اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | أدب الإمام الباقر (ع) http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb 3- فن الحديث - 4 2006-07-17 00:00:00 2006-07-17 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1424 http://arabic.irib.ir/programs/item/1424 الحديث هو توصيات قصيرة - كما كررنا- الا انها توشى بعنصر ايقاعي او صوري او كليهما، وهو ما لحظناه في حقول متقدمة عند المعصومين عليهم السلام،... كما نلحظه عند الامام الباقر (عليه السلام) ايضاً، وهذا من نحو: «انما مثل الحاجة الى من أصاب ماله حديثاً كمثل الدرهم في فم الأفعى أنت اليه محوج وأنت منها على خطر»(5). «الحياء والايمان مقرونان في قرن، فاذا ذهب احدهما تبعه صاحبه»(6). «لو ان قاتل علي بن ابي طالب (عليه السلام) ائتمنني على أمانة لأديتها اليه»(7). «ينبغي للمؤمن ان يختم على لسانه، كما يختم على ذهبه وفضته»(8). «اياك والكسل والضجر، فانهما مفتاحا كل شر»(9). «اربع من كنوز البر: كتمان الحاجة، وكتمان الصدقة، وكتمان الوجع، وكتمان المصيبة»(10). هذه الأحاديث يحفل كل واحد منها بعنصر صوري قد يكون تشبيهاً او تمثيلاً، أو استعارة، أو فرضية.. الخ، فالاستعارة من نحو: (كنوز البر)، والتمثيل من نحو: (مفتاحا كل شر)، والفرضية من نحو: (لو أن...)، والتشبيه من نحو: (كمثل الدرهم)... بل ان الصورة الواحدة - كالتشبيه مثلاً- تأخذ مستوياتها المتنوعة من التركيب، فالتشبيه الآتي، ينتسب الى ما نسميه بـ (التشبيه بالمثل) (مثل الحاجة: كمثل الدرهم)، والتشبيه الآخر (ينبغي للمؤمن ان يختم على لسانه: كما يختم على ذهبه) ينتسب الى التشبيه المألوف، كما أن الأول منهما يجسد التشبيه الاستمراري، بينما يجسد الآخر التشبيه المألوف ايضاً، لأن التشبيه الأول يقدم (تعليلاً) مفصلاً لسبب مشابهة المعدم الذي استغنى: للأفعى، لأن الأخيرة تقترن الخطر في نفس الوقت الذي يفتقر الشخص الى الدرهم في فمها... طبيعياً، يظل لكل واحد من هذه المستويات: مسوغها الفني، فالتشبيه الأخير - على سبيل المثال- كان لابد من تقديمه بهذا النحو (المعلل) نظراً لأن المعدم حينما يستغني، يظل متحسساً بالقصور والنقص والهوان الذي كان عليه سابقاً، وحينما يستغني يعوض عن الاحساس المذكور بسلوك هو: (البخل) على صاحب الحاجة فيتلذذ بما يشاهده من الفقر لدى صاحب الحاجة الذي شابهه بالأمس في سمة الفقر... وهكذا سائر التشبيهات او الصور التي صيغت وفق سياقات يتطلبها الموقف، على نحو ما لحظناه، في التشبيه الذي تقدم الحديث عنه. ******* (5) نفس المصدر: ص 303. (6) نفس المصدر: ص 307. (7) نفس المصدر: ص 308، 309. (8) نفس المصدر: ص 308. (9) نفس المصدر: ص 300. (10) نفس المصدر: ص 305. ******* 2- فن الكلمة - 3 2006-07-17 00:00:00 2006-07-17 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1423 http://arabic.irib.ir/programs/item/1423 الكلمة، قد تكون كلاماً يوجهه الامام (عليه السلام) الى أحد الاشخاص، او وصية يتقدم بها الى احدهم،... ومن ذلك مثلاً وصيته (عليه السلام) لجابر الجعفي، حيث نثر له جملة من التوصيات المصاغة بلغة تتأرجح بين الكلام المباشر وبين الكلام المصوغ بعنصر صوري،... وهذا من نحو قوله (عليه السلام): «واعلم انه لا علم كطلب السلامة، ولا سلامة كسلامة القلب، ولا عقل كمخالفة الهوى، ولا خوف كخوف حاجز، ولا رجاء كرجاء معين، ولا فقر كفقر القلب، ولا غنى كغنى النفس، ولا قوة كغلبة الهوى، ولا نور كنور اليقين، ولا يقين كاستضعافك الدنيا، ولا معرفة كمعرفتك بنفسك، ولا نعمة كالعافية، ولاعافية كمساعدة التوفيق، ولا شرف كبعد الهمة، ولا زهد كقصر الأمل، ولا حرص كالمنافسة في الدرجات، ولا عدل كالانصاف، ولا تعدي كالجور، ولا جور كموافقة الهوى، ولا طاعة كاداء الفرائض، ولا خوف كالحزن، ولا مصيبة كعدم العقل، ولا عدم عقل كقلة اليقين، ولا قلة يقين كفقد الخوف، ولا فقد خوف كقلة الحزن على فقد الخوف، ولا مصيبة كاستهانتك بالذنب ورضاك بالجهالة التي انت عليها، ولا فضيلة كالجهاد، ولا جهاد كمجاهدة الهوى ولا قوة كرد الغضب، ولا مصيبة كحب البقاء، ولا ذل كذل الطمع، واياك والتفريط عند امكان الفرصة، فانه ميدان يجري لأهله بالخسران»(3). ان هذا النص يحفل بسمة فنية خاصة هي: كونه يعتمد عنصر (التشبيه) في تقرير قضايا عبادية واخلاقية ونفسية،.... أي أن هذا النص - هو في واقعه- وثيقة نفسية ترتبط بسمات الشخصية الاسلامية مثل: سلامة القلب، مخالفة الهوى، اليقين، الزهد، علو الهمة،... الخ، بيد ان الامام (عليه السلام) صاغ هذه الوثيقة وفق لغة فنية تعتمد (التشبيه) من خلال أداة النفي مع ملاحظة ان (التشبيه الفني) عند المعصومين عليهم السلام يختلف عن التشبيه الذي يصوغه العاديون من البشر، حيث يظل (التشبيه) عند قادة التشريع (واقعياً) لا يعتمد الوهم او الاحالة او الاسطورة‌ ونحوها، لذلك عندما يعقد (تشبيهاً) بين السلامة ‌والقلب أو العقل ومخالفة الهوى مثل قوله (عليه السلام) لا سلامة كسلامة‌ القلب، ولا عقل كمخالفة الهوى فان مثل هذا التشبيه يظل (واقعياً) كل الواقعية اذ أن (سلامة القلب) تفوق اية سلامة اخرى كسلامة‌ البدن مثلاً، فالبدن اذا كان سليماً لا ينتفع صاحبه بهذه السلامة مادام قلبه مريضاً، حيث ان (المرض النفسي) يفقد الشخصية توازنها الداخلي فتحيا التوتر والتمزق والصراع... الخ، هذا من حيث الانعكاسات الدنيوية، اما من حيث الانعكاسات الأخروية فان سلامة القلب هي المعيار الوحيد الذي يفضي بصاحبه الى الظفر بالامتاع الأخروي الخالد.... واما السمة الفنية الاخرى التي تطبع هذا النص، فهي: تتابع هذه التشبيهات التي تتجاوز الثلاثين تشبيهاً، حيث لا يكاد الدارس يظفر بنص يعتمد هذا الرقم من التشبيهات: اذ ان ما يسمى بـ (التشبيه المتكرر) قد يبلغ ثلاثة او اربعة أو اكثر من التشبيهات التي تفرضها سياقات خاصة، أما أن تقدم سلسلة او قائمة ضخمة من التشبيهات بالنحو المتقدم فامر يندر حصوله في النصوص الفنية او العلمية. واما السمة الثالثة في هذه التشبيهات فهي: اعتمادها على ما نسميه بالتشبيه (التفريعي) أي التشبيه الذي يتفرع منه تشبيه آخر مثل (لا علم كطلب السلامة، ولا سلامة كسلامة القلب) حيث فرع على تشبيه (طلب السلامة) تشبيهاً هو (سلامة القلب)،... وهكذا سائر التشبيهات مثل (لا نعمة كالعافية) وتفريع التشبيه التالي عليها (ولا عافية كمساعدة التوفيق)،... وأما السمة الرابعة في هذه التشبيهات فهي: اعتمادها (التماثل والتقابل) مثل (لا قلة يقين كفقد الخوف، ولا فقد خوف كقلة الحزن)حيث ماثل بين (قلة) اليقين، (وقلة) الحزن،... ومثل: (لا خوف كخوف حاجز، ولا رجاء كرجاء معين) حيث قابل بين (الخوف) و(الرجاء)... وهناك سمات فنية متنوعة اخرى تعتمد (التجانس الايقاعي) وسواه، مما لا حاجة الى الوقوف عندها. ان هذا النموذج القائم على عنصر (التشبيه) يجسد واحداً من فن الكلمة... ولو تابعنا الكلمة المتقدمة‌ ذاتها، لوجدنا ان قسماً منها يعتمد عنصر (الاستعارة) في تقرير الحقائق: مع ملاحظة خضوعها لسمات فنية مماثلة للسمات التي طبعت النص المتقدم،... لنقرأ مثلاً: «ادفع عن نفسك حاضر الشر بحاضر العلم، واستعمل حاضر العلم بخالص العمل، وتحرز في خالص العمل من عظيم الغفلة بشدة التيقظ، واستجلب شدة التيقظ بصدق الخوف، واحذر خفي التزين بحاضر الحياة، وتوق مجازفة الهوى بدلالة العقل، وقف عند غلبة الهوى باسترشاد العلم... وانزل ساحة القناعة‌ باتقاء الحرص، وادفع عظيم الحرص بايثار القناعة... الخ»(4). فالملاحظ هنا، أن العبارات (الاستعارية) تتتابع وتتفرع واحدة عن الأخرى (كما تتابع وتفرع التشبيه)، فحاضر الشر يدفع بحاضر العلم، وهذا الأخير يدفع بخالص العمل، وهذا الآخر يتحرز فيه بشدة التيقظ، وهذا الآخر بصدق المخافة... وهكذا.. حيث تتفرع كل صورة عن سابقتها لتشكل سلسلة مشدودة الخيوط كما لحظنا... فضلاً عما واكب هذه السلسلة من عناصر التقابل والتماثل، والتجانس و.. الخ، بنحو ما لحظناه في النص الأسبق... هذه النماذج تشكل نصوصاً متأرجحة بين لغة العلم والفن،... واما ما سبقها: فيجسد - وهي فن الخطبة - نصاً فنياً خالصاً،... وهناك نمط ثالث من النصوص يمثل النموذج الموشح بلغة الفن، اي ان الأصل فيه هو اللغة العلمية، الا انه (عليه السلام) يوشحها بلغة الفن ايقاعياً وصورياً،... مما ندرجه ضمن: ******* (3) نفس المصدر: ص 294، 295. (4) نفس المصدر: ص 293. ******* 1- فن الخطبة - 2 2006-07-17 00:00:00 2006-07-17 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1422 http://arabic.irib.ir/programs/item/1422 1- فن الخطبة بما ان الخطبة - كما اشرنا- تتميز عن سواها بكونها تتطلب بعداً عاطفياً من جانب، وبعداً يعتمد الايقاع والصورة من جانب آخر، وبعداً (لفظياً خاصاً) من حيث انتقاء العبارة وتركيبتها، وما يواكب ذلك من عناصر التقابل والتكرار والمحاورة والتساؤل والتعجب والخطاب... الخ، من جانب ثالث، حينئذ نجد الامام (عليه السلام) يأخذ هذه الجوانب بنظر الاعتبار، فيصوغ لنا كلاماً مشحوناً بالقيم الفنية التي تتناسب مع (الخطبة) من جانب، وتتناسب مع (الموقف) الذي استدعى مثل هذه الخطبة من جانب آخر. ولنستمع الى الخطاب الاتي، فيما حضر ذات يوم بعض اصحابه وقد لحظهم (غافلين) عن المهمة العبادية التي اوكلها الله تعالى اليهم، فخطبهم قائلاً: «ان كلامي لو وقع طرف منه في قلب احدكم لصار ميتاً. الا يا اشباحاً بلا ارواح وذباباً بلا مصباح كأنكم خشب مسندة واصنام مريدة، الا تأخذون الذهب من الحجر؟! ألا تقتبسون الضياء من النور الازهر؟! الا تأخذون اللؤلؤ من البحر؟! خذوا الكلمة الطيبة ممن قالها وان لم يعمل بها، فان الله يقول: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه...) ويحك يا مغرور الا تحمد من تعطيه فانياً ويعطيك باقياً؟! درهم يفنى بعشرة تبقى الى سبعمائة ضعف مضاعفة‌ من جواد كريم... ويلك انما انت لص من لصوص الذنوب كلما عرضت شهوة‌ او ارتكاب ذنب سارعت اليه واقدمت بجهلك عليه فارتكبته كانك لست بعين الله، او كان الله ليس لك بالمرصاد، يا طالب الجنة: ما اطول نومك واكل مطيتك واوهى همتك، فلله انت من طالب ومطلوب. ويا هارباً من النار، ‌ما احث مطيتك اليها، وما اكسبك لما يوقعك فيها، انظروا الى هذه القبور، سطوراً بأفناء الدور، تدانوا في خططهم وقربوا في فرارهم وبعدوا في لقائهم، عمروا فخربوا وانسوا فاوحشوا وسكنوا فازعجوا وقنطوا فرحلوا، فمن سمع بدان بعيد وشاحط قريب وعامر مخرب وآنس موحش وساكن مزعج وقاطن مرحل: غير اهل القبور؟... يا ابن الايام الثلاثة: يومك الذي ولدت فيه، ويومك الذي تنزل فيه قبرك، ويومك الذي تخرج فيه الى ربك، فياله من يوم عظيم، يا ذي الهيئة المعجبة، والهيم المعطنة: ما لي اراكم اجسامكم عامرة وقلوبكم دامرة، اما والله لو عاينتم ما انتم ملاقوه وما انتم اليه صائرون، لقلتم (يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين)»...(2) ان هذه الخطبة تحفل بصنوف من الاثارة الفنية التي تدهش حقاً، ولو قارناها بكلام آخر قدمه الامام (عليه السلام) ايضاً - لكن في موقف آخر يصوغ الحقائق فيه وفق لغة مباشرة- لوجدنا الفارق بين هذا النموذج والنموذج الآخر، وهو أمر يفصح عن الحقيقة التي طالما اشرنا اليها وهي ان (الموقف) او (الدلالة) هي التي تستأثر باهتمام المعصوم (عليه السلام) وان تضخم العنصر الجمالي او تقليله او حتى انعدامه يرتبط بمتطلبات السياق وليس من اجل الفن وحده... المهم، ان الخطاب المذكور يتضمن لغة خطابية (حوارية) اولاً، من نحو: (ويلك) (ما اطول نومك) (يا طالب الجنة) (فلله انت من طالب ومطلوب) (يا ابن الايام الثلاثة)... الخ، فالعنصر الحواري هنا يتوزع بين الاستفهام والتعجب والقسم...الخ، وتتنوع ضمائر الخطاب بين (الافراد) كالنماذج المتقدمة، وبين (الجمع) مثل (ان كلامي لو وقع طرف منه في قلب احدكم) (يا اشباحاً بلا ارواح) (الا تأخذون) (الا تقتبسون) الخ... وتتابع الجمل الخطابية (الا تأخذون الذهب من الحجر؟! الا تقتبسون الضياء من النور؟! الا تأخذون اللؤلؤ من البحر؟!) وتتوزع الجمل الخطابية ‌بين التحذير والاستغاثة والترغيب (ويحك يا مغرور، الا تحمد من تعطيه فانياً...، فلله انت... الخ). وهكذا نجد تنوع الضمائر والصيغ النداءات: تفجر اشد انواع الاثارة الفنية والعاطفية حتى ليكاد المستمع يحس بالرعدة تلهب جوانحه تحت التأثير السحري الذي تبتعثه هذه الصياغات المتنوعة المثيرة.... ليس هذا فحسب، بل نجد ان عنصر (التقابل، والتماثل، والتتابع) هذه العناصر الثلاثة تساهم بدورها في اثارة العواطف... لنقرأ: 1-«انظروا الى هذه القبور،‌ سطوراً بافناء الدور. 2-تدانوا في خططهم، وقربوا في فرارهم، وبعدوا في لقائهم. 3-عمروا فخربوا، وانسوا فأوحشوا، وسكنوا فازعجوا، وقنطوا فرحلوا. 4-فمن سمع بدان بعيد، وشاحط قريب، وعامر مخرب، وساكن مزعج، وقاطن غير مرحل: غير أهل القبور؟». ان هذا المقطع من الخطاب يحفل بعناصر (التقابل والتماثل والتتابع) بنحو ملحوظ، فالتقابل بين العمارة والخراب، بين الأنس والوحشة، بين البعد والقرب، والسكن والرحيل.. الخ، أمر واضح، كما ان التماثل بين (تدانوا، قربوا)، والتتابع بين هذه المتقابلات والتماثلات يظل امراً واضحاً، مضافاً لصياغة هذه المتقابلات والمتماثلات والمتتابعات وفق عناصر (التساؤل او التعجب) و(التخاطب) من نحو (فمن سمع بدان غير بعيد؟) ونحو (انظروا الى هذه القبور) حيث استهل الكلام بالتخاطب (انظروا)، ثم انتقل الى (السرد) تدانوا في خططهم...) ثم الى‌ التساؤل (فمن سمع بدان غير بعيد؟)... ونتجه الى العنصر (الصوري) فنجده يساهم كل الاسهام في الهاب العواطف وتفجيرها حتى لتكاد تتمزق جوانح المستمع من شدة تأثيرها،.. استمع الى هذه الصور (التشبيهية) (كأنك لست بعين الله) (او كان الله ليس لك بالمرصاد) أردفها بالصورة ‌الرمزية (يا طالب الجنة ما أطول نومك) (فلله انت من طالب ومطلوب)... فهذا التداخل بين التشبيه والاستعارة من خلال اللغة الحوارية: تفعل فعل السحر في الهاب العواطف كما هو واضح. كذلك لننظر الى تداخل آخر بين الرموز والتشبيهات من نحو: (يا اشباحاً بلا ارواح، وذباباً بلا مصباح: كأنكم خشب مسندة ‌واصنام مريدة) فهنا جملتان (رمزيتان) تبعتهما (جملتان تشبيهيتان) (اشباح وذباب) ثم (خشب واصنام)... وقد تم (التوازن) بين الجمل الرمزية والجمل التشبيهية،...كما واكب ذلك (توازن صوتي) بين فواصل الجمل،... لنقرأ من جديد جملتي الرمز وهما (ارواح، مصباح).. ثم لننظر الى (التقابل الفني) بين جمل الرموز والتشبيهات، ففي الرمز (قابل) بين الاشباح والارواح،... ثم للنظر الى عنصر (التماثل) حيث ماثل في التشبيه بين الخشب والاصنام... ثم لننظر الى الصور (المتضايفة) او المتلازمة مثل (الذباب والمصباح)، فالذباب او الحشرة تحوم على المصباح ولا تنفصل عنه، الا ان النص خاطب القوم بانهم (ذباب) من دون (مصباح)... ان هذه المستويات من تركيب الصور تعج بصنوف من الاثارة الفنية التي لاحظناها من خلال تنوع الصور بين التشبه والاستعارة والفرضية والتمثيل... الخ، مما لم نعرض لها حتى لا نطيل الكلام، بل يمكن للقارىء ان يلحظها بنفسه ويتمثلها ويدقق النظر فيها، حتى يتحسس بنفسه مدى ما تنطوي عليه من اثارة ‌فنية لا سبيل الى توضيحها من خلال اللغة بقدر ما يتحسسها القارىء من خلال تذوقه الفني الصرف. والمهم، ان يقف القارىء بنفسه عند الصور التي لم نعرض لها، من نحو: (الا تأخذون الذهب من الحجر؟! الا تقتبسون الضياء من النور؟! الا تأخذون اللؤلؤ من البحر؟!) ومن نحو (ألا تحمد من تعطيه فانياً ويعطيك باقياً؟!) ونحو (درهم يفنى بعشرة تبقى سبعمائة ضعف مضاعفة)... فهذه الصور (التضمينية) التي تشير الى الواحدة‌ بعشرة، وانه يتضاعف الى سبعمائة، انما تقتبس دلالة الآيات القائلة: «من جاء بالحسنة فله عشر امثالها» (كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة...) كما أن الصور الرمزية التي تشير الى (الذهب والضياء واللؤلؤ) انما (ترمز) الى معطيات الكلمة (الواعظة) حيث يتعين على الشخص ان يفيد من الكلمة بموجبها كما يفيد من الذهب والضياء واللؤلؤ من مصادرها الشمسية والأرضية والبحرية... كذلك، الصورة الرمزية (الا تحمد من تعطيه فانياً ويعطيك باقياً؟!) حيث يرمز الفناء الى الدنيا الزائلة، والبقاء الى الأخرى الخالدة...، فيما يتساءل قائلاً: هل هناك من يحمد الله الذي يقدم له النعيم الخالد مقابل تقديم الانسان: العمل العابر؟... واياً كان، امكننا ان نلحظ الخصائص الفنية في هذه الخطبة التي ارتجلها الامام (عليه السلام) في سياق خاص استدعى صياغة هذه الخطبة وفق المتطلبات الوجدانية بما يواكبها من عناصر لفظية وصورية وايقاعية مكثفة بحيث لا تكاد تخلو جملة ‌واحدة منها من صورة تشبيهية او استعارة او تمثيل او فرضية او رمز، كما لا تخلو من ايقاع خارجي مثل الالفاظ المقفاة، والجمل المتوازنة، فضلاً عن مختلف العناصر اللفظية من: تكرار، تقابل، تماثل، تتابع، حوار.. الخ، بحيث يترك مثل هذا الأسلوب أثره البالغ في النفوس، وهو امر اشار الامام (عليه السلام) اليه حينما قال في اول خطابه: «ان كلامي لو وقع طرف منه في قلب احدكم لصار ميتاً...» فهذه الصورة الفنية التي نطلق عليها مصطلح (الصورة‌ الفرضية) وهي: موت الانسان في حالة استماعه لهذه الخطبة، حيث افترض الامام (عليه السلام) امكانية (الموت) ولم يقل ذلك (حقيقة) بل (تجوزاً) وان كان التجوز هنا يمكن ان يتحول الى حقيقة في حالة تملك الانسان اشد حالات الوعي العبادي، بيد ان الامام (عليه السلام) صاغ فرضيته وهي: انه لو قدر ان يوثر هذا الكلام على احد، لمات من هول التقصير العبادي يطبع سلوكه بنحو عام... اذن: حتى هذه الصورة الفرضية التي قدمها الامام في استهلال خطابه، تشف عن خصيصة فنية هي: ان الخطبة‌ بما حفلت به من عناصر فنية تظل نصاً يحقق مهمة‌ الفن الا وهو التأثير في المتلقي، بالنحو الذي او ضحناه. واذا كان (السياق) الذي فرض مثل هذه الخطبة قد استدعى صياغتها حافلة بصنوف التعبير الفني، فان النصوص الأخرى، تظل متراوحة بين التعبير العلمي او التعبير المتأرجح بين العلم والفن، او التعبير الموشح بشيء من عناصر الاثارة الفنية... ويمكننا أن نلحظ النمط الذي يتأرجح بين التعبير العلمي والفني، في الشكل الآتي وهو: ******* (2) تحف العقول: ص 291، 300. ******* ادب الامام الباقر (عليه السلام) - 1 2006-07-17 00:00:00 2006-07-17 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1421 http://arabic.irib.ir/programs/item/1421 من الحقائق التأريخية المعروفة انه مع الامام الباقر (عليه السلام) يبدأ عصر علمي بالنسبة لاستكمال مبادىء الشريعة الاسلامية، حتى أنه (عليه السلام) ومعه الامام الصادق (عليه السلام) قد توفرا على توصيل المبادىء الاسلامية بنحو نجد ان تلامذتهما يعدون بالالاف، ومن ثم فان النصوص المأثورة عنهما (عليهما السلام) تشكل نسبة ضخمة بالقياس الى سائر النصوص.... ولعل التغيرات الاجتماعية التي واكبت هذا العصر من حيث انتقال السلطة الاموية الى العباسيين، هذه التغيرات التي خبرها العصر، تظل على صلة بوفرة النتاج الذي صدر عنهما (عليهما السلام) حيث ان التوسع الثقافي سمح لكثير من رواد المعرفة بالتوفر على اخذها من مصادرها السليمة في نتاج الامام الباقر (عليه السلام) والامام الصادق (عليه السلام)... واياً كان، فإن لقب هذا الامام (عليه السلام) (وهو: الباقر) كاف في التعريف بمدى المعرفة التي افادها الناس منه (عليه السلام)، حيث عرف بهذا اللقب لدى جميع الفئات الثقافية، وفيما اقرت بسعة‌ المعرفة التي توفر عليها، حتى ان المؤرخين يشيرون الى ان اشهر شخصية علمية‌ عندما كانت تجلس الى الامام الباقر (عليه السلام) انما تبدو كانها صبي امام المعلم... طبيعياً، ان الائمة عليهم السلام مادام الله تعالى قد خصهم بمعرفة متميزة، حينئذ فان التقويم البشري لمعرفتهم لا يعتد به بقدر ما يجسد حجة على الآخرين ممن يحيا بمعزل عن مبادئهم عليهم السلام... واياً كان، يعنينا ان نقدم نماذج من ادب الامام الباقر (عليه السلام)، لكن بما ان الطابع العلمي هو الذي فرض فاعليته في هذا المناخ أي: توصيل المبادىء الاسلامية في الميدان العقائدي والاخلاقي والفقهي والمعرفي بعامة، حينئذ فان العناية بما هو ثانوي - من حيث الصياغة - لابد ان تضؤل دون ادنى شك، واذا كانت الخطبة او الدعاء تتطلبان قيماً صورية وايقاعية وعاطفية ونحوها، فان التعبير (العلمي) من حقائق الفقه او العقائد او الاخلاق او المعرفة البحتة، لا تسمح ببروز القيم الايقاعية او الصورة او العاطفية كما هو واضح. لكن مع ذلك يمكننا ان نلحظ - وهذا ما يطبع سائر نتاج المعصومين (عليهم السلام)- الجانب البلاغي العام اي: فصاحة العبارة واحكامها، بل يمكننا ان نلحظ حسب متطلبات السياق جوانب فنية متنوعة تتخلل العبارة العلمية او غيرها حتى في صعيد القيم الصورية والايقاعية والعاطفية مع ملاحظة حقيقة - طالما كررناها- بأن الشخصية الشرعية - النبي (صلى الله عليه وآله) أو المعصوم (عليه السلام)- تعنى في الدرجة الاولى بما هو (فكر) وليس بما هو (ترف فني)، وانما يجيء (الفن) موظفاً في سياقات خاصة، لبلورة الفكر... وهذا ما نلحظه عند الامام الباقر (عليه السلام) ذاته، حيث انشده الشاعر المعروف (الكميت) ذات يوم احدى قصائده التي جاء فيها: اخلص لله لي هواي فماأغرق نزعاً ولا تطيش سهاميفقال الامام (عليه السلام): قل: فقد اغرق نزعاً ولا تطيش سهامي... وحينئذ اجابه الشاعر: بأن الامام (عليه السلام) هو ابلغ منه فنياً في هذا الميدان.. (1) اي ان الشاعر اقر بأن الامام (عليه السلام) افضل منه في الامتلاك لناصية الفن،... ومع ذلك فان الامام (عليه السلام) قد انصب اهتمامه على (الدلالة) وليس على قيم الايقاع او الصورة، علماً بان استبدال عبارة (فما) بعبارة (فقد) تنطوي على (قيمة ايقاعياً ايضاً) حيث ان صوت (القاف) في هذه العبارة (يتجانس) مع (القاف) في عبارة (اغرق) بحيث تحسس السامع جمالية العبارة: ايقاعياً... مضافاً لذلك، فان الاستبدال يكسب البيت المذكور جمالية اخرى هي (التقابل) بين (فقد اغرق) وبين (لاتطيش سهامي) اي: بين الايجاب والسلب، بينما كانت عبارة الشاعر خالية من (التقابل) كما هو واضح... من هذا نستخلص ان الامام (عليه السلام) - في نفس الوقت الذي يعنى فيه بدلالة البيت - قد اكسبه (بعداً فنياً) ايضاً بالنحو الذي لحظناه... المهم، ان البعد الفني يتجه اليه الامام (عليه السلام) في سياقات خاصة كما كررنا، وهو امر يمكننا ملاحظته في اكثر من نموذج... ومنه: ******* (1) المجالس السنية: ج 2، ص 451. *******