اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | أدب الإمام السجّاد (ع) http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb دعاء مكارم الأخلاق - 6 2006-07-16 00:00:00 2006-07-16 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1420 http://arabic.irib.ir/programs/item/1420 اذا كانت وثيقة رسالة الحقوق التي تضمنت البحث عن حصيلة العلاقات الاجتماعية، تمثل وثيقة اجتماعية - أي: انتسابها للمعرفة الاجتماعية- فإن (مكارم الاخلاق) يعد وثيقة نفسية - اي: انتسابها للمعرفة النفسية التي تتناول في احد اقسامها سمات الشخصية- حيث يرسم (عليه السلام) عشرات (السمات) التي تطبع الشخصية الاسلامية بحيث يمكن للملاحظ النفسي أن يستخلص منها الطابع العام لهذه الشخصية في مختلف سماتها العبادية والاجتماعية والعقلية والمزاجية - مما لايدخل في نطاق دراستنا الأدبية بقدر ما يدخل في نطاق علم النفس الاسلامي-. والمهم هو: أن نتبين عمارة الدعاء من حيث الخطوط التي انتظمت هذه العمارة وفق نسق هندسي محكم،... بدأ الدعاء بهذا النحو: 1-اللهم صل على محمد وآله: وبلغ بايماني أكمل الايمان، واجعل يقيني... 2-اللهم صل على محمد وآله: واكفني ما يشغلني الاهتمام به، واستعملني بما تسألني... 3-اللهم صل على محمد وآله: ولا ترفعني في الناس درجة الا حططتني عند نفسي مثلها... 4-اللهم صل على محمد وآله: ومتعني بهدى صالح لا استبدل به... 5-اللهم صل على محمد وآله: وأبدلني من بغضة اهل الشنآن المحبة... 6-اللهم صل على محمد وآله: وحلني بحلية الصالحين، والبسني... وهكذا يمضي الدعاء في مقاطع منسقة يبدأ كل واحد منها بفقرة «اللهم صل على محمد وآل محمد»، ويتناول كل مقطع مجموعة‌ من السمات النفسية المتجانسة او المنتسبة لجذر متجانس من السلوك مثل المقطع الأخير حيث قال: «اللهم صل على محمد وآله، وحلني بحلية الصالحين والبسني زينة المتقين في بسط العدل، وكظم الغيظ، وستر العائبة، ولين العريكة، وخفض الجناح...» الخ(6). فهذه (السمات) جميعاً تنتسب الى‌ سمة (عامة) مرتبطة بما يسمى في اللغة النفسية بـ (نزعة المسالمة) مقابل (نزعة العدوان)... حيث تجيء مفرداتها في سمات جزئية مثل: بسط العدل، وكظم الغيظ، واصلاح ذات البين... الخ. والمهم، ان هذا النمط من البناء قد جعل من فقرة «اللهم صل على محمد وآله» محطة (موضوعية) ينتهي اليها من جانب، كل مقطع بتناول موضوعاً مستقلاً كما انه من جانب آخر، يجعل للدعاء (بعداً موضوعياً) هو (مخاطبة الله تعالى) ثم (الصلاة على محمد وآله) حتى لا ينفصل ما هو (حاجة فردية) عما هو (حاجة عبادية)... بالمقابل، نجد ان الادعية الموضوعية لا يفصلها الامام (عليه السلام) عن الادعية الذاتية ايضاً، بحيث اذا كان الدعاء يتناول ظاهرة (موضوعية) لا علاقة لها بحاجات الفرد، حينئذ يخللها الامام (عليه السلام) (بعداً ذاتياً) حتى لا ينفصل ما هو (عبادي) عما هو (ذاتي) ايضاً،... فمثلاً في دعائه (عليه السلام) اذا نظر الى السحب والبروق - وهي ظواهر ابداعية، نجده يصل بين هذه الظواهر الابداعية وبين جانبها النفعي للانسان، فيقول: «اللهم، ان هذين آيتان من آياتك، وهذين عونان من أعوانك، يبتدران طاعتك... فلا تمطرنا بهما مطر السوء، ولا تلبسنا بهما لباس البلاء، اللهم صل على محمد وآله وانزل علينا نفع هذه السحائب وبركتها واصرف عنا اذاها...». وحتي في دعائه (عليه السلام) لحملة العرش مثلاً، حينما يقول عنهم: «فصل عليهم وعلى الروحانيين من ملائكتك واهل الزلفة عندك، وحمال الغيب الى رسلك...» نجده يختم ذلك بقوله (عليه السلام): «اللهم، واذا صليت على ملائكتك ورسلك وبلغتهم صلواتنا عليهم، فصل علينا بما فتحت لنا من حسن القول فيهم، انك جواد كريم»(7) حيث وصل بين (ما هو عبادي صرف) وبين ما هو (ذاتي) هو: الصلاة على الداعي ايضاً، مشفوعاً بجملة (انك جواد كريم) حيث ترتبط هذه الفقرة بما هو فردي من الحاجات كما هو واضح... اذن: تظل عمارة (الدعاء) خاضعة لمبنى هندسي هو ربط الحاجات الموضوعية بالحاجات الفردية وذلك بسبب كون (الداعي) من جانب، له حاجاته الفردية التي تحمل طابع المشروعية، وبكونه من جانب آخر، ينبغي أن يظل (موضوعياً) يعنى بالظواهر التي تسمو على حاجاته الفردية سواء أكان ذلك في الدعاء الذاتي الذي يربط دائماً بما هو موضوعي او في الدعاء الموضوعي الذي يربط بما هو ذاتي، بالنحو الذي لحظناه في النماذج المتقدمة... والمهم بعد ذلك، ان المزج بين موضوعية الدعاء وذاتيته يظل خاضعاً لمبنى فني بالغ الاحكام بحيث تتوزع مقاطع الدعاء وفق خطوط منتظمة من نحو ما لحظناه في دعاء مكارم الأخلاق. وهذا كله فيما يتصل بالخطوط العامة‌ لعمارة الدعاء من حيث الشكل الخارجي له. اما ما يتصل بالشكل الداخلي للبناء أي: من حيث تلاحم اجزائه وصلة بعضها مع الآخر، فيمكن تقديم نموذج منه تحت عنوان: *******البناء الداخلييقول (عليه السلام) في احدى مناجاته: 1- «الهي، اليك أشكو نفساً بالسوء امارة، والى الخطيئة مبادرة، وبمعاصيك مولعة ولسخطك متعرضة، تسلك بي مسالك المهالك، وتجعلني عندك اهون هالك، كثيرة العلل طويلة الأمل، ان مسها الشر تجزع وان مسها الخير تمنع، ميالة الى اللعب واللهو، مملوءة بالغفلة والسهو، تسرع بي الى الحوبة وتسوفني بالتوبة. 2- الهي، اشكو اليك عدواً يضلني وشيطاناً يغويني، قد ملأ بالوسواس صدري واحاطت هواجسه بقلبي، يعاضد لي الهوى ويزين لي حب الدنيا ويحول بيني وبين الطاعة والزلفى. 3- الهي، اليك اشكو قلباً قاسياً مع الوسواس متقلباً، وبالرين والطبع متلبساً، وعيناً عن البكاء من خوفك جامدة، والى ما يسرها طامحة. 4- الهي، لا حول ولا قوة الا بقدرتك، ولا نجاة لي من مكاره الدنيا الا بعصمتك، فأسألك...» الخ(8). هذا النص يتضمن اربعة مقاطع، كل مقطع منها موصول بما قبله وبما بعده: فالمقطع (1) يتحدث عن نفس امارة ‌بالسوء، بالمعصية، ‌ويعرض مفردات من السلوك المتصل بكثرة العلل والأمل والجزع واللعب والمنع... الخ، وهي مفردات تتلاحم عضوياً مع النفس الامارة بالسوء. اما المقطع (2) فقد تحدث عن المنبه للسلوك المذكور متمثلاً في (الشيطان) ثم يعرض مفردات ذلك متجسدة في: الوسوسة، تزيين الدنيا... واما المقطع (3) فيترتب على سابقه وهو الطبع والرين على الفؤاد نتيجة لممارسة المفردات التي عرضت في المقطع (4). واما المقطع الرابع فيتجه الى (الله تعالى) لا نقاذ النفس من السوء الذي تحدثت المقاطع الثلاثة عنه. اذن: التنامي العضوي بين هذه المقاطع يظل من الوضوح بمكان ملحوظ، مما يفصح عن احكام الهيكل الهندسي للدعاء، بحيث يمكن القول بأن (فن الدعاء) لدى الامام (عليه السلام) ليس مجرد عرض للمضمونات بل اخضاعها لهيكل هندسي متقن يرتبط كل جزء بسابقه ولاحقه، ويتنامى كل جزء وفق مراحل النمو النفسي، حتى ينتهي الى المرحلة الاخيرة وفق تخطيط مرسوم، بالنحو الذي لحظناه. طبيعياً ان هذا التلاحم والنمو بين اجزاء النص لا يقف عند هذه المستويات فحسب، بل يتجاوزها الى التلاحم بين مختلف العناصر الفنية، بحيث تجيء عناصر (الصورة) و(الايقاع) وسواهما متجانسة مع الفكرة العامة التي ينطوي عليها الدعاء، وهو امر يمكن ملاحظته عندما نعرض للعناصر الفنية، فيما نبدأ ذلك بالحديث اولاً عن: *******الايقاعيظل (الايقاع) اهم عنصر في صياغة الدعاء، بصفة ان الدعاء يقترن بعنصر (التلاوة) وليس القراءة الصامتة، وحينئذ فان التلاوة تتطلب ايقاعاً يتناسب مع وحداته الصوتية التي تنتظم في (فواصل) او (حروف) متجانسة، مضافاً الى (الايقاع الداخلي)... لذلك لا نكاد نجد دعاء يتخلى عن عنصر الايقاع بخاصة (الفواصل المقفاة) لأن القرار يجسد بروزاً ايقاعياً اشد من الايقاع الذي يحققه التجانس بين الحروف. ويمكننا ان نتبين هذا الجانب بوضوح حينما نقرأ الدعاء الآتي، حيث تمضي جميع فقراته على هذا النحو: 1-«الهي، ألبستني الخطايا ثوب مذلتي، وجللني التباعد منك لباس مسكنتي، وامات قلبي عظيم جنايتي، فأحيه بتوبة منك يا املي وبغيتي، ويا سؤلي ومنيتي. 2-فو عزتك ما اجد لذنوبي سواك غافراً، ولا ارى لكسري غيرك جابراً. 3-وقد خضعت بالانابة اليك، وعنوت بالاستكانة لديك. 4-فان طردتني من بابك فبمن الوذ، وان رددتني عن جنابك فبمن اعوذ. 5-فوا اسفاه من خجلتي وافتضاحي، ووالهفاه من سوء عملي واجتراحي. 6-أسألك يا غافر الذنب الكبير، ويا جابر العظم الكسير. 7-ان تهب لي موبقات الجرائر، وتستر علي فاضحات السرائر. 8-ولا تخلني في مشهد القيامة من برد عفوك وغفرك، ولا تعرني من جميل صفحك وسترك. 9-الهي: ظلل على ذنوبي غمام رحمتك، وارسل على عيوبي سحاب رأفتك. 10-الهي: هل يرجع العبد الآبق الا الى مولاه، ام هل يجيره من سخطه احد سواه،...» (9) الخ. فالقسم الأول منه: توحد فواصله او قراراته التي تتجاوز الفقرتين، اما الاقسام الأخرى فتزدوج قراراته اي تتوحد في كل فقرتين فحسب... ومن الواضح أن توحد القرارات او ازدواجها تظل خاضعة لطبيعة الفكرة المطروحة، فاذا كانت الفكرة مستقلة او شبه مستقلة او ذات تفريع... الخ، حينئذ فان القرار يتشكل تبعاً له - اي لهذا الجزء المستقل- سواء أكانت ذات فاصلتين او اكثر... فالملاحظ مثلاً‌ ان بعض النماذج، تتوحد قراراته حتى لتشبه القصيدة من نحو: «اللهم اني اعتذر اليك: من مظلوم ظلم بحضرتي فلم أنصره، ومن معروف اسدي الي فلم اشكره، ومن مسيء اعتذر الي فلم اعذره، ومن ذي فاقة سألني فلم اوثره، ومن حق ذي حق لزمني لمؤمن فلم اوفره، ومن عيب مومن ظهر لي فلم استره، ومن كل اثم عرض لي فلم اهجره»(10). ان هذا النص يحفل بقيم ايقاعية متنوعة، فهو من جانب (تتوحد) قوافيه بحيث يشبه المقطوعة الشعرية كما قلنا،... كما انه من جانب آخر (تتوازن) فقراته:‌مثل (الانتظام الوزني) في الشعر، كما انه من جانب ثالث يحفل بـ (تجانس) صوتي ملحوظ... ان جميع قراراته ذات روي واحد، وجميع اسطره ذات طول متماثل او متقارب، وجميعها ايضاً ذات تجانس صوتي لمستويين: التجانس بين الحروف او تكرر العبارات... فكل سطر تتكرر فيه عبارتا (من) (لم) (من مظلوم، من معروف، من مسيء،... الخ) (فلم أنصره، فلم اشكره، فلم اعذره)... وكل سطر ينطوي على تجانس بين حروفه مثل (مظلوم ظلم بحضرتي) أو خلال الأسطر جميعاً... والمهم، ان نتجه اولاً الى العناية الضخمة بعنصر الايقاع وتنويعه بهذا النحو الذي لحظناه، بحيث نجد السطر وكأنه بيت شعر، بل يتجاوز ذلك الى ان نجد سطر يتناسق مع الآخر ليس من خلال وحدة القافية والتوازن فحسب، بل من خلال تكرر نفس العبارات، ونفس التركيب،... ونجد ثانياً ان طبيعة الموضوع فرض-في هذا النص- (توحد) قراراته وليس (تنوعها)... وذلك لسبب واضح هو: ان النص في صدد تقويم (العذر) حيال جملة من القضايا، بحيث كان العذر هو الفكرة التي تحوم عليها العبارات، لذلك كان من الطبيعي ان تتوحد القوافي، تبعاً لوحدة الفكرة ذاتها، وكان طبيعياً ان تستمر العبارات المتتابعة لان الفكرة نفسها ذات طابع استمراري،‌حيث كان العذر يتصل بالمظلوم والمعروف، والمسيء، والفقير... الخ، فاستلزم جعل القرارات متعددة بتعدد المواقف التي اعتذر منها... اذن: جاءت الصياغة الايقاعية في هذا النص وسواه مرتبطة اولاً، بكون الدعاء (معداً لأن يتلى) حيث تتطلب التلاوة عنصراً ايقاعياً، وجاءت الصياغة الايقاعية ثانياً، مرتبطة بطبيعة الفكرة او الموقف الذي يفرض حيناً (تنوعاً) في الايقاع، وحيناً آخر (توحداً) في الايقاع، بالنحو الذي تقدم الحديث عنه. اذاً، كان (الايقاع) يخضع لمتطلبات خاصة اوضحناها، حينئذ فان عنصر (الصورة) يخضع بدوره لسياقات يتطلبها فن الدعاء، وهذا ما ندرجه ضمن عنوان: *******الصورة تجيء (الصورة) في الدعاء عنصراً - في الدرجة الثانية- بالقياس الى عنصر (الايقاع). والسر في ذلك ان (التلاوة) لا تتطلب في الحالات جميعاً الا الايقاع الذي يتناسب مع التلاوة: بصفتها (أصواتاً) لابد ان يتم التناسق بينها،... واما الصورة فليس من الضروري ان تستخدم في التلاوة بقدر ما يجيء استخدامها خاضعاً لمتطلبات السياق... ولعل ما يفرق بين الدعاء في نمطه الذي يتمحض لقضاء حاجة: من شدة او فقر أو طلب نجدة مثل أدعية الرزق او العافية او ادعية الاستسقاء او النصر على العدو... الخ. لعل ما يفرق بين هذا النمط من الدعاء، وبين (المناجاة) التي تتميز عن الدعاء الاعتيادي بكونها (تواصلاً) و(وجداً) و(معاناة) و(توحداً)، هو: ان الدعاء الاعتيادي لا يعنى فيه الا التعبير المباشر عن الحاجات، بعكس المناجاة التي (يتعمق) ‌فيها الشخص، و(ينفعل) بحيث تتطلب هذه الحالات تعبيراً غير مباشر، وحينئذ يكون الاعتماد على عنصر (الصورة) من تشبيه أو استعارة او رمز او تمثيل... الخ، امراً له مسوغاته الفنية. ان بعض المواقف تستلزم دلالاتها الحاحاً في اغوار النفس وتشابك حالاتها، حيث لا يتاح ابراز التشابك لهذه الحالات الوجدانية الا من خلال عنصر (الصورة الفنية)، نظراً لما تنطوي عليه طبيعة الصورة‌ من ايحاءات ورموز وكشوف تبلور التشابك المذكور. ويمكننا على سبيل المثال ان نلحظ هذا الجانب في المقطع الآتي من (مناجاة العارفين): 2-«الهي، فاجعلنا من الذين ترسخت اشجار الشوق اليك في حدائق صدورهم، واخذت لوعة محبتك بمجامع قلوبهم، فهم الى اوكار الافكار يأوون، وفي رياض القرب والمكاشفة يرتعون، ومن حياض المحبة بكأس الملاطفة يكرعون، وشرائع المصافاة يردون»(11)، فهذا المقطع يتضمن جملة من الصور الفنية التي تتوالى واحدة بعد الأخرى دون ان يتخللها تعبير مباشر، ذلك لان الحالات الوجدانية في هذا المقطع تتناول اعمق اشكال العلاقة بين الله والعبد من حيث عمق (المعرفة) التي لا تتأتى عند العامة من البشر، ومن حيث عمق (الوجد) الذي لا يتاح لدى الغالبية منهم، وهو امر يتطلب الركون الى تعبير (مصور) يشحن بدلالات ثانوية وايحاءات شتى تتوافق مع تشابك وتجذر المعرفة والوجد، لذلك اتجه المقطع الى رصد علاقات جديدة بين الظواهر وفق تركيبة خاصة، منها: التركيبة (الاستعارية) المتمثلة في رصد العلاقة بين (أشجار الحدائق) و(اشواق الصدر) من حيث ترسيخها وتغلغلها وتعمقها داخل النفس، فالشجر بقدر ما تمتد جذوره الى باطن الارض ياخذ ثباتاً اشد، يقابله الشوق الذي ترسخ امكاناته بقدر ما يتكاثر ويتنامى، فهنا لو التجأ النص الى التعبير المباشر لما زاد على ذلك، مثلاً بقولنا (اللهم اجعل اشواقنا شديدة نحوك) لكنه بارتكانه الى عنصر (الصورة) حقق ظاهرة تغلغل الشوق وشدته وتناميه، حيث نقل القارىء الى تجربة الشجر والمزرعة ليوحي اليه بكثافة الشوق، وكان من الممكن ان يكتفي النص بمجرد (الشجر) دون ان يضيف اليه (الحدائق) مادام النمو يتحقق في اية ارض صالحة للزراعة، ولكن بما ان النص لم يستهدف مجرد تغلغل الشوق في الاعماق ليكتفي بالزرع، وانما استهدف ايضاً الاشارة الى المتعة الجمالية التي نشاهدها في (حديقة) تنتظم اشجارها وتتناسق، فتجمع الى عملية (النبت): (التنظيم الجمالي) ايضاً، وحينئذ يكون النص قد استهدف لفت النظر الى مدى الفرح والحبور اللذين تنثرهما محبة الله في صدور (العارفين) فيما يتحسسونهما ببالغ الجمال الذي يتلاشى معه اي امتاع دنيوي عابر... اذن، أمكننا ملاحظة هذا النص المحتشد بعنصر (صوري) ملحوظ، من حيث المسوغات الوجدانية التي فرضت مثل هذه الصياغة، مما يعني ان الامام (عليه السلام) في صياغته للادعية واستخدامه لعناصر الصورة والايقاع ونحوهما، انما اخضع الصياغة لطبيعة السياق الذي يرد فيه هذا النص او ذاك، سواء اكان دعاء او خطبة او رسالة أو سواها من الأشكال التي تقدم الحديث عنها. ******* (6) الصحيفة السجادية: الدعاء، رقم 20. (7) نفس المصدر: الدعاء رقم 3. (8) نفس المصدر: المناجاة، رقم 2. (9) نفس المصدر: المناجاة رقم 1. (10) نفس المصدر: الدعاء رقم 38. (11) نفس المصدر: المناجاة رقم 12. ******* أدب الدعاء - 5 2006-07-16 00:00:00 2006-07-16 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1419 http://arabic.irib.ir/programs/item/1419 ما قدمناه من النماذج الادبية للامام السجاد (عليه السلام)، يظل تجسيداً لنصوص تحدثت عن ظواهر سياسية واجتماعية واخلاقية اتخذت شكل خطبة او رسالة او بحث او ظاهرة، الا ان اهم ما ينبغي ملاحظته هو: ان المفهومات السياسية والاجتماعية والاخلاقية وسواها من الظواهر التي سنعرض لها، انما تكثفت بنحو ملحوظ في احد الاشكال الادبية التي يختص بها ادب التشريع الاسلامي الا وهو: (الدعاء) حيث يمكن القول - كما اشرنا سابقاً- بان الامام السجاد (عليه السلام) يعد متفرداً في توفره على صياغة الادعية من حيث الكم ومن حيث التنوع في اشكال الدعاء ومستوياته ودلالاته،... لذلك مادام الامام السجاد (عليه السلام) قد تفرد في هذا الميدان بحيث اشار اكثر من مؤرخ بأن ادب الدعاء لدى الامام السجاد (عليه السلام) جسد «الأسلوب الأدبي» الذي اختطه (عليه السلام) في مواجهته لمشكلات الانسان والعصر... لذلك يتعين على مؤرخ الأدب أن يقف عند ظاهرة (الدعاء) عند الامام السجاد (عليه السلام)، ليفصل الحديث عنه فنياً وفكرياً، مادام الدعاء قد جسد لدى الامام (عليه السلام) ظاهرة ملحوظة متفردة: من حيث الكم، ومن حيث التنوع، ومن حيث الوظيفة الاجتماعية، ومن حيث السمات الفنية التي واكبت هذا الشكل الادبي. ونبدأ بالحديث عن ذلك: *******فكرياًيظل (الدعاء) عند الامام السجاد (عليه السلام) وسيلة فنية لطرح القضايا الفردية والاجتماعية‌ والكونية والتواصل الوجداني بشكل عام، واذا كان الدعاء في غالبيته تتم صياغته للتواصل الوجداني - اي: توجه الانسان الى الله لاشباع حاجاته الروحية، مثل رضى الله تعالى ومناجاته وتحميده... الخ -، فانه لدى الامام السجاد (عليه السلام) تجاوز هذا الصعيد (الوجداني) الى مطلق الصعد التي تصاغ فيها الخطب والرسائل والمقالات والخواطر والاحاديث، اي: ان الدعاء يقوم بمثل ما تقوم به الخطبة او الرسالة او الحديث من حيث طرح القضايا العبادية المختلفة (سياسياً، اجتماعياً، عسكرياً، اخلاقياً.. الخ)، ويكفينا ان ننظر الى موضوعات (الصحيفة السجادية) التي جمعت فيها نصوص الدعاء للامام السجاد (عليه السلام)، حتى نتبين كيفية طرحه (عليه السلام) لقضايا الكون والمجتمع والفرد و... فاذا استبقينا الأدعية المرتبطة بتحميد الله تعالى نجد ان القوى الكونية مثل: حملة العرش، والرسل، او الظواهر الكونية مثل: الاهلة: تأخذ نصيباً من نصوص ادعيته (عليه السلام)، ونجد في صعيد العلاقات الاجتماعية دعاءاته للأبوين، للأولاد، للخاصة، للجيران: تاخذ نصيبها ايضاً، ونجد في الصعيد العسكري دعاءه لأهل الثغور، وهكذا سائر القضايا الاجتماعية او الفردية او العبادية العامة، فهناك ادعية لدفع الظلامات، وادعية لدفع كيد الاعداء، وادعية للاستسقاء وغيرها من الظواهر الاجتماعية، واما الظواهر العبادية من نحو ادعيته في الايام والاسابيع والشهور والاعياد... الخ، او الظواهر الفردية من نحو ادعيته في الصحة والمرض والشدة والرزق و.. الخ: هذه الأدعية تحتل مساحة ضخمة من النتاج. وأما: *******فنياًان هذه الأدعية تتميز بكونها مصاغة وفق لغة فنية مدهشة وليست مجرد أدعية بذات مضمونات كونية او اجتماعية او فردية أو عبادية، وهذا ما يمنحها قيمة ضخمة بحيث تظل في مقدمة النصوص الأدبية التي ينبغي لمورخ الادب أن يعنى بها كل العناية... لذلك نبدأ بعرض سريع للخصائص الفنية‌ التي تطبع (فن الدعاء) عند الامام السجاد (عليه السلام)،... ونعرض اولاً نصاً عاماً للتعرف على مجمل الخصائص، وهو: الدعاء لأهل الثغور. يبدأ دعاؤه (عليه السلام) بهذا النحو: اللهم صل على محمد وآل محمد: وحصن ثغور المسلمين بعزتك، وايد حماتها بقوتك، واسبغ عطاياهم من جدتك. اللهم صل على محمد وآله: وكثر عدتهم، واشحذ اسلحتهم، واحرس حوزتهم، وامنع حومتهم... وامددهم بملائكة من عندك مردفين، حتى يكشفوهم الى منقطع التراب: قتلاً في ارضك، واسراً، او يقروا بانك انت الله الذي لا اله الا انت وحدك لا شريك لك. اللهم واعمم بذلك اعداءك في اقطار البلاد من الهند والروم والترك والخزر والحبش والنوبة والزنج والسقالبة والديالمة وسائر امم الشرك الذين تخفى اسماؤهم وصفاتهم وقد احصيتهم بمعرفتك واشرفت عليهم بقدرتك... اللهم وامزج مياههم بالوباء، واطعمهم بالادواء، وارم بلادهم بالخسوف، وألح عليها بالقذوف... اللهم واي غاز غزاهم من اهل ملتك.. فلقه اليسر، وهييء له الامر،... وتخير له الأصحاب، واستقو له الظهر، وأسبغ عليه في النفقة،... وأطفىء عنه حرارة الشوق واجره من غم الوحشة، وانسه ذكر الأهل والولد،..» (5). مضموناً يحتشد هذا النص بأفكار ترتبط بمتطلبات المعركة من حيث صياغة الشخصية المقاتلة، ومن حيث تشخيص العدو وطرائق خذلانه،... واما فنياً فيحتشد النص بصور وايقاعات متنوعة، بحيث لا تكاد تمر فقرة الا وتشكل مع مثيلتها فاصلة مقفاة (بعزتك، بقوتك، جدتك) (أسلحتهم، حوزتهم، حومتهم) (بالوباء، بالأدواء) (بالخسوف، بالقذوف)... لكن عندما لا يستدعي الموقف ايقاعاً‌ منتظماً حينئذ يختفي هذا العنصر، وذلك من نحو عرضه لهويات الأعداء: من الروم، والترك، والهند، والزنج، والسقالبة، والديالمة.. الخ، كذلك يحتشد النص بعنصر الصورة، لكن دون ان تتكثف النسبة، وذلك لأن متطلبات كل دعاء تفرض حيناً تكثيفاً لعنصر الصورة وحيناً آخر تقليلاً له،... وكذلك عنصر الايقاع، وهو امر سنتحدث عنه عند عرضنا لكل عنصر فني على حدة... ونبدأ ذلك بالحديث اولاً عن: *******البناء الخارجييظل البناء الفني للدعاء عند الامام السجاد (عليه السلام) مطبوعاً لسمات الاحكام والاتقان والمتانة بنحو ملحوظ... وأول ما ينبغي ملاحظته هنا، ان كل دعاء يتضمن (بعداً موضوعياً) يستهل به او يختم به او يتخلل وسطه ان يتخلل بدايته ووسطه ونهايته...ونعني بـ (البعد الموضوعي) هو: ان يقترن الدعاء (مهما كان نمطه) بالتمجيد لله تعالى، من جانب، وبالصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) وآله عليهم السلام من جانب آخر، فمادام الدعاء هو محاورة انفرادية مع الله تعالى فحينئذ تظل اولى سماته هي: «الخطابية» من نحو عبارة (اللهم) أو (الهي) وسواهما.. حيث تستدعي مثل هذه العبارة (حمداً) او (ثناء) بالضرورة، كما تقترن في الغالب بالصلاة على محمد وآله ايضاً بصفتهم (عليهم السلام) وسائل للتقرب الى الله تعالى.. ومن الواضح ان الدعاء عندما يقترن بأمثلة هذه العبارات انما يحتفظ بسمته (الموضوعية) التي تتمحض لله تعالى،... فنحن اذا اخذنا بنظر الاعتبار ان الادعية هي على مستويات متنوعة منها (الدعاء الموضوعي) وهو ما يرتبط بالتمجيد لله تعالى فحسب: حينئذ فان (الهدف العبادي المحض سوف يطبع مثل هذا الدعاء...) لكن هناك ادعية تخص الحاجات الفردية فحسب، وحينئذ فان ربط هذه الحاجات الفردية بالتمجيد لله تعالى وبالصلاة على النبي وآله (عليهم السلام) يجعل الدعاء في اشكاله جميعاً ذا طابع (موضوعي) يتصاعد على الحاجات الفردية المحضة، وهذا ما يكسب الدعاء اهميته الكبيرة دون ادنى شك... ويمكننا ان نستشهد باحد نماذج الأدعية لملاحظة البناء الفني فيه من حيث عناصره (الموضوعية) المشار اليها... وهو: ******* (5) الصحيفة السجادية: الدعاء رقم 27. ******* 3- الأدب الأخلاقي - 4 2006-07-16 00:00:00 2006-07-16 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1418 http://arabic.irib.ir/programs/item/1418 ما تقدم من النماذج، جسد - كما لحظنا- نصوصاً اجتماعية، بعضها يتصل بظواهر اجتماعية عامة مثل: العلاقات العامة، وبعضها بما هو خاص مثل: علاقة‌ الانسان بالمؤسسة الرسمية - الدولة-. وهناك ايضاً ظواهر من نمط آخر تتصل بالسلوك العام او ما يسمى بـ(البعد الاخلاقي) من الشخصية، سواء اكان ذلك يتصل بعلاقة الانسان مع الله، او بعلاقته مع الآخرين، او بطبيعة تعامله مع البيئة المادية التي تحيط به، وهذا من نحو تعامله مثلاً مع متاع الحياة الدنيا، حيث تشير التوصيات الاسلامية الى مفهوم (الزهد) حيال المتاع المذكور،... وهذا ما توفر الامام (عليه السلام) ايضاً على طرحه في أشكال متنوعة من التعبير: خطابة، رسالة، خاطرة، دعاء... الخ، حيث نلحظ مثلاً قوله (عليه السلام) في وصفه لسمة‌ الزاهدين: «ان علامة الزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة: تركهم كل خليط وخليل، ورفضهم كل صاحب، لا يريد ما يريدون، الا وان العامل لثواب الآخرة هو الزاهد في عاجل زهرة الدنيا، الآخذ للموت اهبته، الحاث على العمل قبل الاجل ونزول ما لابد من لقائه، وتقديم الحذر قبل الحين، فان الله عزوجل يقول: «حتى اذا جاء احدهم الموت قال رب ارجعون / لعلي اعمل صالحاً فيما تركت» فلينزلن احدكم اليوم نفسه كمنزلة المكرور الى الدنيا... واعلم ويحك يا ابن آدم ان قسوة البطنة وفطرة الميلة وسكر الشبع وعزة الملك مما يثبط ويبطىء عن العمل وينسي الذكر ويلهي عن اقتراب الأجل، حتى كان المبتلي بحب الدنيا به خبل من سكر الشراب، فان العاقل عن الله الخائف فيه العامل له ليمرن نفسه ويعودها الجوع حتى تشتاق الى الشبع، وكذلك تضمر الخيل لسبق الرهان»(4). هذا النموذج من الأدب الأخلاقي يطفح بدوره بعناصر فنية متنوعة كما هو ملاحظ، ويكفي ان نتأمل الاخير من هذا النص، حتى نلحظ مدى توشيحه بقيم الفن، ولنقرأ: «حتى كان المبتلى بحب الدنيا به خبل من سكر الشراب» حيث اعتمدت هذه الفقرة عنصر التشبيه، ولنقرأ ايضاً: «وكذلك تضمر الخيل: لسبق الرهان» حيث اعتمدت هذه الفقرة عنصراً صورياً مهماً هو الصورة الفنية الاستدلالية... وما ان ندقق في هاتين الصورتين مثلاً حتى ندرك اهميتهما فنياً وفكرياً،... فتشبيه المبتلى بحب الدنيا بمن مسه خبل من الشراب ينطوي على دقة بالغة الاهمية، فهو استخدم الاداة (كأن) دون ان يستخدم اداتي التشبيه المعروفتين (الكاف) و(مثل)، نظراً لان الاداة (كأن) خاصة بالتشبيه الذي يقل عن درجة الوسط في رصده للعلاقة بين المشبه والمشبه به، فاذا كان الشبه كبيراً بين الطرفين استخدمت الأداة (مثل)، واذا كان متوسطاً استخدمت الاداة (الكاف)، واذا كان اقل من المتوسط استخدمت (كأن). وبما ان درجة التشابه بين السكر من الدنيا والسكر من الشراب لا تصل الى حد التماثل او التقارب، حينئذ فان استخدام الاداة (كأن) تظل هي الاداة الفنية التي تتناسب مع هذا التشبيه... واما الصورة الاستدلالية (وكذلك تضمر الخيل: لسبق الرهان) فهي تفرض جماليتها على القاريء ما دمنا نعرف بوضوح ان تدريب الانسان على الجوع يقتاده بالتدريج الى ان يزهد بالشبع، ومن ثم يتصاعد بسلوكه الى القمة من حيث تحقيق التوازن النفسي للانسان، وهو غاية ما تتطلع البشرية اليه، أي تحقيق التوازن،.. لذلك فان الصورة الاستدلالية القائلة بان (الخيل تضمر: لسبق البرهان) تظل بديلاً فنياً لمن يجوع لتحقيق التوازن الداخلي، فكما ان الخيل يقلل من اكلها من اجل ان يتحقق سبقها في الرهان، كذلك عندما يقلل الشخص من اكله من اجل ان يتحقق سبقه الى تحقيق التوازن النفسي، فضلاً عما يقتاده ذلك الى‌ الربح الأخروي بطبيعة الحال. ******* (4) نفس المصدر: ص 278، 279. ******* 2- الادب الاجتماعي - 3 2006-07-16 00:00:00 2006-07-16 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1417 http://arabic.irib.ir/programs/item/1417 النماذج المتقدمة، تشكل (أدباً سياسياً) من حيث كونها تتعرض للسلطة والعلاقات الاجتماعية المرتبطة بها. وهناك نوع من الأدب الذي يعنى بالعلاقات الاجتماعية ايضاً، الا انها تتجاوز ما هو خاص - مثل السياسة- الى مطلق العلاقات الاجتماعية، وهذا ما توفر الامام (عليه السلام) على‌ العناية به ايضاً في ضوء الواقع الاجتماعي الذي يواجه الانسان فيما يفرض عليه اقامة علاقات خاصة وعامة من خلال المفهوم العبادي لهذه العلاقات... وقد اتيح للامام السجاد (عليه السلام) ان يتوفر على صياغة (بحث) او (مقال) اجتماعي يتناول حصيلة او مختلف العلاقات التي تربط الفرد بسواه، حيث صاغ (عليه السلام) خمسين مادة اجتماعية، تلخص علاقة الانسان بالله، والمجتمع والفرد. اي ان هذه المواد ترسم التصور الاسلامي لعلاقة الانسان بالآخرين، فيما ينبغي لفت النظر الى الأهمية الكبيرة لمثل هذه المواد التي تتجاوز البحث الخاص او الجزئي الى نظرية اجتماعية في العلاقات.... لقد رسم الامام (عليه السلام) ثلاثة مستويات من المسؤولية على الانسان: 1-مسؤوليته حيال الله تعالى. 2-مسؤوليته حيال نفسه. 3-مسؤوليته حيال الآخرين. ومن الواضح أن العلاقات الاجتماعية تنحصر في هذه الأطراف الثلاثة، اذا أخذنا بنظر الاعتبار ان العلاقة مع الله تشكل طرفاً خاصاً او طرفاً رئيساً تترتب عليه العلاقات الأخرى، وهذا ما اوضحه الامام (عليه السلام): «ان لله عليك حقوقاً محيطة بك في كل حركة تحركتها، او سكنة سكنتها، أو منزلة نزلتها، أو جارحة قلبتها. أو آلة تصرفت بها، بعضها اكبر من بعض، واكبر حقوق الله عليك ما اوجبه لنفسه تبارك وتعالى من حقه الذي هو اصل الحقوق ومنه تفرع». واما ما يتصل بعلاقة الانسان مع نفسه، فقد ابرز الامام (عليه السلام) مستويات التعامل مع جوارحه السبع: البصر، السمع، اللسان، اليد، الرجل، البطن، الفرج، اي كيفية استخدامها في العمل العبادي. واما ما يتصل بعلاقة الانسان مع الآخرين، فقد حددها (عليه السلام) بدأً من اصغر وحدة اجتماعية: العائلة، الى اكبر موسسة اجتماعية: الدولة، او الامام، مروراً بالأقرباء، الجيران، الأصدقاء، الرعية، الأقليات، الخصوم،... الخ. ثم يعلق (عليه السلام) على‌ هذه العلاقات او الحقوق التي فصل الحديث عنها، قائلاً: «فهذه خمسون حقاً محيطاً بك لا تخرج منها في حال من الاحوال، يجب عليك رعايتها والعمل في تأديتها والاستعانة بالله جل ثناؤه على ذلك، ولا حول ولا قوة الا بالله،‌ والحمد لله رب العالمين»(3). ما يعنينا من هذه الوثيقة الاجتماعية بعدها الفكري والفني، اما بعدها الفكري فيكفي انها تشكل وثيقة لم يتوفر على مثلها اي باحث اجتماعي من حيث تصنيفها لمفهوم (العلاقات) فضلاً‌ عن ان هذه العلاقات قد تم صياغتها وفقاً للمفهوم العبادي للانسان، مما يجعلها متفردة في ميدان البحث الاجتماعي. واما فنياً، فلا نتوقع من البحث الاجتماعي ان يعنى بعناصر ايقاعية او صورية - مثلاً- تنصب العناية فيها على توضيح الأفكار بنحو جلي، ومحدد... لكن مع ذلك نجد أن العنصر اللفظي من جانب، من حيث احكام العبارة، ثم توشيحها بين حين وآخر ببعض العناصر الصورية والايقاعية من جانب ثان فضلاً عن بنائها المحكم من جانب ثالث، نجد كل ذلك متوفراً في الوثيقة المشار اليها. فمثلاً يقول (عليه السلام) عن علاقة الانسان بمن ينصحه: «واما حق الناصح فان تلين له جناحك، ثم تشرئب له قلبك، وتفتح له سمعك»: حيث حشد هذه الفقرة بثلاث استعارات: فجعل للين جناحاً، وللقلب امتداداً، وللسمع باباً... وحين تحدث عن علاقة الانسان بامامه لصلاة الجماعة، قال: «...فان تعلم انه قد تقلد السفارة فيما بينك وبين الله، والوفادة الى ربك، وتكلم عنك ولم تتكلم عنه، ودعا لك ولم تدع له، وطلب فيك ولم تطلب فيه، وكفاك هم المقام بين يدي الله والمسألة له فيك ولم تكفه ذلك». فالملاحظ هنا، أن عنصر (التقابل) و(التكرار) و(التجانس) و(المزاوجة اللفظية) قد لعب دوراً كبيراً في اضفاء الجمال والامتاع على العبارات المشار اليها... ويمكنك ان تتامل بدقة عبارات من نحو: (دعا لك، لم تدع له) (طلب منك، لم تطلب منه) (كفاك، لم تكفه) حتى تتحسس جمالية مثل هذه الأدوات اللفظية: من تقابل، ونفي. وايجاب... الخ، وهكذا سائر العبارات التي تحتشد بعنصر لفظي وصوري مثل «انه يدك التي تبسطها، وظهرك الذي تلتجي اليه، وعزك الذي تعتمد عليه... الخ» حيث تتابعت صور (التمثيل) في هذه الفقرة مقابل تتابع صور (الاستعارة) في فقرات سابقة... ومن نحو: (ان الله جعلها سكناً ومشراحاً‌ وانساً وواقية) حيث حشد اربع صور متتابعة واحدة بعد الأخرى... ومثل قوله عن الأم: «وقتك بسمعها وبصرها ويدها ورجلها وشعرها وبشرها وجميع جوارحها، مستبشرة بذلك، فرحة، موبلة محتملة... الخ»، حيث حشد الفقرات باستعارة لجميع جوارح الأم: السمع، ‌البصر، اليد، الرجل... الخ، ثم وشحها بصياغة‌ فنية ذات عنصر وصفي مثل: فرحة، موبلة، محتملة... الخ، فضلاً عن توشيحها بتجانس صوتي من حيث الفواصل او من حيث تماثل الاصوات... الخ. اذن: بالرغم من ان الوثيقة الاجتماعية المشار اليها، قد تمحضت للبحث عن ظواهر عملية تتصل بتصنيف العلاقات بين الانسان وبين الاطراف الثلاثة: الله تعالى، النفس، الآخرين، الا انه (عليه السلام) وشحها بلغة فنية بالنحو الذي اوضحناه. ******* (3) نفس المصدر: ص 260، 278. ******* 1- الأدب السياسي - 2 2006-07-16 00:00:00 2006-07-16 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1416 http://arabic.irib.ir/programs/item/1416 موقفه من السلاطينمادام الانحراف بدأ يفرز خطوطه بوضوح في هذا العصر، حينئذ نتوقع من الامام (عليه السلام) ان يمارس وظيفة التوعية الاسلامية حيال السلطة الزمنية المنحرفة، ويحذر الاسلاميين من التعاون مع السلطة، مثلما يحذرهم من الانحدار في الفتن والاضطرابات التي واجهها هذا العصر... ففي احدى توصياته (عليه السلام) يقول: «كفانا» الله واياكم كيد الظالمين وبغي الحاسدين وبطش الجبارين. أيها المؤمنون: لا يفتننكم الطواغيت واتباعهم من اهل الرغبة في الدنيا، المائلون اليها، المفتونون بها، المقبلون عليها وعلى حطامها الهامد وهشيمها البائد غداً... وان الامور الواردة عليكم في كل يوم وليلة من مظلات الفتن وحوادث البدع وسنن الجور، وبوائق الزمان، وهيبة السلطان، ووسوسة الشيطان لتثبط القلوب عن نيتها وتذهلها عن موجود الهدى ومعرفة اهل الحق الا قليلاً ممن عصم الله عزوجل، فليس يعرف تصرف ايامها وتقلب حالاتها وعاقبة ضرر فتنتها الا من عصم الله،ونهج سبيل الرشد، وسلك طريق القصد، ثم استعان على ذلك بالزهد، فكرر الفكر واتعظ بالعبر وازدجر... واياكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين ومجاورة الفاسقين، احذروا فتنتهم وتباعدوا من ساحتهم...الخ»(1). لنمعن النظر في هذه الفقرات التي وردت في النص المتقدم، من نحو: (كيد الظالمين) (بطش الجبارين) (لا يفتننكم الطواغيت) (سنن الجور) (هيبة السلطان) (صحبة العاصين) (معونة الظالمين) (مجاورة الفاسقين) (احذروا فتنتهم) (تباعدوا من ساحتهم).. انها جميعاً تكشف عن ان الامام (عليه السلام) كان حريصاً كل الحرص على توعية الاسلاميين، وتحذيرهم من الانقياد وراء متاع الحياة الدنيا، وبهارج السلطة والجاه والموقع، حيث ان السلطة تخلت تماماً عن الالتزام ولو شكلياً بمبادىء الرسالة التي شغل بها الجمهور في الفترات السابقة بحيث كانت تستأثر باهتمامه كما لحظنا.... والملاحظ ان الامام (عليه السلام) كان يستثمر جميع الفرص التي تتيح له ان يمارس عملية التوعية والتحذير من التعاون مع الظالمين سواء اكان ذلك في صعيد الخطب والتصويات العامة - كما لحظنا من النص المتقدم- ام كان ذلك في صعيد التوعية والتحذير لافراد بأعيانهم،... ومن ذلك مثلاً كتابته لأحد الاشخاص يلفت نظره الى النتائج المترتبة دنيوياً واخروياً على التعاون مع الظالمين. يقول (عليه السلام) في رسالته: «فانظر اي رجل تكون غداً اذا وقفت بين يدي الله فسالك عن نعمه كيف رعيتها وعن حججه عليك كيف قضيتها، ولا تحسبن الله قابلاً منك بالتعذير، ولا راضياً منك بالتقصير، هيهات، هيهات، ليس كذلك اخذ على العلماء في كتابه اذ قال: «لتبيننه للناس ولا تكتمونه». واعلم ان ادنى ما كتمت واخف ما احتملت ان آنست وحشة الظالم، وسهلت له طريق الغي بدنوك منه واجابتك له حين دعيت، فما اخوفني ان تبوء باثمك غداً مع الخونة وان تسأل عما اخذت باعانتك على ظلم الظلمة، انك اخذت ما ليس لك ممن اعطاك ودنوت ممن لم يرد على احد حقاً ولم ترد باطلاً حين ادناك واجبت من حاد الله، او ليس بدعائه اياك - حين دعاك- جعلوك قطباً اداروا بك رحى مظالمهم وجسراً يعبرون عليك الى بلاياهم وسلماً الى ضلالتهم؟»(2). واضح، ان الامام (عليه السلام) في هذه (الرسالة) يحدد الوظيفة الاجتماعية للمفكرين، حيث ان الله تعالى كما يقول (عليه السلام): (اخذ على العلماء في كتابه اذ قال: «لتبيننه للناس ولا تكتمونه») وحينئذ فان تعاونهم مع الظالم يساهم في نشر الضلال، دون ان يردوا باطلاً، فضلاً عن انهم يومنون وحشة الظالم، وفضلاً عن انهم يظلون بمثابة جسر يعبر الظالمون عليهم لتمرر مظالمهم... الخ. المهم، ان الامام (عليه السلام) وهو يمارس هذه الوظيفة الاجتماعية في التنبيه على المناخ السياسي لهذا العصر، والتحذير من التعاون مع الظالمين، انما يكشف بذلك عن اهم خصائص هذا العصر وانعكاساته على حقل الأدب ومن ثم انعكاساته على تحديد وظيفة الامام (عليه السلام) واثر هذه الوظيفة على رجال الفكر، حيث ان توجيهاته وتوصياته (عليه السلام) لابد ان تترك اثراً على ميدان النشاط الأدبي بالنسبة لعدد كبير من رجال الفكر الملتزمين... وأما: *******فنياًيمكن ملاحظة كل من (الخطبة) و(الرسالة) اللتين وقفنا عندهما من حيث خصائص الفن ومدى احتشادهما بالعناصر الجمالية التي اعتمدها (عليه السلام) لتوصيل هدفه الفكري... فالفقرات الاخيرة - من الرسالة على سبيل المثال- قد اعتمدت عنصر (التمثيل) و(الاستعارة) بنحو يتناسب تماماً مع السياق الموضوعي الذي استخدم فيه هذا العنصر الصوري،... قال (عليه السلام): «جعلوك قطباً، اداروا بك رحى مظالمهم، وجسراً يعبرون عليك الى بلاياهم، وسلماً الى ضلالتهم»... هذه الصور الفنية الثلاث تتوكأ على عنصري... التمثيل والاستعارة وقد استخدمها الامام (عليه السلام) في صورة كلية موحدة تتألف من صور جزئية هي (قطب الرحى، والجسر، ‌والسلم)... وأهمية مثل هذا التركيب الصوري تتمثل في كونه (عليه السلام) قد انتخب ظواهر مألوفة واضحة في خبرات الناس جميعاً مثل الرحى والجسر والسلم حيث يواجه الانسان يومياً أمثلة هذه الخبرات. وهذه خصيصة واحدة.... اما الخصيصة الفنية الثانية: فقد استخدم الامام (عليه السلام) ثلاث ظواهر متجانسة من حيث كونها تتماثل في دلالاتها، «فالجسر» مثلاً هو خاص لعملية العبور، و«السلم» خاص لعملية الصعود، أي ان كليهما وسيلة لحركة الانتقال من مكان لآخر، وعندما يستخدمهما الامام (عليه السلام) في توضيح هدف خاص، انما يكون ذلك قد انتخب ظواهر خاصة قد التقطت بمهارة ودقة، وكذلك «الرحى» حيث انها تستخدم لطحن الأشياء من خلال الاعتماد على ‌القطب منها، والمهم ان هذه الظواهر الثلاث بالرغم من الفوارق بينها الا انها تستخدم لأهداف متماثلة فالقطب تدار عليه الرحى من اجل عملية طحن، والجسر من اجل عملية عبور، والسلم من اجل عملية صعود،... وحين يستخدمها الامام (عليه السلام) في قضية التعاون مع الظالم، يكون بذلك قد انتخب ادق الظواهر لهذا الغرض، بل ان استخدامه للصورة (التمثيلية) بدلاً من التشبيه مثلاً يدلنا على أنه (عليه السلام) قد انتخب عنصر (الصورة التمثيلية) لأن الجسر والسلم والقطب هي (تمثيل) للتعاون مع الظالم... واما الخصيصة الثالثة، فهي ان الامام انتخب (قطب الروحى) للمظالم، وانتخب (الجسر) للبلايا، وانتخب (السلم) للضلالة،... ولهذا الانتخاب دلالاته الفنية، فالمظالم هي شدائد تدور على الانسان، ولذلك كان من المناسب ان يختار ظاهرة ذات (دوران) ‌وهي: الرحى وجعل الشخص (قطباً) تدور عليه هذه الرحى..... واما (الضلال) فهو عملية تدن وهبوط، الا ان الامام (عليه السلام) استخدم مفهوم (الضد) وهو: الصعود، لكي يوضح بأن المتعاون مع الظالم قد اتخذ (سلماً) للصعود بالضلال الذي هو تدن وهبوط في الواقع. وهذا النمط من التركيب الصوري يجسد خصيصة فنية رابعة حيث يستخدم (التضاد) من خلال (التماثل)... وأما «الجسر» فبما انه وسيلة عبور حينئذ فان البلايا - وهي المصائب- طالما تقترن بكونها مما يمر عليها ويعبر عليها لتثبيت مواقع الظالمين، من حيث ان مواقعهم وسلطانهم يمر من خلال مصائب الآخرين، كما هو واضح... اذن: امكننا ان نتبين جملة من الخصائص الفنية المثيرة في هذا الانتخاب لعنصر (الصورة)، فيما تجانست - فنياً- مع طبيعة الافكار التي استهدف الامام (عليه السلام) توصيلها الى الناس. والأمر نفسه يمكننا ملاحظته في (الخطبة) ‌التي وقفنا عندها، حيث حشدها (عليه السلام) بعنصر صوري ملحوظ من نحو: (حطامها الهامد، ‌وهشيمها البائد)، وحشدها بعنصر ايقاعي محلوظ ايضاً من نحو: (فكرر الفكر، واتعظ بالعبر، وازدجر) حيث استخدم عنصر (التجانس الصوتي) بمستوياته المختلفة (فكرر الفكر) - وهو تجانس في اكثر من صوت - (العبر، ازدجر، الفكر)- وهو تجانس في اكثر من فاصلة... الخ. هذا فضلاً عن حشد الخطبة بعنصر لفظي قائم على التكرار، والتضاد، والتتابع، و... الخ. ******* (1) تحف العقول: ص 257، 260. (2) نفس المصدر ص 281،284. ******* ادب الامام السجاد (عليه السلام) - 1 2006-07-16 00:00:00 2006-07-16 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1415 http://arabic.irib.ir/programs/item/1415 ادب الامام السجاد (عليه السلام) يمكن الذهاب الى ان الامام السجاد (عليه السلام)، قد اتيح له من حيث زمن امامته نسبياً ان يفرز نتاجاً الى درجة ان الملاحظ لنتاجه، يمكنه ان يقرر بان ذلك من حيث الكم يأتي في المرتبة التالية بعد الامام علي (عليه السلام)، كما يجيء من حيث الكيف متميزاً بسمات خاصة، وفي مقدمة ذلك: ادب الدعاء الذي منحه السجاد (عليه السلام) خصائص فكرية وفنية تفرد بها (عليه السلام). واذا كان أدب الجنس واللهو والخمر بدأ بالتحرك في هذا العصر، كما ان ادب المدح لسلاطين الدنيا، والأدب العقائدي المنحرف بعامة، فضلاً عن الصراعات السياسية المختلفة - بما في ذلك انتقال السلطة الاموية من بيت لآخر - ثم ملاحظة الاستئثار بالسلطة الزمنية واستبدال القيم الاسلامية بقيم عنصرية وفي مقدمة ذلك: محاربة الاسلاميين، ومحاربة الموالي مما مهد لأدب عنصري وهجائي يرتد الى الذهنية الجاهلية... كل اولئك قابله الامام السجاد (عليه السلام) بالتوفر على أدب خاص، يتجه من جانب الى‌ نقد الاوضاع المنحرفة، ويتجه من جانب آخر الى بناء الشخصية الاسلامية ‌في المستويين الفردي والاجتماعي، بحيث يمكن القول بأن ادب السجاد (عليه السلام) كان تجسيداً للحركة الاسلامية مقابل الأدب الدنيوي الذي بدأ ينحرف مع انحرافات السلطة وينحدر الى ما هو عابث ومظلم ومنحرف... المهم، أن نعرض ولو سريعاً لأدب السجاد (عليه السلام) ونبدأ بالحديث أولاً عن: *******