اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | على خطى النهج http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb الأمثال في نهج البلاغـــة – ق1 - 27 2017-04-17 13:31:11 2017-04-17 13:31:11 http://arabic.irib.ir/programs/item/14673 http://arabic.irib.ir/programs/item/14673 أحبّتنا المستمعین الأفاضل ! سلام من الله علیکم ورحمة منه وبرکات ، وأهلاً ومرحباً بکم في هذه المحطّة الجدیدة التي یسرّنا أن تجمعنا بکم عبر ملامح ومظاهر أدبیّة وبلاغیّة أخری بین رحاب نهج البلاغة حیث سیدور حدیثنا في هذه الحلقة من برنامجکم علی خطی النهج حول توظیف أمیر المؤمنین عليّ علیه السلام للأمثال في کلامه ، ندعوکم للمتابعـــة .... مستمعینا الأکارم ! تنقسم الأمثال في اللغة والأدب العربي إلى قسمین ؛ مثل: سائر، ومثل: قياسي. والسائر: ما قالته العرب في مناسبات ثم جرى على الألسن يُتَمَثَّل به إذا وجد شيء يشارك تلك المناسبات. والقياسي: هو تصوير يخلقه المصوِّر لتوضيح فكرة عن طريق تشبيه يسمّيه البلاغيّون (التمثيل المركّب) ، أو إبداع يجمع بذلك بين جمال التصوير وما ينشده المتمثّل من أغراض. وبوسعنا أن نصنّف الأمثال في نهج البلاغة إلى: قرآنيّة، وسائرة، وقياسيّة. وإلى: نثريّة وشعريّة ، وإلى: جاهليّة وإسلاميّة ومخضرمة من حیث عهدُها ، وإلى ما سواها من صنوف. وفي كلام الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) آيات قرآنيّة مَثَليّة من نوع ما اصطلح عليه بـ (الأمثال المكنيّة)، توفّرتْ فيها الشروط لتحديد (المثل) من الإيجاز، وإصابة الغرض وغيرهما من شروط ، وقد وُجد في كلامه (عليه السّلام) ما یربو علی عشرین موضعاً تمثّل فیه بآية قرآنية من مثل قوله (عليه السّلام): "... فَإِنْ تَرْتَفِعْ عَنَّا وعَنْهُمْ مِحَنُ الْبَلْوَى احْمِلْهُمْ مِنَ الْحَقِّ عَلَى مَحْضِهِ وإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى (فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) . وفي ذلك بلاغ وأداء للرسالة، ولفت للأنظار إلی أنّ القرآن الكريم هو المصدر لكلّ بيان وشاهد صدق عليه، (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً) وأنه أحسن الحديث، (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) . ومن بین الآیات القرآنیّة التي استشهد بها سلام الله علیه في کلامه ، قولُه تعالی : (عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ) ، حیث ختم الإمام علي (عليه السّلام) بها خطبة له أوّلها: " لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ ولا يُغَيِّرُهُ زَمَانٌ... ولَو أَنَّ النَّاسَ حِينَ تَنْزِلُ بِهِمُ النِّقَمُ وتَزُولُ عَنْهُمُ النِّعَمُ فَزِعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِصِدْقٍ مِنْ نِيَّاتِهِمْ ووَلَهٍ مِنْ قُلُوبِهِمْ لَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَارِدٍ، وأَصْلَحَ لَهُمْ كُلَّ فَاسِدٍ... ولَئِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ إِنَّكُمْ لَسُعَدَاءُ ومَا عَلَيَّ إِلاَّ الْجُهْدُ ولَو أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ لَقُلْتُ: (عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ)) . حیث تمثّل (عليه السّلام) بالآية الدالّة‌ على سعة عفوه تعالى عما يزاوله الناس من ظلم أنفسهم ومعصيته على ما صدر من أصحابه من خلاف عليه إن عادوا عن غيّهم فإنّ الله عفوٌّ عما سلف من ذلك، وأنّ العباد إذا تابوا لردّ عليهم كلّ ما فات منهم ولسعدوا برجوعهم إلى الله تعالى، وكذلك أصحابه يشير إلى عفوه (عليه السّلام) عما سلف منهم لأنّ عفوه من عفو الله تعالى. إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! المحاور: حياكم الله اخوتنا اخواتنا المستمعين والمستمعات حول المزيد من الآيات القرآنية التي تمثل بها الامام امير المؤمنين سلام الله عليه في كلامه سألنا ضيف البرنامج فضيلة الشيخ علي العلي استاذ فلسفة القوانين والتشريعات من مدينة قم المقدسة فذكر لنا آيات اخرى أوردها امير المؤمنين في خطبه فلنستمع معاً الى ما تفضل به. خبير البرنامج: الدكتور علي العلي استاذ القوانين التشريعات من مدينة قم المقدسة العلي: بطبيعة الحال عندما نذكر كلمات امير المؤمنين نتجه مباشرة الى نهج البلاغة الذي هو فيه تقريباً معظم المحتوى الذي استطاع الباحثين والكاتبين أن يجمعوا تراث امير المؤمنين من كلمات. هناك تأكيد أساسي من كلمات امير المؤمنين على اهمية القرآن، طبيعة القرآن، صفات القرآن، من هم أهل القرآن؟ عندما نتأمل هذه الكلمات نجد أن هناك تكرار كثير وليس التكرار بمعنى الخلل وإنما هو تأكيد على الآية التي وردت في سورة آل عمران وهي التي تتحدث "هو الذي أنزل عليك القرآن منه آيات محكمات واخرى متشابهات". عندما نتأمل فيها كأن امير المؤمنين يبين ويؤكد اهمية القرآن إلا أنه هناك من يحاول أن يتعاطى مع القرآن ولكن لايدرك محكمه من متشابهه وهذا بحد ذات يجعل فيه افتراق لذلك نجد أنه يصف البعد الاساسي في التعاطي مع القرآن هم اهله ومن نزل عليهم القرآن وطبعاً هو يقصد النبي محمد صلى الله عليه وآله واهل بيته لذلك سماهم قرائن القرآن وهم كنوز الرحمن اذا نطقوا صدقوا واذا صمتوا لم يسبقوا، فهنا موازنة، تمازج بين القرآن كنص وبين من يتخلق ويفهم ويتعاطى مع القرآن الكريم لذلك نجد هذا الأمر موجود في كلمات امير المؤمنين. كذلك نجد عندما وصف المتقين أنه أشار الى هذا الأمر وكذلك عندما تكلم عن اهمية القرآن استشهد "ما فرطنا في الكتاب من شيء" وكما أسلفت فيما يتعلق بذكره للمتقين أشار "أما الليل فهم قائمون" يذكر الآيات القرآنية. هذا بحد ذاته يمثل أن القرآن عدل من يخاطب او من يخاطب به الناس ولكن عندما نتأمل كلمات امير المؤمنين واستشهاده بكلمات امير المؤمنين ليس بالصورة التي تكون كل الخطبة قائمة على القرآن بقدر ماهو يبين اهمية القرآن الكريم، أبعاد القرآن الكريم، أهل القرأن الكريم وأهم نقطة في القرآن الكريم يعني الآيات القرآنية كثيرة والموارد التي ذكرت كثيرة فيستعرض هو سلسلة نماذج وأساليب القرآن الكريم في أنه فيه عبر ولكنه يقف عند الآية التي ذكرت في سورة آل عمران الآية السابعة ويؤكد على أن القرأن يؤكد على المحكم والمتشابه ولايمكن أن يخوض أحد في القرآن الكريم إلا وأن يكون متقناً لفهم المحكم والمتشابه. أنا أعتقد أنه في كل نهج البلاغة لايوجد استشهاد إلا بهذه الآية وبالذات هذا ميزان كبير يبين عظمة شخصية امير المؤمنين وأنه كيف يتعاطى مع القرآن الكريم، من دون ما نجد عند الخطباء أنه لديهم إخفاق في ذكر الآيات القرآنية ولايوجد أي محتوى من حيث التعاطي مع الآيات القرآنية. مستمعینا الأطایب ! ومن جملة الأمثال العربیّة السائرة التي کانت شائعة قبل الإسلام وتمثّل بها الإمام عليّ علیه السلام وهي کثیرة في نهج البلاغة ، المثلُ القائل آخرُ الدّواء الكيّ والذي تمثّل به (عليه السّلام) في كتاب له جواباً لقوم سألوه عقابَ من أجلب على عثمان بعد ما بويع: " يَا إِخْوَتَاهْ إِنِّي لَسْتُ أَجْهَلُ مَا تَعْلَمُونَ... وسَأُمْسِكُ الأمْرَ مَا اسْتَمْسَكَ، وإِذَا لَمْ أَجِدْ بُدّاً فَـ "آخِرُ الدَّوَاءِ الْكَيُّ". لأنه إنّما يُقدَم عليه – أي الکيّ - بعد أن لا ينفع كلّ دواء... أي إذا أعضل وأبى الداءُ قبولَ كلّ دواء حُسِم بالكيّ ، وقيل: (آخر الدواء الكيّ) يضرب فيمن يستعمل في أوّل ما يجب استعمالُه في آخره وفي إعمال العنف والمخاشنة مع العدوّ إذا لم يُجدِ معه اللين والمداراة . وقال (عليه السّلام) في خطبة له استشهد فیها بمقولة معروفة ومثل سائر هو بعدَ اللُتَّيّا والَّتي : " فَإِنْ أَقُلْ يَقُولُوا حَرَصَ عَلَى الْمُلْكِ! وإِنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ! هَيْهَاتَ! "بَعْدَ اللَّتَيَّا والَّتِي" واللَّهِ لَابْنُ أَبِي طَالِبٍ آنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّه ِ... . واللُّتيا تصغير الّتي، كما أنّ اللُّذيا تصغير الّذي ، و(هَيْهَاتَ): لظنّهم فيه الجزعَ. أي: ما أَبَعْدَ اللّتيا والّتي أجزعُ؟! أبَعْدَ أن قاسيتُ الأهوال، الكبارَ والصغار، ومُنيت بكلّ داهية عظيمة وصغيرة؟! فاللّتيا للصغيرة، والّتي للكبيرة. وهما الداهية الكبيرة والصغيرة، وكنّى عن الكبيرة بلفظ التصغير تشبيهاً بالحيّة فإنّها إذا كثر سمّها صغرت؛ لأنّ السمّ يأكل جسدها. وقيل: الأصل فيه أنّ رجلاً تزوّج امرأة قصيرة، فقاسى منها الشدائد وكان يعبَّر عنها بالتصغير، فتزوّج امرأة طويلة فقاسى منها ضعفَ ما قاسى من الصغيرة، فطلّقها وقال: بعَدْ اللُّتيا والّتي لا أتزوّج أبداً، فجرى ذلك على الداهية. وقيل: إنّ العرب تصغّر الشيء العظيم كالدُّهَيم واللهيم وذلك منهم رمز . وهو مثل سائر يضرب لأمرين داهيتين أحدهما أدهى من الآخر.  أعزّتنا المستمعین ! المحاورة: مستمعينا الافاضل ما ذكرناه من امثال سائرة وردت في نهج البلاغة ماهو إلا غيض من فيض فلقد عرف عن امير المؤمنين عليه السلام كثرة تمثله بهذه الأمثال في المناسبات المختلفة تعزيزاً لكلامه وتقوية لمقاصده وبعض هذه الأمثال ذكرها لنا خبير البرنامج الدكتور علي العلي الاستاذ في فلسفة القوانين والتشريعات من مدينة قم المقدسة في حديث نسترعي انتباهكم اليه. العلي: الأمثال في نهج البلاغة تمثل محوراً اساسياً وهي في واقع الأمر ليست فقط في نهج البلاغة. كلام العرب بطبيعته قائم على بعدين، البعد الأول الشعر والاستشهاد بالأمثال وهذا اكد عليه صاحب البيان والتبيين، الجاحظ في وصفه لبيان العرب وطبيعتهم عندما قال "كفاك من علم الأدب أن ترى الشاهد والمثل فيساق به كما يساق الشعر". لذلك هذا من طبيعة العرب أن يتكلموا بالقرآن بالمثل والاستشهاد بالمثل ودلالات المثل، وبالمناسبة ايضاً القرآن الكريم فيه دلالات واشارة الى الامثال وهذا يبين أن مزاج الانسان في التعاطي وخصوصاً الانسان البليغ في التعاطي لابد أن يكون لديه تعاطي في القرآن. الجميل أن ثقافات الشعوب ايضاً تستشهد بالأمثال وكأن لها دلالة اساسية، لذلك نجد أن هناك أمثال عند امير المؤمنين بعضها مباشرة وتناقلتها العرب وبعضها يحاكي ماهو موجود عند العرب مثلاً يقول "ردوا الحجر من حيث جاء فإن الشر لايرد حتفه او لايدفعه إلا الشر" وهو كالمثل العربي الذي يقول " إن الحديد بالحديد يفلح او يقدح" وكذلك ما نجد في شعر عمرو بن كلثوم في الحكمة الذي يقول: لايجهل احد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا او كشعر ابو نواس الذي يقول: وداويها بالتي كانت هي الداء هذه دلالات بأن هناك أمثال مختزنة في ذاكرة الشعوب وأمثال تستحدث لذلك ما ذكره امير المؤمنين هو مثل يحاكي الأمثال الموجودة عند العرب لكنه إرتقى أن يكون هو مثل بحد ذاته "ردوا الحجر من حيث جاء فإن الشر لايدفعه إلا الشر". وكذلك نجد من كلماته "الظالم الباغي في كلماته غصة" هذه ايضاً يقولها امير المؤمنين وربما امثلة كثيرة اقف عليها ليكون هناك استشهاد في هذا الأمر "أخر الدواء الكي" تمثل به امير المؤمنين، "يا اخوتاه إني لست أجهل ما تعلوه وسأمسك الأمر ما استمسك واذا لم أجد بداً فآخر الدواء الكي". وايضاً استشهد في موارد كثيرة نجد أنه من الأمثلة التي أشار اليها امير المؤمنين في هذا المجال ما ذكرته حول الظالم. طبعاً لابد أن نلتفت أن العرب لاتقف عند المقولة التي نقلت فقط وإنما من نقلها او من تحدث بها فعلي بن أبي طالب في "الشر لايدفعه إلا الشر" هذه تعتبر بحد ذاتها مثل وأن علي بن أبي طالب حاكم بليغ وصف بالشجاعة ووصف بالحكمة لذلك من حقنا كأمة تقرأ اللغة العربية أن نستشهد به كمثل وليس فقط نستعيره من أين أتى هذا المثل لذلك نقول "الشر لايدفعه إلا الشر". وهذا يبين التقسيم المتعارف عليه في لغة العرب أن هناك مثل سائر ومثل قياسي، السائر ما قالته العرب ونستشهد به وما جرى على الألسن وممكن أن يكون نثراً او أن يكون شعراً والقياسي هو التصوير الذي يمكن أن يخلقه المصور لتوضيح فكرة ولتشبيه يشبهه بالآخرين والذي يعرف عند البلاغيين بالتمثيل المركب. لذلك التمثيل في القرآن الكريم وفي لغة العرب وفي نهج البلاغة في خطب امير المؤمنين كثير من الأمثلة وخصوصاً الامثلة القياسية التي وضعها امير المؤمنين بحد ذاته. المحاور: نعم مستمعينا الكرام على مرفأ الختام نتوقف بشكرنا وامتناننا لمتابعتك لإستعراض الأمثلة التي استشهد بها امير المؤمنين سلام الله عليه وسيتواصل بإذن الله في حلقة قادمة.  أحبّتنا المستمعین الأکارم ! استعراضنا للأمثال التي استشهد بها أمیر المؤمنین سلام الله علیه سیتواصل بإذن الله في لقائنا القادم عبر برنامجکم علی خطی النهج ، حتی ذلک الحین نستودعکم الله شاکرین لکم طیب المتابعة . الطباق والمقابلة – ق 2 - 25 2017-03-08 10:14:15 2017-03-08 10:14:15 http://arabic.irib.ir/programs/item/14595 http://arabic.irib.ir/programs/item/14595 مستمعینا الأکارم في کلّ مکان ! سلام من الله علیکم ورحمة منه وبرکاته ، وکلّ المراحب بکم في هذه الجولة الجدیدة التي یسرّنا أن تجمعنا بحضراتکم عند محطّة أخری من محطّات برنامجکم علی خطی النهج وحدیثنا في هذه الحلقة میزال یدور حول أسلوب الطباق والمبالغة وتجلّیاته في نهج البلاغة ، ندعوکم لمتابعتنا .... أحبّتنا المستمعین ! مایزال حدیثنا یدور حول فنّ الطباق والمقابلة وأمثلته ونماذجه في نهج البلاغة ، حیث تصادفنا ونحن نتصفّح هذا الکتاب الخالد الکثیرُ من الأمثلة التي تجسّد فیها هذا الفن کأحسن وأروع ما یکون التجسّد من مثل قوله – سلام الله علیه – في واحدة من خطبه حول الشبهة وحقیقتها: " وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الشُّبْهَةُ شُبْهَةً لاِنَّهَا تُشْبِهُ الْحَقَّ، فَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اللهِ فَضِيَاؤُهُمْ فِيهَا الْيَقِينُ، وَدَلِيلُهُمْ سَمْتُ الْهُدَى ، وَأَمَّا أَعْدَاءُ اللهِ فَدُعَاؤُهُمْ الضَّلالُ، وَدَلِيلُهُمُ الْعَمْى، فَمَا يَنْجُو مِنَ المَوْتِ مَنْ خَافَهُ، وَلا يُعْطَى الْبَقَاءَ مَنْ أَحَبَّهُ . فها هنا تطالعنا صورتان مختلفتان عبّر عنهما علیه السلام بالمقابلة بين أعداء الله وأولياء الله وهما ؛ صورة المؤمن الذي قاده الهدى الى اليقين وصورة الكافر الذي قاده العمى الى الضلال وقد تضمن النص جملتين منفيتين هما فما ینجو و لا يُعطى توحد فيهما السجع والطباق في المفردتين (خافه) و (أحبّه) فنتج عن ذلك التوحد والتلازم تمامُ المعنى والتناغم الصوتي ووفّر متعة مضاعفة تمثلت في وضوح المعنى وسلامة العبارة. وهذه هي فلسفة الإمام عن الموت فلا الخوف ينجي منه ولا التقرب إليه يمنح البقاء فالهروب منه هو هروب إليه لا بروج تمنعه ولا حصون ويتسلل اليهم دون مانع له إلاّ الأجل. وقال – سلام الله علیه - في حمد الله ومعرفته : " اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي لَمْ يَسْبِقْ لَهُ حَالٌ حَالاً فَيَكُونَ أَوَّلاً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِراً وَ يَكُونَ ظَاهِراً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ بَاطِناً كُلُّ مُسَمًّى بِالْوَحْدَةِ غَيْرَهُ قَلِيلٌ وَ كُلُّ عَزِيزٍ غَيْرَهُ ذَلِيلٌ وَ كُلُّ قَوِيٍّ غَيْرَهُ ضَعِيفٌ وَ كُلُّ مَالِكٍ غَيْرَهُ مَمْلُوكٌ وَ كُلُّ عَالِمٍ غَيْرَهُ مُتَعَلِّمٌ وَ كُلُّ قَادِرٍ غَيْرَهُ يَقْدِرُ وَ يَعْجِزُ وَ كُلُّ سَمِيعٍ غَيْرَهُ يَصَمُّ عَنْ لَطِيفِ اَلْأَصْوَاتِ وَ يُصِمُّهُ كَبِيرُهَا وَ يَذْهَبُ عَنْهُ مَا بَعُدَ مِنْهَا وَ كُلُّ بَصِيرٍ غَيْرَهُ يَعْمَى عَنْ خَفِيِّ اَلْأَلْوَانِ وَ لَطِيفِ اَلْأَجْسَامِ وَ كُلُّ ظَاهِرٍ غَيْرَهُ غَيْرُ بَاطِنٍ بَاطِنٌ وَ كُلُّ بَاطِنٍ غَيْرَهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ . فالنص السابق یقوم على بيان صفات الله التي أوردها في علم الله بخفيات الأمور وفي بنية بديعية كان طرفاها الطباق (أولاً وآخراً) في بدايته (وظاهراً وباطناً) في نهايته وتوسطها جملة من الطباقات وبذا يكون النص قائماً على هذه المقابلة الكاشفة عن دلالة النص منذ الوهلة الأولى حيث لا يوجد فاصل بين المفردات التي كان الطباق جزءاً منها لان الموصوف واحد وهو الله تعالى وهذا ما أراد الإمام بيانه . مستمعینا الأعزّة ! وللطباق والمقابلة أنواع وأقسام کما سبقت الإشارة ، ولکننا نرید أن نتعرّف علی هذه الأنواع واستخداماتها في نهج البلاغة ، وهو ما سألنا عنه خبیر البرنامج علی الهاتف الأستاذ كاظم حشمت فر الأستاذ الجامعي والأكاديمي من الجمهورية الاسلامية في ايران حیث تفضّل في هذا الصدد قائلاً : حشمت فر: بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وكذلك احيي وأسلم على المستمعين الأعزاء. المقابلة في الحقيقة هي موضوع من مواضيع البلاغة في قسم البديع، البلاغة، معاني وبيان وبديع. البديع هو في الألفاظ فنأتي بكلمات متضادة نسميها متقابلة مثل الأول والآخر، الظاهر والباطن. ويسمى هذا النوع من الصناعة البديعية المقابلة وكذلك الطباق، الطباق هنا مصطلح. وقد ورد في كلام امير البلاغة امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه آلاف التحية والسلام لهذا الأسلوب استخداماً بالغاً في كلماته حيث يمكن أن نستلهم منها التأثير وتبيين المعاني. المقابلة تأتي لكي يتضح المعنى المتضاد للمعنى الذي قيل، على سبيل المثال حينما نقول في كلمة من كلمات الامام علي عليه السلام يقول "وفي متنفسه قبل أن يؤخذ بكظمه" اذا أردنا أن نعلم معنى المتنفس او المستمع يريد أن يعرف ماذا يقصد الامام من المتنفس يأتي بكلمة كظمه حتى يتضح أكثر مفهوم المتنفس. او ربما لإنهاء الحجة على المستمع فيأتي بالمقابل والمطابق من حيث المعنى المتضاد لكي يتضح المعنى. وقد استخدم الامام في عباراته الكثير من هذا الأسلوب. المحاورة: نتقدم بجزيل الشكر للأستاذ كاظم حشمت فر لإتاحته لنا هذه الفرصة ضمن برنامج على خطى النهج. إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! ومن مظاهر استخدام أسلوب الطباق والمقابلة في خطب الإمام عليّ علیه السلام، قولُه في أصحابه وأصحاب رسول الله ( ص ) : " أَيُّهَا الْقَوْمُ الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ الْمُبْتَلَى بِهِمْ أُمَرَاؤُهُمْ صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللَّهَ وَأَنْتُمْ تَعْصُونَهُ وَصَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ يَعْصِي اللَّهَ وَهُمْ يُطِيعُونَهُ لَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَنِي بِكُمْ صَرْفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَمِ فَأَخَذَ مِنِّي عَشَرَةَ مِنْكُمْ وَأَعْطَانِي رَجُلًا مِنْهُمْ يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلَاثٍ وَاثْنَتَيْنِ صُمٌّ ذَوُو أَسْمَاعٍ وَبُكْمٌ ذَوُو كَلَامٍ وَعُمْيٌ ذَوُو أَبْصَارٍ لَا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلَا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ الْبَلَاءِ تَرِبَتْ أَيْدِيكُمْ يَا أَشْبَاهَ الْإِبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُهَا كُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ تَفَرَّقَتْ مِنْ آخَرَ. فنحن نلاحظ أن الإمام بدأ خطابه بالتبرم والضجر موبّخاً أصحابه بعد توانيهم وتقاعسهم عن ردّ اعتداءات جند معاوية فيصفهم بغياب الصواب عن عقولهم واختلاف أهوائهم المبتلى بهم أمراؤهم ثم يعرض حالة التناقض بينهم وبين أصحاب معاوية فهم يعصون الإمام رغم طاعته لله وأصحاب معاوية يطيعونه رغم معصيته ثم يشبّههم بالإبل التي غاب عنها رعاتها فتفرقت وكلما جمعت من جانب انتشرت من آخر وقد استخدم سلام الله علیه أداة الشرط كلّما التي تفيد معنى التجدد والتكرار وهذا النص يدل على مقدرة فنية عالية منحت قوله قوة وجمالاً باستخدام هذه الصيغ الطباقية المتقابلة التي كشف عنها النص. مستمعینا الأطایب ! ومن المعلوم أن هناک أنواعاً من المقابلة بحسب المعنى حیث قد تكون المقابلة من حيث عدد المتقابِلات بين معنيين أو بين معان ثلاثة أو بين أربعة معان أو بين خمسة معان او بين سته معان وهکذا ، حول هذه الأنواع ومدی استخدامها في کلام أمیرالمؤمنین علیه السلام توجّهنا بالسؤال إلی خبیرالبرنامج الذي تفضّل مشکوراً : حشمت فر: المقابلة ربما تكون في جملة بين كلمتين او ربما تكون المقابلة بين كلمة او كلمتين او ثلاثة او أربعة او خمسة او ستة. حينما ننظر الى المقابلة التي استخدمها الامام علي عليه السلام، في الحقيقة البلاغة يجب أن لاتكون مصطنعة ولافيها تكلف. الامام علي عليه السلام كان يأتي بالكلمات دون أن يكلف نفسه او يتعب نفسه كما نرى عند عامة الناس، البليغ يأتي بالكلمات بسهولة وكذلك البديع في كلام الامام علي عليه السلام حينما يأتي بالمقابلة يأتي كأنه سلم، يأخذ بيد الانسان من المنصة الأولى وهكذا يرتقي به الى الثانية والثالثة والرابعة ثم الخامسة والسادسة وكأنه يرتقي به الى المعنى والمقصود المراد. على سبيل المثال نأخذ احدى هذه المفاهيم او كلمات الامام علي عليه السلام "إن من أبغض الرجال الى الله لعبداً وكله الله الى نفسه جائراً عن قصد السبيل سائراً بغير دليل إن دعي الى حرف الدنيا عمل وإن دعي الى حرف الآخرة كسل" أنظر حرف الدنيا، حرف الاخرة اذا اراد أن يفهم معنى حرف الدنيا يفهمه من حرف الآخرة او يلقي عليه الحجة ويقابل بين حرف الدنيا وحرف الآخرة ويقول هذا الانسان اذا اراد أن يعمل وفيه نفع مادي ودنيوي هنا تراه نشيطاً واذا قام الى عمل الاخرة كالعبادات نراه كسولاً. يستمر في كلامه "كان ما عمل له واجب عليه وكان ما ونى فيه ساقط عنه" هذا الانسان اذا رأى الاخرين ما عمل له يعني يعملون له عملاً كأنهم يعملون بواجبهم لكن هو حينما يقوم بعمل ونى، يعني كسل ولم يقف به بصورة ناحجة ويقول ليس واجب علي أن أقوم لهذا وكانه ساقط عنه هذا العمل. هذا الانسان الكسول الانسان الذي لايكون ذا نشاط في حياته بالنسبة لعمل ينتفع به في الآخرة وكذلك ينتفع به الآخرين نراه كسولاً فيقدم مصلحته وما هو يبغيه على مصلحة أي شيء في رأيه. نكرر العبارة "اذا حرث الدنيا حرث الآخرة" عمل، كسل. ماعمل، ما ونى. واجب عليه، ساقط عنه. نرى هذا التقابل في كلام الامام عليه عليه السلام. المحاورة: مرة اخرى نجدد شكرنا الجزيل للأستاذ كاظم حشمت فر الأستاذ الجامعي والأكاديمي من ايران لإتاحته لنا هذه الفرصة. أعزّتنا المستمعین ! ومن خطبة له في الوعظ والإرشاد تجلّی فیها فن الطباق والمقابلة قولُه: " كونوا عن الدنيا نزاهاً والى الآخرة ولاهاً ولا تضعوا من رفعته التقوى وترفعوا من رفعته الدنيا ولا تشيموا بارقها . بصيغ إنشائية اتخذت من الأمر والنهي وسيلة للتعبير ساق علیه السلام خطبته ، وهي أقوى من الصيغ الخبرية لأنها اشد تنبيها وأيقاظاً للمخاطب حيث طالبهم بأن يكونوا نزاهاً عن الدنيا اشد حباً للآخرة مستخدماً صيغتي جمع التکسیر فعالاً ، نزاهاً و ولاهاً مما زاد الأمر تأكيداً وأن لا يضعوا من رفعت شأنَه التقوى ولا يرفعوا من ارتفع ببهارج الدنيا ، والمقابلة هنا واضحة. وقال علیه السلام في موضع آخر: " فإن جماعة فيما تكرهون من الحق خيرٌ من فُرقة فيما تحبون من الباطل وإن الله سبحانه لم يُعطِ أحداً بفرقة خيراً ممّن مضى ولا ممّن بقى . يا أيها الناسُ طوبى لِمن شغله عيبُه عن عيوبِ الناس وطوبى لمن لزمَ بيتَه وأكل قوته واشتغل بطاعة ربِّه وبكى على خطيئته فكان في نفسه في شغلٍ والناسُ منه في راحة . إنّ من يحافظ على نظام الألفة والاجتماع وان ثقل عليه أداء بعض حقوق الجماعة وشق عليه ما تكلفه به من الحق فذلك الجدير بالسعادة من دون من يسعى للشقاق وهدم نظام الجماعة وإن نال بذلك حقاً باطلاً وشهوة وقتية فقد يكون في حظه الوقتي شقاؤه الأبدي وقوله " فكان في نفسه في شغل والناس منه في راحة مستمدٌّ قول رسول الله (ص) " طوبى لمن شغله عيبُه عن عيوب الناس. فيصبح المعنى كنائياً يراد به المعنى الآخر للمفردة وكان معنى القول " الجنة لمن شغله عيبه من عيوب الناس. بهذا نصل بکم – أیّها الأحبّة – إلی ختام جولتنا لهذا الأسبوع بین ربوع آیات الأدب والبیان في نهج البلاغة ، وحتّی نعاود اللقاء بکم فی الحلقـــة القادمة بإذن الله ، نشکر لکم کرم المتابعة ، وفي أمان الله . الطباق والمقابلة في نهج البلاغة – ق1 - 24 2017-02-13 11:03:29 2017-02-13 11:03:29 http://arabic.irib.ir/programs/item/14505 http://arabic.irib.ir/programs/item/14505 تحایانا الخالصة نبعثها إلیکم – حضرات المستمعین الأکارم – ونحن نعاود اللقاء بکم عند جولة أخری من جولاتنا بین ریاض نهج البلاغة ومایزخر به من فنون الکلام وبدیع البیان عبر برنامجکم علی خطی النهج والذي سنخصّص حلقته لهذا الأسبوع لتتبّع أحد الأسالیب البدیعیّة في النهج ألا وهو ما اصطلح علیه علماء البلاغة بـ الطباق والمقابلة ، ندعوکم للمتابعـــة .... أحبّتنا المستمعین الأکارم ! یمثّل الطباق والمقابلة فنین بارزین من فنون علم البديع يقعان ضمن أقسام المحسِّنات المعنوية فالطباق یعدّ الفن الثالث من فنون البديع. وظل ملمحاً بارزاً متميزاً على الرغم من كثرة فنون البديع من جهة وتداخله مع علم البيان في كثير من مؤلفات النقاد والبلاغيين من جهة اخرى . والمعنى الإصطلاحي للطباق هو الجمع بين المتضادين والمتقابلين في المعنى . وهذان المتضادان او المتقابلان قد يكونا اسمين او فعلين او حرفين . أما المقابلة فقد اختلفت الآراء فيها فمنهم من عدّها من أنواع الطباق واعتبرها داخلة ضمنه. ونظراً لهذا الاختلاف بين العلماء فإننا سنتناول الطباق والمقابلة في خطب الإمام علي علیه السلام بصورة متداخلة نظراً لورودها على هذا النحو في خطبه. لقد تداخل فن الطباق مع المقابلة في مساحات واسعة من خطب الإمام علي سلام الله علیه في نهج البلاغة وتلاقحا مع الفنون البديعية والبيانية الأخرى ليكوّنا بذلك لوحة فنية نجد فيها الألفاظ خَدَماً للمعاني فما جاء من هذه الفنون لم يأت مقصوداً وإنما جاء عفوَ الخاطر وأدّت هذه الفنون وظائف دلالية ساهمت في إبراز المعنى المقصود والغرض منه من نصح وإرشاد وتذكير وتحذير ووعد فضلاً عن المعاني الأخرى التي طغت على خطب الإمام وسنتناول هذين الفنين المتداخلين وندرسهما دراسة دلالية بلاغية لنلحظ مدى التداخل والتجاور بينهما في اغلب النصوص النهجية ، ولکن بعد أن نستمع إلی الحدیث التالي الذي أدلی به خبیرنا علی الهاتف حول فنّ الطباق والمقابلة وتعریفه في علم البلاغة وما حقیقة الفرق بین هذین الفنّین ، فلنستمع معاً الى خبير البرنامج سماحة الشيخ اليوسف الغروي الباحث الاسلامي من مدينة قم المقدسة. الغروي: بسم الله الرحمن الرحيم من الفنون البلاغية الطباق وكذلك من الفنون البلاغية المقابلة ومعنى ذلك كما في الآية "قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء" هذا هو فن المقابلة وأما الطباق فيما اذا كانت الجملتين مترادفتين إما الاثنان في جانب الايجاب او الاثنان في جانب السلب بينما في المقابلة إيجاب وسلب متقابلين، تعز وتذل، تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل فهذه هي المقابلة وتلك الطباق ومنها امثلة موجودة في نهج البلاغة ورحم الله الدكتور محمود البستاني في دراساته في الأدب العربي وفي نصوص نهج البلاغة، ما اكثر الأمثلة التي جاء بها من كلام امير المؤمنين في نهج البلاغة تنطبق بجلاء على الكثير من الفنون البلاغية ومنها فن الطباق وفن المقابلة في صياغة الجمل فسلام الله على صاحب البلاغة امير المؤمنين علي عليه السلام يوم ولد ويوم قام بالخطاب الديني الذي امتد على ضوء خطى رسول الله صلى الله عليه وآله وبقيت خطاباته الى هذا اليوم والى يوم القيامة امثولة ليس للمسلم المتدين فقط بل حتى من يريد أن يتعلم البلاغة بغض النظر عن الجانب الديني لذلك المرحوم الشريف الرضي سمى مجموعة خطب وكتب ورسائل امير المؤمنين علي عليه السلام سماها بنهج البلاغة يعني لم يسميها بإسم ديني او ايماني وإنما سماها نهج البلاغة لأن اسلوب هذه الكلمات وهذه الخطب وهذه الرسائل أسلوب لتعلم البلاغة. والسلام عليكم ورحمة الله. المحاور: مستمعينا الأفاضل حياكم الله من اذاعة طهران نحييكم وانتم معنا في برنامج على خطى النهج. مستمعینا الأحبّة ! ومن جملة أمثلة الطباق والمقابلة في النهج - وهي کثیرة بالنظر إلی کونها أسلوباً یلفت انتباه المتلقّي إلی المضمون والمعاني والمفاهیم الکامنة في الکلام - قولُه سلام الله علیه في خطبة له : " شُغِلَ مَنِ الْجَنَّةُ وَ النَّارُ أَمَامَهُ سَاعٍ سَرِيعٌ نَجَا وَ طَالِبٌ بَطِي‏ءٌ رَجَا وَ مُقَصِّرٌ فِي النَّارِ هَوَى ، الْيَمِينُ وَ الشِّمَالُ مَضَلَّةٌ وَ الطَّرِيقُ الْوُسْطَى هِيَ الْجَادَّةُ . فقد ورد في النص طباقُ إيجاب بين الجنة والنار وبجواره مقابلة بين ساع سريع وطالب بطيء ، حيث إن الناس أصناف منهم ساع الى ما عند الله السريع في سعيه وهو الواقف في حدود الشريعة لا يشغله فرضُها عن نفلها ولا شاقُّها عن سهلها ، والثاني البطيء له قلب تغمره الخشية وله صلة الى الطاعة ولكنه ربما قعد به عن السابقين ميلٌ الى الراحة وربما كانت له هفوات فخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً فهو يرجو غفرانه كما أنه عبّر – علیه السلام - عن الخروج عن جادة الشريعة باليمين والشمال وعن الطريقة القويمة الطريق الوسطى فالمقابلة واضحة في النص للقارئ مند الوهلة الاولى. ومن خطبة له وقد تواترت عليه الأخبارُ باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد حیث عبّر فیها عن ضجره لتثاقل أصحابه عن الجهاد ومخالفتهم له في الرأي فقال: " مَا هِيَ إِلَّا الْكُوفَةُ أَقْبِضُهَا وَ أَبْسُطُهَا ... وَ إِنِّي وَ اللَّهِ لَأَظُنُّ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ سَيُدَالُونَ مِنْكُمْ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ وَ تَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ وَ بِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ فِي الْحَقِّ وَ طَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ فِي الْبَاطِلِ وَ بِأَدَائِهِمُ الْأَمَانَةَ إِلَى صَاحِبِهِمْ وَ خِيَانَتِكُمْ وَ بِصَلَاحِهِمْ فِي بِلَادِهِمْ وَ فَسَادِكُمْ ... . فقد عبّر علیه السلام عن هذا الموضوع بأسلوب التوكيد وبجمل اسمية مؤكدة ليؤكد ما طرحه و ابتدأ النص بطباق الإيجاب بين أقبضها وإبسطها حيث شبّه الكوفة بالثوب الذي يتصرف به صاحبه يقبضه ويبسطه ثم توالت صور المقابلة للتعبير عن الحالتين المتناقضتين لأتباع معاوية وبين أصحابه حيث جاءت المفردات معبّرة أصدقَ تعبير فقد قابل بين (اجتماعهم وتفرقكم) وبین (الباطل والحق) وبین (المعصية في الحق والطاعة في الباطل) و (أداء الامانة و الخيانة) و (الصلاح والفساد). مستمعینا الأطایب ! من المعلوم أن أسلوب الطباق والمقابلة له أقسام ذکرها علماء البلاغة والبدیع. المحاورة: هذه الأقسام وأمثلتها في كلام امير المؤمنين عليه السلام ذكرها لنا خبيرنا على الهاتف فضيلة الشيخ اليوسف الغروي الباحث الاسلامي من مدينة قم المقدسة، نسترعي انتباهكم. الغروي: بسم الله الرحمن الرحيم نجد مقالاً في هذا الصدد في مجلة ميسان للدراسات الأكادمية المجلد التاسع العدد السابع عشر. عنوان المقال الطباق والمقابلة في خطب الامام علي عليه السلام في نهج البلاغة، دراسة بلاغية دلالية والمجلة منشورة من قبل المديرية العامة لتربية ميسان معهد إعداد المعلمات. أذكر أمثلة من كلمات الامام امير المؤمنين عليه السلام تشتمل على الطباق والمقابلة وكثيراً ما في جملات متقاربة مثلاً في الخطبة الأولى من خطب نهج البلاغة يصف الامام امير المؤمنين علي عليه السلام خلقة الله سبحانه وتعالى في الكون فيصف السماء فيقول "من سقف فوقهم مرفوع ومهاد تحتهم موضوع" فوقهم وتحتهم في الجملتين مقابلة، مرفوع وموضوع ايضاً فيها طباق ويمكن اعتبار المرفوع والموضوع مقابلة ويمكن اعتبارها طباقاً. وهناك في الخطبة السابعة والعشرين "يغار عليكم ولاتغيرون وتغزون ولاتغزون" هذه فيها من المقابلة والطباق في الجملتين المتعادلتين، الإغارة من قبل العدو عليكم وأنتم لاتقابلونهم بالإغارة المتقابلة والغزو من العدو عليكم وأنتم لاتغزوهم، وهذه اشارة على غارات معاوية على اطراف مملكة الامام امير المؤمنين عليه السلام بعد تحكيم الحكمين. هناك في الخطبة الثانية والأربعين ايضاً من كلماته المعروفة الجارية مجرى الأمثال يقول "كونوا من أبناء الآخرة ولاتكونوا من أبناء الدنيا" فهذه طباق في الأبنائين في الجملتين ولكن مقابلة في كلمتي الدنيا والآخرة وهذا يسمى طباقاً سلبياً. كذلك في جملة اخرى له عليه السلام في نفس هذه الخطبة" فاليوم عمل ولاحساب وغداً حساب ولاعمل" العمل في الجملتين طباق وإثبات الحساب في غد هذا من المقابلة. ايضاً في الخطبة الثانية والخمسين "فوالله لو حننت حنين الوله العجال لكان قليلاً مما أرجو لكم من ثوابه وأخاف عليكم من عقابه" المقابلة بين الرجاء والخوف وايضاً بين الثواب والعقاب. كذلك في الخطبة الثانية والثمانين "الحمد لله الذي علا بحوله ودنا بطوله" العلو والدنو في الجملتين المترادفتين مقابلة. كذلك في الخطبة ثلاثة وثلاثون بعد المئة "فالبصير منها شاخص والأعمى اليها شاخص" والضمير للدنيا فهذا طباق سلبي بين شاخص في الجملتين. ومن امثلة هذا المعنى موجودة في خطب نهج البلاغة للإمام علي عليه السلام غير قليل وإنما يستخدم الامام امير المؤمنين هذه الطرق البلاغية قبل أن تفنن الكتب البلاغية لأن الكتب البلاغية إنما كتبت وأنشأت وصنفت من خدود القرن الثالث الى القرن الرابع الهجري واما في العصور الأولى إنما كانت هذه السجايا طبيعية في البلغاء من امثال امير المؤمنين عليه السلام سيد البلغاء والفصحاء، إنما يستعملها امير المؤمنين عليه السلام على اساس أن الاسلام دين العقل ودين الفطرة والاسلام كدين عقلي عقلائي يستعمل الفنون البلاغية في كلماته إجتذاب وإلتفات الناس ورعاية عواطفهم وشعورهم ودغدغة عواطفهم. فسلام الله على امير المؤمنين علي السلام امير البيان. من يريد التفصيل فليراجع العنوان الذي ذكرناه من المقال والمجلة. والسلام عليكم ورحمة الله. المحاورة: نتقدم بالشكر الجزيل سماحة الشيخ اليوسف الغروي الباحث الاسلامي من مدينة قم المقدسة لإتاحته لنا هذه الفرصة. إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! مازلتم تتابعونا عبر برنامجکمعلی خطی النهج ، وحدیثنا یدور حول أسلوب الطباق والمقابلة باعتباره إحدی المحسِّنات البدیعیّة واستخداماته في نهج البلاغة من مثل قوله سلام الله علیه في خطبته الجهادیّة المعروفة : " فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي أَيَّامِ الْحَرِّ قُلْتُمْ هَذِهِ حَمَارَّةُ الْقَيْظِ أَمْهِلْنَا يُسَبَّخْ عَنَّا الْحَرُّ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ قُلْتُمْ هَذِهِ صَبَارَّةُ الْقُرِّ أَمْهِلْنَا يَنْسَلِخْ عَنَّا الْبَرْدُ كُلُّ هَذَا فِرَاراً مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرِّ فَإِذَا كُنْتُمْ مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرِّ تَفِرُّونَ فَأَنْتُمْ وَاللَّهِ مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ. فنحن في النص السابق أمام صورة تضادّية تعكس لنا تقاعس أولئک القوم عن النهوض للحرب واتخاذهم حججاً واهية فإذا أمرهم بالصيف تذرّعوا بالحر وإذا أمرهم بالشتاء تذرّعوا بالبرد ، فإن كانوا من الحر والبرد يفرون فهم من السيف أفرّ ، وقد اكّد علیه السلام هذا المعنى بالقسم المسبوق بالشرط ؛ فالتقابل واضح بين (أيام الحر و أيام البرد) و(حمّارة القيظ وصبّارة القر) و(ينسلخ عنا البرد و يسبَخ عنّا الحر). وقال عليه السلام : " أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا أَدْبَرَتْ وَآذَنَتْ بِوَدَاعٍ وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَأَشْرَفَتْ بِاطِّلَاعٍ أَلَا وَإِنَّ الْيَوْمَ الْمِضْمَارَ وَغَداً السِّبَاقَ وَالسَّبَقَةُ الْجَنَّةُ وَالْغَايَةُ النَّارُ . إنّ ما في هذا النص من فخامة اللفظ وعظم قدر المعنى وصادق التمثيل وواقع التشبيه سراً عجيباً ومعنى لطيفاً وهو قوله عليه السلام ((والسَّبَقةُ الجنةُ والغايةُ النارُ)) ، فخالف بين اللفظين لاختلاف المعنيين ولم يقل السبقة النار كما قال السبقة الجنة لأن الاستباق انما يكون على أمر محبوب وغرض مطلوب وهذه صفة الجنة وليس هذا المعنى موجوداً في النار فلم يجز ان يقول ( والسبقة النار ) بل قال والغاية النار لان الغاية ينتهي اليها من لا يسرّه الانتهاءُ ومن يسرّه ذلك ، فصلح ان يعبّر بها عن الأمرين معاً فهي في هذا الموضــوع كالمصير والمال . مستمعینا الأکارم ! في ختام حلقتنا لهذا الأسبوع من برنامج علی خطی النهج لایسعنا إلّا أن نقدّم لکم خالص شکرنا وتقدیرنا علی کرم متابعتکم ، وعلی أمل أن نکمل حدیثنا حول الطباق والمقابلة في کلام أمیر المؤمنین علیه السلام في حلقة الأسبوع المقبل بإذن الله ، تقبّلوا منّا کل الحب ، وإلی الملتقی . التوریة في نهج البلاغــــة - 23 2017-02-01 12:04:47 2017-02-01 12:04:47 http://arabic.irib.ir/programs/item/14465 http://arabic.irib.ir/programs/item/14465 مستمعینا الأکارم في کل مکان ! من دواعي سرورنا أن نجدّد اللقاء بکم مع ینابیع الفصاحة ومناهل البلاغة وموارد البیان البدیع من خلال برنامجکم علی خطی النهج حیث نتفيّء ظلال نهج البلاغة وما یحفل به من بدیع الکلام وجمیل العبارة و روعة المضامین والمعاني ، ندعوکم لأن تکونوا برفقتنا ... مستمعینا الأفاضل ! التوریة وتسمّی أیضاً بالتوجیه والإیهام والتخییل والمغالطة ، ویراد بها إیراد الکلام محتمِلاً لوجهین مختلفین ؛ أحدهما قریب ، والآخر بعید ؛ فالسامع یسبق فهمُه إلی القریب مع أن المراد هو ذلک البعید ، فهو یحتاج إلی قراءتین : الأولی سطحیّة والأخری عمیقة تُستجلَی منها الدلالة عن طریق التأویل معتمِداً السیاق الذي یرجّح المعنی الثاني لا الأوّل . ومن ذلک قولُه سلام الله علیه من خطبة له یذکر فیها ابتداء خلق السماء والأرض: " فَسَوّى مِنْهُ سَبْعَ سَماواتٍ جَعَلَ سُفْلاهُنَّ مَوْجا مَكْفوفا وَ عُلْياهُنَّ سَقْفا مَحْفوظا، وَ سَمُكا مَرْفوعا. بِغَيْرِ عَمَدٍ يَدْعَمُها، وَ لا دِسارٍ يَنْتَظِمُها، ثُمَّ زَيَّنَها بِزينَهٍ الْكَواكِبِ، وَ ضِياءِ الثَّواقِبِ، وَ اءَجْرى فِيها سِراجا مُسْتَطِيرا، وَ قَمَرا مُنيرا، فى فَلَكٍ دائِرٍ، وَ سَقْفٍ سائِرٍ، وَ رَقِيمٍ مائِرٍ. فالسراج في النص السابق له معنیان ؛ قریب ویعني المصباحَ الزاهر الذي یُسرَج باللیل ، وبعید یتطلّبه السیاق ، والمراد به الشمس التي تحوّل اللیلَ إلی نهار . والجامع بین المعنیین أن کلیهما یزیل الظلمة ویُضيء ما حوله ، لکنّ الأول یفتح کُوّة فیها والآخر یزیلها ویحوّل اللیل إلی نهار ، ویبرز ذکاءُ المتلقّي لترجیح المعنی البعید اعتماداً علی خبرته وثقافته فضلاً عن سیاق النص الذي یتطلّب هذا المعنی . مستمعینا الأفاضل ! للتوریة کما هو حالب الأسالیب البدیعیّة الأخری أنواع حدّثنا عنها خبیر البرنامج علی الهاتف الأستاذ علي العلي استاذ فلسفة القوانين والتشريعات من قم المقدسة وأورد لنا بعض الأمثلة علیها ، نسترعي انتباهکم – أعزّتنا المستمعین – إلی هذا الحدیث : العلي: بطبيعة الحال اللغة العربية فيها الكثير من فنون الكلام وعرض الكلمة وكيفية بناء هذه الكلمة وكيفية إيصال المعنى وإعطاء الدلالات المطلوبة ومنها ما تفضلت به وهو التورية. اذا أردنا أن نتأمل في التورية بدقة هي تأتي من مصدر ورى. والتورية لغة عندما نقول تورية النار أي استخراجها ورى النار أي استخرجها وكذلك تورية الأرض أي إخصابها، التورية عن الصديق المرافعة عنه ولكن في البديع بدقة نستطيع القول لكي نقربها للمستمع هو أن يأتي بلفظ له معنيين او يعطي بعدين، معنى قريب ظاهر غير مقصود ومعنى بعيد خفي وهو المقصود. ربما هناك بعض الأمثلة وردت في الشعر العربي مثلاً نصير الدين الحمامي يقول: أبيات شعرك كالقصور ولاقصور بها يعوق ومن العجائب لفظها حر ومعناها رقيق هنا رقيق لها معنيين، اذا نظرنا الى الشطر الثاني عندما يقول ومن العجائب لفظها حر ومعناها رقيق مباشرة المعنى القريب يتبادر أنه حر والرقيق يعني العبد المملوك ولكن عندما نتأمل المعنى الأبعد نجد المعنى من الرقيق هو الشفاف واللطيف والسهل لذلك ومن العجائب لفظها حر ومعناها رقيق، القريب هو العبد المملوك والبعيد يريد به الشفاف، السهل والبديع في هذا المعنى. أعطي مثالاً آخر سراج الدين في بيت يصف فيه ابو تمام يقول: أصون أديم وجهي عن أناس لقاء الموت عندهم الأديب ورب الشعر عنهم بغيض ولوى فبهم لهم حبيب معنى الحبيب هنا القريب هو الحبيب العاشق ولكن هو لايقصد الحبيب وفي الواقع هو يقصد حبيب الذي هو أبو تمام فهذا ما يمكن أن نستخلصه في الاجابة عن هذا الموضوع فيما يتعلق بتقريب معنى التورية. المحاورة: نتقدم بالشكر الجزيل للدكتور علي العلي الأستاذ في فلسفة القوانين والتشريعات من مدينة قم المقدسة. ومن توریات الإمام (ع) الأخری ما ورد في جوابه للأشعث بن قیس وهو علی منبر الکوفة یخطب ، فمضی في کلامه شيء اعترضه الأشعث فیه ، فقال : یا أمیر المؤمنین ، هذه علیک لا لک ، فخفض علیه السلام بصرَه إلیه ثم قال : " ومَا يُدْرِيكَ مَا عَلَيَّ مِمَّا لِي؟ عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللهِ وَلَعْنَةُ اللاَّعِنِينَ! ‏حَائِكٌ ابْنُ حَائِك! مُنَافِقٌ ابْنُ كُافِر!... فقوله ( حائک ابن حائک ) تحتمل معنیین ؛ الأوّل قریب ویعني الصفة المعروفة، والآخر بعید یراد به الکذّاب أو النمّام أو ناقص العقل ؛ فالسامع سواء کان الأشعث أم غیره یتوهّم أن الإمام یقصد المعنی القریب ، لأن الأشعث وأباه وکلّ أهل الیمن یعیَّرون بالحیاکة ، ولکنّ موقف الإمام من العمل یجعلنا نؤوّل کلامه لیصبح توریة ، وهو موقف تداولي یعتمد علی ثقافة المتلقّي في تأویل الکلام اعتماداً علی قرائن مقالیّة تتمثل في عبارة (منافق ابن کافر) وحالیّة تداولیّة تتمثّل في موقف الإمام من العمل . المحاور: من المعلوم مستمعينا أن أسلوب التورية ينطوي على الكثير من القيم الجمالية والمعنوية والأغراض التي من شأنها أن تعزز الكلام وأن ترفع من مستواه الفني، هذه القيم والأغراض حدثنا عنها ضيف حلقتنا لهذا اليوم على الهاتف مستشهداً بذلك ببعض الأمثلة والنماذج من نهج البلاغة. تفضلوا بالاستماع الى حديث فضيلة الشيخ الدكتور علي العلي أستاذ فلسفة القوانين والتشريعات من مدينة قم المقدسة. العلي: طبعاً اذا نتأمل بدقة الى معنى التورية كما ذكرنا وبينا نستطيع أن نقول هو الأسلوب البديع الذي يضيف على المعنى غموضاً لايصل الى حد الإبهام وإنما اذا وفقنا في التحليل وخضنا في كشف الظاهر وبيان المخفي بمعنى نضيف الى المعنى غموضاً لايصل الى حد الإبهام لأن نعطي بعداً ظاهرياً يخفي من خلاله التجلي الحقيقي لما نريد أن نثيره في الذهن وطبعاً في نهج البلاغة الكثير من هذه الأمور وردت مثلاً هناك رواية والنساء سيحملون علينا حملة كبيرة يقول "المرأة شر كلها إلا أنه شر لابد منه" هو لايقصد كل المرأة لأنه يشمل مصاديق كثيرة مثلاً آسية امرأة مزاحم، السيدة خديجة الكبرى، السيدة فاطمة الزهراء هنا يقصد بها امرأة معينة لذلك هذه فيها دلالة واضحة. حتى كما يصفون المرأة ناقصة عقل ودين وكذا وهذه ايضاً لها تحليلات معينة نستطيع أن نعطيها هذه الأبعاد. في بعض الكتب الأخرى التي وردت ايضاً في نهج البلاغة وكما في شرح النهج او غيره مثلاً امير المؤمنين له وصف مثلاً في كتاب ابراهيم الثقفي في الغارات سأله أحدهم والمعروف أن علي بن أبي طالب كانت له حرب كبيرة في صفين وغيرها وكان كلهم يدعي أنه من الصحابة، سأله أحدهم كما ورد في كتاب ابراهيم الثقفي الغارات الجلد الأول صفحة مئة وسبعة وسبعين قال حدثنا عن أصحابك؟ قال أي أصحابي؟ قال أصحابي محمد صلى الله عليه وآله. قال كل أصحاب محمد أصحابي. من الواضح عندما يتأمل هذا الموضوع مجرد أن تسمع اصحابي فقطعاً علي بن أبي طالب لايقصد الزاني ولايقصد شارب الخمر ولكن يقصد من كان هو محوراً من اصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله. كذلك عندما يتكلم عن الطوسي وردت في حياة القلوب فيها اشارة الى هذا الموضوع، قال علي بن ابي طالب "أوصيكم بأصحاب رسول الله لاتسبوهم فإنهم أصحاب نبيكم واصحاب الذين لم يبتدعوا في الدين شيئاً ولم يوقروا صاحباً ببدعة، نعم اوصاني رسول الله بهؤلاء" واضح من يريد ومن يقصد بهذا الأمر. كذلك هناك أمثلة كثيرة على هذا الموضوع وربما لدلالاتها واضحة في هذا الأمر لذلك كل من يسمع هذا الموضوع يجب أن يعلم أن المراد من التورية ليس هو المعنى الفقهي الذي يراد والذي يستخدم للتقية او يتوارى عن الموضوع لا، إنما يعطي دلالة لمعنيين، معنى قريب يتبادر للمقابل ومعنى بعيد فيه دلالة يعني عندما أقول حبيب كما في بيت الشعر فقط الذي يعرف حبيب بن أوس وعلاقة سراج الدين الوراق به يعرف هذا الموضوع بينما الآخر يتصور أنه العاشق او مثلاً يقول حر ومعناها رقيق في بيت نصير الدين الحمامي ايضاً يتبادر الى الذهن مباشرة الى المعنى القريب ويتصور الى قبال الحر وهو العبد ولكن الشاعر بقصد ما ورد في السهل والشفاف. ولكن ايضاً وردت في القرآن الكريم "هو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم في النهار" المعنى البعيد هو إرتكاب الذنوب وهو معرفته بما تقومون به وهو معروف معرفته بالحق طبيعي ومعرفته بالباطل اذا وقعت بالباطل ففي هذه دلالات، ما جرحتم تشمل الأمرين الفعل الطيب والفعل السيء لذلك هذه دلالات موجودة وهذا يبين عظمة اللغة العربية. لكن توظيف اللفظ على أنه المعنى الفقهي لربما يلتبس على البعض ويتصور أنه لاتوجد في كلمات النهج مثل هذا الاستدلال ولكن الكلمات النهج تخضع لكل قواعد اللغة بل هو امام اللغة بلاشك. المحاورة: مستمعينا الأفاضل نتقدم بالشكر الجزيل لسماحة الشيخ علي العلي أستاذ فلسفة القوانين والتشريعات من مدينة قم المقدسة لإتاحته لنا هذه الفرصة وندعوكم لمتابعة برنامج على خطى النهج. أحبّتنا المستمعین ! وقال علیه السلام من حکمة له : " مَنْ يُعْطِ بِالْيَدِ الْقَصِيرَةِ يُعْطَ بِالْيَدِ الطَّوِيلَةِ . فمن المعلوم أن ( الید القصیرة ) و ( الید الطویلة ) لم یرد بهما المعنی القریب الظاهر ، لأنّها أسندت إلی العطاء الذي یؤثّر في معنی الید بوصفها جارحة ، لتصبح رمزاً للکرم وطیب النفس وحبّ الآخرین ونوال الثناء والثواب الذي یکون أکثر المعاني المرجّحة المقصودة لدی الإمام وما عداها فهو تابع لها ، وذلک اعتماداً علی الثقافة الإسلامیّة للمخاطب ، وهنا یذکر علیه السلام لازم المعنی القریب المورّی به لتحقیق ما یسمّی بـ " التوریة المرشّحة " ، وسمّیت مرشّحة لتقویتها بذکر لازم المعنی القریب غیر المراد فإنها تزداد بذکره إیهاماً ، لیزداد التأثیر في المتلقّي عندما ینتقل من المعنی غیر المراد القويّ الظاهر إلی المعنی الباطن المراد . وفي خطببته المعروفة بالشقشقیّة ورّی علیه السلام عن الخلافة وأحقیّته بها بتعبیر " الرّحی " فقال سلام الله علیه : " مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ اَلْقُطْبِ مِنَ اَلرَّحَى . فکلمة ( الرّحی ) هاهنا لها معنیان ؛ القریب هو الإشارة إلی حجر الطاحونة ، والبعید هو الخلافة ، ومن البدیهي أن مراد الإمام المعنی الثاني وهو مکانته من الخلافة . وقال علیه السلام في ذمّ أهل البصرة وموقفهم في حرب الجمل مستخدماً أسلوب التوریة في ذلک : " كُنْتُمْ جُنْدَ الْمَرْأَةِ وَ أَتْبَاعَ الْبَهِيمَةِ . فللبهیمة هنا معنیان قریب وهو الحیوان أو الجمل ، وبعید وهو صاحب الجمل ، وکأنه أراد أن یقول لهم إنکم کنتم تابعین لأصحاب الجمل . إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! بهذا نصل بکم إلی ختام جولتنا لهذا الأسبوع بین ریاض البیان في نهج البلاغة عبر برنامجکم علی خطی النهج ونحن علی موعد معکم بإذن الله عند أسلوب آخر من أسالیب البلاغة وروعة البیان في کلام أمیر المؤمنین ، شکراً لکم علی طیب المتابعة ، وإلی الملتقی . السَّجْع في نهج البلاغـــة – ق1 - 22 2017-01-04 11:01:11 2017-01-04 11:01:11 http://arabic.irib.ir/programs/item/14363 http://arabic.irib.ir/programs/item/14363 إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! سلام من الله علیکم ورحمة منه وبرکات ، وکلّ المراحب بکم في هذا اللقاء الذي یتجدّد مع حضراتکم عند جولة لنا أخری عبر اللمسات البیانیّة والبلاغیّة في نهج البلاغة ومورد الفصاحة وینبوع البیان من کلام أمیر البلغاء والفصحاء حیث سنتوقّف في حلقتنا لهذا الأسبوع بین مظاهر التوظیف الفنّي الجمیل لصناعة السَّجْع في کلامه علیه السلام ، ندعوکم للمتابعـــة ... مستمعینا الأحبّة ! السَّجْع هو توافقُ الفاصلتينِ في الحرفِ الأخيرِ من الکلام المنثور، ويكونُ مركباً مِن فِقْرتَين متَّحدتَينِ فِي الحرف الأَخير، أو مركَّباً من أكثر من فِقْرَتين متَمَاثِلتَين فِي الحرفِ الأَخيرِ أيضاً،. وتسمَّى الكلمة الأخيرة من كلِّ فقرةٍ فاصلةً، وتُسكَّن الفاصلةُ دائماً في النثرِ للوقفِ ، كقولِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلام: "اتخذوا الشيطانَ لأمرهم ملاكا، واتخذهم له أشراكا . فباض وفَرَّخَ في صدورهم. ودَبَّ ودَرَجَ في حُجُورِهِم . فنظرَ بأعْيُنِهِمْ ونَطَقَ بألسنتهم. فَرَكِبَ بهم الزَّلَلَ ، وزَيّنَ لهم الخَطَل ، فعل من قد شَرِكَهُ الشيطانُ في سلطانه، ونطقَ بالباطل على لسانه . والسجع في اللغة هو صوت القُمريّ أو أنین الجمل . والسجع في النثر هو کالقافیة في الشعر . وعلی هذا فإن السجع خاص بالنثر . ومدار البحث في التسجیع ، تساوي أو عدم تساوي الهجاءات أو عدم تماثل الحرف الأصلي الأخیر في الکلمة. والسجع علی ثلاثة أقسام هي السجع المطرّف وهو أن تتفق الفواصل في قافیة الحرف وتختلف في الوزن ، مثل وقاراً و أطواراً في قوله تعالی في سورة نوح : " مالکم لا ترجون لله وقاراً وقد خلقکم أطواراً ومن مصادیقه في کلام أمیر المؤمنین سلام الله علیه قولُه في خطبة له : " حَتَّى اسْتَقَرَّ الْإِسْلَامُ مُلْقِياً جِرَانَهُ وَ مُتَبَوِّئاً أَوْطَانَهُ وَ لَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودٌ وَ لَا اخْضَرَّ لِلْإِيمَانِ عُودٌ وَ ايْمُ اللَّهِ لَتَحْتَلِبُنَّهَا دَماً وَ لَتُتْبِعُنَّهَا نَدَماً . فالألفاظ : جرانه و أوطانه وأیضاً الکلمات عمود وعود ودماً وندماً هي من نوع السجع المطرف . مستمعينا الأفاضل حياكم الله واهلاً ومرحباً بكم من جديد. كان لنا حديث عبر الهاتف مع الدكتورة دلال عباس استاذة الحضارة الاسلامية من لبنان والتي حدثتنا عن السجع بشكل عام واختلاف علماء البلاغة بشأنه وبشأن مدى قيمته الفنية في الكلام، ندعوكم للإستماع. عباس: بسم الله الرحمن الرحيم السجع وسيلة بيانية كان يستخدمها الأدباء او الخطباء في العصر الجاهلي قبل الاسلام. السجع الى حد ما الذين لم يكونوا شعراء في العصر الجاهلي كانوا يستخدمون السجع الى كل ما يريدون أن يكون كلامهم قريباً من الشعر وهم لم يكونوا شعراء، هذا كان القصد في البداية يعني لم يستخدموا السجع وسيلة بيانية وإنما تقليداً للشعر. كما أن الشاعر يصرف وقتاً لينتقي الكلمات التي تنتهي بالقافية نفسها كذلك هو لمن يقول السجع ينتقي الكلمات التي تنتهي بالحرف نفسه وأن تكون الجمل متوازية طولاً وأحياناً لاتكون متساوية طولاً ولكن تكون منتهية على شكل قافية على الحرف نفسه. بالنسبة الى بعد الاسلام ننظر الى النص القرآني، النص القرآني نلاحظ أن الايات المكية في البداية جاءت قريبة من السجع ولكن لم يكن السجع القرآني سجعاً يقدر ماهو توازن بالألفاظ "قل اعوذ برب الناس اله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس" "قل هو الله احد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً احد". كل الآيات المكية نزلت مسجعة أما مختلفة عن نحو السجع الجاهلي. الآيات المدنية أتت على أسلوب التوازي، الجمل متوازنة، متوازية وليست مسجعة مثلاً اذا راجعنا سورة الرحمن مثلاً تلاحظ أنها مسجعة. بالنسبة للامام علي عليه السلام لم يسر على نهج الجاهليين وإنما سار على نهج القرآن يعني اسلوبه او السجع في نهج البلاغة وهو ليس سجعاً وإنما هو توازن. مثلاً اذا أخذنا أي خطبة من خطبه نلاحظ أنه يهتم بالإيقاع، بالنسبة للخطيب كما كان النص القرآني هناك اهتمام بالإيقاع، أن تنتهي الجمل وأن تكون متوازية وأن تكون متوازنة وأن تنتهي بالحرف نفسه. مثلاً بالنسبة الى خطبة الجهاد بمعنى أنه ليس على نمط الجاهلية وإنما هو توازن. المحاور: الشكر موصول بين يدي الدكتورة دلال عباس أستاذة الحضارة الاسلامية من لبنان. مستمعینا الأفاضـــل ! ومن أنواع السجع الأخری ، مایسمّی بالسجع المرصّع الذي یکون فیه التوازن في الألفاظ مع توافق الأعجاز أو تقاربها . ومثاله في القرآن قوله تعالی في سورة الانفطار : " إن الابرار لفى نعيم و ان الفجّار لفى جحيم . وقوله عزّ من قائل في سورة الصافّات : " وآتيناهما الكتاب المستبين و هديناهما الصراط المستقيم . ومثال ذلک في نهج البلاغة قولُ أمیر المؤمنین سلام الله علیه في وصف المنافقین : " زرعوا الفجور و سقوه الغرور و حصدوا الثبور . فالعبارات السابقة تتضمّن استعارة لطیفة تقوم علی تشبیه لبفجور ببذر البذور في الأرض ونموّها ، وهي من حیث فنّ البدیع مظهر لصناعة الترصیع . ومن الأمثلة الأخری للترصیع قولُه في حمد الله : " و لا يشغله سائل و لا ينقصه نائل . وقولُه في دعاء له سلام الله علیه : " أحمده استتماماً لنعمته و استسلاماً لعزته . وقولُه في مقدّمة إحدی خطبه : " الحمدلله الذى علا بحوله و دنا بطوله . المحاور: واذا كان مستمعينا الأفاضل للسجع قيمة معنوية ومضمونية فضلاً عن قيمته التي تسهم في تزيين الكلام وترفع من مستواه الفني سألنا خبيرة هذا اللقاء وطلبنا منها أن تدعم كلامها بأمثلة من نهج البلاغة فتفضلت قائلة: عباس: كما قلت بالنسبة الى السجع الجاهلي كان تقريباً يكون كلامهم موزوناً او قريباً من شعر. طبعاً السجع اذا لم يكن متكلفاً، الكاتب احياناً يسعى ليراعي الألفاظ بالشكل أكثر مما يراعي المضمون فهذا أسلوب متكلف أما اذا أتى السجع عفو الخاطر كما هو في كلام الامام عليه السلام يأتي السجع عفو الخاطر ولم يكن متكلفاً فهو يخدم النص بأي معنى؟ يخدم النص من ناحية واحدة وهو يجمل النص وفي نفس الوقت يسهل حفظه. كما نعرف الشعر سهل الحفظ لأنه مقفى، السجع ايضاً له وظيفة فضلاً عن الوظيفة الجمالية إن لم يكن متكلفاً فهو يسهل حفظ النص. نحن نقرأ النصوص المختلفة في الأدب العربي فتلاحظ التكلف فيها ويشعر القارئ أنه متكلف أما النص الذي يأتي عفو الخاطر اذا لم يكن السجع متكلفاً فهو يفيد النص جمالياً كما هو الحال في خطب الامام وكما هو الحال في النص القرآني ويسهل حفظ النصوص. المحاورة: نتقدم بالشكر الجزيل للدكتورة دلال عباس أستاذة الحضارة الاسلامية من لبنان لإتاحتها لنا هذه الفرصة. أعزّتنا المستمعین ! وأمّا السجع المتوازي فیستخدم في مقابل السجع المرصّع ، بمعنی أن کل أو معظم الألفاظ ذات القرینة الواحدة لیست في مقابل ألفاظ القرینة الأخری سوی الأعجاز والفواصل . وهو بدوره علی ثلاثة أقسام ؛ الأول أن یکون التوافق في الوزن والقافیة في الفواصل فقط ، کقول الإمام علیه السلام في وصف القرآن : " جعله الله رياً لعطش العلماء و ربيعاً لقلوب الفقهاء و مَحاجَّ لطرق الصلحاء . والثاني أن تکون أکثر ألفاظه متخالفة ، وفي العدد یکون القلیل منها موافقاً ، والثالث أن یکون مخالفاً في نصف الألفاظ موافقاً في النصف الآخر وهو ما جاء في قوله علیه السلام في إحدی خطبه في التنفیر من الدنیا : " فَإِنَّ الدُّنْيَا رَنِقٌ مَشْرَبُهَا رَدِغٌ مَشْرَعُهَا يُونِقُ مَنْظَرُهَا وَيُوبِقُ مَخْبَرُهَا غُرُورٌ حَائِلٌ وَضَوْءٌ آفِلٌ وَظِلٌّ زَائِلٌ وَسِنَادٌ مَائِلٌ ... . وفیما یلي نذکر المزید من الأمثلة علی السجع المتوازي : " وَوَظَّفَ لَكُمْ مُدَداً فِي قَرَارِ خِبْرَةٍ وَ دَارِ عِبْرَةٍ فنحن نلاحظ أن بین الکلمتین خبرة و عبرة سجعاً متوازیاً فضلاً عن التجنیس . ومن أمثلة السجع المتوازي الأخری ما جاء في إحدی خطبه علیه السلام في وصف عهد رسول الله (ص) ، حیث یطالعنا السجع المتوازي بین اللفظتین اللَّقَم و الألَم : " وَ لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه وآله ) نَقْتُلُ آبَاءَنَا وَ أَبْنَاءَنَا وَ إِخْوَانَنَا وَ أَعْمَامَنَا مَا يَزِيدُنَا ذَلِكَ إِلَّا إِيمَاناً وَ تَسْلِيماً وَ مُضِيّاً عَلَى اللَّقَمِ وَ صَبْراً عَلَى مَضَضِ الْأَلَمِ وَ جِدّاً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ . إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! حدیثنا حول السجع وأمثلته في نهج البلاغة سیتواصل بإذن الله في حلقتنا للأسبوع المقبل من برنامجکم علی خطی النهج ، کونوا في انتظارنا ، وشکراً علی طیب المتابعـــة . الجناس – ق4 - 21 2016-12-25 12:15:38 2016-12-25 12:15:38 http://arabic.irib.ir/programs/item/14323 http://arabic.irib.ir/programs/item/14323 أحبّتنا المستمعین الأکارم في کلّ مکان ! تحیّة الإیمان والإسلام نبعثها لحضراتکم ونحن نعاود اللقاء بکم عند محطّة أخری من محطّات برنامجکم الأسبوعي علی خطی النهج ، والتي سنخصّصها للقسم الأخیر من تتبّعنا لأسلوب الجناس واستخداماته بأنواعه في نهج البلاغة ، ندعوکم للمتابعـــة .... أعزّتنا المستمعین ! ومن أنواع الجناس الأخری التي وظّفها أمیر المؤمنین علیه السلام لتکریس الناحیة الجمالیّة في کلامه وزیادة التأثیر بالتالي في نفس المتلقّي ، ما یعرف بالجناس المعکوس ، وهو تأخیر اللفظ المقدّم وتقدیم اللفظ المؤخّر . فهو – إذن – تکرار منتظم للألفاظ والحروف جمیعاً و لذلک سمّي بالمعکوس ، وبعبارة أخری فإنه أن نعکس الکلام فنجعل الجزء الأخیر منه ما جعلناه في الجزء الأول ، وله – کما یقول علماء البدیع – في التجنیس حلاوة ویفید الکلام رونقاً وطلاوة . وقد کان جناس العکس من الأسالیب التي لجأ إلیها الإمام في إحداث التنغیم ، وأمثلته في نهج البلاغة کثیرة ، من مثل قوله في أحد کتبه إلی عاملع عبد الله بن عبّاس : " أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اَلْمَرْءَ قَدْ يَسُرُّهُ دَرْكُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ وَ يَسُوؤُهُ فَوْتُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيُدْرِكَهُ . فلقد أخّر سلام الله علیه في صدر کلامه ماقدّم في لفظة ( درک ) وقدّم ما أخّر في لفظة ( فوت ) ، ممّا یعني تکراراً منتظماً أحدث معه إیقاعاً تستلذّه الأسماع ، وتنشدّ إلیه النفوس . ومع ذلک فإن الإمام لم یکن یقصد إلی هذا الجرس في الألفاظ بقدر توخّیه المعنی ، فهو ناتج ثتنوي عمّا یریده علیه السلام إظهارَه من دلالات هذا التقلیب . فلقد أراد في النص السابق وصفَ حال تقلّب النفس الإنسانیّة بین المسرّة والرضا . ویبدو أن ابن عبّاس أدرک هذا المعنی حین قال : " ما انتفعتُ بکلامٍ بعد کلام الله تعالی مثل هذا الکلام . ومثل هذا قولُ الإمام علیه السلام في بیان حال تقلّب الدنیا : " ألا إنه قد أدبرَ من الدنیا ما کان مُقبِلاً وأقبل منها ما کان مُدبِراً . وتبدو قوّة الجرس في هذا التجنیس ممتزجة من اللفظة المعکوسة ومن الاشتقاق أیضاً ؛ فلفظة ( أدبر ) أعیدت أصواتُها مشتقّة بلفظ ( مدبر ) فیما أعیدت کلمة ( مقبل ) بتکرار لفظة ( أقبل ) ، فکأن هذا الکلام یتضمّن نوعین من الجناس هما العکس والاشتقاق . ولا شک في أن في هذا الأسلوب الذي یستبطن التجنیسین مزیداً من التنغیم الذي یُسبَغ علی العبارة ، نحو قوله علیه السلام : " استقبلوا مُدبِراً ، واستدبروا مُقبِلاً ، وقوله : " ... لِیَحُلَّ فِیهَا رِبْقاً وَ یُعْتِقَ فِیهَا رِقّاً ویصدعَ شعباً ویشعبَ صدعاً . المحاورة: أيها الأخوة والأخوات حول مدى إسهام الصناعات البديعية عموماً والجناس خصوصاً في نهج البلاغة ودوره في تأثير تعميق المعنى في ذهن المتلقي ونفسه سألنا خبير البرنامج عبر الهاتف سماحة السيد حسن الكشميري الباحث الاسلامي من مدينة قم المقدسة فتفضل في هذا المجال قائلاً: الكشميري: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين في مقام الجواب على هذا السؤال يسوقنا الموضوع الى جانب مهم وشاخص في حياة الامام علي بن ابي طالب سلام الله عليه والكفاءات التي كان يتمتع بها. نحن نعرف أن حضارة منطقة شبه الجزيرة كانت تتغنى بالأدب وتتغنى بجمال الكلام وتتغنى ببلاغة متفوقة لذلك خرج الامام علي بن ابي طالب صلوات الله وسلامه عليه على كل تلك الأجواء ليسكتها ببلاغته وببديع بيانه. طبعاً كان الامام بأبي هو امي يريد من ذلك إستيعاب ذهن المتلقي ويريد من ذلك امير المؤمنين أن يغير باطن الفرد تغييراً كبيراً لذلك كانت كلمات الامام سلام الله عليه لو أتيح لها أن تنتشر لكان لها الأثر الكبير في تغيير الطباع وتغيير ذلك الموروث الذي كان يعمل الامام امير المؤمنين على اصلاحه وحالة الإرتقاء التي كان يريدها امير المؤمنين من خلال إبداعاته البيانية في كلماته سواء كانت الكلمات القصار او في خطبه او في رسائله التي كان يكتبها او يبعث بها الى هنا وهناك، الى ذلك الوالي او تلك الشخصية او زعيم تلك القبيلة. كانت هذه الكلمات وهذه الابداعات لها القيمة الكبيرة عند العديد من المتلقين إلا أن يكونوا من بهم البشر فهؤلاء لانتحدث عنهم. لهذا ترك الامام امير المؤمنين من خلال إبداعه سواء بالمضمون او بالعبارة ترك الامام بصمة كبيرة لايستطيع ولم يستطع الأعداء محوها حتى هذا اليوم. المحاور: موفور الشكر وكثير الامتنان لسماحة السيد حسن الكشميري الباحث الاسلامي من مدينة قم المقدسة. مستمعینا الأطایب ! ومن بین أنواع الجناس المهمّة التي وردت علی نطاق واسع في نهج البلاغة لأمیر المؤمنین سلام الله علیه ، ما أسماه علماء البدیع بجناس الاشتقاق ، الذي هو عبارة عن اجتماع اللفظین المتجانسین في أصل الاشتقاق ، ویسمّی أیضاً ( المُقتَضَب ) . وللاشتقاق دور بارز في تقویة رنین الألفاظ ، وکان هذا الأسلوب ممّا توافر في کلام أمیر المؤمنین کلّه ، ویعد من أکثر أنواع الجناس وروداً في نهج البلاغة ، ومن نماذجه ماورد في کتاب له علیه السلام إلی أهل الکوفة عند مسیره من المدینة إلی البصرة : " أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي خَرَجْتُ مِنْ حَيِّي هَذَا - إِمَّا ظَالِماً وإِمَّا مَظْلُوماً وإِمَّا بَاغِياً وإِمَّا مَبْغِيّاً عَلَيْه - وإِنِّي أُذَكِّرُ اللَّه مَنْ بَلَغَه كِتَابِي هَذَا لَمَّا نَفَرَ إِلَيَّ - فَإِنْ كُنْتُ مُحْسِناً أَعَانَنِي - وإِنْ كُنْتُ مُسِيئاً اسْتَعْتَبَنِي . فقد جاءت الاشتقاقات ( ظالماً و مظلوماً ) و ( باغیاً ، مبغیّاً ) ، وفي ذلک تکرار لمقاطع الصوت وتقویة لجرسها ، وقد بدأ الإمام بلفظ الظالم والباغي إبطالاً لحجّة خصمه في الادّعاء علیه علیه السلام بالظلم والبغي . ویقع جناس الاشتقاق کثیراً في حِکَم الإمام علیه السلام وقصار کلمه من مثل قوله : "لا طاعة لمخلوق في معصیة الخالق و " مَن صارعَ الحقَّ صرعَه . وهو علیه السلام یقصد في کلّ ذلک إدخال هذه الموسیقی اللفظیّة لِما لها من تأثیر في ترسّخها في الأذهان ، الأمر الذي یفسّر بقاء حِکَمه سلام الله علیه إلی الیوم لخفّتها علی الأسماع و رنینها الموسیقي المحبّب إلی القلوب . وبذلک یبدو أنّ لاسترجاع الصوت في التجنیس الاشتقاقي أثراً کبیراً في إسبغ الموسیقی علی الکلام ولذلک فقد کثر في استعماله استعمالاً ربط من خلاله الشکل بالمضمون من خلال الجرس . المحاور: الجناس المضارع وهو ما اوكلنا الحديث عنه وذكر البعض من امثلته ونماذجه في نهج البلاغة الى خبيرنا وضيف حلقتنا لهذا اليوم سماحة السيد حسن الكشميري الباحث الاسلامي من مدينة قم المقدسة فلنستمع معاً الى حديثه: الكشميري: الانسان المتتبع وخاصة صاحب الذوق الأدبي يرى أن هناك حالة تجانس بين السياق الذي استعمله امير المؤمنين والجناس الذي استعمله امير المؤمنين بالاضافة الى السجع في حالة النثر في بيانات الامام امير المؤمنين. الغاية من هذا، لايريد امير المؤمنين أن يتفنن بالجناس الكذائي والجناس الفلاني وإنما كان الامام يريد أن يستقطب العقلية لأنهم كانوا هم ضالعون بالأدب ومعجبين بالأدب لهذا استخدم الامام امير المؤمنين تلك الكلمات وطعمها سواء بالجناس او بالتشبيه الجميل. مثلاً عندما يتكلم الامام سلام الله عليه عن الدنيا "من بصر بها بصرته ومن أبصر عنها أعمته" يعني يطرح الامام الكلمات نفسها ولكن بحركة اعرابية يقلب المعنى رأساً على عقب. او احياناً يستعمل السجع مثلاً "إستغن عمن شئت تكن نظيره وإحتج الى من شئت تكن اسيره وأمنن على من شئت تكن اميره" أنظر الى الابداع في المعنى والابداع بالسجع. وهكذا يستمر الامام احياناً بضرب المثل عندما يخاطب ولده الامام الحسن طبعاً يخاطبنا نحن جميعاً "كن يابني كإبن اللبون لاظهر فيركب ولاوظر فيسلب ولاضرع فيحلب فكن مع الناس بحيث لاتعد وغب عن الناس بحيث لاتفقد". هذا الفن وهذا الجمال الذي يأتي صنواً مع المعنى ومع جمال الكلمة كان ثورة في عالم الأدب وفي عالم البلاغة التي ظهرت للأجواء الأدبية قديماً وحديثاً في بيانات امامنا امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه. إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! کلّ الشکر والتقدیر لحضراتکم علی طیب متابعتکم لنا ، راجین منکم أن تکونوا بانتظارنا حتی الحلقة المقبلة عند جولة أخری بین رحاب نهج البلاغة عبر برنامجکم الأسبوعي علی خطی النهج ، حتی ذلک الحین دمتم في رعایة الله ، وإلی الملتقی . الجناس في نهج البلاغـــة – ق3 - 20 2016-12-12 13:57:37 2016-12-12 13:57:37 http://arabic.irib.ir/programs/item/14286 http://arabic.irib.ir/programs/item/14286 إخوتنا المستمعین الأکارم في کلّ مکان ! یسرّنا أن نجدّد لقاءنا بکم عبر آیات الفن والبلاغة وروعة البیان في نهج أمیر المؤمنین من خلال محطّة أخری من برنامجکم علی خطی النهج سنستکمل فیه استعراضنا وتحلیلنا للمزید من النماذج والأمثلة حول فنّ الجناس بأنواعه ، ندعوکم للمتابعـــة ... أعزّتنا المستمعین ! لقد جاءت کلّ ضروب الجناس في نهج البلاغة ، وکان ممّا أُثرِیت به عباراته بالجرس والإیقاع ، ومنها علی سبیل المثال الجناس التام وهو أن یتّفق اللفظان المتجانسان في آنواع الحروف وأعدادها وهیئتها وترتیبها . ویعتبر هذا النوع من الجناس أکمل أصنافه إبداعاً وأعلاها رتبة ، من مثل قوله علیه السلام في إحدی خطبه : " وَ إِنّمَا الدّنیَا مُنتَهَی بَصَرِ الأَعمَی لَا یُبصِرُ مِمّا وَرَاءَهَا شَیئاً وَ البَصِیرُ یَنفُذُهَا بَصَرُهُ وَ یَعلَمُ أَنّ الدّارَ وَرَاءَهَا فَالبَصِیرُ مِنهَا شَاخِصٌ وَ الأَعمَی إِلَیهَا شَاخِصٌ وَ البَصِیرُ مِنهَا مُتَزَوّدٌ وَ الأَعمَی لَهَا مُتَزَوّدٌ . فلقد قصد سلام الله علیه من لفظة الشاخص الأولی الراحلَ الذي یشخص للسفر ، کقولهم : نحن علی سفر قد أشخصنا أي حان شخوصُنا . وتعني الشاخص الثانیة ، المرتقِبَ المتلهّف إلی أمر أدهشه . کما وقع التجنیس التام في لفظة متزوِّد ؛ فالأولی تعني الراحلَ المسافر عن الدنیا ، والثانیة تعني الراحلَ إلیها والقاصد لها . ونلاحظ التجنیس التامّ في قوله علیه السلام في أولیاء الله : " واستقربوا الأجلَ فبادَروا العملَ ، وکذّبوا الأملَ فلاحظوا الأجل . فقد جاء التجنیس التام في لفظة الأجل ؛ إذ تعني الأولی المدّةَ من الوقت ویراد من الثانیة الموتُ . مستمعینا الأکارم ! ومن أنواع الجناس الأخری التي ورد استخدامها في نهج البلاغة ، ما یسمّی بالجناس الناقص . المحاور: هذا النوع من الجناس حدثنا عنه وعن نماذجه وأمثلته في النهج ضيف حلقتنا لهذا اليوم فضيلة الشيخ حسين احمد السيد الكاتب والباحث الاسلامي من سوريا فلنستمع معاً الى ما تفضل به السيد: أيها الكرام حديثنا هذه الليلة عن الجناس الناقص، في الحلقة الماضية تكلمنا عن الجناس وقلنا إنه من عدة انواع ومن اهمها الجناس الكامل ويعني فيما يعنيه تطابق لفظين بعدد الحروف وشكلهما وترتيبهما ولكن الاختلاف في المعنى فقط، هذا يسمى بالجناس الكامل واما الجناس الناقص فهو التشابه بين كلمتين او لفظين او اسمين او فعلين في نوع وعدد وشكل الحروف ولكن قد يكون الاختلاف بحرف او أكثر، هذا يسمى الجناس الناقص. ومن جملة ما ورد في نهج البلاغة عن امير المؤمنين عليه الصلاة والسلام الكثير الكثير لأنه من أجمل ما يمكن أن يضفي الجمال على الكلام هو هذا النوع، الجناس الناقص او الجناس بشكله العام. فيقول عليه السلام في كلمة له يصف فيها اهل البيت عليهم السلام "إليهم يفيء الغالي وبهم يلحق التالي" الجناس هنا بين الغالي والتالي، الاختلاف بين الغين والتاء فقط. فهنا جناس ناقص وكم يعطي جمالية للكلام. كقوله في دعاء له في نهج البلاغة ايضاً "اللهم إغفر لي رمزات الألحاظ وسقطات الألفاظ" كم هو جميل ورائع، كم هو عظيم هذا الكلام الذي يتفوه به امير المؤمنين وسيد البلغاء من العرب قاطبة فإنه يعطي جمالية ولاأروع بين رمزات الألحاظ وسقطات الألفاظ. وكما في قول له روحي له الفداء في خطبة اخرى يقول "يأمرون بالقسط ويأتمرون به وينهون عن المنكر ويتناهون عنه" هنا الجناس يعطي معنى اضافياً ويعطي معنى جمالياً للكلام، هذا ما يسمى في لغة العرب وفي اللغة العربية الجناس الناقص. المحاورة: نتقدم بالشكر الجزيل لسماحة السيد حسين احمد السيد الكاتب والباحث الاسلامي من سوريا لإتاحته لنا هذه الفرصة. أحبّتنا المستمعین ! وجناس التصحیف هو شکل آخر من أشکال الجناس الفنّیة التي ذکرها علماء البدیع ، وهو أن یتّفق اللفظان المتجانسان في شکل الحروف ویختلفان في تنقیطها ، وقد جاء في کلام الإمام علیه السلام کثیراً ، من نحو قوله في المتقاعسین عن الاستجابة لأمره : " أضرعَ اللهُ خدودَکم وأتعسَ جُدودَکم . فهناک بین الکلمتین ( خدود ) و ( جدود ) تماثلٌ في رسم الحروف ، وتباین في وضع النُقَط . ومثل هذا الجناس وقع أیضاً في قوله سلام الله علیه في دعواته لمحاربة الشیطان : " فاجعلوا علیه حدَّکم وله جدَّکم . ویبدو الجرس عالیاً في أمثال هذه الترکیبات الجمیلة في کلام الإمام بسبب توافر عناصره فیها ، فقد أقیمت علی أسلوب التوازن ، والتوازن من أهم مظاهر الإیقاع الصوتي . وقد جيء بالتجنیس الناقص بین لفظتي ( نومکم) و ( یومکم ) علی أساس التشابه في رسم الخط لحروف اللفظتین ، وذلک في قوله موصیاً بالتقوی : " أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللهِ ... أَيْقِظُوا بِهَا نَوْمَكُمْ، واقْطَعُوا بِهَا يَوْمَكُمْ . ولاشک في أنّ لکلّ تلک العناصر أثرها الواضح في إغناء العبارة بالجرس وتقویته إمعاناً في شدّ المتلقّي للتأثیر فیه وبلوغ المراد من الهدف الأهم من الخطابة وهو الإقناع ، لأنّ أکثر مظاهر الجناس في کلام الإمام علیه السلام جاءت في فنّه المسموع وهو الخطابة ، وقلّت في فنّه المقروء وهو الکتب والرسائل . وقریب من جناس التصحیف نوعٌ آخر من الجناس اصطلح علیه علماء البلاغة باسم جناس التحریف ، وهو أیضاً یعدّ من أنواع الجناس الفنیّة التي تُظهر براعة المتکلّم والأدیب في التصرّف بفنون الکلام وإخراجه علی قدر کبیر من الطرافة والتأثیر ، وممّا جاء من هذا الضرب من التجنیس في نهج البلاغة قول أمیر المؤمنین علیه السلام : " فإنّ التقوی في الیومِ الحِرزُ والجُنَّةُ ، وفي غدٍ الطریقُ إلی الجَنّة . فالجُنَّة وهي ما یتّقی به من درع ونحوه ، تماثلُ الجَنَّةَ في الحروف ولکن تختلفان في تشکیل حرف الجیم فیهما . ومن الأمثلة الجمیلة والطریفة الأخری لهذا النوع من الجناس في النهج ، قوله في خلقة الطاووس : " فإن شبَهتَه بما أنبتت الأرضُ قلتَ جَنَیً جُنِيَ من زهرة کلِّ ربیع . فالجَنَی هو الثمر الذي حان قطافُه و ( جُنِيَ ) فعل مبنيّ للمجهول ، ومن البیّن أنّ هذه التجنیسات کانت من آلیات التنغیم في کلام الإمام علیه السلام وأسباب تقویة جرس ألفاظه . إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! المحاور: اخوتنا المستمعين اخواتنا المستمعات تحية لكم. نختتم جولتنا لهذا الأسبوع في رحاب مظاهر الجمال البیاني والبلاغي في نهج البلاغة عبر برنامجکم علی خطی النهج بالحدیث التالي الذي أدلی به ضيف البرنامج فضيلة الشيخ حسين احمد السيد الكاتب والباحث الاسلامي من سوريا حول نوع آخر من الجناس المستخدم بأبهى صورة وأجمل حلة في نهج البلاغة ألا وهو الجناس المضارع فلنصغي معاً السيد: من انواع الجناس هو الجناس المضارع او المضارعة أي المشاكلة والمشابهة والتساوي والتساوق، وهو جناس اتفاقي جزئي بين حرفين فقط من الكلمة سواء أتى في أولها او في وسطها او في آخرها، إنه جناس المضارعة أي اللفظ الأول يضارع اللفظ الثاني في هذين الحرفين ولكن الاختلاف يكون في المعنى كقوله سلام الله عليه في نهج البلاغة "إنما حظ احكم من الأرض ذات الطول والعرض" الأرض والعرض، هنا مضارعة بين الراء والضاد في الكلمتين. كما يقول عليه السلام "وكنت أخصبهم صوتاً وأعلاهم سوتا" صوتاً سوتاً، الواو والتاء والألف. كما يقول عليه السلام "كالجبل لاتحركه القواصف ولاتزيله العواصف" هنا جناس المضارعة، الجناس الذي يتفق اللفظين او الكلمتين في حرفين او اكثر ويعطي جمالية وبهاءاً ومعنى اضافياً في الكلام العربي. كما أنه عليه السلام يقول "أخلاقكم دقاق وعهدكم شقاق ودينكم نفاق وماءكم زعاق" طبعاً يخاطب أهل البصرة في يوم الجمل. أنظر ماأجمل هذا الجناس وهذه المضارعة، دقاق، شقاق، نفاق، زعاق. وما أكثره في نهج البلاغة من محسنات بديعية لفظية ومعنوية ونكتفي بهذا القدر في هذا اليوم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. المحاورة: مع شكرنا الجزيل لسماحة الشيخ حسين احمد السيد الكاتب والباحث الاسلامي من سوريا. مستمعینا الأطایب ! شکراً علی کرم المتابعة ، وکونوا في انتظارنا في حلقة الأسبوع القادم من برنامج علی خطی النهج عند القسم الرابع والأخیر من استعراضنا لنماذج استخدامات الجناس في نهج البلاغة ، وفي أمان الله وحفظه . الجناس في نهج البلاغة – ق2 - 19 2016-11-27 09:53:55 2016-11-27 09:53:55 http://arabic.irib.ir/programs/item/14240 http://arabic.irib.ir/programs/item/14240 مستمعینا الأکارم في کلّ مکان ! یسعدنا أن نجدّد اللقاء بکم عبر هذه المحطة من برنامجکم الأسبوعي علی خطی النهجوالتي سنتواصل فیها معکم عند أسلوبالجناس واستخداماته في نهج البلاغة ، آملین أن تمضوا معنا أحلی الأوقات وأطیبها ... أعزّتنا المستمعین ! للجناس أنواع عدیدة اجتمعات کلّها کأحسن ما یکون الاجتماع في کلام أمیر المؤمنین سلام الله علیه حتی غدا هذا الکتاب مصدراً مهماً وأساسیّاً من المصادر التي یستند إلیها علماء البلاغة والبیان والبدیع في ذکر الأمثلة والنماذج علی ما یذکرونه من فنون البلاغة وصناعات البیان والبدیع من مثل قوله سلام الله علیه في إحدی خطبه : " أوصیکم عبادَ الله بتقوی اللهِ فإنها خیرُ ما تواصی العبادُ به وخیرُ عواقبِ الأمورِ عند الله ، وقد فُتِحَ بابُ الحرب بینکم وبین أهلِ القبلةِ ، ولا یحمِلُ هذا العلمَ إلّا أهلُ البَصَر والصّبرِ والعلمِ بمواضع الحقّ . فالملاحظ أن اللفظتین البصر و الصبرتتکوّنان من إیقاعات صوتیة متشابهة ، ورغم أنها اختلفت في مواقعها وتخالفت ، إلّا أن هذا التخالف لم یُفقِدها عنصر التشابه التکراري ، وربّما کان هذا التخالف هو الذي أدّی إلی التنوّع الموسیقي المنبعث منهما إلی الأذن ، فضلاً عن قیام المفردتین علی صوت واحد في نهایتیهما ، حیث أسهم ذلک في دعم البنیة الموسیقیة المتولّدة من الجناس المقلوب . وممّا یجدر ذکره أن التناوب في مخارج الأصوات بین ( بصر ) و ( صبر ) أوجد انتظاماً صوتیاً مقدّراً في إخراج النسق الصوتي الموسیقي المؤثّر ، فضلاً عن القیمة الدلالیة ؛ فالبصر یشیر إلی النظر في الأشیاء ، والصبر یحمل معنی التحمّل ، وفي ذلک یحصل تدرّج في الانتقال من الخارج إلی الداخل . ویقول سلام الله علیه محذّراً وواعظاً : " إنّما حظُّ أحدِکم من الأرض ذاتِ الطولِ والعَرضِ قیدُ قدِّهِ متعفِّراً علی خدِّه . ورد الجناس هنا بین الکلمتبن ( قدِّه ) و ( خدِّهِ ) ، حیث اتّفقت هاتان اللفظتان في کلّ الأصوات ما عدا الصوت الأول ، ونجد أنّ الصوت الأول من اللفظة الأولی جاء متقارباً في المخرج مع الصوت الأول من اللفظ الثاني أي القاف والخاء ، وکلاهما مفخّمان ، ولعلّ القرب في المخرج والتوحّد في الصفة جعلا الصوتین یشترکان في قیمة واحدة من حیث الأداء ، وفضلاً عن ذلک فقد سبق هذا الجناس بجناس آخر بین ( الأرض و العَرض ) ، والاختلاف حصل بین الهمزة والعین وهما متقاربان في المخرج أیضاً ، بالإضافة إلی التشابه في الصفة ؛ فالهمزة مرقّقة والعین بین الشدّة والرّخوة ، وکلّ هذه الخصائص جعلت الصفات المشترکة أکثر من المختلفة ، فأوجد ذلک بنیة موسیقیة مؤثّرة وموزّعة بتقنیة عالیة من الأداء ، لأن اللفظ المشترک إذا حمل علی معنی ثم جاء والمراد به آخر لکان للنفس تشوّق إلیه . مستمعینا الأکارم ! حول الوقع الموسیقي اللطیف للجناس في الأذن ودور هذا الوقع في تثبیت المعنی في النفس والذهن فیما ورد من کلام وأقوال مجنّسة في نهج البلاغة ، توجّهنا بالسؤال إلی خبیر البرنامج علی الهاتف الأستاذ علي نقشبندي الباحث الاسلامي من ايران ، فأفادنا في هذا المجال قائلاً : نقشبندي: بسم الله الرحمن الرحيم لاشك أن الجناس يشكل الموسيقى الداخلية للنص الأدبي سواء كان في نهج البلاغة او في الشعر العربي او حتى في النثر. ونرى هذا واضحاً في كلام امير المؤمنين سلام الله عليه في نهج البلاغة والموسيقى الداخلية التي يشكل الجناس الوقع الداخلي لكلام الأمير سلام الله عليه. نرى هذه الموسيقى لها آثار خاصة على الأذن الانسانية ووقع خاص على النفس الانسانية لأنها تخاطب روح الانسان، تخاطب النفس الانسانية، تستقر فيها او تنبهها من الغفلة او تحاول إيقاظها من النوم ونماذجها كثيرة في نهج البلاغة، نهج البلاغة فيه من الحكمة والموعظة وحالات النفس الانسانية والموت والعقيدة وكل مافي العلم الالهي الشريف من الالهيات موجود في نهج البلاغة. ترى خطب الأمير تتنوع بتنوع هذه العلوم وكل خطبة بما فيها من معنى وإيجاز في اللفظ والجناس اللطيف والسجع اللطيف الذي يشابه القرآن وهو فعلاً تفسير آخر للقرآن. هناك من يقول لايوجد في القرآن سجع، السجع التكلفي الذي لايوجد في القرآن الذي يسمى في الجاهلية بسجع الكهنة اما السجع الفطري والسجع الذي الله سبحانه وتعالى خاطب به نبيه والرسول الأعظم خاطب به الناس من القرآن الكريم "والنجم اذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى...." هذا كله سجع، ليس سجع تكلفي وإنما سجع فطري وهذا يتكرر في نهج البلاغة مثلاً "الحمد لله الذي لايبلغ مدحته القائلون ولايحصي نعماءه العادون ولايؤدي حقه المستهدون، لايدركه بعد الهمم ولايناله غوص الفطن الذي ليس لصفته حد محدود ولانعت موجود ولاأجل ممدود ولا وقت معدود" هذا كله سجع ولكن دون تكلف وإنما هو سجع فطري ينبثق من النفس المعصومة لتخاطب به الانسان وتقرأ به نفس الانسان وتخاطب فطرته السليمة. مثلاً في مواضع اخرى فيه نوع من الجناس التام، يصف فيها الدنيا سلام الله عليه "وإنما الدنيا منتهى بصر الأعمى لايبصر مما وراءها شيئاً والبصير ينفدها بصره ويعلم أن الدار وراءها فالبصير منها شاخص والأعمى اليها شاخص والبصير منها متزود والأعمى لها متزود" هذا ما اصطلح عليه بالجناس التام. المحاورة: مستمعينا الأفاضل نتقدم بالشكر الجزيل للأستاذ علي نقشبندي الباحث الاسلامي من ايران لإتاحته لنا هذه الفرصة. مستمعینا الأحبّة ! ومن أمثلة ما یسمّی بالجناس المحرّف في کلا أمیر المؤونین علیه السلام ، قوله : " صحّة الجسد من قلّة الحسد . فنحن نلاحظ أن بین لفظتي ( الجسد ) و ( الحسد ) تماثلاً في رسم الحروف وتبایناً في وضع النقط ، ونری أن اختلاف الصوتین المترتّب علی وجود النقط وعدمها لم یؤثّرا في قیام مفردتین علی نسق من التکرار ، فالبنی الصوتیّة الموحّدة أکثر من المختلفة ، والتشابه في هذه النسب حدّد جهة النغم والموسیقی . ومن الجناس المقلوب ما ورد في قوله (ع) : " العلمُ مقرونٌ بالعمل ، فمن علم عمل ، والعلم یهتف بالعمل فإن أجابه وإلّا ارتحلَ عنه . فقد رکّز الإمام سلام الله علیه في هذه الحکمة القصیرة علی اللفظتین العلم و العمل من خلال معودتهما مرّتین علی التوالي من دون أن نشعر بالرتابة لورودها ضمن أسالیب بلاغیّة مختلفة منها ما هو خبري وما هو إنشائي ، فضلاً عن أن المتکلّم حاول أن ینوّع في مواقع الألفاظ المتجانسة علی وفق نظام متناوب من بدایة النص وحتی نهایته . کما ورد هذا النوع من الجناس ، أي الجناس المقلوب الذي یدلّ علی مهارة المتکلّم في التصرّف بفنون الکلام ، ورد في حکمة في کتاب له یقول فیه : "أمّا بعدُ ، فإنّما مَثَل الدنیا مثل الحیّة ؛ لیّنٌ مسُّها قاتلٌ سَمُّها ، فأعرِض عمّا یُعجِبُک فیها لقلّة ما یصحبُک منها ... . فلفظة ( مسُّها ) هي مقلوب لفظة ( سمُّها ) ، وبین اللفظتین فارق دلالي کبیر یصل إلی مستوی التضادّ ، إذ إن ما توحي به لفظة ( مسّها ) یخالف ما أعطاه الجناس من دلالة تناقضیّة وذلک من اختیار لفظي دقیق حقّق له هذا الغرض في وصف الحیّة ، بأسلوب رمزيّ یراد منه انتقال الذهن من وصف هذا الحیوان الجمیل والفتّاک في نفس الوقت ، إلی وصف الدنیا . إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! من أنواع الجناس ما اصطلح علیه علماء البلاغة بـ الجناس الاشتقاقي ، وهو ما حدّثنا عنه وذکر لنا نماذج منه في نهج البلاغة خبیرُ البرنامج علی الهاتف الهاتف الأستاذ علي نقشبندي الباحث الاسلامي من ايران ، فلنستمع معاً إلی ما ذکره في هذا المجال ... نقشبندي: هناك نوع يطلق عليه الجناس الاشتقاقي، أن يكون اللفظان لهما أصل واحد في اللغة يعني تأتي بلفظين مثلاً قول عمرو بن كلثوم التغلبي "ألا لاأحد يجهل علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا" كلها مشتقة من جهل يجهل. نجد له نماذج في نهج البلاغة "من اعطي أربعة لم يحرم أربعة، من اعطي الدعاء لم يحرم الاجابة، من اعطي التوبة لم يحرم القبول ومن اعطي الاستغفار لم يحرم المغفرة" الاستغفار والمغفرة. في موضع آخر يقول امير المؤمنين سلام الله عليه "قد بصرتم إن أبصرتم وقد هديتم إن إهتديتم وأسمعتم إن إستمعتم" او في كلام آخر "لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق" هنا كلمة خلق والمخلوق والخالق كلها مشتقة من فعل خلق. "كم من أكلة منعت اكلات" "ما كذبت ولاكذبت ولاضللت ولاضل بيّ" كلها واضح عليها الجناس الاشتقاقي ولها نماذج كثيرة في نهج البلاغة. كلام الأمير عليه السلام وامير الكلام كما يصفه شارح النهج في أحد مواضع شرح النهج حين يأتي الى شرح خطبة الهكم التكاثر حتى زرتم المقابر يقول عنه ابن ابي الحديد والله ما قرأت هذه الخطبة إلا وبكيت وكان امير المؤمنين لايقصد بهذه الخطبة إلا نفسي حيث يصف الموت بأبلغ الأوصاف وحيث تقرع كلماته النفس الانسانية ويستشعر الانسان حينها الخوف من الموت والتهيء للموت وسكرات الموت وكل ما في مسئلة الموت من معاني رهيبة وتقرع الانسان التحدث عن هذا الأمر إلا ويرتجف وترتجف فرائصه وترتعد من هذا الذكر الذي يصفه امير المؤمنين حين يفسر قوله تعالى اللهم التكاثر حتى زرتم المقابر. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين. المحاور: حياكم الله مستمعينا الأفاضل أنتم معنا من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران ونشكر فضيلة الاستاذ علي النقشبندي الباحث الاسلامي من ايران. مستمعینا الأطایب ! ومن أشکال الجناس التي نلحظ استعمالها في نهج البلاغة ، الجناسُ المضارع وهو مایکون باختلاف اللفظتین في حرفین مع قرب مخرجهما من مثل قوله تعالی في سورة الأنعام : " وهم ینهون عنه وینئون عنه ، ومن أمثلته في کلام أمیر المؤمنین سلام الله علیه قوله : " من أطال الأملَ أساء العملَ . حیث نلحظ الجناس قائماً بین الکلمتین ( الأمل ) و ( العمل ) في کل العناصر إلّا بین الهمزة في الکلمة الأولی والعین في الکلمة الثانیة ومع ذلک فإن ما یجمعهما التقارب في مخرجي الحرفین حتی لیکاد هذا الجناس أن یتحوّل إلی جناس کامل . وهناک نوع آخر من الجناس یسمّی الجناس الناقص ، وهو ما اختلف في واحد من الأمور الأربعة (نوع الحروف ، شكلها ، عددها ، ترتيبها) کقوله تعالی : " فأما اليتيم فلا تقهر ، وأما السائل فلا تنهر ، ففي هذه الآیة جناس بین الفعلین ( تقهر ) و ( تنهر ) ولکن الاختلاف في نوع الحرف بین القاف والنون جعل منه جناساً ناقصاً ، ومثاله في نهج البلاغة قولُ أمیر المؤمنین علیه السلام : " إنّ کلامَ الحکماء إذا کان صواباً کان دواءً ، وإذا کان خطأً کان داءً. فنحن نلاحظ هذا النوع من الجناس بین الکلمتین دواء و داء ولکنّ عنصر الاختلاف بینهما هو في عدد الحروف فضلاً عن الطرافة والمفارقة في استعمالهما فهما یعطیان معنیین متضادّین رغم التشابه اللفظة بینهما وعدم وجود اختلاف إلا في مکوِّن واحد من مکوّنات الکلمة وهو عدد الحروف کما ذکرنا . مستمعینا الأحبّة ! انتظرونا في الحلقة المقبلة من برنامجکم علی خطی النهج لنکمل حدیثنا حول الجناس وأنواعه في نهج البلاغة ، وروعة البیان في استخدام هذا اللون من الصناعات البدیعیّة الهادف بالدرجة الأولی إلی تعمیق تأثیر الکلام في نفس المتلقّي من خلال توظیف هذه الأسالیب ، حتی ذلک الحین نشکر لکم طیب المتابعة ، وفي أمان الله . الجناس في نهج البلاغــة - ق1 - 18 2016-11-16 09:44:24 2016-11-16 09:44:24 http://arabic.irib.ir/programs/item/14204 http://arabic.irib.ir/programs/item/14204 مستمعینا الأطایب! ها نحن ذا نعاود اللقاء بکم مع جولة أخری بین رحاب نهج البلاغة في أسالیبه التعبیریّة والبیانیّة عبر حلقة جدیدة من برنامج علی خطی النهج سنتتبّع فیها مظاهر توظیف الإمام علي (ع) لفنّ الجناس في کلامه، برجاء أن تمضوا معنا أوقاتاً حافلة بکل ما هو نافع وممتع ... أحبّتنا المستمعین الأکارم ! لاشک في أن نهج البلاغة یعدّ من أقدم النصوص العربیّة النثریة التي جاءت معبّرة عن رؤیة شاملة وعمیقة للعالم والعلاقات السائدة فیه ، بما فیها علاقة الإنسان بربّه وبالآخرین ، وقد اعتُبر هذا الکتاب من الناحیة الفنّية من النصوص العبقریة التي جمعت بین عمق المضمون وجمال الشکل في کلّ ما ورد فیه من أنواع نثریّة خطباً ورسائل وحکماً . ومن بین الصناعات البلاغیّة التي یتجلّی فیها جمال الشکل والصورة في نهج البلاغة فضلاً عن القیمة المضمونیّة ، مایعرف في علم البدیع بالجناس الذي یتمتع بأهمیّة کبری في بناء شکل النص الأدبي والکشف عن دلالاته الإیحائیة المنبثقة من البنی الموسیقیة والصوتیة التي یحقّقها ، وتبیان ما له من وظائف دلالیة وجمالیة یعتمد تأویلها علی ثقافة المتلقّي وخبرته الجمالیة . وقد عرّف علماء البلاغة الجناس بأن تتفق اللفظتان في المبنی مع الاختلاف في المعنی، ویظهر من هذا التعریف أن الجناس ذو طبیعة تکراریة منشؤها معاودة الألفاظ مع الاختلاف في المعنی، فجوهر الجناس یقوم علی الاشتراک اللفظي، وهو ضرب من ضروب التکرار الذي یفید في تقویة الحالة النغمیة والموسیقیة والإیقاعیة للألفاظ ؛ فهو یمثّل ثنائیة صوتیة تتوافق فیها الصورة بین الکلمتین، وقد یصل التطابق الجناسي إلی حدّ الاکتمال في اللفظ والوزن والحرکة، وقد یکون للجناس أقسام عدّة تختلف في طبیعتها التکوینیة وتشترک في صفة التکرار الکلّي أو الجزئي، فضلاً عن اتصافها بأن اللفظ المتکرّر یخالف نظیره في المدلول الذي یؤدّیه ، وهي میزة رئیسة تمیّز الجناس عن غیره من أنواع التکرار . إخوتنا المستمعین الأفاضل ! حول الجناس وأنواعه ودوره في إضفاء القیمة الجمالیة علی النص الأدبي وتمیق الأثر في نفس المتلقّي ،أدلی لنا خبیر البرنامج علی الهاتف الشيخ حسين احمد السيد الباحث الاسلامي من سوريا بحدیث نسترعي انتباهکم إلیه : السيد: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين أسعد الله أوقاتكم أيها الأخوة والمستمعون ورحمة الله تعالى وبركاته حديثنا اليوم عن الجناس في اللغة العربية والجناس هو نوع من المحسنات الكلامية والبلاغية في لغة العرب. الجناس يأتي بمعنى المجانسة والتجانس والتجنيس كما يقول أهل اللغة، وهو إتفاق كلمة او اثنين او اكثر بذات اللفظ والحروف والعدد والشكل والرسم إلا أنهما يختلفان بالمعنى فتؤدي كل لفظة معنى مخالفاً للمعنى الذي أدته الأولى. الجناس أي أن نأتي بلفظين بنفس الحروف ونفس العدد ولكن يختلفان بالمعنى كأن تخاطب انساناً عزيزاً عليك وتقول "يا انسان عيني يا انسان" فالانسان الأول هو الناظر بالعين والانسان الآخر هو من تخاطبه. او أن تقول لعزيز "يافؤاد قلبي يافؤاد" فالأولى تعني سويداء القلب والأخرى تعني اسم الرجل الذي تخاطبه. فهذا الضرب وهذا النوع من الكلام في اللغة العربية يضفي عليها مسحة جمالية كبيرة جداً وفي القرآن الكريم وفي الروايات الشريفة وخاصة في نهج البلاغة فيها الكثير الكثير من هذه المحسنات كقوله تعالى في سورة الروم المباركة "ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة" فالساعة الأولى يعني بها يوم القيامة والساعة الثانية المقصود بها هي ساعة زمانية. هذا هو الجناس وهذا الذي نعني به في اللغة العربية وله أشكال وأنواع. المحاورة: نتقدم بجزيل الشكر لسماحة الشيخ حسين احمد السيد الباحث الاسلامي من سوريا لإتاحته لنا هذه الفرصة. مستمعینا الأکارم ! ومن أمثلة الجناس الذي ورد في نهج البلاغة فیما یتعلّق بالألفاظ المشتقة من أصل لغوي واحد ، قوله سلام الله علیه : " لقد علمتم : أني أحق الناس بها من غيري ، وواللـه لأَسَلّمَنَّ ما سلمتْ أمورُ المسلمين ولم يكن فيها جور إلاّ عَلَيَّ خاصة ، التماساً لأجر ذلك وفضله ، وزهداً فيما تنافستموه من زخرفه وزِبرَجه . فالألفاظ : أسلمنَّ وسلمت ومسلمین کلّها مشتقة من أصل لغوي واحد هو (سلم)، ولکنّ أمیر المؤمنین أراد أن یقدّم لنا صیاغات متعدّدة بدلالات متباینة، وهنا تتجلّی وظیفة الجناس في إحداث الأثر في المتلقّي وجعله یتوقّف عند هذا الاستعمال ، بحیث لا یمکن لهذا المتلقّي أن یهمل تلک العناصر من دون النظر في النص ومعانیه، وظلال المعاني التي أسبغها الجناس الاشتقاقي ، ذلک لأن الجناس یمثّل دعامة قویّة تؤکد المعنی الذي یرید المتکلّم أن یثبته. وهو ما أراده الإمام (ع) في تأکید المنفعة الجماعیة علی المنفعة الذاتیة في التنازل عن حقّه الشخصي . ومن أمثلة الجناس التام في کلامه علیه السلام وهي کثیرة الورود في النهج ، قولُه في ذمّ الدنیا : " مَا أَصِفُ مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ وَ آخِرُهَا فَنَاءٌ فِي حَلاَلِهَا حِسَابٌ وَ فِي حَرَامِهَا عِقَابٌ مَنِ اِسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ وَ مَنِ اِفْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ وَ مَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ وَ مَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ وَ مَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ وَ مَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ . فالجناس حصل هنا في المقطعین الدلالییّن ( أبصر بها ) و ( أبصر إلیها ) ، وذلک في تکرار اللفظتین ، ولکنّ تأمّل النص ینبیء عن أن البنیة الموسیقیّة لم تتکوّن بهذا التکرار وحده ، إذ إن استعمال حرفي المعاني ( الباء و إلی ) کان شریکاً في هذا التکوین ، فاختلاف الحرفین أدّی إلی تنویع مرجعیّة المشار إلیه ؛ فمرجعیّة الأول تکمن في جواب الشرط ( بصرته ) ، ومرجعیّة الآخر تکمن في (أعمته ) ، فاختلاف الدلالة نتج بفعل استعمال الحرفین الباء وإلی ، ولو سقط هذان الحرفان لاختفت الموسیقی التي تکوّنت لتؤدّي أثراً بالغ الأهمیّة في إنتاج الدلالة التجانسیّة . إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! وهنالک نوع من الجناس ذکره علماء البلاغة من خلال استقراء نماذجه في النصوص العربیّة الأدبیّة وهو ما اصطلح علیه باسم الجناس المصحّف أو جناس التصحیف الذي تتجلّی فیه قدرة الأدیب علی التصرّف في الألفاظ من دون أن ینقص ذلک من المعنی شیئاً حیث نری الألفاظ في هذا النوع من الجناس متطابقة في کلّ أرکانها من حروف وحرکات وغیرها ومختلفة في رکن واحد فقط هو النقاط . المحاور: حول هذا النوع من الجناس وأمثلته في كلام امير المؤمنين، امير البلاغة عليه السلام سألنا خبير البرنامج في هذا اللقاء فضيلة الشيخ حسين احمد السيد الباحث الاسلامي من سوريا فأفادنا في هذا المجال قائلاً: السيد: اذا أردنا أن نتحدث عن الجناس في نهج البلاغة فإننا سنقف على بحر طمطام ومحيط قمقام في هذا المجال لأن من نهّج البلاغة وفصح الفصاحة وسن السنن في هذا المجال هو امير الكلام وامير المؤمنين الامام علي بن ابي طالب عليه آلاف التحية والسلام، فإن امير المؤمنين عليه السلام في كلامه المعجز وكما وصفه اهل العلم والدراية واللغة أنه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق فأمير المؤمنين عليه السلام الذي وضع أسس البلاغة والذي نشر البلاغة واللغة العربية في هذا الذي جمعه الشريف الرضي وسماه نهج البلاغة، وقد أصاب وأجاد وأفاد. فنهج البلاغة من اوله الى آخره يكاد لاتخلو منه صفحة او تخلو منه خطبة من وجود هذه المحسنات البلاغية فنهج البلاغة فيه من البلاغة العربية مايعجز عنه الانسان ومن محسناته الجناس. فأمير المؤمنين عليه السلام بكلا معنييه، الجناس الكامل او التام والناقص موجود في كلامه روحي له الفداء، فعلى سبيل المثال أنه يقول في خطبة له جميلة جداً عندما سأله صاحبه همام عن صفة المتقين فأراد امير المؤمنين أن يصفهم فوصفهم وقبل أن ينتهي كانت نهايته همام يقول في بعض كلماتها "فإن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق حين خلقهم غنياً عن طاعتهم آمناً من معصيتهم لأنه لاتضره معصية من عصاه" هذه الكلمات التي أوكد عليها "خلق الخلق، خلقهم، معصية من عصاه" هذه كلها جناس، المتوافقة كامل وتام والتي فيها حرف ناقص او زائد هي من الجناس الناقص. "لاتنفعه طاعة من أطاعه فقسم بينهم معيشتهم ووضعهم من الدنيا مواضعهم" وضعهم، مواضعهم فهذا الكلام الذي تفضل به سيدنا ومولانا امير المؤمنين عليه السلام هو من الجناس الجميل البديع الذي يضفي على الكلام مسحة من الجمال في اللغة العربية. المحاورة: نتقدم بجزيل الشكر لسماحة السيد حسين احمد السيد الباحث الاسلامي من سوريا لإتاحته لنا هذه الفرصة وشكراً جزيلاً لكم. أحبّتنا المستمعین ! وقال سلام الله علیه : " وَ أُحَذِّرُكُمْ أَهْلَ اَلنِّفَاقِ فَإِنَّهُمُ اَلضَّالُّونَ اَلْمُضِلُّونَ وَ اَلزَّالُّونَ اَلْمُزِلُّونَ يَتَلَوَّنُونَ أَلْوَاناً وَ يَفْتَنُّونَ اِفْتِنَاناً وَ يَعْمِدُونَكُمْ بِكُلِّ عِمَادٍ وَ يَرْصُدُونَكُمْ بِكُلِّ مِرْصَادٍ قُلُوبُهُمْ دَوِيَّةٌ وَ صِفَاحُهُمْ نَقِيَّةٌ يَمْشُونَ اَلْخَفَاءَ وَ يَدِبُّونَ اَلضَّرَاءَ وَصْفُهُمْ دَوَاءٌ وَ قَوْلُهُمْ شِفَاءٌ وَ فِعْلُهُمُ اَلدَّاءُ اَلْعَيَاءُ حَسَدَةُ اَلرَّخَاءِ وَ مُؤَكِّدُو اَلْبَلاَءِ وَ مُقْنِطُو اَلرَّجَاءِ . الملاحظ أن الجناس جاء في النص السابق في قوله : الضالّون المضلّون و الزالّون المزلّون ، حیث اختلف بنیة هذه الکلمات علی الرغم من أنها کلّها اسم فاعل ، لکنّ اختلاف بنیة الفعل المشتقّ منها بین الثلاثي والرباعي أدّی إلی ذلک ، وقد واکب هذا التغایر الصوتي حرکة المعنی ، فجاء معبّراً عنه خیر تعبیر ، فخطورة المنافق علی الإسلام دفعت الإمام (ع) إلی أن یرکّز علیه ترکیزاً صوتیاً جناسیاً متکرّراً لافتاً للانتباه ، إذ وصف فعله وخطورته ، ثم أوصل هذا الوصف بوصف شخصیّاتهم وصفاً بارزاً بسبب استعمال تقنیّة الجناس نفسها في قوله یتلوّنون ألواناً و یفتنون افتناناً ، لتتصل هذه التقنیّة الجناس السجعي في الفواصل وهي التي یتعاضد فیها عاملان بنائیّان لتقویة الشکل ، وکلّ هذه التقنیّات الأسلوبیة جاءت لکشف المعنی وبیانه ، فضلاً عن أن المعنی هو الذي یطلبها . إخوتنا ، أخواتنا المستعین والمستمعات ! حدیثنا عن الجناس وأمثلته في نهج البلاغة ومظاهر جماله اللفظي والمعنوي ستکون له تتمّة في حلقة الأسبوع المقبل بإذن الله من برنامجکم علی خطی النهج ، حتی ذلک الحین ، تقبّلوا منا خالص التحایا وکلّ الشکر والتقدیر علی مرافقتکم لنا ، وفي أمان الله . أسلوب الإيجاز في نهج البلاغة - 17 2016-11-02 13:04:17 2016-11-02 13:04:17 http://arabic.irib.ir/programs/item/14158 http://arabic.irib.ir/programs/item/14158 إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات في کلّ مکان ! تحیّة الإیمان والإسلام نبعثها لحضراتکم أینما کنتم ، ونحن یسعدنا أن نعاود اللقاء بکم لنصطحبکم معنا في جولة جدیدة من جولاتنا الأسبوعیّة بین رحاب نهج البلاغة عبر برنامجکم علی خطی النهج ، راجین أن تقضوا معنا أوقاتاً تجمع بین الفائدة والمتعة في محطّتنا لهذا الأسبوع ... مستمعینا الأعزّة ! مازلنا متواصلین معکم عند أسلوب الإیجاز الذي یطالعنا في جمیع أرجاء نهج البلاغة وخاصة في الباب الأخیر منه حیث تستوقفنا کلماته وحکمه القصار علیه السلام في روعة بلاغتها وفي سموّها علی حدود الزمان والمکان ، ونبدأ استعراضنا لمظاهر الإیجاز بقوله علیه السلام : " تَذِلُّ الْأُمُورُ لِلْمَقَادِيرِ، حَتَّى يَكُونَ الْحَتْفُ في التَّدْبِيرِ . فهاهنا يحذر الإمام من المخبّآت والمفاجآت التي لا تراها العيون، ولا تومى‏ء إليها القرائن من قريب وبعيد، يحذّر كل إنسان من ذلك كي يحتاط ويحترس.. على ان الوقاية من الهلاك قد تكون هي السبب الموجب له، كالطبيب يصف‏ نوعاً من الدواء لمريضه بقصد الشفاء، فيقضي عليه، ويتحصن الجيش من‏عدوه ويفر من الجهاد طلباً للسلامة فيقع فيما هو أدهى وأمرّ. ومن أقواله الأخری علیه السلام في الموت وحتمیّته حتی وإن ظنّ الإنسان نفسه أنه بمنجاة منه قوله مستخدماً کلمة " الأمل " التي تعني متاع الدنیا وأمانیها بکلّ أنواعها : " مَنْ جَرَى فِي عِنَانِ أَمَلِهِ عَثَرَ بِأَجَلِهِ . فكل الأعمال بالآمال، ولو لا الأمل لبطل العمل. والمذموم هو أن نطلق العنان ‏لنملك الدنيا وحطامها، وأن نزاحم الآخرين، معلنین الحرب من أجلها غير مكترثین بواجب وحرام، ولا بدين وشريعة. ومن كان هذا شأنه نسي الموت‏ و ما بعده ، واختطفه على حين غرة ، لیذهب به الى خالقه بلا زاد واستعداد. مستمعینا الأفاضل ! یمثّل الإیجاز القمّة في البلاغة ، والمیدان الذي یتسابق فیه البلغاء ، ومتی ما کان البلیغ قادراً علی الإتیان بالکلام الموجز المتضمّن للغزیر من المعاني ، کان بحقّ من أفذاذ البلاغة وأمرائها ، ولقد تجلّت هذه الصفات کأفضل ما یکون التجلّي في شخصیّة أمیر المؤمنین سلام الله علیه ، حول هذه الظاهرة - ظاهرة میل الإمام علیه السلام - إلی الإیجاز حتی في خطبه ورسائله سألنا خبیرنا علی الهاتف السيد حسن الكشميري الباحث الاسلامي من مدينة قم المقدسة ، فأدلی لنا بحدیث نسترعي انتباهکم إلیه : الكشميري: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين. امامنا امير المؤمنين عاش فترات حساسة ومضطربة لذلك حياة الامام غنية بالمعطيات المتنوعة في أكثر من مجال وتحرك الامام امير المؤمنين سلام الله عليه منفتحاً على آفاق عالية في الحياة ولما كانت مسئلة الأدب والشعر والمقال والكلمة هي التي تغطي حضارة العرب اذا ما رجعنا الى تاريخ المنطقة الثقافي نرى المنطقة كانت غنية بهذا المجال. الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه أعطى جانباً إبداعياً لامثيل له في مسئلة ما نسميه اليوم بالاختصار او الإيجاز ولهذا بما أن الامام عاش مع القرآن جنباً الى جنب من حين نزول اول آية الى آخر آية ولاحظ الامام امير المؤمنين وهو ترجمان القرآن، لاحظ أن القرآن كيف يوجز في عرض بعض القضايا التي ربما دامت واحداً وتسعين عاماً مثلاً قصة يوسف النبي، كيف القرآن يوجزها بمئة واحد عشر آية. الامام على غرار ما إستلهم من معاني القرآن وقصص القرآن الكريم وطريقة عرض القصص بإختصار وبإيجاز فنلاحظ أن الامام صلوات الله عليه ساير ذلك المنهج وأعطى به إبداعاً فريداً من نوعه. مثلاً عندما نقرأ في القرآن "وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه" الامام سلام الله عليه يخاطب ولده الحسن وهو يعطي نفس هذه الصورة ولكن في اطار أدبي جميل " وإعلم يابني إن الذي في يدك من مال الدنيا قد كان له أهل قبلك وهو صائر الى أهل من بعدك". المحاورة: نتقدم بالشكر الجزيل لسماحة السيد حسن الكشميري الباحث الاسلامي من مدينة قم المقدسة. أعزّتنا المستمعین ! ومن روائع إیجازه علیه السلام قولُه في الصدقة والحثّ علیها ، وضرورة أن یأخذ العباد بنظر الاعتبار الآخرة في أعمالهم : " اَلصَّدَقَةُ دَوَاءٌ مُنْجِحٌ وَ أَعْمَالُ اَلْعِبَادِ فِي عَاجِلِهِمْ نُصْبُ أَعْيُنِهِمْ فِي آجِلِهِمْ والمراد بالصدقة هنا كل معونة تسد حاجة من حاجات الحياة خاصة كانت كإغاثة الملهوف، أم عامة كبناء ميتم يأوي المشردين، أم مصنعا ينتج الغذاء والكساء والدواء للمحتاجين. وأي دواء أكثر نفعا من خدمة الإنسان وسد حاجاته؟ وهذه الصدقة لا تجيب دعوة المضطر وكفى، بل هي أيضاً دواء وخلاص من عذاب الحريق في يوم الحساب والجزاء. ويأتي قريباً من ذلک قول الإمام (ع) "مِن كفّارة الذنوب العظام إغاثة الملهوف، التنفيس‏عن المكروب. وفي موضع آخر یقول علیه السلام لافتاً الأنظار إلی الآیة الکبری التي خلقها الله تعالی ألا وهي الإنسان بعجائب خلقه ، وبدیع صنعه ، حیث أشار في هذا القول إلی حواس الإنسان بألفاظ أخری دلّت علی الإیجاز : "اعْجَبُوا لِهذَا الاْنْسَانِ يَنْظُرُ بِشَحْم، وَيَتَكَلَّمُ بِلَحْم، وَيَسْمَعُ بِعَظْم،وَيَتَنَفَّسُ مِنْ خَرْم فقول أمير المؤمنين عليه السلام (اعْجَبُوا... ) هو طلب التعجّب ،من الاعجاز في الخلق المسبوق بالتفكّر ، و من نظر في تشريح بدن الإنسان حضرته شواهد من الحكم الإلهية يحار فيها لبّه و يدهش فيها عقله ؛ فقد نبّه أمير المؤمنين عليه السّلام على لطف، وإعجاز خلق الإنسان ببعض أسرار حكم اللّه في الإنسان ، وغايته عليه السلام من ذلك: الاستدلال على حكمة الصانع وابداعه ، فذكر أربعة من محالّ النظر والاعتبار ، وهي آلة البصر و الكلام والسمع والتنفّس . وهي من أهم الحواس الخمس. قال ابن أبي الحديد :((هذا كلام محمول بعضه على ظاهره ، لما تدعو إليه الضرورة من مخاطبة العامّة بما يفهمونه ، والعدول عمّا لا تقبله عقولهم ، ولا تفي به)) . فيكون الكلام بليغاً لمطابقته مقتضى الحال، واحتوى كلامه عليه السلام على فن من فنون علم المعاني وهو الإیجاز فضلاً عن السجع المتوازي، وذلك في قوله: " يَنْظُرُ بِشَحْم، وَيَتَكَلَّمُ بِلَحْم، وَيَسْمَعُ بِعَظْم، وَيَتَنَفَّسُ مِنْ خَرْم. المحاور: حياكم الله أحبتنا الأفاضل نختتم حلقتنا لهذا الأسبوع من برنامج علی خطی النهج ببث الحديث التالي الذي أدلى به خبير البرنامج السيد حسن الكشميري الباحث الاسلامي من مدينة قم المقدسة مشكوراً حول الكلمات والألفاظ التي استخدمها امير المؤمنين عليه السلام في قصار كلماته في سبيل الإيجاز والكناية للتعبير عن معاني ومفاهيم لم توضع لها تلك الكلمات والألفاظ أساساً ولكنه استعملها من باب عدم التصريح المباشر بالمعاني والدلالات فجاءت أقواله أكثر إيجازاً وبلاغة وأعمق تأثيراً في نفوس المخاطبين، فلنستمع معاً: الكشميري: الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه تفرد في كثير من الأمور والتاريخ يسجل له ذلك رغم أن أعداءه حاولوا تضييع هذا المجال وهذا المضمون. الامام صلوات الله وسلامه عليه مر بحياة شاهد فيها تنوعاً غريباً من الفتن وإستشعر معاناة الأمة في ذلك التاريخ الذي عاشه وتحرك من خلاله بأداء نوعي ومهني غريب فحينما نمر بخطب الامام في نهج البلاغة في رسائله، في كلماته القصار نرى الامام سلام الله عليه كيف يتحرك وكيف يعكس المعنى الواسع الكبير في جملة قصيرة قد لاتفوق الأربع كلمات او الثلاث كلمات، مثلاً تعج هناك فتنة، الامام يختصر كل ذلك بجملة واحدة مخاطباً الانسان وطبعاً هو يخاطب ابنه الحسن عليه السلام ولكن يخاطب كل البشر الى هذه الساعة والى يوم تقوم القيامة. "كن في الفتنة كإبن اللبون" ثم يعطي الامام المضمون، ماهو ابن اللبون؟ اللبون هو ولد الناقة الذكر الذي لايقوى ظهره على أن يركبه أحد وليس له ضرع يحلب منه. الامام يريد من الانسان أن يتحرك بشكل لايكون جسراً يصل غيره من خلاله الى أطماعه فيكون هو الخاسر الأول والأخير "يابني كن في الفتنة كإبن اللبون لاظهر فيركب ولاضرع فيحلب". المحاور: حياكم الله مستمعينا الأفاضل وموفور الشكر لسماحة السيد حسن الكشميري الباحث الاسلامي من مدينة قم المقدسة. في ختام حلقتنا لهذا الأسبوع من برنامجکم علی خطی النهج لکم منّا خالص الشکر والتقدیر علی طیب متابعتکم ، ولخبیر البرنامج کلّ الامتنان ، وعلی أمل أن نجدّد اللقاء بکم عند أسلوب بلاغي آخر من أسالیب نهج البلاغة ، نترککم في رعایة الخالق ، وإلی اللقاء . الإیجاز في نهج البلاغة - 16 2016-10-24 07:40:42 2016-10-24 07:40:42 http://arabic.irib.ir/programs/item/14122 http://arabic.irib.ir/programs/item/14122 مستمعینا الکرام ، محبّي الأدب وعشّاق البلاغة ! ها نحن ذا نجدّد اللقاء بحضراتکم عند آفاق أخری من آیات الفصاحة والبیان في نهج البلاغة عبر برنامجکم علی خطی النهج ، آملین أن تمرّ علیکم هذه الدقائق مفعمةً بکلّ ما هو نافع وممتع في هذه المحطّة التي سنغذّ فیها السیر بین مظاهر الإیجاز ونماذجه في النهج ، کونوا معنا ... أعزّتنا المستمعین ! ومن جوامع کلمه سلام الله علیه في باب حکمه القصار التي ینطلق منها الفکر لیسوح في آفاق المعاني علی وجازتها واختصارها الشدیدین والذي قد لا یتعدّی في بعض الأحیان الکلمتین ، قوله في أحوال الدنیا وأبنائها : " إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَى أحَد أَعَارَتْهُ مَحَاسِنَ غَيْرِهِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْهُ سَلَبَتْهُ مَحَاسِنَ نَفْسِهِ . المراد هنا بإقبال الدنيا على الإنسان أن ينال منها ما يُغبَط عليه ويحسد، والمراد بإعارته محاسنَ غيره أن يرفَع فوق منزلته، كمن ساد، وما هو بأهل للسيادة. وليس من الضروري أن تنسب اليه فضائل الآخرين، بل ‏قد يكون ذلك، وقد لا يكون، والمعيار أن يقدّر بأكثر من ثمنه. والمراد بـ سلبته محاسن نفسه أن تبخس أشياؤه، فیهضم حقه ومقامه. والأمثلة على ذلك‏لا تحصى كثرة. ومن أقواله الجامعة الموجزة في الکیفیّة والأسلوب الصحیحین لمخالطة الناس ومعاشرتهم : " خَالِطُوا النَّاسَ مُخَالَطَةً إِنْ مِتُّمْ مَعَهَا بَكَوْا عَلَيْكُمْ، وَإِنْ عِشْتُمْ حَنُّوا إِلَيْكُمْ . هناک فرق بعيد بين النفاق وحسن المعاشرة، فالنفاق أن تضمر البغض وتظهر الحب، أما حسن المعاشرة فهي أن تحسن ولا تسي‏ء، تحب ولا تكره، تعين ولا تخذل.. وبهذا تكون محبوباً عند الناس يبكون عليك إن متّ، ويحنون إليك ‏ان غبت. وقال سلام الله علیه : " إِذَا قَدَرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ الْعَفْوَ عَنْهُ شُكْراً لِلْقُدْرَةِ عَلَيْه‏ . لقد علّمتنا التجربة وتكرارها أشياء، منها أن من فرّ الى الله وقرع بابه مخلصاً أغاثه وشمله بعنايته، ومنها أن من شكر القليل من فضله تعالى زاده أضعاف، ومن رفضه وتبرم به طلباً للكثير عاقبه بالحرمان، و من أبى إلا القصاص بيده‏ ممن أساء اليه تركه سبحانه وشأنه يشفي غيظه من عدوه ان استطاع، و من‏عفا عن حقه الخاص لوجه الله كان له ناصر، وعوّض عليه أضعافاً مضاعفة. أعزّتنا المستمعین ! من المعلوم أن علماء البلاغة أحصوا للإیجاز في اللغة العربیّة نوعین هما : إیجاز القصر وإیجاز الحذف ، حول النوع الأول وهو إیجاز القصر في نهج البلاغة ، سألنا خبیرنا الأستاذ جعفر عساف الأستاذ في الحوزة العلمية من لبنان علی الهاتف ، فأفادنا قائلاً : عساف: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين. المتأمل في كلام امير المؤمنين في نهج البلاغة في خطبه وفي كلماته المتعددة نجد أن امير المؤمنين علي عليه السلام كان في قمة البلاغة والفصاحة، ومن جملة هذه البلاغة والفصاحة كلامه صلوات الله عليه المبني على الإيجاز. طبعاً علماء اللغة العربية وعلماء البلاغة قسموا الإيجاز الى قسمين، إيجاز قصر وإيجاز حذف وهذا ما نجده في كلام علي عليه السلام حيث نجد في بعض خطبه وفي بعض كلماته نجد إيجاز القصر يعني بمعنى أن تكون الكلمات قليلة والمعاني كثيرة من دون أي تغيير في المعنى. ومن جملة الأمثلة التي يمكن أن نشهدها ونجدها في كلام علي عليه السلام نلاحظ قول علي عليه السلام عندما يقول "إن الغاية امامكم وأن وراكم الساعة، خففوا فإلحقوا فإن ما ينتظر اولكم بآخركم" ففي هذا الكلام مع إختصاره مع قلة عدد ألفاظه نجد امير المؤمنين علي عليه السلام قد تحدث عن معاني كثيرة يحدث اصحابه عن صنيع الدنيا واجتماع الخلائق وايضاً يشير بهذه الكلمات القليلة عندما يقول "تخففوا تلحقوا" يشير الى الزهد في الدنيا وما فيها. كذلك من جملة كلام علي عليه السلام الذي فيه إيجاز القصر، عندما يتحدث عن الله عزوجل يقول "التوحيد أن لاتتوهمه والعدل أن لاتتهمه" نلاحظ أن هناك معاني كثيرة تنضوي تحت كلام علي عليه السلام عندما يقول التوحيد أن لاتتوهمه والعدل أن لاتتهمه يعني أن لاتتهم الله سبحانه وتعالى في عدله وأن لاتتهم الله سبحانه وتعالى في خلقه وأن لاتتهم الله سبحانه وتعالى في رزقه لعباده وأن لاتتهم الله سبحانه وتعالى في حسابه وفي يوم القيامة. لذلك الله سبحانه وتعالى في هذه الكلمات يصفه علي عليه السلام بكلمات قليلة ولكنها معاني كثيرة. المحاورة: نتقدم بجزيل الشكر لسماحة السيد جعفر عساف الأستاذ في الحوزة العلمية من بيروت لإتاحته لنا هذه الفرصة. مستمعینا الأحبّة ! ومن درر بلاغته علیه السلام الأخری ، وآیات إیجازه في القول و إکثاره من المعاني ، قولُه ضرورة عدم التفریط بالصدیق والإخوان : " أعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الْإِخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ . قالوا في تعريف الصديق وصفاته وأكثروا. والوصف الداخل في ماهيته أو اللازم لها هو أن الصديق حقاً هو من يرفض الشائعات عن صديقه حتى ولو كان‏على جهل بمصدره. فهذا الصديق ثروة وعدة في الدين والدنيا. وإذا كان الإخوان أفضل قوة وثروة يقتنيها الإنسان فمن العجز أن یعيش الواحد منّا بلا أصدقاء، فإن ضيّعنا واحداً منهم بعد الظفر به فنحن أخسر الفاشلين، كما قال الإمام ، ثمّ لا متعة أعذب وأطيب من حديث تنفض به عن قلبك غبار الآلام‏ و الأشجان أمام صديق يصغي اليك بروح زاكية تطمئن اليه، عاطفة دافئة تلجأ اليها.. ومن فقد متعة الإحساس بالصداقة فقد حرمه الله أجمل ما في الحياة، وإن كان یعیش حیاة الترف والرخاء . و قال علیه السلام في وجوب الشکر وعدم الجحود بنعم الله : "إِذَا وَصَلَتْ إِلَیْکُمْ أَطْرَافُ النِّعَمِ فَلَا تُنَفِّرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّهِ الشُّکْرِ. القصد هنا من أطراف النعم أوائلها والقليلُ منها، وأقصاها نموُّها وزيادته، المعنى ‏ان الله سبحانه إذا أحدث لك نعمة فاحفظها وعظّمها بالشكر والتدبير، من أي نوع كانت وتكون، فإن حقرتها وقصرت في حفظها وشكرها سلبها الله منك، حرمك من غيره. ومن جمیل أقواله وطریفها : " مَا کُلُّ مَفْتُونٍ یُعَاتَبُ المراد بالمفتون هنا من فعل ما لا ينبغي فعله، والمعنى اذا رأيت شذوذاً من‏إنسان فلا تبادر الى لومه وعتابه قبل أن تعرف السبب الموجب لذلک، فابحث ‏و انظر، فإن كان السبب مشروعاً كمن أكل من الميتة وسرق رغيفا لسد الجوعة فهو معذور إذا انحصر سبب الحياة بذلك ، إذ كان جاهلاً بلا تقصير، وإن ‏كان لمجرد الهوى واللامبالاة بالدين والقيم فهو مأزور، وعلينا أن نرشده بالحسنى.. مستمعینا الأطایب ! کنّا قد سألنا خبیر البرنامج سماحة السيد جعفر عساف الباحث الاسلامي والأستاذ في الحوزة العلمية من لبنان عن إیجاز القصر وأمثلته في نهج البلاغة ، وقد طلبنا منه أن یسلّط الضوء علی النوع الآخر من الإیجاز وهو إیجاز الحذف ومظاهره ونماذجه في نهج أمیر المؤمنین سلام الله علیه ، فأدلی لنا بحدیث في هذا المجال نسترعي انتباهکم إلیه : عساف: أما بالنسبة الى إيجاز الحذف الذي ورد في كلام علي عليه السلام وايضاً كما نعرف أن علماء البلاغة واللغة العربية قد قسموا إيجاز الحذف ايضاً الى ثلاثة أقسام، قد يكون الحذف حذف الاسم وقد يكون حذف حرف وقد يكون حذف جملة وطبعاً إشترطوا في حذف هذه الكلمات او الحروف او الجمل بشرط أن لايخل بالمعنى لذلك امير المؤمنين علي عليه السلام ايضاً نجد أنه استعمل هذا الأسلوب وكان هو السيد لهذا الكلام بل امير لهذا الكلام عندما يتحدث عن التقوى، يقول علي عليه السلام "إن تقوى الله دواء داء قلوبكم وبصر عمى أفئدتكم وشفاء مرض اجسادكم وسراح فساد صدوركم..." فنلاحظ علي عليه السلام استعمل إيجاز الحذف في هذا الكلام، عندما يقول فإن تقوى الله دواء داء قلوبكم وبصر عمى أفئدتكم، بدلاً من أن يقول إن تقوى الله بصر عمى أفئدتكم وتقوى الله شفاء مرض اجسادكم وتقوى الله سراح فساد صدوركم فحذف هاتين الكلمتين لوجود دلالة عليها وهذا كان إيجاز حذف. وكذلك في بعض كلمات علي عليه السلام يقول "مالي أراكم أرواح بلا أشباح ونساكاً بلا صلاح وتجاراً بلا أرباح ...." فكان امير المؤمنين علي عليه السلام بدلاً من أن يغير هذه الحروف يقول مالي أراكم أرواحاً بلا أشباح ومالي أراكم نساكاً بلا صلاح ومالي أراكم تجاراً بلا أرباح فهو لن يكرر هذه الحروف وإنما إكتفى بالحرف الأول فقال مالي أراكم أرواحاً بلا أشباح ونساكاً بلا صلاح ... الى آخر كلامه صلوات الله وسلامه عليه. المحاورة: نشكر بجزيل الشكر سماحة الشيخ جعفر عساف الباحث الاسلامي وأستاذ الحوزة العلمية من بيروت على هذه الإيضاحات وإتاحته لنا هذه الفرصة. إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! ترقّبونا في الحلقة القادمة من برنامجکم علی خطی النهج مع القسم الرابع والأخیر من استعراضنا لمظاهر الإیجاز في نهج البلاغة ، شکراً لکم علی طیب المتابعة ، والشکر موصول أیضاً لخبیر البرنامج الأستاذ جعفر عساف الأستاذ علی المعلومات التي أفادنا به حول هذه الظاهرة البلاغیّة ، نستودعکم العليّ القدیر ، وإلی الملتقی . روعة الإيجاز في كلام امير المؤمنين عليه السلام - 15 2016-10-09 09:39:34 2016-10-09 09:39:34 http://arabic.irib.ir/programs/item/14077 http://arabic.irib.ir/programs/item/14077 سلام من الله علیکم - مستمعینا الأفاضل - وکلّ المراحب بکم في لقاء آخر یجمعنا بکم بین رحاب الریاض الغنّاء لأدب نهج البلاغة وبدیع بیانه عبر برنامجکم علی خطی النهج ، حیث سنواصل جولتنا في هذا الأسبوع بین مظاهر روعة الإیجاز في أقوال أمیر المؤمنین علیه وحکمه وقصار کلمه ، ندعوکم للمتابعـــة ... مستمعینا الأکارم ! یحفل الباب المخصّص من نهج البلاغة لقصار کلم أمیر المؤمنین علیه السلام وحکمه بالکثیر من آیات الإیجاز وحشد المعاني الغزیرة في القلیل من الکلمات والألفاظ التي غدت أمثلة یستشهد بها علماء البلاغة علی روعة الإیجاز والاختصار ، ومن هذه النماذج التي تقف العقول والأذهان إزاءها متحیّرة قوله سلام الله علیه في الموقف الذي ینبغي علی المؤمن أن یتّخذه حین اشتداد الفتن واختلاط الأمور : " کُن فِي الفِتنَةِ کَابنِ اللَبُون لا ظَهرٌ فیُرکَب ولاضَرعٌ فَیُحلَب . واللبون من الإبل والشاء هي ذات اللبن قلّ أوكثر. وابن اللبون فصيل الناقة قبل أن يقوى ظهره للركوب ، ويصلح ضرعه للحليب، والمراد بالفتنة هنا الباطل، والمعنى إذا رأيت باطلاً فلا تدخل فيه، بل احذر من أهله أن يخدعوك ويستغلوك في أغراضهم ومآربهم.. وهنالک قول آخر یستوقفنا في جمال الإیجاز فیه وتضمینه لتجاربه علیه السلام في الحیاة في هذه العبارات القصیرة : " أَزْرَى بِنَفْسِهِ مَنِ اسْتَشْعَرَ الطَّمَعَ، وَرَضِيَ بِالذُّلِّ مَنْ كَشَفَ ضُرَّهُ، وَهَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ مَنْ أَمَّرَ عَلَيْهَا لِسَانَهُ . الطمع ضد القناعة، لكن كثر استعماله ضد المروءة والورع حتى صار حقيقة فيه، أما حكمه فيقاس بآثاره ونتائجه، ان خيراً فخير، ان شراً فشر. وقول الإمام من استشعر الطمع معناه من اتخذه ديناً له وديدناً وشعاراً بحيث لا يلتزم‏ بشي‏ء إلا على أساس منفعته الخاصة، ومن كان كذلك فقد حقر نفسه بنفسه، لأن الإنسان يقاس بأهدافه وأمانيه. وقد يبتلى الإنسان بمرض وفقر وغيرهما من الآفات. وما من شك ان ‏المرض بلاء، والفقر مصيبة، لكن الكشف والإعلان عنهما وعن أية آفة فضيحة. وقديماً قيل الشكوى لغير الله ذلّ.. وأية جدوى من الشكوى الى ‏الناس ما دامت لا تدفع ضراً، لا تجلب نفعاً، تسوء المحب ، وتسرّ المبغض ؟! وأيضاً لا جدوى من أمر المبتلى وحثه على الصبر وكتمان العلة إلا إذا كان ذا عقل ‏رزين ، لأن الصبر على قدر العقل . مستمعینا الأفاضل ! وهکذا تتجلّی لنا آیات روعة الإیجاز و الإتیان بالمعاني والمفاهیم الغزیرة في ألفاظ وعبارات بلغت الغایة في الإیجاز والاختزال ، وهو فنّ برع فیه أمیر المؤمنین علیه ، وکان فیه الفارس الأوّل الذي لایشقّ له غبار بعد النبيّ صلوات الله وسلامه علیه وآله ، وحول هذه الخصوصیّة التي میّزت بلاغة الأمیر بقوّة في نهجه ، سألنا خبیر البرنامج السيد حسن الكشميري الباحث الاسلامي من مدينة قم المقدسة علی الهاتف فکان له جواب أدلی به قائلاً : الكشميري: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين. طبعاً هذه خصوصيات كثيرة للإمام في نهجه ولكن الامام يأخذ هذه الخصوصية من القرآن الكريم، القرآن الكريم يوجز في حديثه عن الكثير من الحقائق والآيات الكونية، لما يقسم الله سبحانه وتعالى بالشفق، الامام يفجر في ذهن الانسان آية كونية يمكن للمتحدث وللكاتب أن يكتب فيها آلاف الصفحات، يأتي الامام امير المؤمنين يعكس نفس الصورة في دعاءه المعروف بدعاء الصباح يشير الى هذه الظاهرة الكونية فيستعير هذا من القرآن "اللهم يامن دلع لسان الصباح بنطق تبلجه..." او لما يلاحظ الامام وصف الدنيا ووصف من يركض اليها ومن يركن الى زينتها. الامام ايضاً بإيجاز رائع يقول "وما أصف من دنيا أولها عناء وآخرها فناء من إفتقر فيها حزن ومن إستغنى فيها فتن ومن ساعاها فاتته ومن قعد عنها أتته ومن بصر بها بصرته ومن أبصر اليها أعمته" أنظر الى الروائع في الإيجاز، الامام كان يأخذ من هذه الآية "وما الانسان اذا ما إبتلاه ربه فنعمه" او مثلاً الآية "لقد خلقنا الانسان في كبد" وما الى ذلك. المحاور: شكراً لفضيلة السيد حسن الكشميري الباحث الاسلامي من مدينة قم المقدسة. مستمعینا الأحبّة ! ومن بین أقواله علیه السلام التي تجلّی فیها الإیجاز بأبهی صوره من خلال توظیف الجمل القصیرة السریعة الخاطفة ، ومتابعة المعاني الغزیرة الواحد تلو الآخر والتي تدفعنا إلی الجولان بأذهاننا في هذا العالَم وبین الآفاق التي یرسمها لنا أمیر البلاغة ، قوله سلام الله علیه : " الْبُخْلُ عَارٌ، وَ الْجُبْنُ مَنْقَصَةٌ، وَ الْفَقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنَ عَنْ حُجَّتِهِ، وَ الْمُقِلُّ غَرِيبٌ فِي بَلْدَتِهِ، وَ الْعَجْزُ آفَةٌ، وَ الصَّبْرُ شَجَاعَةٌ، وَ الزُّهْدُ ثَرْوَةٌ، وَ الْوَرَعُ جُنَّةٌ . فالبخل يخطّط لصاحبه منهجاً يسير عليه في تفكيره وسلوكه، لا يحيد عنه ‏بحال، هذا المنهج يرفض بطبعه التعاونَ على الخير ومصلحة الفرد والجماعة، ويهدي الى القسوة وعدم الاكتراث بالناس ومشاكلهم.. ومن لا يهتم بهموم الناس ‏فليس منهم ولا هو من الانسانية في شي‏ء. ونعطف على ذلك ما جاء في قول آخر له علیه السلام من ‏أن البخيل يعيش في الدنيا عيش الفقراء، يحاسب في الآخرة حساب الأغنياء،فالبخل يفسد الرأي، يمنع صاحبه عن رؤية الحقيقة، لأنه ينظر الى الأشياء من خلال ذاته‏ الشحيحة الشاحبة. (والجبن منقصة) لأن الجبان يرى المنكر فيتعامى عنه، يسمع دعوة الجهاد في سبيل الله والحق فيصدّ عنه، إذا شكا اليه مظلوم أدار له ظهره، وإذا أراد أن يتكلم تهیّب النقد وذُعِرَ منه.. وهكذا يسلبه الخوف ما يملك من طاقات، فتراه يعيش حبيساً بين جدران الهواجس والأوهام بلا شخصية وإرادة، لا زهرة أو ثمرة إلا الهدير والثرثرة.. وهل علمنا وسمعنا أن للجبان شأنا وتاريخا ؟ ! . مستمعینا الأکارم ! المحاورة: أيها الأفاضل أيها الكرام المزيد من قصار كلمه وروائع حكمه سلام الله عليه سيواليها علينا خبير البرنامج عبر الهاتف سماحة السيد حسن الكشميري الباحث الاسلامي من مدينة قم المقدسة مع شيء من تسليط الأضواء وبيان مكامن روعة الإيجاز فيها، نتابع معاً هذا الحوار الكشميري: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين. كل احاديث الامام، خطب الامام، رسائل الامام الى ولاته وغير ولاته تحكي نماذج متعددة نلاحظ فيها قمة الابداع في الإيجاز وفي زرع المعنى السريع عند المتلقي. هذه هي من الصفات التي إنفرد بها الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه. أضرب كم مثال لأن الوقت محدود، مثلاً الامام رجله بركاب الفرس وتقدم اليه رجلاً. فقال يا أبا الحسن كم المسافة بيننا وبين الله؟ أجاب الامام بجواب رائع وموجز ولكنه واسع المعنى. قال له المسافة بين السماء والأرض دعوة مظلوم وتركه الامام ورحل. حينما نتصفح هذا الملف العظيم وهو نهج البلاغة نرى الكثير من الروائع التي تحكي لنا جمال الإيجاز في خطاب الامام علي، مثلاً الامام يسأل: يا أبا الحسن من هم خيار العباد؟ قال "الذين اذا احسنوا إستبشروا واذا أساؤوا إستغفروا واذا اعطوا شكروا واذا إبتلوا صبروا" يعني أربع زوايا حدد فيها الامام خيار العباد. ومثلاً يسأل الامام يا أبا الحسن من هو البخيل؟ فأجاب الامام بهذا الجواب الرائع الذي هو من باب "خير الكلام ما قلّ ودلّ"، قال عليه السلام "البخيل هو الذي اذا أعطى جحد واذا اعطي حقد". ويسأل الامام عن الحسد او عناصر الفشل او العناصر الفاشلة في المجتمع، الامام حددهم بأربعة. قال الامام "لاراحة لحسود ولا مودة لملول ولا مروءة لكذوب ولاسلامة لمن أكثر مخالطة الناس". او نلاحظ الإيجاز بصورة اخرى، عندما يخاطب الامام ولده الحسن وطبعاً الخطاب لكل الأجيال "يابني كن مع الناس بحيث لاتعد وغب عنهم بحيث لاتفقد" نلاحظ أن الامام اخذ كل هذا واستعاره من القرآن الكريم لأن لايوجد أحد بعد النبي، شخصية تشبعت بالقرآن الكريم وأسراره كالامام علي بن أبي طالب. القرآن يصور لنا قضايا تستوعب آلاف الصفحات وموسوعات بكلمة واحدة مثلاً القافلة التي جاءت وأنقذت النبي يوسف، آية واحدة بسيطة "وجاءت سيارة" الامام يستعير هذا المعنى لما سأل عن النعيم او الآخرة او الجنة فقال عليه السلام "خلق داراً وجعل فيها مطعماً ومشرباً وقصوراً وازواجاً وأثماراً" يعبر عن هذا كله. هكذا يبدو الوقت أشرف على الانتهاء. المحاور: نعم أيها الأفاضل اخوتنا المستمعين والمستمعات نعود الآن ونشكر سماحة السيد حسن الكشميري الباحث الاسلامي من مدينة قم المقدسة. إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! ونعود الآن بعد أن استمعنا إلی حدیث خبیر البرنامج من علی الهاتف ، إلی تلکم الدرر اللامعة ، واللآلیء المکنونة من أقوال الأمیر (ع) التي تتقطّر منها آیات الإیجاز لنتوقّف عند قوله :(والفقر يُخرس الفطِن عن حجّته) لأن الفقر يضغط على العقل، ويسد أمامه منافذ الرؤية..اللهم إلا إذا كان للفقير هدف أعلى يضحي بحياته من أجله، ينسى معه نفسه وبؤسه . (والمُقِلّ غريب في بلدته) ومثله قوله علیه السلام " الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربةلأن من شأن الوطن أن يسهل لك العسير، يستجيب‏ لحاجتك وأمنيتك، فالمال قاضي الحاجات، والفقر أصل الويلات، من هنا كان الفقر غربة في الوطن، والغنى وطناً في الغربة. (والعجز آفة) وكلمة العجز تعم وتشمل وباء الفقر والمرض والجهل، هذه ‏الأوباء الثلاثة آفة الإنسانية بكاملها، منها تنبع القبائح والرذائل، بخاصة الفقر فإنه السبب القريب والبعيد لأكثر الآفات والمشكلات. (والصبر شجاعة) وجهاد. وحين يتحدث الإمام عن الصبر وفوائده فإنه ‏يتحدث عن علم وتجربة ، فلقد رأى وشاهد صبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة المخلصین على ‏الأذى والتنكيل في سبيل الإسلام ، وثباتهم عليه مستهينين بكل شي‏ء، هذا الصبر هو الأصل والأساس لحياة الإسلام وانتشاره، وعلى صخرته تحطم الكفر والشرك، ولو لا هذا الصبر والثبات ما كانت الهجرة ولا بدر وأحد والأحزاب، بالتالي ما كان للإسلام عين ولا أثر. (والزهد ثروة، والورع جنة) المراد بالزهد التورّع عن الحرام، والورع‏ الكفّ عنه، و المعنى أن العفيف النزيه في‏غنى عن الناس، وأمان من شرهم، لأنه بعفّته ونزاهته يرضى ويقنع بالميسور، فيكف أذاه عن الآخرين. مستمعینا الأحبّة ! في ختام حلقتنا لهذا الأسبوع لا یسعنا إلّا أن نقدّم لکر کلّ شکرنا وامتنانا لکم علی جمیل مرافتکم لنا بین أرجاء نهج البلاغة عبر برنامجکم علی خطی النهج ، وحدیثنا عن روعة الإیجار في النهج لم ینته بعد بل سنکمله في الحلقة القادمة بإذن الله ، فکونوا في انتظارنا ، وحتی ذلک الحین نترککم في رعایة الله وحفظـــه . .. الإیجاز والقصر في نهج البلاغة - 14 2016-10-02 12:40:09 2016-10-02 12:40:09 http://arabic.irib.ir/programs/item/14056 http://arabic.irib.ir/programs/item/14056 مستمعینا الأفاضل ! سلام من الله علیکم و کلّ المراحب بکم في هذا اللقاء الجدید الذي یسرّنا أن یجمعنا بکم عند معالم ومظاهر أخری من آیات الفصاحة والبیان في نهج البلاغة من خلال برنامجکم الأسبوعي علی خطی النهج ، والذي سنخصّص حلقته لهذا الأسبوع لتقصّي مظاهر الإیجاز بأنواعه في کلام أمیر المؤمنین سلام الله علیه ، ندعوکم للمتابعـــة ... مستمعینا الأحبّة ! عرّف علماء البلاغة الإيجاز بأنه وضع المعاني الكثيرة في ألفاظ أقل منها، شریطة أن تکون وافية بالغرض المقصود، مع الإبانة والإفصاح، كقوله تعالى: "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرِض عن الجاهلين [الأعراف: 199] ؛ فهذه الآية القصيرة جمعت مكارم الأخلاق بأسرها، وكقول أمیر المؤمنین علیه السلام: "المرء مخبوء تحت لسانه وكقوله : "القناعة کنزٌ لایفنی فإذا لم تفِ العبارة بالغرض سمّي إخلالا وحذفاً رديئاً. وينقسم الإيجاز إلى قسمين، إيجاز قصر، وإيجاز حذف. فإيجاز القصر ويسمى إيجاز البلاغة يكون بتضمين المعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة من غير حذف، كقول الإمام علیه السلام في قصار کلمه : "اتّق شرَّ من أحسنتَ إلیه . فإن معناه كثير، ولفظهُ يسير، إذ المراد: أن الإنسان علیه أن لا یحسن الظنّ ببعض البشر وأن لایتصوّر أنّ الإحسان إلیهم سیکفیه شرّهم وأذاهم فهناک الکثیر من الناس یعدّ اللؤم طبیعة مترکّزة فیهم ، ولذلک فإن علی من یحسن إلی الآخرین أن یکون في حذر من أن یقلبوا ظهر المجنّ علیه ، ویردّوا علی الإحسان بالإساءة وهو ممّا یحدث کثیراً في حیاتنا وتعاملنا مع الآخرین . وهذا القسم من البلاغة أي إیجاز القصر من غیر حذف هو مطمح نظر البلغاء، وبه تتفاوت أقدارهم، حتى أن بعضهم سئل عن البلاغة فقال: هي "إيجاز القصر. وإيجاز الحذف يكون بحذف شيء من العبارة لا يخل بالفهم، عند وجود ما يدل على المحذوف، من قرينة لفظية، أو معنوية. کقوله علیه السلام : "اللهَ اللهَ في الأیتام فلایضیعوا في حضرتکم ... أصله: اتقوا اللهَ في الأیتام ، وقوله : "مَن أطال الاَمَلَ اساء العمل ، أي من أطال الأمل في الدنیا أساء العملَ فیها. وکقوله: "قيمه كلّ امريءٍ ما يُحسنه، یرید علیه السلام أنّ قیمة کلّ امریء عند الله والناس في ما یحسنه من عمل بحق الآخرین . وقیل إنّ الإیجاز يستحسن في الاستعطاف، وشكوى الحال، والاعتذارات، والتعزية، والعتاب،والوعد، والوعيد، والتوبيخ،و الرسائل والکتب الرسمیّة ، ورسائل الملوك والحکّام والرؤساء في أوقات الحرب إلى مرؤوسیهم، والأوامر والنواهي الرئاسیّة و الملكية، والشكر على النعم. ومرجعنا في کلّ ذلک إلى الذّوق الأدبي، والإحساس الروحي. مستمعینا الأعزّة ! نبثّ علی مسامعکم نصّ الحدیث الذي أدلی به خبیرنا علی الهاتف الاستاذ علي نقشبندي الباحث الاسلامي من ايران جواباً علی سؤال طرحناه علیه حول أهمیّة الإیجاز والاختصار في اللغة العربیّة ولماذا کلّ هذا التأکید علیه من قبل علماء البلاغة إلی درجة اعتباره موازیاً للبلاغة نفسها ؟ نقشبندي: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً أهمية الإيجاز والاختصار تأتي أولاً في منع التكرار الممل وعدم الانحراف عن المقصود وثالثاً اللفظ الصحيح في المكان الصحيح يعني جزالة استخدام اللفظ الصحيح ما يعرف بجزالة اللفظ ورابعاً الدقة في أصالة المعنى لأن اللغة العربية لغة واسعة. نرى في اللغة العربية كلمة او لفظة تطلق على عدة معاني لذلك يقال في مسئلة الايجاز والاختصار لهذه الأسباب. نهج البلاغة كما وصف النهج من قبل جامعه الشريف الرضي لأنه فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق وهو كلام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه وكما وصفه الرسول الأعظم "علي مع القرآن والقرآن مع علي". وكما نعرف أن أفصح الكلام وأبلغ الكلام هو كلام الله سبحانه وتعالى وكلام المعصوم وكلام امير المؤمنين هو بيان نوع آخر من البيان البديع للفظ القرآن الكريم ومعاني القرآن الكريم فهو لايخرج عن معاني القرآن الكريم بأي صورة من الصور. نرى أنه استخدم في المواعظ والخطب وفي الوصايا وفي الكتب والكلمات القصار كل هذه المعاني وهي متطابقة بشكل من الأشكال مع القرآن الكريم بأبدع وأجزل اللفظ دون التكرار الممل ومطول بكلمات في غاية الدقة وغاية الإيجاز مع إصابة المعنى. المحاور: موفور الشكر وكثير الامتنان لفضيلة الأستاذ علي نقشبندي الباحث الاسلامي من الجمهورية الاسلامية في ايران. مستمعینا الأفاضل ! ذکرنا أنّ إیجاز القصر هو تقلیل الألفاظ وتکثیر المعاني ، وأفضل نموذج علی ذلک في نهج البلاغة الخطبة الحادیة والعشرون التي یقول سلام الله علیه فیها : " فَإِنَّ الْغَايَةَ أَمَامَكُمْ وَ إِنَّ وَرَاءَكُمُ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ . حیث لا نکاد نجد بعد کلام الله سبحانه وحدیث النبي (ص ) کلاماً یضارع کلامه علیه السلام في إیجازه وتضمّنه للمعاني الکثیرة في نفس الوقت ؛ وخاصة في عبارته " تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا . من حیث اشتمالها علی الحد الأدنی من الألفاظ وعلی المعاني التي لاحصر لها ، فهي عبارة مفعمة بالمعاني حافلة بالمعرفة و غنیّة بالحکمة . کما أن من أفضل مصادیق الإیجاز قوله سلام الله علیه حینما سئل عن التوحید والعدل فأجاب : " التَوْحِيدُ أنْ لا تَتَوَهَّمَهُ والعَدْلُ أنْ لا تَتَّهِمَهُ وقال علیه السلام في باب التنفیر من الدنیا : " إِذَا كُنْتَ فِي إِدْبَار، وَالْمَوْتُ فِي إِقْبَال، فَمَا أسْرَعَ الْمُلْتَقَى . وقال في باب القناعة : " أَشْرَفُ الْغِنَى تَرْكُ الْمُنى . مستمعینا الأطایب ! من المعلوم أنّ الباب الأخیر من کتاب نهج البلاغة یحفل بالکثیر من قصار الکلم والحکم التي تعتبر آیات بیانیّة رائعة لتجلّي الإیجاز بجماله وروعته الفنّیة ، ولذلک فقد طلبنا من خبیرنا علی الهاتف الأستاذ علي نقشبندي الباحث الاسلامي من ايران أن یستعرض لنا بعضاً من تلک الآیات في قصار کلمه علیه السلام وأن یشیر إلی مواطن الإیجاز بها ، فتفضّل قائلاً : نقشبندي: طبعاً قبل الكلمات القصار او نأخذ هذه الكلمة المعروفة عند الناس في خطبة الجهاد، يقول مولانا امير المؤمنين "ولكن لارأي لم لايطاع" او في موضع آخر يقول في وصيته للإمام الحسن "كم من عقل أسير تحت هواء امير". مع اختصار هذا الكلام ومع أنه لايتعدى جملة واحدة إلا أنه يتضمن معاني جداً رائعة. كما نعرف الآن في حكومات تكنوقراط نرى عقليات ضخمة وحجج في مختصات من العلوم تحت هوى امير او وزير لايعرف شيئاً عن وزارته وعن وظائف وزارته وعن عمق اختصاصات وزارته، هؤلاء يقعون أسراء تحت هواء هذا الأمير. او في مكان آخر من الكلمات القصار مع هذه الروعة من الجملة مثلاً في التوحيد يقول مولانا "التوحيد أن لاتتوهمه والعدل أن لاتتهمه" ذهبت بعض الفرق الاسلامية الى التعددية في صفات الله بينما مذهب أهل البيت يذهل الى أن جامع الصفات هو عين ذاته يعني عينية الذات والصفات ونسبة كل فعل حسن الى الله سبحانه وتعالى لكي يتبين ميزان التنزيه وعدم التشبيه المرفوضتان من قبل العقائد الاسلامية في مسئلة الصفات ومسئلة معرفة الذات. هذه المسئلة مع إختصارها تتضمن معاني جميلة جداً وهو ليس غريباً لأن هو الذي الذي تربى في أحضان الرسول صلى الله عليه وآله وهو المجسد للقرآن الكريم والمعصوم وكما قال الرسول الأعظم "علي مع القرآن الكريم". نذهب الى القرآن الكريم قيل "يا أرض إبلعي ماءك وياسماء أقلعي" "وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجود وقيل بعداً للقوم الظالمين". أختصرت جملة كبيرة وكتاب كامل عن احداث في جملة غاية في الدقة وغاية في الإيجاز تعبر عن حادثة طوفان كبيرة تتداول الى يومنا هذا. أسلوب القرآن الكريم من موعظي او تربوي او للعبرة، نرى في سورة يوسف، نرى نفس الموضوع في التوراة في سفر التكوين على ماأذكر إلا أن العبرة في سورة يوسف وحالة اللفظ وما أستخدم فيه من مواعظ اخلاقية وعبر انسانية وتاريخية وحالات النفس الانسانية والغرائز الحيوانية التي قد تستخدم والتي نهى الله عنها في سورة يوسف لانرى لها أثراً في سفر التكوين في التوراة. المحاور: موفور الشكر وكثير الامتنان لفضيلة الاستاذ علي نقشبندي الباحث الاسلامي من ايران. أعزّتنا المستمعین ! ومن أنواع الإیجاز - کما مرّ - مایعرف بإیجاز الحذف الذي یکون عبر حذف کلمة أو کلمات من الکلام لأسباب منها مجرّد الاختصار والاحتراز من العبث لدلالة سیاق الکلام علی ما حُذِف ، من مثل ما قام به أمیر المؤمنین علیه السلام حینما حذف من کلامه المسندَ إلیه في قوله : " مِسْكِينٌ اِبْنُ آدَمَ مَكْتُومُ اَلْأَجَلِ مَكْنُونُ اَلْعِلَلِ مَحْفُوظُ اَلْعَمَلِ تُؤْلِمُهُ اَلْبَقَّةُ وَ تَقْتُلُهُ اَلشَّرْقَةُ وَ تُنْتِنُهُ اَلْعَرْقَةُ . وقال سلام الله علیه في التحذیر : " فإيّاكم و التلوّنَ فى دين الله . فقد استخدم هنا أسلوب التحذیر الذي یعدّ من أسالیب إیجاز الحذف في اللغة ، العربیّة حیث تمّ حذف فعل تقدیره " أحذّرکم . ویعتبر أسلوب الإغراء من أسالیب الإیجاز الأخری في الأخری ، وهو کثیر في نهج البلاغة ، ومنه قوله سلام الله علیه : " اَلْعَمَلَ اَلْعَمَلَ ثُمَّ اَلنِّهَايَةَ اَلنِّهَايَةَ وَ اَلاِسْتِقَامَةَ اَلاِسْتِقَامَةَ ثُمَّ اَلصَّبْرَ اَلصَّبْرَ وَ اَلْوَرَعَ اَلْوَرَعَ . وفي القول التالي نری اجتماع کلّ من الإغراء والتحذیر المقتضیین للحذف من الکلام : " فالحذرَ الحذرَ ايها المستمع و الجدَّ الجدَّ ايها الغافل . إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! کلّ الشکر والتقدیر علی حسن متابعتکم لنا ، وکونوا في انتظارنا عند تتمّة حدیثنا حول مصادیق الإیجاز بأنواعه في کلام أمیر المؤمنین عليّ علیه السلام عبر برنامجکم علی خطی النهج ، حتی ذلک الحین نستودعکم رعایة الله ، وإلی اللقاء . مظاهر الإيجاز في نهج البلاغة - 13 2016-09-19 13:37:16 2016-09-19 13:37:16 http://arabic.irib.ir/programs/item/14011 http://arabic.irib.ir/programs/item/14011 مستمعینا في کلّ مکان ، مرحباً بکم في هذا اللقاء الجدید الذي یجمعنا بحضراتکم عبر محطّة أخری من محطّات برنامجکم الأسبوعي علی خطی النهج والتي سنواصل فیها استعراض مظاهر استخدامات الکنایة والمجاز في کلام أمیر المؤمنین علیه السلام في قسمها الرابع والأخیر ، تابعونا بعد الفاصل . مستمعینا الأفاضل ! من أقسام الكناية التي ذکرها علماء البلاغة ، الكناية التي يُراد بها نسبة أمرٍ لآخر, إثباتاً, أو نفياً, والمراد من هذه الكناية تخصيص الصفة بالموصوف لا عن طريق إثبات الصفة تصريحاً, بل عن طريق الكناية, وخير مثال على ذلك؛ قوله تعالى: " الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ. فقد أراد التعبير عن يوم القيامة, لا بصريح اللفظ, بل بنسبة أوصافها وتأكيدها بالقارعة, كناية عن القيامة. ومثل هذا قول أمیر المؤمنین علیه السلام : "كُنّا إذا احْمَرَّ البأْسُ, اتَّقَيْنا برسولِ الله, فَلَمْ يَكُنْ أحدٌ مِنّا أقَرَبَ إلى العَدوِّ مِنه . ويقال: هو الموت الأحمر ـ أي البأس ـ والموت الأسود, ومعناه: الشديد, وقد یکون أصله مأخوذاً من ألوان السباع ؛ كأنّ الموت من شدّته سبع, إذا انقضّ علی الإنسان ، وفتک به... وهکذا فإنّ قوله علیه السلام: (إذا احمرّ البأس) هو كناية عن اشتداد الأمر؛ حیث شبّه حمي الحرب بالنار التي تجمع الحرارة, والحُمرةَ بفعلها, ولونها.. ، وهذا يعني: كثرة الحرب فيها فتكون حمراء, والتعبير هنا مجازي. لكنّ معنى الشدّة هو الحملة في الحرب . فقد أراد الإمام (ع) التعبير عن الحرب المروِّعة, والقتل الذي يريق الدماء, لا بصريح اللفظ , بل بنسبة أوصافه وتأكيده بـ(الاحمرار), كناية عن اشتداد الحرب , فقد أثبت هنا أمراً لأمر, وهو (اشتداد الحرب) وأصدائها بقرع القلوب بأهوالها, ووقعها, وذلك تفخيم لمعنى (الاشتداد) وتعظيم شأنه . أعزّتنا المستمعین ! کان لنا سؤال طرحناه علی خبیر البرنامج الاستاذ علي نقشبندي الباحث الاسلامي من ايران علی الهاتف حول أقسام الکنایة وأنواعها وذکر بعض الأمثلة علیها من النهج ، فتفضّل في هذا المجال قائلاً : المحاور: نبث الآن على مسامعكم نص الحديث الذي أدلى به ضيف اللقاء الأستاذ علي نقشبندي الباحث الاسلامي من الجمهورية الاسلامية في ايران جواباً على سؤال طرحناه عليه حول اهمية الإيجاز والاختصار في اللغة العربية ولماذا كل هذا التأكيد عليه من قبل علماء البلاغة الى درجة اعتباره موازياً للبلاغة نفسها؟ نقشبندي: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً أهمية الإيجاز والاختصار تأتي أولاً في منع التكرار الممل وعدم الانحراف عن المقصود وثالثاً اللفظ الصحيح في المكان الصحيح يعني جزالة استخدام اللفظ الصحيح ما يعرف بجزالة اللفظ ورابعاً الدقة في أصالة المعنى لأن اللغة العربية لغة واسعة. نرى في اللغة العربية كلمة او لفظة تطلق على عدة معاني لذلك يقال في مسئلة الايجاز والاختصار لهذه الأسباب. نهج البلاغة كما وصف النهج من قبل جامعه الشريف الرضي لأنه فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق وهو كلام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه وكما وصفه الرسول الأعظم "علي مع القرآن والقرآن مع علي". وكما نعرف أن أفصح الكلام وأبلغ الكلام هو كلام الله سبحانه وتعالى وكلام المعصوم وكلام امير المؤمنين هو بيان نوع آخر من البيان البديع للفظ القرآن الكريم ومعاني القرآن الكريم فهو لايخرج عن معاني القرآن الكريم بأي صورة من الصور. نرى أنه استخدم في المواعظ والخطب وفي الوصايا وفي الكتب والكلمات القصار كل هذه المعاني وهي متطابقة بشكل من الأشكال مع القرآن الكريم بأبدع وأجزل اللفظ دون التكرار الممل ومطول بكلمات في غاية الدقة وغاية الإيجاز مع إصابة المعنى. المحاور: موفور الشكر وكثير الامتنان لفضيلة الأستاذ علي نقشبندي الباحث الاسلامي من الجمهورية الاسلامية في ايران. مستمعینا الأطایب ! ومن الأمثلة والنماذج الأخری لاستخدام الکنایة والمجاز في النهج قوله سلام الله علیه في وصف اشتداد الحرب مستخدماً في ذلک تعبیراً کنائیّاً في قوله : "الآن حَمِيَ الوَطِيْسُ... . وقیل إنّ الوطيس هو مستوقد النار ، وقیل هو . "الضرب الشديد بالخفّ وغيره, فیکون في هذا التعبیر دلالة کنائیّة على اشتداد الحرب, واحتدام حركة الفرسان, والخيلُ أبلغُ , لأنّ حوافر الخيل في احتدامها, تضرب بشدةٍ الأرضَ التي تطؤها, فيسخن فيها الحصى, في حين يبقى هذا الحصى بارداً, إذا لم تطأه حوافر الخيل. وشبيه بهذا قولُ الإمام , حينما أراد أن يحثَّ أصحابه على الجهاد حیث قال: "واللهُ مُستَأْدِيكُمْ شُكْرَهُ, ومُوَرِّثكُمْ أمْرَهُ, ومُمْهلُكم في مِضْمارٍ محدودٍ, لِتتَنازَعوا سَبَقَهُ, فَشُدوا عُقَد المآزر, واْطوُوا فُضُولَ الخَواصِرِ, لا تَجْتَمِعُ عَزِيمَةٌ وَوَلِيمَةٌ, ما أنْقَضَ النَّوَم, لِعَزَائِمِ اليَوْمِ, وأمْحَى الظُّلمَ, لِتَذَاكِيرِ الهِمَمِ! . وقوله: (مستأديكم): أي طالب منكم أداء ذلك, والقيام به, وقوله: (مورّثكم أمره): أي سيرجع أمر الدولة إليكم. ثم شبّه الآجال التي ضربت للمكلفين ليقوموا فيها بالواجبات, ويتسابقوا فيها إلى الخيرات, بالمضمار المحدود لخيل تتنازع فيه السبقَ . وفي الكنايات الآتية, غرابة جاءت من تعدد وسائطها للوصول إلى معناها الأخير أولاً, ومن ابتكار هذه المعاني ثانياً. فقوله: (فشدّوا عقد المآزر)، كناية عن الأمر بالتشمير والاجتهاد في طاعة الله ـ عز وجل ـ والاستعداد لها. فشمِّروا عن ساق الاجتهاد, ويقال لمن يوصى بالجدّ والتشمير «أشدد عقدة أزارك» , لأنّه إذا شدّها, كان أبعد عن العثار, وأسرع للمشي , فلا عائق يعوق حركته, ومن هذه الحركة ، الحربُ في سبيل الله. وقوله: (واطووا فضول الخواصر) كناية عن الأمر بترك ما يفضل من متاع الدنيا, والأخذ على قدر الحاجة من ألوان الطعام والملابس. والأصل في هذا النظم ؛ أنّ الخواصر والبطون, لها احتمال في أن تتسع لِمَا فوق قدر الحاجة من المأكول, فذلك القدر المتسع؛ هو فضول الخواصر. إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! یحفل نهج البلاغة بالکثیر من المجازات والکنایة التي تبدو غریبة في ظاهرها ، طریفة مبتکرة وعمیقة في حقیقتها ، حول هذا النوع من الکنایات والمجازات وأمثلتها في النهج . المحاور: طلبنا من ضيف البرنامج على الهاتف الأستاذ علي نقشبندي الباحث الاسلامي من ايران أن يستعرض لنا بعضاً من تلك الآيات في قصار كلمه عليه السلام وأن يشير الى مواطن الإيجاز فيها، فتفضل قائلاً: نقشبندي: طبعاً قبل الكلمات القصار او نأخذ هذه الكلمة المعروفة عند الناس في خطبة الجهاد، يقول مولانا امير المؤمنين "ولكن لارأي لم لايطاع" او في موضع آخر يقول في وصيته للإمام الحسن "كم من عقل أسير تحت هواء امير". مع اختصار هذا الكلام ومع أنه لايتعدى جملة واحدة إلا أنه يتضمن معاني جداً رائعة. كما نعرف الآن في حكومات تكنوقراط نرى عقليات ضخمة وحجج في مختصات من العلوم تحت هوى امير او وزير لايعرف شيئاً عن وزارته وعن وظائف وزارته وعن عمق اختصاصات وزارته، هؤلاء يقعون أسراء تحت هواء هذا الأمير. او في مكان آخر من الكلمات القصار مع هذه الروعة من الجملة مثلاً في التوحيد يقول مولانا "التوحيد أن لاتتوهمه والعدل أن لاتتهمه" ذهبت بعض الفرق الاسلامية الى التعددية في صفات الله بينما مذهب أهل البيت يذهل الى أن جامع الصفات هو عين ذاته يعني عينية الذات والصفات ونسبة كل فعل حسن الى الله سبحانه وتعالى لكي يتبين ميزان التنزيه وعدم التشبيه المرفوضتان من قبل العقائد الاسلامية في مسئلة الصفات ومسئلة معرفة الذات. هذه المسئلة مع إختصارها تتضمن معاني جميلة جداً وهو ليس غريباً لأن هو الذي الذي تربى في أحضان الرسول صلى الله عليه وآله وهو المجسد للقرآن الكريم والمعصوم وكما قال الرسول الأعظم "علي مع القرآن الكريم". نذهب الى القرآن الكريم قيل "يا أرض إبلعي ماءك وياسماء أقلعي" "وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجود وقيل بعداً للقوم الظالمين". أختصرت جملة كبيرة وكتاب كامل عن احداث في جملة غاية في الدقة وغاية في الإيجاز تعبر عن حادثة طوفان كبيرة تتداول الى يومنا هذا. أسلوب القرآن الكريم من موعظي او تربوي او للعبرة، نرى في سورة يوسف، نرى نفس الموضوع في التوراة في سفر التكوين على ماأذكر إلا أن العبرة في سورة يوسف وحالة اللفظ وما أستخدم فيه من مواعظ اخلاقية وعبر انسانية وتاريخية وحالات النفس الانسانية والغرائز الحيوانية التي قد تستخدم والتي نهى الله عنها في سورة يوسف لانرى لها أثراً في سفر التكوين في التوراة. المحاور: موفور الشكر وكثير الامتنان لفضيلة الاستاذ علي نقشبندي الباحث الاسلامي من ايران. مستمعینا الأفاضل ! وقوله سلام الله علیه في النص الذي ذکرناه قبل الفاصل : (لا تجتمع عزيمة ووليمة) یضم کلمة العزيمة التي تعني الإرادة الجازمة للأمر بعد اختياره , وأراد بها هنا العزيمة على اقتناء الفضائل واكتسابها, وكنّى بالوليمة, وهي طعام العرس, ونحوه, عن خفض العيش والدعة لاستلزام الوليمة لذلك. والمعنى: أنّ العزيمة على تحصيل المطالب الشريفة وكرائم الأمور, ينافي الدعة, وخفض العيش و لا يحصل مع الهوينا, لِمَا يستلزمه تحصيلُ تلك المطالب, والعزمُ عليها, من المشاق, وإتعاب النفس, وكذلك البدن, بالرياضة والمجاهدة المنافية للدعة والراحة, ثم أكّد ذلك بقوله: (ما أنقضَ النومَ لعزائم اليوم). والأصل في هذه الكناية الثانية : أنَّ الإنسان يعزم في النهار على المسير في الليل, ليقرب المنزل , فإذا جاء الليل نام إلى الصباح , فانتقض بذلك عزمه, فضُرِب هذا القول مثلاً لِمَنْ يعزم على تحصيل الأمور الكبار, والسعي فيها, ثم يلزم الأناة والدعة, ومراده: أنكم مع هذه الدعة, وحب الراحة من المتاعب, والجهاد لا یتمّ لكم ما تريدونه, وتعزمون عليه من تحصيل السعادة في دنيا وآخره . وكذلك قوله صلوات الله وسلامه علیه: (وأمحى الظلمَ لتذاكير الهمم).فالأصل في هذه الكناية: أنَّ الرجل تبعثه همتُه في مطالبه على المسير في الليل, فإذا جنّ الظلام, أدركه الكسل, وغلبه حب النوم عن تذكّر مطالبه, وصرفه عنها, فكان الظلام سبباً لمحو ذلك التذكّر, فضُرِب مثلاً, لمن يدعوه الداعي إلى أمر, ويهتمّ به, ثم يعرض له أدنى أمر, فينصرف به عنه. ومعنى السياق الكلّي في هذا النصّ بما احتواه من الكنايات ، أنّه: لا يجتمع للناس دخول الجنة والدعة والقعود عن مشقة الحرب. مستمعینا الأکارم ! دقائق ممتعة قضیناها معکم في حلقتنا لهذا الأسبوع من برنامجعلی خطی النهج ، شکراً علی طیب المتابعة ، وکونوا بانتظارنا عند ظاهرة أخری من الظواهر البلاغیّة في النهج ... الکنایة والمجاز في نهج البلاغة -3 - 12 2016-08-31 12:59:09 2016-08-31 12:59:09 http://arabic.irib.ir/programs/item/13938 http://arabic.irib.ir/programs/item/13938 إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! سلام من الله علیکم ورحمة منه وبرکات ، وکلّ المراحب بکم في هذا اللقاء الجدید الذي یسرّنا أن یجمعنا بحضراتکم بین أسرار البیان في نهج البلاغة عبر برنامجکم الأسبوعي علی خطی النهج والذي سنواصل الحدیث فیه من خلال الاستعانة بخبیر البرنامج عن المجاز والکنایة ومواضع استخدامهما ومواطن الجمــال في هذا الاستخدام ، ندعوکم للمتابعـــة .... مسمعینا الأفاضل ! یعني المجاز في اللغة - کما مرّ في الحلقة الماضیة - التعدّي ویکون عندما یتعدّی اللفظ معناه اللغويّ ، فیتّصف بالمجاز . بأن ینتقل الذهن من لفظ ما إلی معنی غیر معناه وهو التعدّي والتجاوز ، وأمثاله کثیرة ومبثوثة بین دفّتي نهج البلاغة ، من مثل قوله سلام الله علیه في إحدی حکمه : " إنّما المرءُ غرض تنتضل فیه المنایا . والمعنی أنّ الإنسان یشبه في هذه الدنیا من حیث تعرّضه للموت في کلّ لحظة ، الهدف الذي الذي تتعاقب وتتسابق علیه سهام المنایا لتختطفه من الحیاة . ویبدو أنّ المراد أنّ أنواع الآلام والمصائب التي یتعرّض لها الإنسان هي کالسهام التي یطلقها رام اسمه الموت باتجاه الإنسان حتی یصیبه أخیراً لینهي حیاته . وتشتمل هذه العبارة علی قصرها علی عدّة مصدیق من المجاز ، منها أنها مصداق للمجاز العقلي لأن الفاعل الحقیقي للآلام والمصائب وللنعم والرخاء في نفس الوقت هو الله في النهایة ولیس الموت في الحقیقة ، کما تضم الحکمة السابقة استعارة بالکنایة حیث شُبِّه فیها الموت برام في حین حُذِف المشّبّه به ، کما ان الرمایة هي مصداق لصورة استعاریة نسب فیها الموت إلی الرامي . مستمعینا الأکارم ! نسترعي انتباهکم الآن إلی الحدیث الذي أدلی به خبیر البرنامج علی الهاتف الدكتور علي العلي استاذ فلسفة القوانين والتشريعات من مدينة قم المقدسة حول المجاز العقلي و بعض من مصادیقه في نهج البلاغة ، فلنستمع معاً : العلي: بسم الله الرحمن الرحيم اذا أردنا ان نتكلم عن المجاز العقلي لابد أن نبين كمقدمة بسيطة حتى يتضح للمستمع معنا، بإختصار او لغة المجاز هو فصل المعنى الظاهر عن المعنى المرجوح بقرينة واضحة وهوأحد تصنيفات علم البيان في علوم البلاغة. المجاز ينقسم الى عدة أقسام منه المجاز اللغوي ومنه المجاز العقلي، المجاز العقلي الذي هو مورد السؤال هو استعمال اللفظ بأن يسند الى غير مل هو له بأن نقول مثلاً "شفا الطبيب المريض" في واقع الأمر هو الذي الطبيب الذي شفا المريض، الشفاء من الله ولكن عن طريق الطبيب وهكذا هذا يتنوع بأنواع كثيرة منها، ربما يكون إسناده بسبب الفعل، ربما بالمكان، ربما بسبب الزمان وربما يكون الاسناد الى المقصد، هذا بإختصار. اذا أردنا التدقيق في نهج البلاغة او كلمات امير المؤمنين عليه السلام، ماهي المصاديق التي تناول فيها المجاز العقلي او التي وردت عليها؟ مثلاً نجد من كلماته حين يقول "وأجهد عليه عمله وكبت به قطنته" في خطابه الى معاوية. وايضاً "تصرخ من جور قضاءه الدماء وتعج منه المواريد" واضح هنا أن هنالك صرفاً للمعنى، تصرخ وتعج منه المواريد، المواريد بطبيعتها لاتعج ولكن لأن هناك دلاله عقلية فصرف المعنى من جهة الى اخرى. الكثير في كلمات امير المؤمنين مثلاً عندما يقول "قد أسرك الكفر ضراً والاسلام اخرى فما فداك من واحدة منها مالك ولاحسبك" يعني ما فداك منها لامالك ولاحسبك. وعندما يقول "إنا أصبحنا في دهر عنود ودم تنود" طبعاً هذا مستوحى من اللغة القرآنية في الواقع ومن اوضح الآيات "فما ربحت تجارتكم" طبعاص بطبيعة الحال التجارة لاتربح ولكن التاجر هو الذي يربح من هذه التجارة. هذا فيما يتعلق بالمجاز العقلي. المحاور: موفور الشكر وكثير الامتنان بين يدي فضيلة الشيخ الدكتور علي العلي استاذ فلسفة القوانين والتشريعات من مدينة قم المقدسة كان معنا عبر الهاتف. إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! وإذا ما عدنا إلی الکنایة واستخداماتها في نهج البلاغة رأینا أن من بین أنواعها التي تکرّر استعمالها في نهج البلاغة ، ما یعرف بإطلاق المثل علی الکنایة ، علماً أنّ الأمثال تعدّ بحد ذاتها نوعاً من الکنایة لأنها من باب عدم استخدام الألفاظ في معناها الحقیقي بل من باب إرادة المعاني اللازمة لها ، من مثل قوله علیه السلام في إحدی حکمه : " الحجر الغصیب رهنٌ علی خرابها ، وهو کنایة عن التلازم بین ظلم الظالم وهلاکه و خراب کلّ ما بني علی الظلم والغصب والعدوان ، وهو ما یستدعي إلی الأذهان قول النبي (ص) : " اتّقوا الحرامَ في البنیان فإنه أسباب الخراب . ومن نماذج الأمثال الکنائیّة في النهج مانراه في قوله سلام الله علیه : " ما أنقضَ النومَ لعزائم الیوم . فمن الواضح أنّ العبارة التعجبیّة السابقة جاءت في قالب المثل لبیان حال الشخص الذي یقرّر القیام بعمل ما ثمّ سرعان ما ینساه أو یتعلّل فیه . وقد یطلق المثل علی الحکمة التي هي الکلام الحکیم الذي بلغ حدّ الشهرة العامة ولذلک اعتبر في حکم الأمثال ، ولکنه لیس بمجاز ولا کنایة بل إن المعنی الحقیقي هو المراد والمقصود ، کقوله سلام الله علیه : " من نالَ استطالَ ، فعلی الرغم من أن هذا القول عرف کمثل ولکنه لایصدق علیه المجاز ولا الکنایة لأنه مستعمل في معناه الأصلي بمعنی أن الشخص الذي یحصل علی نفوذ أو مال أو أي جاه في الدنیا فإنه سرعان ما یمنّ علی الآخرین ویطغی علیهم . أيها الأخوة والأخوات حدثنا خبير البرنامج عبر الهاتف الدكتور الشيخ علي العلي حول الاستعمالات الكنائية والمجازية للأمثال في نهج البلاغة ذاكراً بعضاً من نماذجها، نسترعي انتباهكم أيها الأحبة الى هذا الحديث. العلي: في دراسات كثيرة حول نهج البلاغة وخصوصاً حول المجازات ومستويات الأبعاد الجمالية لنهج البلاغة فيما يتعلق بالبديع وبالبيان وغيرها من الأمور، حقيقة اذا كان هناك نصاً يستحق الوقوف عليه بعد القرآن الكريم ومقتضبات من الحديث الشريف، الحديث الوارد مباشرة عن النبي صلى الله عليه وآله ربما لانجد أمامنا إلا نص نهج البلاغة بقوته. مثلاً من الكناية لكي يكون فيها وضوح وفسم من اقسام المجاز وليس شيء قائم مستقل بذاته وايضاً هو يندرج تحت علم البيان وخلاصته هو إبدال لفظ بلفظ لامانع من اللفظ به يعني يأتون بلفظ قبال لفظ آخر فيه دلالة معينة. عندما يقولون "قرارات النساء" لأن العرب كانت تستحي أن تصف المرأة وخصوصيات النساء فلايقولون أرحام النساء، يقولون قرارات النساء. فهنا بلاغة لأن يستقر الطفل داخل المرأة فهذا يكشف على أنه بلوغ في الآداب وعلو في المستوى. طبعاً كلمات امير المؤمنين في هذا الصدد كثيرة ولكن قبل هذا أبين أن الكناية ايضاً فيها تقسيمات، مرة الكناية تكون مرتبطة بالصفة، بالموصوف ومرة بالنسبة. هذه تقريباً مقوماتها لذلك هي تركز على ما يدل عليه الايجاز وهو تركيز على ماله أهمية كبيرة في حيز صغير مثلاً يصفون امرأة ويقولون طول رقبتها يقولون "قرطها بعيد" يعني حلقة اذنها طويلة وهذا يدل على أن هذا له أبعاد. من كلمات امير المؤمنين ولكي يكون هناك وضوحاً نجد قوله "أيها الناس لاتستوحشوا في طريق الهدى لقلة اهله لأن الناس قد إجتمعوا على مائدة شبعها طويل وجوعها قصير" هنا نلاحظ أن امير المؤمنين دخل الصناعيات التي تعطي دلالة وفيها كناية واضحة، طبعاً كناية على أن الآخرة هي طريق الحق وكناية على أن الدنيا خارج هذا الاطار وكناية على أن الآخرة هي كالمائدة والدنيا ايضاً مائدة ولكن هذه شبعها قصير وجوعها طويل فالوصف واضح. امير المؤمنين من عمق الدلالات أنه دائماً يأتي بالثنائيات، يذكر الانسان الصالح والطالح، ذكر الهدى والضلال، ذكر الحياة والموت وذكر الجوع والشبع وكذر القصروالطول وذكر القلة والكثرة فهذا يعطي للكناية أبعاداً أوسع وكيف تكون لها دلالات مرتبطة بالصفة والموصوف والنسبة ودلالالتها. نرى "أيها الناس لاتستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله فإن الناس قد إجتمعوا على مائدة شبعها قصير وجوعها طويل" هذا كخلاصة وكلمات امير المؤمنين فيها دلالات أعمق وأعمق ومخزون وثراء لغوي وثراء اجتماعي وحتى قرأت رسالة اخيراً تناولت الكثير من كلمات امير المؤمنين وطبيعة دلالالتها وهذا حقيقة يحتاج الى تنظيم حلقة خاصة. المحاور: موفور الشكر وكثير الامتنان للدكتور علي العلي استاذ فلسفة القوانين والتشريعات من مدينة قم المقدسة. أعزّتنا المستمعین ! ومن قصار کلمه وحکمه علیه السلام والتي تتجلّی فیها الکنایة بأجمل صورها وأبهی حللها ، قوله في المقارنة بین نوعین من الناس ؛ الکریم واللئیم : " احذروا صولة الکریم إذا جاع ، واللئیم إذا شبع . فجوع الإنسان الکریم هو کنایة عن عدم اهتمام الناس به ، وعدم احترامه کما ینبغي ، وعدم تلبیة احتیاجاته التي یستحقّها ، و شبع الإنسان اللئیم کنایة عن استغنائه الذي یبعثه علی مواصلته لؤمه ووضاعته . ولکن ربّما أدّی جوعه إلی تغییر أخلاقه من أجل تحقیق أهدافه. واستمرار شبع الأشخاص اللئام والوضیعین یستلزم أذیّة من هو دونهم ومن هم بحاجة إلیهم . وعلی هذا فإنّ من الواجب قطع أسباب الحاجة إلی اللئیم کي نأمن من سطوته وأذاه . وورد في إحدی خطبه علیه السلام في الشکوی من الزمان وأهله ، وکثرة الغدر وشیوع الجهل بینهم، وتحوّل هاتین الصفتین الذمیمتین إلی قیمتین أخلاقیتین یُمدَح بهما أهل هذا الزمان ، ویُشاد بهم ، مستعملاً علیه السلام التعابیر الکنائیّة في نقل هذه المفاهیم : "ولقد أصبحنا في زمان قد اتّخذ أکثرُ أهله الغدر کیساً ، ونسبهم أهل الجهل فیه إلی حسن الحیلة . ما لَهم قاتلهم الله ؟! . والکَیْس هنا هو الکیاسة والفطنة وحسن التدبیر ، وجملة : مالهم ، هي من نوع الاستفهام الاستنکاري ، وعبارة : قاتلهم الله : دعاء علی مجموعة من أناس ذلک الزمان ، وهذه العبارة کنایة عن بعد هؤلاء الناس عن رحمة الله وهي من منظار فنّ البیان نوع من الاستعارة . أعزّتنا المستمعین ! أوقات طیّبة أمضیناها معکم في جولتنا لهذا الأسبوع بین ربوع الأدب والبلاغة في نهج البلاغة ، حتّی نجدّد اللقاء بکم عبر حلقة أخری لکم منّا أجمل المنی وأطیب التحایا ، وشکراً علی حسن الإصغاء والمتابعة . الکنایــة في نهج البلاغــة - 2 - 11 2016-08-21 12:54:43 2016-08-21 12:54:43 http://arabic.irib.ir/programs/item/13894 http://arabic.irib.ir/programs/item/13894 مستمعینا الأفاضل في کلّ مکان ! سلام من الله علیکم ورحمة منه وبرکات ، وکلّ المراحب بکم في هذا اللقاء الذي یتجدّد معکم بین رحاب نهج البلاغـة عبر برنامجکم علی خطی النهج وکلّنا أمل في أن تقضوا معنا أطیب الأوقات وأحلاها عند قطوف أخری من ریاض الأدب والبلاغة في هذه الحلقة التي سنخصّصها لاستعراض مظاهر توظیف الکنایة وروعة هذا التوظیف في نهج البلاغة بعد أن تحدّثنا في الحلقة الماضیة عن المجاز ، کونوا معنا .... أحبّتنا المستمعین ! (الكناية) من (كَنَيْتُ) أو (كنَوْتُ) بالشيء عن شيء آخر، إذا تركنا التصريح به. وهي في اللّغة: التكلّم بما يُراد به خلاف الظاهر . والکنایة في الاصطلاح البلاغي : لفظ أريد به غير معناه الموضوع له ، مع إمكان إرادة المعنى الحقيقي ، لعدم وجود قرينة تدلّ على خلافه. وهذا هو في الحقیقة الفرقُ بين المجاز والكناية ، ففي الأول لا يمكن ارادة الحقيقي لنصب القرينة المضادّة له ، بخلاف الثاني . ومثال الكناية: القول المعروف (فلانٌ كثيرُ الرماد) نريد أنه كريم، للتلازم في الغالبِ بين الكرم وبين كثرة الضيوف الملازِمة بدورها لكثرة الرماد من الطبخ . مستمعینا الأحبّة ! ونظراً إلی أنّ الکنایة تعدّ من الأسالیب البلاغیّة الدالّة علی فصاحة قائلها وبلاغته ، ونظراً إلی أنّها تفوق التصریح بالمعنی من حیث التأثیر وإیصال المعنی والمفهوم ، فقد ورد استخدامها علی نطاق واسع في نهج البلاغة ، ومن ذلک استخدام أمیر المؤمنین علیه السلام لأسلوب الکنایة وعدم التصریح المباشر في الإشارة إلی هدیّة أتی له بها زائر طرقه لیلاً ، وذلک في قوله في الخطبة الخامسة عشرة بعد المائتین : " وأعجبُ من ذلك طارقٌ طرقنا بملفوفةٍ فى وعائها . فنحن نلاحظ هنا أنّ التعبیر اکتسب المزید من الجمالیّة والتأثیر حینما وصف الإمام (ع) الهدیّة بهذا التعبیر الرائع الملفوفة في وعائها ، وکأنّه أراد أن یدین هذا العمل الذي قام به الزائر لیلاً مضفیاً علیه طابع العمل غیر الشرعيّ المتمثّل في الرشوة . وفي موضع آخر یدور حدیث الإمام علیه السلام عن الخوارج والمصیر الذي سیبتلون به مستخدماً في ذلک کنایة هي من أجمل وأروع أنواع الکنایات ، یقول (ع) في الخطبة الثامنة والخمسین : " مصارعُهم دون النُّطفةِ ، وذلک عندما تهیّأ وخرج لقتال الخوارج ، فقیل له إنّهم اجتازوا جسر النهروان . یقول الشریف الرضيّ إنّ المراد من النُّطْفَة ماءُ النهر ، والنطفة هي أفصح أنواع الکنایة عن الماء وإن کان غزیراً . إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! عن الکنایة وبلاغتها والأغراض التي یتوخّاها المتکلّم من استخدامها بدلاً من التصریح بالمعنی ، کان لنا حدیث علی الهاتف مع خبيرة البرنامج: الأستاذة زينب الموسوي الناشطة الثقافية ومديرة معاهد السيدة الزهراء العالمية من لبنان نسترعي انتباهکم إلیه . الموسوي: بسم الله الرحمن الرحيم اولاً الكناية هي تعبير لايكسب منه المعنى الحقيقي وإنما يكسب معنى مجاز للمعنى الحقيقي مثلاً عندما نقول، مثل لبناني يقول "فلان نظيف اليد" كناية عن الأمانة والنزاهة وليس المقصود غسل اليدين ونظافتها من الأقذار، يعني هو أمين يديه لم تمس الحرام. مثال لآخر يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم "بسم الله الرحمن الرحيم يوم يعظ الظالم على يديه يقول ياليتني إتخذت مع الرسول سبيلاً" ليس المعنى هنا عظ اليد يعني يمسكها بأسنانه إنما المقصود بمعنى العظ هنا هو الندم الشديد على ما فرط به في حنب الله، يتحسر الانسان ويتندم لأنه لم يؤد الواجبات الدينية المفروضة عليه. المحاورة: شكراً جزيلاً للأستاذة زينب الموسوي الناشطة القافية ومديرة معاهد السيدة الزهراء العالمية من لبنان. أعزّتنا المستمعین ! وقال سلام الله علیه عند مشاهدته لجثمان طلحة في معرکة الجمل : " أما و اللهِ لقد كنت أكره ان تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب . فعبارة تحت بطون الکواکب کنایة لطیفة عن الصحاری والفیافي ، بمعنی أنه علیه السلام لم یکن یرغب في أن یری جثامینَهم وقد تفرّقت علی رمال الصحاری دون ستر و دون رؤوس ! ومن الکنایات الأخری التي تستوقف الانتباه في نهج البلاغة ، قولُه علیه السلام في الخطبة الحادیة عشرة بعد المائتین : " و لا تجتمع عزيمة و وليمة . والمراد من العزیمة هنا اکتساب الفضائل وهي الإرادة الجازمة للقیام بعمل بعد اختیاره . و الولیمة معروفة وهي تقدیم الطعام لمناسبة ما ولکنّها هنا کنایة عن الرخاء والرفاه و الترف . وبذلک یکون قصد الإمام علیه السلام أنّ العزم علی اکتساب الفضائل والمکارم لا یتناسب ولا ینسجم مع التنعّم والترف . ومن حکمه وکلماته القصار التي تتجسّد فیها الکنایة بأجمل صورها ، قوله علیه السلام : " من يُعطِ باليد القصيرة يُعْطَ باليد الطويلة . ومن الواضح في هذا القول أنّ الإمام (ع) یفرّق بین نعمة العبد وبین نعمة الله ؛ فعبّر عن النعمة التي ینعم بها العبد بـ الید القصیرة وعن نعم الله تعالی بـ الید الطویلة لأنّ نعم الله الذي هو مصدر الإنعام في الوجود لا یمکن أن تقاس مع نعم العباد ، وبناء علی ذلک فإنّ الید الطویلة کنایة عن النعمة الغزیرة والعطاء غیر المنقطع ، و الید القصیرة کنایة عن العطاء القلیل والنزر الیسیر من الإنعام . المحاورة: أيها الأفاضل نسترعي إنتباهكم الى الحديث الذي أدلت به خبيرة البرنامج على الهاتف الأستاذة زينب الموسوي والذي إستعرضت لنا فيه نماذج وأمثلة اخرى من الاستخدامات الكنائية ذات الطابع الأدبي والبلاغي في كلام امير المؤمنين عليه السلام، نستمع معاً الموسوي: الامام امير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام يعرف هو بأمير البلاغة وأمير الفصاحة عليه السلام، أمثلة من أقوال امير المؤمنين التي توجد فيها كناية مثلاً عندما يتحدث عن الانسان يقول "بلاء الانسان من اللسان" كناية عن أن أساس اللسان الذي تجلب له البلاء ولايقصد اللسان هذا العضو الذي يتكلم به الانسان وإنما كلام اللسان الذي يجلب للإنسان الحسرة والندامة. ايضاً حديث آخر لأمير المؤمنين عليه السلام عندما يقول "جليس السوء الشيطان" او انسان عندما يجالس انسان سيء الأخلاق او سيء اللسان فإنه ليس بحد ذاته هو الشيطان بل يقود الانسان الى أفعال شيطانية وهذا كناية عن الشيطان. ايضاً عندما يقول امير المؤمنين عليه السلام "خليل المرء دليل عقله" كناية عن أن رفيق المرء يكون مقارباً لعقله وتفكيره فكل انسان يرافق ما يشابه تفكيره. ايضاً حديث آخر عن امير المؤمنين عليه السلام عندما يقول "السعيد من اتعظ بغيره" أي أن الانسان السعيد هو الذي يرى وينظر من الاخرين ويأخذ العبرة ويستفيد منها. المحاور: نعم مستميعنا الأفاضل وبهذا الحديث الذي أدلت به خبيرة البرنامج على الهاتف مشكورة نصل وإياكم الى ختام جولتنا لهذا الأسبوع بين ربوع نهج البلاغة عبر برنامجكم على خطى النهج. مستمعینا الأطایب ! بهذا الحدیث الذي أدلی به خبیر البرنامج علی الهاتف مشکوراً ، نصل بکم إلی ختام جولتنا لهذا الأسبوع بین ربوع نهج البلاغة عبر برنامجکم علی خطی النهج ، نشکر لکم طیب المتابعة متمنّین علیکم أن تکونوا في انتظارنا في لقائنا للأسبوع المقبل الذي سنواصل فیه الحدیث بإذن الله عن المجاز والکنایة في نهج البلاغة ، في أمان الله . الکنایة و المجاز في نهج البلاغـة - 1 - 10 2016-08-07 13:22:12 2016-08-07 13:22:12 http://arabic.irib.ir/programs/item/13853 http://arabic.irib.ir/programs/item/13853 أحبّتنا المستمعین الأکارم ! نحیّیکم أجمل تحیّة في هذا اللقاء الجدید الذي یجمعنا بکم عبر محطّات برنامجکم الأسبوعيّ علی خطی النهج الذي سنخصّص حلقته لهذا الأسبوع والأسبوع المقبل بإذن الله لتتبّع ما یسمّی في علم البلاغة بالمجاز والکنایـة في نهج البلاغة ، وتسلیط الأضواء علی المظاهر والجوانب الأدبیّة والبلاغیّة فیه ، ندعوکم للمتابعـة .... مستمعینا الأکارم ! المجاز في اللغة هو التجاوز والتعدّي. وفي الاصطلاح اللغوي هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى تدلّ علیه قرينة. أي إن اللفظ يُقصد به غير معناه الحرفي بل معنى له علاقة غير مباشرة بالمعنى الحرفي. والمجاز من الوسائل البلاغية التي تكثر في كلام الناس بشکل عام ، البليغ منهم وغيرهم . والمجاز نوعان ، مجاز لغويّ: وهو استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقةٍ ما بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي .و مجاز عقليّ: وهو استعمال اللفظ بأن يُسند إلى غير من هو له نحو شفى الطبيبُ المريضَبسبب علاقة ما، فإن الشفاء من الله وإسناد الشفاء إلى الطبيب مجاز بسبب وجود علاقة بين الطبيب والشفاء وإن لم يشف بنفسه. مستمعینا الأعزّة ! ندعوکم للاستماع معنا إلی الحدیث التالي الذي أدلی به خبیر البرنامج علی الهاتف الدكتورة دلال عباس الأستاذة في الحضارة الاسلامية من لبنان حول المجاز والکنایة ولماذا یلجأ الأدباء والبلغاء عادة إلی مثل هذا الأسلوب مفضّلین إیّاه علی أسلوب التصریح ؟ عباس: بسم الله الرحمن الرحيم في الحقيقة هذه ميزة من ميزات اللغة العربية، استخدام المجاز. لهذا يلجأ الأدباء الى المجاز من استخدام الحقيقة من المعنى الحقيقي فيكون الأدب أدباً فإذا عدنا الى النص القرآني او اذا عدنا الى الشعر الجاهلي يكون النص أدبياً ولايمكن أن تكتمل عناصره الأدبية إلا اذا إعتمد على المحسنات البيانية ومن المحسنات البيانية المجاز. مامعنى المجاز؟ أن يستخدم الأديب، الشاعر، يستخدم الألفاظ في غير ما وضعت له في الأصل. يعني القول "إشتعل الرأس شيباً" يعني هل يكون الاشتعال للرأس؟ هل يكون الاشتعال للشيب؟ بالنسبة للسامع سيعرف أن الرأس صار كله شيباً وكأن النار قد إستولت فيه. ايضاً استخدام الشيء في الليل واستخدام الليل كأنه الشيب وهذا هو المقصود، استخدام الثعلب المحتال للبشر، الخنفساء للرائحة الكريهة، الأسد للانسان الشجاع. هذا فيما يتعلق بالمجاز أما الكناية فهي أرقى من المجاز لأن المجاز يستخدم الاستعارة مثلاً، الكناية هي أرقى وايضاً هي مجاز ولكن هي جمل ذات معنيين، عملياً الاستعارة أقرب الى السامع لأنها تشبيه بليغ وأرقى من التشبيه البليغ بقليل إنما الكناية أرقى بمعنى أن الجملة يكون لها معنايين، معنى ظاهر ليس هو المقصود ومعنى خفي هو المقصود. حينما يقول مثلاً الشاعر قريتي مسرح الاحلام. مامعنى مسرح الاحلام؟ مسرح الاحلام هو المكان الذي يحلم العودة اليه او يقول شاعر قريته او مدينته هي تحت الاحتلال فيقول قريتي المأسورة، هل تكون القرية أسيرة؟ القرية هي كناية عن أنها تحت الاحتلال. هذا النوع من التعبيرات التي يتصور بها الانسان وأحياناً لايريد الانسان أن يصرح ماذا يريد، يريد أن يفهم المعنى بشكل غير مباشر. يمكن أن تكون الكناية تعريضاً بالقول او مدحاً لهم كأن يقول الشاعر مثلاً ألستم خير من ركب المطايا بمعنى أنهم أفضل من ركب الخيل. المحاورة: مستميعنا الأفاضل نشكر خبيرة البرنامج الدكتور دلال عباس الأستاذة في الحضارة الاسلامية من لبنان لإتاحتها لنا هذه الفرصة. مستمعینا الأفاضل ! أمثلة استعمال المجاز بالمعنی الذي ذکرناه کثیرة في نهج البلاغة ، ومنها قوله علیه السلام في الخطبة 239 في وصف أهل بیت النبوّة (ع) ودورهم في نشر الوعي والقضاء علی الجهل : هم عيشُ العلم و موتُ الجهل . فهم علیهم السلام بمثابة الحیاة للعلم بسبب الشبه بین العلم والکائن الحيّ في وجوده وانتفاع الآخرین منه ، فإطلاق لفظ العیش علی آل محمّد (ص) هو من باب الإطلاق المجازيّ للسبب علی المسبّب لأنهم سبب حیاة العلم ، وهکذا الحال بالنسبة إلی تعبیر موت الجهل بمعنی أنّهم السبب في موت الجهل . ومن النماذج الأخری لاستخدام المجاز في کلام أمیر المؤمنین سلام الله علیه ، قوله في الخطبة الثانیة والثمانین بعد المائة : " فاتقوا اللهَ الذى انتم بعينِه و نواصيكم بيدِه . فلفظ العین في القول السابق مجاز دالّ علی العلم لأنّ العین تستلزم العلم والإحاطة بالشيء ، والنواصي تعني الجباه وتعبیر نواصیکم بأیدیه یعني إحاطتهم به وقدرته علیهم وهکذا الحال بالنسبة إلی إطلاق الید علی القدرة فإنه من باب المجاز . وقال سلام الله علیه في الخطبة الرابعة والستّین في وصف الذات الإلهیّة المقدّسة : " و كلُّ بصير غيره يعمى عن خفيّ الالوان و لطيف الاجسام . فاستعمال العمی هنا هو مجاز لأنه إمّا أن یدلّ علی مطلق عدم الإبصار أو علی الإبصار للشخص الذي لایمتلک القدرة علی الإبصار والرؤیة ، وأيّ من الاعتبارین السابقین لا یتوفّر لبصیر سوی الله ولذلک فإنّ عدم إدراک الألوان الخفیّة والأجسام اللطیفة لیس عمیً حقیقیّاً . ولأنّ العمی هو من أسباب عدم الرؤیة فإنّ هذا المجاز هو من باب إطلاق اسم السبب علی المسبّب . مستمعینا الأطایب ! المزید من الأمثلة والنماذج علی استخدام المجاز في نهج البلاغة ووجوه کونها مجازاً ستوردها لنا خبيرة البرنامج الدكتورة دلال عباس الأستاذة في الحضارة الاسلامية من لبنان، نستمع معاً الى حديثها: عباس: بالنسبة الى نهج البلاغة اذا أخذنا كل كلام الامام عليه السلام هو كلام ادبي بليغ يعني من دون إستثناء، حتى الخطب السياسية والخطب الدينية كلها ذات وجوه بلاغية، يمكن أن نجد فيها كل انواع البلاغة حتى من الحكم. اذن حينما يقول الامام عليه السلام "الولايات مضامين الرجال" ما معنى ذلك؟ هل يدعو الناس بصورة صريحة الى الإنخراط في المجتمع وعدم التصدي للقيادة في الحكم، اذا كان هناك من ضرورة في مرحلة من المراحل في وقت معين لايجوز أن يمتنع الانسان عن القيام بواجبه الاجتماعي او واجبه السياسي لذلك في هذه العبارة القصيرة حينما يقول عليع السلام "الولايات مضامين الرجال" هي دعوة صريحة للناس للإنخراط في المجتمع وعدم التصدي للقيادة والحكم. حين يقول مثلاً في كتابه الى مالك الأشتر حينما يبعثه الى مصر بدأ بها من عبد الله امير المؤمنين الى الحارث الأشتر حين ولاه مصر "جباية خراجها، اعدادالبلاد وإصلاح أهلها وعمارة بلادهم" مامعنى ذلك؟ هذه العبارات الأربع تلخص كل ما يمكن أن يقود به الحاكم في أي زمان ومكان، أولاً جباية الخراج، مامعنى جباية الخراج؟ قديماً وحديثاً كناية عن تأمين ميزانية الدولة. اعداد اهلها ايضاً كلمة مهمة، إعداد الجيش من العداء للحفاظ على حدود البلاد. إصلاح أهلها بمعنى تدبير شؤونهم في كل ماله علاقة بحياتهم الدنيوية. ايضاً كناية عن رعاية الحاكم للناس وتأمين مصالحهم. عمارة البلاد كناية عن دور الحكومة بعد أن تؤمن ميزانية الدولة أن تعمل على عمارة البلاد، عمارة البلاد تتضمن كل ما له علاقة بتأمين البنية التحتية للناس، عمارة الأرض، عمارة البلاد، الاهتمام بالناس وعمارة البلاد وإستصلاح الأرض وحث الناس على البناء. حينما يقول له يجب عليه أن يكسر نفسه عن الشهوات. ما معنى أن يكسر نفسه من الشهوات؟ ايضاً هذه كناية عن الحاكم الذي يجب أن يكون مثالاً يهتدى ولايتبع شهواته، طبعا كل حاكم في كل عصر وزمان. المحاور: موفور الشكر وكثير الامتنان لفضيلة الدكتورة دلال عباس الاستاذة في الحضارة الاسلامية كانت عبر الهاتف من لبنان معنا في حلقة هذا اليوم. إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! وتوصیفات النبيّ (ص) کثیرة في النهج ، حیث عمد أمیر المؤمنین علیه السلام في الکثیر من المواضع إلی وصف النبيّ (ص) بأسالیب مختلفة ، ومنها قوله (ع) في الخطبة التاسعة والخمسین بعد المائة : "فإن الله جعل محمداً صلى الله عليه و آله و سلّم عِلماً للساعة و مبشّراً بالجنّة . وقد جاءت کلمة العِلم في هذا القول بفتح العین واللام أیضاً ، وفي الحالة الأولی یکون المعنی أنّ الله تعالی جعل في بعثة النبيّ (ص) سبباً للعِلم والیقین بقیام الساعة ، وفي الحالة الثانیة أي العَلَم جعل في رسالته دلالة وآیة علی یوم القیامة ، وفي کلتا الحالتین هنالک مجاز استخدمه أمیر المؤمنین (ع) في التعبیر عن شخصیّة النبيّ (ص) ووصفها وهو من باب إطلاق اسم المسبّب علی سببه . ویقول علیه السلام في وصف الموت الذي یدور الحدیث عنه کثیراً في نهج البلاغة : " و الأجل مَساقُ النفس و الهربُ منه موافاتُه . إنّه تعبیر في غایة اللطافة لأنّ الشخص الذي یفرّ من الموت بذرائع وحیل مختلفة ، فإنّ هذه الذرائع والحیل نفسها تستلزم استهلاک الأوقات و مرور الزمن و من المعلوم أنّ انقضاء اللحظات یستلزم هو أیضاً لقاءَ الموت وموافاتَه والوصول إلیه ، وعلی هذا فإنّ إطلاق کلمة الموافاة هي من باب إطلاق اللازم علی ملزومه . مستمعینا الأفاضل ! الحلقة القادمة من برنامجکم علی خطی النهج سنخصّصها لاستعراض وتحلیل بعض من مواطن استخدام الکنایة في نهج البلاغة ، باعتبارها أسلوباً من أسالیب التعبیر البلاغي المؤثّر الذي یغني عن التصریح بالمعنی ، حتی ذلک الحین نترککم في رعایة الله شاکرین لکم حسن إصغائکم ومتابعتکم . توظيف الألوان في الصور الاستعارية - 9 2016-07-20 13:44:18 2016-07-20 13:44:18 http://arabic.irib.ir/programs/item/13798 http://arabic.irib.ir/programs/item/13798 إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! تحیّة الإیمان والإسلام نبعثها إلیکم ونحن تغمرنا البهجة والسرور لتجدید اللقاء بکم عبر هذه المحطّة الأخری من برنامجکم علی خطی النهج والتي سنواصل الحدیث فیها عن الصور الاستعاریّة وبراعتها في نهج البلاغة ، ندعوکم لمتابعتنا . أحبّتنا المستمعین ! کان حدیثنا یدور في الحلقة الماضیة من البرنامج عن توظیف الإمام عليّ علیه السلام للألوان في رسم وتزیین صوره الاستعاریّة ، حیث سنواصل استعراض هذا الجانب من استعاراته سلام الله علیه متطرّقین إلی جوانب أخری في فقرات البرنامج اللاحقة ، فمن الألوان الأخری التي استعان بها (ع) اللونُ الأحمر الذي یعتبر اللون الأوّل الذي عرفه الإنسان في الطبیعة والذي ینتمي إلی مجموعة الألوان الحارّة والمتوالیة والذي یصدر من تلألؤ الشمس و اتّقاد النار والحرارة . علماً أنّ معظم تعابیر اللون الأحمر في اللغة العربیّة ، مقترنة بالمشقّة والشدّة و أُخذت في الاستخدامات الجدیدة من لون الدم . ولم یکن العرب في العصر الجاهلي یمیلون إلی اللون الأحمر . وعلی سبیل المثال فإنّ تعبیر السنة الحمراء یعني سنة الجفاف، و الموت الأحمر هو أسوأ أنواع الموت ، والریح الحمراء تعني أسوأ أنواع الریح . واللون الأحمر في نهج البلاغة یقترب کثیراً من مفهومه ودلالته في الجاهلیّة . وقد استخدم هذا اللون عدّة مرّات في خطب نهج البلاغة وهو في أغلب المواضع استعارة للموت والمرض کقوله علیه السلام في الخطبة الثالثة والسبعین متنبّئاً بما سیجري للأمّة بعد حکم الخلیفة الأمويّ مروان : وَ هُوَ أَبُو اَلْأَكْبَشِ اَلْأَرْبَعَةِ وَ سَتَلْقَى اَلْأُمَّةُ مِنْهُ وَ مِنْ وُلْدِهِ يَوْماً [ مَوْتاً ] أَحْمَرَ فالیوم أو الموت الأحمر کنایة عن الحرب والقتل وسفک الدماء علی نطاق واسع . مجري : نستمع الآن - إخوتنا المستمعین الأکارم - إلی الإجابة التي تفضّل بها خبیر البرنامج علی الهاتف الأستاذ حسن الكشميري الباحث الاسلامي من قم المقدسة ردّاً علی سؤال طرحناه علیه حول الألوان الأخری التي وظّفها أمیر المؤمنین سلام الله علیه في استعاراته ، فلنصمع معاً : الكشميري: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله آل الله حينما نتحدث عن بيانات الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه تظهر لنا عدة صور للإستعارة يستعملها الامام امير المؤمنين في خطبه، معظم ما يستعيره الامام هو غالباً من القرآن، حينما نمر بآية كشاهد او كمثال أستشهد له، مثلاً القرآن يقول "الذي أنشأكم في ظلمات ثلاث" الامام على ضوء هذه الكلمة يأخذ هذا المعنى ويستعيره ويتحدث في خطبة مفصلة "أم هذا الذي أنشأه في ظلمات الأرحام وشغف الأطفار نطفة دهاقاً وعلقة محاقاً". او حينما نمر بآية تتكلم عن الظواهر الكونية، الامام على ضوءها يستعير المعاني من القرآن ولكن ينشأها بخطبة بحسب بيانه الرائع وفي مكانة الألفاظ التي كان سلام الله عليه يخاطب بها الانسانية بكل طبقاتها وعلى المدى البعيد. من ينسجم مع نهج البلاغة ومع خطب الامام امير المؤمنين ومع كلماته القصار ومع رسائله التي كتبها الى ولاته وغيرهم يلاحظ أن 80 او 70% من نسبة الاستعارات ينتزعها الامام سلام الله عليه من القرآن الكريم. المحاور: موفور الشكر وكثير الامتنان لفضيلة السيد حسن الكشميري الباحث الاسلامي من مدينة قم المقدسة كان معنا ضمن برنامج على خطى النهج من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران. إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! ومن الألوان وعالمها الخلّاب ودورها في رسم الصور الاستعاریّة ، ننتقل إلی الأصوات التي ما هي إلّا أمواج محسوسة تنطلق في الفراغ لتزول بعد فترة قصیرة في حین یبقی البعض منها في الأذن بسبب شدّة تردّده ویقترن بدلالات من مثل الفرح و الحزن والنهي والأمر وغیر ذلک . وقد کان العرب یؤمنون بوجود علاقة بین الأصوات والألفاظ ؛ لأنّ موسیقی الکلمات وإیقاعاتها المختلفة تقترب وتتجانس عند أدائها مع مع نوع الفعل والاسم ، ولبعض الألفاظ خصوصیّة وصفیّة بمعنی أنّ واضع هذه الکلمات راعی في وضعها مدالیلها فهي قابلة للإدراک بالحواس ، من مثل النهیق و الصَّلصَلة لصوت ارتطام السیوف مع بعضها البعض ، و الخریر و الزمهریر لشدّة البرد وغیر ذلک . والأدباء و کبار البلغاء العارفون بمواضع الکلام یزیّنون کلامهم بأصوات متناسبة ومتجانسة مع المعاني من أجل ضمان أکبر قدر من التأثیر لکلامهم . یقول الإمام علیه السلام في الخطبة الثالثة والثمانین بعد المائة في وصف الصالحین والمؤمنین : " ... وأکرمَ أسماعَهم أن تسمعَ حسیسَ نارٍ أبداً ... . والحسیس في العبارة السابقة هو الصوت الخفیف و الخفيّ ، حیث استخدم علیه السلام هذا النوع من الأصوات لتجسید الهول والرعب الذي تثیره النار في الأذهان وإفادة معنی ابتعاد المعنیّین بالکلام عن النار ، ویذکّرنا استخدام الحسیس في هذه العبارة ودلالتها الصوتیّة بدلالتها في سورة الأنبیاء حیث یقول - تعالی - : " لایسمعون حسیسَها وهم في ما اشتهت أنفسُهم خالدون . وفضلاً عن هذا النوع من الدلالات الصوتیّة ، فإنّ من عوامل إیجاد التحرّک في الکلام وصور الخیال ، استخدامُ الأصوات وخاصة الأصوات التي تحفل بها الطبیعة ومنها أصوات الحیوانات والإنسان والریح والمطر و الأنهار حیث تضفي هذه الأصوات أجواء من نوع خاص علی الصور الاستعاریّة ، وهو - أي دور الأصوات في نهج البلاغة في بناء ورسم الصور الاستعاریّة - ماحدثنا عنه ضيفنا سماحة السيد حسن الكشميري من مدينة قم المقدسة فلنستمع معاً الى حديثه . الكشميري: طبعاً كلام الامام امير المؤمنين سلام الله عليه تصوره الذهنية المنفتحة التي تنسجم بالمعاني التي كان يطرحها امامنا امير المؤمنين سلام الله عليه. والعقلية في ذلك المجتمع لم تكن منسجمة مع ما كان يطرحه امير المؤمنين لذلك البعض راح يميناً والآخر راح شمالاً، مثلاً الامام تحدث بخطبة خالية من النقطة او تحدث بخطبة خالية من الألف واللام، هذه الصور بهذه الطريقة لم تكن مألوفة ولم تكن عقول اولئك تهضم هذا المعنى فراح قسم منهم وإنحدر بمنحدر خطير وهو يتهم الامام علي بالكذب وهو ما أفصحه كاذباً بقوله، لذلك الامام في بعض خطبه يعلق على هذا " أتقولون علي يكذب؟ علام أكذب على الله وأنا أول من آمن به أم على رسوله وأنا اول من صدقه؟". وفريق آخر بالعكس راح صعوداً الى أكثر من اللازم وهو يصف الامام امير المؤمنين نعوذ بالله بصفة اللاهية فقالوا إن الجمال الإلهي حلّ في علي فهو الله. هذه الصور التي طرحها الامام امير المؤمنين صلوات الله عليه أراد أن يفتح آفاقاً جديدة للبيان وللمصطلحات وأراد أن يفهم الأمم والأجيال بأن اللغة العربية الأصيلة لاهي اللغة التي يتعامل بها هؤلاء وإنما اللغة الأصيلة هي التي طرحها القرآن الكريم وعلى ضوءها الامام امير المؤمنين سلام الله عليه أعاد تلك الصور من جديد ولكن على هيئة خطب وعلى هيئة بيانات لذلك كان الامام سلام الله عليه دائماً يستعمل ما نسميه نحن بالسجع او بالنثر، مثلاً في كلماته القصار صلوات الله وسلامه عليه "أمنن على من شئت تكن اميره، وإستغن عمن شئت تكن نظيره، وإحتج الى من شئت تكن اسيره" وأحياناً يضمن الامام امير المؤمنين الكلمة الواحدة عدة معاني بحركة اعرابية فيقلب المعنى تماماً وهذا جزء من صور البلاغة الرائعة التي إنتزعها الامام امير المؤمنين من القرآن الكريم مثلاً قوله سلام الله عليه "خير البلاد لك ما حملتك لا ما حمّلتك" فنلاحظ أن الامام يطرح هذا المعنى البليغ من خلال شدة وهي اشارة بسيطة يقلب المعنى تماماً من حملتك الى حمّلتك. وهكذا نمر بهذه النقاط والملاحظات المهمة لنرى أن ساحة التقارب بين خطب الامام امير المؤمنين والآيات القرآنية ساحة قريبة جداً وهذا يعيدنا من جديد الى أن الامام امير المؤمنين إنسجم مع القرآن الكريم خلال ربع قرن من هبوط اول آية على النبي الى آخر آية نزلت ورأس النبي على صدر الامام علي بن أبي طالب لذلك الامام كان يؤكد على هذا بأن لاأحد من القريب والبعيد والصحابة اعرف بمضامين القرآن كما يعرفها هو صلوات الله وسلامه عليه. المحاور: موفور الشكر وكثير الامتنان لسماحة السيد حسن الكشميري الباحث الاسلامي من مدينة قم المقدسة. مستمعینا الأفاضل ! وحینما تتّجه أفکار الإمام وصوره القویّة نحو الألفاظ ، فإن هذه الألفاظ لا تجد بدّاً من الانقیاد إلیه ، فقد ملک علیه السلام أزمّة الکلام حتّی نراه یُلبس الألفاظ من المعاني مایرید ویشاء وبأي أسلوب یختاره فیضفي علیها ظاهراً جمیلاً جذّاباً بما یتناسب مع الدلالات الدقیقة والتناغم بین الأصوات والصور ، فهو لیس بحاجة إلی التکلّف والتصنّع ، وإذا بنا نری في کلماته وخطبه أجمل التراکیب والعبارات والصور ، فلنتأمّل مثلاً قوله في الخطبة الخامسة : الكشميري: طبعاً كلام الامام امير المؤمنين سلام الله عليه تصوره الذهنية المنفتحة التي تنسجم بالمعاني التي كان يطرحها امامنا امير المؤمنين سلام الله عليه. والعقلية في ذلك المجتمع لم تكن منسجمة مع ما كان يطرحه امير المؤمنين لذلك البعض راح يميناً والآخر راح شمالاً، مثلاً الامام تحدث بخطبة خالية من النقطة او تحدث بخطبة خالية من الألف واللام، هذه الصور بهذه الطريقة لم تكن مألوفة ولم تكن عقول اولئك تهضم هذا المعنى فراح قسم منهم وإنحدر بمنحدر خطير وهو يتهم الامام علي بالكذب وهو ما أفصحه كاذباً بقوله، لذلك الامام في بعض خطبه يعلق على هذا " أتقولون علي يكذب؟ علام أكذب على الله وأنا أول من آمن به أم على رسوله وأنا اول من صدقه؟". وفريق آخر بالعكس راح صعوداً الى أكثر من اللازم وهو يصف الامام امير المؤمنين نعوذ بالله بصفة اللاهية فقالوا إن الجمال الإلهي حلّ في علي فهو الله. هذه الصور التي طرحها الامام امير المؤمنين صلوات الله عليه أراد أن يفتح آفاقاً جديدة للبيان وللمصطلحات وأراد أن يفهم الأمم والأجيال بأن اللغة العربية الأصيلة لاهي اللغة التي يتعامل بها هؤلاء وإنما اللغة الأصيلة هي التي طرحها القرآن الكريم وعلى ضوءها الامام امير المؤمنين سلام الله عليه أعاد تلك الصور من جديد ولكن على هيئة خطب وعلى هيئة بيانات لذلك كان الامام سلام الله عليه دائماً يستعمل ما نسميه نحن بالسجع او بالنثر، مثلاً في كلماته القصار صلوات الله وسلامه عليه "أمنن على من شئت تكن اميره، وإستغن عمن شئت تكن نظيره، وإحتج الى من شئت تكن اسيره" وأحياناً يضمن الامام امير المؤمنين الكلمة الواحدة عدة معاني بحركة اعرابية فيقلب المعنى تماماً وهذا جزء من صور البلاغة الرائعة التي إنتزعها الامام امير المؤمنين من القرآن الكريم مثلاً قوله سلام الله عليه "خير البلاد لك ما حملتك لا ما حمّلتك" فنلاحظ أن الامام يطرح هذا المعنى البليغ من خلال شدة وهي اشارة بسيطة يقلب المعنى تماماً من حملتك الى حمّلتك. وهكذا نمر بهذه النقاط والملاحظات المهمة لنرى أن ساحة التقارب بين خطب الامام امير المؤمنين والآيات القرآنية ساحة قريبة جداً وهذا يعيدنا من جديد الى أن الامام امير المؤمنين إنسجم مع القرآن الكريم خلال ربع قرن من هبوط اول آية على النبي الى آخر آية نزلت ورأس النبي على صدر الامام علي بن أبي طالب لذلك الامام كان يؤكد على هذا بأن لاأحد من القريب والبعيد والصحابة اعرف بمضامين القرآن كما يعرفها هو صلوات الله وسلامه عليه. المحاور: موفور الشكر وكثير الامتنان لسماحة السيد حسن الكشميري الباحث الاسلامي من مدينة قم المقدسة. " هَیهَاتَ بَعْدَ اللَّتَیا وَ الَّتِی وَ اللَّهِ لَابْنُ أَبِی طَالِبٍ آنَسُ‏ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْی أُمِّه بَلِ اِنْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لاَضْطَرَبْتُمْ اِضْطِرَابَ اَلْأَرْشِيَةِ فِي اَلطَّوِيِّ اَلْبَعِيدَةِ المفاخرة . فنحن إن سعینا لأن نشبّه حبّ الموت والتعلّق به بشيء أفضل ممّا اختاره أمیر المؤمنین (ع) وهو شوق الرضیع إلی لبن أمّه ، لَما وجدنا مشبَهاً به أفضل ممّا اختاره علیه السلام وإن أردنا أن نشبّه اضطراب وقلق الشخص الذي یقف أمام أسرار علمه علیه السلام ، فلربّما عجزنا عن أن نجد شیئاً أفضل ممّا ذکره الإمام (ع) والذي یمثّل ظاهرة کان یعرفها العرب في عصره وهي الاضطراب والاهتزاز المتکرّر للحبل المتدلّي في داخل بئر عمیقة کي یُستَخرَج به الماء ! ویقول الإمام سلام الله علیه في الدنیا : " من أبصرَ بها بصَّرتهُ ، ومَن أبصرَ إلیها أعمته ... . فنحن في هذه العبارة أمام تعبیر بلیغ ونافذ في نفس الوقت و یبعث علی التأمّل ، حیث یقول الشریف الرضيّ في تفسیر هذه العبارة إنّ من یتأمّل في عبارة من أبصر بها بصّرته یصل إلی معنی عجیب وغرض بعید لا یمکن بلوغ نهایته والغوص في أعماقه . خاصة أنّ عبارة ومن أبصر إلیها أعمته هي قرینته ، ومن خلال الدقّة فیها یتضح وینکشف الفرق بین أبصر بها و أبصر إلیها ؛ فالجملتان في هذه العبارة القصیرة ذکرتا متقابلتین ومتقارنتین ، حیث یوضح کلّ منهما مفهوماً مختلفاً و یعبّران عن وجهین یمکن التعامل من خلالهما مع الدنیا . فالدنیا - حسب الوجه الأوّل - وسیلة للرؤیة والبصیرة وهي توصل طالبي البصیرة إلیها ، والدنیا - وفق الوجه الثاني - مطلوبة بل هي غایة الطالبین وفي هذه الحالة تحرم الدنیا طالبیها من اکتساب البصیرة . إنّ مثل هذه الرؤیة الثاقبة التي تموج بها الصور التي رسمها الإمام علیه السلام ، تمثّل خطوة کبیرة من أجل إضفاء الحیاة علی المشاهد وتحریکها وضخّ الحیویّة فیها . مستمعینا الأکارم ! أنتم علی موعد معنا في الحلقة القادمة بإذن الله من برنامجکم علی خطی النهج لاستعراض أسلوب آخر من الأسالیب البلاغیة التي وظّفها الإمام علیه السلام في نهج بلاغته ألا وهو أسلوب المجاز والکنایة ، فحتّی ذلک الحین نترککم في رعایة مَن علّم الإنسانَ البیان ، وإلی الملتقی . براعة الاستعارة في نهج البلاغة - 8 2016-07-10 09:46:44 2016-07-10 09:46:44 http://arabic.irib.ir/programs/item/13759 http://arabic.irib.ir/programs/item/13759 مستمعینا الأفاضل في کلّ مکان ! سلام من الله علیکم ورحمة منه وبرکات في هذا اللقاء الذي یتجدّد معکم عبر محطّة أخری من برنامجکم علی خطی النهج ، والتي سنواصل الحدیث فیها من خلال الاستعانة بالخبراء عن براعة الاستعارة ولمساتها الجمالیّة في نهج البلاغة ، تابعونا ... مستمعینا الأحبّة ! من المعلوم أنّ الاستعارة هي في الأصل تشبیه حذف فیه المشبّه به . وبلاغة الاستعارة تکمن في الإیجاز و الإبداع و التوسّع في توظیف اللغة والدلالات و حاجتها إلی التأمّل والربط فیها بین الظواهر والأشیاء التي تبدو في الظاهر متناقضة ومتضادّة و ضخّ الحرکة والحیویّة في التعبیر الأدبي . وقد توافرت کلّ تلک الخصائص والصفات في نهج البلاغة کأحسن مایکون التوفّر ؛ فلقد تمّ في استعاراته توظیفُ ظواهر الطبیعة الحیّة والمتحرّکة في خلق الصور وإبداعها اعتباراً من الإنسان و الحیوانات من مثل الجیاد و الجِمال وحتی الحیوانات المفترسة والکائنات الحیّة الأخری ، وعلی سبیل المثال فنحن نلاحظ في إحدی خطب نهج البلاغة أنّ الإنسان المحتال و المخادع قد استعیرت صورته لوصف الدنیا والتحذیر من زخارفها ومظاهرها الکاذبة الخدّاعة وذلک في قوله سلام الله علیه : " لا تشیموا بارقَها ولا تسمعوا ناطقَها ولا تجیبوا ناعقَها ولا تستضیئوا بإشراقِها ولا تُفتَنوا بأغلاقِها ( الخطبة / 191 ) . وتکاد الخطبة الرابعة بعد المائتین أن تشتمل بأکملها علی صور استعاریّة عن العلاقة بین الموت والحیاة ، وقد تجسّد في هذه الصور الخوف والرعب من الموت علی شکل حیوان مفترس فتّاک ؛ حیوان وقع الإنسان بین مخالبه ولا سبیل للفرار منه . ومن جهة أخری ، فإن زمان الرحیل قد أزف وهنالک طریق طویل وصعب مستصعب یمتدّ أمام الإنسان ، ولا سبیل أمامه لاجتیازه بسلام سوی أن یتزوّد بالتقوی وأن یقطع علائقه بالدنیا ، کما یحدّثنا أمیر المؤمنین عن ذلک في قوله : " تجهّزوا رحمکم الله فقد نودي فیکم بالرحیل وأقلّوا العُرجة علی الدنیا وانقلبوا بصالح ما بحضرتکم من الزاد فإنّ أمامکم عقبة کؤوداً ومنازل مخوفةً مهولة لابدّ من الورود علیها والوقوفِ عندها . واعلموا أنّ مَلاحظَ المنیّة نحوکم دانیةٌ بمخالبِها وکأنّکم بمخالبِها وقد نشبت فیکم وقد دهمتکم فیها مُفظعاتُ الأمور ومعضلات المحذور . فاقطعوا علائقَ الدنیا واستظهروا بزاد التقوی . وفي الخطبة الثامنة والثلاثین بعد المائة من نهج البلاغة جسّد لنا أمیر المؤمنین سلام الله علیه الحرب في صورة حیوان مفترس ضار مرّة وفي صورة ناقة مدرار یبدو لبنها بادیء ذي بدء عذباً حلواً سائغاً شرابه و لکنّ شاربه سرعان ما یشعر فیما بعد بمرارته بل وبأثره السامّ ، یقول علیه السلام في التحذیر من الحرب وبیان عواقبها الوخیمة : " حتّی تقومَ الحربُ بکم علی ساقٍ بادیاً نواجذُها ، مملوءةً أخلافُها ، حُلواً رضاعُها ، علقماً عاقبتُها ... أحبّتنا المستمعین الأکارم ! حول توظیف مظاهر الطبیعة في الصور الاستعاریّة التي جاءت في نهج البلاغة وإیراد بعض الأمثلة والنماذج منها ، طرحنا سؤالاً علی خبیر البرنامج علی الهاتف الأستاذ الشيخ جعفر عساف الباحث الاسلامي من لبنان ، فتفضّل بالإجابة قائلاً : عساف: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين نحن كما نعلم أن امير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الذي يزخر بهذه العلوم المتنوعة والكثيرة فلابد أنه يملك ذاكرة قوية وقدرة هائلة على إختزان صور الناس والطبيعة أخبار البشر وأوصاف الأشياء. وكانت دقة ملاحظته تجعله محيطاً إحاطة مدهشة بسمات الشيء الباطنية وايضاً الظاهرية. لاشك أننا نجد علياً عليه السلام كما هو كلماته وخطبه في نهج البلاغة أنه كان يتحدث عن الطبيعة بمضامينها الحية ومايتخلل هذه الطبيعة من قواعد ونواميس حياتية ومايحكمها من ارادة خفية دقيقة التنظيم والصنع، ايضاً نجد علياً عليه السلام كانت قد تنوعت خطبه حول الزرع والحيوانات المختلفة كالخفاش والطاووس والنملة، في حديث وخطبة له يتحدث فيها عن الطاووس، يقول امير المؤمنين سلام الله عليه "يمشي مشي المرح المختال ويتصفح ذنبه وجناحيه فيقهقه ضاحكاً لجمال سرباله فإذا رمى ببصره الى قوائمه زعق معولاً وله في موقع العرف قنزعة خضراء موشاة ومخرج عنقه". ونختم بما ذكره امير المؤمنين علي عليه السلام حول تكوين الجبال، يقول "وجبل جلابيدها ومشود متونها وأطوادها وأكواها في مراسيها وألزمها قرارتها فمضت رؤوسها في الهواء ورست أصولها في الماء فأمهد جبالها عن سهولها وأساخ قواعدها في متون أخفارها ومواضع أنصابها فأشهق تلالها وأطال انشازها وجعلها للأرض عماداً". هكذا نجد أن امير المؤمنين علي عليه السلام له باع طويل، ذاكرة قوية، الله تبارك وتعالى أنعم عليه بنفس وذهن كبيرة استطاع من خلالها أن يدخل الى كل هذه الأشياء وطبعاً الوصف للأشياء الطبيعية او غير الطبيعية لايمكن أن يتيسر للانسان إلا اذا كان محيطاً بها وعارفاً بها وهذا ماكان فعلاً من امير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه. المحاور: موفور الشكر وكثير الامتنان لفضيلة الشيخ جعفر عساف الباحث الاسلامي من لبنان. مستمعینا الأکارم ! وفضلاً عن الاستعانة بمظاهر الطبیعة وموجوداتها في رسم الصور والاستعارات ، نلاحظ توظیف أمیر البلغاء علیه السلام لمظهر آخر من مظاهر الطبیعة ألا وهو الألوان من أجل تقدیم صور استعاریّة زاهیة بالألوان التي تحفل بها الطبیعة ، والإمام (ع) خبیر ضلیع في مزج الألوان واستخدامها في صوره الاستعاریّة بأشکال وأسالیب مختلفة من مثل اللون الأخضر والأصفر والأحمر والأبیض والأسود وغیرها ؛ وعلی سبیل المثال فإنّ اللون الأخضر یدلّ علی الکثرة والوفور والرزق والخصب ، بل أنّ هذا اللون في الفکر الدینيّ هو رمز للخیر والبرکة ، قال تعالی في محکم کتابه الکریم : " ألم ترَ أنّ اللهَ أنزلَ من السماءِ ماءً فتصبح الأرضُ مخضرَّةً ( الحج/ 63 ) . ونحن نری الإمام علیّاً (ع) یوظّف هذا اللون لمرّات عدیدة من مثل وصفه لجمال الطاووس في قوله : " ... لَهُ فِي مَوْضِعِ الْعُرْفِ قُنْزُعَةٌ خَضْرَاءُ مُوَشَّاةٌ ... يُخَيَّلُ لِكَثْرَةِ مَائِهِ، وَشِدَّةِ بَرِيقِهِ، أَنَّ الْخُضْرَةَ النَّاضِرَةَ مُمْتَزِجَةٌ بِهِ ... ، علماً أنّ القُنزُعَة هي الخَصْلة من الشعر تُتْرَك على رأس الصبي. وقد یدلّ اللون الأخضر في استخدامات أخری له علی النماء والحیویّة والانتشار ، کما نلاحظ في قوله سلام الله علیه : " وَ لَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودٌ وَ لَا اخْضَرَّ لِلْإِيمَانِ عُودٌ... فاخضرار شجرة الدین في هذا التعبیر یمثّل صورة استعاریّة متحرّکة وناطقة لحیاة الإیمان وبقائه ودوامه وقوّته في القلوب لأن النماء هو في النهایة قوّة للشيء واستحکام له . إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! وفيما يتعلق بعنصر الألوان في الصور البلاغية التي تطالعنا في نهج البلاغة طرحنا سؤالاً آخر على ضيف البرنامج على الهاتف سماحة الشيخ جعفر عساف الباحث الاسلامي من لبنان رجونا فيه منه أن يزودنا بالمزيد من الأمثلة والنماذج على هذا النوع من الصور الاستعارية فتفضل مشكوراً: عساف: طبعاً النظر في خطب امير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام نجد أن علياً بن أبي طالب كان له خيال طويل، يتضح ذلك من خلال كلامه في نهج البلاغة المملوء بالكثير من الرسوم المخطوطة بالألوان وشدة واقعيتها وارتفاع مجالها وامتداد أجنحتها وهذا ما نلمسه في كلام امير المؤمنين عليه السلام عندما يخاطب أهل البصرة وكان بنفسه تألم منهم بعد موقعة الجمل قائلاً "لتغرفتن بلدتكم حتى كأنني انظر الى مسجدها كجأجأ طير في لجة بحر". هكذا نجد هذا التشبيه وهذا اللون الساحر في كلام علي بن أبي طالب عليه السلام عندما يقول "فتن كقطع الليل المظلم". وايضاً نذكر بعذ كلمات امير المؤمنين صلوات الله عليه عندما يتحدث عن مكانته فيقول صلوات الله عليه "وإنما أنا فقطب الراحة تدور عليّ وأنا بمكاني" وهكذا هناك الكثير من الكلمات التي يمكن أن نجد فيها كلام علي بن أبي طالب عليه السلام الذي ملأ بالكثير من الألوان البلاغية والتشبيهية التي قلّ أن يكون لها شبيه في كلام العرب. وهو الذي كان يقول ايضاً عن بعضهم "إنما انت كالطاعن عن نفسه ليقتل رجسه". وهكذا ايضاً امير المؤمنين صلوات الله عليه، نختم بهذا الكلام الذي كان يتكلم فيه عن الكذب يقول "إياك ومسابقة الكذاب فإنه كالسراب يقرب عليك البعيد ويبعد عنك القريب". والحمد لله رب العالمين. المحاور: موفور الشكر وكثير الامتنان لفضيلة الشيخ جعفر عساف الباحث الاسلامي من لبنان. مستمعینا الأفاضل ! ومن بین الألوان الأخری التي استخدمت علی نطاق واسع في النهج وحملت الکثیر من الدلالات ، اللونُ الأصفر والذي دلّ في الغالب علی معان من مثل التعب والضعف والحزن کقوله علیه السلام في خطبة المتّقین : " صفرُ الوجوهِ من السّهر ، علی وجوهِهم غَبرةُ الخاشعین . ویشیر هذا اللون في خطبة أخری إلی الذبول والقرب من الفناء ، کتشبیهه علیه السلام للدنیا بشجرة اصفرّت أوراقها وفقدت نضارتَها وطرواتَها وحیاتَها بالتالي ، فلنستمع معاً : " والدنیا کاسفةُ النورِ ، ظاهرةُ الغرور ، علی حین اصفرارٍ من ورقها ، وأَیاسٍ من ثمرِها ، واغوِرارٍ من مائها ... . مستمعینا الأطایب ! تتبُّعنا للصور الاستعاریّة واستخداماتها في نهج البلاغة سیتواصل بإذن الله في لقائنا القادم عبر برنامجکم علی خطی النهج ، حتّی ذلک الحین تفضّلوا بقبول خالص شکرنا علی طیب متابعتکم لنا ، وکونوا في انتظارنا . فن الاستعارة وجمالياتها في نهج البلاغة 2 - 7 2016-06-25 13:19:47 2016-06-25 13:19:47 http://arabic.irib.ir/programs/item/13715 http://arabic.irib.ir/programs/item/13715 أحبّتنا المستمعین الأکارم ! نجدّد اللقاء بحضراتکم في المحطّة الأخری من برنامجکم علی خطی النهج والتي سنواصل الحدیث فیه من خلال الاستعانة بالخبراء في هذا المجال عن جمالیّات توظیف الاستعارة في نهج البلاغة ، کونوا بصحبتنا ... مستمعینا الأعزّة ! تتضمّن الاستعارة في جانب من جوانبها صوراً حسية استعارية، تتمتّع بإمكانية جمالية لا حدود لتجليّاتها المظهرية واضماراتها الدلالية- كقوله عليه السلام وهو يتحدث عن السحب: "الْهَوَاءُ مِنْ تَحْتِهَا فَتِيقٌ والْمَاءُ مِنْ فَوْقِهَا دَفِيقٌ والفتيق: تعني المفتوق، والدفيق هو المدفوق أي المتدفّق . وقد تكون الصورة صريحة أو قد تأتي ضمنيّة بين تعبيرين أو أكثر- بحيث تضفي على أحد التعابير أو مجموعة من التعبيرات لوناً من العاطفة ، كقوله عليه السلام في الاستسقاء: "اللهمَّ قَدِ انْصَاحَتْ جِبَالُنَا واغْبَرَّتْ أَرْضُنَا وهَامَتْ دَوَابُّنَا وتَحَيَّرَتْ فِي مَرَابِضِهَا وعَجَّتْ عَجِيجَ الثَّكَالَى عَلَى أَوْلادِهَا. وانصاحت : تعني جفّت ويبست من الجدب ، وليس من المناسب تفسير انصاحت بـ (انشقت) لأنها تعني الانشقاق مع صدور الصوت الا ان يراد المبالغة في الحرارة التي اشتدت لتأخُر المطر حتی تفطّرت الأرض ، وحتى اتّقد باطنها ناراً، وتنفّست في الجبال فانشقّت.. مثل قوله عليه السلام: "أَتَقَلْقَلُ تَقَلْقُلَ الْقِدْحِ فِي الْجَفِيرِ الْفَارِغِ وإِنَّمَا أَنَا قُطْبُ الرَّحَى تَدُورُ عَلَيَّ وأَنَا بِمَكَانِي فَإِذَا فَارَقْتُهُ اسْتَحَارَ مَدَارُهَا واضْطَرَبَ ثِفَالُهَا والقِدح بالكسر: السهم قبل أن یُراش، والجفير: الكنانة توضع فيها السهام- وإنما خص القدح لانه يكون أشد قلقلة من السهم المراش حيث إن حد الريش قد يمنعه القلقلةُ أو يخففها- واستمار: تردد واضطراب الثفال: الحجر الأسفل من الرحى. فنحن نطالع في هذا النصّ صوراً استعاریّة متتالیّة المستعار له فیها هو الإمام عليّ (ع) نفسه دوماً ؛ فهو کالسهم غیر المراش في الکنانة الفارغة ، وهو القطب والمحور الذي تدور حوله الرّحی ، وتکتسب منه توازنَها ، فإن أُخرِج منها فقد کلّ شيء توازنَه ، وتخبّطت تلکم الرّحی في دورانها بل لربّما خرجت من مدارها ! مستمعینا الأفاضل ! حول الصورة الاستعاریّة الفنیّة وجمالیّة توظیفها في کلام أمیر المؤمنین علیه السلام ، کان لنا اتصال هاتفيّ بـسماحة السيد حسن الكشميري الباحث الاسلامي من قم المقدسة الذي أدلی بحدیث في هذا المجال نسترعي انتباهکم إلیه : الكشميري: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين لايستطيع أي متكلم ولايتمكن أي كاتب او متحدث أن يصف ما تحلى به نطق الامام امير المؤمنين سلام الله عليه من متانة وحكمة وبلاغة. كما يقول الأديب: أيا موجب التاريخ نهلاً وعبرة ومنتهجاً في نهجه ليس يغتر في الواقع هذه البلاغة وهذه الفصاحة حينما تصل الى نهج اللاغة وبيان الامام امير المؤمنين تقف حائرة صاغرة. بعد كلام القرآن الكريم، كلام المرتضى هو مرتضى الكلام كما يقال وكتب هذه الكلمة المرحوم الفراهيدي. الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه بإعتباره يعيش في ذلك المجتمع الذي تجلت حضارته بالبلاغة وبالفصاحة أعجزهم الامام امير المؤمنين ببياناته، عندما نتصفح نهج البلاغة بأقسامه الثلاثة سواء الخطب او الرسائل او الكلمات القصار نرى أن الامام سلام الله عليه يستعير الجمل الدقيقة من القرآن الكريم فيعكسها بعبارات يظهر فيها الابداع في المعنى وفي المحتوى. عندما يستعمل الامام مثلاً الشدة في قلب المعنى يقول عليه الصلاة والسلام "خير البلاد لك ماحملتك لا ما حمّلتك". وهناك الكثير من كلمات الامام في رسائل الامام وفي إستشهادات الامام نرى القرآن بكل معانيه ومضامينه موجوداً في صفحات نهج البلاغة. وخير ما نتحدث في هذا كلمة للكاتب اللبناني شكيب أرسلان الذي قال "بعد القرآن الكريم لانجد ناطقاً ولانجد بليغاً عاجز الفصحاء كالامام علي بن ابي طالب صلوات الله وسلامه عليه". المحاورة: أحبتنا بعد هذا الحديث الذي تفضل به خبير البرنامج سماحة السيد حسن الكشميري على الهاتف مشكوراً ندعوكم لمتابعتنا ونحن نتجول بين رياض نهج البلاغة النضرة عبر ما تضمنته من صور استعارية. أحبّتنا المستمعین ! من الواضح أنّ الصورة الفنية قد یرتفع مستوی العمق التأثيري فیها ، ليتجاوز حدود الاستعارة والتشبيه إلى التجسيد والتشخيص والوصف.. كقوله عليه السلام في إحدى خطبه متحدّثاً عن الدهر في صور استعاریّة متتابعة ومتزاحمة یأخذ بعضها ببعض ، کقوله مستعیراً صورة الرامي الماهر الذي لا یکاد ینجو أحد من سهامه الحاملة للموت الزؤام ، مقدّماً بذلک لنا صورة استعاریّة حسّیة للدهر وقوانینه الصارمة التي لا یمکن لأحد الفرار منها ، ولاسبیل للنجاة من حتمیّتها ، یقول سلام الله علیه : "فَمِنَ الْفَنَاءِ أَنَّ الدَّهْرَ مُوتِرٌ قَوْسَهُ لا تُخْطِئُ سِهَامُهُ ولا تُؤْسَى جِرَاحُهُ يَرْمِي الْحَيَّ بِالْمَوْتِ والصَّحِيحَ بِالسَّقَمِ والنَّاجِيَ بِالْعَطَبِ آكِلٌ لايَشْبَعُ وشَارِبٌ لايَنْقَعُ. ففي هذا التقریر الذي یقدّمه لنا إمام البلاغة وأمیر البلغاء علیه السلام تتکاثف الصور الاستعاریّة وتتداخل وتتشعّب وتدخل في الکثیر من الجزئیّات والتفاصیل، اعتباراً من تشبیه حوادث الدهر والزمان بالرامي الذي هو علی أهبة الاستعداد دوماً ( موتر قوسَه ) ، وهو إن رمی سهامه فإنّ سهامه هذه تحمل معه الموت الحتميّ وکأنّها منقوعة بالسمّ القاتل ، وسهامه هذه هي الموت بعینه الذي یرمي به الأحیاء فإذا بهم ینخرطون في لحظة في سلک الأموات ، وإن شاءت الإرادة الإلهیّة أن لا تکون رمیة الدهر رمیةَ الموت ، رمی أصحّاءهم بالمرض والسقم ، و الناجین من سهامه هذه بألوان البلاء وضروب الهلاک ، وهذا هو دیدنه الدائم وکأنه آکل نهم لا سبیل للشبع إلیه ومتعطّش یتّقد جوفه ناراً لا طریق لإطفائها ! المحاورة: أيها الكرام فلنستمع الآن الى حديث خبير البرنامج سماحة السيد حسن الكشميري الباحث الاسلامي من مدينة قم المدسة على الهاتف ليسلط لنا الضوء على هذا النوع من الصور الاستعارية المتداخلة التي يحفل بها نهج البلاغة ونماذج من هذه الصور، فلنتابع معاً. الكشميري: طبعاً النماذج كثيرة ومتعددة مثلاً حينما يتحدث الامام امير المؤمنين سلام الله عليه عن الفطرة الالهية او حينما يتحدث الامام امير المؤمنين عن بديع صنع الخالق فنرى الامام سلام الله عليه وهو يتحدث عن كيفية خلقة النملة ومحتوياتها وأجزاء بدنها. وفي كلام آخر له سلام الله عليه حينما يقف على وادي السلام وهو ينظر الى تلك المقبرة الواسعة فيلتفت يميناً وشمالاً وهو يخاطبهم ويسلم عليهم ثم الامام يستشهد يقول "أما النساء فقد زوجت وأما الأموال فقد قسمت وأما البيوت فقد سكنت، هذا خبر ما عندنا، فما عندكم؟". او مثلاً في كلمة اخرى في باب الموعظة ترى الامام يجسد فيها تلك المعاني التي ربما جمعتها مجموعة من الآيات في القرآن الكريم، يقول عليه الصلاة والسلام وهو نموذج رائع وقد وجدته عند أحد الأحبار وهو يعتز بهذه الكلمة وهذا البيان، يقول عليه الصلاة والسلام "ومن المحزن أن يجمع أحدكم ما لايأكل ويبني ما لايسكن ثم يرحل الى ربه صفر اليدين، فلامال نقل ولادار سكن". وهكذا حينما نأتي الى حديث الامام امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه عن الآخرة وعن ما يسبق الآخرة من أجواء يقول صلوات الله وسلامه عليه حينما يعظ هذا الانسان بعد أن يسبح "سبحانك اللهم خالقاً ومعبوداً خلقت داراً" يتكلم عن الآخرة "وجعلت فيها مأدبة ومطعماً ومشرباً وخدماً وقصوراً وأزواجاً وزروعاً واثماراً ثم أرسلت داعياً يدعو اليها" وهو النبي صلى الله عليه وآله "فلا الداعي اجابوا ولا الى ما رغبت اليه رغبوا ولا الى ما إجتنبت اليه إجتنبوا". ثم يعبر عن هذه الدنيا ومافيها من الزينة يقول "أقبلوا على جيفة قد إزدحموا على اكلها وأصطلحوا على حبها ومن عشق شيئاً أعشى بصره وأمرض قلبه وهو ينظر بعين غير صحيحة وبأذن غير سميعة، قد خرقت الشهوات عقله وأماتت الدنيا قلبه. المحاورة: أيها الأحبة كونوا بإنتظارنا في محطتنا القادمة بإذن الله تعالى من برنامجكم على خطى النهج لنستكمل حديثنا حول براعة الاستعارة في نهج البلاغة وجمالية جوانبها الفنية وعمق وتأثيرها في نفس المتلقي وذهنه. إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! ومصطلح الصورة من المصطلحات النقدية التي ليس لها جذور في النقد الأدبي العربي- وهناك فارق بين الصورة والبلاغة تتسنى في خباياها حقائق شعرية ينأى بها الزخرف الشعري كقوله عليه السلام: "فَمَخَضَتْهُ مَخْضَ السِّقَاءِ وعَصَفَتْ بِهِ عَصْفَهَا بِالْفَضَاءِ ومخضته: حركته بشدة كما يمخض السقاء ما فيه من اللبن، ليستخرج زبده. والسقاء: جلد السخلة يجذع فيكون وعاء للبن والماء. وعصفت به الريح: إذا عصفت بالفضاء الذي لا أجسام فيه كانت شديدة لعدم المانع، وهذه الريح عصفت بهذا الماء ذلك العصف الذي يكون لها. إن تنوع مهام الصورة الفنية في بنى تقريرية لا تحتوي تشبيها أو مجازاً وهناك صور تشبيهية وهناك الرمز(الايقوني) وتعني صورة تدل على صورة مادية بينها علاقة التشبيه والمجاز- كقوله عليه السلام في الشهادتين: "...شَهَادَتَيْنِ تُصْعِدَانِ الْقَوْلَ وتَرْفَعَانِ الْعَمَلَ لا يَخِفُّ مِيزَانٌ تُوضَعَانِ فِيهِ ولا يَثْقُلُ مِيزَانٌ تُرْفَعَانِ عَنْهُ. وهناك صورة منه ترتكز على مفهوم الاستعارة- التي واكبت الاعتقاد إلى المجاز مثل قوله عليه السلام في إحدى خطبه، وهو يتحدث عن الملائكة: "مَضْرُوبَةٌ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ مَنْ دُونَهُمْ حُجُبُ الْعِزَّةِ وأَسْتَارُ الْقُدْرَةِ فنجد أن الصورة الفنية موجودة في التراث لكنها لم تشخص كآليات نقد خاصة لذا يرى البعض ان لا صورة بعد التشبيه والمجاز. مستمعینا الأکارم ! کونوا في انتظارنا عند محطّتنا القادمة من برنامجکم علی خطی النهج لنستکمل حدیثنا حول براعة الاستعارة في نهج البلاغة و جمالیّة جوانبها الفنّیة وعمق تأثیرها في نفس المتلقّي وذهنه ، حتّی ذلک الحین تقبّلوا أطیب تحایانا ، وجزیلَ شکرنا علی حسن إصغائکم ومتابعتکم ، وفي أمان الله ... الاستعارة في النهج 1 - 6 2016-06-15 10:49:57 2016-06-15 10:49:57 http://arabic.irib.ir/programs/item/13688 http://arabic.irib.ir/programs/item/13688 أحبّتنا المستمعین الأفاضل في کلّ مکان ، سلام من الله علیکم ورحمة منه وبرکات ، وکلّ المراحب بکم في هذا اللقاء الجدید الذي یسرّنا أن یجمعنا بحضراتکم عبر ربوع نهج البلاغة المزدهیة بکلّ ما هو جمیل وبدیع في عالم البلاغة والتعبیر ، حیث سنخصّص هذه الحلقة وما بعدها للحدیث عن فنّ الاستعارة وجمالیّاتها في هذا الکتاب الخالد، تابعونـــا.... مستمعینا الأکارم ! قبل کلّ شيء لا بدّ وأن نتعرّف علی مفهوم الاستعارة في اللغة وفي علم البلاغة أو علم البیان الذي یعتبر فرعاً من فروع علم البلاغة ومن أکثر هذه الفروع دقّة وتشعّباً حیث تطرح فیه مباحث علی قدر کبیر من الدقّة والتشعّب ، وفي بعض الأحیان یضطرّ المتخصّصون في هذا العلم للتطرّق إلی موضوعات ومباحث تتصل بالمنطق . والاستعارة من الناحیة اللغویّة وکما یدلّ لفظها هي طلب الشيء علی سبیل الاستدانة والتعهّد بإرجاعه إلی صاحبه . وهي في الاصطلاح لا تختلف کثیراً عن معناها اللغويّ فهي حسب مایقول علماء البلاغة والبیان استعمالُ اللفظُ في غير ما وضعَ له لعلاقةِ (المشابهةِ) بين المعنَى المنقولِ عنه والمعنِى المستعملِ فيهِ، مع (قرينةٍ) صارفةٍ عن إرادةِ المعنَى الأصليِّ،(والاستعارةُ) . وبذلک فإنّ الاستعارة ليست إلا (تشبيهاً) مختصراً، لكنها أبلغُ منهُ کقول الله تعالی في محکم کتابه الکریم: " فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ {الكهف:77} ، فإنه شبّه ميل الجدار للسقوط بالإرادة التي هي من صفات العقلاء، فاستعار لفظ الإرادة الذي هو من صفات العقلاء للجدار الذي هو جماد لا إرادة له للمشابهة بين الميلان للسقوط وبين مَن يريد ذلك من العقلاء. وكما في قوله تعالى: " وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ {الشعراء:84}، فقد وضع اللسانَ الذي يكونُ به القولُ موضعَ القول علی سبیل الاستعارة. وكما في قوله تعالى: " وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ {التكوير:18}، فكأن نسيم الصباح وضوءه المنتشر نَفَسٌ يبعث الحياة في الكون من جديد، فالنفس بالنسبة للصبح استعارة وهو القرینة المانعة من إرادة المعنی الأصليّ وهو النَفَس الذي هو من صفات الکائنات الحیّة . وهکذا فإنّ كلَّ مَجازٍ يبنَى على التشبيهِ (يسمَّى استعارةً) ، ولابدَّ فيها من عدم ذكر وجهِ الشبهِ ، ولا أداة التشبيهِ ، بل ولابدَّ أيضاً من تناسي التشبيهِ الذي من أجله وقعتِ الاستعارةُ ، مع ادعاءِ أنَّ المشبَّهَ عينُ المشبَّهِ به. أو ادعاءِ أنَّ المشبَّه فردٌ من أفرادِ المشبَّهِ به . وللاستعارةِ أجملُ وقعٍ في الكتابةٍ، لأنها تمنحُ الكلامَ قوةً، وتكسوهُ حسناً ورونقاً، وفیها ینطلق الخیال ویستعرض الأدیب قدراته الفنّیة في التعبیر ، وکلّما کانت الاستعارة أکثر غرابة وخفاء ازدادت جمالاً وروعة وقوّة في التأثیر . مستمعینا الأکارم ! للاستعارة کما قرّر علماء البلاغة أرکان وأنواع أوکلنا الحدیث عنها وبیانها إلی خبیر البرنامج علی الهاتف السيد حسن الكشميري الباحث الاسلامي من قم المقدسة ، حیث أدلی لنا مشکوراً بالحدیث التالي حول هذا الموضوع ، فلنستمع معاً : .... الكشميري: الاستعارة هو عنوان لحالة يأخذ الانسان فيها، مرة تكون استعارة مادية يستعير حاجة ثم يعيدها الى صاحبها مثلاً كمن يستعير كتاباً مثلاً عندما يقول الأديب: ألا يامستعير الكتب دعني فإن إعارتي للكتب عار. فبين الأدباء وفي عالم الأدب اشتهر نوع من فنون الأدب ومن فنون البلاغة هو مسئلة الاستعارة في الأدب العربي في الشعر ولعله موجود حتى في غير الأدب العربي ولكن تظهر هنا براعة الشاعر وتعمقه البلاغي حينما يتناول الجملة من قصيدة اخرى، هذه تسمى استعارة. على سبيل المثال كشاهد في عام 1955 لما جاؤوا بأول باب ذهبية للامام علي ابن ابي طالب ونصبت في الأيوان وهي الباب الموجودة حالياً تبارى الأدباء بقصائد في هذه المناسبة او مقاطع أبيات، أحد الأدباء الذين ذكروا هذه الحادثة او نظموا فيها هو الخطيب الراكب آنذاك في النجف الأشرف هو الشيخ محمد علي اليعقوبي كبير الخطباء وشاعر ملهم فمن جملة ما قال، قال هذين البيتين وأخذ فيهما استعارة، هذه الاستعارة أعطت عطراً خاصاً لهاتين البيتين حينما قال: اذا ما الدهر عفا كل باب فباب الله باق ليس يعفى ولن يبقى مع التاريخ إلا علي الدر والذهب المصفى هنا جاءت الاستعارة بشكل بلاغي جميل ونالت إعجاب المفكرين والحضار لأن البيت كما تعلم له صدر وله عجز، عجز البيت الثاني إستعاره المرحوم اليعقوبي من القصيدة المأثورة والمشهورة للعلامة إبن الفارض والتي نظمها في أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم وبالخصوص بالامام علي: بآل محمد عرف الصواب وفي أبياتهم نزل الكتاب الى أن يقول: ولاسيما أبو حسن علي له في الدهر مرتبة تهاب ثم يقول: علي الدر والذهب المصفى وباقي الناس كلهم تراب فالمرحوم اليعقوبي إستعار من قصيدة العلامة إبن الفارض هذا المقطع الذي هو هناك صدر في قصيدة إبن الفارض ولكن المرحوم اليعقوبي إستعاره فأكمل بيته وجعل الصدر من ذلك البيت عجزاً للبيت الثاني. حينما يقول: اذا ماالدهر عفا كل باب فباب الله باقي ليس يعفى ولن يبقى مع التاريخ إلا.. هنا الاستعارة على الدر والذهب المصفى. المحاور: موفور الشكر وكثير الامتنان لضيف حلقتنا فضيلة السيد حسن الكشميري الباحث الاسلامي من مدينة قم المقدسة. إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! مازلتم معنا عبر برنامجکم علی خطی النهج وحدیثنا یدور حول فنّ الاستعارة وجمالیّاتها في نهج البلاغة الذي یحفل من أوّله إلی آخره بهذا النوع من التشبیه البلیغ ، من مثل قوله علیه السلام في الخطبة الأولی من النهج والتي یتحدّث فیه عن الآیات المبثوثة في الکون والدالّة علی وجود الله وقدرته وعظمته : "فَطَرَ الخلائقَ بقدرتِه و نشرَ الرّياحَ برحمتِه فقد استعمل (ع) تعبیر الفَطرْ الذي یعني الشقّ طولاً والذي یستخدم في العادة للجمادات لعملیّة الخلق والإبداع والإیجاد علی سبیل الاستعارة ، وهو تعبیر تکرّر استعماله في القرآن الکریم للتعبیر عن الخلق والإیجاد في مواضع من مثل: "الحمدُ للهِ فاطرِ السماوات والأرضِ ،وقوله علی لسان إبراهیم (ع) : "إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . وقال سلام الله علیه في وصف الخوارج والمنافقین مستخدماً في قوله القصیر هذا ثلاث استعارات متتالیة یجسّد لنا من خلالها مدی الانحراف والضلال الذي بلغه أولئک الفاسقون الخارجون عن طاعة الله : "زرعوا الفجورَ و سقوهُ الغرورَ و حصدوا الثّبور . فقد استعار هنا سلام الله علیه الزرع للفجور فکأنّه زرع بل هو الزرع الذي ینمو ویکبر ، واستعار السقیا بالماء للغرور فکأنّ الغرور هذا العامل الرئیس الذي یعمل علی تنمیة ذلک الفجور واستفحاله ، واستعار الحصادَ للثبور وهو الشرّ والهلاک الذي سیتمخّض عنه عملهم ذاک فکأنّهم یحصدون ثمار انحرافهم شرّاً وهلاکاً وسوء عاقبة . سیورد لنا خبیرنا علی الهاتف سماحة السيد حسن الكشميري المزید من نماذج الاستعارة وأمثلتها في نهج البلاغة من خلال تحلیلها وتسلیط الضوء علی الجانب الجمالي فیها ، فلنستمع معاً إلی حدیث ضیفنا علی الهاتف : الكشميري: طبعاً هنا الحديث عن نهج البلاغة أكثر من خمسين مورداً وربما أكثر بكثير، تناولها الامام امير المؤمنين صلوات الله عليه إما من أجل أن يوضح المعنى او يركز عليه بشكل خاص. مثلاً الامام امير المؤمنين يحاول أن يطرح المفاهيم القرآنية من خلال بلاغته الخاصة ومن خلال مايتمتع به الامام علي سلام الله عليه من الإبداع في المعنى والإبداع في اللفظ، مثلاً حينما يأتي القرآن يقول حول الفتنة "ولقد فتنا الذين من قبلهم" او القرآن يذكر الفتنة ويقول "الفتنة أشد من القتل". هنا يتبادر ذهن الانسان وهكذا يفهم الفتنة بأنها تمثل حركة صراع ويتقاتل الناس وفي هذا فتنة، بينما الامام امير المؤمنين سلام الله عليه يعبر عن الفتنة كما أشار اليها القرآن ولكن الامام يطرحها بهذا العنوان في اطار بلاغي جميل حينما يقول "إن الفتن اذا أقبلت شبهت واذا أدبرت نبهت، ينكرن مقبلات ويعرفن مدبرات" الامام صلوات الله وسلامه عليه يطرح المعنى بأن الفتنة تعرفها حينما تدخل نفسك بمتاهات، تدخل في امور لادور لك فيها من خلال ما تعيشه وهنا تقع في مشاكل وتقع في تساؤلات وإنتكاسات. المحاور: موفور الشكر وكثير الامتنان للسيد حسن الكشميري الباحث الاسلامي من مدينة قم المقدسة. مستمعینا الأطایب ! ومن لطائف قول الإمام عليّ علیه السلام في التحذیر من الدنیا وعواقب الاغترار بها مستعیناً في هذا التحذیر والإنذار أسلوب الاستعارة ، قوله : "أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ حَذَّاءَ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ اصْطَبَّهَا صَابُّهَا أَلَا وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا فَإِنَّ كُلَّ وَلَدٍ سَيُلْحَقُ بِأَبِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . فهذا القول علی قصره مفعم بالاستعارات الفنیّة الجمیلة التي تجسّد المعنی في الذهن وترسم لنا مشاهد سریعة ومتحرّکة حافلة بالألوان عن الدنیا التي أدبرت سریعةً ، ولم یتبقّ منها سوی فترة قصیرة کأنها الصبابة أو بقیّة الماء في الإناء ، وأمّا الآخرة فقد أقبلت مسرعةً هي الأخری في قدومها فکأنّها إنسان یجري علی عجل باتجاه من یشتاق إلیهم ویکنّ الحبّ لهم ، کما یجري الوالدان باتجاه أولادهما ، وعلی هذا فإنّ من الحريّ بالإنسان أن یتعلّق بالآخرة کما یتعلّق الولد بوالدیه ، وأن یعلن براءته من الدنیا من خلال عدم الارتضاء لنفسه أن یکون بمثابة الابن لها . إخوتنا ، أخواتنا المستعین والمستمعات ! انتظرونا في الحلقة القادمة من برنامجکم علی خطی النهج لنستکمل حدیثنا عن بلاغة الاستعارة وروعتها في نهج البلاغة ، حتّی ذلک الحین تقبّلوا منّا خالص الحبّ وکلّ الشکر علی طیب متابعتکم لنا ، وفي أمان الله . براعة التشبیه - 5 2016-06-07 12:35:17 2016-06-07 12:35:17 http://arabic.irib.ir/programs/item/13668 http://arabic.irib.ir/programs/item/13668 أحبّتنا المستمعین الأکارم ! تحیّة الحبّ والوفاء نبعثها إلی حضراتکم ونحن نجدّد اللقاء بکم بین الربوع الغنّاء والریاض النضرة لنهج البلاغة حیث روعة البیان ، وجمالیّات التعبیر ، والقمّة المعجِزة في الصورة والمضمون ، وحیث نعیش لدقائق في کلّ لقاء بین هذه الظلال الوارفة ، والنسائم البلاغیّة العلیلة من خلال برنامجکم الأسبوعي المتجدّد علی خطی النهج ، فأهلاً ومرحباً بکم عندَ ما أعددناه لکم في هذا الأسبوع ... مستمعینا الأفاضل ! عالم التشبیه والاستعارة عالم رحب واسع لاحدود له ولاقرار خاصة إذا کان أمامنا کتاب من مثل نهج البلاغة ؛ إنّه عالم لاتنتهي عجائبه ، ولا تنقضي غرائبه ولایملک الإنسان أمامه إلّا أن یخشع ویخضع ویهتف معلناً إعجابه بهذه القدرة الفذّة المتمیّزة التي وهبها الله سبحانه وألهمها لأبي الأئمّة سلام الله علیه ، والتشبیهات التي نلفیها في کلامه تتردّد بین البسیطة المفردة ، والبلیغة و المجملة ، وبین التصویر والتمثیل ، حتّی لتکاد تقترب من الإستعارة بمستواها الفني العالي والمرموق ، کما نلاحظ ذلک في قوله علیه السلام في ذمّ الجشع والطموع ودورهما في سلب الإنسان عقلَه بل وقتله حتّی لَیتحوّل الطمع إلی سیف بتّار قاتل یذبح العقلَ في لحظة الضعف البشريّ لیردیه قتیلاً : "أَكْثَرُ مَصَارِعِ الْعُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ الْمَطَامِع ‏ ومن تشبیهاته الطریفة علیه السلام ذلک التشبیه المرکّب الذي استخدمه للتحذیر من اتخاذ الکذّاب الذي اعتاد الکذب وتزییف الواقع صدیقاً ، حیث یقول سلام الله علیه في هذا الصدد : "إِيَّـاكَ وَمُصَادَقَةَ الكَذَّابِ فَإِنَّهُ كاَلسَّرَّابِ يُقْرِبُ عَلَيْكَ البَعِيْدَ وَيُبْعِدُ عَلَيْكَ القَـرِيْبَ والتشبیه هنا من نوع التشبیه المفرد المفصّل ، ومن نوع تشبیه الشيء الحسّي بحسّي آخر ، فالکذّاب هو المشبّه ، والسراب هو المشبّه به . ومن المعلوم أنّ الکذب من الکبائر وأنّه مفتاح ومدخل للذنوب الأخری ، وهو مصدر کلّ المساویء والقبائح ، وقد حذّرنا الإمام علیه السلام في معرض ذمّ هذه السلوکیّة و التوصیة بالإعراض عنها ، حذّرنا منها من خلال توظیف التصویر الحسّي ؛ فاعتبر شخصیّة الإنسان المحترف للکذب " الکذّاب " بمثابة السراب الذي یقلب الحقائق أمامنا ویجعلنا نجري وراء الأماني والآمال الخادعة ؛ وإذا به یقرّب أمام أعیننا الأشیاء البعیدة المستحیلة ، فیما یبعد عنها کلّ ما هو قریب ممکن الوقوع ، والملاحظ في هذا التشبیه المرکّب أنّ أمیر المؤمنین علیه السلام استخدم حرف الجرّ علی مع الفعلین یبعد و یقرّب ، رغم أن من المفترض أن تستخدم حروف من مثل عن و من ولکنّ استخدام الحرف علی أبلغ هنا في تصویر الصورة البعیدة عن الواقع التي یرسمها لنا الإنسان الکذّاب لأنه لایبعد ولا یقربّ بالفعل الحقائق عنّا أو منّا بل هو یصوّرها علی أنّها قریبة مرّة وبعیدة مرّة أخری ، وحرف الجرّ علی هنا أبلغ وأدقّ في التعبیر . مستمعینا الأحبّة ! حول التشبیهات البلیغة في نهج البلاغة والتي تقترب من الاستعارة ، والجانب الجمالي والفنّي فیها ، وإیراد بعض الأمثلة والنماذج منها ، طلبنا من ضیفنا علی الهاتف الشيخ علي العلي أستاذ فلسفة القوانين والتشريعات الاسلامية من قم المقدسة أن یورد لنا بعض الإیضاحات فتفضّل مشکوراً . العلي: بسم الله الرحمن الرحيم القارئ لنهج البلاغة ولكلمات نهج البلاغة ربما يستطيع أن يصنفها الى عدة أصناف، البعض يغلب عليها طابع الخطب وكلها تمثل رؤية بلاغية وأرضية متكاملة في كيفية توظيف اللغة. الواقع يمثل إختلاف في عقد النص القرآني وممارسة استخدام النص القرآني عبر المعطيات، يعني يمثل حقبة أربعة عقود. هذا يبين الآلية التي رسمت النص العربي بعد أربعة عقود خصوصاً اذا نظرنا الى كلمات امير المؤمنين، مثلاً اذا رأينا أنه يكون قبل نزول القرآن تداول لكلمة الله او كلمة الدنيا او كلمة الناس او كلمة الشكر لذلك يغلب حضور مثل هذه الكلمات. عندما ننظر أنها تعطي تشبيهات دقيقة وربطاً متجانساً بين الانسان والآلة التي يستخدمها وكذلك طبيعة البيئة ومافيها من كائنات حية. هذه التشبيهات عكست توظيف اللغة بشكل متكامل. من الأمثلة التي يمكن أن نقولها، مثلاً وصف امير المؤمنين للطاووس، وصف امير المؤمنين لبعض الكائنات الحية، في هذا نجد حالة من الشعر والأدب الموجودة لدينا وحالة الخطب التي كانت سائدة الى توظيف آلية النعمة والشكر والارتباط بالطبيعة وغيرها من الأمور. المحاورة: نعم مستمعينا ومن المعلوم أن الامام علياً وظف فن التشبيه على نطاق واسع في وصاياه ومواعظه الأخلاقية. حول هذا الموضوع أدلى لنا ضيفنا عبر الهاتف سماحة الشيخ علي العلي الأستاذ في فلسفة القوانين التشريعات من مدينة قم المقدسة بحديث مختصر ذاكراً بعض الأمثلة والنماذج. نسترعي انتباهكم مستمعينا الأفاضل الى هذا الحديث: العلي: النقطة الأساسية والارتكاز الأساس هو أنه كيف يرتبط هذا التشبيه بشيء معلوم؟ من المعلوم أن الأخلاق وطبيعتها هي معنوية عليا، كيف تربطها وتضعها في مثال حي؟ الحقيقة عندما نأتي مثلاً للخطب على مستوى الدولة مثلاً او على مستوى ادارة شؤون الناس مثلاً في خطبته او وصيته لمالك الأشتر وخطابه الذي بعثه يقول "آتي في اللحظة والنظرة" يعني هنا ربط الزمان وربط الممارسة الجرحية يعني ربط اللحظة والتي هي تشكل الزمان او المدة المعينة وربط ايضاً النظرة التي هي ذات بعد مادي وايضاً تتضمن في داخلها الزمان. كذلك الاجتماعيات في كلام امير المؤمنين كثيرة وفيها أبعاد كثيرة منها اجتماعية الأمن والخوف واجتماعية الفتنة والدنيا مثلاً عندما ننظر الى كلماته، معظم كلماته تأتي بكلمة ألا وهنا تعطي دلالة للإنتباه وهي تنبه الى بعد اخلاقي معنوي يرتبط بالحياة اليومية وهذه كانت في معظم كلمات امير المؤمنين مثلاً عندما يقول: "لم يبق منها إلا قضابة كقضابة" العرب لهم ارتباط كبير بالماء لذلك عندما يلفت لهم أن الفتنة ماهي إلا قضابة، العرب ينتقل بها الى البعد المعنوي ومجرد أنه يتذكر أنها ماهي إلا قطرة ماء، هذه قطرة الماء لايمكن أن تسد رمقاً أضف الى ذلك عندما يقول "ألا وإن الآخرة قد اختلفت" يعني مجرد أن ينبه أنه ألا يعطي دلالة على أن هناك اختلاف والعرب مجرد أن يتنبه بهذه الكلمة يستدعي أن يوظف حواسه لما بعد ذلك. يعني ليس فقط أن يستنطق الحواس بالاذن لذلك بكلمة ألا ينتبه القارئ مباشرة الى المغزى تقريباً بكافة الحواس. كذلك يقول "إتخذوا الشيطان لأمرهم" هنا كلمة إتخذوا، هذه حقيقة توصل المعنى الى البعد المادي ومباشرة يستوعب الأفعال وتكون مؤثرة في الناس. المحاور: موفور الشكر وكثير الامتنان لفضيلة الشيخ علي العلي أستاذ فلسفة القوانين والتشريعات من قم المقدسة، كونوا معنا وأصحبونا على خطى النهج بعد الفاصل. إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! ومن التشبیهات الرائعة الذکیّة التي استخدمها أمیر المؤمنین علیه السلام في وصف بطش السلطان ، وضرورة مداراته خشیة سورات غضبه التي قد تؤدّي إلی الفتک بصاحبه ، قولُه (ع) : " صَاحِبُ السُّلْطَانِ كَرَاكِبِ الْأَسَدِ يُغْبَطُ بِمَوْقِعِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَوْضِعِهِ فالمقرَّب من السلطان المرافق له ممّن يُعَدّ من حاشيته مثلُه مثل راكب الاسد الذي يتمنى الناس مكانته حيث العز ومهابة الجميع منه فهو يبدو هكذا للناس لكن الحقيقة انه يخاف مركوبَه ويهابه أكثر من خوف الناس منه فبحكم قربه سيكون اوّلَ ضحية للسلطان . ویکثر في نهج البلاغة الحدیثُ عن الدنیا بجانبیها الإیجابي والسلبيّ ، تارة من خلال التشبیه وأخری عبر توظیف الاستعارات المختلفة ، والحدیث التالي الذي ننقله لکم هو من باب الترکیز علی الجانب الإیجابي من الدنیا ، وکیف یمکن أن تتحوّل إلی وسیلة للفوز والفلاح في الآخرة ، فلنصغ معاً : " إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا وَ دَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا وَ دَارُ غِنًى لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا وَ دَارُ مَوْعِظَةٍ لِمَنِ اتَّعَظَ ، بِهَا مَسْجِدُ أَحِبَّاءِ اللَّهِ وَ مُصَلَّى مَلَائِكَةِ اللَّهِ وَ مَهْبِطُ وَحْيِ اللَّهِ وَ مَتْجَرُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ . فنحن نواجه في الحدیث السابق حشداً من التشبیهات البلیغة المتتالیة المشبّه الوحید فیها هو الدنیا فیما تتنوّع المشبّهات بها ؛ فالدنیا هي دار الصدق ، ودار العافیة ، ودار الغنی ودار اکتساب الموعظة واستلهام الدروس والعبر ولکن شریطة أن یحسن الإنسان استغلالها لخیره فیها وفي الآخرة ، وهي بمثابة المسجد الذي یجتمع فیه المتحابّون في الله ، والموضع الذي تصلّي فیه ملائکة الله وتسبّح ، والمهبط الذي طالما نزل فیه وحي الله علی أنبیائه ورسله ، والمتجر الذي یعقد فیه أولیاء الله صفقاتهم مع الخالق لیفوزوا في النهایة بنعیم الآخرة الذي لایزول ورضوان الله الذي هو أکبر من کلّ ذلک ؛ فالدنیا - إذن - هي الأصل ، وهي الصراط الوحید الذي یسلکه الإنسان لبلوغ غایته القصوی في الآخرة ؛ فهي مزرعة الآخرة والقنطرة التي لا بدّ من اجتیازها کي ینال الإنسان السعادة الأبدیّة . مستمعینا الأکارم ! في حلقة الأسبوع المقبل من برنامجکم علی خطی النهج سنلج عالماً آخر من العوالم الأدبیّة والبلاغیة في کلام أمیر المؤمنین علیه السلام ألا وهو عالم المجاز والکنایة ومظاهر الإعجاز البیاني وتجلّیاته في استخداماتهما ، حتی ذلک الحین تقبّلوا منّا خالص التحایا وکلّ الشکر علی طیب متابعتکم ، وفي أمان الله . الصور التشبيهية والتمثيلية في كلام امير المؤمنين عليه السلام - 4 2016-05-30 09:33:17 2016-05-30 09:33:17 http://arabic.irib.ir/programs/item/13644 http://arabic.irib.ir/programs/item/13644 مستمعینا الأکارم في کلّ مکان ! سلام من الله علیکم ورحمته وبرکاته یغمرنا السرور ، وتحیط بنا البهجة ونحن نجدّد اللقاء بکم عند محطّة أخری من محطّات رحلاتنا الأسبوعیّة بین رحاب نهج البلاغة من خلال برنامجکم علی خطی النهج ، برجاء أن نوفّر لکم أوقاتاً حافلة بکلّ ما هو نافع وممتع ، تابعونا ... مستمعینا الأعزّة ! مایزال حدیثنا یدور حول براعة فنّ التشبیه وصوره وأسالیبه في نهج البلاغة حیث یستوقفنا في هذا المجال الحدیث التالي الذي یمثّل جواباً من الإمام(ع) لأحد السائلین : وَ قَالَ (ع) لِسَائِلٍ سَأَلَهُ عَنْ مُعْضِلَةٍ : " سَلْ تَفَقُّهاً وَ لاَ تَسْأَلْ تَعَنُّتاً ، فَإِنَّ اَلْجَاهِلَ اَلْمُتَعَلِّمَ شَبِيهٌ بِالْعَالِمِ وَ إِنَّ اَلْعَالِمَ اَلْمُتَعَسِّفَ شَبِيهٌ بِالْجَاهِلِ اَلْمُتَعَنِّتِ وأوّل ما یستوقفنا في التشبیه الذي ورد في هذا القول ، بساطته واستعانة الإمام علیه السلام بأداة التشبیه وهي هنا کلمة شبیه فهو إذن من نوع التشبیه المفصّل ، ولعلّ السبب في ذلک هو أنه في مقام التفهیم والإیضاح ولذلک استدعی الأمر أن یورد التشبیه بهذه الصورة التفصیلیّة المبسّطة ، ثم إنّ مقتضیات البلاغة لا تستدعي إیراد تشبیه المتعلّم الجاهل بالعالم والعالم المتعسّف بالجاهل علی صورة التشبیه البلیغ الذي تحذف فیه أداة التشبیه ، وکأنّه علیه السلام أراد أن یفهمنا أن الجاهل الذي یکون قصده التعلّم یکاد یکون عالماً بفضل نیّته التعلّمَ وعدم مکابرته واعترافه بجهله سلفاً ، وأنّ العالم الذي لوّث علمه بالتعسّف والمکابرة یوشک أن یکون شبیهاً بالجاهل المعاند الذي لایرید الاعتراف بجهله . وقال علیه السلام في فضل العلم والأدب والفکر السلیم المؤدّي إلی الوصول للحقائق دونما شکّ وشبهة : "العِلمُ وَراثَهٌ کَریمَهٌ ، وَ الآدابُ حُلَلٌ مُجَدَّدَهٌ ، وَ الفِکرُ مِرآهٌ صافِیَهٌ حیث نلاحظ هنا أنه سلام الله علیه لجأ إلی التشبیه البلیغ المجمل الذي لا تذکر فیه أداة التشبیه ولا وجه الشبه ، وأنه عمد إلی تشبیه ما هو معنوي وغیر حسّي أي العلم و الأدب و الفکر بما هو مادّي ومحسوس وهو الوراثة و الأدب و المرآة الصافیة ، ثم إنّ الطرف الأول من التشبیه أي المشبّه مفرد في حین أنّ الطرف الثاني المشبّه به مرکّب مؤلّف من کلمتین هما الصفة والموصوف زیادة في الإیضاح ، و تعظیماً لشأن المشبّه وهو العلم والأدب والفکر ، نظراً إلی أنه في مقام بیان فضل العلم ومکانته و دور الأدب في تزیین سلوک الإنسان وأخلاقة و التعویل علی الفکر في بلوغ الحقائق الخالصة کما هي من غیر لبس ولا تضلیل ؛ فالعلم هو خیر ما یرثه الإنسان بل هو إرث کریم نفیس لأنه هو الذي یصنع الإرث المادي ، و أمّا الأدب وحسن التعامل مع الآخرین فهو بمثابة الحلل المتجدّدة التي یزیّن بها الإنسان ظاهره وهیئته ، فیما التفکّر والتعمّق في باطن الأمور والظواهر وتأمّلها هو الوسیلة الفضلی في إدراک الأمور علی حقیقتها فکأنه المرآة الصافیة التي تُري الإنسانَ الأشیاء علی حقیقتها دونما تحریف ولا مواربة . وفي معرض حدیثه ( علیه السلام ) في أحد أقواله الکثیرة عن الدنیا والتحذیر منها ، استخدم فنّ التشبیه ولکنّه عمد علیه السلام إلی أسلوب التشبیه التمثیلي الذي یقوم فیه المتکلّم بطرح صورتین حسّیتین من أجل تقریب الصورة الکلیّة إلی ذهن المتلقّي بشکل أفضل ، کما نلاحظ في قوله : " مَثَلُ مَنِ اغْتَرَّ بِها ( بالدنیا ) كَقَوْم كانُوا فِي مَنْزِل خَصِيب فَنَبَا بِهِمْ إِلى مَنْزِل جَدْیب . فنحن نواجه هنا صورتین ؛ صورة المغرور بالدنیا الراکن والمطمئنّ إلیها والمنخدع بمظاهرها ، وفي الطرف الآخر نواجه الصورة المشبّه بها وهي صورة مجموعة الناس المسافرین الذین یصادفون في طریقهم منزلاً خصباً مریعاً تتوفّر فیه أسباب الراحة من عناء السافر ولکنّهم ومن أجل بلوغ وجهتهم مضطرّون لا محالة إلی مغادرة ذلک الموضع الذي تطمئنّ إلیه النفس لیتجاوزوه إلی موضع آخر تکرهه النفس لجدبه وجفافه ولأنه لایزیدهم إلّا عناء ومشقّة بدلاً من أن یزیلوه ذلک العناء وهذه المشقّة فیه ؛ وهي صورة تشبیهیّة جمیلة ومؤثّرة یرسمها لنا أمیر المؤمنین بقدرته الفذّة علی التصویر عن الدنیا وکونها مجرّد منزل مؤقّت سیرحل الإنسان عنه عاجلاً أم آجلاً حاله في ذلک کحال المسافر الذي یمرّ في طریقه بالعدید من المنازل التي یضطرّ إلی ترکها من أجل بلوغ هدفه ، وعلی هذا فإن العاقل هو الذي ینبغي أن لا یغترّ بالدنیا ولا ینخدع ببهارجها ومظاهرها الزائلة لا محالة ، وأن یکون همّه الأوّل والأخیر الهدف الأخیر من رحلته ألا وهو الآخرة بنعیمها الباقي والمخلّد . مستمعینا الأکارم ! تکثر الصور التشبیهیّة التمثیلیّة في کلام أمیر المؤمنین سلام الله علیه ، عن هذه الصور ومکانتها الفنّیة ودورها في تقریب مراد المتکلّم إلی ذهن السامع کان لنا حدیث مع ضیفنا علی الهاتف السيد حسن الكشميري الباحث الاسلامي من مدينة قم المقدسة الذي تفضّل في هذا الصدد قائلاً : الكشميري: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين. تنوعت طرق التشبيه التي استعملها الامام صلوات الله عليه من خلال خطبه فمرة يعمد الامام الى التشبيه بالنسبة للمخلوقات التي يتناول فيها إبداع خلقت الباري وصنع الباري سبخانه وتعالى وأحياناً يستعمل الامام التشبيه في تقليد الصورة او لتوضيح المعنى أكثر الى ذهن الانسان. فنلاحظ بالنسبة الى البعد الأول تناول الامام خطبة مفصلة وواسعة عن النملة وكيف أن هذه النملة لها شروطها وحياتها الخاصة ثم يتحول الامام الى طاقات هذا المخلوق البسيط ويتحول الامام الى وظائف هذا المخلوق "ولو فكرت في شراسيف بطنها ومافي جوفها وما في رأسها" يتكلم الامام عن كل أجزاء وفصول وأعضاء وتركيبة هذا المخلوق ليعطي الانسان صورة عن عظمة الخالق وبديع صنعه. ومرة يتكلم الامام عن الخفاش، له خطبة مفصلة. لاأغفل، عندما يتكلم الامام عن النملة ينهي الخطبة بهذه الجملة يقول عليه السلام "وفاطر النملة هو خالق النخلة" الامام يريد أن يقرر هذه المعاني للإنسان لكي يستطيع الانسان أن يستوعب بكامل الدقة وبكامل الملاحظة ما اودع الله سبحانه وتعالى في مخلوقاته من صفحات تكشف لهذا الانسان عظمة الخالق ولطف الخالق وبالتالي مراقبة الخالق لكل حركة صغيرة وكبيرة تدور في هذا الكون وفي الأكوان الأخرى. المحاورة: أيها الأخوة والأخوات ثم طلبنا من ضيفنا الكريم أن يورد لنا بعضاً من الأمثلة والنماذج في نهج البلاغة فيما يتعلق بهذا النوع من التشبيه فأجاب سماحة السيد حسن الكشميري عن هذا التساؤل: الكشميري: الأمثلة تنوعت، مرة الأمثلة تكون جغرافية ومرة معنوية ومرة تكون على مستوى الخلقة، مرة يستعمل الامام امير المؤمنين أمثلة لهذا الانسان ليفهمه كيف يتعامل بطرفي الحياة يعني بين الزهد وبين الاستفادة من نعم الخالق. الامام صلوات الله وسلامه عليه يستعرض هذا في نهج البلاغة عندما إلتقى بصديقين مهمين قديمين له وهما عاصم وعلاء وكانا يختلفان في برمجة الحياة، فعاصم كان متهوراً في الاستفادة من النعم وأخوه بالعكس كان منغلقاً على نفسه بحيث حرم نفسه من كل الملذات. الامام إستغل قصة هذين الرجلين او هذين الصديقين ليعطي درساً لأحباءه وكل من يريد أن يفهم الطريق الصحيح في هذه الحياة فذهب الامام الى عاصم فوجده يسكن داراً فسيحة وواسعة وفيها من الحدائق الغناء وغيرها. إستقبل هذا الرجل الامام علي بعد فراق دام طويلاً، سأله الامام: ياعاصم ما تصنع بهذه الدار الوسيعة وأنت اليها في الآخرة أحوج؟ طبعاً هذا الصديق إلتوى قليلاً لما سمع هذه الكلمة ولكن الامام عاود وعلق قائلاً: بلى إنك لتبلغ بها الآخرة اذا آويت اليها يتيماً او أطعمت فيها جائعاً او كسوت فيها عرياناً، فتح له باب الأمل. ثم سأله عن أخيه علاء. فقال إنه شمر عن الحياة ويعيش عيشة كفاف. فذهب اليه الامام وهو يقول: قد إستهان بك الخبيث، أما علمت بأن الله خلق النعم لعباده؟ فقال: لم اذن أنت يامولاي تأكل هذا الطعام البسيط، الخبز الجشب واللبن الحامض؟ قال الامام: أختلف عنك لأني أنا مسؤول والله سبحانه وتعالى قضى على أمراء المسلمين أن يتساووا مع ضعفة الخلق. هذه كلها امثلة الامام يستعملها ليعطي صورة للإنسان ليفتح له النوافذ لكي يعرف كيف يتعامل مع هذه الحياة ليضمن لنفسه سلوكاً ناجحاً في الدنيا وفي الآخرة. المحاور: مستمعينا الأفاضل بعد هذا الحديث الذي تفضل به خبير البرنامج على الهاتف مشكوراً نعود بكم الآن لنواصل تطوافنا في عالم التشبيه البديع بين رحاب نهج البلاغة. إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! والحدیث عن الدنیا وصفاتها من مثل الزوال والفناء والغدر وما إلی ذلک یکثر - کما أسلفنا - في نهج البلاغة بالنظر إلی أنّ أمیر المؤمنین سلام الله علیها کان معروفاً بزهده فیها وعدم تعلّقه بها ونبذه لها ما دامت تبعد الإنسان عن جادّة الصواب ، وما دام الإنسان یتّخذها هدفاً وغایة له في حیاته ولا ینظر إلیها علی أنها مزرعة للآخرة وسبیل لنیل رضوان الله تعالی ودخول جنّته من خلال استغلال نعیمها ومظاهرها في رضاه . ومن بین التشبیهات الجمیلة والبلیغة التي غدت مضرباً للمثل ، وقولاً تردّده ألسنة الحکماء کلّما دار الحدیث عن الدنیا وغدرها وسرعة فنائها وزوالها ، قولُه علیه السلام : " مَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ الْحَيَّةِ ، لَيِّنٌ مَسُّهَا ، وَ السَّمُّ النَّاقِعُ فِي جَوْفِهَا ، يَهْوِي إِلَيْهَا الْغِرُّ الْجَاهِلُ ، وَ يَحْذَرُهَا ذُو اللُّبِّ الْعَاقِلُ . وهو تشبیه لا نجد ما هو أجمل منه من حیث الصورة الحسّیة التي یقدّمها لنا علیه السلام والتي شبّه الدنیا بها ؛ صورة الحیّة التي تزدهي علیها الألوان الزاهیة ، وتزدحم علی جلدها النقوش الزاهیة الخلّابة في حین أنّها تحمل في داخلها الموت الزؤام ، والسمّ القاتل ؛ فمن عرف هذه الحیّة علی حقیقتها حذر منها وابتعد عنها بل وهرب منها ، ومن کان غرّاً جاهلاً جذبته ألوانها ، وأغواه لین ملمسها ؛ فاقترب منها وربّما أمسک بها لتحمل علیه علی حین غرّة ولتردیه قتیلاً لیروح ضحیّة جهله وانخداعه بالمظاهر الخلّابة وعدم نظره في حقیقة الأمور ! أحبّتنا المستمعین ! ترقّبونا في الحلقة القادمة من برنامجکم علی خطی النهج لنکمل تجوالنا بین ریاض البلاغة الغنّاء حیث سنخصّصها هي الأخری للحدیث عن فنّ التشبیه في النهج علی أمل أن نتطرّق إلی الفنون البلاغیة والبیانیّة الأخری في حلقات قادمة بإذن الله ، في أمان الله . بلاغة التشبیه في نهج البلاغة - 3 2016-05-17 12:47:48 2016-05-17 12:47:48 http://arabic.irib.ir/programs/item/13607 http://arabic.irib.ir/programs/item/13607 مستمعینا الأطایب في کلّ مکان ! تحیّة الإسلام والإیمان نبعثها إلیکم في هذا اللقاء الآخر الذي یسرّنا أن یجمعنا بکم بین ربوع نهج البلاغة الغنّاء ، برجاء أن تقضوا معنا أوقاتاً حافلة بالمتعة والفائدة عند تتمّة حدیثنا الذي بدأناه في الحلقة الماضیة حول براعة التشبیه في نهج البلاغة ، تابعونــا ... إخوتنا المستمعین الأفاضل ! تکثر التشبیهات وتتکاثف وتتشعّب في نهج البلاغة إلی درجة تحوّله إلی لوحة من الفسیفساء جمیلةٍ وخلّابة من التشبیهات بجمیع أنواعها من مباشرة وغیر مباشرة ، ومن مفردة ومرکّبة ، ومفصّلة ومجملة ، وتمثیلیّة حافلة بالحرکة والحیاة ، وإذا بنا نقف إزاء کتاب یمکننا أن نستقي منه مانشاء من نماذج التشبیه الرائعة وأمثلته لمن طلب دراسة فنّ التشبیه في علم البلاغة . ومن أمثلة التشبیه المجمل البلیغ الذي یکاد أن یتحوّل إلی استعارة لروعته وجماله ، قوله سلام الله علیه : "صَدْرُ الْعَاقِلِ صُنْدُوقُ سِرِّهِ، وَالْبَشَاشَهُ حِبَالَةُ الْمَوَدَّهِ، وَالْاحْتِمَالُ قَبْرُ الْعُیُوبِ فنحن نقف ها هنا إزاء جمل متتالیة تتابع فیها التشبیهات البلیغة المجملة ؛ أي التشبیهات التي یعمد فیها المتکلّم إلی تشبیه أشیاء بأخری من دون أن یتوسّل بأدوات التشبیه ومن غیر أن یذکر وجوه الشبه بصراحة ، وهي تشبیهات بلیغة تعدّ من نوع التشبیهات الفنیّة التي تتطلّب مهارات خاصّة من قبل المتکلّم ، متوفّرة دون أدنی شکّ في متکلّم بلیغ کالإمام علي (ع) ؛ فالإنسان العاقل الحکیم ینبغي علیه أن یحتفظ بأسراره في صدره کما یحتفظ بأشیائه ومقتنیاته النفیسة فیجعلها في صندوق بعیداً عن متناول الآخرین ، وفي الجملة الثانیة البشاشة حبالة المودّة یشبّه علیه السلام طلاقة الوجه والابتسام عندما یلقی الآخرین بالمصیدة والشَّرَک الذي نستطیع من خلاله أن نخطف ونحصل علی حبّ الآخرین ومودّتهم لنا في علاقاتنا الاجتماعیّة معهم ، وهو تشبیه رائع یسلّط فیه الإمام الضوء علی الدور السحريّ الذي تلعبه طلاقة الوجه ورسم الابتسامة علی الوجه في کسب حبّ الناس لنا ذلک لأنّ الإنسان بطبیعته یهفو قلبه إلی کلّ ما هو جمیل ولیّن من مواقف الآخرین معه ، وأمّا الاحتمال والصبر والحلم وضبط النفس وما إلی ذلک من صفات وملکات ینتصر من خلالها الإنسان علی نفسه المیّالة إلی الغضب والفوران فإنّه یمثّل أفضل وسیلة یروّض من خلالها الإنسان نفسه الجَموح ویحدّ من طغیانها وفورات غضبها لیمنع بالتالي عیوبه من أن تطفو علی سطح سلوکه حتی لکأنّها توضع في قبر لاسبیل إلی الخروج منه ؛ هذه العیوب ونقاط الضعف التي یفجّرها الغضب في لحظات انفلات زمام النفس من ید الإنسان ! مستمعینا الأکارم ! وسئل علیه السلام عن القَدَر فقال موظّفاً فنّ التشبیه المفرد البلیغ والمجمل في إیضاح إجابته : "طَرِيقٌ مُظْلِمٌ فَلاَ تَسْلُكُوهُ، وَبَحْرٌ عَمِيقٌ فَلاَ تَلِجُوهُ، وَسِرُّ اللهِ فَلاَ تَتَكَلَّفُوهُ. ومن المعلوم أنّ موضوع القَدَر یعتبر من المواضیع والقضایا العویصة والألغاز التي لم یستطع الإنسان بعقله المحدود ومدارکه المتواضعة أن یتوصّل إلی تفسیر مقنع وجازم بشأنها ، وحتی الفلاسفة وأرباب الفکر والکلام وقعوا في الحیرة وربّما الضلال في بیان دوره في حیاة الإنسان ، وتقریر فیما إذا کان الإنسان مخیّراً في حیاته أم مسیّراً ، فهو یمثّل إذن طریقاً مظلماً مدلهمّاً لایری فیه السالک شیئاً ولا یملک سوی أن یتخبّط فیه ویسیر سیر العشواء ، فالأفضل لنا إذن أن نحذر من سلوکه ، وأن لا نلج عالمَه فهو کالبحر العمیق الذي لاقرار له ، والذي لانهایة لمداه ، بل هو سرّ من الأسرار الإلهیّة التي اختصّها الله بعلمه ، ولایحقّ للإنسان أن یقتحم عوالمه ومجاهله وإلّا کان مصیره الحیرة والضلال ، وشتّان ما بین العلم الإلهي الذي وسع کلّ شيء ، وأحاط بکلّ صغیرة وکبیرة ، بل العالم بالسرّ وما أخفی منه ، وبین علم الإنسان القاصر المحدود المغلّ بقیود المادّة والحسّیات ! مستمعینا الأحبّة ! إخوتنا المستمعین ! کان لنا اتصال هاتفي مع خبیر البرنامج الدكتور خليل برسان أستاذ جامعي من ايران الذي سألناه عن فنّ التشبیه ومکانته في نهج البلاغة ومدی استعانة أمیر المؤمنین (ع) به في إیصال المفاهیم و المعاني التي کان یرید إیصالها إلی الناس في عصره ؟ فأفادنا في هذا المجال قائلاً : برسان: بسم الله الرحمن الرحيم في الواقع التشبيه يرتكز على عنصرين، الأول طريقة التأليف والثاني إبتكار مشبه به بعيد عن الأذهان ولايجود إلا في نفس الأديب الذي وهب الله له إستعداداً سليماً في تعرف وجوه الشبه بين الأشياء وأودعه قدرة على ربط هذه المعاميد. كذلك التشبيه الذي أنشأ بلاغته على أنه ينتقل بك من الشيء نفسه الى شيء طريف يشببه او صورة بارعة تمثله، وكلما كان هذا الانتقال بعيداً قليل الخطورة عن البال او ممتزجاً بقليل او كثير من الخيال كان التشبيه أروع للنص وأدعى الى إعجابها وإهتزازها. ثم ننظر الى قوله عليه الصلاة والسلام مثال آخر، كذلك في وصفه للملائكة في اللون الأبيض وذكر اللون الأسود في بعض الملائكة والآن يذكر اللون الأبيض لملائكة آخرين فيقول "هم كرايات بيض" المعروف أن البياض يتجلى في الجديد والشيء وبما أنهما محسوسات لدى الجميع فلا تحتاجان الى إعمال فكر او دقة نظر فعدل عنهما الى شيء يلفت الانتباه الى هذا اللون. وهو كونه مع الأعلام، البيضة فإنه خرج عن المألوف والمتعارف الى شكل جديد والى صورة بارعة تمكنه على الانتباه وهذا سيزيد الشوق في الوجدان أكثر والنظر اليه بدقة وإعتبار هذين التشبيهين كيف تم بيان هذا المشبه في القوة والضعف والصغر والكبر والزيارة والنقص. المحاورة: أيها الأفاضل وحول بلاغة التشبيه في نهج البلاغة والقيمة الفنية والجمالية التي يتضمنها، وتقييمها من الناحية البلاغية طرحنا سؤالاً آخر على ضيفنا على الهاتف فأدلى لنا الأستاذ الدكتور خليل برسان الأستاذ في جامعة العلامة الطباطبائي من طهران في هذا الصدد بهذا الحديث. نستمع اليه: برسان: من المعلوم أن الغرض الأول في التشبيه هو إبراز الفكرة وتجليتها جلاءاً تاماً كي تؤثر في قارءها وسامعها أقوى تأثير وأشده. وعادة تبرز أهميتها لما تأتي جديدة طريفة، لم يستند اليها أحد. أنظر الى قوله عليه السلام حيث جاء في وصيته للامام الحسن المجتبى عليه السلام حيث يقول "حتى لو أن شيئاً لو أصابك أصابني وكأن الموت لو أتاك أتاني" فصور العاطفة بشكل يدركه السامع عن طريق الاصابة سواء كانت عن طريق الضربة بالسيف او الرمي بالرمح او السهم. فالألم الذي شعر به الامام عليه السلام وأحسه في وجدانه إنقلب مباشرة مع الصورة الى نفس السامع وكذلك في هذا المجال وفي هذه الرسالة، جاءت تشبيهات اخرى منها قوله عليه السلام "ستكون كالصعب النفور" حيث إستوفى جميع أركان التشبيه فالمشبه الضمير في تكون وأداته الكاف والمشبه به الصعب النفور وهي من احدى صفات الفرس الجموح ووجه الشبه محذوف تقديره عدم السيطرة فهو من باب تشبيه التمثيل. فأنظر كيف صور النفس الأمارة بالسوء بالفرس الجموح الذي يمنع ظهره من الركوب، هذه أول صورة، ويرمي بالراكب أرضاً مصروعاً، هذه الصورة الثانية. فوجه الشبه منتزع من صورتين. أنظر الى الصياغة الجميلة بالإباء والإمتناع. كيف صورت بشكل تؤثر في عواطف السامعين. أخيراً يجيب الى قوله تعالى " قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها قبلته" حيث إشتملت على جميع أركان التشبيه. وهكذا لو أردنا السير مضياً في هذه التشبيهات فنجد لها أمثلة كثيرة فنرجو من الله أن يوفقنا لصالح الأعمال. المحاور: موفور الشكر وكثير الامتنان للدكتور خليل برسان الأستاذ الجامعي من الجمهورية الاسلامية في ايران ونتواصل معكم حضرات المستمعين الأفاضل ضمن هذا البرنامج الذي يقدم لحضراتكم من طهران. إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! ومن قصار کلمه سلام الله علیه والتي نلحظ فیها توظیف التشبیه بغزارة وبشکل متتال ، قوله علی دأبه في الإتیان بالتشبیهات البلیغة المجملة : "الْعَجْزُ آفَةٌ، وَالصَّبْرُ شَجَاعَةٌ، وَالزُّهْدُ ثَرْوَةٌ، وَالْوَرَعُ جُنَّةٌ ، وَنِعْمَ الْقَرِينُ الرِّضَى . فالعجز وفتور الهمّة والتقاعس لیس کالآفة بل هو الآفة بعینها لأنّ النفس المتعلّقة بعالم المادّة والشهوات میّالة إلیه ، فهو إذن آفة یبتلی بها الکثیر من الناس لأنّ القلیل منهم یتمتّع بعلوّ الهمّة والسعي من أجل بلوغ المعالي وتحقیق الأهداف التي تبدو في الظاهرة عسیرة مستصعبة ، وأمّا الصبر فإنّه یتطلّب قدراً کبیراً من الشجاعة ؛ فلیس کلّ إنسان قادراً علی التحلّي بصفة الصبر لأنه یتطلّب منه أن یدوس علی شهواته ولا یصغي لنداء غرائزه ، فهو إذن نوع من الشجاعة ، فیما الزهد یشکّل بالنسبة إلی الإنسان ثروة عظیمة لا تنضب لأنه یغنیه عن کلّ ثروة ، فمن خلاله یمکن للإنسان أن یستغني عن الآخرین وأن یسمو ویترفّع علی غرائزه وأهوائه المادیّة ، فهو یشبه إلی حد کبیر القناعة التي قال عنها سلام الله علیه : القناعة کنز لا یفنی . وأمّا الورع فهو - أعزّتنا المستمعین - بمثابة الجُنّة والدرع التي تقي الإنسان من المخاطر التي تتهدّده ، فکما إنّ الدرع یقي الإنسان من عوامل الأذی وربّما الموت فإنّ الورع والتقوی وخشیة الله والشعور في أعماق النفس بالوازع والرادع الإلهي ، کلّ ذلک هو بمنزلة الدرع الروحیّة والمعنویّة التي تحفظ الإنسان من الوقوع في مزالق الخطایا والآثام والانحرافات . وأمّا الرضی بقضاء الله وقدره فهو القرین والرفیق الأفضل الذي یسایر الإنسان في حیاته ، فحینما یستشعر حالة الرضا والتسلیم بقضاء الله فإنه یغني نفسه بذلک من حالة التبرّم والسخط علی الإرادة الإلهیّة والتي لا طائل من ورائها سوی أن یلقي الإنسان نفسه في مشاقّ ومصاعب ومکابدات هو في غنی عنها . إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! نکتفي بهذا القدر من التجوال بین رحاب الإعجاز الأدبي والبلاغي في نهج البلاغة ضمن برنامجکم الأسبوعي علی خطی النهج ، وعلی أمل أن نستکمل هذه الجولة في عالم التشبیهات وبلاغتها في کلام الأمیر (ع) ، نترککم في رعایة الله ، وإلی الملتقی . براعــة التشبیه في فن البلاغـــة - 2 2016-05-02 10:04:14 2016-05-02 10:04:14 http://arabic.irib.ir/programs/item/13567 http://arabic.irib.ir/programs/item/13567 إخوتنا المستمعین الأکارم في کلّ مکان ! سلام من الله علیکم ورحمة منه وبرکات ، ومرحباً بکم في برنامجکم هذا الذي یقدّمه لحضراتکم القسم الثقافي والاجتماعي في إذاعة طهران ، صوت الجمهوریة الإسلامیة في إیران ، آملین أن تمضوا معنا عبر محطّاته أطیب الأوقات وأحلاها ، وأن تتواصلوا معنا من خلال ملاحظاتکم ومقترحاتکم وصولاً إلی الهدف المتوخّی منه ؛ وهو محاولـة تحقیق فهم أفضل لما یحفل به نهج البلاغة من أسرار وخفایا بلاغیّة وبیانیّة ، وتسلیط الضوء علی الجوانب المعجِزة فیه ... أحبّتنا المستمعین ! لاریب في أن نهج البلاغة بما یضمّ بین دفّتیه من خطب ورسائل ووصایا وکلمات قصار یعدّ بعد القرآن الکریم خیر مصدر یستند إلیه علماء البلاغة في تعزیز شواهدهم البلاغیة ؛ فهو یشتمل کأحسنَ ما یکون الاشتمال علی الکثیر من الصناعات البلاغیة والبیانیة والبدیعیّة التي استقرأها علماء البلاغة في القرآن الکریم الذي یعتبر الآیة الکبری في البلاغة و في کلام العرب عموماً شعراً کان أم نثراً . وسنبدأ - إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات - بواحدة من أکثر الصناعات البلاغیة استخداماً في نهج البلاغة علی وجه خاص وفي کلام العرب عموماً ، ألا وهي صنعة التشبیه بأنواعه وأقسامه واستعمالاته المختلفة ، هذه الصناعة التي یستعین بها المتکلّم من أجل تقریب المعاني والمفاهیم المختلفة إلی ذهن المتلقّي من خلال عقد مشارکة أو مماثلة بین شیئین أو أکثر في صفة أو أکثر من صفة ، فیتحصّل لدینا في هذه الحالة طرفان في التشبیه هما المشبَّه ( أي المعنی الذي یرید المتکلّم إیصاله إلی السامع ) والمشبَّه به ( وهو الشيء الذي یستعین به المتکلّم بهدف تقریب المعنی أو المفهوم إلی إدراک السامع ) . وعلی هذا فإنّ التشبیه یعتبر وسیلة من الوسائل التعلیمیّة والتربویّة التي لا غنی للإنسان عنها من أجل التواصل والارتباط مع الآخرین لغویاً شریطة أن یختار المتکلّم الأشیاء المتوفّرة في محیط المستمع و التي یأنس إلیها من أجل إتاحة الفرصة له لعقد المقارنة وإدراک المعنی والمقصود بالتالي ، لاحظوا علی سبیل المثال کیف یستعین أمیر المؤمنین سلام الله علیه بـ (عُرف الضَّبُع ) في تشبیه انثیال الناس وازدحامهم علیه وتحلّقهم حوله من کلّ جانب ، بهدف تنصیبه أمیراً وخلیفة لهم ، حیث یقول (ع) في خطبته الشقشقیّة في تصویر هذا المعنی متوسّلاً بصنعة التشبیه : فَمَا رَاعَنِي إلا والنَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَيَّ يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. وعرف الضّبع: ما كثر على عنق هذا الحیوان من الشعر علماً أنه یعتبر من حیوانات الصحراء التي تألفها العرب ، وعرف الضبع کثیف يضرب به المثل في الكثافة والازدحام. وينثالون: أي يتتابعون مزدحمين.. ثم إنّ الإمام علیه السلام قد أحسن اختیار هذا الجزء بالذات من الحیوان في تشبیه الازدحام والتکالب علیه ، فمن المعلوم أنّ عُرف الضبع ینمو عادة ویتکاثر حول عنقه ، فنجح الإمام بذلک في تصویر مدی الضیق و الإجهاد الذي حصل له عندما تدفّق الناس علیه کما تحیط الأشیاء بعنق الإنسان فتسبّب له الضیق والحرج والشعور بعدم الارتیاح حیث یعتبر العنق من أکثر أجزاء الجسم حسّاسیّة وضعفاً ! أعزّتنا المستمعین ! س1- حول فنّ التشبیه باعتباره أحد الصناعات البلاغیّة وأنواعه وأقسامه ومدی أهمیّته في العلوم البلاغیّة ، أجرینا اتصالاً هاتفیاً مع الدكتورة دلال عباس الأستادة في الأدب المقارن الفارسي والعربي من جامعة بيروت: س2- وعن مدی حضور هذا الفن في نهج البلاغة ، وإلی أيّ حد عوّل فیه أمیر المؤمنین علیه السلام علیه في إیصال مرامیه إلی الأذهان ، مع ذکر بعض الأمثلة علی ذلک ، طرحنا سؤالاً آخر علی خبیرنا علی الهاتف ، فأجابت : عباس: بسم الله الرحمن الرحيم بالنسبة الى فن التشبيه في اللغة العربية وفي الأدب العربي وفي علم البلاغة ممكن أن نتحدث قبل التشبيه في النص القرآني وفي النصوص الدينية وفي نهج البلاغة، يجب أن تتذكر التشبيه في الأدب الجاهلي أولاً، يعني عرف الشعراء العرب فن التشبيه في البداية من خلال الشعر الجاهلي. في الشعر الجاهلي كان الشاعر يشبه الأمور المجربة بالأمور الخصية بمعنى كأنه يريد الناس في ذلك العصر ولم يكونوا متعلمين وكانوا محدودي التكفير والعقل فكان الشاعر اذا كان يريد أن يتحدث عن أمر مجرب بعيد عن الأفهام يشبهه بشيء مادي يعني كتشبيه طرفة بن العبد للموت كأنه حبل مرخى بعنق الدابة، ومثل هذه التشابيه. التشيه كما قلت تشبيه مجرد بالمحسوس، في حين بالنسبة للنص القرآني مثلاً يعطي النص القرآني أعلى مستوى وبلاغة للأفهام حيث قالوا عنه إنه سحر وقالوا إنه أعلى من المستوى البلاغي الذي كانوا يعرفونه. النص القرآني ينفرد كلمة التشبيه وإنما وردت كلمة المسد، يعني في القرآن ليس تشبيه أمر بأمر آخر وإنما تشبيه حالة، يعني وصف حالة "مثل الذين آمنوا كمثل..." "مثل الذين كفروا كمثل..". يعني تشبيه حالة بحالة اخرى، يعني هذا التشبيه تمثيل. النص القرآني استخدم وصفة المثل على موضوع التشبيه. الامام علي عليه السلام وايضاً الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديثه على نهج القرآن استخدم ايضاً التشبيه والاستعارة، التشبيه البليغ والاستعارة، خضراء الدمن عن النساء او عن المرأة. ايضاً الامام علي عليه السلام على نهج القرآن في نهج البلاغة استخدم التشبيه للتقريب، المقصود منه تقريب المعنى. المحاورة: أيها الكرام وعن مدى حضور هذا الفن في نهج البلاغة والى حد عول فيه امير المؤمنين علي عليه السلام في إيصال مراميه الى الأذهان مع ذكر بعض الأمثلة على ذلك، طرحنا سؤالاً آخر على الدكتورة دلال عباس فأجابت قائلة: عباس: في كل ماقاله الامام عليه السلام إعتمد على التشبيه لاسيما التشبيه البليغ لأنه عملياً لم يقصد البليغ عادة اوالفصيح، لايقصد التشبيه بحد ذاته وإنما يأتي تلقائياً يعني هو كجزء من بلاغة الكلام، جزء من البلاغة. لم يكن الامام وكما هو حال القرآن، في وارد استخدام الكلام لإيصال المعنى وإنما كان يأتي على لسانه على نمط القرآن، كان يأتي على لسانه تلقائياً لذلك ما أريد أن اقوله هنا هو أن الاستخدام هو لم يكن مقصوداً بأنه أنا في قرارة نفسي يعني الامام عليه السلام في قرارة نفسه يريد التشبيه لوصول المعنى للأذهان وإنما هذا الأسلوب كان يأتيه طواعية ولم يكن مقصوداً بحد ذاته، لم يكن مقصوداً كفن، كتزيين او كتجميل وإنما كان يأتي تلقائياً على نمط النص القرآني. يعني تأثراً بالنص القرآني لأن عادة هذا الأسلوب التشبيه ولاسيما التشبيه البليغ يقرب المعاني من الأذهان وهو أتى على لسان الامام عفوياً وغير مقصود بذاته كأسلوب التزيين. المحاورة: مستمعينا الأفاضل بعد هذه الاجابة التي أدلت بها خبيرة البرنامج على الهاتف حول فن التشبيه في نهج البلاغة الدكتورة دلال عباس الأستاذة في الأدب المقارن الفارسي والعربي من جامعة بيروت نعود بكم لنستعرض معاً مظاهر اخرى من توظيف الامام علي عليه السلام لفن التشبيه في نهجه ونتقدم بشكرنا الجزيل للأستاذة دلال عباس ونتابع معاً بعد هذا الفاصل ما تبقى من هذا اللقاء. مجري: مستمعینا الأطایب ، بعد هذه الإجابة التي أدلی بها خبیرنا علی الهاتف حول فن التشبیه في نهج البلاغة ، نعود بکم لنستعرض معاً مظاهر أخری من توظیف الإمام علي (ع) لفن التشبیه في نهجه ، تابعونا .... إخوتنا ، أخواتنا المستمعین والمستمعات ! وهکذا نجد أن بلاغة سيد البلغاء أمير المؤمنين (ع) لا يقصد بها العمل التشبيهي بحدّ ذاته كغاية منشودة . بل هي وسيلة من الوسائل البلاغية التي يتم عبرها إیصال المعاني والمفاهیم ، فتُبنَى على ضرورة الصياغة والتركيب. وهذا يعني أن مثل هذه الوسائط اللغوية، صارت عنواناً بارزاً من عناوين بلاغة سيد الأوصياء(ع) فهو يقول بعد ذلک التشبیه البدیع الذي استخدمه في تشبیه تزاحم الناس علیه في قوله : فَمَا رَاعَنِي إلا والنَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَيَّ يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ: حَتى لَقَدْ وُطِئَ الحَسَنَانِ وشُقَّ عِطْفَايَ مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ وشُق عطفاه تعني: خُدِش جانباه من الاصطكاك ـ وكان هذا من الازدحام لأجل البيعة على الخلافة. وربيضة الغنم ـ الطائفة الرابضة من الغنم - يصف ازدحامهم حوله، وجثومهم بين يديه. وهو بذلک یعرض علینا صورة تشبیهیّة متحرّکة أقرب ما تکون إلی التمثیل في تدفّق الناس علیه کالسیل الهادر وسقوط ولدیْه الحسنین علیهما السلام بین الأیدي والأرجل وکأن الناس قطیع الغنم المتلهّف للماء والطعام وهو یحیط حول راعیه من دون أن یحفل بشيء سوی إشباع غریزته إلی الشراب والطعام ! وهکذا يحاول الإمام علي (ع) تقريبَ المفاهيم المعروضة ، من خلال الاستشهاد بالمعالم والملامح القريبة من نفسية المجتمع العربي آنذاک ، والذي کان - مثلما هو معروف - مجتمعاً منصهراً في الأرض وما تحتويه فيقول الإمام علي عليه السلام بعد ذلک موظّفاً التشبیه مرّة أخری بما یألفه المجتمع القروي والریفي : (وَ مُجْتَنِي اَلثَّمَرَةِ لِغَیْرِ وَقْتِ إِینَاعِهَا کَالزَّارِعِ بِغَیْرِ أَرْضِهِ) فيشير الإمام (ع) إلى أن الوقت الذي كان في زمن السقيفة لم يكن مناسباً ليطالب بحقه فلو نهض إليها كان كالزارع بغير أرضه لا ينتفع بما زرع ؛ حیث نلاحظ هنا نوعاً من التشبیه أکثر تعقیداً من التشبیه السابق ، فهو تشبیه متعدّد الأطراف ، بل هو تشبیه فعل بما یشتمل علیه من زمان بفعل آخر مؤکّداً فیه علی عدم جدوی الفعل إن لم یکن في وقته المناسب ، فیکون من باب العبث و المحاولة دون طائل ... ! مستمعینا الأطایب ! تتبّعنا لمظاهر بلاغة التشبیه في کلام أمیر المؤمنین عليّ علیه السلام سیتواصل في محطّتنا القادمة من برنامج علی خطی النهج ، نشکر لکم طیب متابعتکم ، وکونوا في انتظارنـــا . قيمة وأهمية كتاب نهج البلاغة - 1 2016-04-25 11:42:33 2016-04-25 11:42:33 http://arabic.irib.ir/programs/item/13545 http://arabic.irib.ir/programs/item/13545 أحبّتنا المستمعین الأفاضل في کلّ مکان! سلام من الله علیکم ورحمة منه وبرکات ، وکلّ المراحب بکم. یسرّنا أن نلتقیکم عبر هذا البرنامج الجدید الذي یقدّمه لکم قسم الثقافة والأدب والفن في إذاعة طهران ، صوت الجمهوریة الإسلامیة في إیران ، والذي یتوفّر علی دراسة واستعراض الجوانب الأدبیّة والبلاغیة والفنیة من کتاب نهج البلاغة من خلال الاستعانة بالأساتذة والخبراء في هذا المجال ، راجین أن یحظی بإعجابکم وحسن متابعتکم ، حیث سنبدأ المحطّة الأولی من هذا البرنامج بتسلیط الضوء علی نهج البلاغة وأهمیته ومکانته علی مرّ العصور ، ندعوکم لمرافقتنا ... لاشک - إخوتنا المستمعین - في أن نهج البلاغة بخطبه ووصایاه وعهوده وکتبه وکلماته القصار وحکمه هو الآیة الکبری بعد القرآن والأحادیث النبویّة للبلاغة وجمال التصویر والبراعة في البیان وقوّة التأثیر في نفس المتلقّي وذهنه ، بل إن البعض من علماء البلاغة ، والمتبصّرین في دقائقها وأسرارها تجاوز ذلک في جوّ من الدهشة والانبهار أُخِذ به فأعلن قائلاً إن کلامه علیه السلام دون کلام الخالق وفوق کلام المخلوق ؛ فهو البحر الزاخر من الأدب والبلاغة ، وهو الجامع الذي لم یکد یغفل جانباً من جوانب الحیاة الدینیة والاجتماعیة والسیاسیة والاقتصادیة ، کلّ ذلک عرضه لنا بأسلوب یطغی علیه الجانب الأدبي والبلاغي المُعجِز ولذلک لم یجد جامعه الشریف الرضيّ رحمه الله بدّاً من تسمیته نهج البلاغة فهو النهج الذي یسیر علی خطاه کل أدیب وبلیغ وخطیب علی مرّ العصور ، وهو البحر الخضمّ الذي لاتنتهي عجائبه ، ولا قرار للجّته ، ولا سواحل لامتداداته .... وهکذا فإن هنالک علاقة مشترکة بین الدلالة الجمالیة من جهة وبین نهج البلاغة من جهة أخری ، وهذه العلاقة لایمکن أن یتجاوزها کل من کان له أدنی معرفة بخفایا الکلام وأسراره ومکنوناته الجمالیّة ؛ فالجمال مودَع في رحاب هذا الکون العجیب المدهش ، متدفّق في مظاهره المختلفة من أنواع الخلق الإلهي ، ولایتسنّی لنا استنطاقه إلا بقدرة فریدة علی الوصف البدیع لا تتأتّی إلّا لأفراد قلائل قادرین علی إدراک وتذوّق مواطن الجمال تلک أولاً ثم التعبیر عنها بأسلوب بیانيّ مبدع ثانیاً . ومن هنا کان نهج البلاغة بمثابة التصویر والتجسید لکل تلک المعالم ، حیث أبرز کلَّ ما في هذا الکون بلمسات بیانیة تطفو علی سطح من الإبداع والتصویر الفني المتقن بدءاً من وصف الجمال المطلق وما یرتبط به من توحید وتنزیه وعبودیة وانتهاءً بأکرم خلقه في هذا الکون دون أن یغفل الإحاطة بعلوم الطبیعة وعالم الغیب بتجلّیاته المختلفة ، کلّ ذلک تمّ تصویره في النهج بتراکیب لها دلالاتها بعمق المقصد وإیضاح المطلب المنسجم کلّ الانسجام مع المعنی المصوّر . أحبّتنا المستمعین الأفاضل! إکمالاً لهذا الموضوع الصعب المستصعب الذي اخترناه لهذا البرنامج ، وإیفاءً لحقّه من البحث والدراسة ، فسوف ندأب اعتباراً من هذا اللقاء علی استضافة مجموعة من الخبراء الذین سیسهمون مشکورین في إغناء هذا الموضوع ألا وهو تسلیط الضوء علی الجوانب الجمالیة والفنیة والبلاغیة في نهج البلاغة ، وسنبدأ الحلقة الأولی من برنامجکم علی خطی النهج باستضافة الشيخ حاتم ابو دية علی الهاتف ، نرحّب بکم کلّ الترحیب ضیفنا الکریم شاکرین لکم مشارکتکم هذه في البرنامج ، راجین منکم أن تحدّثونا : 1- حول کتاب نهج البلاغة وقیمته وأهمیته ومکانته من الناحیتین التاریخیة والأدبیة . 2- نظرة عامة علی الموضوعات والمضامین التي تناولها أمیر المؤمنین علیه السلام بأسلوبه البیاني المبهر في نهج البلاغة . ابودية:بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على صفوة الخلق محمد وآله الهداة المهديين الميامين. لاشك أن هذا الكتاب العظيم، كتاب نهج البلاغة كتاب جليل القدر فيه من الوصايا والرسائل والكلمات التي وجهها امير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الذي إمتاز بصفات لم يمتاز بها أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بمكانته وصفاته الكمالية التي إمتاز بها استطاع أن يقدم للأمة وللعالم أجمع ولكل انسان في هذه الأرض ارث عظيم، هو ما سمي وما سماه السيد الشريف الرضي رضوان الله تعالى عليه بكتاب نهج البلاغة. هذا الكتاب الذي عرف من خلال قوة بيانه والذي استطاع امير المؤمنين عليه السلام أن يبرز بها ذلك النفح اللهي والالهام القدسي والذي استطاع من خلاله أن يقدم وجوه البيان فوق مستوى المخلوقين ودون مستوى الخالق. وكلام امير المؤمنين عليه السلام والذي عرف بأعنة الكلام وأسمى المعاني وأكرمها. وكان له أشرف المواقف والخطب الرائعة والرسائل الجامعة والوصايا والنافعة والكلمات الطيبة النيرة المنيرة التي استطاع أن يتركها بالخير للعالم والناس الى يوم القيامة. لاشك أن هذا الكتاب الذي حاول العلماء والدارسون أن يشرحوه ويقدموا تبياناً لكلماته ومقاصده. قال المسعودي والذي حفظ الناس عنه من خطبه أربعمئة خطبة ونيف، كما أوردها الكثير من العلماء وذكروها، كانت كلمات امير المؤمنين عليه السلام محفوظة في الصدور مروية على الألسن حتى كان عصر التدوين والتأليف فإنتثرت خطب ورسائل امير المؤمنين في كتب التاريخ وكتب السير والمغازي والمحاضرات والأدب على الخصوص. وكذلك انتشرت كلمات امير المؤمنين ومأثور حكمه ووضع في الكثير من الأبواب وحاول الكثير من الكتاب والعلماء والعظماء عبر التاريخ أن يذكروه وأن يحفظوه. المحاورة:وعن نظرة عامة عن الموضوعات والمضامين التي تناولها امير المؤمنين علي عليه السلام في نهج البلاغة قال سماحة الشيخ حاتم ابو دية حول هذا الموضوع: ابودية:لعل أغراض نهج البلاغة اذا تفحصنا ودقننا فيما جمعه وقسمه السيد الشريف الرضي بطريقة منظمة نرى أنه اولاً يذكر ما وراء الطبيعة، في ذكر صفات الله، في ذكر ذات الله سبحانه وتعالى، في أسماءه الحسنى، في القرآن الكريم. وقسم ايضاً في الماورائيات في عالم الملائكة، رأي القرآن في الملائكة، كيف هم الملائكة. قسم الرسل والأنبياء والإخبار عما سيكون في أحداث سياسية وما سيأتي على الأمم وما سيحل بالبشرية جمعاء. لذا نلاحظ أن هناك أقسام، اذا أردنا أن نختصر لأن الوقت لايسمح أن نذكر كلما ذكر وإنما نلاحظ أنه بوب في أبواب مثلاً الايمانيات، الرسائل، الوصايا، الحكم والمواعظ، ماحصل في زمن امير المؤمنين سلام الله عليه. ولعل أفضل شرح من الشروح التي يمكن أن نعود اليها لنلخص كل ما ذكره امير المؤمنين عليه السلام هو ما ألفه عزالدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد المدائني الذي كان هو أحد جهالبة العلماء والمؤرخين وكان له نجم قوي في العصر العباسي واستطاع أن يجلي العصور الاسلامية في انتاج وتأليف في الكثير من الكتب وكان من اهم ما كتبه هو شرح نهج البلاغة. فهذا الكتاب العظيم نقول إنه جامع اكثير من الأمور التي يحتاج اليها الانسان، من حيث المواعظ والارشادات، يوم القيامة وماسيحصل، الرسائل والخطب، الأوامر، الكتب، الحكم والمواعظ التي استطاع امير المؤمنين عليه السلام من خلال مواعظه القصيرة أن يوصل الكثير من الحكم والأمور التي يحتاجها الانسان في سير حياته أن يرى حقيقة هذه الدنيا وما بعد هذه الدنيا وكيف يمكن له أن يصل الى الكمال الانساني في حياته فضلاً عن تحصيل السعادة في الدارين، في الدنيا والآخرة. المحاورة:كل الشكر والتقدير نقدمه لضيفنا فضيلة الشيخ حسن ابو دية الباحث الاسلامي من لندن على المعلومات التي تفضل بها وندعوكم للعودة الى حديثنا التمهيدي حول اهمية نهج البلاغة ومكانته وخلوده على مر الزمان. مستمعینا الأحبّة ، کلّ الشکر والتقدیر نقدّمه لضیفنا علی الهاتف الشيخ حاتم ابو دية علی المعلومات القیّمة التي تفضّل بها ، والآن نعود بکم إلی حدیثنا التمهیدي حول أهمیّة نهج البلاغة ومکانته وسرّخلوده علی مرّ الزمان،تابعونا ... إخوتنا ، أخواتنا المستعین والمستمعات ! وهکذا فقد توفّرت في نهج البلاغة کل عوامل التعبیر الفنّي الجمیل ، والتصویر البلاغي المقتدر ، والإحاطة بأسرار البیان حتی وصفه أرباب البیان - کما قلنا - بأنه فوق کلام المخلوق ودون کلام الخالق ، فلقد ضمّ وجمع مظاهر الجمال في العربیة في الماضي والمستقبل، وعلیه فلا بدّ من أن یکون محمّلاً بخصائص فریدة تبعث علی التفکیر في مزایاها الجمالیة باختلاف التنوّع الخطابي من خطب ورسائل ووصایا وحکم وما فیه من مشاهد وصور ترتبط بما یجول في نفس المتکلّم وما یطفح علی لسانه ، فنهج البلاغة مرآة لصاحبه وقد تمثّل فیه الجمال والأسلوب والمزج بین الفکرة والعاطفة والخیال إلی الحد الذي بهر فیه أصحاب الذوق وأمراء البیان . وکلّ ذلک لیس ببعید عن الإمام علي (ع) الذي کان یتمتع بهاجس جمالي من نوع خاص هو مزیج من نهج القرآن والتأثّر ببلاغة الرسول (ص) ، ومن بینهما کانت صورة الإمام الآسرة المتفرّدة في حکمها وأخلاقها وموسیقاها تحتلّ مساحة واسعة في التنقّل بین التصویر والمشاهد المراد وصفها من الطبیعة بما فیها من جمال وإبداع في الخلق إلی وصف الآخرة بنعیمها وعذابها ومراحل الوصول إلیها إلی رسم مخلوقات الله و عبودیّتها المطلقة من الملائکة وعباد الله الصالحین وصولاً إلی مفردات کثیرة ذات علاقة وطیدة بهذا الخلق المعجز في التدبیر والإتقان کالسماء والنجوم والأرض والإنسان والحیوان وغیر ذلک کما یصوّر لنا ذلک الإمام نفسه في قوله في خلق السماوات : " فَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ مُوَطَّدَاتٍ بِلَا عَمَدٍ قَائِمَاتٍ بِلَا سَنَدٍ دَعَاهُنَّ فَأَجَبْنَ طَائِعَاتٍ مُذْعِنَاتٍ غَيْرَ مُتَلَكِّئَاتٍ وَلَا مُبْطِئَاتٍ وَلَوْ لَا إِقْرَارُهُنَّ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَإِذْعَانُهُنَّ بِالطَّوَاعِيَةِ لَمَا جَعَلَهُنَّ مَوْضِعاً لِعَرْشِهِ وَلَا مَسْكَناً لِمَلَائِكَتِهِ وَلَا مَصْعَداً لِلْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهِ جَعَلَ نُجُومَهَا أَعْلَاماً يَسْتَدِلُّ بِهَا الْحَيْرَانُ فِي مُخْتَلِفِ فِجَاجِ الْأَقْطَارِ لَمْ يَمْنَعْ ضَوْءَ نُورِهَا ادْلِهْمَامُ سُجُفِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ وَلَا اسْتَطَاعَتْ جَلَابِيبُ سَوَادِ الْحَنَادِسِ أَنْ تَرُدَّ مَا شَاعَ فِي السَّمَاوَاتِ مِنْ تَلَأْلُؤِ نُورِ الْقَمَرِ... مستمعینا الأکارم! حدیثنا التمهیدي حول آیة الفصاحة والبلاغة علی مرّ الدهور نهج البلاغة سیتواصل في لقائنا القادم بإذن الله ، راجین منکم أن تغنوا برنامجکم علی خطی النهج بملاحظاتکم ومشارکاتکم البنّاءة علی بریدنا الألکتروني adabfan2020@gmail.com ، حتی ذلک الحین نستودعکم الله شاکرین لکم طیب المتابعة .