اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | أدب الإمام الصادق (ع) http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb الاحاديث - 6 2006-07-17 00:00:00 2006-07-17 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1430 http://arabic.irib.ir/programs/item/1430 الحديث الفنيقلنا ان الحديث الفني لدى المعصومين عليهم السلام أكبر الأشكال التعبيرية حجماً، كما يظل اشدها حشداً بلغة الفن، نظراً لقصر العبارة من جانب وتكثيفها بالدلالات المركزة من جانب آخر، وبما أن الامام الصادق (عليه السلام) أثر عنه رقم كبير من الأحاديث للأسباب التي اوضحناها في حينه، لذلك نجد (تنوعاً) ملحوظاً لدى الامام (عليه السلام) في هذا الميدان، فهناك اولاً: *******الحديث المصنفوهو الحديث الذي يتضمن توصيات وحقائق مختلفة، الا انها تصاغ وفق تصنيف ثنائي او ثلاثي او رباعي او خماسي او سداسي... الخ، وهذا من نحو قوله (عليه السلام): «ثلاثة فيهن البلاغة: التقرب من معنى البغية، والتبعد من حشو الكلام، والدلالة بالقليل على‌ الكثير»(9). «ثلاث خصال من رزقها كان كاملاً: العقل والجمال والفصاحة»(10). «ثلاث خصال يحتاج اليها صاحب الدنيا: الدعة من غير توان،‌والسعة مع قناعة، والشجاعة من غير كسلان»(11). «ثلاثة يستدل بها على اصابة الرأي: حسن اللقاء، وحسن الاستماع، وحسن الجواب»(12). «من لم يرغب بثلاث ابتلي بثلاث: من لم يرغب في السلامة أبتلي بالخذلان، ومن لم يرغب في المعروف أبتلي بالندامة، ومن لم يرغب في الاستكثار من الاخوان أبتلي بالخسران»(13). ان أمثلة هذا التصنيف تتميز بكونها (توصيات) أو (حقائق) مركزة تطبعها سمة الترقيم الثلاثي او الرباعي او غيره، كما انها توشح حيناً بقيم ايقاعية كما لحظنا، وحيناً اخر بقيم صورية وهي في الغالب تدرج ضمن: *******الحديث المألوفوهو ما يتضمن - كما أشرنا- عنصراً صورياً يكسب الدلالة التي يستهدفها جانباً من التعميق والتوضيح، فضلاً عن الجمالية التي تنطوي عليها تركيبة الصور كما هو واضح، وهذا من نحو قوله (عليه السلام): «لا يزال العز قلقاً حتى يأتي داراً ‌قد استشعر اهلها اليأس مما في أيدي الناس، فيوطنها»(14). «تدخل يدك في فم التنين، خير لك من طلب الحوائج الى من لم تكن له»(15). «ما من مؤمن ادخل على قوم سروراً، الا خلق الله من ذلك السرور ملكاً يعبد الله تعالى ويحمده ويمجده، فاذا صار المؤمن في لحده اتاه ذلك السرور الذي ادخله على اولئك فيقول: انا اليوم اونس وحشتك والقنك حجتك...» (16). «من لم يستح من العيب، ويرعو عند الشيب، ويخش الله بظهر الغيب فلا خير فيه» (17). أمثلة هذه الأحاديث تنتثر بوضوح في كلام الامام الصادق (عليه السلام)، حيث يلجأ (عليه السلام) حيناً الى (الايقاع) كالنموذج الأخير (العيب، الشيب، الغيب) وقد يلجأ فيها الى عنصر (المحاورة القصصية) مثل الحديث ما قبل الأخير، وقد يلجأ الى (الصورة الفنية) كالحديثين الأولين، فالحديث الأول - على سبيل المثال- قد اعتمد (الصورة الاستعارية)، الا انه (عليه السلام) قد أحكم صياغتها بنحو يمكن تسميته بـ (الاستعارة القصصية)، حيث ان (العز) - وهو أشد الحاجات والدوافع ذات الأصل النفسي الحاحاً لدى الانسان- لا يمكن تحققه الا من خلال اليأس عما في يد البشر، لأن الحاجة اليهم تقترن - ضرورة- بالذل الذي يتحسسه صاحب الحاجة، لذلك تجيء الاستعارة القصصية ذات مسوغ فني كبير لكي تبلور الحقيقة في الأذهان،... وهذا ما تجسد في تلك الصورة التي أكسبت (العز) سمة بشرية هي القلق، ثم استعارت له سمة‌ مكانية‌هي الدار وسكناها، ثم رتبت على سكن الدار كون اصحابها قد نفضوا ايديهم عما لدى الناس، ثم اكسبت (العز) سمة بشرية أخيرة هي التوطين في تلكم الدار... وحين نتأمل هذه الاستعارة القصصية بدقة، ندرك مدى فاعليتها في تحديد مفهوم العز، لأن (التوطن) هو (رمز) للاستقرار والثبات، كما ان (الدار) ذاتها هي المكان الوحيد الذي يعزل الانسان عن الآخرين، وحينئذ عندما يتم التوطن والعزلة، فهذا يعني انعدام الحاجة أساساً لأي مصدر خارجي (عن الدار وأهلها)، وهو قمة ما يمكن تجسيده في صورة‌ حسية واقعة بالنحو الذي لحظناه. ******* (9) نفس المصدر : ص 330. (10) نفس المصدر: ص 394. (11) نفس المصدر: ص 339. (12) نفس المصدر: ص 338. (13) نفس المصدر: ص 332. (14) المجالس السنية: ج2، ص 509. (15) نفس المصدر: ص 508. (16) نفس المصدر : ص 506. (17) نفس المصدر: ص 506. ******* الرسائل والمقالات والمقابلات والمناظرات - 5 2006-07-17 00:00:00 2006-07-17 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1429 http://arabic.irib.ir/programs/item/1429 ان طبيعة العصر الذي واجهه الامام (عليه السلام) ووفود الناس على مجالسه ومحاولة الافادة منه في كل مجالات المعرفة فرضت على الامام (عليه السلام) ألواناً من المقالات والمكاتبات والمقابلات. طبيعياً، لا نتوقع في امثلة هذه الاشكال ان يشحنها (عليه السلام) بمثل الشحن الفني الذي لحظناه في مقابلته الشخصية السابقة، فهو حين يوجه رسالة عامة مثلاً الى المومنين، حينئذ لا نتوقع منه الا أن يكتبها بنحو تعرفه عامة‌ الناس،... وهذا مثل ما جاء في رسالته: «اما بعد: فسلوا ربكم العافية، وعليكم بالدعاء والوقار، والسكينة والحياء، والتنزه عما تنزه عنه الصالحون منكم، وعليكم بمجاملة اهل الباطل، تحملوا الضيم منهم، واياكم ومماظتهم... الخ»:(6)... فهنا يقدم (عليه السلام) توصيات تتصل باحدى عمليات التفاعل الاجتماعي التكيف مع الآخرين: ومثل هذا التكيف يفرض لغة مباشرة خالية من الايقاع والصورة ونحوهما... والواقع ان السياق الواحد نفسه يفرض لغة تتميز عن الأخرى عندما يتطلب نفس السياق ذلك،... فمثلاً في احدى مقابلاته (عليه السلام) مع احد الاشخاص نجده يتحاور مع الشخص المذكور بلغة متفاوتة،... لقد سأل الرجل الامام (عليه السلام) هذا السؤال: كم محبوكم يا ابن رسول الله؟ فاجابه (عليه السلام) بأنهم طبقات فمنهم احبوهم في السر، ومنهم في العلانية، ومنهم في كليهما، وقال (عليه السلام) عن هذه الطبقة: «هم النمط الأعلى، شربوا من العذب الفرات وعلموا بأوائل الكتاب وفصل الخطاب وسبب الأسباب، فهم النمط الأعلى، الفقر والفاقة وانواع البلاء اسرع اليهم من ركض الخيل.. الخ»:(7) ففي هذا النص نجد قيماً ايقاعية ملحوظة من نحو (الكتاب، الخطاب، الأسباب) حيث اعتمد النص على العبارة المقفاة، ونجد كذلك قيماً صورية مثل (العذب الفرات) و(فصل الخطاب)، حيث ان الصورة الأولى هي (رمز) والصورة الثانية (تضمين) كما ان هناك صورة‌ ثالثة هي التشبيه (اسرع اليهم من ركض الخيل)... فالمحاورة هنا اعتمدت (لغة الفن) بكل مستوياته بما في ذلك انتقاء العبارة الفنية حتى لكان الامام (عليه السلام) نسج خاطرة فنية نثرها على المستمع.... انظر الى قوله (عليه السلام) (شربوا من العذب الفرات) مثلاً تجدها عبارة فنية صرفة سواء اكانت من حيث الصياغة اللغوية او الصياغة الصورية، فهي مشحونة بايحاءات متنوعة تفجر لدى المستمع اكثر من دلالة وتصور وخاطرة لان (العذب الفرات) قد يتداعى بذهنه الى (النهر) وقد يتداعى بذهنه الى‌ ما هو (عذب) مطلقاً،...ثم قد يستخلص منها دلالات الحب والنقاء والطهر والخير... الخ، وحتى العبارات غير المصورة ‌تمضي منتقاة منتخبة، مصوغة بلغة مشرقة تحفل بصنوف من القيم اللفظية الجميلة من نحو (بهم يشفي الله السقيم، ويغني العديم، وبهم تنصرون، وبهم تمطرون، وهم الأقلون عدداً الأعظمون عند الله قدراً وخطراً)... فهنا نلحظ الايقاع اولاً: (السقيم، العديم) (تنصرون، تمطرون)... حيث الجمل المقفاة والمتوازنة‌ ايضاً، كما نلحظ قيماً لفظية من نحو التقابل: (الأقلون، الأعظمون) ومن نحو التكرار: (بهم تنصرون، بهم تمطرون)... لكن، حيال هذه المحاورة التي حفلت بلغة الفن الصرف نجد محاورة أخرى مع نفس الشخص وفي نفس المقابلة، الا أن السؤال يتعلق بصفات الله تعالى حيث أجاب (عليه السلام): «من زعم انه يعرف الله بتوهم القلوب فهو مشرك، ومن زعم انه يعرف الله بالاسم دون المعنى فقد امر بالطعن لان الاسم محدث، ومن زعم انه يعبد الاسم فقد جعل لله شريكاً، ومن زعم انه يعبد المعنى بالصفة لا بالادراك فقد احال على غائب، ومن زعم انه يعبد الصفة والموصوف فقد ابطل التوحيد لأن الصفة غير الموصوف، ومن زعم انه يضيف الموصوف الى الصفة فقد صغر الكبير، وما قدروا الله حق قدره» (8)... فهذا النص يتم في جلسة واحدة مع شخص واحد، الا انه يختلف عن سابقه في (اللغة التعبيرية).. هنا يسيطر (المنطق) على اللغة،.. هناك يسيطر (الوجدان) ومن ثم متطلبات اللغة الوجدانية من ايقاع وصورة... لماذا؟ لأن السؤال هناك عن (محبة اهل البيت) والمحبة عنصر وجداني. اما السؤال هنا فهو عن (صفات الله تعالى او التوحيد) وهذا ما يتطلب منطقاً واستدلالاً كما هو واضح. اذن: السياق الواحد ذاته يفرض اكثر من لغة تبعاً لمتطلباته التي عرضنا لبعض نماذجها، سواء اكان ذلك خطاباً ام رسالة ام مقابلة ام مناظرة... ففيما يتصل بهذا الشكل الأخير وهو المناظرة سبق ان اوضحنا أن طبيعة العصر الذي نشطت فيه بحوث العقائد وسواها فرضت قيام مجالس علمية وادبية يتناظر ويتناقش فيها المعنيون بشؤون المعرفة والأدب، ولابد حينئذ ان تبرز المناقشة من خلال البراعة اللغوية والمنطقية في المقام الأول، وليس من خلال الاعتماد على عناصر ايقاعية وصورية‌ ولفظية، كما هو واضح... ولعل ابرز ما تتفاوت فيه اللغة بين التعبير الفني الصرف والتعبير المباشر او الموشح بالفن هو: ******* (6) نفس المصدر : ص 325،328. (7) نفس المصدر: ص 340. (8) نفس المصدر: ص 341. ******* العنصر الصوري - 4 2006-07-17 00:00:00 2006-07-17 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1428 http://arabic.irib.ir/programs/item/1428 اذا تركنا العنصر البنائي وقد حفل بعناصر فنية محكمة، واتجهنا الى عنصر آخر هو الصورة الفنية لوجدنا ان النص المتقدم يحفل بهذا العنصر بنحو ملحوظ ايضاً، فبالرغم من انه (عليه السلام)، يتحدث مباشرة مع شخص يستهدف لفت نظره الى سلبية اذاعة الحديث، نجده يوشح هذا الخطاب بعناصر من التشبيه والاستعارة والتمثيل والفرضية... الخ، فقد قدم تشبيهاً بالنسبة الى اذاعة الحديث هو (المذيع علينا سرنا، كالشاهر بسيفه علينا)... وبعد ان عرض قضايا اخرى‌ عاد الى تشبيه آخر هو (تشبيه التفاوت) فقال: «يا ابن النعمان، ان المذيع ليس كقاتلنا بسيفه بل هو اعظم وزراً...» وهذا التكرار لعنصر التشبيه في موقعين مختلفين له قيمته الفنية الكبيرة، حيث اخضع التشبيه لنمو او تطور عضوي، اذ انه في التشبيه الاول اكتفى بالقول بأن مذيع الحديث كشاهر السيف، اما في التشبيه الآخر، فقد عبر مرحلة اشهار السيف الى (القتل) ثم عبر مرحلة القتل الى مرحلة اعظم وزراً... اذن: كم يبدو هذا النمط من التشبيه (مدهشاً) من حيث خضوعه لعملية نمو وتطور فني يشبه نمو الكائن الحي وتطوره... ونتقدم مع النص فنجد تشبيهاً جديداً هو (اني لاعلم بشراركم من البيطار بالدواب)...، هذا التشبيه نطلق عليه تشبيه (التفاوت) حيث انه (عليه السلام) يشير الى انه اعلم باشرار الناس من علم البيطار بالدواب،... وهذا التشبيه في واقعه ضربة موجعة للناس حيث جعل القارىء يستوحي بأن الناس هم شر من الدواب في سلوكهم غير المقترن بالوعي العبادي... وهكذا نجد ان هذا التشبيه وما تقدمه من التشبيهين يجسد نمطاً من التركيب الصوري المدهش الذي يتجاوز التشبيهات التقليدية ليتجه الى صياغة صور ذات طرافة وجدة وعمق اثارة. ونتابع التشبيهات في هذا النص لنجد ان التجانس بينها: ياخذ بعداً من احكام الصياغة ‌الصورية، حيث قدم في نهاية الخطاب تشبيهاً جديداً ينتسب الى تشبيه (التفاوت) ايضاً: «يا ابن النعمان، ان الله جل وعز اذا أراد بعبد خيراً نكت في قلبه نكتةً بيضاء فجال القلب بطلب الحق، ثم هو الى امركم اسرع من الطير الى وكره...» ففي هذا التشبيه (أسرع) نلحظ نفس التشبيه الأسبق، اي تشبيه التفاوت (علم بشراركم) مما يكشف ذلك عن بعد جديد هو (التجانس) بين التشبيهات، فكما ان التشبيهات السابقة خضعت لنوع من التطور والنمو وهذا ما يضفي جمالية على عمارة النص، كذلك التشبيهات الاخيرة خضعت لنوع آخر من انواع البناء وهو التجانس بين اجزائه من خلال عنصر التشبيه، هذا الى ان النص يحفل بنمط ثالث من التشبيه وهو (التشبيه المألوف) حيث احتشد النص بعنصر التشبيه بنحو يلفت النظر، لنقرأ مثلاً: المقطع الأخير من النص: «يا ابن النعمان: ان حبنا أهل البيت ينزله الله من السماء من خزائن تحت العرش (كخزائن) الذهب والفضة، ولا ينزله الا بقدر، ولا يعطيه الا خير الخلق، وان له غمامة (كغمامة) القطر، فاذا اراد الله ان يخص به من احب من خلقه، اذن لتلك الغمامة فتهطلت (كما تهطلت السحاب) فتصيب الجنين في بطن امه»، ففي هذا المقطع ثلاثة تشبيهات (كخزائن) (كغمامة) (كما تهطلت)... وهذا العدد المتكثر من التشبيهات له أهميته اذا اخذنا بنظر الاعتبار ان الامام (عليه السلام) لا يلجأ الى (الترف الفني) حسب تعريفه (عليه السلام) للبلاغة،... لكن اذا كان السياق يفرض (اللغة الفنية) حينئذ نجد الامام (عليه السلام) يعنى بالفن (وبعنصر الصورة) عناية بالغة حتى ليحشد النص بهذه التشبيهات المتنوعة (تشبيه التفاوت) المألوف، المتجانس، المتنامي عضوياً، المتكرر... وهذا كله فيما يتصل بعنصر واحد من عناصر الصورة.... أما سائر الصور من استعارة وتمثيل ورمز... الخ، فنجد لها مكاناً من هذا النص أيضاً، فيما لا حاجة الى الحديث عنها. والأمر نفسه بالنسبة للعنصر «الايقاعي واللفظي» حيث احتشد النص بعناصر ايقاعية (العبارة المقفاة، التجنيس)، كما احتشد بقيم لفظية متنوعة، تكرار، محاورة، تقابل...الخ، مما يمكن ملاحظتها بوضوح في هذا النص وفي أشكال أخرى هي: ******* الخطبة الشخصية او المقابلة الخطابية - 3 2006-07-17 00:00:00 2006-07-17 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1427 http://arabic.irib.ir/programs/item/1427 الخطبة الشخصية هي: خطاب يوجهه الامام (عليه السلام) الى شخص محدد وليس الى جمهور، بحيث يذكر اسم الشخص المخاطب، ويلقي عليه خطاباً مقسماً الى مقاطع متنوعة تخضع لبناء فني دون ادنى شك،.. وهذا ما يسوغ لنا درجة ضمن (لغة الفن) التي نتناولها في هذه الدراسة... والخطبة الشخصية عند الامام الصادق (عليه السلام) تأخذ مستويين من البناء الفني، الأول هو: وحدة الموضوع، والآخر: تنوع الموضوع، الا ان كليهما يخضع لخطوط هندسية تشكل مقاطع او محطة توقف من خلال واصل فني بينهما هو اسم الشخص المخاطب... واليك النموذج الآتي حيث وجه الامام (عليه السلام) الخطاب الى احد اصحابه وهو ابو جعفر محمد بن النعمان، وهو خطاب تطبعه (وحدة الموضوع) مع توشيحه بشذرات فكرية تتجاوزه الى موضوعات اخرى، الا ان الامام (عليه السلام) يعود من جديد الى الموضوع الرئيس، على هذا النحو: يقول الراوي: قال لي الصادق (عليه السلام): «ان الله جل وعز عير اقواماً في القرآن بالاذاعة». فقلت له: جعلت فداك أين قال؟ قال: قوله تعالى: «واذا جاءهم امر من الأمن او الخوف اذاعوا به». ثم قال: «المذيع علينا سرنا كالشاهر بسيفه علينا... اني لأعلم بشراركم من البيطار بالدواب، شراركم الذين لا يقرأون القرآن الا هجراً، ولا يأتون الصلاة الا دبراً...». بعد ذلك:‌ بدأ الامام (عليه السلام) بتوجيه الخطاب على هذه الصيغة «يا ابن النعمان»، مكرراً بين حين وآخر هذا النداء، وفق مقاطع تحوم بنحو رئيس على قضايا تتصل بالحديث، وطريقة الكلام، والمعرفة، والعلم، والثقافة وكل ما يتصل بالظواهر العقلية: «يا ابن النعمان: اياك والمراء، فانه يحبط عملك، واياك والجدال فانه يوبقك... يا ابن النعمان: ان المذيع ليس كقاتلنا بسيفه بل هو اعظم وزراً... يا ابن النعمان: انه من روى علينا حديثاً فهو ممن قتلنا عمداً ولم يقتلنا خطأً... يا ابن النعمان: انا اهل بيت لا يزال الشيطان يدخل فينا من ليس منا ولا من اهل ديننا، فاذا رفعه ونظر اليه الناس امره الشيطان فيكذب علينا، وكلما ذهب واحد جاء آخر... يا ابن النعمان: من سئل عن علم فقال: لا أدري، فقد ناصف العلم... يا ابن النعمان: ان العالم لا يقدر ان يخبرك بكل علم، لانه سر الله تعالى الذي اسره الى جبرئيل (عليه السلام) واسره جبريل الى محمد (صلى الله عليه وآله)، وأسره محمد (صلى‌الله عليه وآله) الى علي (عليه السلام)، واسره علي (عليه السلام) الى الحسن (عليه السلام)، وأسره الحسن (عليه السلام) الى الحسين (عليه السلام)، وأسره الحسين (عليه السلام) الى علي (عليه السلام) وأسره علي (عليه السلام) الى محمد (عليه السلام)، وأسره محمد (عليه السلام) الى من أسره، فلا تعجلوا... يا ابا جعفر: ما لكم والناس، كفوا عن الناس، ولا تدعو أحداً الى هذا الأمر، فوالله لو ان اهل السموات والارض اجتمعوا على ان يضلوا عبداً يريد الله هداه ما استطاعوا ان يضلوه، كفوا عن الناس ولا يقل احدكم: اخي وعمي وجاري، فان الله جل وعز اذا اراد بعبد خيراً طيب روحه فلا يسمع معروفاً الا عرفه ولا منكراً الا انكره... يا ابن النعمان: ليست البلاغة بحدة اللسان ولا بكثرة الهذيان، ولكنها اصابة المعنى وقصد الحجة... يا ابن النعمان: لا تطلب العلم لثلاث: لترائي به، ولا لتباهي به، ولا لتماري. ولا تدعه لثلاث: رغبة في الجهل، وزهادة في العلم، واستحياء من الناس، والعلم المصون كالسراج المطبق عليه... يا ابن النعمان: ان الله جل وعز اذا اراد بعبد خيراً نكت في قلبه نكتة بيضاء فجال القلب بطلب الحق، ثم هو الى امركم اسرع من الطير الى وكره... يا ابن النعمان: ان حبنا أهل البيت ينزله الله من السماء من خزائن تحت العرش، كخزائن الذهب والفضة ولا ينزله الا بقدر ولا يعطيه الا خير الخلق، وان له غمامة كغمامة القطر، فاذا اراد الله ان يخص به من احب من خلقه اذن لتلك الغمامة فتهطلت كما تهطلت السحاب..»:(5). واضح من هذا النص الذي اقتطعناه من نص طويل: قد تضمن جملة من الخصائص الفنية، منها: *******البناء ‌الهندسيحيث قام بناؤه على موضوع محدد هو: رواية الحديث، وطريقة المناقشة، وثقافة الشخص، والعلم، والبلاغة.. الخ، ومجرد كون النص قد ركز على موضوع محدد، انما يكشف عن اهمية النص فنياً من حيث احكامه وعمارته، اذ ان الفارق بين النص الفني وسواه، ان النص الفني يخضع لبناء فكري متلاحم الأجزاء، كل جزء (يتسبب) عن سابقه ويؤثر على لاحقه، او كل جزء (يتنامى) عن سابقه ويتطور مثل نمو وتطور الكائنات الحية، او كل جزء (يتجانس) مع سابقه ولاحقه، او كل هذه المستويات والانواع تتلاحم وتتوافق فيما بينها، بالنحو الذي يطبع هذا النص للامام الصادق (عليه السلام)، حيث انه (عليه السلام) انطلق من مفهوم (اذاعة الحديث)، وهو المحور الفكري الذي حامت عليه اجزاء الخطاب، الا انه (عليه السلام) ادرج ضمن هذا المحور الفكري خطوطاً أخرى تتفرع منه او تترتب عليه او تتجانس واياه، أو ترتبط من بعيد او قريب بصلة فكرية بالموضوع، فمثلاً عندما عرض لمفهوم البلاغة من انها (اصابة المعنى وقصد الحجة) وليست (حدة اللسان وكثرة الهذيان) انما جانس بذلك الموضوع الرئيس اذاعة‌ الحديث، فالمذيع للحديث قد تدفعه الى ‌ذلك نزعات وحوافز ذاتية مثل (حدة اللسان) يستجلب بها تقدير الآخرين لشخصه، ومثل (حب الكلام بعامة) حتى لو كان ثرثرة( كثرة الهذيان)،.. وحينئذ تظل اشارته (عليه السلام) الى ان البلاغة‌ ليست حدة اللسان وكثرة الهذيان، مرتبطة - عضوياً- بالموضوع الرئيس (اذاعة الحديث)... كذلك عندما يطرح الامام (عليه السلام) مفهوماً مثل: (يا ابن النعمان: لا تطلب العلم لثلاث: لترائي به، ولا لتباهي به، ولا لتماري...)... انما يربطه ايضاً بالموضوع الرئيس (اذاعة الحديث) فالمذيع للحديث- دون ان تكون له مسوغات- انما يصدر عن نفس مريضة تحوم على الذات: مثل الرياء حتى يكسب سمعة اجتماعية من خلال العلم، او ليعوض النقص لديه بإثارة الجدال،.. الخ. إذن: بهذا المنحى الفني من الطرح يكون الامام (عليه السلام) قد طرح موضوعاً رئيساً يستهدفه هو (عدم اذاعة الحديث لغير مناسبة)، ولكنه (عليه السلام) في نفس الوقت طرح مفهومات متنوعة مثل ضرورة تعلم العلم من أجل الله تعالى وليس من اجل الرياء والمباهاة ‌او الجدال، ومثل تحديده للبلاغة بأنها اصابة المعنى وقصد الحجة،... الخ، حيث ربط هذه الموضوعات بالموضوع الرئيس، وهذا هو واحد من اسرار الفن المدهش، حيث نكرر دائماً - وهذا ما انتبه عليه كبار الفنانين المعاصرين- بان طبيعة التجارب التي يحياها الانسان تفرض عليه صياغتها وفق مبنى هندسي لا يقف عند تناول جزئية صغيرة من التجارب بل جزئيات متنوعة، على ان يصل بينها بوصل فني، وهذا ما لحظناه بوضوح في النص المتقدم،... بل ان الاعمال الفنية الضخمة التي تستهدف دلالة محددة مثلاً ولكنها تستهدف دلالات ثانوية او دلالات اخرى اكثر اهمية من الموضوع (الرئيس) انما تسلك منحى فنياً خاصاً لادراج هذه الدلالات الثانوية او الأشد اهمية ضمن النص بطريقة غير مباشرة على نحو ما صنعه الامام (عليه السلام) عندما طرح افكاراً تتصل بالبلاغة وبضرورة العلم من اجل الله عز اسمه، طرحها من خلال منحى غير مباشر، حيث وردت في سياق حديثه عن اذاعة‌ الحديث فيما يتداعى الذهن منه الى المشكلات المرتبطة برواية الحديث ومنها البلاغة او العلم، بالنحو الذي لحظناه. ******* (5) نفس المصدر: ص 320،325. ******* الامام الصادق (عليه السلام) والفن - 2 2006-07-17 00:00:00 2006-07-17 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1426 http://arabic.irib.ir/programs/item/1426 قلنا، ان هذا العصر شهد تطورات ثقافية ومنها: العناية بتعريف البلاغة وتحديدها بصفة ان مصطلح (البلاغة) كان هو السائد عصرئذ، فضلاً عن تسرب بعض مفهوماتها (من خلال الترجمة) الى ألسنة وأقلام الخطباء والكتاب حيث بدأ التدوين في هذا العصر نسبياً،... طبيعياً، ان الامام (عليه السلام) وسائر المعصومين فيما كررنا بأن ما يعنون به هو: الهدف الفكري في المقام الأول، وتوظيف (الفن) من أجله: حسب متطلبات الموقف وليس مطلقاً في (المقام التالي)... لذلك: عندما يحدد (عليه السلام) مفهوماً عن الفن أو التعبير أو البلاغة: انما يحدده في ضوء ما هو ضروري ونهائي وليس ما هو ينتسب الى الترف ونحوه... فمثلاً ورد عنه (عليه السلام): «ثلاثة فيهن البلاغة: التقرب من معنى البغية، والتبعد من حشو الكلام، والدلالة بالقليل على الكثير»(1). وورد عنه (عليه السلام) قوله: «ليست البلاغة بحدة اللسان، ولا بكثرة الهذيان، ولكنها اصابة المعنى وقصد الحجة»(2). وورد عنه قوله (عليه السلام): «ثلاث خصال من رزقها كان كاملاً: العقل والجمال والفصاحة»(3). الملاحظ هنا: ان الامام (عليه السلام) يشير الى ان الفصاحة هي واحدة من سمات الكمال للشخصية، والفصاحة تعني «المقدرة البيانية» كما هو واضح،... وهذا يعني انه (عليه السلام) اكسب اللغة الفصيحة قيمة لها خطورتها مادامت تنسب الى الكمال... اننا نجده في نص آخر يقول: «ثلاثة يستدل بها على اصابة الرأي: حسن اللقاء وحسن الاستماع وحسن الجواب»(4). ان الجواب الحسن يسنتسب دون ادنى شك الى سمة الفصاحة ايضاً، كل ما في الامر ان مفهوم الفصاحة او المقدرة لا ينحصر في انتقاء العبارة من حيث ايقاعها او احكام تركيبها او اخضاعها لعنصر (صوري) و(بنائي) فحسب، بل يتجاوز ذلك الى صياغة (الدلالة) ذاتها، ولذلك اكتفى (عليه السلام) في عرضه للمعايير البلاغية بتقديم ثلاثة معايير، قال بأن فيهن البلاغة، وليس ان البلاغة منحصرة في هذه المعايير، والمعايير هي: العمق والتركيز والاقتصاد: التقرب من معنى، التبعد من حشو الكلام، الدلالة بالقليل على الكثير... هذه المعايير الثلاثة تظل مرتبطة بـ (الدلالة) كما هو واضح،... مما يعني أن تصور المعصوم (عليه السلام) للبلاغة يختلف عن التصور العادي لدى‌ الآخرين، فالآخرون يعنون - في حالات كثيرة- بما هو ثانوي او زخرف او ترف، مع أن فيها عنصراً من البلاغة او الفصاحة ايضاً،... لكن الفارق بين التصور الشرعي والتصور العادي هو ان التصور الشرعي يعنى - في المقام الاول- بالمضمون، بدليل قوله في تعريف البلاغة بأنها (اصابة المعنى وقصد الحجة)، فقصد الحجة هو: المضمون او الدلالة، اي: يعنى بما هو جوهري، واصيل، وضروري، دون ان ينفي (جمالية) ما هو شكلي و(صوري)... الخ، لكنها تظل (ثانوية) من حيث القيمة النهائية بالقياس الى (الافكار) و(الدلالات)... وهذا ما يفسر لنا السر الكامن وراء ذكر الامام (عليه السلام) لمعايير ثلاثة ترتبط بالدلالة دون ان يذكر المعايير الأخرى التي لا ينكرها، بدليل تثمينه لسمة (الفصاحة) كما لحظنا... والواقع أن المعايير الثلاثة التي ركز الامام (عليه السلام) عليها، تظل معايير (ثابتة) وليست (نسبية) تخص جيلاً ادبياً دون آخر،.. وهذا ما يكسبها قيمة ضخمة‌ دون ادنى شك،... فالاقتصاد اللغوي يظل معياراً فنياً لدى القدامى والمحدثين ايضاً، ولا ادل على ذلك من اعتماد المعاصرين على عنصر (الرمز) الذي يختصر الدلالات ذات الايحاء المتعدد في عبارة واحدة او اكثر مثلاً، كذلك نجد ان معياري: العمق، والتركيز يظلان قديماً وحديثاً ايضاً معيارين لا يختلف اي منظر ادبي او فنان عن التسليم بأهميتهما،... ولعل الامام (عليه السلام) قد جسد دلالة (العمق والتركيز) عملياً حينما عرف الأول بقوله: «التقرب من معنى البغية»، فهو (عليه السلام) لم يقل (التطابق مع معنى البغية). ان القواعد الفنية المرتبطة باللغة، تقرر بان الألفاظ لا يمكن ان تطابق الدلالات التي يستهدفها الفنان بقدر ما تحوم وتقترب من الدلالات وهذا ما نبه الامام عليه حينما قال: «التقرب من معنى البغية» ولم يقل (التطابق مع معنى البغية) مما يكشف مثل هذا التحديد عن عمق المعايير التي نسجها الامام (عليه السلام)... والأمر كذلك بالنسبة الى تحديده (عليه السلام) للمعيار الثالث‌ (التركيز او التبعد عن حشو الكلام) حيث ان هذا التحديد يظل موضع اجماع لدى المعنيين بشؤون الفن قديماً وحديثاً... ومهما يكن، فان ما نستهدفه في هذا الميدان هو ان نشير الى تصور الامام (عليه السلام) لمفهوم الفن ومعاييره البلاغية‌ فيما مارس (عليه السلام) تطبيقاً عملياً لها من خلال تنظيره الأدبي الذي لحظناه ومن خلال ما نلحظه في النتاج الفني الذي صدر عنه،... وهو ما نحاول الوقوف عند بعض نماذجه التي تتوزع في اشكال متنوعة من: الخطب والأحاديث، والرسائل والمقالات والمقابلات والمناظرات، وسواها مما نعرض له... ونبدأ ذلك بالحديث اولاً عن: ******* (1) نفس المصدر: ص 330. (2) نفس المصدر: ص 324. (3) نفس المصدر: ص 334. (4) نفس المصدر: ص 338. ******* ادب الامام الصادق (عليه السلام) - 1 2006-07-17 00:00:00 2006-07-17 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1425 http://arabic.irib.ir/programs/item/1425 لعل الامام الصادق (عليه السلام) من حيث البعد المعرفي المتمثل بخاصة في الفقه، ومن حيث العصر الذي واكبه يعد المعصوم الوحيد الذي غزر نتاجه بحيث عد مؤسساً او رائداً للثقافة الاسلامية في شتى جوانبها (الفقه: بخاصة) حيث استكملت غالبية المبادىء الفقهية على يده، وهو امر يتحدد بوضوح من خلال آلاف الأحاديث التي صدرت عنه (عليه السلام) فضلاً عن تلمذة الآلاف من العلماء على يده، بما فيهم: علماء المذاهب الأخرى من امثال ابي حنيفة ومالك بن انس وسفيان الثوري وسواهم... ليس هذا فحسب، بل يلاحظ ايضاً ان ضروب المعرفة الاسلامية الاخرى مثل الاخلاق والعقائد قد واكبها ضخامة النتاج وتنوعه وشموله... بل ان ضروب المعرفة‌ الانسانية بعامة‌، او المعرفة البحتة والعملية مثل: الطب والكيمياء ونحوهما قد توفر الامام (عليه السلام) عليها، فيما تتلمذ على يده امثال الكيميائي المعروف (ابن حيان) وسواه،... والمهم، ان طبيعة العصر الذي شهده (عليه السلام) وهو: أخريات السلطنة الزمنية للأمويين وبدايات السلطنة الزمنية للعباسيين، حيث أتيح المجال للتحركات الثقافية بمنأى عن الارهاب المتتابع الذي مارسه الدنيويون حيال اهل البيت (عليهم السلام) وان كان الارهاب قد فرض هيمنته في فترات متفرقة عكست تأثيرها على المناخ الأدبي.. بيد ان المناخ العام الذي شهده (عليه السلام) أتاح له أن يتوفر على نتاج غزير من خلال التلمذة على يده من جانب، ثم مناظراته ومقابلاته ومراسلاته التي فرضتها طبيعة الحياة الاجتماعية والثقافية من جانب آخر... المهم، أن الحديث عن الامام الصادق (عليه السلام) يستجرنا الى ملاحظة (تنوع) النتاج الذي صدر عنه (عليه السلام) في مجال العلوم الانسانية البحتة والعملية... لكن بما اننا في هذه الدراسات نعنى بالجانب (الفني) من المعرفة،.. لذلك نقتصر في الحديث عن الامام (عليه السلام) على هذا الجانب. *******