اذاعة الجمهورية الاسلامية في ايران - برامج الاذاعة | أدب الإمام علي (ع) http://arabic.irib.ir Wed, 02 Mar 2011 10:00:03 +0000 Arabic Radio en-gb الصياغة القصصية - 11 2006-07-15 00:00:00 2006-07-15 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1399 http://arabic.irib.ir/programs/item/1399 ان الاشكال الفنية المتقدمة (خطبة، رسالة، خاطرة الخ) قد وشحها الامام (عليه السلام) بأكثر من عنصر فني (ومنه: العنصر القصصي بما يتضمنه من حوار ووصف)... ومن الواضح ان توشيح النص الادبي بعنصر القصة يهبه جمالاً وامتاعاً فنياً يسهمان في تعميق الدلالة التي يستهدف النص توصيلها الى القارىء.. وهذا يعني ان بعض الموضوعات او الافكار يتطلب توضيحها وتعميقها: عنصراً قصصياً يساهم في توصيل الدلالة بنحوها الذي اشرنا اليه... ويمكننا ملاحظة ذلك في استخدامه (عليه السلام) لعنصر: *******1- المحاورةلنقرأ أولاً هذا النص الذي قدمه (عليه السلام) بعد تلاوته قوله تعالى «ألهاكم التكاثر»: (لقد رجعت فيهم ابصار العبر، وسمعت عنهم آذان العقول وتكلموا من غير جهات النطق، فقالوا: كلحت الوجوه النواضر وخوت الاجسام النواعم، ولبسنا اهدام البلى وتكاءدنا ضيق المضجع وتوارثنا الوحشة وتهكمت عليها الربوع الصموت فانمحت محاسن اجسادنا وتنكرت معارف صورنا...). فهنا نجد ان النص قد أجرى (حواراً) على ألسنة‌ الموتى: (فقالوا: كلحت الوجوه النواضر... الخ) (23)... الا ان هذا الحوار يختلف عن الحوار الذي نألفه في القصة (العملية) و(التخيلية)، فلا هو بحوار واقعي يصدر عن الموتى (نظراً لقوله (عليه السلام) بأن الموتى تكلموا من غير جهات النطق)، .. كما انه ليس بحوار (تخيلي) لأن الموتى يملكون وعياً بالبيئة التي تكتنفهم، مما يجعل امكانية كلامهم امراً له واقعيته... كل ما في الامر، ان (الكلام) قد يكون من نوع (الحوار الداخلي) الذي يجريه البطل مع نفسه: سواء أكان منطوقاً ام كان مجرد أحاسيس او أفكار تخطر على ذهنه... والاهمية الفنية لهذا الحوار هي: كونه مرشحاً لأن يتضمن جملة‌ من الامكانات، منها: الحوار الداخلي اللفظي، الحوار الداخلي الذهني، أو الحوار المعبر عن لسان حالهم (وان لم ينطقوا او يفكروا به)... والاهم من ذلك ان هذا الحوار قد انصب في وصف بيئتهم التي يحيونها وليس في توجيه الكلام الى غيرهم من الاحياء، لان السياق هنا فرض مثل هذا الحوار الموجه الى أنفسهم، وذلك بسبب من ان الامام (عليه السلام) كان في صدد الوصف لحالاتهم حيث قال عنهم اولاً (فاصبحوا في فجوات قبورهم جماداً لا ينمون وضماراً لا يوجدون، لا يفزعهم ورود الاهوال ولا يحزنهم تنكر الاحوال.. الخ) ثم انطق الامام على السنتهم: ذلك الحوار الذي لحظناه، ... بعد ذلك، عاد الامام (عليه السلام) فوصف حالاتهم أيضاً: (وتقطعت الالسنة في أفواههم بعد ذلاقتها وهمدت القلوب في صدورهم بعد يقظتها ... الخ)... اذن: جاء الحوار الداخلي المشار اليه عرضياً في سياق حديثه (عليه السلام) عن بيئتهم، .. ولذلك كان من المناسب أن يجري الحوار على ألسنتهم بنفس الوصف البيئي لحالاتهم، ... والا فان الامام (عليه السلام) في نص آخر أجرى الحوار على ألسنتهم: متجهين بها الى مخاطبة الناس، مثل قوله (عليه السلام) بأن الموتى لو سمح بالكلام لهم، لقالوا: «خير الزاد التقوى» فهذا الكلام من الموتى موجه الى الأحياء وليس الى الموتى انفسهم، مما يعني أن السياق هو الذي فرض هذا النوع من الحوار او ذاك... وأياً كان، فان جمالية الحوار المذكور تتمثل - من جانب- في كون الحوار قد اتجه الى مخاطبة الموتى لأنفسهم (مادام النص هو في صدد وصف بيئة البرزخ)، كما تتمثل جمالية الحوار - من جانب آخر- في كونه قد سمح للموتى بأن يساهموا في الكشف عن حالاتهم، لأن الاقتصار على سرد حالاتهم في بيئة القبر من خلال كلامه (عليه السلام) فحسب يجعل القارىء واعياً بأن الامام (عليه السلام) يتحدث وفق الوعي الذي يغلف شخصيته (وهو وعي ضخم لا يمتلكه البشر العادي)، لكن عندما يسمح الامام (عليه السلام) للموتى بأن يتكلموا أيضاً، حينئذ تزداد قناعة القارىء بطبيعة البيئة التي يحيونها، لأنه - أي القارىء- سمع بنفسه كلام الموتى بالنسبة للبيئة التي وصفها الامام (عليه السلام)... الحوار المتقدم، يجسد نموذجاً من (الحوار الداخلي) الذي يجري على ألسنة الموتى في مخاطبتهم لذواتهم... وهناك نمط من الحوار الداخلي ايضاً، ولكنه يجري على ألسنة الاحياء في مخاطبتهم لذواتهم... ولنستمع الى‌ هذا النص الذي قدمه (عليه السلام)، حينما بلغه ان احد القضاة قد اشترى داراً، مذكراً اياه بمسؤولية الشراء وما يترتب عليه من الجزاءات الاخروية، قائلاً له بانه لو كان - عند شراء الدار- قد جاء الى الامام (عليه السلام)، لكتب له كتاباً على النسخة‌ التالية: (هذا ما اشترى عبد ذليل من ميت قد أزعج للرحيل، اشترى منه داراً من دار الغرور، من جانب الفانين وخطة الهالكين، وتجمع هذه الدار حدود أربعة: الحد الأول ينتهي الى دواعي الآفات، والحد الثاني ينتهي الى دواعي المصيبات، والحد الثالث ينتهي الى الهوى المردي، والحد الرابع ينتهي الى الشيطان المغوي، وفيه يشرع باب هذه الدار. اشترى هذا المغتر بالامل من هذا المزعج بالاجل هذه الدار بالخروج من عز القناعة، والدخول في ذل الطلب والضراعة... الخ) (24). الملاحظ في هذا النص (الحواري) جملة من الخصائص الفنية، منها: انتسابه الى قصص (السيرة الذاتية) التي تلجأ الى كتابة (الرسائل) بدلاً من العرض الوصفي. - جعل «الرسالة»: لساناً ‌عن حال كاتبها، أي: كونها حواراً داخلياً موجهاً الى النفس: لكن من خلال (الكتابة) وليس من خلال (النطق) أو (الفكر)... بمعنى ان هناك نمطين من الحوار الداخلي، أحدهما هو: النطق أو الفكر بالشيء، والآخر هو: الكتابة لذلك الشيء، .. ولكل منهما مسوغاته الفنية بطبيعة‌ الحال... والمسوغ الفني لكتابة الحوار الداخلي بدلاً من النطق به او التفكر به، هو: أن طبيعة‌ الفكرة او الموضوع الذي يستهدفه النص تتطلب حوار «الكتابة لا غير»، فالدار مثلاً حينما تشترى يقرن شراؤها بتسجيل الدار حتى تصبح وثيقة غير قابلة للتلاعب بذلك... وهذا ما جعل الحوار الداخلي لهذا النص يقترن بالكتابة لا بالنطق أو الفكر حيث لا تثبت ملكية الدار- كما هو شأن الاعراف الاجتماعية قديماً وحديثاً بمجرد التراضي قولياً وفكرياً... اذن: لحظنا طبيعة المسوغ الفني لمثل هذا الحوار الداخلي المقترن باسلوب التسجيل... هناك نمط ثالث من (الحوار الداخلي) يجريه الانسان مع نفسه ايضاً: أو من خلال مخاطبته طرفاً آخر: قد يكون انساناً او ظاهرة، أي: انه يتحدث مع ذاته من خلال (تخيل) طرف آخر (مثل مخاطبة الدنيا مثلاً) حيث ان المخاطبة (من خلال عنصر غير التخيل) يجعل الحوار خارجياً وليس داخلياً كما هو واضح... ويمكننا تقديم النموذج الآتي لهذا النمط من الحوار الداخلي الذي أشرنا اليه وهو مخاطبة الامام (عليه السلام ) للدنيا، ولنفسه: (اليك عني يا دنيا فحبلك على غاربك قد انسللت من مخالبك وافلت من حبائلك واجتنبت الذهاب في مداحضك، أين القرون الذين غررتهم بمداعبك: أين الامم الذين فتنتهم بزخارفك، فهاهم رهائن القبور ومضامين اللحود! والله لو كنت شخصاً مرئياً وقالباً حسياً لأقمت عليك حدود الله في عباد غررتهم بالاماني وامم القيتهم في المهاوي وملوك اسلمتهم الى التلف واوردتهم موارد البلاء، اذا لا ورد ولا صدر... وايم الله - يميناً استثني فيها بمشيئة الله - لاروضن نفسي رياضة تهش معها الى القرص اذا قدرت عليه مطعوماً وتقنع بالملح مأدوماً.. أتمتلىء السائمة من رعيها فتبرك؟ وتشبع الربيضة من عشبها فتربض؟ ويأكل علي من زاده فيهجع! قرت اذن عينه اذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة...) (25). ان هذا الحوار يحتشد بخصائص فنية متنوعة، .. وفي مقدمتها: مخاطبة الدنيا بلغة صورية تتضمن استعارات ورموزاً وفرضيات نتحدث عنها في حينها،... بيد أن المهم هو تضمنه شكلين من الحوار: الحوار الذي يتحدث من خلاله مع الدنيا التي اعارها سمة بشرية، ... والحوار الذي يتحدث من خلاله مع شخصيته التي رسمها بنفسه... لقد خاطب الامام (عليه السلام) الدنيا (في النمط الاول من الحوار) اليك عني يا دنيا، فحبلك على غاربك، قد انسللت من مخالبك... الخ... وخاطب ذاته (في النمط الآخر من الحوار)، (لأروضن نفسي رياضة تهش معها الى القرص...). ومن الواضح ان هذا (التزاوج) بين الحوارين الداخليين (مع الدنيا ومع النفس) ينطوي على دلالات وامتاعات فنية بالغة الاثارة ‌والدهشة والطرافة. فقد صور الدنيا (شخصية بشرية) تفتن وتخدع وتصطاد وتغر الخ، كما هددها باقامة الحد عليها: لو كانت شخصية حقاً، ... ان محاورته للدنيا أو مناقشتها او تهديدها يظل ذا دلالة خاصة تختلف عما لو صور الدنيا من خلال (السرد)، فالسرد هو (اخبار) عن الشيء أما الحوار فهو مواجهته مع الشيء، ... والمواجهة بطبيعتها تنطوي على امتاع ملحوظ: نظراً لتجسدها في سلوك مباشر ينطق به اللسان، بما يكتنف ذلك من مناقشة ومحاكمة وتهديد ... الخ. واما محاورته للنفس، فقد حفلت باثارة ملحوظة:‌ نظراً لأنه (عليه السلام) يجسد النموذج العبادي بسلوكه، وحينئذ عندما يخاطبها هو - وليس سواه- انما يستهدف لفت النظر لنموذج يقتدى به، ... ولكن الاهم من ذلك هو: المنحى الفني الذي سلكه في محاورة النفس، فهو (عليه السلام) حيناً يخاطب نفسه بالعزم على تدريبها (لأروضن نفسي)، .. وحيناً آخر يسخر من ذلك (ويأكل علي من زاده فيهجع؟)... وحيناً ثالثاً يشفق على النفس (قرت - اذن - عينه)... والأهم ايضاً هو ذكره لاسمه (عليه السلام) والتنقل من ضمير المحاور المتكلم «لأروضن ... » الى ضمير (الغائب) (ويأكل علي من زاده فيهجع)، حيث ينطوي هذا التنقل بين الضمائر، وهذا الذكر لاسمه (عليه السلام) على اسرار نفسية وفنية مدهشة مستقاة من جوهر اللغة اليومية التي يحياها الانسان، حيث نجد انفسنا - ونحن نخاطبها - قد ذكرنا «اسماءنا» بأعيانها، وتمثلنا بأسماء‌ غيرنا او بظواهر نشاهدها. كما ننقل ضمائر الحديث مع النفس بين المخاطب والمتكلم والغائب، حسب الحالة التي نحياها او حسب الموضوع نشغل به، بالنحو الذي لحظناه في المحاورة المشار اليها. *******2- الوصف القصصيالوصف القصصي يتمثل في رسم الشخصية او البيئة رسماً يعتمد ذكر السمات المادية والمعنوية بالنسبة للشخص، والسمات المادية بالنسبة للبيئة... وقد توفر الامام (عليه السلام) على أمثلة هذا الوصف من نماذج كثيرة تعد بالغة الاثارة والدهشة... فبالنسبة لرسم الشخصية، توفر عليها من الخارج: اي ملامحها الفيزيقية، مثلما توفر على رسمها من الداخل، أي: تحليل الشخصية من خلال العرض لادق مشاعرها ... واولئك جميعاً وقفنا على نماذج منها في حينه، فيما لا حاجة الى الوقوف عندها. لكننا نكتفي بوصفه القصصي حيوانية هي الطاووس، ليتبين القارىء جمالية الوصف ورصده لأدق الملامح الفيزيقية التي رسمها: موشحة بالعنصر الصوري: (تخال قصبه مداري من فضة وما أنبت عليها من عجيب داراته وشموسه خالص العقيان وفلذ الزبرجد فان شبهته بما انبتت الارض قلت: جنىً جني من زهرة كل ربيع. وان ضاهيته بالملابس فهو كموشي الحلل، او كمونق عصب اليمن. وان شاكلته بالحلي فهو كفصوص ذات الوان قد نطقت باللجين المكلل، يمشي مشي المرح المختال، ويتصفح ذنبه وجناحيه، فيقهقه ضاحكاً لجمال سرباله واصابيغ وشاحه، فاذا رمى ببصره الى قوائمه زقا معولاً بصوت يكاد يبين عن استغاثته ويشهد بصادق توجعه... وله في موضع العرف قنزعة خضراء موشاة، ومخرج عنقه كالابريق، ومغرزها الى ‌حيث بطنه كصبغ الوسمة اليمانية، أو كحريرة ملبسة مرآة ذات صقال وكأنه متلفع بمعجر أسحم... وقل صبغ الا وقد اخذ منه بقسط، وعلاه بكثرة صقاله وبريقه وبصيص ديباجه ورونقه، فهو كالازاهير المبثوثة لم تربها امطار ربيع ولا شموس قيظ. وقد يتحسر من ريشه ويعرى من لباسه فيسقط تترى وينبت تباعاً فينحت من قصبه انحتات اوراق الاغصان، ثم يتلاحق نامياً حتى يعود كهيئته قبل سقوطه) (26). أرأيت الى هذا الوصف القصصي المدهش للطائر المذكور، حيث عرض لتفصيلاته الفيزيقية بأدق ما يمكن عرضه، وذلك ليس من خلال الوصف المحض بل من خلال توشيحه بالعنصر الصوري المكثف بحيث تحول النص الى حشد من الصور (بخاصة التشبيهات المذهلة التي تتابعت بشكل مثير مثل (جنىً جني من زهرة كل ربيع) (كموشي الحلل) (كمونق عصب اليمن) (كفصوص ذات الوان قد نطقت باللجين المكلل) (يمشي مشي المرح المختال) (مخرج عنقه كالابريق) (كصبغ الوسمة اليمانية) (كحريرة ملبسة مرآة) (كأنه متلفع بمعجر اسحم) (كالازاهير المبثوثة لم تربها امطار ربيع) (فينحت من قصبه انحتات اوراق الاغصان)... الخ ان هذه التشبيهات المحتشدة بشكل مكثف ومتتابع: قد أضفت على الوصف الفيزيقي حيوية العنصر القصصي في عملية الوصف، بحيث تحول النص الى رسم معجز في ميدان الصياغة القصصية. *******3- العنصر الصوريتظل العناية بالعنصر الصوري لدى الامام (عليه السلام) امراً ملحوظاً في غالبية النتاج المأثور عنه، حتى ان بعض النصوص تتحول الى غابة كثيفة من الصور المتتابعة، والمتواصلة بشكل لافت للنظر، ... ولعل وقوفنا عند وصفه للطاووس (قبل سطور) يكشف عن مدى عناية الامام (عليه السلام) بهذا العنصر الجمالي في النصوص الادبية. كما ان وقوفنا عند وصفه للارض حيث حشدها بصور تشبيهية واستتعارية متتابعة مكثفة: مع انه في صدد وصف علمي للارض، يكشف ايضاً عن مدى عنايته (عليه السلام) بعنصر الصورة: والامر نفسه عندما نقف عند اي نص أدبي من نحو توصيته (عليه السلام) بالتقوى: (... فان تقوى ‌الله دواء داء قلوبكم، وبصر عمى افئدتكم، وشفاء مرض أجسادكم... وأمن فزع جأشكم، وضياء سواد ظلمتكم، فاجعلوا طاعة الله شعاراً دون دثاركم، ودخيلاً دون شعاركم، ولطيفاً بين أضلاعكم، وأميراً فوق أموركم، ومنهلاً لحين ورودكم...) (27). ان هذا النص يظل بجميع فقراته سلسلة من الصور التمثيلية والاستعارية، لم يتخللها كلام مباشر: مع انه (عليه السلام) في صدد المطالبة بتقوى الله تعالى.. مما يعني أن عنايته (عليه السلام) بالعنصر الصوري- الى درجة استغراقه لجميع النص- تكشف عن أهمية مثل هذا العنصر من جانب (من حيث تعميقه للحقائق)، وحرصه على أداء اللغة الفنية الرفيعة من جانب آخر. والحق أن استخدام الامام (عليه السلام) لعنصر الصورة يأخذ مستويات مختلفة: من حيث تركيباتها واشكالها وسياقاتها التي ترد فيها... ولعل أول ما يلحظ في ذلك هو أنه (عليه السلام) قد توفر على استخدام جميع الاشكال الصورية من: تشبيه، استعارة، تمثيل، تقريب، رمز، استدلال، فرضية، تضمين، تورية، الخ وهو امر ينبغي الا يغفل عنه مؤرخ الادب، مادام الملاحظ ان الكاتب او الشاعر قد يؤثر استخدام التشبيه او الاستعارة‌ او التمثيل بنسبة تطغى على استخدامه لصور الرمز، والاستدلال او التضمين مثلاً.. لذلك يندر ان يتوفر كاتب أو شاعر على استخدام جميع الصور بالنحو المكثف، وهذا على العكس مما نلحظ في النصوص الواردة عن الامام (عليه السلام) حيث يستخدم جميع الصور من جانب، ويكثف استخدامها من جانب آخر... طبيعياً، أن لكل صورة سياقها الخاص... فمثلاً في وصفه للطاوس قد استخدم عشرات (التشبيهات) دون غيرها من اشكال الصور، بينا استخدم في النص الذي قدمناه قبل سطور (التقوى) صوراً (تمثيلية)، واستخدم في وصفه للأرض صوراً (استعارية).. وهذا يعني أنه (عليه السلام) قد راعى الدلالة الفنية بنحو مدهش حينما يحصر الصور في (التشبيهات) فحسب بالنسبة لاحد النصوص، ويحصرها في (التمثيلات) بالنسبة‌ لنص آخر، ويحصرها في (الاستعارات) بالنسبة لنص ثالث، ثم يوازن بين هذه الاشكال في نص رابع، وهكذا... وهذا فيما يتصل باستخدامه لعنصر الصورة (في أحد أشكالها)... أما بالنسبة لاستخدامه جميع الصور، فأمر يمكننا ملاحظته بجلاء، ... واليك القائمة التالية التي اكتفينا فيها بتقديم اربعة نماذج لكل صورة، مع انتخاب تركيباتها التي تختلف من واحدة لأخرى: *******4- التشبيه- مادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف. (28) - يقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم. (29) - وهو الزم لكم من ظلكم. (30) - لتساطن سوط القدر حتى يعود أسفلكم أعلاكم، واعلاكم أسفلكم. (31) *******5- الاستعارة- فقأت عين الفتنة. (32) - قدم للوثبة يداً، وأخر للنكوص رجلاً. - زرعوا الفجور، وسقوه الغرور، وحصدوا الثبور. - لسنا نرعد حتى نوقع، ولا نسيل حتى نمطر. *******6- التمثيل- الحلم عشيرة. (33) - كان ليلهم - في دنياهم- نهاراً: تخشعاً واستغفاراً، وكان نهارهم ليلاً توحشاً وانقطاعاً. (34) *******7- الاستدلال- من وثق بماء لم يظمأ. (35) - الشجرة البرية أصلب عودا. (36) - كيف يراعي النبأة من أصمته الصيحة. (37) - من لان عوده كثفت اعضاؤه. (38) *******8- الرمز- آه من قلة الزاد، وطول الطريق، وبعد السفر. (39) - صبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا. (40) - يعض الموسر على ما في يديه. - نقي الراحة من دماء المسلمين. *******9- الفرضية- لو أحبني جبل لتهافت. (41) - لو كنت شخصاً مرئياً، وقالباً حسياً، لأقمت عليك حدود الله. (42) - لو كان حجراً، لكان صلداً. (43) - تزول الجبال، ولا تزل. (44) *******10- التضمين- ما كان الله ليدخل الجنة بشراً بأمر اخرج منها ملكاً. (45) - لستم ممن تبوأ الدار والايمان. (46) - منا خير نساء‌ العالمين، ومنكم حمالة الحطب. (47) - فحبسا نساءهما في بيوتهما، وأبرزا حبيس رسول الله (صلى الله عليه وآله). (48) *******11- التوريةكنتم جند المرأة واتباع البهيمة ... رغا فأجبتم وعقر فهربتم. (49) ان هذه النماذج الصورية، جزء من تراث ضخم هائل لم نعرض لها الا لكونها موشراً الى انه (عليه السلام) قد توفر على جميع الأشكال الصورية‌ التي تستخدم في ميدان الصياغة الادبية... أما دلالتها الفنية فقد تحدثنا عن نماذجها عند عرضنا للخطب والرسائل والخواطر وسائر الاشكال الادبية، فيما لا حاجة الى عرضها الآن. والمهم ان الامام (عليه السلام) قد توفر اولاً على جميع الصور الفنية، وتوفر ثانياً على حشد كل نص بصور خاصة كالتشبيه أو الاستعارة حسب متطلبات السياق، وتوفر ثالثاً على تداخل الصور المختلفة في نص واحد، وتوفر رابعاً على مستويات التركيب لكل صورة، وهي انه (عليه السلام) لم يكتف من الاستعارة او التشبيه مثلاً بأحد ادواتها بل بجميع مستويات تركيبها أيضاً،... فمثلاً في ميدان (التشبيه): يستخدم (عليه السلام) (من حيث الادوات) مستوياتها الثلاثة (الكاف) (كأن) (مثل)، ويستخدم (الالفاظ) التي تقوم مقامها، ويستخدم مستوياتها المختلفة، وتركيباتها المتنوعة، ولنقرأ - على سبيل المثال-: (يقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم). (50) (فهو كموشي الحلل...). (51) (وكأنه متلفع بمعجر أسحم). (52) (تخال قصبه مداري من فضة). (53) (فإن شبهته بما انبتت الارض قلت: جني جني من زهرة كل ربيع). (54) (يمشي مشي المرح المختال). (55) (دنياكم هذه لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها). (56) (مثل آل محمد كمثل نجوم السماء). (57) (اذ صار يقرن بي من لم يسمع بقدمي). (58) (ينحدر عني السبيل...). (59) فهذه النصوص التشبيهية: يظل كل واحد منها منتسباً الى نمط خاص يختلف عن الآخر، فالامثلة الاولى استخدمت فيها كل من (مثل) و(الكاف) و(كأن)، والأمثلة التي تلتها استخدمت الالفاظ التي تقوم مقام الاداة (تخال) (شبهته) (مشي)، والامثلة التي بعدها استخدمت تشبيه «التفاوت»‌ (دنياكم هذه لأهون) وتشبيه «التفضيل» (ينحدر عني السبيل)،‌وتشبيه «المثل» (كمثل نجوم السماء) وتشبيه «المقارنة» (اذ صار يقرن بي من...). وهناك ايضاً مستويات اخرى من التشبيه من حيث الاجمال والتفصيل، والتداخل والتفريع، و...و.. الخ، مما لا تسمح به حجم هذه الدراسة بالحديث عنها.. والمهم، ان هذا النموذج الذي قدمناه عن التشبيه ينسحب على الاستعارة، والتمثيل، والتضمين، والاستدلال، والرمز، والفرضية... الخ... واولئك جميعاً تكشف عن ان استخدامه (عليه السلام) لعنصر (الصورة الفنية) - وهي من ابرز عناصر النص الادبي الذي يميزه عن النص العادي- قد تم بنحو لافت للنظر: على جميع المستويات التي يمكن استخدامها في لغة الفن، بالنحو الذي لحظناه، مما يفسر لنا جانباً واحداً من اسباب تميزه ببلاغة التعبير التي انفرد بها طوال عصور التأريخ. وما يقال عن استخدامه للعنصر الصوري، ينسحب ايضاً على: *******12- العنصر الايقاعيينشطر التعبير الفني عند الامام (عليه السلام) الى نمطين من حيث تعامله مع العنصر الايقاعي، فهناك نصوص تستخدم لغة العصر من حيث قيام النثر مقابل الشعر أي قيام النثر على (الفواصل المقفاة) مقابل (الابيات المقفاة) في الشعر، ... وقيامه على (التوازن بين الجمل) مقابل (تفعيلات الشعر)، وهذا مثل قوله (عليه السلام): «ان الموت هادم لذاتكم، ومكدر شهواتكم، ومباعد طياتكم.. فيوشك أن تغشاكم: دواجي ظلله، واحتدام علله، وحنادس غمراته، وغواشي سكراته، وأليم ازهاقه، ودجو اطباقه، وجشوبة مذاقه... فعليكم بالجد والاجتهاد أو التأهب والاستعداد، ‌والتزود في منزل الزاد.. الخ». (60) فهذا النص - ومثله كثير من النصوص- يعتمد (الفواصل المقفاة) و(التوازن بين العبارات) كما هو واضح... وهناك نصوص تستخدم (لغة العصور جميعاً) ونعني بها (النثر المترسل)... وهذا من نحو قوله (عليه السلام): «واعلم أن مالك الموت هو مالك الحياة، وان الخالق هو المميت، وأن المفتي هو المعيد وأن المبتلي هو المعافي، وان الدنيا لم تكن لتستقر الا على ما جعلها الله عليه من النعماء والابتلاء والجزاء في المعاد أو ما شاء مما لا تعلم، فإن اشكل عليك شيء من ذلك فاحمله على جهالتك، فانك أول ما خلقت به جاهلاً ثم علمت، وما اكثر ما تجهل من الأمر ويتحير فيه رأيك ويضل فيه بصرك تبصره بعد ذلك ... الخ».(61) فهنا نجد أن كلامه (عليه السلام) (مترسل) كل الترسل لا توازن بين العبارات ولا تقفية للفواصل... لكن مع ذلك تجيء عناصر ايقاعية‌ عابرة مثل (الا ما جعلها الله عليه من النعماء، والابتلاً، والجزاء...) فهنا تتوالى ثلاث عبارات (مقفاة) واحدة بعد الأخرى على نحو لا ينتسب الى قافية النثر الذي لحظناها في نص اسبق... لكن، بما ان العنصر الايقاعي هو الذي يضفي على النص ويميزه عن النثر العادي حينئذ فان اشكالاً ايقاعية اخرى (مثل: التجانس بين الاصوات) تفرض ضرورتها في هذا الميدان: كما لحظنا في الفقرة المشار اليها... والحق أن (التجانس الصوتي) يلعب دوراً كبيراً في النثر المرسل عند الامام (عليه السلام) بحيث يمكن رصده في جميع المستويات الايقاعية التي يذكرها البلاغيون،... لكن: بما اننا لا نعتد بالمعايير البلاغية الموروثة الا ما هو صائب منها، حينئذ لا نجد قيمة نقدية لدراسة النص في ضوء معاييرهم، بل في ضوء معاييرنا التي نستلها من نصوص التشريع من جانب والنصوص المطلقة التي تتعامل العصور المختلفة قديماً وحديثاً من خلالها من جانب آخر... والمهم، أن الامام (عليه السلام) عندما يستخدم التجانس الصوتي: انما يستخدمه حسب متطلبات السياق، فنجده يتجه في عبارات خاصة تتخلل كلامه، ‌وليس في مطلق النص بل في جزء منه فحسب الى عبارات ايقاعية تختلف عما نلحظه عند العاديين من الكتاب ممن يعنى بالزخرف اللفظي، بل ان كلامه (عليه السلام) يجيء، طبيعياً يتناسب مع شخصيته التي ميزه الله تعالى بها... انك تواجه خلال النصوص عبارات من نحو: (عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية). (62) (يعطف الهوى على الهدى، اذا عطفوا الهدى على الهوى). (63) (هم أكثر وأمكر وأنكر، ونحن أفصح وأنصح وأصبح). (64) إن أمثلة هذه العبارات تختلف تماماً عما نلحظه في عصور الصناعة اللفظية، ... انها تجيء محكمة، مشرقة، جميلة، طريفة، طبيعية أيضاً، .. بل يمكن القول ان الكتاب المشهورين في العصور اللاحقة ممن عنوا بالصياغة الايقاعية ‌المصطنعة قد تأثروا باسلوب الامام (عليه السلام) حيث مارسه (عليه السلام) بنحوه الطبيعي وحوله الآخرون الى نحوه الاصطناعي، كما سنلحظ ذلك عند أمثال الجاحظ أو الاجيال الاخرى لدى كتاب من أمثال ابن العميد او الهمداني وسواهم... وأياً كان، فإن (التجانس الصوتي) الذي توفر الامام (عليه السلام) عليه بنحوه الطبيعي الذي يعد ضرورة فنية، يظل متنوعاً كما لحظنا في النماذج المتقدمة، وهو أمر لا يقف عند العبارة المركبة التي تتجانس اصواتها من خلال تماثل الحروف في جمل متعددة، ‌بل يتجاوزه الى العبارة الواحدة ايضاً بحيث ينتخبها ايقاعياً بشكل تتناسب مع سياق الجملة التي ترد فيها هذه العبارة أو تلك، ... وهذا من نحو قوله (عليه السلام) مثلاً: (وإنك لذهاب في التيه، رواغ عن القصد). (65) (مندحق البطن، رحب البلعوم). (66) (لوصلت اليك مني قوارع، تقرع العظم، وتهلس اللحم). (67) ان صيغ المبالغة (الذهاب) (رواغ)، والصيغ الوصفية (مندحق البطن)، الخ... يتحسسها المتذوق الفني بشكل مثير ومصعق ومدهش، .. انها نمط من (الايقاع الخارجي) و(الايقاع الداخلي) حيث يتجانس الصوت مع الدلالة فاندحاق البطن يتناسب مع مبطان لا يعنى الا ببطنه، و(الرواغ) يتناسب مع مخاتل مخادع لا يمارس غير عمل الشيطان،... مضافاً الى ان العبارة ذاتها (من حيث تجانس حروفها) تتميز بجمال مدهش صاخب حيناً، وهاديء حيناً وساخراً حيناً ثالثاً، بالنحو الذي لحظناه في النماذج المتقدمة. ******* (23) نفس المصدر: ص 418،420. (24) نفس المصدر: ص 444. (25) نفس المصدر: ص 508،509. (26) نفس المصدر: ص 294،297. (27) نفس المصدر: ص 387، 388. (28) نفس المصدر: ص 160. (29) نفس المصدر: ص 190. (30) نفس المصدر: ص 466. (31) نفس المصدر: ص 56. (32) نفس المصدر: ص 183. (33) نفس المصدر: ص 651. (34) نفس المصدر: ص 352. (35) نفس المصدر: ص 47. (36) نفس المصدر: ص 507. (37) نفس المصدر: ص 46. (38) نفس المصدر: ص 605. (39) نفس المصدر: ص 578. (40) نفس المصدر: ص 40. (41) نفس المصدر: ص 585. (42) نفس المصدر: ص 508. (43) نفس المصدر: ص 656. (44) نفس المصدر: ص 52. (45) نفس المصدر: ص 358. (46) نفس المصدر: ص 438. (47) نفس المصدر: ص 469. (48) نفس المصدر: ص 307. (49) نفس المصدر: ص 53. (50) نفس المصدر: ص 190. (51) نفس المصدر: ص 295. (52) نفس المصدر: ص 296. (53) نفس المصدر: ص 295. (54) نفس المصدر: ص 210. (55) نفس المصدر: ص 295. (56) نفس المصدر: ص 427. (57) نفس المصدر: ص 194. (58) نفس المصدر: ص 448. (59) نفس المصدر: ص 39. (60) نفس المصدر: ص 421. (61) نفس المصدر: ص 478. (62) نفس المصدر: ص 439. (63) نفس المصدر: ص 249. (64) نفس المصدر: ص 587. (65) نفس المصدر: ص 468. (66) نفس المصدر: ص 113. (67) نفس المصدر: ص 561. ******* الزيارة والرثاء - 10 2006-07-15 00:00:00 2006-07-15 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1398 http://arabic.irib.ir/programs/item/1398 الزيارة ‌شكل فني يماثل الاشكال الفنية الاخرى من حيث ادوات الصياغة: لفظياً وايقاعياً وصورياً وبنائياً. لكنها تتميز عنها بكونها تتضمن (بعداً وجدانياً) يتجه الى النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام) بصفتهم شفعاء ووسائل الى الله تعالى من جانب، وبصفتهم شخصيات منتقاة قد مارست الوظيفة العبادية ‌بالنحو المطلوب من جانب آخر، مضافاً الى ان تقويم شخصياتهم من قبل الداعي يعد نمطاً من (الوفاء) الانساني، فالميت العادي طالما يتجه اليه ذووه وجيرانه واصدقاؤه وحتى من لم يرتبط معه بعلاقة اجتماعية مباشرة: يتجهون الى تجديد ذكراه وقراءة الفاتحة عليه الخ، وحينئذ فان التوجه الى النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) يظل حاملاً مشروعيته بطريق أولى... والمهم، أن الامام علياً (عليه السلام) قد توفر على صياغة بعض الزيارات التي تخص النبي (صلى الله عليه وآله) والزهراء (عليها السلام)، كما ان الائمة (عليهم السلام) توفروا على صياغة الزيارات بعضهم للآخر، وحتى لذاته: يهدف جعلها نموذجاً للآخرين في ممارستهم لعمل الزيارة... وسوف نرى ان «الزيارة» تقترن صياغتها الوجدانية عادة بالثناء على الله، ثم السلام على النبي (صلى الله عليه وآله) ثم الامام المزور: مع عرض لمواقفه العبادية، الدعاء للزائر ذاته... لكن ينبغي ان نشير الى أن هناك عدة‌ اشكال مأثورة عن الامام (عليه السلام) في ذكره للنبي (صلى الله عليه وآله) أو الزهراء (عليها السلام) احدها يتصل بمجرد المدح، والآخر يتصل بالرثاء، والثالث يتصل بالزيارات ... مع ملاحظة ان هذه المستويات تتماثل في صيغها الفنية والمضمونية، واليك نماذج منها: 1- (اجعل شرائف صلواتك ونوامي بركاتك على محمد عبدك ورسولك، الخاتم لما سبق... اللهم افسح له مفسحاً في ظلك واجزه مضاعفات الخير من فضلك، اللهم وأعل على بناء البانين بناءه واكرم لديك منزلته... اللهم اجمع بيننا وبينه في برد العيش وقرار النعمة ومنى الشهوات، وأهواء اللذات ورخاء الدعة ومنتهى الطمأنينة وتحف الكرامة...) (20) 2- (بأبي أنت وأمي طبت حياً وميتاً، انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والأنباء، وأخبار السماء .. الخ) (21) 3- (السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك النازلة في جوارك، والسريعة اللحاق بك، قل يا رسول الله عن صفيتك صبري، ورق عنها تجلدي... الخ) (22) فالملاحظ في هذه النماذج: تضمنها للزيارة والرثاء والمدح، لكنها جميعاً تخضع لصيغ فنية وفكرية متماثلة. فمن حيث (الفكر) هناك: عنصر (ذاتي) (بأبي أنت وأمي) (قل يا رسول الله عن صفيتك صبري) ،‌ وهناك عنصر (موضوعي) (انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة...) (اللهم: أعل على بناء البانين بناءه واكرم لديك منزلته) ، مع ملاحظة ان (الذات والموضوع) هنا لا ينفصل احدهما عن الآخر، فذاته (عليه السلام) ذائبة في (الله تعالى) لأن محمداً (صلى الله عليه وآله) والزهراء (عليها السلام) تجسيد للنموذج العبادي وليس للنموذج (النسبي) والا لتعرض الى سواهما ايضاً ممن يرتبط به (عليه السلام) نسباً: كما هو واضح. ومن حيث الفن: فان النصوص المشار اليها تجمع بين الترسل وبين العبارة الايقاعية والمصورة: لكن دون ان تحشد بما هو مكثف من الصور والايقاع،... وذلك بسبب من كونها (خواطر) تتحدث الى الله تعالى أو الى الرسول (صلى الله عليه وآله) والى الزهراء (عليها السلام)، وليس الى الناس ممن يخاطبهم بعواطفهم التي تتطلب صياغة تصويرية وايقاعية، بل يتحدث الى من خلقه، ثم الى من عرفه تماماً، فيما لا حاجة الى أية لغة غير مباشرة يراعى ما يتطلبه الناس بنحو عام. ******* (20) نهج البلاغة: ص 126،128. (21) نفس المصدر: ص 425،426. (22) نفس المصدر: ص 395. ******* الدعاء والزيارة - 9 2006-07-15 00:00:00 2006-07-15 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1397 http://arabic.irib.ir/programs/item/1397 يظل (الدعاء) واحداً من الاشكال الفنية التي توفر الامام (عليه السلام) على صياغتها: فمن حيث (المظهر الخارجي) له،‌ يقوم الدعاء على عنصر (المحاورة الانفرادية) وهي: التوجه بكلام مسموع الى الله تعالى، ومن حيث المظهر الداخلي له، يقوم الدعاء‌ على عنصر (وجداني) يجسده الكلام المذكور. ومن حيث أدوات الفن يقوم الدعاء على نفس أدوات الصياغة اللفظية والايقاعية ‌والصورية والبنائية التي تستثمر في سائر الاشكال الادبية. ومن حيث (المضمون) تنطوي هذه المحاورة‌ على جملة افكار بعضها فردي يتصل بحاجات الداعي الشخصية، وبعضها (موضوعي) يتصل بظواهر عبادية واجتماعية... في صعيد ما هو (عبادي) ينحصر الدعاء في ذكر صفات الله تعالى ومعطياته، وفي صعيد ما هو اجتماعي ينحصر في الطلب الى الله تعالى بتحقيق حاجات اجتماعية مثل: طلب النصر على العدو، ومثل استسقاء المطر ونحو ذلك، وفي صعيد ما هو فردي يظل الطلب مرتبطاً بمختلف الحاجات دنيوياً واخروياً، مما سوف نعرض لمستوياته في الحقول اللاحقة من هذا الكتاب.. اما الآن فيعنينا ان نعرض سريعاً لفن الدعاء عند الامام (عليه السلام) من حيث كونه ينطوي على عناصر فنية هي: عنصر المحاورة، ثم أدوات الصياغة: لفظياً وصوتياً وصورياً وبنائياً، فضلاً من البطانة الداخلية له وهي: العنصر الوجداني، وفضلاً عن مضموناته العبادية والاجتماعية والفردية. وأول ما ينبغي لفت النظر اليه هو ان صياغة الدعاء تختلف عن كثير من الاشكال الفنية بكونها ذات مهمة مزدوجة تتمثل في ان الدعاء يختص حيناً بشخصية قائله فيعبر عن شخصيته بما هي ذات تركيب عبادي تختص به، وحيناً آخر في كونه قد كتب ليدعى به على لسان الآخرين، وحيناً ثالثاً يكتب مطلقاً فيدعو به كل من صاحب الدعاء والآخرين... ويترتب على هذه الفوارق ان بعض الادعية التي تطالب بغفران الذنب الذي يستتلي انزال النقمة او البلاء او حبس المطر، ونحوها، لا يمكن ان تعبر عن تركيبة النبي (صلى الله عليه وآله) أو الامام (عليه السلام) نظراً للعصمة التي تطبع صاحب الدعاء، ولذلك تكتب مثل هذه الادعية على لسان العاديين من البشر. طبيعياً ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه كان يستغفر الله تعالى ولكن من دون ذنب، وهذا امر يختص به المعصوم بصفة ان الله لا يمكن ان يعبد حق عبادته، ولذلك فان (التقصير عبادياً) يظل ملازماً للمخلوقات انى كان مستوى عصمتها، مما يترتب على ذلك الاستغفار من التقصير العبادي، وهو امر يختلف عن التقصير (المتعمد) الذي يصدر عن مطلق البشر العادي... واليك بعض النماذج من الدعاء المأثور عن الامام (عليه السلام) ومنها: ما يرتبط بالبعد الفردي: 1- (اللهم صن وجهي باليسار، ولا تبذل جاهي بالاقتار، فاسترزق طالبي رزقك، واستعطف شرار خلقك، وابتلي بحمد من اعطاني، وافتتن بذم من منعني)، (15) فالملاحظ هنا ان هذه الفقرات تتضمن عنصراً صوتياً وصورياً مثل (صون الوجه - استعارة) ومثل (اليسار - الاقتار، رزقك، خلقك - سجع)... ومنها: ما يرتبط بالبعد الاجتماعي، مثل دعائه (عليه السلام) في المواقف العسكرية: 2- (اللهم اليك افضت القلوب ومدت الاعناق وشخصت الابصار، ونقلت الاقدام، وانضيت الابدان، اللهم قد صرح مكنون الشنآن، وجاشت مراجل الاضغان، اللهم انا نشكو اليك غيبة نبينا وكثرة عدونا وتشتت اهوائنا، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وانت خير الفاتحين) (16) ان هذا الدعاء يرتبط بالبعد الاجتماعي - وليس بالبعد الفردي الذي يخص شخصية الداعي فحسب- كما انه قد صيغ (من حيث المبنى الهندسي للدعاء) وفق متطلبات السياق، فافضاء القلب ومد العنق وشخص البصر ونقل القدم ونضو البدن، والشنآن والاضغان: تظل مرتبطة بالموقف العسكري الذي يستتلي نقل الاقدام ونضو الابدان.. الخ، كما انه من حيث ادوات الصياغة قد وشح بعنصر الصورة (جاشت مراجل الاضغان - استعارة) وعنصر الايقاع (الابدان، الشنآن، الأضغان). ومثله: دعاؤه في الاستسقاء: (اللهم قد انصاحت جبالنا، واغبرت أرضنا، وهامت دوابنا، وتحيرت في مرابضها، وعجت عجيج الثكالى على اولادها، وملت التردد في مراتعها والحنين الى مواردها: اللهم فارحم أنين الآنة وحنين الحانة.. الخ) (17) فهنا نواجه دعاء اجتماعياً يتصل ليس بالحاجات البشرية فحسب بل يتجاوزه الى العنصر غير البشري ايضاً، ... والمهم أن ادوات الصياغة صورياً وايقاعياً قد توفرت بنحو ملحوظ في هذا النموذج (عجيج الثكالى - تشبيه) (أنين الآنة، حنين الحانة - ايقاع)... ومنها: ما يرتبط بالبعد الموضوعي (أي الدعاء الذي يختص بتمجيد الله). من نماذجه دعاء الصباح المعروف وغيره... بيد أن ما ينبغي لفت النظر اليه أن الادعية الموضوعية تتضمن بالضرورة بعداً فردياً، كما أن الدعاء الفردي يتضمن بالضرورة بعداً موضوعياً: بخاصة ان الاهداف الفردية تكتسب في الدعاء مشروعية يندب اليها عبادياً لان التوجه الى الله تعالى دون الآخرين يحمل (موضوعية) أيضاً بخاصة اذا كان مقترناً بتحقيق الاهداف العبادية، فمثلاً لو وقفنا عند هذه الفقرات من الدعاء الذي صاغه (عليه السلام) وعلمه (كميل بن زياد): (فهبني يا الهي وسيدي ومولاي وربي، صبرت على عذابك فكيف اصبر على فراقك، وهبني يا الهي صبرت على حر نارك فكيف اصبر عن النظر الى كرامتك... الخ) (18) فبالرغم من أن الدعاء ينطلق من بعد فردي هو: التعوذ من النار، فان التعوذ نفسه هدف عبادي: مادامت الوظيفة الخلافية في الارض تستهدف البشر بصفتهم (افراداً)، ولكن الاهم من ذلك كله أن هذا الهدف الفردي (التعوذ من النار) قد قرنه الدعاء باهم بعد عبادي هو: طلب رضا الله تعالى (فكيف اصبر على فراقك...). ومهما يكن، فان النماذج المتقدمة من ادعية الامام (عليه السلام) تفصح عن كون الدعاء شكلاً فنياً يتميز عن الاشكال الاخرى بمظهره الخارجي القائم على المحاورة، ومظهره الوجداني، يماثل الاشكال الاخرى من حيث ادواته اللفظية والصورية والصوتية التي المحنا عابراً اليها، كما انه يخضع لنفس العنصر البنائي الذي يسم الاشكال الفنية الاخرى. ويمكننا ملاحظة هذا الجانب في النموذج الآتي وهو الدعاء الذي يتلى في شعبان: (اللهم صل على محمد وآل محمد: واسمع دعائي اذا دعوتك، واسمع ندائي اذا ناديتك، واقبل علي اذا ناجيتك: فقد هربت اليك ووقفت بين يديك، مستكيناً لك متضرعاً اليك: راجياً لما لديك ثوابي، وتعلم ما في نفسي وتخبر حاجتي وتعرف ضميري، ولا يخفى عليك امر منقلبي ومثواي، وما اريد ان أبدىء به من منطقي واتفوه به من طلبتي، وأرجوه لعاقبتي، الهي كأني بنفسي واقفة بين يديك وقد اظلها حسن توكلي عليك، فقلت ما انت اهله، وتغمدتني بعفوك، الهي ان عفوت فمن اولى منك بذلك، وان كان قد دنا منك اجلي ولم يدنني منك عملي، فقد جعلت الاقرار بالذنب اليك وسيلتي، الهي قد جرت على نفسي في النظر لها، فلها الويل ان لم تغفر لها. الهي لم يزل برك علي ايام حياتي، فلا تقطع برك عني في مماتي...الخ) (19) ويمضي هذا الدعاء على النحو الذي لحظناه، حائماً على فكرة (الثواب والمصير الاخروي) حيث استهل بفقرات ختمت بقوله (عليه السلام): (راجياً لما لديك ثوابي).. هذه الفقرة هي التي تحوم عليها جميع اقسام الدعاء بحيث تصب كل أشكال الدعاء على الطلب المذكور، حتى أنه (عليه السلام) وصل بين بداية الدعاء وخاتمته بفقرة تشكل الخيط العضوي الذي يربط بين جزئيات النص وهي فقرة (الهي ما اظنك تردني في حاجة قد أفنيت عمري في طلبها منك)... والحاجة هي: الثواب الاخروي الذي تحوم عليه جميع فقرات الدعاء، ... ولكن النص لم يذكر في الفقرة‌ المشار لها «لا اظنك تردني في حاجة قد أفنيت عمري في طلبها منك» تحديداً لهذه الحاجة بل تركها للقارىء ليستوحي بنفسه: أن المقصود منها هو: طلب الثواب الاخوري، وهو امر ينطوي على اسرار فنية (من حيث عمارة النص الادبي) وصلته بعنصر الاستيحاء النفي .. فمادامت كل فقرات الدعاء تحوم على طلب الثواب الاخروي، حينئذ فان المطالبة «بحاجة قد أفنى الداعي عمره من اجلها» سوف يكتشفها القارىء سريعاً من حيث كونها تصب في نفس الطلب الذي تكرر في جميع فقرات الدعاء ... وهذا واحد من اسرار الجمال الفني في هذا النص. ومما يضفي مزيداً من عنصر الجمال الفني على النص هو: توشيحه ببعد (عرفاني) يتناسب مع طلب الثواب الاخروي، حيث جاء في النص: (الهي: هب لي كمال الانقطاع اليك، وانر ابصار قلوبنا بضياء نظرها اليك، حتى تخرق ابصار القلوب حجب النور فتصل الى معدن العظمة)... ان الوصول الى‌ معدن العظمة‌ لا يتأتى الا لمن محض كل تحركاته لله تعالى، وافنى جوارحه تعاطفاً ومعايشة ووجداً مع الله تعالى، وهو امر يتجانس مع خطورة الثواب الاخروي الذي حام عليه النص بأكمله... اما فنياً: فان الفقرة (العرفانية) الاخيرة قد احتشدت بعناصر (استعارية) مدهشة (خرق ابصار القلوب بحجب النور) (انارة ابصار القلوب بضياء النظر الى الله تعالى).. الخ... فيما تتجانس هذه الصورة مع طبيعة الطلب العرفاني، كما هو واضح. ******* (15) نفس المصدر: ص 427. (16) نفس المصدر: ص 454. (17) نفس المصدر: ص 222. (18) المصباح: ص 774. (19) الاقبال: دار الكتب الاسلامية، طهران، ط حجرية، ص 685،686. ******* الرسائل - 8 2006-07-15 00:00:00 2006-07-15 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1396 http://arabic.irib.ir/programs/item/1396 الرسالة هي كتاب رسمي يوجه الى (شخص محدد): وال، عامل، قاض، قائد، الخ أو الى (جماعة أو مجتمع)، يطلب اليهم العمل بموجب وظائفهم الرسمية أو الأهلية: حسب مراكزهم وادوارهم الاجتماعية، فضلاً عن مطالبتهم بالسلوك العبادي العام... والرسائل تحتل موقعاً ضخماً من النصوص المأثورة عن الامام (عليه السلام) حتى لتكاد تضارع حجم الخطب مثلاً، مادامت طبيعة المسؤولية الرسمية التي تسلمها أواخر حياته تفرض مثل هذه الكتب الادارية التي توجه الى كبار موظفي الدولة او الى المواطنين، أو الى خارج الموسسة الاسلامية من الاعداء وسواهم... والرسالة تستهل عادة بصياغات خاصة: من نحو (بسم الله الرحمن... من عبد الله... الى .. أما بعد...) ثم يسرد الموضوع الذي صيغ الكتاب او الرسالة من اجله... كما انها –اي الرسالة- تكتب في الغالب بلغة مترسلة تختلف عن لغة الخطابة‌ لانها في صدد تحديد وظائف تتطلب لغة واضحة خالية من التركيب الصوري... لكن مع ذلك، نجد أن الرسائل التي يكتبها (عليه السلام)، موشحة بلغة فنية لافتة الانتباه، كل ما في الأمر انه (عليه السلام) يعوض عن عناصر الايقاع والصورة بعناصر (أسلوبية) أو (لفظية) تحقق نفس الاثارة المطلوبة في الفن: مع توشيحها أيضاً بقدر ملائم من الصورة والايقاع، ... مع ملاحظة أن هيكل الرسالة يظل - كما هو طابع جميع الاشكال الادبية- خاضعاً لاحكام هندسي تراعى من خلاله: صياغة الموضوعات أو العواطف من خلال عمليات التدرج، والنمو، والسببية، والتجانس، ونحوها من متطلبات البناء الفني للنص، سواء أكانت الرسالة ذات حجم صغير لا يتجاوز الاسطر او ذات حجم يبلغ صفحات متعددة (مثل رسالته (عليه السلام) الى الاشتر)... ولنقف عند هذه الرسالة التي تعد وثيقة اجتماعية ذات أهمية بالغة الخطورة في تنظيم شؤون الدولة في مختلف موسساتها السياسية والاقتصادية والتربوية الخ، حيث توفر على دراسة هذه الوثيقة عدد كبير من الباحثين الذين يعنون بشؤون المجتمع الانساني، وعدوها افضل صياغة عرفها الانسان في تأريخ المجتمعات قديماً وحديثاً... وما يعنينا منها هو: الطابع الفني في صياغتها من حيث عناصرها وبناؤها. لقد بدأت الرسالة بالمطالبة‌ باتباع أوامر الله تعالى وبمخالفة هوى النفس، ثم طالبته بأن يعمل بمثل ما يأمله هو من الوالي لو كان غيره، وقالت: (فليكن أحب الذخائر اليك ذخيرة العمل الصالح، فاملك هواك، وشح بنفسك عما لا يحل لك) (13) وهكذا ربطت بين المقدمة التي طالبت باتباع أوامر الله ومخالفة النفس وبين قولها (فليكن احب الذخائر...) (فاملك هواك و..) المتضمنين لاتباع الاوامر ومخالفة النفس ... ثم تابعت القول: (واشعر قلبك بالرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم اكلهم...) وهكذا ايضاً ربطت بين ما طالبته بأن يعمل بمثل ما يأمله من الولاة، وبين مطالبتها الآن بأن يلطف بهم ولا يكون عليهم سبعاً ضارياً يغتنم أكلهم ... ونتابع الصفحات الطوال لهذه الرسالة فنجدها على هذا النسق من الطرح المرسوم بدقة وبسببية تنتظم هيكلها العام... لكن: لنقف ايضاً عند لغتها... لغة الرسالة تمضي مترسلة: نظراً لمتطلبات الموقف، فهي ليست على نسق الخطب التي وقفنا عندها بحيث لم تكد تخلو جملة واحدة من عناصر الصوت والصورة، بل - على العكس من ذلك- نجد أن فقرات الرسالة تمضي مترسلة كل الترسل من نحو (واعلم ان الرعية طبقات لا يصلح بعضها الا ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض: فمنها جنود الله، ومنها كتاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل، ومنها عمال الانصاف والرفق، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة‌ الناس، ومنها التجار وأهل الصناعات، ومنها الطبقة‌ السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة...)، لكن: خلال ذلك تستوقفنا محطات صورية وصوتية في الرحلة الطويلة التي تقطعها هذه الرسالة مثل (ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم) فهو عندما يطالب الوالي بأن يلطف بالرعية يتوسل بهذه الصورة «التمثيلية»: صورة السبع الذي ينتظر أكل الناس، وكان لابد من صياغة مثل هذه الصورة المعبرة عن ادق سمات التسلط على الناس حيث يغتنم المتسلط دافع السيطرة والتفوق فيأكلهم معنوياً (من خلال موقعه) ومادياً (من خلال جبايته لاموالهم) وهذا ما يصنعه غالبية الولاة فيما حذره (عليه السلام) من ذلك... وعندما تتحدث الرسالة عن الجنود: تتوسل بعنصر الصورة التمثيلية ايضاً فتقول: (فالجنود - باذن الله - حصون الرعية وزين الولاة وعز الدين وسبل الامن...) لنلاحظ ان هذه الصورة تتسم بالالفة والوضوح أيضاً حتى انها لتتجانس مع لغة الرسالة المتسمة بالوضوح والالفة حيث استدعى الموقف: ركوناً الى مثل هذه الصور المألوفة مادام الامر يتصل بالحديث عن الجنود الذين يشكلون القوة التي تحمي الدولة من العدوان، حيث ان مفهوم (الحماية) لا يتبلور بوضوح الا من خلال الركون الى صور تركيبية مثل (الصحن) (السبيل)... الخ. فلكي يوضح للاخرين مفهوم (الحماية) حينئذ فأن (الحصن) يجسد هذا المهفوم اكثر مما توضحه اللغة التقريرية المباشرة... اذاً: يجيء العنصر الصوري في صياغات خاصة تتطلب مثل هذا العنصر ببساطته المتناسبة مع الوضوح اللغوي للرسالة كما لحظنا... وحين نتابع رسائله الأخرى، نجد أن طابع الترسل هو الذي يسمها في الغالب للأسباب التي ألمحنا اليها.. لكن، نجد أن العناية بالاسلوب الصوري والايقاعي قد برز في مواقف خاصة بحيث تصبح الرسالة مثل الخطبة أو سائر الاشكال الادبية التي يتضخم فيها العنصر المذكور، فالرسالة‌ التي وقفنا عندها لا تعد رسالة الى شخص مسوول فحسب بل انها (وثيقة)- كما قلنا- نموذجية او قوانين عامة يتم الاسترشاد بها كل حين، وهذه على العكس من الرسائل الخاصة‌ التي تطالب بتنفيذ عمل رسمي موقت أو طارىء تخص المرسل اليه فحسب، فمثلاً نجد رسالته (عليه السلام) الى أبي موسى عامله على الكوفة حيث كان يثبط الناس عن حرب الجمل، قد كتبها (عليه السلام) بهذه اللغة المحتشدة بعنصر (الصور) الملفتة للانتباه: (أما بعد: فقد بلغني عنك قول هو لك وعليك، فاذا قدم رسولي عليك: فارفع ذيلك، واشدد مئزرك، واخرج من جحرك، واندب من معك، فان حققت فانفذ، وان تفشلت فابعد، وايم الله لتؤتين من حيث انت، ولا تترك حتى يخلط زبدك بخاثرك وذائبك بجامدك، وحتى تعجل عن قعدتك وتحذر من امامك كحذرك من خلفك، وما هي بالهوينا التي ترجو ولكنها الداهية الكبرى يركب جملها، ويذلل صعبها ويسهل جبلها، فاعقل عقلك واملك امرك.. الخ) (14) فبالرغم من قصر هذا النص: نجده قد احتشد بصور متتابعة هادرة مثل (فارفع ذيلك) (أشدد مئزرك) (يخلط زبدك بخاثرك) (وذائبك بجامدك) (يركب جملها) (فاعقل عقلك) الخ... ان حشد مثل هذه الصور في رسالة لا تتجاوز اسطراً معدودة: يكشف عن ان السياق قد تطلب مثل هذه الرسالة‌ الهادرة بالغضب من اجل الله تعالى... والمهم انها رسالة الى رجل له موقف (خاص) من معركة (خاصة) فيخاطب بلغة (خاصة) يفهمها الرجل لكونها تتعلق بسلوكه الذي يخبره الرجل تماماً... وتمضي غالب رسائله الخاصة على هذا النحو من الصياغة الصورية والايقاعية. ******* (13) نهج البلاغة: ص 517، 540. (14) نفس المصدر: ص 549، 550. ******* الوصايا - 7 2006-08-02 00:00:00 2006-08-02 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1486 http://arabic.irib.ir/programs/item/1486 الوصية هي كلام يوجهه (عليه السلام) الى شخص محدد، يتضمن تنفيذاً لعلم او ارشاداً لمختلف السلوك العبادي، وهو يتم اما من خلال المطالبة بالتزام ذلك في حياته (عليه السلام) أو بعد وفاته (عليه السلام). ففي الحالة الاولى تتم التوصية الى وال، أو قاض، أو عامل، او قائد عسكري: يبعث به الى ادارة مدنية او جنائية او محكمة او جبهة قتال، فيوصيه بمواعظ خاصة ترتبط بوظيفته وبمواعظ عامة ترتبط بمختلف السلوك العبادي. كما يوصي بهذه الأخيرة مطلق أصحابه أو ممن يتلقيهم... واما في الحالة الثانية (أي الوصية لما بعد الموت) فتنحصر: اما في المطالبة بتنفيذ عمل من الأعمال، أو بمطلق التوصيات العبادية، وفي هذا الصعيد تتحدد التوصية الى اولاده (عليهم السلام) او أقاربه (عليهم السلام) واحياناً الى سواهم ... كما تخضع مثل هذه التوصيات الى تقنيات معينة ترتبط بظاهرة الموت، والاستعداد له، وترديد الشهادتين.. الخ. وبما أن محتويات الوصايا - بغض النظر عن مقدماتها التي تخص شخصاً محدداً او حقاً مالياً- تماثل سائر ما تتضمنه خطبه ورسائله وتوصياته، حينئذ لا نتحدث مفصلاً عنها، بل نكتفي بالقول، بأن (الوصايا) شكلت مادة ادبية ضخمة فرضتها مناسبات متنوعة، وانها تخضع - فنياً- لنفس التقنيات التي تخضع لها سائر الاشكال الادبية التي توفر الامام (عليه السلام) عليها. فلو وقفنا عند وصيته لولده الامام الحسن (عليه السلام) مثلاً، لوجدنا انها تستهل بهذا النحو: (من الوالد الفان، المقر للزمان، المدبر العمر، المستسلم للدهر، الذام للدنيا...) (12).. فهذا الاستهلال - بالرغم من كونه يخص شخصاً محدداً- الا أنه يتجاوز ما هو (خاص) الى ما هو (عام) ليصب في نفس الاهداف العبادية التي تطبع سائر اشكال التعبير الفني عند الامام (عليه السلام)، وذلك من خلال اخضاعه لعمارة‌ تتواشج وتتنامى موضوعاتها بحيث يصبح هذا الاستهلال (تمهيداً) فنياً تبدأ الأجزاء اللاحقة بتفصيل ما أجمله الاستهلال وتنمية وتطوير مفهوماته، ولنقرأ: (اما بعد: فاني فيما تبينت من ادبار الدنيا عني وجموح الدهر علي واقبال الآخرة الي... حتى كان شيئاً لو اصابك اصابني، وكأن الموت لو اتاك أتاني، فعناني من امرك ما يعنيني من امر نفسي...) فهنا (يفصل) الامام (عليه السلام) ما (أجمله) التمهيد المتصل بادبار العمر وسواه، واصلاً بين شخصيته (عليه السلام) وشخصية ولده (عليه السلام) من خلال الدافع الأبوي وتجاوزه الى ما هو عام من التوصيات التي تبدأ مع المقطع الثالث من الوصية: (أحي قلبك بالموعظة، وأمته بالزهادة، وقوه باليقين، ونوره بالحكمة، وذلله بذكر الموت، ‌وقرره بالفناء، وبصره فجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر...) فهذا المقطع جاء انماء عضوياً أو تطويراً لأفكار بدأت في المقطع الاول (من الوالد الفان)- أي فناء العمر ووصل بين الابن في المقطع الثاني (فاني فيما بينت من ادبار الدنيا عني.. حتى كأن شيئاً لو اصابك...) وجاء المقطع الثالث ليفصل الحديث عن (الفناء) الذي شكل طابعاً مشتركاً في المقاطع الثلاثة وارتباط ذلك بنمط السلوك الذي ينبغي أن تختطه الشخصية في تعاملها مع ظواهر الحياة المرتبطة بـ (الفناء) (ذلله بذكر الموت، وقرره بالفناء...) او المفضية الى ذلك (بصره فجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر) بل حتى المطالبة بالزهد والعناية بالموعظة وامته بالزهادة)... اذاً: لحظنا كيف ان الوصية قد انتظمت في بناء هندسي محكم تتنامى وتتجانس مقاطعه بعضاً مع الاخر بالنحو الذي لحظناه، بحيث جاءت (الصور الفنية) ايضاً تصب في فكرة (الفناء) وما يقابله من (الحياة)، فقوله (عليه السلام) (أحي قلبك بالموعظة، وأمته بالزهد) ينطوي على خصيصة فنية هي (التشابه من خلال التضاد، والتضاد من خلال التشابه)، فالفناء مادام هو النهاية: حينئذ فان (الحياة) هي: «احياء» القلب بالموعظة، ... والفناء مادام هو النهاية: حينئذ فان (الموت) هو: «اماتة» الحياة ذاتها من خلال (الزهد) بها... وهكذا تتوالى المقاطع واحداً بعد الآخر لتتحدث عن تجارب (الحياة والعمر) وصلة ذلك بمفردات السلوك الذي طالب الامام (عليه السلام) بممارسة: كل أولئك - كما قلنا- يتم وفق نماء وتطوير فني لأفكار الوصية التي تتلاحم وتتجانس وتتقابل خطوطها، منتظمة في هيكل هندسي محكم. ******* (12) تحف العقول: ص 65، 83. ******* الخاطرة - 6 2006-07-15 00:00:00 2006-07-15 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1395 http://arabic.irib.ir/programs/item/1395 الخاطرة - كما قلنا- انطباع سريع وخاطف عن ظاهرة تستوقفه (عليه السلام) يوشحها بأدوات الفن، وهذا من نحو سماعه لرجل يذم الدنيا، فعقب (عليه السلام) قائلاً: «ايها الذام للدنيا، المغتر بغرورها، المخدوع بأباطيلها، اتغتر بالدنيا ثم تذمها. أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك؟ متى استهوتك: ام متى غرتك؟ أبمصارع آبائك من البلى؟... ان الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها، مسجد أحباء الله ومصلى ملائكة الله...» (11) فالانطباع هنا يكاد يماثل الانطباع الذي لحظناه في تعليقه (عليه السلام) بعد قراءة «ألهاكم التكاثر» بيد انه فصل الكلام ونوعه في (المقال)، وحصره في موضوع، وتناوله خاطفاً في (الخاطرة): مع توشيحها بنفس أدوات الفن: لفظياً وايقاعياً وصورياً. ******* (11) نفس المصدر: ص 590. ******* المقال - 5 2006-07-15 00:00:00 2006-07-15 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1394 http://arabic.irib.ir/programs/item/1394 • المقال المصنف • المقال العلمي • المقال التقريري • المقال الانطباعي ******* يتناول المقال الأدبي موضوعاً يكتب بلغة تقريرية خالية من الاستتارة العاطفية، والعنصر الصوري والايقاعي، بحيث يقترب من تخوم البحث العلمي الصرف، بكونه يعنى بانتقاء المفردة والتركيب، ويهب اللغة مسحة جمالية تجعله مندرجاً ضمن الأدب.. والامام (عليه السلام) توفر على هذا النمط من التعبير حسب متطلبات السياق الذي يفرض مثل هذا الشكل الأدبي. والمقال يتخذ نمطين من الصياغة، أحدها: يكتسب طابع التصنيف العلمي، والآخر: طابع التقرير لإحدى الحقائق... أما النمط الأول، فمن أوضح نماذجه: *******1- المقال المصنفوهو تصنيفه لسمات الشخصية في مستوياتها الثلاثة: المؤمنة، الكافرة، المنافقة، حيث صنف الامام (عليه السلام) كلاً من: 1- (الايمان على أربع دعائم: على الصبر، واليقين، والعدل، والجهاد. والصبر منها على اربع شعب: على الشوق، والشفق، والزهد، والترقب...الخ. 2- الكفر على اربع دعائم: على الفسق، والغلو، والشك، والشبهة. والفسق على اربع شعب: على الجفاء، والعمى، والغفلة، والعتو.. الخ. 3- النفاق على أربع دعائم: على الهوى، والهوينا، والحفيظة، والطمع. فالهوى على اربع شعب: على البغي، والعدوان، والشهوة، والطغيان... الخ). (7) وهذا التصنيف الذي ينهي السمات الى ستين سمة، يتدرج ضمن بحوث (علم النفس) التي قدمها (عليه السلام) بمثابة وثائق بالغة‌ الاهمية، ولا تدخل ضمن الاشكال الفنية... ومع ذلك نجد أن الطابع الادبي يسم لغة العلم بخاصة عندما يشرح سمة مثل تعليقته على بعض السمات (ومن زاغ ساءت عنده الحسنة، وحسنت عنده السيئة، وسكر سكر الضلالة، ومن شاق وعرت عليه طرقه.. الخ) فهنا يتوكأ (عليه السلام) على التشبيه والاستعارة، وعناصر ايقاعية كما لحظنا مما يدرج المقال ضمن الحقل الأدبي... واما النمط الآخر الذي يعتمد تقرير الحقائق، فيمكن ملاحظته في مستويات متنوعة، منها: *******2- المقال العلميوهو ما يتناول ظواهر علمية بلغة الفن، مثل ما ورد عنه من النصوص التي تتحدث عن التوحيد وصفات الله تعالى، وسائر ما يرتبط بالبعد العقائدي، وعن نشأة الكون وظواهره المختلفة، من نحو: (ما وحده من كيفه، ولا حقيقته أصاب من مثله، ولا اياه عنى من شبهه، ولا صمده من أشار اليه وتوهمه، كل معروف بنفسه مصنوع، وكل قائم في سواه معلول، اعل لاباضطراب آلة، مقدر لا يجول فكرة، غني لا باستفادة، لا تصحبه الاوقات، ولا ترفده الادوات،‌ سبق الاوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء‌ أزله... الخ) (8). واضح، ان هذا النص الذي يتحدث عن توحيد الله تعالى: قد توكأ على لغة الفن (توازن الجمل، تجانس الأصوات، التقابل بين الظواهر) لكن: دون شحنها بعناصر صورية وايقاعية، نظراً لكونه يتحدث عن أدق الظواهر والصفات التي تتطلب: منطقاً واستدلالاً لا يتناسب معهما: الاغراق في العنصر الايقاعي الا خاطفاً مثل (ولا يقال له حد ولا نهاية، ولا انقطاع ولا غاية) (لم يلد فيكون مولوداً ولم يولد فيصير محدوداً)... واما العنصر (الصوري) فيكاد يختفي من هذا النص نظراً لان التشبيهات والاستعارات والرموز وغيرها: انما يركن اليها من خلال ايجاد علاقات (تمثيلية) وهو أمر لا ينسجم مع واقع (التوحيد) الذي يتطلب استدلالاً لا تصويراً وكشفاً كما هو واضح. *******3- المقال التقريريوهو المقال الذي يقوم بمهمة الشرح والتعريف لظاهرة من الظواهر، مثل تعليقه (عليه السلام) على قوله تعالى (يسبح له فيها بالغدو والآصال: رجال... الخ) حيث يصح جعلها عنواناً لمقالة: (ان الله سبحانه وتعالى جعل الذكر جلاء للقلوب تسمع به بعد الوقرة، وتبصر به بعد العشوة، وتنقاد به بعد المعاندة، وما برح الله - عزت آلاؤه في البرهة بعد البرهة وفي أزمان الفترات عباد ناجاهم في فكرهم وكلمهم في ذات عقولهم، فاستصبحوا بنور يقظة في الأبصار والأسماع والأفئدة...) (9) فهنا يقدم (عليه السلام) تعريفاً وشرحاً لظاهرة (الذكر) ومعطياتها العبادية، حيث وشح المقال بالعناصر الفنية من صورة وصوت كما لحظنا، والأمر نفسه بالنسبة لنمط آخر من المقال هو: *******4- المقال الانطباعيوهذا ما يعبر من خلاله عن انطباعاته التي تستغرق موضوعاً متشعب الجوانب، ولكنه يصوغها وفق لغة تصويرية وليست تقريرية، يوشحها بأدوات (انطباعية) أي: ما ينفعل به وجداناً، وهذا من نحو قوله- بعد تلاوته «ألهاكم التكاثر»: (يا له مراماً ما أبعده، وزوراً ما أغفله وخطراً ما أفظعه، لقد استخلوا منهم أي مدكر وتناوشوهم من مكان بعيد، أفبمصارع أبائهم يفخرون، أم بعديد الهلكى يتكاثرون. يرتجعون منهم أجساداً خوت، وحركات سكنت... الخ) وتمضي المقالة على هذا النمط (الانطباعي) عن ظاهرة التفاخر حتى بالأموات... وهي انطباعات موشحة بلغة الفن (التساؤل، التعجب)... وتوشى بعناصر الصورة، وبعناصر الصوت، وأيضاً بعنصر المحاورة القصصية (لقد رجعت فيهم أبصار العبر وسمعت عنهم آذان العقول، وتكلموا من غير جهات النطق، فقالوا: كلحت الوجوه النواظر، وخوت الاجسام النواعم، ولبسنا أهدام البلى...) (10). واذا كان المقال الانطباعي يتميز بطول حجمه، وتنوع موضوعاته، فهناك شكل أدبي يتميز بقصر حجمه وموضوعه حيث يتناول شعوراً مفرداً هو: ******* (7) تحف العقول: ص 159، 160. (8) نهج البلاغة: ص 341. (9) نفس المصدر: ص 241. (10) نفس المصدر: ص 415، 416. ******* المحاضرة - 4 2006-07-15 00:00:00 2006-07-15 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1393 http://arabic.irib.ir/programs/item/1393 المحاضرة هي مقال اعد للالقاء او ما يمكن تسميته بالكلمة‌ المحفلية، أي ما يلقى في اجتماع خاص أو عام لا يقصد به استثارة الجمهور وحثه على عمل ما، بل توصيل المعرفة اليه من خلال التحدث معه مباشرة بدلاً من الكتابة. والفارق الفني بينها وبين الخطبة (مضافاً الى ما تقدم) هو: ضمور العنصر العاطفي فيها ثم ضمور اللغة الخطابية (أي محادثة الجمهور بضمير المخاطب) استمرارياً، بمعنى ان الكلمة تحمل عنصراً عاطفياً او لغة خطابية ضئيلين بالقياس الى بروزهما في الخطبة... ويمكننا ملاحظة هذه الخصائص الثلاث: توصيل المعرفة العلمية ضمور العنصرين العاطفي والخطابي، في النص الذي بدأه بقوله: (الحمد لله الذي لبس العز والكبرياء، واختارهما لنفسه دون خلقه، وجعلهما حمىً وحرماً على غيره واصطفاهما لجلاله، وجعل اللعنة على من نازعه فيهما من عباده. ثم اختبر بذلك ملائكته المقربين ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين، فقال سبحانه وهو العالم بمضمرات القلوب ومحجوبات الغيوب: «اني خالق بشراً من طين / فاذا سوّيته ونفخت فيه من روحي، فقعوا له ساجدين / فسجد الملائكة كلهم اجمعون / الا ابليس...» اعترضته الحمية فافتخر على آدم بخلقه وتعصب عليه لأصله. فعدو الله امام المتعصبين، وسلف المستكبرين الذي وضع أساس العصبية ونازع الله رداء الجبرية وادرع لباس التعزز، وخلع قناع التذلل...) (5) هذه المقدمة: تلخص كل شيء من خصائص «الكلمة»... حيث تطبعها سمة البحث أو المقالة التي تعتمد التعريف والاستدلال التقريري والتوكؤ على مصدر، والخلو من المخاطبة والاستثارة، والتقليل من عناصر الصوت والصورة... الخ. فلو قسنا هذه المقدمة‌ مع مقدمة الخطبة التي وقفنا عندها قبل صفحات لوجدنا فارقاً ملحوظاً بينهما فهناك احتشدت المقدمة بعنصر ايقاعي وصوري مكثفين كل التكثيف حتى لا تخلو الجملة الواحدة منهما اما في هذه المقدمة‌ فلا توجد الا صورتان او ثلاث، كما لا يوجد الا جملتان ايقاعيتان او ثلاث..، مضافاً الى خلوها من الصياغات الخطابية‌ وسائر ما يواكبها من ادوات اشرنا اليها... لكن ما يعنينا بعد ذلك هو أن نشير الى أن التعريف والشرح والاستدلال الفكري هو الذي يطبع هذه الكلمة: مشفوعة بومضات خاطفة من الايقاع والصورة، وبخطاب يوجه بين الحين والآخر الى الآخرين... اذن، لنتابع الكلمة‌ المذكورة: (ألا ترون كيف صغره الله بتكبره ووضعه بترفعه، فجعله في الدنيا مدحوراً، وأعد له في الآخرة سعيراً؟ ولو اراد الله أن يخلق آدم من نور يخطف الابصار ضياؤه ويبهر العقول رواؤه وطيب يأخذ الانفاس عرفه لفعل، ولو فعل لظلت له الاعناق خاضعة ولخفت البلوى فيه على الملائكة، ولكن الله سبحانه يبتلي خلقه ببعض ما يجهلون اصله تمييزاً بالاختبار لهم ونفياً للاستكبار عنهم وابعاداً للخيلاء منهم، فاعتبروا بما كان من فعل الله بابليس اذ احبط عمله الطويل وجهده الجهيد، وكان قد عبد الله ستة آلاف سنة لا يدري امن سني الدنيا ام من سني الآخرة عن كبر ساعة واحدة. فمن ذا بعد ابليس يسلم على الله بمثل معصيته؟ كلا ما كان الله سبحانه ليدخل الجنة بشراً بامر اخرج به منها ملكاً...) نواجه في هذا النص وما قبله- حيث ينطوي على (مقدمة) و(موضوع) جمل من الخصائص التي تطبع «الكلمة». *******بناؤهاان من أهم ما يميز فن التعبير هو خضوعه لتخطيط هندسي تتوازى وتتقاطع خطوطه وفقاً لقواعد السببية والنمو... وقد لحظنا في خطبة‌ سابقة مدى هذا التخطيط المذهل الذي تلاحمت من خلاله العناصر العاطفية والموضوعية والصورية والايقاعية بعضاً مع الآخر وانصبابها في الهيكل الفكري العام للخطبة ... هنا في (الكلمة) نلحظ العمارة الفنية ذاتها من حيث الاحكام والتخطيط الهندسي... ولعل ابرز هذا التخطيط هو ملاحظة (المقدمة) التي استهلت بها الكلمة وبين (الموضوع) الذي تناولته الكلمة، فالموضوع هو سلوك ابليس القائم على عنصر (التكبر) حيث تكفل النص بشرحه مفصلاً كما لحظنا لكن لنتجه الى المقدمة ونلحظ كيف ان المقدمة ‌مهدت فنياً للدخول في هذا الموضوع، فالمقدمات التي تستهل بها الخطب والرسائل تكاد تتماثل في صياغاتها التي تبدأ بالتحميد لله تعالى وبذكر صفاته، لكن في كل (تحميد) خصوصية لا توجد في التحميد الآخر، وهذه الخصوصية تعود الى صلة (التحميد) بـ (الموضوع) الذي يتناوله النص، ففي الكلمة التي نتحدث عنها نجد أن (التحميد) يبدأ بهذا الشكل: (الحمد لله الذي لبس العز والكبرياء، واختارهما لنفسه دون خلقه، وجعلهما حمى وحرماً على غيره، واصطفاهما لجلاله، وجعل اللعنة على من نازعه فيهما من عباده) الى هنا، فأن القارىء يلحظ أن (التحميد) قد اقترن بالعز والكبرياء - دون أن يقرنه بصفات الله الاخرى- ثم اكد بأن العز والكبرياء قد خص الله بهما ذاته وجعل اللعنة على من ينازعه فيهما... ترى، لماذا بدأ الامام علي (عليه السلام) بهاتين الصفتين، ولماذا قال بأن الله جعل اللعنة على من ينازعه فيهما؟... هنا تكمن خطورة الفن المدهش... لقد استهل (عليه السلام) كلمته بهذا الحمد دون سواه لان الموضوع الذي يستهدف طرحه في هذه الكلمة هو سلوك ابليس، وابليس - كما نعرف جميعاً- هو أول من حاول أن ينسب العز والكبرياء الى نفسه عندما امتنع عن الجسود لآدم، وأول من صب الله عليه اللعنة. اذن: نتوقع من هذه المقدمة‌ ان ترتبط فنياً بموضوع يتناول ما له صلة بهذا (التحميد) وهذا ما بدأ به النص فعلاً حينما قال بعد هذه المقدمة ما يلي: (ثم اختبر بذلك ملائكته المقربين ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين...) ثم يواصل حديثه عن هذا الجانب الى أن يصل الى ابليس فيعرض لنا سلوكه القائم على التكبر... حيث تدرج من (الملائكة) الى (ابليس) بصفته ينتسب اليهم، وقبل ذلك تدرج من الحديث عن صفتي الله (العز والكبرياء) الى اختبار العنصر الملائكي في هذا الميدان... اذاً: لحظنا كيف ان (المقدمة) تمت صياغة (التحميد) فيها بنحو (يتجانس) مع الموضوع المطروح في النص، وكيفية الدخول الى (الموضوع) بنحو من التدرج والنمو والسببية التي تشبه نمو النبات وخضوعه لعوامل بيئية مختلفة خلال مراحل نموه... بعد ذلك، ينبغي أن نلحظ كيف أن الادوات الفنية الاخرى قد ساهمت في تخطيط هذه العمارة، وفي مقدمتها: عنصر (الصورة) التي ختم بها النص السابق، وهي (ما كان الله سبحانه ليدخل الجنة بشراً بامر اخرج به منها ملكاً) هذه الصورة‌ التي سنعرض لها عند حديثنا عن (الصورة التضمينية) في أدب الامام (عليه السلام)، تنتسب الى (التضمين) الذي يعني أن يضمن النص كلامه: آية كريمة او غيرها من الاقتباسات ويصوغها في صورة فنية، حيث ان القرآن الكريم أشار مكرراً الى‌ اخراج ابليس من الجنة بسبب من معصيته (التكبر)...، وهذه الاشارة قد ضمنها الامام (عليه السلام) في صورة فنية مدهشة، لو كانت وحدها قد صدرت عنه لكانت كافية في تلخيص تجربة الحياة جميعاً، ... ان القارىء ليقف ذاهلاً مندهشاً مبهوراً من هذه الصورة التي تلخص له تجربة الانسان من حيث تعامله مع الله تعالى وطبيعة وظيفته التي أوكلها الله تعالى اليه... لنقرأ الصورة من جديد حتى نتحسس خطورة‌ الفن العظيم: (ما كان الله سبحانه ليدخل الجنة بشراً بأمر أخرج به منها ملكاً) (6)... نحن الآن امام صورة تمت صياغتها لغوياً بنحو من التركيب القائم على التركيز والاقتصاد والمتانة والايحاء المدهش، ... هذه الصورة تقول بما معناه: ان الله تعالى لا يدخل البشر الجنة: بالمعصية التي اخرجت ملكاً - وهو ابليس- منها...، ان ابليس وهو (ملك) قد اخرج من الجنة او حرم منها بسبب معصيته، وحينئذ هل يدخل الله البشر الجنة بسبب من معصيتهم؟ كلا... مع ان ابليس عبد الله بلا معصية سابقة آلافاً من السنين، في حين أن البشر لم يسبق بمثل هذه العبادة. فكيف يدخل الجنة من لم يتعبد سابقاً بأمر خرج به منها ملك متعبد؟... هذه الدلالة صاغها النص في صورة (التضمين) المشار اليها حيث يلخص هذا التضمين سلوك الانسان وما ينبغي أن يختطه عبادياً في غمرة المهمة ‌الموكلة اليه في هذه الحياة... المهم، أن الصورة‌ المشار اليها ساهمت - وهذا ما نعتزم في هذا الحقل التأكيد عليه- عضوياً في بلورة الموضوع الذي طرحته الكلمة، حيث ان الوصل الفني بين المقدمة والموضوع قد واكبه رسم فني يتواصل ويتلاحم بدوره مع جزئيات الموضوع، فالصورة والايقاع والصياغة اللفظية توظف جميعاً لانارة الموضوع (كما لحظنا في الخطبة) وكما نلحظ الان ذلك في (الكلمة) التي نتحدث عنها، فيما جاءت (الصورة التضمينية) موظفة بشكل فني مثير لانارة الموضوع الذي يتحدث عن ابليس ومعصيته وعلاقة ذلك بالتكبر... ونكتفي بهذا القدر من توضيح البناء العماري لهذه «الكلمة» حتى لا نتجاوز حجم هذه الدراسة التي تعتزم عرض المستويات الاخرى من ادب الامام (عليه السلام)... وقد عرضنا كلاً من (الخطبة) و(الكلمة)،‌ ونتقدم الآن الى شكل أدبي آخر هو: ******* (5) نفس المصدر: ص 356، 357. (6) نفس المصدر: ص 358. ******* الخطبة - 3 2006-07-15 00:00:00 2006-07-15 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1392 http://arabic.irib.ir/programs/item/1392 • بناء الخطبة • الاستهلال • الدخول في الموضوع • تنامي الموضوعات وتلاحمها • العنصر العاطفي • العنصر الجمالي *******2- الخطبةتحتل الخطب عند الامام (عليه السلام) مساحة كبيرة من النتاج المأثور عنه، حتى انها لتتجاوز المائتين. وهذا الرقم الضخم من الخطب يرتبط بطبيعة الظروف الاجتماعية التي أحاطت به، واذا كان الفارق بين (الخطبة) وبين غيرها من الأشكال الأدبية (كالشعر أو المقالة مثلاً) هو أن الأخيرة لا تتقيد بوجود مناسبة أو حشد، فان الأولى تتوقف على هذين العنصرين، ولذلك جاءت غالبية خطبه في السنوات الأخيرة من حياته عندما تسلم مسؤولية الحكم. فاذا أضفنا الى ذلك ان هذه السنوات شهدت معارك متنوعة (مثل الجمل، النهروان، صفين) وان هذه المعارك تتطلب: حثاً على الجهاد، حينئذ نتوقع أن تحتل الخطب العسكرية حجماً كبيراً من هذا الشكل الأدبي. كما أن طبيعة الظروف التي تسلم الامام (عليه السلام) خلالها مسؤولية الحكم فرضت نمطاً آخر من الخطبة السياسية، كما فرضت طابعاً خاصاً هو (الطابع الاستدلالي) على هذه الخطب السياسية: نظراً لصلة المسؤولية بواقع سياسي حدث بعد وفاة ‌النبي (صلى الله عليه وآله) حيث استتلى عزلته عن تسلم المسؤولية الرسمية، وحيث فرض تسلمها في أواخر حياته وضع كل شيء في مكانه لانارة افكار الجمهور وايقافه على حقيقة الاحداث، فتطلب ذلك كله عنصراً (استدلالياً) طبع هذا القسم من الخطب... وهناك الخطبة العلمية التي تميز بها الامام (عليه السلام) حيث طرح موضوعات علمية‌ تتصل - كما اشرنا- بظواهر الكون المختلفة، كما ان هناك خطباً - وهذا هو الغالب- تتضمن البعد الاخلاقي المرتبط بسلوك الفرد مع الله والذات والآخرين في شتى الصعد الاجتماعية، فضلاً عن الخطب التي تطرح قضايا عقائدية وقضايا فقهية.. الخ. كل هذه الأشكال الخطابية توفر علي (عليه السلام) عليها فيما افرد قسماً منها لظاهرة‌ معينة كالتوحيد مثلاً او أدمج فيها مختلف الموضوعات: عقائدياً وفقهياً واخلاقياً واجتماعياً... هذه المستويات من الخطب فرضتها مناسبات مختلفة لم تقف عند المناسبة العسكرية والسياسية ‌بل تجاوزتها الى طبيعة العلاقة القائمة بين الامام (عليه السلام) وبين الجمهور سواء أكان في زمن تسلمه للمسؤولية الرسمية ام في زمن عزلته عنها، ... ففي زمن مسؤوليته مثلاً. تجيىء أعياد الجمعة والفطر والاضحى مناسبة لالقاء الخطب في مختلف الموضوعات، كما تجيء المناسبات الطارئة أو المستديمة كما هو الحال في ارتياده للمسجد أو اصطحابه لجماعة: سبباً في أن يرتقي المنبر فيلقي عليهم عظة قصيرة أو خطبة طويلة او يمر مع أصحابه على المقابر فيقف مرتجلاً خطبة تتصل بهذا الشأن أو يقف عند ظاهرة فتملي عليه أن يرتجل خطبة‌ ترتبط بهذه الظاهرة، او انه يخاطب أصحابه بكلمة تجري مجرى الخطبة في أسلوبها ولغتها، أو يمكن القول بأننا مادمنا نتوقع الا تمر أية جلسة أو مقابلة الا وينتهزها الامام (عليه السلام) ليلقي على من حوله كثروا أو قلوا حتى لو اجتمع بشخص واحد: كلاماً او خطاباً فيه تذكير بالوظيفة العبادية، وهكذا... اذن، يمكننا أن نفسر كثرة الخطابة الصادرة عن الامام (عليه السلام) وتنوعها: في ضوء هذه الأسباب المختلفة التي اشرنا اليها، كل ما في الامر أن بعض المواقف تتطلب ان يكون الخطاب أو التعليق موسوماً بطابع الخطبة الجماهيرية التي تتسم بالطول، واستثارة العواطف وتدرجها، والتوكؤ على لغة محتشدة بعناصر الصوت والصورة وسائر قيم الاسلوب اللفظي والبنائي، ... ثم تتطلب بعض المواقف تعليقاً قصيراً او ارسالاً لكلام يقصر او يطول دون أن يوشحه (عليه السلام) بالعنصر الخطابي بل يرسله على ما هو مألوف من الحديث اليومي: كل ما في الامر ان الحديث اليومي أيضاً يشحنه (عليه السلام) باللمحة الفنية حتى يأسر بها القلوب، وهذه هي مهمة‌ الفن العظيم... واذا كان الامر كذلك لا يجد مؤرخ الأدب ضرورة علمية لان يفصل كلامه (عليه السلام) بعضاً عن الآخر مادام جميعاً قد صيغ بلغة الفن بقدر ما يجد انه من المستحسن ان يفرز الاشكال الفنية في خانات محددة (ومنها: الخطبة) التي نتحدث عنها. وبغض النظر عن ذلك كله، فمن الممكن ان نشير الى سمات عامة تطبع الخطبة التي توفر (عليه السلام) عليها، متمثلة في: *******بناء الخطبةمن المؤسف أن تصل الخطب الى أيدينا وهي معرضة للنقصان بسبب: اما من المعنيين بشؤون التدوين (كما صنع الشريف الرضي حينما انتخب مختارات من الخطبة وليس جميعها) أو بسبب من نسيان الراوي، أو بسبب من اقتصاره على موضع الشاهد، أو بسبب ملابسات النسخ... الخ. لذلك فان الحديث عن بناء الخطبة يظل امراً صعباً ما دمنا نعرف تماماً بأن ما يصدر عن المعصوم (عليه السلام) لابد ان تراعى فيه مقومات البناء الفني نظراً لعدم صياغته للكلام زائداً عن الحاجة او قاصراً عنها أو مضطرباً‌ في أدائها ووضع الكلمة‌ في مواقعها المناسبة،‌مع مراعاة حال المتلقي أو متطلبات الموضوع. لكن بالرغم من ذلك يمكننا أن نعرض لبعض الخطب التي تبدو وكأنها كاملة او لبعض المقاطع التي نطمئن الى سلامتها من النقصان والتحريف. وفي هذا الصدد يمكننا أن نعرض لجملة من مقومات البناء، منها ما يتصل بـ: *******الاستهلالمن المبادىء الفنية التي درج عليها النبي (صلى الله عليه وآله) هو: استهلال الخطبة بذكر الله تعالى وحمده والشكر لمعطياته... وقد درج الامام (عليه السلام) على هذا النسق من الاستهلال وأفاض فيه تفصيلاً وتنويعاً حتى أصبح قاعدة ‌فنية للخطب والرسائل التي طبعت العصور اللاحقة فيما بعد. وهذا التحميد يقترن عادة بذكر محمد (صلى الله عليه وآله) حيث تذكر الشهادتان (التوحيد والنبوة) ثم الدخول في الموضوع الذي تستهدفه الخطبة فيما يستهل - في الغالب- بالمطالبة بتقوى الله تعالى: على هذا النحو: 1- (الحمد لله الذي علا بحوله ودنا بطوله مانح كل غنيمة‌ وفضل وكاشف كل عظيمة وأزل، أحمده على عواطف كرمه وسوابغ نعمه وأومن به اولاً بادياً واستهديه قريباً هادياً واستعينه قاهراً قادراً واتوكل عليه كافياً ناصراً واشهد أن محمداً (صلى الله عليه وآله) عبده ورسوله، أرسله لانفاذ امره وانهاء عذره وتقويم نذره... 2- اوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي...) (4) ان أهمية مثل هذا الاستهلال تتمثل - كما اشرنا- في كونه قاعدة‌ فنية- تقف على الضد من قاعدة الشعر التي تستهل بمقدمة‌ طللية في تلكم العصور حيث تجعل المتلقي في حضور عبادي لأهم معالم دينه وهي: توحيد الله تعالى، والايمان برسالته، وممارسة التقوى حيال ذلك وهي: الهدف العبادي اساساً... *******الدخول في الموضوعلو تابعنا الخطبة المذكورة، للحظنا ان التوصية‌ بالتقوى تشكل رابطة فنية بين الاستهلال والموضوع، حيث ربط بين المطالبة بالتقوى وبين وظيفة الانسان في هذه الحياة (اوصيكم عباد الله الذي ضرب الامثال، ووقت لكم الآجال... في قرار خبرة ودار عبرة أنتم مخبرون فيها ومحاسبون عليها) وبهذا الوصل بين المطالبة بالتقوى وبين الدنيا، دخل النص الى الموضوع المستهدف، فقال: 3- (فان الدنيا رنق مشربها ردغ مشرعها يونق منظرها ويوبق مخبرها، غرور حائل، وضوء آفل وظل زائل وسناد مائل حتى اذا أنس نافرها، واطمأن ناكرها، فقمصت بارجلها، وقنصت بأحبلها، واقتضت باسهمها، واعلقت المرء اوهاق المنية... الخ). الى هنا، فان النص بدأ بالحديث عن طبيعة الحياة الدنيا وموقف الانسان فيها، ثم الى نهايتها وهو (المنية) أو الموت. ثم انتقل الى ما بعد الموت: 4- (حتى اذا تصرمت الأمور، وتقضت الدهور، وأزف النشور، اخرجهم من ضرائح القبور...). اذاً: تدرج النص وفقاً للتسلسل الزمني من: الحياة، الى الموت الى النشور ... لكن بما ان النص يستهدف تفصيل ما اجمله في هذا الصدد وطرح افكار متنوعة، لابد (من حيث عمارة النص) من عود الى الموضوع وربط جديد بين الجزئيات التي تنظم الموضوع، حتى يتحقق احكام النص ووحدته من خلال: *******تنامي الموضوعات وتلاحمهالقد طرح النص تفصيلات متنوعة للموضوع الذي أجمله في المقدمة ففصل الحديث عن الانسان: 5- (عباد مخلوقون اقتدارا، مربوبون اقتسارا، ومقبوضون احتضارا، ومضمنون أجداثا، وكائنون رفاتا، ومبعوثون أفرادا). لننظر كيف أن النص عاد من جديد الى نفس التسلسل الزمني (الحياة، الموت، النشور) (مخلوقون اقتداراً... مضمنون أجداثاً .. مبعوثون افراداً) ففي هذه الفقرات الثلاث: تسلسل زمني مماثل للمقطع الاسبق: كما هو واضح .. لنواصل القراءة: (فيالها امثالاً صائبة، ومواعظ شافية لو صادفت قلوباً زاكية واسماعاً واعية، والباباً حازمة، وآراء عازمة، فاتقوا الله تقية من سمع فخشع، واقترف فاعترف، ووجل فعمل، ‌وحاذر فبادر، وايقن فاحسن، وعبر فاعتبر، وحذر فحذر، وزجر فازدجر.. الخ) هنا ايضاً ينبغي ان نلحظ كيفية الربط الفني بين المقطع الاول وهذا المقطع فقد لحظنا اولاً كيف ان النص الذي استهل الحديث بتقوى الله (اوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ضرب الامثال) هذه المقدمة‌ نجد الآن انعكاسها في المقطع الجديد من الخطبة (فيالها امثالاً صائبة... الخ) لننظر كيف ربطت الخطبة بين المقطع (رقم 2) وهذا المقطع (رقم 6) من خلال التذكير (بتقوى‌ الله الذي ضرب الأمثال) هناك وربطه بتذكير جديد للأمثال (فيالها امثالاً صائبة) فهذه الامثال الصائبة‌ هي نمو فني للأمثال التي ضربها الله تعالى هنا... لنلاحظ ايضاً كيف ربطت الخطبة بين المقطع (3) وهذا المقطع الجديد، حيث كان المقطع يتحدث عن الدنيا، وانه (رنق مشربها ...الخ) وحيث يتحدث المقطع الجديد عن هذه الامثال: (لو صادفت قلوباً زاكية واسماعاً واعية...) فهنا نجد الربط بين الدنيا التي هي رنق مشربها، وبين من يمتلك سمعاً واعياً فيعاف الرنق المذكور... اذاً: للمرة الجديدة، ينبغي ان نلحظ كيف أن الموضوعات قد خضعت للنمو والتلاحم بحيث يفصل ما هو مجمل ويطور وينمي الموضوع على النحو الذي أوضحناه. واذا تابعنا سائر المقاطع من هذه الخطبة للحظنا نفس البناء الفني الذي يصل بين أقسام الخطبة ويخصعها للوحدة العضوية التي تنتظم الهيكل المذكور. *******العنصر العاطفيقلنا أن ما يميز الخطبة عن سائر الاشكال النثرية هو استثمارها للبعد العاطفي عند الجمهور...ويمكننا ملاحظة هذا العنصر في المقطع الاخير الذي طالب الحشد بما يلي (فاتقوا الله تقية من سمع وخشع، واقترف فاعترف، ووجل فعمل .. الخ) ان هذا التوازن بين الجمل وتتابعها واحدة بعد الاخرى، وخضوع كل واحدة منها الى صوتين متجانسين متتابعين أيضاً (حاذر فبادر، وأيقن فأحسن، وعبر فاعتبر)، هذا الايقاع يساهم في التصعيد العاطفي للموقف حتى يصل تدريجياً الى تصعيد أشد حينما نواجه المقطع السابع الذي جاء فيه (فهل ينتظر أهل بضاضة الشباب الا حواني الهرم، واهل غضارة الصحة الا نوازل السقم، واهل مدة البقاء الا آونة الفناء) ثم يتصاعد أشد في المقطع الثامن (فاتقوا عباد الله تقية ذي لب، شغل التفكر قلبه، وانصب الخوف بدنه...) ويتصاعد شيئاً فشيئاً حتى يبلغ الذروة في المقطع الاخير (أولي الابصار والاسماع، والعافية والمتاع، هل من مناص، او خلاص، او معاذ، او ملاذ، او فرار، او محار، ام لا؟ فانى توفكون؟ ام اين تصرفون؟ ام بماذا تغترون؟)... ان هذه الفقرات الاخيرة لا تحتاج الى التعقيب بالنسبة للعنصر العاطفي الذي رشحت به، فهي تهتف بأولي الابصار والاسماع، وتتساءل قائلة: (فانى توفكون؟ أم اين تصرفون؟) هذا النمط من الخطاب، ثم التساؤل (هل من مناص أو خلاص) وتتابع هذه التساؤلات المقترنة بتتابع الجرس (خلاص او مناص) (معاذ أو ملاذ) الخ، ثم التساؤل من جديد (فانى تؤفكون..) .. كل أولئك يشكل قمة‌ التصعيد العاطفي للجمهور، مما يمكن أن يتبينه كل من يستمع بدقة الى محتويات الخطبة وأساليبها، حتى أن مدون هذه الخطبة، عقب عليها قائلاً: (في الخبر انه لما خطب بهذه الخطبة اقشعرت لها الجلود وبكت العيون ورجفت القلوب)، وكل ذلك نابع من طبيعة العنصر العاطفي الذي خاطب به الامام (عليه السلام) الجمهور كما هو واضح. *******النعصر الجماليوندع العنصر البنائي والعاطفي ونتجه الى الادوات الفنية المستخدمه في الخطبة، لنجد اننا امام صور وايقاعات هائلة تحتشد بشكل مكثف ومنتظم حتى لا يكاد يخلو سطر من هذه الادوات المدهشة، المثيرة، الطريفة... ففي صعيد الايقاع، لا تقف الخطبة عند التجانس الصوتي بين الفواصل، بل تتجاوزه الى المفردات المتتابعة أيضاً: (هل من مناص أو خلاص)، (او معاذ أو ملاذ، أو فرار أو محار) (سمع فخشع، واقترف فاعترف ووجل فعمل...) كما يتجاوز الى المفردات المزدوجة مثل (قمصت بارجلها وقنصت باحبلها) (في قرار خبرة ودار عبرة) كما تتجاوز الى ثلاث فواصل فصاعداً (تصرمت الامور، وتقضت الدهور وازف النشور: أخرجهم من ضرائح القبور واوكار الطيور) (عباد مخلوقون اقتداراً، ومربوبون اقتساراً، ومقبوضون احتضاراً)... وفي صعيد الصور نجد التنويع والكثافة ذاتهما في استخدام هذا العنصر، فانت ما أن تبدأ بالخطبة حتى تجدها (مصورة) جملة بعد جملة، ومقطعاً بعد مقطع حتى نهايتها سواء أكانت الصورة مباشرة أو غير مباشرة، والأهم أن (الصورة) - كما لحظنا الايقاع أيضاً قد وظف للتصعيد العاطفي فيها- قد وظفت ايضاً لانارة الاهداف الفكرية في الخطبة، ... فلو وقفنا على هذه الصورة: (قمصت بأرجلها وقنصت بأحبلها) لوجدنا جملة من الاسرار الفنية في صياغتها، وفي تجانسها الصوتي، وفي تجانسها مع فكرة النص، فقد صيغت (من حيث الصوت) متجانسة (قمصت، قنصت، بأرجلها، بأحبلها) وصيغت (من حيث التركيب) متجانسة مع هدف الخطبة، فقمص الارجل هو (رفعها وطرحها) وقنص الاحبل هو (الاصطياد بحبائل الدنيا) حيث تستهدف الصورتان ما يلي: «ان الموت هو نهاية هذه الحياة» لكن كيف تم ذلك؟ هناك عنصران: (المباغتة) و(المخادعة) يقترنان مع الحياة، فالمباغتة هي رفع الارجل ووضعها حيث ينتهي معها شيء، والمخادعة هي اصطياد الانسان بشباكها، فالدنيا هي الطرف الاول من المعركة، والانسان هو طرفها الآخر، والدنيا تمارس هاتين الوسيلتين في حربها مع الانسان، انها تستخدم عنصر «المباغتة» (قمصت بأرجلها) ثم تستخدم عنصر (المخادعة) (قنصت بأحبلها) ثم ماذا؟ (قائدة له الى ضنك المضجع، ووحشة المرجع) تقوده الى القبر.... اذن: جاءت الصورة متجانسة مع بناء النص، وجاءت ذات عنصر ايقاعي، وجاء الايقاع ذا عنصر صوري، وجاء متجانساً مع البعد العاطفي، وجاءت من ثم جميع الادوات الفنية موظفة لافكار الخطبة وجاءت الخطبة ‌وكانها عمارة‌ فنية محكمة البناء، خاضعة لخطوط هندسية‌ بالغة الاثارة والجمال والدهشة بالنحو الذي لحظناه. ******* (4) نفس المصدر: ص 136، 149. ******* شكل فني متفرد - 2 2006-07-15 00:00:00 2006-07-15 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1391 http://arabic.irib.ir/programs/item/1391 لنقرأ أولاً هذا النص الذي نثرناه وفق الشكل الآتي: المقدمة التقريرية (بنا اهتديتم في الظلماء، وتسنمتم ذروة العلياء، وبنا أفجرتم عن السرار). النص الفني (وقر سمع لم يفقه الواعية، وكيف يراعي النبأة من أصمته الصيحة!! ربط جنان، لم يفارقه الخفقان، ما زلت انتظر بكم عواقب الغدر، واتوسمكم بحلية المغترين، حتى سترني عنكم جلبات الدين، وبصرنيكم صدق النية، أقمت لكم على سنن الحق في جواد المضلة، حيث تلتقون لا دليل، وتحتفرون ولا تميهون. اليوم أنطق لكم العجماء ذات البيان. عزب رأي امرىء تخلف عني، ما شككت في الحق مذ أريته، لم يوجس موسى (عليه السلام) خيفة على نفسه، بل أشفق من غلبة الجهال، ودول الضلال. اليوم تواقفنا على سبيل الحق والباطل. من وثق بماء لم يظمأ). (3) أمامنا الآن نص فني تفرد به الامام (عليه السلام) من حيث النوع الادبي الذي ينتسب اليه هذا النص... وبالرغم من أن النتاج الأدبي المعاصر يألف شكلاً فنياً يصطلح عليه بـ(قصيدة النثر) وهو شكل فني يعد أحدث الصياغات التي انتهى اليها الشعر الحديث الذي بدأ بالتحرر من القصيدة العمودية الى ما يسمي بـ (الشعر المنثور) الذي اقتبسه العرب من الأوربيين في القرن الماضي، الى انبثاق ما يسمى بـ(الشعر الحر) الذي اقتبسه العرب من الأوربيين ايضاً في منتصف القرن الحالي ذي القرن العشرين، الى انبثاق ما يسمى بـ (قصيدة النثر) التي اقتبسها العرب من الأوربيين أيضاً بعد الحرب العالمية الأخيرة. حيث يعد هذا اللون من الشعر المتحرر من (الوزن) أيضاً قمة ما وصلت اليه التقنية الشعرية المعاصرة: حيث يعوض عن الايقاع الجاري بـ(ايقاع داخلي)، وحيث تصاغ العبارة بنحو مضغوط ومنتقى، وحيث تصاغ الفكرة وفق رموز مكثفة مركزة... كل اولئك يمكن ان يتبينه الملاحظ الادبي: حينما يقف عند النص الذي قدمه الامام علي (عليه السلام): فهو مقسم الى مقاطع متفرقة...، كل مقطع يتناول فكرة مركزة، ... كل مقطع تنتظمه صورتان او ثلاث... كل صورة تصاغ وفق عبارة مضغوطة منتقاة ... كل عبارة مشحونة بـ (رموز) و(استدلالات) و(تضمينات) مكثفة... كل قسم يوحي وكأنه مقطع مستقل، لكنه (في الحصيلة النهائية للنص) يجسد نقاطها التي تبدأ منها وتنتهي الى‌ المركز العام الذي تصب فيه فكرة النص... ان القارىء مدعو - من جديد- الى قراءة النص المتقدم، فيما شحنه الامام علي (عليه السلام) بحصيلة استجاباته حيال تجارب الحياة النفسية والاجتماعية التي واجهها، حيث يستخلص القارىء منها: حصيلة الموقف الفلسفي للامام علي (عليه السلام) من الكون والمجتمع والانسان، وصياغة ذلك في لغة فنية تمتزج فيها (الذات والموضوع) (المرارة أو الشكوى: مع شموخ الايمان) بنحو مدهش ومثير وطريف. ******* (3) نهج البلاغة: شرح محمد عبده، دار الأندلس، ص 45، 46. ******* أدب الامام علي (عليه السلام) - 1 2006-07-15 00:00:00 2006-07-15 00:00:00 http://arabic.irib.ir/programs/item/1390 http://arabic.irib.ir/programs/item/1390 لا نبالغ اذا قلنا أن النتاج الصادر عن الامام علي (عليه السلام) يعد أفضل نتاج خبره التأريخ (فنياً، ودلالياً). وعندما نقرر هذا الكلام فلأننا - مضافاً الى ما استنطقنا من النصوص المأثورة عنه - نعتمد كلام النبي (صلى الله عليه وآله) - وهو لا ينطق عن الهوى- في وثيقته المعروفة القائلة: «انا مدينة العلم وعلي بابها» (1). هذا النص التقويمي هو - اذا أخضعناه للغة الفن- (استعارة) ولكننا نعرف - كما ألمحنا الى ذلك- ان الفارق بين الأدب التشريعي (القرآن الكريم، ‌السنة‌ النبوية) وبين غيره أن الادب التشريعي حينما يلجأ الى عنصر الصورة: تشبيه، استعارة...الخ، يختلف عن الأدب العادي في ان التشبيه أو الاستعارة ‌ترتكن الى واقع وليس الى تخيل او وهم او مبالغة، فعندما يقرر القرآن الكريم ان المنفق في سبيل الله مثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، حينئذ لا مبالغة في الصورة نظراً لكون الله تعالى منزها عن تقرير غير الحق، كذلك ما يقرره النبي (صلى الله عليه وآله) - وهو معصوم من الخطأ- لا يبالغ في تقريره لحقيقة ما... فعندما يقول (صلى الله عليه وآله): «من عد غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت» فانه لم يبالغ في ذلك مادام المرء يتعين عليه أن يحيا فكرة الموت وأن يعد له الزاد الذي يتناسب مع هذه الحقيقة، وحينئذ فان احياء فكرة الموت هي: صحبة بالفعل، فاذا لم يعد الغد من أجله فقد أساء هذه الصحبة وحينئذ لا مبالغة في هذه الاستعارة، بل هي الحقيقة ذاتها. والآن حين نتجه الى الاستعارة القائلة (أنا مدينة العلم وعلي بابها)(2) نجد أن هذه الاستعارة تجسد الحقيقة دون مبالغة أيضاً، مادام كلام النبي (صلى الله عليه وآله) معصوماً من الباطل... واذا كان من وظيفة مورخ الادب ان يضع النصوص التي يدرسها في نطاقها التاريخي، حينئذ نجد أن الوثيقة النبوية القائلة (أنا مدينة العلم وعلي بابها) تشكل خلفية «تاريخية» ينبغي أن نستند الى محتوياتها عند دراستنا لأدب الامام علي (عليه السلام)... ان كونه (صلى الله عليه وآله) (مدينة) للعلم يعني أن الله تعالى «الهمه المعرفة» التي لم يلهمها أحداً من البشر سواه حيث حصرها في (مدينة) تابعة‌ له (صلى الله عليه وآله)، وأما كون علي هو (باب المدينة) يعني أن المعرفة التي ألهمها الله للنبي (صلى الله عليه وآله) لا يمكن أن يتعرف عليها احد الا من خلال علي (عليه السلام) لأنه الباب الذي يفضي الى دخول المدينة وهذا- يعني أيضاً- ان علياً (عليه السلام) هو الذي يتكفل ببيان ما الهمه الله تعالى للنبي (صلى الله عليه وآله): حيث اوصل النبي (صلى الله عليه وآله) هذه المعرفة الى علي (عليه السلام) وجعله لساناً رسمياً يتكلم نيابة عنه، مما يفسر لنا واحداً من أهم الاسباب التي جعلت النتاج الذي قدمه علي (عليه السلام) ينطوي على طرح يجمله (صلى الله عليه وآله) ويفصله (عليه السلام)، أو يسكت عنه (صلى الله عليه وآله) ويتركه لعلي (عليه السلام) بأن يضطلع بتقريره وتوصيله الى الآخرين... إذن: عندما نقول بان ادب الامام علي (عليه السلام) يجسد أفضل نتاج عرفه تاريخ الأدب، حينئذ لا نبالغ في تقرير هذه الحقيقة التي ينبغي لمورخ الأدب أن يعيها كل الوعي: اذا كان مستهدفاً دراسة تاريخ الأدب بلغة موضوعية تفرضها عليه وظيفته العلمية... وفي ضوء هذه الحقيقة نتقدم بعرض سريع لأدب الامام علي (عليه السلام) بنحو يتناسب وحجم هذه الدراسة.... إن اهمية النتاج الذي قدمه الامام علي (عليه السلام) تتمثل في المستويين الفكري والفني. أما الفني فيكفي أن يطلق على نتاجه - في المختارات التي انتخبها الشريف الرضي- اسم (نهج البلاغة) أي: النموذج او المعايير أو القواعد أو الطرائق التي تجسد ما هو (فني) أو (بلاغي) من التعبير،‌ وهذا يعني أن الامام (عليه السلام) قدم (النموذج) للفن وان ما عداه من النتاج العام هو: دونه أو تقليد له... واما الفكري منه، فيكفي أن نعود الى وثيقة النبي (صلى الله عليه وآله) لنعرف أنه حصيلة ما اودعه (صلى الله عليه وآله) من المعرفة لدى الامام (عليه السلام)، وهو أمر يمكن ان يلاحظه مورخ الادب حينما يجد أنه حيال (فكر) متميز يستبق عصره ويتجاوزها الى التخوم التي لا يزال بعضها مجهولاً حتى في حياتنا المعاصرة... لقد تحدث الامام (عليه السلام) عن المعرفة‌ بنمطيها: المعرفة الانسانية والمعرفة الطبيعية والبحتة، فتحدث عن نشأة الكون وظواهره المختلفة من سماء وارض وكواكب وملائكة وبشر وحيوان الخ، وسائر ما يرتبط بالمعرفة الطبيعية والبحتة. وتحدث عن النفس والتربية والاقتصاد والسياسة والتاريخ والاجتماع وسائر ما يرتبط بالمعرفة الانسانية... ومعلوم ان الحديث عن الظاهرة العلمية: انسانية كانت ذو طبيعية أو بحتة يتم عادة بلغة تقريرية، الا انه (عليه السلام) كتبها بلغة فنية تتوسل بالصوت والصورة وسائر الادوات الجمالية: في أرفع مستوياتها، مما جعل النتاج المأثور عنه (عليه السلام) مطبوعاً بسمتي المعرفة والفن، ومن ثم جعل هذا النتاج مطبوعاً بما هو نموذجي متميز بحيث يعكس آثاره على النتاج الذي تشهده العصور الأدبية اللاحقة، حتى أنه لا يكاد خطيب أو كاتب أو مفكر بنحو عام يتخلص من تأثير هذه الانعكاسات الأدبية والفكرية كما سنشير الى ذلك في حينه. وأهمية هذا التأثير أو الانعكاس تتمثل في أن النتاج (فكرياً) لا طرح مماثل له في الميدان العلمي عصرئذ حيث ان الازدهار العلمي بدأ بعد اكثر من مائة سنة من عصر الامام (عليه السلام)، كما أن اللغة الفنية التي استخدمها (عليه السلام) كانت مكثفة بشكل يحولها الى لغة جمالية محضة تغرق في غابة من الصور التشبيهية والتمثيلية والاستعارية والرمزية والاستدلالية والتضمينية الخ، وتحشد بايقاعات هائلة تتناول كل مفردة ومركبة حتى لا تكاد تجد من بين آلاف المفردات والتراكيب مفردة أو تركيباً خالياً من ايقاع ملحوظ... فضلاً عما يواكب ذلك كله من الادوات اللفظية والبنائية التي تحفل بما هو مدهش ومثير: في مختلف مستوياتها... والمهم بعد ذلك ان نصنف هذا النتاج الى أشكال متنوعة من التعبير الفني، يمكن درجها ضمن ما يلي: الخطبة، الرسالة، الخاطرة، المقالة، الدعاء، الزيارة، الحديث، المقابلة، المحاورة، الملاحظة. لكن قبل أن نتحدث عن هذه الأشكال الأدبية ينبغي أن نعرض شكلاً فنياً، نحسب أن الامام علياً (عليه السلام) قد تفرد بصياغته بحيث يمكن أن نقول بأن هذا الشكل لم يستبق زمنه فحسب، بل قد استبق حياتنا الأدبية المعاصرة أيضاً، وعبرها الى جيل لم تتحد هويته الأدبية بعد.. ولنقف عند هذا النص: ******* (1) في اكثر مصادر اهل العامة (السنة) والامامية. (2) الغدير: ج 6، ص 79. *******