانية الاول بلا منازع. ******* تمايز الثقافة الاسلامية عن الثقافات الغربية -1 - 215 2009-02-03 00:00:00 2009-02-03 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4298 http://arabic.irib.ir/programs/item/4298 الثقافة من الركائز التي يعتمد عليها وجود اية امة‌ من الامم، فماذا تعني الثقافة في هذا السياق؟ الثقافة في الواقع هي مجموعة من الافكار او اكداس المعلومات المختزنة ولكنها طريقة الحياة والسلوك المقرر لدى شعب من الشعوب او مجتمع من المجتمعات، وهي من الاوجه المميزة لمقومات الامة التي تفترق بها عن غيرها من الجماعات بما تشمل من عقائد وقيم ومباديء وسلوك ومقدسات وتجارب وقوانين، يمكن القول اذن ان الثقافة الاسلامية لدى مسلمي العالم الاسلامي تختلف عن الثقافة الغربية في ان الثقافة الاسلامية تستمد كيانها من الاسلام والقرآن واللغة العربية والتاريخ ومجمل التراث الخاص في حين تستمد الثقافة الغربية مصادرها من الفكر اليوناني والقانون الروماني واللغة اللاتينية وما ظهر من تفسيرات للمسيحية، ومن هنا يبدو خطأ القول بوحدة الثقافة العالمية. ولا ريب ان هناك فوارق عميقة بين الثقافة الاسلامية وبين الثقافات الغربية، فما هي اهم هذه الفوارق: اول هذه الفوارق: ان الثقافات الغربية لا ترى ان الدين جزء اساس في تكوين فكرها وجوهرها وترى ان المسيحية كانت عارضاً من العوارض التي مرت بتاريخها وانها جلبت اليها الانحراف لانها نقلت اليها روح المسك الاسيوية، وترى هذه الثقافات الغربية انها مدينة اساساً لجذورها الهيلينية الوثنية اليونانية وحضارة روما القديمة لكن الثقافة الاسلامية تؤمن بالدين قوة اساسية في وجودها وحركتها لا تنفصل عن القيم الاخرى. وتؤمن الثقافة الغربية وهذا هو الفارق الثاني: تؤمن ان محتواها العلمي والادبي والصناعي الى ما يهدف الى خدمة الانسان الغربي وحده وقبل غيره بل وعلى حساب غيره، ولا تهدف الى خدمة الانسان بصفة عامة من حيث هو بشر، في حين تتسم الثقافة الاسلامية بالطابع الانساني اساساً وترى ان قيمها موجهة في خدمة البشرية جميعاً. اما الفارق الثالث بين الثقافة الاسلامية والغربية: فهو ان هذه الغربية تعتقد بحلول لمشاكل على قاعدة القوة واسلوب الميكافيلية التي تنفصل فيها الاخلاق عن السياسة وعلى قاعدة‌ان الغاية تبرر الوسيلة، بيد ان الثقافة الاسلامية تمتاز بالحلول الاخلاقية ولا تتخذ من الوسيلة السيئة مبرراً للغاية الحسنة. رابع الفوارق بين الثقافة الاسلامية والثقافة الغربية: ان الثقافة الغربية تقوم على اساس انفصال الضمير على العلم وسيادة المال على الوجدان، وفي الثقافة الاسلامية يكون الدافع الديني والخلقي هو اساس العلم والمدنية ومؤشر وجهتها الاصيلة. والثقافات الغربية في الفارق الخامس تتشكل في صورتين: صورة الفردية الرأسمالية وصورة الجماعة الماركسية، وهما مذهبان يتنازعان ويتصارعان وتقوم الثقافة الاسلامية على منهج آخر مستقل تماماً تتلاقى فيه الفردية والجماعية على نحو متناسق متكامل متوحد اصيل، حين تؤمن الثقافة الغربية بقداسة الفردية لا تقيم وزناً للمجتمع غير ان الانسان في الثقافة الاسلامية سيد الكون تحت حكم الله سبحانه وتعالى وهو عضو مكلف ملتزم له امانته، عليه مسؤوليته، وله عطاءه وبذله للجماعة وانتقاله من الانانية الى الغيرية دون ان ينقص ذلك من مكانته كأنسان ودون ان تكون الفردية مصدراً لتجاهل دوره في الجماعة. وثمة فوارق اخرى تفصل فصلاً جذرياً بين الثقافة الاسلامية والثقافة الغربية بشكل عام: من هذه الفوارق ان بعض المذاهب في الثقافات الغربية تحاول اثبات ان الانسان يمجد نزواته وغرائزه الحسية وان العقل الباطن والمسيطر الفعال في توجيه الانسان وحركته في الحياة، وبهذه النظريات انسلخ الانسان عن انسانيته الواقعية ودخل في حظيرة الحيوان، ان هذه المفاهيم الهابطة المنكوسة تتعارض مع مفاهيم الثقافة الاسلامية التي ترى للانسان كرامة تعلو على المخلوقات جملة وترى له سيادة تحت حكم الله تعالى ترفعه بالعقل وتكرمه بالايمان. والفارق السابع هو: ان مذاهب الثقافات الغربية تفصل بين الروح والمادة والعقل والقلب وبين الدين والمجتمع بينما تؤمن الثقافة الاسلامية بالوحدة بين هذه العناصر وتؤكد التقاءها وتقيم التوازن بينها، كما تنكر الثقافات الغربية الغيبيات وتؤمن بمادية الحياة وبالمحسوس والملموس، لكن الثقافة الاسلامية تؤمن بأن هناك جانب من الحياة لا يصل اليه الحس او النظر ولكنه يدرك بالعقل ويعاش بالايمان. تعلي الثقافات الغربية في الفارق الثامن: من شأن العنصر وتحاول ان تجعل الاوروبيين والبيض والغربيين استعلاءاً على سواهم من الملونيين والشرقيين ويتعمد بهذا الاعلاء الى ان تجعل للاستعمار سيادة على الامم التي وقعت تحت سيطرة الاحتلال الاجنبي وفي هذا تختلف الثقافات الغربية عن الثقافة الاسلامية التي ترى ان الناس سواسية كأسنان المشط وانه لا فضل لعربي على اعجمي ولا لابيض على اسود الا بالتقوى والعمل الصالح. اجل ان الثقافات الغربية تؤمن بما يسمى سيادة اوروبا وسيادة الغرب وان سائر الاجناس والقارات انما هي من الدرجة الثانية او الثالثة وتؤمن ايضاً بأن ثمة حقاً مقدساً للبيض اصحاب المدينة في السيادة على الاجناس في الامم وحق تبدلها، وهذا هو التفسير الفلسفي للوجود الاستعماري في حين ترى الثقافة الاسلامية ان المدنيات والحضارات ليست استعماراً وسيطرة بل هي اخوة انسانية شاملة. ******* الوجودية ونزعة التشاؤم الانهزامية - 214 2009-01-20 00:00:00 2009-01-20 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4297 http://arabic.irib.ir/programs/item/4297 لقد برز المذهب الوجودي في الغرب بعد الحرب العالمية الثانية افرازاً من افرازات هذه الحرب المدمرة وانعكاساً للمخاوف التي يمكن ان يمنى بها الغرب بأستعمال الاسلحة النووية، وكان الفكر الاغريقي الوثني الموروث والفكر الغربي الحديث المنفصل عن الدين ذا اثر بالغ في تولد الافكار المادية التشاؤمية التي منها الوجودية. والفلسفة الوجودية جاءت لتناهض قيم الالتزام والفضيلة والعمل والمسؤولية، وتقف لتقول بنبرة عالية‌ لا تنكر وجودك فتصبح مجرد اداة للاخرين، وهي ترفض العقل والحكمة وتهزأ بهما ويرتبط بها موقف الوجودية من العلاقة الزوجية والطلاق وحرية الصداقة المطلقة واهمال شأن الدين كلياً، والانسياق نحو الرغبات والاهواء. ان ازمة العصر هي غربة الانسان الغربي في نظر المذهب الوجودي فهي ليست غير اسم جديد لمضمون التشاؤم القديم القائم في دواخل الفكر الغربي في امد بعيد مع غلبة الطابع المادي الخانق. ويرى الباحثون ان الوجودية هي اشد درجات التشاؤم كأثر من آثار الالة التي كبلت الانسان وامست وحشاً مدمراً حاول ان يقضي على عقله وقلبه ويجعله آلة صماء ولاشك ان هذا المنحى من التفكير ان هو الا حالة عابرة سرعان ما يتركها الانسان ويتخطاها فهي ليست روحاً بل فلسفة عدمية سلبية تشل في الانسان قدراته على استعمال العقل الى جوار ما تفعله من انكار الخلق والدين. ان التمزق والقلق والخوف من المجهول من ابرز نتائج الوجودية بسبب انفصال الانسان الغربي عن اليقين الديني الذي يملأ العقل والروح ذلك ان هذه الحركة قد عزلت الانسان عن كل ركيزة يمكن ان تهبه الامان والاطمئنان. من هنا كان انكار الدين مصدراً للعدمية التي تولد انواع القلق والخوف والرعب من المصير، ومنذ انعزلت المجتمعات الغربية عن الدين حلت فيها روح اليأس والقلق والتمزق وفي هذا قضاء حتمي على الانسان وتدمير له، ولن تستطيع دعوة الفلسفة الوجودية الى الانطلاق لتحقيق اللذة ان تكون حلاً للمشكلة فذن الامتلاء والاشباع المؤقت للذة سرعان ما يتطلب اشباعاً آخر وآخر يفقد معه الانسان شعوره بالاطمئنان والرضا والامان. اجل انه اذا كانت الغاية ان يحقق الانسان وجوده فأن ذلك مقرر في الاسلام في اطاره الطبيعي وضوابطه الاصيلة التي تحمي وجود الانسان وكيانه، وليس للانسان ان يطلق العنان للذاته ومتعه ويتمرد على اوضاع المجتمع الصحيحة او القيم الاخلاقية لانه يكون بذلك قد خرج عن رسالته الحقة التي جاء الى هذه الارض من اجلها، والوجودية بهذا تكون فلسفة للانحلال والفوضى والعدم. كشفت دراسات الباحثين الى ان الوجودية قد قدمت للفكر البشري في العصر الحديث ازمات الغربة والغثيان والعبث والتمرد والانحلال، اشار كولن ولسن في كتابه اللامنتمي الى ان الغربة مرض متصل بالتصدع الذاتي او انشقاقها بسبب عدم توائمها او انسجامها مع المجتمع الذي تعيش فيه، وان التصدع بين الذات والجماعة مشكلة اجتماعية تقوم على شعور الفرد بالانفصام عن مجتمعه وقال ان الرومي القديم على الرغم من حيرته وشكه في سبيل العثور على الحقيقة لم يفقد الايمان بها وهو لم ييأس اليأس التام، اما الغريب في هذا العصر فهو لا يفهم ما يعنيه الناس بالحقيقة فهو انسان عاجز عن الايمان بوجودها، فالعالم في رأيه عالم مفتقد للحقيقة، عالم زائف قائم على الفوضى واللامعقول وهما وحدهما في نظره الحقيقة. ويعتقد كثيرون ان العقل بمفرد غير قادر على بلوغ الحقيقة وراء هذا العالم، ومن هنا جاءت الغربة التي هي ازمة الانسان الذي فقد ايمانه بالله تعالى ولم يجد ما يعوضه عن هذا النقص الكبير، انها ازمة العقل المسيطر على الانسان الذي اضعف مركز الاشعار فيه وهو العقيدة الدينية. ويضيف كولن ولسن انه ليس الانسان بقادر على ان يجلو عن نفسه ما يعتريه من صدأ او يغلق احساسه من سماكة الا اذا ظفر بشيء من السلام النفسي والهدوء الروحي وهو يدعو الى حلول جزئية فيقول ان تحرير الانسان يجب ان يبدأ اولاً بتحريره من فكرة الخطيئة الاولى التي تسيطر على الانسان الغربي والتي تقف حائلاً بينه وبين رؤية الحقيقة. ان اخطر اما تقدمه الوجودية للانسان المعاصر هو انكار كل محصول البشرية من التجارب والقيم فهي لا تأبه به بل تنادي بضرورة تجاهله، وان يبدأ الانسان من جديد كالانسان البدائي فضلاً عن احتفار الوجودية للعلم وانكار قيمته ولعل اسوء ما يتعارض مع طبيعه الحياة ومع فطرة الانسان شجبها للدين وانكار الوجود الالهي حيث لا تجد لها اي قاعدة تلتقي مع حقيقة الانسان ووجوده وذاته،‌ ثم هي تجعل الفرد منعزلاً من الوجود العام لا جزءاً منه، اما اخلاق الوجودية فهي الاخلاق المريضة القائمة على القلق والقنوط والتشاؤم والرغبة في الموت والغموض والانانية المفرطة، اجل ان هذه الفلسفة ليست حلاً للمشكلة الغربية فهي اعتراف باليأس وتعبير للفراغ الروحي المخيف الذي تولد لدى الانسان الغربي بسبب الانفصام بين الروح والمادة وبين الدنيا والاخرة، هذا اليأس والتمزق النفسي انما ولدهما انحواء الروحي والكسل الذي تعاينه الحضارة المعاصرة نتيجة الاسراف في الرفاهية والترف حيث لا تعرف المجتمعات الان غير اللذات المسرفة والمفاسد والخمر والسموم. هذه الحالات المرضية الخطيرة التي وقعت فيها الحضارة الغربية المادية وافرازاتها كالوجودية ليست بالامر الغريب ذلك ان الانسان حين يخرج عن طريق الله تعالى ومنهاجه فأنه يصاب بالحيرة والقلق الذي يجعله يقتل نفسه حياً، حاول الانسان الغربي ان ينحي عنه كل ما هو الالهي وان ينظر من خلال العقل والعين فلم تحقق جولته هذه خلال القرون الطويلة الى مزيد من الخسارة والاندحار وهو الان في كبرياءه عاجز عن العودة الى الدين بعد ان هجره وذلك انه يعود الى فلسفات الهنود والبوذية وغيرها متخطياً الاسلام الذي يقف شامخاً كالمنار امام حيرة الانسان المعاصر وتمتد به الحيرة دون ان يجد منقذاً الا في منهج الدين الحق. اما الذين تزدهيهم الوجودية ويعجبون بها فأنهم ينساقون وراء اهواءها فحسب حيث يرون فلسفة تبرز الانحراف بدعوى القيم وتعفو الانسان من القيم الاصيلة وتطلق له عنان الانانية، ان الاسلام يعالج قضايا الانسان معالجة متوازنة فكرية ونفسية دونما طغيان لقيمة على قيمة دون تراجع لقيمة امام اخرى، ولقد جاء الاسلام نصراً باهراً للانسان على آلامه وثورة نفسية عظمى حققت له تواجده الذاتي وشيدت امامه اروع امل في الخلود المطلق في النعيم. ******* إشكالية تحميل الثقافة العربية أزمات ثقافة الغرب - 213 2009-01-16 00:00:00 2009-01-16 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4296 http://arabic.irib.ir/programs/item/4296 الثقافة من الركائز التي غدت اساسية في بناء الامم ونهضتها، واليوم تتعالى الاصوات في كل مكان تدعو الى المحافظة على اصالتها ومقوماتها في مواجهة التحدي بغزو ثقافة امة اخرى لها خاصة في ظروف الضعف والتخلف، والمسلمون اليوم يواجهون في مختلف الاصقاع تحدياً خطيراً من دعوات تريد ان تميع ذاتية الثقافات وتخلط بيتها تحت اسم العولمة او عالمية الثقافة او من دعوات تريد ان تفصل بين حلقات التاريخ المتصلة تحت اسم المعاصرة والحداثة، اجل ان كل تلك الدعوات انما تستهدف فك الارتباط الوثيق بين الثقافة الاسلامية التي نعيشها وبين جذورها العميقة المتصلة بالاسلام وبالتراث الاسلامي الاصيل. هناك شبهات كثيرة حول قيم الثقافة ووجهتها وخصائصها وحول علاقتها بالفكر والدين والمعرفة مما يقتضي بيانه والكشف عنه، وكلمة الثقافة مشتقة من ثقافة وهو لفظ قرآني اساساً وثقافة كلمة عريقة في اللغة العربية وهي تدل على الثقل النفسي والمنطقي والفطانة وفي المعاجم يراد بالفعل ثقف ثقفاً وثقافة صار حاذقاً خفيفاً فطناً وثقفه تثقيفاً بمعنى تثقيف الرمح اي تسويته وتقويته ثم استعمل للدلالة على الرقي الفكري والادبي والاجتماعي للافراد والجماعات، والثقافة في الواقع ليست مجموعة من الافكار بل رؤية في السلوك ترسم طريق الحياة اجمالاً فيما يشتمل عليه الطابع العام الذي ينطبع عليه شعب من الشعوب وهي الوجوه المميزة لمقومات الامة التي تتميز بها عن غيرها من الجماعات عقائد وقيماً ولغة ومباديء وسلوكاً ومقدسات وقوانين وتجارب، من هنا يكون لكل مجتمع ثقافة يتسم بها ولكل ثقافة خصائصها التي تحدد شخصيتها واجمالاً فأن الثقافة طريقة خاصة تميز امة بعينها عن امم اخرى. والعلماء الغربيون انفسهم يرون هذا الرأي في الثقافة كما نجد ذلك في قول هنري لاوس ان الثقافة هي مجموعة الافكار والعادات الموروثة التي يتكون فيها مبدأ خلقي لامة ما، ويؤمن اصحابها بصحتها وتنشأ منها عقلية خاصة بتلك الامة تمتاز بها عن سواها، ويعرف ارنست باركر الثقافة بأنها ذخيرة مشتركة لامة من الامم تجمعت لها وانتقلت من جيل الى جيل خلال تاريخ طويل وتغلب عليها بوجه عام عقيدة دينية هي جزء من تلك الذخيرة المشتركة من الافكار والمشاعر واللغة، ويقول تايلر ان الثقافة هي الكل المركب الذي يتضمن المعرفة والعقائد والفنون والاخلاق والقوانين والعادات. معنى هذا ان الثقافة الاسلامية تختلف عن الثقافة الغربية في ان مقومات كل منهما تختلف عن الاخرى فالثقافة الاسلامية تستمد كيانها من الاسلام والقرآن واللغة العربية في حين نجد الثقافة الغربية اياً كان نوعها انما تستمد مصادرها من الفكر اليوناني والقانون الروماني واللغة اللاتينية وتفسيرات المسيحية التي وصلت اليها، ومن هنا يبدو الفرق واضحاً في مصادر الثقافات ويتجلى بوضوح القول بوحدة الثقافة العالمية ذلك ان للثقافات ذاتية وخاصة ومتصلة بأممها ولا تنفك عنها وهي من اجل ذلك لا تنصهر ولا تذوب في كيان واحد لكنها تتلاقى وتتعارف ويأخذ بعضها من بعض ما يزيده قوة، ويرفض بعضها من البعض الآخر ما يضاد وجوده او يتعارض مع الاصول الاساسية لمقومات فكره وكيانه وذاتيته. والآن، ما هي العلاقة بين الثقافة والعلم؟ هذه العلاقة تتمثل في ان العلم عالمي بطبيعته يلتقي مع كل امة وكل مجتمع لكن الثقافه خاصة بكل امة بعينها والعلم يهدف الى ‌تنمية الملكات وهو في نهاية المطاف وسيلة وارادة وقد يستخدم للنفع والضرر على السواء وتتشكل وجهته في اطار الثقافة نفسها، اما العلاقة بين الثقافة والتعليم فأن التعليم يعني الاعداد المدرسي والدراسي لتكوين العصرية المؤهلة للثقافة والثقافة هي الدرجة العليا التي تكون الفرد تكويناً ممتازاً. ترى ما هو الارتباط بين الثقافة والمدينة؟ ان الثقافة في كل امة مرتبطة بفكرها وحركتها وليست المدينة كذلك. من هنا كان من حق الامم ان تقتبس المدينة بوصفها ادوات ومواد خامة دون ان تقتبس منها ثقافتها لانها ذاتية وخاصة بهذه الامة وحدها، والمسلمون لهم ثقافة بمعنى اسلوب العيش ولذلك فأن حاجتهم الى العلم حديث والى وسائل المدينة الحديثة لا تفرض عليهم مطلقاً اقتباس الثقافة المرتبطة بها، سواء كانت في مجال العلوم والمفاهيم الانسانية او في مجال اسلوب العيش الغربي، ذلك ان المدينات البشرية المتعددة منذ فجر التاريخ هي ملك للانسانية كلها، كل منها تنظم حلقة وتسلمها للاخرى، وللمسلمين دور هام في بناء هذه المدينة وانماءها وقد قدموا المنهج التجربيي الذي قامت عليه النهضة العلمية وقدموا مناهج في المعرفة والتاريخ والعمران والتربية والقانون. من هنا يكون من حق الامم المختلفة ان تتطلع الى نقل اساليب المدينة والعلم ووسائلهما التجريبية والميكانيكية دون ان يقرض عليها اي قيد من حيث اسلوب الحياة الغربية. ان للامم مطلق الحرية في ان تشكل المادة المقتبسة من العلم والمدينة في اطار قيمها ومفاهيمها وان تصهرها في بوتقة ثقافتها ولغتها الخاصة، ومن حقها ان تفعل ما فعله الغرب نفسه عندما نقل المدينة الاسلامية وتجاوز عن الثقافة الاسلامية واكثر ما نغرى به ويركز عليه التغريب والغزو الثقافي هو نقل العلوم الانسانية والمذاهب الاجتماعية، وهذه تتعارض ولاشك في اصول ثقافتنا القرآنية الاسلامية القائمة على التوحيد وتحرير الانسان من عبودية الانسان ومن عبودية الاوثان والجبرية، وهذا المفهوم مقرر بين جميع الباحثين والمفكرين والعلماء والمصلحين ولا سبيل الى نقضه او معارضته، وكل الدعوات التي تدعو الامم الى ان تتقبل الثقافة والمدينة معاً انما هي دعوات مسمومة مضللة هدامة يقف من وراءها الاستكبار والتغريب والتبشير والصهيونية، وتستهدف تحطيم معنويات الامم وتدمير مقوماتها والقضاء على شخصيتها وهدم ذاتيتها ودفعها لان تذوب في اطار الاممية والعالمية‌ فتفقد وجودها وتصبح غير قادرة على مقاومة الغزو والاستلاب. كان هذا فصلاً من الحديث عن الثقافة بأعتبارها تعبر عن هوية الامة الخاصة المميزة وعن الثقافة بأعتبارها مما لا يجوز ان يستعار او ينقل نقلاً فقي هذا النقل قضاء على ثقافة الامة المنقول اليها او انسلاخ عن ادبها وتراثها وماضيها كله انه اذن نوع من الانتحار الاعمى الذميم. ******* من جذور الوجودية في الفكر الغربي - 212 2009-01-14 00:00:00 2009-01-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4295 http://arabic.irib.ir/programs/item/4295 ‌في هذا الملتقى الثقافي نمر ببعض التيارات الفكرية الغربية الحديثة للتعرف على جذورها ومسيرتها وما تستبطن من اهداف. وكان اللقاء الماضي من البرنامج قد القى نظرة على المذهب الوجودي والفلسفة الوجودية وقد عرفنا انها قد نشأت بعد الحرب العالمية الثانية كرد فعل لهذه الحرب من قتل ورعب وفزع من القنابل الذرية ومن الصراع الدولي على المجتمعات الضعيفة الآمنة وكل هذا جعل الانسان الغربي لا يرى للحياة غاية واضحة الى المتاع السريع الذي ينتهي في اية لحظة بينما تتفجر الحرب ويتوافد من الشباب الى ساحات الموت والفناء. وهذا الاحساس بالخطر القائم في اية لحظة قد جعل النفس الغربية تثور فيها رغبة المزيد من الاندفاع بأتجاه الترف والرفة اذ لا توجد في الرؤية الغربية من غايات لحياة الانسان غير اللذة والاستمتاع. ان الوجودية تركز على الفرد وتدعوه بقوة‌ الى التمسك بحقه، وهي تقدم وجود الفرد على وجود المجتمع وترى ان الفرد له كامل الحرية في تقليد مكانه في الحياة فأذا اختار لنفسه كان عليه ان يتحمل تبعات اختياره وله الحق في ان يحكم على الامور بأنها خير او انها شر حتى لو كان الحق في نظره شراً في نظر غيره او في نظر المجتمع. والوجودية ترفض قيم الالتزام والضمير والفضيلة والخير والمسؤولية وهي تجنح الى الوجدان وتعني شأن الحدس وترفض العقل والحكمة وتنظر اليهما بأزدراء، ويمكن القول بأن الفلسفة المادية قد افرزت الان فلسفة الجماعة في الماركسية وفلسفة الفرد الوجودية واذا كان ماركس قد افترض ان تفسير التاريخ هو الانسان يبدأ من الطعام والقوت فأن الفرويدية ترمي الى تحطيم كافة الضوابط والحدود الدينية والاجتماعية والاخلاقية لكي يتمكن المرء من تحقيق ذاته منفصلاً من كل قيد، وفي سبيل هدف الوجودية هذا والانفصالية عن الجانب الروحي والديني القائم في اعماق كيان الانسان اعتبرت الوجودية‌ ان العالم كله خداع وان الانسان موجود بدون غاية وان العالم يمضي عابثاً دون هدف. والواقع انه من حق الوجودية ان تفهم هذا الفهم المظلم ذلك لان الاجابة الصحيحة التي تكشف عن هدف وجود الانسان وغاية العالم انما تكمن في الرسالة التي حملتها الاديان الالهية الى الانسان من خالقه لتفسير ما ليس في استطاعته الوصول اليه دون عون من الوحي والنبوة ورسالة السماء. ومتى اعتنق الانسان الوجودية وتجرد من الفهم الديني الاصيل فأن الحياة تبدو له وهماً كبيراً وظلاماً حالكاً لان الغاية الحقيقية التي جاء من اجلها اصبحت محجوبة عنه. والفلسفة الوجودية تصدق حين ترى ان ازمة العصر هي غربة الانسان ونقصد هنا ان الانسان الغربي وذلك حين ترى التقدم التقني جعل منه ترساً في ماكنة او قطعة غيار في جهاز، بيد ان المسلم مستمعي الكريم ليس كذلك وهو لا يفهم الامور على هذا النحو لان دينه علمه مهمته ورسالته وكشف له عن الغاية وبهذا عرف المسلم ان له دوراً وسعياً وحركة واسعة هو مقبل عليها في صدق وايمان لانه يعرف ان من وراء سعيه كسباً حقيقياً وبلوغاً لدرجة ارقى ومكانة اعظم، ثم ان المسلم يؤمن بأن له ارادة مسؤولة يجزى عليها بالخير او بالشر في حياة اخرى قادمة‌ بلا شك وانه مطالب ليخوض معركة الحياة في اخلاقية التقوى والثقة بالله تعالى والرحمة بالانسان، ومن هنا يحس ان حياته ممتلئة عامرة حافلة بالضياء والخير وهو اي المسلم في سعيه الى الغاية الالهية وفي توكله على الباري تعالى واستعانته به لا يواجه ابداً ازمة القلق وازمة التشاؤم ولا يخاف الموت فالحياة‌ الاسلامية التي تعرف ابعاد وجودها ورسالتها وغاياتها جميعاً تواجه الحياة مواجهة الطمأنينة والسكينة والعمل الجاد الدائب دون ان تفقد لحظة واحدة‌ وجهتها او تقع في صحراء اليأس سواء كانت الحياة يسيرة او كانت عسيرة ذلك ان النفس المسلمة ترضى بالعسير واذا جاء العسر جالدته صابرة حتى ينطوي دون ان تحس بالقلق او الحزن. اجل، ان الوجودية ليست الا اسماً جديداً لطابع التشاؤم القائم في اعماق الفكر الغربي منذ وقت بعيد وان طابعها هذا موجود لدى كثير من الفلاسفة السابقين غير ان مزية الصورة الجديدة على يد سارتر هي غلبة الطابع المادي عليها غلبة مطلقة. ان الفكر الغربي مصبوغ منذ اليوم الاول بصبغة التشاؤم الذي ينبعث من عدم الاقتناع العقلي بوراثة البشر جميعاً لما يطلق عليه الخطيئة الاصلية فقد ساد الغرب طابع الوجدان المتشائم نتيجة هذه القضية وظهرت آثارها قوية واضحة على مختلف نماذج الاداب والفنون والفلسفة والاخلاق. ومن خلال هذه العقيدة‌ السوداوية المتشائمة تنتشر على نطاق واسع في عالم الغرب افكار عن لا معقولية الحياة وعبث الوجود حتى امسى المفكرون المتشائمون يشننون هجمات تفسيرية على كل فكر معارض. اجل ان الوجودية في نظر الباحثين هي اعلى مراتب التشاؤم ويرد البعض ذلك الى الاثار التي انقلبت على صاحبها وغدت وحشاً مدمراً يحاول ان يقضي على عقله وقلبه ويجعله آلة طيعة له، ويرى البعض ان الفرويدية والسريالية كانت نتاج الحرب العالمية الاولى وان الوجودية والهيبية هي من نتاج الحرب العالمية الثانية وان ما انشأته من الدمار والفتك والقسوة واليأس وفي مثل هذا الظرف كان الجو ملائماً لظهور افكار الوجوديين وتفسيراتهم التشاؤمية من الوجدان القلق الذي يشعر بأن الكون سائر نحو العزلة والعدم ومن الشعور المرضي الذي يشبه الغثيان ومن العالم الهش القابل سريعاً الى الانكسار والتحطم المروع. والوجوديون يقولون ان الوجود الذاتي هو الشيء الوحيد الذي يملكه الانسان ومن ثم عليه ان يخلق نفسه بنفسه وان يختار بنفسه حيث يحيا الانسان وجوده الحقيقي غير عابىء بل مجاهداً يمكن ان يجد فيها هذا الوجود الذاتي من حدود او يعترضه من قيود ومعنى هذا ان الوجودية ترى انه ازاء هذه الجائحة المجنونة للحرب والموت على الانسان ان يحطم كل قيود الخلق والاجتماع والدين وان ينطلق الى لذاته وغاياته دونما اكتراث بشيء، ذلك ان لا يؤمن بالحياة بغاية فمن اجل اي شيء يبكي على شيء وهذا في الواقع حل ساذج ارعن لا يسوق الا الى المزيد من تدمير الحياة وانما هي صيحة الضعف البشري والقصور الذاتي والعجز عن فهم هدف الحياة ورسالة الانسان وهي استجابة‌ للحيرة والقلق بمزيد من الحيرة والقلق وهي في النهاية دعوة انهزامية هدفها التدمير الشامل. ******* الوجودية وأزمة المادية الغربية - 211 2009-01-12 00:00:00 2009-01-12 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4294 http://arabic.irib.ir/programs/item/4294 مرة اخرى مع التيارات الجديدة التي افرزتها الحضارة الغربية المادية وبالتحديد مع الوجودية كمذهب شاع الى حد ما بعد الحرب العالمية الثانية، وكان ظهور الفلسفة الوجودية نتيجة لاثار الحرب المدمرة والاحساس بالخطر الداهم الذي يهدد البشرية في اية لحظة من جراء استعمال السلاح النووي، كل ذلك حرك النفس الغربية الى تأكيد الذات وانفلاتها من كل القيود واندفاعها نحو المتعة وتنفيذ الرغبات، من هنا ركزت الوجودية على الفرد للاعتزاز بحقه وقد اذهبت وجود الفرد على وجود الجماعة كما رفضت قضية الالتزام والضمير والفضيلة والخير والعدل والمسؤولية وهي ترفض كل ما يضبط الشخصية الانسانية ويرتفع بها، وتدفع المرأة القاء اهواءه لتدمره والى مطامعه لتحطم وجوده، ويرتبط بهذا رأي الوجودية في الزواج والطلاق وحرية الصداقة واهمال امر الدين كل الاهمام وعندئذ تتجاوز الوجودية حدود الحرية ومقاييس المجتمع الى الاعتداء على حقوق الآخرين والعودة الى شريعة الغاب. ومن البين ان الوجودية ليست الا اسماً جديداً لمضمون قديم هو التشاؤم الموروث في اعماق الفكر الغربي منذ الوثنيات اليونانية وبؤس الانسان، ومن خلال هذه الايدولوجية السوداوية المتشائمة تنتشر في الغرب افكار اللا معقول في الادب والحياة والعبثية في الوجود. الباحثون يرون ان الوجودية هي اعلى مراتب التشاؤم وهي استجابة للحيرة والقلق بمزيد من الحيرة والقلق وهذه ولا ريب دعوة الزامية للتدمير الشامل، ولا ريب ان الوجودية ظاهرة زمنية عابرة لا يلبث الانسان ان يتخطاها وهي كما يقول جاك برك ليست روحاً وهي فلسفة عدمية سلبية من الفها الى ياءها، تود ان تقتل في الانسان التفكير وتشل القدرة على استعمال العقل والمنطق وتقول اذا اردت خلاصاً فأقتل في نفسك العقل والمنطق، هذا فضلاً عن انكار القيم الاخلاقية والدين. وابرز نتائج الوجودية القلق والتمزق والخوف من المجهول والرعب، ولا تقع النفس البشرية في هوة القلق والتمزق الا اذا عاشت الصراع بين الروح والمادة والا اذا انفصل الانسان عن اليقين الذي يملأ روحه وعقله بالثقة والامان، ان الوجودية قد عزلت الانسان عن كل ركيزة يمكن ان تحميه او تطمئن نفسه او تملأه بالثقة، هذه الركيزة في الواقع لا تأتي الا من مصدر واحد هو الدين، من هنا كان انكار الدين منطلقاً للعدمية التي تفجر كل انواع الخوف والرعب والقلق. ان نظرة الاسلام الى الانسان هي نظرة التكامل بين الرغائب والاشواق بين المادة والروح بيد ان النظرة المادية الخالصة من شأنها ان تخلق سمة التشاؤم والشك الذي يحس معه الانسان انه وحيد وشقي وغريب في عالم موحش مجهول. وهذا معنى التمزق والضياع اما حين يحل في النفس الايمان بالله تعالى فانما تحل معه الثقة والتفاؤل. ان الايمان بالله تبارك وتعالى قوة دافعة تمنح الامل وتمنع اليأس وتبعث الثقة وتدعو الى المعاودة في حالة الاخفاق. اجل، انه منذ انعزلت المجتمعات الغربية عن الدين وعجزت عن الوصول الى الدين الحق حلقت فيها روح اليأس والقلق والتمزق وعجزت الايدلوجيات المختلفة عن ان تحقق السعادة للانسان. ان الانسان الذي صنعه الله تعالى من قبضة الطين ونفخة الروح لا يمكن تفريغ كيانه من مضمونه ولا يمكن النظر اليه على انه الهيكل البشري الخالي من الروح والوجدان والبصيرة. من هنا بدت المفاهيم الغربية حول الانسان غريبة عنا وعن قيمنا وعن مجتمعنا كل الغرابة لانها ثمرة من الثمرات المرة التي انتجتها تحديات مجتمع معين في ظروف معينة. ان الانسان الغربي انما يمر بأزمة خطيرة فهو ضحية الصراع الذي اعلا من شأن المادة وانكر القيمة الروحية والدينية والاخلاقية وما من خفاء في ان القلق النفسي يجتاح الانسان الغربي المعاصر بسبب مفاهيم الوجودية انما هو قضاء ‌ما حق على الوجود الانساني الحقيقي لذلك فأن دعوة الوجودية الى الانطلاق لتحقيق اللذة على انها الحل الوحيد، هذا الانطلاق لا يحقق التكامل او الطمأنينة او السكينة النفسية بل سيزيد الانسان نهماً واضطراباً حتى يصبح ضحية لمطلب التهم ما يكاد يتم اشباعه حتى يعود الى الالحاح على صاحبه. ان الامتلاء الذي تلوح لنا به اللذة لا يهيأ ابداً الشعور بالطمأنينة او الاحساس بالسلم والامان وهيهات ان يشبع الامتلاء نهم الارادة البشرية. ان الانسان اذا قطع صلته بالله تعالى وبالبعث والجزاء فأنه يعيش مرارة اليأس والظلام ومدافعة المصير المحتوم الذي ينتظر الجميع دون جدوى، فليست هناك من فرجة امل ولارجاء ولا ضياء وهو يغدو شبيهاً بما تحكيه الاسطورة اليونانية الوثنية القديمة عن سيزيف المسكين بطل قصة العبث الذي حكم عليه ان يحمل صخرة ثقيلة ليصعد بها الى قمة الجبل ولكنها سرعان ما تهوي الى قرار سيحق فيعيد سيزيف الكرة من جديد ومن جديد ومن جديد في عذاب دائم مستمر. اما المسلم فحياته غنية خصبة ثرية مليئة بالثقة والتفاؤل والامل في الغد والبعث والحياة كلها لانه ينطلق من رسالة واضحة الى هدف محدد يضيئه نور الايمان والثقة بالله تعالى الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو ارحم الراحمين. وهكذا تتجدد في الوجودية فلسفة العدم التي عرفتها الفلسفات المادية قبل الاسلام حيث كان الانسان يبحث عن الخلود فيصدمه الموت ويحاول ان يتوحد مع ذاته فتسحقه المتناقضات ولم يكن ثمة امل الا في الدين، فلما جاء الاسلام برسالته الهادية كان نصراً كبيراً للانسان المعذب على مأساته في كل زمان ومكان، ان الاسلام بشر الانسان بالخلود عندما علمه انه على موعد مع الله تعالى وانه سوف يبعث بعد موته ليحاسب على مدى فاعليته في الحياة الدنيا، لكن فهم اصحاب المذهب الوجودي للدين هو فهم زائف بعيد عن الحقيقة بل فهم اعوج مستمد من الاساطير الاغريقية ومن بعض تفسيرات الغرب للدين وهي تفسيرات باطلة لأن الفكر الغربي قد فهم العلاقة بين الله تعالى والانسان فهماً غير صحيح، تداخلت فيه الرؤية الوثنية القديمة والرؤية الكنيسة التي تعتقد بالنظرية الخطيئة الاولى التي يتحمل الابناء والاجيال جريرتها دونما ذنب ارتكبوه مما اساء الى فهم العلاقة بين الله سبحانه وتعالى والانسان. ******* آثار الفرويدية على حياة الغرب - 210 2008-12-27 00:00:00 2008-12-27 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4293 http://arabic.irib.ir/programs/item/4293 في السنوات الاخيرة‌ ارتفعت في الصحافة والتلفزيون والسينما والمسرح صيحات الجنس والدعوة الى الاباحة بشكل لافت للنظر، حتى ملأت الحياة‌ الغربية في كل ابعادها، وقد ظهرت آثار هذا التحول السريع في انهدام القيم المعنوية والاخلاقية وفي اندفاع الناس او دفعهم الى الفاحشة والتحلل وكانت اراء فرويد في التحليل النفسي وفي تفسير السلوك على اساس جنسي صرف العامل المباشر لهذا التحلل والانهدام، وقد حاولت النظرية النفسية الاجتماعية ان تصور علاقة الرجل بالمرأة على انها علاقة جنسية بحتة ولا شيء غير ذلك، فيما يستتبع هدم الروابط الروحية والنفسية والاجتماعية بين الرجل والمرأة التي هي عماد بناء الاسرة. اجل، ان فلسفة اللذة والاباحة قد سيطرت على الفكر الغربي وانحدعت بها المرأة ‌هناك بشكل حرية الجنسية المطلقة مما جعل المرأة‌ تعيش حياة اشد خطراً وعنفاً من حياة الرقيق القديمة، واستطاعت الصهيونية احتواء الرأي العام الغربي وتجريده من قيمه الروحية والاخلاقية وهيمنت على الفكر عن طريق التعليم والاعلام والصحافة، من هنا احتضنت الدعوات الخاصة بالاباحة والالحاد والوثنية، وفي طليعتها دعوات فرويد وماركس ودولكاين وهي الدعوات التي تهدف اساساً ‌الى تهديم مفهوم الدين وجر الانسان الى حياة بهيمية هابطة غير لائقة ابداً بأنسانية الانسان. ثم كان اتساع هذه الدعوة الاباحية عن طريق الفن والادب فظهر دعاة ‌الجنس الصارخ والادب المكشوف من امثال اميل زولا ولورانس وبودلر واوسكار وفوليتر استمداداً من دعوة فرويد المضللة التي تقول ان الجنس هو المحرك الاساس لجميع النشاطات البشرية، وبلغ الادب الغربي في هذا الاتجاه المنحرف غايته حتى قالت الكاتبة الامريكية في مؤتمر برلين ان الادب الغربي هو مرآة في سقف بيت الدعارة. الاداب والفنون في الغرب عجزت عن الاحتفاظ بطابعها الاخلاقي المسيحي وغلب عليها مذهب اللذة والفن للفن، ولما كانت نظريات علم النفس في الجنس وغيره عبارة عن محاولات وفروض ولم تصل الى مستوى الحقائق فأن الخطر يتمثل في ان يحولها الادب ليرسم على ضوءها صورة مثيرة في ظل دعوة ‌صارخة الى انفصال الادب عن الاخلاق وقيامه على الوقائع الفردية مع الاغراق في المبالغة حولها. وقد كانت للروايات من هذا النوع آثارها الخطيرة في نفوس الشباب والشابات من نقل عواطف الابناء اليافعين الى تصورات مزعجة مليئة بالاهواء والصراعات التي تقوم بين الرجل والمرأة حول الرغبات الجنسية وهي ليست في حقيقتها من واقع الحياة، وحتى لو كانت من الواقع فأنها لا تمثل الا نسبة ضئيلة جداً من الحياة حتى ليمكن القول انها لم تكن تجسد ظاهرة واضحة في وقتها. هذه القصص السيئة ‌الرديئة تدافعت عن طريق الترجمة‌ الى محيط العالم الاسلامي وطبعت طبعات رخيصة وافرة الانتشار ورافقها في الوقت نفسه كتب شعبية لم يكتبها علماء ولا باحثون متخصصون وكان موضوعها الجنس وعلاقات الرجل والمرأة وقد كتبت بأسلوب هابط واباحي، كل هذا وضع في يد الشباب المسلم فكان له آثاره الخطيرة. الواقع ان فتح هذه المجالات امام الشباب ينبغي ان يعالج بحكمة وان يقدم عن طريق العلماء المتخصصين وفي ضوء توجيهات الاسلام ورؤيته الاصيلة. يقول احد الاساتذة في هذا المجال لابد من حرمان الذين لم ينضج عقلاً وعاطفة من الاطلاع على مشاكل العلاقات الجنسية واسوارها، فالشباب الذي تغطي غريزته الجنسية على عقله تضره الصراحة في هذه المسائل اكبر الضرر وتؤذيه ابلغ الاذى واذا تمادينا في اطلاعه على دخيلة الامور الجنسية لفتنا باله عن السير في الطريق الطبيعي وشغلنا وقته بما يؤخره في الدرس والتحصيل. ومن هنا خطأ الحاح الصحف على مسائل الشذوذ والام الحب فأن ذلك يلقح عواطف الشباب بسموم خلقية هي شر من المخدرات. ومن الواجب هنا توجيه الرغبة الجنسية نحو غايات ثلاث هي الحياة الجنسية السليمة عن طريق الزواج وتحسين الجيل وتربيته واخيراً علاج الامراض والانزواء الجنسي، والمفروض ان هذه الدراسات يقدمها مختصون في علم التناسليات ليكون المربون على بينة مما يجب الاغواء به من هذه الحقائق وما يتحتم تجنبه، ويقوم هؤلاء المربون بوظيفة الحارس الخلقي الذي يحافظ على صيانة الرغبات التناسلية من التلوث ويوجه برفق غريزة الناشئين من الجنسين. نعم ان الدعوة التي يقودها الفكر اليهودي التلمودي المسيطر الان على الفكر الغربي الى من تحاول ان تدمر النفس الانسانية عن طريق الجنس فأنه يبعث الان عن عشرات الكتب القديمة ويقدم دوائر المعارف الجنسية في دعوة صارخة الى اطلاق الغريزة اطلاقاً كاملاً مع الادعاء بأن ضبط هذه العواطف من شأنه ان يحدث خللاً في الكيان الانساني، وتتعالى الصيحات في الغرب الى تمجيد اللذة الجنسية واتخاذها قاعدة للحياة والكشف عما يسمى بحقائق الجسد البشري وعلم وظائف الاعضاء البايولوجية وتجري النداءات لتقديم ذلك للاطفال والمراهقين والشباب على نحو مثير وبالغ الخطر، ومن غير تحوط او تحفظ على قدرة العقول في هذه السن على تلقي هذه المفاهيم بهذا الشكل المسرف الذي تطرح به، وذلك بدعوى احلال نظام جديد فيما يخص العلاقة بين الجنسين قبل الزواج وفي اثناء الزواج وما يترتب عليه من اجهاض وطلاق وانجاب. كذلك تجري الدعوة الى تدريس مادة ‌الجنس في الجامعات من خلال هذه المفاهيم الزائفة المضللة والتي ما هي الا فرضيات محرفة دون ان يكون للاطباء او الباحثين الاجتماعيين المخلصين تدخل فيها. ان من شأن هذه الدعوات الاباحية الرديئة ان تعجل بالوصول الى النتائج التي تهدف اليها بروتوكولات صهيون وهي تدمير المجتمعات البشرية قبل السيطرة عليها. والهدف هنا واضح هو اسقاط نظام الزواج وبناء الاسرة ودحر القوة المذخورة التي يستطيع المجتمع ان يدعم بها كيانه وحتى تخرج الاجيال بعد ذلك مشتتة مفرقة لا تعرف لها ضابطاً ما ولا يجمع من فكر ولا عقيدة او قيمة اخلاقية بانية. يقول احد الباحثين ان الصراع الفكري في اوربا وامريكا ينحصر في توجيه السلوك الانساني لا على اساس العقل ولكن على اساس الغريزة والانطلاق النفسي وكسر الصلة بين الفلسفة المثالية المسيحية وبين الفلسفة المادية الوثنية الاباحية والاتجاه بالسلوك الانساني الى فلسفة بدائية في جوهرها ومضمونها تمجد الغريزة وتناقض العقل وهذا ابرز مفاهيم الادب اليوم والفن والمدرسة الاجتماعية والتحليل النفسي. ******* الغريزة الجنسية بين الاسلام والفرويدية - 209 2008-12-20 00:00:00 2008-12-20 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4292 http://arabic.irib.ir/programs/item/4292 في مجال الثقافة والسينما والمسرح علت صيحات الجنس في السنوات الاخيرة، وحاولت ان نأخذ حجماً اكبر من حجمها الطبيعي، ولم يكن هذا ناتجاً عن وجود مشكلة بقدر ما كانت نقلاً عن اجواء اخرى وبيئية مغايرة وظروف غير طبيعية. ذلك ان الجنس في نطاق الفكر الاسلامي والشعوب الاسلامية لا يشكل ظاهرة خاصة منفصلة عن الحياة الاجتماعية وليست له ازمة معينة فرضتها عوامل قديمة تغيرت من النقيض الى النقيض ومرد ذلك الى ان الاسلام بطبيعته الاصيلة يلتمس فطرته ويعترف برغباته ويفتح له الطريق الى تحقيق الصلة بين الرجل والمرأة على احسن اسلوب واسمى طريق. ومن ثم لا تقوم في المجتمع الاسلامي حالة من حالات التحدي التي تدعو الى الصراع النفسي بالمنع او الكبت او احتقار الصلة الطبيعية القائمة بين الرجل والمرأة على النحو الذي شهدته بيئات الغرب والتي كانت مصدر الدعوة الصارخة الى اطلاق الجنس وتحرير وسائله واسبابه. والواقع ان ازمة الجنس هي ازمة اوربية جاءت من تفسيرات قدمت للدين على انه دعوة الى المطالبة بالزهد في رغائب الجسد وكبت النوازع الفطرية اعلاءاً للروح وسمواً بها وبذلك ظهرت الدعوة الى انكار الصلة الطبيعية مع المرأة ووصفت بأنها شيطانية، فعاشت النفس الانسانية حياة مريرة بقهر النوازع الفطرية بحجة ان هذا النوازع دنس يجب ان يتطهر منه الاتقياء وبذلك او شكت الحياة ان تتعطل فقد انصرف الكثير من الناس الى الاديرة وهاجر السعي في الارض. من هذا الانحراف الشديد الذي استمر مسيطراً على الحياة الاجتماعية في الغرب قروناً طويلة تولدت الدعوة الى الانطلاق والتحرر واعلاء الجنس انطلاقاً من القاعدة التي تقول ان كل فعل له رد فعل مساوي له في القوة ومعاكس له في الاتجاه. وهكذا انتقلت اوربا من النقيض الى النقيض وجاء فرويد ودعا الى اعلاء الجنس واطلاق الغريزة. اجل جاء فرويد فأطلق دعوته الى اعلاء شأن الجنس وتحريره من كل قيد واكثر من هذا انه حمل راية التهديد والوعيد بالمرض والعصاب لكل من يعترض على دعوته وبذلك انفتح الباب واسعاً امام الفكر الغربي والمجتمع الغربي الى معارضة النظرة القديمة ومحاربتها بلا هوادة وفي اسلوب حاد عنيف لا يلتمس الاعتدال او التوسط او النظرة الموضوعية لكنه يجري في اندفاع خطير فيدمر كل شيء ولقد كانت نتيجة هذا التحول الخطير بالغة الاثر وقد ظهرت آثارها سريعاً فقد هدمت القيم الروحية والنفسية والاخلاقية وفكت القيود والضوابط ودفع الناس دفعاً الى الفاحشة والتحلل والاباحية بشكل كانت له آثاره الخطيرة في هذه الازمة التي يمر بها الانسان الغربي والمجتمع الغربي نتيجة التمزق والشك والصراع والاندفاع الجنوبي نحو ارضاء الغرائز دون تقدير لاي نتائج تتعلق بكيان الانسان نفسه او المجتمع الذي يعيش فيه. ومع هذا فأن نظرية فرويد في الجنس واطلاقه مما لا يقبله علماء النفس والطب النفسي على علاته وقول مردود في نظر اصحاب التجارب، من ذلك ما يقوله الدكتور لويس بنس الطبيب النفسي، ان الدافع الجنسي لدى الفرد دافع غريزي فطري ولهذا فهو شأن الدوافع الفطرية يحاول ان يعبر عن نفسه ويطالب بالاشباع، وفي المحاولة الدائمة لاستمرار البقاء تدفع الحياة الافراد الى ان يتناسلوا ولا يتم التناسل الا عن طريق الاتصال الجنسي بين الذكور والاناث. ان الدوافع الجنسية دوافع غريزية تحاول ان تعبر عن نفسها ولكن هذا لا يعني ابداً ان عدم الاشباع او على الاصح ان عدم وضع هذا الاشباع في المقام الاول من حياتنا يؤدي الى دمار البشرية كما يزعم فرويد. ويقول هذا الطبيب النفسي والحقيقة ان ثمة رجالاً ونساءاً افلحوا في تجنب الجنس والحياة بدونه نهائياً وهناك الاف النساء لم يتزوجن ولم ينحرفن والقول نفسه يصح على رجال كثيرين لم يتزجوا ايضاً ولم ينحرفوا. ومعنى هذا ان التعبير عن الجنس ليس ضرورة مطلقة وليس ثمة ضرر جسمي او عقلي ينتج عن الامتناع عن الجنس ويضيف الدكتور لويس بنس دعوني اكرر مرة اخرى ان الجنس في اصله مسألة عقلية قبل كل شيء وبالرغم من ان الدافع الجنسي غريزي فينا وغالباً ما يطلب الاشباع الى انه في معظمه ينشأ في عقولنا قبل كل شيء، والتفكير هو الذي يدفع الجسم الى الفعل وعلى الرغم من ان اغلب الاجزاء المثير الجنسي تتكون بتأثير العالم الخارجي الى ان العقل يلعب بذلك دوراً كبيراً يفوق في اغلب الاوقات الدور الذي يلعبه المثير الجنسي، بعبارة اخرى ان ما تتخيله عقولنا عن الجنس يكون اشد آثارة من الجنس في واقعه الموضوعي الخارجي، من ثم نستطيع ان نقول ان الكتب الجنسية وافلام السينما وغيرها هي المسؤول الاول عن آثارة الحيوان الكامل فينا على حد تعبير هذا الطبيب النفسي وليس الجنس في ذاته وعلاج الجنس هو الزواج او الكظم الذي لن يضر شيئاً. هل علاقة الرجل بالمرأة هي مجرد علاقة جنس؟ هنا تحاول النظرية النفسية والاجتماعية الغربية ان تصوره لتجعل هذه العلاقة قاصرة على الغريزة وبذلك تنهدم كل الروابط الروحية والنفسية والاجتماعية بين الرجل والمرأة والتي هي زعامة‌ قيم الاسرة. ولا ريب ان هذه المحاولة تهدف الى هدم الكيان الاجتماعي كله للعمل على تغيير التركيب الفكري للجنس البشري وبأضعاف العوامل الاساسية لقيام الاسرة، وهي محاولة لم تتوقف في التاريخ من جانب القوى الشيطانية المخربة لكنها لم تحقق شيئاً وكان مصيرها دائماً الهزيمة والاندحار لانها مضادة لطبائع الاشياء ومعاكسة للفطرة. ان نظرة الاسلام لحقيقة الرجل والمرأة هي نظرة واقعية وهي في نفس الوقت كريمة وسامية. لقد وضع الاسلام غريزة الجنس في موضعها الصحيح فهو لم يحتقر ذلك النداء الطبيعي ولن يعد الترفع عنه رقياً، الامر اذن اكبر من اللذة العارضة واهم من الجنس لكنه محيط ضخم من التعارف والمودة، واساس مكين للبناء الشامخ فيه الابوة والامومة ولبنوة والتربية والتكوين والرعاية والجنس جزء منه. يقول الباري تعالى: «خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً» نعم ولما كان الهدف الاكبر هو حفظ النوع البشري اباح الاسلام هذه العلاقة ووضع لها اطارها الصحيح وجعل الضوابط اساساً لحمايتها، فوضع التقوى في الاختلاط وحرم الخلوة ودعا الى غض البصر وادناء الملابس وكره التبذل والابتذال وجعل الاشباع الكامل لنداء الجنس هو الزواج دون سواه. ******* الأعلام الغربي والنزعة الفرويدية - 208 2008-12-13 00:00:00 2008-12-13 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4291 http://arabic.irib.ir/programs/item/4291 في الاعلام الغربي والحياة في الغرب ارتفعت في السنوات الاخيرة صيحات تدعو الى اعلاء شأن الجنس والى الاباحة، وقد ساهمت في ذلك وسائل الثقافة والاعلام، كالصحافة والسينما والمسرح والتلفزيون ثم جاءت شبكات الانترنت ومن قبلها الويديو الذي يزيد الطين بلة وتضخم المسألة الجنسية تضخيماً مريباً لافتاً للنظر وبشكل مكثف ومنوع مدروس، فما هي جذور المسألة؟ هذه الازمة، ازمة الجنس غربية صرفة لا علاقة لها تاريخياً وواقعياً بحياة المسلمين والبلاد الاسلامية، انها ازمة اوروبية صرفة عاشتها اوروبا بتسييرات قدمت للمسيحية على انها تكبت النوازع الفطرية وتدعو الى الترهب وانكار العلاقة الجنسية الطبيعية بين الرجل والمرأة، من هذا الانحراف الشديد الذي استمر مهيمناً على الحياة الاجتماعية الغربية قروناً طويلة تولدت الدعوة ‌الى الانطلاق والتحرر والى اعلاء الجنس وتضخيم دوره كرد فعل للكبت مساوي له في القوة ومعاكس له في الاتجاه. وجاء اليهودي النمساوي سيغمونت فرويد فأعلن نظريته في اطلاق الجنس من كل قيد وانذر بالمرض النفسي وعقد العصاب كل من يعترض على دعوته، وهكذا هدمت سريعاً القيم في الغرب وانتكست الروح الدينية والاخلاقية ودفع الناس دفعاً الى الفاحشة والتحلل والاباحية بشكل كان له آثاراً خطيرة على الغرب والحياة في الغرب، كان منه الاندفاع الجنوبي لارضاء الغريزة بأي شكل من الاشكال. ان هذا المفهوم الغربي الذي ساد والذي جاهر به فرويد والمخططون له انما يريد ان يحول انسانية الانسان الكريمة الى بهيمية عميقة وان يحيل الطهر الفطري الى دنس شيطاني يدمر الانسان ويحطم الاسرة ويقضي في الحقيقة على المجتمع، هذا المفهوم الشاذ الغريب لا يصور علاقة الرجل بالمرأة الا بعلاقة جنسية فقط وبهذا تنهدم الروابط الروحية والنفسية والاجتماعية بين الرجل والمرأة والتي هي اساس قيم الاسرة. وبهذا ايضاً تتحقق الاحلام الصهيونية اليهودية في السيطرة على المجتمعات والتحكم بها. جاء في احد بروتوكولات صهيون ان فرويد منا وسيظل يعرض العلاقات الجنسية في ضوء الشمس حتى لا يبقى شيء مقدس في نظر الشباب وعندئذ تنهار اخلاقه فتسهل سيطرتنا. انها فلسفة اللذة والاباحة التي سيطرت على الفكر الغربي والتي خدعت بها المرأة حينما ابيح لها مشاركة الرجل في صالات الرقص والنوادي الليلية، هذه الحرية المطلقة مما كان له ابعد الاثر في انهيار الاسرة وانحلالها وانتشار القلق الاجتماعي وظهور بدعة صديق الاسرة وتبادل الزوجات وغيرها من الادناس التي تدمر الكيان الانساني للمرأة وتجعلها تعيش حياة اشد خطراً وعنفاً من حياة العبيد والرقيق القديمة. وقد استطاعت الصهيونية احتواء الرأي العام الغربي المسيحي وتجرده من قيمه الروحية والاخلاقية وتمكنت من السيطرة على الفكر العالمي من طريق التعليم والاعلام والصحافة وزرع بذور الشك والريبة، ومن هنا احتضنت كل الدعوات الخاصة بالاباحة والالحاد والوثنية وفي مقدمتها دعوة فرويد وماركس ودولكاين وهي التي تهدم اساساً مفهوم الدين الحق. وكان سيغمونت فرويد هو الذي اراد ان يحطم احترام الانسان لنفسه تحطيماً كاملاً، ومن يقرأ فرويد يدرك تماماً انه ينفذ مخططاً يهودياً جباراً حين اراد ان ينعت الجنس البشري كله بأنه جنس متحلل ينطوي على اسوء النوايا واخس الرغبات، حتى انه اقام مفهوم الجنس على قاعدة‌ ان الطفل يعشق امه ويريد ان يقتل اباه، وكان من نتيجة فكرته ودعوته العمل على تنظيم جماعات من الناس يرون انهم احراراً لا يخجلون من العري حين يجتمعون في نوادي العراة، وقد كانت الماسونية هي الاداة الاولى لنشر هذا الفكر الاباحي الوثني، فقد عمدت الى تكوين شباب الغرب في طفولتهم اسس دعوات الجنس والانحلال وتعليمهم مباديء تقديس الاعضاء الجنسية، ثم كانت الانطلاقة الكبرى في مجال الفن والادب فظهر دعاة ‌الجنس الصارخ والادب المكشوف اميل زولا ولورانس واوسكار وايلد ووبلير وفوليتر انطلاقاً من دعوة فرويد المضللة التي تقول ان الجنس هو الجذر الاصيل لجميع نشاطاتنا وقد ظهر ذلك في آثارهم ونتاجاتهم. كذلك اتجهت الدعوة الى هدم الاسرة لاعلان كراهية الاب وتحقيره في مختلف المواقف وكراهية الاخ الاكبر واعلان الحرب على الوصايا والتوجيه والابوة والعلاقة التي تقوم بين الاجيال ووصفها بأنها صراع الاجيال لالقاء الاجيال ودعوة‌ الشباب الى التحرر من كل قيود التوجيه سواء من الاباء او من الاساتذة او من رجال الدين. الاداب المسيحية ماذا كان موقفها من كل هذا التحلل والفساد؟ ان هذه الاداب قد عجزت في الواقع عن معارضة هذا الاتجاه الخطير وذلك حين دمر اليهود التعليم الديني وازعجوا رجال الدين المسيحي بأسلوب التخويف وعملت الاساليب اليهودية على افساد المجتمعات والاستهانة‌ بالعفة والحصانة ودعت الى شيوعية النساء والتسامح بين الرجال والنساء وانتقلت الى مستوى اشد خطراً بأن قامت العلاقات دون قيد شرعي او ضبط اجتماعي وغلب على المجتمعات الغربية صراع كانت الفلسفة تبريراً له وآثارة للتدافع حوله في معارضة كل الضوابط والحدود التي جاء بها الدين مع السخرية اللاذعة في كل المقومات والاسس هذه الصور كلها هي رد فعل التحدي السابق الذي عاشه المجتمع الغربي بالكبت والحرمان وهو ليس مما يتصل من قريب او بعيد بالمجتمع الاسلامي الذي لم يعرف هذه التحديات. ان الاسلام بواقعيته الاصيلة المبصرة لا يصور المرأة جنساً صرفاً بل هي الى ذلك اخت وام وعقل وارادة والاسلام لا يرى الجنس رجساً بل يقره وينظمه بالزواج ويرقيه في رسالة‌ التربية وبناء‌ المجتمع، والجنس في الرؤية الاسلامية يظل متوازناً مع جوانب النفس الانسانية الاخرى في النفس السليمة ثم انه وسيلة لا غاية، وسيلة في الذرات المادية للتماسك ووسيلة في النبات والحيوان في حفظ النوع، اما في الانسان فهو وسيلة لحفظ النوع وترقيته فالجنس جزء من ناموس الكون الاكبر ومن اخرجه عن وجهه الصحيح بالفرط او الاسراف خرج على هذا الناموس. ******* عن التقويم العلمي لنظرية فرويد - 207 2008-12-10 00:00:00 2008-12-10 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4290 http://arabic.irib.ir/programs/item/4290 في الثقافة الغربية المعاصرة برزت نظرية التحليل النفسي ظهوراً كبيراً مبالغاً فيه الى حد بعيد وقد بث اليهودي النمساوي سيغمونت فرويد نظريته هذه التي تعتمد التفسير الجنسي وترد السلوك البشري الى عامل الجنس والغريزة بأعتباره اشد العوامل اثراً في حياة الانسان، وبذلك اراد فرويد ان يدخل الانسان في خطيرة الحيوان ويثبت انه عائد لنزواته الهابطة ذات السمة البهيمية، الابحاث التي اذيعت ونشرت في السنوات الاخيرة عن علاقة صميمية بين نظرية فرويد وبين نصوص التلمود الذي صنعه اليهود في القديم من جهة وبين نصوص بروتوكولات صهيون في السنوات الاخيرة من جهة اخرى، وقد جل هذه القضية من جلاها الدكتور صبري جرجس في كتابه التراث اليهودي الصهيوني في علم النفس ونظرية فرويد. انه من اللافت للنظر ذلك التركيز الخطير الذي قامت به القوى المهيمنة على الاعلام والاداب والفنون والجامعات في الغرب على نظرية فرويد على نحو مريب ان مفاهيم التحليل النفسي قد قامت في اواخر القرن الماضي في اطار علمي وما لبثت الابواق الخفية والمقنعة للدعاية الصهيونية ان اسبغت عليها هالة من النزاهة الفكرية منعت حتى اعنف معارضيه ان يستريبوا في اصوله ودوافعه ولا شك ان الفكر الفرويدي اليهودي كان يرمي اساساً الى تقويض الاسس التي تقوم عليها حضارة‌ الغرب لتسهل السيطرة الصهيونية عليه، من اجل ذلك سخرت الصهيونية حربها الاعلامية والدعائية بنشر مفاهيمه والدعوة له بأوسع نطاق حتى امست الفرويدية من اقوى العوامل اثراً في التوجية الفكري والخلقي لعالم الغرب وكان فرويد يهودياً قحاً وعضواً عاملاً وفخرياً في بعض المنظمات الصهيونية، وصديقاً شخصياً لهرسل ابي الصهيونية. وقد اثبتت الدراسات التخصيصية خطأ نظرية فرويد في مجالات عديدة ولم يكد يصمد منها شيء ذوبال امام النقد العلمي، من افكاره التي ثبت فسادها مسألة الطفولة وما يدور حولها ويرتبط بها، ذلك ان فرويد قد اعلن بأن معارضة رغبات الطفل في صغره ومحاولة الاهل ترويضه على النظام واصول السلوك مما يؤثر سلباً على تصرفاته عند كبره، من هنا في رأي فرويد يجب ان يترك الطفل حراً بلا اي قيد من القيم والاخلاق والدين ودونما توجيه لكي لا يكون ذلك مصدر تعرضات وعقد في حياته، وقد روج علماء النفس والتربية لهذه النظرية حتى غدت وسيلة لهدم اصول التربية وبناء‌ الشباب تحت تهديد وهمي، بيد ان العلماء الذين قاموا بأحصاءات وتجارب ميدانية في البيئة نفسها تبين لهم فساد هذه النظرية وعدم جدواها وقد اعلن بعض العلماء الامريكيين بعد دراسات طويلة ضرورة استخدام الضرب مثلاً وسيلة لتقويم سلوك الطفل كذلك دعا الى اخذ الابناء بالرفق واللين حتى لا يكون نقدهم مصدر الاحساس بالحيرة والقلق وقال هذا العالم ان مسلك الطفل لا يتأثر بعامل واحد كما ذكر فرويد ولكنه يتأثر بعدد كثير من العوامل منها البيئة والوسط والحالة الاجتماعية فلا سبيل الى اخضاع الطفل الى نسق واحد، وقد اجرى الدكتور اسكندر توماس عدداً من البحوث لمعرفة فريق من الاطباء النفسانيين انتهى منها الى ان نظرية فرويد لم تكن مطلقة وانهم درسوا في تجربتهم احوال مئة وثمانية وخمسين طفلاً غير منحرفين منهم الفقراء والاثرياء وقد نشأ الاولاد اصحاء مستقيمين على الرغم من القيود القاسية في تربيتهم. الدراسات العلمية اثبتت ايضاً فيما لا يقبل الجدل، ان الدافع الجنسي يأتي في مرتبة ادنى من كثير من الدوافع الاخرى، كالدافع الى الهواء او الشراب او المال ثم ان هذا الدافع الجنسي يخضع للتربية والتوجيه بمعنى اننا نستطيع تربية الانسان على العفة بحيث يضبط دافعه الجنسي ويتحكم فيه، وبهذا لا تكون العفة امراً ممكناً فحسب بل ضرورياً وكذلك دلت الابحاث ان هناك تنظيماً طبيعياً للشهوة بحيث تستطيع كثير من الوسائل كالرياضة الجسدية او الروحية او الشعر ان تستوعبه، كذلك قال الباحثون ان دعوة فرويد الاساسية هي ان المرض العصبي العصاب ينشأ عن امور جنسية طفولية مكبوتة ولكن البحث برهن على ان الامور الجنسية الطفولية المكبوتة ليست وقفاً على الذين اصيبوا بمرض عصاب في وقت من حياتهم ولكنها موجودة عند كل انسان وتشكل عاملاً مهماً في حياته. وهكذا نجد ان ما دعا اليه فرويد من ان الطفل يعاني مما اسماه كبت الميول الجنسية ما هو الا اكذوبة اراد بها تبرير الاباحية الجنسية وآثار بها الخوف داخل النفوس لكي يحول بين اعداد الشباب وتربيتهم وتنشأتهم تنشأة خلقية وان ما يرمي اليه فرويد من ترك الميول الجنسية حرة طليقة تسلك سبيلها الى ما تشاء وكيف تشاء ان هو الا دعوة صريحة الى الاباحية والفساد والتحلل والسقوط الفضيع. اجل، ان المذاهب الغربية تختلف عن الماركسية في تسييرها لفرويد وانها جميعاً تلتقي عند المادية والجبرية ونظرية فرويد هي نوع من الجبرية، وجه الخلاف الوحيد، هو ان نظرية فرويد في نظر الماركسيين قد وضع في تبرير النظرية الفردية غير انهم يرون ان فرويد هو عامل هام يحقق اهدافهم في تحطيم المقدسات وتلويث المجتمعات وفي تصوير القيم والحدود والضوابط الدينية والاخلاقية على انها قيود ابتدعها المجتمع لحماية ذاته، فأذا تحطمت كسبت الماركسية نصف المعركة ولا ريب المخططات كلها ملتقية وان الماركسية تتصل بالفرويدية بصلة قربى ونسب، وتلتقي الماركسية والفرويدية في اكثر من نقطة واهمها النظرة المادية والحيوانية للانسان، تلك النظرة التي تنفي الجانب الروحي والمثل والاخلاق وتؤمن بعالم الجسد وحده وبالواقع الذي تدركه الحواس وحده لكنها تختلف مع الماركسية في تقديم اي من هذين الهدفين، لقمة العيش ام الجنس؟ وهكذا نرى ان ابرز تفسيرين للتاريخ والانسان وهما الاقتصادي والجنسي انما ينبعان من مصدر واحد هو المصدر اليهودي، والاسلام بواقعيته الانسانية الاصيلة يرفض خضوع الانسان للتفسير الاقتصادي او الجنسي او المادي جملة واخيراً فأن الفكر الانساني قد تجاوز هذين التفسيرين تماماً بعد ان تمزقت النظريتان وثبت فشلهما بالتجربة مما اكد عزلهما عن البقاء والاستمرار. ******* البصمات اليهودية في الفدويدية - 206 2008-12-06 00:00:00 2008-12-06 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4289 http://arabic.irib.ir/programs/item/4289 في مجالات الثقافة المعاصره استأثر منهج التحليل النفسي بمكان الصدارة سواء في ميدان علم النفس ذاته او في ميدان الادب والدراسات التاريخية والثقافة العامة، وكان سيغمونت فرويد اليهودي النمساوي الاشهر صيتاً في هذا المجال والا بعد اثراً وذلك لسبب الاهتمام المتزايد بآراءه من قبل الحركة الصهيونية، فما هي قصة فرويد؟ في لقاءنا السابق من البرنامج استبان لنا تركيز مدرسة التحليل النفسي الفرويدية على حيونة الانسان على نحو عامد ذميم، وفي نظره ان الاخلاق والدين ليست قيماً اصيلة في الحياة البشرية وان الغريزة الجنسية البهيمية هي المحرك الاول والاساس لسلوك البشر، وقد استند فرويد لاثبات افكاره الغريبة على الاساطير القديمة البائدة وعدها من حقائق العلم واستند كذلك الى حالات المرضى والشواذ واعتبرها مقياساً للاصحاء والاسوياء، مما جعله في رأي العلماء اقرب الى المتكهن والمشعوذ منه الى العالم، واشار هؤلاء العلماء الى نقطة الضعف الكبرى في منهج فرويد وهي انه اتخذ من دراسة حياته الشخصية وطفولته قاعدة عامة، وقد ثبت من خلال مؤلفاته انه كان يتخذ من تحليل احلامه وهواجسه ومشاكله في صباه كيهودي نمساوي واجه التعصب ضد اليهود قاعدة‌ لكل تصميماته ونظرياته. ولقد خالف فرويد في نظريته علماء نفس اخرون معروفون من امثال ادلر ويونج واستيكل، فآراء فرويد كما يرى يونج ذات جانب واحد وانها غير ناضجة ذلك ان مصدر شعور الطفل في الحصول على الغذاء ينبغي ان لا يوصف بأنه جنسي بأي حال من الاحوال بأعتبار ان الدافع الجنسي المزعوم لا يتميز في نفسه ثم ان الجنس في نظرية يونج ليس اساس الدوافع البشرية بل واحد من دوافع عديدة وان الدافع الانساني الاول هو الرغبة الملحة في التفوق وان ارادة القوة هي الارادة الصادقة الاصيلة في نفس كل انسان. اما ادلر فيذهب الى ان النقص يكاد يكون هو السبب الاساسي للنبوغ وان دافع تأكيد الذات وليس الجنس هو القوة السائدة في الحياة. اجل مستمعي الكريم ان الاعتراضات والانتقادات لنظرية فرويد في تغليب الجنس على سائر الدوافع كانت تقوى وتشتد ورغم ذلك وفي ظروف خاصة شقت نظريته طريقها بعنف وسيطرت على جميع ميادين الدراسات النفسية وكانت من وراءها قوى تدفعها الى الامام. وقد سجلت بروتوكولات الصهيونية ‌اشارة الى فرويد فقالت يجب ان نعمل لتنهار الاخلاق في كل مكان فتسهل سيطرتنا، ان فرويد منا وسيظل يعرض العلاقات الجنسية في ضوء الشمس لكي لا يبقى في نظر الشباب شيء مقدس، ويصبح همه الاكبر ارواء غرائزه الجنسية وعندئذ تنهار اخلاقه. من هنا رجح الكثيرون ان هدف فرويد كان داخلاً ضمن المخطط الذي رسمته الصهيونية للسيطرة على العالم بعد تدمير اخلاقه ولقد امتد اثر فرويد نتيجة لذلك حتى شمل الادب والقصة والسينما والمسرح والاذاعة والتلفزيون ووصل الى بيوت الازياء وادوات الزينة. ويقرر الباحثون ان ليهودية فرويد دخلاً كبيراً في صياغة الكثير من نظرياته وفرضياته وتعليلاته ذلك انه كان ينتمي الى الحركة الصهيونية التي اقل ما ينسب اليها حب المال والانغلاق والتعصب، ومن هنا انبعثت فلسفته التي وصفت بأنها ميكانيكية جبرية، ذلك لانها تنظر الى الانسان كأنه آلة عديمة الحرية خاضعة كل الخضوع لقوى خفية لا يمكن التغلب عليها الا بالحيلة ولذلك فرض على علم النفس مبدأ الجبرية وانكر الارادة الفردية القادرة على مقاومة‌ الغرائز. وقد وصف فرويد بأنه كان يمر بأزمات نفسية اشبه بالهوس الجنسي عندما كان يعالج مريضة مصابة بعقدة الكترا، وحين كان فرويد يعالج هذه الفتاة يكتشف انه هو مصاب بعقدة اوديب وانه كان يتجه الى امه ويغار من ابيه وانه اتهم اباه ظلماً بجريمة اخلاقية رهيبة، ان اسطورة اوديب الاغريقية تتحدث عن ابن اقترف جريمتين بشعتين، قتل اباه وارتكب خطيئة اخرى فضيعة فعاقب نفسه بأن فقع عينيه، هذه الاسطورة جعلها فرويد حقيقة يؤمن بها ويفسر بها سلوك الآخرين. اجل، كان فرويد مجموعة من العقد النفسية والعادات الغريبة ولم يستطع ان يشفي عقله الباطن من هذه العقد الى آخر حياته، كان ينسى الاسماء ومنها اسم احد معارفه وكان يتبع اوراقه التي تدخل في ترجمة حياته فيحرقها وكان يؤمن انه سيموت في نهاية الحرب العالمية الاولى فمات في بداية الحرب العالمية الثانية، وكان فرويد عرضة للاغناء على المفاجئات وكانت مرارة الطبع سمة ملازمة له في علاقانه بغيره وكانت لاحلامه وجوه خفية ترمز الى دلائلها في سريرته الباطنة، وكانت له انواع من القلق تدل على باعث من بواعث الحيرة المكتومة، واظهر حالاته انه كان يحارب الالتزام بالعقائد الدينية والعادات الخلقية لكنه يتشبث بالتفسير الجنسي للعقائد والعادات. كان فرويد ينسى نفسه ليلاً في فراشه ويخشى من السفر بالقطار ويحضر المحطة قبل موعد حركة القطار بنحو ساعة كاملة وكان دائم العزلة لا يسمح لاحد ان يصاحبه طويلاً. نظرية فرويد هذه اريد لها ان تسيطر على مناهج التعليم والتربية والدوائر العلمية غير انها قد انكشف عوارها في السنوات الاخيرة وبان فسادها حتى ان الاطباء النفسانيين الذين اجتمعوا لاحياء ذكرى فرويد في مدينة شيكاغو في عام 56 وعددهم نحو اربعة‌ الاف قد فوجئوا بحملة على فرويد ومذهبه وقد قاد هذه الحملة الدكتور بريسيفال بيلي مدير معهد النفسيات بولايات اميوواز وخلاصة حملته ان البقية الباقية من طب فرويد قليلة لا يؤبه بها واما آراءه لا تضيف شيئاً الى القيم الانسانية لانه يرتد بالانسان الى اغوار الباطن ويحمل جانبه المنطق الشاعر وانه لم يكن يفهم المرأة ولم يحس جلال العقيدة وهكذا يرى المراقبون ان العالم استطاع ان يضع فرويد على المشرحة قبل ان يمر عشرون عاماً على وفاته. واخيراً، قد كشفت الابحاث التي نشرها الكتاب اليهود في السنوات الاخيرة عن علاقة جذرية وعميقة عن نظرية‌ فرويد وبعض نصوص التلمود اليهودي ولقد ظلت نظرية فرويد في التفكير الجنسي للسلوك البشري تخدع مئات العلماء ببريقها الزائف سنوات طويلة، حتى اعلنت هذه الحقيقة التي سنلقي الضوء عليها في لقاءنا القادم بأذن الله، شكراً لكم. ******* أثر الأساطير في الفكر الفرويدي - 205 2008-12-01 00:00:00 2008-12-01 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4288 http://arabic.irib.ir/programs/item/4288 نشرف من نافذة ثقافية على لون من الثقافة الحديثة التي شاعت في القرن الحاضر، نتلمس جذورها وملامحها ونعنى بدوافعها وآثارها في الحياة الادبية والثقافية المعاصرة، تلكم هي قضية التحليل النفسي التي ارتبطت بأسم فرويد، فماذا نرى من خلال هذه النافذة؟ كان علم النفس قبل هذا القرن يبحث في الانسان وكأنه روح بلا جسد وكان يهمل دراسة الحيوان وبعض بني الانسان كالاطفال والبدائيين والشواذ وقد انصبت دراسته على الانسان كفرد منعزل، اما الآن فقد سيطرت علوم الوضعية كالطبيعة والكيمياء وعلم الحياة على علم النفس منذ اوآخر القرن الماضي واصبح يدرس الانسان كأنه مادة فقط، ثم انحرف عن اسلوب العلاج الى اسلوب التقرير فأصبح جبرياً يرى ان الانسان مسير من قبل جملة من العوامل واصبح عاجزاً عن ان يخلق المثل الاعلى لانه غر قادر على تثبيت قيم الاشياء، ثم لانه علم وضعي يسير في نطاق ضيق من التجارب لن يدعو علم النفس الى المجاهدة والسعي للتكامل بل دعا للاستجابة للاهواء والرغبات، انه لم يرفع الانسان امام نفسه الى الاستعلاء فوق الغرائز لكن دعاه الى الاستجابة لها، وبعد ظهور الفلسفة المادية اصبح هذا العلم احصائياً محضاً يتوقف عند تصوير الواقع ولا يتعرض للعلاج، وقد تحول عن طبيعة العلوم النفسية والاجتماعية في الدعوة الى ضبط النفس وحماية الانسان ومعارضته للشهوات المذلة فتحول الى الاسراف في الدعوة الى الاطلاق. وهذه النقطة هي مفرق الطريق بين قيام مفهوم علم النفس على تقدير كامل للانسان روحاً وجسداً وبين تحول علم النفس الى المادية وسقوطه تحت سيطرة المدرسه المنكرة للدين اجمالاً. لقد ظهرت مدرسة علم النفس الحديث ممثلة في ثلاثة هم فرويد وادلر ويونج الذين سرعان ما ظهرت عوامل الخلاف بينهم، ولا مر ما غدا الصيت للمفهوم الا بعد عن الفطرة والذي رده العالمان الآخران وهو مفهوم فرويد في اعلاء الجنس، وكان لاستسلام علم النفس الحديث للجبرية اثر بالغ في انبعاث روح الشك في العقائد والاديان ولانه علم تجريبي فقد عني بالحالات الشاذة وجعلها اساس البحث، من غير ان يقيم المعايير التي يستطيع المرء ان يتخذها لنفسه غاية، وعلماء النفس يصفون حالات الجماعة ونفسية الجماهير بما يحكمها من عقلية الرعاع وبما يشينها من العقل الباطن غير المفكر. وكان حقيق بكل ذلك ان يدفع بالعالم الى الشك وان يزعزع ايمان الناس في سمو المثل الاعلى فقد اصبح الفرد يرى نفسه غير ملوم لانه يتخذ من وجوده في الجماعة ذريعة للتبريء والتنصل عن المسؤولية. وتقوم نظرية فرويد في النفس على عدة اصول، فما هي هذه الاصول؟ اولها: ان الحياة النفسية للانسان ليست حيوانية فحسب بل تنبع كلها من الجنس المسيطر على كل افعال الانسان. وتقوم ثانياً: على ان غرائز الكائن البشري التي تحكمه وتسيطر على نشاطه وان الجانب المسمى بالروح مما لا وجود له على الاطلاق. وان الدين والاخلاق ثالثاً: ليسا قيماً اصيلة في الحياة البشرية ولكنهما انبثاق جنسي. ورابعها: ان القيم خرافة وهي نفاق العقل للنفس والمجتمع وان النفس كلها تفسر. خامساً: من خلال الجنس، وان كل الحوافز الانسانية. سادساً: انما ترد الى الجنس، ويرى فرويد بنظره الاعمى ان الانسان في جوهره حيوان كغيره من الحيوانات وان الانسان يولد جنسياً خالصاً، وان كل اعمال الطفل تعبير عن طاقة الجنس وان الطفل يعشق امه بدافع جنسي مما يجد الاب حائلاً بينهما فيكبت هذا العشق فتنشأ في نفسه عقده او ديب، والطفلة تعشق اباها بدافع الجنس فتكبت هذا العشق فتتولد في نفسها عقدة الكترا. وهكذا يدخل فرويد الانسان في حظيرة الحيوانات ويثبت انه عبد لنزواته وان العقل الباطن هو المسيطر الفعال في توجيه الانسان وان غرائزه وميوله الفطرية هي الاساس لسلوكه في الحياة وهي التي تحكمه وتسيطر على نشاطه، ومن نظرية فرويد هذه ظهرت نظريات في الادب والفن والاخلاق وفي مقدمتها السوريالية والوجودية، بيد ان هذه النظرية لم تكن مقبولة منذ اللحظة الاولى بين علماء النفس وقد لقت معارضة شديدة وذلك بسبب معارضتها للفطرة والواقع وبسبب تغليب عنصر الجنس ورد كل الحوافز اليه. وفيما يتصل بالمصادر فقد اعتمد فرويد على الاساطير القديمة وعدها حقائق علمية واعتمد كذلك على حالات المرضى الفردية واتخذ منها اسساً عامة للاسوياء ولهذا اشار المتخصصون الى ان عمل فرويد هو اقرب الى التكهن والتنبأ منه الى العلم وانه مخترع للفرضيات اكثر منه مجرباً لها، وانه يلقي بنظرياته واراءه دون ان يقدم لها البرهان العلمي والسند الواقعي وانه يفترض ثم يصدق ما يفترض ويبني عليه وكأنه حقيقة علمية ثابتة ومؤكدة، ثم ان ملاحظاته ترتبط بالمرضى على الاخص، ومن هنا يجب ان لا تعمم افتراضاته واستنتاجاته النابعة منها لتشمل الاشخاص الاسوياء، وبخاصة اولئك الذين وهبوا جهازاً عصبياً قوياً وسيطرة على انفسهم، كذلك اشار المتخصصون الى نقطة الضعف الاساسية في فرويد كعالم وهي انه اتخذ من دراسة نفسه وطفولته قاعدة للتعميم والوصول الى قوانين عامة وقد ترك فرويد من كتاباته عن نفسه وحياته ما يدل على انه كان يتخذ من تحليل احلامه وهواجسه ومشاكل صباه كيهودي في النمسا المتعصبة ضد اليهود قاعدة لكل تصميماته. هذا وقد خالف فرويد في نظريته كل من ادلر ويونج واستيكر، يونج يعتقد ان اراء فرويد ذات جانب واحد وانها غير ناضجة وساذجة في كثير من المواضع ويقول ان الجنس ليس اساس الدوافع الانسانية بل هو دافع واحد من عدة دوافع وهو يرى ان الغريزة السائدة في الانسان هي الرغبة الملحة بالتفوق والسيادة، اما ادلر فقد دعا الى نبذ اهمية الغريزة الجنسية وارجع تكوين الشخصية ونشأة الامراض العصيبة الى مجرد الرغبة في القوة وحاجة الانسان الى التعويض عن اي نقص في كيانه ويقول ادلر، ان الدافع الجنسي ليست له هذه الاهمية الشاملة التي ينسبها اليه فرويد وان حافز توكيد الذات ولبس الجنس هو القوة الايجابية السائدة في الحياة، ويقرر ادلر ان الاضطرابات التي تعترض حياة الاطفال النفسية ترجع الى عدم شعورهم بالمحبة فيصبحون مصدر مشاكل كبيرة وكذلك اثبت يونج وماك دوغل ان العقل الباطن ما هو الا خرافة وقد نوقش فرويد في مسألة العقل الباطن وعقده اوديب فأنكرهما في آخر حياته. ******* التحليل الفرويدي والتراث التلمودي - 204 2008-11-27 00:00:00 2008-11-27 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4287 http://arabic.irib.ir/programs/item/4287 نظرية سيغمون فرويد اليهودي النمساوي في التفسير الجنسي في السلوك البشري، هذه النظرية حاولت السيطرة على مناهج التعليم والتربية والدوائر العلمية لكن السنوات الاخيرة قد كشفت عن زيفها واستبان فسادها الكبير، فبدأت تتساقط شيئاً بعد شيء وتنزوى في الظلام حتى البقية الباقية من طب فرويد النفسي انما هي مما لا شأن له ولا اعتبار، وان اراءه لا تضيف شيئاً الى القيم الانسانية والى العلم، ونظرية فرويد عن العقل الانساني لا تقوم على اكثر من الاساطير والتخمينات التي سبق رفضها في مجال الدراسات المتعلقة بتاريخ الانسان، فما كان وراء نشر اراء فرويد وبثها على هذا النطاق الواسع الغريب؟ الابحاث التي صدرت في السنوات الاخيرة كشفت عن شيء خطير انخدع به المئات من علماء الغرب والشرق لعدة عقود من الزمان، وهذا الشيء الخطير هو العلاقة الجذرية العميقة بين نظرية فرويد في الجنس وتفسير الدين وبين نصوص التلمود، من بين الذين كشفوا عن هذا السر الدكتور صبري جرجس في كتابه التراث اليهودي في علم النفس ونظرية فرويد، فماذا نقرأ في هذا الكتاب؟ اشار المؤلف الى تركيز خطير الذي قامت به القوى المسيطرة على الاعلام والاداب والفنون والجامعات الغربية على نظرية فرويد، واحتضانها على هذا النحو المريب، على الرغم من ان هذه النظرية لم تكن صحيحة علمياً في حين اخفتت اصوات النظريات الاخرى الاكثر قرباً من الحقائق العلمية. يقول الدكتور صبري جرجس: لفت انتباهي حقيقة كبرى، تلك هي العلاقة الوثيقة بين فرويد رجل العلم والتحليل النفسي والكفر العالمي من ناحية وبين الطراز اليهودي الصهيوني والصهيونية والعمل السياسي الديني العنصري من ناحية اخرى، هذه العلاقة ليست علاقة مصادفة بل علاقة اصل ومسار وهدف وان فرويد واصحابه الذين حملوا لواء فكرته من بعده كانوا جميعاً من الحركة الصهيونية، مثل ساخ ورايك ورايسز من وزلبورك وشويزي وترلز وفاينكل وهنكل. ان مفاهيم التحليل النفسي قد قدمت في اواخر القرن الماضي في اطار علماني وما لبثت الاذواق الخفية والمقنعة للدعاية اليهودية والصهيونية ان احاطت هذا الفكر وصاحبه بهالة من النزاهة الفكرية، منعت حتى اعنف معارضيه ان يستريبوا حتى في اصوله وان انكروا مفاهيمه ذلك على الرغم من ما تسرب في كتابات فرويد واصحاب فكره من عبارات تكشف عن يهودية صهيونية واضحة التعصب. وقد فات مكنون هذه العبارات الاكثرين من الناس حتى رفعت الصهيونية العالمية القناع منذ نهاية‌ الحرب العالمية الثانية وحتى انصرف احد ابناءها دايفيد باكام ينقب في حفريات التراث اليهودي الصهيوني محاولاً الربط بينه وبين الفكر الفرويدي، يقول ان الفكر الفرويدي المنبعث اصلاً من التراث اليهودي والصهيوني كان يهدف اساساً الى تقويض الاسس التي تقوم عليها حضارة الغرب وان هذا الفكر لم ترد فيه اية دعوة انحلالية صريحة وكذلك الوجودية، وانما كانت الايحاءات انحلالية تتخلل المفاهيم الفرودية ثم قامت اجهزة الاعلام الصهيونية بتقديم هذه المفاهيم لتنظيم الادب والفن على نحو يغري الناس بالتحلل وييسر له السبيل. والمعروف ان الدعوة الفنية خاصة اذا امست قيماً يحرص الناس على بقاءها قد تكون اشد فعالية في زعزعة ايمانهم بها من الهجوم الجريء السافر عليها. الملاحظ على التحليل النفسي الفرويدي انه يكون لدى اصحابه وحدة عضوية وايدولوجية لان هذا التحليل صاغوه بطريقة خاصة تحتم قبوله كله او رفضه كله ولا سبيل فيه الى التجزئة او الاختيار ولا ريب ان هناك علاقة اكيدة بين نظرية فرويد في النفس التي هزت الفكر الانساني الوضعي كله واثرت فيه وبين الصهيونية ومخططاتها، ولا ريب ان ايضاً هذه النظرية وتطوراتها تسير جنباً الى جنب مع المخطط الصهيوني في مجالاته المختلفة عاملة على تحقيق الاهداف الصهيونية، وان التحليل النفسي الذي ابتدعه فرويد مع ظهور الحركة الصهيونية منذ حوالي قرن من الزمان لن يكن علماً مجرداً ولكنه وثيق الصلة بالفكر الصهيوني اليهودي الذي ظهر في التراث منذ عهد التوراة وما بعد. من اجل هذا خسرت اليهودية الصهيونية حربها الاعلامية والدعائية لنشر مفاهيمه والدعوة له في اوسع نطاق مستطاع، حتى عزت الفرويدية من اقوى العوامل اثراً في التوجيه الفكري والخلقي لعالم الغرب. كان سيغمون فرويد يهودياً قحاً وعضواً عاملاً واصلباً في بعض المنظمات الصهيونية وصديقاً شخصياً لهرزل ابي الصهيونية وعلى هذا لا يستبعد ان يكون قد دخل عمله ضمن مخطط البروتوكولات لانه وردت الاشارة اليه فيها على انه دعامة من دعامات الخطة الى تدمير العالم والسيطرة على الامة والمجتمعات العالمية عن طريق هدم قيمها واخلاقيتها. ان العلاقة العضوية والمصيرية والمصلحية بين اليهودية الصهيونية والاستعمار الامبريالي من ناحية وبينها وبين التحليل النفسي الفرويدي من ناحية اخرى قد جعلت من الحركات الثلاث ثالوثاً قوامه العنصرية وروحه الاستعلاء ووسيلته الافساد وهدفه الاستغلال، ويمكن العودة الى ما دعت اليه الصحافة الصهيونية في اعقاب عدوان عام 67 حين طالبت بالمزيد من الحرب النفسية ضد العرب ودعت الى استخدام علم النفس الفرويدي بشكل اعمق وادق ذلك لان علم النفس علم يهودي وخليط باليهود بصورة يجعلهم اكثر الناس على استخدامه ولقد تبين بوضوح ان تعاليم فرويد تؤازر الدعوة التلمودية الى اشاعة الفاحشة في المجتمعات ومعارضة التعاليم الدينية التي تذهب الى ضبط الغرائز ومغالبة الشهوات وارساء‌ القيم الاخلاقية. وتعاليم فرويد اساساً من اسس الفلسفة الحديثة التي تدعو الى اطلاق الغرائز واشعالها بالفنون واستتارتها بالصورة والكلمة والملابس. واخيراً فأن بلاداً كثيرة قد نبذت طريقة فرويد في العلاج النفسي والعقلي واعلنت عن فساد نظريته التي ترد كل الاضطرابات النفسية الى اسس جنسية بحتة، وكأن الانسان حيوان جنسي لا غير، مثلاً يقول الدكتور ناثن كلاين الطبيب النفسي الروسي عن نظرية فرويد، ان هذه النظرية ليست سوى معول هدام لعقول الشباب ومخدر مميت لنفوس ابناء‌ الشعب وهو يرجح عليها نظرية ايفان بان لطوف التي ترى ان البيئة هي المسؤول الاول عن ما يصيب الانسان من انحراف نفسي وعقلي، والاسلام يرد كلا النظريتين ويرى ان كلامنهما يرتكز على واحد من جملة عوامل هي مصدر الارادة الانسانية. ******* اصول، سمات ومسيرة الادب العربي المعاصر - 203 2008-11-25 00:00:00 2008-11-25 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4286 http://arabic.irib.ir/programs/item/4286 في سياق الفهم الحضاري للادب نتوجه في هذا اللقاء الى الادب العربي، نريد ان نقرأه هنا في اصوله وسماته ومسيرته المعاصرة، فما الذي نجده في هذا اللقاء؟ من المعروف ان خصائص الادب العربي الذي تميزه عن الاداب الاخرى في الشرق والغرب انما ترجع الى البيئة التي نشأ فيها والفكر الذي تشكل في اطاره والى التحديات التي واجهته في طريق مسيره الطويل. لقد نشأ الادب العربي في الجزيرة العربية منذ قرون عديدة سبقت الاسلام وصرفته مقومات رسالة التوحيد الاولى الحنيفية حين قام هذا المجتمع الجديد في قلب الجزيرة، بجوار بيت الله الحرام، تجمع بين جنوب الجزيرة وشمالها ووسطها وصهرها جميعاً في ذلكم البناء الذي اقامه الاسلام بعد بعثة رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حفيد ابراهيم واسماعيل (عليهما السلام). ومما لا خفاء فيه ان الاسلام هو الذي منح العرب كيانهم الاجتماعي، وان القرآن الكريم هو الذي صاغ لهم منهج الادب العربي، وقد كان قبل الاسلام شعر وادب واسواق وكان الشعر ديوان العرب ومجموعات من سجع الكهان، بيد ان صورة الادب في معالمه الاصيلة انما اتضحت بعد نزول القرآن الكريم الذي كان العامل الاعظم في بناء الادب وظهور فنونه وعلومه ومناهجه، وهو الذي اغنى اللغة العربية بالاساليب والمضامين، اعطاها القرآن الكريم كما اعطى الادب العربي هذا البيان المعجز الفائق الذي فهمه العرب واعجبوا به وعجزوا في نفس الوقت عن الاتيان بمثله. والمهم ان نتذكر انه كان لميراث النبوة في اسماعيل جد العرب ولبقايا الحنيفية دين ابراهيم قيم خالطت النفس العربية وقامت على الاريحية والمروءة وان اصابها كثير من فساد عادات الثأر ووأد البنات والشرك وعبادة الاصنام والاستعلاء والتفحل، فلما جاء الاسلام حرر هذه النفس من جاهليتها وصاغ كثيراً من سماتها صياغة جديدة وحول اهداف الكرم وحماية الذمار والنجدة فأعطاها مفهوماً متجدداً هو مفهوم التوحيد الاصيل، وساق قدرتها على المجالدة والحمية ووجه ذلك كله الى هدف اسمى تحت لواء عقيدة التوحيد الخالصة، وبذلك محى درن الجاهلية وحرر قيمها التي كانت عماد القوة الكبرى التي انتفعت في الارض ترفع راية الاسلام. كل هذه العوامل قد وهبت ادب اللغة العربية ذاتية خاصة وصاغته على نحو خاص يختلف به عن آداب الامم الاخرى، وظهرت فنون جديدة لم توجد في الاداب الاخرى وظهور تلك الفنون واختفاء تلك الاخرى منه لا ينقص من قدره مادام يصدر عن اعماق روحه الطبيعية ومقوماته الخالصة، من هنا لا يمكن ان يدرس هذا الادب في ضوء مناهج وضعت لاداب اخرى ذلك ان اساليب النقد والبحث انما توضع للاداب بعد ظهورها ولذلك فهي مستمدة منها وليس العكس. الواقع ان مذاهب الادب التي يحاول النقاد محاكمة الادب العربي بها، هي في جملتها مذاهب غربية وضعت مسمياتها ومناهجها بعد قيام ظواهرها في الاداب الاوربية وهي في الحق ليست مذاهب بل هي مسميات عصور كالكلاسيكية والرومانسية وغيرهما، وهي تتصل في مجموعها بتاريخ الامم التي وضعت هذه المذاهب، فلماذا تنقل لتكون قوانين يخضع لها الادب العربي الذي يختلف من حيث تكوينه وسماته وتاريخه وبيئته ومظاهر حياته عن هذه الاداب؟ ان اختلاف المصادر والمنابع بين الادب العربي والاداب الغربية يجعل من العسير خضوع الادبين لمقاييس واحدة او لقوانين واحدة، والمعروف ان الآداب الغربية جميعاً تستمد مصادرها من الادب الهيليني والفلسفة اليونانية والحضارة الرومانية، فقد اتجه الادب الاوربي الحديث منذ اول ظهوره في عصر النهضة الى هذه المنابع وربط نفسه بها وجعلها اساساً ثابتاً لمختلف وجوه نظره ومفاهيمه وقيمه، كما اتخذ من النظريات التي قدمها ارسطو في الادب والنقد والشعر وغيره اساساً له. ولا ريب ان الاسس التي يقوم عليها الادب العربي في مختلف فنونه وبيئاته يختلف اختلافاً واضحاً عن الاسس التي يقوم عليها الادب الغربي الذي استمد مصادره اساساً من القرآن الكريم والاسلام والقيم العربية الاصيلة التي تلاقت مع مفاهيم الاسلام وانصهرت بها. اجل ان الفكر الذي تشكل الادب العربي في اطاره انما هو القرآن الكريم واداته هي اللغة العربية ويقوم هذا الفكر على اساس التوحيد الخالص، فقاعدة الاسلام الازلية هي الاعتقاد بوجود الله الواحد الذي لا يتغير بتغير الزمان والمكان، ان الله تبارك وتعالى هو خالق الكون وهو الذي يمسك هذا النظام المترابط في كل لحظة بحيث لو تخلى عنه لحظة لتلاشى الكون وانتهى وهو القائم على كل نفس بما كسبت. والانسان في الرؤية الاسلامية مستخلف في الارض وله طبيعته الجامعة بين الروح والجسد والعقل والقلب وله رغباته واشواقه الروحية وله ارادته ومسؤوليته، ولما كان القرآن الكريم هو المصدر الاصلي للفكر الاسلامي فهو اذن المثل الاعلى للادب العربي. ولا ريب ان تأثير القرآن الكريم في هذا الادب لا ينقطع لانه متصل بالاداء والمضمون معاً بحيث يستمد الادب العربي اصوله من الاسلام والقرآن، وفي مقدمتها الاصالة والصدق والوضوح والايمان والتفاؤل والاخلاقية والتكامل والالتزام والمسؤولية والحرية ذات الضوابط والقيم وترابط الفردية والاجتماعية والتوحيد والفطرة وقوامة الرجل وتكامل المعرفة والطابع الانساني العام. من خلال دراسة الاصول التي اشتق الادب العربي منها وجوده، يظهر جلياً وجود الخلاف والتباين بين الادب العربي والاداب الغربية وخاصة في اربعة مواقع مهمة هي: اولاً: تفسيرات العقائد. ثانياً: طبيعة البلاد. ثالثاً: موروثات الهيلينية والفكر اليوناني. رابعاً: الآثار الخطيرة التي حققتها فكر سيطرة التلمودية على الفكر الغربي كله في العصر الحديث. من هنا نجد الخلاف عميقاً في العقائد والثقافة ومناهج البحث والطبيعة النفسية والطبيعة الجغرافية جميعاً، ولهذا الخلاف ابعد الاثر في مفهوم الادبين ذلك ان ابرز طوابع الفكر الغربي والادب الغربي تبعاً لذلك هو تجزئة الامور لا تكاملها، هي تفهم شيئاً واحداً وترى الآخر عكسه او ضده، ويتصل بين الاشياء فصل العداوة او المخالفة او التعرض ولا تستطيع ان تقبل المصالحة او الانتقاء او التكامل على النحو الذي يمثل طبيعة واضحة للفكر الاسلامي، وحين يستمد الادب العربي مقوماته من التوحيد يستمد الادب الاوروبي مقوماته من اشياء كثيرة يكاد الدين الغربي ان يكون عنصراً فيها بيد ان ابرز المقومات التي يقوم عليها الادب الغربي عامة هي الوثنية الهيلنية والادب الجنسي الصريح، وهكذا تتجلى الفوارق الجوهرية بين الادب العربي وبين الاداب الغربية جميعاً مما سنصير اليه ان شاء الله في لقاء قادم من البرنامج. ******* تهديدات لاصالة الأدب العربي - 202 2008-11-24 00:00:00 2008-11-24 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4285 http://arabic.irib.ir/programs/item/4285 من اخطر القضايا التي اثارها منهج النقد الغربي الوافد مسألة الحرية والفن ومسألة الفن والاخلاق وقد استهدف دعاة التغريب احراك الادب العربي من قيمه ومضامينه التي تجعل الفن مرتبطاً بالاخلاق وتجعل الحرية ذات ضوابط وذلك بطرح نظرية عرفتها دوائر الادب الغربي، هي قضية الفن للفن او اطلاق حرية الفنان في التعبير، هذه النظرية كانت قد برزت في الادب الغربي بعد تحولات كثيرة وتحت ضغط عوامل مختلفة ابرزها اتصال الادب الغربي المعاصر بأصول الادب الاغريقي الوثني القائم على الكشف والعري والتحلل الكامل ثم رد الفعل ازاء الرهبانية الكنيسة الصارمة التي كانت تفرض العزلة ومعارضة الطبيعة الانسانية في قضايا الجنس والمرأة وثالث هذه العوامل الدوافع السياسية التي فرضتها الدعوات المستخفية المخربة ذات الاهداف الخطيرة في هدم الحضارة والاديان والتي كان لها اثرها في دفع نظريات فرويد وسارتر وغيرهما واعلان الجنس والاباحة. كان طه حسين سباقاً الى هذه المذاهب والدعاية لها حين جمع في وقت واحد بين استخراج ما يمكن ان يطلق عليه صور الكشف والاباحة من حياة ابي نواس وبشار وحماد عجرد وزاوج بينها وبين ترجمة القصة الفرنسية الاباحية وقال في الدفاع عن ذلك ليس للادب ان يعطل عمله لان يسأل عن قواعد الاخلاق، وتابعه توفيق الحكيم لما قال: «ان الاجادة في تصوير الدمامة والرذيلة لا تقل فضلاً عن الاجادة في تصوير الحسن والفضيلة». والواقع ان هذا المنحى الغريب لم يكن مما يتقبله الذوق الذي نشأ في ظلال الاسلام والقرآن، واذا احتج احد بما ورد في بعض دواوين الشعراء فقد عرف ان هذا لم يكن من الادب العربي الاصيل الذي ولده الاسلام بل كان من الانحراف الذي طرأ على هذا الادب بعد اتصاله بالثقافات الغريبة الدخيلة ايام حكم العباسيين. اما الادب العربي في اصالته فقد امزج الحب العفيف والسمو على الشهوات واحترام كرامة المرأة وعظمة العرض والرجولة. اجل، ان ما يذهب اليه الادب الغربي من تمجيد اللذة الجنسية ليس طارئاً عليه في الحقيقة ولكنه عودة للجذور القديمة في الادب اليوناني بعد ان حرره الاتصال بالادب العربي والفكر الاسلامي فترة، حين نشأت في اطواره مفاهيم الفروسية والحب العفيف الذي اذاعه شعراء التروبادور وغيرهم بيد ان الادب الغربي عاد مرة اخرى الى اصول قديمة في الروح اليونانية الاغريقية المؤمنة بالعري والكشف والاباحة وعبادة‌ الجمال وعبادة القوة. وما ظهر بعدئذ على يد اورانس وغيره الى ما كان متابعة الى ذلك الاستيحاء الذي قام به فرويد وغيره في تلك الجذور الاغريقية مما لا يضاد النفس الاوربية ولا يعارض المزاج النفسي الغربي بل مما يتصل به اساساً ويلتقي فيه بأعمق اعماقه. اما في الادب العربي الذي يستمد من قيم العفاف والاخلاق والنبل والمروءة فقد كان ذلك كله غريباً عليه ودخيلاً لمؤثرات خارجية طارئة سرعان ما لفظها وعاد الى مسلكه الاصيل. وقد اشار اكثر من باحث الى ان اطلاق الفن والادب من قيود الاخلاق مما لا يتفق مع نهج الادب العربي وذاتيته، وهو مذهب تنزه عنه من اهل كل امة عظمائهم وحاربه من اهل كل فن زعماء الاصلاح فيه امثال كاريل ورسكن وماريل ارنولد، وقد اصاب العقاد حين قال ان الادب الذي يسمونه بالادب المكشوف ليس بالنهضة التقدمية التي تستحث لها خطوات الابناء والبنات وانما هي عارضة من عوارض الضعف التي تنم عن الحاجة الى التربية الرياضية الخلقية وتدل على ان الشاب مفتقر الى ضبط الارادة في الفتنة وليس مفتقراً الى اطلاق الارادة والاستباحة لما يباح ولما لا يباح. ويتساءل العقاد عن عملية التهافت على المثيرات ويجيب ان العلة هي التعويض الخاسر والعجز عن التعويض المفيد. فالانسان لا يطلب المثيرات الحسية الا لانه فقد القرار على عقيدة روحية او على فكرة مثالية او على ثقة خلقية، ومتى فقد هذا القرار دفعه الى ان يشغل نفسه بما يثير حسه وسوء يسأم المثيرات لا محالة لان المثيرات تفقد معناها ولا تغدو مثيرة ولا قابلة لتنبيه الحس، اذا استمر التنبيه يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة. والولع بالمثيرات تعويد خاسر على العقيدة الروحية والفكرة المثالية والثقة الخلقية، لان هذه القيم الرفيعة تزود النفس بعوامل الحركة وعوامل السكون في وقت واحد، ولا تدعها فارغة لحظة من اللحظات، والعقيدة الروحية تزود الانسان ببواعث الحركة وحوافز العمل في ثقة وقوة وتزوده ببواعث العزاء عن الاخفاق والخيبة، وتوحي اليه بفضل الاخفاق والخيبة احياناً على النجاح اذا كان فيه ما يناقض عقيدته ويحمل على اهمالها والتفريط فيها. وترى نازك الملائكة ان الاباحة والكشف لون من الادب الهدام، يتستر تحت اسم مذاهب فنية او دراسات علمية بأسم الرومانسية والوجودية وانها الوان من الادب شعره ونثره طابعها الانانية والانطواء على النفس، وانه بأسم الواقعية والتحليل النفسي ظهرت الوان من الادب ومن القصص خاصة تعرض خفايا العورات وتبرز كثيراً من الرذائل وبأسم التنفيس، وقد رد عبد المنعم خلافاً على ما اثاره توفيق الحكيم حول اطلاق حرية الفن فقال، ان الفن انما هو وسيلة للمصلحة لا للترف واطلاق عبقرية الخلق والتسييم والتشكيل والتلوين على هوى طليق غير منسجم مع الاتجاه العام في الطبيعة كلها. ان الخطأ الذي يرتكبه اصحاب هذا الاتجاه المتحلل هو انهم ينسون الفارق التاريخي العظيم بيننا وبين الاوربيين ويحاولون ان يطبقوا على بيئتنا مقاييس الحياة الاوربية الحاضرة، غروراً منهم بالمدينة الصناعية الالية وغفلة منهم عن ان نقل المكان دائماً من حضارة الى اخرى هو اسهل واسرع من نقل السكان. ان العقلية اللاتينية عقلية لم تحسن التتلمذ على الطبيعة في تقدير لباب الاشياء بل تشوبها حياة القشور المزوقة والثرثرة والجدليات والاستعراضات المسرحية والانطلاق وراء النوازع والشهوات والتحلل من قيود الاجتماع بحجة الحرية الفكرية، واخيراً فأن الصور الفنية المنحرفة تزلزل وتفسد عقلية ومشاعر الناس وايمانهم بقيمهم العليا وتأخذهم الى حياة اللذة والجنوح التي لا تحتمله الحياة العلمية ولا الحياة الانسانية السوية. ******* ينابيع تمايز الأدب العربي - 201 2008-11-22 00:00:00 2008-11-22 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4284 http://arabic.irib.ir/programs/item/4284 حين اريد للادب العربي الحديث ان ينسلخ عن هويته الاصيلة خطط دعاة التغريب والغزو الفكري لطمس ذاتية هذا الادب واغراقه بأفرازات الآداب الغربية الوثنية المنشأ الكنيسية التغذية المادية المآل والمصير، ولاشك ان الادب المكشوف وهو مظهر تبلور على ايدي دعاة التغريب تيار طاريء على الادب العربي قديمه وحديثه ليس من طبيعته ولا ذوقه ولا هو مستمد من مزاجه النفسي الاصيل، وقد ظهر هذا اللون من الادب في حكم بني العباس تحت اسماء شتى، ادب المجون والزندقة، شعر الغزل الحسي والغزل الغلماني وكلها فنون لم تكن عريقة في الادب العربي الذي صنعه الاسلام وتشكل في دائرة الفكر الاسلامي وقيمه ومفاهيمه بل ان هذه الالوان الادبية الشاذة الغربية الى ما كانت متصلة بجاهلية اقوام اخرى وبآداب اليونان والرومان القدامى مقترنة بالوثنية وفلسفات الانحلال والاباحة. وفي الادب العربي الحديث ظهر الادب المكشوف مع مناهج النقد الغربي الدخيل على ايدي الذين اعتنقوا هذه المناهج وعملوا من خلالها على اخراج الادب العربي من مقوماته ومفاهيمه واغراقه في تيارات الاداب الاخرى، وقد بدا ذلك واضحاً مستمعي الكريم من خلال الترجمة التي تحركت في خطين متوازيين احدهما ترجمة التراث اليوناني الاغريقي الهليني الوثني الحافل بالاساطير والاباحيات والآخر من خلال ترجمة القصص الاوروبي والفرنسي بصفة خاصة والذي قام بها عدد من المارونيين اللبنانيين وفي مقدمتهم طانيوس عبده. وقد جر الدكتور طه حسين شوطاً طويلاً في هذا المجال فبعث كثيراً من اساطير اليونان وترجم ولخص عشرات من القصص الفرنسية المكشوفة، كما ترجم لبودلير وغيره من الشعراء الاباحيين فضلاً عن اهتمامه الواسع بشعراء الاباحة في كتاب الاغاني ولم يقف الامر عند تقديم هذه الترجمات بل ان دعاة المذاهب الوافدة قد احاطوا ذلك الاتجاه بتبريرات مختلفة وساقوا مناهج فلسفية مغايرة لما ينطلق من الادب العربي والفكر الاسلامي في مفهوم التعبير عن النفس والحياة في ضوء القيم والاخلاق الاسلامية. وكانوا في ذلك يحاولون فتح ثغرة في جدار النفس المسلمة للانطلاق منها الى ما يختلف اختلافاً اساسياً مع طبيعتها ومزاجها النفسي. الادب الحديث في كل امة ينطلق من اصوله وتراثه، فأن الادب العربي لا يجره منطلق الا من خلال الاخلاق والقيم الروحية والنفسية الواعية لطبيعة الشخصيات الانسانية، والحامية لها من الانهيار والتحلل ولطبيعة المجتمع الاسلامي القائم على التلاحم بين المادة والروح والقلب والعقل. وقد اعترف الاسلام بالجانب الحسي وفتح له الطريق السليم المعتدل الامن بعيداً عن الكبت وبعيداً عن الاسراف ايضاً، فلم تعد هناك ازمة معضلة تواجه المجتمعات في فترة المراهقة او اي فترة اخرى من فترات الحياة الاجتماعية، اما الغرب فقد كان الادب المكشوف عندهم نتيجة ازمة واضحة وتحديات خطيرة دفعت بالمجتمع الى كسر القيود والوصول الى ابعد مدى في معارضة التعاليم المترهبة المبتدعة باسم الدين، ذلك ان هذه التعاليم المبتدعة قد حملت معها الدعوة الى احتقار الحياة كلية والى بغض الجنس وكراهية العلاقات الطبيعيه بين الرجل والمرأة والتنفير منها والدعوة الى مقاومتها. من هنا كانت معارضة الطبيعة البشرية لهذا النحو من العنف والقسوة عاملاً من عوامل الاندفاع والتحلل ومن هنا حين ثارت اوربا على الدين كله كانت ثورتها من هذا الجانب عارمة ارتدت بها الى التراث اليوناني وانفصلت بها عن كل مقومات الخلق والدين فلم يعد هناك وسط او اعتدال او حرص على ضوابط معينة فمن الرهبانية المصرة على كراهية‌ الجنس واحتقاره والتنفير منه الى الاباحة المطلقة في الاندفاع نحو الجنس بغير ضوابط ولاحدود. اما في المجتمع الاسلامي حيث اعترف بالجنس وفتحت النوافذ والابواب نحوه وفق خطط صريحة وضوابط واضحة فأن هذه الازمة لم تكن لتحدث اصلاً ومن ثم فأن الادب العربي وهو صدى لحركة النفس الانسانية من خلال المجتمع لم يكن ليواجه ادباً جنسياً صادراً من اعماقه. من هنا كان نقل هذا الادب وترجمته ومحاولة الدعوة اليه عملاً تغريبياً خالصاً وكان منافياً للبيئة والفكر والقيم التي عرفها الادب العربي. لقد اعتمد الادب الغربي والاوروبي والامريكي في خلق الادب المكشوف على عناصر طبيعية واساسية في جوهر المجتمع الغربي ومن خلال تحديات خاصة جاءته عن طريق ما فرضته المفاهيم الدينية الغربية من رهبانية ابتدعوها. وقد اصاب هذا التيار في الادب الغربي مزيداً من الانحراف لتغلب عوامل ليست خفية عليه وابلغها اثراً في اشتداد خطره مذهب فرويد في التحليل النفسي الذي استطاعت قوة كبرى عاتية ان تذيعه وتفرضه، علي الرغم مما فيه من اخطاء اعترف بها زملاء فرويد وتلاميذه، وكان اكثرهم قرباً للطبيعة البشرية والواقع ومع ذلك خفتت اصواتهم، في حين استعلى مذهب فرويد انحرافه عن الحياة وبأستمداد اصوله ومفاهيمه من التجارب التي اجراها فرويد على الشواذ وليس على الاسوياء في المجتمع الاوربي، ومن خلال نفسيته المريضة وفي ظل وضعه الاجتماعي كيهودي في المجتمع يكن له ولعنصره كثيراً من الازدراء وهو يصدر في افكاره عن ذلك التعصب والتحدي، فضلاً عما عرف وايدته كثير من الوثائق من اتصال فرويد بالحركة الصهيونية الحاقدة على الانسانية كلها، كما يظهر هذا المعنى جلياً في كتاب الدكتور صبري جرجس بعنوان التراث اليهودي في الفكر الفرويدي. من خلال نظرية فرويد ظهرت الاتجاهات الاباحية المسرفة التي تضمنها كتاب ازهار الشر لبودلير ومدام بوباري لبلوبير والغلامة لمارغريت وعشيق الليدي تشارلي للوراس، من هنا قوي ذلك التيار واخذ يدعو الى حرية الفن المطلق والى تغليب جانب الشر في الغزل والخمريات والعري، كما عرف عن الروائي لورانس. وتغليب جانب القبح كما عرف عن الشاعر بودلير. ان هذا اللون من الشعر الغربي الاباحي لا يسيغه ذوق الادب العربي ولا تقبله النفس المسلمة شكراً لحسن متابعتكم. ******* إشكاليات في منهج النقد الأدبي الحديث - 200 2008-11-18 00:00:00 2008-11-18 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4283 http://arabic.irib.ir/programs/item/4283 في الكلام عن الادب العربي الحديث نلاحظ ان هذا الادب قد واجه عدداً من النظريات الوافدة في مجال النقد الادبي قدمها بعض الادباء في نطاق الدعوة الى تجديد الادب العربي، وقد خالفت هذه النظريات الغريبة المجتلبة منطلق الادب العربي وجذوره وعارضت ذاتيته الاسلامية الخالصة واصطدمت مع مزاجه النفسي والعقلي، من هنا راحت هذه النظريات تسقط الواحدة منها تلو الاخرى، ولم تجد مجالاً للعمل والنماء والتشكل مع الادب العربي، لماذا؟ لان هذه النظريات في اصولها قد انطلقت من سمات الاداب الاوروبية وذاتيتها وتشكلت وفق مضامين تلك الاداب واعتمدت اساساً على النظريات التي باءت في دائرة العلم الطبيعي ثم فرضت نفسها على الفلسفات والاداب وهي نظريات اعتبرت الانسان حيواناً خاضعاً لظروف البيئة خضوع مختلف الاشياء لها، وهذه ولاريب نظرية مادية خالصة‌ لا تتفق وروح الادب العربي الذي يقوم على اساس ترابط واضح بين المادية والروحية وما بين العقل والقلب والتي تعتمد قاعدة التوحيد الاسلامي اساساً لمنطقها. منهج النقد الادبي الحديث الذي فرضه بعض الادباء بعد الحرب العالمية الاولى على الادب العربي انما يقوم على اساس مادي صرف فهو مبني على اساس النظريات التي اخذت منهجها من نظرية‌ داروين في التطور واصل الانسان، هذه النظرية التي قامت في دائرة العلم الطبيعي ثم نقلها الفيلسوف هربرت سبنسل الى مجال المجتمع وطبقها على مباديء الاخلاق ثم جاء برونبر الناقد الفرنسي فطبقها على الانواع الادبية. هذا الى جوار ان المفاهيم التي اعتمد عليها دعاة المذهب الغربي في النقد الادبي انما اخذوها من برونبر هذا وهو لا يرى الا ان الانسان اثراً من آثار البيئة بمعناها الاجتماعي الواسع وانه لا يكاد يفترق عن النبات والحيوان في امتثال الحول وانعدام الارادة وبهذا ما فيه من انزال الانسان من موقع البطولة الى مكان الحيوان الذي يعيش تحت رحمة القوى المحيطة به، هذه النظريات نماها بعد ذلك الباحث الفرنسي دور كاين في مفاهيمه التي تلقاها عنه بعض الدارسين العرب في جامعة اسربون وجعلوا من هذا الخليط كله اساساً لنظرية في النقد الادبي التي جرى تطبيقها على المتبني وابن خلدون والمعري ثم جرى تطبيقها على الشعر الجاهلي وعلى ادب القرن الثاني للهجرة. لقد غلب المذهب الاجتماعي على دراسات الادب والتاريخ وغلب المذهب المسيحي على دراسات التراجم والشعر، ومن هنا برزت تلك الاراء الغريبة التي تمسك بها بعض الادباء والتي لا تتفق من قريب ولا بعيد مع مفاهيم الفكر الاسلامي والثقافة الاسلامية لذلك قول طه حسين المتعسف من ان الدين نبت من الارض ولم ينزل من السماء وقوله ان العالم الحقيقي هو من ينظر الى الدين كما ينظر الى اللغة وكما ينظر الى اللباس من حيث ان هذه الاشياء كلها ظواهر اجتماعية تحدثها وجود الجماعة، والواقع ان قائل هذا الكلام يردد صيحة معروفة في الغرب على ايدي العلماء‌ اليهود تلاميذ بروتوكولات صهيون وان العلم الذي يشير اليه ليس هو العلم بمعناه الحقيقي بل هو الفلسفة المادية ومدرسة العلوم الاجتماعية والتحليل النفسي، وكلها تقوم على مصدر مادي خالص ولا تعترف بالانسان على انه روح ومادة، ولا ريب ان هذه الاراء واحدة وان الدكتور طه حسين لم يبتكرها ولم يصل اليها بعد بحث لكنه تلقنها من دوركاين وغيره من الكتاب الغربيين الذين ارادوا ان يتحركوا بمفاهيمهم هذه من خلال الفكر الغربي والفلسفة المثالية التي كانت سائدة الى الفلسفة المادية الخالصة. اما الادب العربي والفكر الاسلامي فليس له مع هذه القضية او مع هذه الازمة‌ اية صلة فمن الظلم الصريح ان ينقل مجال المعركة الى الادب العربي بغير ما حاجة اليه بها الا حاجة واحدة في نفوس المستشرقين والمبشرين وتلامذتهم هي محاولة‌ تغريب الادب العربي وعزله عن ذاتيته الخاصة وفي نفس مجال الادعاء بأن هناك صراعاً بين الدين والعلم فأن الامر يبدو مظللاً فليس بين العلم والدين خصومة حقيقية فضلاً عن انه ليس بين الاسلام والعلم خصومة‌ ما والنظريات العلمية لم تثبت اي تناقض بين العلم والدين. كثيراً من الباحثين تعارضوا وهذا المنهج الوافد في نقد الادب العربي وذلك ان المنهج العلمي في البحث الذي ينقد به طه حسين الادب العربي لا يصلح استخدامه الا في مجال الوقائع العلمية كالقضايا الكيميائية والطبيعة وما اليها، فلا يدخل في مجال الوقائع العلمية معارك الشعوب ولا يستطيع العلم ان يستقل بالبحث في هذا الموضوع لانه ادخل في مجال الرأي، ويعول طه حسين على المنهج الاجتماعي الذي ينظر الى الانسان بأعتباره حيواناً اجتماعياً، ومن هنا يستند الى دراسة البيئة والعصر ولا يدرس البواعث النفسية للاديب التي تخفره الى نوع من السلوك دون آخر. ان العلم ميدانه العقل وهو لا وطن له ولا قومية كما ان العقل لا قومية له ولا وطن فقوانين التفكير واحدة وسبل العقل واحدة وليس الادب كذلك فبينما انت في العلم لا تجد علماً المانياً ولا علماً فرنسياً ولكن تجد علماً واحداً ولكن تجد الادب متعدداً بتعدد الامم فلكل امة ادب كما لكل امة‌ لغتها وتجد ادب كل امة مطبوعاً بطابعها على نحو بين لا خفاء فيه او هكذا هو اذا استقلت الامة بأدبها ونسجت لنفسها ثوباً من روحها وتاريخها وتقاليدها وعاداتها ودينها بدلاً من ان تلتف بثياب غيرها لا تجد فيها دفئاً ولا قوة ولا جمالاً. ان المذهب في النقد الادبي قد لقي معارضة تستمد قوتها من معارضته للذوق العربي ومضاداته لذاتية الادب العربي التي تعتبر الانسان سيد الكائنات وتعلي من قدر روحه وعقله ووجدانه وتحاكمه الى مقاييس تختلف تماماً عن المقاييس المادية التي تراه حيواناً او خاضعاً الى الجنس، وقد سقطت نظرية خضوع الادب للمذهب الاجتماعي والمذهب النفسي على السواء وتبين فساد الرأي الذي اعلنه طه حسين في العشرينات من هذا القرن حين قال انه يريد ان يدرس الادب كما يدرس صاحب العلم الطبيعي علم الحيوان وعلم النبات. وهناك خلاف ايضاً عميق عن اخلاقية الادب فقد كان ابرز ما دعا اليه المذهب الغربي في الادب هو تحرير الادب من طابع الاخلاق ودفعه الى تصوير الغرائز والاهواء من دونما قيد وذلك بأسم حرية الادب التي اطلق عليها مصطلح الفن للفن والواقع ان حرية الادب لا جدال فيها لكن الخطأ في قصرها على‌ عاطفة دون عاطفة او وجدان دون وجدان فضلاً‌ عن عاطفة الهوى والشك والمجون ومن الخطأ ان يقال ان الاخلاق من موضوعات الحياة الجاهدة‌ وانما شأنها شأن الفن، وليدة التجربة العميقة والخبرات الانسانية الطويلة التي تبلغ به الى ادراك الحكمة في الحياة. ******* عن تنصير الأدب العربي - 199 2008-11-16 00:00:00 2008-11-16 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4282 http://arabic.irib.ir/programs/item/4282 كانت الدعوة الى تنصير اللغة العربية من اخطر اعمال التغريب فقد كانت تستهدف اساساً اقامة حائط كثيف يعزل اللغة والادب في مصر وتحاول ان توجد لهما ملامح خاصة يعزلها عن اللغة العربية عامة وعن الادب العربي، هذه الدعوة الى التنصير كانت في الواقع جزءاً من الدعوة الاقليمية التي فرضها النفوذ الاستعماري في اوائل القرن العشرين، وحمل لواءها لطفي السيد بأسم اعطاء المصرية طابع الاستقلال والبروز على حساب الروابط الاساسية بين اجزاء الامة والتي تشكل اللغة العربية والادب العربي اسس اصيلة فيه، وقد عمل السيد الى تنصير اللغة العربية ثم جاء بعده رعيل من الدعاة الى تنصير الادب العربي، في مقدمته احمد غيث، طه حسين، وامين الخولي وغيره، وقد هجم هذا الاتجاه وكشف عن انحرافه في محاوله عزل مصر لغة وادباً عن اللغة العربية والادب العربي في الامة كلها، بدعوة ان مصر لها طابع خاص او مزاج خاص وهي دعوة مظللة لم تكبت امام النقد العلمي وانهارت في ضوء الحقيقة. وفي اجواء تنصيرية اللغة والادب ظهرت الدعوة الى الفرعونية في مصر لابراز اهداف الفكرة الفرعونية في الادب العربي، وهي تستهدف في الدرجة الاولى اخراجه من المفهوم التوحيدي وادخاله في الوثنية وذلك بتقريب عبارات المومياء والطريق الجنائزي والزخارف والمعابد والكاهن والذبيحة وتقريب القرابين، وقد ارتفع صوت طه حسين في فترات متعددة بالدعوة الى اعتبار الفن الفرعوني مدخلاً الى الفكر العربي كله بدعوى انه عنصر من عناصر الغذاء الروحي والعقلي للشباب. وكان صوت الاستاذ محمود محمد شاكر من ضمن الاصوات التي كشفت عن زيف هذا الاتجاه الفرعوني الجديد الذي يقوده دعاة التغريب والغزو الثقافي فقرر ان الفن المصري الفرعوني على دقته وروعته وجبروته ما هو الا فن وثني جاهلي قائم على التهاويل والاساطير والخرافات التي تمحق العقل الانساني، وان الفنان الفرعوني عبد الشمس وخضع لفرعون واقر له بكل معاني الربوبية قد آمن بالاباطيل والاساطير والتهاويل الدينية الوثنية الضخمة الهائلة المخيفة التي قذفها في قلبه ابالسة عصره من الجبارين والطغاة، ويضيف محمود محمد شاكر ان روح الفن هي دين المجتمع وعقائده وطبيعة ارضه وسائر اسباب حضارته، وهي التي تمنح الفنان القوة والقدرة على الابداع، اذن فدعوة الدكتور طه حسين الى الاستمداد من الفن الفرعوني ثم دعوته الى الاجتماع اجتماعاً اسلامياً ثم استمدادنا ايضاً من الفن الاسلامي انما هو تناقض عجيب لا يمكن ان يكون ولا ان يعمل به الا اذا شأنا ان توجد لمصر حضارة مقلدة ضعيفة وملفقة من الاشياء ليست نتيجة ولا شبه نتيجه للاجتماع المصري الحديث. وفي مواجهة هذه الدعوة كتبت مجلة الانصار تكشف عن زيف هذا المنحى وعجزه عن احتواء الفكر الاسلامي والادب العربي، جاء في احد اعداده عام 40 بقلم احمد صبري، استمر نشاط الدعاية الفرعونية ما يزيد على ربع قرن وكان الظن في هذا النشاط المفتعل ان ينتهي الى تحقيق المشروع القديم للفراعنة الذين طمعوا بواسطة التعاويذ بأن تعود الحياة السحرية فتسري في مومياءاتهم ومتاعهم ويذلك ينبعث الداء الفرعي في البلاد من اقصاها الى اقصاها وتعود الحياة القديمة كما كانت. ولكن هذه السنوات التي كانت انقضت في الصياح والتهليل حول هذه المومياءات قد عاونت على تقريب هذه الاجساد المنحلة الى التلف، فما من قوة تستطيع رد قضاء الله تعالى في هذه الجثث الفرعونية التي بلي الطغيان في ماضي عهدها والتي بليت في هذا العهد انتهاكاً من عبرة الله تعالى في النظر اليها، ان صاحب الدعاية الفرعونية ومطيتها لم يكن في ذلك النشاط السابق المتواصل الا واحداً من ثلاث، فهو المترف الوصول، العاشق لذاته الذي يعتبر الفراعنة اجداده في المذهب او هو الشعوبي الهدام الضعيف الحيلة الذي يتنكر بهذه الدعاية لينال مأربه من العقيدة الاسلامية او هو الساذج اللين، الطبيعة التسوية التي تنبهر مشاعره من بريق الذهب وادوات اللهو والمجون فيلقي بنفسه في القاءاً في احضان هذه الخرافات الذهبية. وتواصل مجلة الانصار حديثها في التصدي لتيار الفرعونية الحديثة فتقول: «ان هذه الحركة الفرعونية الخزفية الاخيرة التي تريد صياغة مادة القومية من مادة المتاحف والقبور انما تصل بنا الى مفترق الطرق فأما ان ترانا نلتفت ونصعد سلم التماسك والتجمع والتوحد في ضوء مقوماتنا التاريخية والثقافية والمبدئية واما ان نمد قدمنا الى الدرجة الاخيرة الهابطة فنقوي في ظلمات القوميات الصغرى التي تتولد منها آلاف العصبيات والمشاحنات الحزبية والطائفية، حتى ينتهي الامر بتحلل كل فرد في نفسه دون شعوره بما حصل حوله، كما تتحلل خلايا المومياء اذ تتساقط في صندوقها الاثري ذرة ذرة وخلية خلية». فأن الفكرة الفرعونية قد وجدت من دعاتها الاول اقتناعاً بعدم صلاحها للبقاء وفي مقدمة هؤلاء الدكتور محمد حسين هيكل الذي عاد بعد ان قطع شوطاً طويلاً في تأييدها واعتذر عن ما صدر عنه في هذا الاتجاه، وكان ظنه وكان قد وقع تحت تأثير بعض افكار المستشرقين والتغريبيين انه انطلق بدافع بناء بأعتبار ان من لا ماضي له فلا حاضر له ولا مستقبل وهكذا انخدع بالدعوة الى احياء النزعة الفرعونية الميتة غافلاً ان الامة‌ قد قطعت التحول الاسلامي الكبير كل صلتها بالماضي الجاهلي الوثني في طريقة تفكيره وفي مظاهر حياته، وان تاريخ مصر التوحيدي انما يبدأ بالاسلام وبرسالته المنقذة. ولن تكن مصر هي وحدها التي شهدت هذا اللون من التفكير العائد الى الخلف في ظلمات القرون البائدة، فقد شهد نظيراً لها كل من العراق وبلاد الشام مثل هذه الدعوة‌ وقد تمثلت في التحريك لاثارة الماضي الاشوري والبابلي في العراق واثارة الماضي الغابر الذي عاشت فيه جاهلية الفينيقيين في بلاد الشام وفي لبنان على وجه الخصوص، لكن هذه الدعوات المدخولة كلها قد باءت بالخيبة والخذلان ولم تستطع ان تقتلع الانسان المسلم من جذوره التوحيدية‌ وتلقيه طعم نار الجاهلية البائدة التالفة، شكراً لحسن استماعكم. ******* الحرية والفن والأدب المكشوف - 198 2008-11-13 00:00:00 2008-11-13 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4281 http://arabic.irib.ir/programs/item/4281 كانت قضية الادب المكشوف من التيارات الطارئة في العصر الحديث على الادب العربي فلا هي من طبيعته ولا من ذوقه ولا مزاجاته النفسية وقد بدت ملامح الادب المكشوف تعزو الادب العربي من خلال مناهج النقد الغربي الواقد على ايدي الكتاب من دعاة هذا الاتجاه الاباحي الدخيل وتجلى هذا من خلال ترجمة التراث اليوناني الحافل بالاساطير والاباحية ومن خلال ترجمة القصص الاوروبي والفرنسي على نحو خاص والذي تولاه عدد من المارونيين اللبنانيين، وكان للدكتور طه حسين يد في هذا المجال اذ احيا كثيراً من اساطير اليونان وترجم عشرات فن القصص الفرنسية المكشوفة كما ترجم لبودبر الشاعر الاباحي ولغيره. ومما لا ريب فيه ان الادب الغربي قد اعتمد في الادب المكشوف على عناصر هي من جوهر المجتمع الاوروبي ومن خلال تحديات معينة نبعت من مفاهيم الرهبانية الكنيسة في فلسفتها التي تدعو الى اعتزال الحياة والمرأة ومعاكسة الطبيعة الانسانية في هذا الجانب، ثم تدخلت عوامل مخربة مستخفية هي اشد خطراً واوضع انحداراً وسقوطاً، وقد دعت هذه الايدي الخفية الى نشر مذهب فرويد بالجنس تحت غطاء التحليل النفسي والى اذاعته وتطبيقه في الحياة الغربية على نطاق واسع وقد ايدت كثير من الوثائق والدراسات اتصال فرويد اليهودي بالحركة الصهيونية الحاقدة على البشرية والتي وضعت بروتوكولاتها لتكون خطة خبيثة لتدمير المجتمعات تمهيداً لسيطرة اليهودية العالمية على العالم كله. هذه الحركة‌ التي بدأها هرتل صديق فرويد في دعوته السياسية وآثره فرويد بالدعوة الى تدمير الشخصية الانسانية من خلال التظاهر بالعلم الذي هو هنا علم النفس الذي خضع الناس اكثر من سبعين سنة حتى جاءت الصهيونية في السنوات الاخيرة فكشفت عن الرابطة بين مباديء فرويد ومباديء التلمود. يقول احد البروتوكولات ان فرويد منا وسيظل يعرض العلاقات الجنسية في ضوء الشمس حتى لا يبقى شيء مقدس في نظر الشباب عندئذ تنهار اخلاقه فتسهل سيطرتنا. عبر مضامين نظرية فرويد في اعلاء الجنس وجعله المحرك الاول للسلوك البشري ظهرت تلك الاتجاهات المسرفة التي تضمنتها ازهار الشر لبدلير ومادام بوباري لبولير وغيرهما كثير، ومن هنا اشتد التيار الذي يحمل لواء حرية الفن المطلقة وتغليب الشر في الغزل والخمريات وتغليب جانب القبح كما عرف عن الشاعر بدلير، بدلير هذا قد جعل من رمة حيوان متعفنة موضوع قصيدة شعرية وجهها الى حبيبته ويذكرها فيها، والواقع ان هذا اللون من الشعر الغربي الاباحي لا يسيغه الذوق المسلم ولا عرفه الادب العربي، حين قام بترجمته طه حسين وهو ليس في الادب العربي من مفهوم الفن الجميل ولذلك ذوق آخر غريب وهو لا يستطيع مهما ترجم منه الوفاً من المقاطع ان يخلق تياراً ترضاه نفس الانسان المسلم والعربي لانه يتعارض وجوهرها. ولقد كان كتاب الجنس الغربيون هؤلاء مسرفين في الانحلال، يتعاطون الافيون والحشيش ويعيشون حياة شاذة غريبة الاطوار، وان دعاة هذا المذهب من فلاسفة وكتاب واصحاب قصص انما نشأوا جميعاً نشأة غير سوية، وواجهوا في مطالع حياتهم تحديات اجتماعية خطيرة في بيئتهم وبين ذويهم. ويقف طه حسين شعر بودلير في عبارات تكشف عن طبيعة شاذة حين يقول وهو في ذلك حر جريء مجازف، يتخير ابشع الصور واقبحها واشدها تأثيراً في النفس من هذه النواحي البشعة القبيحة وهو مادي التصور ولحسه المادي اثر قوي في شعره ولا سيما حس اللمس والشم والبصر فهو يعرض عليك هذه الصور البشعة التي يحسها الشم واللمس والبصر في الاجسام الهالكة المتحللة وهو شعر مخيف تضطرب له النفس وتشمأز في كثير من الاحيان، هذه عبارات طه حسين واذا كان شعر بدلير الى هذا الحد من البشاعة فلماذا اعزم به وغرق فيه وآثره بالترجمة واهتم بنقله الى الادب العربي، وقد سجل طه حسين ان بودلير نشأ نشأة لا تخلو من القهر والعنف والضيق وكان يكره زوج امه ويتبرم فيما له من سلطان وكان ذلك كافياً‌ لان ينشأ صبياً مبغضاً للمحافظة، ميالاً للتطرف وكان يصطنع الاقبون والحشيش في جماعة من اصدقاءه الفنيين فلا يزيده ذلك الا شذوذاً وغرابة‌ في اطواره. وشأن لورانس شبيه بذلك واشد واغرب، لويس عوض الصليبي التغريبي يصور لورانس فيقول، عرف لورانس بالالتهاب الرئوي الذي خرب صحته تخريباً وموت امه كان كارثة غير طبيعية بالنسبة له فقد فكر الانتحار ولم يجده لائقاً في الخدمة العسكرية في الحرب وقد عرف لورانس انه كان منحلاً قذر التفكير لا يصور الا الاحساسات الجنسية الوضيعة منها والشاذة، كان لورانس مريضاً بمركب اوديد ومركب اوديد هو الذي خرب نفسه وجسمه وهو الذي شل كثيراً من قواه الحيوية وهو الذي الهبه بالسياط وعذبه عذاباً اليماً، واشار لويس عوض الى اندماج الابن بالام عاطفياً مما جعل من المستحيل عليه بعد المراهقة ان ينصرف بعواطفه الى غيرها من الاناث وقد ترك ذلك في نفسه عقدة نفسية استحال ان ينصرف معها الى حب امرأة اخرى غير امه، ويضيف لويس عوض ان ادب لورانس ادب مريض وان امه هي التي حطمت حياته هذا التحطيم، وقد اعلن لورانس نفسه ان امه هي التي هدمت سعادته فكرهها من اعماق نفسه ولعنها في اشعاره فقال من اجلك لعنت الامومة. هذا هو ما وصفه لورانس في قصته عشيق الليدي تشارلي او رواية‌ الا بناء والعشاق وسائر قصصه التي ترجمت الى اللغة العربية فهل هي تمثل اي شعور مشترك او اي سمة مشتركة الى مثل هذه الصور التي تبدو غريبة في المجتمع المسلم ومن ثم تبدو شاذة وممقوتة في الادب العربي على الاطلاق. لقد كان ادب بودلير ولورانس وغيرهما ثمرة من ثمار المجتمع الاوروبي المنحل، وعمل مذهب فرويد في التحليل النفسي على اعلاء شأن الجنس مما جعله يسيطر سيطرة شبه كاملة على الادب والقصة والفن كله، وجاء طه حسين ومدرسة النقد الغربي الدخيل فحملوا لواء الدعوة الى عبادة الجسد وتقديس الشهوة وترجم طه حسين عشرات من هذه القصص وسار على نهجه كثيرون وقد جرت مساجلات بين الادباء حول الادب المكشوف وكان ابرزها بين سلامة ‌موسى وتوفيق دياب الذي دعا الى الارتباط بالاخلاق وجرت الدعوة من بعد سافرة الى تحلل الفن من قيود الاخلاق، وكان ذلك جرياً مع تيار الغزو الفكري والتغريب ونقل قضية التحلل والاباحة والشك والجنس الى محيط الفكر الاسلامي والادب العربي كأحدى وسائل تدمير مقومات الامة. ******* الأدب العربي والتغريب الثقافي - 197 2008-11-10 00:00:00 2008-11-10 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4280 http://arabic.irib.ir/programs/item/4280 من ضمن الدراسات التي انفعلت في الحملة التغريبية وحركة الغزو الفكري في العصر الحديث ما يعرف بأسم دراسات الادب المقارن، وبسبب تأثر هذه الدراسات بمناهج النقد الغربية جاءت غير مستوعبة ولا اصيلة لأنها تجاهلت مواطن الاختلاف الجذري بين الادب العربي والآداب الاخرى وركزت على نقاط اللقاء والتماثل مع هذه الاداب. ان الادب العربي انما ينتظر من يدرسه في مواطن قوته وحيويته وتميزه ويدل على ذاتيته الاصيلة من خلال التكوين الخاص بهذا الادب الذي صنعه القرآن والاسلام والذي كان بعقيدة التوحيد اقوى الاثر في تميزه عن سائر الاداب العالمية في الشرق والغرب ومما لا شك فيه ان اغلب الاداب العالمية الغربية تكاد تكون من اصل واحد، قوامه اللغة الاتينية والفلسفة اليونانية وعقائد الحضارة الرومانية العتيقة في اعلاء الجنس الابيض على سائر الاجناس البشرية، في حين لا ترتبط اللغة العربية باللغة اليونانية بأي رباط قديم وكذلك في العقائد والفلسفات. ولكن ماذا حصل في العصر الحديث؟ في ظل سيطرة النفوذ الاستعماري الغربي وجدت الاداب الغربية فرصة لان تفرض نفوذها على الادب العربي وذلك من خلال الدعاة الذين كسبهم التغريب ومنحهم من النفوذ ما مكنهم من فرض هذه السمات الادبية الغريبة على الادب العربي وخاصة ترجمات الادب اليوناني والاساطير الاغريقية وهو ما رفضه الذوق الاسلامي والعربي ابان نهضتهم، وعندما كانت مقاليد الترجمة في ايديهم القادرة على القبول والرفض، ومع هذا النصر في فرض نفوذ الاداب اليونانية الاغريقية والغربية الحديثة على الادب العربي المعاصر فأن الادب العربي قد كشف عن جوهره الصلب وذاتيته العميقة فأبعد ما لا يتفق وطابعه او مزاجه، ورفضه رفضاً واضحاً وما يزال هذا الرفض يقوى ويشتد ما ازدادت شخصيته تحرراً وازداد فهماً لطبيعته وتعمقاً لجوهر فكره المستمد من القرآن الكريم في الاصل، اما ما يحاول ان يصل الى غير الادب المقارن من تحقيق العالمية للادب العربي فأن هذه العالمية لا تتحقق بترجمة ادب هو ذيل تابع للاداب الاوروبية وانما يكون ذلك ادب له طابع يتميز عن الطوابع الاخرى في شكله ومضمونه وجوهره. وثمة طرف مظلل ينبغي التنبه له هو ما يردده بعض الباحثين من ان الاداب العالمية حين يتم تجاوبها اي انها لم تلبث ان تتوحد جميعاً في اجناسها الادبية واصولها الفنية والانسانية بحيث لا يبقى من حدود سوى اللغة وما يمكن ان تفرضه البيئة، هذا القول كما هو بين مبالغ فيه وهو منافي لطبائع الاشياء والذين يقولونه يجهلون التحديات التي تواجه الفكر الاسلامي والادب العربي من خلال حركة التغريب والتبشير ومن وراءهما النفوذ الاجنبي الذي يستهدف اذابة اداب الشعوب الاسلامية كلها في الادب الغربي وتخليصها من مقوماتها وتجريدها من قيمها، وان اي محاولة لخلق عالمية للادب في ظل الظروف التي يعيشها العالم الاسلامي فأنها ستكون على حساب الادب العربي واداب الشعوب المسلمة، ومن الواضح انه لا يكون ادب قادراً على مقابلة ادب الا اذا كانا على قدر واحد من حرية الارادة واستقلالية الحركة والمساواة، فهل يستطيع الادب العربي ان يقول انه اليوم على هذا القدر من الحرية والاستقلال بالنسبة الى الاداب الاوروبية حتى يمكن ان يتحرك بقوة؟ ان الدعوة الى عالمية الادب في ظل هذه المرحلة انما تستهدف ذوبان الادب العربي في الاداب الغربية والقضاء على مقوماتها وقيمة المستمدة من القرآن الكريم والتوحيد، فلا يلبث ان يكون نسخة ليست لها طبيعتها الاصيلة ولا تكون ايضاً جزءاً من الاداب الغربية، ستكون عندئذ كائناً هزيلاً لا ام له ولا اب. وغير هذا وذاك فأن الاداب الغربية تفيض بمشاعر الاستعلاء المستمد من الاوربية صاحبة الحضارة ومن الجنس الابيض والآرية التي وصفت في مئات المواضع من الاداب الاوروبية بأنها ميراث سماوي لا ترقى اليه الامم الاخرى وان الانسان الابيض قد اعطي بحكمة القدر السيطرة والسيادة على العالم كله. وتكشف الاداب الغريبة عن دوافع الانتقاص من الغيبيات والايمان بالله تعالى وكل ما يتصل بالوحي والسماء ولقد قطعت الاداب الغربية مراحل طويلة متصلة بالدعوة الى تأليه الانسان وتأليه العقل ووصف العقل بالجبروت مما يختلف مع الادب العربي اختلافاً جذرياً لا سبيل معه الى المهادنة واللقاء. وهذه الاداب الغربية قد كشفت عن تحللها من القيم الاخلاقية والانسانية التي جاءت بها الاديان بل انها قد هاجمت الاديان وكان لمذاهب النيكافيلية والوجودية والماركسية والفرودية والبروماجية اثرها في تشكيل مناهج التربية والاقتصاد والسياسة، وكان لذلك كله اثره في الادب وله ظلاله الواضحة على الفنون الادبية المختلفة. من يتفحص في الموضوع يجد ان هناك فارقاً كبيراً وخلافاً واضحاً، فقد نشأت مفاهيم في الاداب الغربية مستمدة من صور المجتمع في مرحلة تمزقه وانحلاله ومن فلسفات فرويد وساتر واحزابهما تهزأ بكل ما لهذه العلاقات من كرامة وقداسة في الادب العربي بل وصل دور كاين الى القول ان رابطة الزواج والاسرة ليست رابطة طبيعية في المجتمعات والنفوس، وهناك عشرات من القصص الاوروبية الشهيرة اذا ما رجعت لم نجد فيها اصالة الانسان المسلم او طبائع الشعوب المسلمة خاصة في مفاهيم العلاقة بين الزوجة وصديق الاسرة وبين تقبل الزوج اللعلاقات الحسية بين زوجته والغير وذلك الصراع بين الزوجة العشيقة وعلاقة المرأة بأكثر من رجل. ان الاداب العربية تعلو فيها قيم العفة والشرف والعرض والزواج الشرعي والحب العفيف وهي قيم لا يكاد يكون لها محل في الاداب الاوروبية بل انها تهاجم هجوماً عنيفاً ويسخر منها سخرية لاذعة ولا شك ان الاستعلاء في مذاهب ماركس وفرويد وسارتر وكله من اليهود اثره الواضح في الاداب الغربية. اللقاء بين الادب العربي والاداب الغربية عسير وشاق وغير متقبل، الا بشرط واحد مرفوض وهو ان يذيب الادب العربي نفسه في هذه السمات الغريبة عليه التي يتسم بها الادب الغربي وهذا الشرط يرفضه الادب العربي رفضاً حاسماً ويكافحه مكافحة كبرى في سبيل التحرر من سيطرته ونفوذه. ******* نوافذ تسلل الأدب الاباحي الى الأدب العربي - 196 2008-11-08 00:00:00 2008-11-08 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4279 http://arabic.irib.ir/programs/item/4279 تعرض الادب العربي في القرن الرابع الهجري الى حملات ومحاولات استهدفت اخراجه من ذاتيته وخصائصه ومضامينه الاساسية. وقد تأثرت مجريات الادب في هذه الحملات والمحاولات التي اتصفت بالاسلوب والمضمون وحاولت دفع الادب العربي الى منهج بلاغي غير منهجه الاصيل واخراجه في نفس الوقت من اسلوب القرآن الكريم، كما طرحت على مضمونه نزعات الاباحة والزندقة والخمريات والغزل بالمذكر بيد ان الاصالة سرعان ما لفظت الزيف وطاردت الشبهات وحذرت الادب العربي من المؤثرات الاجنبية الوثنية. واليوم يواجه الادب العربي في العصر الحديث نفس الموقف وذلك من خلال الصراع الدائر بين اصالة الفكر الاسلامي بعناصره المختلفة ومنها الادب وبين التحديات التي يفرضها خطر التغريب. ومن العجيب ان قوة جديدة وجدت في جميع العناصر القديمة مادة خصبة لاثارة الازمة من جديد لمنطلق عصري هو رفض الحضارة الاسلامية وتغليب الرموز الدينية غير الاسلامية على الادب العادي، وقد اتخذت القضية منطلقها من مفهوم الفكر الغربي المجتلب الزائف الذي يصور الانسان تصويراً مادياً، ويتكأ اتكاءاً شديداً على نظرية فرويد وماركس ودارون وسارتر وول وماركو، ويلغي الغاءاً كاملاً الترابط بين الروح والمادة والعقل والقلب والدنيا والآخرة على النحو الذي يقوم عليه الفكر الاسلامي والادب العربي. ان الرفض الذي تفرض اشكاله على الادب العربي يختلف عن مفهوم الرفض الاصيل فهو رفض مطلق، لا ماضي له ولا مستقبل ولا يرتبط بهدف معين ولا يرمي الى غاية ما، هو رفض شامل على مستوى كل العقائد والمفاهيم التي جاءت بها الاديان والعقائد. ان الرفض في الادب وفي الفكر ربما يوجد بدافع اصيل يستهدف نقد الواقع وتحريكه ثم تحريره من عوامل الضعف والتخلف وذلك رفض نزيه له هدف وغاية وطبيعة خيرة، وله رباط قائم على الواقع والحياة مع محاولة تجديدها واصلاحها ودفعها الى الامام والى التقدم، اما هذا الرفض الذي طرحته هذه الظاهرة قبل منتصف السبعينات والتي لم تلبث ان سقطت سقوطاً مزرياً وانكشف هدفها ودافعها التغريبي المعادي، هذا الرفض كان واضحاً من مفاهيمه ومصادره انه ليس اصيلاً وليس منطلقاً من جذور عريقه، غريب لا يلتقي بذاتية الادب العربي التي شكلها الاسلام. الرفض يعني هنا السخط على الوجود الادبي العربي لمصلحة الاحقاد التي تغلي في النفوس ورفض الحضارة الاسلامية والعمل على تقويضها من الداخل، تحت شعارات التقدم والتسامح وهكذا تحتضن حركة الرفض الادبية الحديثة عوامل التغريب القديمة فهي مثلها تنادي بأعادة العلاقات الوثنية القديمة واعادة احياء الصفحات الفاسدة من التاريخ، وهي في الوقت الذي تريد فيه تهديم الاصالة العربية النابعة من الاسلام تركز على الرموز التي تناهض الاسلام وتحاول الغاءه. وادباء هذه الحركة المنسلخة عن اصالتها، تتحدث رموزهم عن اورشليم، عشتروت، فينيق، تلمود، الصلب، الفداء المسيحي، الطوفان، جلجامش، الوثنية، بابل وآشور، وتتصل حركة التغريب هذه ورفض التراث بالدعوة الى العامية وهدم اللغة الفصحى والقول بأن لغة الشعب هي العامية والدارجة. وهم يحاولون ان يقارنوا اللغة العربية في هذا المجال باللغة الاتينية التي تحولت عاميتها الى لغات اقليمية ويتصل بهذه الدعوة كتابة العامية بالحروف اللاتينية، وهناك من يدعو الى تحرير اللغة من الاعراب. ويحاول تغليب العامية المعينة هي عامية لبنان ويرددون بأنها اداة التعبير المثلى وكذلك يحاولون كتابة العامية بالحروف اللاتينية ولا ريب ان محاكمة الادب العربي واللغة العربية الى تاريخ اللغة اللاتينية هو من الامور الغارقة في الفساد والمغالطة وذلك للاختلاف البين بين اللغتين ولتفرد اللغة العربية بصلة عميقة بالقرآن الكريم الذي منحها هذا الامتداد والعمق والسعة خلال اربعة عشر قرناً على نحو لم تعرفه لغة من اللغات في العالم كله. كذلك الشأن فيما تستريه الحركة التغريبية المشبوهة من ان القرآن الكريم هو خلاصة تركيبية لمختلف الثقافات التي نشأت في الجزيرة، وان الاسلام دين صحراوي اقليمي، هذه الكلمات المفترية اللدودة قد جرت اول ما جرت على السنة دهاقنة الاستعمار من امثال كرومر وزعماء المبشرين من اضراب زويمر وانها لا تمثل آية حقيقة خالصة لوجه العلم، وانما تمثل امتداداً صليبياً حاقداً على الاسلام والمسلمين يريد تهديم البنية المسلمة من الداخل وزعزعة عقائدها الاصيلة لتسهل سيطرة الاستعمارية بكل وجوهها الثقافية والاقتصادية والسياسية. والموقع ان محاولات بعض المبشرين مثل جاك بيرك البوح بفرحه الغامر بقيام مدرسة تموز التغريبية في بيروت التي تعمل على التخلص من الفصاحة والاصالة، ان هذا كله قد تبدد امام ضوء الحقيقة التي تكشفت بعد ان زال ذلك الغشاء الكاذب وامام صلابة الاصالة التي لا تغلب، اجل لقد فشلت كل تلك المحاولات والمساعي والمخططات التي تنطوي على حقد دفين على الاسلام ورسالته واخفقت في تحويل اللهجات العربية الى لغات بديلة على الرغم مما يجري في مؤسسات علمية وثقافية بالاهتمام بالعامية وتاريخها. لا ريب ان خصوم اللغة العربية المرتبطة مصيرياً بالقرآن الكريم هم العاجزون عن اداءها الذين لا يستطيعون ان يزاحموا اهلها، ومن هذا العجز يطلقون حملتهم بالخصومة والنقد والحقد، ومن اليقين انه لن تستطيع محاولة التهشيم واستخدام الاساليب الركيكة ان تخلق ادباً مقروءاً او يمكن ان يحظى بالقبول. كانت هذه محاولة بائسة من محاولات اقطاب التغريب في الغزو الثقافي ولابد ان تكون بائسة يائسة لانها تصطدم بتراث الامة ومقوماتها الداخلية التي بناها كتاب الله المجيد. ******* آفاق التعايش بين الأدبين الغربي والعربي - 195 2008-11-05 00:00:00 2008-11-05 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4276 http://arabic.irib.ir/programs/item/4276 ابحاث عديدة حول منزلة الادب العربي بين الاداب العالمية ودور هذا الادب في العطاء والاقتباس وقد حاولت مدرسة التغريب واتباع النقد الغربي ان تصور هذه المنزلة بما يوهم بأنه تابع للاداب الشرقية او الغربية، وقد ظل الدكتور طه حسين فترة طويلة يوحي برد مقومات الادب العربي الى اصول فارسية وبعد ذلك يقدم الادب اليوناني على الادب العربي وينسب كثيراً من مقوماته الى الاغريق، وقال: «واذا لم يكن بدٌ من مناظر ينحني امامه بعض الشيء فأنما هو الادب اليوناني» وهي عبارة اقل ما توصف به بأنها ذليلة لا يقولها من له فهم بالادب العربي والاسلامي. والواقع ان هذه دعوة غالى بها طه حسين واسرف، حتى لم يعد احد من الباحثين يصدقه فيها ولا يرى انه يصدر عن علم يقيني او سند علمي، وقد تمت كل اراء الدكتور طه واتجاهاته على ان صاحب ولاء للادب الغربي وان هذا الولاء مرتبط ارتباطاً قوياً بالادب اليوناني ولا ينكر طه حسين الاثر الفارسي ولكنه يرى مع بعض المستشرقين الذين لهم رأي في ذلك ان التأثير اليوناني اقوى وان العقل الفارسي تأثر ايضاً بالثقافة اليونانية الى حد ان ابن المقفع كان عظيم الحظ من الثقافة اليونانية. وقد واجه الدكتور زكي مبارك هذا الرأي ورده، وذكر ان الادب العربي قد سكت عنه الاوربيون عامدين لانه يمثل الحضارة الاسلامية، وهي حضارة كانت اوروبا تبغي هدمها منذ ازمان. ولاته من جهة ثانية مصبوب في اكثر موضوعاته بصبغة الجد الرصين، واوروبا فتنت بالادب اليوناني من طيش وخلاعة ومجون، ثم ان الادب العربي يميل الى الايجاز في اكثر ضروب البيان في حين كان الادب اليوناني والاوروبي يتسم بالميل الى التطوير والتفصيل. واذا كان مجال المقارنة هو المعنى الانساني فقد كان الادب العربي اكثر غنى في هذا المجال واكثر عطاءاً واذا قيل ان الادب اليوناني قد عرف القصة والملحمة والمسرح، ولم يعرفها الادب العربي فأن هذا ليس حجة يعلو بها ادب على ادب وانما ذلك لون من الوان التعبير خلقته ظروف البيئة وعواملها من عقائد اليونان. ولم يجد الادب العربي حاجة الى هذا اللون فقد اتاحت له سماءه المفتوحة المشرقة بضوء الشمس بالنهار وبالنجوم بالليل وبطبيعة الفارس المحارب الصريح القوي ان لا يحتاج الى ادب رمزي وضلال، كما ان طبيعته الصريحة الموجزة قد حالت دون وجود هذه الالوان المعقدة من الاساطير والخرافات. وغير هذا وذاك فأن الادب العربي مطبوع بطابع خاص يميزه عن الاداب الاخرى هو طابع التوحيد وهو بعيد الاثر في تشكيل الادب وفي تحرير الفكر من الوثنيات وعبادة الملوك او عبادة الجسد او عبادة القوة وهي التي منحت الادب العربي عن طريق القرآن الكريم سمات متميزة من الوضوح والايجاز والصراحة، ووهبته تلك الذاتية الخاصة التي اتسم بها واختلف بها ايضاً عن مختلف الاداب العالمية في عصره، فلم يكن بحاجة الى فنون الخفاء والرمز او الى المبالغة والتهويل او الى الصور الاستعراضية او الى الاطالة والاسهاب وهي الفنون التي عرفت بها الاداب اليونانية وغيرها من ملاحم ومسرح وقصة وغيرها. ويمكن القول ان طابع التوحيد قد اضفى على الطابع الانساني قوة وحيوية وجعله اكثر صلابة وعمق، وان الطابع الانساني في اي ادب لا يمكن ان يكون في غير ظل التوحيد، قادراً على التوحيد، قادراً على العطاء والنماء، على النحو الذي يستطيعه في ظل ادب التوحيد. في ضوء هذا التفكير، نجد ان دراسات الادب المقارن التي عني بها بعض الباحثين لم تستوعب هذا الفارق العظيم، ومن هنا جاءت محاولاتها غير مستوعبة فعلى الرغم من تنبه الباحثين الى مواضع الخلاف بين الادب العربي من ناحية والاداب العالمية من ناحية اخرى، فقد اولوا اهتمامهم الى جوانب اللقاء جرياً على القول ان الادب العربي لا يختلف في مجال التشابه والالتقاء مع هذه الاداب. ومن الحق ان الادب العربي بحاجة لمن يعالجه بقوة ويكشف عن تميزه وتفرده، ويرسم صور تفوقه من خلال مزاجه وتركيبه الذي صوره القرآن الكريم والذي كان للتوحيد ابرز الاثر في تحديد الخلاف الواضح بينه وبين اغلب الاداب العالمية التي تكاد تكون كلها من ارومة واحدة، قوامها اللغة اللاتينية والفلسفة اليونانية وعقائد الحضارة الرومانية القديمة في اعلاء الجنس الابيض على الاجناس واعتبار اهل روما سادة وما وراءها عبيد، وهو المعنى الواضح من خلال فلسفات افلاطون وارسطو على الرغم من اختلافهما وانقسامهما بين الفردية والجماعية. ولا ريب ان الادب الغربي كله والادب الماركسي ايضاً اذا ما يصدر عن الجذور الاساسية في الفلسفة اليونانية والادب الاغريقي ويستمد قواعده من القواعد التي قعدها ارسطو للمنطق والشعر والمحاكاة مع تعديل وتحوير لا يخرجان عن الجذور الاصلية، من هنا فأن اوجه اللقاء بين الاداب الفرنسية والانجليزية والالمانية والايطالية تتقارب بسبب المصدر الواحد من اللغة اللاتينية والتأثرات التاريخية عبر اللاتينية والغريقية والمسيحية. ومع ذلك كله يبدو بوضوح ذلك اللون القومي في ادب كل امة من هذه الاداب، فما ظنك مستمعي الكريم بالادب العربي الذي خرج من ارومة اخرى لا يجمعها بالادب الغربي الحديث ولا بالفلسفة الاغريقية او الادب الروماني صلة جارية. فاللغة العربية لا يربطها باللغة اليونانية اي اهل قديم وكذلك الفلسفة والادب والعقائد. ومن هنا يبدو ذلك الفارق الكبير والواسع والعميق من الخلاف في الاصول والفروع جميعاً. صحيح ان الاداب تؤثر وتتأثر، وتقتبس وتنقل وتترجم ولكنها لا تتقبل من ذلك الا ما تستطيع استساغته وهضمه، وما هو متفق مع طبيعتها ومزاجها النفسي. وكل محاولة لفرض ادب على ادب او ذوق على ذوق انما هي محاولة فاشلة وان بدت في مرحلة من المراحل انها قد لقيت استحساناً وقبولاً، ذلك لان الاداب الاصيلة بطبيعتها لا تعق فطرتها ولا تخرج عن ذاتها ولا يكون من السهل تزييفها وتبديل جوهرها بأضافة قيم او مفاهيم او ملامح مخالفة او معارضة او مضادة لطبيعتها. ******* الأدب العربي ومنابع الأصالة - 194 2008-11-03 00:00:00 2008-11-03 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4275 http://arabic.irib.ir/programs/item/4275 مع الأدب العربي الحديث والمحاولات التغريبية الدائبة لإخراجه عن ذاتيته وصهره بالآداب الغربية الدخيلة، هذه المرة مع الأسطورة في الأدب، كانت الأساطير محاولة لتكثير احداث الحياة وظواهر الطبيعة في ضوء المعتقدات اليونانية والرومانية والسومرية والبابلية القديمة والاصرار على نسبة تلك الاحداث والظواهر الى تدخل الآلهة وإنصاف الآلهة في شؤون البشر، وقام بعضها على تصور احداث خرافية بين الآدميين من ناحية والجان والغيلان والعمالقة والاقزام وغيرهم من ناحية ثانية وهذا اللون من الأدب الاسطوري لم يكن معروفاً عند العرب الذين كانوا يصورون بالشعر قبل الاسلام مجتمعهم وعالمهم الحقيقي بما فيه من خير وشر فإذا لجئوا الى المبالغة لم تخرج مبالغتهم عن الحد المستطاع ولم تموه الواقع فلما جاء الاسلام استمد الأدب العربي من القرآن الكريم مفهوم الوضوح والصراحة والايجاز والنفاذ الى اعماق الأشياء دون كبير اهتمام بالتفاصيل. الاسطورة مرتبطة بالوثنيات القديمة‌ وكان لدى الإغريق أساطير كثيرة تتحدث عن ماضيهم وكانت الأساطير عندهم اساساً ووسيلة لتفسير الحياة والطبيعة والخير والشر وهم يؤمنون ان هذه الامور تحركها آلهة ولم يكن هؤلاء الآلهة في اول الامر إلا ابطالاً غير انهم ما لبثوا ان اضافوا اليها من الخوارق حتى ألهوا هؤلاء الابطال وتدور اساطير الإغريق في اغلبها حول الحب والخمر ولا تصور إلا الجوانب الاباحية المنحلة، الحب الذي تصوره ملاحم الاغريق ومسرحياتهم هو الحب الجسدي العنيف المنتقم، الحب الذي تراق في سبيل ملذاته الدماء وتزهق الارواح وتشعل الحروب، الحب الذي يتجه الى القسوة‌ والاسر والاغتصاب، اما الحب الانساني الحب العفو الوفي، الحب الذي يبعث المرؤة والنجده الحب الذي عرفه الانسان اول مرة في ربوع نجدوا الحجاز فلم تعرفه اوربا إلا بعد اتصالها بالعرب، ولم يعبّر عنه الشعر الاوروبي والقصص الاوروبية إلا بعد ذلك الحين، وهذا وجه من اوجه الخلاف الكبيرة بين الاساطير والملاحم الاغريقية وبين نفسية الادب العربي واهله. وتقوم الاساطير الاغريقية في الاغلب ومنها تنبع الملاحم والقصص على المآسي الفاجعة‌ فالمدن الاغريقية ترفع كل منها بطلها الخاص وتخلق منه الاهاً او نصف اله فأصبحت اعيادهم دينية محضة تحوطها القداسة الوثنية، واضحى الشعب ينظر الى اولئك الابطال من خلال تلبسهم بالآلهة الذين يهدونهم حيناً ويضلونهم حيناً آخر يحمونهم تارة ويدفعون بهم الى التهلكة تارة اخرى. من هنا تختلف المتولوجيا الاغريقية عن منابع الادب العربي والفكر الاسلامي وتتعارض مع عقائد ومفاهيم المجتمع المسلم، الآلهة الاغريقية تدفعها حيوية عارمة الى كل تصارفاتها حيوية لا تعرف العدل والحق والخلق والفهم لأنها حيوانية فانية شهوانية طائشة وقد وصفت اللهجة الغالبة على الملاحم الايلياذه والاوديسا بأنها لهجة صائحة معولة قاتمة متشائمة ندعو الحياة منها زخرفاً خلاباً خادعاً، حيث البطل له جبروت ورهبوت وليس هو بطلاً انسانياً، ولقد كانت تحاك حول الابطال هالة ضخمة تخفي تفاهة الأعمال التي يقوم بها، ومن ذلك ما حشده هو ميرود في الاوديسا من خرافات في اعمال اوديسيوس البطل في حرب تروادة. اما الاساطير الشرقية فتختلف عن الغربية من وجوه، اهمها الترف والبذخ والبخور والقصور والنمارق والزخارف في حين تصور الاسطورة الغربية الفقر والظلام والخوف وعمق الشعور بالأنانية والوحشية والغموض، وتتسم قصص ألف ليلة بأنها اساطير ذات اصل فارسي قديم وعليها اضافات من الأساطير اليونانية والهندية والفرعونية القديمة، وانها لا تمثل الذاتية العربية ولا تتصل بها الا انها مكتوبة باللغة العربيه ومؤلف "ألف ليلة وليلة" مجهول وهي مجموعة من حكايات الرواة والقصاصين الذين تاثروا في العالم العربي في العصور المتأخرة، وهي تجمع صوراً متباينة من العفاريت والطلاسم وخاتم سليمان واعتماد الحياة على الحظ والمؤامرة، وهي حياة قوامها الشهوات والفجور والعطور والغناء والرقص انها قصص سلبية فيها صور إلانحلال والتواكل والقدرية وتعنى بتصوير حياة الجواري وصور اللذات واسراف القصور وهي تجري في تيار جامع بين خيانة المرأة و غدر الرجل. حركة الغزو الثقافي والتغريب عمدت الى العمل بإذاعة هذه القصص واعادة طبعها ملونة ومزخرفة، وحاول كثير من الباحثين الغربيين اعتبارها مصدراً لرسم صورة المجتمع الاسلامي، كما اعتمدوا على كتاب الأغاني وكلاهما من المصادر الزائفة التي لا تمثل الواقع وليست من الأدب العربي الأصيل، وكانت الارساليات التبشرية في بيروت عام 1888 هي التي أولت الإهتمام بطبع كتاب ألف ليلة وليلة ونشره كما استغلت الصهيونية العالمية‌ إحياء مثل هذا الكتاب فألقى الدكتور ولفن سان استاذ اللغة العربية في الجامعة المصرية في الخامس عشر من مايو عام 32، ألقى محاضرة عن القصص اليهودية في ألف ليلة فأشار الى انه في الكتاب بعض قصص يهودية، قال ومن اهمها السندباد البحري التي يعتقد ان موضعها مقتبس من التلمود وقصص السائح اليهودي، وقال من الثابت ان السفرتين الأولى والسابعة يهوديتا الأصل بلا نزاع واشار الدكتور أحمد ضيف الى غلبة القصص الاسرائيلية على كتاب ألف ليلة وبها ذكر سليمان وداود وبيت المقدس ويرى ايضاً ان قصص ألف ليلة هي ترجمة لكتاب (هزار افسانة) الفارسي مع اضافات اسرائيلية، وقال المستشرق البلجيكي شومان ان القسم الذي كتب في مصر من ألف ليلة انما كتبه جماعة من الاسرائيليين. ولم يكف احياء كتاب ألف ليلة وليلة في الادب العربي واذاعته بل ان بعض الكتاب ذهب الى احياء قصصه فكتب توفيق الحكيم شهرزاد وكتب طه حسين احلام شهرزاد وقد نشرت هذه القصص كتجديد لأساطير ألف ليلة ولخلق هذا الفن في الأدب العربي. وقد كان لطه حسين دوره في احياء اساطير الوثنية الجاهلية والوثنية الاغريقية واضافتها الى‌ سيرة الرسول في كتابه على هامش السيرة الذي اعترف بأنه صاغه على نمط كتاب على هامش الكتب القديمة لكتاب فرنسي وانه قصد به احياء الاساطير، وقد وسع طه حسين على نفسه في كتاب احلام شهرزاد وابتكر قصصاً جديدة عن الملك طهمان ملك الجن وابنته فتنة واثار جواً من الوهم والخيال لم يعرفه الأدب العربي ولم يتفق مع ذاتيته ومزاجه النفسي في يوم من الايام. ******* مقارنة بين الأدبين العربي واليوناني - 193 2008-10-30 00:00:00 2008-10-30 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4274 http://arabic.irib.ir/programs/item/4274 من موضوع التغريب الذي اريد له ان يغزو الأدب العربي سعى دعاة الاتجاهات النقدية الغربية الى ادانة العرب من زاوية معينة، هذه الزاوية هي خلو هذا الأدب من المسرح والدراما الشائعة في الأدب الغربي، هذه النظرة تريد ان تفرض أمّة لها سماتها وفكرها على أمّة اخرى لها مزاياها الخاصة ومكوناتها الفكرية والروحية المستقلة وهذا نوع من الجور والظلم ولا ريب، لقد نشأ المسرح الغربي نشأ يونانياً وارتبط بالاسطورة الوثنية وبالصراع مع الآلهة مما كان الأدب العربي حتى في جاهليته مبريء منه ومنزهاً عن لوثته، فالوثنية العربية لم تكن وثنية اصيلة بل كانت صورة مشوهة من دين قائم على التوحيد في ذلك لم يكن لها جذور عميقة او تقاليد قديمة كما هو حال الوثنيات الأخرى وقد استعانت الكنيسة في القرن العاشر بالمسرح ايضاً في بيان فكرتها فكانت تقدم القداس الديني ثم تبعثه في تمثيلية طقوسية صغيره يمثلها القساوسة وكان المسرح اداة لتفسير نظريات المسيحية الفلسفية التي لم يتيسر فهمها إلا على هذه الشاكلة. ان نهاية القصص وخاتمة التراجيديات في نظر الادب اليوناني ينبغي ان تكون شريرة وهذا ينطلق من الفكرة الغربية التي ترى ان الانسان إنما هو ثمرة الخطيئة أي خطيئة آدم وان حياة الانسان ومساعيه انما هي للتكفير عن هذه الخطيئة التي ليس له يد في اقترافها، هنا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، خلاف للمعنى الاسلامي القرآني الذي يبسط معنى «أَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى»، في مفهوم الأدب العربي المستمد من الاسلام ان الخير لابدّ ان ينتصر في النهاية وان الشر لا بدّ ان ينهزم وينتحر، واذا كان المسرح وليد المعبد اليوناني والكنيسة المسيحية فهو اذن غريب عن الأدب العربي حيث لم يعرف العرب مثل تلك الاعياد الصاخبة بمواكب باخوس آله الخمر ولا ما يتصل بها من تماثيل وأناشيد وطقوس ورقص وإباحة، والعرب أهل بديهة وارتجال وهم في بيانهم أهل ايجاز واختصار، لا يحتاجون الى تحليل طويل ولا يهتمون بالتفاصيل التي تخرج عن جوهر الحدث او الخبر وقد علمهم ذلك القرآن الكريم ووضع لهم هذا المنهج. ان المجتمع المسلم لا يعرف التدسيم ولا يجد فيه لذته الفنية كما يفعل اليونان والغرب، والفكر الاسلامي لا يقر الاساطير ولا يقبل الخرافة ويعتمد على الحقيقة التي يعقلها العقل السليم والصدق الذي تؤكده طبائع الاشياء ويقف من الخالق سبحانه وتعالى موقف التعظيم والتسليم ويسمو بمفهوم الألوهية عن مشابهة الخلق وبعبارة موجزة ان العقيدة الاسلامية على وضوح اركانها وجلاء تعاليمها ومنطق احكامها عقيدة لا يشوبها لبس ولا غموض يتطلبان تحايلاً في التفسير، الوحدانية لا تقبل التأويل ولا تحتوي الشرك ليس هناك ارباب من دون الله سبحانه وتعالى ولا انصاف ارباب كما هي الحال في الوثنية، كذلك لا توجد عقيدة يتعذر فهمها اذ لا يوجد اب ولا ابن ولا روح قدسي كما هو حال العقيدة المسيحية، وشعائر الاسلام على بساطة غنية وتقشف ظاهر فما ثمة حاجة الى عازف يعزف على آلة موسيقية او منشد ينشد نداءات كهانوتية او راقص يدور على نفسه، كل هذه العقيدة القوية‌ في معنوياتها البسيطة‌ في شعائرها القائمة على مناهضة كل مظهر من مظاهر تعدد الآلهة وما يتصل به من فنون السحر وطقوسه ومناسكه لا يمكن ان تتمخض عن فن تمثيلي. من ناحية اخرى نجد ان الصراع المأساوي او الدرامي هو عقدة المسرحية والقصة لا يجد بيئة طبيعية في ايمان المسلمين ومعتقداتهم ذلك ان البطل المأساوي هو في صراع دائم مع الآلهة ومع القدر اما الانسان المسلم فهو في سلام مع الله تعالى الواحد الاحد الكبير المتعال انه لا يستطيع ان يتصور الصراع مع القدر والآلهة على نحو ما كان يتصوره اليونان. الرؤية الاسلامية في الأدب العربي غير مضببة ولا يشوبها سحاب من الغمام وليست بين بين وليست في صراع مع الطبيعة ‌وهذه الرؤية مضادة لرؤية الغرب بحكم الطبيعة الصخرية الجبلية والضباب والغمام والظلام والصور التي بين بين. من هذه العوامل المختلفة يتبين كيف ان اصالة الأدب العربي وذاتيتة هي التي حالت دون وجود المسرح وتقبله واذا لم يوجد المسرح عند العرب في جاهليتهم فأحرى به ان لا يوجد لديهم بعد الاسلام الذي قضى على تلك الوثنية‌ واعاد اليهم دين التوحيد فأصفى وانقى ما يكون، وقد دارت مساجلات كثيرة حول خلو الأدب العربي من الملاحم الطويلة والقصة والتراجيديا وظن كثير من الباحثين ان ذلك قصورا ونقص في هذا الادب، وحاولوا الدفاع عنه والاعتذار فيما يظن انه قصور فيه، ومما يذكر في هذا السياق ما كتبه الدكتور زكي مبارك رداً على ما قاله احمد امين من قصور الأدب العربي في انه حرم من الملاحم الطويلة والقصة قال، هذا الحكم يشهد بأن احمد امين يجهل طبيعة الأدب العربي بعض الجهل، ان العرب ليس من طبيعتهم ان يأنسوا بالمنظومات المطولة في القصص والتاريخ، هو يتوهم ان العرب كان يجب عليهم ان يسلكوا في الشعر مسلك اليونان وذلك خطأ فضيع. وعندما اخذ توفيق الحكيم في كتابة مسرحياته واتخذ من الأساطير اليونانية مصادر لبعض هذه المسرحيات وجه من النقاد العرب من غير المسلمين الى مذهب النقد الغربي الوافد وجه معارضة تكشف الفوارق العظيمة بين المضمون العربي والأسطورة اليونانية، من هذه الإعتراضات ان الآلهة في الميسولوجيا الاغريقية تدفعها حيوية عارمة الى كل تصرفاتها حيوية لا تعرف العدل والحق والخلق والضمير لأنها حيوية عاتية باطشة ليس لديها ما يمنع من حسب كل هذه اللعنة‌ على أوديب لمجرد شهوة حقد الآله أبولون، كذلك صنعت مع هرقل ومع بروماتيوس وغيرهما أما الاسلام فهو ينبذ نهائياً فكرة الشهوة والظلم لله تعالى، من هنا لا يتفق المعنى الاسلامي في القدر مع الفكرة الاغريقية ومعنى هذا ان الاسلام له فكرة مستقلة مختلفة في طبيعتها عن طبيعة الفكر الاغريقي، ومن المؤكد ان مترجمي الفلسفة الاغريقية واليونانية لم يستطيعوا ان يدخلوا الاسطورة والتراجيديا الى الادب العربي الذي كان مستعلياً بنفسه وذاتيته وقائماً على التفاخر والأنفة من إلاغتراف من منبع ادبي وثني، بيد ان التغريب والغزو الثقافي استطاع ان يفرض هذه الألوان على الادب العربي بالترجمة والتأليف والتمثيل لكن هذه كلها ما تزال حتى الآن غريبة منعزلة لم تتمكن من الانصهار ولم يتقبلها المزاج العربي ولا الروح الاسلامية. ******* الأدب العربي ومفارقة ألف ليلة وليلة - 192 2008-10-28 00:00:00 2008-10-28 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4273 http://arabic.irib.ir/programs/item/4273 حاول دعاة مذهب النقد الأدبي الغربي إثارة إتهام باطل يرمي الى إنتقاص الأدب العربي لخلوه من المسرحيات والدراما والملاحم غافلين ان لكل ادب فنونه التي تشكلها طبيعته وبيئته، وان ليس من الضروري لوصف الأدب العربي بالبراعة والنبوغ ان يكون مماثلاً للأدب اليوناني او الأدب الغربي في كل فنونه، ولقد كان الشعر هو ديوان العرب في الجاهلية ولما جاء الاسلام شكل للأمة مثلاً أعلى استمد اسلوبه ومنهجه من القرآن الكريم وقام على التوحيد الكاشف، وجاءت القصة القرآنية على ذلك النحو الذي عرف عنها بعيدة عن الرموز والغموض والتفاصيل وبعيدة عن الكذب الفني والحيلة والتحوير الذي عرفته القصة اليونانية الغربية. ولذلك فلم يكن الأدب العربي في حاجة الى المسرح الذي كان وليد المعبد والكنيسة والذي ظهر عند الإغريق اصلاً في اعياد باخوس إله الخمر واستعانت به الكنيسة بعد انتشار المسيحية في كنائس روما وباريس اثناء القرون الوسطى. اما المسلمون فلبساطة مفهومهم الاسلامي ووضوحه ولطبيعتهم التي اتسمت بالصراحة والوضوح لم توجد عندهم حاجة الى المسرح ولذلك انصرف المسلمون ابان حركة الترجمة عن نقل الأدب اليوناني واكتفوا بترجمة العلوم والفلسفات اذ إنّهم لم يكونوا بحاجة اليه بوصفه اداة تعبير عن النفس اليونانية ‌والاغريقية وحدها، ومن حيث ان لهم اداة تعبيرهم التي تحقق لهم ذلك عن طريق النثر والشعر، ولعل سبباً هاماً قد حال بينهم وبين ترجمة الأدب اليوناني هو انه كان ينطوي على خرافات واساطير لها جذورها الممتدة الى عقائد الوثنية القائمة على تعدد الآلهة وصراع الآلهة مع نفسها ومع الانسان ولتعارض هذه الصور والافكار مع ايمان العرب والمسلمين بالخالق الواحد واكباره وتعاليه عن مثل ما توصف به آلهة اليونان من صراع وشهوات وما توصف به من ذكور واناث وآلهة للصيد والخمر والحب، فقد نأى الأدب العربي عن ذلك وسما بالألوهية عن مظاهرة البشر التي لا يقرها عقله ولا يرتضيها مزاجه النفسي. لقد كان الأدب العربي واضحاً في التعبير عن النفس وواضحاً في العقيدة وضوحاً لا يقبل التأويل ولا يحتمل الشك ولا يقبل التقسيم فأستغنى عما احتاجت اليه الوثنية القديمة والعقيدة المسيحية من بعد لعرضه وشرح تعقيداته وتفسيره وتعليله عن طريق المسرح حتى يمكن الإقتناع به وتقبله، من هنا لم تكن هناك حاجة للبيئة العربية ولا في الأدب العربي ولا في العقيدة التي اعتنقها العرب والمسلمون الى المسرح وقد فرض ادب القرآن الكريم طابعه على كل ما تخرجه القريحة بعد ان اظهرها بأعجازه في اسلوبه الكتابي وفي تعاليمه. وهناك وجه آخر من وجوه الخلاف والتباين بين الأدب العربي وبين الدراما والمسرحية اليونانية الغربية يتمثل في الصراع المأساوي الدرامي الذي هو حياة الحوار في المسرح مما لا يجد بيئة طبيعية في ايمان العرب ومعتقداتهم ذلك ان البطل المأساوي هو دائماً هو في صراع مع الآلهة والقدر والانسان المسلم هو في سلام مع الله تعالى الواحد الاكبر وفي ايمان بالقدر لا يحول دون السعي وان كان يحول دون المصارعة والصراع، من هنا لا يتصور العقل المسلم الصراع بين الانسان والله تعالى على نحو ما كان يتصور اليونان الذين يؤمنون ان الحرب مع القدر وان كانت نهايتها هي الهزيمة المأساوية فإنها حرب تدل على شجاعة الانسان وجبروته وعلو شأنه، وصراع الانسان مع الباري تعالى أمر لا يفهم ولا يقبل مع التوحيد الذي هو كلمة العقائد في الاسلام، ولم يجد العرب انفسهم في يوم من الايام على نحو يضعهم في صراع مع القدر وذلك لإختلاف العقلية واختلاف طبيعة البيئة الصحراوية عندهم عن طبيعة البيئة الجبلية في اليونان ولهذا لم يعرف هذا اللون من الصراع حتى في فترة جاهيليتهم السابقة على الاسلام بل ان الوثنية العربية لم تكن مؤهلة لهذه المفاهيم اذ لم تكن وثنية أصيلة بل كانت صورة مشوهة من دين قائم على التوحيد لذلك لم يكن لها جذور عميقة او تقاليد قديمة كما كان الشأن لدى الوثنيات الأخرى، من هنا ارتبط المسرح اليوناني بالاسطورة الى حد بعيد ووجد فيها المؤلفون اطاراً يصورون فيه الصراع بين الانسان والقوة الإلهية ولما كانت هذه النزعة وثنية في طابعها لم يقرها الاسلام ولم يقبلها. ان الكنيسة في القرن العاشر قد استعانت بالمسرح ايضاً في عرض فكرتها بعد ان سقط المسرح الوثني مع سقوط الامبراطورية الرومانية فكانت تقدم القداس الديني ثم تبعثه بصورة تمثيلية طقوسية صغيرة كان يمثلها القساوسة بعد القداس في قلب الكنيسة ثم تطورت الى التمثيليات الدينية الطويلة التي تمثل على اعتاب الكنيسة او في ساحتها وهي المعروفه بتمثيليات الاسرار عن معجزة ميلاد السيد المسيح ثم آلامه وآلام الشهداء الذين اوذوا في سبيل المسيحية، وقد كان المسرح وسيلة لتفسير نظريات المسيحية الفلسفية التي لم يكن من اليسير فهمها إلا بعرضها على هذا النحو التمثيلي، وتقوم فلسفة المأساة الغربية على الخطيئة والقصاص والغفران وترى ان الانسان مرتبط بخطيئة أولية هي خطيئة آدم، وهناك مفهوم الصراع بين الآلهة والقدر وبين الانسان والخطيئة ويبدو البطل في صورة المتحدي لإرادة الله تعالى والمتحدي للقدر وفي رواية باوست نجد انه يتحدى إرادة الله تعالى ويتطاول على الشجرة المحرمة وقد كانوا يرون إنّه المجرم الخاطيء يجب ارساله الى الجحيم ثم تحول الرأي في المأساة مع تحول المجتمع الأوربي فقالوا إنّه صريع القدر. هذا اللون من الأدب غريب على الذوق العربي والاسلامي فهو خلاصة لمفاهيم دينية وثنية او غربية مسيحية تقوم على فلسفة قوامها الخطيئة التي لا يعترف بها الاسلام والتي ليس لها أي صدى في الأدب العربي فضلاً عن الصراع مع القدر وصراع الآلهة. وغير هذا وذاك ان نهاية ‌القصص وخاتمة التراجيديا في مفهوم الأدب اليوناني والغربي يجب ان تكون شريرة ومصدر هذا ان التراث اليوناني الغربي كله يرى ان الانسان ثمرة الخطيئة وان حياته تكفير عن هذه الخطيئة وانه كائن لا قيمة له ولاوزن في حين يرى الأدب العربي وفكره المستمد من الاسلام ان الانسان كائن حي وحياته لها قيمة خالصة وإنه ليس مسؤولاً عن خطيئة غيره بل هو معد لأن ينطلق نحو الكمال ويسعى للوصول الى الله تعالى وصولاً معنوياً نقياً يشيع في الحياة الأمل والخير والفضيلة، والواقع ان الخطيئة التي تردد في الآداب الغربية هي خطيئة آدم وهذه في مفهوم الاسلام غفرها الله سبحانه وتعالى له ولم يجعلها ذنباً لاحد من بعده. ******* الأدب العربي ومساوئ القصة الغربية -5 - 191 2008-10-23 00:00:00 2008-10-23 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4272 http://arabic.irib.ir/programs/item/4272 فيما يتصل بالغزو الثقافي للأدب العربي الحديث احصى يوسف اسعد داغر عشرة آلاف قصة اجنبية ‌ترجمت الى الأدب العربي منذ بدأت الترجمة حتى اوائل الحرب العالمية الثانية وهذا القصص المترجم كان يصدر في بيروت والقاهرة وكان متزايداً بأضطراد حتى لو لمعت بعض اسماء المصريين وقد ابرزت حصيلة الترجمة ثلاثة آثار واضحة: اولاً: افساد اللغة. ثانياً: نشر العامية. ثالثاً: نقل الاباحيات. وكان للتمثيل اثره السيء في نقل المسرحيات الى اللغة العامية كما فعل انطوان يزبك فنشأت في العامية حصيلة ضخمة في مجال المسرح والزجل وساهم كبار الكتاب في هذا المجال فدعوا بعض الانحرافات واهتم الدكتور طه حسين بترجمة القصص الإباحية وقد سجل عليه ذلك ابراهيم عبد القادر المازني حين قال اقرأ للاستاذ قصصه التي ترجمها، هل كان همه نقل الفصاحة الافرنجية الى قراء اللغة العربية او نقل الصورة الفاضلة في ثيابها المصونة إنّما كان همه مدح الخيانة والاعتذار للخونة وتصوير الخلاعة والمجون في صورة جذابة ليقضي بهذه الترجمة حق الاباحية لا حق اللغة ولا حق الفضيلة، وقد اشار الدكتور عبد العزيز برهام الى امر هذه التراجم فقال ان اكثر القائمين بأمر الترجمات لم يكن بصيراً باللغة العربية ولا باللغة التي ينقل عنها وكثيراً ما داخل في اللغة العربية من كلمات اجنبية لم يستطع المترجمون ان يجدوا لها مدلولاً في لغتهم فطعت على لغة الكتابة ولا شك ان اهم ما في عملية الترجمة هو المادة التي يراد ترجمتها وهي اخطر قضية واجهت الأدب العربي فإنّ المترجم قد يستمد اتجاهه من دعاوى اجنبية تقصد الى بث بذور خطيرة على الثقافة العربية في تلمسها لطريقها الجديد على حد تعبير سهيل ادريس الذي يقول انه لا حاجة الى التفكير بعدد من الاتجاهات المنحرفة في عدد من الكتب المترجمة في السنوات الأخيرة ترصد لها مؤسسات اجنبية تنتمي الى دول اوروبا الغربية والشرقية وأمريكا اموالاً طائلة تغري بها ذوي الضمائر المغشوشة الذين يضعون الكسب المادي فوق الحس الوطني. اما مضمون القصة الغربية فقد قال عنها الدكتور حسين الهراوي ان الفن القصص الغربي اليوم اتجه الى وجهة واحدة هي وجهة الاستهتار الجنسي والزوائيون في الغرب ليس لهم في هذه الايام مصدر الهام غير هذا الموضوع وان طغيان الجانب النسوي في العالم الغربي جرّ المؤلفين الغربيين الى ان تكون فكرتهم في رواياتهم كلها عن العلاقات بين الجنسين وعن استهتار المجتمع الحاضر بروابط الزوجية والاسرة، واشار الى كتاب القصة الغربية فقال انه غلب عليهم حب المادة فشقوا الطريق لها على انقاض الاخلاق واشار ايضاً الى ان الكتاب الحديثيين مهمتهم تسلية الجمهور وهم متأثرون بمذهب نولدو الصهيوني اليهودي الذي يقول انني اقيس نجاح الشخص في الحياة بالثروة التي يجمعها، كما ذكر ان مما ساعد على ذلك انتشار ومذهب فرويد اليهودي في علم النفس واستخدامه في القصص والواقع اننا نعد فشل الجيل الحاضر مرهوناً بأنتشار مثل هذه القصص النفسية الملتوية والعقلية الضعيفة التي اوحتها تجارة رخيصة في الحكايات الغرامية والقصص البوليسية، واصبحت القصة الان نوعاً من تجارة الخمور التي تتولى شركات النشر تعبئتها ثم توزيعها بالملايين تحت مختلف العناوين والمغريات. ان كتاب الغرب كان يرى اميشيل او يري ليخرجون على الماديات في كل ما يؤلفون او يكتبون، ان كتاب الغرب او مؤلفيهم على العموم هم كتاب ومؤلفون اقرب الى الحياة المادية منهم الى الحياة الروحانية وقلما نجد ما يكتبون او يؤلفون من امثال الروحانيات التي نجدها مصورة عند الكتاب الشرقيين بأجمل صورها ذلك ان الغربيين ولدوا في المادة وعاشوا معها ولها ولست انكر اننا معشر الشرقيين قد اخذ بعضنا عن الكتاب الغربيين حب هذه الماديات والتهالك عليها ولما لم يأخذنا النضوج في كل نواحي حياتنا اقبلنا على كل ما يصوره لنا الغرب ان كان من فلسفة او أدب او علم في نهم شديد دون ان ننظر الى ما يلائم انفسنا ومصلحتنا ودون ان ننظر الى ما هو صالح ومفيد، واذا كان الأدب الغربي يشمل عشرات المسالك فإنّ كتابنا قد قصدوا ان لا ينقلوا لنا إلا ما كتبه المسرفون في الإباحة امثال مارسيل بروس وتوماس من واندريه جيد ولورانس وكلها قصص تدور حول اللذة الجنسية وغيرها، ولم يقف الامر عند هذا الحد فإنّ هؤلاء الموالين لمنهج النقد الغربي الوافد قد ظاهروا ذلك بفلسفة خطيرة تقول ان وصف نقائص الناس ومعاييبهم هي طابع الادب الصريح الحر وهم في ذلك قد جروا وراء دعوة فرويد ومفاهيمه التي اصبحت قاعدة للقصة واساساً للأدب الغربي. بعد ذلك جاءت الخطوة التالية وهي نقل هذا التراث الى الأدب العربي ليحدث اثره المراد وليفتح الطريق امام الكتاب بالعربية لينقلوه ويقلدوه ويعتنقوا مفاهيمه، من هنا ارتفع صوت الكثيرين بالدعوة الى التحليل النفسي بالأدب وفي مقدمة هؤلاء كان ابراهيم عبد القادر المازني وابراهيم ناجي في القصة والعقاد في التراجم ومحمد خلف الله في دراسات الأدبية وكان كتاب المارون القادمون الى مصر من الشام قد اغرقوا العالم العربي كله بسيل من القصص يطفح بالإباحه والفساد من امثال نجيب الحداد والياس فياض وفرح انطوان وطاليوت عبده والياس ابو شبكة وخليل بيدس وامين الحداد، وقد ألقت هذه القصص الى صغار المتعلمين وفتاة الاسر من وراء الجدران قدراً من الرؤى الجنسية المسرفة وقدراً من اللذات الخيالية التي تتمثل في صور الترف وملامح القصور والرياض والعطور والخمور مما كان له أبعد الأثر في إيجاد ظاهرة جديدة في المجتمع هي ظاهرة وباء الحلم الكاذب الذي يشقي ويبعد عن الواقعة، وكان لهذه الاكاذيب فعل السحر في نفوس الشباب والفتيات الغريرات مما أفسد نظرتهم الى الحياة وحال بينها وبين الرؤية الواقعية او الانطلاق في طريق واضح او على حد تعبير احد الكتاب، وقف بينهم وبين الحقائق البديهية حبل من هذه الاكاذيب القصصية وهكذا تكون في المجتمعات العربية ما يمكن ان يسمى المرض القصصي وبادرت الصحف والمجلات الكبرى الى تبني هذه الظاهرة حتى ان بعض المجلات الكبرى اقامت المسابقات لإغراء الكتاب بكتابة القصة واشار كثيرون من مؤرخي الأدب الى ذلك فقال احدهم ما هذا التطلع الى القصة سوى مثل آخر على التقليد الأحمق للغرب، ان القصة الغربية اما فيها من فتنة زائفة مبهرجة قد ادت الى افساد الحياة الاجتماعية في مصر وتخريبها فلماذا تضع الأفعى في جيبها؟ ******* الأدب العربي ومساوئ القصة الغربية -4 - 190 2008-10-20 00:00:00 2008-10-20 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4271 http://arabic.irib.ir/programs/item/4271 من اخطر المحاولات التي يقوم بها الغزو الثقافي والتغريب عن طريق فرض منهج النقد الغربي الوافد الدخيل محاولة اذابة الأدب العربي في محيط الأدب الشرقي القديم ومحيط الأدب الغربي سواء ما اتصل منه بالاغريقي او بالأوروبي الحديث، لقد ارتبط الأدب العربي منذ ظهور الاسلام به كما ارتبطت الآداب الفارسية والهندية التي ظهرت من بعد وقد استوفى الأدب العربي مفاهيمه وقيمه قبل ان يتصل بالآداب الشرقية القديمة او الآداب اليونانية والاغريقية معاً من حيث تحديد خصائصه المستمدة من ذاتيته ومن المزاج النفسي والعقلي الخاص به وفي ضوء هذا نجد ان نسبة كتب مثل كليلة ودمنة او ألف ليلة وليلة الى الأدب العربي أمر يجب ان يقابل بالحيطة والتحفظ ذلك ان مثل هذا الأدب او مضامين هذه الكتب من فلسفات وغيرها لا تمثل واقع الأدب العربي ولا تتوافق مع أصالته انما تمثل الشرق قبل الاسلام، واذا كان الأدب اليوناني قدم لنا صورة الأساطير وتعدد الآلهة والملاحم الوهمية وذلك الصراع العميق بين الانسان والآلهة فإنّ الأدب الشرقي قد قدم في ألف ليلة وليلة صورة الترف البشعة التي عاش فيها الاباطرة والملوك والامراء، وكلاهما قد استغله دعاة التغريب في العصر الحديث لنقل الأدب العربي من طابعه القائم على الصدق والبساطة والوضوح الى جو من الرمزية والضلال والغموض الدخيل على سمات هذا الأدب وعلى خصائصه واصوله. كتاب كليلة ودمنة ليس من الأدب العربي اساساً وهو كتاب هندي الاصل ترجم الى الفارسية ثم ترجمه الفارسي بن المقفع الى‌ اللغة العربية ويحتوي على حكايات قصيرة على ألسنة الحيوانات فيه سمة الرمز والإيماء والغموض والهروب من الوضوح والصراحة، وقد وجهت الى كتاب كليلة ودمنه اتهامات فنية تبعده عن الذوق العربي منها تداخل قصصه مما يصف القاريء على استقراء حوادث القصة وتتبعها الى الغاية التي يرتاح اليها وما يرى فيها من تشعب القصة الواحدة وتداخل بعض الحكايات وغير ذلك. اما كتاب ألف ليلة وليلة فهو ليس من الأدب العربي في الاساس فأن القصة الرئيسة فيه ترسم منهجه من ان ملكاً من الملوك عاد من سفره فجأة فأكتشف جريمة زوجته فعهد نفسه على ان يتزوج كل ليلة فتاة ثم يقتلها في صباح الغد، حتى تزوج بأبنت الوزير التي اخذت تقص له قصة فلما جاء موعد قتلها استبقاها الملك لتكملها له في الغد فما زالت تروي ليلة بعد ليلة الى الألف، والواقع ان هذا المدخل ليس عربياً ولا يمثل مزاج الأدب العربي والكتاب مليء بالخرافات والأساطير وقصص الحب والسحر والطلاسم وصور الخمر والرقص والعود والندامة مما يجعل بين عدد من القصص الشعبي القديم في تراث الهنود والفرس القدماء ثم اضيفت اليه قصص مصرية وبغدادية. وقد اكد الدارسون لاصول الف ليلة انه من مصدر هندي فارسي قديم كما ان بعض حكاياته من اصل يوناني وغيرها من اصل يهودي وان اصله الاول هو كتاب (هزار افسانة) أي ألف خرافة او اسطورة، واشار الدكتور احمد ضيف الى مخالفة هذا الادب لطبيعة النفس العربية وآدابها فقال ألف ليلة كان ادباء العرب يعتبرونه كتاباً غثاً بارداً كما يروي ذلك المسعودي في مروج الذهب وابن النديم في الفهرست، وعلى الرغم من انتشار هذا النوع فقد بقي غريباً على القصة العربية فلم يتمكنا سلوبه من نفوس الكتاب. وفي العصر الحديث استغل التغريب ودعاته مذهب النقد الغربي الوافد هذا التراث القديم المضطرب المصدر لإفساد جوهر الأدب العربي والتأثير عليه وتهديم قيمه وقد سبقهم الى هذا جماعة المستشرقين والمبشرين ومعاهد الإرساليات ومطابع اليسوعيين في بيورت فأهتموا بهذين الكتابين وأصدروا منهما طبعات انيقة مزينة بالصور كما فعلت دار هلالة وقد أثار المستشرقون حين اتخذوا من كتاب ألف ليلة مصدراً لرسم صورة المجتمع المسلم وهي صورة زائفة اذا رجعت على المصارد التاريخية الصحيحة، ومن السيء جداً المجانب لمنهج البحث العلمي ما فعله اكثر من مستشرق حين انكأ على كتاب ألف ليلة بهدف استخراج صورة لما اسموه الحب في الشرق مستنتجاً اياها من خلال القصص التي لا تمثل واقع الأدب العربي ولا الحياة اليومية التي كان يتحرك فيها هذا الأدب ولا تمثل المجتمع المسلم، هذه الصورة التي رسمها المستشرقون هي التي تحتويها ألف ليلة من ناحيه الفساد والإباحة او الترف والمجون او الخلط بين المرأة الحرة والغانية والأميرة والجارية. وليس معنى هذا إلا تقرير حقيقة اساسية هي ان الوثنية لها أدب، والتوحيد له أدب وان الأدب العربي بعد الاسلام قد طبعه طابع التوحيد فعزله وعزل عنه مثل هذه الصور والخيالات والخرافات، واذا كان التغريب استغل هذه الأساطير وبعثها واحياها من جديد وحشد لها حشوده من المبشرين والمستشرقين والتغريبين فإنّ ادباء الأصالة قد كشفوا اهداف هذا العمل ولعل ذلك يصدق تماماً في عبارة احمد موسى السالم جاء الاوروبيون حديثاً وهم يعرفون جيداً ان هذه العناصر الشرقية من الزينة والأسراف في المتعة والتحلل هي التي ذهبت بالامبراطورية الاسلامية فأشادوا بها وكتبوا فيها الشعر والقصص وجاء ابناءنا القادمون من جامعات الشمال يحملون الينا تقدير اوروبا ذات النهضة الصناعية للجو الشرقي والاحلام الاخلاقية وسحر الشرق وتردد ذلك عندنا فأنبعث في بلادنا شهرزاد الغاوية مرة اخرى وامتدت في ظلمات حياتنا بقية من ليالي ألف ليلة. وهو بهذا يشير الى كتابات طه حسين وتوفيق الحكيم وغيرهما عن ألف ليلة وشهرزاد وهي قصص تجري في هذا التيار الغريب عن نفسية الأدب العربي وأصالته. ******* الأدب العربي ومساوئ القصة الغربية -3 - 189 2008-10-18 00:00:00 2008-10-18 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4270 http://arabic.irib.ir/programs/item/4270 عنيت حركة التغريب في مجال الأدب على ترجمة القصص الغربية التي تحمل الوضع الأوروبي في قيمه المادية ونظرته الشهوانية وطموحاته المنكفئة الى التراب والرماد والقصة على هذا النمط ليست فناً يعمر الحياة ويبنيه ولا عملاً يدفع الى التسامي بالعواطف والمشاعر او يغذّي القلوب والعقول، وقد بحث الدكتور حسين الهراوي جانباً من اثار القصص الغربي المترجم وخاصة في البدايات فوصفه بأنه حقل من حقول الألغام في طريق الآداب العامة ونوع من الاستخفاف العقلي يبعثه الروائيون في نفوس الجماهير السهلة الإنقياد في قالب منمق يعطي فكرة ان الحياة لهو ومجون وانها قربت الى الأذهان فكرة الاستهانة والتغلغل في السقوط الأدبي والتمست للمستهترين والمتحللين اعذاراً ما كان لأحدهم ان يجدها لنفسه منفرداً، مثل قصص مانول لسكل وغادة الكامليا وغيرهم، مثل هذه القصص اثارت تأثيراً بالغاً في عقول النشأ فجعلتهم يستهترون ويسرقون وينتحرون. مصطفى صادق الرافعي عرض لظاهرة القصة الغربية فكشف عن تباين اثر القصة بين المجتمع الغربي والمجتمع المسلم في البلاد العربية فهو يرى ان القصة صناعة لهو ومسألة فراغ وهذا قد يكون له وجه في علاج الحياة العملية المحطمة‌ في اوربا وامريكا ولكن ما موضعه عندنا في الشرق والشرق انما يعمل على نهضة لمعالجة اللهو الذي جعل نصف وجوده السياسي عدماً، ويكتب الرافعي مضيفاً ألا ترى ان الروايات توضع قصصاً تقرأ فتبقى قصة واذا هي صنعت شيئاً لقراءتها لم تزد على ما تفعل المخدرات تكون مسكنات عصبية الى حين ثم تنقلب بعد حين الى مهيجات عصبية. ويرى احد النقاد ان القصص التي تكتبها الشعوب الأوروبية ليست سوى أنّاتها وصرخاتها من مشاكلها المعقدة التي لا تجد لها حلاً الى اليوم، ان عقدة القصة الاوروبية تنحل من فورها في ضوء المجتمع الاسلامي وبمقاييس القواعد والقوانين الاسلامية‌ لأنّ هذه العقدة تجمع حروفها دائمة في ظل مشاكل لا وجود لها في عقل المسلم، ويعتقد كثير من الكتاب ان هدف القصة في الغرب هو إعطاء الشعوب جرعة من الخيال للتعويض عن الواقع، فعبث يعيش الناس في المناطق الباردة بين الظلام والالام وبين الجبال الشاهقة والشمس الغائمة يحتاج الناس الى مخدر والى غيبوبة، وان القصة الخرافية الوثنية مستمدة من الاسطورة هي اللذة الكاذية التي تعطي الوهم بدلاً من اعطاء الحقيقة، ان خطر ما في القصة الاوروبية انه ما تقدمه للمحرومين العاجزين تعويضاً خيالياً وهمياً عن جميع حاجاتهم الرئيسة فيقتل فيهم الحافز القوي ويميت فيهم الضمير الحي ويضلله في مقاييس العقل ويرفع عنهم مسؤوليات الحياة، وكل ما يقال عن القصة الاوروبية من الاسطورة الوثنية الاغريقية يقال عن القصة الشرقية وان اختلفت المناهج والصور. وايضاً لا يعرف الادب العربي مثل الخلاعة والترف التي تجدها مثلاً في قصة تايبس لاناتول فرانس حيث يمجد الغرائز والمجون والإسراف في العبث وهواي اناتول فرانس يحاول المخادعة والإلتفات في قوله للجسد ان يستسلم للشهوة وتبقى النفس طاهرة، وصورة قصة الطفل دايفيد كوبرفيلد التي تصور الطفل ينتقل بين قسوة زوج أمه وقسوة الناس وقسوة اللصوص الذين سرقوا ملابسه ونقوده هي ايضاً صورة غريبة على المجتمع المسلم وعلى أدبه. أجل ليس العيب في هذه القصص انها تصور مجتمعها ولكن العيب يكمن في ترجمتها وإلاهتمام بنشرها في محيط لا يقبلها ولا يهضمها ولقد أهتم دعاة مذهب النقد الغربي بترجمة هذه القصص وإغراق الأسواق بها حرصاً على نقل مفاهيمها الى الأدب العربي. والمعروف ان فن القصة الذي غزا الأدب العربي في العصر الحديث قد تشكل من تراثين تراث الاسطورة اليونانية‌ وتراث الاسطورة الشرقية القديمة وهما يقتربان من حيث ان طبيعة كل منهما تستمد من الوثنية ويتصلان بحضارة تلكم الشعوب البائدة المغرقة في الاباحية والوثنية الفلسفية، ومن هنا الخلاف بين الأدب العربي وبين القصة الغربية وليدة الوثنية اليونانية، والخلاف بين الأدب العربي وبين الأدب الغربي الاغريبقي القديم والأوروبي الحديث هو خلاف في الدوافع التي يتولد منها الأدب العربي وبين الغايات التي ينتهي اليها وهي مخالفة تماماً المخالفة للدوافع التي يتولد منها الأدب الاوروبي، مثال ذلك ان بعض دعاة التغريب حرص على ترجمة اعترافات فتى العصر وهو من تأليف ديموتيه وهي قصة تركز على احياء الإيمان المسيحي في نفوس شباب اوربا وتتلخص فلسفة ديموتيه في عدة ‌أسس ليس واحد منها متفقاً مع ذاتية الأدب العربي ومفاهيم الفكر الاسلامي، يقول ليس لغرض المرأة قيمة مادية ولا معنوية بالنسبة للمجتمع، ويقول اذا شعر المدمن بدوار الخمر فليملأ كأسه ثانياً وايضاً لكي يكون الرجل مؤمناً فليساعد المخطئين على الخطيئة ويقول لذلك خير طريق للتخلص من الإلحاد ان يزداد المرء الحاداً. أجل اذا كان ديموتيه يقول هذا لشباب فرنسا في تلك الفترة التي نشر فيها قصته متصوراً انه علاج ناجح لداء‌ العصر فأن هذا لا يحقق شيئاً لنا اليوم بل انه ينشر الداء في كل مكان ويعبث بالاجواء جميعها ويستنزل القيم الانسانية‌ الكريمة الى مستنقع حيواني اثم قاتل، ومرة اخرى فأن من يقف وراء ترجمة مثل هذه القصص المدمرة هم دعاة التبشير والغزو الفكري والفنوذ الأجنبي الاستكباري المعادي لمصالح الشعوب الاسلامية. ******* الأدب العربي ومساوئ القصة الغربية -2 - 188 2008-10-15 00:00:00 2008-10-15 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4269 http://arabic.irib.ir/programs/item/4269 اطلع ادباء المهجر على الأدب العربي بمفاهيم غريبة هي أثر من آثار التغريب والغزو الثقافي المعادي للاسلام وتراث الأمة ومن اخطر ما في النزعة المهجرية الدعوة الى تحويل الجنس الى نوع من القداسة وتحويل الشهوات الهابطة الى صوفية وهذا قد ظهر اكثر ما ظهر في كتابات جبران، وكان هناك عامل هام لا يمكن اغفاله كان بعيد الأثر في الدعاية للأدب المهجري هو ان الصحف المصرية كانت في ايدي المارونيين اللبناتيين دعاة التغريب مثل صحيفة المقطم والاهرام والهلال والمقتطف. كان اسلوب الشاميين في مصر والمهجريين في بوستن مما لا يفضي ذوق الأدب العربي وقد سجل هذا المستشرق هاملتون جيب في تقريره حيث قال، انهم لم يكن بأستطاعتهم ان يفعلوا ذلك وعجزوا عن ان يحلوا المشكلة النفسية لانهم كانوا نصارى كما عجزوا عن ان يحلوا المشكلة الاسلوبية، واعلن جيب رأيه في الفارق بين الكتاب العرب المسلمين وبين كتاب المهجر حين قال من النادر ان تجد اديباً مصرياً مسلماً ذا شأن يتنكر للماضي الاسلامي تنكراً تاماً كما فعل الكتاب السوريون المتأمركون. لقد ذهب بعض اتباع مدرسة النقد الغربي الى خلق هالة من القداسة حول جبران وتداعت المقالات والكتابات تصل بينه في المقارنة وبين احمد شوقي وتحاول ان تفضله على السابقين واللاحقين في غرور وصلافة، في حين يذكر ميخائيل نعيمة الذي كان صديق جبران اللصيق به، يذكر بعيد وفاة جبران، ان صديقه هذا رجل مادي يبيع بالمال كل شيء ويشتري بالمال كل شيء، اما الدكتور عبد الكريم الاشتر الذي تخصص في دراسة النثر المهجري فيرى ان جبران ابن اب سكيرورث بدوره الادمان عن ابيه وكان عمه ايضاً مدمناً وتتجول في الاسرة جرثومة السل التي صرعت أمه وأخاه وأخته في بوستن، لقد كانت صحة جبران مشوشة بشهادته في خطابه الى نعيمة ونظرته الى الحياة ليست نظرة الانسان السوي، الحياة من حوله مصفرة شاحبة كلها زفرات حزن متصل، نظرة تشاؤم، ظلال سوداء، غيوم كثيفة، ضباب. وقد عرف بالتمرد على القيم والدين مع الالحاد والشك، واضطربت شخصيته بعد اتصاله بفكرية ينتشه، كل هذا عطل نموه وفجر طاقاته في مسالك مسدودة فضاع. وقد خالط كل هذا عنده شيء من النرجسية والغرور والتعالي بكرامة موهومة فهو لا يقبل النقد ويتعالى على الرؤية الصحيحة وله خيال مغرق فيرى انه نبي مرسل يحمل رسالة علوية حتى اعتقد انه رسول بعث به الشرق هادياً للغرب ويسميه ألياس ابو شبكة المسيح الجديد وكتب على قبره هنا يرقد نبينا جبران. قالت عن جبران صديقته برابر يونج انه كان لا يرتاح لقامته القصيرة التي لا تزيد على مئة وستين سانتيمتراً وانه لم يستجب في اللحظة الاخيرة في فراض الموت الى الكاهن الماروني الذي اراد اقامة المراسم الدينية له، ووصف امين الريحاني ادب جبران بأنه مقزز كريه المذاق ذو عاطفة مائعة تتصنع الرقة، وقال كراتاشوفسكي ان لغة المهجريين مثل الريحاني ليست مما يستحسنه النقاد العرب، ويشير مؤلف كتاب تطور النقد والفكر الى ان جبران والريحاني يثوران على اللغة العربية وقواعدها والعروض والاوزان والبلاغة وفنونها ويرى ان هذا تبرير لضعفهما في اللغة والواقع انه قد مات كل الشعر الذي نشروه في المقتطف وغيره وماتت النظرية نفسها. اجل، ان الشعر المهجري قد كشف عن زيفه حين انفصل عن قيم الأمة والأدب العربي في البلاغة والاسلوب وكشف ايضاً عن زيفه حين اتصل بقيم الأدب الغربي وفلسفته المادية والاباحيه فأعلى من شأن فلسفة نيتشة المستمدة من الافلاطونية الجديدة ومذاهب الكشف الجنسي وقد برز واضحاً من خلال انتاج هذه المدرسة احتقار القيم والعقائد والروحية مع الدعوة الى الكشف والتعري والاباحة والخصومة للاخلاق والدين. وحاولت مدرسة المهجريين احياء العرقية الفينيقية الوثنية ومهاجمات قيم الأمة الأصيلة الممتدة الى اعماق التاريخ وقد رصد الدكتور محمد زكي العثماوي هذا فقال كان الأدب المهجري محذراً ومغيباً للنفس العربية والعقل عن الجهاد في سبيل مقاومة الغاصب وعاملاً من عوامل الاستسلام في براثن الفكر الغربي والغزو الثقافي. ومن بين الألوان التي حاول أدب المهجر المستمد من الأدب الامريكي اصلاً ادخالها الى الادب العربي ما اطلق عليه اسم الهمس في كتابات امين شرق ونسيب عريضة والحقيقة ان جميع النماذج التي وصفت بالشعر المهموس انما هي من اللون الذي يشيع فيه الأسى المتهالك المنهوك له دافع مرضي وقد طبع الادب المهجري بطابع مغاير لذاتية الأدب العربي بسبب مصادر المهجريين المتصل بالتوراة والبعيدة عن بلاغة القرآن الكريم وبيان العربية ولان صدوره كان في ظل ادب وايت من الذي ظهر في الأدب الامريكي في العقد الثاني وتأثر به ادباء المهجر. ولا ريب ان المنفلوطي كان هو الوجه المقابل للأدب المهجري ثم كان هو الوجه الحقيقي للأدب العربي الأصيل الذي انتصر في النهاية وانتهى اليه طابع الأدب العربي ومنه نشأت مدرسة النثر الفني الحديث التي استوعبت الرافعي والزيات والبشري وغيرهم كانت مؤلفات المنفلوطي تظهر في نفس وقت ظهور مؤلفات جبران وكان المهجريون يهاجمونه ويتهمونه لكنه كان يصدر بأصالة عن الأدب العربي الذي يستمد تراكيبه من القرآن الكريم في حين كان المهجريون يستمدون اساليبهم من التوراة المترجمة الى العامية. ******* الأدب العربي ومساوئ القصة الغربية -1 - 187 2008-10-12 00:00:00 2008-10-12 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4268 http://arabic.irib.ir/programs/item/4268 لا ريب ان معيار اصالة اي نوع من انواع الأدب هو اقترابه من مقومات الأمة ‌التي نشأ فيها هذا الأدب، وحين تصدق هذه القاعدة‌ على الأدب الذي عرف بأدب المهجر تجده قد اقترب كثيراً عن واقع الأمة واصالتها بل وقف منها في كثير من الحالات موقف عداء يخدم أهداف الغزو الثقافي ودعوة الإغتراب والتغريب، وقد كان اللبنانيون الثلاثة جبران وميخائيل نعيمة وامين الريحاني هم أبرز من مثّل هذا الاتجاه المهجري التغريبي في الشكل والمضمون. كان امين ريحاني احد اقطاب مدرسة المهجر فهو اول دعاة الشعر المنثور وقد تأثر فيه بالشاعر الامريكي ولت وايت من، هذا الاسلوب الذي تخلى عنه فيما بعد وتصدى له جبران خليل جبران وكان الهدف منه هو القضاء على عمود الشعر بالخروج عن الاوزان والقافية والأبحر ويحمل امين الريحاني نفس مفاهيم صاحبيه جبران ونعيمة في مهاجمته للعقائد والاخلاق وان عرف برحلاته في العالم العربي ومقابلاته لملوك العرب، والمعروف ان الريحاني حين قام برحلته الى العالم العربي كان يحمل توصيات الى القناصل الانجليزية لمساعدته ذلك انه كان يحمل لواء الدعوة الى حلف عربي يجمع ملوك الحجاز ونجد واليمن في امبراطورية عربية واحدة، وكان هذا المشروع اذ ذاك من آمال بريطانيا لمواجهة النفوذ الفرنسي الذي كان يزداد في سوريا ولبنان. كان الريحاني كجبران عندما سافر الى امريكا سنة 1888 لم يكن يعرف غير اليسير من العربية فهو مثلاً يقول عن نفسه ما كان في ذهني من العرب واخبارهم غير ما كانت تسمعه الامهات في لبنان صغارهن اي التخويف من الأعراب فهاجرت من وطني وفي صدري الخوف من ان اتكلم لغتهم والبغض لمن في عروقه شيء من دمهم، وكان جبران على مثل هذا البغض يجحد العرب ويحتقر تراثهم كما يقول عيسى الناعوري، والواقع ان ما كان يمكن لمثل هؤلاء ان يكنوا للغتهم او وطنهم وهم يحتقرونها كل هذا الاحتقار، والمعروف ان المهجريين اعتمدوا لغة التوراة وهي ترجمة ضعيفة حرص اصحابها على وضعها بالعامية وكرهوا وضعها بالفصحى وهذا كان من شأنه ان يزحزح اذواق المهجريين عن اشراقة البيان العربي وكذلك كان الخلاف شديداً بين الريحاني وجبران ونعيمة، فما هو ميدان هذا الاختلاف؟ كان الريحاني يعيب على جبران ونعيمة هدر طاقاتهم الأدبية في فلسفات روحانية في حين كانت الاوضاع العربية في حاجة ملحة الى الاصلاح كما ذكر ذلك جورج صيدح في كتابه: «ادبنا وادباءنا في المهاجر الامريكية»، وعندما اتجه امين الريحاني الى الكتابة القومية كان يركز هجومه على الاستعمار الفرنسي دون الانجليزي وقد اختلف معه ايليا ابوماضي واتهمه بالتجسس للانجليز ومع هذا الريحاني متفق مع صاحبيه في آراءهما في مهاجمة اللغة العربية والعقائد والاخلاق الاجتماعية، وخلاف جبران والريحاني انما كان خلافاً بين ولاء جبران للفرنسيين وولاء الريحاني للانجليز بل ان عبارة الريحاني: «قل كلمه وامشي» لا تمثل المزاج العربي او الطابع الفكري للأمة الذي يؤمن بأن يقول الكلمة ويدخلها مرحلة التنفيذ. واخطر ما دعت اليه النزعة المهجرية الوافدة على الأدب العربي هي محاولة تحويل الجنس الى نوع من القداسة وتحويل الشهوة الى صوفية فقد قام أدب جبران زعيم هذه المدرسة على ثلاثة دعائم هي لذة الجسد والحب الشهواني والمرأة المتجردة، وقد تأثر في ذلك على حد قول النقاد بما ينسب الى داوود من المزامير في التوراة وبالحياة في باريس ومن هنا اعلن عن سخريته لكل القيم والمثل ودعا الى الاستسلام لسلطان الغريزة والعاطفة الجنسية، وقد راجع كثير من الأدباء آثار جبران واجمعوا على انه يتميز بعدم الإكتراث للاخلاق في بحثه عن لذة الجسد والخروج عن قواعد الدين، قال عنه الاب الزرني انه يهدم صرح الديانة المسيحية وينبذ جميع الديان وانه كثير الآلة وليس الله بينها وانه يدين بمذهب عبودية العقل والآراء للشهوة‌ الحيوانية وانه هادم للسلطة المدنية والسلطة الدينية والأسرة وانه دعا في كل كتاباته الى الحب المحرم والعشق السري والفحش وهو يصرح بأن الجنة قائمة بهذا الحب الشهواني ويدعو الى احياء الغرائز وتغليب الحب الجنسي ويرى الباحثون ان الادب لا يستأهل الخلود بعدم ترفعه عن الاستسلام للشهوة المحرمة. وعن اتضاع جبران واباحيته يقول الاب الزرني ايضاً ان جبران هو مصور الاجسام العارية وكاتب الشهوة المنفلتة من كل قيد، والعبرة عنده بالعقل ولا بالواجب حين يصطدم الهوى بذلك الواجب، وهو معجب بالزوجة التي تركت زوجها واتبعت من تحب شفيق بالمرأة المستسلمة الى خادمها المفتري، هذا هو جبران الذي يسكب السم الاخلاقي في كؤوس نظيفة شفافة على حد تعبيره، ان معظم كتاب الغرب في موضوع الميول القلبية والشهوة الحسية لم يبلغوا من الفساد الاخلاقي ما بلغه الادب الجبراني فهو قد حول مزامير التوراة من النداء الى الفضيلة الى الدعوة الى الرذيلة وقلب جبران لا يعتقد إلا بالانسان وجمال جسده العاري وشهواته واسراره، ولهذا كله اهتم الغرب بأدب جبران خليل جبران ونشره واحاط صاحبه بتقدير كبير وكان لأدب جبران أشد الاثر في جيله وبهذا خدم الغزو الثقافي خدمات لم يكن بأستطاعة التغريب تحقيقها لولا كتابات جبران، وقد حاول النفوذ الاستعماري المسيطر ان يحيي جبران بعد موته وان يبعث حوله هالة من القداسة لتواصل اثاره طريقها في نفوس الأجيال لكنه عجز عن تحقيق هذه النتيجة وسرعان ما مات أدب جبران وسقط. ******* الأدب العربي المهجري -4 - 186 2008-10-08 00:00:00 2008-10-08 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4267 http://arabic.irib.ir/programs/item/4267 كانت الحملة التغريبية التي استهدفت الأدب العربي متعددة الوجوه وكان من وجوهها عدد من أدباء المهجر النصاري هم جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وامين الريحاني الذين يمثلون اكبر واهم هؤلاء المتغربين، وقد عني الأدب المهجري بالحملة العنيفة على اللغة العربية والدين والثورة على الالوهية والاسراف في الاباحة ومهاجمة القيم الاخلاقية في الحب والزواج، واهتموا اسلوباً بأدخال صيغة التوراة والمجاز الغربي والاسراف في النهج الروماني الغارق في الضلال. صوّر جبران خليل جبران مفاهيمه وانحرافاته في مقال مطول ذكر فيه عن نفسه انه متطرف بمبادئه حتي الجنون وانه خيالي يفسد اخلاق الناشئة ولو اتبع الرجال والنساء المتزوجون وغير المتزوجين اراء جبران في الزواج لتقوضت اركان العائلة، وانهدمت مباني الجامعة البشرية واصبح هذا العالم جحيماً وسكانه شياطين، هو فوضوي ملحد وقد قرأنا له كتاب الاجنحة المتكسرة فوجدناه سماً في الدسم، يقول جبران هذا ما يقول الناس عني، مصيبون فأنا متطرف حتى الجنون،‌اميل الى الهدف ميلي الى البناء وفي قلبي كره لما يقدسه الناس، ولو كان بأمكاني استئصال عقائدهم وتقاليدهم لما تردد دقيقة. اجل ان هذه الاعترافات الجبرانية تكشف بوضوح عن سمات غريبة عن الادب العربي وقيمه ومزاجه الروحي، سمات دخيلة مسرفة في التحدي والتشويه ومع ذلك فقد سقط ادب جبران ولم يحقق النتائج التي عول عليها دعاة التغريب والقائمون على الارساليات التبشيرية في بوستن. وقد اشار ميخائيل نعيمة وهو يحلل شخصية صديقه جبران الى انه كثير الشكوك شديد الحرص على شخصيته، يخشى ان تمس بأقل ملاحظة او اشارة، وبقدر ما كان يكره النقد من اي نوع كان يستعذب المديح مهما كان ويفعل المستحيل للحصول عليه. اجل كانت مفاهيم جبران في الحياة والمجتمع والادب في غاية‌ التردي والانحلال وهو يجمع بين نظرية نيتشه في عبادة القوة ومعاداة المسيحية وبين عقيدة التناسخ والدعوة الى الكتابات المكشوفة والصور العارية، ويجمع الكتاب على ان اثر ينتشه في ادبه كان بعيد السوء، وان كتاب نيتشه «هكذا تكلم زرادشت» قد اثخن على جبران تلك المفاهيم المنحرفة التي نشرها. يقول نعيمة ما عرف جبران نيتشه حتى ينسى كل من عرفهم قبله من كبار الكتاب والشعراء وعلى قدر ما كان يطيب له ان يختلي به كان يلذ له في البدأ ان يحدث غيره عنه وان يهدي اصحابه ومعارفه اليه، حتى انه قال ان كتاب «هكذا تلكم زرادشت» في نظري اعظم ما عرفته كل العصور، وما استأنس جبران بزرادشت نيتشه حتى احسن بوحدة‌ اقصى من ذي قبل تكتنفه اينما سار وبغربة تفصله عن ماضيه الى حد انه صار يخجل امام نفسه من كل ما كتبه او صوره في ذلك الحين. والواقع انه تتمثل في ميخائيل نعيمة مطابقة بهذه المفاهيم او قريباً منها في خطوطها العامة‌ بيد ان نعيمة كان فيلسوف هذا الاتجاه ومنظره فقد كان كتابه الغربال رمزاً لهذا المفهوم الذي يسخر بالأدب العربي واللغة العربية والطراز العربي جميعاً. وقد اعترف نعيمة‌ بأن اسلوبه في بداية حياته لم يكن اسلوباً عربياً صرفاً بل كانت تطغى عليه القوالب الافرنجية الروحية بالاخص، ومن هنا كان تلك الاستهانة البالغة باللغة العربية ومحاولة اخراجها من موقعها الصحيح لغة أمّة ولغة فكر الى مفهوم اللغات التي يجري عليها ما يجري من التغيير والتحويل المستمر. وقد كانت مقالته نقيق الضفادع ممثلة لهذا المفهوم الذي يعلي من شأن العامية لان اللغة الفصحى قد دخلت في نظره في خطر التحجر، ويبدو ترابط العمل في هذا المخطط من خلال كلمة «فيليب حتي» استاذ التاريخ في الجامعة الامريكية في بيروت عام 1923 حين كتب الى نعيمة معلقاً على كلمة يقول: «انك حككت بها جرحي وترجمت عن فكري وعن عواطفي» واذا كان جبران قد تقمص النبوة في كتابه النبي فأن نعيمة قد تقمص شخصية شبيه هي مرداد الذي اثاره على الدعوة الى ما اسماه عقيدة التقمص جرياً وراء مفاهيم وفلسفات مغايرة للمفاهيم التوحيدية التي تأسس عليها الفكر والادب العربي. وقد سؤل نعيمة عن موقف هام في حياته فقال، ان هذا الموقف يوم عرف عقيدة التقمص، اما موقفه من العالمية والقومية فهو واضح اضافة الى ادخاله مفاهيم وثنية برهمية مجوسية، ومن هنا يبدو خطأ هذه الاراء ويبدو تباينها العميق مع قيم الفكر الاسلامي والانساني التي قام على اساسها الأدب العربي كما يتجلى اختلافها مع المزاج والقيم والعقائد الاسلامية، وهذه هي فلسفة مدرسة المهجر المنحرفة عن اصول الاديان والاخلاق والنظم الاجتماعية، اما الدعوة‌ الى ما يسمونه الامميه فإنها دعوة ضالة تريد ان تقضي على مقومات الأمة في أشد المواقف خطراً واقسى ما مر بها من ازمات اتجاه النفوذ الأجنبي والغزو الصهيوني ذلك انه ما يدعونه بالاممية او الانسانية انما تعني تقبل الانصهار في الحضارة الغربية والفكر العالمي وبذلك تضيع الشخصية الاصيلة للأمة وينمحي وجودها وكيانها الواضح الممتد في التاريخ خمسة عشر قرناً وهذا هو ما يعنيه نعيمة ودعاة مدرسة المهجر. معنى هذا ان المعاني التي رددها نعيمة وجبران لا تتفق مع ذاتية‌ الأدب العربي وانها مما يرفضه مزاج الأمة وان بلغ حماسهم له آخر مداه، وقد اثبتت هذه السنوات الطويلة التي تزيد على السبعين عاماً فشل هذه الدعوة‌ وانهيارها. ******* الأدب العربي المهجري -3 - 185 2008-10-06 00:00:00 2008-10-06 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4266 http://arabic.irib.ir/programs/item/4266 مقياس أصالة أي لون من ألوان الأدب هو إقترابه من مقومات الأمة وقيمها وإتصاله بذاتيتها ومزاجها النفسي، فما هو موقف الأدب المهجري العربي من هذه القاعدة؟ هل هو لون أصيل يمثل الأمة ويصدر عن نفسيتها ويعبر عن مشاعرها؟ والواقع إن أدباء المهجر الثلاثة الكبار جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني هم القادرون على الإجابة عن هذا السؤال!!! لقد اعتمد الأدب المهجري على عناصر ثلاثة هي: أولاً: الحملة العنيفة على اللغة والدين والمقومات الاسلامية في المجتمع. ثانياً: استمد المهجريون اسلوبهم في الشعر من الشعر المنثور الامريكي الذي يمثله وايت من، واستمدوا مفاهيمهم من نيتشه ولا ادريه. ثالثاً: الثورة على الألوهية والإفراط في الإباحة وإدخالها في مرحلة التقديس ومهاجمة القيم الاخلاقية في الحب والزواج. رابعاً: حاول المهجريون تغيير قيم الأدب العربي بإدخال اسلوب جديد مستغرب يصادم مفاهيم البلاغة. والحالم والمهوم الرمزي المغرق في العاطفة والخيال المضاد لطابع النفس المسلمة الجادة، ويمكن القول ان المدرسة المهجرية الشمالية كانت ثمرة من ثمار الإرساليات التبشيرية التي وردت لبنان وسيطرة على وجوه التعليم والثقافة فيه ثم كان لهذه الثمار اتصالها بالمدارس الغربية وخاصة مدينة‌ بوستن التي اتخذها المهجريون مقراً لهم وهي من قديم مقر الارساليات التبشيرية في الولايات المتحدة الامريكية، فلما صدرت عن ادبها الجديد تلقفته ايدي رعاة الغزو الثقافي وعملت على اذاعته والدعوة اليه بوصفه لوناً جديداً من ألوان الأدب العربي المتسم بالعنصرية والجرأة وذلك في مواجهة المدرسة العربية الأصيلة التي كان يقودها المنفلوطي وغيره من الأدباء. والواقع ان الأدب المهجري انما يوفي صرخة الغريب المهاجر المؤثر لقيم الغرب وفنونه وليس فيه طابع العربي المؤمن بوطنه وقيمه، كما اتسم الأدب المهجري بطابع القلق والتمرد والإنقلات من قواعد اللغة والمجتمع وبالتقليد المغرق للآداب الأجنبية والمتأثر بالحملة الأجنبية القائمة على الكناية والاستعارة والموسيقى والخيال والرومانسية ولعل اصدق ان ما يمثله الأدب المهجري ما كتبه جبران خليل جبران نفسه عام 1919 بعد أربعة عشر عاماً من بدأ كتاباته عام 1905، قال في خطاب الى اميل زيدان ان فكري لم يثمر غير الحصرم وشبكتي ما برحت مغمورة بالماء، ومن الحق ان يقال ان اسلوب جبران قد ظهر كثيراً من الشباب وسار سهريان النار في الهشيم ولكنه سرعان ما انطفأ وفقد أثره وذلك لمصادمته بقيم الأمة ‌ومعارضته لمنهجها وتضاربه مع مزاجها النفسي والاجتماعي، ذلك ان جبران كان إقليمياً مغرقاً في الإقليمية إباحياً مسرفاً في الإباحية، وقد حاول في الكثير من نظراته محاكاة مزامير داود ونشيد سليمان وسفر أيوب ومراثي أرمية وتخيلات اشعيا، على حد تعبير ميخائيل نعيمه عنه حيث كان اسلوب التوراة هو المثال الأدبي الأول الذي تأثر به فقد حفلت كتاباته بمجموعة من الصور والتعبيرات التي استقاها من الاسفار التوراتية فهو يقدم اشباه الجمل والظروف والاحوال ثم يمزج ذلك بفن والت وايت من الشاعر الامريكي. اشار كثير من مترجمي سيرة جبران الى انه بعد حرمان الكنيسة له وهو في العشرين من عمره اثر قصيدته التي هاجم بها الأديان اندفع في طريق احياء امجاد فينيقية وحضارة الكلدانيين، وقد جاهر جبران في خطاب له من بوستن عام 1920 لصديقه نخلة في هذا المعني فقال ان القوم يدعونني في سوريا كافراً والادباء في مصر ينتقدونني قائلين هذا عدو الشرائع القديمة والروابط والتقاليد، وهؤلاء الكتاب يا نخلة يقولون الحقيقة لأني بعد استفسار نفسي وجدتها تكره الشرائع. وفي مقال له تحدث جبران خليل جبران عن نفسه في قوله انا متطرف حتى الجنون اميل الى هدم ميلي الى البناء، وفي قلبي كره لما يقدسه الناس وحب لما يأبهونه ولو كان بأمكاني استئصال عوائد البشر وعقائدهم وتقاليدهم لما ترددت لحظة، اما قول بعضهم ان كتاباتي سم في دسم فكلامي يبين الحقيقة من وراء نقاب كثيف، الحقيقة العارية هي لأنني لأمزج السم بالدسم بل اسكبه صرفاً غير اني اسكبه في رؤوس نظيفة شفافة. اجل هذه الاعترافات الجبرانية تكشف بوضوح عن طابع غريب عن الأدب العربي وقيمه ومزاجه النفسي، طابع دخيل مسرف بالتحدي والتشريه، وهو في الأغلب ليس طابعاً للنفس المنحرفة التي حملها جبران ولكنه طابع الغزو الثقافي الذي يرفع جبران ويرسم من وراء ذلك اهدافاً وغايات، ومع ذلك فقد سقط أدب جبران ولم يحقق النتائج التي عول عليها دعاة التغريب. واذا رجعنا الى‌ حياة جبران نفسه لوجدنا تفسيراً واضحاً لإتجاهاته الأدبية وقد عرض لهذه الحياة اصدق اصدقاءه ميخائيل نعيمة في كتابه عنه، كما افاض في ذلك كل الذين أرّخوا لحياته، كان ابوه ميالاً الى حياة اللهو والشراب سكيراً مرحاً وكانت امه مريضة واخواته كن مرضى بنفس المرض الخبيث وانه بدأ حياته بقراءات بسيطة فحفظ مزامير داوود ولم يستطب قواعد العربية من صرف ونحو ثم قصد الى بوستن عام 1895 دفعاً لشقاء العيش وضيق ذات اليد مع اخيه واختيه بطرس وماريانا وسلطانه حيث تعلم الانجليزية ولم يكن يعرف من العربية غير حروف الهجاء ولم يلبث الا ان عاد الى بيروت للتزود من اللغة العربية، ثم توجه جبران الى الاساطير المايثولوجيا وكانت التوراة في ترجمتها العربية هي المكون الاول لاسلوبه الكتابي، وكانت التوراة قد ترجمت باللغة العامية فلما التزم بها المهجريون لم يستطيعوا اعطاء الاسلوب العربي حقه في البلاغة ومن أجل قصورهم هذا هاجموا الاسلوب البليغ وكان مفهوم جبران بعيداً عن الوطنية قريباً الى الولاء الأجنبي فقد كان يؤمن بضرورة دولة منتدبة ينتمي إليها لبنان وسوريا ويرى ان تتولى فرنسا تكوين هذه الدولة ولم يشعر بالراحة إلا بعد اعلان الإنتداب الفرنسي وكان قد اجرى اتصالات مع كثيرين في سبيل تشجيع فرنسا على الإنتداب في لبنان، وكان جبران مريضاً تزاحمت عليه الأمراض منذ وقت مبكر وحملت رسائله صراخاً عالياً لما داهمه من الامراض، القلب يسارع في الوجيع، وتسمم في المعدة، داء النقرس، الانفاس تنفتق بها الرئتان، ان مثل هذه الشخصية بتلك الوراثيات والتكوين الاجتماعي هي شخصية مهزوزة مريضة عقلياً واجتماعياً وجسدياً ولا تصلح لتكوينها عقائدها ان تأخذ مكان الصدارة او التوجيه، ومن اهتزاز شخصية جبران انه كان يدعي انه حاز شهادات عالية من فرنسا وانجلترا في حين لم ينل شيئاً من هذا، وكان يخجل من ان يكون مولده في بلدة بشر الصغيرة في بلد صغير هو لبنان وقد ذكر مرة لنسيب عريضة انه ولد في بمبي في الهند، هذه مستمعي الكريم اشارات عن دوافع التغريب التي ظهرت في شخصية جبران خليل جبران نواصل الحديث عنها ان شاء الله في حلقة قادمة من البرنامج. ******* الأدب العربي المهجري -2 - 184 2008-10-04 00:00:00 2008-10-04 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4265 http://arabic.irib.ir/programs/item/4265 في تضعيف حملة الغزو الثقافي على الادب العربي حاول طه حسين ومن قلده من اتباع المبشرين والمستشرقين، حاول اقامة نظرية مستمدة من مذهب النقد الغربي الوافد قوامها تأثر الادب العربي بالادب اليوناني. وقد تصدى كثيرون لمعارضته واحقاق الحق في هذا الامر، الدكتور زكي مبارك يشير الى ان الدكتور طه قد ساير الباحثين الاوربيين في القول بأن الثقافة اليونانية هي مصدر الثقافة الانسانية وان الناس في الشرق والغرب في جميع الاجيال مدينون لثقافة‌ اليونان وان مرد ذلك في نظره انه قرأ كتباً ترى هذا الرأي ثم قال: ولو انه تريث لعرف ان هناك كتباً اجدر بالتلخيص من تلك الكتب. الدكتور زكي مبارك اعاد الى الاذهان ما ردده طه حسين في كتابه مستقبل الثقافة حين قال ان عقلية مصر عقلية يونانية وانها لا بد ان تعود مصر الى احتضان فلسفة اليونان وقال زكي مبارك في معارض الرد ان الافضل ان يعترف الدكتور طه بأن الفلسفة اليونانية منقولة عن الفلسفة المصرية القديمة، ويتسائل زكي مبارك أفي الحق ان العقل الانساني لم ينضج الا في القرن الرابع قبل المسيح؟ وقال: ان العقل الانساني تقبح قبل الوثنية اليونانية بأزمان وازمان، وقال ان اليونان بعد ظهور الاسلام لم تستطع ان تكون امة تسيطر على الشرق والغرب، وهي قد جهلت تاريخها القديم وجهلت مباديء فلاسفتها القدماء، وجهلت ايضاً لغة سقراط فلم يعد مجدها رهيناً الا بتعصب انصارها من الاوروبيين، اما مصر فقد وقفت وقفة ابية في رد الحروب الصليبية. ثم وجه النقد الى طه حسين لانه اطنب حين تحدث عن قادة الفكر في العصر اليوناني ثم اوجز ايجازاً مخلاً حين تحدث عن قادة الفكر في العصر الاسلامي ويرد السبب في الايجاز والاطناب الى الكتب التي كانت بين يديه وهو يؤلف كتاب قادة الفكر واهمها كتاب اليوم روديان في تاريخ الفكر اليوناني. ويقول الدكتور مبارك: لو كانت الاقدار قضت بأن يظهر كتاب يؤرخ الفكر الاسلامي عند العرب لكان من المؤكد ان يصول الدكتور طه صولة القادر على شرح ما قامت به العرب من رفع القواعد من الحضارة الاسلامية ومعنى هذا ان زكي مبارك يصف طه حسين بالنقل المباشر من كتب المستشرقين، اما حين لا يجد فأنه يتعثر. والواقع ان طه حسين لم يكن ليفعل حتى وجدت كتب الغربيين عن الحضارة الاسلامية وهي كثيرة من امثال ما كتب توماس كرليل وغوستا ولوفون وقد اغضى عن هذه الكتب عملياً‌ لأن مثل هذه الكتب لا ترضي سادته المستشرقين، ويعترض مبارك على ما اورده طه حسين حين قرر ان الاسكندر غرس الفكر اليوناني في الهند، ويقول مع ان الاسكندر لم يلمى بالهند الا المامة الطيف فما عساها يقول اي طه حسين لو تذكر ان الفكر الاسلامي تغلغل في ارجاء الهند وما يزال يتغلغل حتى الان، واشار زكي مبارك الى ان طه حسين في نوفمر عام 1919 حين وقف ثروت باشا يفتتح محاضرات الجامعة المصرية ويقدم طه حين الى الجمهور وهو مصر على هذا المنهج في اعلاء شأن اليونان وانه قال في ذلك اليوم البعيد انه عزم على احياء التراث اليوناني لانه يؤمن ايماناً جازماً بأن مرجع الفكر في الشرق والغرب من القدماء من مفكري اليونان وانه مازال في اصراره على هذا القول واثباته في الكتاب المقرر لمسابقة الادب العربي وكان قبل ذلك مقرراً للمطالعة في المدارس الثانوية، وتعرض زكي مبارك لما قاله طه حسين في فصل عنوانه «بين الشرق والغرب» حين اراد ان يجعل القيمة العقلية من حظ الغرب وان يجعل البوارق الخيالية من حظ الشرق وانتهى هذا المتغرب التالف الى ان الغرب وطن الفلاسفة واما الشرق وطن الانبياء وهو يحاول ان يقرر ان قوة‌ الغرب ترجع الى انه وطن الفلاسفة وان ضعف الشرق يرجع الى انه وطن الانبياء، وفي هذا السياق يشير زكي مبارك الى الفرق بين الفيلسوف والنبي فالفيلسوف هو رجل محب للحكمة ولكنه في اكثر اقواله يؤثر السلام وقد يركن الى الخمول ومعنى هذا ان الفلاسفة لم يكن لهم فاعلية بدليل انهم عاشوا في عزلة عن المجتمع، وعنده ان سقراط وهو ابوالفلاسفة لم يسلم عقله من الخضوع لمعبد ابولون وكان حاله عند الحكم عليه غاية في سوء المصير، فقد ظهر انه لن يستطيع ايجاد فئة تحميه من القتل ولم يكن تلاميذه والمقربون اليه الا انصاراً لا يجيدون غير البكاء، اما الرسول فهو رجل مجاهد يرى من واجبه ان يستقتل في هداية المجتمع وان يرحب بالموت في سبيل الجهاد، وقد نجح الانبياء والمرسلون في هداية‌ الشرق والغرب واليهم يرجع الفضل في اقامة الدعائم للحضارة الانسانية وهل من القليل ان يستطيع ثلاثة من الانبياء‌ والمرسلين ان يهيمنوا بالروح والفكر والعقل على الكثير من اقطار الشرق والغرب بأضعاف اضعاف ما هيمن سقراط وافلاطون وارسطو واطاليس، وخلص مبارك الى القول بأن محمداً هو القائد الاول للفكر الانساني لا سواه. ويواصل زكي مبارك كشفه عن مظاهر سقوط طه حسين في احضان التغريب والاستشراق المعادي لمعتقدات الأمة فيقول الدكتور مبارك ان الدكتور طه حسين اراد ان يغض من العقلية الشرقية بحجة انها خضعت للكهان والانبياء‌ والظاهر ان الدكتور طه يتوهم ان الكهانة ظاهرة شرقية لا غربية ويشهد طه بأن سقراط قد استلهم الكهان مع انه في زعمه محرر العقل الانساني من اغلال الاضاليل ثم قال الدكتور زكي مبارك واقول بعبارة صريحة ان الكهانة لم تعد مهنة مقدسة الا في عهود الوثنية اليونانية فقد كانت لها معابد وسدنة وامناء‌ وكان المصير لكل معضلة فردية او وطنية رهيناً برأي الصوت المتنكر في زوايا الظلام المنشور فوق معابد اليونان، اما كهان الشرق فكان مركزهم في المجتمع ايسر واخف لان الشرق سبق الغرب الى استيحاء العقل، وقال مبارك ان النبوات في الشرق لها في عنق الانسانية ديوناً يراها الحاضر ويذكرها التاريخ. واخيراً فقد نبه الدكتور زكي مبارك الى ان هناك دعوة‌ فكرية هي من اهم الدعوات في تاريخ الغرب تلك هي دعوة مارتين لوثر، ولكن طه حسين لم يشر اليها فلماذا اغفل ذكر هذا الاستاذ المتغرب؟ الواقع ان دعوة لوثر كانت خطوة ‌جرئية في تحرير المسيحية من العبودية والرهبانية فما مصدر تلك الدعوة؟ مصدرها اسلامي ولوثر قد تأثر بجانب من مفاهيم الاسلام حتى غدا قوة فكرية عظيمة ولم يحظر على بال طه حسين ان يذكره وهو يتحدث عن قادة الفكر لانه لم يؤخذ الفكر عن اليونان مع ان مارتن لوثر قد اثر في الاخلاق الاوروبية تأثيراً لا يقاس به تأثير سقراط وافلاطون. ****** الأدب العربي المهجري -1 - 183 2008-09-28 00:00:00 2008-09-28 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4264 http://arabic.irib.ir/programs/item/4264 حرص النفوذ الأجنبي والغزو الفكري على ترجمة نصوص الأدب الاغريقي لإغراق الأدب العربي الحديث في هذه النصوص الوثنية الأساطيرية وذلك من اجل خلع هذا الأدب عن جذوره الاسلامية القرآنية وانفتاحه من ثم على الأدب الغربي الحديث الذي يستند في الاساس على الأدب الاغريقي الدقيم، وقد تطوع لخدمة هذا الاتجاه التغريبي عدد من الدارسين في معاهد الغرب والمتربين في مدارس الارساليات التبشيرية، وكان في مقدمة هؤلاء المتغربين فكراً وروحاً طه حسين الذي منحوه لقب عميد الأدب العربي وراح يبشر بأفكاره من خلال تدريسه في الجامعة المصرية وفي ما يكتب ويؤلف ثم ظهر عدد كبير من الدعاة في بيروت ومصر في مقدمتهم صفر خفاجة مظهر ولطفي السيد وسلامة موسى وتوفيق الحكيم ولويس عوض وغنيمة هلال والدكتور غلاب وغفلوا عن الخطر الآخرون واشادوا بأفلاطون وارسطو دون ان يفقهوا ما يرددونه ويعرفوا ابعاد القضية فيما يتعلق بإتصال الفكر الاسلامي والأدب العربي بالفكر اليوناني. لقد حمل طه حسين لواء ترجمة الأدب الاغريقي والتعريف به على اكثر من اتجاه وكان قد عاد من فرنسا حين عين استاذاً من الجامعة المصرية لتدريس التاريخ اليوناني والروماني منذ عام 1920 حتى عام 1926 حيث انتقل الى تدريس الادب العربي القديم في فترته الاولى‌ عني طه حسين ما اسماه صحائف مختارة من الشعر التمثيلي عند اليونان وكتب تلك الفصول التي اسماها قادة الفكر ليوهم الناس ان قادة ‌الفكر والحضارة في العالم ليسوا إلا ارسطو وافلاطون وسقراط، وفي هذا توجيه خطير لشباب الأمة حين يلقي بتصورهم ان هؤلاء اليونانيين هم وحدهم القادة للفكر العالمي وفي هذا من الخداع والمكر والتضليل ما لا خفاء فيه، ومن خلال منهج طه حسين وأباطيله ظهرت دراسات وابحاث مؤيدة من قبل عدد من الدارسين وجاءت ترجمة كتب ارسطو لتقوي هذا الاتجاه وظهر من حاول ان يرد البلاغة العربية الى اصول يونانية‌ مزعومة وذلك في محاولة‌ خبيثة لربط الأدب العربي الحديث بالادب الغربي قديمه وحديثه وفصله عن جذوره من القرآن الكريم والفكر الاسلامي والأدب العربي الاصيل. الواقع ان الأباطيل التي اثارها منهج النقد الغربي الدخيل لم تقوى على ان تعمر طويلاً فسرعان ما انكشف زيفها بأسرع ما كان يظن اصحابها ذلك ان كثيراً من الأدباء الذين سيروا هذا المنهج قد دهشوا عندما تعرت امامهم الحقائق فعادوا الى الصواب وآمنوا بالفواصل الاساسية الكبيرة التي تفصل الأدب العربي عن الأدب اليوناني بالذاتية والنفسية والجانب الاجتماعي والديني وقد كشفت بحوث عبد العزيز محمد الزكي ومحمد مفيد الشوباشي وزكي مبارك ومحمد غلاب عن مدى فساد هذا المنهج وعن عجزه مع العلم انهم من الذين جروا اشواطاً مع منهج النقد الغربي الوافد وخدموه مدة من حياتهم. اهتم محمد مفيد الشوباشي بمسألة القصص اليونانية التي ترجمت الى العربية وذكر ما تتضمنه من معاني الغدر والقتل والاباحة التي هي موضع تقدير الدكتور طه حسين، واوردت الشوباشي مثلاً في ذلك قصة الكتيرا المرتكزة على الخيانة الزوجية والقتل والتآمر والغرق في مستنقع الرذيلة باعتباره آية من آيات الادب الاغريقي، كما اورد مثلاً آخر في قصة اوديب ملكاً التي ترجمها طه حسين وتتجلى فيها معاني الانحراف والاباحية الدنسة والعلاقة‌ المحرمة بين الأم بعد قتل الاب، وقد قال طه حسين عن هذه القصة انها منبع الاداب العالمية بأعتبارها آية فنية لا تصل الى مستواها قصص العصر الحاضر. الواقع ان القصة ‌الاغريقية اذا صح انها حسنة الشكل فهي ليست حسنة المضامين ومع هذا فحسن شكلها موضع اختلاف وجدل كثير فقد نص الكثيرون من النقاد الى ان بناءها الفني مهلهل، والافكار التي تتضمها بدائية ساذجة وان حوارها مفتعل واسلوبها اجوف، اضافة الى هذا فأن اغلب القصص الاغريقية يطرق موضوعات شاذه وغير انسانية فتعكس حياة شعب غمست المعتقدات الوثنية عقله وحجزته عن الحقائق الواقعية واضعفت فيه العواطف الانسانية النبيلة واستثارت به الفلظة والميل الى الشر وله في ذلك العذر، فآلهة الاغريق في الاغلب فاسدة تميل الى الانتقام فإذا عمل لها ان تنصف مظلوماً او ترحم ملهوفاً اشترطت في ذلك شروطاً تجرد رحتمها وانصافها من اية كلمة‌ انسانية، وهي لا تنكل بعبادها فحسب ولكن بعضها ينكل ببعض ويفتك به، وليست المقادير رهينة التي يقع الناس في حبائلها ولا يستطيع منها خلاصاً الا من تدبير هذه الآلهة، وقد قيل ان الوثنيين الاغريقيين هطلوا على صور الهتهم والاصح ان يقال انهم اتبعوا الهتهم على صورتهم. ان شعر الاغريق الملحمي ايها المنصف نقول يصور عالماً وهمياً ويصف آلهته وعمالقته فرساناً يتميزون بقدرات غير آدمية ويحققون الخوارق وينساقون وراء شهوات واطماع واحقاد وحشية، ويأنفون ان تغلب عليهم الرحمة او يمس قلوبهم حب او حنان، ويرتكبون في سبيل تحقيق غاياتهم آثاماً تتقزر منها النفوس وهم لا يعتدون على الاحياء فحسب بل يمثلون بالجثث ايضاً، والمرأة قاتلة كالرجل وهناك امرأة تشترك مع عشيقها لقتل زوجها والتنكيل بأبناءها وهناك اخرى تحرض اخاها على قتل امه فيقتلها فعلاً وهناك اخرى تتزوج بأبنها وغير هذا وذاك فالمرأة الاغريقية تتصف بالغدر في اغلب مآسي الاغريق وتستسلم للرذيلة دون اية مقاومة وترتكب ابشع الجرائم مدفوعة بأخطر النزوات، فها هي دي هيلينا تخون زوجها في قصة تروادة وتهرب مع حبيبها بلا ادنى تردد او شعور بتأنيب الضمير وتتسبب بحرب ابادة شعوباً ودمرت بلاداً عن آخرها. اجل ان النشاط المبذول لإحياء الأدب الغربي العتيق والتعلق به ليس إلا وليد تيار رجعي متخلف وليست مذاهب التريالية والوجودية واللامعقول إلا محاولة لبعث ألوان جديدة من ذلك الأدب الأثري الوهمي الذي تخطى الانسان المتحضر المستنير مرحلته منذ عهد بعيد. ****** من أسرار إدخال الادب الاغريقي في الادب العربي -3 - 182 2008-09-24 00:00:00 2008-09-24 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4263 http://arabic.irib.ir/programs/item/4263 اهتم مذهب النقد الأدبي الغربي الذي غزا الأدب العربي الحديث اهتم اهتماماً كبيراً بالأدب اليوناني وكان هذا عاملاً مقصوداً مخططاً له في عملية تغريب الأدب العربي وفصله عن جذوره القرآنية والاسلامية عامة وليزيد مسافة التباعد بين هذا الأدب واصوله الاصيلة، من هنا ركز التغريبيون على الادب اليوناني تركيزاً كبيراً وعهد الى الدكتور طه حسين ليكون كبير حملة دعوة التغريب واشدهم صلافة وهكذا ظهر عدد كبير من هؤلاء المنسلخين عن اصالتهم في بيروت وفي مصر وقد حرص النفوذ الأجنبي والغزو الثقافي ان يعني عناية شديدة بترجمة الأدب اليوناني واغراق الأدب العربي به وظلت كتابات طه حسين تحمل هذا المفهوم في كل ما كتب بصيغة افتتان باليونان والرومان ومبالغة في تصويرهم على انهم اساتذة العالم وحاملوا مشعل التمدن للشعوب كافة. ومن خلال منهج طه حسين واراءه انبعثت نظريات ودراسات وجرى في هذا الاتجاه عدد من الباحثين فنجد احمد امين يقول مثلاً ان الوثنية العربية وثنية ارضية وضيعة وان وثنية اليونان سماوية رفيع ثم جاءت مترجمات لطفي السيد لمؤلفات ارسطو في السياسة والاخلاق على هذا الاتجاه الذي اخذ ينمو ويمتد وحاول ان يمنح الأدب اليوناني الذي هو اساس الادب الحديث في الغرب لوناً من القداسة والمقام الرفيع وهكذا ترددت اسماء ارسطو وافلاطون وفرجيل وسواهم على انهم اعلام عظام لا يرقى اليهم احد، ثم جاءت محاولات امين الخولي التغريبية في مجال البلاغة والأدب ومحاولات الدكتور محمد غلاف في الادب الهيليني ثم ترجمات المسرحيات والقصص اليونانية وملحمة الاوديسا والالياذة اليونانية، ان طه حسين وغيره من دعاة الاغريقية انما يهدفون في شتى نواحي الفكر والثقافة والأدب الى الادعاء بأن الأدب اليوناني هو الذي خلق الفكر العربي الحديث ومن هنا فليس هناك ما يمنع من ان يتأثر الفكر العربي الحديث بالفكر الغربي من حيث انهما قد التقيا من قبل وهذا نوع من التنظيم الماكر الذي مارسته مدرسة التغريب في العصر الحديث. ان الشبهات التي اثارها منهج النقد الغربي الدخيل لم تستطع الثبات كثيراً فقد كانت باطلة اساساً ولم يلبث الحق ان غلبها وهزمها مدة اقل كثيراً مما كان يتوقع دعاة التغريب والواقع ان كثيراً من الادباء الذين سيروا هذا المنهج قد دهشوا عندما انكشفت امامهم الحقائق فتحرروا منه وعادوا الى الحق، عادوا الى الايمان بأن الأدب العربي والأدب اليوناني بوماً شاسعاً وذلك من خلال جوانب كثيرة اهمها الفوارق الذاتية والنفسية والاجتماعية، وقد كشفت الابحاث التي قام بها عبد العزيز محمد الزكي ومفيد الشوباشي وزكي مبارك ومحمد غلاب ممن جروا اشواطاً مع منهج النقد الغربي الوافد كشفت ابحاثهم عن مدى فساد هذا المنهج وعجزه عن ان يكون صالحاً للتطبيق في مجال الادب العربي، كما قدموا الدلائل التي لا تقبل النقض في ان هناك استحالة في الالتقاء بين الادبين العربي الاسلامي واليوناني الاغريقي. اما محمد مفيد الشوباشي فهو يعلن صراحة ذلك الخطأ الذي جرهم إليه طه حسين في محاولته تصوير الأدب الاغريقي بأنه أدب عالمي يسبق الأدب العربي ويتصدر الأدب الانساني، في هذا المجال يقول الشوباشي الذي افاق من غفلته «ليس من عجب ان يتعصب العنصريون الاوروبيون لقارتهم فيزعموا ان الأدب الاغريق وفنه هو المنبع الاول والاخير للآداب والفنون جميعاً وقد لا نعجب اذا انخدع ناس منا بهذه الاكذوبة ايام كنا نتلقى ابجدية العلوم والفنون من اولئك العنصريين ونتوهم فيهم صدق العلماء ولكن العجب ان يظل بعضنا بعد اتساع آفاق معارفنا مخدوعاً بأراجيف المغرضين وان يواصل ترديد اقواله بلا وعي ولا تدبر، والعجب ايضاً ان يحفظ ذلك في نفس الوقت الذي ينتصف فيه لحق العرب والمسلمين المهدور احرار شرفاء من مفكري اوروبا ويعترفون ان النهضة الاوروبية الحديثة لن تتحقق الا بعد ان تألق لألاء الأدب العربي في سماء اوروبا واخرجها من عصر الاساطير» وقد اشار مفيد الشوباشي الى‌ قصة اليكترا وقصة اوديب ملكاً وهما من قمم هذا الادب اليوناني وعجب كيف ان هذه القصص التي لا تحوي الا الغدر والقتل والاباحة هي موضع تقدير للدكتور طه حسين واعجابه الشديد، في قصة اليكترا تعبث كلينترا بقدسية‌ روابط الزوجية وتتخذ لها عشيقاً في غيبة زوجها ارخميل الذي رحل على رأس الجيوش الاغريقية لغزو تزواده ولم تكتفي بأرتكاب هذه المعصية البشعة بل اقدمت على جريمة اشد كفراً مدفوعة بشهوتها البهيمية فقتلت زوجها البطل غدراً بالاشتراك مع عشيقها في اثناء حفل اقيم لتكريمه بمناسبة عودته من حرب تروادة ظافراً، وكان لهذه القاتلة ‌ابنة تدعى اليكترا وطفل يدعى اورونت وقد خشيت الاخت ان تقدم امها على قتل ابنها الطفل ايضاً حتى تتحاشي انتقامه منها بعد ان يشتد ساعده فهيات اخته سبيل فراره مع مربيته وعاش اورونت بعيداً عن وطنه دون ان يعلم شيئاً عن جريمة امه ثم عاد الى مسقط رأسه بعد ان بلغ اشده وتلقفته اخته اليكترا التي قضت السنوات الطوال منطوية على اضغانها واطلعته على السر الرهيب وطلبت اليه ان يقتل امهما اخذاً بثأر ابيه، وما زالت تولول وتدفع اخاها الى الجريمة حتى لوث يديه بسفك دم امه، اجل هذه قصة اليكترا التي تعد من آيات الادب الاغريقي ودرجة تقديرها ترجع الى اشد مآسي الالياذة والاوديسا اتصافاً بالوحشية ومن هنا ظفرت بالنصيب الاوفر من اعجاب كبار كتاب الاغريق فراح كل منهم يصوغها في مسرحية جديدة مقتصراً على تحوير بعض حواشيها دون موضوعها الاصلي حتى قاربت المسرحيات التي تتناول نفس القصة الثلاثين مسرحية. اما القصة ‌الاخرى التي تعد من مفاخر الادب اليوناني والتي ترجمها طه حسين نفسه فهي قصة اوديب ملكاً وتتلحض هذه القصة في ان اوديب قتل اباه وتزوج امه وان ابناءه هم اخوته لامه، فأقتص من نفسه وفقأ عينيه بيده ونفى نفسه عن المدينة وقتلت امه نفسها خنقاً، وقد ادى الدكتور طه حسين اعجابه الشديد بهذه القصة وامثالها من قصص الملاحم الاغريقية وقال انها منبع الآداب العالمية بأعتبارها فناً رفيعاً ‌لا تطاوله قصص العصر الحاضر فهل كان الواقع كذلك ولماذا يبالغ امثال هذ المنسلخ عن هويته كل هذه المبالغة في تمجيد ادب همجي فاسد كالأدب اليوناني، لنا لقاء قادم ان شاء الله نتعرف فيه على ‌طرف من حقيقة منهج التغريب. ******* من أسرار إدخال الادب الاغريقي في الادب العربي -1 - 181 2008-09-13 00:00:00 2008-09-13 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4262 http://arabic.irib.ir/programs/item/4262 حيث الحديث عن مخططات التغريب للأدب العربي، حيث كان من ضمن هذه المخططات اغراقه بالأدب الإغريقي أي الهيليني واليوناني وكان الهدف ربط الأدب العربي بهذا اللون الغريب وفصله عن جذوره الأصيلة، من هنا ركز التغريبيون على هذا الأدب تركيزاً شديداً وتخصص فيه كبيرهم وأهم زعماءهم طه حسين ونابعه في ذلك عدد من الكتاب والمدرسين والمتأدبين في مصر وبيروت، وقد ترجمت في اوائل هذا القرن الالياذة والاوديسا وهاتان الملحمتان اليونانيتان الى جوار ضعفها في معانيها وحكمها بالقياس الى الأدب العربي محشوتان بالخرافات الوثنية الباطلة وظلت كتابات طه حسين تحمل الافتتان باليونان والرومان وتبالغ في تصويرهم على انهم اساتذة العالم وممثلو الشعوب وتسند كل صغيرة وكبيرة من عناصر المدنية القديمة اليهم. بل ان طه حسين حين اراد ان يكتب حول تاريخ الاسلام كتابه على هامش السيرة لم يستطع إلا أن يذكر اليونان والأوديسا وهو في قلب هذا الكتاب يعرض لآلهة اليونان أبولو والمريخ واردميس واثينا ويتحدث عن الوثنية اليونانية وارتباطها باليهودية والنصرانية، وفي كتابه صحف مختارة من الشعر التمثيلي عند اليونانيون يتحدث عن تاريخ اليونان ونشأة فن التمثيل، وفي كتابه نظام الاثينيين دافع طه حسين عن موقف ارسطو من العبودية والرق. ومن خلال منهج طه حسين واراءه ظهرت نظرات وابحاث ودراسات وجرى في هذا الاتجاه عدد من الباحثين المؤيدين فمثلاً يقول احمد امين ان الوثنية العربية وثنية ارضية وضيعة وان الوثنية اليونانية سماوية رفيعة، ثم جاءت مترجمات لطفي السيد لكتب ارسطو، الاخلاق والسياسة على هذا الاتجاه الذي نما وسيطر وحاول اعطاء الأدب اليوناني الذي هو اساس الأدب الغربي الحديث نوعاً من القداسة والاعلاء البعيد المدى وهكذا ترددت اسماء ارسطو وافلاطون وفرجيل وغيرهم على انهم اعلام لا يرتقي الى مكانهم احد من اعلام الأدب العربي، ثم اصدر الدكتور محمد غلاب الذي هاجم مفاهيم طه حسين عن اليونان عام 1933 في مجلة النهضة الفكرية موسوعة في اربعة اجزاء عن الأدب الهيليني واهداها الى طه حسين بوصفه المسؤول الاول في مصر والعالم العربي عن الأدب اليوناني والأدب الفرنسي ايضاً، وحاول طه حسين ان يدعي دعوى عريضة ظهر بطلانها من بعد، بأن قواعد البلاغة العربية إنما أسست على ما وضع ارسطو ونقله العرب عن اليونان. وقد اتصل بهذا ما قام به امين الخولي في محاولة فرض مفاهيم اليونان على البلاغة العربية واتهام الادب العربي بأنه لم يكن شيئاً قبل الاتصال باليونان وغالت مدرسة منهج النقد الغربي في الآثار والمترجمات اليونانية وتردد اسم ارسطو على انه هو معلم العرب الاول وانه ليس معلمه في الفلسفة فحسب بل معلمه في البيان والبلاغة ايضاً، في نفس الوقت كانت مدرسة منهج النقد الغربي الوافد تركز على الادب اليوناني ونقول انه لا سبيل الى فهم الأدب الغربي الحديث واعلامه مثل كورني وراسيل وميلتن وغوته الا بدراسته، وفي حين يقال هذا بالنسبة الى الادب اليوناني يتعرض الادب العربي الاسلامي للنقد الصارخ والسخرية العجيبة والانتقاص البالغ وذلك في محاولة تغريبية معادية لعزله عن الأدب العربي الحديث وايجاد هوة‌ واسعة بينهما وربط هذا الأدب العربي الحديث بالأدب الغربي قديمه وحديثه وفصله عن جذوره من القرآن الكريم والفكر الاسلامي والادب العربي الأصيل، ثم جرت بعد ذلك رياح كثيرة تحمل مترجمات من الأدب اليوناني وبحثت قضية المرحية اليونانية ولماذا لم يكن لدى العرب مسرح وملحمة وقصة وراحوا يثيرون الشتائم ويلصقون النقائص بالادب العربي القديم ويمجدون أدب اليوناني الوثني. لقد حاول دعاة مذهب النقد الغربي اثارة‌ اتهام باطل لا محل له يرمي الى انتقاص الأدب العربي لخلوه من المسرح والدراما والملاحم غافلين عن ان لكل أدب فنونه التي تشكله وطبيعته وبيئته وانه ليس من الضروري وصف الأدب العربي بالنبوغ او البراعة ان يكون مماثلاً للأدب اليوناني او الأدب الغربي في كل فنونه، لقد كان الشعر هو ديوان العرب في الجاهلية فلما جاء الاسلام شكل لهذه الأمة مثلاً اعلى استمد اسلوبه ومنهجه من القرآن الكريم وقام على التوحيد الواضح الصريح في العبارة والاداء وجاءت القصة القرآنية على ذلك النحو الذي عرف عنها بعيدة عن الرموز والغموض والتفاصيل وبعيدة عن الكذب الفني والحيلة والتحوير الذي عرفته القصة اليونانية الغربية، من اجل هذا كان الأدب العربي في غير ما حاجة الى المسرح الذي هو وليد المعبد الوثني والكنيسة المسيحية والذي ظهر عند الاغريق اصلاً في اعياد باخوس اله الخمر ثم استعانة الكنيسة بعد انتشار المسيحية في كنائس روما وباريس اثناء القرون الوسطى لعرض فكرتها التي تقول بصلب المسيح (عليه السلام) وآلام الشهداء. اما المستشرقون فأنهم ماركزوا اهتمامهم وعنايتهم على شيء في دراساتهم للأدب او الفقه او التشريع او النحو والبلاغة او الفلسفة والتوحيد والكلام إلا وكان هدفهم الاساس هو الإدعاء بأن كل ما في الفكر الاسلامي والأدب العربي هو من منطلقات الجودة والقوة إنما جاء ‌نتيجة لإتصالهم باليونان بل انهم ليقولون زوراً وباطلاً بأن التراث اليوناني هو الذي اعطى الفكر الاسلامي والأدب العربي هذه الجودة وهذه القوة، وهذا من باطل القول ومن البهتان الصريح الذي لا يخفي عن كل من يعرف كيف دارت المعركة بين الفكر الاسلامي والفكر اليوناني سنوات وسنوات حتى استطاع الفكر الاسلامي ان يحرر نفسه من آثار هذه الفلسفات الوثنية وان يكشف عن اصالته وقوته التي استمدها من القرآن الكريم والاحاديث المعصومة، ان طه حسين واضرابه من دعاة الاغريقية يحاولون مثل هذه المحاولة في مختلف نواحي الفكر والثقافة والادب مستهدفين غاية خطيرة هي الادعاء بأن الادب اليوناني هو الذي خلق الفكر العربي الحديث وهو الذي اثر في الفكر الاسلامي ومن هنا فليس ثمة ما يمنع ان يتأثر الفكر العربي الحديث بالفكر اليوناني من حيث انهما التقيا من قبل وهذا شبهة مضللة موهمه قد بينا زيفها في لقاءات سابقة من البرنامج وقد نشير اليها ان شاء الله في ما نعرضه في المستقبل. ******* تغريب الأدب العربي!! - 180 2008-09-07 00:00:00 2008-09-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4261 http://arabic.irib.ir/programs/item/4261 اشتدت الهجمة التغريبية في النصف الاول من القرن العشرين من خلال التخطيط لغزو الادب العربي والدراسات الادبية الجديدة وكان مذهب النقد الغربي الوافد قد اولى اهتمام كبير بالادب الاغريقي الهيليني او اليوناني، وكان ذلك عملاً محسوباً في مخططات تغريب الادب العربي وفصله عن جذوره الأصيلة وادخال مفاهيم غربية اليه، ولما كانت غزوة الادب الاوروبي الغربي الحديث هي العمل الاساس فقد كانت غزوة الادب الاغريقي عملاً مكملاً وعنصراً اخراً يزيد من مسافة التباعد عن اصول الادب العربي نفسها، من هنا ركز التغريبيون على هذا الادب تركيزاً شديداً وتخصص فيه كبيرهم وحامل لواءه والداعي اليه باصرار وموالاة دون توقف طه حسين ثم ظهر عدد كبير من الدعاة في بيروت ومصر وفي مقدمتهم صفر خفاجة واسماعيل مظهر ولطفي السيد وسلامه موسى وتوفيق الحكيم ولويس عوض وغنيمة هلال والدكتور غلاب اخيراً، وغفل عن الخطر كتاب آخرون اشادوا بأفلاطون وارسطو دون ان يفقهوا ما يرددونه ولم يعرفوا ابعاد القضية اساساً فيما يتعلق بإتصال الفكر الاسلامي والثقافة العربية بالفكر اليوناني. لقد حاول هؤلاء الدعاة ان يتخذوا من قضية الفكر اليوناني مع الفكر الاسلامي القديم حجة لهم ووسيلة الى تبرير اعمالهم في اغراق الادب العربي المعاصر بالآثار اليونانية ولكنهم عرضوا هذه القضية على غير حقيقتها واتخذوا من مظهرها الخارجي اداة اقناع في حين يرى المتعمق في الامر ان فكر المسلمين لم يتقبل الفكر اليوناني وان استخدم بعض جوانبه الصالحة بيد انه رفض وثنياته ورفض ايضاً سيطرته، اما الادب اليوناني فإن العرب والمسلمين لم يتقبلوه اساساً ويبدو هذا واضحاً في انهم لم يترجموا الشعر اليوناني اما مناهج النقد والشعر والبيان فإنها لم تجد لها طريقاً فأنحصرت وماتت غير مأسوف عليها، وقد استقبل فكر المسلمين الترجمة اليونانية اول الامر دعوة منه ورغبة في سبق الاتصال بالفكر البشري كله وقد استقبلها وهو في أوج قوته وبعد ان تكاملت قيّمه ومقوّماته وحين استقبلها وهو في ذروة قوّته وبعد ان نقدها ليتقبل منها إلا ما وجده متفقاً مع اصوله واهمها التوحيد والنبوة والعدل والحق والحرية فلما حاولت هذه الترجمات واقبست في علوم الكلام والفلسفة التدخل في العقائد استطاع الفكر الاسلامي ان يناهضها ويشكل نفسه من جديد وفق قيمه واصوله وبهذا نجا مما وقعت فيه اليهودية والمسيحية حين سيطر عليها الفكر اليوناني وقد ارتفع به في بعض المراحل لكنه لم ينصهر فيه او يغرق في بئره او ينحرف عن اي المضامين الاصيلة تحت تأثيره او يتقبل منه قيمة واحدة يضيفها الى اصولة التي استمدها في الاساس من القرآن الكريم والتي كانت قد تكاملت منذ عصر النبي (صلى الله عليه وآله). من هنا حرص النفوذ الاجنبي والتغريب والغزو الثقافي على ان يركز على ترجمه الادب الاغريقي واغراق الادب العربي فيه خلال فترة من فترات الضعف وفي ظل نفوذ استعماري قادر على فرض ما يشاء وقد وضح هذا في اوائل القرن حين ظهرت ترجمة الايلياة والاوديسة عام 1913 التي قام بترجمتهما سليمان البستاني وفي حينها كتب السيد رضا يقول الان عرفنا موقف العرب من الشعر اليوناني ولماذا نبذوه ولم يترجموه ولم يأخذوا من معاينه فلما اطلعنا على الايلياذة وهي اعلى شعر الاغريق ومفخرة تاريخية حكمنا بأن اجدادنا لم ينبذوا شعر اليونان وراء ظهورهم إلا لأنهم وجوده دون الشعر العربي في حكمه وسائر معانيه وانه مع ذلك محشو بالخرافات الوثنية التي طهر الله تعالى عقولهم وفحيلاتهم منها بالاسلام. وقد حمل طه حسين لواء ترجمة الأدب الاغريقي والتعريف به على اكثر من اتجاه وكان قد عاد من فرنسا حين اختير استاذاً للجامعة المصرية‌ لتدريس التاريخ اليوناني والروماني منذ عام 20 حتى عام 26 حيث تحول الى الجامعة المصرية لتدريس الادب العربي القديم، اما في الفترة الاولى فقد عني بترجمة ما اسماه صحفاً مختارة من الشعر التمثيلي عن اليونان وكتب تلك الفصول التي اطلق عليها قادة الفكر والتي طبعت من بعد وقررت على طلبة المدارس الثانوية وقد ضم التراجم بعض فلاسفة اليونان امثال ارسطو وافلاطون وسقراط، وكلمة قادة الفكر من العبارات الغامضة الماكرة التي اريد بها أن يقال إنّ هؤلاء القادة انما هم قادة الفكر البشري كله وفي هذا كما ترى توجيه خطير لشباب الأمّة يلقي في اذهانهم ان ارسطو وافلاطون وسقراط هم قادة الفكر دون ان يعرف انهم قادة الفكر اليوناني وحده وان الفكر الاسلامي له قادته الكبار الذين استمدوا منهجهم من الاسلام والقرآن ومن النفس الاسلامية والمزاج الاجتماعي الخاص بهذه الأمّة، هذا ما عدا اهل العصمة النبي واهل بيته (عليهم السلام) الذين هم الناطقون عن الحق والقادة للخلق، ولا ريب ان بيننا وبين قادة الفكر اليوناني فوارق كثيرة وخلافات واسعة اهمها الوثنية والعبودية التي اقرها افلاطون في جمهوريته وتابعه عليها ارسطو وقامت عليها الحضارتان اليونانية والرومانية. ولما ترك طه حسين تدريس التاريخ اليوناني الى تدريس الادب العربي القديم لم يترك دعوته الى اعلاء آداب اليونان ومذاهبهم بل حمل معه هذه المعاني الى الادب نفسه فزعم سبق الأدب اليوناني وتأثيره في الأدب العربي وفي كل الآداب ثم كان له من النفوذ الذي يهيئه له الغرب ما أتاح له أن يفرض اللغتين اليونانية واللاتينية على الدارسين في كلية الآداب بل استطاع طه حسين ان يفرض أدب اليونان على مناهج المدارس الثانوية ‌حين تولى منصب المستشار الفني في الوزارة وغير هذه المناهج بحيث اهمل الخطابة عند العرب واختصر فصولها بينما انتقل مباشرة الى الخطابة اليونانية فوسعها وافاض عليها ومجّد خطباء اليونان القديمة واستوعب النموذج المختلفة والواسعة من كلامهم، وقد سجل الباحثون هذا الانحراف في وقته وكشفوا عن هدف طه حسين الذي تعمد تغريب الادب العربي ونقله عن مقوماته وقيمه وفرض ذوق غريب عليه وكان هذا الهدف ابعاد النفوس عن مجد اللغة العربية وسمواد بها بحرمان الناشئين من معرفة الوسائل المؤدية الى هذا السمو وهذا المجد، وهذه الوسائل هي وسائل فهم القرآن وفهم الدين وانه بقدر ما يكون بعد المسلمين عن لغتهم واديهم يكون بعدهم عن فهم الدين والقرآن. ******* ماوراء الإغراق في الأدب الاغريقي - 179 2008-09-03 00:00:00 2008-09-03 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4260 http://arabic.irib.ir/programs/item/4260 اغراق الوضع الادبي والثقافي العربي في العصر الحديث للترجمات عن الثقافة الغربية كان يستتقن دوافع مقصودة تولى كبرها دعاة‌ التغريب بتوجيه من اساتذتهم المبشرين الصليبين والمستشرقين الذين كان كثيراً منهم من اليهود الحاقدين على الاسلام والمسلمين، وكان هذا الانحراف في الترجمة عن وجهها الصحيح عاملاً لوقوع الادب العربي تحت هيمنة الاستعمار والنفوذ الثقافي لفرنسا وبريطانيا من خلال فصل الأمّة عن مقوماتها ومقدساتها واحتذاءها النموذج الغربي المريض، وكان ترجمة كتاب مختارات امرسون اليهودي الصهيوني وكتاب قصة الحضارة لديورانت اليهودي الاصل نموذجين صارخين للترجمة التغريبية التي اختارت مثل هذين الكتابين اللذين يطفحان بالعداء للأمّة وقيمها ورموزها العظيمة، ان مثل هذه الاراء المخربة المسمومة تزداد خطورتها حين تترجم في كتب تصدر عن جهات ذات اهمية خاصة مثل الجامعة العربية فإن القاريء العربي الذي لا يعرف من دوافع هذين الكتابين شيئاً قد يتعثر وتفسد عقائده واخلاقه وقيمه ويغدو مفرغاً من الاصالة والانتماء الواقعي. اختيار هذين الكتابين للترجمة انما يتحمل اوزارها الدكتور طه حسين بأعتباره المسؤول عن الثقافة في الجامعة‌ العربية، وطه حسين هذا تشهد كتبه انه لم يكن الا بوقاً من ابواق الدعاية للغرب ومن الذين اقاموا على حراسة السجن الكبير يروج لثقافته ويعظمها ويؤلف قلوب العديد ليجمعهم على عبادة جلاديهم، طه حسين هذا هو الذي لا يمل من الكلام عن جامعة البحر الابيض المتوسط والذي زعم ان مصر جزءاً من البحر الابيض المتوسط في مقومات شخصيتها وليس جزءاً من عرب الحجاز واليمن والبحرين والعراق والسودان، طه حسين الذي يزعم العرب ان السبيل الى نهضتهم ليس هو ترجمة العلوم ولكن السبيل هو ان يذوبوا في الغرب وان يخلعوا انسابهم ويقلعوا من تربتهم ليغرسوا في تربة الغرب، وهو الذي يهتم بترجمة ما لعن به اجداد الأمّة وما سب به اسلافها وسفه دينها وافترى على نبيها، ان طه حسين الذي بدأ حياته العلمية متهماً في دينه يتوصل الى الشهرة بمخالفة‌ كل مقدس مصون وكل قدر ثابت حينما كان الإلحاد بدعة العصر يجاهر به الملحدون ويتظاهر به صغار النفوس والعقول من الأدباء، هذا الرجل هو نفسه الذي يشرف على اختيار كتاب الصهيوني امرسون وديورانت ليترجمهما على نفقة العرب والواقع ان ترجمة كتب الادب والفلسفة والتاريخ والتربية والاخلاق على هذا النحو هو من سوء الاختيار وسوء القصد في كثير من الاحيان، وهو يضر مرتين، يضر بافساد اذواق الشباب وتدمير كيانهم ومسخ شخصيتهم بحيث يصبحون غرباء بين قومهم ثم يصبح قومهم بعد قليل هم الغرباء بينهم بحيث يكثر عددهم ويكثف جمعهم ويضر مرة ثانية بتبديد الجهد والمال في غير وجهه وصرف الأمّة عن الطريق الصحيح الى تحررها وبناء كيانها وسيادتها. ان ترجمة الكتب الغربية السيئة في مجال الادب والقصة والتربية والاجتماع والتاريخ وما اشبهها هو اشد فتكاً للدين والاخلاق وافعل في قتل شخصية الأمّة‌ المسلمة ومحو مقوماتها وتدمير فكرها وتسليم ينابيع الثقافة فيها، ومن اراد الدليل على صدق هذا القول فليرجع الى كتاب امرسون وديورانت ليجد فيهما الكيد للاسلام والمسيحية ظاهراً وخفياً وليجد ان اليهودية وحدها هي التي سلمت من كيد المؤلفين وبذائتهما ويجد الثناء على اليهودية واليهود تصريحاً وتلميحاً وغير هذا وذاك فأن هناك عشرات من الكتب التي صدرت مترجمة عن المستشرقين في مجال الادب والتاريخ واللغة والفكر الاسلامي كلها تحمل السموم والشبهات والاتهامات، ومن ابرز هذه المؤلفات ما ترجم عن لويس شيخو وسانسنك وزملاءه في دائرة المعارف الاسلامية وغولد سيهير وماجلو وهنري لاننس وارنست رينان ودون داركووها نوتووزويمر وبلاشير ويركلمان ودوركاين وبروفن وجيب وليفي بريل وكازنوقا وعشرات غيرهم، كتب هؤلاء واثارهم مترجمة الآن الى اللغة العربية وكلها تحمل السموم والشبهات بينما يروج لها دعاة التغريب ويتخذونها مراجع لهم في ابحاث يقومون بها في الجامعات او ينشرونها في الصحف، وهي في اقل اضرارها تحمل وجهة‌ النظر الغربية وتحاكم الادب العربي والفكر الاسلامي الى مقاييس غريبة عنه وعن تكوينه وشخصيته وهي مقاييس وضعها اصحابها للادب والتاريخ والثقافة الغربية ومستمدة‌ من اصولها وقيمها الخاصة فلا تصلح اذن للتطبيق على الادب العربي ولا على تاريخ المسلمين ولا على ثقافتهم . لقد حاول دعاة الترجمة المسمومة من الاداب الاوروبية ان يعلنوا عن اكذوبة يرددونها لكي تصبح يوماً ما حقيقة في نظر الاغرار والسذج وهي ان العرب والمسلمين عامة لن يتحقق لهم النهوض الا اذا اخذوا فكر الغرب جيده ورديئه، خيره وشره، والواقع ان العرب لن يغلبوا من ضعف في الفلسفة ولا الاداب والتاريخ ولكنهم غلبوا وضربت عليهم الذلة بأنهم متخلفون في العلوم التجريبية المادية بكل فروعها الكيميائية والطيعية والميكانيكية النظرية منها والتطبيقية ولا يملكون من الاجهزة المتطورة‌ عسكرية‌ وغير عسكرية ما يغلبون به عدوهم ولأنهم قد تراخوا عن دينهم ولن يعتصموا منه بقوة روحية نشيطة غالبة، ان الجماعات البشرية تميز نفسها بمختلف الشعارات حتى لا تظل في الزحام ولا تذوب في الاختلاط وللعرب طابع يميزهم وشخصية تظل عنها في عصور الضعف والخمول واضلهم المستعبدون واذنابهم ولن تتحقق لهم نهضة الا اذا احيوا هذه الشخصية وتمسكوا بمقوماتها وقدسوا رموزها واثارها وميزوا انفسهم بطابعهم الخاص الذي صنعه الاسلام العظيم، وهم لا يجتمعون ولا يتماسكون الا اذا عرفوا خصائصهم الاصيلة التي تمنعهم ان يذوبوا في غيرهم ولا يبلغون درجة الاستاذية في العلوم الجديدة التي اذلهم عدوهم لتفوقه بها عليهم الا اذا اصبحت هذه العلوم ملكاً لهم. وان هناك كتباً وضعت في الغرب من اجل ان تترجم عندنا وتذاع في اوساطنا وهي كتب تحاول ان ترفع من شأن الغرب وتضع من قدرنا او تغير قيمنا ومفاهيمنا بما يدخلنا في دائرة نفوذهم الفكري ويجعلنا اتباع اذلاء عاجزين، ان اختيار النافع من الكتب وما يحتاج الى ترجمة منها يجب ان يوكل الى مجموعة من المخلصين الصادقين لهذه الأمة الفاهمين لتيارات الغرب لان الهدف من الترجمة هو مصلحة الأمّه واستكمال ما ينقصها معرفته والاطلاع عليه. ******* أمانة الترجمة والترجمة التغريبية - 178 2008-08-28 00:00:00 2008-08-28 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4259 http://arabic.irib.ir/programs/item/4259 سارت حركة الترجمة الى العربية من الآداب الاجنبية الحديثة على نحو طبيعي في اول الامر حين كان الهدف الاضافة البناءة المتخيرة بما تحتاج اليه الامة في مجال العلوم والقانون بيد ان النفوذ الاستعماري الذي يقود مؤسسات التبشير ومدارس الارساليات قد اغرق الادب العربي بكم ضخم من الترجمات الهزيلة الاسلوب، الفاسدة المضمون التي نقلت اسوء مظاهر المجتمعات الغربية واقذر جوانبها فيما يتصل بالفسن والزنا والفاحشة والاثم والتحلل من القيم وامتدت ايادي الانحراف الى شتى الميادين من شعر واراء وعقائد ومذاهب اجتماعية ونفسية وفلسفية على نحو مضطرب ومتناقض هو نابع من البيئة الغربية في تاريخها اليوناني الوثني ومن واقعها المادي المريض بما لا يتناسب وثقافة الأمّة وما تملك من اصالة وقيم ومقومات، ولم تكن هذه الموجة إلا مرحلة مدروسة من مراحل التبشير والغزو الثقافي الذي بدأ من خلال حركة المرسلين الفرنسيين والامريكيين التي قدمت الى بيروت واتسع اثرها لتنتقل عدواها الى سوريا ومصر وسواهما. الدكتور محمد محمد حسين عرض لاخطار الترجمة عبر نموذجين قدمهما هما كتاب مختارات امرسون وكتاب قصة الحضارة لديورانت، فما هي قصة امرسون هذا؟ الواقع انه كتاب مختارات يحتوي على سموم هي غاية في البشاعة ومن اخطر ما يدعو اليه امرسون دعوته الى رفض النماذج العظيمة الطيبة التي يقدسها الناس كالانبياء والعظماء والابطال ودعوته الى ان ينشق الناس عن السائد المألوف فليس عنده شيء مقدس على الاطلاق وهو يدعو الى الانفلات من كل القيم الاخلاقية والدينية والاجتماعية‌ ومن ذلك محاربته للثبات على الرأي وارادته ان يكون الناس في غاية الانطلاق دونما ايمان ثابت لاي رأي او عقيدة ودونما احساس بالمسئولية والمعروف ان امرسون يهودي صهيوني يتعقب شعائر الدين بالتسفيه والسخرية اللاذعة، فالصلاة عند هذا الصهيوني خالية من الرجولة او الشجاعة بل هي قداسة وتوبة والندم عنده نوع آخر من الصلاة الزائفة وعجز في الارادة‌ والرحمة والعطف لا يقلان عن الندم وضاعة، الى آخر هذه الافكار المريضة المخطط لها في المحافل الصهيونية التي تهدف على القضاء على الدين برمته. ان هذه الاراء الشيطانية المسمومة حين تترجم في كتب تصدر عن جهات ذات اهمية خاصة مثل جامعة الدول العربية فأنها تكون شديدة المخاطر ذلك ان القاريء العربي الذي لا يعرف من امر هذا الكاتب الصهيوني شيئاً قد يتعثر في هذه الاثار وتفسد عقائده، اما ديورانت فقد عرض تاريخ اليهود عرضاً جذاباً ومشرباً بالعطف والمحاباة وهو ايضاً يهودي الأصل ويعتمد ديوانت اعتماداً اساسياً على المؤرخ اليهودي يوسيفوس وعرض تاريخ اليهود من زوايا تثير العطف والإعجاب في كل مكان من الكتاب في حين يصب ديورانت التهم البذيئة على شخص رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى شخص السيد المسيح (عليه السلام)، ترى ألا يذكرنا هذا كله بالتهم البذيئة الموجهة الى شخصي المسيح وأمه (عليهما السلام) في التلمود الذي يقدسه اليهود اكثر من تقديسهم للتوراة، ألا يذكرنا كلام ديورانت بالمادة الخامسة من خطة الصهيونية السرية التي عرفت فيما بعد بأسم بروتوكولات حكماء صهيون حيث يتحدث عن حكم الجماهير والافراد عن طريق عبارات ونظريات وقواعد للحياة معدة اعداداً ماهراً عن طريق شتى انواع الخداع والحيل وفيه ايضاً وبقدر ما نعلم فإن المجتمع الوحيد الذي يستطيع الوقوف في وجهنا في مضمار هذا العلم هو مجتمع اليسوعيين إلا اننا قد توصلنا الى الحق من قدرهم في نظر الجماهير الحمقى بتوكيدنا لهم انها مؤسسة زائلة في حين وقفنا نحن وراء الكواليس وحرصنا على ان تظل منظمتنا مستترة خفية. الواقع ان على المسلمين ان يتنبهوا الى ان الاساليب التي استخدمتها الصهيونية في هدم المسيحية ومحو سلطانهم وسلطان رجال الكنيسة من قلوب المسيحيين هي نفس الاساليب التي تتخذها الصهيونية الآن لمحاربة المسلمين وافساد ناشئهم وجماهيرهم وإضعاف سلطان الإسلام في نفوس عامتهم، هذا الاسلوب إنما يقوم على ركائز عدة نذكرها الآن: الركيزة الاولى: السخرية بعلماء الدين وتصويرهم بصورة الجهلة الجامدين تارة والمنافقين المستغلين لسلطان وظائفهم تارة اخرى. الركيزة الخبيثة الثانية: اثارة المشاكل الوهمية حول قواعد الاسلام واحكامه ليوهموا ضحاياهم بأنها لم تعد كافية لتلبية حاجات المجتمع. الحديث الثالثة: ان امرسون يهدم الدين والتدين من الجذور تحت ستار الدعوة الى‌الحرية والى استقلال الشخصية اما ديورانت فهو يهدمه عن طريق تجريح الرسل والانبياء الكرام وعن طريق اثارة الغبار حول سيرتهم الطاهرة. الركيزة الماكرة الرابعة: التي اعتمدت عليها الدعوة الصهيونية في تهديم الاديان فهي ان امرسون يسمي المسيحية التي انزلت على عيسي باسم المسيحية التاريخية ويعدد بما يعدد من اخطاءها انها تهتم بشخص المسيح اهتماماً كبيراً، بقول من اجل ذلك صار الناس يتحدثون عن الوحي وكأنه قد اوحي به وانتهى من عهد قديم ثم يستدرج امرسون قارئه الى هدم جميع الاديان. الركيزة الخامسة: ان امرسون يقرن رسالات الانبياء في كل موضع من كتابه بآراء الفلاسفة والكتاب وبأصحاب المذاهب الضارة الفاسدة فهي في زعمه الباطل غير منزّلة من عند الله بل هي نابعة من عقولهم بعد ان تحرروا من اسر الاراء السائدة في ازمنتهم ولذلك فهو يحض على الاقتداء بهم في الخروج على كل ما هو موقر مقدس مما تقره التقاليد وتقدسه الاديان وهو اي امرسون يدعو الى حريه مخربة تقوم على الغلو المفرط في الفردية وينتهي الى القول بأن يسمح كل انسان لنفسه ان يبني عالماً مستقلاً من القيم لا يستوحي فيه غير خياله واوهامه، ولا ريب ان مثل هذه الاضاليل تؤدي الى قتل الروح الجماعية التي هي اساس كل تماسك اجتماعي ولو سمح لكل فرد ان يبني عالماً مستقلاً من القيم لأ مست مقاييس الخير والشر مقاييس فردية وعندئذ لا يصبح هناك مجتمع. اما كتاب قصة الحضارة فتسائل مؤلفه ان كان المسيح قد وجد حقاً وهو يثير حول الاناحيل مختلف الشبهات ويشكك في النسب عند المسيح (عليه السلام) وفي انه ولد من عذراء وينكر كل معجزاته ويردها الى خداع الحواس والوهم، وفي الجزء الثالث عشر من هذا الكتاب الضال والمضل تجد اخبث اساليب الكيد والدس للاسلام فالمؤلف لا يلجأ هنا الى الهجوم الصريح لكنه يتظاهر بالانصاف ويدس من خلال ذلك سمومه ومكائده مما سنواصل الحديث عنه في لقاءنا القادم بإذن الله تعالى. ******* من أخطار الترجمة التبشيرية - 177 2008-08-25 00:00:00 2008-08-25 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4258 http://arabic.irib.ir/programs/item/4258 تعددت صور الغزو الثقافي الغربي التي استهدفت الادب العربي وكان المستشرقون والمبشرون وتلامذتهم التابعون هم من يوجهوا هذا الغزو ويغذيه، وكانت الترجمة من اللغات الاوربية الى اللغة العربية احد صور هذا الغزو فكيف تكون الترجمة صورة للتغريب والهجمة الفكرية الغربية. كان مفهوم الترجمة بين ايدي اصحاب منهج النقد الغربي الوافد مفهوماً مضطرباً قد انحرف عن المفهوم الذي حدده الوضع الاسلامي في القرن الرابع حين نقل وترجم اثار اليونان والفرس والهنود من خلال تقدير لطبيعة الفكر الأصيل المفتوح القائم على قيمه وقواعده والمتصل بجذوره العميقة دون ان يجعل هذا المترجم المنقول يسيطر عليه او يجعله يؤثر فيه تأثيراً يشوه ذاتيته ومفاهيمه اما في العصر الحديث فإن الادب العربي لم يكن قادراً على ان يفرض ذاتيته ومنهجه على حركة الترجمة الحديثة اذ جاءت من خلال مرحلة استعمار له سيطرة فكرية وله اداة من ادوات الغزو الثقافي التي تحاول ان تفرض الفكر الغربي في كل مجال وان تزيح به الاصول النفسية والاجتماعية للأمّة، وان تحل بدلاً منها مفاهيم وقيماً جديدة غريبة تضع هذه الأمّة ‌وادبها وفكرها في بوتقة العالمية‌ التي تصهر ذاتيتها وتتركها شيئاً ممسوخاً لا هو من الشرق ولا من الغرب. وعلّة ذلك معروفة فإن قيم الادب العربي الاصيلة المستمدة من القران الكريم كانت قادرة دوماً على ان تعطي هذه الأمّة تلك الشخصية القويّة بذاتها القادرة على رد كل عدوان والتحرر من كل نفوذ مفروض او غزو دخيل، ولقد عرف الغرب كيف قاومت الأمّة غزوين من اخطر انواع الغزو هما الحروب الصليبية وحملات التتار وكيف استطاعت مقومات فكرها ان تدفعها الى المقاومة والدفاع، من هنا كانت اهداف الغزو الاستعماري الثقافي ان انقض على مقومات هذه الأمّة عن طريق مسخ ادبها وفكرها وغزوها بمذاهب وفلسفات ونظريات مضطربة من خلال الإباحة حافلة بالإلحاد والمادية والدهرية ولم يكن ذلك مستطاع إلا عن طريق الترجمة. جاءت الترجمة من الاداب الاوروبية وهي الفرنسية والانجليزية في الاغلب ومن التراث الاغريقي الوثني وكانت الدعوة التغريبية تجنح في تعليل تقبّل هذه الترجمات الوافدة بأن العرب قد ترجموا ونقلوا من اليونان والفرس بيد ان هؤلاء التغريبيين قد اغفلوا ان الأمّة ‌اذ ذاك كانت في اوج قوتها وقادرة على ان تختار ما تشاء وان تعرض عما لا تراه صالحاً، وقد ترجمت الأمّة العلوم والفلسفات ورفضت الادب اليوناني ورأت انه لا حاجة لها به فالآداب مرتبطة ارتباطاً ذاتياً بينما العلوم لها صفة العلوم وهي خالصة‌ لكل الأمم، لكن حركة التغريب الوافدة كانت حريصة هذه المرة على الترجمة ونحن في مرحلة ضعف وفي ظل الاستعمار والاحتلال المسيطر الذي يؤازر حركة الترجمة ويفسح لها كل سبيل، ارادت هذه الحركة اول ما ارادت ان تشوه مزاجنا العقلي وذوقنا النفسي بأن تترجم له ما رفض العرب القدماء ابان قوتهم وصدق فهمهم ان يترجموه فدفع لطفي السيد وهيكل وغلاب وصفر خفاجة وعشرات غيرهم الى ان يترجموا الادب اليوناني والاساطير الاغريبقية بل لقد فرض التغريب على ابناء الأمّة في الجامعات ان يدرسوا اللغتين اليونانية واللاتينية وان يرغموهم على دراسة سوفوكليس وادخيلوس وغيره من ادب مخالف للذوق العربي في اباحيته وفساده واختلاف عناصره كلها من طبيعة الأمّة وطبيعة ادبها حيث يقوم على الوثنية وعبادة الاصنام والاستهانة بكل القيم الاخلاقية والاجتماعية التي تعارف عليها الادب العربي والمجتمع المسلم، وبذلك غدت ذاتيتنا الادبية طبائع اخرى تتباين وطبائعنا واذواقنا وكان هذا اخطر ما حققه انحراف حركة الترجمة تحت لواء دعاة المنهج الغربي المعادي. ان مراجعة‌ دقيقة للاثار الادبية الغربية المترجمة لا تقدم حقيقة واضحة هي، ان هدف الترجمة لم يكن اميناً ولا خالصاً لإثراء الادب العربي لكنه كان وسيلة الى غزوه وتمويعه وتذويبه في مستنقع المادية وإلاباحية والوثنية واخراجه عن مقوماته وفرض مقومات اخرى عليه، والذين اشرفوا على هذه الترجمة انما كانوا يستهدفون غرضاً دفيناً خطيراً لم يعلنوه صراحة ولكنه كان واضحاً في الاختبار، هذا الهدف هو تقويض عقلية الاجيال العربية والاسلامية‌ انساء ثقافته واخراجه عن ذاتيته والدليل على ذلك ان الطراز الاجنبي يحوي فنوناً مهمة من الاداب والعلوم وان هذه الالوان الجادة مع الاسف البالغ قد حجبت عنه تماماً وابعدت وان الالوان التي فرضت على الأمّة وترجمت لها هي الالوان التي تثير الغرائز وتدفع الى الشبهات في الدين والاخلاق والتي تصور الحياة على انها حرية منفلتة لامسئولية فيها ولا ضوابط ولا تبعات، ومن هذه الترجمات وخاصة في مجال القصة المترجمة تتبين الغاية التي يحاول التعريب ان يفرضها والفلسفة التي يراد اقناعنا بها. المعروف ان الاداب الاوربية والامريكية الحديثة مرتبطة اوثق ارتباط بالآداب اليونانية والاغريقية الوثنية وانها تستمد منها، ومن هنا فأن قراء الترجمات في الادب العربي لا يستطيعون ان يعرفوا ما موقفهم تماماً، اما القول بأن النفس الانسانية واحدة‌ في كل عصر وكل قطر وجيل وان ما يرسم الادب الغربي اذا ترجم الى الادب العربي فأنه يجد تقبلاً لأنه يجد مشابهة‌ عند النفس الانسانية‌ العربية والواقع ان هذا القول على اطلاقه غير صحيح بل هو مغالطة مسرقة ذلك ان النفس الانسانية لا تلتقي في الحقيقة إلا على القيم العليا وهي تفهمها في كل أمّة‌ وكل عصر فهماً مختلفاً وبين هذه المفاهيم في الاداب الاوربية وبينها في الادب العربي فوارق كثيرة وخلافات واسعة مصدرها وصول العقائد والقيم وخاصة‌ ما يتعلق بمفاهيم العدل والتوحيد والاخلاق وكلها تختلف اختلافاً واضحاً في مفهومها بين الامم الغربية وبين الأمّة التي تستمد من الاسلام حيث يبدو المعروف هنا منكراً هناك والحق هناك باطلاً هنا. ان الدعوة الى انصهار الادب العربي في الاداب الغربية‌ من خلال الترجمات انما هي دعوة غير أمينة وليست من اجل بناء هذا الادب او رفع شأن هذه الأمّة وانما يراد بها ان تكون تابعة وذليلة ومنصهرة لا حول لها ولا قوة ولا حياة، وان الذين حملوا لواء‌ الانحراف في الترجمة انما كانوا يقصدون الى ذلك قصداً‌ وكانوا يعملون من اجل خدمة‌ حركة الغزو الثقافي التابع من النفوذ الاستعماري، وسنعرض في اللقاء القادم ان شاء الله لأخطار الترجمة التي يوجهها دعاة المنهج الغربي المعادي من خلال نموذجين مترجمين هما كتاب مختارات امرسون وقصة الحضارة لوول ديورانت فماذا في هذين الكتابين من تشويه وتزوير ومخاطر، هذا ما نأمل ان نتعرف عليه في اول فرصة لهذا اللقاء. ******* الغزو الثقافي الأوروبي وحركة الترجمة - 176 2008-08-23 00:00:00 2008-08-23 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4257 http://arabic.irib.ir/programs/item/4257 بدأت حركة الترجمة من الادب العربي من نقطة حسنة حين حمل لواءها رفاعة الطهطاوي ومدرسة الالسن، في الثلاثينات من القرن التاسع عشر وكانت هذه الحركة ايجابية ارتبطت الى حد واضح بالمدرسة والعلوم والفنون والثقافة والقانون، واستطاعت ان تحقق عملاً كبيراً وتؤدي الى نتائج بعيدة المدى غير ان هذا الاتجاه ما لبث ان تحول الى ناحية الادب والقصص تحت تأثير حركة الغزو الثقافي المبكرة في اواخر عصر الحذيوي اسماعيل حيث تصدر الترجمة في هذه المرحلة عدد من الكتاب السوريين في باديء الأمر ثم المرحلة الموجة غربية قذفت الادب العربي بركام من القصص الفرنسية الخليعة وكان ان انحدرت الى مجال المجتمع والثقافة من خلال ذلك موجة هائلة من القيم والمفاهيم الجديدة التي كانت غريبة على المجتمع وثقافته وعقائدة متعارضة مع ادبه واخلاقياته المستمدة من الفكر الاسلامي. لم تكن هذه الموجة إلا مرحلة مدروسة من مراحل التبشير والغزو الثقافي الذي بدأ عبر حركة المرسلين الفرنسيين والامريكيين التي قدمت الى بيروت وانطلقت تمديدها الى الادب العربي كله، هذه الموجة الغريبة المغربة قد اعتمدت على أمرين، أولهما إعادة طبع ألف ليلة وليلة وثانيهما ترجمة وتحضير مئات من القصص الفرنسية، وقد قدم هذا القصص في اسلوب رديء في طباعة رخيصة والواقع انه لا يمكن تصور حقيقة هذا الاتجاه والعاملين فيه إلا حين نقدم رأي كاتب من اهل ذلك الجيل هو كرم ملحم كرم الذي صور زعيمهم طاليوت عبده الذي يقول ان الترجمة عنده لن تكون إلا أداء المعنى وقد أهمل طاليوت الصياغة المشرقة رغم إهتمام الأصل بها حتى كاد يكون من المؤلف على بعد أميال كثيرة، وعذره انه يجنح الى كسب رزقه وليس هذا عذر سوي، وعنده ان ما نقل من الفرنسية ليس من الروائع ولن يترجم في معظمه غير القصص العامة البعيدة كل البعد عن الأدب الرفيع الذي لا مستقبل له وكذلك وصف سليم سركيس عمل طاليوت عبده فقال اشتهر انه يعرب ولا يترجم اي انه ينقل المعاني الى العربية ولا يقيد نفسه بالأصل ويكتب في المقاهي وعلى قارعة الطريق او في التزام وعلى السطوح اذا اقتضى الأمر، وهو يحمل في جيوبه مكتبة ففي هذا الجيب ورق ابيض وفي الجيب الآخر رواية فرنسية، يقرأ سطوراً من الرواية الفرنسية ويكتبها بالعربية بخط دقيق وهو يكتب طيلة النهار فلا يمحو كلمة ولا يعيد النظر في سطر واحد. تلك هي صورة الترجمة في ابرز اعلامها في هذه الفترة تكشف عن نتائج هذا العمل الخطير في حياة المجتمع وهكذا كانت هذه المرحلة مضطربة أشد الإضطراب فقد اختلط فيها التعريب بالترجمة وبلغت الترجمة فيها حداً من الهزال والهبوط ، فقد كان هدف المترجم في هذه الفترة إرضاء القاريء وتسليته من أجل هذا عمدوا الى القصص المثير المتصل بالجنس ونقلوه نقلاً مشوهاً وكان طاليوت عبده ونقولا وأسعد داغر اكثر المترجمين إسرافاً في الترجمة فقد ترجم عبده وحده ستمئة قصة وكتاب. وقد إمتدت هذه المدرسة واتسع نطاقها حتى لفتت انظار الباحثين الأجانب فقال مرجيوس ان اكثر ما ترجم الى العربية من تأليف اهل الغرب إنما هي روايات هدفها اللهو دون المنفعة. هذه القصص لقيت نقداً عنيفاً من عدد من النقاد في مقدمتهم الاستاذ المازني والدكتور الغمراوي الذي يقول خذ إليك مثلاً تلك القصص الفرنسية التي لخصها طه حسين من آن لآن يلهي بها كثيراً من النشأ ويضل بها كثيراً، وما نظن احداً دخل تلك القصص وخرج منها وهو أقرب الى الفضيلة والعفاف منه قبل بدأها وهذا أهون ما يمكن ان يقال عنها مثالها الزنبقة الحمراء التي ألفها أناتول فرانس اذ كان فيها من المعاني ما يظن ان استاذاً يستحي ان ينقله للناس او ان مجلة مثل الهلال تنشره، وطه حسين اذ لخص هذا الكتاب وترجمه قد دل على انه ممن يرى اطلاق الفن من اطار الفضيلة فلا يكون هناك على الفنان حرج ان يصور الفضيلة كيف يشاء مادام يصورها كما هي، وهو مذهب شاع حديثاً في اوربا واعان على انتشاره ان يجد عوناً من الجانب الحيواني من الانسان وانه وسيلة قوية لنيل الشهرة وجمع المال وفيما يتصل بأثر طه حسين في الترجمة نذكر ما قام به من ترجمة عن بودلر الشاعر الفرنسي، المعروف ان بودلر هذا شاعر منحرف الذات والذوق، في احدى مقاطعه يقول طه حسين نقلاً عن بودلر: «كذلك نفسك التي يحرقها يرق اللذة الملتهب تعدو سريعة جريئة نحو السموات الواسعة‌ المشرقة». لقد كان هذا الإنحراف في الترجمة دافعاً الى وقوع الأدب العربي تحت سيطرة الاستعمار والنفوذ الثقافي لفرنسا وبريطانيا ولعل هذا هو السر في تحول الترجمة عن أهدافها الاساسية الى التسلية وارضاء رغبات القراء، كان هدف الترجمة في الاساس هو خدمة الادب العربي بنقل الأعمال الادبية الكبرى التي تحقق له قوة وايجابية وقد انحرف هذا الهدف في ظل النفوذ الغربي الى التسلية وترويج القصص المنحرفة والمثيرة، من هذه النقطة انحرف منهج الترجمة كما انحرف مفهومها فأصبحت تافهة غلبت عليها العامية والتصرف في النص والإضافة وحذف فقرات بأكملها وبهذا غلبت ترجمة القصة على الفنون الأخرى، فقد احصى أسعد داغر عشرة آلاف قصة ترجمت حتى أوائل الحرب العالمية الثانية عام 1939 وهو رقم مخيف مقرع فقد ترجم اغلب هذه القصص من الفرنسية اولاً وكان أكثرها من النوع الهابط المنحرف ثانياً، وكان أغلبها بعيداً عن الاداء السليم في الترجمة ثالثاً. ترجم طاليوت عبده ستمئة قصة والياس فياض خمسة وعشرين مسرحية وابو خليل القياني ستين مسرحية وعني العديد من المجلات الشهرية والاسبوعية بالقصص والاقاصيص المترجمة واولت الصحف التي اصدرها اللبنانيون في مصر اهمية كبرى لهذا العمل وظهرت اصدارات في هذا الشأن اهمها سلسلة الروايات عام 1899، والروايات الشعرية عام 1902 ومسامرات الجيب لخليل صادق 1905 والروايات الجديدة‌ لنقولا رزق عام 1910. وكانت الترجمات عن كتاب ليسوا من الدرجة الاولى وليسوا من ذوي القيم والفن امثال ميشيل هيفاغو ولوتون بيترابل وموريس لبلان ومن ابرز عيوب هذه الترجمات تجاهلها موقفنا التاريخي وقيمنا الاساسية وذاتيتنا كأمة لها عراقتها ودينها ومفاهيمها المتميزة. ان مثل هذه الترجمات المريضة ان هي إلا فصل من فصول الغزو الفكري والتغريب. ******* الاستعمار الغربي وحركة الترجمة المبتذلة - 175 2008-08-19 00:00:00 2008-08-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4256 http://arabic.irib.ir/programs/item/4256 عني الادب العربي الحديث بأمرين احدهما احياء الادب العربي القديم والثاني الترجمة من الآداب الاوروبية وغير العربية بصفة عامة، وفي كلا هذين الأمرين تدخّل منهج النقد الغربي الوافد، وهذا التدخّل الاجنبي الغريب حال دون الانطلاق الصحيح وعرقل الاتجاه الاصيل الى الهدف، اذ المفروض ان تحقق حركة احياء التراث وحركة الترجمة ‌عن الآداب الاخرى اغناءاً للأدب الغربي الحديث وتربطه بجذوره وتخلف أجود ما في الآداب الأجنبية وفق قاعدة الترقي والتقبل والافصاح التي عرفها الأدب العربي والفكر لدى المسلمين منذ قرون دون ان يكون ذلك عاملاً على هدم شخصيته او تذوب وجوده او صهره في كيان آداب اخرى. أجل كان قوام الترجمة والاقتباس في مفهوم الادب العربي وفكر المسلمين منذ قرون هو دائماً المحافظة على ذاتيته واستمداده من جوهره وضميره وفق نتاجه الاجتماعي وذوقه النفسي بلا تفريط في قيمه الأساسية المستمدة من الإسلام والقرآن القائمة على التوحيد والعدل الإجتماعي والأخلاقية التي هي القاسم المشترك الأعظم بين مفاهيمه وقيمه وكذلك في ظل القاعدة الأصيلة له وهي التكامل والوسطية والتقاء العناصر في وحدة واحدة. من الحق ان يقال ان حركة احياء التراث العربي قد افاضها الاضطراب نتيجة فرض منهج النقد الغربي عليها وهو منهج منبثق من الادب الغربي نفسه واستمد مقوماته من الذاتية الغربية بكل مقوماتها ومزاجها وطبيعتها وارتبط بالمذاهب الحديثة من آثار داروين وفرويد وتين وديكارت ودوركاين، ومن البين الذي لا مراء ان هذه العناصر الغربية لا تمثل في مجموعها النفس العربية ولا تستوعب الذاتية العربية ‌بل تبدو غريبة عنها كل الغرابة متباينة معها كل التباين ذلك ان النفس العربية قد اقامت الادب العربي وفق قيم يترابط فيها قوى الجسد والمادة والمعنى والدنيا والآخرة وقوامها نظرة وسطية متكاملة تصدر عن طبيعة مشرقة واضحة تطلع فيها الشمس باهرة الضوء ومن نفس عرفت بالصراحة والوضوح والايمان العميق بالله تعالى، وفي المجال الثاني مجال الترجمة من الآداب الاجنبية فقد سارت الحركة في اول امرها على نحو طبيعي إلتمس مفهوم الترجمة الأصيل وهو الإضافة البناءة للاداب والثقافات بما تحتاج اليه هذه الثقافة او ما يتفق مع روح هذه الاداب بيد ان النفوذ الاستعماري الوافد ومعه مؤسسات التبشير ومدارس الارساليات ومطابعها قد سرع قذف الادب العربي بمقدار ضخم من الترجمات الهزيلة الاسلوب الفاسدة المضمون التي اغرقت القارئين بقيم ومفاهيم لا تقدم ايجابيات المجتمعات الغربية بل ترسم اسوء مظاهرها واخس جوانبها فيما يتصل بالفسق والزنا والفاحشة والإثم على ‌نحو يحسن هذه المعاني الرخيصة المدمرة ويرسمها كأنها امور طبيعية بسيطة ليس محرمة ولا هي انحراف في هذه المجتمعات نفسها. ولم يقف انحراف الترجمة عند القصة وحدها بل امتد الانحراف الى مختلف فنون الترجمة من الأدب والشعر والعلوم والمباحث النفسية والاجتماعية والفلسفية، فقد قدمت هذه الترجمات مذاهب وآراء وعقائد مختلفة مضطربة متباينة فيها القديم الذي تحول عنه أصحابه وفيها الجديد الذي ما زال غير ناضج وفيها ما يتصل بالبيئات الغربية وما يتصل بالإلحاد والإباحة والشك والمادية وقليل منها ما يحمل طابعاً انسانياً، ولم تكن هذه الترجمات قائمة على الاختيار الصحيح ولم يكن من وراءها ضمير يؤمن بالأمة وفكرها وقيمها في الأغلب وإنما كانت الترجمة في الأكثر تستهدف إغراق الفكر الاسلامي والأدب العربي في ذلك الركام الغربي المتباين المتضارب. ولا ريب ان من شأن كل أمة أن تكون لها فلسفتها ومذاهبها، فالأمم الغربية نفسها لا تنقل فكر أمة اخرى إلا بحذر وروح كامل يقوم على أساسه الإقتناع بالأصل الأصيل ومع وضع المنقول موضع الإستشارة والنظر والإقتباس والأمم الغربية تنقل الفكر الماركسي وتنقده وكذلك الدول اليسارية تفعل ذلك في الفكر الرأسمالي اما نحن فقد جرت الترجمة عندنا على نحو غريب إختلطت فيه كل المفاهيم والقيم والفلسفات قديمها وجديدها شرقيها وغربيها، وحرص النفوذ التغريبي الذي كان له أثره البعيد في هذا العمل على تشويه الأدب العربي والفكر إلاسلامي واذابتهما في بوتقة الفكر الذي يسمونه العالمي. واذا قيس ما ترجم الى ما لم يترجم اتضحت أمور كثيرة منها: أولاً: إنَّ ما ترجم هو الجانب الحسي المتصل بالأذواق والأخلاق وهذا جانب خاص بكل أمة وليس جانباً عاماً ولسنا بحاجة إليه على الإطلاق. ثانياً: ان ما أهمل هو الجانب الذي تتطلع إليه الأمم وهو جانب العلوم والتكنولوجيا والثقافات الخاصة بالفلك والهندسة والطب والصناعة. ثالثاً: إنَّ ما ترجم من الفلسفات والمذاهب الإجتماعية والإقتصادية والنفسية لم يعرض على أنه نظريات وفروض قابلة للنقد والنقض او إنها نظريات عصر وبيئة قابلة للتحول والتغير وإنها تصلح لأمّة دون أمّة وبيئة دون بيئة بل عرضت على انها علوم قيلت فيها الكلمة الأخيرة متناولها الذين قرأوها مترجمة على إنَّها أصول مقررة، وقد حدث ذلك بالنسبة الى مذهب فرويد في علم النفس ومذهب ماركس في الإقتصاد ومذهب دوركاين في الاجتماع ومذهب داروين في العلوم الطبيعية ومذهب سارتر في الوجودية ومذهب ديلي في التربية وكلهم من اليهود وقد قصر المترجمون تقصيراً فاضحاً على أنَّهم لن يضعوا مع هذه الترجمات تحفظات تصحح الآراء وتضعها في مكانها الصحيح. ان الأمّة‌ التي ترجم الى أدبها وثقافتها كل هذا الركام الغربي المتناقض هي أمّة لها فكرها القائم على قيم أساسية‌ في مجال النفس والإقتصاد والإجتماع والتربية والسياسية وهو فكر نابع من طبيعتها متصل أعمق الإتصال بذاتيتها وإنفتاح هذا الفكر على الفكر الآخر ينبغي أن يتم من خلال عرضه على اسسه ومعاييره فيأخذ منه ما يأخذ ويرفض ما يرفض، أمّا الصورة التي حرص التغريب والغزو الثقافي على اقامتها فهي ان يفترض اساساً ‌اللاوجود للفكر الإسلامي الذي تتكون منه شخصية الامة وان هذه الامة تبدأ الان من نقطة الصفر بأن تتلقى الفكر الغربي في مختلف جوانبه النفسية والإجتماعية وفي مجالات السياسة والتربية والقانون دون اعتبار لقيم الفكر الإسلامي الأساسية، ومن هنا كانت خطورة الترجمة في هذه المجالات وهي اشد وأقسى من خطورة الترجمة في مجال القصة التي استهدفت الجانبين الإجتماعي والأخلاقي، اجل ان المترجمين الى الادب العربي لن يعنوا بما تحتاج اليه الأمّة ولما يتفق مع كيانها وذوقها ولم ينصحوها في حين ان المترجم مؤتمن على ان هذا الذي ترجموه ليس إلا نظريات علمية عرضة للصحه والخطأ، صالحة لبعض البيئات وغير صالحة لغيرها متصلة ببعض العصور ومنفصلة عن بعضها الآخر. ******* المتغربون وأمانة الترجمة - 174 2008-08-17 00:00:00 2008-08-17 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4255 http://arabic.irib.ir/programs/item/4255 للاستشراق في الادب العربي مؤثران بارزان هما توجيه الدارسين العرب والمسلمين في معاهد الغرب الى اعتماد مناهج الادب الغربي ميزاناً للبحث واتخاذ نظريات النقد الغربي في الادب والتاريخ اساساً للتفكير والدراسة، اما الاثر الثاني فهو آثار المستشرقين انفسهم واراءهم في الادب العربي مما قام به امثال مارجيلوس وجيب وبروكلمن وبلاشير وجاك بيل، وواضح ان مثل هذه الاراء انما هي من نتاج العقلية اليونانية الوثنية والمسيحية الغربية والحضارة المادية المعاصرة يحدوهم حقدهم على الاسلام بدوافع صليبية ويهودية استعمارية. وقد مَّر بنا في لقاء سابق حديث عن طرف من اعمال تلاميذ المستشرقين والخاضعين لهم من امثال طه حسين وزكي مبارك وخلف الله وغيرهم كما تحدثنا عن جوانب من مكائد مارجيليوس وجيب وبروكلمن، في تشويه الادب العربي والتراث الاسلامي. واذا ذهبنا نبحث عن هؤلاء المستشرقين المشتغلين بالادب العربي على فهم النص العربي وجدنا صورة فخرية عند اكثرهم شهرة وفهماً وما عرضت له الدكتورة بنت الشاطيء في تحقيقها لرسالة الغفران فيما يتصل بفهم المستشرق نيكلسون لنصوص هذه الرسالة كافي ليكشف عن الفهم المشوه والتفسير الغالط الذي يرتكبه المستشرقون بحق النصوص العربية، ان فهم نيكلسون لنص رسالة الغفران لأبي العلاء المعري فيه اخطاء كثيرة بعضها هين يمكن التجاوز عنه اما الكثرة الباقية فتعرض صوراً غريبة في فهم هذا المستشرق الكبير للنصوص العربية. وبعد ان تسرد بنت الشاطيء عدداً من اخطاء نيكلسون في فهم النص العربي وتفسيره تقول قصدت من هذا ان انبه قومي الى واجبهم في حمل هذه الامانة بعد ان اوكلوها الى المستشرقين وان ادعو علماء العربية الى نشر تراث لهم هم اولى به واقدر على فهمه. اما بلاشير في كتابه عن المتبني الذي اصدره عام 1928 فأنه يحمل على هذا الشاعر حملات عنيفة ويهاجم كل من كان تبعاً له في العصر الحديث، وقد جرت كل محاولات بلاشير وماشنيون وفوساسي من منطق الحقد على مكانة هذا الشعر عند العرب وعند الادباء المعاصرين اذ يعتبره العرب ابين منطق للشخصية واشدهم اعتزازاً بها وتقديراً لها وسعياً لإبانتها، ولا شك ان حملات المستشرقين على المتبني تدخل في باب اعلاءهم وتقديرهم للمنحرفين في تاريخ الأدب العربي ممن أولوهم إهتماماً كبيراً امثال شعراً الأغاني، وقد جرى طه حسين في نفس الطريق واستعان بدراسة بلاشير في كتابة بحثه عن المتنبي واراد ان يسبق اساتذته ويفوقهم في تدمير شخصية المتنبي فلم يكتفي بأنتقاص شعره وسلوكه بل اتهم المتنبي بأنه لقيط والحق ان طه حسين هذا كان مسرفاً وجائراً وبعيداً عن الاسلوب العلمي في رمي المتنبي بهذه الشبة الشائنة الظالمة التي اثارها بغير دليل علمي او منطق صحيح. وما تزال طلائع الاستشراق تحاول ان تحفر في الادب العربي مجرى زائفاً يعلي شأن بعض الادباء الحاقدين على العرب والاسلام وقد جمعهم جاك بيرك في كتابه مختارات من الادب العربي الذي اصدره عام 1964 حين تجاهل عمداً كل اصحاب الأصالة والنتاج المتحرر من شبهات التغريب وتبعية الانحراف نحو مناهج الاستشراق والتغريب، وجاك بيرك في كتابه هذا يجري مع منطق جيب ونيكلسون وغيره فيرفع من قدر ما وصف بأنه النهضة التي قامت بها الارساليات التبشيرية في بيروت ويتجاهلوا ما سبقها من اصول اليقظة الاسلامية الحقيقية برجالها ومناهجها وهو يركز كعادة الاستشراق على البستاني واليازجي وجرجي زيدان والذين اوفدتهم الارساليات، ثم ينتقل الى جيل المهجر جبران ونعيمة، ثم يصل الى طه حسين الذي وصفه انه قام بدور البطل وحمل لواء الشرعية العقلية في ادب البحر المتوسط. ومن الحق ان نقول ان رؤية جاك بيرك لم تكن واقعية ولا صادقة‌ وان الايام القليلة التي اعقبت كتابه ورؤياه كشفت عن زيف ما ذهب اليه وانها كانت مظللة لم تصل الى الابعاد الحقيقية او انها كانت مغرضة متعصبة تقصد الى ما تريد من تزييف الواقع وتفرض على الادب مجموعة من الاسقاط الذين لم يكونوا اهلاً لتلك المكانة التي حاول ان يعليهم اليها وقد سقطت هذه الواجهة المزيفة بمجرد ان تغيرت الظروف ودلت على هشاشتها وزيفها، لقد كان المستشرق الخصم جاك بيرك متأثراً بآداب زائفة غير نابعة من البيئة لكنها كانت مفروضة عليها، ولم يكن هذا المستشرق صادقاً في تقديره لتطور الادب العربي في العصر الحديث حيث اهتم بكتابات مجلة شعر وحوار وعني بالممعنين بالانحلال ممن لا يمثلون عصرهم ولا امتهم وكذلك اغضى جاك بيرك عن صفحة ناصعة من الاعمال الاصيلة للكتاب الممتازين وتجاهلهم عن عمد، اجل ان جاك بيرك قد كشف عن الهوى وضيق النظرة حين ترك مجرى النهر الدافق وذهب مع الرواقد التي ماتت، ان هذه المؤلفات التي ركز عليها مثل كتاب النبي لجبران او كتب زيدان او الاتجاهات الماركسية او الوجودية او الانحلال لم تكن إلاصورة باهتة من السراب الذي تعلق به المستشرقون ظناً منهم ان اهدافهم قد تحققت لكنهم لا يلبثون إلا قليلاً حتى يكتشفوا ان اصالة الادب العربي عميقة الجذور بعيدة الغور وانها ما تزال قادرة على مواجهة اي مؤامرات جديدة او شبهات مستحدثة لضربها. وهكذا نرى ان الاستشراق عاجز عن استيعاب روح الادب العربي وبيان الفصحى وانه محكوم بالهوى وخاضع للاهداف الاخرى المعادية، ان ذوق المستشرقين لا يمكن ان يكون حكماً فضلاً عن ان يكون حاكماً في تقدير قيم الآثار الأدبية لأن الذوق الأدبي عند الناقد يتكون من عوامل شتى، بعضها قومي يرجع الى الجنس والأصل وبعضها نفسي يغتذي من الأماني ويعضها لغوي ينحدر من الماضي فكيف يستطيع المستشرق الغريب اذن ان يتذوق البيت الواحد من الشعر وهو انما تعلم العربية تعلماً واكتسبها اكتساباً، ثم مارس النقد على كبر من العمر وبعد جهد في حين تكمن في اثوابه روح أجنبية من أصل نشأتها، هذا ويرجع كثير من الباحثين قصور المستشرقين في الفهم العام بصرف النظر عن وجهة النظر الغربية المفروضة باختلاف المزاج النفسي والثقافي واختلاف البيئة وجذور الثقافة والتباين الواضح بين طبيعة الادب العربي وطبيعة الادب الغربي والاختلاف الاساسي بين الاصول الاسلامية في التوحيد والاصول الاوروبية للوثنية اليونانية والمسيحية الغربية اضافة الى دوافع الغاية والهوى. ******* التشوية الاستشراقي للتراث العربي - 173 2008-08-14 00:00:00 2008-08-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4254 http://arabic.irib.ir/programs/item/4254 لا ريب ان حركة التغريب والغزو الفكري الغربي قد اعتمدت على الاعمال المشئومة للمستشرقين والمبشرين وتلامذتهم الخاضعين لمناهجهم والمنفذين لاهدافهم، وقد كان في طليعة هؤلاء المنسلخين عن هويتهم الاصيلة طه حسين وزكي مبارك وعبدالرحمن شكري وامين الخولي والمازني وغيرهم من الكتاب والادباء، وكان جهود المستشرق اليهودي الدين الانجليزي الاصل مارجليوس ذات اثر في التشكيك في صحة الادب الجاهلي وردد طه حسين افتراءات استاذه واذاعها بين الناس دونما استناد الى دليل او برهان بل ان الدليل والبرهان مما يفند زعم هذا الكاتب ويكذبه، ومن اولئك المستشرقين المعادين للاسلام والقرآن كارل بروكلمن في كتابه تاريخ الادب العربي اذ انكر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وانكر القرآن ويزعم ان القرآن قد تأثر بالمبشرين في جنوب الجزيرة العربية ولم يذكر لزعمه هذا دليلاً لانه لا يوجد اي دليل، وقد استمع طه حسين واضرابه الذين تلقوا دروسهم في جامعات الغرب الى مثل هذه الاكاذيب وصدقوا وراحوا يرددونها في مناسبة وغير مناسبة امعاناً في التبعية والخضوع. كتاب هاملتون جيب عن الادب العربي الذي صدر عام 1963 يمكن ان يكون نموذجاً لكل ماردده المستشرقون الذين اشتغلوا بدراسة الادب العربي، في هذا الكتاب يقسم جيب العصور تقسيماً جديداً وهو لا يصف عصر ما قبل الاسلام بمثل ما يصفه المسلمون بأنه العصر الجاهلي لكنه يصفه بأنه العصر البطولي وذلك جرياً وراء النظرية المكذوبة في القول بأن العرب كانوا قد استعدوا للنهضة قبل مجيء الاسلام ولم يكن عمل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الا ان قادهم الى النهضة، وقد اشار جيب الى ان المستشرقين وفي مقدمتهم نيكلسون رفضوا مصطلح العصر الجاهلي وهذا الرفض مبني على انكارهم فكرة الجاهلية الضالة عابدة الوثن والصنم والتي قامت على قتل المؤودة وعلى الظلم والشرك، اما عصر الاسلام فيطلق عليه عبارة عصر التوسع ارتباطاً بذكرته عن بطولة الجاهلية. ومن الافكار الاستشراقية الصليبية واليهودية الخبيثة التي قال بها جيب انه يعتبر القرآن من كلام البشر وهذه النقطة يشترك فيها بروكلمن ونيلكسون وغيرهما، والمستشرقون لا يقبلون ولا يريدون لاتباعهم ان يقبلوا الحقيقة الاسلامية التي تقوم على اساس ان القرآن وحي من عند الله عز وجل وغير هذا وذاك فأن جيب يركز على اثر الثقافة اليونانية في الادب العربي ويرجع اليها كل ما في الادب العربي من تقدم ويرى ان النثر العربي فارسي الاصل ويعتبر الفلسفة الاسلامية فلسفة يونانية ‌في المصدر متابعاً في هذا اراء رينان وغيره، والى هذه المؤثرات يستند جيب في تقدير الخطوة الكبرى التي خطاها الشعر العربي في عصره الذهبي وهذا العصر ما هو إلاعصر ابي نواس وبشار وغيرهما ممن اولاهم طه حسين عناية تامة وهو يركز على المأمون واثره في ترجمة الفلسفات اليونانية والفارسية ويقف وقفة خاصة عند ابي نواس وبشار وهو اهتمام جميع المستشرقين، وعني جيب بالمعتزلة وشرحها شرحاً مستفيضاً بأعتبار ان الاعتزال مصدره يوناني تماماً كما اشاد بتلاميذ الثقافة اليونانية في كل ميدان وفي مقدمتهم ابن مسكويه، ومن اهتمامات المستشرق جيب ايضاً الاهتمام بالموشحات والسجع والمقامات وهي ليست من الادب العربي الاصيل وقد عمد الى تصوير العصر المملوكي بأنه عصر الانحطاط في حين هو عصر الموسوعات الحافل بدوائر المعارف الكبرى كما اهتم بالعناصر التي لا يعدها الباحثون المخلصون من اصول الادب العربي وهي الف ليلة وليلة وسيرة عنترة والسير الفولوكلورية كما تعمد جيب الاساءة الى العصر العثماني ورد كل عوامل الضعف والتخلف الى الخلافة الاسلامية والجامعة الاسلامية ورد النهضة كلها الى الحملة الفرنسية والارساليات التبشيرية وهذا كله زائف مضلل وليس صحيحاً على اطلاقه، وكما كاد يجمع هاملتون جيب في كتابه عن الادب العربي كل منطلقات الاستشراق التي عني بها طه حسين وزملاءه في كلية الاداب التي انشأت عام 1926 وما تزال هذه الخطوط في ايدي اتباع المتشرقين ودعاة التغريب ينمونها عاماً بعد عام ويحيونها متى صارت في حالة احتضار. اهتم جيب ايضاً بالقصة وولادتها في الادب العربي فقد اعلن طه حسين في محلة الدنيا المصورة عام 1932 ان المستشرق جيب يرى ان الادب العربي الحديث مايزال ضعيفاً وناقصاً لان القصة لن تنشأ فيه وانه رهن بظهور القصة فأن لم تظهر فلا ادب عندنا ولا ادباء، هذا الرأي الغريب تصدى له زكي مبارك في مجلة المعرفة اذ قال ان الدكتور طه لن يسلم من الحرص على التعلق بما يكتبه المستشرقون فأعلن حرصه على تدوين ملاحظات مستر جيب، هذه الملاحظات التي صارت عند الدكتور طه قرآناً لا ينبغي العدول عنه في تقدير الادب الجديد. ويعلن جيب اهتمامه بهذا الحدث ويتناول الموضوع غير واحد هيكل وعنان وغيرهما مرددين ما يريد المستشرقين قوله، يقول عنان استطعنا ان نقطع بأن المجتمع الاسلامي لا يمكن ان يبقى محصوراً في المباديء الاسلامية ان لم يمد كتاب القصص العربي بمادة واسعة وكأنما يطلب عنان في هذا انحلال المجتمع سريعاً حتى تخرج القصص الى الوجود ويردد جيب اقوال المعارض حين يقول ان القصة الغربية وما تتسم به من فتنة زائفة مبهرجة وبما فيها من مناقضة للأسس التقليدية التي تقوم عليها حياة الشرق فقد أدت الى إفساد الحياة الاجتماعية في مصر وتخريبها فلماذا اذن تضع الافعى في جيبها، ويقول زكي مبارك انه لا ينبغي مطلقاً ان نحرص على ظهور القصة في الادب الحديث لان ذلك الحرص نتائج مشئومة ايسرها ان تغلب على ادبنا صيغة الافتعال، والافتعال عدو الفطرة وهو شر مستطير في الادب والفنون. ويتسائل من الذي ينتظر ظهور القصة؟ الجواب حاضر ينتظر هذه القصة‌ احد رجلين مستشرق يريد ان يزن الآداب العربية بميزان الآداب الغربية وشرقي مفتون بالتقليد يريد ان يسار الاجانب في كل شيء. هذه اطراف من مؤامرة التغريب والغزو الثقافي الغربي التي تولى كبرها المستشرقون والمبشرون وعانهم عليها تلامذتهم الخاضعون لهم من ابناء المسلمين، ولنا بعد هذا لقاء نستكمل فيه الصورة والله سبحانه المستعان. ******* الاستشراق وإحياء الجاهلية - 172 2008-08-10 00:00:00 2008-08-10 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4253 http://arabic.irib.ir/programs/item/4253 تركت حملات التغريب التي قادها المستشرقون والمبشرون واتباعهم اثاراً في الادب العربي الحديث وفي النظرة الى التراث الاسلامي بشكل مركز، ولهذه الحملات الاستشراقية اثرن واضحان في الادب العربي: الاثر الاول: هو توجيه الدراسين العرب والمسلمين الذين يدرسون في معاهد الغرب الى اتخاذ مناهج الادب الغربي اساساً للبحث والتماس اسلوب النقد من نظريات النقد الاوروبي، وكذلك التماس اسلوب التاريخ والبحث جميعاً وهذا هو ما ظهرت نتائجه بوضوح فيما قام بتطبيقه احمد ضيف وطه حسين ممن درسوا في فرنسا او عبد الرحمن شكري ممن درسوا في انجلترا او ما اخذه من اتصل بالمستشرقين خارج المعاهد كأمين الخولي او من نقلوا هذه المذاهب من غيرهم كالمازني والعقاد. من الادب الفرنسي نقلت اساليب سانت بيف وبرويتر وتين ومن الانجليزي نقلت اساليب هافل وماكوري وهي اراء خضعت في اصولها لنظريات التطور لداروين والتحليل النفسي لفرويد والتفسير المادي للتاريخ لماركس والعلوم الاجتماعي لدور كاين وليدي برل وهم في جملتهم من اليهود الغربيين الذين يدفعون الفكر الى الاعتقاد بحيوانية الانسان والغاء المعنى الانساني الكريم. اما الاثر الثاني: فهو اثر المستشرقين انفسهم ونظرياتهم في الادب العربي التي جاءت نتيجة دراساتهم له وهؤلاء هم امثال مارجليوس وجيب وبروكلمن وبلاشر وجاك بلك، ويتصل بهذا ما كتبه العرب من الذين درسوا في معاهد الغرب من رسائل واطروحات خضعوا فيها لمناهج اساتذتهم او تأثروا فيها بمفاهيمهم، طه حسين مثلاً لا يتوقف لحظه ولا يستحي مرة من ان يعلن تبعيته الواضحة لاراء المستشرقين وخضوعه لمناهجهم في البحث وهو لا يخضع لمنهج واحد وانما تتشكل كتبه بالخضوع للمذاب المختلفة فهو خاضع مرة للمذهب الاجتماعي الذي يؤمن بجبرية الانسان فلا يجعل له ارادة اومسئولية على الاطلاق بل خاضع خضوعاً قسرياً كاملاً للبيئة والعصر وهذه تبدو واضحة في دراسته عن ابي العلاء المعري في القاهرة قبل ان يسافر الى باريس، وهناك خضوع واضح من طه حسين للمستشرق الفرنسي بلاشير في دراسته عن المتنبي وخضوعه لدور كاين في دراسته عن ابن خلدون، وزكي مبارك شأنه في ذلك شأن طه حسين مع تغيير قليل فهو في اطروحته عن النثر الفني يخضع لآراء كثيرة للمستشرقين وخاصة في افتراضه ان القرآن من كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي موقفه من الاعجاز ومحاولة تقليل دور الرسالة‌ الاسلامية والنبوة في خلق الحضارة الاسلامية والنهوض بالامة، وهذه كلها من اراء المستشرقين الذين اشرفوا على رسالته وفي مقدمتهم اليهودي لويس ماسينيون. في اغلب ابحاث من اشتغلوا في الادب والتاريخ نجد تبعيتهم للمستشرقين واضحه وخضوعهم لم يكن خضوعاً لمناهجهم في البحث وحدها بل حتى لآراءهم الشخصية، ان كل اراء طه حسين التي اذاعها والقاها في كلية الاداب فيما يتصل بتفسير القرآن انما اخذها من استاذه المستشرق كازنوفا وروجها تبعاً له وهي الآراء التي يقول فيها طه حسين ان القرآن له اسلوبان احدهما خشن وهو في مكة والآخر لين وهو في المدينة نتيجة لتأثر الرسول باليهود كما يزعم هذا المتغرب التالف، وتهيمن اراء كازنوقا ايضاً على طه حسين فيما ردده وافاض فيه من القول بأن النثر الفني في العربية هو فارسي الاصل وان اول من كتبه هو ابن المقفع وقد عارض زكي مبارك هذه النظرية في كتابه النثر الفني، كذلك ما اوصى به طه حسين وردده من الاعتماد على الف ليلة والاغاني لمصادر البحث الادبي مع انها من المؤلفات التي ليست لها اهلية المراجع ومردها هذا كله الى توجيهات المستشرقين مما هو من صميم هدف حركة الاستشراق المعادية كما تعلمه طه حسين في معهد الدراسات الشرقية في باريس. المستشرق مارجليوس اليهودي الدين الانجليزي الاصل يعد اول من آثار الشك في الشعر الجاهلي وقال انه منحول، وقد سار طه حسين على نفس الطريق وكان مارجليوس قد نشر بحثين في هذا الموضوع في الجمعية الملكية الآسيوية احدهما عام 1916 والآخر في يوليو عام 1926 اي قبل صدور كتاب طه حسين في عام 1926، وقد رجح في بحثه ان هذا الشعر الذي يقرأ على انه شعر جاهلي انما نظم في العصور الاسلامية ثم نحله هؤلاء الواضعون المزيفون لشعراء جاهلين، يقول الدكتور ناصر الدين الاسد في اطروحته عن مصادر الشعر الجاهلي ان الدكتور طه حسين استقى اكثر مادته حيث يستشهد بالاخبار والروايات من العرب القدماء وسلك سبيل مارجليوس في الاستنباط والاستنتاج وتعميم الحكم الفردي الخاص واعتباره قاعدة عامة وقد اشار طه حسين في التحقيق الذي اجرته معه النيابة العامة الى ان للبحث مصادر يعرفها فقال ان هذا فرض افترضته دون ان اطلع عليه في كتاب آخر وقد اخبرت ان شيئاً من هذا يوجد في بعض كتب المبشرين ولكني لم افكر فيه حتى بعد ظهور كتابه ولا ريب ان طه حسين يكذب في هذا كما ثبت من مراجعة النصوص وتبين اخذه المباشر عن المستشرق اليهودي مارجليوس. وهناك اشارة اخرى الى كتاب اعتمد عليه طه حسين غير كتابات مارجليوس هو كتاب مقالة في الاسلام لجرجيس سال الانجليزي الذي وقعه بأسم مستعار هو هاشم العربي المطبوع في القاهرة عام 1890 يرى فيه كاتبه ما ردده بعدئذ طه حسين، وقد كشف عن هذه الفضيحة عبد المتعال الصعيدي في جريدة الاهرام في 12 من مايو عام 1926. في كتابه الذائع الصيت نجد المستشرق كارل برو كلمن يقف من النبي (صلى الله عليه وآله) ومن الاسلام موقفاً شائناً لدوداً يقوم على انكار الرسالة‌ وانكار الاسلام ومثله في هذا جميع المستشرقين غير انهم درجات في الانكار، ومن اشدهم جرأة وعداوة في هذا نولتكه وبرو كلمن اللذين تفوها بهذيان فخري يذكّر بالحقد اليهودي المتأصل على الاسلام والقرآن العظيم فكان مما قال بروكلمن ان قالب القرآن من القوالب الشعرية وانه تأثر بموعظة التبشير المسيحي على لسان المبشرين العرب من جنوب الجزيرة وهذا في الواقع هراء ينكره كل من له ادنى معرفة بحقائق التاريخ، وهكذا فالاستشراق في نظرته العامة لا يخرج عن هذه المفاهيم التي يرددها كل من تلاميذ المستشرقين ودعاة التغريب، ولقد استمع طه حسين وزكي مبارك وعشرات من الادباء الذين تلقوا دروسهم في جامعات الغرب الى مثل هذه الاكاذيب وصدقهم كثير منهم ورددوها، ومن العجيب ان اكثر من رددوها كانوا من الازهر وفي مقدمتهم طه حسين وزكي مبارك وامين الخولي، هذا ولنا بعد يا اخي لقاء في الموضوع بأذن الله. ******* المتغربون ونقد الأدب العربي - 171 2008-08-07 00:00:00 2008-08-07 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4252 http://arabic.irib.ir/programs/item/4252 الموجة التغريبية التي قادها المستشرقون والمبشرون وتلامذتهم التابعون في النصف الاول من القرن العشرين كانت موجة ماكرة خبيثة معادية تبرع للخدمة فيها امثال احمد ضيف وطه حسين وزكي مبارك واضرابهم وطائفة من تلاميذهم المنسلخين عن الاصالة المشوهين فكرياً وروحياً، وقد تعرض البيان القرآني بسبب منهج النقد الادبي الغربي الوافد الى اخطار علنية اذ كان هذا البيان الإلهي المقدس هدفاً اساسياً من اهداف هذا النقد، والملاحظ ان محاولة الدخول اليه والهجمة عليه لن تكن عبر الابواب العامة والرئيسية بل كانت من وراء ذرائع وعلات يراد بها في النهاية ان تصل الى نقد بيان القرآن الكريم واسلوبه، من هنا كان كتاب الشعر الجاهلي وكتاب في الادب الجاهلي لطه حسين من اكبر المحاولات التي حرصت على‌التعرض للبيان القرآني ثم جاء كتاب النثر الفني في القرن الرابع لزكي مبارك فوسع نطاق هذه المحاولة ثم كانت بعد ذلك محاولات الفن القصصي لخلف الله وغيره. لقد بدأ دعاة المنهج الغربي من حيث انتهى المبشرون والمستشرقون ومن خلال شبهة مضللة وهي ان القرآن المجيد من صنع محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن قوله ومن هنا اباحوا النظر اليه على انه وثيقة ادبية من انشاء بشر في حين هو في حقيقته تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه، وقد كان الإلحاح على هذه الدعوة التغريبية من اخطر ما القي الى الشباب في كلية الآداب بجامعة القاهرة في حينها وفي الدراسات والمحاضرات المختلفة بل ان احدهم لينكر كيف كان التالف طه حسين يكلف بعض طلبته ان ينقدوا بعض آيات من القرآن يعينها لهم ويطلب منه اثبات هذا النقد من كراسات يتلونها عليه، فكانوا يذكرون مثلاً ان هذه الآية ليست من البلاغة بمكان وان الآية الاخرى مفككه لا تؤدي المعنى المقصود منها وامثال هذه الافتراءات المعادية التي تتلبس بلباس الادب والنقد الادبي، وقد غاب عن هذا المتغرب المنسلخ انه لا يصح التصدي لتفسير القرآن الا لمن تتوافر فيه شروط اساسية‌ منها ان يكون ملماً بكل فروع اللغة العربية وآدابها وان يكون واسع الاطلاع على اسباب النزول والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه وبحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واسناده فهل تتوافر مثل هذه الشروط في هؤلاء التلامذة المبتدأين بالنحو الذي تتوافر فيمن يتعرض لتفسير كتاب الله، فما بالكم لمن يزعم انه يريد ان ينقده؟ لقد جاء في احدى هذه المحاضرات الصبيانية ان على الباحث الناقد ان لا يفرق في نقده بين القرآن وبين اي كتاب ادبي آخر وقد بدأ التشكيك بالقول ان في القرآن اسلوبين متعارضين لا تربط الاول بالثاني صلة ولا رابطة وهذا في الواقع تقليد اعمى لما اتراه بعض المستشرقين والمبشرين من ان القرآن من صنع النبي ومن انشاءه وانه تأثر في مكة بالنصارى وفي المدينة باليهود ويحاول طه حسين ان يقنع شباب كلية الاداب بذلك ويحاول ان يفرق في صياغة القرآن بين القسم المكي منه الذي يصفه بقصر الآيات والخلو التام من التشريع وبين القسم المدني الذين ينفرد بالتشريع ثم يعبر طه حسين عن عمى بصيرته اضافة‌ الى عمى بصره فيقول: «ان هذا اثر واضح من اثار التوراة والبيئة اليهودية» وهناك مسألة الحروف المقطعة التي تبدأ بها بعض سور القرآن الكريم مثل «الم، كهيعص، حم» وغيرها يقول عنها هذا الاستاذ التالف المتغرب انها كلمات ربما قصد منها التعمية او التهويل واظهار القرآن بمظهر عميق مخيف او هي رموز وضعت لتمييز المصاحف المختلفة التي كانت موضوعة عند العرب. وقد اكدت لجنة التحقيق المتشكلة من عدد من العلماء في تقريرها ان طه حسين قد انكر تواتر القرآن وقراءاته وانكر الاعتقاد بصدق القرآن وانكر صدق القرآن والنبي فيما اخبرا به عن ملة‌ ابراهيم وصحف اسماعيل كما أيّد مزاعم المستشرقين المعادية بشأن القرآن الكريم، النائب العام محمد طاهر نور الذي اجرى التحقيق مع طه حسين بشأن مفترياته قال: «خطأ طه حسين يبدأ بأفتراض يتخيله ثم ينتهي بأن يرتب عليه قواعد كأنها حقائق ثابتة كما فعل في مسألة ابراهيم واسماعيل وهجرتهما الى مكة وبناء الكعبة فأنه بدأ بقوله، للتوراة ان تحدثنا عن ابراهيم واسماعيل وللقرآن ان يحدثنا عنهما ايضاً لكن ورود هذين الاثنين في التوراة والقرآن لا يكفي لاثبات وجودهما التاريخي فضلاً عن اثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة اسماعيل بن ابراهيم الى مكة ونشأت العرب المستعربة فيها، لكن طه حسين ما يلبث ان يبني على شكل هذا حقيقة وقراراً بكثير من الصراحة حين قال امر هذه القصة اذن واضح فهي حديثة العهد ظهرت قبيل الاسلام واستغلها الاسلام لسبب ديني فما هو اذن الدليل الذي انتقل به طه حسين من الشك الى اليقين؟ ان هذا الكتاب ليعجز حقاً عن الاتيان بدليل واحد يؤيد ما يزعمه وما يذهب اليه وكل ما استند عليه من الأدلة هو من قبيل قوله فليس يبعد ان يكون، فما الذي يمنع، ونحن نعتقد، ومثل قوله واذن فتستطيع ان تقول»، وحين سؤل هذا المتغرب المنسلخ عن أصل مسألة ابراهيم واسماعيل وهل هي من استنتاجه او نقلها من احد فقال: «هذا فرض فرضته انا دون ان اطلع عليه في كتاب آخر واخبرت بعد ان ظهر الكتاب ان شيئاً مثل هذا يوجد في بعض كتب المبشرين» ولا ريب انه كان يكذب فهو الناظر دائماً الى ما تخطه اقلام المستشرقين والمبشرين. والمبشر صاحب هذا الكتاب الذي اشار اليه كان قريباً منه وهو الذي تسترّ تحت اسم مستعار هو هاشم العربي بيد ان هذا المبشر كان اظرف في تعبيره من طه حسين واكثر لباقة. كتاب طه حسين حول الشعر الجاهلي الذي ضمنه اراءه التافهة قد اعترض عليه كثيرون منهم محمد احمد الغمراوي ومحمد الخضر حسين ولطفي جمعة ومصطفى صادق الرافعي، وكشف الغمراوي عن مؤامرة تحويل كتاب الشعر الجاهلي الذي صدر الى اسم جديد هو الادب الجاهلي واشار الى انه ألغى ما تورط فيه لكنه في كتابه الجديد ظلّ على اتجاهه العام في التشكيك في القرآن. ويقول عنه كاتب آخر: «اذا كان قد طوى في الطبعة الجديدة من كتابه بعض الخزي الذي كان في طبعة القديمة كزعمه ان ما ورد في القرآن وفي التوراة عن ابراهيم واسماعيل عليهما السلام انما هو اسطورة غير مستند في هذا الزعم الى دليل علمي فأن في الطبعة الجديدة من العداء ‌للاسلام والعرب ومن السفطة المستورة‌ والمكشوفة شيئاً كثيراً»، والحق ان الذين يتصورون ان طه حسين الف كتابه عن الشعر الجاهلي ليناقش الشعر المنحول والمفتعل انهم هم قصار النظر فالواقع ان طه حسين اراد ان يثبت اراءه المنحرفة والإلحادية جميعاً التي لم يجد سبيلاً لإعلانها صراحة فغلف بها هذا البحث ودسها في ثنايا الكتاب. ******* المتغربون والمساس بقدسية القرآن - 170 2008-08-02 00:00:00 2008-08-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4251 http://arabic.irib.ir/programs/item/4251 تعرض البيان القرآني في ظل منهج النقد الادبي الغربي الى اخطار عديدة وقد حمل لواء هذا المنهج المعادي كل من احمد ضيف وطه حسين وزكي مبارك وسواهم من التابعين المقلدين لقادة الغزو الثقافي والتمييز الحضاري من مبشرين ومستشرقين، وقد تعرفنا في اللقاء السابق عن محاولات طه حسين الذميمة في هذا المجال والان دعنا نتعرف على وجه ذميم آخر من وجوه التغريب المنسلخة عن الاصالة الاسلامية وعن الهوية الاصيلة التي بناها الاسلام، هذا اذن وجه زكي مبارك اكبر تلاميذ التالف طه حسين، فماذا نطالع في هذا الوجه؟ في كتابه النثر الفني ردد الدكتور زكي مبارك ما كان يردده استاذه الدكتور وتابعه في اغلب اراءه وشطحاته في مختلف كتاباته وان اختلف معه في مسائل فرعية، الاستاذ محمد احمد الغمراوي كشف انحرافات كتاب النثر الفني كما كشف من قبل انحرافات كتاب الادب الجاهلي لطة حسين، يقول زكي مبارك في مسار الدعوة الى نقد القرآن بوصفه اثراً ادبياً: «انما النقد ان يقف الباحث امام الاثر الادبي موقف الممتحن للمحاسن والعيوب من اجل ذلك وسم اكثر ما كتب عن القرآن بأسم الاعجاز لان النقاد اطمأنوا الى ان القرآن هو المثل الاعلى الذي تقف عنده حدود الطبيعة الانسانية في البلاغة والبيان» وقد علق الغمراوي على ذلك: ان معنى هذا ان زكي مبارك يعيب على علماء العربية انهم حين تعرضوا لنقد القرآن ولم يذكروا الا المحاسن فنقدهم من اجل ذلك في رأيه بالنقد غير الصحيح، النقد عنده ان يقف الباحث امام الاثر الادبي موقف الممتحن للمحاسن والعيوب وهذا صحيح ولكن في نقد كلام الناس لا كلام الله، ولو كان القرآن الكريم كلام بشر لكان اثراً ادبياً لصاحبه ولجاز ان يكون بأزاء المحاسن عيوب يبحث عنها النقاد اما وهو كلام خالق البشر انزله سبحانه وتعالى هداية ومعجزة لرسول الله وتحدى به كل شاك من العرب وغير العرب بل تحدى به الجن والانس على اختلاف العصور فكيف يمكن ان يقف الناقد امامه الا كما يقف الناقد امام آية من آيات الله في الارض والسماء، وحين درس علماء العربية ونقاد الكلام ايات الله في القرآن العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فلا توقعوا نقصاً ولم يروا عيباً ولم يجدوا الا كمالاً وجمالاً وجلالاً واعجازاً، عرض بهم زكي مبارك ولمزهم فقال: «انهم لم يذكروا الا المحاسن وكأن هناك بجنب المحاسن عيوباً كان عليهم ان يذكروها والا كانوا غير نقاد». اجل ان العهد الذي كان ينظر فيه في القرآن نظر طلب العيون الذي اسس اساسة الاعداء المستشرقون والخاضعون لاهواءهم، هذا العهد ولى بالفعل ولى الى‌ غير رجعة، والذين نظروا في القرآن تلك النظرة التي ينظر اليها زكي مبارك الآن من العرب الاقدمين كانوا اقدر منه الف مرة على ادراك عيب واحد لو وجدوه وكانوا ابصر لنقد الكلام لانهم كانوا اهل العربية الفصحى وضعوها ودرجوا عليها ونشأوا فيها واحكموها شباباً وشيباً، رجالاً ونساءاً فكانوا يصدرون منها عن بصيرة سيما لا يمكن ان يصدر زكي مبارك او يبصر فيها. يحاول زكي مبارك ان يعتبر القرآن اثراً جاهلاً اذ جاء بلغته وتصوراته وتعابيره يعطي صورة في النثر الجاهلي، ويريد هذا الدكتور الكاتب ان يثبت قدم النثر الغني عند العرب انكاراً لما يقوله المستشرقون من ان النثر الفني جاءهم من الفرس واليونان، والواقع ان مبارك هذا يريد ان ينفي عن العرب تهمة اخذ النثر عن الفرس واليونان فلا يجد سبيلاً لهذا الا ان يسلبهم القرآن كتاباً من عند الله ليرده اثراً جاهلياً يثبت لهم ذاتية ادبية، افترى هذا الكاتب يرى‌ القرآن من عند الله ام من عند العرب، اذا كان من عند الله فكيف يمكن ان يثبت به للعرب ذاتية‌ ادبية كالتي اراد وليس منه للعرب حرفاً واحد واذا كان اثراً جاهلياً يثبت به قدم النثر الفني فكيف يمكن ان يكون من عند الله؟ ويتابع زكي مبارك ما رسمه المستشرقون في معاداة الاسلام والقرآن اذ يرى ان القرآن كتاب طبيعي مملوء بالزخرف اللفظي والصنعة الفنية المحكمة وان على الباحثين ان يحدثونا عن الصلات الادبية والاجتماعية التي وصلت الى العرب من الخارج فأعطت نثرهم تلك القوة وذلك الزخرف اللذين تراهما مجسمين في القرآن، هناك نعرف بالبحث أكان القرآن صورة عبقرية ام تقليدية؟ هذا الكلام لا يقبل شكاً، ان هذا الكاتب المولع بالغرب يرى ان القرآن من كلام العرب تأثر بما تأثروا به وهو ينسب الى القرآن العبقرية وهي بشرية بلا ريب، ثم يشكك في هذه العبقرية وتشكيكه في العبقرية وتجويزه ان يكون القرآن قد قلد النثر الجاهلي او الاجنبي دليل قاطع على انه لا يرى القرآن من كلام واهب العبقرية وفاطر الانسان ولكن من كلام بشر مشكوك في عبقريته، وهذا ينبأ عن عمى البصيرة والجهل الكبير الذي كان يعيش فيه تلميذ المستشرقين والمتابع للمبشرين الصليبيين. ويستبد بزكي مبارك غروره الاجوف وجهله المنفوخ بالوهم فيذكر ان القرآن كتاب صلوات مثل الكتب المقدسة المتداولة فهو يقول: «والقرآن نثر جاهلي والسجع قد يجري على طريقة جاهلية حين يخاطب العقل والوجدان، وقد وضع القرآن للصلوات والدعوات ومواقف العناء والخوف والرجاء ستوراً مسجونة تماثل ما يرتله المتدينون من النصارى واليهود والوثنيين والقرآن وضع لاهله صلوات وترنيمات تقرب في صيغتها الفنية مما كان لاهل الكتاب من صلوات وترنيمات والفرق بين الملتين يرجع الى المعاني ويكاد ينعدم فيما يرتبط بالصور والمعاني والاشكال وذلك ان اهل الديانات الثلاثة الاسلام والنصرانية واليهودية يرجع الى مهد واحد هو الجزيرة العربية». وانت ترى كيف يغالط هذا الكاتب الموهوم وكيف يصرح غلطاً واشتباهاً تاريخياً بيناً ان الجزيرة العربية هي مهد الديانات الثلاث، وكلامه عن الصلوات والتماثل بين القرآن والكتب المقدسة يدل على انه لن يعرف القرآن ولا الكتب المقدسة بل هو يرسل كلامه ارسالاً لا برهان له ولا دليل عليه وكأنما يريد من الناس ان يتركوا عقولهم ويتابعوه فيما يقول متابعة الاعمى كما تابع هو اسقاط المبشرين ومرضى المستشرقين. ان الجهل والغرور هو ما كان يتحرك في داخل زكي مبارك فيكتب ما يكتب ويذيعه للناس، وقد بلغ من غروره انه حصل على شهادة الدكتوراه من القاهرة ثم سافر الى باريس اعطاه المستشرقون شهادة دكتوراه ثانية فكان هذا الرجل اذا تحدث عن نفسه يقول نحن الدكاتره زكي مبارك وكفى بهذا شاهداً على لوثة العقل. ******* زكي مبارك ونقد كتابه النثر الفني - 169 2008-07-29 00:00:00 2008-07-29 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4250 http://arabic.irib.ir/programs/item/4250 عرفت الفنون التي سبقت الاسلام ضروباً كثيرة من الرسوم الهندسية ولكن هذه الرسوم لم يكن لها شأن مهم في تلك الفنون اذ كانت تستخدم في الغالب اطارات لغيرها من الزخارف، اما في الفن الاسلامي فقد اضحت الرسوم الهندسية عنصراً من عناصر الزخرفة، ولسنا نريد هنا ان تعنى عناية خاصة بالرسوم الهندسية البسيطة كالمثلثات والمربعات والمعينات والاشكال المخمسة والمسدسة ولا بالاشكال الهندسية التي كان لها شأن يذكر في الزخارف الساسانية والبيزنطية كالدوائر والعصائب والجدائل المزدوجة والخطوط المنتشرة والخطوط المتشابكة وانما نعنى على وجه الخصوص بالرسوم الهندسية التي امتازت بها الفنون الاسلامية ولا سيما في عصر المماليك بمصر، تلك هي التراكيب الهندسية ذي الاشكال النجمية المتعددة الاضلاع وهي التي ذاعت في مصر واستخدمت في زخارف التحف الخشبية والنحاسية وفي الصفحات المذهبة في المصاحف والكتب وفي زخارف السقوف وغير ذلك. وقد اتقن المسلمون هذا النوع وعنوا بالابتكار والتعقيد فيه، وقد عني المستشرق رجوان بدراسة هذه الزخارف الهندسية المعقدة وبتحليلها الى ابسط اشكالها، ويتجلى من دراسته الطريفة ان براعة المسلمين في الزخارف الهندسية لم يكن اساسها الشعور والموهبة‌ الطبيعية وحسب بل كانت تقوم على علم وافر بالهندسة العلمية ولسنا نظن ان المسلمين كان لديهم كتب كان فيها نماذج الزخارف الهندسية الاسلامية الذائعة لكن المرجح ان هذه الزخارف كانت سراً من اسرار الصناعة يتلقاها الصبيان عن معلميهم في الفن والمهنة فكانت تتعلم بالدربة والمران كما كانت تصنع لها قوالب ونماذج يستعملها الصناع والفنانون في بعض الاحيان، اما العنصر النباتي في الزخرفة الاسلامية فقد تأثر كثيراً بأعراض المسلمين عن نظرية‌ محاكاة الطبيعة محاكاة دقيقة فكانوا يستخدمون الجذع النباتي والورقة لتكوين زخرفة تمتاز بما فيها من تكرار وتقابل وتناظر، وتبدو عليها مسحة هندسية تدل على سيادة مبدأ التجريد في الفن الاسلامي. واكثر الزخارف النباتية ‌شيوعاً الارابك وقد عم استعمال هذا المصطلح حتى اطلقت على‌ كل الزخارف النباتية في الفن الاسلامي، لكن الحقيقة ان الارابك هي الزخارف المكونة من فروع نباتية وجذوع منتمية متشابكة ومتتابعة وفيها رسوم محورة عن الطبيعة ترمز الى الوريقات والازهار. وقد بدأ ظهور زخارف الارابك في القرن الثالث الهجري فتراها في الزخارف الجصية التي كانت تغطي الجدران في مدينة سامراء بالعراق وفي مصر ابان العصر الطولوني الذي كان متأثراً كل التأثر بالاساليب الفنية العراقية نظراً لان ابن طولون نشأ في سامراء ونقل منها الاساليب والرؤى الفنية الى مصر، هذا وقد تطورت زخارف ارابك في العصر الفاطمي حتى بلغت بعد ذلك غاية عظمتها في العالم الاسلامي منذ القرن السابع الهجري، وقد اتقن المسلمون زخارف نباتية اخرى غير الارابك تتكون ايضاً من جذوع نباتية وازهار واوراق تختلف في دقة تقليد الطبيعة بحسب الزمان والمكان على اننا نلاحظ في ايران منذ نهاية القرن السابع ان الموضوعات الزخرفية النباتية كانت تميل الى صدق الطبيعة، ويبدو على بعض الزخارف النباتية الاسلامية طابع هندسي لان قوامها خطوط منحنية او ملتفة يتصل بعضها ببعض، وقد يكون بينها ما يبرز منه مض او فصان او اكثر وقد يراعى في هذه الخطوط مبدأ التقابل والتماثل. اما استخدام الرسوم للكائنات الحيوانية في الزخرفة فهو مما عرفت به الفنون القديمة في آسيا وظهرت رسوم الحيوان الى حد ما في اثار الفن الاسلامي التراثي اذ رسم المسلمون في زخارفهم الفنية صوراً للاسد والفهد والفيل والغزال والارنب والطيور الصغيرة بأنواعها وربما رسموها مع فرع نباتي يتدلى من منقارها او حول رقبتها وقد لاحظ بعض المتخصصين في الفن الاسلامي ان معظم الحيوانات والطيور التي رسمها الفنانون المسلمون كانت من الحيوانات والطيور التي تصطادا وتستعمل في الصيد وهذا يذكر بمشاهد الصيد التي كان يرسمها الشاعر العربي في العصر الجاهلي وفيما بعد مما عرف بأسم الصيد والطرد. واخذ المسلمون عن فنون الشرق الاقصى رسوم حيوانات خرافية ومركبة وطبيعي انها لقيت منهم ترحيباً كبيراً لانها كانت تتفق في تركيبها مع البعد عن الحقيقة والطبيعة ومع التجريد الذي عرفه الفن الاسلامي بيد ان المسلمين حين اخذو الحيوانات الخرافية عن الصين لم يحتفظوا بمعانيها الرمزية بل اصبحت عندهم رسوماً زخرفية فحسب، ومن الحيوانات المركبة التي ذاعت في الرسوم والزخارف الاسلامية رسم الفرس ذي الوجه الآدمي ولاسيما انه يتوفر فيه الوصف الذي جاء في المصادر الاسلامية عن البراق فعني المسلمون برسمها في توضيح قصة المعراج. ونحن نعرف ان الفنانين المسلمين وضحوا بالصور مخطوطات كليلة ودمنة ومخطوطات التاريخ الطبيعي فرسموا شتى انواع الحيوان والطيور ولكنها رسوم طبيعية وليست زخرفية وهي شاذة في الفن الاسلامي وقصدت لذاتها دون ان تكون اساساً للزخرفة بيد ان الفنان المسلم لم يقبل في رسم الحيوان على تقليد الطبيعة تقليداً حرفياً الا منذ القرن السادس الهجري الى ان تأثر بأساليب الرسوم الصينة الحيوانية وهكذا نرى ان رسم الحيوان في الفنون الاسلامية لم يكن مقصوداً لذلك الحيوان الا في النادر القليل وانما اتخذت هذه الرسوم في معظم الاحيان موضوعاً زخرفياً وكانت توضع في دوائر او اشرطة او في مناطق هندسية مختلفة‌ الاشكال منفردة او متواجهة او متدابرة، وقد صنع المسلمون اواني معدنية وخزفية على هيئة الحيوانات والطيور واواني اخرى عليها رسوم الحيوانات على نحو مغاير للطبيعة ومحوّر عنها وعلى نحو محاكي لها احياناً. ومن مظاهر الفن الاسلامي وتجلياته الجميلة ايها الاخوة الاعمال الفنية المقترنة بالتجليد اذ اظهر المسلمون تفوقاً وبراعة في تجليد الكتب وقد امتازت جلود الكتب الاسلامية بزخارفها الرائعة الهندسية ورسم الحيوان والطير بل حتى الرسوم الآدمية كانت جلود الكتب الايرانية والتركية اكثر تنوعاً من جلود الكتب المصرية والمغربية فكانت الايرانية تشتمل في كثير من الاحيان على مناظر طبيعية او آدمية او حيوانية‌ في حين كانت زخارف الكتب التركية تتألف من رسوم هندسية او اشكال متعددة الاضلاع مجتمع بعضها بجوار بعض في شكل اطباق نمية وسواها من التصاميم الفنية، وكانت الجلود الاولى من خشب مغطى بالجلد والمزين بالرسوم الهندسية ثم استخدم الورق بدل الخشب واستخدمت الزخارف المكونة من الرسوم والخطوط المتشابكة وقد عرف المسلمون في التجليد طريقة الدق اي الضغط كما استخدموا التخريم والطلاء والتلبيس بالقماش وكانوا احياناً يغطون الجلد بالرسم الذي يريدونه ثم يلصقونه على القماش الملون ويذهبون الخطوط والرسوم بعد ذلك، واستعملوا احياناً طريقة قوامها طبقتان من الجلد تلصق احداها فوق الاخرى بعد ان تخرق الموضوعات الزخرفية المطلوبة في الطبقة العليا وبلغت صناعة التجليد ذروة ازدهارها في ايران في القرن التاسع الهجري اذ أبدع الفنانون تركيب الزخارف من المناظر الطبيعية وبلغوا الاتقان في دقة الرسم واسلوب الصناعة وسلامة‌ النسج، وفي القرن العاشر الهجري كان المصورون اكبر عون لصناع جلود الكتب في رسمهم الاشكال الآدمية والزخارف النباتية بدقة ورشاقة وانتج فنانو هذا القرن بعض الجلود الفاخرة المخرمة من الورق والجلد المقطوع بدقة‌ وكانت هذه الجلود ذات طبقات متعددة تختلف كل واحدة في لونها عن الاخرى وتوضع بعضها فوق بعض هذا وقد اشتغل كثير من الفنانين الايرانيين في تركيا في القرن التاسع والعاشر بعد الهجرة فأنتجوا جلوداً ثمينة ونبغ في هذا الميدان كثير من الفنانين الترك. ******* الرسوم الهندسية في فن الزخرفة الاسلامي - 168 2008-07-27 00:00:00 2008-07-27 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4249 http://arabic.irib.ir/programs/item/4249 تجلى الفن الاسلامي التراثي في مظاهر عديدة‌ متنوعة، كلها يحكي ابداع هذا الفن ورؤيته الوجودية الشاملة النابعة من عقيدة التوحيد الكبرى، استخفى في الفن الاسلامي معرفة فنون الحضارات الاخرى من محاكاة الطبيعة واستخفت ايضاً شخصية الفنان بمعنى غياب همومه الشخصية ومعاناته العاطفية لتبقي شخصيته الفن نفسه بما تعبر عنه صبغة هندسية وجودية ومن تجريد بالمعنى الخاص بهذه الكلمة، تجلى الفن الاسلامي في الخط والنحاس والخشب والفخار والزخرفة والعمارة وما اليها، وكل نوع من هذه الانواع الفنية مما له تاريخ طويل استوعب ما يربو على ألف عام وتوزع في بقاع جغرافية انتشرت في قارات ثلاث هي آسيا وافريقيا وارض الاندلس في اوروبا، ولعل فن الخزف من اكثر انواع الفن الاسلامي شيوعاً لإرتباطه الوثيق بالحياة اليومية للناس بما يؤدي من وظيفية لاغنى عنها للانسان المسلم في كل البيئات، لا يكاد يعرف شيء من صناعة الخزف أبان حكم الامويين بيد أن الفخار في العصر العباسي كان على انواع فمنه فخار غير مطلي او ذو طلاء من نوع واحد وزخارف بارزة واهم المعروف منه مجموعتان: الاولى مجموعة: من اشجار بغير طلاء او عليها طلاء ازرق او اخضر وزخارفها بارزة وقوامها اشرطة من حبيبات واغصان واوراق نباتية. اما المجموعة الثانية: فمعظمها صحون واكواب صغيرة زخارفها بارزة وهي بطلاء اخضر او اصفر وقوام تلك الزخارف اشكال هندسية مختلفة وفروع نباتية ووريقات محورة من الطبيعة وقد يوجد بينها في النادر رسوم بعض الطيور والمعروف ان قطعاً من هذا الخزف وجدت في سامراء والمدائن والسوس والري والفسطاط بمصر. اما الخزف العباسي ذي البريق المعدني فقد كان ابداعه في سامراء وما عثر عليه في اطلال هذه المدينة يفوق في جماله وبريقه كلما عرفه العالم الاسلامي من هذا انخرف وزخارفه الفنية‌ في العراق منقوشة ببريق معدني ذي لون واحد او متعدد الالوان، فوق طلاء قصد يرى لون وزخارفه المتعددة الألوان ابدع من غيرها ويغلب على‌ الوانها الذهبي والأخضر الزيتوني والاخضر الناصع والبني وقوام تلك الزخارف فروع نباتية محورة ‌عن الطبيعة واشكال مخروطية ومراوح نخيلية‌ ذات ثلاثة فصوص و رسوم مجنحة ودوائر بيض في وسطها نقط دكناء واشكال هندسية مضللة بخطوط صغيرة. ولم يعثر في سامراء ولا في غير من مناطق العراق على خزف ذي بريق معدني عليه رسوم آدمية وحيوانية ومن ابدع التحف الخزفية ذات البريق المعدني البلاطات الفاخرة التي تؤلف اطاراً جميلاً لمحراب المسجد الجامع في القيروان وعددها تسع وثلاثون ومئة بلاطة مربعة جلبها بتي الاغلب من بغداد في بداية القرن الثالث الهجري قبل ان تزدهر صناعة هذا الخزف في سامراء. وعثر المنقبون على‌ تحف عباسية من الخزف ذي البريق المعدني في ايران بعضها يشبه ما وجدت في العراق ولكن بعضها الآخر عليه رسوم طيور وحيوان بل ان بعضها عليها نقوش ادمية هي اقدم ما يعرف من هذا النوع من الخزف الاسلامي كله ويدل رسم الصورة الآدمية بالتحف المعروفة من هذا الخزف ذي البريق المعدني على ان الفنانين لم يصلوا بعد الى حد الاتقان الذي بلغوه في الرسوم الزخرفية عامة وفي بعض رسوم الحيوان والطير خاصة، الحق ان معظم رسومهم الآدمية التي لها تعبير قوي هي بسيطة‌ وتشبه رسوم الاطفال، هذا ويمكن يا اخي ان ينسب هذا الخزف ذو البريق المعدني في ايران الى القرنين الثالث والرابع بعد الهجرة ولكن لا تمكن نسبة قطعة منها الى مدة محددة‌ في هذين القرنين: اللهم الا اذا روعيت مسألة‌ اتفاق الرسم وموافقته سطح الاناء وابداع الالوان وما الى ذلك من دقة الصناعة‌ والزخرفة مما يحمل على نسبة التحفة الى مدة متأخرة كمل فيها تطور الصناعة واستقرت اصولها وقواعدها ويرجح المتخصصون ان صناعة الخزف العباسي ذي البريق المعدني في ايران كانت حكراً على المراكز الفنية في غرب هذه البلاد، اما في شرقها فقد ازدهرت انواع اخرى من الخزف وقد عرفت مصر في هذا العصر صناعة الخزف ببريقه المعدني وجلبت نماذج منه من العراق وتم انتاج ما يماثله لا سيما في زمن الدولة الطولونية بيد ان رسوم الحيوان على الخزف الطولوني محورة عن الطبيعة الى حد بعيد كما ان الرسوم الآدمية ليست الا رسوماً بدائية تحددها بضعة خطوط والعيون فيها مستديرة او لوزية الشكل في حين يمثل الأنف خطان عموديان متوازيان ينتهيان بدائرة تعني الفم او خط صغير يرمز اليه. ومن انواع الخزف في هذا العصر خزف ابيض ذو نقوش زرقاء وخضراء فوق الطلاء وعليه في حفريات سامراء والسوس والري وساوة وقم وكان ينسب في البداية الى العراق ولكن الراجح الان انه كان يصنع ايضاً في غرب بلاد ايران وفي الري، وفي نيشابور عثر على قطع خزفية يمكن اعتبارها تقليداً لهذا الخزف الابيض ذي النقوش الزرقاء والخضراء ولكن زخارف القطع التي عثر عليها في نيشابور معظمها كتابات منقوشة باللون الاسود تحت الطلاء وليس فوق كما هو الحال في خزف العراق وغربي ايران ولوحظ فيما عرف من هذا الخزف الابيض ان عجينته تختلف في بعض القطع عنها في بعضها الآخر مما يشهد بأن إنتاجه لم يكن وقفاً على إقليم واحد من أقاليم العالم الاسلامي وانتشر هذا الخزف بين القرنين الثالث والخامس بعد الهجرة كما يتبين من وجوده في سامراء التي هجرت سنة 270 للهجرة ومن اسلوب الكتابات الموجودة على بعض قطع منه التي يمكن نسبتها الى نهاية القرن الرابع الهجري، معظم منتجات هذا النوع من الخزف سلطانيات وصحون غير عميقة وبها حافة منبسطة وقاعدة منخفضة جداً مما يجعل وضع هذه السلطانيات او الصحون في بعضها واعدادها للتجارة والاسفار امراً ميسوراً ، اما الزخارف فأن بعضها هندسي كالمثلثات والدوائر والمثلثات المتداخلة والمتصلة وبعضها نباتي كأوراق المراوح النخيلية والوريدات وبعضها رسوم أخرى كالنخلة المرسومة على سلطانية جميلة محفوظة في المتحف الوطني بإيران. وقد تلاحظ على بعض الاواني من الخزف كتابات تسير في عرض الإناء من طرف الى اخر وترسم في قاعدته على هيئة مربع، ومن أعظم أنواع الخزف في فجر الاسلام نوع ايراني ذو زخارف محزوزة في عجينة الإناء على قشرة بيضاء تحت طلاء شفاف ويذكّر اسلوبه الفني بالحفر على المعادن وبعض القطع المعروفة منه عليها عناصر فنية زخرفية تجعل من الراجح نسبتها الى القرن الرابع والسادس بعد الهجرة. من اقدم هذه المجموعات خزف من عجينة حمراء عليه زخارف محزوزة تمثل طيوراً‌ وحيوانات واغصان نباتية وكتابات واوراق شجر، اغلبها في دوائر واجزاء من دائر متشابكة ومتصلة وطلاء هذا الخزف اخضر او زبدي اللون في معظم الاحيان وقد تحد حافة الاناء بشريط أخضر اللون،‌ ومن انواع الخزف العباسي ذي الزخارف المحزوزة نوع امتاز بأصباغ متعددة الالوان كانت تغطي سطح الاناء بالنحو المعروف في ضرب من الخزف الصيني في عهد اسرة «انك» ولا غرو فأن الخزفيين في شرق العالم الاسلامي اقبلوا منذ القرن الثالث على تقليد الخزف الوارد من الشق الاقصى واتقنوا تقليد هذا النوع ذي الاصباغ المتعددة حتى يصعب في بعض الحالات تمييز القطعة الصينية الأصيلة من تقليدها المصنوع في ايران. ******* من آثار فن الخزف الاسلامي - 167 2008-07-24 00:00:00 2008-07-24 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4248 http://arabic.irib.ir/programs/item/4248 كان من نتائج الدعوة الى فصل الادب العربي عن الفكر والدين التي حمل لواءها المستشرقون وعدد من الادباء العرب المستسلمين للغرب، كان من نتائج هذه الدعوة ان استطال الادب واندفع يشق طريقه الى مختلف قطاعات الفكر ليقول فيها دونما دليل واضح او دراسة عميقة، فقد اتجه الادباء الى مجال الفقه والتاريخ والفلسفة والعقائد والاخلاق ليصدروا فيها احكاماً متجرأة مستمدة من نظرتهم الادبية المتأثرة بمذاهب الغرب في التحلل من مختلف الضوابط وكانت هذه في حينها محاولة لإفساد كل المناهج، وقد واجه هذا الاتجاه معارضة ورداً من أجل تحديد دائرة الادب ودفع خطر التداخل بين دوائر النشاط العقلي المختلفة وكف عدوان بعضها على بعض. وممن تصدى لهذا الخطر العلامة فريد وجدي الذي كتب في جريدة الاهرام عام 23 يقول: «لسنا ننسى ماجره تدخل الادباء فيما ليس من اختصاصهم في المباحث الدينية فقد تناولوها على طريقة الماديين واثاروا فيها شكوكاً لا محال لها، فكان من اثر ذلك ان هاج الناس عليهم هياجاً مشروعاً، هؤلاء الادباء يجرون في مباحثهم التاريخية والاجتماعية على غير الاسلوب العلمي من التحقيق والتمحيص ولو انهم تركوا هذه المباحث للاختصاصيين فيها لكان خيراً لهم ولكن الوهم السائد اليوم ان الاديب له ان يتناول بالبحث كل شيء هو الذي يورطهم في بحوث لو وجدت نقاداً اقوياء لألحقوا بأدبهم ضرراً بليغاً». ثم صور فريد وجدي غاية الادب فقال: «ان غاية الادب تبليغ الناس ما في الحياة والوجود من حق وباطل وجميل وقبيح وخير وشر» وقال: «ان الادب لو تجاوز دائرة اختصاصه كان اداة شر في ايدي محترفيه وفي رأيي ورأي كل غيور ان الادب يجب ان يخضع لقانون الاخلاق القائمة على حراسة الاجتماع»، ويتعرض فريد وجدي لهؤلاء الادباء المتجاوزين عندما ينطلقون من اهواءهم ليحللوا قضايا المعتقد والاخلاق والدين فيقول «ما للادباء وتحليل عاطفة الدين وكيف يرجى من اديب كل همه مصروف الى عاطفة الهوى وتصوير وقع الوعود الكاذبة وعدوان المنافسين والمعاكسين ان يتناول بالبحث اعلى عواطف النفس الانسانية وهي عاطفة الدين بمثل اسلوبه الذي الفه واستولى عليه». المسألة الاخرى التي اعتمد عليها دعاة التغريب في الادب العربي، هي مسألة الاعتماد على المصادر الزائفة، اجل ان من اكبر الاخطار التي واجهت الادب العربي من خلال المذاهب والنظريات الوافدة على ايدي دعاتها وحملة ألويتها مسألة المصادر والرأي في كتب المحاضرات وما سجله رواة الادب والقصص من اخبار فهل تصلح هذه كمصادر علمية يمكن الحكم عن طريقها على الامم والمجتمعات حكماً صادقاً لا شبهة فيه؟ من اليقين الذي لا شك فيه ان كتب المحاضرات القديمة وروايات القصاص ليست مصادر علمية صحيحة وانما هي مراجع زائفة اعتمد عليها خصوم الادب العربي والفكر الاسلامي من اجل ترويج اراء كاذبة مضللة ذلك ان هذه المؤلفات لم يكتبها علماء موثوق بهم ولم تدون وفق اصول العلم والبحث وانما كتبت للتسلية والترويح وقصد بها جمع الفكاهات والنكات والاحاجي والقصص الصادقة والكاذبة لإغراق المجتمعات بالأوهام والأباطيل، وقد ارتفع صوت العلماء والمحققين في هذا العصر بالتحذير من هذه المصادر الزائفة التي تجمع اخبار الندماء والجلساء والمغنين والمضحكين امثال ما كتب اسحق بن ابراهيم الموصلي وابن خرداد به والمروزي وابن المرزبان، ومن هذه الكتب ثمار القلوب للثعالبي، فالثعالبي مهما علت منزلته في الادب فانه ليست له منزلة المحقق والمدقق الذي لا يروي إلا عن تثبت وتمحيص وانما هو اديب يحب الفكاهة ويروي النكتة. وقد ظلت هذه المؤلفات مجهولة ضائعة حتى جاء المستشرقون والمبشرون في العقود الاخيرة فاعادوا طبعها ونشروها في العالم العربي كله واخرجوا اغلبها في طبعات فاخرة واوعزوا الى تابعيهم من دعاة التغريب الاشادة بها والنقل عنها واعتمادها مصدراً من مصادر التأليف، وكان اخطر من اذعن لدعوة المستشرقين هذه هو الدكتور طه حسين الذي ظل اكثر من ثلاثين عاماً ينقل من كتاب الاغاني ويشير اليه ويوعز الى تلاميذه والى الادباء لإتخاذه مصدراً من مصادر البحث. وكان لكتاب ألف ليلة وليلة نفس الاثر فقد تولى الاهتمام به عدد كبير من المستشرقين ووصفوه بأنه اعظم مصدر لتصوير المجتمع الاسلامي فكانوا في ذلك ظالمين جائرين عن قصد سبيل. يقول احد الباحثين لا عجبت من جعل كتب الادب التي يقصد بها عادة الى الفكاهة ميزاناً يوزن به رجال التاريخ وتؤخذ منه تراجم العظماء ودهشت مما كان يجعله خلفاء العرب وقضاتهم على فرض ثبوته آية على تجرد العرب من الحضارة ولو جعل آية على تجرد اولئك الخلفاء والقضاة انفسهم من الفضيلة لكان اقوم سبيلاً. ولا شك ان مثل هذه المراجع والمصادر لا تكون صالحة لإصدار احكام عامة وتاريخية حاسمة على النحو الذي اصدره طه حسين وهو ليس بمؤرخ اعتماداً على كتاب واحد هو الاغاني وعلى مجموعة من الشعراء الماجنين امثال ابي نواس وبشار والضحاك وحماد عجرد لأنه يقول ان القرن الثاني للهجرة كان عصر شك ومجون، والواقع ان كتاب الاغاني ليس في حقيقته مصدراً تاريخياً او مرجعاً علمياً يمكن عن طريقه الوصول الى الاحكام الحاسمة وليس مجموع الشعراء الماجنين يحكم على عصرهم في قلة قليلة الى جوار العلماء والفقهاء والفلاسفة والصوفية والزهاد، وقد اعتمد طه حسين في اصدار هذا الحكم على مجموعة من شعر الشعراء الماجنين يقول (ان هؤلاء الشعراء والمحدثين واصحاب الكلام)، وقد عارض هذا الرأي كثيرون حتى قال تلميذه الدكتور زكي مبارك انه رسم لوحة خلق معدنها من الكذب والتمويه وصنعت مادتها من الضلال والبهتان، وقال ايضاً عن استاذه طه حسين ان شهوة الاطلاع في نفسه لإكتشاف الجوانب السيئة في حياة الشعراء والكتاب خلقت في كتابه جواً من المجون وقال: (ان طه حسين يستقي اراءه في العصر العباسي من مصدرين الاول كتاب الاغاني والثاني شعر الماجنين من الشعراء، واما شعر الاغاني فصاحبه يحدثنا في مقدمته انه قصد من كتابه اللهو والتسلية قبل ان يقصد العلم والتاريخ اما شعر الماجنين وحياتهم فلا ينهضان دليلاً على فساد عقيدة عصر واخلاقه). ******* مصادر الأدب العربي بين الأصالة والتزييف - 166 2008-07-22 00:00:00 2008-07-22 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4247 http://arabic.irib.ir/programs/item/4247 من اكبر الاخطار التي واجهت الادب العربي عبر النظريات والمذاهب الغريبة الوافدة على ايدي دعاتها المروجين لها، قضية الاعتماد على المصادر الزائفة لتصوير شخصية الادب العربي، وكان ابرز من تزعم هذه الحملة التزويرية الظالمة هو المتغرب طه حسين الذي سار على خطى المستشرقين وجلهم من اليهود الحاقدين على الاسلام والمسلمين، ومن اهم هذه المصادر الزائفة المعتمدة الكتب التي تجمع اخبار الندماء والجلساء والمغنين والمضحكين امثال كتب اسحق بن ابراهيم الموصلي وابن خردا دله والمروزي وابن المرزبان وبعض مؤلفات الثعالبي والاغاني لابي الفرج الاصفهاني وغيرها. وكان لكتاب الف ليلة وليلة نفس الاثر اذ اهتم به عدد كبير من المستشرقين وقالوا عنه انه اكبر مصدر لتصوير المجتمع الاسلامي، يقول احد الباحثين: «عجبت من جعل كتب الادب التي يراد بها عادة الفكاهة ميزاناً يوزن به رجال التاريخ وتؤخذ به تراجم العظماء ودهشت من جعل ما كان يفعله خلفاء العرب وقضاتهم دليلاً على تجرد العرب من الحضارة، ولو جعل دليلاً على تجرد اولئك الخلفاء والقضاة انفسهم من الفضيلة لكان اقوم سبيلاً». مثل هذه المصادر غير صالحة لانذار احكام عامة حاسمة على النحو الذي اندفع اليه طه حسين لاعتماده على مصدر واحد هو كتاب الاغاني وعلى ما جاء فيه من عدد من شعراء المجون امثال ابي نواس وبشار والضحاك وحماد عجرد، فهو يقول ان القرن الثاني للهجرة كان عصر شك ومجون وقال عن هؤلاء الشعراء انهم يمثلون عصرهم حقاً اكثر مما يمثله الفقهاء والمحدثون واصحاب الكلام، هذا الكاتب كان يستمد اراءه هنا من مصدرين اولهما كتاب الاغاني وثانيهما شعر الماجنين من الشعراء، والواقع انه لا كتاب الاغاني ولا اخبار هؤلاء المجان قادرة على تمثيل عصر بأكمله في بيئاته وفي اتجاهاته ومذاهبه الاجتماعية والفكرية، وقد توصل طه حسين الى حكمه هذا بأستقراء حال طائفة من الادباء والشعراء المترفين فرأى فيهم الشاك والماجن فأخذ العصر كله بجريرة هؤلاء وحكم بأن العصر عصر شك ومجون، والقاريء لكتاب الاغاني يخيل اليه من كثرة ما يذكر من مجون هؤلاء انهم في جو يسيل فسقاً ومجوناً والحاداً وعليه يتذكر ان مؤلف هذا الكتاب اهتم بتاريخ طائفة واحدة فقط هم الشعراء والمغنون وليس ذلك تاريخاً لسائر العصر، وهناك عوامل خاصة جعلت طائفة من الشعراء المستهترين ماجنين. لا شك ان اصدار مثل هذه الاحكام يدخل في ذلك المنهج الغريب الواقد الذي استمد اصوله من الفلسفة الغربية المادية اساساً والذي اعتمد المنهج الديكارتي الاعتماد الذي صور الانسان حيواناً او المنهج النفسي الذي صوره متهالكاً على اللذات وانه جرى وراء المذهب اليهودي الذي بثه دوركاين او فرويد والذي يهدف الى تعرية البطولة والسخرية بالابطال، وتلمس المعايب لهم وذلك في نطاق تدمير كل مقومات الادب العربي وبطولات المسلمين والنتيجة ان المثقفين لا يجدون في بطولات امتهم ولا تاريخهم ولا ادبهم ما يريدون من مثل اعلى ولذلك يرتدون الى بطولات الغرب فيعجبون بها. الاستاذ ابراهيم عبد القادر المازني يصور هذه النزعة التي حاول الدكتور طه حسين ادخالها في الادب العربي الحديث كأسلوب لنقد الادب العربي الموروث واتخاذ هذا الاسلوب وسيلة للطعن في التراث والاسلام والامة، يقول المازني «لقد لفتني من الدكتور ان له ولعاً بتعقب الزناة والفساق والفجرة في كتابيه حديث الاربعاء وقصص تمثيلية، ها هو حديث الاربعاء ماذا فيه؟ كلام كثير عن العصر العباسي وللعصر العباسي وجوه شتى، في وسعك ان تكتب عنه في عدة جهات وتتناول فلسفته او علمه او شعره وجده وهزله، ولكن الدكتور طه يدع كل جانب سوى الهزل والمجون ويروح يزعم انه عصر مجون ودعارة واباحية متغلغلة الى كل فرع من فروع الحياة، فلماذا لا يرى الماجنين والخليعين صورة منه ولم يكفي طه حسين ان يعمد الى طائفة معينة من شعراء العصر العباسي وان يرسم من سيرتهم صورة يزعمها صورة العصر، من هو ينكر ان غير هؤلاء من العلماء والشعراء‌ يمثل العصر العباسي ويقول المازني انه ما من عصر يمكن ان يكون له جانب واحد وانه لم يخل زمن قديم او حديث مثلما يصف طه حسين وليس هو وقفاً على ذلك العصر. والواقع ان ما وصف بأنه منهج ادبي حديث لم يكن في الحقيقة الا محاولة لاغراق الادب العربي في مستنقعات التغريب وتدمير كل مقومات هذه الامة من خلال الخوض في كتاب الاغاني واعتماده اساساً لرسم صورة اجتماعية وهي صورة زائفة مغرضة مضطربة بعيدة عن مناهج البحث العلمي والنظرة المنصفة، هذا الاتجاه الذي يقوم على اقحام الادب في مختلف دوائر النشاط العقلي وعلى اخراج الادب نفسه من التقيد بقانون الاخلاق الذي يحرس المجتمع، هذا الاتجاه المغرض المزور للحقائق يقول عنه الاستاذ فريد وجدي ان واحداً من الادباء انتدب لالقاء محاضرات عن الادب في العصر الاموي فكان مما قاله عن الحاكم الماجن الخليع الوليد بن يزيد ان الخليفة الوليد بن يزيد انما قتل لانه كان يود ان يعيش على ما يقتضيه فن الحضارة فكان جزاءه ان لقي حتفه، ويعلق فريد وجدي على هذا الرأي فيقول ان ارادة التاريخ على هذا الوجه هو جناية على التاريخ وحقائق الاجتماع ويشين الدين ويسيء الى سمعة الشعب الذي يقتل رجلاً يريد ان يعيش عيشة حضارية كما زعم المحاضر، والحقيقة ان الوليد هذا كان متجرداً للهو والبطالة شغوفاً للفسق والاباحية مستخفاً بالدين والقرآن مجاهراً بالكفر، فهل هذه السيرة المنحطة الضالة الممعنة في اهمال الرعية والانحراف الى المجون والكفر تعتبر من مقتضيات الحضارة؟ قال طه حسين عن الماجنين الاباحيين ان هؤلاء الشعراء كانوا يمثلون عصرهم حقاً وقال معقباً خسرت الاخلاق من هذا التطور وربح الادب فلم يعرف العرب عصراً اكثر فيه مجوناً واتقن الشعراء التصرف في فنونه والوانه ثم كان من كثرة المجون او بعبارة اصح كان فساد الخلق في هذا العصر والعصور التي وليته ان ظهر جديد منه في الغزل لم يكن معروفاً في الجاهلية ولا في صدر الاسلام ولا في ايام بني امية وانما هو اثر من اثار الحضارة العباسية، اجل اذا سمعت رجلاً يقول ان الاخلاق فسدت وخسرت وان الادب ربح من وراء ذلك افلا ترى انه يحامي عن هذا الفساد ويسوغ هذه الخسارة؟ نعم وبلاريب بل انت تحس من كلامه الرضى والارتياح، ثم يمضي هذا الكاتب الواقع في قفص التغريب فيرد سير امثال الوليد ومطيع بن اياس والحسين بن الضحاك ووالبة ابن الحباب وابان بن مروان بن ابي حفصة. ويخلص الى القول ان القرن الثاني للهجرة على كثرة من عاش من الفقهاء والزهاد واصحاب الشك والمشغوفين بالجد انما كان عصر شك ومجون وعصر افتتان والحاد عن الاخلاق المألوفة والعادات الموروثة والدين ايضاً، وهذا تشويه وتمويه يريد ان يغرق شعور المسلم بهيمنة النزعات المنحرفة، وان مجانبة القيم هي السائدة في الحياة وهذا كما ترى مكر خبيث. ******* التشكيك وتخريب الأدب العربي - 165 2008-07-19 00:00:00 2008-07-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4246 http://arabic.irib.ir/programs/item/4246 ابتلي الادب العربي بعدد من النظريات الغريبة التي جلبت اليه في مجال النقد الادبي من افرازات الاداب الاجنبية القائمة على نزعة مادية شوهاء، وفي لقاءات سابقة تحدثنا عن عدد من مظاهر الغزو الثقافي التغريبي التي واجهها هذا الادب ويبرز الآن اسلوب التشكيك الماكر احد اساليب التخريب التي رفع لواءها المستشرقون وتلامذتهم من العرب المنسلخين عن هويتهم واصالتهم. التشكيك اسلوب ماكر متحايل اريد به ادارة الابحاث الادبية والعلمية والتاريخية كلها في دائرة اللاادرية والتشكيك والتهكم والسخرية‌ بحيث يرى القاريء انه ازاء جو مغرق في الاستهانة ولااحتقار لكل ما يتناوله، مثال ذلك المكر ما قاله طه حسين في احد مؤلفاته قال: «اخضعت للشك دون ان امس الدين بعض المعتقدات التي ورد ذكرها في القرآن واحاديث الرسول» اترى في هذا الاسلوب في المكر والتضليل ان يعترف هذا المتغرب بأنه اخضع بعض المعتقدات التي ورد ذكرها في القرآن للشك، وكيف يمكن ان يشك هذا الشك دون ان يمس الدين الذي هو مصدر الاعتقاد؟ والذي هو منطلق كل ما ورد في القرآن الكريم؟ هذه الخاصية التي تعاطاها طه حسين لبثها في الادب العربي قاومها كثير من الباحثين منهم الدكتور عمر فروخ الذي قال عن طه حسين: «ان من ابرز معالم ادبه تردده بين المفهوم وغير المفهوم والمتحول والثابت والممكن وغير الممكن ولم تره في كتاب الا داعية للشك ولا في مقالة الا آخذاً بالظن لم يثبت في حياته شيئاً، بل كان ينفي ما يثبت نفسه بنفسه وهو يكتب لعل، ربما»، ويقول باحث آخر: «ان لغة طه حسين لا تقطع في شيء ابداً، بل هي مرنة تصلح لللف والدوران، ولا تصف شيئاً بأنه اغرب ما يكون بالسواد او اقرب ما يكون الى البياض»، وقد اشار العقاد الى هذا المعنى فقال: «هناك النقيضة الظاهرة في اسلوبه بين الحزم والتشكيك، ان اخصب الالفاظ للشك في كلامه من امثال ازعم، قد ازعم، لعله يكون ولعله لا يكون، ربما ضحكت، ربما بكيت وتحسبه في الشك لا يستقر على شيء». حول طه حسين الاعتماد على ما اسماه مذهب ديكارت في نشر هذا الاسلوب التشكيكي لكن يبدو ان كلامه لا يقوم على اساس علمي اصيل وانما هو محاولة مظهرية خادعة لخلق ارضية لاثارة الشبهات حول كل القيم والعقائد والمفاهيم التي يقوم عليها الادب العربي بل الفكر الاسلامي نفسه، وقد ركز طه حسين في اعتماد ما اسماه مذهب ديكارت على اعتقاد ان احداً لن يناقشه في هذه الاراء، لكن الدكتور محمد احمد الغمراوي خريج جامعة لندن في الكيمياء قد تصدى له بوصفه من اعلم الناس بمذهب ديكارت وكل ما يتصل بالعلوم وقد كشف الدكتور الغمراوي ان طه حسين كان بعيداً عن الحق في اعتماده على ما يسميه مذهب ديكارت وقال ان طه حسين زعم ان مذهب ديكارت من الشهرة بحيث لا يجهل احد من الناس ما اسماه القاعدة الاساسية لمنهج ديكارت من اجل ان يتذرع به الى الانسلاخ من كل قديم، حتى من هذه اللغة التي هو استاذ لآدابها، وليتخذه ذريعة يرمي من وراءها هذه اللغة‌وما اتصل بها حتى اذا قيل له لم فعلت ما فعلت؟ وهل يفعل هذا عاقل؟ قال فعله قبلي ديكارت! لقد كان شك ديكارت شك الفتى الغرير لا العالم الخبير، وقد خلط طه حسين بين الشك وبين المخرج من الشك، فجهل الشك الذي هو القاعدة الاساسية للمنهج الذي ابتغى ديكارت ليخلص به الى الشك في بعض ميادين البحث الى نتائج عظيمة، واشار الدكتور الغمراوي الى خطأ طه حسين حين قال: «ان القاعدة الاساسية لهذا المنهج ان يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل وان يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلواً تاماً»، والواقع ما قاله ليس من قواعد المنهج وان حقيقة ما قاله ديكارت هو: اولاً: ان لا نقبل شيئاً على انه صحيح من غير ان نكون على بينة من انه كذلك، اي ان نتجنب العجلة والهوى وان لا نضمن قضايانا في الحكم اكثر مما يتمثل للعقل تمثلاً هو من التميز والوضوح بحيث لا يبقى لدينا مجال للشك. ثانياً: ان نجزأ كل مشكلة نمتحنها الى اكثر ما يمكن او الى ما يتطلبه حل المشكلة من الاجزاء. ثالثاً: ان نسير في تفكيرنا على ترتيب ونظام فنبدأ بأبسط الاشياء واسهلها معرفة لنرتقي بالتدرج الى علم اعقدها، هذا ما ذكره ديكارت وهو منقول من اصدق مؤرخيه وتلاميذه وليس فيه شيء مما ذكره طه حسين حين اشترط نسيان الدين والقومية وغيرها، واكثر من ذلك ان ديكارت ليس هو مبتكر هذا المنهج ولا باسكال فكلاهما قد سبقهما الغزالي في الاقل كما تشهد بذلك كتبه مثل محك النظر ومعيار العلم والغرب معذور حين ينسب بعض تلك القواعد الى ديكارت وبعضها الى باسكال فهما اول ما اظهره عليها، ولكن ما عذر طه حسين حين ينسب الى ديكارت منهجاً سبق اليه الغزالي؟ اجل، ها انت ترى‌ انه ليس بين هذا الذي قاله ديكارت وبين ما زعمه طه حسين لتجرد الباحث من كل شيء كان تعلمه عن موضوع بحثه من قبل، اية رابطة موضوعية صحيحة، بل هو ادعاء ظالم من طه حسين وتزوير لفكرة ديكارت بهدف الهجوم التخريبي على التراث كمظهر من مظاهر التغريب وتهديم الامة من الداخل، اذا كانت القاعدة الاولى عند ديكارت تدل على معنى فأن معناها ان لا يقال عن شيء انه حق الا اذا قام البرهان على انه كذلك وشتان بين هذا المعنى والمعنى الذي زعمه طه حسين من وجوب التجرد من كل ما قيل في موضوع البحث من قبل، اذ من الجائز ان يكون ما قيل اقام البرهان على صحته ثم انه من البديهي ان تلك القاعدة ليس معناها ان يتولى‌كل انسان اثبات كل شيء لنفسه بنفسه كما تقتضيه القاعدة‌الاساسية التي ذكرها طه حسين لان ذلك سخف ولا ينتج عنه الا التأخر والخطأ والفوضى، ولا شك ان هذا كله يشهد على طه حسين انه لا يمكن الا ان يسمى جاهلاً بديكارت ومفترياً عليه. هذه الاصوات المغتربة المتجردة عن الاصالة لاريب انها لا تولد الا افكاراً شائنة هجينة تخرب الفكر وتدمر المعنويات وتجعل الانسان تابعاً ذليلاً الى ثقافة اخرى غريبة لا يمكن ان ينسجم معها او يكون جزءاً منها كما ان تلك الثقافة الغريبة نفسها لا يمكن ان تعترف لمتابعها الا على انه كائن مشوه قد اضاع المشيتين، ان الاهداف الاخرى المغرضة هي التي تحرك حركة التغريب وهي التي تمد افكار المندفعين الى تقليد الثقافات المجلوبة بالحماسة والتوجيه وهذه حالة قصيرة العمر مآله ولابد الى الزوال. ******* الأدب العربي والقيم الأخلاقية - 164 2008-07-13 00:00:00 2008-07-13 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4245 http://arabic.irib.ir/programs/item/4245 من ابرز ما دعا اليه الاتجاه التغريبي الذي حمل لواءه المستشرقون وتلامذتهم من المتغربين هو تحرير الادب العربي من القيم الاخلاقية ودفعه الى تصوير الغرائز والاهواء في غير ما قيد باسم حرية الادب التي اطلق عليها الفن للفن. هذا الاتجاه الغازي المجلوب من الحياة الغربية بدأ بثلاث ظواهر: الظاهرة الاولى: هي الافاضة في الحديث عن حياة الشاعر بشار بن برد وابي نواس وغيرهما من شعراء الاباحة والمجون في العصر العباسي ونشر الجوانب الشاذة من احاديثهم واسمارهم على النحو الذي كتبه المتغرب طه حسين في كتاب حديث الاربعاء. الظاهرة الثانية: ترجمة القصص الفرنسية الاباحية والكشف عن جوانب الصراع الحسي في العلاقات الشاذة‌ بين الرجل والمرأة وترجمة اشعار بدلر وغيره من شعراء الادب المكشوف. وثالثة ظواهر: الغزو التغريبي التخريبي هو الدعوة الى حرية الادب والدفاع عنها وفق منهج علمي زائف بدعوى انه منطلق انساني اصيل، وقد اتسع نطاق هذه الدعوة وقامت من اجلها المناظرات والمحاضرات اضافة الى اغراق الاسواق بفيض ضخم من القصص الفرنسية المكشوفة التي جرت ترجمتها وتقديمها بأسعار زهيدة والقاءها بين ايدي الشباب واللافت للنظر ان كتابات هذه الفترة قد حفلت بظاهرة الاستخفاف بالقيم الاخلاقية والطعن بكل ما يتصل بالعقائد الدينية والسخرية بالفضائل والبطولات والجرأة على المقدسات بل ان ذلك قد جرى تطبيقه في بيئات مختلفة منها بيئة العلم الاساسية. هذه الدعوة الى تحلل الادب العربي من القيم الاخلاقية لقيت معارضة شديدة بسبب معاكستها لسمات هذا الادب، وكشف الباحثون المنصفون ان حرية ابي نواس وبشار وغيرهما لم يكن مصدرها الادب العربي او مفاهيم الاسلام الاجتماعية وانما مصدرها تطلعاتهم الحسية واهدافهم العرقية التي ارادوا اذاعتها والجهر بها لهدم مقومات الادب العربي وبث الاباحية‌ التي تحرر منها الادب العربي بعد الاسلام. اجل ان حرية الادب لا جدال في اخلاقها لكن الخطأ في قصرها على عاطفة‌ دون عاطفة ووجدان دون وجدان فضلاً عن عاطفة الهوى ودوافع الشك والمجون واكبر الخطأ ان يوحي المتغرب المنسلخ عن هويته مثل طه حسين بأن الاخلاق من مواضعات الحياة الجانبية كأنها وليدة الارادة العمياء التي نادى بها شوبن هاور فهي فرض مكررة او الزام اعمى يستوجب الحرب والانكار، والواقع ان القاعدة الاخلاقية ليست من قبيل المواضعات العمياء ولا الضوابط الجامدة وانما مثلها مثل الفن الانساني فهي وليدة التجربة العميقة التي يقع صاحبها على الصلات الحقيقية بين اشياء العالم. وشواهد الصلة بين الفن والاخلاق شائعة معلومة في تواريخ الاداب والفنون ونراها ماثلة فيما يجري بيننا وبين شعر المتبني وشكسبير، على ان طه حسين حينما يصرف الادباء عن الاخلاق انما يقع في العيب الذي اخذهم به فهو يشتط في نفي القيود عن الشاعر ويقع هو فيه واي قيد اشد من الوقوف بالاخلاق والفضائل موقفاً بعيداً عن الفن فلا ينبغي للادب في نظره ان يقربها والا كان ادبه قديماً تنطبق عليه علل الكذب وادواء التصنع وتنتفي عنه سمات العصرية او الادب الحديث. خلاصة القول هو ان دعوى الاختلاف بين الفن والدين او الاخلاق نشأت بأتباع نظرية الفن للفن ومرد الاختلاف المزعوم الى اعتبار الفن نوعاً من التعبير لا اكثر ولا اقل، فلا عبرة والحالة هذه للموضوع ذاته وانما العبرة لمقتضيات التعبير، فالفنان لا قيد عليه في تصوير ما يشاء من المشاعر والاحاسيس سواء اتفقت هذه المشاعر والاحاسيس ومواضعات الجماعة واعراف الناس ام خرجت عليها، فالفن لا يخضع لغير قانون التعبير، ومن هنا ايضاً نشأ التضارب وسار عليه طه حسين في قولته خسرت الاخلاق وربح الفن، وهذا موقف يوحي به ظاهر هذا الاتجاه وعنه شاع هذا الخطأ حتى اصبح تبريراً لكل تبذل مقصود وغداً حجة يسوقها انصاف الفنانين حين يريدون ان يضفوا ثوباً من المشروعية الزائفة على انحرافهم وتبذلهم. والحق ان محاكمته مثل هذه النظرية الى المفاهيم العلمية انما هو من قبيل تحصيل الحاصل ذلك ان الدعاة الى هذه النظرية وهم قد طبقوها فعلاً في كتاباتهم انما كانوا يستهدفون غايات بعيدة ويستبطنون اهداف مبيتة، ومن هنا لم يكن انتسابهم الى قواعد العلم والفن الا محاولة للحذاع وتضليل البسطاء وكان محاولة لتحقيق جوهم الاجتماعي الخاص الذي كانوا يعيشونه فعلاً متحررين من ضوابط القيم والدين، ولم يكن من المعقول ان يمارسوا هذه الحرية المنفلتة ثم يقفوا من الادب موقفاً يخالف ما يعتقدون وما يمارسون ذلك ان هؤلاء المتغربين المنسلخين كانوا قد قرأوا عن بلزاك وجان جاك روسو واسكندر ليماس وما كانت تحويه حياتهم الخاصة من فساد ونزق وانحراف، وكانوا يتطلعون ان يكونوا امثالهم وعلى شاكلتهم، وشاعت بين الادباء في هذه الفترة دعوة تقول تجرية الادب وحق الادباء في مقارفة كل فنون الحياة، ليتمكنوا من خلال التجربة من الحكم على ما يجدونه في الكتب والقصص ومن هنا كانت تلك الدعوة الى اخلاقية الادب مظهراً واضحاً صريحاً في ادب الادباء وحياتهم في هذه الفترة. ان الذين يسمون انفسهم انصار التجديد يؤمنون بالغرب كله ويريدون ان يحملوا الناس على طريقتهم هذه حتى لو خالفت الاسلام في اكثرها وانصار التجديد يضيقون ذرعاً بالقيود الاخلاقية التي جعلها الدين لتنظيم حياة الناس فيما يعملون وفيما يقولون ويريدون ان يتفلتوا منها ويتحللوا زاعمين للناس ان هذه الاخلاق وقيودها ما هي الا عرف وتقاليد وان التقيد بالعرف والتقاليد يعوق الفن ويحول دون ترقي الادب وعليه يجب اطلاق الفن وافلات الادب من تلك الضوابط والقيود، وهؤلاء المتغربون يدعون الى الفن العاري والادب الاباحي ويدعون للفنان والاديب حرية في القول والفعل من شأنها ان تهدم اسس الحياة الاجتماعية وتقود المعاني الانسانية الخيرة الى حظيرة البهائم والدواب. ******* النقد الغربي والأدب العربي -4 - 163 2008-07-10 00:00:00 2008-07-10 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4244 http://arabic.irib.ir/programs/item/4244 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وحياكم الله نحن نعرف ان الادب العربي قد واجه عدداً من النظريات المجلوبة من الغرب في مجال النقد الادبي قدمها الادباء في نطاق الدعوة‌الى تجديد الادب العربي، هذه النظريات الغربية والغريبة المقحمة قد خالفت منطلق الادب العربي وجذوره وتعارضت مع اصالته الاسلامية العربية الخالصة، وتصادمت مع مزاجه النفسي والعقلي ومن هنا لم تستطع ان تستمر فتساقطت واحدة تلو اخرى ذلك ان هذه النظريات قد انطلقت في اصولها من حياة الاداب الاوروبية ومن رواسبها وموروثها وتشكلت وفق مضامين تلك الاداب واعتمدت على النظريات التي بدأت في دائرة العلم الطبيعي ثم فرضت نفسها على الفلسفات والاداب وهي نظريات اعتبرت الانسان حيواناً محكوماً بظروف البيئة كسائر الاشياء الدانية المادية وانت تعرف ان هذه نظرية مادية ومغرقة في المادية لا تنسجم وروح الادب العربي الذي يستمد اصوله من الاسلام العظيم في الترابط بين المادية والروحية وبين العقل والقلب في حياة الانسان. ان منهج النقد الادبي الغربي الذي فرضه بعض الادباء على الادب العربي بعد الحرب العالمية الاولى يقوم على اساس المادية فهو مبني على النظريات التي استمدت مناهجها من نظرية داروين عن تطور واصل الانسان، وهي النظرية التي قامت في دائرة العلم الطبيعي ثم نقلها الفيلسوف هاربرت سبنسر الى مجال المجتمع فطبقها على مباديء الاخلاق ثم جاء فردناند برونتز الناقد الفرنسي فطبقها على الانواع الادبية يضاف الى هذا ان المفاهيم التي اعتمد عليها دعاة التغريب في النقد الادبي قد استمدوها من الناقدين الفرنسيين من امثال تين وسانتبس وهذان يريان ان الانسان ليس الا اثراً من اثار البيئة بمعناها الاجتماعي الواسع وانه لا يكاد يختلف عن النبات والحيوان في امتثال الحول وانعدام الارادة، وما يتصل بهذا من الفضيلة والرذيلة ليس الا نتاجاً لعملية تلقائية مثل الاحماض والقلويات، هذا الى جوار ما ترتبط به هذه النظرية جميعها من آثار نظرية داروين في النشؤ والارتقاء التي تنزل الانسان من موقع البطولة والارادة الانسانية البناءة الى موقع الحيوان المحكوم الذي يعيش خاضعاً للقوى المحيطة به. هذه النظريات الاجنبية المشوهة قد نماها الباحث الفرنسي دوركاين في مفاهيمه التي تلقاها بعض الادباء العرب في جامعة سوربن في فرنسا وجعلوا منها اساساً لنظريتهم في النقد الادبي التي جرى تطبيقها على المتبني وابن خلدون وابي العلاء المعري، ثم جاء تطبيقها على الشعر الجاهلي وعلى ادب القرن الثاني للهجرة، وقد كان لهذه النظريات الهجينة اثر عميق في احداث التضارب الذي اصاب القيم الاساسية للادب العربي وقد ذهب الباحثون الى اخضاع الادب للمنهجين الاجتماعي والنفسي، المنهج الاجتماعي الذي رسمه دوركاين حيث يعترف ان الانسان حيوان اجتماعي وان قيم المجتمع ليست اصيلة فيه، والمنهج النفسي الذي التقطه الادباء من نظرية اليهودي سجموند فرويد الذي يرى ان الانسان عبد لشهواته وان الجنس هو المحرك الاول لكل تصرفاته. وقد غلب المذهب الاجتماعي على دراسات الادب والتاريخ وغلب المذهب النفسي على دراسات التراجم والشعر، من هنا ظهرت تلك الاراء الغربية الالحادية التي تشبث بها بعض التالفين والتي لا تتفق من قريب او بعيد مع مفاهيم الفكر الاسلامي والانساني، من ذلك ما قاله طه حسين من: «ان الدين نبت من الارض ولم ينزل من السماء» ومثل قوله: «ان العالم الحقيقي هو الذي ينظر الى الدين كما ينظر الى اللغة وكما ينظر الى الثياب» من حيث ان هذه الاشياء كلها ظواهر اجتماعية يحدثها وجود الجماعة ومن هنا فالدين من نظر هذا المنسلخ عن هويته الاصيلة خرج من الارض كما خرجت الجماعة نفسها ولاشك ان هذه الافكار مدخولة مهربة من مستنقع الحياة الغربية المادية ولا شك ايضاً ان طه حسين لن يصل اليها بعد بحث ودراسة وانما نقلها نقلاً حرفياً عن دوركاين وغيره من الكتاب الغربيين الذين ارادوا ان يتحركوا بمفاهيمهم هذه من خلال الفكر الغربي الذي يقف من المسيحية موقفاً معيناً وحيث له قضية وازمة والواقع ان الادب العربي ليس له مع الاسلام مثل هذه القضية ومثل هذه الازمة ولذلك فمن الظلم البين والخطأ الفاحش ان ننقل مكان المعركة الى الادب العربي وهو في غير ما حاجة اليها الا حاجة واحدة في نفوس الاعداء هي محاولة تغريب الادب العربي وعزله عن ذاتيته وهويته ومقوماته وارضيته، والادعاء بأن هناك صراعاً بين الدين والعلم ادعاء‌ مضلل فليس بين العلم والدين عامة خصومة حقيقية اضافة الى انه ليس بين الاسلام والعلم خصومة ما والنظريات العلمية الحديثة لم تستطع ان تثبت تناقضاً بين العلم والدين، فالاسلام يدعو الى حرية البحث وصراحة التفكير وقد اصبح العلم اليوم يسلم بوجود ما ليس قائماً امام الحس اذ ذهب عصر المسلمات العلمية وتغير وقع القواعد التجريبية واصبح عصرنا عصر يقين واعتقاد بالقوى الخفية حتى لا يمكن القول بأن العلم في الايام المقبلة سيخطو نحو الدين خطوات جرئية. ان المنهج العلمي الذي يعول عليه طه حسين في نقده لا يصح استخدامه الا في مجال الوقائع العلمية التي يدرسها العلماء كأصول الدراسة الكيميائية والطبيعية وما اليها، ولا يدخل في مجال الوقائع العلمية تعارف الشعوب ولا يستطيع العلم ان يستقل ببحث هذا الموضوع لانه في مجال الرأي، ويعول طه حسين في المنهج العلمي على المنهج الاجتماعي الذي ينظر الى الانسان على انه حيوان اجتماعي، ومن هنا يعمد هذا الكاتب الى دراسة البيئة والعصر ولا يدرس البواعث النفسية للادب التي تحفزه الى نوع من السلوك دون نوع آخر، اضافة الى هذا كله فأن هنا فرقاً بين مناهج الادب ومناهج العلم، ان العلم ميدان التجربة والعقل وهو لا وطن له ولا قومية كما ان العقل لا قومية له ولا وطن، ذلك ان قوانين التفكير واحدة وسبل العقل واحدة في العالمين ثم انت لا تشعر اثناء تلقي العلم من اي نبي انك تتلقى شيئاً خاصاً بجنس من البشر دون جنس وقوم دون قوم ولكن تتلقى شيئاً مشتركاً او ينبغي ان يكون مشتركاً بين الناس اجمعين كأشتراك العقل بينهم، وليس الادب كذلك فبينما انت في العلم لا تجد علماً انجليزياً ولا علماً المانياً ولا علماً فرنسياً بل علماً واحداً اذ تجد الادب متعدداً لتعدد الامم، لكل امة ادبها كما لكل امة لغتها ولتجد ادب كل امة مطبوعاً بطابعها طبعاً لاخفاء فيه او هكذا هو اذا استقلت الامة بأدبها ونسجت لنفسها برداً من روحها وتاريخها وتقاليدها وعاداتها بدلاً من ان تلتف بخرقة من برد غيرها، فلا تجد فيه دفئاً ولا قوة ولا جمالاً، اجل لقد واجه هذا المذهب الغربي في الادب نقداً ومعارضة تستمد قوتها من معاكسته للذوق العربي ومضادته لهوية الادب العربي الذي يعتبر الانسان سيد المخلوقات ويعلي من شأن روحه وعقله وهو ينظر اليه من خلال مقاييس تختلف اختلافاً جذرياً عن المقاييس المادية التي ترى الانسان عبداً خاضعاً لغريزة الجنس. ******* النقد الغربي والأدب العربي -3 - 162 2008-07-06 00:00:00 2008-07-06 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4243 http://arabic.irib.ir/programs/item/4243 في اثناء الحرب العالمية الاولى وما بعدها بدأت طائفة من الطلاب والكتاب العرب ينفتحون من الوجهة الادبية والنقدية على الاداب الاجنبية وبخاصة الادب الانجليزي والفرنسي، وقد انفعل هؤلاء بالتيارات الادبية الغربية ومناهجها انفعالاً جعلهم في موقع المتلقي الاخذ اخذاً حرفياً دون تبصر ولا اكتراث للادب العربي الموروث في قيمه ومناهجه ومنطلقاته الفكرية والاعتقادية واسوء من ذلك كله ان هؤلاء الدارسين المصابين بعقدة الغرب او التغرب ارادوا لمذاهب النقد الادبي الواقدة ان تكون معياراً للادب العربي، وعندما طبقت هذه المذاهب على الادب العربي جاءت ظالمة جائرة عليه وكانت في نفس الوقت عاجزة عن استيعاب ابعاده، وقد تركت هذه المذاهب المجلوبة اردء الاثر في الانتاج الادبي ذلك انها قلبته عن ذاتيته ومضامينه الجوهرية بل جعلت غير قليل من هؤلاء الخاضعين لافكار المستشرقين ينظرون الى ادب امتهم نظرة ازدراء او سخرية، وان حسنت فهي نظرة عطف وشفقة والواقع ان الادب العربي وهو قطعة مستمدة من الفكر الاسلامي والحياة المسلمة لم يكن اقل قدراً من ادب اليونان او الادب الفرنسي الذي ازدهى به هؤلاء الادباء وافتخروا به. ان الادب العربي وليد التوحيد والاصالة والصدق في الوجود في حين يمثل الادب الغربي امتداداً للوثنية اليونانية والرومانية بكل مشاكلها وملابساتها الغربية. لا ريب ان المذاهب الادبية والنقدية الغربية قد اعتمدت في الاساس على منهج ارسطو في الادب وما يتصل به من مفاهيم في النقد والشعر والمنطق وانها قد امتدت شأن الادب الاوروبي نفسه الذي ارتبط بالادب الاغريقي اصلاً امتدت الى مدرسة النفس ومدرسة الاجتماع. المدرسة النفسية التي وضع اسسها فرويد اليهودي والمدرسة الاجتماعية التي اقام بناءها اليهودي الآخر دوركاين، المنهج الاجتماعي الذي كان ابرز مناهج النقد الادبي انما كان يقوم على مفاهيم دوركاين اليهودي الاصل الماركسي الثقافة المادي النزعة. وقد استمدت نظريات تين وسان فيس التي اغرقت الادب العربي استمدت مفاهيمها من الفلسفة المادية‌ الداروينية التي ترى ان الانسان بمواهبه ومعنوياته ما هو الا اثر من اثار البيئة بمعناها الاجتماعي الواسع وانه لا يكاد يفترق عن الحيوان والنبات في انعدام الارادة، هذا فضلاً عما اثبته تين من ان الفضيلة والرذيلة ليستا الى حد كبير الا نتاجاً لعملية تلقائية مثل الاحماض والقلويات وانها منتوجات مثل الزواج والسكر، يضاف الى هذا اثر نظرية‌ النشؤ والتطور الدارويني الواضحة الاثر في هذه المذاهب الادبية والتي تنكر انسانية الانسان وارادته وقيمه الوجدانية والروحية وتشبهه بالحيوان الذي لاحول له ولا قوة والتي تنظر اليه على انه شيء تافه جداً في الكون وانه تحت رحمة القوى المحيطة به ومن ثم فأن الانسانية عندها ليست الا نتاجاً عارضاً للوراثة والبيئة. يرى الباحثون ان تين قد اشتط في مناهجه المادية في مفهوم النقد الادبي وجره هذا الشطط الى ان غدا من رواد الحتمية التاريخية او الجبر التاريخي وهذا هو المذهب او المنهج الذي قدمه في الجامعة المصرية كل من المستشرقين نيلينو واكازنوفو وهو الذي احتذى حذوه طه حسين وحاول تطبيقه في رسالته عن ابي العلاء المعري اول رسالة دكتوراه في الجامعة المصرية. اذن هذه المذاهب الادبية على هذا النحو تبدو معارضة لمفاهيم الادب العربي وقيمه معارضة صارخة ويبدو مدى الخطر الذي وقع فيه الادباء والنقاد العرب حين اعتمدوا مباديء النقد الادبي هذه، ووضعوا النتاج الادبي العربي القديم والحديث داخل اطارها المادي المشوه الممسوخ، وقد اشار الدكتور محمد مندور في بحثه عن المنهج التاريخي في دراسة الادب الى ارتباط هذا المنهج بنظرية داروين حين قال: «ان نظرية داروين عن التطور واصل الانسان التي قصرها صاحبها على الاجناس الحية لم تلبث ان امتدت الى الاجناس المعنوية فطبقها الفيلسوف درندر على مباديء الاخلاق ثم جاء فرديناندر ونتز الناقد الفرنسي فأخذ يطبق نظرية داروين على الاجناس الادبية». هذا النص يؤكد ان مذاهب النقد الادبي العربي الحديثة على اساس مخالف ومعارض تماماً لمضامين الادب العربي الذي يقوم على اساس وثيق من ارتباط المادة والروح معاً والذي يستمد مقوماته من التوحيد الذي هو اساس لمقومات الفكر الاسلامي ومن القرآن الكريم الذي هو اساس الادب العربي في اسلوبه وفي مضامينه. في العصر الحديث جرت محاولات لا غراق الادب العربي في مناهج النقد الاوربي من قبل بعض الادباء الذين تولى اعدادهم وتصديرهم قادة التغريب والغزو الثقافي من خلال حركة التبشير والاستغراق، ومن هنا دفعوا هذه المناهج من مختلف الجوانب ووضعه قاعدتهم الاولى على اساس فصل الادب عن الفكر الاسلامي وفصل اللغة عن القومية والاسلام وهي النظرية الفاسدة الضارة التي اذاعها التالف طه حسين في كتابه الشعر الجاهلي والادب العربي من خلال دراساته في كلية الاداب في الجامعة المصرية حيث يقول «يجب ان نستقبل البحث في الادب العربي وتاريخه وان ننسى قومياتنا وكل مشخصاتنا وننسى ديننا وكل ما يتصل به وان ننسى ما يضاد هذه القومية وما يضاد هذا الدين، يجب ان لا نتقيد بشيء ولا نذع بشيء الا مناهج البحث الغربي» وهكذا يا اخي دعا قادة حركة التغريب الى نسيان القومية والدين وفتح الطريق امام عمله الخطير الذي احدث ابعد الاثار حين قال انه سيجتهد في دراسة الادب غير مكترث بتمجيد العرب وغير مكترث بنصر الاسلام. وقد ارتفعت الصيحات منذرة بخطر هذا المنهج المشبوه واعلن عدد من اساطين الادب والفكر ان الادب العربي لا يطمأن الى هذه المقاييس النقدية الضائعة في الاداب الاجنبية، ودعوا الى الاحتياط في تطبيق قواعد النقد الاجنبي على الاداب العربية لبعد ما بين الادبين بعداً زمانياً ومكانياً ومضونياً وقالوا انه اذا كان لابد من الانتفاع بجهود الغربيين فلنأخذ من اصول النقد القوانين عنه التي هي في الحقيقة مشاكل فلسفية عامة، ولا شك ان الارتباط في الادب العربي والمنهج الغربي قد ابعد الادباء العرب عن الاصالة والصدق ذلك انهم قد غرقوا في مفاهيم وقيم الادب الغربي فصدروا عنه في كل كتاباتهم عن الادب العربي وعن الفكر الاسلامي ايضاً، فهم قد تعرفوا الى الادب العربي ودرسوه من داخل اطار المفاهيم الغربية المادية التي كونت الارضية الاساسية لعقلياتهم وفكرهم وعقائدهم، ومن هنا سيطر المنهج النفسي على دراسة العقاد لابن الرومي وسيطر المنهج الاجتماعي على دراسة طه حسين للمتبني فهما لم يدرسا الرجلين من خلال منطلق عربي وارضية اسلامية قوامها جو اسلامي في بيئة عربية بل من خلال مذاهب افادها الغرب المادي الوثني الاصل،‌ وهي في ذاتها نظريات افتراضية خاضعة للخطأ والصواب اضافة الى فواصل البيئات والمفاهيم والمزاج النفسي والاجتماعي المتباين بين المسلم العربي والاوروبي. ******* النقد الغربي والأدب العربي -2 - 161 2008-07-02 00:00:00 2008-07-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4242 http://arabic.irib.ir/programs/item/4242 من اصدق ما يقال في الحياة الادبية الحديثة ان النقاد الذين تصدوا لدراسة الادب العربي قد تأثروا لحد كبير بمناهج الاداب الغربية واقحموها على هذا الادب في ضمن حركة التغريب والغزو الفكري التي اشتدت بعد الحرب العالمية الاولى، ولم يقف الخطر الذي واجه الادب العربي عند حد المذاهب الادبية المجلوبة التي كانت غريبة على هذا الادب مغذية في مجال التطبيق عليه بل تجاوزت ذلك الى اخطار كبرى ترتبط بالفكر الاسلامي نفسه الذي كان الادب العربي وعاءاً من اوعيته، وكان لهذا الغزو الثقافي للادب العربي اثره في قضايا عديدة كبرى اهمها: اولاً: تقديس الادب اليوناني والتركيز عليه والاعلاء من شأنه والدعوة الى معرفته وفرض تدريس اللغتين اليونانية والرومانية في الجامعات. ثانياً: كان هذا مفضياً الى الغلو في تقويم الادب الغربي في مختلف فنونه واتهام الادب العربي بالفقر والنقص في مجالات القصة والمسرحية والادب الملحمي. الاثر الثالث: هو الاستهانة باللغة العربية ومحاكمتها على نحو محاكمة اللغة اللاتينية والتنويه بشأن اللهجات العامية والدعوة‌الى التحرر من البلاغة العربية وامتد اثر المذاهب الادبية الغربية. رابعاً: الى اخطاء كبيرة في كتابة التاريخ الاسلامي وفي كتابة السيرة وكتابة تراجم الاعلام من ادباء وغيرهم. خامساً: تفشي الدعوة الى انفلات الادب العربي من القيم الاخلاقية وتعالي صيحات الفن للفن ودفع الباب واسعاً امام الكتابات الاباحية. الاثر السادس: للتغريب الادبي هو مهاجمة التراث وتحقيره وسخريته واعلاء شأن المؤلفات التي تثير الخلاف والفتنة. وسابعاً: اغراق الادب العربي في الترجمات من الاداب الاوروبية وهي ترجمات روعي فيها ان تحمل كل مذاهب الاباحة والانحلال والالحاد والفساد الى الادب العربي وخاصة القصة المكشوفة. وقد اغرقت مدرسة التغريب الادب العربي من مذاهب متعددة في النقد الادبي هي الرمزية والواقعية والرومانسية والكلاسيكية، كما عرضت لمناهج متعددة في النقد منها النقد التأثري والنقد التقريري والنقد التاريخي ثم توسعت هذه المناهج ووصفت بأنها مدارس النقد الادبي وهي المدرسة التاريخية والمدرسة الاجتماعية والمدرسة الفنية والمدرسة اللغوية البلاغية والمدرسة النفسية، وقد جرت دراسات الادباء والنقاد خلال هذه الفترة التي بدأت بعد الحرب العالمية الاولى من خلال هذه المذاهب والمدارس وانحاز كل اديب وناقد الى مدرسة او مذهب اتخذ منها اسلوبه في النظر والدرس والبحث وبذلك واجه الادب العربي الحديث اخطر مرحلة في تاريخه من حيث كان تطلع حركة اليقظة الى ان اتسع الادب العربي ليكون سلاحاً قوياً في سبيل انماء هذه الحركة ودفعها الى الامام لكن يبدو ان حركة اليقظة رأت ان الادب العربي قد غرق في بحار من التغريب وتركت الادب في قبضة خصومه، ولم يقف اثر الاضطراب الذي اصاب الادب الحديث بآثاره وانتاجه وحده بل كان عميق الاثر في مجال اخطر هو محاولة اعادة النظر في الادب العربي منذ صدر الاسلام في ضوء هذه المناهج الواحدة التي هي غير مؤهلة لالقاء نظرة على هذا التراث او دراسة الادب العربي من داخل بوتقة المستشرقين وادباء الغرب ومناهجهم من حيث انها تختلف اختلافاً واضحاً بالنسبة الى الادب العربي وذاتيته ومزاجه الخاص المستمد من عناصر اخرى، هذا اذا حسنت النية في النظر اما وهذه النظريات ترتبط بالتغريب والغزو الثقافي فأن النظرة ذاتها ستكون معادية له ومليئة بالتعصب وهذا هو ما اثمرته الدراسات المختلفة التي قدمت على الادب العربي والتاريخ الاسلامي والتراجم الادبية والتاريخية وفي مجال السيرة واللغة العربية فضلاً عن مفاهيم الترجمة والنقل من الادب الغربي وما اتصل بها من اهواء ورغبات. ويمكن القول ان هذه المذاهب الادبية جميعاً قد اعتمدت اساساً على منهج ارسطو في الادب وما يتصل به من مفاهيم في النقد والشعر والمنطق وانها شأن الادب الاوروبي نفسه المرتبط بالادب الاغريقي اصلاً، قد امتدت الى مدرستي النفس والاجتماع الحديثتين المدرسة النفسية والتي وضع اساسها فرويد والمدرسة الاجتماعية التي ارسى قواعدها دوكاين. هايمن اشار في كتابه النقد الادبي ومدارسه ان النقد الادبي الحديث قد اعتمد على خمسة من العلماء هم داروين ومارسكي وفريزر وفرويد ودابوي، اما داروين فقد جاءت منه فكرة ان الانسان جزء من النظام الطبيعي وان الحضارة تطورت اي ان داروين قد نظر الى الانسان على انه حيوان وطبق عليه علمياً كل ما يطبق على الحيوان والحشرات اما ماركس فهو الذي ذهب الى ان الادب هو الذي يعكس ولو بطريقة معقدة ملتوية احياناً على العلاقات الاجتماعية والانتاجية لهذا العصر او ذاك، وفرويد هو الذي يرى ان الادب تعبير مقنع وانه تحقيق لرغبات مكبوتة قياساً على الاحلام وان هذه المقنعات تعمل حسب مباديء معلومة وفكرته ان هناك مستويات ومدارج عقلية تقع وراء الوعي وان بين الرقيب والرغبة في التعبير صراعاً مستمراً، اما فريزر فهو صاحب الافكار عن السحر البدائي والاسطورة والشعائر البدائية وان هذه كلها تكمن في اساس اعلى النماذج والموارد الادبية واخيراً فأن جون دايوي يرى ان قراءة الادب وكتابته ليست الا صوراً انفعالية انسانية يمكن ان تقاس بأي فاعلية اخرى وانها خاضعة للقوانين نفسها. وقد اضاف ستالي هيمن الى مقومات النقد الادبي التي كونتها اراء هؤلاء الخمسة فكرة السلوكيين التي تقول ان الادب ليس الا رجلاً يكتب ورجلاً يقرأ كما اضاف فكرة العقليين بأن الادب قابل للتحليل وقال ان النقد الحديث قد قرر مبدأين اساسيين كانا يحتلان مقاماً رئيساً في الماضي هما: اولاً: ان الادب نوع من التعليم. وثانياً: انه في الاساس نوع من اللذة او المتعة. هذا هو ما سجله هايمن من اسس لمناهج النقد الادبي الحديثة التي نقلها الادباء العرب الى محيط الادب العربي واتخذوها قاعدة لرفضه ونقده ولمحاكمة هذا الادب بمقتضاها منذ صدر الاسلام الى اليوم واخطر ما تحمله هذه المناهج هو ازدراء اخلاقية الادب واحتقارها والتخلي عنها فضلاً عن الانكار الواضح للتوحيد الذي يكاد يكون الاساس الاصيل والاكبر للادب العربي بل المعارف الاسلامية عامة. ******* النقد الغربي والأدب العربي -1 - 160 2008-06-29 00:00:00 2008-06-29 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4241 http://arabic.irib.ir/programs/item/4241 في الحديث عن الادب العربي يمكن ان يلاحظ ان عامة النقاد الذين تصدوا لدراسة هذا الادب في العالم العربي انما انفعلوا بالثقافة الاوروبية فأخذوا مناهج الاداب الغربية ومذاهبه في النقد وادخلوا فيها الادب العربي وحاولوا اخضاعه لهذه المناهج واستعانوا بمفاهيم المستشرقين الخاطئة والمغرضة، الخاطئة بحكم ضعف القدرة لديهم على تذوق الادب العربي والتعمق فيه والمغرضة بحكم دوافع الغزو الثقافي ومحاولة صهر الادب العربي في كيان الاممية العالمية ونتيجة للخلاف الطبيعي بين ادب وادب ومزاج عربي نفسي كونته عوامل كثيرة مباين لمزاج نفسي عربي كونته عوامل مختلفة ونتيجة لاختلاف العقليات والذهنيات، لم تستطع مذاهب النقد الادبي الوافد ان تمثل ميزاناً دقيقاً للادب العربي وعندما طبعت هذه المذاهب على الادب العربي الاسلامي جاءت ظالمة وكانت في نفس الوقت عديدة عن استيعاب ابعاده. الواقع ان النقد في الادب العربي الحديث قد اعتمد مذهبين احدهما المذهب الفرنسي الذي يمثله تين وسان فيس والثاني المذهب الانجليزي الذي يمثله هارولت وماكولي واتصل المذهب الاول بالنثر بالاغلب كما اتصل الثاني بالشعر، هذا الاتجاه برز خلال الحرب العالمية الاولى وبعدها على ايدي بعض العائدين من اوربا والمتصلين بالادب الغربي بالقراءة او الدراسة في المدارس والكليات، وهذا المنهج الذي وصف بأنه منهج المدرسة الحديثة ويظل منقسماً الى هاتين المدرستين اي الانجليزية والفرنسية ما هو الا منهج الاوربيين وقد تبلور الاتجاهان الى مدرستين، مدرسة انجليزية في الشعر قام عليها شكري والمازني والعقاد واتخذت اراء هارولت وماكولي من النقاد الانجليز وقد تبلور هذا المذهب في خلال فترة ما بين الحربين بما يسمونه بالمذهب النفسي او النفساني، ومدرسة‌ فرنسية في الادب شعراً ونثراً قام عليها احمد ضيف وطه حسين وهيكل وزكي مبارك اعتمدت اراء تين وسان فيس من النقاد الفرنسيين وقد تبلور هذا المذهب في خلال فترة ما بين الحربين بما يسمونه بالمذهب الاجتماعي وبذلك يمكن القول ان الادب العربي في دراسات تاريخه ونقده قد سقط في قبضة المذاهب الغربية التي قام امثال نيلينو وكازينوفو وماسينيون وغيرهم من المستشرقين بتدريسها في الجامعة المصرية القديمة على اختلاف في المزاج النفسي والثقافي بين ادب هؤلاء المستشرقين وبين ادب العرب وتاريخه ومضامينه فضلاً عن اختلاف البيئة والذوق. كان لتعميق هذا الاتجاه وانتصاره على المذاهب القديمة ولعجز الادباء في هذه الفترة وحتى الان عن مقاومته او ابتداع مذهب اصيل كان له اسوء الاثر في الانتاج الادبي العربي وقد سيطر هذا المذهب عن طريق الجامعة المصرية التي كانت يومذاك مؤسسة رسمية خاضعة لوزارة المعارف التي تقع تحت نفوذ الاستعمار البريطاني بالاضافة الى مختلف نظم التعليم والتربية والثقافة في ذلك الوقت، وهو مجال الصحافة السياسية التي كانت تقوم بالمزايدة بالادب في سبيل كسب الانصار في مجالها الحزبي، هذه المذاهب الواقدة تركت اعمق الاثر في الانتاج الادبي بل حولته عن ذاتيته وجوهره ومضامينه الواقدة‌ ولو ان الادباء وقتئذ كانوا خالصي النية في خدمة الادب العربي لأمتصوا من هذه الادبية خير ما فيها ثم بنوا نظرية اصيلة مستمدة من جوهر هذا الادب وفق مفاهيمه وقيمه ومناهجه، ذلك ان الادب العربي كانت له نظرية وقوانين معروفة نمت وتطورت ثم توقفت وجمدت وكان بالامكان تنميتها وتحريرها من ضعف القديم مع تحريرها ايضاً من سيطرة الواقد على الحياة الادبية، هؤلاء لم يكونوا قد تعمقوا في الادب العربي تعمقاً يجعله اصيلاً في نفوسهم ولن يكونوا قد اعتنقوا القيم الثقافية الاسلامية اعتناقاً شبيهاً في اقل تقدير بأعتناق ادباء النهضة الغربية للقيم اليونانية والاغريقية والرومانية والمسيحية التي شيدوا عليها مناهجهم الادبية وقد نظر هؤلاء الادباء الى ‌الادب الغربي بأجلال واكبار ونظروا من خلاله الى الادب العربي نظرة احتقار وازدراء او نظرية السخرية والعطف، هذه النظرة ليست صادقة على الاطلاق لم يكن الادب العربي وهو قطاع من جوهر المعرفة الاسلامية العملاقة اقل قدراً من ادب اليونان او الادب الفرنسي الذي ازدهى بين هؤلاء الادباء واكبروه ووضعوه في المقدمة واتهموا الادب العربي بأنه اخذ منه وبلغ في ذلك غاية الاساءة والطعن حين قال ان خير ما في الادب العربي انما جاء من الفرس واليونان. ان مصدر هذه النظرية الخاطئة المضللة انما جاء نتيجة خضوع هؤلاء الادباء للفكر الغربي والصدور من احكامه والانصهار في بوتقته ورؤية الادب العربي والفكر الاسلامي في اطار نظرية المستشرقين وهي نظرية معادية مضللة وضعت تحت لواء الاستعمار نفسه وخضعت لنفوذ التبشير والتغريب والغزو الثقافي واريد بها هدم هذا الادب بأيدي ابناءه اولياء الثقافة ‌الغربية الذي اتصلوا بتلك الجامعات في الغرب او بمعاهدات الارساليات في بلادهم، ولا ريب ان الخطر لا يقف عند مناهج الادب وحدها بل اتسعت دائرته فشملت الفكر الاسلامي جميعاً عن طريق الادب فقد كان الادب هو الطريق السهل لضرب كل القيم واثارت الشبهات حولها من خلال نظرية ماكرة استهل بها الادباء عملهم تلك هي فصل الادب عن الفكر الاسلامي ومنحه الحرية الكاملة في ان يصدر دون ان يربط بينه وبين المقومات المختلفة كالاخلاق والدين والتربية وكان هذا المنطلق وحده هو اخطر ما وجه للادب العربي كله من عوامل التدمير وكان الباب الذي نفذ منه دعاة التغريب الى هدم مقومات الفكر الاسلامي اذن لم يقف امر الخطر الذي واجه الادب العربي عند حد المذاهب الادبية المجلوبة من الغرب والتي كانت غريبة على الادب العربي مضللة في مجال تطبيقها عليه بل تعدت ذلك الى اخطار كبرى تتصل بجذور الفكر نفسه. ترى ما هي آثار الغزو الثقافي الذي حمل على الادب العربي وحاول اجتياحه؟ الواقع ان الاثار عديدة متنوعة نشير في هذا اللقاء الى طرف منها بما يسمح به الوقت على ان نكمل متابعة هذه الاثار في اللقاء القادم ان شاء الله، اول اثار حركة التغريب على الادب العربي تقديس الادب اليوناني والاشادة به والاعلاء من شأنه والدعوة الى معرفته وفرض تدريس اللغتين اليونانية والرومانية في الجامعات ومحاولة القول ان الفكر الاغريقي كان بعيد الاثر لا في الادب العربي وحده بل في الاسلامي كالفكر كله، ثاني هذه الاثار ان هذا كان باباً لاعلاء الادب الغربي بفنونه المختلفة واتهام الادب العربي بالنقص في مجالات القصة والمسرحية والادب الملحمي، والثالث من اثار الغزو الثقافي الغربي الاستهانة باللغة العربية ومحاكمتها على نحو محاكمة اللغة اللاتينية والاعتناء بشأن العاميات والاقليميات والدعوة من التحرر من البلاغة العربية للفصل بين مستوى القرآن البياني وبين مستوى الكتابة العربية. ******* إشكالية تقسيم عصور الادب العربي - 159 2008-06-26 00:00:00 2008-06-26 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4240 http://arabic.irib.ir/programs/item/4240 مرة اخرى نلتقي لرؤية ما فعلته المناهج الغربية المجتنبة في دراسة الادب العربي كمظهر من مظاهر الغزو الثقافي والفكري وقد رأينا في لقاءنا السابق ان ابرز الموضوعات التي تحكمت فيها مناهج الغرب في موضوع الادب هي تقسيم الادب العربي الى عصور سياسية فوقية ليست اصيلة ولا جوهرية وتقسيم هذا الادب على اساس الاقاليم عزلاً للأدب كل اقليم عن الاخر الذي يشترك معه بروابط صميمية متينة، وقد ثبت حتى الان فشل منهج العصور في الادب العربي وانتهت التجارب التي جرت الى تطبيقه الى الاخفاق في ابراز قسماته الدقيقة ورسم صورته الصحيحة، اما الاقليمية فأذا صحت بالقياس الى الاداب الاوروبية المتحاجزة فيما بينها فأنها لا يمكن ان تصح بالقياس الى الادب العربي الواحد رغم تعدد اقاليمه. ان تدوين الادب العربي ودراسته وفق العصور والاقليمية ليس غير تبعية ذميمة في تاريخ الاداب الغربية، وكشفت السنوات الفائتة خلال نصف قرن او اكثر عن فشل هذا المنهج واخفاقه ايضاً وظهرت الحاجة الملحة الى طرح هذا المنهج وطلب منهج آخر اكثر اصالة وابعد عن عوامل التعزيب التي جهدت لتمزيق وحدة الادب العربي. انه يا اخي اذا كانت الدعوة لايقاظ الادب العربي وانهاضه تحمل لواء الخروج من الخضوع لمذاهب القدماء فلماذا لا يكون الحل بالخضوع لمذاهب الآخرين واذا كنا صادقين حقاً في تحرير الادب العربي ومنحه ذاتيته وقوته فلماذا نأخذ ما وضعه الاوروبيون من مناهج تناسب اذواقهم وبيئاتهم وظروفهم السياسية والاجتماعية ليدرسوا عليها ادبهم الخاص بهم، لماذا نأخذها اخذاً اعمى دون تقدير لاي عامل من عوامل الاختلاف في الزمان او البيئة او الذوق؟ وكل هذه عوامل تحكم بالتباين بين ادب وادب وبين مناهج تاريخ ادب وتاريخ ادب، ذلك لان هذه المناهج انما استمدت وجودها اساساً ونبعت من الاداب نفسها وعلى ضوء مادتها الادبية. ان الخطأ كان في متابعة اولئك الدعاة الغربيين قبل التعرف على جوهر اهدافهم وما تخفي صدورهم من غايات، وقد اعزت الناس اسماءهم اللامعة على الرغم مما اثير حولهم من شبهات وما كشفت الاحداث من مواقفهم المريبة فقد جرى اناس وراءهم وتابعوهم لما رفعوه من شعارات ارادوا بها اغراق المسلمين في الاممية الفكرية والعالمية الادبية وهي في الواقع شعارات جوفاء خالية من المعنى الواقعي. كثير من المؤلفين العرب اخذوا ما قاله الغربيون او تأثروا بأفكارهم دون ان يفكروا في صلاحه او خطأه، ومن هم ما اخذ الغربيون بثقة واطمئنان ومنهم من نظر اليه على انه اكثر قداسة والاولى بالتقدير، واذا كان يعاب على الادب العربي في عصوره الاخيرة انه جمد على مذاهب القدماء وهم من العرب وعلى ذوقهم فأي عذر لتقبل ما يفرضه الغرب من مناهج انشأها الغربيون على مقاييس ادبهم وقدود فنونهم؟ وماذا تكون تابعين لمدارس معينة في الفكر والادب والشعر ولا تكون لنا نظرية اصيلة ومدارس حيوية قائمة على اسس من قيمنا؟ لماذا نتأقلم نحن لنظريات الاخرين ولا نبدع مذهباً خاصاً‌ بنا؟ والى متى يظل الولاء لمذاهب الغرب في دراسة الادب العربي؟ والواقع ان هذه المذاهب افسدت نظرتنا ولم تستطع ان تمنعنا اصالة فكرية، وكان هدفها عزل العرب في العصر الحديث عن ادبهم القديم كله وازدراءه واقامة مفاهيم الادب الحديث وفق مناهج غربية تأكل الاصالة وتقضي على الشخصية الاصيلة للامة، ولا ريب ان انتساب الادب العربي الى الاسلام والقرآن كفيل بأن يقيم له ذاتية خاصة ومنهجاً مستقلاً يمتاز بالاصالة والتفرد والتعمق. كان تقسيم الادب العربي الى عصور سياسية من آثار متابعة الغربيين في احكامهم على هذا الادب ولا ريب ان الادب العربي يختلف عن الادب الفرنسي او الانجليزي او الامريكي في انه ادب اللغة العرقية العربية التي قامت قبل سبعة عشر قرناً والتي غذاها القرآن الكريم في اضخم اضافة لغوية وفكرية في تاريخها كله، وهذا الادب قد انتشر واتسع نطاقه مع انتشار الاسلام حتى ترامت بيئته من جنوب فرنسا الى تخوم الصين، وقد جمع اليه عقليات الفرس والترك والبربر والعرب جميعها حيث تشارك فيه هذه القاعدة العريضة للادب العربي وان ما يفسدها هذا المنهج الذي يقسم التايخ الى عصور، فأذا اصفنا اليها طبيعة هذا الادب نفسه وارتباطه بالبيئة الواسعة والاسلوب القرآني وبمفاهيم التوحيد والاخوة التي جاء بها الاسلام بدا واضحاً ان لهذا الادب شخصيته المميزة وبدا من غير الصحيح اطلاقاً ان يطبق عليه منهج غربي. قام اساساً هذا المنهج اي الغربي على ادب اقليمي ضيق في فرنسا او بريطانيا او ايطاليا ولا يزيد عمره على اربعمئة عام، واستمد مقوماته من مفاهيم قوامها الادب الاغريقي الوثني والقوانين الرومانية الارستقراطية المستعلية بأسم السيادة الرومانية وعبودية ما حول روما، ومستمدة ايضاً من مفاهيم المسيحية الغربية التي اخرجها الغربيون عن سماحتها وجوهرها واضافوا كذلك اليها سمات واطر من الفكر اليوناني القديم، كل هذا يشكل فوارق بعيدة تصل بنا الى اليقين بأنه من العسير تقبل مناهج الاداب الاوروبية لتطبيقها على الادب العربي. واهم ما يوجه الى منهج تقسيم العصور من اتهامات تضعفه هو ان هذا التقسيم مناسب لطبيعة الاداب الاوروبية بوحداتها المتعددة المنفصلة عن بعضها انفصالاً سياسياً وتاريخياً ولغوياً وادبياً من حيث استقلال كل منها بلغتها الخاصة وادبها الخاص في ضمن حدودها الضيقة، في حين يواجه الادب العربي مساحة ضخمة تشمل عدداً كبيراً من الاقاليم في قارتين واسعتين، النقطة الاخرى هي ضيق المساحة الزمنية التي يتحرك فيها الادب الاوروبي وهي في مجموعها لا تزيد على خمسة قرون اي منذ عصر النهضة ونشأت اللغات المستحدثة المنفصلة عن اللغة اللاتينية، والنقطة الاخيرة هي ان العصور تجري الاحداث فيها متلاحقة كل حادث ينشأ يكون منفعلاً بأسباب وعلل تقدمه وهي ايضاً متصلة بحادث سابق ذلك ان الفكرة تنبع من افكار تقدمتها او ولدتها وخرجت احياناً مباينة لها في الصورة‌ والشكل وبذلك تنتقل مؤثرات عصر سابق الى‌ عصر لا حق. ثم ان الاحداث السياسية التي تقع في زمن من الازمنة انما تحدث اثارها في مرحلة تالية ومعنى هذا ان تقاسيم العصور السياسية المفروضة على الادب العربي تدخل عليه اضطراباً خطيراً فضلاً عن ان هذا المنهج يؤدي الى تصوير هذا الادب في معظم حالاته على انه ذنب للسياسات ومصبوغاً بضبغة النظام الحاكم وهذا مما ينافي واقع التاريخ. ******* تطبيق المناهج الغربية على الأدب العربي - 158 2008-06-24 00:00:00 2008-06-24 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4239 http://arabic.irib.ir/programs/item/4239 في الحديث عن الادب العربي ودراسته ونقده نلحظ فيما نلحظ ان كثيراً من النقاد والدارسين المحدثين قد نظروا الى الادب العربي من خلال نظرية الادب الاوربي ومفاهيمه ومقوماته وهذه مسألة مهمة ينبغي التنبه لها، وهذه النظرية اي الاوربية كان هؤلاء قد درسوها في كتب النقاد الانجليز مثل هابلت ومكولي او قرأوها في جامعات فرنسا او غيرها وفق آراء سانت بيس وتين وكلا النوعين من النظريات الفرنسية والانجليزية انما قامت على اساس ادب موجود فعلاً هو الادب الفرنسي والادب الانجليزي ذلك ان قوانين النقد ودراسته لا توضع قبل وجود الادب نفسه وانما تستخرج من النصوص الادبية والنتاج الادبي نفسه كما هو واضح معلوم. ان نقل هذه النظريات من الاداب الاوربية لتطبيقها على الادب العربي كان امراً خطيراً يحمل الكثير من وجوه التعارض الطبيعي والعقلي بين العصور والبيئات وقد حدث هذا ايضاً في ميدان الفلسفة وفي دراسات الاجتماع والنفس والاقتصاد والسياسة والتربية، وكان معروفاً ان هذا الاجراء نفسه لم يكن طبيعياً بل ان عوامل ضخمة وخطيرة كانت تضغط لتفرض هذه التيارات، واهم هذه العوامل هو ما تستهدفه حركة التغريب والغزو الثقافي من تذويب الادب العربي في الكفر الاوربي وتدمير وجوده الذاتي وملامحه الخاصة ومزاجه الاصيل الذي استمده من بيئته وتراثه وفكره خلال خمسة عشر من القرون. وقد يرى نقاد الادب ودارسوه مع التيار الذي طواهم جميعاً ووضعهم داخل اطار النظرية الاوروبية التي حاولت ان تكون مصدراً لصياغة الادب الحديث فضلاً عن اصدار الاحكام على الادب العربي في مختلف مراحلة السابقة للعصر الحديث. بعض الكتاب كانوا يرون ان هذه المناهج الغربية الحديثة من شأنها ان توجد نهضة ادبية حقيقية وكانوا يعتقدون هذا الاعتقاد بصدق وبحسن نية ولكن بعض الكتاب الاخرين كانوا يعلمون الهدف الخطير الكامن وراء الدعوة ويتحركون من اجل تحقيقه وايصاله الى غاياته في افساد ذاتية الادب العربي وتصوير هذا الادب كله وفي مختلف عصوره بصورة مضطربة ورميه بشتى صور القصور والفساد والانهزامية السلمية، وذلك من خلال تيار نصوص معينة او مصادر معينة او شعراء او ادباء معينين ثم يجري من خلال هذه النصوص والمصادر اصدار الاحكام العامة الشاملة على عصور بكاملها واتهامها بأنها كانت عصور شك ومجون كما حدث ذلك تماماً حين اصدر طه حسين مثل هذا الحكم على القرن الثاني الهجري وكانت مصادره هي كتاب الاغاني ونصوصه هي شعر بعض الشعراء الاباحيين. كان هذا المنهج الغربي المجتلب غريباً على الادب العربي ولم يكن صادقاً في الحكم عليه وكانت قوانينهم مختلفة تماماً مع جوهر مفاهيم الادب العربي، ومن هنا اخرج هذا المنهج من الادب كل ما هو اصيل وعظيم من تراث الامة وفكرها وادبها ونثرها وركز كثيراً على الشعر الذي كان الاسلام قد خفف من مكانته وقلل من اهميته وفرض منهجه القرآني البياني بديلاً له بعد الاسلام حتى ليمكن القول ان حركته التي اتسعت في العصرين الاموي والعباسي كانت خارجة عن مفاهيم الفكر الاسلامي واصالة الادب العربي حين اعيد النظم في اباحيات الجاهلية وغرورها ومدائحها واهاجيها وفخرياتها ممن لا يتصل بالنفس العربية التي بناها الاسلام وصاغ لها كيانها وذاتيتها بل ان تقسيم الادب الى عصور كالاموي والعباسي هو تقسيم اجنبي ظالم فضلاً عن وصف عصري المماليك والدولة العثمانية بأسم عصر الانحطاط في حين يحمل هذا العصر عصارة ثمرات تطور الادب العربي مما يجعله جديراً بأن يسمى عصر الموسوعات، ولا شك ان هذه الاسماء قد اطلقها المستشرقون ومن تابعهم من دعاة التغريب ارادة في تدمير مقومات الادب العربي ووصمه بالضعف والانحلال. ولو لا سيطرة مفاهيم الادب الغربي الوافد لامكن ان يترابط الادب العربي في وحدة لها طابعها الاصيل المستمد من جوهره الذي يختلف عن التقسيم الذي طبقته فرنسا وانجلترا والمانيا حين انفصلت بأدابها عن اللاتينية في حين يمثل الادب العربي وحدة متصلة مترابطة منذ ظهور الاسلام الى اليوم بحيث ان كل خطوة فيه هي نتيجة لما سبقها ومقدمة لما بعدها دون ان نجد بينها انفصالاً او توقفا يبترها عن سواها. اما ما هي اهم الموضوعات التي استأثرت بها مناهج الغرب وفرضت عليها نفوذها واخضعتها لقوانينها واساليبها، امام هذه الموضوعات موضوعان تاريخ الادب العربي ثم نقد الادب، في تاريخ الادب جرى النظر الى الادب العربي على انه ادب اقليمي يخص قطراً من بلاد العرب دون قطر آخر، وقد حرص العاملون في هذا المجال ان يفرضوا امرين الاول منهج مستعار مجلوب يقسم الادب العربي الى عصور الثاني منهج وافد غريب يرمي الى تقسيم الادب الى اقاليم، ويمكن القول ان هذه المناهج اذا كانت قد وافقت الوحدات الاوربية الصغيرة فأنها لا تتفق مع طبيعة الادب العربي ولا مع طبيعة الامة الواحدة التي وحدها الاسلام وان تعددت افكارها نتيجة لما فرضه الاستعمار عليها من تقسيم سياسي استعماري، اما بالنسبة الى الاقليمية فأنها طبيعة مقبولة في الاداب الاوربية لكنها غريبة عن الادب العربي، ففي اللغات الانجليزية والفرنسية والالمانية والاسبانية عوامل كثيرة تعمل عملها اضطراراً على انشاء الاداب الاقليمية وهي عوامل لا وجود لها في الدول العربية فلا وجه للمقارنة بينها وبين عوامل الاتفاق والاختلاف في هذه البلاد، من هنا فأن كتابة تاريخ الادب على اساس العصور والاقليمية انما هو تبعية خطيرة نظراً لاختلاف العوامل السياسية والاجتماعية بل واختلاف العصور والبيئات، وقد كشفت السنوات في الستين سنة الاخيرة عن فشل هذا الاسلوب واخفاقه ودعت التجارب الى تركه والتماس منهج آخر يكون اكثر اصالة وابعد عن عوامل التغريب التي تريد تمزيق وحدة هذا الادب ليكون ادباً مصرياً وادباً سورياً وادباً عراقياً ومغربياً وتلك هي غاية الاحتلال والغزو الثقافي في تأكيد الاقليمية، وقد تصاعدت الصيحات في السنوات الاخيرة تدعوا الى تحرير الادب العربي من قيوده ومن السلاسل والاغلال التي كبله بها ادباء تابعو منهج الغرب منهم من تبعها بحسن نية ومنهم من كان في الدعوة اليها والتركيز لها والعمل لها تابعاً للنفوذ الاجنبي وللغزو الثقافي وللثقافات الغربية الدخيلة، مرة اخرى نلتقي لنواصل متابعة هذا الامر. ******* الأساس المنسي لبناء الادب العربي -2 - 157 2008-06-21 00:00:00 2008-06-21 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4238 http://arabic.irib.ir/programs/item/4238 الادب العربي نشأ في الجزيرة العربية فهي البيئة التي تشكلت فيها الخميرة الاساسية لللغة العربية ويرجع ذلك الى قرون عديدة سبقت الاسلام. ويمكن القول ان الجزيرة العربية عرفت مجتمعين احدهما في جنوب الجزيرة والاخر في وسطها وهما مجموعتا قحطان وعدنان وكانت كلها جماعات متناثرة، وقد تشكل العنصر العدناني في وسط الجزيرة نتيجة هجرة ابراهيم (عليه السلام) وزوجته هاجر وولده اسماعيل الى مكة حيث بئر زمزم، وكان الحدث الاكبر هو رفع ابراهيم واسماعيل قواعد البيت اي الكعبة وتجمع قبائل جرهم وغيرهم، وقيام دين التوحيد في المنطقة بنبوة اسماعيل بعد ابراهيم (عليهما السلام) وتكاد تجمع المصادر على ان اسماعيل هو اول من تكلم العربية وكان ذلك قبل الاسلام بثلاثة الاف عام تقريباً، ولا يعرف التاريخ من وقائع عصر ما قبل الاسلام اي الجاهلية الا شذرات قليلة واعظم حصيلة في هذا الشأن هو ما اورده القرآن الكريم وقد قسمت الجاهلية الى عصرين، الجاهلية الاولى والجاهلية الاخيرة التي تمتد الى القرنين من الزمان قبل الاسلام. النصوص التاريخية تشير الى ان كلمة عربي لم تستعمل في الشعر الجاهلي او الاثار السابقة للاسلام وان القرآن ذكر هذه الكلمة وان الاسلام هو الذي اعطاها دلالتها الحقيقية اذ اقام وحدة الامة، وكانت العرب قبائل متفرقة لا يجمعها رابط، وقد كان للحنيفية السمحاء ودعوة التوحيد التي نادى بها ابراهيم واسماعيل اثرها البعيد في القيم الاخلاقية وفي مقدمتها الكرم وحماية الزنار والمروءة والاريحية. وهذا يذكر بحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق» اي ان مكارم الاخلاق قد سبقت على ايدي الانبياء وجاء الاسلام ليتممها ويضعها في اصفى قالب واصدق نهج. وكان اختيار منطقة الجزيرة لرسالة الاسلام مرتبطاً على نحو ما بالرسالة الاولى الحنيفية التي جاء بها نبي الله ابراهيم، من هنا ربط القرآن بين الرسالة‌ الاولى والرسالة المجددة فقد اعلن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انه جاء مجدداً للحنيفية السمحاء التي اقامها ابراهيم وفي نفس الوقت نجد ابراهيم يتطلع الى ان يبعث الله في العرب رسولاً منهم يحمل لواء التوحيد ويرفعه الى العالمين جميعاً. كانت جاهلية العرب جاهلية ساذجة ولم تكن على شاكلية جاهلية اليونان والفرس والهنود والفراعنة ذات جذور عميقة وفلسفة مشكلة ذات طابع وثني عريق وانما كانت قشرة غالبة بدأت بالانحراف عن التوحيد الى عبادة الاوثان والى اشراك الالهة المرتجاة في الوساطة والزلفى الى الله تعالى. وقد كشف القرآن الكريم عن زيف هذا الاتجاه وحرر العقيدة من كل عوامل الوثنية والشرك والتعدد، تلك اذن هي البيئة التي نشأ فيها الادب العربي، بيئة الصحراء والافق الطلق والشمس المشرقة والرؤية البعيدة والسماحة الذاتية وبيئة المراعي والامطار والتطلع الى فضل الله في اطار الصبر والمصابرة. وكانت هذه المعاني قبل الاسلام قد اصابها الاضطراب ووجهت بها الجاهلية الى المطامع والاهواء والاستعلاء والغرور بيد ان الاسلام لم يلبث ان ردها مرة اخرى الى اصولها الحقيقية وجردها من الهوى وجعلها خالصة لله. العرب قبل الاسلام كانوا موحدين بدعوة ابراهيم (عليه السلام) ثم سقطوا في الوثنية وقد ظلت طائفة منهم تتعبد على دين ابراهيم حتى جاء الاسلام، ومن هنا فأن كل ما لديهم من سمات الايمان والخلق والكرم انما صدر عن ذلك الاصل القديم ثم جدده الاسلام فمنحه مضموناً رباني المحتوى انساني المظهر. وقد تقدم الاسلام الى العرب والى الناس جميعاً لا بأعتبار انه دين جديد ولكن بأعتبار انه دين الانسانية الاقدم خالصاً من جميع الشوائب التي الحقتها به الاجيال المتعاقبة، ونجح الاسلام في ربط الناس في مجتمع اوسع من العائلة او القرابة او القبيلة ولم يبق اثراً للتمييز على اساس العرق او اللون او اللغة او الوطن واعتبر وحدة الجنس اساس الوحدة البشرية فلم يعرف مجتمع الاسلام مفهوم العنصرية بل صهر الاسلام ذلك كله واقام منهجه الخالص في الامة الكبيرة الواحدة. والعرب من غير الاسلام لم يكونوا شيئاً بل حتى لم يكونوا يسمون عرباً وبالاسلام اصبحوا امة ثم نقلهم هذا الدين الالهي الخاتم الى المجال العالمي، ان الرسالة الاسلامية قد كونت العرب ككل جديد واقامت لهم الوحدة على اساس العقيدة والفكر وكان وما يزال الحصن المنيع الذي رد عنهم العوادي وحطم الغزاة، وقد صحح الاسلام مفاهيم القيم التي كانت قد انحرفت من مباهاة وفخر وعصبية وتكاثر واستعلاء وارجعها الى اصولها الحقيقية بطلب الحق فجعل البطولة في الحرب وتفوق العالم في العلم وكرم الكريم في الانفاق لا من اجل الشهرة والظهور بل ابتغاء مرضاة الله تبارك وتعالى. اما المضمون الذي تشكل الادب العربي في اطاره فهو قاعدة التوحيد واسس الاساس في المعتقد الاسلامي ومن ثم فهو لب الادب، والانسان في الاسلام مستخلف في الارض له طبيعته الاصيلة الجامعة بين الروح والجسم والعقل والقلب وهي طبيعة متكاملة لا تضارب فيها ولا صراع، وقد جاء الاسلام بفكرة رئيسية هي فكرة الحق في كل شيء فما يتصل بالكلام عن الله وعن الكون وعن المعرفة وعرض التحجر على الابائية والتقليد الباطل ودعا الى اليقين بعيداً عن الشك والظن، وفرق بين المعارف الجوهرية والمعارف غير الجوهرية التي ليس لها قيمة الا ان تكون زينة فقط وحث على نبذ الحديث الذي يظل الناس بغير علم، والقرآن الكريم لما كان المصدر الاصيل للمعرفة الاسلامية وجب ان يكون المثل الاعلى للادب العربي لانه مصدر العطاء في البيان وفي الفكر جميعاً وحفظ القرآن رابطة الفكر والبيان بين الشعوب الاسلامية وغيرها من الشعوب، وحفظ اللغة العربية ان تتمزق الى لهجات وهو الذي نشر هذه اللغة في الافاق حتى وصلت الى الصين في الشرق وفرنسا في الغرب وهو الذي حفظ اللغة العربية لساناً مبيناً خلال اربعة عشر قرناً حتى ان احد القدماء لو عاد الينا الان لتحدث الينا وتحدثنا معه بهذه اللغة وهو ما لم يقع في اي لغة اخرى من اللغات الحية. ومرد ذلك الى احتفاظ العربية بمستوى بلاغة القرآن ومن هنا انطلقت الدعوة الى مهاجمة الفصاحة العربية والخطابة والشعر عن طريق احياء اللهجات العامية وعزل الناس عن لغة القرآن وذللت وحدة الفكر الجامع بين المسلمين تحقيقاً لاهداف معادية، والعربية بهذا المفهوم ليست لغة العرب وحدهم لكنها لغة فكر وثقافة ودين لاكثر من الف ميليون من المسلمين. ******* الأساس المنسي لبناء الادب العربي -1 - 156 2008-06-18 00:00:00 2008-06-18 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4237 http://arabic.irib.ir/programs/item/4237 لا ريب ان خصائص الادب الذي نشأ في البيئة العربية تميزه عن الاداب الاخرى شرقيها وغربيها، ونحن نعرف ان هذه الخصائص ترجع الى البيئة التي نشأ فيها هذا الادب والى الفكر الذي تشكل في اطاره والاصول التي استمد منها وجوده والتحديات التي واجهته في مسيره الطويل، ولا ريب ايضاً ان ادب اي امة مرتبط دائماً بلغتها فهو في المصطلح الفني ادب لغة وادب اي امة هو نتاج عواطفها ومشاعرها وعقولها وهو عصارة مزاجها النفسي وطابع روحها، وهو في نفس الوقت مرتبط بهذه الامة ارضها وسماءها وقيمها وتقاليدها،احداثها ومجتمعاتها، فهو خلاصة وجهة نظرها في الحياة مستمدة من داخلها ومن مكوناتها الذاتية، من هنا ينبع التفاوت بين ادب امة وادب امة اخرى ومن هنا كان ايضاً ادب امة وادب لغة لانه يستمد وجوده من مشاعر هذه الامة وسماتها الروحية والعقلية والنفسية والادب الاصيل عالمي بطبعه من حيث نزعته الانسانية لا من حيث انصهاره في نموذج واحد والطابع الانساني للادب لا يخرجه عن ذاتيته كأدب امة خاصة ولا بد مجه في غيره من الادب تحت ما يسمى بعالمية الادب. والادب الغربي ادب امة عريقة وادب لغة عريقة ايضاً وهو ادب لم يتشكل في صورته الحقيقية الا منذ ظهور الاسلام الذي جمع العرب في الجزيرة العربية فكان عاملاً في تحويل القبائل الى امة تامة. وبنزول القرآن الكريم وضحت صورة هذا الادب وكان العامل الاعظم في ظهور فنونه وعلومه ومناهجه. واللغة العربية سابقة على الاسلام وهي عماد وجود المتكلمين بها وهي لغة تطورت ونمت خلال مئات السنين حتى وصلت الى صورتها التي عرفت بها قبيل الاسلام وان ظلت لها لهجاتها المختلفة المتعددة فلما نزل القرآن انصهرت اللغة العربية في لهجة واحدة ثم اعطاها القرآن كما اعطى الادب العربي هذا البيان المعجز الفائق الذي فهمه العرب واعجبوا به وعجزوا في نفس الوقت عن الاتيان بمثله. كان العرب قبل الاسلام مجموعة من القبائل المختلفة المتصارعة التي لم تجتمع تحت اي لواء سوى الاسلام وكانت ذا قيم وتقاليد ولها طابعها الذي اعطاه اياها مكانها في هذه الجزيرة شبه المعزول عن حضارة العالم، حضارتي الفرس والروم، هذا الطابع البدوي الخاص اهلها لتتلقى رسالة الاسلام الانسانية فقد حماها وجودها المنعزل عن ان تذوب في متارس الحضارات وانحلالها ومكنها من تنمية بقايا الحنيفية لدين ابراهيم (عليه السلام) التي تمثل ما كان لدى العرب في الجاهلية من قيم اخلاقية وان خالطها كثير من فساد عادات الثأر والشرك وعبادة الاصنام والعصبية والاستعلاء والتفاخر، فلما جاء الاسلام حرر هذه النفس من جاهليتها وصاغ حياتها صياغة جديدة واعطاها مفهوماً متجدداً وهو مفهوم التوحيد. هذه العوامل منحت ادب اللغة العربية مزية خاصة وطبعته على نحو يختلف عن اداب الامم الاخرى فظهرت فنون لم توجد في الاداب الاخرى واختفت فنون وجدت في الاداب الاخرى وظهور هذه الفنون واختفاء تلك الاخرى منه لا ينقص من قدره مادام يصدر عن اعماق روحه الطبيعية ومقوماته الخالصة، من هنا فأن هذا الادب لا يدرس على ضوء مناهج وضعت لآداب اخرى ذلك ان اساليب النقد والبحث انما توضع للاداب بعد ظهور تلك الاداب ولذلك فهي مستمدة منها وليس العكس. مذاهب الادب التي يحاول النقاد محاكمة الادب العربي عليها هي في جملتها مذاهب غربية وضعت مسمياتها ومناهجها بعد قيام ظواهرها في الاداب الاوروبية وهي في الحق ليست مذاهب بل هي اسماء وعصور كالكلاسيكية والرومانسية وغيرها وهي تتصل في مجموعها بتاريخ الامم التي وضعت هذه المذاهب، فلماذا تنقل لتكون قوانين يخضع لها غيرها من الاداب التي تختلف من حيث تكوينها وطابعها وتاريخها وبيئتها ومظاهر حياتها عن هذه الآداب، هذا من ناحية النقد اما من ناحية اصول الادب نفسه اي اصول الشعر والنثر والقصص والتراجم فلماذا يخضع الادب العربي لقواعد مستمدة من اداب تختلف عن الادب العربي مزاجاً وشكلاً وطابعاً؟ وهل يمكن ان يقال ان اصولاً يضعها الاوروبيون لتخضع لها الاداب في العالم كله واذا قالوا هم ذلك فهل نقبل نحن ذلك؟ والادب العربي عريق الجذور وسابق لهذه الاداب الاوربية في النشأة والظهور، هل يقبل ان يخضع هذا الادب لقواعد غريبة عنه في حين يشكل في وجوده خلال اربعة عشر قرناً قواعد وقيماً مستمدة من جوهره وسماته؟ ان اختلاف المصادر والمنابع بين الادب العربي والاداب الغربية يجعل من المسير خضوع الادبين لمقاييس واحدة او لقوانين واحدة والمعروف ان الآداب الغربية جميعاً تستمد مصادرها من الادب الهيليني والفلسفة اليونانية والحضارة الرومانية فقد اتجه الادب الاوروبي الحديث منذ اول ظهوره في عصر النهضة الى هذه المنابع وربط نفسه بها وجعلها اساساً ثابتاً لمختلف وجوهات نظره ومفاهيمه وقيمه واتخذ من النظرات التي قدمها ارسطو في الادب والنقد والشعر وغيره اساساً له، ولا ريب ان هذه الحصيلة التاريخية الضخمة وهذا التراث الاغريقي الروماني المسيحي يقوم على اساس يختلف اختلافاً بيناً عن الاساس الذي يقوم عليه الادب العربي الذي استمد مصدره اساساً من القرآن الكريم والاسلام والقيم التي كانت لدى العرب، الادب الذي يستمد وجوده من التوحيد والنبوة والنظر الى الكون بمنظار التفاؤل والايمان هو ما كونته طبيعة البيئة العربية بالاضافة الى ما صاغه الاسلام من عقيدة وهو يختلف عن الادب الذي يستمد وجوده من بيئة تتصارع فيها الالهة ويقتل بعضها بعضاً وتصارع الانسان ويصرعها الانسان ويستمد وجوده ايضاً من اجواء ضبابية تقاسي من جو الجبال الصخرية وظلام الليالي الطويلة وضلال الحياة الغامضة وغلبة السماء المغطاة بالسحب. هذا الاختلاف يجعل من المستحيل التقاء ادبي العرب والغرب في وجهة واحدة او مشاعر واحدة ومن هنا كان من المستحيل ان يخضع كلا الادبين لقوانين واحدة ومناهج في الصياغة والنقد والبيان والمضمون واحدة، في بيئة الجزيرة العربية حيث يطلع النهار فيملأ الفضاء بالضوء الساطع والشمس المشرقة ويلف الكون نور وضياء فأن النفس الانسانية لا شك تواجه الحياة في الضياء والنور ومن ثم فأن الادب الذي تنتجه لا يشكل صور الضباب والضلال والرمز والقفة الخيالية والوهمية، هذا هو اهم اوجه الاختلاف بين الادب العربي والغربي وهو اختلاف عميق اشد العمق متصل بالنفس الانسانية‌ مولدة الادب وباعثته، ومن هنا يكون خضوع الادب العربي لقوانين وقواعد قامت اساساً على حصيلة الادب الاوروبي وفنونه امراً شديد الخطر وبعيد الاثر. ******* إذكركم الله في أهل بيتي(ع) -2 - 155 2008-06-14 00:00:00 2008-06-14 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4236 http://arabic.irib.ir/programs/item/4236 في لقاءات قريبة ماضية استبان لنا يا اخي طرف من منزلة امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام)، فهو من بني هاشم كالقمر في السماء، وفي الحديث الصحيح قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لبني هاشم: «ان هذا اخي ووصي وخليفتي فيكم فأسمعوا له واطيعوا» ومن بني هاشم اخترق هذا التكليف والامر جدار القبيلة الى جدار الامة فقال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) مخاطباً امته: «علي مني وانا منه ولا يؤدي عني الا انا او علي». وقال: «من كنت مولاه فعلي مولاه». وقال لعلي: «انت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي»، الى غير هذا من الاحاديث التي تلقتها الامة وصححها علماء الحديث. ان الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) له مكانه الواضح الظاهر في منطقة المركز ثم في جميع مناطق الاتساع التي تنشأ نتيجة لحركة الرسالة، وهذا المكان تم تأمينه بوضع علامات تحذيرية حوله لكي يعلم كل من يريده بسوء ان الامر لن يكون سهلاً عندما يقف التابع والمتبوع امام الله تعالى يوم القيامة. ويكفي من علامات التحذير قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهما السلام) «انا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم»، ويكفي خطابه (صلى الله عليه وآله وسلم) امته قائلاً «اذكركم الله في اهل بيتي، اذكركم الله في اهل بيتي، اذكركم الله في اهل بيتي». لاريب ان من مهام الانسان خلافة الله سبحانه وتعالى في الارض، وهذه المهمة في جوارها مادة للابتلاء وعلى امتداد التاريخ الانساني رفضت اقوام الانبياء والرسل وكان العمود الفقري للرفض انه من بين هذه الاقوام من كان يزعم انه الاجدر والاحق بقيادة المسيرة وهذا في حد ذاته خروج عن واجب الخلافة. وقد نتج عن هذا الزعم ان انحرفت قوافل الضلال وتاهت في اودية عبادة المادة بجميع اشكالها وظهر في الوجود الهة من الاصنام والاوثان والبشر، ومن ينظر بتدبر تحت اقدام هذه الالهه المتعددة يجد ان السبب الرئيس لوجودها هو رفض خليفة الله في الارض، واذا عدنا في الذاكرة الى الخلف لنلتقط مشهداً وحركة من اعماق الوجود لندلل به على ذلك فلنقف امام قصة آدم (عليه السلام) وموقف الشيطان الرجيم منه فآدم خليفة والشيطان خارج عن هذه الخلافة ولكل منهما منهاج له مقدمة وعليها نتيجة متميزة، والامة الخاتمة بين لها رسولها (صلى الله عليه وآله وسلم) المقاعد الاولى فيها ولا معنى للقول بأن التكليف اهمل مصالح العباد في تعيين الخليفة الذي يهدي الناس الى الله عزوجل، ويعبر بهم الحياة الدنيا بما يوافق الكمال الاخروي والحياة الدائمة الحقيقية، وكيف يهمل التكليف هذا وفي الاهمال الغاء لآدم وبرنامج آدم، وفي الالغاء ضياع للسعادة الحقيقية التي لا يصل اليها الانسان الا عندما يكون مؤمناً بالله وكافراً بالطاغوت وبضياع السعادة الحقيقية يفسد دين الانسان الفطري ولا تتوازن قواه الحسية الداخلية وعندما يفسد الدين الفطري يميل الانسان الى قوة من القوى ويتبعها ويؤدي هذا الميل الى طغيان تلك القوة ويعلو هبل بل الف هبل. والانسان لن يخلقه الله تعالى ليكون كحصاة في الطريق تلهو بها كل قدم وآلوا على كل القبائل في كل عصر ان يستقبلوه في اي عمل شاءوا، ان التسليم لفقه الحصى الذي تلهو به كل قدم يعني ابطال معرفة الحسن والقبح وكيف يكون هذا وتكاليفه موجهه الى العباد من حيث انهم مختارون في الفعل والترك وان التكاليف مجعولة على وفق مصالح العباد في معاشهم ومعادهم اولاً وهي متوجه الى العباد من حيث انهم مختارون للفعل والترك ثانياً. والمكلفون انما يثابون او يعاقبون بما كسبت ايديهم من خير او شر اختياراً والقرآن الكريم اخبر بأن الكفار والمشركين سيعترفون يوم القيامة بأنهم انما اشركوا واقترفوا المعاصي بسؤ اختيارهم واغترارهم بالحياة الدنيا، ولا ريب ان فقه الحصى قد وضعوه علماء الشذوذ والترقيع ليخدموا سياسة الخداع، فمن ابواب هذا الفقه الجبري دخل الجلادون ليمارسوا اعمال الاستكبار الذي وكز اوتاده الشيطان وفقه الانسان الحصى والانسان الحجارة مهمته تبرير اعمال المنافقين والفساق والمشركين والكفار، وتحت سقف التبرير دخل علماء الحجارة من باب القضاء والقدر ومن هذا الباب قتلوا المقاومة والتصدي للشر عند اكثر الناس بحجة ان الله اجبر العباد على افعالهم او ان الانبياء والرسل (عليهم السلام) قد يريدون لذويهم ان يكونوا على المقاعد الاولى من اممهم ولكن الله يريد غير ذلك لان الناس سواسية كلهم لآدم وآدم من تراب، ولهذا يزعمون سبق القضاء‌ وجاء الفراعنة والقياصرة. اجل كان هذا الباب من فقه الحجارة والحصى من اخطر الابواب على المسيرة البشرية، وكيف يجلس الفراعنة في دائرة الفحشاء والمنكر ثم يقال بعد هذا ان الله امر بذلك. ان البرنامج الذي يأمر بالفحشاء والمنكر قد حذر الله سبحانه وتعالى الجنس البشري منه وما قال اصحاب هذا البرنامج ما قالوا الا ليحتموا وراء جدار من الزينة ليغوا الناس ويجرونهم اليه. اما القول الحق في هذه المسائل فهو ما روي عن الامام الصادق (عليه السلام) وقد قيل له: هل فوض الله الامر الى العباد. فقال: ان الله اكرم من ان يفوض اليهم. فقيل له: فأجبر العباد على افعالهم. قال: الله اعدل من ان يجبر عبداً على فعل ثم يعذبه عليه. لقد زين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ايدي المركز من الدائرة في قيادة امته من بعده واحاط امته علماً بأن اختبار الامة سيكون حول هذا المركز ونهى عن ايذاء المركز او حربهم وامر بالالتفاف حولهم، واختبار الناس بالناس سنة الهية جارية، قال تعالى في سورة الانعام: «وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا أَهَؤُلاء مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ»، وفق هذا الاختبار يجري الثواب والعقاب كما قال عزوجل «أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ» والامة الخاتمة يا اخي يجري ايضاً عليها الاختبار وقد اخبر الرسول بما هو كائن ومن سيكون وترك امته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها حتى لا يكون للناس على الله حجة، فكيف ثم ابعاد اهل البيت (عليهم السلام) عن القيادة رغم ما احبط حولهم من مناقب وتبشير وتحذير؟ هذا ما نرجوا التعرف عليه مستقبلاً في اجواء الهواء الطلق. ******* إذكركم الله في أهل بيتي(ع) -1 - 154 2008-06-10 00:00:00 2008-06-10 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4235 http://arabic.irib.ir/programs/item/4235 ما نزال نطلع من الهواء الطلق على بوابة كبيرة من بوابات التاريخ، يوم اخبر النبي (صلى الله عليه وآله) على الفتن التي ستقبل من بعده وبين لامته سبيل النجاة منها وذلك بعد ان اقام قبل ذلك بأغلاق الباب التي تهب منها اعاصير الفتن اخذاً بأسباب النجاة مع علمه بأن الامة مختلفة بعده، فليس معنى ان الموت قد كتب على الانسان ان يجلس المرء في انتظاره ولكن عليه ان يأخذ بأسباب الحياة الكريمة التي تحقق له الحياة السعيدة في الآخرة. ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قدم كل سبب يؤدي الى النجاة في يوم يجد المرء فيه ما قدمت يداه ومن اخذ بسبب في الدنيا فيتسلقه حتى يرد على الحوض يوم القيامة، وعند الحوض سترى وجوه الجميع ولن ينجو الا الذي اخذ بالكتاب والعترة كما اخبر النبي، ومن يشفع له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). واخبر ابن ماجة في باب خطبة يوم النحر ان حديث الحوض كان في حجة الوداع اي ذكرها النبي يوم ان امر الامة ان تأخذ بالكتاب والعترة. ومن اللافت للنظر ان بعض الاحاديث قد اشارت الى رجل يظهر عند الحوض يخبر النبي بما حدث بعده وفي احاديث اخرى كشف النقاب عن هذا الرجل ليتبين انه علي بن ابي طالب (عليه السلام) الذي افرده الله تعالى بأنه لا يحبه الا مؤمن ولا يبغضه الا منافق كما ورد في صحيح مسلم وغيره. روى الشيخان عن سهل ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «انا فرطكم على الحوض من ورد شرب ومن شرب لم يظمأ ابداً ولا يردن علي اقوام اعرفهم ويعرفونني ثم يحال بيني وبينهم». وفي رواية: «اقول يا ربي اصحابي اصحابي فيقال انك لا تدري ما احدثوا بعدك» وفي رواية عن ابي هريرة فيقال: «انك لا علم لك بما احدثوا بعدك انهم ارتدوا على ادبارهم القهقرى». هذه الروايات وماشابهها هي صلب الحدث الخطير، وفي روايات اخرى ظهرت الاشارة الى هذا الرجل كما في رواية البخاري انه ظهر رجل شهد ما عليهم وكلما ذهبت زمرة وجاءت اخرى فالرجل شاهد ولا يغادر موضعه، وفي رواية اخرى اشير الى الرجل بصورة‌ اخرى، فعن ام سلمة صرخ صارخ قال «انهم قد بدلوا بعدك فأقول سحقاً سحقاً»، وقد حدد زمن هذا الرجل بأنه بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، عن ام سلمة ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «ايها الناس فبينا انا على الحوض جيىء بكم زمراً اي جماعات فتفرقت بكم الطرق فناديتكم الا هلموا الى الطريق فناداني منادي من بعدي فقال انهم قد بدلوا من بعدك فقلت الا سحقاً سحقاً». وفي رواية اقول: «سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي اي بعداً بعداً او مكاناً سحيقاً او بعيداً». في نظرة سريعة الى بعض الاصناف التي تدخل تحت بند سحقاً يمكن ان يحدد طبيعة من هو الرجل او الصارخ او المنادي الذي ورد ذكره في الاحاديث، بمعنى ان المكان الذي فيه الجاني حتماً فيه ما يشير الى المجني عليه او الى الشاهد، هذا هو حديث الثقلين يوم غدير خم رواه كثيرون وفيه اني تارك فيكم خليفتين وفي رواية ثقلين: كتاب الله وعترتي اهل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، وفي رواية فأنظروا كيف تخلفوني فيهما، وفي رواية الحاكم والطبراني «اني تارك فيكم الثقلين احدهما اكبر من الآخر كتاب الله وعترتي اهل بيتي فأنظروا كيف تخلفوني فيهما فأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ان الله مولاي وانا ولي كل مؤمن فمن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» من هذا نعلم ان الاقدام الثابتة‌ عند الحوض يوم القيامة هي الكتاب والعترة وعلى رأس العترة من اهل البيت علي بن ابي طالب (عليه السلام) فهو الشاهد او المجني عليه في هذه الدائرة، ثم ننظر نظرة سريعة ايضاً في اصناف الذين يقال لهم سحقاً لنعرف من اي دائرة هم، عن خباب قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انه سيلي عليكم امراء فلا تعينوهم على ظلمهم فمن صدق بكذبهم فلن يرد علي الحوض، وفي رواية انه سيكون بعدي امراء فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم واعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه وليس بوارد على الحوض. من هذه الاحاديث نرى يا اخي ان هناك رؤوساً وقواعد طواغيت ورعان، مادتهم الكذب وهدفهم الفجور، وبين هذا وذاك غوغاء وهؤلاء لا علاقة لهم بالكتاب ولا علاقة لهم بالعترة لان العترة طاهرة وهؤلاء خرجوا من مستنقعات الدنس والفجور، فطردهم عن الحوض شيء طبيعي لانهم ابغضوا الطهر والنقاء، ابغضوا حكم الكتاب وحركة العترة ومن كان هذا شأنه كانت النار مثواه. عن ابي سعيد الحذري ان النبي قال: «لا يبغضنا اهل البيت احد الا ادخله الله النار» وعن زيد بن ارقم قال: قال النبي لعلي وفاطمة والحسن والحسين انا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم فلا عجب ان يطرد مبغضوهم وحاسدوهم عن الحوض. نعود مرة اخرى لنعرف من هو الرجل او المنادي او الصارخ الذي جاء ذكره عن البخاري واحمد وغيرهما، لنبدأ من عند طرد الابل الغليضة من على حوض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، روى مسلم ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «لا ذودن على الحوض رجالاً كما تباد الغريبة من الابل». ومعناه كما قال النووي: «كما يذود الساقي الناقة الغليضة عن ابله اذا ارادت الشرب مع ابله» وهذا الحديث من جنس الحديث الذي رواه احمد عن ابي امامة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ان الله غافر الا من شرد على الله شراد البعير على اهله»، وفي الجملة بعد النظر في الروايات الواردة في الحوض ونحن نبحث عن الرجل او الصارخ وجدنا انه علي بن ابي طالب (عليه السلام)، روى الطبراني قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «يا علي معك يوم القيامة عصا من عصي الجنة تذود بها المنافقين عن حوضي» وعن علي (عليه السلام) قال: «انا اذود عن حوض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيدي هاتين القصيرتين الكفار والمنافقين كما تذود السقاة الغريبة الابل عن حياضهم»، وعن علي ايضاً قال: قال رسول الله (صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله): «فأن تربي ان تسقي امتي من حوضي فأعطاني». اجل ان الرجل والصارخ والمنادي الذي جاء ذكره في الروايات عن البخاري ومسلم واحمد هو امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام). ان الطريق الى الحوض هو نفسه الصراط المستقيم الذي يجهد الشيطان واعوانه لعرقلة مسيرة البشرية اليه والذين ارتدوا على ادبارهم القهقرى هم في الحقيقة الذين سقطوا في شراك الشيطان، قال عزوجل: «إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ» يعني الرجوع الى الاستدبار بعد الاقبال والطرد، من الحوض عقوبة شديدة يتذوقها الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم قبل ان يذوقوا عذاب النار، وقال الله من عذاب النار في القرآن وبمحمد وآل محمد عليهم افضل الصلاة والسلام. ******* مسؤولية حديثي الغدير والثقلين - 153 2008-06-05 00:00:00 2008-06-05 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4234 http://arabic.irib.ir/programs/item/4234 قراءة منصفة للتعرف على فريد من النور الهادي الفسيح، انها قراءة في الهواء الطلق وها نحن نواصل معاً هذه القراءة الكاشفة. المكان على الطريق بين مكة والمدينة على بعد ثلاثة اميال من الجحفة عند غدير ماء في وسط الصحراء يقال له غدير خم، هذا المكان ثم اختياره الهياً ليقيم الرسول (صلى‌ الله عليه وآله وسلم) الحجة على قريش ومن حولهم، بعد رجوعه من حجة الوداع في اواخر عمره الشريف على هذه الارض واختيار هذا المكان في هذه المنطقة الصحراوية الامن بعض الشجر انما كان لابلاغ حكم نازل على النبي (صلوات الله وسلامة عليه وعلى آله) فيكون المكان متميزاً للاعلان عن حكم متميز فريد، هو الذي تحمله الآية الكريمة من سورة المائدة «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ» الاية الشريفة تدل على ان امراً الهياً قد نزل على النبي، قال المفسرون قوله «وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ» تفيد التهديد في ظاهرها وتفيد اعلامه واعلام غيره بما لهذا الحكم من الاهمية، فالكلام في صورة التهديد في بيان اهمية الحكم بحيث ان هذا الحكم لو لم يصل الى الناس ولم يرع حقه كان كأن لم يرع حق اي شيء من اجزاء‌ الدين. روى مسلم عن زيد بن ارقم قال، قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً فينا خطيباً في ماء‌ يدعى خماً بين مكة والمدينة فحمد الله واثنى عليه ووعظ وذكر، ثم قال «اما بعد الا ايها الناس فأنما انا بشر يوشك ان يأتي رسول ربي فأجيب وانا تارك فيكم ثقلين اولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به» فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: «اهل بيتي اذكركم الله في اهل بيتي، اذكركم الله في اهل بيتي اذكركم الله في اهل بيتي» اجل ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو موشك على الرحيل من هذه الدنيا اوصى بالطريق الذي يوصل الى الحق والسعادة الحقيقية. وروى النسائي بزيادة: «اني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتي فأنظروا كيف تخلفوني فيهما فأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض»، ثم قال «الله مولاي وانا ولي كل مؤمن» ثم اخذ بيد علي وقال «من كنت مولاه فهذا وليه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» وتفيد الروايات ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ان اخذ البيعة لعلي (عليه السلام) عقب اعلان الغدير كان يعمد الى كل من دخل خيمته او من يراه في منطقة الغدير فيذكره قال جابر بن عبد الله الانصاري رضوان الله عليه: كنا بالجحقة بغدير خم وثم ناس كثير من جهينة ومزينة وغفار فخرج علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من خبأ او فسطاط فأشار بيده ثلاثاً فأخذ بيد علي فقال: «من كنت مولاه فعلي مولاه». ان اعلان الولاية لعلي (عليه السلام) لم يقتصر على ظهيرة يوم غدير خم بل كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد خطبته ينتقل من قبيلة الى قبيلة على امتداد الغدير وهم ايضاً جاءوا اليه في خيمته وقد ذكرهم رسول الله (صلوات الله وسلامه عليه) وعلى آله واخذ البيعة لعلي وكما اقيمت الحجة على كل من شهد الغدير، كما اقيمت على من لم يشهده في مناسبات شتى ومواضع متعددة، ذكر الناس فيها بضرورة تولي امير المؤمنين علي (عليه السلام) وضرورة محبته والتسليم له. عن بريدة الاسلمي قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «يا بريدة الست اولى بالمؤمنين من انفسهم قلت بلى يا رسول الله قال من كنت مولاه فعلي مولاه» وفي لفظ آخر «من كنت وليه فعلي وليه». وفي رواية قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم «لا تقعوا في علي فأنه مني وانا منه وهو وليكم بعدي وانه مني وانا منه وهو وليكم بعدي» ومن اجل ان يكتمل تصور هو وليكم بعدي ويرسخ في الاذهان قال رسول الله من سورة المائدة في علي بن ابي طالب « إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ» والى لقاء آخر شكراً لحسن متابعتكم ودمتم بألف خير. ******* النبي الخاتم(ص) وتعريف الامة بمواقع الفتن - 152 2008-05-31 00:00:00 2008-05-31 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4233 http://arabic.irib.ir/programs/item/4233 نتنفس هواءاً طرياً يزيد الصدر نوراً والعين جلاءاً والقلب بصيرة، هوذا نحن مع التاريخ في اهم منعطفاته واخطر مفاصله، نقرأها بفقه وتبصر، من اجل تنوير عقولنا وقلوبنا وحياتنا في الحاضر وفي الغد، فماذا نجد اليوم في هذه القراءة‌ المتأنية المنصفة ونحن نلتقي في طلاقة الهواء؟ اعلن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل رحيله عن هذه الارض ان المسيرة من بعده ستبدأ بالفتن واذا كانت الاحداث ستجري على رقاب العباد برجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان انس كما في صحيح مسلم وبدعاة على ابواب جهنم من اجابهم قذفوه فيها كما في صحيح البخاري ثم تنتهي الاحداث بقذف الامة نحو سنن الاولين فتسير عليها شبراً بشبر وذراعاً بذراع وفي النهاية يكونون غثاءاً كغثاء السبيل لا قيمة لهم ولا وزن. اذا كان هذا كله سيحدث ويعلم به النبي (صلى الله عليه وآله) فأنه يقتضي ان يقيم (صلى الله عليه وآله) الحجة في البداية، واقامة الحجة سنة الهية يترتب عليها الثواب والعقاب. ألم تر ان الله سبحانه وتعالى اقام الحجة على خلقه وهم في عالم الذر، اقامها عند اول اعتاب خلق البشرية لعلمه ان المسيرة ستنتج المؤمن والكافر والمحسن والمسيء. قال تعالى في سورة الاعراف: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ»، اجل اذا كان الله جل جلاله قد اقام الحجة منذ البداية في عالم الغيب فأنه تعالى قد اقامها على امتداد العصور، واذا كانت الحجة قد سدت الابواب في وجوه البعض فأنها فتحتها امام آخرين، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما ادخل احداً وما اخرج احداً لكنه امر بشيء فأتبعه، ان يتبع الا ما يوحى اليه من ربه جل وعلا، ان المستقبل فيه اصحاب شجرة خبيثة والشجرة الخبيثة لابد ان تقابلها شجرة طيبة والمستقبل فيه حركة رجس لابد ان تقابلها حركة طهر وتطهير والمستقبل فيه الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ويريدون الفتنة ولابد ان يقابلهم الراسخون في العلم. ان الاحاديث النبوية التي فيها كلمة بعدي اشارت الى مواقع الفتن في مقدماتها ونتائجها وبداياتها ونهاياتها، في الوقت الذي اشارت فيه احاديث اخرى الى مواقع الامان لتقوم الحجة ويظهر التبشير والتحذير على صفحات التاريخ، من هذه الاحاديث مارواه ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال لعلي: «انت ولي في كل مؤمن بعدي»، عن عمران بن حصين ان رسول الله قال: «علي مني وانا منه وهو ولي كل مومن من بعدي»، وعن بريده الاسلمي قال، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في علي: «انه مني وانا منه وهو وليكم بعدي وانه مني وانا منه وهو وليكم بعدي» وعن بريدة ايضاً قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يا بريدة ان علياً وليكم بعدي فأحبوا علياً فأنه يفعل ما يؤمر» وروى انس عن النبي قوله: «يا علي انت تبين لأمتي ما اختلفوا فيه من بعدي» وعن ابن عباس قال، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن علي «انت مني بمنزلة هارون من موسى الا انك لست نبياً انه لا ينبغي ان اذهب الا وانت خليفتي في كل مؤمن من بعدي»، فكيف نفهم منزلة هارون من موسى؟ المعروف ان اظهر منازل هارون من موسى وزارته له وخلافته عنه واشتراكه في الامر معه، قال سبحانه حاكياً عن نبيه موسى «وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي» الى قوله تعالى: «قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى» وقال تبارك وتعالى: «وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ» والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما نزل قوله تعالى «وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ» قال لهم عن علي (عليه السلام): «ان هذا اخي ووصي وخليفتي فيكم فأسمعوا له واطيعوا» وعندما اتسعت الدائرة بعد ذلك قال «انت مني بمنزلة هارون من موسى». ثم اتسعت الدائرة وبعثه بصورة براءة وقال «لا يؤدي عني الا انا او علي» وعندما ازداد اتساع الدائرة قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «من كنت مولاه فعلي مولاه» وعلي (عليه السلام) بحكم نص منزلة هارون من موسى خليفة الرسول في النواة التي تدور حولها القرى والقبائل ولعلي بن ابي طالب علي الامة جمعاء فرض الطاعة كما كان لهرون بالنسبة لامة موسى فأي حجة بعد ذلك؟ ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قام بتحصين تلك الطاعة اي وجود طاعة‌ الامة لعلي، عن عبيد الله بن عباس قال نظر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الى علي فقال «يا علي انت سيد في الدنيا، سيد في الآخرة حبيبك حبيبي وحبيبي حبيب الله وعدوك عدوي وعدوي عدو الله والويل لمن ابغضك بعدي» وعن ام سلمة قالت: «اشهد اني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول من احب علياً فقد احبني ومن احبني فقد احب الله ومن ابغض علياً فقد ابغضني ومن ابغضني فقد ابغض الله» وعن ابي درن قال، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يا علي من فارقني فارق الله ومن فارقك يا علي فارقني» وعن علي (عليه السلام) قال: «قال لي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ان الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك» الا ترى ان في هذا كله توجيهاً للناس نحو الطاعة وانقاذاً للامة من الوقوع في ليل الفتنة، نقرأ معاً مزيداً من النصوص النبوية الهادية، عن عمرو بن شاف الاسلمي «ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال له: يا عمرو والله لقد آذيتني من آذى علياً فقد آذاني». وعند سعد بن ابي وقاص ان النبي قال: «لما نالوا من علي مالكم ومالي، من آذى علياً فقد آذاني». أليس في هذا تحصيل للخليفة الحق وسوق للناس الى الصراط المستقيم الن تجمع الامة على حديث ‌«من كنت مولاه فعلي مولاه»؟ قال النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الله تعالى: «من اهانني ولياً فقد بارزني بالعداوة». وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «من اهان سلطان الله في الارض اهان الله» ‌فأذا لم يكن هذا كله تحصيلاً للخليفة وحثاً للناس ليكونوا يداً واحدة بأتجاه الصراط المستقيم فأي كلام بعد ذلك يجدي؟ وقد حذر الله تعالى من تيار الظالمين الذين تعمل في داخلهم حكومة دينية تتخذ دين الله ستاراً وهدف هذه الحكومة رد الذين امنوا عن دينهم ووضعهم على ارضية لا علاقة لها بالصراط المستقيم، وحذر الله جل جلاله من تيار الرجس الذي يعمل في داخلها طابور خامس تلتقي اهواءه في الخطوط العريضة مع اهواء حكومة الاحبار وحماة الاوثال وقد امر الله المؤمنين ان يكونوا يداً واحدة ولما كان لكل شيء ذروة اعلن النبي ولاية علي بن ابي طالب (عليه السلام) على رأس الحكومة الدينية فأذا نظرت ولم تجد الرأس فلا تسأل في خاتمة الطريق كيف اتبعت الامة سنن الاولين التي صممها احبار الحكومة الدينية واشرف على تنفيذها جميع الخدم والعبيد. ******* النبي الخاتم(ص) ومستقبل الاسلام - 151 2008-05-28 00:00:00 2008-05-28 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4232 http://arabic.irib.ir/programs/item/4232 في الطلاقة الهواء ونقاوته، مع الكلمة الصافية والمعنى الحر النزيه، كلنا في لقاءات سابقة‌ مع حديث الولاية الالهية الكبرى وصدرنا منها الى ولاية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي هو اولى من المؤمنين والمؤمنات بأنفسهم ومن ولاية نبي الله الخاتم الى ولاية امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) الذي هو ولي كل مؤمن ومؤمنة بنص القرآن الكريم والحديث الشريف. بعد حجة الوداع التي اعلن فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انه تارك في امته الكتاب والعترة الطاهرة دليلين هاديين، عاد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الى المدينة هو ومن معه في هذا الحج حذر الامة من الاختلاف من بعده ومن قتل بعضهم بعضاً، وفي هذا الحج اخذ عنه الناس معالم دينهم، والنبي في طريقه من حجة الوداع كان على علم تام من ربه بما سيحدث لامته من بعده، كان يعلم ان في امته من سيستمتع كما استمتع الذين من قبلهم وسيخوض كالذي خاضوا وسيترتب على ذلك الحقد والخسران والبغي والافتراء وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يعلم ان مقدمة هذا كله ستكون من دائرة قريش وليس من الدائرة الواسعة للامة، ومن هنا وجه رسول الله في حجة الوداع اشعاعات من الضوء على طريق الخير والهداية ليهرع الناس اليه فأوصى بالكتاب والعترة واعلن ان علياً منه وهو منه ولا يؤدي عنه الا هو او علي وهو اعلان مماثل لاعلان يوم سورة براءة حيث لا يؤديها عنه الا هو او علي، في العام التاسع الهجري وبعد ان سلط الضوء على طريق الهدى والخير القى ضوءاً ايضاً الجانب الآخر من اجل ان يحذر الناس من مقدمات الوقوع قبل الوقوع ثم بين كيفية النهوض بعد الوقوع وكان الذي اعلنه (صلى الله عليه وآله وسلم) للناس ما رواه ابن مسعود ومعاذ انه قال: ان رحى الاسلام دائرة وان الكتاب والسلطان سيفترقان فدوروا مع الكتاب حيث دار وستكون عليكم ائمة ان اطعتموهم اضلوكم وان اعطيتموهم قتلوكم قالوا فكيف نصنع يا رسول الله؟ قال كونوا كأصحاب عيسى نصبوا على الخشب ونشروا بالمناشير موت في طاعة خير من حياة في معصية. كان النبي (صلي الله عليه وآله وسلم) ينتظر الوقت المناسب الذي يعلن فيه ولاية‌ علي بن ابي طالب (عليه السلام) امام قريش ومن حولهم في المقام الاول لانهم خميرة الاختلاف وطلب الملك، وفي اثناء ذلك نزل قول الحق تبارك وتعالى: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ»، الآن يستدل على ان امراً قد نزل على النبي وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يحاذر من تبليغه ويؤخره الى حين يناسبه ولو لا هذه المحاذرة والمخافة لن يحتج الى التهديد بقوله: «وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ» بيد ان مخافة النبي هذه لم تكن مخافة على نفسه وكيف يخاف على نفسه وهو الذي بلغ عن ربه في اشد ظروف البغي والجاهلية، انما كان خوفه ان يتهموا الرسالة‌ اتهاماً يفسد مسيرتها في الناس مما يجر الى اختلافها واحترامها وقد علم من ربه ان هذا سيحدث، قال ابن كثير في البداية والنهاية لما تفرغ النبي من بيان المناسك ورجع الى المدينة خطب خطبة عظيمة الشأن في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة في غدير خم تحت شجرة هناك فبين فيها اشياء وذكر فضل علي بن ابي طالب وامانته وعدله وقربه اليه وازاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه وقد اعتنى بأمر حديث خم ابو جعفر الطبري فجمع فيه مجلدين واورد فيها طرقه والفاظه واورد الحافظ ابو القاسم ابن عساكر احاديث كثيرة في هذه الخطبة. وعن حديث «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» قال احمد بن حنبل سمعه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثون صحابياً شهدوا به لعلي عندما نزع ايام خلافته وصرح بتواتر هذا الحديث العديد من العلماء وقال ابن حجر، حديث من كنت مولاه كثير الطرق جداً وقد استوعبها ابن عقبة في مؤلف مفرد واكثر اساليبها صحيح وحسن وقال الالباني في كتاب السنة حديث «من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» حديث صحيح جاء من طريق جماعة من الصحابة. واوقد الفخر الرازي عند تفسيره الآية «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ» ان الاية نزلت في فضل علي بن ابي طالب لما نزلت اخذ النبي يد علي وقال من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. فلقيه عمر بن الخطاب فقال: هنيئاً لك يا بن ابي طالب اصبحت مولاي ومولا كل مؤمن ومؤمنة، وروى الواحدي في اسباب النزول عن ابي سعيد الحذري قال نزلت هذه الآية «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ» في غدير خم في علي بن ابي طالب. وغدير يقع على الطريق بين مكة والمدينة على بعد ثلاثة اميال من جحقة وثم حكمة بالغة لاختيار هذا المكان لاقامة الحجة على قريش ومن حولهم، فالمنطقة الصحراوية الا من بعض الشجر وقيل كان هناك غيطة الغدير مضاف اليها، ثم المكان معد لاستقبال من اراد الراحة من عناء سفر طويل، واختيار هذا المكان لا بلاغ حكم نازل من اجل ان يكون المكان فريداً لاعلان حكم فريد بمعنى لو اعلن الحكم في حجة الوداع مثلاً وسأل الناس بعد ربع قرن على سبيل المثال ماذا قال الرسول في حجة الوداع فيقولون قال كذا عن الحلق والتقصير وذبح الهدي ورمي الجمار واوصى بكذا وكذا، واما اذا كان المكان قد خصص لحكم واحد كغدير خم قالوا: ماذا؟ قال الرسول: يوم الغدير فلم تكن هاك الا اجابة واحدة عن سؤال محدد، وهذا هو ما فعله علي بن ابي طالب ايام خلافته فكان لا يقول الا ناشدت الله رجلاً سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول يوم غدير خم ما قال لما قام، ولقد وردت رواية تفيد ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ان اخذ البيعة لعلي كان يذكر كل من يدخل عليه خيمته او من يراه في منطقة الغدير عن جابر بن عبد الله قال كنا بالجحفة بغدير خم وسمى ناس كثير من جهية ومزينة وغفار فخرج علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من خباء او فسطاط فأشار بيده ثلاثاً فأخذ بيد علي فقال «من مولاه فعلي مولاه» وعن البراء بن عازب ان عمر بن الخطاب لقي ابن ابي طالب بعد ذلك فقال له هنيئاً لك يا بن ابي طالب اصبحت وامسيت مولا كل مؤمن ومؤمنة. اجل شهد الغدير اعلا الحكم وسمعته قريش ومن ناصرهم وانفرد المكان في هذا الحكم لتكون الحجة دامغة وشأر الله ان تتفق الامة على صحت هذا الحديث وشاء الله ان يشهد غدير خم ما اعلنه الرسول في مكة امام المساحة الواسعة للامة‌ مضافاً اليه ما اعلنه امام قريش الذين هم اوائل الناس في الخير والشر كما ورد في الحديث. ******* حجة الوداع ومستقبل الاسلام - 150 2008-05-24 00:00:00 2008-05-24 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4231 http://arabic.irib.ir/programs/item/4231 في طلاقة الهواء وحركته الحرة قرأنا فيما مضى شيئاً من تاريخ الرسالة الاسلامية من خلال اطار الولاية‌ الالهية العظيمة التي جعلها الله تعالى لرسوله وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ كما نص القرآن الكريم، ورأينا في طلاقة الهواء ان نوراً الهياً كان يمركز على شخصية علي بن ابي طالب (سلام الله عليه) في كل يوم من ايام حركة الرسالة، وكان هذا النور يمتد ويتسع نطاقه مع الايام ليكون للناس شيئاً محدداً وليدلهم على من يتولونه هادياً ربانياً بعد رحيل النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ووقفنا في قراءاتنا السابقة عند العام التاسع الهجري فماذا كان في العام التاسع الهجري؟ في العام التاسع الهجري كانت ثورة الشرك والنفاق وكان علي بن ابي طالب (عليه السلام) في المدينة وكان من الرسول بمنزلة هارون من موسى (عليهما السلام) ماعدا النبوة، في هذا العام نزلت سورة البراءة وقرأها علي بن ابي طالب وما معها من احكام على اهل مكة وما حولها، وجاء العام العاشر وفيه بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علي بن ابي طالب وخالد بن الوليد الى اليمن قبل حجة الوداع، وفي هذا العام نزلت سورة المائدة فكانت آخر ما نزل من القرآن. وروي ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما خرج الى حجة الوداع من المدينة خرج اليها علي بن ابي طالب ايضاً من اليمن وقال: لبيك اهلالاً كأهلال النبي وحضر الحج في هذا العام نحو اربعين الفاً من المسلمين، وروي ان علياً اتى من اليمن بهدي بلغ مجموعهم على ما اتى به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مئة فنحر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده ثلاثاً وستين ثم اعطى علياً فنحر ما تبقى واشركه في هديه ثم امر من كل بدنة بقطعة من اللحم فجعل في قدر فأكل هو وعلي من لحمها وشربا من مرقها وروى ابو داوود ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما هم بذبح الهدي قال: ادعوا لي ابا حسن. فدعي له علي فقال: خذ بأسفل الحربة واخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأعلاها ثم طعنا بها البدن فلما فرغ ركب بغلته واردف علياً وعندما خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الناس كان علي بن ابي طالب يبلغ حديثه ويعبر عنه اذ وقف علي حيث يبلغه صوت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيفهمه ويبلغه للناس ويفهمهم من غير زيادة ولا نقصان. كان علي بن ابي طالب (عليه السلام) يبلغ عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبة حجة الوداع والناس بين قائم وقاعد والناس قد شاهدوا الرسول وعلي منذ البداية ينحر معه ويشاركه في الهدي ويأكل معه ويعبر عنه، ومن قبل سمعوا بقصة سورة براءة وسمعوا بمنزلة هارون من موسى وعرفوا بغض المنافقين لعلي. وقبل ذلك سمعوا يقيناً يوم خيبر ان علياً يحبه الله ورسوله وشاهدوا يوم ان ناجى رسول الله وطالت نجواه، وعاينوا يوم ان سد النبي جميع الابواب المفضية الى المسجد الا باب علي (عليه السلام) وعلموا وشاهدوا حديث الكساء وحديث المباهلة، وتأكدوا ان علياً اقدمهم سلماً واكثرهم علماً واوسعهم حلماً وان سيفه لا يخشى في الله لومة لائم، كل هذا وغيره علموه وشاهدوه فأي اشارة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الى علي يجب ان تفهم على بساط الفطرة لانها لم تفهم على طريق الحفائر والارتياب والجدل العقيم، فأذا وقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع وقال فيما رواه جابر بن عبد الله، رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول «يا ايها الناس اتي تركت فيكم ما ان اخذتم به لم تضلوا كتاب الله وعترتي اهل بيتي» ان هذا الاعلان لا يحتاج الى جدل طويل على بساط الفطرة حيث ان الساحة فيها جبهة لابد ان تواجهها جبهة رجس لابد ان تواجهها جبهة طهر وتطهير. واذا علمنا ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في حجة الوداع كما رواه الترمذي والنسائي «علي مني وانا من علي ولا يؤدي عني الا انا او علي» فهذا الاعلان ايضاً لا يحتاج الى جدل طويل لانه من مشكاة واحدة بدأت عندما نزل قول الحق تبارك وتعالى «وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ» لقد كانت البداية من هناك ألم يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ البداية لعشيرته كما ورد في الحديث الصحيح ايكم يبايعني على ان يكون اخي وصاحبي ووارثي فلم يقم اليه احد، وقام علي بن ابي طالب وبايعه على ذلك ثم الا يتفق ذلك مع نور يوم تبليغ سورة براءة حيث قال النبي جاءني جبرائيل فقال: لا يؤدي عنك الا انت او رجل منك، فما الغرابة اذن في فهم موقف حجة الوداع حيث قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): علي مني وانا منه ولا يؤدي عني الا انا او علي. وجميع ذلك من قوله تعالى يوم المباهلة «وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ». اجل، اذا كان هذا البلاغ قد تم في حجة الوداع واذا كان في نفس الحجة قد نزل عشية يوم عرفة قوله تعالى «الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ» علمنا ان الكفار قد يأسوا في الذي اكمل الله فيه دينه واتم فيه النعمة فماذا كان يريد الكفار قبل ان يضربهم اليأس؟ لقد كان دين الله هو المبغوض المستهدف من قبل تيارات الصد عن الله، في بداية الامر صدوا بالمال والجاه والجلد بالسياط والطرد من الاوطان ثم طوروا الصد الى محاولة قتل النبي وكان موته (صلى الله عليه وآله وسلم) آخر ما يرجونه من موت الدين وموت الرسالة ذلك لانه (صلوات الله عليه وسلامه) لا عقب له ومن لا عقب له في قانونهم اذا مات او قتل انقطع اثره ومات ذكره وذكر دينه ولذلك كان العاص بن وائل اذا ذكر رسول الله (صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله) قال دعوه فأنه رجل اتبر لا عقب له فاذا هلك انقطع ذكره فأنزل الله تعالى «إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ». اذا كانت ثقافة الكفر تنطلق من هذا المفهوم فكيف يكون الحال حين يبلغهم قول النبي «علي مني وانا من علي، ولا يؤدي عني الا انا او علي» وكيف يكون الحال اذا بلغهم تحديد النبي ان دائرة الطهر التي لا تفارق القرآن ولا يفارقها، الا ترى حينئذ يا اخي ان اليأس سيكون عنواناً للذين كفروا على مدار التاريخ الانساني ذلك ان الصراط المستقيم اصبح له من يهدي الناس اليه بعد رحيل النبي، ثم اليس اغلاق باب الامل في وجوه الكافرين وايقاعهم في اليأس التام هو اكمال الدين واتمام النعمة واقامة للحجة؟ وقوله عزوجل في الآية «فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ» يفيد هذا المعنى، قال المفسرون اي لا موجب للخشية بعد اليأس الذي كنتم في معرض الخطر من قبلهم فأنتم في مأمن من ناحية الكفار والدين مصون من الخطر من هذه الناحية ولا يتسرب اليه شيء من طوارق الفساد والهلاك الا من قبل المسلمين انفسهم وهذا يكون بكفرهم بهذه النعمة التامة ورفضهم هذا الدين الكامل المرضي ويومئذ يسلبهم الله جلاله نعمته ويغيرها الى نقمة ويزلقهم لذات الخوف والجوع. وهذا ولنا يا اخي موعد آخر في طلاقة هذا الهواء العذب السخي بأذن الله تعالى. ******* حفظ الاسلام بعد النبي الخاتم(ص) - 149 2008-05-21 00:00:00 2008-05-21 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4230 http://arabic.irib.ir/programs/item/4230 في مقام الولاية الالهية ومقام ولاية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تحدثنا ايضاً عن ولاية المطهرين الذين اذهب الله عنهم الرجس وخصهم بمزايا ومناقب ليست لاحد من الناس غيرهم وعرفنا ان ولاية امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) وهو كبير اهل بيت النبي انما هي امتداد لولاية‌ الله في العالمين وولاية رسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي استعراضنا لحوادث عديدة لحركة الرسالة رأينا ان دائرة ضوء الهية حول الامام علي (سلام الله عليه) كانت تتسع وتمتد بمرور الايام ففي كل يوم منقبة جديدة لعلي وفي كل حادثة يتجلى شيء من السمات المتفردة التي اختص بها الامام (عليه السلام) فكان بحق ولي كل مؤمن ومؤمنة. حين اقام العام الهجري التاسع كانت ثورة النفاق والشرك من تحت جلبات الدين تحركت دائرة النفاق لتكيد للرسالة المحمدية المنقذة ومن تحت لافتة المعاهدات فتحركت دائرة الشرك لتعرقل المسيرة المقدسة، لكن الله جل جلاله رد كيدهم في نفورهم بأنزال سورة براءة، بعض هؤلاء القوا سلاحهم وهرولوا بأتجاه الاسلام تائبين عائدين وقد يكون هناك من اسلم وحسن اسلامه وقد يكون هناك من اسلم الى حين تأتيه الفرصة او اسلم ثم ارتد وكتم ارتداده او لم يسلم اصلاً وهرب حين اشتد عوده. ان هؤلاء وغيرهم لن ينتهوا بنزول سورة براءة او برحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لان جذورهم ناشفة في الارض منذ ان طرد ابليس اللعين وفي كل جيل تخرج الفروع واوراق الفتنة من الجذور ثم يستأصلها الله عزوجل من عنده او بأيدي الذين امنوا ثم تخرج لتستأصل ليكون استأصالها عنوان لهزيمة الباطل على امتداد التاريخ الانساني. وسورة براءة اشارت الى اعلام هؤلاء، قال تعالى «فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ» وكان حذيفة بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول ما قتل اهل هذه الاية بعد وقوله «وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً»، وكما ان جذور هؤلاء ممتدة في طين الشذوذ فكذلك جذور الباطل ذلك ان البغاة لم يقاتلوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لان جذورهم في عهده لم تكن اخرجت فروعها بعد، والقرآن الكريم اخبر بهم فقال تعالى «فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ» والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعلم بمقتضى هذه الآية انه سيكون بغي ولذا اخبر عن اعلامه وحذر الرسول عن ربه لكيفية قتال المشركين كافة وحذر من اتباع سننهم التي تقود من ركبها الى الوحل، اجل اذا كان انسداد المسيرة امام الرسول في عالم الغيب امتداداً مكشوفاً وعلى امتداده يرى رسول الله العوائق والسحب الداكنة، اذا كان هذا ثابتاً فيكف يصوغه لمتوهم الذي لا يحتاج الى حافظ يحفظه حق الحفظ. ان الدين الذي يحتوي على جميع ما يتعلق بالمعارف الاصيلة والاصول الخلفية والاحكام الفرعية العامة لجميع حركات الانسان وسكناته، ان هذا الدين الالهي الحق ليس بحاجة الى حفظ من الذين اخبر الله عنهم انهم يقاتلون الاسلام كافة. هل الدين يتطلب قيادة تأمر المسلمين كافة بقتال من يقاتلونهم كافة؟ هل الامة الاسلامية والمجتمع الديني مستثنى‌ من بين جميع مجتمعات الانسانية ومستغنية عن والي يتولى امرها ومدبر يدبرها ومجري يجريها، ان الحشرات مثلاً فطرت على وجود امير لها، وفي عالم النحل والنمل وفي عالم الطيور والوحوش ألف ألف دليل، ترى بأي عذر يعتذر الباحث في سيره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث يرى انه كان اذا خرج الى غزوة خلف مكانه رجلاً يدير رحى المجتمع، الم ترى انه خلف علياً مكانه على المدينة عند مسيرته الى تبوك ويؤمل رجالاً على السرايا والجيوش التي يبعثها الى الاطراف؟ لقد كان في حياته يفعل ذلك واي فرق بين زمان حياته وبعد مماته، في حين ان اخباره (صلى الله عليه وآله وسلم) بالغيب عن ربه يفيد ان تعيين حارس للدين بعد موته اشد حاجة وان الضرورة اليه امس وامس، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو القائل «الاسلام والسلطان اخوان توأمان لا يصلح واحد منهم الا بصاحبه فالاسلام اس والسلطان حارس ومالا اس له يهدم وما لا حارس له ضائع». قد يقال ان حفظ الرسالة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يكون بأيدي اهل الحل والعقد، نحن لا نقلل من وزن اهل الحل والعقد هنا من حاجتهم لكن الاحاديث الصحيحة اشارت الى وجود ائمة مضلين في بطن الزمان يتكلمون بألسنتنا ويدعون الى النار ونحن ليست لدينا القدرة على تمييز الصالح من الطالح، انما القادر هو الله جل جلاله ومن ينظر في التاريخ ويتدبر في الاحادث بعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يرى كم من دائرة اسلامية اجتمعت فيها اهل الحل والعقد من المسلمين على ما اجتمعوا عليه ثم سلكوا طريقاً يهديهم الى رأيهم فلم يزيدوا الا ضلالاً ولن يزد اسعادهم للمسلمين الا شقاءاً. وقد يقال: يا اخي انه اذا كان الطالح عامة‌ له اثر فأن الطالح في اهل الحل والعقد ليس له اثر ولقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يشاورهم في الامر في قوله تعالى «وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ»، والواقع ان في الصحابة من كان عظماء قاتلوا وقتلوا في سبيل الله ومنه من انتظر دوره ليفدي الدين بما عاهد الله عليه ولكن من الذي كان يشاورهم؟ انه رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى ويخطأ من يظن ان مشاورته لهم كانت عن قلة في علم ما فمعاذ الله ان يكون هذا فيمن وضع الله على عاتقه مهمة تعليم البشرية وهدايتها لقد كانت المشاورة احياناً فيما يتعلق بحركة الدعوة بين القبائل واحياناً لارساء قاعدة التآلف بين القلوب، وفي الاية الكريمة اشركهم الله بالنبي في المشاورة « وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ» ثم وحده يكون له العزم من بينهم «فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ». ان المشاورة حقاً فطرياً والذي يسوق الناس الى الصراط المستقيم امر فطري لكن دائرة العزم لا يجلس فيها الا من كان على علم بكتاب الله والا كان الطريق الى اختلاف الامة الى اكثر من سبعين فرقة طريقاً مفتوحاً، لهذا قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «لا يقوم بدين الله الا من حاطه من جميع جوانبه». ******* الامام علي(ع) الفاروق الالهي - 148 2008-05-19 00:00:00 2008-05-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4229 http://arabic.irib.ir/programs/item/4229 كنا فيما مضى مع اشراقات من ولاية الله تعالى وولاية رسوله وولاية الَّذِينَ آمَنُواْ، الذين حددهم القرآن الكريم في مواقع عدة منها انهم يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ولم تنسى الآية التصدق بالخاتم هذه في غير علي بن ابي طالب ومنها آية التطهير النازلة في اصحاب الكساء ومنها آية الاذن الواعية التي قال عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «اراد ربي ان يجعلها اذن علي»، وغير هذا وذاك كثير مما يجعل امير المؤمنين علياً (عليه السلام) ولي كل مؤمن ومؤمنة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتلقي بالضوء الالهي الخاص على علي (عليه السلام) وقد مر بنا ان دائرة الضوء هذه كانت تتسع وتمتد مع حركة الرسالة ويزداد تأكيدها على ولاية علي التي هي امتداد لولاية الله تعالى وولاية الرسول حتى صرح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ان علياً لا يحبه الا مؤمن ولا يبغضه الا منافق فهو اذن الفاروق الاكبر بين الحق والباطل وبين الهدى والنفاق. اتسع الضوء بعد يوم الدار في مكة ليمر في حركته المتسعة ليوم المباهلة ويوم الكساء ويوم سد الابواب الا باب علي ويوم دعوة القرآن الكريم الى مودة ذوي القربى وقرر سهمهم، وجاء يوم تبوك ليعلم النبي منزلة لعلي هي منزلة هارون من موسى بفارق النبوة فأنه لا نبي بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم كان احراق مسجد الضرار كما احرق موسى العجل الذي اشرب بنو اسرائيل محبته. ان مناقب علي بن ابي طالب (عليه السلام) ومنزلته لم تقف عند تدمير مسجد الضرار فالاحاديث الصحيحة تبين ان دائرة النور حول علي بدأت تتسع بشكل لم يسبق له مثيل بعد تبوك ويبدو والله اعلم ان هناك احداث جرت بعد فشل عملية اغتيال الرسول وثقافة مسجد الضرار فمجموعة التخريب التي تتكون من اثني عشر رجلاً والتي حملت على عاتقها عملية الاغتيال الغاشمة كان من بينهم رجال من قريش والاحداث بعد ذلك تقول ان الامور حول مكة لم تكن تجري على الوضع الطبيعي، فماذا كان يحدث آنذاك؟ من المعروف ان فتح مكة كان في العام الثامن الهجري وفي هذا العام دخل الاسلام مجموعة تسترت بعباءة الاسلام وكان لها الاثر الاكبر في ايجاد الانحرافات التي حصلت في الجسد الاسلامي حفراً نازفة، وبعد فتح مكة وفي العام التاسع كانت ثورة النفاق والتي دبرت حادثة اغتيال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبناء المسجد الضرار، وفي اثر هذه التطورات كان للرسالة الالهية موقفها الحازم من خمة النفاق والشر. قبل نزول سورة براءة كانت سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ان لا يقاتل الا من قاتله ولا يحارب الا من حاربه فكان لا يقاتل من تنحى عنه واعتزله حتى نزلت عليه سورة براءة وامره الله تعالى بقتل المشركين، من اعتزله ومن لم يعتزله، الا الذين عاهدهم رسول الله يوم فتح مكة الى مدة ومنهم صفوان بن امية وسهيل بن عمرو، «بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ، فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ»، لقد جعلهم في مأمن خلال هذه المدة من الزمن وتركهم بحيث لا يتعرض لهم بشر حتى يختاروا ما يرونه انفع بحالهم من البقاء او الفناء واخبرهم ان الاصلح بحالهم رفض الشرك فأذا انتهت المدة ولم يستقروا على الاصلح فالفناء، «فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ»، ومعلوم ان البراءة بعد العهد لابد ان يكون سببها التعدي من جانب المخلوق والسورة براءة نزلت بعد عودة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة وكان الصحابة يسمونها السورة الفاضحة لانها كشفت المخططات ووضعت الجهاز التخريبي في مأزق كما يستفاد من رواية‌ ابن عباس في صحيح مسلم، فعن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس سورة التوبة قال التوبة، بل هي الفاضحة، مازالت تنزل ومنهم حتى ظنوا ان لا يبقى منا احد الا ذكر فيها، فما هي الاحداث التي ادت الى نزول الوحي بقوله تعالى «كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ» الى قوله عزوجل «قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ». من المعلوم ان ابا عامر مؤسس مسجد الضرار كان على علاقة وطيدة بمشركي المغرب والمنافقين في كل مكان وقد اتفق مع الجميع على ان يتوجه قيصر الروم الى غزو المدينة وعلى امتداد هذه المساحة جرت محاولة اغتيال الرسول وبناء المسجد الضرار، ويبدو ان هناك مؤامرة اتفق عليها الحاقدون على الاسلام في مكة بعد فتحها وطائفة من المشركين وتيارات النفاق والدليل على هذا ثورة الصد عن سبيل الله التي تحدث القرآن والسنة عنها بعد فتح مكة تلك الثورة التي استخفت وراء جدار صبغ نفسه بلون الاسلام. ومن الدليل ايضاً ان هذه الثورة استهدفت ايضاً علي بن ابي طالب (عليه السلام) حينما اشاعوا يوم استخلفه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة عند ذهابه الى تبوك اشاعوا ان النبي تركه مع النساء والصبيان وانه استثقله وتخفف منه، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد اخبر مشركي مكة بعد صلح الحديبية ان لهم يوماً من علي بن ابي طالب فأنه سيقاتلهم على تأويل القرآن كما قاتلهم على تتزيله، اجل ان دائرة الحقد على الاسلام كانت تختزن في ذاكرتها ما تخبئه لها الايام وظل اتباع هذه الدائرة يكيدون للرسالة في حياة الرسول وبعد مماته (صلى الله عليه وآله) على هذا الاساس فضلاً عن كراهيتهم القوية للرسالة الالهية، ولما نزلت سورة براءة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث بها مع ابي بكر الى المشركين فلما خرج ابوبكر نزل جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا محمد لا يؤدي عنك الا رجل منك فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علي بن ابي طالب في طلب ابي بكر فلحقه بالروحاء واخذ منه الايات فقرأها على الناس في الموسم. ان جهاز علي (عليه السلام) في آيات سورة براءة علاوة على انه لا يؤثر على النبي الا هو كما قال (صلى الله عليه وآله وسلم) «علي مني وانا من علي ولا يؤدي عني الا انا او علي» الا ان هذا يستقيم مع الاحداث حيث ثورة الميثاق واخبار النبي لقريش يوم الحديبية بأن لهم مع علي بن ابي طالب يوماً، روى الترمذي وابن جرير عن الامام علي (عليه السلام) ان النبي قال لهم يومئذ «يا معشر قريش لتنتهن او ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين قد امتحن الله قلبه للايمان. قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال ابوبكر: من هو يا رسول الله؟ وقال عمر: من هو يا رسول الله؟ قال: هو خاصف النعل وكان قد اعطى علياً نعله يخصفها»، ولهذا كان نعت علي (عليه السلام) بسورة براءة له ابعاد متعددة منها ان اعطاءها لعلي (عليه السلام) بعد ابي بكر هو بمثابة التلويح بالعصا الغليضة. ******* الضوء الالهي والمقام العلوي والهاروني - 147 2008-05-11 00:00:00 2008-05-11 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4228 http://arabic.irib.ir/programs/item/4228 كان الضوء الالهي ما يفتيء يعرف الناس بخصوصيات علي (سلام الله عليه) من خلال وقائع ومواضع تستعصي على الحصر في طي حركة الرسالة المحمدية الكريمة، فأمر الله عزوجل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ان يسد جميع ابواب الصحابة المشرعة على المسجد الا باب علي، وعند بناء قبا لن تسر الناقة بأحد من الصحابة الا بأمير المؤمنين علي، وقال النبي في مشهد من كانوا حوله ان الناقة مأمورة، وفي ميدان الحرب ما ناجى النبي احداً غير علي، وفي منزل الرسول اخرج الله اناساً وادخل علياً، وفي وقعة خيبر ما اخذ الراية وفتح الله على يده سوى الامام علي (عليه السلام). ان هذه الوقائع المشهودة الكثيرة تدل حركتها على ان هناك ضوءاً محدداً على شخص محدد، وهذا الضوء يريد ان يوجه ثقافة مثل توجيه الاهي واضح في القيادة والولاء ومصدر اخذ الدين. خلال الحديث الذي عرف بعدئذ بحديث الدار جمع النبي عشيرته في اوائل البعثة بمكة في وليمة اقامها ثم قال لهم: ايكم يبايعني على ان يكون اخي وصاحبي ووارثي فلم يستجب له احد فقام علي وكان اصغرهم سناً فبايعه على ذلك، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ان هذا يعني علياً اخي ووصي وخليفتي فيكم فأسمعوا له واطيعوا، روى الخبر في آثار متفاوتة لكل من ابن حنبل وابن جرير والطحاوي وابن كثير وصاحب كنز العمال وسواهم. وكان يزار هؤلاء العشيرة الاقربين بمثابة المقدمة الاولى لا لقاء الضوء على علي بن ابي طالب في مركز الدائرة الضوئية العلوية التي ارادها الله ان تتسع يوماً بعد يوم وهو اتساع لحركة الرسالة في امتدادها القدسي. اتسع الضوء يوم المباهلة ويوم الكساء ويوم آية التطهير ويوم سد الابواب الا باب علي واتسع الضوء يوم ان دعا الكتاب الكريم الى مودة ذوي القربى ودعا الى سهم ذوي القربى ايضاً وما زال الضوء يتسع ويمتد حتى جاء اليوم الذي اعلن رسول الله منقبة متفردة لعلي، وهذه المنقبة وشيجة الصلة لحركة الرسالة وبالتمييز بين اهل الهدى وخط النفاق اللابس عباءة الاسلام روى مسلم عن علي قال «والذي فلق الحبة وبرء النسمة انه لعهد النبي الامي الي ان لا يحبني الا مؤمن ولا يبغضني الا منافق». في هذه المنقبة نرى ان محبة امير المؤمنين علياً (عليه السلام) هي الفارق بين الايمان والكفر اي المتلبس زوراً بأسم الاسلام وهذه المنقبة‌ هي عين المواجهة بين الرسالة وبين دائرة النفاق الذي هو اخطر اعداء رسالة الله جل جلاله. ظلت دائرة الضوء العلوي تتسع وكان يوم تبوك وعزم التيار التخريبي على اغتيال رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله) وعلى افتتاح مسجد الضرار وفتح الطريق امام الغزو الخارجي الكافر الذي تحمل اعلامه جيوش قيصر، في هذا الجو كان من خطة حركة النفاق ان لا يظل علي بن ابي طالب في المدينة، ارادوها ان تخلو منه فيصنعوا ما عزموا عليه فأستخدموا اسلوب الحرب النفسية ضده عندما علموا ان النبي سيخلفه على المدينة، في هذا السياق قال النبي لعلي، اما ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا انك لست بنبي، انه لا ينبغي ان اذهب الا وانت خليفتي. وفي رواية ابن عاصم انه لا ينبغي ان اذهب الا وانت خليفتي في كل مؤمن ومؤمنة. اجل اثبت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعلي (عليه السلام) منزلة هارون، فماذا تعني منزلة هارون؟ قال الله تعالى: «وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ» الآية الكريمة تخبر ان موسى (عليه السلام) جاءهم بالبينات واتخاذهم العجل من بعده كان استمراراً لفعلهم او في الحقيقة اتخذوا العجل في حياة موسى وهارون (عليهما السلام) كان عليه شعاع من الضوء في حياة اخيه موسى (عليه السلام). وقبل ذهاب موسى لميقات ربه قال لاخيه كما اخبر تعالى «قَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ» فهارون (عليه السلام) نبي وخليفة، «اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي» والشعاع الذي حل بعلي بن ابي طالب يستوعب منزلة الخلافة التي تقلدها هارون وذلك بنفس الحديث لكنه لا يستوعب منزلة النبوة لانه لا نبوة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). واصحاب مسجد الضرار نصبوا العجل في دائرته ولما حاول هارون استضعفوه، قال هارون (عليه السلام) كما اخبر تعالى: «الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي» ولان القاعدة الاساسية في دين الله انه لا اكراه في الدين وان الله غني عن العالمين فأن هارون اقام عليهم الحجة اعتدل هو وآمن هو ومن معه، وبعد عودة موسى قال لاخيه كما اخبر تعالى، قال: «يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا، أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي، قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي». لقد عمل هارون من اجل المحافظة‌ على الرمز والشعار الاسلامي، وكفى به مضاداً لمظاهر معابد الضرار، اما موسى (عليه السلام) فكان له رأي فيهم بعد ان خرج على خط الخلافة الذي حدده، قال لهم فيما حكى الله عزوجل: «قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ» ثم دعا موسى ربه قال: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ»، اما الذين اتخذوا العجل فقضى ربهم الجزاء العادل بعد ان اشربوا في قلوبهم حب العجل، قال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ»، هذه اذن منزلة هارون اخ موسى (عليهما السلام) وعلى هذا يجب ان تقاس منزلة علي بن ابي طالب اخ رسول الله كما جاء في الحديث الصحيح قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي: «انت اخي وانا اخوك فأذا ذكرك احد فقل انا عبد الله واخ رسوله لا يدعيها بعدي الا كذاب» اجل ان موسى (عليه السلام) في اول الايام تلقى كلمات ربه سبحانه وخلف اخاه هارون بعده على قوله ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في البعثة الخاتمة ذهب ليضرب من اجل كلمة ربه وخلف اخاه علياً بعده على قومه، وبعد عودة موسى ابلغة هارون بالاحداث فأحرق العجل وننسفه في اليم نسقاً وبعد عودة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) احرق مسجد الضرار، وبعد موسى جرى حب العجل في الدماء، وبعد محمد (صلى الله عليه وآله) جرت الريبة في قلوب الذين اتخذوا المسجد ضرار، ولله في خلقه شؤون. ******* ولاية الله وولاية أوليائه -5 - 146 2008-05-08 00:00:00 2008-05-08 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4226 http://arabic.irib.ir/programs/item/4226 احييك يا اخي تحية مودة وصفاء، في لقاء سابق علمنا ان اختيار الله تعالى لعلي بن ابي طالب (عليه السلام) قد حدث في اماكن عديدة على امتداد الرسالة المحمدية، فقي المسجد سدت جميع الابواب الاباب علي، وعند بناء قبا لم تسر الناقة الا بعلي، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ان الناقة لمأمورة»، وفي ميدان من ميادين الحرب ناجى رسول الله علياً ولم يناجي احداً غيره، وفي منزل النبي اخرج الله اناساً وادخل علياً، وفي خيبر اخذ الراية علي الذي يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ففتح الله على يده ولم يفتح على يد غيره. ان هذه الحوادث لتدل يا اخي على ان هناك ضوءاً محدداً لشخص محدد، وهذا الضوء يبتغي للناس ثقافة مشخصة تتفرد بالهداية والتبصير، وعلى امتداد هذا الطريق كان هناك طريق آخر يسير الى جانبه ويريد ليلتف عليه ويعيق مسيرته ويكون ثقافة مغايرة تكون فيما بعد هي الرأي العام السائد. من هذه الحوادث التي دلت حركتها على الضوء الذي يتجه الى الامام علي (عليه السلام) هذا الحديث الصحيح الذي رواه احمد وغيره عن علي (عليه السلام) قال: لما نزلت الآية «وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ» جمع النبي عشيرته فأجتمع ثلاثون، فأكلوا وشربوا فقال لهم النبي: «من يضمن عني ديني ومواعيدي ويكون معي في الجنة ويكون خليفتي في اهلي، فقال رجل يا رسول الله انت كنت بحراً من يقوم بهذا فعرض عليهم الرسول هذا واحداً واحداً فقال علي انا». وفي رواية «من يبايعني على ان يكون اخي وصاحبي ووارثي، فلم يقم اليه احد فقمت اليه وكنت اصغر القوم»، وفي رواية قال النبي: «من يبايعني على ان يكون اخي وصاحبي ووليكم من بعدي فمددت وقلت، انا ابايعك وانا يومئذ اصغر القوم فبايعني على ذلك». وفي رواية لابن اسحق وابن جرير وابن حاكم وابي نعيم ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال عندما بايعه علي عليه: «ان هذا اخي ووصي وخليفتي فيكم فأسمعوا له واطيعوه فقام القوم يضحكون ويقولون لابي طالب قد امرك ان تسمع وتطيع». آية الانذار تصرح بأنذار العشيرة الاقربين ولن تصرح بأنذار قريش عامة والعشيرة الاقربون انما بنوعبد المطلب او بنو هاشم، وفي مجمع البيان عشيرة الرجل قرابته، سموا بذلك لانه يعاشرهم ويعاشرونه وخص عشيرته وقرابته الاقربين بالذكر لانه لا استثناء في الدعوة ولا مداهنة ولا مساهلة، فلا فرق في تعلق الانذار بين النبي وامته ولا بين الاقارب والاجانب فالجميع عبيد الله والله مولاهم. ان انذار العشيرة الاقربين كان هو المقدمة الاولى لالقاء الضوء على علي بن ابي طالب (عليه السلام)، فهو ضوء في مركز الدائرة التي اراد الله لها ان تتسع وتتسع شيئاً فشيئاً وهو اتساع يواكب حركة الرسالة الهادية ويضع في اعتباره النفس القبائلية والعشائرية التي ترفض فرض اي قيادة عليها وفقاً للتصور الجاهلي. اجل، اذا كان علي بن ابي طالب (عليه السلام) قد اصبح بعد مبايعته الرسول في يوم الدار رأس القوم على الرغم من صغر سنة فأنه بنص آية اخرى ارتقى الى مرتبة اعلى، قال الله تبارك وتعالى لرسوله «إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ»، قال المفسرون: انما انت يا محمد هادي تهتديهم من طريق الانذار وقد جرت سنة الله في عبادته ان يبعث في كل قوم هادياً يهديهم، والآية تدل على ان الارض لا تخلو من هاد يهدي الناس الى الحق انما نبي منذر وانما هادي يهدي بأمر الله، وفي الدار المنثور اخرج ابن جرير وابن مردويه وابن نعيم والديلمي وابن عساكر وابن النجار قال لما نزلت «إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ» وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يده على صدره وقال انا المنذر واومأ بيده الى علي وقال انت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي، وروى الحاكم عن بريده الاسلمي قال دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالطهور وعنده علي بن ابي طالب فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يد علي بعد ان تطهر فألصقها بصدره ثم قال: إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ويعني نفسه ثم ردها الى صدر علي ثم قال: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ، ثم قال له: انت منار الانام وراية الهدى وامير القراء واشهد على ذلك انك كذلك، وفي تفسير ابن كثير عن علي قال: «وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ» الهادي رجل من بني هاشم قال الجنيد وعلي بن ابي طالب رضي الله عنه. هكذا الضوء يتسع شيئاً فشيئاً، اتسع في يوم المباهلة ويوم الكساء ويوم سد الابواب الا باب علي ويوم ان دعا الكتاب الى مودة ذوي القربى وسهم ذي القربى الى غيرها من سطعات الضوء التي كانت تتسع حول علي (عليه السلام) حتى جاء ذلك اليوم وضع فيه حول علي منقبة من اعظم المناقب لانها عليها تدور الحركة الواسعة للرسالة الاسلامية، روى مسلم عن علي (عليه السلام) قال: «والذي فلق الحبة وبرء النسمة انه لعهد النبي الامي الي ان لا يحبني الا مؤمن ولا يبغضني الا منافق»، وعن ام سلمة قالت كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «لا يحب علياً منافق ولا يبغضه مؤمن»، وروى الترمذي عن ابي سعيد الخدري قال «انما كنا نعرف المنافقين نحن معشر الانصار لبغضهم علي بن ابي طالب» وهذه المنقبة العظيمة هي عين المواجهة بين الرسالة الالهية الخاتمة وبين الرجس الذي استعار كاذباً عباءة الدين وما هو من الدين. وثمة آفاق اخرى لدائرة الضوء التي كانت تتسع حول امير المؤمنين علي بن ابي طالب في ايام الرسالة المبكرة غايتها ان تعد الناس فكرياً ونفسياً لتلقي ولاية علي التي هي امتداد لولاية الله وولاية الرسول وليكون علي (عليه السلام) هو الميزان وهو الفرقان بين الحق والباطل والهدى والضلال والاخلاص لله والميثاق، وهو بعدئذ الضمانة التي ارادها الله عزوجل لمستقبل الرسالة بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا مما دلت عليه النصوص قطعية من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مثل قوله: «علي مع الحق والحق مع علي» ومثل احاديث اقتران القرآن والعترة التي كان رأسها علي بن ابي طالب (عليه السلام). ******* ولاية الله وولاية أوليائه -4 - 145 2008-05-03 00:00:00 2008-05-03 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4225 http://arabic.irib.ir/programs/item/4225 احييك يا اخي تحية مودة وصفاء ويسرني ان نتلثم طلاقة الهواء الصافي بعيداً عن قيود التزمت والارهاب، دعنا نعش دقائق جديدة متفتحة تطلق الفكر حراً وتغرس في القلب بذوراً للايمان، طرية وواعدة بالخضرة والنماء والخير الكثير. نحن مع تاريخنا نقرأ فيه من خلال نصوص الثابتة التي توافق عليها اهل القبلة واهل الاسلام، ما تبين من خلالها الخط التوحيدي الاصيل بحركته وظروفه الصعبة وهو يشق طريقه للهداية الواقعية المتفردة ولانقاذ الانسان من ضياع السبل المتفرقة التي قد يظن سالكوها انهم على خط الصراط، هوذا نحن يا اخي اذن من اجل التبصر ومن اجل مزيد من نور الهدى، هدى الله وان هدى الله هو الهدى، وهو الهادي الى سواء الصراط. ننطلق في لقاءنا هذا من ولاية الله تبارك وتعالى على الناس وعلى المؤمنين «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ» ومن ولاية الله ولاية رسول الله (صلى الله عليه وآله) الثابتة في القرآن والحديث في مثل قول الحق تبارك وتعالى في سورة آل عمران «قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «ما من مؤمن الا وانا اولى الناس به في الدنيا والاخرة اقرؤا ان شئتم النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم»، ومن هذه الولاية النبوية تقديم النبي على النفس في كل شيء لانه دائماً الاولى منا بأنفسنا وهذا مفتاح الايمان، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «لا يؤمن احدكم حتى اكون احب اليه من ولده ووالده والناس اجمعين»، وقد جعل الله جل جلاله نفس النبي هي نفس علي بن ابي طالب (عليه السلام) في قوله تعالى على لسان نبيه في آية المباهلة المباركة «بسم الله الرحمن الرحيم، فقل تعالوا ندعوا ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم» روى ابن كثير عن جابر قال «انفسنا رسول الله وعلي بن ابي طالب» وهذا يعني تقديم اهل الطهر اصحاب الكساء والمباهلة الذين فرض الله مودتهم والصلاة عليهم وجعل لهم سهماً مع سهمه وسهم رسوله في مال الله وهذا يعني ان تقديم هؤلاء المطهرين هو تقديم للرسول، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما رواه الطبراني والبيهقي «لا يؤمن احدكم حتى اكون احب اليه من نفسه واهلي احب اليه من اهله وعترتي احب اليه من عترته وذريتي احب اليه من ذريته». ان ولاية‌ الرسول هي ولاية الله وهذه الولاية قد جعلها الله سبحانه لاهل العصمة والطهارة المخصصين بآية التطهير واصحاب الكساء الذين رأسهم امير المؤمنين علي (عليه السلام) قال تعالى في سورة‌ المائدة «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ» وما تصدق في ركوعه على الحقيقة الا علي. واصطفاء الله تعالى لعلي (عليه السلام) واعلام الناس بهذا الاصطفاء في مناسبات عديدة على امتداد الرسالة المحمدية، وفي حوادث كثيرة اجمع على التصديق بها كل المسلمين. وفي لقاءات سابقة رأينا عدداً من هذه الحوادث والمناسبات وتعرفنا على تثبيت علي من قبل الله تعالى تثبيتاً يشير الى تمايزه وتوحده واستحقاقه للولاية الالهية بعد الرسول بلا منازع. في المسجد سد النبي جميع ابواب الصحابة المشرعة على المسجد الاباب علي وعند بناء قبا لم تسر الناقة من غير علي فأنها كانت مأمورة كما قال النبي (صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله)، وفي ميدان من ميادين الحرب الحارجة ناجى رسول الله علياً ولم يناجي سواه، وفي ميدان من ميادين الحرب الحارجة ناجى رسول الله علياً ولم يناجي سواه، وفي منزل الرسول اخرج الله اناس وادخل علياً وفي خيبر اخذ الراية علي وما فتح الله الا على يديه. هذه الاحداث وسواها تدل حركتها على ان هناك ضوءاً الهياً معلوماً على شخص محدد يريد ان ينشر في الناس ثقافة معينة‌ بصيرة واضحة، في البداية جمع النبي عشيرته فأكلوا وشربوا ثم قال لهم عن علي وكان يومئذ اصغرهم سناً، ان هذا اخي ووصي وخليفتي فيكم فأسمعوا له واطيعوه، وانذار العشيرة والاقربين كان مقدمة لا لقاء الضوء على علي بن ابي طالب وهو ضوء في مركز الدائرة الصغيرة التي اراد الله ان تتسع شيئاً بعد شيء، واذا كان علي قد اصبح بعد مبايعة الرسول رأس القوم ورغم صغر سنه فأنه بنص آية سورة الرعد المباركة وفي الآية السابعة قد ارتقى الى مرتبة اعلى، قال الله تبارك وتعالى لرسوله «إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ»، قال في الدر المنثور لما نزلت هذه الاية قال النبي لعلي (عليه السلام) «انت الهادي يا علي، بك يهتدي المهتدون من بعدي». لقد كان الضوء يتسع ويمتد، اتسع وامتد يوم المباهلة ويوم الكساء ‌ويوم سد الابواب ويوم دعا الكتاب الكريم الى مودة ذوي القربى وسهم ذوي القربى الى غيرها من الايام المشهودة في تاريخ الاسلام حتى جاء اليوم الذي اعلن فيه النبي منقبة لعلي حكيمة في حركة الرسالة وتمايز خطوط الايمان من النفاق، روى مسلم عن علي (عليه السلام) قال «والذي فلق الحبة وبرء النسمة انه لوعد النبي الامي الي ان لا يحبني الا مؤمن ولا يبغضني الا منافق»، وعن ابي سعيد الحذري قال «كنا نعرف المنافقين نحن معشر الانصار لبغضهم علي بن ابي طالب (عليه السلام)» وبدأت الدائرة الضوئية تتسع حتى كان يوم تيوك اليوم الذي قصد التيار التخريبي النفاقي الى اغتيال رسول الله وافتتاح مسجد الضرار وفتح الابواب لاستقبال الغزو الخارجي الذي تحمل اعلامه جيوش قيصر، والروايات تؤكد ان المنافقين ما كانوا يريدون علياً بن ابي طالب ان يظل في المدينة واستخدموا اسلوب الحرب النفسية ضد علي (عليه السلام) لكن النبي قطع عليهم حبل تفكيرهم وقلد علياً منقبة ارتبطت بمنقبة «لا يحب علياً منافق ولا يبغضه مؤمن» برباط وثيق. قال النبي كما رواه مسلم «اما ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا بني بعد» وفي رواية: «انه لا ينبغي ان اذهب الا وانت خليفتي في كل مؤمن بعدي» وحديث المنزلة هذا رواه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم وقال ابن عساكر وقد روى هذا الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وعلي وابن عباس وغيرهم. ومناقب علي لن تقف عند تدمير مسجد الضرار فالاحاديث الصحيحة تبين ان دائرة النور حول علي بدأت تتسع على شكل لم يسبق له مثيل بعد تبوك، والحوادث اللاحقة تكشف ان علياً كان يزداد مقامه بين الصحابة تألقاً بأمر من الله ورسوله وكانت قدراته (عليه السلام) ومواهبه الالهية المتفردة تتجلى اطراف منها للناس فيظفرون في علي ما لا يظفرونه في احد ويلاحق الوحي اعماله في توسيع دائرة الضوء المباركة لا اقامة المزيد من الحجة على الناس في ولاية علي بن ابي طالب (عليه السلام) التي هي امتداد اصيل لولاية الله وولاية رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم). ******* ولاية الله وولاية أوليائه -3 - 144 2008-04-30 00:00:00 2008-04-30 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4224 http://arabic.irib.ir/programs/item/4224 في عالم الغيب اقام الله سبحانه وتعالى حجته على الخلق بميثاق الفطرة لانه تعالى‌ رب كل شيء والفائز من الناس هو من احترم المخزون الفطري وما زوده الله به واتبع الهدى الذي جاءت به الرسل (عليهم السلام)، وما جاء به النبيون من عند ربهم يرشدهم ويهديهم الى الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ الذي ينشط الشيطان بوضع العقبات امام الناس لكي لا يمشوا فيه. تتابع رسل الله (عليهم السلام) ليسدوا منافذ الشيطان وكان على من اراد الفوز بالنجاة ان يقف تحت ولاية الله ورسوله لانها الولاية الوحيدة التي في ظاهرها وفي باطنها الرحمة وتقود من استظل بها الى ساحة القرب يوم القيامة، ومن فضله سبحانه على خلقه انه حذر من اتخاذ الشيطان ولياً ونهى عن مودة‌ اليهود والنصارى لان هذا الطريق بكل ما له من رموز يصب في النهاية‌ في ساحة الخاسرين. وشرع الله تبارك وتعالى ولاية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعل ولاية الرسول على المؤمنين شرطاً في الايمان بالله، «قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» ان مقدمة ولاية الرسول هي الحب والحب هو الوسيلة لارتباط كل طالب بمطلوبه ومعنى هذا يا اخي ان الواجب على من يدعي ولاية الله بحبه ان يتبع الرسول لينتهي ذلك الى ولاية الله بحبه، وولاية الله ورسوله اذا كانت في اعمال المؤمنين لا تجعل للمؤمنين حقاً في ان يعتبروا انفسهم اصحاب الاختيار ازاء ما قضى الله ورسوله وكيف يكون المؤمن صاحب اختيار في دائرة وليها الله ورسوله، وللنبي (صلى الله عليه وآله) الولاية في الامة في هدايتهم الى الله والحكم فيهم والقضاء في جميع شؤونهم وله عليهم الاطاعة المطلقة فترجع ولايته الى ولاية الله عزوجل اي ان له (صلى الله عليه وآله وسلم) التقدم عليهم بأفتراض الطاعة‌ لان طاعته طاعة‌ الله وولايته ولاية الله كما يدل عليه ذكر قوله سبحانه «أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ» وقوله «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا». اجل، ان هذا المعنى من الولاية لله ولرسوله هو الذي تذكره الاية «الَّذِينَ آمَنُوا» في قوله تعالى «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ»، الولاية في هذه الآية هي واحدة هي لله جل جلاله بالاصالة ولرسوله (صلى الله عليه وآله) و«الَّذِينَ آمَنُوا» بالتبع وبأذن منه عزوجل، وعلى هذا فالذين آمنوا الذين يحملون الولاية الالهية لهم شروط تميزهم عن سواهم، في مقدمتها ان يكون منصوصاً عليه الهياً بالطهارة الذاتية من الرجس والدنس وان يكون اهلاً للاطلاع على حقائق القرآن العميقة التي لا يمسها الا المطهرون وان يكون على علم بحقائق القرآن واحكامه فيكون عندئذ اولى الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ورد في كنز العمال عن الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «ان اولى الناس بالانبياء اعلمهم بما جاء وابه»، ثم تلى قوله تعالى «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ» وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) «ان للقرآن مناراً كما منار الطريق فما عرفتم فخذوه وما انكرتم فردوه الى عالمه»، ومن شروط المؤمنين الحاملين للولاية الالهية ان تكون فيهم نصوص نبوية تدل على انهم يتمتعون بقوة الشجاعة والعفة والحكمة ذلك ان من يتسم بهذه السمات فأنه يمتلك ملكة العدالة بمعناها الواقعي الاصيل. ومن اهم الشروط ايضاً ان تكون حركة صاحب الولاية الالهية جزءاً لا يتجزء من حركة الرسالة فأن اخطر اعداء الرسالة هم المنافقون فينبغي ان يكون على علم بحركتهم ولا يتحقق هذا العلم الا بنص قاطع بأنه لا يحبه الا مؤمن ولا يبغضه الا منافق، ان الاخبار الاكيدة الدالة على ان المنافق يبغضه تعني ان النص عليه من عند الله وتعني ان سياسته لواتيح له ممارستها ستكشف جحافل النفاق فاذا قطع الطريق على سياسته فأن النفاق سيشق طريقه الى احتذاء سنن الامم القديمة التي غلب اهل باطلها على اهل الحق فيها، وبكلمة مجملة يجب ان تكون في هذا المؤمن الولي للناس نصوص صريحة صحيحة متفق عليها عند اهل القبلة تبين ان الله تعالى اختاره في مواطن وان رسول الله اعطاه الولاية وان تكون حركته تسير مع اخبار النبي بالغيب عن ربه في خط واحد، بمعنى ان نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد اخبر بأن امته ستسترق وانها ستتبع سنن اليهود والنصارى شبراً بشبر وذراعاً بذراع، وامة اليهود وضعت اول بذور الافتراق يوم اتخذوا العجل وكادوا ان يقتلوا نبي الله هارون، وظل خط العجل يعمل من بعد موسى وهارون (عليهما السلام) واذا كان هذا الشذود سينتقل الى الامة بصورة او بأخرى فلابد ان تكون هناك نصوص قاطعة في ان حركة ولي رسول الله في اول الطريق هي نفسها حركة هارون في اول الطريق، وبهذا يتم التطابق بين امم استخلفها الله لينظر كيف يعملون يتم التطابق بين فعل ولي الله هارون وبين حركة امة فتية اخبر رسولها عن ربه بالغيب انها سائرة على اثر الماضين الا من رحم الله. ترى من ينطبق علهي عنوان الولاية وفق الشروط المذكورة آنفاً؟ الواقع ان احداً غير علي بن ابي طالب (عليه السلام) لا ينطبق عليه عنوان الولاية في ظل هذه الشروط، فعلي (عليه السلام) فيه نصوص قاطعة، قرآن يفسره حديث وحديث يشهد للحديث الذي فسر القرآن وحركة تاريخ تشهد للحديث وللنص القرآني وامام القرآن والحديث والتاريخ والواقع لا يجد الباحث الا ان يمتلأ ايماناً بهذه الحقيقة وهي ولاية الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام)، انه (عليه السلام) من اهل الكساء الذين انزل الله بهم آية التطهير وهو من الذين باهل بهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نصارى نجران وانه كنفس النبي بل نفسه في نص القرآن وهو اول من صدق بالنبي في بدء بعثته واول من صلى معه، وعلي (عليه السلام) تربى في بيت النبوة وهو اعلم امة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما ورد في احاديث كثيرة وهو الذي منزلته من النبي منزلة هارون من موسى بفرق النبوة وهو ايضاً اخ رسول الله ووزيره ومستودع سره ومولا كل مؤمن ومؤمنة من بعده، وهذا كله وغيره مما سنأتي عليه في لقاءنا القادم بأذن الله حتى ذلك الحين نستودعكم الله والسلام عليكم. ******* ولاية الله وولاية أوليائه -2 - 143 2008-04-26 00:00:00 2008-04-26 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4223 http://arabic.irib.ir/programs/item/4223 زود الله تعالى الانسان بما يهديه الى طريق الخير والتقى والحب، واقام حجته على الخلق ان الولاية هي لله الملك الحق المبين، ولهذا وجب على من اراد الفوز بالنجاة ان يقف تحت ولاية الله وولاية رسوله الذي لا ينطق عن الهوى، وولاية النبي (صلوات الله عليه وآله) تعني فيما تعني ان له التقدم على الناس جميعاً بأفتراض الطاعة وهذا المعنى للولاية تذكره اية من سورة المائدة للذين آمنوا ايضاً «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ»، فالولاية في هذه الاية واحدة هي لله جل جلاله بالاصالة ولرسوله (صلى الله عليه وآله) وللذين آمنوا بالتبع وبأمر الله سبحانه وتعالى واذنه، ترى من هم هؤلاء المؤمنون الذين يحملون الولاية الالهية مع الرسول؟ لهؤلاء المؤمنين الذين يحملون الولاية شروط اهمها وجود نص قاطع على طهارته الشاملة من كل رجس ودنس وان تكون فيه نصوص على انه على علم بأحكام القرآن وشرائعه وحقائقه ليستطيع بهذا العلم ان يرفع الاختلاف من الناس وان يكون هذا العلم مأخوذاً من مشكوة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن شروط المؤمن الولي ان تكون حركته جزءاً اصيلاً من حركة الرسالة الالهية، فهو اعلم مثلاً بالمنافقين الذين هم اخطر الاعداء بل ان حبه علامة‌ الايمان وبغضه علامة النفاق ويجب ان تكون في هذا المؤمن المؤهل لمقام الولاية الالهية نصوص متفق عليها تدل على ان الله اختاره في مواطن وان الرسول قد اعطاه الولاية الى‌ غيرها من الشروط، وقد تبين لنا ان عنوان الولاية الالهية لا ينطبق على احد غير علي بن ابي طالب (عليه السلام) ذلك ان علياً (سلام الله عليه) فيه نصوص قاطعة فثمة قرآن يفسره حديث وحديث يشهد للحديث الذي فسر القرآن وثمة‌ حركة تاريخ تشهد للحديث وللنص القرآني. الامام علي (عليه السلام) من اهل الكساء الذين خصصهم الله تبارك وتعالى بآية التطهير ومن الذين بأهل بهم النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) نصارى نجران ونزلت آية المباهلة لتقول ان نفس علي هي نفس الرسول وهو اول من صدق رسول الله في رسالته واول من صلى معه. اما ما ورد في علمه فيكفي ان نذكر قوله تعالى «لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ». ورد في الدر المنثور عن مكحول ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «سألت ربي ان يجعلها اذن علي». قال مكحول فكان علي يقول: «ما سمعت عن رسول الله شيئاً فنسيته». وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام): «ان الله امرني ان ادنيك ولا اقصيك وان اعلمك وان تعي وحق لك ان تعي». فنزلت هذه الآية «وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ». هذا الحديث روي من عدة طرق بلغت ستة عشر حديثاً فأذا كانت البداية مع آية تدل على ان ما سمعه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينساه فأن دخوله على النبي واختصاصه به لأخذ العلم امر لا جدال فيه. وروى النسائي عن علي (عليه السلام) انه قال «كان لي من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مدخلان مدخل للليل ومدخل في النهار» وعلي (سلام الله عليه) تربى في بيت النبوة والذي سهر على تربيته هو النبي (صلى الله عليه وعلى آله) وفي بيت النبوة شق علي بن ابي طالب طريق العلم حتى قيل في رواة صحيحة نقلها ابن السعد «افضلنا علي» وشهد اكثر من واحد ان علياً كان ادرى الناس بعد رسول الله بالقرآن، عن ابي الطفيلي قال، قال علي (عليه السلام) «سلوني عن كتاب الله فأنه ليس فيه آية الا وقد عرفت بليل نزلت ام بنهار في سهل ام في جبل» وعن سليمان الاحمسي ان علياً قال «ان ربي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً صادقاً» وفي رواية ذكرها السيوطي «والله ما تركت آية الا وقد علمت حين نزلت واين نزلت وعلى من نزلت ان ربي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً صادقاً» وفي خلافته كان (عليه السلام) كان يقول «سلوني قبل ان تفقدوني» قال ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغه قد اجمع الناس كلهم انه لم يقل احد من الصحابة ولا احد من العلماء هذا غير علي بن ابي طالب (عليه السلام). ان شهادة النبي لعلي انه اعلم امته قد وردت في احاديث كثيرة منها حديث «انا مدينة العلم وعلي بابها فمن اراد العلم فليأتي الباب» وكذلك حديث «انا دار الحكمة وعلي بابها» الذي رواه الترمذي عن علي ورواه بعضهم عن ابن عباس، قال عبد الله بن احمد بن حنبل، وجدت في كتاب ابي بخط يده هذا الحديث، عن معقل بن يسار قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لفاطمة ‌رضي الله عنها «او ما ترضين اني زوجتك اقدم امتي سلماً واكثرهم علماً واعظمهم حلماً» فهذا الحديث اثبت سبق علي الى الاسلام واثبت له العلم والحلم وكفى بهما لاثبات ملكة العدالة الواقعية. الواقع يا اخي ان اختيار الله لشخص علي بن ابي طالب (عليه السلام) قد حدث في اماكن عديدة على امتداد الرسالة المحمدية نشير الى بعض منها اشارة عاجلة، في المسجد سد النبي جميع الابواب الا باب علي وعند بناء قبا لم تسر الناقة الا حين ركبها علي وفي ميدان من ميادين الحرب ناجى رسول الله علياً وفي خيبر اخذ الراية علي كل هذه الاحاديث تدل حركتها على ان هناك ضوءاً محدداً على شخص محدد وهذا الضوء يبتغي هداية خاصة للناس، لقد كان الضوء يتسع شيئاً فشيئاً، اتسع يوم المباهلة ويوم الكساء ويوم سد الابواب الا باب علي ويوم ان دعا الكتاب الى مودة ذي القربى وسهم ذي الغربي الى غير ذلك، حتى جاء اليوم الذي وضع النبي فيه حول علي منقبة من اعظم المناقب، اذ عليها تدور الحركة الواسعة للرسالة الاسلامية، روى مسلم عن علي قال «والذي فلق الحبة وبرء النسمة انه لعهد النبي الامي الي ان لا يحبني الا مؤمن ولا ينغضني الا منافق». ثم استمرت دائرة الضوء الالهي حول علي بالاتساع من خلال حوادث عديدة لتدل ان علياً هو ذو الولاية الالهية بعد النبي. ******* ولاية الله وولاية أوليائه -1 - 142 2008-04-21 00:00:00 2008-04-21 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4227 http://arabic.irib.ir/programs/item/4227 صرح القرآن الكريم بأن الولاية هي لله عزوجل في مثل قوله تعالى من سورة الشورى «أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»، ولهذا تحتم على من اراد الفوز بالتجاه والثواب ان يقف تحت ولاية الله جل جلاله لانها الولاية الوحيدة التي في ظاهرها وباطنها، وهي وحدها التي تقود من استظل بهاالى ساحة القرب يوم القيامة. ومن فضله سبحانه على خلقه انه حذر من اتخاذ الشيطان وحزبه اولياء لان هذا الطريق بكل رموزه وصوره يصب في النهاية في ساحة الخاسرين. وامتداداً لولاية الله تبارك وتعالى شرع المولى ولاية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعل ولاية الرسول شرطاً للايمان بالله، قال سبحانه في سورة آل عمران: «قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ». ان الاخلاص لله في دينه لا تكون خطوته الاولى الا بحبه تعالى ومن اراد ان يخلص في عبوديته على الحق فعليه ان يتبع هذه الشريعة التي هي مبنية على الحب ولا حب حقيقياً الا بأتباع رسول الله (صلى الله عليه وآله) والاخذ عنه والتأسي به، مقدمة ولاية الرسول هي الحب الذي هو في الحقيقة الوسيلة الوحيدة بأرتباط كل طالب لمطلوبه وكل مريد بمراده، ومعنى هذا ان الواجب على من يدعي ولاية الله بل حبه ان يتبع الرسول حتى ينتهي ذلك الى ولاية الله له بحبه، والاية ذكرت حب الله دون ولايته لانه الاساس الذي تقوم عليه الولاية وانما ذكر حب الله فحسب لان ولاية النبي والمؤمنين تقوم في الحقيقة الى ولاية ‌الله، ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) له الولاية في ان يبين للناس ويربي الامة ويحكم فيهم ويقضي في امرهم لان اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ وعلمه احكامه وشرائعه والرسول بهذه الولاية يبث الاخلاق الفاضلة والاعمال الصالحة لتكتمل البشرية ويستقيم حالهم في ديناهم واخراهم فيعيشون سعداء ويموتون سعداء ولانه (صلى الله عليه وآله وسلم) كذلك اوجب الله الاخذ عنه والتأسي به وفرض طاعته طاعة مطلقة، لان طاعته طاعة الله، قال عز من قائل في سورة النساء: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ» ومن يتخذ الرسول مولى له لا يصل الى الكمال في الحب والطاعة الا اذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) احب اليه من نفسه، قال تعالى في سورة الاحزاب: «النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ». روى البخاري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله «ما من مؤمن الا وانا اولى الناس به في الدنيا والآخرة» اقرأوا ان شأتم، «النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ» ومعنى هذا ان من قدم نفسه على النبي فهو في الحقيقة غير مؤمن حتى يقدم النبي على نفسه ويحسب ايمانه فقط من وقت تأخره وتقدم النبي، وروى احمد والنسائي وابن ماجة عن انس ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال «لا يؤمن احدكم حتى اكون احب اليه من ولده ووالده والناس اجمعين» وقد جعل النبي نفسه المقدسة هي نفس علي بن ابي طالب (عليه السلام) في قوله تعالى من سورة آل عمران «فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ». روى ابن كثير عن جابر قال «أَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ» رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي بن ابي طالب، وتقديم اهل الطهر اصحاب الكساء والمباهلة الذين فرض الله مودتهم والصلاة عليهم وجعل لهم سهماً مع سهمه وسهم رسوله في مال الله، تقديم هؤلاء هو في حقيقة الامر هو تقديم للرسول. قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ما رواه الطبراني والبيهقي «لا يؤمن احدكم حتى اكون احب اليه من نفسه واهلي احب اليه من اهله وعترتي احب اليه من عترته وذريتي احب اليه من ذريته». اجل، ان ولاية الله ورسوله اذا كانت في اعمال المؤمنين لا يحق للمؤمنين ان يعدوا انفسهم عن دائرة اصحاب الاختيار، وكيف يكون المؤمن صاحب اختيار في دائرة وليه الله ورسوله. ان الله ولي عبده المؤمن لانه يلي امره ويدبر شأنه فيهديه الى صراطه المستقيم وهو سبحانه يأمره وينهاه في ما ينبغي وما لا ينبغي وينصره في الحياة الدنيا وفي الآخرة،‌ المؤمن في دائرة ولاية الله ورسوله لا يرى لغير الله استقلالاً في التأثير ولا يحب الا ما يحبه الله، قال تعالى في سورة الاحزاب «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا» ان الولاية لله ولرسوله هي ما تذكره آية‌ سورة المائدة لِّلَّذِينَ آمَنُوا عن طريق عطف هذه الولاية على الله ورسوله قال تعالى «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ». الولاية في هذه الاية الكريمة واحدة هي لله سبحانه بالاصالة ولرسوله (صلى الله عليه وآله) ولِّلَّذِينَ آمَنُوا بالتبع وبأذن الله عزوجل ولما كان الذين آمنوا لهم الولاية بالتبع لرسول الله وبأذن من الله فأن لِّلَّذِينَ آمَنُوا الذين يحملون الولاية شروطاً اهمها ان يكون فيه نفس ان الرجس لا يعرف لهم طريقاً وان الطهارة الالهية هي رداءهم وان هؤلاء المؤمنين سيتعاملون مع كتاب الله الذي لّا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ وانهم بعلمهم سيرفعون الاختلاف بين الناس. عن الامام علي بن ابي طالبع (عليه السلام) قال، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «ان اولى الناس بالانبياء اعلمهم بما جاء وابه» ثم تلى قوله تعالى «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ». ومن شروط المؤمن ذي الولاية الالهية ان تكون فيه نصوص تثبت بأنه يتمتع بقوة العفة والشجاعة والحكمة لان من يمتلك هذا تكون لديه ملكة العدالة وبأختصار ان من تكون ولايته امتداداً لولاية الله ورسوله يجب ان تكون فيه نصوص صريحة صحيحة متفق عليها عند اهل القبلة، تبين ان الله اختاره في مواطن وان الرسول اعطاه الولاية وان تكون حركته تسير مع اخبار الرسول بالغيب عن ربه تعالى سيراً واحداً، بمعنى ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد اخبر بأن امته ستفترق كما افترق اليهود والنصارى وامة اليهود وضعت اول بذور الافتراق يوم اتخذوا العجل وكادوا ان يقتلوا نبي الله هارون وظل العجل يعمل من بعد موسى وهارون (عليهم السلام) فأذا كان هذا الشذوذ ينتقل الى الامة جزو القدوة بالقوة كما في الحديث النبوي بصورة او بأخرى فلابد ان تكون هناك نصوص قاطعة بأن حركة ولي رسول الله في اول الطريق هي مماثلة لحركة هارون في اول الطريق. ******* النبي الاكرم(ص) وأهل الكساء والتطهير والولاية - 141 2008-04-19 00:00:00 2008-04-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/4222 http://arabic.irib.ir/programs/item/4222 حدد الله تبارك وتعالى المطهرين الانقياء الهداة الذين هم القدوة‌ في كل ما يهم المسلمين، حدد المطهرين تطهيراً الاهياً بقوله عزوجل في سورة الاحزاب «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» وحدد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى، حدد في مناسبات عديدة وبتكرار مقصود من هم المطهرون اي من هم اهل البيت المذكورون في آية التطهير المباركة، فأذا هم علي وفاطمة وابناهما الحسن والحسين (سلام الله عليهم) كما روى ذلك جمع كثير من الصحابة واصحاب الصحاح والمسانيد والسنن، مما وقفنا عليه في لقاءات سابقة. والان وبعد تحديد من هم المطهرون من اهل البيت النبوي، هل كان للمطهرين ذروة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ هل كان فيهم الرجل الذي يبلغ عن النبي من بعده ويكون الاخذ عنه ديناً كما كان رسول الله؟ ام ترى ان اهل الطهر الاوفياء المنتجبين الاهباً قد وجدوا من اجل ان يتبرك بهم الناس؟ فيحمل احدهم الحسن ويقبل الاخر الحسين ويبتسم الجميع في وجه فاطمة وعلي (عليهم السلام)؟ اذا كانت الاجابة ان اهل الطهر الالهي هؤلاء هم لمجرد البركة ولا يوجد ما يسمى الوصاية والخلافة ولم يكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتعيين من يبلغ من بعده فهل من المعقول ان يجعل النبي اصحابه دون استثناء قدوة للبشر وقيمين على حركة الرسالة الالهية من بعده؟ وفي اصحابه منافقون وتيار الذين في قلوبهم مرض؟ كيف وقد اظهرت حركة التاريخ ان الصحابة اختلفوا في الرواية والقيادة والسيرة والاخلاق وفي طريق الهداية وفي كل شيء، وسبب هذا الاختلاف ان المحتاج الى التعليم والارشاد قد غدا قريناً للقرآن الذي لا يستغني عن المفسر الواقعي العالم الحقيقي به، ولكان القرآن لا يحتاج الى تأويل يجمع الناس على تأويله ولم تسترق الامة، واذا كانت الخلافة ليست اصلاً ولم يأمر الرسول بها فلماذا قامت من بعده؟ ولماذا اوصى الذين جاءوا من بعده وحتى يومنا هذا بمن يخلفهم؟ هل كان معاوية بن ابي سفيان احرص على الرسالة الالهية حيث جعلها لابنه من بعده وسار بها بعد ذلك لتستقر في اماء‌ الكسروية والقيصرية؟ لماذا حرصوا على الخلافة ولم يتركوا الامر اقتداءاً بسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ اذا اعتبرنا انه ترك امته كهباءاً ضائعاً في ارض خلاء. دعنا الان نقرأ شيئاً عن الولاية الالهية، لقد اقام الله تعالى حجته على الخلق في عالم الغيب في ميثاق الثغرة المغروس داخل الكيان الانساني لانه جل وعلا رب كل شيء، واقام حجته في عالم الاحساس الانساني بأن زود الانسان بما يهديه الى طريق التقوى ويبتعد به عن طريق الفجور وزوده في عالم المشاهدة المنظور بما يقربه اليه حيث الوجود كله من حوله يهتف لا اله الا الله. وفي نهاية جعله مختاراً له ان يختار اي طريق يسلك وعلى سلوكه يترتب الثواب والعقاب يوم القيامة والفائز هناك هو من احترم مضنونه الفطري وما زوده الله به واتبع الهدى الذي جاء به الانبياء والرسل (عليهم السلام)، وهذا الهدى الذي جاء به الانبياء يرشده ويسوقه الى الصراط المستقيم الذي يتسنى للشيطان في كل عصر ومكان في وضع العراقيل عليه، والهدى يتعامل مع كل حالة وفقاً للزمان والمكان ولهذا تتابع الرسل (عليهم السلام) في كل زمان ومكان من اجل ان يسدوا منافذ الشيطان الذي امهله الله حتى يوم الوقت المعلوم، ومن اجل هذا تحتم على من اراد الفوز بالنجاة والثواب والرضوان ان يقف تحت ولاية الله ورسوله لانها الولاية الوحيدة التي في ظاهرها وباطنها الرحمة وتقود من استظل بها الى ساحة القرب يوم القيامة. اجل ان القرآن الكريم اخبر بولاية الله وان الامر كله لله، في اكثر من موضع منه قوله تبارك وتعالى «أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»، «وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ، فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ». قال المفسرون انه تعالى ولي تنحصر فيه الولاية فمن الواجب على من يتخذه ولياً ان لا يتعداه الى غيره اذ لا ولي غيره. وقوله: «هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ» حجة على وجود اتخاذه تعالى وحده ولياً لان الغرض من اتخاذ الولي والتدين له هو التخلص من عذاب السعير والفوز بالجنة يوم القيامة. ولما كان ذلك كذلك فأن المثيب والمعاقب يوم القيامة هو الله وحده فهو وحده الذي يحيي الموتى فيجمعهم ويجازي بأعمالهم وعلى هذا فهو الذي يجب ان يتخذ ولياً وان لا يلتفت الناس الى اولياء من دونه لانه اموات غير احياء ولا يشعرون ايان يبعثون، والله تعالى هو المالك لكل شيء لا مالك سواه فكل شيء قائم به له سبحانه الحكم والقضاء بالحق، وبعد ان اقام الله تعالى الحجج في الاية امر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ان يقول لهم ذلكم الله ربي عليه توكلت واليه اينب، اعلان لهم بأن الله عزوجل هو الولي الذي ارجع في جميع اموري اليه تكويناً وتشريعاً، ان الله هو الولي مالكم من دونه من ولي ولا شفيع افلا تتذكرون اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ومن يدلل فلن تجد له ولياً انه سبحانه مصدر جميع السلطات واليه تنتهي جميع القرارات وهو مصدر الخلق وواهب الحياة. وشرع الله سبحانه ولاية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعل ولاية الرسول على المؤمنين شرطاً في الايمان بالله، قال تعالى «قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» والاية الكريمة ذكرت حب الله دون ولايته لانه الاساس الذي تبنى عليه الولاية وانما ذكر حب الله تعالى فحسب لان ولاية النبي والمؤمنين تؤول في الحقيقة الى ولاية الله، والاية الكريمة من سورة المائدة «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ»‌ انزلت في الامام علي (عليه السلام). ولما كان الذين آمنوا لهم الولاية بالتبع لرسول الله وبأذن الله فأن للذين آمنوا الذين يحملون الولاية شروطاً اهمها ان يكون فيه النص ان الرجس لا يعرف له طريقاً وان الطهارة لهو رداء من الله كما نصت آية التطهير. *******