اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | أدب الإمام الجواد (ع) http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb الحديث الفني - 4 2006-07-19 00:00:00 2006-07-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1440 http://arabic.irib.ir/programs/item/1440 قلنا، ان (الحديث الفني) يظل هو النتاج الأكثر مساحة في أدب المعصومين (عليهم السلام) مادامت التوصيات العامة المرتبطة بمبادىء الشريعة الاسلامية: يتم توصيلها الى الآخرين من خلال (الحديث)، بصورة ايسر من غيرها من اشكال التعبير، طالما يتسم الحديث بكونه قصيراً، لا يتجاوز جملة من الكلمات... واليك نموذجاً من احاديث الامام الجواد (عليه السلام): «من شهد امراً فكرهه كان كمن غاب عنه، ومن غاب عن امر فرضيه كان كمن شهده»(3). «توسد الصبر، واعتنق الفقر، وارفض الشهوات، وخالف الهوى، واعلم انك لن تخلو من عين الله فانظر كيف تكون»(4). «من اصغى الى ناطق فقد عبده، فان كان الناطق عن الله فقد عبد الله، وان كان الناطق ينطق عن لسان ابليس فقد عبد ابليس»(5). «من أطاع هواه: اعطى‌ عدوه مناه»(6). «من لم يعرف الموارد اعيته المصادر»(7). «راكب الشهوات لا تستقال له عثرة»(8). «اياك ومصاحبة الشرير، فانه كالسيف المسلول: يحسن منظره، ويقبح اثره». هذه النماذج تتضمن (أشكالاً فنية) متنوعة، بعضها ينطوي على عنصر ايقاعي مثل (منظره، اثره) ومثل (هواه، مناه)... وبعضها ينطوي على قيم لفظية تعتمد التقابل مثل (شهد، غاب) ومثل (الموارد، المصادر)... وبعضها ينطوي على عنصر صوري... وهذا العنصر قد يكون تشبيهاً مثل (كمن غاب عنه) (كمن شهده) (كالسيف المسلول)... وقد يكون استعارة مثل (توسد الصبر) (راكب الشهوات)... وقد يكون استدلالاً مثل (من لم يعرف الموارد....)... الخ. طبيعياً، عندما تتنوع الاشكال الفنية: ايقاعياً وصورياً ولفظياً،... ثم عندما تتنوع مستويات كل شكل فني مثل الصور: تشبيهاً، واستعارة، واستدلالاً... ثم عندما تدخل هذه المستويات في تفصيلات وتفريعات صورية (مثل: النموذج الاخير الذي يتضمن تشبيهاً وتفريعاً على التشبيه المذكور، ومثل غالبية النماذج الاستعارية الأخرى)، حينئذ نستكشف اهمية الطابع الفني الذي توفر عليه الامام الجواد (عليه السلام)... والملاحظ ان الطابع الذي قلنا ان الامام (عليه السلام) قد عنى به وهو تحويل الصورة الفنية الى تعبير علمي، يظل ملحوظاً في أكثر من نموذج،... ففي قوله (عليه السلام): «من شهد أمراً فكرهه: كان كمن غاب عنه، ومن غاب عن امر فرضيه: كان كمن شهده» يظل متوكئاً على عنصر التشبيه ولكنه (تشبيه علمي)، لان الغياب والحضور عملية واقعية تحدث او يمكن ان تحدث فعلاً، وليس انها تقوم على ايجاد علاقات بين اشياء لا علاقة بينها في عالم الواقع: كإحداث العلاقة بين الشمس والوجه مثلاً... ولكن عندما يستدعي السياق احداث علاقة من هذا النوع، يتجه (عليه السلام) الى (التشبيه الفني) مثل النموذج الاخير حيث (شبه) الشرير بالسيف المسلول الذي يحسن منظره ويقبح اثره، فالعلاقة بين السيف والشخص (مستحدثة) لا واقع لها في الخارج بعكس الصورة التشبيهية السابقة، بيد ان السياق فرض مثل هذه الصورة الفنية‌ مادام (الشرير) يشبه بالفعل السيف من حيث منظره، لأن الصداقة تحمي الانسان كحماية السيف، ولكن الشرير بصفته عنصراً لا تترتب عليه الحماية المطلوبة، حينئذ اشبه السيف المسلول الذي يقبح اثره:‌وهو الأذى. وإذا تركنا هذا الجانب واتجهنا الى (التفريع الصوري) وجدنا أن (الفن) تبرز فاعليته في أمثلة هذا التفريع، ومنه ظاهرة (السيف) نفسه، فهو (عليه السلام) فرع على السيف جانبين: الاشهار والأثر، وقرن بينهما وبين مصاحبة الشرير وتفريعه الى جانبين ايضاً: الحماية والأذى... ويتضخم جانب الفن عندما يعتمد (التفريع) عناصر فنية اخرى مثل (التقابل)، فقد (قابل) (عليه السلام) في النموذج الاول بين (من شهد امراً) وبين (من غاب من أمر) وقابل بين (من كرهه) وبين من لم يكرهه، و(قابل) في نموذج آخر بين (أصغى الى الله تعالى) وبين (من أصغى الى ابليس)، وقارن بين عبادة كل منهما وبين الاستماع الى كل منهما... الخ... وحتى في النماذج التي لم يدخل فيها التفريع او التفصيل، نجد ان عنصراً فنياً آخر هو (التركيز) يطبع هذه النماذج... ان الصورة الاستدلالية القائلة (من لم يعرف الموارد أعيته المصادر) تظل منتسبة الى عنصر (الصورة الاستدلالية) وهي فقرة قصيرة لا تفريع ولا تفصيل فيها، الا انها غنية وثرية بالدلالات الايحائية المتنوعة، حيث ان (الموارد) يمكن ان تنطبق على اية تجربة من تجارب الانسان: فردية او جماعية، عادية‌ او خطيرة، ذهنية او حسية،... الخ، كذلك، فان (المصادر) المترتبة عليها تتسم بنفس الطابع الايحائي الذي يسمح لكل متذوق فني ان يستخلص منه دلالة تتناسب مع حجم خبرته الشخصية، وهو امر يكشف عن اهمية (الفن) الذي تظل ابرز سماته: انه يلحظ تجربة الحياة، ويسمح للمتذوق بان يكتشف بنفسه كثيراً من الحقائق، طالما نعرف بأن مساهمة القارىء في كشف الحقائق، تظل واحدة من ابرز سمات الفن العظيم، كما هوا واضح. ******* (3) تحف العقول: ص 479. (4) نفس المصدر: ص 478. (5) نفس المصدر:‌ص 479. (6) المجالس السنية: ص 623. (7) نفس المصدر: ص 623،624. (8) نفس المصدر: ص 623. ******* الخاطرة العلمية - 3 2006-07-19 00:00:00 2006-07-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1439 http://arabic.irib.ir/programs/item/1439 الخاطرة - كما كررنا - هي: صياغة افكار سريعة يفرضها موقف عابر او مفرد، الا انها تتم من خلال لغة موشحة بالفن... والخاطرة قد تكون فنية صرفة ما لو تناول المعصوم (عليه السلام) ظاهرة عبادية (مثل ما لحظناه عند الامام الرضا (عليه السلام) - والد الامام الجواد- في خاطراته عن مفهوم (الامامة) حيث كثفها بلغة الفن)... وقد تكون (علمية) الا انها توشح بشيء من لغة الفن،... وهذا ما يمكن ملاحظته في النموذج الآتي للامام الجواد (عليه السلام) يتصل بمفهوم التوحيد او صفات الله تعالى: «اوهام القلوب ادق من ابصار العيون. انت قد تدرك بوهمك البلدان التي لم تدخلها ولم تدرك ببصرك ذلك، فأوهام القلوب لا تدركه، فكيف تدركه الأبصار؟». ان هذا النموذج المركز من الخواطر يكشف عن اهمية (لغة الفن) التي تتناول ظاهرة‌ (علمية) مثل: عدم امكانية ان تدرك الأبصار حقيقة الله تعالى... فالملاحظ ان الامام الجواد (عليه السلام) يتميز بكونه يستخدم (لغة الفن) مماثلة لـ(لغة العلم)، فكما انه استخدم عنصر (الفرضية) بصورتها (الواقعية) دون ان يرتكن الى احداث علاقات بين الاشياء، كذلك ارتكن في هذه الخاطرة ‌الى عنصر الصورة الواقعية او المباشرة التي تتميز عن الصورة التركيبية،... لقد اعتمد عنصر (التشبيه) في هذه الخاطرة.... والتشبيه - كما نعرف- هو احداث علاقة بين شيئين لا علاقة بينهما في عالم الواقع، الا انه (عليه السلام) استخدم هنا (تشبيهاً) مباشراً او لنقل: تشبيهاً علمياً، من نحو (أوهام القلوب ادق من ابصار العيون) فعبارة (أدق) هي واحدة من ادوات التشبيه الذي نطلق عليه اسم (التشبيه المتفاوت) مثل قوله تعالى: {كالحجارة او اشد قسوة} ومثل {كالانعام بل اضل سبيلاً} الخ... وهذا يعني انه (عليه السلام) قد استخدم عنصر (التشبيه) الا ان استخدامه كان (علمياً) وليس تركيباً صورياً يحدث علاقة بين أشياء لا علاقة واقعية بينها. طبيعياً، ان لكل (تشبيه) تركيبياً كان، او علمياً مسوغه الفني، حيث ان الامام الجواد - كما سنرى عند ملاحظتنا لأحاديثه الفنية- استخدم كلاً من التعبيرين: الصورة التركيبية والصورة‌ العلمية (وهذا ما يطبع سائر النصوص الشرعية في الكتاب والسنة، كما هو واضح). كل ما في الامر ان السياق هو الذي يفرض هذا اللون او ذاك... ومادام الامر يتصل بصفات الله تعالى، حينئذ فان التشبيه العلمي يظل هو المسوغ لصياغته بهذا النحو الذي لحظناه عند الامام (عليه السلام)... والأمر نفسه بالنسبة للصور الأخرى، مثل قوله (عليه السلام): «قد تدرك بوهمك... البلدان التي لم تدخلها ولم تدرك ببصرك ذلك» هذه الصورة لها اهمية علمية ضخمة‌ حيث يمكن ان ننسبها الى ما نسميه «بالصورة الاستدلالية» التي لحظنا نماذج متنوعة‌ منها في الادب الشرعي والعام حيث تعد من اغنى الصور الفنية التي يحفل بها ادب الشعر والنثر بعامة... والمهم هنا، هو ان هذه الصورة‌ الاستدلالية تحفل بخصائص فنية تقوم على (المقارنة) بين ظاهرتين واحداث علاقة بينهما (وهو شأن كل الصور الفنية من تشبيه واستعارة ورمز الخ)... الظاهرة الاولى هي: عدم ادراك الاوهام لصفات الله تعالى،... والظاهرة الاخرى تقدم نموذجاً من ادراك القلوب لبعض المحسات: مثل المدينة التي لم يشاهدها الشخص ولكنه يدركها بقلبه،... واما العلاقة ‌المستحدثة بين الظاهرتين فهي علاقة مركبة وليست علاقة مفردة واحدة،... فأولاً هناك علاقة بين ادراك قلبي للشيء: عدم ادراك القلب لصفات الله، ادراك القلب للمدينة.... وهناك ثانياً: اقامة فارق بين ادراك القلب وادراك البصر، حيث ان اوهام القلوب - كما قال الامام (عليه السلام)- (أدق) من ابصار العيون... وهناك ثالثاً: نتيجة مستخلصة من تينك العلاقتين او المقدمتين هي: «فاوهام القلوب لا تدركه، فكيف تدركه الأبصار؟!». اذن: نحن امام صورة (فنية) مدهشة تقوم على عنصر صوري هو الاستدلال او حسب المفهوم البلاغي تقوم على صورة‌ التشبيه - ونحن نفضل مصطلح الصورة الاستدلالية على التشبيه، لأسباب اوضحناها في كتابنا البلاغة الاسلامية -... المهم، انا امام صورة فنية تجمع بين لغة العلم ولغة الفن بنحو مدهش بحيث جسدت صورة استمرارية، متداخلة، تشابكت خلالها ثلاثة مستويات من التركيب الذي يصوغ علاقات متنوعة بين الظواهر بالنحو المدهش الذي لحظناه، وهو امر قد توفر عليه الامام الجواد (عليه السلام) فيما يمكن القول بأنه (عليه السلام) قد تميز بغلبة الطابع العلمي في نتاجه، بحيث يحول الصورة او اللغة الفنية الى تعبير علمي، تماماً كما لحظنا ان كل معصوم (عليه السلام) يتميز بطابع محدد من التعبير الفني الذي يختص به... والآن: اذا كان هذا الطابع الذي لحظناه عند الامام الجواد (عليه السلام) قد حول الصورة واللغة الفنية الى تعبير علمي،... حينئذ فان الطابع العام الذي يسم نتاج المعصومين (عليهم السلام) - ونعني به لغة العلم الموشحة بلغة الفن- يظل منسجماً بدوره على نتاج الامام الجواد (عليه السلام) في شكل تعبيري آخر هو: ******* المكاتبة أو الرسالة - 2 2006-07-19 00:00:00 2006-07-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1438 http://arabic.irib.ir/programs/item/1438 هناك اكثر من رسالة او مكاتبة تفرضها سياقات متنوعة، توفر الامام (عليه السلام) عليها،... منها مثلاً: كتابته الى احد الاشخاص الذي حمل له متاعاً، ففقد، حيث علق على ذلك قائلاً: «ان انفسنا واموالنا من مواهب الله الهنيئة وعواريه المستودعة، يمتع بما متع منها في سرور وغبطة ويأخذ ما اخذ منها في اجر وحسبة، فمن غلب جزعه على صبره حبط أجره» (1). ان هذه الرسالة القصيرة تتضمن بعداً (فنياً وفكرياً) لابد من ملاحظته، فهي اولاً تقتبس من احاديث النبي (صلى الله عليه وآله) اكثر من عبارة او مفهوم (مثل «المواهب» و«العواري» التي سبق ان استشهدنا بها عند حديثنا عن ادب النبي (صلى الله عليه وآله)) وهذا الاقتباس امر لحظناه عند المعصومين حيث يستشهدون اللاحق بالمعصوم السابق تأكيداً للحقيقة الذاهبة الى ان المعصومين جميعاً يصدرون عن نبع الهامي واحد لا يقترن - كما هو شأن البشر العاديين- بذاتية تتميز عن اخرى... ثانياً، نجد ان (لغة الفن) تطبع هذه الرسالة المركزة من خلال (عنصر الصورة «الاستعارة التضمينية» لكلام النبي (صلى الله عليه وآله)) ونعني بها صورة «المواهب» وصورة «العواري»، فبالرغم من ان النبي (صلى الله عليه وآله) صاغ هذه الصورة‌ في فقد بشر عزيز، الا ان الامام (عليه السلام) صاغها في فقد (المتاع)، طالما يظل الحديث مرتبطاً بفقد ما له أهمية (الانفس والأموال) وهو امر يكشف عن الاقتباس جاء (فنياً) يأخذ (السياق) بنظر الاعتبار (المتاع) وليس (المناسبة السابقة - النفس)... كما انه تضمن الحقيقة الفكرية التي صيغت الاستعارة‌ من اجلها وهو قوله (عليه السلام): «يمتع بما متع منها في سرور وغبطة، ويأخذ ما اخذ منها في اجر وحسبة»، حيث ان جمال الاستعارة‌ واهميتها تكمن في ارتكانها الى‌ هذه الحقيقة التي ذكرها (عليه السلام) من ان الشخصية ينبغي ان تستجيب (للمواهب والعواري) بالانفعال (المسر): بصفتها من معطيات الله تعالى، وان يستجيب لفقدانها بالانفعال (الصابر، المحتسب) بصفتها من المعطيات التي سلبها تعالى... اذن: تظل الحقيقة الفكرية هي المستهدفة اساساً في اي نص شرعي، حيث يوظف (الفن) من اجل توضيحها فحسب،... ولعل الرسالة الآتية التي كتبها (عليه السلام) لأحد الأشخاص (تقديراً لشخصيته المخلصة) تكشف عن نمط آخر من الحقائق الفكريه التي يستهدفها الامام (عليه السلام)، حيث انه (عليه السلام) لم يوشحها بالعبارات (التقليدية: من حيث الفن) بل كتبها: واضحة، مألوفة، واقعية، بحيث (ناسب) بين الواقع وبين العبارة فجاءت العبارة (مسترسلة) كاسترسال الواقع الذي استهدفه الامام (عليه السلام): قال (عليه السلام) في هذه الرسالة الموجهة الى احدهم (واسمه: علي): «يا علي: أحسن الله لك جزاك، واسكنك جنته ومنعك من الخزي في الدنيا والآخرة، وحشرك الله معنا، يا علي قد بلوتك وخبرتك في النصيحة والطاعة والخدمة والتوفير والقيام بما يجب عليك، فلو قلت: اني لم ار مثلك لرجوت أن أكون صادقاً. فجزاك الله جنات الفردوس نزلاً، فما خفي علي مقامك ولا خدمتك في الحر والبرد في الليل والنهار، فأسأل الله اذا جمع الخلائق للقيامة ان يحبوك برحمة تغتبط بها، انه سميع الدعاء» (2). فالملاحظ، ان سمة (الاسترسال) تطغى على هذه الرسالة بحيث تكشف عن (فن خفي) يتحسسه القارىء دون ان يجد نفسه بحاجة الى ان يلتمس (صورة) أو (ايقاعاً) مكثفين، بل ان (الصورة المباشرة) هي التي تحتل مهمة الصورة التشبيهية او الاستعارية او سواهما، فقوله (عليه السلام) مثلاً «فلو قلت: اني لم ار مثلك لرجوت أن اكون صادقاً»... ان هذه الفقرة هي (فن) بكل ما تعنيه دلالة الفن،... فمن المعروف ان هناك صورة نطلق عليها اسم (الصورة الفرضية) وهذا مثل قوله تعالى: «لو انزلنا هذا القرآن على جبل: لرأيته خاشعاً...» . حيث انها تعني: (فلو قدر) أو (لو فرض) نزول القران الكريم على الجبل: (لتصدع)... ومثل هذه الصورة‌ تظل (غير مباشرة) اي انها مثل التشبيه والاستعارة ‌والرمز تتناول الحقائق من خلال احداث علاقة بين شيئين لم تكن بينهما علاقة (في عالم الواقع) حيث لم ينزل القرآن (في عالم الواقع: على الجبل) بل هو افتراض وتقدير... وفي ضوء هذه الحقيقة اذا اتجهنا الى عبارة الامام الجواد (عليه السلام): «فلو قلت: اني لم ار مثلك، لرجوت ان اكون صادقاً» نجد اننا امام (صورة فرضية) ايضاً، ولكنها (صورة مباشرة) أي: صورة (واقعية بالفعل) لا انها يمكن ان تكون واقعية في حالة مفترضة (مثل نزول القرآن على جبل) او مثل ما قاله الامام علي (عليه السلام) في احدى صوره الفنية (لو احبني جبل: لتهافت) أي: لو قدر ان يحبه الجبل: لتصدع، لأن الصورتين المذكورتين قد (افترضتا) حالة لم تحدث بالفعل (وهذا ما يميز الصورة الفرضية غير المباشرة: حيث تجسد احد اشكال التعبير الفني)، اما الصورة الفرضية التي صاغها الامام الجواد (عليه السلام)، فتنتسب الى (شكل فني) آخر هو: التجسيد لحالة (تقع) بالفعل متمثلة في قوله (لرجوت: أن اكون صادقاً)... فهو (يرجو) ان يكون صادقاً في فرضيته القائلة بانه لم ير احداً مثل هذا الشخص في اخلاصه،.. والأهمية الفنية لمثل هذه الصورة تكمن في (دقة) التعبير الذي يتحفظ من القاء الكلام غير الواقعي او المبالغ فيه، وهو ما يميز كلام المعصوم (عليه السلام) عن سواه من البشر العاديين ممن يصوغون الصورة: موشحة بالمبالغة او عدم التحفظ،‌ كما هو واضح... اذن: حتى صياغة (الصورة)‌ تتم - في نتاج المعصومين (عليهم السلام)- من خلال الحرص على (واقعيتها) حرفياً بحيث يظل (الهدف الفكري) هو الأساس في لغة الفن... ويمكننا ملاحظة ذلك ايضاً، في شكل تعبير آخر هو: ******* (1) البحار: ج 50، ص 103. (2) نفس المصدر: ص 105. ******* ادب الامام الجواد (عليه السلام) - 1 2006-07-19 00:00:00 2006-07-19 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1437 http://arabic.irib.ir/programs/item/1437 من الواضح ان الامام الجواد (عليه السلام) من حيث العمر يعد أصغر الائمة سناً، حيث استشهد بالسم وله (25) سنة... الا انه بالرغم من ذلك اظهر دلائل امامته -بالنسبة للرأي العام - من خلال مناظراته العلمية التي اذهلت كبار العلماء عصرئذ،.. وكان المأمون بخاصة يتولى ادارة هذه المناظرات، ومنها مناظراته المشهورة مع قاضي القضاة يحيى بن اكثم، عندما قرر المأمون ان يزوجه ابنته (ام الفضل) حيث انكر مستشاروه ذلك، لسببين اولهما: صغر سنه، والآخر: خوفهم من أن يتملك الادارة الدنيوية، بخاصة ان والده الرضا (عليه السلام) سبق أن اثار مخاوفهم في هذا الميدان من خلال ولاية العهد التي رفضها (عليه السلام) وانتهت باستشهاده نتيجة للمخاوف المذكورة،... بيد انه لأسباب خاصة اصر المأمون على تزويج ابنته، وعقد مجلساً عاماً للمناظرة بغية اقناعهم بقدرته العلمية... لقد سأله القاضي عن (محرم قتل صيداً) فأجابه (عليه السلام) مستفهماً: «قتله في حل ام حرم، عالماً كان المحرم ام جاهلاً، قتله عمداً او خطأ، حراً كان المحرم او عبداً، صغيراً كان او كبيراً، مبتدئاً بالقتل او معيداً، من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها، من صغار الصيد ام من كبارها، مصراً‌ على ما فعل أو نادماً، في الليل كان قتله للصيد ام في النهار، محرماً‌ كان بالعمرة اذ قتله او بالحج كان محرماً؟» ومن الطبيعي ان يبهت القاضي من هذه الأسئلة، وان يعجز عن الاجابة، لصعوبة هذه التفصيلات... بعد ذلك طلب المأمون من الامام (عليه السلام) ان يجيب على هذه التفصيلات، فأجاب على ذلك مفصلاً... كما أن القاضي المذكور أجرى - في جلسة أخرى- مناظرة سياسية مع الامام الجواد (عليه السلام) تتصل بقضايا الخلفاء، والأحاديث المرتبطة بذلك، حيث استدعى الموقف مقدرة‌ علمية لدحض الاساس الفكري لهذه الأحاديث،... فضلاً عن مواقف أخرى، ومنها: ما ينقله المؤرخون من ان هناك آلاف المسائل العلمية التي وجهت الى الامام (عليه السلام)، واجاب عنها بالنحو الذي يفصح عن الاعجاز العلمي لدى الامام (عليه السلام)... والمهم، أن الامام (عليه السلام) يظل - كما هو «ادب المعصومين (عليهم السلام)»- متوفراً على متطلبات المناخ الاجتماعي الذي يستدعي حيناً الاقتصار على طرح المشكلات العلمية، او المشكلات الثقافية بعامة، او السياسية، او الفقهية او الاخلاقية،... ويظل التوفر على (الفن) ثانوياً: تفرضه – ايضاً- متطلبات خاصة... فاذا كان الامام علي (عليه السلام) اتيح له ان يضطلع بشؤون العلم والفن على نحو متوازن،.... فان الامام السجاد (عليه السلام) اتيح له ان يتوفر على (الفن) من خلال (الادعية)،... بينا أتيح للامامين الباقر والصادق عليهما السلام ان يتوفرا على (العلم) وان يجيء‌(الفن) عندهما في سياقات خاصة،... وهكذا. لذلك فان الامام الجواد (عليه السلام) - عبر الظروف الاجتماعية التي كان يحياها- أتيح له ان يتوفر على نمط خاص من الحركة العلمية المتمثلة في (المناظرات) او (المقابلات) التي اشرنا اليها.... واما (الفن) فلا يتحرك من خلاله الا في سياقات تتطلب مثل هذا التحرك، وهو امر سبق ان اكدناه من ان المعصوم (عليه السلام) - النبي (صلى‌ الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام)- لا يعنى بالفن - مثل سائر الناس- من حيث كونه (فناً) بقدر ما يعنى به (وسيلة) فحسب، فاذا تطلب الموقف صياغة فنية (تعتمد الصورة والايقاع ونحوهما)، حينئذ يتوكأ على مثل هذه الصياغة التي لا تكلفه ادنى جهد مادامت المعرفة (بكل مستوياتها) تظل عند المعصوم امراً (يلهم) به كما هو واضح... واي كان الأمر، يحسن بنا ان نعرض لبعض النماذج المأثورة عن الامام الجواد (عليه السلام) فيما يتصل بالاحاديث والرسائل ونحوهما... *******